تأليف
عبد الله عمّار الحموي
فهرس المحتويات :
الفصل الأول: الحاجة إلى التدبير
الحاجة إلى التَّدْبير
من آثار حُسن التَّدْبير
من عواقب سوء التَّدْبير
مفهوما التدبير والمعيشة
التَّدْبير في القرآن والسنّة
الفصل الثاني: استراتيجية للحياة الطيبة
استراتيجيّة للحياة الطيِّبة
أوّلًا: نَظْم الأمْرِ
ثانيًا: العمل والسعي الحثيث
ثالثًا: استثمارُ المالِ تمامُ المروءَةِ
آياتٌ قرآنيّة مشجِّعة على الاستثمار
آثار شريفة مشجِّعة على الاستثمار
فوائد من نتاج الاستثمار
رابعًا: عملية الرقابة والإشراف
الرقابة على الإنفاق
خامسًا: المشورة في الأمر
1. حد المشورة
2. الفرق بين الشورى والمشورة
3. المشورة في العائلة
4. من فوائد المشورة
5. من عواقب الاستبداد بالرّأي
6. اتّخاذ القرار بعد المشورة
سادسًا: ضرورة الحزم في اتّخاذ القرار
1. من لوازم اتّخاذ القرار الصحيح
2. أنواع القرارات
سابعًا: الأولويّة في الإنفاق
1- أقسام الإنفاق
2- عملية تدوين النفقات
ثامنًا: التّخطيط لشؤون العائلة
أقسام التّخطيط
الفصل الثالث: أكمل طرق التدبير
أوّلًا: الدخل
مصادر الدخل
أ. تعيين حدّ للدخل
التحديد النوعي للدخل
أقسام الدخل
من وسائل رفع مستوى الدخل
ثانيًا: الاستهلاك
1. أهمّيّة الاستهلاك في مفهوم الِاقْتِصَاد
2. قواعد الاستهلاك الأمثل في الإسلام
أ. وجوب البعد عن الإسْراف
من أسباب حرمة الإسْراف
معيار حقيقة الإسْراف
نسبيّة الإنفاق
ب. وجوب البعد عن التَّبْذِير
من مصاديق الإسْراف والتَّبْذِير
الفرق بين الإسْراف والتَّبْذِير
من عواقب الإسْراف والتَّبْذِير
النهي عن اتّباع المسرفين
ت. ذمّ البخل والتقتير
ضرورة البعد عن الإفراط في التجمُّل
الآثار السلبية لحياة المترفين المتجملين
ث. وجوب مراعاة الاعتدال
القَصدُ يذهب بالإسْراف والتَّقتير
ج. ساحة القناعة
ح. الإنفاق في المعروف ومساعدة الفقراء
استفادة الفقراء من الأغنياء
3. النزعة الاستهلاكيّة المفرطة
أ. من أسباب النزعة الاستهلاكيّة
1. حُبّ التنافس
2. حُب الأثرياء لحياة البذخ
3. الآفات الثقافيّة
4. النظام التعليميّ
5. الدعايات ووسائل الإعلام
ب. العواقب السيئة لشره الاستهلاك
ت. المعيار الأنسب في الاستهلاك
ث. استهلاك الثروة وفق مصالح النظام الإسلاميّ
ج. ضرورة التصدّي لشره الاستهلاك المُفرِط
ثالثًا: الادّخار
1. أهمّيّة الادّخار
2. أنواع التوفير والادّخار
أ. الادّخار والتوفير الممدوح
التدبير وخدمة المجتمع
ب. الادّخار والاكتناز المذموم
3. الأسلوب الأمثل في حفظ المال المدّخر
الفصل الرابع: نتائج حسن التدبير، وعواقب سوء التدبير
أوّلًا: النتائج الحميدة لحُسن التَّدبير
1. التنعُّم بحياةٍ مثاليّةٍ
2. العائلة الصغيرة
3. نمو الإنتاج وارتفاع مستوى الدخل
4. الأمان من النّدم
5. ارتفاع مستوى الادّخار والاستثمار
6- التنميّة الِاقْتِصَاديّة
7- الحفاظ على عزة النَّفْس
ثانيًا: عواقب وخيمة لسوء التَّدْبير
أ. الفقر والحرمان
ب. ابتلاء الإنسان بالتَّبذِير
ثالثًا: التبعيّة للغير
أ. هدر الطاقات الفرديّة والاجتماعيّة
ب. الشعور بالنقص
ت. مسخ الثقافة الوطنيّة
ث. العبوديّة
ج. إهدار المال
مقدّمة المركز
الحمد للّه ربّ العالمين، وصلّى الله على سيّدنا محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) وآله الطاهرين(عليهم السلام)، وبعد...
الحياة الطيِّبة هي الوضعيّة المنشودة لحياة البشر؛ في الأبعاد الإيمانيّة، والاجتماعيّة، والسياسيّة، والاقتصاديّة، والجهاديّة، والجسميّة، والبيئيّة، والجماليّة، والعلميّة، والإداريّة. ووفقًا لرؤيتنا الإسلاميّة لا مجال لفصل الحياة الطيِّبة بأبعادها ومراتبها كافّة عن الإيمان والعمل الصالح الوارد في عدّة آيات في القرآن الكريم على نحو التلازم، قال الله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النحل: 97). فالإحياء هنا بمعنى إلقاء الحياة في الشيء وإفاضتها عليه، وفيها دلالة على أنّ الله سبحانه يكرّم المؤمن الذي يعمل صالحًا بحياة جديدة غير ما يشاركه سائر الناس من الحياة العامّة، وما في الآية من طيب الحياة يلازم طيب أثرها وهو القدرة والشعور المتفرّع عليهما الأعمال الصالحة.
إذًا «الحياة الطيِّبة» في هذه الدنيا هي النتاج الطبيعي للعمل الصالح النابع من الإِيمان، أيْ أنّ المجتمع البشري سيعيش حينها حياةً هادئةً مطمئنةً ملؤها الرفاه والسلم والمحبّة والتعاون، وفي أمان من الآلام الناتجة عن الإِستكبار والظلم والطغيان وعبادة الأهواء والأنانية التي تملأ الدنيا ظلامًا وظلامات[1].
وتتأكّد أهمية التربية على نمط الحياة الإسلاميّة بسعة التشريعات والقيم الإسلاميّة، لهذا فهي إضافة للتربية على البعد الإيماني التربوي، حيث العمل على تربية شخصيّة الإنسان وبناؤه في الجوانب العقائديّة والإيمانيّة والعباديّة والروحيّة، تبرز الأهميّة للتربية في البعدين السلوكي الفردي والاجتماعي، حيث التربية على الحياة الأسريّة والاجتماعيّة الإسلاميّة، ويتحمّل المسؤوليّة المجتمعيّة في ضوئها. وفي التربية على ثقافة التدبير المعيشي، واتقان العمل، والسعي للكسب الحلال...، وأصول وقيم التعامل مع سائر النعم والمخلوقات. بل والتصرّف في الأرض وخيراتها وفق إرادة الله تعالى، باعتبارها أمانة إلهيّة لخدمة الإنسان ورقيّه ورفاهيّته وتحقيق كماله على ضوء الإرادة الإلهيّة.
ختامًا لا شك بأنّ التزام الإنسان نمط الحياة الإسلاميّة، ومراعاته لقواعد وأصول الحياة الطيِّبة يكفلان له أعلى درجات السعادة والإطمئنان في حياته الدنيويّة، والفوز برضا الله وجزاءه الحسن في حياته الأخروية.
هذا الكتاب «التدبير في المعيشة» يعالج أحد أهم القضايا الثقافيّة ذات البعد التربوي والاجتماعي، وهي قضيّة التَّدبير في المعيشَة، ويقدّمها كعمل استراتيجي مطلوب ليصدق على حياتنا التي نحياها أنّها حياة طيبة، ولذا يفصّل الكلام في «البرامج العامّة التي يجب اتّباعها، لتسخير شتّى الأمور السياسيّة، والِاقْتِصَاديّة، والاجتماعيّة، والثقافيّة، والعسكريّة...، وغيرها، من أجل تحقيق أهدافٍ معيّنةٍ ترتبط بأهدافنا الفردية والاجتماعيّة في الحياة، وذلك بالاستناد على تراثنا الإسلامي الغني بأصوله وقواعده وتطبيقاته. حتى رُوي أنّ رجلًا قال للإمام الصادق: بلغني أنّ الِاقْتِصَاد والتَّدْبير في المعيشَة نصف الكَسْب! فقال: «لا، بَل هُو الكسبُ كلُّهُ، ومِن الدِّينِ التَّدبيرُ في المعيشَةِ»[2].
مقدّمة المؤلّف
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيّدنا ومولانا رسول الله محمّد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وبعد...
قال الله العظيم في كتابه الكريم: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (يونس: 3).
من تدبّر هذه الآية المباركة سيجد أنَّ الباري سبحانه قد وصف ذاته بالمدبّر، وذّكَرَ تعالى اسمه (المُدبر) في كتابه المجيد أربع مرات، حيث جاء بلفظ (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ)، فالتَّدْبير من الأفعال التي نسبها الله إلى ذاته العليّة، وحثّ عباده على التحلّي بصفة التَّدْبير، كونها من الصفات الربانيّة، وجاء في فرقانه الحكيم: ﴿كُونُوا رَبّانِيِّينَ﴾ (آل عمران: 79)، وكل متعاهد للقرآن الكريم بالقراءة والحفظ يعلم كثرة آياته التي شجعت الإنسان على التَّدبّر في عظمة خلق الله تعالى، وطلبت منه أن يكون مسترشدًا بهدي فِطرَته التي فَطَرهُ الله عليها، كي يستلهم من تَّدْبير خالقه الطريقةَ المثلى لتَّدْبير شؤون حياته، وباستقراء قصص الأنبِيّاء الواردة في الذكر الحكيم نجد أنَّه قد صوّر واقع التَّدْبير في حياتهم بأحسن تصوير، ولا سيّما تَّدْبير النَّبِيّ يوسف الذي جُعل أمينًا على خزائن مصر، فاستطاع تخليص أهلها من المجاعة والفقر والمشاكل، بحُسن تَّدْبيره، وتخطيطه الصحيح، حينما حلّ بهم الجدب والقحط[3].
ومعلوم على مرّ العصور أنَّ الحياة الجماعيّة لسائر المجتمعات البشريّة، قد شهدت ما يشوبها من تضارب في المصالح، وخيّمت عليها الحروب، أو سادها السلام وروح التعاون في بعض الفترات. وفي خضمّ هذه الأوضاع، نجد أنّ العقل السليم يحكُم بضرورة التَّدْبير في شؤون الحياة؛ والتفكّر في عواقب الأمور، يوصل إلى التسليم بأنَّ حُسن التَّدْبير ضرورة حياتية ملحّة، ومنهج مبارك على الناس أن تنتهجه، لترشيد أفكارهم وأعمالهم، كي يتسنّى لهم التمتّع بحياةٍ طيّبةٍ، فالتَّدْبير ذا تأثيرٍ مباشرٍ على كافّةً مجالات الحياة، ولا يختصّ بالمأكل والمشرب فقط، لأنّ تأثيره مشهودٌ على ثقافة الإنسان وميادين حياته، الاجتماعيّة، والسياسيّة، والِاقْتِصَاديّة.
وقد أكّد خَاتَم النَّبِيِّين(صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمة العترة الطاهرة(عليهم السلام) على وجوب اتّباع منهج التَّدْبير الصّحيح في المعيشَة، فالإسلام وضع برامج شاملةً لجوانب الحياة كافّةً، والصّلة فيهِ بين الدنيا والآخرة وثيقةٌ، لذلك لا يمكن إهمال القضايا التي تعدّ ضروريّةً لاستمرار الحياة في الدنيا، ومقدّمةً للحياة الأخرويّة.
ولو تَّدْبرنا في الأحاديث الشريفة التي رويت عن الأطهار الذينَ أذْهِبَ اللَّهُ عَنْهمُ الرِّجْسَ سوف لا نجد أيّ تعارضٍ بين انهماك العبد في شؤون حياته، وتوفير سُبُل مَعِيشَتَه من خلال الكَسْب والإنتاج، وبين العبادة والذِّكْر والعَمَل للحياة الآخرة. وهذه الرؤية هي المُتبنَّاة في هذا الكتاب، والآراء المطروحة فيه مستوحاة من النصوص الدينيّة حيث تمّ الرجوع فيه إلى عدةٍ من تفاسيرِ القرآنِ الكريمِ، والمصادرِ الإسلاميّة التي يمكن الاستفادة منها في موضوع حُسن التَّدْبير.
---------------------------------
[1]- الشيرازي، آية الله ناصر مكارم، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج8، ص314.
[2]- الطوسي، الشيخ محمد بن الحسن، الأمالي، ج2، ص458.
[3]- سورة يوسف، الآيات 47-49.