فهرس المحتويات

مقدمة المركز | 7

مقدمة المؤلّف | 9

الفصل الأوّل:المفهوم والمنشأ | 19

أوّلاً: ما معنى عولمة Globalization؟ | 21

ثانياً: الجذور الفكريّة والتاريخيّة للعولمة | 25

أ. عصر التنوير Enlightenment | 29

ب. عصر الحداثة modernity | 34

ت. عصر ما بعد الحداثة Postmodernism | 39

الخلاصة: مخاض العولمة | 43

ثالثاً: ولادة عصر العولمة | 46

رابعاً: عرّابو العولمة | 53

أ. فريدريك هايك Friedrich Hayek | 54

ب. ميلتون فريدمان Milton Friedman | 58

ت. جورج سوروس George Soros | 62

الفصل الثاني: مُنظّمات عصر العولمة | 69

أوّلاً: مُنظّمات اقتصاديّة | 71

أ. صندوق النقد الدولي IMF | 72

ب. مجموعة البنك الدولي WBG | 76

ت. منظّمة التجارة العالميّة WTO | 79

ثانياً: منظّمات سياسيّة | 83

ثالثاً: مُنظّمات وحركات مُعارضة | 89

رابعاً: الشركات مُتعدّدة الجنسيّات | 95

الفصل الثالث: مُنجزات العولمة | 109

أوّلاً: عَوْلمة بِطعمِ الأزمات | 111

ثانياً: عالمٌ غني يسكنه البائسون | 124

ثالثاً: الأسرة وتشكيل الهوية الجندريّة | 128

رابعاً: الاستهلاكيّة وتشيّؤ الإنسان | 138

خامساً: تكنولوجيا العولمة وإلغاء التوازنات | 147

سادسًا: منجزات إيجابيّة للعولمة | 154

الفصل الرابع: مآلات العولمة | 161

أوّلاً: تدابير العولمة المُستقبليّة | 163

أ. تسريع اندماج البلدان النامية | 165

ب. الإعلام وطمس القضايا الكبرى | 168

ت. التحوّل نحو الحداثة الغازية | 170

ثانياً: توقّعات لمآلات العولمة | 174

أ. إصلاح نظام العولمة | 175

ب. نظام اللاقطبيّة للعولمة | 179

ثالثاً: الإسلام في مواجهة العولمة | 182

الخاتمة | 193

قائمة المصادر والمراجع | 199

العتبة العباسية المقدسة المركز الاسلامي للدراسات الاستراتجية سلسلة مصطلحات معاصرة 45 العولمة المنشأ والمنجز والمآل تأليف : حيدر محمد الكعبي
هذه السلسلة تتغيا هذه السلسلة تحقيق الاهداف المعرفية التالية: أولا:الوعي بالمفاهيم واهميتها المركزية في تشكيل وتنمية المعارف والعلوم الانسانية وادراك مبانيها وغاياتها ، وبالتالي التعامل معها كضرورة للتواصل مع عالم الافكار ، والتعرف على النظريات والمناهج التي تتشكل منها الانظمة الفكرية المختلفة. ثانيا:إزالة الغموض حول الكثير من المصطلحات والمفاهيم التي غالبا ما تستعمل في غير موضعها أو يجري تفسيرها على خلاف المراد منها.لا سيما وان كثيرا من الاشكاليات المعرفية ناتجة من اضطراب الفهم في تحديد المفاهيم والوقوف على مقاصدها الحقيقة. ثالثا:بيان حقيقة ما يؤديه توظيف المفاهيم في ميادين الاحتدام الحضاري بين الشرق والغرب،وما يترتب على هذا التوظيف من آثار سلبية بفعل العولمة الثقافية والقيمية التي تتعرض لها المجتمعات العربية والاسلامية وخصوصا في الحقبة المعاصرة. رابعا:رفد المعاهد الجامعية ومراكز الابحاث والمنتديات الفكرية بعمل موسوعي جديد يحيط بنشأة المفهوم ومعناه ودلالاته الاصطلاحية ، ومجال استخداماته العلمية،فضلا عن صلاته وارتباطه بالعلوم والمعارف الأخرى. المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية

العولمة

المَنشأ والمُنجز والمآل

تأليف: حيدر محمّد الكعبي

 

(1)

الكعبي ، حيدر محمد ، مؤلف .

العولمة : المنشأ والمنجز والمآل / تاليف حيدر محمد الكعبي .-الطبعة الاولى.-النجف ، العراق .-العتبة العباسية المقدسة ، المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية ، 1444هـ . = 2022 .

214 صفحة ، 20x12 سم .-(سلسلة مصطلحات معاصرة : 45)

يتضمن ارجاعات بببليوجرافية : صفحة 199-214

ردمك : 9789922680101

1. العولمة . أ. العنوان .

LCC : JZ1318 .K33 2022

مركز الفهرسة ونظم المعلومات التابع لمكتبة ودار مخطوطات العتبة العباسية المقدسة فهرسة اثناء النشر 

(2)

الفهرس

مقدمة المركز 7

مقدمة المؤلّف 9

الفصل الأوّل:المفهوم والمنشأ 19

أوّلاً: ما معنى عولمة Globalization؟ 21

ثانياً: الجذور الفكريّة والتاريخيّة للعولمة 25

أ. عصر التنوير Enlightenment  29

ب. عصر الحداثة modernity  34

ت. عصر ما بعد الحداثة Postmodernism  39

الخلاصة: مخاض العولمة 43

ثالثاً: ولادة عصر العولمة 46

رابعاً: عرّابو العولمة 53

أ. فريدريك هايك Friedrich Hayek  54

ب. ميلتون فريدمان Milton Friedman  58

ت. جورج سوروس George Soros  62

الفصل الثاني: مُنظّمات عصر العولمة 69

أوّلاً: مُنظّمات اقتصاديّة 71

(3)

الفهرس

أ. صندوق النقد الدولي IMF 72

ب. مجموعة البنك الدولي WBG 76

ت. منظّمة التجارة العالميّة WTO 79

ثانياً: منظّمات سياسيّة 83

ثالثاً: مُنظّمات وحركات مُعارضة 89

رابعاً: الشركات مُتعدّدة الجنسيّات95

الفصل الثالث: مُنجزات العولمة 109

أوّلاً: عَوْلمة بِطعمِ الأزمات 111

ثانياً: عالمٌ غني يسكنه البائسون 124

ثالثاً: الأسرة وتشكيل الهوية الجندريّة 128

رابعاً: الاستهلاكيّة وتشيّؤ الإنسان 138

خامساً: تكنولوجيا العولمة وإلغاء التوازنات 147

سادسًا: منجزات إيجابيّة للعولمة 154

الفصل الرابع: مآلات العولمة161

أوّلاً: تدابير العولمة المُستقبليّة 163

أ. تسريع اندماج البلدان النامية 165

(4)

الفهرس

ب. الإعلام وطمس القضايا الكبرى168

ت. التحوّل نحو الحداثة الغازية170

ثانياً: توقّعات لمآلات العولمة174

أ. إصلاح نظام العولمة175

ب. نظام اللاقطبيّة للعولمة179

ثالثاً: الإسلام في مواجهة العولمة182

الخاتمة193

قائمة المصادر والمراجع199

(5)
(6)

مقدمة المركز 

تدخل هذه السلسلة التي يصدرها المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيّة في سياق منظومة معرفيّة يعكف المركز على تظهيرها، وتهدف إلى بحث  وتأصيل ونقد مفاهيم شكَّلت ولمّا تزل مرتكزاتٍ أساسيّةً في فضاء التفكير المعاصر.

وسعيًا إلى تحقيق هذا الهدف وضعت الهيئة المشرفة خارطةً شاملةً للعناية بالمصطلحات والمفاهيم الأكثر حضورًا وتداولًا وتأثيرًا في العلوم الإنسانيّة؛ ولا سيّما في حقول الفلسفة، وعلم الاجتماع، والفكر السياسي، وفلسفة الدين، والاقتصاد، وتاريخ الحضارات.

أمّا الغاية من هذا المشروع المعرفي فيمكن إجمالها بالآتي:

أوّلًا: الوعي بالمفاهيم وأهميّتها المركزيّة في تشكيل وتنمية المعارف والعلوم الإنسانيّة وإدراك مبانيها وغاياتها، وبالتالي التعامل معها كضرورةٍ للتواصل مع عالم الأفكار، والتعرُّف على النظريّات والمناهج التي تتشكّل منها الأنظمة الفكريّة المختلفة.

ثانيًا: إزالة الغموض حول الكثير من المصطلحات والمفاهيم التي غالبًا ما تستعمل في غير موضعها أو يجري تفسيرها على خلاف المراد منها. لا سيّما وأنّ كثيرًا من الإشكاليّات المعرفيّة ناتجة من اضطراب الفهم في تحديد المفاهيم والوقوف على مقاصدها الحقيقيّة.

ثالثًا: بيان حقيقة ما يؤدّيه توظيف المفاهيم في ميادين الاحتدام الحضاري بين الشرق والغرب، وما يترتّب على هذا التوظيف من آثارٍ سلبيةٍ بفعل العولمة الثقافيّة والقيميّة التي تتعرَّض لها المجتمعات العربية والإسلاميّة، وخصوصًا في الحقبة المعاصرة.

رابعًا: رفد المعاهد الجامعيّة ومراكز الأبحاث والمنتديات

(7)

الفكريّة بعملٍ موسوعيٍ جديدٍ يحيط بنشأة المفهوم ومعناه ودلالاته الاصطلاحيّة، ومجال استخداماته العلميّة، فضلًا عن صِلاته وارتباطه بالعلوم والمعارف الأخرى.

وانطلاقًا من البعد العلمي والمنهجي والتحكيمي لهذا المشروع، فقد حرص المركز على أن يشارك في إنجازه نخبةٌ من كبار الأكاديميّين والباحثين والمفكّرين من العالمين العربي والإسلامي.

* * *

هذا الكتاب (العولمة)، لا يدخل في التكرار البحثي، كأن يسعى إلى إضافة رقم جديد للمؤلّفات التي تناولت العولمة، كما أنه لا يهتمّ بالتعريف المُجرّد للمصطلح ومفهومه الأكاديمي، وإنّما يحاول أن يجمع شتات الأفكار المُعقّدة والمُتقاطعة حول العولمة ليصبّها في قالب مُنظّم واضح المعالم.

على الرغم من أنّ كثيراً من المفكّرين العرب قد أَثرَوا الساحة الفكريّة بكتاباتهم عن العولمة، إلّا أنّ هذه الكتابات لم تعمل على تحريك النقاش في المؤتمرات الفكريّة والنوادي الأدبيّة ووسائل الإعلام ومجالات الفنّ لدينا، لذا فإن مسعانا من الدخول مجدداً على هذا المفهوم فإنما من أجل أن لا يبقى غريباً على تلقيات الذهنيّة الثقافيّة الخاصّة في مجتمعاتنا.

 

والحمد لله رب العالمين
المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيّة
(8)

مقدمة المؤلف 

يُعدّ مصطلح العولمة (Globalization) من المصطلحات التي تعاني إهمالاً بيّناً على ساحة التداول الثقافي في البلدان العربيّة والإسلاميّة، بخاصّة إذا أخذنا بنظر الاعتبار أهمّيته وحساسيّته في الوقت الحاضر، وقد لمستُ ذلك شخصيّاً خلال السنوات العشرة الماضية على أقلّ تقدير.

وعلى الرغم من أنّ كثيراً من المفكّرين العرب قد أَثرَوا الساحة الفكريّة بكتاباتهم عن العولمة، إلّا أنّ هذه الكتابات لم تعمل على تحريك النقاش في المؤتمرات الفكريّة والنوادي الأدبيّة ووسائل الإعلام ومجالات الفنّ لدينا، فبقي هذا المصطلح غريباً على الذهنيّة الثقافيّة الخاصّة في مجتمعاتنا بشكل عام.

ومن المفارقة أن يكون المسؤول الأوّل عن ذلك هو العولمة ذاتها؛ لأنّ من أهمّ السمات الثقافيّة لعصر العولمة هي إشغال التفكير بما هو جزئي وسطحي، ولفت الأنظار بعيداً عن الأسباب الأساسيّة التي تصنع الوقائع، وسوف نرى في أثناء هذا الكتاب أنّ هذه السمة -سمة الاهتمام بما هو جزئي وسطحي دون ما هو كلّي ومهمّ- تمثّل جزءاً لا يتجزّأ من ثقافة العولمة، وقطعة رئيسة من أحجيتها الكبيرة.

إنّ اختيارنا الحديث عن العولمة كمصطلح مُعاصر ينطلق من

(9)

إيماننا بأنّه يحمل أولويّة قصوى وأهمّية فائقة لا يوازيها مصطلح آخر؛ لأنّه يعبّر عن مفهوم ديناميكي شديد التطوّر يعمل على هدم وإعادة تشكيل حياة الشعوب باستمرار، ويتدخّل في خصوصيّاتهم السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة ليخلق أنماطاً جديدة، وعلى حدّ تعبير أولريش بيك: "العولمة ليست ظاهرة خارجيّة عن ظروفنا الحياتيّة، إذ هي بالأحرى تغيّر حياتنا الخاصّة، أجل إنّها الطريقة التي سنعيش بها من الآن فصاعداً"[1].

من هذه النقطة نُثبت ميزة هذا الكتاب، فهو لا يسعى إلى إضافة رقم للمؤلّفات التي تناولت العولمة، ولا يهتمّ بالتعريف المُجرّد لمصطلح العولمة ومفهومه الأكاديمي، وإنّما يحاول أن يجمع شتات الأفكار المُعقّدة والمُتقاطعة حول العولمة ليصبّها في قالب مُنظّم واضح المعالم، يُوقد في الذهنيّة العربيّة والإسلاميّة أهمّية جعله في أولويّات النقاش الفكري والثقافي، إذ نعتقد أنّ موضوع العولمة لا يليقُ أن يكون بحثاً نخبويّاً ينحصر في أروقة الجامعات، أو ترفاً فكريّاً تتحلّى به ألسُنُ المُثقّفين، إنّه موضوع يقع في صميم مشكلاتنا الكبرى التي صارت تترى بشكل تدع الحليم حيرانًا، فالعولمة تمثّل "أهمّ تغيّر طرأ على التاريخ الإنساني، وهو ما ينعكس في مجالات كثيرة ولا سيّما في مجال العلاقات الاجتماعيّة... إنّ الإنسانيّة تواجه في عصر العولمة أكثر الخطوات إنذاراً بالسوء على مدى تاريخها الطويل"[2].

(10)

إنّ العولمة بالمفهوم الشائع هي تحقيق الاندماج العالمي في شتّى الصُعُد: السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة، ولكنّها بالمفهوم العملي: تحطيم كلّ الخصوصيّات الدينيّة والقوميّة، والخضوع لإرادة قوى ليبراليّة عابرة للقارّات، تسعى وراء الأرباح الاقتصاديّة في المقام الأوّل، فجوهر العولمة رأسمالي بامتياز. وإنّ سعي الرأسماليّة الدائم نحو الأرباح يدعوها إلى كسر الحدود العالميّة بحثاً عن فرص أكبر لاستثمار الأموال، وصارت التقنيّة الحديثة هي الوسيلة الأبرز لذلك، فالمواصلات المتطوّرة مثل البواخر والطائرات والقطارات صارت تمتلك من الإمكانيّات التي تؤهّلها لتحويل كمّيات هائلة من السلع والخدمات خلال وقت قياسي جداً، كما أسهمت تكنولوجيا المعلومات مثل البثّ الفضائي والإنترنت في إيجاد تبادلات نقديّة واسعة النطاق وبكمّيات مَهولة، وساعدت على ظهور ما يسمّى باقتصاد المعرفة، الذي أسهم بدوره في تقريب المزاج الثقافي للشعوب لقبول أنماط حياة قادمة من خارج حدودها الثقافيّة، وعليه فإنّ التقنيّة الحديثة تمثّل السبب الأساس في انتشار العولمة.

من وجهة نظر وصفيّة، فإنّ العولمة تمثّل ناتجاً طبيعيّاً للتطوّر الحضاري للبشر، ولا يمكن على ضوء ذلك الحكم عليها بالسلب، بخاصّة أنّها حقّقت منجزات إيجابيّة لافتة مثل القضاء على الركود الاقتصادي، وإتاحة فرص عمل جديدة، وتوفير تكنولوجيا رخيصة تجعل الحياة أسهل لقطاعات واسعة من المواطنين، ولكن من

(11)

وجهة نظر معياريّة فلا مناصّ من الحكم عليها بالسلب، نظراً للمبدأ الذي تقوم عليه، وهو المبدأ الرأسمالي الذي لا يُلقي بالاً للجوانب المعنويّة من حياة الناس كالتضامن الاجتماعي والقيم الأخلاقيّة والعلاقات الإنسانيّة الدافئة، لأنّ جني المال بالنسبة للنظام الرأسمالي يمثّل غاية نهائيّة، ولن تتردّد الشركات مُتعدّدة الجنسيّات في استباحة خصوصيات أيّ بلد إذا ما شكّلت عقبة بوجه الخدمات والسلع التي تصدّرها إليه، كما أنّ طمع هذه الشركات في المنافسة التجاريّة المحمومة يجعلها لا تلقي بالاً للتلوّث البيئي وتردّي المناخ الذي يجعل الحياة البشريّة على حافة الهاوية، ولم يعد خافياً أنّ ارتفاع نسب الغازات الضارّة وتفاقم الاحتباس الحراري للأرض يرتبط ارتباطاً عضويّاً بعجلة الإنتاج الجشع لهذه الشركات.

ولعلّ من أبرز المظاهر السلبيّة للعولمة خضوع السياسة الدوليّة لأهداف الشركات الرأسماليّة، بحيث صار من المألوف أن تُفتعل توتّرات سياسيّة أو يتمّ إشعال حروب استنزاف بهدف تصريف بضائع هذه الشركات أو لتنشيط عملها، وبات من الطبيعي أن توجّه أقسى العقوبات الاقتصاديّة بحقّ أيّ دولة ترفض فتح حدودها لصالح الشركات مُتعدّدة الجنسيّات.

كما أنّ من أسوأ نواتج العولمة الحالي هو تفكّك الروابط الاجتماعيّة وتدحرج سعادة البشر نحو الحضيض بسبب التضليل المُمنهج الذي تقوم به وسائل الإعلام المُعولَمة في تركيزها على إشباع الحاجات الماديّة وإهمال الحاجات المعنويّة، لتحوّل

(12)

الإنسان من كائن ذي أهداف أخلاقيّة راقية إلى كائن تنحصر اهتماماته بإشباع غرائزه البدائيّة، ما يُجرّده من كلّ صبغة إنسانيّة، ويجعله فريسة للاغتراب والاكتئاب وارتكاب الجريمة.

إنّنا وبعبارة موجزة نعيش الموجة الثانية من الاستعمار الغربي للعالم، ولكنّها موجة تنطوي على حِمل كبير جداً من المخاطر مقارنة بالموجة الأولى، صحيح أنّ الاستعمار الكولونيالي قد انتهك خصوصيّات الشعوب واستنزف خيرات البلدان التي استعمرها، ولكنّه في الوقت نفسه كان يزرع حول ذاته أسلاكاً شائكة تقيّده بسبب اعتماده على القوّة الخشنة، فهو يخلق في نفوس الشعوب التي يستعمرها كراهية ورفضاً يتجلّيان في كثير من الأحيان بالمقاومة الفكريّة والثورات المُسلّحة، أمّا استعمار العولمة فإنّه يعتمد على القوّة الناعمة، إذ يتمّ استنزاف خيرات البلدان من دون أن تُسال قطرة دم واحدة، وحيث تُنتهك خيرات الشعوب وهي تقبل بذلك عن طيب خاطر.

وعلى الرغم من أنّ العولمة تُعرف بأنّها تعمل على تحويل العالم إلى قرية واحدة، إلّا أنّها في الحقيقة تفتّت العالم وتزيد انقساماته، وعلى حدّ تعبير أورليش بيك: إنّ العولمة لا تعني الدولة العالميّة، وإنّما تعني مجتمعاً عالميّاً من دون حكومة عالميّة، بل هنالك رأسماليّة شاملة مُختلّة النظام تأخذ في الاتساع، فليست هناك قوّة مهيمنة وليس هناك نظام عالميّ.. لا اقتصادي ولا سياسي[1] ، وبهذا

(13)

المعنى فإنّ العولمة تزعزع توازن الأنظمة بحيث تنتهي بها إلى إحداث فوضى، وتُوجد نظاماً دوليّاً متأرجحاً يسوده التخبّط، لأنّ المنتظم أصبح بلا رادع أو قيد بسبب الانتشار غير المنظّم للسلطة والقوّة والمسؤوليّة[1].

لقد عملت العولمة على تحوّل المجتمعات البشريّة -في البلدان النامية بشكل خاصّ- إلى فئات منقسمة بشكل مُتمايز من مُنتجين ومُستهلكين، ورابحين وخاسرين، وسلاطين وعبيد، وقتلة وضحايا، وما يبعث على الأسى أكثر أنّ اختيار الانتماء لأحد هذه الفئات لن يكون باختيار الأفراد أنفسهم، وإنّما باختيار الشركات مُتعدّدة الجنسيّات وسماسرتها.

لو فرضنا أنّ حكومة في بلد من البلدان النامية قرّرت التمسّك بسياسة اقتصاديّة مُستقلّة تتمثّل بالاعتماد على إنتاجها القومي، فإنّ هذا القرار سيكون مزعجاً للشركات مُتعدّدة الجنسيّات بالتأكيد؛ لأنّه سيفقدها فرصة ذهبيّة لإطلاق استثماراتها في هذا البلد أوّلاً، وثانياً لأنّ هذه الحكومة لو نجحت في سياستها الاقتصاديّة المُستقلّة هذه، فسوف يُمثّل ذلك أنموذجاً يُحتذى به من قبل دول أخرى تطمح في الحفاظ على سيادتها واستقلالها الاقتصادي، ولهذا يُقرّر مديرو الشركات بوجوب تنازل هذه الحكومة عن سياستها الاقتصاديّة، فيتحرّكون للضغط على الحكومات الكبرى والمنظّمات الدوليّة

(14)

لاستصدار قرارات تلفّق التهم لتلك الحكومة وتشوّه سمعتها وتجعلها في حرج أمام شعبها والعالم، وعادة ما ينتهي ذلك إلى استخدام الحصار الاقتصادي، وقد يستدعي التدخّل المسلّح بهدف دفع تلك الحكومة إلى الرضوخ أمام الإرادة الدوليّة، فإذا تمّ إخضاعها فإنّ الشركات مُتعدّدة الجنسيّات سوف تبدأ عملها أوّلاً بمدّ جسور التواصل مع السياسيين والنافذين داخل تلك الدولة لتحوّلهم إلى سماسرة يعملون لصالحها، فيُسهّلون دخول منتجاتها ويستصدرون قوانين تدعم نشاطها، ولا بدّ أنّ الشركات مُتعدّدة الجنسيّات سوف تكافئهم على خدماتهم الجليلة فتجعلهم يلتحقون بفئة (الرابحين).

 وعندما تغرق أسواق ذلك البلد ببضائع الشركات مُتعدّدة الجنسيّات، فسينتهي كلّ أمل بقدرة السوق المحليّة على البقاء في حلبة المنافسة؛ لأنّ لدى تلك الشركات الخبرة والكفاءة لإنتاج أفضل السلع بأرخص الأسعار، وتحتكر الأبحاث العلميّة والتكنولوجيا المتقدّمة في هذا الصدد، وبذلك تُفلس المصانع الوطنيّة وتندثر المهن والحرف الأهليّة، وتبدأ قطاعات كبيرة من الشعب بالدخول في فئة (الخاسرين).

وعندما تلمس الشركات مُتعدّدة الجنسيّات أنّ في تلك الدولة ثقافة قيميّة تُعرقل إقبال الناس على شراء المزيد من بضائعها، فإنّها ستعمد إلى إنشاء موجة إعلاميّة صاخبة تكتسح عقول الشعب بطرائق تسويقيّة ذكيّة لنشر ثقافة الاستهلاك بينهم، بحيث تجعلهم يميلون نحو حياة المُتع الماديّة والبضائع الكماليّة، لتدخل قطاعات

(15)

واسعة منهم في فئة (المستهلكين) الذين يتلهّفون لكلّ جديد تطرحه فئة (المُنتجين) من هذه الشركات.

وعندما يُقبل الشعب على الاستهلاك، ولا يجد في المهن والحرف الأهليّة ما يسدّ الرمق، فإنّ الإقبال على الوظائف الإداريّة سوف يزداد، وإنّ الشركات مُتعدّدة الجنسيّات تعلم ذلك وتشجّع عليه، وتُوحي إلى سماسرتها بضرورة التركيز على أسلوب الدخل هذا في بلدهم، فهذه الوظائف لا تُنتج سِلعاً مُنافسة لبضائعها، وتجعل الدولة تعتمد على الاقتصاد الريعي الذي يستنزف الموارد من دون إنتاج اقتصاد مُستدام.

وحيث إنّ الوظائف الإداريّة محدودة ولا تتّسع حاجتها فعلياً إلى كلّ الفئات القادرة على العمل، فسوف تتحوّل غالباً إلى بطالة مُقنّعة، إذ تستقبل الدوائر موظّفين لا يجدون شيئاً ذا قيمة لإنجازه، وذلك بطبيعة الحال سوف يُفقدهم الإحساس بالجدوى، ويُدخلهم في دوّامة الروتين الذي يلزمهم بتحمّل الضغط النفسي الهائل بدافع تأمين مصدر القوت، وبذلك تتحوّل قطاعات واسعة من المجتمع إلى فئة (عبيد) لمديري المؤسّسات البيروقراطيّة، وهؤلاء يتحوّلون إلى (سادة) يجلدونهم بقرارات روتينيّة، ويجبرونهم على تحمّل ألمها حفاظاً على لقمة العيش.

ولا تنحصر العبوديّة في المؤسّسات البيروقراطيّة للدولة، بل إنّها في الشركات الرأسماليّة أكثر تمثيلاً، فاندثار المهن المحليّة

(16)

وامتلاء الوظائف الحكوميّة في البلدان النامية سوف يجعل العمالة تتهافت على خطوط الإنتاج في الشركات العابرة للقارّات للعمل فيها بأبخس الأثمان، لذا صرنا نشاهد صوراً مُحزنة لخطوط طويلة من العمال -يتكوّنون غالباً من النساء والأطفال- يعملون لساعات طويلة في بيئات عمل غير آمنة، وهم مجبرون على تحمّل سياط الرأسماليين، إذ لم يبقَ من بديل يسدّ الرَمَق في مشاهد تُعيد للذهن صور تجارة العبيد عبر الأطلنطي.

ولا ينتهي الحال عند هذا الحدّ، فمن المعلوم أنّ ثقافة الاستهلاك إذا عمّت في بلد من البلدان فسوف تستهلك موارده الطبيعيّة بنَهم، وتُكدّس بالمقابل أطناناً لا حصر لها من المُخلّفات التي لا يُعاد تدويرها بشكل سليم، كتلوّث التربة والهواء والماء، بخاصّة أنّ هذه المُخلّفات تحتوي على نسب عالية من المواد البتروكيمياويّة -مثل البلاستيك- التي ينتج عنها نفايات قذرة ترفع من نسب الإصابة بأمراض خطيرة كالسرطان والعقم، ولا بأس بذلك إن لم يكن مرغوباً فيه بشدّة، إذ هي فرصة ثمينة لتصريف بضائع شركات الأدوية في ذلك البلد، إذ تقدّم خدماتها للقادرين على دفع المبالغ الضخمة لاستعادة صحّتهم المهدورة، وبذلك سيدخل القطاع الأكبر من الشعب ضمن فئة (الضحايا) بعد أن مارست الشركات مُتعدّدة الجنسيّات دور (القَتلة) بحقّهم.

إنّ هذه الصور المُحزنة ليست محض خيال، بل هي مُنتزعة من واقع أكثر كآبة، ففي أمريكا اللاتينيّة وشرق آسيا وأفريقيا والشرق

(17)

الأوسط، هنالك دول نامية يتمّ تطبيق هذه الخطة الجهنميّة فيها بأبشع الصور، وما يزيد الأمر سوءاً عدم وجود جهات واضحة يمكن توجيه التُهم بحقّها.

إذاً فنظام العولمة يتدخّل في كلِّ شأن من شؤون حياتنا، ابتداء من أكبر كيان يتمثّل بالحكومة ودوائرها الأمنيّة والخدميّة إلى أصغر كيان يتمثّل بالعائلة وركائزها الماديّة والمعنويّة، ومع أنّ العولمة قد بلغت حدّاً من الاستفحال بحيث صار من المستحيل ترسيم حدود فاصلة بين ما هو عام وبين ما هو خاصّ على الصعيد السياسي والاقتصادي، ولكنّه لا يزال ممكناً على الصعيد الثقافي، بل هو ضروري جدّاً؛ لأنّ الثقافة الاجتماعيّة هي آخر المعاقل التي نُعوّل عليها في إيقاف النتائج السلبيّة للعولمة، فمع تراجع سيطرة الدول على امتلاك الحريّة في قرارها السيادي، يبقى القرار الجماهيري هو الفاعل وعليه المعوّل في إيقاف المدّ الرأسمالي البشع الذي يهدم بمعاوله كلّ أمل للأجيال المستقبليّة بالعيش في حياة هانئة ومستقرّة، وذلك ما لخّصه عالم الاجتماع ليسلي سكيلر بقوله: إنّ الثقافات المضادّة الوحيدة التي تمثّل فعلاً تهديداً للاستهلاكيّة الرأسماليّة العالميّة في الوقت الحاضر هي الأصوليّة الدينيّة، بالذات الإسلاميّة.

(18)

 

 

 

 

 

الفصل الأوّل

المفهوم والمنشأ

(19)
(20)

الفصل الأوّل: المفهوم والمنشأ

أوّلاً: ما معنى عولمة Globalization؟

يعود الجذر اللغوي لكلمة عولمة (Globalization) إلى اسمGlobe باللغة الإنجليزيّة، وقد تمّ تصريفها إلى صفة Global، ثمّ تحويل الصفة إلى فعل Globalize، وأخيراً إعادة الفعل إلى عالم الأسماء ليكون المصطلح النهائي هو: Globalization.

وتتبع الترجمة العربيّة للمصطلح ذات الخطوات التي اتبعها التصريف الإنجليزي، وذلك لكونه مصطلحاً مُستحدثاً لا يوجد له نظير أصيل في اللغة العربيّة، لذا تمّ اشتقاق صفة (عالمي) من الكلمة الأساسيّة (عالَم)، ثمّ تحويل الصفة إلى فعل فأصبحت (يُعولِم)، ثمّ اشتقاق اسم (عولمة) من الفعل لتكون اسماً مترجماً حرفيّاً للمصطلح الإنجليزي Globalization.

طبعاً فإنّ عمليّة الاشتقاق والتحويل تستبطن معنى يُعبّر عن حدوث ظاهرة لم تكن موجودة سابقاً، ممّا يتطلّب من مُشرّع اللغة وضع مُصطلح يتناسب وهذه الظاهرة المُستجدّة، وبعبارة أخرى: إنّ ظاهرة العولمة لا تنفكّ عن حدوث شيء تمّ افتعاله عن تخطيط وقصد، لذا فإنّ اسم (عالم Globe) وصفة (عالمي Global) لن تفيان بالغرض المطلوب للتعبير عن هذه الظاهرة.

هذا ويعود الجذر التاريخي لمصطلح (Globalization) إلى الكلمة اللاتينيّة Globus والتي تعني (الكرة الأرضيّة)، وذلك ما يميّز المصطلح عن كلمة (كوني cosmic) أو كلمة (شامل universal)،

(21)

فالمصطلح يعبّر بشكل دقيق عن ظاهرة لا تتجاوز بشموليتها كوكب الأرض الذي يسكنه البشر، وتتعلّق بأهداف عمليّة مرتبطة بحياة الشعوب، وليست ذات بعد فلسفي يدور في أذهان المفكّرين فقط.

وبحسب قاموس merriam-webster فإنّ أوّل استخدام معروف لكلمة Globalization كان في العام 1930 للتعبير عن «تطوير اقتصاد عالمي متكامل بشكل متزايد يتميّز بشكل خاصّ بالتجارة الحرّة والتدفّق الحرّ لرأس المال، والاستفادة من أسواق العمل الأجنبيّة الأرخص ثمناً»[1].

ولكن من المهمّ الإشارة إلى أنّه ليس بالضرورة أن يبقى هذا التعريف للمصطلح سارياً على طول الخط، لأنّ تحوّلات كبيرة طرأت على ظاهرة انفتاح الأسواق والتجارة الحرّة، ما يعني أنّ هنالك دلالات جديدة للمصطلح آخذة بالبروز تبعاً لذلك.

وبعبارة أخرى: إنّ هنالك تطوّرات كثيرة طرأت على واقع العولمة منذ بواكير ظهورها، فمعنى العولمة الذي انبثق بعد الحرب العالميّة الثانية بات يختلف بشكل جليّ عن المعنى الذي انبثق في سبعينيّات القرن العشرين، ما يعني أنّ هنالك تحوّلات سريعة في دلالة المصطلح تناظر السرعة التي أحدثتها العولمة في المجالات السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة على المستوى العالمي.

ولعلّ ذلك ما دفع عالم الاجتماع الألماني أورليش بيك إلى وصف كلمة العولمة بأنّها «الكلمة الشعار والجدل الأكثر استعمالاً

(22)

والأسوأ استعمالاً والأقلّ تحديداً، ولعلّها الأكثر تعرّضاً لسوء الفهم والأكثر غموضاً والأبعد أثراً في السنوات الماضية، وستكون كذلك في السنوات القادمة أيضاً»[1].

لذا، ومن أجل تحديد تعريف يلائم المعنى الراهن لمصطلح العولمة، لا مناصّ من النظر إلى التحوّلات التاريخيّة التي مرّت بها الظاهرة وصولاً إلى حالتها الراهنة، فمنذ العام 1930 وحتّى نهاية الحرب العالميّة الثانية عام 1944 شهد العالم انفتاحاً تجاريّاً مُقنّناً من قبل حكومات الدول مع تأسيس منظّمات دوليّة تعنى بتنظيم العلاقات الاقتصاديّة والسياسيّة بين البلدان، أهمّها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وقد استمرّ هذا الحال حتّى عقد السبعينيّات الذي شهد حالة من الأزمات الاقتصاديّة الكبيرة التي أفضت إلى بروز النيوليبراليّة كنظريّة اقتصاديّة مستوحاة من الليبراليّة الكلاسيكيّة، بحيث جاءت لتفرض قيوداً جديدة على دور الدولة في علاقتها بالسوق، وتفسح المجال للشركات الرأسماليّة للانطلاق بقوّة، وشهد عقد الثمانينيّات التطبيق العملي لهذه النظريّة في أمريكا وبريطانيا مع صعود حزب المحافظين (بقيادة ريغان وتاتشر)، ولكنّ الأمر بقي محصوراً على نطاق ضيّق، ولم تتخذ العولمة صورتها القريبة من الوضع الحالي إلّا مطلع التسعينيّات مع انهيار الاتحاد السوفييتي، وسقوط جدار برلين، والإعلان عن ميلاد نظام دولي وحيد القطبيّة بزعامة الولايات المتّحدة الأمريكيّة.

ومع حلول منتصف التسعينيّات من القرن العشرين تمّ استكمال

(23)

مؤسّسات العولمة بإقامة منظّمة التجارة الدوليّة، كما اتسع دور وأهمّية المؤسّسات الماليّة، وحصل تقدّم هائل في ميدان الاتصالات والمعلوماتيّة، ممّا أسهم في زيادة وسرعة تداول المعلومات ورؤوس الأموال، وتصاعدت حمّى المضاربات في العملة، واتسع نطاق الاستثمارات غير المباشرة، كما تصاعد النشاط الائتماني، وغالت الولايات المتّحدة في استخدام نفوذ عملتها الدولاريّة بالمزيد من الإصدارات النقديّة دون غطاء[1].

على هذا الأساس، فإنّ مصطلح العولمة أخذ يتبلور على أساس ركيزتين رئيستين هما: التكنولوجيا الحديثة والليبراليّة، وقد عبّر عن آليّة ذلك الكاتب مارتن وولف في صحيفة الفاينانشال تايمز قائلاً: «تقوم التكنولوجيا بجعل العولمة مُمكنة، أمّا اللّبْرَلَة (إشاعة الليبراليّة) فتمكّنها من التحقّق»[2].

هذا وإنّ تكنولوجيا الاتصال الحديثة والنسخة الجديدة من الليبراليّة لا بدّ من أن تعمل على هدم قوّة الحكومات القوميّة وإضعاف سيطرتها، فالإعلام والاقتصاد يمثّلان ركيزتين من أهمّ الركائز التي تحفظ للحكومة القوميّة سيادتها وسيطرتها، وهاتان الركيزتان صارتا تُصدّران إلى العالم من الخارج، وهما مُعبّأتان بإيدولوجيّة اقتصاديّة تؤدّي إلى إضعاف قوّة الحكومات لصالح الأسواق الحرّة. 

(24)

ممّا تقدّم نقترح بأن يكون تعريف العولمة Globalization الحالي بأنّها: اتجاه نيوليبرالي يهدف إلى إخضاع بلدان العالم لنظام سياسي وثقافي موحّد يُلبّي مصالح الشركات مُتعدّدة الجنسيّات بعد تلاشي الحدود الجغرافيّة بفضل تكنولوجيا الاتصال الحديثة.

وبذلك نفهم أنّ العولمة تختلف عن العالميّة (Universalism) التي تعني طموحاً نحو الارتقاء بالخصوصيّة إلى مستوى عالمي، أي تفتّح العالم على ما هو عالمي وكوني، في حين أنّ العولمة تعني إقصاء لكلّ ما هو خصوصي وفرض لإرادة الهيمنة[1]، لذا فإنّنا «متى تبنّينا واقتنعنا بأنّ العولمة هي عولمة نمط معيّن من الحياة، أداتها الأساسيّة الآن هي الشركات العملاقة مُتعدّدة الجنسيّات، التي تمارس هذه العولمة بكفاءة منقطعة النظير، متى اقتنعنا بذلك أدركنا أنّ كلّ هذا الكلام الذي يصوّر العولمة على أنّها عمليّة تحرّر من مختلف صور الاستعباد هو محض خرافة»[2].

ثانياً: الجذور الفكريّة والتاريخيّة للعولمة

قبل البدء في الحديث عن الجذور الفكريّة والتاريخيّة التي نشأت منها العولمة، لا بدّ من الإشارة إلى نقطتين أساسيّتين:

الأولى: إنّ العولمة ليست مجرّد فكرة عائمة ظهرت فجأة

(25)

على الساحة الغربيّة من دون أرضيّة فكريّة مهّدت لها، وإنّ معرفة هذه الأرضيّة تشكّل جذراً أساسيّاً في سبر أغوار العولمة بشكلها المعاصر.

الثانية: إنّ للفكر الغربي التأثير الأكبر في رسم المعالم السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة للعالم، وذلك بفضل حملات الاستعمار الكولونيالي، وساعده في ذلك التطوّر التقني والطمع في استكشاف مستعمرات جديدة لأهداف سياسيّة واقتصاديّة.

من هاتين النقطتين نخلص إلى نتيجة هي: أنّ الحديث عن طبيعة التحوّلات التاريخيّة التي مرّ بها الفكر الغربي وصولاً إلى العولمة يقع في صميم الحديث عن التحوّلات الفكريّة والسياسيّة التي مرّت بها غالبية بلدان العالم المتقدّمة والنامية في تاريخها الحديث، وذلك ما يمكّننا من فهم أفضل لجذور العولمة التي تهيمن على المشهد العالمي اليوم.

وبالعودة إلى تاريخ العولمة، يرى بعض الباحثين أنّ العولمة لا تختصّ بهذا العصر، وإنّما هي تشهد بروزاً تاريخيّاً واندثاراً متكرّراً عبر التاريخ في دورات متكرّرة، وهذه الفكرة تميل إلى «دحض فكرة أنّنا نعيش الآن في عصر كوني جديد، ويوحي هذا بمعنى أصحّ بوجود عصور كونيّة أخرى في الماضي، وأنّ ما يبدو الآن عصراً كونيّاً جديداً أو ذروة هذا العصر مقدّر عليه الانكماش والاختفاء في المستقبل، وأخيراً سوف يُستبدل هذا أيضاً بدورة جديدة في

(26)

سيرورة العولمة»، في حين يرى ثيربورن[1] وجود ستّ فترات متتابعة كبرى للعولمة لكلّ منها منشأ محدّد، من القرن الرابع إلى السابع الميلادي حيث شهدت عولمة الدين (المسيحيّة والإسلام)، ثمّ أواخر القرن الخامس عشر التي تتميّز بأشكال الغزو الاستعماري الأوروبي، ثمّ أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، وهي الفترة التي برزت العولمة فيها نتيجة للحروب العديدة داخل أوروبا، ثمّ في منتصف القرن التاسع عشر وحتّى العام 1918 حيث ذروة الإمبرياليّة الأوروبيّة، تلتها الفترة التي أعقبت الحرب العالميّة الثانية، وأخيراً فترة ما بعد الحرب الباردة[2].

في حين يقدّم روبرتسون[3] مجموعة مختلفة وأكثر جدّية بكثير من الأطوار، إذ يتتبّع بدايات العولمة من أوائل القرن الخامس عشر وحتّى وسط القرن الثامن عشر، إذ كانت العولمة في الطور الجنيني، تلاه الطور الأوّلي في أوروبا من منتصف القرن الثامن عشر وحتّى سبعينيّات القرن التاسع عشر، إذ تمّ بلورة مفاهيم العلاقات الدوليّة التي اتخذت طابعاً رسميّاً وتصوّراً أكثر يمينيّة للبشريّة، تلاه طور الانطلاق من سبعينيّات القرن التاسع عشر إلى منتصف عشرينيّات القرن العشرين، إذ كانت الزيادات الحادّة في عدد وسرعة الأشكال الكونيّة للاتصال وتطوّر المنافسات العالميّة وغيره من القضايا

(27)

العالميّة، مثل استخدام التوقيت العالمي وجائزة نوبل والحرب العالميّة الأولى، ثمّ يأتي الطور الرابع وهو طور الصراع من أجل الهيمنة منذ عشرينيّات القرن العشرين وحتّى ستينيّات القرن ذاته، حيث الحرب العالميّة الثانية والحرب الباردة، وأخيراً جاء طور اللايقين منذ ستينيّات القرن العشرين وحتّى أوائل التسعينيّات، إذ اندمج العالم الثالث في النظام العالمي، وانتهت الحرب الباردة، وانتشرت الأسلحة النوويّة، وظهر المجتمع المدني والمواطنة العالميّة[1].

وهنالك اتجاهات أخرى تتناغم مع ما تقدّم من تحديد تاريخ مُعيّن للعولمة، وعلى الرغم من أنّ كلّ هذه الآراء تحمل وجوهاً من الصحّة، ولكن لا يخفى على المُتأمّل بأنّ العولمة بشكلها المعاصر لا يمكن أن تنتمي إلى حقب قديمة جدّاً، وإنّما هي ذات طابع حديث تشكّلت معالمها الراهنة بسرعة استثنائيّة، وفي الوقت ذاته لا يمكن أن نُدير ظهرنا إلى مبدأ التراكميّة والسيرورة، إذ لا يمكن قطع العولمة عن جذورها الفكريّة الضاربة في التاريخ الغربي، بحيث لا يمكن أن نعزو ظهور العولمة إلى الفجائيّة.

وعلى هذا الأساس يمكن القول بأنّ المبادئ الفكريّة للعولمة تعود إلى تاريخ ظهور مفهوم الليبراليّة، أمّا تاريخ ولادتها الفعليّة فيعود إلى سبعينيّات القرن العشرين، وإنّ انطلاقها على نحو عالميّ قد تمّ بعد سقوط الاتحاد السوفييتي مطلع التسعينيّات، إذ ذاب الاستقطاب العالمي الذي كان قائماً على معسكرين: اشتراكي

(28)

وليبرالي، وحدث الاندماج الاقتصادي على ضوء النيوليبراليّة الذي التحقت به روسيا ودول شرق أوروبا وقبلها الصين باستثناء بعض الدول المعدودة مثل كوبا وكوريا الشماليّة.

وفي الحديث عن طبيعة التحوّلات الفكريّة التي مرّ بها الفكر الغربي، والتي تمخّضت عنها مبادئ العولمة، فإنّنا نجد أنّ هذه التحوّلات كانت عبارة عن سلسلة من ردود الأفعال التي اقتدحها برجوازيّون غربيّون، واستجاب لها المجتمع الأوروبي نتيجة لضغوط اقتصاديّة وسياسيّة مُلحّة، ويمكن اقتراح حدود تاريخيّة لتلك التحوّلات وفقاً للعصور التي برزت فيها، وهي:

أ. عصر التنوير.

ب. عصر الحداثة.

ت. عصر ما بعد الحداثة.

أ. عصر التنوير Enlightenment:

هو المرحلة التي انفجرت فيه ردود الأفعال ضدّ حكم الطبقة الأرستقراطيّة المتآلفة مع الكنيسة الكاثوليكيّة المُتعسّفة، وجاءت ردود الأفعال تلك على يد روّاد الفكر الأوروبي الذين ظهروا في القرن الثامن عشر، وكان عماد أفكارهم هو القضاء على التوجّه الدوغمائي للكنيسة، إذ كان رجال الدين يحثّون الناس على التمسّك بمقولات اللاهوت المُعتمد على الفلسفة القديمة، ويرفضون أيّ تغيير يشكّل تهديداً لمصالح النبلاء[1].

(29)

وقد استمدّ مفكّرو عصر التنوير معظم أفكارهم من حركة فكريّة مرّت بالقارة الأوروبيّة خلال عصر النهضة Renaissance  الذي انبثق من فلورنسا الإيطاليّة، وانتشر في أنحاء أوروبا منذ القرن الخامس عشر، إذ كانت فلورنسا محطّة احتكاك الأفكار بفعل التجارة النشطة والازدهار السياسي في ظلّ حكم عائلة ميديشي Medici البرجوازيّة، وقد تبلورت أفكار عصر النهضة  فيما بعد على يد فلاسفة وعلماء معروفين مثل باروخ سبينوزا (1632-1677) وجون لوك
(1632- 1704) وإسحاق نيوتن (1642-1727) فكانت نتاجاتهم هي المادّة الأساس التي استمدّ منها مفكّرو عصر التنوير وقود حربهم على الكنيسة والملوك خلال القرن الثامن عشر[1].

إنّ التنظيمات الدينيّة والسياسيّة التي كانت تسود أوروبا في مرحلة ما قبل التنوير جعلت المجتمع يعيش في ظلم وطبقيّة مقيتة، ففي حين كانت المجاعات والأوبئة تفتك بالمواطنين، كان النبلاء يقفون موقف المُتفرّج على ذلك المشهد المأساوي، ويقف إلى جانبهم الكهنة ليبرّروا ما يحدث استناداً إلى أساطير تُحاول إخضاع الناس بالاستسلام لمصيرٍ مجهول، ولهذا كان روّاد عصر التنوير من أمثال جون تولاند وديفيد هيوم في إنجلترا، وكريستيان وولف وليسينغ في ألمانيا، ومنتسكيو وفولتير وديدرو ودولامتري ودولباخ في فرنسا، ينتهجون معالم فكريّة مميّزة تتمثّل بالآتي[2]:

(30)

الهجوم على الدين والسلطات القائمة وتسفيهها وذمّها.

الإشادة بالعقل الطبيعي وشعارهم: «إنّ أنوار العقل الطبيعي وحدها هي القادرة على قيادة بني الإنسان إلى كمال العلم والحكمة».

الدعوة إلى عقلانيّة تجريبيّة حسب المنهج الذي رسمه إسحاق نيوتن في عصر النهضة.

اعتبار النظم الفلسفيّة الميتافيزيقيّة التي كانت سائدة في القرن السابع عشر أبنية خياليّة.

حلول العقلانيّة التحليليّة والنقديّة محلّ العقلانيّة الكبرى التي كانت سائدة في القرن السابع عشر.

النظرة الحسّية التجريبيّة للأشياء تحلّ محلّ النظرة المتعالية التقديسيّة.

ولهذا كانت كتابات وكلمات روّاد عصر التنوير تدور حول اتخاذ منهج العقلانيّة والتركيز على البحث العلمي، والابتعاد عن المقولات الغيبيّة، وكانوا يحثّون الناس على عدم الاستسلام للأقدار والتأكيد على التحرّر من الوصاية البابويّة والملوكيّة التي حكمت أوروبا أكثر من ألف عام.

في عصر التنوير بنى الفكر الغربي عرشه على فلسفة معقولة ترفض أسطورة الخطيئة الموروثة التي تفيد بها التوراة في قصّة آدم أبو البشر، وإعادة الثقة بالإنسان، والمناداة بضرورة التسامح

(31)

والمطالبة بحريّة التفكير والتعبير، لذا كانت فلسفة عصر التنوير متفائلة، وتضع ثقة كبيرة في العقل الإنساني، وترى أنّ التقدّم العلمي والتقدّم الاقتصادي المادّي سيحلّ كلّ مشكلات المجتمع وسيُلبّي كلّ حاجاته، وهكذا أعلن كوندورسيه: «أنّ الإنسانيّة وهي تزداد علماً ومعرفة كلّ يوم وبدون توقّف سوف ترى سلطتها على الطبيعة تزداد وتقوى كلّ يوم، وكذلك الأمر بالنسبة لثرواتها وإمكانات سعادتها، فصلاحيّة الإنسان لبلوغ الكمال هي في الواقع بغير نهاية»[1].

وبذلك تمخّض فكر عصر التنوير عن ظهور مبدأ الإنسانويّة (الهيومانيّة Humanity) التي عرّفها الاتحاد الدولي للدراسات الإنسانيّة والأخلاقيّة[2] بأنّها: «موقف حياة ديمقراطي وأخلاقي يؤكّد أنّ البشر لهم الحقّ والمسؤوليّة في إعطاء معنى وشكل لحياتهم، إنّه يمثّل بناء مجتمع أكثر إنسانيّة من خلال أخلاق تقوم على القيم الإنسانيّة وغيرها من القيم الطبيعيّة ...»[3].

وقد تمخّض عصر التنوير عن انبعاث قوي لمبدأ الحريّة الفرديّة (الليبراليّة Liberalism)، وتعود جذور هذا المبدأ إلى حركة الإصلاح البروتستانتي في القرن السادس عشر، وفي ذلك يصرّح

(32)

الفيلسوف برتراند عن الليبراليّة: «الواقع أنّها أقرب بكثير إلى أن تكون تطوّراً للفكرة البروتستانتيّة القائلة إنّ على كلّ فرد أن يسوّي أموره مع الله بطريقته الخاصّة، هذا فضلاً عن أنّ التعصّب والتزمّت يُضرّ بالأعمال الاقتصاديّة»[1].

وقد مهّدت الليبراليّة البروتستانتيّة لظهور الليبراليّة العلمانيّة كمذهب وضعي يرى أنّ خيارات الفرد تعلو فوق كلّ سلطة، ويعتقد أنّ وظيفة الدولة هي حماية حريّات المواطنين مثل حريّة التفكير والتعبير والملكيّة الخاصّة، وقد ارتبطت الليبراليّة بالعامل الاقتصادي بشدّة، بحيث أنّها في صيغتها الكلاسيكيّة كانت «ترفض شمول الطبقات والفئات الفقيرة والنساء، وهذا ما نجده في نصوص جون لوك بصفته رائد الليبراليّة الكلاسيكيّة، وكذلك في آراء عمانوئيل كانط (1724 - 1804) بصفته المنظّر والفيلسوف المؤثّر الذي اعتمده لاحقاً الليبراليّون من أتباع الديمقراطيّة الاشتراكيّة والليبراليّة الجديدة، فقد صرّح كانط برأيه القائل: إنّ امتلاك رأس المال (وحسب تعبيره الاستقلاليّة والسيادة) هو الشرط الأساس الذي يجعل الفرد مواطناً ومتساويّاً مع سائر المواطنين الأحرار، وهذا هو الذي يمتلك حقّ التصويت والتشريع والحكم»[2]

وعلى كلّ حال فقد كانت (الإنسانويّة) و(الليبراليّة) بمثابة الشرر

(33)

الذي أشعل النار في هشيم الشعوب الأوروبيّة المقهورة، فانطلقت على ضوئها الحركات التحرّرية، وعلى رأسها الثورة الفرنسيّة سنة 1798التي مثلّت مرحلة فاصلة من مراحل الانقلاب السياسي في التاريخ الحديث، وكان للمنظّمات الماسونيّة دور واضح في قيام هذه الحركات[1]، بحيث أنّ شعار الماسونيّة (حرية-مساواة-إخاء) قد تحوّل فيما بعد إلى نداء للثورة الفرنسيّة ثمّ إلى شعار انتخابي للأحزاب في فرنسا، حتّى أنّ رمزها المعروف -العين والهرم- يتصدّر وثيقة إعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسيّة.

والخلاصة أنّ عصر التنوير قد شهد انقلاباً من التمحور الفكري حول المبادئ الدينيّة إلى التمحور حول المبادئ العَلمانيّة، وانعكس ذلك على الحياة السياسيّة بالتحوّل من المَلَكيّة إلى الجمهوريّة، وعلى الحياة الاقتصاديّة بالتحوّل من الإقطاعيّة إلى الرأسماليّة.

ب. عصر الحداثة modernity:

يمثّل القرن التاسع عشر الانطلاقة الأبرز لعصر الحداثة، إذ جاء كحلقة مُكمّلة للتغيّرات التي مرّت في أوروبا في القرن الثامن عشر، وإنّ أهمّ ما يميّز عصر الحداثة هو  عمليّة تقعيد النتائج التي تمخّضت عن الحراك الغربي الذي ينشد التغيير على شتّى الصعد،

(34)

فتمّ إعادة تنظيم البناء الاجتماعي وفقاً لقواعد الفلسفة الوضعيّة التي برز فيها الفيلسوف الفرنسي أوغست كونت (1798-1857) مؤسّس علم الاجتماع الحديث، الذي دعا إلى الفصل التام بين المذهب العقلي والمذهب التجريبي، ورأى أنّ ما يستحقّ أن نطلق عليه اسم «علم» هو فقط ما يمكن أن يقع عليه الحسّ ويمكن اختباره بالتجربة، ورفض كلّ النتائج المبنيّة على التفكير العقلي الخالص واعتبرها من الأساطير، وغير خافٍ أنّ هذا المنحى هو أحد النتائج الواضحة لتبجيل القانون الهيوماني الذي ورثه عصر الحداثة من عصر التنوير.

وقد أدّت آراء كونت إلى اعتبار الحقائق الحسيّة والإحصاءات الأمبريقيّة هي صاحبة الكلمة الفصل في بيان الحقيقة بما فيها علم الاجتماع، إذ اعتبر أنّ المجتمع البشري خاضع لقوانين حتميّة مثل القوانين الفيزيائيّة، وإنّ اكتشاف هذه القوانين يُمهّد لإمكانيّة توظيفها لتحقيق سعادة البشر.

وعلى الرغم من أنّ الفلسفة الوضعيّة تنطوي على مغالطة في دعوى تجاوزها للمذهب العقلي[1]، ولكنّ الموضوعيّة المُنتزعة من الواقع التي تعتمدها هذه الفلسفة ساعدت على كشف اللثام عن مساحات واسعة من قوانين الطبيعة وحركة المجتمع، فتحقّقت بذلك اكتشافات وإنجازات هائلة، ممّا عزز من إيمان المجتمع الأوروبي بها، واعتبروا المنهج الوضعي رأس الخيط الذي يوصلهم

(35)

إلى السعادة ونهاية المعاناة، سواء كانت هذه المعاناة طبيعيّة مثل الكوارث البيئيّة أم مفتعلة مثل الحروب.

ولم تكن الفلسفة الوضعيّة هي الوحيدة التي برزت في عصر الحداثة، وإنّما برزت أيضاً الفلسفة النفعيّة على يد الفيلسوف الإنجليزي جيرمي بنثام (1748-1832) الذي رأى أنّ ما يسعى الناس لبلوغه هو في تحصيل أكبر قدر من السعادة لأنفسهم، وكلمة السعادة مساوية في معناها لكلمة اللذّة برأيه، ومهمّة القانون هي فقط التأكّد من أنّ أيّ شخص في سعيه إلى سعادته القصوى لن يمسّ حقّ الآخرين في السعي إلى الهدف نفسه[1].

على مستوى العلوم التطبيقيّة، ظهرت نظريّة النشوء والارتقاء لعالم الأحياء تشارلز داروين (1809-1882) التي عارضت الرؤية التوراتيّة بصدد ظهور الإنسان الأوّل على الأرض، لتقطع بذلك آخر خيوط الأمل في كبح جماح الفكر المُتمرّد على الدين، وقد مهّدت نظريّة داروين بعد نزولها إلى ساحة الفكر الاجتماعي والسياسي إلى ظهور حركات عنصريّة مُتطرّفة، كان لها دور كبير في رسم ملامح القرن العشرين.

أدبيّاً، ظهرت الرومانسيّة في القرن التاسع عشر لتؤسّس مبدأً يُعدّ من أهمّ أسس فكر الحداثة وما بعد الحداثة، ألا وهو مبدأ الثورة على كلّ ما هو قديم وكلّ ما هو موروث سواء كان ثقافيّاً أم دينيّاً أم أسلوباً أدبيّاً، لقد بدأت الثورة العارمة ناشدة التغيير، رافضة الجمود والتقليد، وخارجة على التقاليد، فالرومانسيّة لا تثور فقط على كلاسيكيّة القرن الثامن عشر بل تنسفها من جذورها بذهنيّة وهويّة

(36)

أدبيّة جديدة مولعة باستمرار بالتغيير وبتقريب المتناقضات، تلك الثورة العارمة وتآلف المتناقضات الهائمة هي التي جعلت ونصّبت الرومانسيّة لتكون بحقّ الأم الشرعيّة لأدب الحداثة وما بعدها[1].

اقتصاديّاً، تميّز عصر الحداثة بانطلاقة المجتمع الصناعي بعد أن تمخّضت الحركة العلميّة عن الثورة الصناعيّة وحلول المحرّك البخاري محلّ اليد العاملة، وأسهم في تطوّر المواصلات السريعة بدل وسائل النقل القديمة، ممّا دفع بعجلة الاقتصاد والتجارة الأوروبيّة دفعة كبيرة إلى الأمام، وقد أحيت المكننة الصناعيّة نظريّة آدم سميث (1723-1790) في تقسيم العمل إلى أجزاء صغيرة، ممّا أدّى إلى الاندثار التدريجي للحِرف، وتحوّل أداء القوى البشريّة في المصانع إلى عمل روتيني آلي أفقد العمّال إحساسهم بدافعيّة الإنجاز، وسلب منهم إمكانيّة تحقيق الذات باستخدام مهاراتهم الذاتيّة، كما سادت نظريّة «عدم التدخّل» التي طوّرها آدم سميث على المشهد الاقتصادي، والتقت بذلك مع الفلسفة النفعيّة لبنثام، «إذ شدّد سميث على أنّه لا يوجد أيّ سبب يدفع الحكومات للتدخّل في الاقتصاد عبر فرض تعريفات جمركيّة أو حدّ أدنى للأجور، مؤكّداً على أنّه باستثناء الضرائب التي اعتبرها ضروريّة لضمان الرفاهية الاقتصاديّة، فإنّ مثل هذه القيود لا تؤدّي إلّا إلى عدم الكفاءة وإعاقة الإنتاج دون مبرّر»[2].

(37)

ممّا تقدّم نفهم أنّ الليبراليّة الرأسماليّة التي تشجّع على شعار «دعه يعمل دعه يمر» لا تزال هي الطاقة التي تولّد الرؤى الفلسفيّة والنظريّات الاقتصاديّة، وتعيد صقلها من جديد في المجتمع الغربي، كما أنّها السبب في توليد ردود الفعل المعارضة للرأسماليين الكبار الذين بدؤوا يحلّون محلّ الطبقة الأرستقراطيّة في الحكم، فبسبب الثورة الصناعيّة توسّعت الطبقة البرجوازيّة، وانقسمت إلى برجوازيين صغار مثل العمّال والتجّار، وبرجوازيين كبار مثل المصرفيين والصناعيين، وقد لجأ البرجوازيّون الأصليّون -الرأسماليّون- إلى الارتباط بطبقة علويّة موسّعة، في حين أدّى ظهور المهن التقنيّة والتكنولوجيّة إلى توجيه البرجوازيّة للارتباط مع الطبقات الدُنيا من المجتمع[1]، وكانت هذه الطبقات تعاني من توسّع دائرة الفقر بين أطنابها وسوء استغلالها في المصانع والمزارع، ممّا أحدث صراعاً داخليّاً نتج عنه نموّ مفهوم الاشتراكيّة كإيديولوجيا سياسيّة.

وبذلك نشط ما يسمّى بالحركة الديمقراطيّة الاشتراكيّة في أواسط القرن التاسع عشر على يد مفكّرين ماركسيين ذوي توجّهات إصلاحيّة مثل فرديناند لاسال (1825-1864) في ألمانيا، إذ دعوا إلى وضع حدّ للرأسماليّة المستفحلة من خلال تدخّل الحكومة لإرساء العدالة الاجتماعيّة ضمن النظام الرأسمالي لتحقيق دولة الرفاه بناء على نظام الاقتصاد المختلط واقتصاد السوق الاجتماعي، واللافت في الأمر هو أنّ طبقة البرجوازيّة كانت لها أصابع واضحة في ترسيم معالم الديمقراطيّة الاشتراكيّة هذه.

(38)

سياسيّاً، كانت سلسلة الثورات الأوروبيّة التي تسمّى «الربيع الأوروبّي» والتي انطلقت في العام 1848 من أهمّ الأحداث السياسيّة في عصر الحداثة، فقد كانت هذه الثورات تطالب بالمزيد من حقوق الشعب والطبقة العماليّة والقضاء على آخر معاقل الإقطاعيّة، وكان محرّك هذه الثورات من الإصلاحيين والطبقات الوسطى والعمّال، وإلى جانب أعمال روبرت أوين (1771-1858) الذي يعدّ مؤسّس الجمعيّات التعاونيّة، أخذت الليبراليّة الكلاسيكيّة تضمحل تدريجيّاً لتحلّ محلّها ليبراليّة اشتراكيّة ديمقراطيّة تؤمن بحقّ الطبقة العاملة المشاركة بصنع القرار السياسي.

ت. عصر ما بعد الحداثة Postmodernism:

كانت الفترة الأخيرة من القرن التاسع عشر يسودها نوع من التفاؤل العلمي والإيمان بقدرة العلم التجريبي على حلّ مشكلات البشر وتحقيق السعادة لهم أينما كانوا، ويتناغم هذا التفاؤل مع الفلسفة البراغماتيّة للفيلسوف وليم جيمس (1842-1910) الذي رأى أنّ الأشياء تكتسب قيمتها بما تقدّمه من نفع للبشر، بحيث أنّ ما نطلق عليه اسم «الحقيقة» لا يُعدّ وصفاً لواقع ثابت في الكون، وإنّما هو مجرّد أداة للوصول إلى فائدة عمليّة، فما نطلق عليه اسم «الحقيقة» يمكن أن يُستبدل في المستقبل بحقيقة أخرى جديدة عندما تكون قادرة على تقديم منفعة أفضل للبشر، وعليه يمكن أن تبلى أيّ حقيقة نعرفها كما تبلى أيّ أداة عفا عليها الزمن، ومن هذه الزاوية يمكن القول أنّ الفلسفة البراغماتيّة تمثّل نسخة متطوّرة عن الفلسفة النفعيّة التي نشطت في القرن التاسع عشر على يدي جيرمي بنثام.

(39)

وفي بدايات القرن العشرين، وفيما تراود العقليّة الغربيّة أحلام جميلة على وقع أنغام الإنجازات العلميّة والرفاه الاقتصادي، استيقظ الغربيّون على وقع أقدام الوحش المرعب الذي وُلد من رحم العلم الوضعي والنفعيّة البراغماتيّة، إذ اشتعلت الحربان العالميّتان اللتان جرّتا ويلات عظيمة خلّفت وراءها ملايين القتلى والجرحى والمعاقين والمشرّدين، ليُضرب التفاؤل الغربي في مقتل.

لم تكن الأحداث الدامية للحربين العالميّتين هما فقط ما أزعج العقليّة الغربيّة الحالمة، إذ تبيّن أنّ الحداثة جلبت معها آلة دمار عظيمة أدخلت الشعوب في حالة من القلق المزمن، فمع ظهور الأسلحة النووية صار العالم على محكّ الإبادة الشاملة، فضلاً عن مرور الاقتصاد الرأسمالي بأزمة عظيمة تمثّلت بالكساد العظيم الذي ضرب الولايات المتّحدة عام 1929 وامتدّ أثره إلى باقي أنحاء العالم.

كما شهد القرن العشرون بروز النظريّة النسبيّة على يد الفيزيائي ألبرت آينشتاين (1879-1955) الذي قلب فيزياء نيوتن رأساً على عقب، وقد تمّ تجيير النظريّة النسبيّة لترسيخ قاعدة فلسفيّة تتضمّن إنكار الحقائق المُطلقة للكون، ما حدا بآينشتاين نفسه إلى أن يصرّح مُتذمّراً: «لقد أُسيء فهم ما تعنيه النسبيّة على نطاق واسع، يلعب الفلاسفة بالكلمات كما يلعب الأطفال بالدُمى، النسبيّة كما أراها تُشير إلى أنّ بعض الحقائق الفيزيائيّة والميكانيكيّة التي كان يُنظر إليها على أنّها ثابتة، هي نسبيّة حينما نضع في الاعتبار حقائق فيزيائيّة وميكانيكيّة أخرى، النسبيّة لا تعني أنّ لدينا الحقّ في أن نقلب العالم رأساً على عقب بخبث»[1].

(40)

وفي السياق ذاته، جاء مبدأ الّلادقّة للفيزيائي فيرنر هايزنبرغ (1901- 1976) الذي ينصّ على أنّه لا يمكن للإنسان التأكّد تماماً من تحديد خاصيّتين مقاستين من خواصّ المادّة على المستوى الكمومي، ما يعني أنّه مهما تطوّرت وسائل القياس، فلا يمكن التوصّل إلى معرفة كاملة للطبيعة حولنا، وبذلك تبيّن للغربيين أنّهم يركبون مجرّد قارب متواضع من المعرفة وسط بحر لا نهائي من الغموض المُستعصي على الفهم، يقول برتراند رسل: «أدّى التقدّم السريع الذي تحقّق في العلم والتكنولوجيا إلى الاعتقاد أنّنا أوشكنا على حلّ جميع مشكلاتنا، وكان المتوقّع أن تكون فيزياء نيوتن هي الأداة التي تضطلع بهذه المهمّة، غير أن كشوف الجيل التالي قد أحدثت صدمة عنيفة لدى أولئك الذي ظنّوا أنّ كلّ ما تبقّى أمامنا هو تطبيق المبادئ المعروفة للنظريّة الفيزيائيّة على الحالات الخاصّة التي تعرض لنا، كذلك فإنّ الكشوف المتعلّقة بالتركيب الداخلي للذرّة قد أدّت (في القرن العشرين) إلى زعزعة النظرة الهادئة المستقرّة التي كانت سائدة عند نهاية القرن التاسع عشر»[1].

وبدل أن يتواضع الفكر الغربي أمام القدرة العظيمة المُهندسة للكون، برز فيهم تيار شكوكي يدعو إلى التخلّي عن اكتشاف نظريّات كبرى تحكم المجتمعات البشريّة، ما استدعى نشاط مبدأ اللايقين ورفض المرجعيّات الفكريّة الصلبة، وطال التشكيك أكثر البديهيّات وضوحاً مثل الثوابت الأخلاقيّة والجماليّة، فأخذت القيم البشريّة تعتمد على معايير سيّالة تميّز بها عصر ما بعد الحداثة، وهي

(41)

حالة أطلق عليها الفيلسوف علي عزّت بيجوفيتش (1925- 2003) اسم الحداثة السائلة.

في هذه المرحلة ظهرت حركات عدميّة على يد مجاميع من الشباب تمتثل للفكر العدميّ ونبذ المعايير الثابتة التي تميّز بها عصر الحداثة، مثل حركة الهيبّيين التي ظهرت في ستينيّات القرن العشرين، إذ رفض الهيبيّون أنماط الحياة السائدة، وحاولوا إيجاد أنماط مغايرة للحياة، وكان معظم الهيبّيين من أبناء الطبقة المتوسّطة الذين يتركون أهلهم ويعيشون في مخيّمات أو في بيوت مؤقّتة أو ينامون في الشوارع، وكانوا يمثّلون بيئة حاضنة لممارسة الدعارة وتعاطي الكحول والمخدّرات.

هذه البيئة كانت صالحة لإحياء الفلسفة الوجوديّة على يد جان بول سارتر (1905-1980) التي استمدّت من مبدأ اللايقين رؤيتها للعالم، إذ تقرّر الوجوديّة أنّه لا يوجد معنى أصيل للوجود، لذا فمن حقّ كلّ إنسان خلق معنى خاصّ لوجوده من دون أيّ توصيفات جوهريّة سابقة أو مُحدّدات خارجيّة مفروضة، لنجد أصابع الليبراليّة واضحة المعالم في هذه الفلسفة أيضاً.

وقد قدّمت الوجوديّة دعماً جديداً للحركات النسويّة من خلال شخصيّات نسويّة، أهمّها سيمون دي بوفوار(1908-1986) التي دعت المرأة إلى التحرّر من كلّ الأنماط السائدة، وفتحت الباب نحو اتجاهات أكثر تطرّفاً في مفاهيم المساواة الجندريّة.

وعلى كلّ حال، فإنّ عصر ما بعد الحداثة كان يمثّل مرحلة «نهاية

(42)

السرديّات الكبيرة» على حدّ تعبير الفيلسوف الفرنسي جان فرنسوا ليوتارد، إنّها مرحلة نهاية الإيمان الغربي بالتقدّم والسير نحو إنسانيّة أفضل، فما بعد الحديث يُعتبر «جماليّة مكشوفة لفرد أضاع نقاط مرجعيّته فضاع في مجتمع لا مستقبل له ودون ماض أو تعالٍ»[1].

الخلاصة: مخاض العولمة

ورث عصر العولمة مجمل الأفكار التي تبلورت في العصور السابقة من التاريخ الغربي الحديث، فكان جذرها الأوّل ناشئاً عن أصلين هما (الليبراليّة) و(الإنسانويّة) اللذين نضجا في عصر التنوير، وعليهما قامت باقي الأفكار الفلسفيّة والعلميّة بشكل مباشر أو غير مباشر، وقد تكفّل كلّ واحد من هذين الأصلين بتوليد فلسفات وأفكار يدعم بعضها البعض، ويأخذ بعضها برقاب بعض على الرغم من اختلافاتها من حيث التصنيف.

ففي عصر الحداثة أحيت الليبراليّة الفكرين السياسي والاقتصادي معاً، أمّا الشقّ السياسي فقد عملت على انبعاث الديمقراطيّة الليبراليّة التي كان معلمها البارز: الثورة الفرنسيّة، وفي الشقّ الاقتصادي عملت على تحرير الرأسماليّة من قيود المذهب البروتستانتي، فكانت الرأسماليّة والديمقراطيّة الليبراليّة السمة الأبرز لعصر الحداثة، لكنّ تغييراً طرأ على الديمقراطيّة الليبراليّة، إذ واجهت متطلّبات التحوّل نحو الديمقراطيّة الاشتراكيّة التي تعطي للحكومة صلاحيات واسعة في تنظيم الاقتصاد وحماية المواطنين من جشع الرأسماليين.

(43)

وعلى الرغم من ذلك التحوّل السياسي المهمّ إلّا أن الرأسماليّة بقيت عصيّة على التغيير، وأغلب الظن أنّ جذرها الديني البروتستانتي وحاجة الإنسان للتملّك جعلها كذلك، ويبدو أنّها آخذة بالتجذّر بفضل الفلسفة النفعيّة -التي لها بعد في الإنسانويّة أيضاً- وقد حصلت على دفعة انتعاش أكبر مع تبلور الفلسفة البراغماتيّة في عصر ما بعد الحداثة.

وبالعودة إلى أصل الإنسانويّة، فقد تبلور عنه في جانب التفكير العلمي: الفلسفة الوضعيّة التي تُعطي للعلم الحسّي والتجريبي أهمّية بالغة، وتنفي صفة العلم عن كلّ معرفة بغير هذا الطريق، وقد تطوّرت على ضوئها مجموعة من النظريّات العلميّة التي اتخذت فيما بعد منحى فلسفياً كالداروينيّة في عصر الحداثة، ونظريّة النسبيّة، ومبدأ اللادقّة في عصر ما بعد الحداثة، وهذه النظريّات الثلاث (الداروينيّة والنسبيّة واللادقّة) أفضت بالعقليّة الغربيّة إلى القطع بعدم وجود إله خالق للكون، والتأكيد على أنّ العدميّة تستشري في هذا الوجود، وأنّ نظام الكون يتوقّف على مبدأ الصدفة المُتكاثرة، فالسمة التي ميّزت عصر ما بعد الحداثة هو إنكار الحقائق المُطلقة بما في ذلك الأخلاق الإنسانيّة، وذلك ما أعطى الفلسفة الوجوديّة جرعة نشاط وحيوية كبيرين في عصر ما بعد الحداثة.

أمّا على الجانب الفني والأدبي، فقد نشأت واستمرّت الحركة الرومانسيّة منذ عصر الحداثة وما بعدها، وكان لها تأثير واسع على باقي الفلسفات والنظريّات العلميّة والسياسيّة والاقتصاديّة، وكانت في جوهرها عبارة عن محاولات وجدانيّة مستمرّة للثورة على كلّ ما هو مألوف وقديم في المجتمع الغربي الحديث.

(44)

ممّا تقدّم نجد أنّ عصر ما بعد الحداثة قد خلصت إليه أربعة محاور فكريّة هي: الديمقراطيّة الاشتراكيّة في السياسة، والفلسفة الوجوديّة في العقيدة والأخلاق، والفلسفة البراغماتيّة في الاقتصاد، والحركة الرومانسيّة في الفنّ والأدب، وبالتأمل في هذه المحاور الأربعة نجد أنّ ثلاثة منها (الوجوديّة والبراغماتيّة والرومانسيّة) تتناغم مع بعضها تناغماً كبيراً لكونها تحوم حول الفردانيّة والمصلحة الذاتيّة، فهذه المحاور الثلاثة تفرز إيماناً بالعدميّة وغياب المرجعيّة الأخلاقيّة، وسلوكاً قائماً على أساس المنفعة الآنيّة، ورغبة في تحطيم كلّ ما هو مألوف لصالح التغيير المستمرّ، وأدناه مخطّط لأبرز الأصول والمحاور التي تبلورت في الفكر الغربي التي انتهت إلى عصر ما بعد الحداثة، مع التأكيد على أنّ هذه الأصول والمحاور تتنوّع ما بين فلسفة ونظريّة علميّة وإيديولوجيا فكريّة، ولكن بينها ارتباطات بالمضمون ومشتركات من حيث الجوهر:

 

مراجعة الكتاب 

(45)

ثالثاً: ولادة عصر العولمة

بالنسبة لمحور الديمقراطيّة الاشتراكيّة فهو الوحيد الذي بدا غريباً عن المحاور الثلاثة آنفة الذكر؛ لأنّ مبدأ الاشتراكيّة كنظام سياسي يُحجّم من الرغبات الفرديّة لصالح المجموع، إذ يؤكّد على الخير العام، ويدافع عن الأنماط الثقافيّة ذات البعد الاجتماعي، ومع انهيار الاقتصاد الغربي فيما يُعرف بالكساد الكبير سنة 1929 امتدّ لعشر سنين جعل الديمقراطيّة الاشتراكيّة تنال دفعة وجود إضافيّة، إذ تطلّب تفعيل نظريّة عالم الاقتصاد الإنجليزي جون مينارد كينز (1883-1946) المعروفة بالنظريّة الكينزيّة في الاقتصادKeynesian economics التي تعطي للحكومة سلطة واسعة في التدخّل بالأسواق الحرّة لكبح الاستغلال الرأسمالي.

لذا، فإنّ تاريخ ولادة العولمة يبدأ مع انهيار محور الديمقراطيّة الاشتراكيّة وتطبيق مبدأ سياسي بديل يعتمد على النظريّة النيوليبراليّة Neoliberalism يتناغم مع باقي المحاور الثلاثة التي تقدّم ذكرها (الوجوديّة والبراغماتيّة والرومانسيّة)، وبذلك يعود للمحور السياسي انسجامه مع باقي مبادئ الفكر الغربي القائم على الليبراليّة المطلقة.

إنّ النظريّة النيوليبراليّة لا تُعير أهمّية للمسؤوليّة الاجتماعيّة، وهي كما يتّضح من اسمها (الليبراليّة الجديدة) تبدو تحديثاً مُتطرّفاً لنسخة الليبراليّة الكلاسيكيّة التي أطلقها آدم سميث في نظريّته القائلة بعدم تدخّل الدولة في السوق، والتي ألقت بظلالها على المشهد السياسي والاقتصادي في عصر الحداثة.

(46)

النيوليبراليّة تقوم على افتراض جوهري مفاده: إنّ تنازل الدولة عن تطبيق السياسة النقديّة والتخطيط الاقتصادي مع دعمها الكبير للشركات الرأسماليّة يؤدّي إلى تنامي الأرباح لدى تلك الشركات، ما يجعل خيرها ينزل على باقي قطاعات المُجتمع، بحيث «أنّ الأرباح الأعلى سوف تتساقط إلى الأسفل وتحقيق المنفعة لأكبر عدد من أفراد المجتمع»[1]، ويمكن تلخيص الآليّة التي يعمل بها النظام السياسي النيوليبرالي بالنقاط الآتية:

1. خصخصة الخدمات الحكوميّة العامّة ما يؤدّي إلى: خفض النظام الضريبي الحكومي على الشركات، ما يؤدّي إلى: توسيع حجم الاستثمار لدى الشركات، وذلك يعني مزيداً من فرص العمل ونشاط السوق.

2. خفض شبكة الرعاية الحكوميّة للمواطنين ما يؤدّي إلى: حاجة إلى المواطنين إلى البحث عن فرص العمل بأجور أقلّ، ما يؤدي إلى: زيادة في أرباح الشركات وأنشطتها، وذلك يعني مزيداً من فرص العمل ونشاط السوق.

3. خفض الإنفاق على الخدمات العامّة الحكوميّة ما يؤدّي إلى: تضخيم حجم الاحتياطي الفيدرالي، ما يؤدّي إلى: منح فرصة للشركات في استثمارها أوقات الرخاء، وذلك يعني مزيداً من فرص العمل ونشاط السوق.

(47)

وفيما يأتي مخطّط يوضّح آليّة عمل النظريّة النيوليبراليّة:

مراجعة الكتاب 

ولكن بنظرة فاحصة لهذا النظام الخطّي يمكن بسهولة أن نكتشف بأنّ الشقّ الحتمي فيه يتعلّق فقط بزيادة أرباح الشركات، أمّا الشقّ الثاني فهو ليس حتميّاً؛ وذلك لأنّ زيادة أرباح الشركات لا يقتضي أن يدفعها إلى توسيع استثماراتها أوّلاً، وحتّى لو عملت على ذلك، فليس بالضرورة أن تقوم بذلك داخل بلدها الأم، فالنيوليبراليّة تقرّ بأنّ للشركات الحريّة الكاملة في نقل استثماراتها حيث تشاء من بلدان العالم دون التقيّد بالحدود الوطنيّة، لذا فالاحتمال وارد جداً في أن تبحث الشركات الرأسماليّة عن بلدان أخرى تجد فيها فرصاً أفضل لتعظيم أرباحها الخاصّة، حيث تتوفّر المواد الأوّلية والعمالة

(48)

الأرخص وقلّة الضرائب، وكمثال على ذلك فقد أغلقت شركة جنرال موتورز أكثر من عشرين مصنعاً في الولايات المتّحدة وكندا، وأصبحت في الوقت ذاته صاحبة أكبر شركات تستقطب العمّال في المكسيك مُستفيدة من مميّزات المعجزة الاقتصاديّة التي خفّضت أجور العمّال بشكل حادّ[1]، وبذلك فإنّ النيوليبراليّة تتيح لأرباب الشركات فرصاً كثيرة لتحقيق الأرباح، في حين تضيّق على المواطنين الفرص في تحقيق حياة كريمة في أوطانهم بخاصّة أنّ الاحتياطي المالي الخاصّ بالدولة سوف لن يُستثمر في حلّ مشكلات الناس العالقة، وإنّما سوف يصبّ في صالح الشركات الرأسماليّة على شكل منح وقروض من أجل توسيع أنشطتها التجاريّة.

هنا بالذات يكمن جوهر الأطروحة الجديدة للنيوليبراليّة، والتي تفرّقها عن الليبراليّة الكلاسيكيّة، أنّ الليبراليّة الكلاسيكيّة تسعى إلى منع تدخّل الدولة في السوق الحرّ من أجل السماح للمستثمرين في العمل بحريّة، في حين أنّ النيوليبراليّة تدفع الدولة إلى التدخّل السلبي في السوق، وذلك من خلال دعم كبار المستثمرين على حساب المستثمرين الناشئين والقطاع الأوسع من الشعب، بمعنى أنّ النيوليبراليّة في عمقها الحقيقي تقوّض الديمقراطيّة وتلغي المنافسة العادلة للسوق الحرّة بحسب مبدأ البقاء للأقوى.

هذه العمليّة تساعد بطبيعتها على تمايز طبقة محدودة جداً من الحكوميين والتجّار المنتفعين من المال الحكومي على تحقيق

(49)

استثمارات وأرباح مهولة مقابل سحق الطبقة العاملة والفقيرة، وبخاصّة في الدول النامية، حيث تُرغَم الدولة على الانصياع لمؤسّسات عولميّة مثل صندوق النقد الدولي الذي يغلّ يد الحكومة عن إيجاد فرص لتحقيق الرفاه للمواطن العادي وتقديم الخدمات المجانيّة لمحتاجيها، وفي الوقت نفسه يدعم كبار المقاولين لتوسيع ثرواتهم، وبذلك تنشأ حالة عجيبة في البلدان النامية تجمع بعلاقة عكسيّة بين صعود العمران وهبوط الناس تحت خط الفقر.

غير أنّ سطوة الدولة النيوليبراليّة لا تتوقّف عند الاقتصاد بل تذهب إلى أبعد منه، فالمسألة هنا تدخّلية أكثر دهاء ومراوغة للدولة، يرى ميشال فوكو أنّها تعمل في بعض جوانبها غير المرئيّة على إرساء «معرفة سلطويّة جديدة» تشمل زجّ الثقافي في السياسي بالكامل التنفيذي، هكذا فإنّ الدولة النيوليبراليّة هي «مخاتل نهّاب» وفقاً لتعبير جيمس غالبريث العالم الاقتصادي الأميركي المعروف، فلقد نُسِجت حسب رأيه علاقات تواطؤ وثيقة بين الحاكمين والنخب الاقتصاديّة والماليّة والثقافيّة الجديدة[1].

بدأت أولى بوادر النيوليبراليّة في الولايات المتّحدة الأمريكيّة في العام 1980، بعدما أخذت النظريّة الاقتصاديّة الكينزيّة تتهاوى أمام تبعات التضخّم والركود كما ألمحنا سابقاً، إذ إنّ سياسة الدولة في الحفاظ على حقوق العمال كان يخفّض من قدرة المستثمرين على تنمية رؤوس أموالهم، ما يعني تخفيضاً في الإنتاج وتسريحاً

(50)

للعمال، وبالتالي ارتفاعاً في مستوى البطالة، وقد بلغت هذه التبعات ذروتها في منتصف السبعينيّات، وكان لا بدّ من التفكير في مخرج لهذه الأزمة الاقتصاديّة، ومع مجيء الرئيس رونالد ريغان (1911-2004) إلى سدّة الحكم، تمّ شنّ حملة على الاقتصاد الكينزي وتحرير سلطة الشركات للقضاء على ظاهرة التضخّم والركود في البلاد فيما عرف تاليا باسم صدمة فولكر[1]، إذ جرّدت قطاعات واسعة من السلطة الحكوميّة ابتداء من الخطوط الجويّة والاتصالات مع مهاجمة النقابات العماليّة وأصحاب المهن، إلى جانب تخفيض الضرائب على الشركات كثيراً من 70% إلى 28%[2].

حتّى ذلك الحين كانت النيوليبراليّة تبدو وكأنّها شأن أمريكي داخلي، وأنّ بوادر نقلها إلى العالميّة هو الحركة التالية التي قامت بها بنوك الاستثمار في نيويورك، التي جرت بين أيديها أموال ضخمة من أموال البترودولار عقب انتهاء أزمة المقاطعة الخليجية لأمريكا في العام 1973، إذ بحثت هذه البنوك عن منافذ تستثمر فيها هذه الأموال لتدرّ عليها الأرباح، ولمّا لم تكن الخيارات جيّدة داخل الولايات المتّحدة بالنظر لاقتصادها الذي لا يزال يعاني من الركود آنذاك، وجدت فرصتها في الخارج عند حكومات الدول النامية التي كانت مُتعطّشة للقروض، ولكنّ ذلك كان يعني أيضاً مواجهة خطر أن تتخلّف تلك الحكومات عن سداد ديونها مع سعر الفائدة،

(51)

فوضعت حكومة ريغان طريقة لحلّ هذه المشكلة من خلال إعادة جدولة سداد دين الحكومات الأجنبيّة بشرط أن تفعّل ذلك مقابل إصلاحات نيوليبراليّة، وأصبحت هذه الطريقة هي القاعدة المتّبعة، والتي وُصفت بأنّها عمليّة تطهير من قبل صندوق النقد الدولي لكلّ أثر لمبادئ الاقتصاد الكينزي في عام 1982، فصار مطلوباً من الدول المَدينة أن تخفّض نفقاتها على الخدمات الاجتماعيّة، وتسنّ قوانين أكثر مرونة لسوق العمالة والخصخصة مقابل إعادة جدولة ديونها، وبذلك أصبح صندوق النقد الدولي والبنك الدولي مركزين رئيسين لنشر وتطبيق مبادئ النيوليبراليّة عالميّاً[1].

وليس غريباً أن يكون هذا الفتح على يدي الرئيس ريغان مرشّح الحزب الجمهوري المحافظ، فمن المعروف أنّ هذا الحزب يستقطب التيّار المسيحي البروتستانتي، ما يعني أنّه الأقدر على تمرير المشروع النيوليبرالي في أمريكا بدعم من جماهير تؤيّده على أساس ديني، إذ يسهل توجيه الإشكاليّات التي يعاني منها المجتمع نحو مصادر ثقافيّة، وليس نحو مصادر اقتصاديّة، فكأنّ الأمر يدار باتفاق بين الرأسماليين والمحافظين ليحقّق كلّ طرف ما يصبو إليه من أهداف اقتصاديّة وسياسيّة[2].

وخلاصة لما تقدّم، فإنّ عصر العولمة انطلق بانتعاشة جديدة

(52)

لليبراليّة، وكان من أهمّ سمات هذه الانتعاشة تحرير جشع الشركات الرأسماليّة، وإعطاؤها دعماً لا محدوداً لكي تقود المشهد على نطاق عالمي باستغلال المبادئ التي ورثها عصر العولمة من عصر ما بعد الحداثة بكلّ ما تحمله من سيولة في العقائد والأخلاق، وانعدام في الرؤية الشاملة لصالح الرؤية الضيّقة، وتراجع الاهتمام بالشؤون الاجتماعيّة لصالح الاهتمام بالفردانيّة الأنانيّة، وإهمال القيم المعنويّة لصالح القيم الاستهلاكيّة.

هذه المبادئ الفكريّة التي ورثها عصر العولمة من عصر ما بعد الحداثة تجلّت كثيراً في العقود الأخيرة التي نعيشها، فأكثر البشر باتوا يستبدلون هويّاتهم الثقافيّة المُتجذّرة بهويّات يصطنعونها بأنفسهم وفقاً لمبادئ ليبراليّة مطلقة، حتّى وصلت النوبة إلى إعادة تعريف الجنس وفقاً على التوجّه الجندري، أو إعادة تعريف الأسرة على أنّها أكثر من زواج بين رجل وامرأة، أو بناء عقائد توليفيّة غريبة تجمع بين الاستهلاكيّة الغربيّة والروحيّة الشرقيّة، مع السعي المستمر إلى تغيير الأنماط ما أتاحت الفرصة إلى ذلك من سبيل. 

رابعاً: عرّابو العولمة

من الواضح أنّه لا يمكن عدّ العولمة وليدة أفكار محدّدة لشخصيّات معيّنة؛ لأنّها، كما أوضحنا سلفاً، جاءت عبر تراكم تراث فكري واسع تبلور في المجتمع الغربي خلال عصور مديدة، بحيث يكون لكلّ فيلسوف ومُنظّر في تلك الحقب حصّة من تحقّق العولمة ووصولها إلى ما هي عليه الآن.

(53)

ولكنْ على الرغم من ذلك، يمكن المرور ببعض النماذج من المُنظّرين الذين ارتبط اسمهم ارتباطا عضويّاً بالعولمة، نظراً لقربهم من عصرها ودورهم الواضح في الدفع نحو تطبيق مفاهيمها على الساحة الدوليّة، وذلك من خلال نظريّاتهم التي كانت تجمع أهمّ المبادئ السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة التي تمتاز بها العولمة اليوم، وتدفع في النهاية نحو إعطاء الاقتصاد الرأسمالي الليبرالي دفعة إنعاش كونيّة، بحيث لم يعد واضحاً إمكانيّة وضع بدائل عن هذا الاقتصاد على المدى المنظور، ولذلك آثرنا في هذه الفقرة ذكر ثلاث شخصيّات فقط من أبرز المفكّرين الذين يعدّون نماذج مثاليّة لعرّابي العولمة وهم: فريدريك هايك وميلتون فريدمان وجورج سوروس.

أ. فريدريك هايك Friedrich Hayek

عالم اقتصاد نمساوي الأصل، ولد عام 1899 منحدراً من أسرة علميّة ميسورة الحال، والده كان يعمل أستاذاً جامعيّاً أثّر على توجّهاته، فكان لديه حبّ التعلّم والاستطلاع، انضمّ في عام 1917 إلى فوج سلاح المدفعيّة بالجيش النمساوي المجري، وقاتل على الجبهة الإيطاليّة، وعانى من أضرار الحرب العالميّة الأولى، ومثل العديد من طلاب الاقتصاد في وقته اختار هايك دراسة الاقتصاد ليس لمصلحته الشخصيّة، وإنّما لتحسين الظروف الاجتماعيّة، إذ كان فقر فيينا بعد الحرب العالميّة الأولى بمثابة تذكير يومي بمثل هذه الحاجة، ويبدو أنّ الاشتراكيّة لم تقدّم حلاً لذلك[1].

(54)

درس الاقتصاد في جامعة فيينا، وحصل منها على درجة الدكتوراه في القانون عام 1921 وفي العلوم السياسيّة عام 1923، أصبح هايك مديراً للمعهد النمساوي الجديد لأبحاث دورة الأعمال، وفي أوائل ثلاثينيّات القرن العشرين انتقل إلى كليّة لندن للاقتصاد، فمكث فيها ثمانية عشر عاماً ليحصل على الجنسيّة البريطانيّة عام 1938 [1].

يُعدّ هايك من أشهر تلاميذ الفيلسوف النمساوي الشهير لودفيج ميزس (1881-1973) المعروف بتأثيره الكبير على الحركة الليبرتاريّة الحديثة، والليبرتاريّة هي مذهب فلسفي سياسي يدعو إلى إطلاق الحريّة الفرديّة من كلّ قيود مفروضة عليها من قبل الدولة أو المجتمع كالعادات والتقاليد وتقليص حجمها قدر المستطاع.

في عام 1944 أصدر هايك أحد أكثر كتبه تأثيراً (الطريق إلى العبوديّة) حذّر فيه البريطانيّين من أتباع الاشتراكيّة، وكانت حجّته الأساسيّة في ذلك هي أنّ سيطرة الحكومة على الحياة الاقتصاديّة ترقى إلى مستوى الشموليّة، وكتب قائلاً: «الضبط الاقتصادي ليس مجرّد سيطرة على أحد قطاعات الحياة البشريّة بمعزل عن غيره من القطاعات الأخرى، بل هو التحكّم في الوسائل التي تحقّق غاياتنا جميعاً»، ومن المثير للدهشة أنّ العالم الاقتصادي كينز صاحب النظريّة الكينزيّة قد أشاد بالكتاب قائلاً: «في رأيي إنّه كتاب كبير...

(55)

من الناحية الأخلاقيّة والفلسفيّة أجد نفسي متّفقاً مع الأمر برمّته تقريباً، ليس متّفقاً حسب، بل مُتّفقاً بشدّة»[1].

تُعدّ كتابات هايك حول رأس المال والمال ودورة الأعمال أهمّ مساهماته في الاقتصاد، وبناءً على نظريّة أستاذه ميزس للمال والائتمان، أظهر هايك كيف ترتبط التقلّبات في الإنتاج والتوظيف على مستوى الاقتصاد بهيكل رأس مال الاقتصاد، وفي كتابه (الأسعار والإنتاج) الصادر عام 1931 قدّم نظريّة (المثلّثات الهايكيّة) لتوضيح العلاقة بين قيمة السلع الرأسماليّة ومكانها في التسلسل الزمني للإنتاج، وفي كتابه (النظريّة النقديّة ودورة التجارة) الصادر عام 1933 أظهر هايك كيف أنّ الحقن النقدي عن طريق خفض معدّل الفائدة إلى ما دون معدّله الطبيعي يشوّه هيكل الإنتاج بين فترات زمنيّة[2].

في عام 1950 أصبح أستاذاً في لجنة الفكر الاجتماعي بجامعة شيكاغو، ولم يكن تمويله من الجامعة وإنّما من مؤسّسة خارجيّة هي صندوق وليام فولكر، وهناك أثّر على مجموعة من الاقتصاديين، منهم ميلتون فريدمان، وعمل مع كلّ من فرانك نايت وفريدمان وجورج ستيجلر على تأسيس منتدى دولي للّيبراليين الجدد، والذي أُعيد تسميته فيما بعد باسم معهد الدراسات بين الكليّات، وهو منظّمة طلابية أمريكيّة مكرّسة للأفكار التحرّرية[3].

في عام 1974 حصل هايك على جائزة نوبل التذكاريّة في

(56)

العلوم الاقتصاديّة مع جونار ميردال لبحوثيهما في التقلّبات الاقتصاديّة وترابط الظواهر الاقتصاديّة والاجتماعيّة والمؤسّساتيّة، وفي عام 1984 تمّ تكريمه بوسام الشرف لمساهماته الأكاديميّة في الاقتصاد، كما حصل على جائزة هانس مارتن شلاير في العام ذاته، ونال وسام الحريّة الرئاسي من الرئيس جورج بوش الأب عام 1991، وفي العام 2011 تمّ اختيار مقالته الموسومة (استخدام المعرفة في المجتمع) كواحدة من أفضل 20 مقالة نُشرت في المجلّة الاقتصاديّة الأمريكيّة خلال المئة عام الأولى من نشرها[1].

كان لفريدريك هايك أثر كبير على حزب المحافظين البريطاني، ويروى في هذا الصدد قصّة عن اجتماع للحزب كانت تتزعّمه مارغريت تاتشر عقب تولّيها رئاسة الوزراء، فعندما بدأ أحد الأعضاء بشرح المبادئ الأساسيّة التي يقوم عليها حزب المحافظين، فتحت تاتشر حقيبتها وأخرجت كتابا رثّاً، وصفقته على الطاولة، وقالت: «هذا ما نؤمن به»، كان الكتاب هو (دستور الحريّة) لهايك الذي نشره عام 1960، وبدأ فيه بترويج أضيق لمفهوم الحريّة: وهو غياب الإكراه وقبول مفاهيم الحريّة السياسيّة والحقوق العالميّة والمساواة بين البشر وتوزيع الثروة، كما رأى أصحاب الثروات الكبيرة في هذا الكتاب فرصة للدفاع عن أنفسهم ضدّ الديمقراطيّة، لذا شكّلوا جماعات ضغط ومؤسّسات لنشر فكر فريدريك هايك والسرديّة الجديدة النيوليبراليّة[2].

(57)

وبحسب البروفسور كوين سلوبوديان من جامعة هارفارد: إنّ فريدريك هايك ورفاقه من النيوليبراليين أرادوا «ليس فقط مقاومة الفاشيّة والشيوعيّة، بل أيضاً قمع قوّة الجمهور الديمقراطي»، وقد زار هايك ديكتاتور تشيلي الجنرال بينوشيه، وقال: «ديكتاتور ليبرالي أفضل من حكومة ديمقراطيّة تنقصها الليبراليّة»[1].

ب. ميلتون فريدمان Milton Friedman

عالم اقتصاد أمريكي، ولد في نيويورك سنة 1912، وتربّى وسط أسرة يهوديّة مهاجرة متواضعة الحال، حصل على منحة دراسيّة في جامعة روتجرز، ودرس الرياضيّات والاقتصاد، وحصل على درجة البكالوريوس عام 1932، ثمّ حصل على الماجستير من جامعة شيكاغو عام 1933، وحصل على الدكتوراه من جامعة كولومبيا في عام 1946، وفي عام 1951 حصل على وسام بيتس كلارك، الذي يُكرّم الاقتصاديين تحت سنّ الأربعين تقديراً لإنجازاتهم المتميّزة، عمِل مستشاراً للرئيس ريتشارد نيكسون، وكان آنذاك رئيساً للجمعيّة الاقتصاديّة الأمريكيّة في عام 1967، تقاعد من جامعة شيكاغو عام 1977، لكنّه واصل نشاطه العملي بمعهد هوفر بجامعة ستانفورد كزميل باحث[2].

واصل نشاطه في السياسة العامّة منذ عام 1977، وكتب مقالات

(58)

مستمرّة لمجلةّ نيوزويك، كما نشرت له الصحف الكبرى العديد من مقالات الرأي، وعمل كمستشار غير رسمي لرونالد ريغان خلال ترشيحه للرئاسة عام 1980، وكعضو في المجلس الاستشاري للسياسة الاقتصاديّة للرئيس خلال مدّة رئاسته، وفي عام 1988 منحه الرئيس ريغان وسام الحريّة الرئاسي، وفي العام نفسه حصل على الميداليّة الوطنيّة للعلوم، وفي عام 1976 حصل على جائزة نوبل في الاقتصاد لإنجازاته في مجال تحليل الاستهلاك والتاريخ النقدي.

كان ميلتون يسافر خارج أمريكا على نطاق واسع منذ عام 1977، وأهمّ رحلاته كانت إلى الصين ثلاث مرّات: الأولى في عام 1980 ألقى فيها سلسلة من المحاضرات برعاية الحكومة الصينيّة، والثانية في عام 1988 لحضور مؤتمر في شنغهاي حول التنمية الاقتصاديّة الصينيّة، وخلالها عقد جلسة مهمّة مع الرئيس الصيني دينغ تشاوبينغ، أمّا الرحلة الثالثة فقد كانت عام 1993 جال خلالها في جميع أنحاء الصين، واطلّع على المرحلة الأولى من تحوّل الاقتصاد الصيني المركزي إلى اقتصاد السوق الحرّ[1].

تأثّر فريدمان بالمدرسة الليبراليّة في الاقتصاد، ويُعدّ أحد أهمّ منظّري (النظريّة النقديّة) ومن أبرز الأكاديميين المنتمين لمدرسة شيكاغو، أمضى حياته مُدافعاً عن المذهب الليبرالي والأسواق الحرّة ومُروّجاً للأفكار الليبراليّة عبر العالم من خلال محاضراته

(59)

وبرنامجه التلفزيوني (حريّة الاختيار) الذي أُذيع في بلدان عدّة، وقد سطّر ملامح نظريّته النقديّة في كتاب (التاريخ النقدي للولايات المتّحدة) الذي ألَّفه مع الباحثة أَنَّا شوارتز، وطوّرها في كتابات لاحقة مثل (النقود: النظريّة الكميّة) و(الثورة المضادّة في النظريّة النقديّة)، وأكّد أنّ السياسة النقديّة التي تقوم بها الحكومة بتحفيز الاقتصاد من خلال رفع حجم الكتلة النقديّة هي سياسة غير فعّالة وتؤدّي فقط إلى التضخّم، وكتب قائلاً: «التضخّم هو دائماً وأينما وُجد ظاهرة نقديّة، بالنظر إلى أنّه ينتُج عن زيادة في كمّية النقود تفوق زيادة الإنتاج، وأنّه لا يمكن أن يكون نتيجة لغير ذلك»[1].

اقترح فريدمان تبعاً لهذا التحليل خفض الكتلة النقديّة ورفع أسعار الفائدة للتخلّص من التضخّم الذي عدّه آفة تضُرّ بالاقتصاد على المدى البعيد، كما قدَّم تفسيراً لظاهرة (الركود التضخّمي) الذي يعني حصول نمو بطيء مصحوب بتضخّم قوي، والذي تعرّضت إليه الاقتصادات الغربيّة في السبعينيّات بعد أزمتي النفط في 1973 و1979، وأوضح أنّه لا يكفي تخفيض أسعار الفائدة لإنعاش الاستثمار والنمو[2].

حمل فريدمان لواء النظريّة النيوليبراليّة التي نظّر لها الفيلسوف لوفيغ ميزس وتلميذه فريدريك هايك، وبذلك يمكن عدّه أشهر من أعطى لنظام العولمة ملامحه النهائيّة، إذ سعى إلى تدمير آخر معاقل

(60)

الاقتصاد الكينزي، كما كان يشجّع على تعويم العملة وتحديد أسعارها بكامل الحريّة وفقاً لأسواق الصرف بعيداً عن اتفاقات الدول للحيلولة دون لجوء الحكومات إلى سياسات خفض سعر العملة بغرض تعزيز تنافسيّة شركات بلدانها، كما دعا إلى فكّ البنوك المركزيّة عن سلطة الحكومات كيلا يتمّ استغلالها لضخّ العملة لأغراض انتخابيّة، وكان يؤكّد بأنّ الأسواق قادرة على تعديل أزماتها بنفسها من دون حاجة إلى تدخّل الحكومات، وهي الفكرة القديمة لآدم سميث فيما يسمّى باليد الخفيّة للسوق.

لم تكن أفكار فريدمان مهمّة لدى صناّع القرار السياسي في بادئ الأمر، إلّا أنّ أزمات التضخّم التي راحت تعصف باقتصاديّات الدول الرأسماليّة في السبعينيّات أدّت إلى إحياء أفكاره، ولهذا كان فريدمان يرى بأنّ الأزمات تمثّل فرصاً ذهبيّة لإحداث تغييرات اقتصاديّة جذريّة التي يجب أن يستغلّها، فصرّح قائلاً: «وحدها الأزمة -الواقعة أو المنظورة- هي التي تُحدث تغييراً فعليّاً، فعند حدوث تلك الأزمة تكون التدابير المُتخذة منوطة بالأفكار المُحيطة، تلك هي وظيفتنا الأساسيّة على ما أعتقد: نطوّر البدائل للسياسات الموجودة، وأن نُبقي تلك البدائل قائمة ومتوفّرة حتّى يصبح المُستحيل سياسيّاً حتميّة سياسيّة»[1]، وقد تمّ بالفعل اتّباع هذه السياسة في العديد من البلدان لاحقاً، وذلك ما دفع نعومي كلاين[2] إلى تشبيه فريدمان بالطبيب النفسي إيوان كاميرون الذي

(61)

كان يعمل على محو ذاكرة مرضاه وإعادة بناء شخصيّاتهم باستخدام الصدمات[1].

إنّ وصول مارغريت تاتشر ورونالد ريغان إلى الرئاسة في كلّ من المملكة المتّحدة والولايات المتّحدة خلال عامي 1979 و1980 ساعد إلى حدّ كبير في تطبيق نظريّة فريدمان الاقتصاديّة ونشرها على نطاق عالمي، أضف إلى ذلك فقد سعى الرئيس الصيني دينغ تشاوبينغ في عام 1978 إلى تطبيق مبادئ فريدمان لتمكين الصين من الالتحاق بالنهضة الاقتصاديّة للنمور الآسيويّة.

بسبب أزمة قلبيّة توفّي ميلتون فريدمان في عام 2006 تاركاً معارضين كُثراً لآرائه الاقتصاديّة التي انتشرت انتشار الهشيم في شرق الأرض وغربها، ليس بسبب توافرها على عوامل النجاح بقدر تلقّيها الدعم من قبل القوى الرأسماليّة النَهِمة الساعية نحو مراكمة الأرباح بالانفلات من كلّ عقال.

ت. جورج سوروس George Soros

يشتهر الملياردير الأمريكي جورج سوروس بأوصاف مُتناقضة، فمن جانب يُوصف بكونه أكبر مُحسن في مجال الأعمال الخيريّة في العالم، وبالمقابل يُوصف بأنّه راعي الاضطرابات الاجتماعيّة في العالم، إذ يسعى بشكل جادّ إلى خلق مجتمع ليبرالي عالمي موحّد، ما يجعله مُستحقّاً عن جدارة للقب (جيفارا العولمة).

(62)

وُلد عام 1930 في بودابست عاصمة المجر مُنحدراً من أسرة يهوديّة وسطى نجت من القمع النازي لليهود بفضل تغيير هويّتها إلى المسيحيّة، هاجر إلى بريطانيا بعد سنتين من نهاية الحرب العالميّة الثانية، وواصل دراسته هناك ليحصل على شهادة البكالوريوس في الاقتصاد، وشهادة الماجستير في السياسة والاقتصاد ثمّ الدكتوراه في الفلسفة من جامعة لندن.

عمل في البنوك التجاريّة البريطانيّة، ثمّ هاجر للولايات المتّحدة عام 1956، وهناك تمكّن من جمع ثروة تنامت بشكل صاروخي لتبلغ في عام 2011 قرابة 25 مليار دولار، وقد اشتهر بلقب (الرجل الذي حطّم بنك إنكلترا)، إذ كانت لديه توقّعات دقيقة بقرب انهيار العملة البريطانيّة في عام 1992، فقام بعمليّة مضاربة مصرفيّة تمثّلت ببيعه ما يعادل 10 مليارات دولار من ثروته بالجنيه الإسترليني، ومع حصول ما توقّعه من انهيار للجنيه الإسترليني فيما يعرف بالأربعاء الأسود، حقّق سوروس ربحاً صافياً قدره مليار دولار في يوم واحد، وتُعزى دقّة تنبؤاته بفضل نظريّته الانعكاسيّة في الاقتصاد[1].

تأثّر سوروس كثيراً بأستاذه الفيلسوف الشهير كارل بوبر

(63)

(1902-1994) صاحب كتاب (المجتمع المفتوح وأعداؤه) الذي انتقد فيه الأفكار المُتعلّقة بالحتميّة التاريخيّة لكلّ من أفلاطون وهيغل وماركس، كما يُعدّ بوبر من أشدّ أنصار الليبراليّة، وعدواً لدوداً للمبادئ الاشتراكيّة، إذ يُنقل عنه في هذا الصدد قوله: «الحريّة أهمّ من المساواة، وأنّ محاولة تحقيق المساواة من شأنها أن تُهدّد الحريّة، وأنّ الحريّة إذا فُقِدَت فلن يتمتّع فاقدوها بالمساواة».

منذ عام 1987 نشر سوروس 14 كتاباً وعدداً من المقالات في مجلّة نيويورك ريفيو أوف بوكس ​​ونيويورك تايمز وغيرها، توضّح مقالاته أنّ مبدأه الفكري هو مبدأ دولي، شأنه في ذلك شأن كثيرين من يسار الوسط الذين برزوا في التسعينيّات، بحيث يرى أنّ هدف الوجود الإنساني المعاصر هو إنشاء عالم لا تحدّه الدول ذات السيادة، وخلق مجتمع مفتوح عالمي يشترك فيه الجميع بتحقيق الحريّة والمساواة والازدهار، بالمقابل يصف المجتمعات المُغلقة بأنّها تعاني من نمط تفكير عقائدي يجعل من المستحيل عليها التكيّف مع التقلّبات المُتغيّرة للتاريخ، لذلك يُجبر الناس في المجتمعات المُغلقة على الالتزام بأيديولوجيّة رجعيّة غير مُقنعة بشكل مُتزايد، ويزعم سوروس أنّه عندما تنفصل هذه العقيدة أخيراً عن الواقع بشكل واضح فسوف تقع ثورة تقلب المجتمع المُغلق، أمّا المجتمعات المفتوحة فهي بحسب سوروس ديناميكيّة وقادرة على تصحيح المسار كلّما ابتعدت عقائدها عن الواقع[1].

(64)

بدأ سوروس بتنفيذ أنشطته «الخيريّة» منذ عام 1979، وأنشأ في عام 1986 منظّمة تدعى (مؤسّسة المجتمع المفتوح) تبرّع لها من ثروته بمبلغ 32 مليار دولار من أجل دعم حركات النضال الليبرالي حول العالم، وسُرعان ما تحوّلت المنظّمة إلى شبكة عابرة للقوميّات في 120 دولة، وتعدّ منظّمة مؤسّسة المجتمع المفتوح ثالث أكبر صندوق خيري في العالم بعد مؤسّسة بيل غيتس ومؤسّسة ولكام تراست[1]، وقد شملت المنظّمة تمويل المنح الدراسيّة للطلاب السود في نظام الفصل العنصري بجنوب إفريقيا، لكنّ اهتمام سوروس الرئيس كان منصبّاً على الكتلة الشيوعيّة في أوروبا الشرقيّة، إذ اعتبر أنّ بلدان أوروبا الشرقيّة الشيوعيّة هي النماذج النهائيّة للمجتمعات المُغلقة كما كان يرى أستاذه بوبر، إذ «ضخّ سوروس بعد سقوط جدار برلين في عام 1989 مئات الملايين من الدولارات في دول الكتلة السوفييتيّة لتعزيز المجتمع المدني والديمقراطيّة الليبراليّة، وكان ذلك بالنسبة لدول أوروبا الشرقيّة أشبه بخطّة مارشال نفّذها رجل واحد، وهي مبادرة خاصّة لم يسبق لها مثيل في التاريخ»[2].

ويُعدّ سوروس من أهم مموّلي (مجموعة الأزمات الدوليّة)، وهي منظّمة غير حكوميّة تعمل على منع نشوب الأزمات والنزاعات في العالم من خلال قيامها بدراسات ميدانيّة مُفصّلة وتقديم استشارات رفيعة المستوى للحكومات من أجل اتّخاذ تدابير كفيلة

(65)

بمنع النزاعات الدوليّة، ويحتلّ سوروس مقعداً في مجلس الأمناء للمجموعة، كما أسّس منظّمة النهضة الدوليّة في عام 1990 التي تعدّ جزءاً من منظّمة المجتمع المفتوح، وتعدّ من أكبر المؤسّسات الخيريّة في أوكرانيا، وقد تفاخر سوروس في أحد لقاءاته بقناة CNN الأمريكيّة بأنّ هذه المنظّمة قد لعبت دوراً مهمّاً في إشعال الاحتجاجات الشعبيّة التي شهدتها أوكرانيا عام 2014، والتي أسفرت عن عزل الرئيس فيكتور يانوكوفيتش الموالي لروسيا وصعود تيّار سياسي وثيق الصلة بالاتحاد الأوروبي[1].

تعرّض سوروس بفعل دعمه الصريح للثورات الليبراليّة إلى هجمات شرسة من قبل اليمين الأمريكي المُتطرّف، وقد اتّهمته مراكز الإعلام الغربيّة بأنّه يقف وراء معظم الاحتجاجات الشعبيّة التي اجتاحت أوروبا وبلدان أخرى، وكان له دور كبير في حرب البلقان وهزيمة صربيا وتمويل ثورتين في أوكرانيا، كما تتّهمه تركيا بتمويل مظاهرات إسطنبول عام 2013 متّهمة إياه بأنّه يسعى لتقسيم تركيا، كما اتّهمته الحكومة الروسيّة بالوقوف خلف موجة الاحتجاجات التي اجتاحت موسكو عام 2015 بحيث قامت بإغلاق جميع مؤسّساته في روسيا، كما اتّهمته حكومة دونالد ترامب بأنّه موّل قوافل المهاجرين من أمريكا اللاتينيّة لإجبار الحكومة الأمريكيّة على فتح الحدود وإغراق أمريكا بالمهاجرين، ليصبح السكان البيض أقليّة في بلدهم، ما أثار نداءات من بعض أعضاء الحزب الجمهوري عام 2017م تدعو إلى

(66)

إسقاط الجنسيّة الأمريكيّة عنه وترحيله إلى بلده الأصلي، كما تعرّض إلى محاولة اغتيال فاشلة بإرسال طرد مُلغّم إلى داره في نيويورك[1].

ومن المفارقة أنّ سوروس يستند في دعمه للثورات الملوّنة[2] على أساس النظريّة الانعكاسيّة التي طبّقها في الاقتصاد، ففي مقال له في صحيفة فايننشال تايمز يشرح استخدامه لعبارة «اللحظة الثوريّة» على أنّها عبارة انعكاسيّة تستمد قيمتها الحقيقيّة من الوَقْع الذي تحدثه، لا من الواقع الذي تستند عليه، وفي حال دخلت هذه العبارة فيما يسمّيه سوروس «حلقة التلقيم الراجع الإيجابي» فقد تلقى سوقاً شعبيّاً يتداولها لتُحدث التأثير المرجو منها، فليس المطلوب من الثوّار إلّا إدراك أنّ اللحظة فعلاً ثوريّة لينعكس ذلك وضعاً مؤاتياً للثورة، في المقابل فإنّ انعدام التوازن بين الواقع وتفاؤل «الانعكاسيين» قد ينتج وَقْعاً مُعاكساً، فما يقوله سوروس هو: أنّ وَقْع «اللحظة الثوريّة» إمّا أن يكون ثورة ملوّنة أو جلّ ما ينجزه هو إنتاج فقاعة من مجتمع مُنتفخ[3].

(67)
(68)

 

 

 

 

 

الفصل الثاني

مُنظّمات عصر العولمة

 

(69)
(70)

الفصل الثاني: مُنظّمات عصر العولمة

أوّلاً: مُنظّمات اقتصاديّة

تمثّل المنظّمات الاقتصاديّة الدوليّة حجر الزاوية في نظام العولمة المعاصر باعتبار أنّ العولمة نشأت على أساس رأسمالي، كما أوضحنا سالفاً، وهذه المنظّمات تعمل على تعزيز التناغم الاقتصادي على صعيد عالمي، وفكّ النزاعات التجاريّة بين الدول، ووضع خطط الإنقاذ أمام أيّ كساد اقتصادي مُتوقّع، والأهمّ من ذلك أنّ المنظّمات الاقتصاديّة الدوليّة تفرش البساط الأحمر أمام النيوليبراليّة لتتمدّد على أوسع نطاق، وكلّ ذلك يضمن استقرار مصالح الشركات مُتعدّدة الجنسيّات والبنوك وديمومة عمل البورصات العالميّة.

والمنظّمات الاقتصاديّة الدوليّة عديدة أسّست غالباً بعد الحرب العالميّة الثانية، بعضها يشمل مجموعة دول مثل منتدى مجموعة العشرين[1]، في حين يشمل بعضها الآخر كلّ دول العالم أو أغلبّيتها، وفي هذه الفقرة سوف نتناول أهمّ المنظّمات التي لها الدور الأكبر في ترسيخ العولمة على النطاق الكوني: صندوق النقد الدولي IMF ومجموعة البنك الدولي WBG ومنظّمة التجارة العالميّة WTO.

(71)

أ. صندوق النقد الدولي IMF

بعد نهاية الحرب العالميّتين والكساد الكبير في ثلاثينيّات القرن العشرين، خرجت كثير من الدول بضرر اقتصادي عظيم، فمن ناحية كان الاقتصاد العالمي في حالة فوضى بسبب عدم وجود أسعار صرف ثابتة للعملات، فكانت الدول تعمد إلى تخفيض قيمة عملاتها لتخفيض سعر صادراتها من أجل كسب الأسواق العالميّة، وذلك يدفع دولاً أخرى إلى اتخاذ أسلوب الحمائيّة ضدّ الصادرات ما يسبّب شلّ حركة التجارة العالميّة، ومن ناحية أخرى كانت كثير من البلدان تعاني من ضرر بالغ في البُنى التحتيّة والتضخّم الاقتصادي بسبب الحرب العالميّة الثانية، فكان من الضروري بالنسبة لها إيجاد حلّ سريع ينهي هذه الأزمات.

تصدّت الولايات المتّحدة الأمريكيّة لإيجاد مخرج من ذلك بعد أن خرجت من الحرب العالميّة الثانية كمنتصر أوّل، كما كانت لها استحقاقات كبيرة على حلفائها الأوروبيين، ولم تكن بُناها التحتيّة مُتضرّرة بسبب الحرب، والأهمّ من ذلك أنّها كانت تستحوذ على أكثر من نصف طاقة التصنيع العالميّة، وتحتفظ بمعظم كمّيات الذهب في العالم، وعلى هذا الأساس رعت مؤتمر النقد الدولي الشهير باسم اتفاقيّة بريتون وودز Bretton Woods في العام 1944 شارك فيها ممثّلون عن 44 دولة، وتمثّل هذه الاتفاقيّة بادرة تأسيسيّة لتمدّد الاقتصاد الرأسمالي الموحّد، وبذلك تعدّ هذه الاتفاقيّة البذرة الأوليّة لتأسيس المنظّمات الاقتصاديّة التي ستقود العولمة لاحقاً.

(72)

قرّر القادة المجتمعون في اتفاقيّة بريتون وودز تثبيت أسعار صرف العملات الأجنبيّة عن طريق ربطها بالدولار الأمريكي مع ربط الأخير بالذهب، والاتفاق على تثبيت سعره بما يعادل 35 دولاراً للأونصة الواحدة من الذهب، وبذلك تمّ تأمين سعر العملة المحليّة لأيّ بلد وفقاً لمخزون الذهب أو الدولار لديها، كما أسهمت الاتفاقيّة برفع العوائق الدوليّة بشأن الإقراض والتجارة الدوليّة وميزان المدفوعات، ما يجعل من عمليّة إعادة إعمار البلدان التي دمّرتها الحرب العالميّة ميسوراً، وأوكلت مهمّة تطبيق بنود الاتفاقيّة لمنظّمتين دوليّتين في وقت انعقاد الاتفاقيّة هما: صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

يُدار صندوق النقد الدولي من 189 عضواً يمثّلون دول العالم، ويقع مقرّه في واشنطن، تتشكّل ميزانيّته من اشتراكات الدول الأعضاء فيه، وتتفاوت قيم الاشتراكات بحسب مكانة الدولة في الاقتصاد العالمي، لذلك تمتلك الولايات المتّحدة حصّة الأسد من ميزانيّة الصندوق، ما يجعلها الوحيدة التي تملك حقّ الفيتو على قراراته -بخلاف مجلس الأمن الدولي الذي تتقاسم فيه حقّ الفيتو خمس دول- ويعمل الصندوق على منح القروض القصيرة والمتوسطة الأجل لضمان سيولة العملة الصعبة لدى احتياطات الدول الأعضاء عند الحاجة.

كان الاقتصادي جون مينارد كينز يرغب في أن يكون صندوق النقد الدولي اتحاد تصفية دولي، يُقدّم القروض للاقتصاديّات التي تعاني مشكلات، وألّا تكون هناك شروط على هذه القروض، ورأى

(73)

أنّه أداة عدل، فمن خلاله تمنح الدول الغنيّة المساعدة للدول الفقيرة للحفاظ على استقرار نسبي، ولكنّ واقع صندوق النقد الدولي تبدّل في نهاية الأمر، وبدلاً من ذلك فقد بدأ يتّخذ قرارات بإعطاء القروض طبقاً للحصص، ويتمّ حسابها من خلال حقوق السحب الخاصّة، وتُحسب وفقاً لكمّية رأس المال الذي تمتلكه الدولة بالفعل، الذي يبدو أنّه يعمل بالضبط ضدّ الأهداف التي فكّر بها كينز على الأقلّ، والأهمّ من ذلك أنّ صندوق النقد الدولي بدأ يفرض برنامج تكيّف هيكلي وشروطاً أخرى على اقتصاد الدول المُقترضة، إذ تستلزم القروض المشروطة تخفيضات في إنفاق الخدمات العامّة مثل الرفاهية والصحّة وخصخصة صناعات معيّنة مثل المياه والكهرباء، وكان تأثير خصخصة المياه على وجه الخصوص كارثة في بعض المناطق، فقد أصبحت تكلفة المياه تمنع من الاشتراك في هذه الخدمة، وبذلك اكتسب صندوق النقد الدولي أسوأ سمعة[1].

بفعل هذه السياسة الاقتصاديّة لصندوق النقد الدولي تناقص الحدّ الأدنى من الأجور بشدّة في أمريكا اللاتينيّة بين عامي (1985 -1992)، كما ارتفع عدد الفقراء بنسبة 50% فيما بين أعوام (1986 -1990)، وتزايد الدين الخارجي لأمريكا اللاتينيّة أكثر من 45 بليون دولار خلال الفترة من ديسمبر 1991 وحتّى يونيو 1993 ليصل إجماليه إلى 463 بليوناً[2]، وعند انتشار أزمة الاقتصاد الكبيرة

(74)

في شرق آسيا بين عامي (1997-1998) كان صندوق النقد الدولي سبباً في تفاقم الأزمة وانتشارها، فصندوق النقد بدعوته المتواصلة للحكومات على اتّباع السياسات الانكماشيّة جعل الانكماش الاقتصادي ينتقل من بلد لآخر، فعندما يعمد البلد الذي يعاني من أزمة ماليّة إلى تقليص استيراداته من جيرانه فسوف يجرّ جيرانه معه[1].

وإنّ أحد أهمّ الدلائل التي تؤكّد خطورة ما يقوم به صندوق النقد الدولي ما أفاد به نائب رئيس البنك الدولي السابق جوزيف ستكتلز، الذي يُعدّ من أهمّ الشخصيّات الاقتصاديّة الحائزة على جائزة نوبل، إذ أكّد في كتاباته ومقابلاته التلفزيونيّة بأنّ صندوق النقد الدولي يخضع لمصالح عالم المال العامل على المستوى العولمي والمجموعات الاقتصاديّة مُتعدّدة الجنسيّات، وأنّ شروط الصندوق التي يضعها أمام الدول المُهدّدة بخطر الانكماش الاقتصادي في أفريقيا وشرق آسيا وشرق أوروبا أدّت إلى إفقار جزء كبير من سكّان هذه المناطق، ويرى ستكتلز أنّ دولاً مثل إثيوبيا وماليزيا استطاعت أن تحقّق الاستقرار بقدراتها الذاتيّة؛ لأنّها رفضت العلاج بالصدمة لصندوق النقد[2]، يقول ستكتلز: «على مرّ السنين ومنذ انبثاقه، تغيّر صندوق النقد الدولي بشكل ملحوظ، فهو أُسّس بناءً على اعتقاد بأنّ الأسواق غالباً ما تعمل بشكل رديء، أمّا الآن فهو يتربّع على هيمنة السوق بحماسة عقائديّة، وأسّس على الاعتقاد بوجود حاجة لممارسة ضغط دولي على البلدان من أجل اعتماد المزيد من

(75)

السياسات الاقتصاديّة التوسعيّة -كزيادة الإنفاق وتقليل الضرائب أو خفض معدّلات الفائدة لتحفيز الاقتصاد- واليوم كما هو مألوف لا يمنح الصندوق أموالاً إلّا إذا اعتمدت البلدان سياسات كخفض العجوزات وزيادة الضرائب أو زيادة معدّلات الفائدة ممّا يؤدّي إلى انكماش الاقتصاد، وممّا لا ريب فيه أنّ كينز سيتلوّى في قبره لو قُيّض له رؤية ما حدث لولده الذي أنجبته بنات أفكاره»[1].

ب. مجموعة البنك الدولي WBG[2]

هي مؤسّسة ماليّة تقدّم قروضاً منخفضة الفائدة واعتمادات من دون فائدة ومِنَحاً للدول النامية، تستخدم بشكل أساس في تطوير البُنى التحتيّة مثل السدود والطرق وشبكات المواصلات وتوليد الطاقة وتخزينها والصحّة والتعليم في تلك الدول، يجمع البنك الدولي أمواله من القروض والمِنح من الأعضاء الذين يمتلكون البنك، ومن الاستثمارات في الأسواق العالميّة، ولا يمكن الحصول على العضويّة فيه إلّا بعد الحصول على عضويّة في صندوق النقد الدولي، وهكذا ترتبط المؤسّستان إحداهما بالأخرى[3].

(76)

وقد ورد في دليل دائرة الحقوق الصادر عن جامعة مينيسوتا الأمريكيّة أنّ مراجعة ما تضمّنته برامج التكيّف الهيكلي من سياسات تتعلّق بظروف العمل يكشف لنا عن دور البنك الدولي في تقويض الديمقراطيّة وحقوق الإنسان، فقد ذكرت مقالة نشرتها صحيفة لوس أنجلس تايمز في آب 1998 أنّ البنك قام بتدريب المسؤولين الأندونيسيين لعزل أنفسهم عن الضغوط الناجمة عن وجود تعدّدية نقابيّة ولقمع النقابات المُستقلّة، وتُشير المقالة إلى دراسة مرموقة للبنك مُلمّحةً إلى أنّ إحدى المزايا الأساسيّة المستمدّة من قمع النقابات هي إطلاق العنان للبيروقراطيّات الحكوميّة لتنفيذ تدابير التقشّف الاقتصادي وفرض التكيّف الهيكلي عنوة بما يفتح الباب للاستثمار الخاصّ، وتقول هذه الدراسة المُعنونة باسم (معجزة شرق آسيا) أنّ الحكومات في اليابان وكوريا وسنغافورة وتايوان والصين وبدرجة أقلّ ماليزيا قامت بإعادة هيكلة القطاع العمالي لقمع الأنشطة الراديكاليّة في محاولة لضمان الاستقرار السياسي، فألغت النقابات المهنيّة وحثّت على إنشاء نقابات للشركات والمشروعات[1].

ومنذ سبعينيّات القرن العشرين وبرامج التكيّف الهيكلي تمثّل حوالي 25%من إجمالي قروض البنك الدولي، ويتضمّن هذا التكيّف تقليل حجم الإنفاق الحكومي وخصخصة الصناعات المملوكة للدولة، وتقليل سيطرة الحكومة على القطاع العام، وإعادة

(77)

هيكلة القطاعات الاقتصاديّة للامتثال لقواعد تحرير التجارة وغير ذلك من المُحدّدات المُماثلة، وتكاد عمليّة التفاوض على برامج التكيّف الهيكلي أن تقتصر على البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ووزارات الماليّة من دون مشاركة المجتمع المدني، وفي أغلب الأحوال لا تُتاح للعامّة معلومات عنها على الرغم من أنّ هذه البرامج تؤدّي إلى آثار ضارّة خصوصاً على المدى القصير[1].

ممّا سبق يتبيّن لنا أنّ كلاً من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي يمتلكان هيمنة كبيرة على النشاطات الاقتصاديّة للدول الأعضاء، فمن خلال ما يُقدّمانه من تسهيلات ماليّة فإنّ الحكومات المُستفيدة ستكون مرغمة على الخضوع لتعديلات اقتصاديّة جذريّة وفقاً لشروط هاتين المؤسّستين، بحيث يرتهن استمرار التسهيلات الماليّة منهما بمدى فعّالية تنفيذ تلك التعديلات.

إنّ الصلاحيات الواسعة التي بيد صندوق النقد الدولي والبنك الدولي جعلتهما يلعبان مهمّة مزدوجة، فمن جانب هما يحميان استثمارات المؤسّسات الماليّة الكبرى -الأمريكيّة غالباً- من عجز الدول النامية عن سداد ديونها لهذه المؤسّسات، ومن جانب آخر يفرضان حِمية قاسية على القطاع الأوسع من الشعب، فتُستنزف جيوب الفقراء من أجل سداد ديون الحكومات مع سعر الفائدة، فعندما كانت بنوك نيويورك وأمثالها تقدّم للدول النامية قروضاً بفائدة خلال الستينيّات والسبعينيّات لإنجاز مشاريع التنمية، كان سعر الفائدة على القروض قابلاً للتعديل غالباً، بحيث أنّ مجرّد

(78)

زيادة في سعر الفائدة في الولايات المتّحدة كان كفيلاً باعتباره أساساً لزيادة سعر فائدة الدين على البلدان النامية، وبذلك تقع هذه البلدان في أزمات حادّة، مثلما حصل مع المكسيك والبرازيل ودول أخرى، إذ عجزت عن سداد هذه القروض عام 1982، وهنا يأتي دور صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لتأمين مصالح بنوك نيويورك وأمثالها، وتنفيذ الحمية المعهودة على حساب الفقراء، فيقدّمان قروضاً لتلك البلدان لإنقاذها من أزمة الديون مقابل أن تخضع لبرنامج كاسح من الاقتطاع من الإعانات الحكوميّة في السكن والغذاء والنقل وخصخصة الشركات التي تديرها الدولة وتخفيض الحواجز الجمركيّة لإجبار الصناعات المحليّة على مواجهة المنافسة العالميّة[1].

ت. منظّمة التجارة العالميّة WTO

هي ثالث أهمّ منظّمة يقوم عليها نظام العولمة الاقتصادي، وعلى الرغم من أنّها منظّمة حديثة النشوء - أسّست عام 1995- إلّا أنّ جذورها تعود إلى العام 1947 حينما أسّست الاتفاقيّة العامّة للتعرفة الجمركيّة (الجات GATT) التي كانت تهدف إلى تخفيف القيود على التجارة الدوليّة.

يقع مقرّ منظّمة التجارة العالميّة في جنيف بسويسرا، وتضمّ أكثر من 160 دولة عضواً تمثّل ما يزيد على 98% من التجارة العالميّة والناتج المحلّي التجاري العالمي. تعمل المنظّمة على تقليص العوائق الدوليّة

(79)

أمام انتقال السلع والخدمات ورؤوس الأموال والحقوق الفكريّة، وتُذلّل القيود التي تفرضها الحكومات أمام حريّة حركة الاقتصاد العالمي، كما تعمل على حلّ النزاعات التجاريّة التي تحدث بين الدول.

يُنظر إلى منظّمة التجارة العالميّة على أنّها ساعدت في نمو الصادرات العالميّة من 22% من الناتج المحلّي الإجمالي عام 1995 إلى ما يقلّ قليلاً عن 30% في العام 2015 ممّا يشير إلى أهمّيتها في تنشيط حركة التجارة العالميّة، كما يُعتقد أنّ لوائح المنظّمة ساعدت على تجنّب حرب تجاريّة كبرى خلال فترة الركود العالمي لعام 2008[1]، في حين يرى أندرو روز الباحث في المكتب القومي للأبحاث الاقتصاديّة NBER أنّ منظّمة التجارة العالميّة ليس فقط لا تقوم بزيادة التجارة بين الدول الأعضاء بل إنّها لا تُنتج سياسات تجاريّة أكثر انفتاحاً بينها، وبحسب روز فإنّ الدولة التي كانت تتمتّع بنسبة انفتاح تجاري تبلغ 73.1% قبل انضمامها إلى المنظّمة بخمس سنوات عانت من انخفاض في نسبة الانفتاح إلى 70.4% بعد خمس سنوات من انضمامها للمنظّمة، وفي الوقت ذاته ارتفعت الرسوم الجمركيّة فيها بشكل ضئيل من 12.5% إلى 13.1%[2].

وإنّ من أهمّ الانتقادات التي توجّه لهذه المنظّمة أنّها تهتمّ بتحقيق المصالح التجاريّة وتُهمل التنمية، فمنظّمة التجارة العالميّة

(80)

تُركّز على حريّة التبادل التجاري من دون توفير شروط الحماية للمنتجات المحليّة في البلدان النامية التي تتعرّض لمنافسة شرسة مع منتجات الشركات مُتعدّدة الجنسيّات، فهذه الشركات تمتلك موارد ماليّة هائلة تساعدها على احتكار أبحاث التطوير لإنتاج سلع ذات جودة عالية بأسعار تنافسيّة وبكمّيات ضخمة، ما يجعل الإنتاج المحلّي غير قادرٍ على مجاراتها.

وفي بيان وقّعته 1200 منظّمة غير حكوميّة من 87 دولة، يؤكّد أنّ «اتفاقات منظّمة التجارة العالميّة التي أُبرمت في دورة الأورغواي قد استهدفت فتح أسواق جديدة للشركات مُتعدّدة الجنسيّات على حساب الاقتصاد الوطني والعديد من الفئات الاجتماعيّة، كما انتقدت هذه المنظّمات آليّات وإجراءات المنظّمة باعتبارها مُعادية للديمقراطيّة وتفتقر للشفافية كما أوضحت منظّمة أوكسفام... أمّا في فرنسا فقد رفضت المنظّمة الفرنسيّة للمنظّمات غير الحكوميّة الاعتراف بمنظّمة التجارة العالميّة، وطالبت بفرض ضرائب لمساعدة فقراء العالم، أمّا في اليابان وكوريا فقد طالبت المنظّمات غير الحكوميّة منظّمة التجارة العالميّة بالعمل على إيجاد قواعد جديدة لضمان الحفاظ على الأمن الغذائي وتوقّف هجرات المزارعين، وإلّا فإنّه سيترتّب على ذلك آثار اجتماعيّة وخيمة»[1].

وعلى مستوى تحرير السلع، تقرّر منظّمة التجارة العالميّة إلغاء

(81)

الدعم الذي كانت تمنحه بعض الدول المتقدّمة للسلع الزراعيّة مع ما ينجم عنه من عواقب وخيمة على الدول التي تعتبر السلع الزراعيّة مهمّة في قائمة وارداتها، كما يترتّب على تحرير المنظّمة لتبادل السلع انخفاض كبير في حصيلة الرسوم الجمركيّة التي تشكّل نسبة كبيرة من مجموع إيرادات الدول النامية، ومن ناحية أخرى فإنّ السلع التي تتمتّع فيها الدول النامية بقدرة تنافسيّة عالية -كسلع المنسوجات- مازالت الدول المتقدّمة غير مُتحمّسة لتحريرها بالمقارنة مع سلع أخرى لا تعتبر ذات أهمّية بالنسبة للدول النامية، أمّا على مستوى الخدمات فلم تراعِ منظّمة التجارة العالميّة انعدام التوازن بين حجم قطاعات الخدمات في الدول الغنيّة وحجمه في الدول الفقيرة، كما لم تراعِ ارتباط بعض قطاعات الخدمات في الدول النامية بمصالحها الإستراتيجيّة[1].

وبالطبع فإنّ منظّمة التجارة العالميّة تنفي كل ّالتُهم الموجّهة إليها في هذا الصدد، كما ترفض تهمة كونها سبباً بارتفاع الفجوة الاقتصاديّة بين الأغنياء والفقراء من خلال دعمها لاستثمارات الشركات مُتعدّدة الجنسيّات وعدم ديمقراطيّة قراراتها التي تُهيمن عليها مصالح الدول المتقدّمة، وتدّعي أنّها توفّر الحدود المعقولة لحماية اقتصاديّات الدول الفقيرة والنامية، وتقلّل من حجم التبعات التي تترتّب على قراراتها بوصفها آلاماً جانبيّة قصيرة المدى مقابل تحقيق منافع بعيدة الأمد.

ولكن يبدو أنّ دفاع منظّمة التجارة العالميّة عن نفسها لم يكن كافياً لتبرير ما يحدث على أرض الواقع، إذ إنّ أولى الاحتجاجات العالميّة المناهضة للعولمة انطلقت بالتزامن مع انعقاد اجتماعات

(82)

هذه المنظّمة في واشنطن، إذ تمّ اعتبارها «أوضح رمز على الظلم العالمي ونفاق البلدان الصناعيّة المتقدّمة، فبينما تعظ هذه البلدان -وتفرض- فتح الأسواق في البلدان النامية لمنتجاتها الصناعيّة، إلّا أنّها استمرّت في إبقاء أسواقها مغلقة بوجه منتجات البلدان النامية كالمنتوجات النسيجيّة والزراعيّة، وبينما تعظ البلدان النامية بعدم دعم صناعاتها، إلّا أنّها استمرّت في تقديم المليارات على شكل معونات لمزارعيها ممّا يجعل من المستحيل على البلدان النامية المنافسة، وبينما تعظ بفضائل الأسواق التنافسيّة فإنّ الولايات المتّحدة سارعت إلى الضغط باتجاه إقامة كارتلات[1] عالميّة في الفولاذ والألمنيوم ولا سيّما عندما بدت صناعاتها المحليّة مهدّدة بالاستيراد، وضغطت الولايات المتّحدة باتجاه تحرير الخدمات الماليّة، ولكنّها قاومت تحرير قطاعاتها الخدميّة التي تتمتّع فيها البلدان النامية بالقوّة مثل الخدمات الإنشائيّة والخدمات البحريّة»[2].

ثانياً: منظّمات سياسيّة

تأتي منظّمة الأمم المتّحدة على رأس قائمة المنظّمات التي تقود العولمة سياسيّاً، فهذه المنظّمة هي الرابط المشترك بين حكومات العالم، بحيث تعمل على توحيد وجهات نظرها وحلّ كثير من النزاعات الدوليّة، وهي المنظّمة الوحيدة القادرة على جعل العولمة ضمن حدود سياسيّة منظّمة وقانونيّة.

(83)

أنشئت منظّمة الأمم المتّحدة عام 1945 ومقرّها الرئيس في نيويورك بالولايات المتّحدة، يبلغ عدد أعضائها حالياً 193 دولة، وتعود جذورها فعليّاً إلى ميثاق الأطلسي الذي عقده الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت مع رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل عام 1941، وكان هدف الميثاق توضيح أهداف الحلفاء لما بعد الحرب العالميّة الثانية، ووضع مجموعة من المبادئ من أجل التعاون الدولي في حفظ الأمن والسلام، وبعد جولات واجتماعات دوليّة عديدة تمّ الإعلان رسميّاً عن إنشاء منظّمة الأمم المتّحدة بتاريخ 24 تشرين الأوّل 1945.

تشتمل الأمم المتّحدة على مؤسّسات متخصّصة عدّة أهمّها: مجلس الأمن الدولي، ومحكمة العدل الدوليّة، ومنظّمة الأمم المتّحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، ومنظّمة الأغذية والزراعة (فاو)، وقد أسّست جميعها في العام 1945، وكذلك منظّمة الأمم المتّحدة للطفولة (اليونيسيف) التي أسّست في عام 1946، ومنظّمة الصحّة العالميّة التي أسّست في العام 1948، هذا فضلاً عن تابعيّة صندوق النقد والبنك الدوليين لها.

وعلى صعيد المواثيق الدوليّة، فقد أصدرت الأمم المتّحدة في العام 1948 الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يمثّل أهمّ المواثيق الدوليّة، إذ تترتّب عليه كثير من المحدّدات السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة التي قرّبت من الاختلافات الإنسانيّة وتنوّعاتها الثقافيّة في أغلب بقاع المعمورة.

كان للأمم المتّحدة دور واضح في إنهاء العديد من النزاعات

(84)

السياسيّة والعسكريّة، ونفّذت برامج إنمائيّة وصحيّة وتعليميّة مهمّة قدّمت المساعدات للملايين من البشر المحتاجين حول العالم، ولكن على الرغم من ذلك فإنّها لم تكن تغطّي كلّ الأزمات بما يتلاءم والهدف من إنشائها كمنظّمة تعنى بالاستقرار العالمي، فالنزاعات والحروب يملآن العالم، وهنالك كثير من الانتهاكات الصارخة لقرارات المنظّمة، بخاصّة تلك التي لا تتلاءم مع التوجّهات الأمريكيّة[1]، وذلك ما يدعو البلدان النامية إلى وضع الأمم المتّحدة والولايات المتّحدة في سلّة واحدة.

وفي هذا الصدد يؤكّد معهد بروكينجز[2] أنّ انخفاض ثقة دول الجنوب في الأمم المتّحدة يتلاءم طرديّاً مع انخفاض ثقتها بالولايات المتّحدة الأمريكيّة، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ ذلك لا يتأثّر بطبيعة ثقة هذه الدول بمنظّمات أخرى مثل صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي أو منظّمات حقوق الإنسان، وذلك يُعدّ كمؤشر على أنّ شعوب البلدان النامية ترى الأمم المتّحدة كمنظّمة تعمل على تعزيز مصالح الولايات المتّحدة فقط[3].

ولهذه الرؤية ما يبرّرها على أرض الواقع، فالموارد التي تضمن ديمومة الأمم المتّحدة تقوم أساساً على دعم الولايات المتّحدة

(85)

وحلفائها من البلدان ذات التوجّه الغربي، فبحسب إحصائيّة العام 2008 وصلت نسبة ما تدفعه الولايات المتّحدة للأمم المتّحدة إلى22% من ميزانيّتها، تليها اليابان بنسبة 16.62% ثمّ ألمانيا بنسبة 8.57% وبريطانيا بنسبة 6.64% وفرنسا بنسبة 6.30%، وعلى صعيد موارد حفظ السلام التابعة للأمم المتّحدة فإنّ أمريكا تدعم بنسبة تصل إلى 20% تليها اليابان بنسبة 17% ثمّ ألمانيا بنسبة 9% وبريطانيا بنسبة 8% ثمّ فرنسا بنسبة 7% بحسب إحصائيّة عام 2007 [1].

من جانب آخر تعاني الأمم المتّحدة تراجعاً في عملها مع تراخي القبضة الأمريكيّة على المشهد السياسي العالمي، فصعود الصين ونهوض روسيا وتشكّل الاتحاد الأوروبي يجعل القرار السياسي العالمي مُتعدّد الأقطاب بعد أن كان أحاديّاً، ما يجعل المنظّمة تواجه إشكاليّة حقيقيّة في تحقيق أهدافها الأساسيّة، وفي ذلك يقول البروفسور التركي طارق أوغوزلو[2]: «إنّ الهدف الواقعي المتمثّل في تحقيق السلم والأمن على أساس مبدأي المساواة في السيادة وعدم التدخّل في الشؤون الداخليّة كان دائماً في تضادّ مع الهدف الليبرالي المتمثّل في تحسين حقوق الإنسان على أساس مبادئ تحقيق المعايير العالميّة والمسؤوليّة عن الحماية، وفشل الأمم المتّحدة في سدّ الفجوة بين هذين الهدفين أصبح أكثر وضوحاً في السنوات الأخيرة، حيث أصبحت الأولويّة التي تُمنح للقوى الغربيّة

(86)

محلّ نزاع متزايد من قبل القوى غير الغربيّة المتزايدة في نظام عالمي جديد مُتعدّد الأقطاب»[1].

فإذا كانت الأمم المتّحدة تعاني من هذا التراجع الواضح في تحقيق أهدافها، فما الداعي لبقائها إذاً؟

الجواب ببساطة: حاجة المجتمع الدولي إلى وجود مؤسّسة ناظمة للشؤون العالميّة المشتركة الخارجة عن نطاق القرارات الأحاديّة للدول العظمى، فمع أنّ تعدّد الأقطاب يجعل الأمم المتّحدة في وضع حرج، إلّا أنّه يستدعي في الوقت نفسه ضرورة وجود مؤسّسة عابرة للقوميّات تعمل على تحقيق الموازنة بين الإرادات المتعاكسة وإيجاد التوافق اللازم بينها؛ ذلك لأنّ قيام حرب عالميّة جديدة ليس خياراً مرغوباً فيه من قبل جميع الأطراف الدوليّة، بخاصّة مع تحرر التجارة العالميّة وتركّز التنافس على التنمية الاقتصاديّة، وإذا أضفنا تراجع الهويّات الوطنيّة والقوميّة مقابل نمو الهويّة العولميّة بفضل تقنيات التواصل الحديثة، فإنّ الحفاظ على الحدّ الأدنى من التوافق يُصبح أولويّة قصوى.

ولهذا السبب لا يزال مجلس الأمن الدولي يحظى بأهمّية خاصّة من بين كلّ المنظّمات التابعة للأمم المتّحدة، إذ تقع على عاتقه المسؤوليّة الرئيسة في صون السلم الدولي، ولأهمّيته نجد أنّ عضويّة الدول في الأمم المتّحدة لا تُقبل إلّا بناءً على توصية من مجلس

(87)

الأمن نفسه، كما أنّه لا يزال يمتلك نوعاً من الاستقلال عن الإرادة الغربيّة المُطلقة؛ لأنّ زمام الأمور فيه مقسّمة بين خمسة أعضاء دائمي العضويّة هم: أمريكا وبريطانيا وفرنسا والصين وروسيا، إذ إنّ كلّ واحد من هؤلاء الأعضاء يملك حقّ النقض (الفيتو) على القرارات التي تقدّم في مجلس الأمن. 

أضف إلى ذلك، فإنّه في ظلّ عالم تنشط فيه الشركات مُتعدّدة الجنسيّات تبقى منظّمة الأمم المتّحدة تحتفظ بمكانة متميّزة في السوق الاستهلاكيّة باعتبارها أكبر مُشترٍ للسلع والخدمات، إذ تصل مشترياتها إلى 6.4 بليون دولار سنويّاً لتحقيق برامجها الخيريّة، فمنظّمة اليونيسيف وحدها تشتري نصف اللقاحات المُنتجة في جميع أنحاء العالم، كما يشحن برنامج الأغذية التابع للأمم المتّحدة ما يقرب من 5 ملايين طن من المواد الغذائيّة لإطعام ما يقرب من 113 مليون شخص في 80 بلداً[1].

وفي عالم تتزايد فيه ظاهرة تلاشي الحدود القوميّة ويرتفع فيه نجم العولمة، فمن المتوقّع أن تحتلّ منظّمة الأمم المتّحدة مكانة أكبر، ولعلّ بوادر ذلك لاحت منذ العام 2005 عندما أقرّت الأمم المتّحدة مبدأ (مسؤوليّة الحماية) القاضي بتدخّلها في الدول الأعضاء عندما يثبت أنّ الحكومة أو أيّ مجتمع إقليمي يرتكبون جرائم حرب أو إبادة جماعيّة أو جرائم ضدّ الإنسانيّة، كما تأكّد دورها في إدارة الأزمات العالميّة الحديثة مثل انتشار وباء كوفيد-19 في العام 2020، إذ عوّل عليها المجتمع الدولي كثيراً لإدارة هذه

(88)

الأزمة التي تجاوزت الحدود القوميّة والقرارات السياديّة المنفردة.

وفي حال استمرّ نظام العولمة بالترسّخ في المشهد العالمي، فإنّ منظّمة الأمم المتّحدة ستكون هي الاحتمال الأقوى لأن تتبوّأ موقع الحكومة العالميّة فيه مستقبلاً -وإن كانت لا تزال تنفي عن نفسها هذه الصفة- إذ لا توجد منظّمة دوليّة تنافسها في ذلك حتّى الآن؛ لما تحمله من رمزيّة تاريخيّة، وما تتوافر عليه من تخصّصات واسعة ومهمّة.

ثالثاً: مُنظّمات وحركات مُعارضة

واجهت العولمة حركات معارضة نشطة بَعد سنوات قليلة فقط من انطلاقتها الكونيّة، وقد تمكّنت هذه الحركات من تسجيل بصمة لها على صعيد الرأي العام الدولي، ولكنّ المفارقة في الأمر أنّ محاولة هذه المنظّمات توحيد الجهود العالميّة لمناهضة العولمة تؤسّس لمنظّمات عابرة للقوميّات، وذلك بحدّ ذاته يمثّل شكلاً من أشكال العولمة، ولكنّها «عولمة من الأسفل” بحسب تعبير جورج ريتزر.

تقوم “العولمة من الأسفل” على أساس تشكيل مؤسّسات عابرة للقوميّات تعارض سلوك النخب الرأسماليّة المتحكّمة بالاقتصاد العالمي، لذا فهي في الحقيقة تطرح نفسها كعولمة بديلة عن العولمة السائدة (العولمة من الأعلى التي تقودها النخب الرأسماليّة)، وبذلك تتأكّد لدينا فكرة أنّ العولمة منذ انطلاقتها الفعليّة قد حرّرت مشروع التوحيد الكوني بشكل لا يمكن لجمه حتّى من قبل الجهات المعارضة لها.

(89)

بدأت المنظّمات المعارضة للعولمة في البدء على شكل احتجاجات، مثل احتجاجات مدريد عام 1994 واحتجاجات سياتل عام 1999، وقد كانت الأخيرة من السعة والعنف بحيث امتدّت لأيام، وأدّت إلى تأجيل الجلسة الافتتاحيّة لاجتماع منظّمة التجارة الدوليّة الذي كان مؤملاً انعقاده في سياتل بالعاصمة الأمريكيّة واشنطن، ولم تقتصر احتجاجات سياتل على الدفاع عن مصالح العمّال الأمريكيين فقط «وإنّما أخذ الأمر شكل الاحتجاج الجماعي مع زملاء من شرق آسيا والكاريبي وجنوب أفريقيا وأمريكا اللاتينيّة، وهي مهمّة شاقّة طالما أخفقت فيها حركة تدويل الحركات العمّالية الكلاسيكيّة»[1].

كما شهد العام 2001 طيفاً واسعاً من الاحتجاجات ضدّ العولمة، أهمّها مظاهرات جنوه الإيطاليّة التي وقعت بالتزامن مع انعقاد قمّة مجموعة الثماني للدول الصناعيّة الكبرى، وقد شارك فيها نحو 200 ألف متظاهر، وشهدت اشتباكات هي الأعنف من نوعها على هذا الصعيد.

كما شهدت كلّ من برلين ولندن واليونان، وكلّ أنحاء فرنسا تقريباً احتجاجات ضدّ العولمة، بالإضافة إلى مظاهرات أمام مبنى البورصة في مدينة سيدني الأستراليّة، واحتجاجات سيؤول التي ضمّت 20 ألف متظاهر، بالإضافة إلى احتجاجات وقعت في 44 مدينة تركيّة[2]، وهنالك أيضاً احتجاجات سويسرا وفرنسا التي شارك

(90)

فيها 100 ألف شخص، وجاءت بالتزامن مع اجتماع قمّة إيفيان للدول الصناعيّة في العام 2003[1].

وقد تكلّل الحراك المناهض للعولمة بمولد المنتدى الاجتماعي العالمي WSF في بورتو أليجري في البرازيل عام 2001، وعلى الرغم من أنّ المنتدى لا يمثّل مصدراً رسميّاً لاتخاذ القرارات باسم المنظّمات والحركات المناهضة للعولمة، إلّا أنّه حمل قيمة رمزيّة تؤكّد إمكانيّة تأسيس منظّمات عولميّة من أسفل، ولتأكيد نديّته للعولمة من الأعلى فإنّ انعقاده السنوي صار يتمّ بالتزامن مع انعقاد المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا.

إلى جانب ذلك هناك نشاط المنظّمات الدوليّة غير الحكوميّة INGOs التي ما فتئت تتعامل مع مظاهر إشكاليّة معيّنة للعولمة، ومن أمثلتها: منظّمة أتاك [2]ATTAC، واتحادات النقابات العماليّة AFL-CIO، والاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة ومواردها IUCN، ونادي سيرا Sierra Club، ومنظّمة الطعام البطيء Slow food فضلاً عن منظّمات الدفاع عن حقوق الإنسان والمهاجرين.

هذا ويمكن إدراج أحزاب اليمين المُتطرّف في أوروبا ضمن

(91)

قائمة المنظّمات المناهضة للعولمة، مثل حزب الحريّة النمساوي، والجبهة الوطنيّة الفرنسيّة، وحزب ليغا نورد الإيطالي، باعتبار أنّ هذه الأحزاب تُعدّ من أقوى المعارضين للنيوليبراليّة منذ تسعينيّات القرن العشرين، إذ ترى أنّ العولمة من شأنها تدمير النسيج الطبيعي للمجتمع المدني[1]، ولكن ما يلفت النظر أنّ هذه الأحزاب تركّز في مناهضتها للعولمة على المبادئ القوميّة الأوروبيّة، فهي لا تحارب العولمة لكونها توسّع الفجوة بين الأغنياء والفقراء بالدرجة الأساس، بل لأنّها تقلّل الفجوة بين الأعراق والثقافات.

ولا ننسى أيضاً وجود المفكّرين المعارضين للعولمة من ذوي التأثير الكبير في صناعة الرأي العام أمثال نعوم تشومسكي ونعومي كلاين وفيفيان فوريستر ورالف نادر، فضلاً عن شخصيّات أخرى كانت داعمة في وقت ما للعولمة أمثال هليموت شميدت وجوزيف ستكتلز، إنّ نشاط مثل هذه الشخصيّات يجعل من المنظّمات والحركات المعارضة للعولمة أمراً لا يمكن تجاوزه؛ لأنّ الأمر لم يعد يقتصر على الحراك الاحتجاجي، بل بات يقوم على رصيد فكري ثري ومُنظّرين مؤثّرين[2].

(92)

ولكن على الرغم من ذلك تبقى المنظّمات والحركات المعارضة للعولمة ضعيفة، وهذا الضعف يتمثّل في محدوديّة الموارد والبُعد عن القرار السياسي، والأهمّ من ذلك أنّ المنخرطين تحت لواء هذه المنظّمات والحركات يأتون من خلفيّات مُتباينة بشدّة، من النقابات العماليّة إلى الأحزاب اليمينيّة المتطرّفة، ومن جمعيّات حقوق الإنسان إلى حركة المدافعين عن البيئة، ومن الحركات النسويّة إلى الجمعيّات الكنسيّة، فهذا الطيف الواسع يحمل بطبيعته بذور التشرذم والاختلاف، بحيث تضطر المنظّمات والحركات المعارضة للعولمة إلى أن تطلق شعارات تحمل غموضاً وتعميماً وتجريداً؛ لأنّها «تخاطب تشكيلة متباينة -وبدرجة ما- متناقضة، فكان عليها أن تقف عند حدود عموميّات مُجرّدة تغطّي أكثر ممّا تظهر، فالوضوح تحديد بالضرورة، والميل الجبهوي التجميعي يدفع منظّمي الحركة إلى تفادي التحديد، فتبدو الشعارات عاكسة للمشترك بين الاتجاهات كافّة، بينما لا تعكس شيئاً محدّداً يمكن المراكمة على أساسه في اتجاه مُحدّد»[1]، في حين تقوم «العولمة من الأعلى» على أساس تنسيق مُعقّد بين كلّ المنظّمات الحكوميّة وغير الحكوميّة، بحيث لو افترضنا جدلاً أنّ المنظّمات المعارضة للعولمة إذا تمكّنت من إيجاد تغيير جذري في جانب من جوانبها، فإنّها ستعمل على إحداث فجوة قد لا تتمكّن على ردمها بقدراتها المحدودة وانسجامها المفقود.

(93)

هذا وإنّ التنسيق المُعقّد بين منظّمات العولمة خلق شكلاً خطيراً من غياب السلطة المسؤولة التي يمكن تشخيصها كعدو مُحدّد يُوجّه إليه الاتهام، إذ «تخضع الشركات للقوانين، والقوانين تصدر بضغط من الناشطين السياسيين، والناشطون السياسيّون يتحرّكون بناء على الإعلام، والإعلام يصغي بانتباه إلى الأسواق وكيفيّة تطوّرها، والأسواق عرضة للأوضاع الجاريّة، والأوضاع الجاريّة تتأثّر بأفعال البنوك المركزيّة، والبنوك المركزيّة مستقلّة عن الحكومات، والحكومات تدار من قبل أحزاب سياسيّة قريبة من الجريمة المنظّمة، والجريمة المنظّمة تغسل أموالها في كيانات الأوفشور[1]، وكيانات الأوفشور أصبحت جزءاً من الشركات مُتعدّدة الجنسيّات...»[2]، لذا فإنّ السلطة في عصر العولمة صارت موزّعة بشكل غامض وشائك يجعل المعارضين لها يدورون بحثاً عنها في حلقة مُفرغة.

إضافة إلى ما تقدّم، فإنّ ما يجعل المنظّمات والحركات المناهضة للعولمة ضعيفة التأثير هو تغلغل العولمة في عمق النسيج الثقافي الاجتماعي على نطاق كوني، بحيث تجعل تأييد الشعوب للحراك المناهض للعولمة مجرّد ردّ فعل مؤقّت لا يملك مقوّمات الاستمرار على المدى الطويل، فلقد نجحت العولمة بفضل عوامل الاتصال الحديثة بأن تحوّل ثقافة الاستهلاك إلى جزء لا يتجزّأ من

(94)

ثقافة المجتمعات، سواء في البلدان المتقدّمة أم النامية، ولهذا فإنّ المنجزات المعقولة التي يمكن للمنظّمات والحركات المناهضة للعولمة أن تحقّقها هي ممارسة إصلاحات جزئيّة على قضايا تبدو أنّها تجاوزات خطيرة، وعلى الرغم من أنّها محدودة إلّا أنّه لا يمكن التقليل من شأنها.

باختصار، إنّ نشاط المناهضين للعولمة يجعل الوعي الجماهيري في حالة استنارة بصدد مصدر معاناتهم الرئيس، ويفضح كذب القوى العظمى المُتستّرة بشعارات الإنسانيّة الزائفة.

رابعاً: الشركات مُتعدّدة الجنسيّات

تمثّل الشركات المُتعدّدة الجنسيّات (أو العابرة للقوميّات Multinational Corporation) قلب العولمة النابض، إنّها بالنسبة للعولمة المحرّك الأوّل والهدف النهائي في الوقت نفسه، وبفضل سيادة النيوليبراليّة ومنظّمة التجارة العالميّة دخلت هذه الشركات مرحلة غير مسبوقة من التعاظم والقوّة بحيث أهّلها فعلاً لأن تكون حكومة العالم الخفيّة.

عادة ما تبدأ أيّ شركة خاصّة باستثماراتها كشركة وطنيّة، فإذا تمكّنت من توسيع أنشطتها في بلدان أجنبيّة بحيث تكون لديها خطوط إنتاجيّة ثابتة فيها، فإنّها عندئذ ستتحوّل إلى شركة مُتعدّدة الجنسيّات، وتنقسم الشركات مُتعدّدة الجنسيّات في سياستها الإدارية إلى نوعين: الأوّل يتّسم بالمركزيّة، إذ تكون الشركة الوطنيّة الأم هي المتحكّمة بقرارات باقي الفروع في الدول الأجنبيّة، أمّا

(95)

النوع الثاني فلا مركزي، إذ تكون إدارة كلّ فرع مستقلّة عن الشركة الأم.

يرجع تاريخ ظهور الشركات المُتعدّدة الجنسيّات بشكلها الحالي إلى القرن التاسع عشر، ففي العام 1865 أنشأت شركة باير الألمانيّة للصناعات الكيميائيّة مصنعاً لها في نيويورك، في حين أنشأت شركة سنجر الأمريكيّة في عام 1867 مصنعاً لها في غلاسكو لإنتاج ماكينات الخياطة، وتبعته بمصانع أخرى في النمسا وكندا، وسرعان ما حذت الكثير من الشركات الأمريكيّة حذوها[1]، ولكن بشكل عام لم تكن غالبيّة الشركات الخاصّة تمتلك القوّة الكافية لأن تكون مُتعدّدة الجنسيّات؛ لأنّ الحكومات كانت تتبع منهجاً حمائيّاً للحفاظ على اقتصادها القومي، وبذلك تواجه الشركات عقبات حقيقيّة تمنعها من التوسّع في الأسواق الأجنبيّة، كما أنّ الحكومات في السابق كانت تحتكر الصناعات الوطنية المهمّة مثل استخراج الفحم وصناعات الحديد الصلب، لذلك يبقى عمل الشركات الخاصّة محصوراً في إنتاج البضائع المحليّة بحيث تبقى ضمن قدرة اقتصاديّة محدودة[2].

ولكن بعد الحرب العالميّة الثانية تغيّر الحال، إذ أدّى تحرير

(96)

التجارة واستقرار الاقتصاد العالمي -بفضل اتفاقيّة بريتون وودز- إلى إيجاد فرص ذهبية أمام استثمار الشركات الخاصّة، فأخذت هذه الشركات تفكّر في افتتاح أسواق ناشئة في الدول الأجنبيّة، وأنّ الاقتصاد النيوليبرالي أعطى دفعة كبيرة للشركات لكي تتغوّل، إذ جعل الحكومات تتخلّى بشكل واسع عن إنتاج السلع والخدمات لصالح الخصخصة، كما سمح بإغداق القروض الحكوميّة عليها مع تقليل عبء الضرائب عن كاهلها، وبذلك صارت تلك الشركات تملك أرصدة ماليّة مهولة مكّنتها تدريجيّاً من تحقيق اندماجات عموديّة وأفقيّة[1]، كما أخذت بتوسيع أنشطتها في مجالات غير مترابطة، فمثلاً شركة جنرال ألكتريك GE صارت تعمل في صناعة الطائرات وفي خدمات الرعاية الصحيّة وفي مجالات الطاقة وفي الصناعات التكنولوجيّة الرقميّة وفي الإعلام، هذا فضلاً عن استثماراتها في سوق الأوراق الماليّة.

كما أنّ فتح الحدود أمام حركة رؤوس الأموال التي تميّز بها عصر العولمة أعطى فرصاً ذهبيّة للشركات مُتعدّدة الجنسيّات في التهرّب من الضرائب، وذلك بالانتقال إلى ما يسمّى بالجنّات الضريبيّة، وهي مناطق تسمح قوانينها الخاصّة بتوفير غطاء للمستثمرين الأجانب في التهرّب من دفع الضرائب في بلدانهم الأصليّة، كما تسمح بتبييض الأموال المُتدفّقة عليها من أرجاء

(97)

العالم، والتي لا يتمّ التحقّق من مصادرها[1]، وتهدف هذه المناطق من وراء ذلك إلى جلب الاستثمارات الأجنبيّة إليها، ومن أبرز المناطق التي تصنّف على أنّها جنّات ضريبيّة بحسب مؤشّر الملاذات الضريبيّة للشركات لعام 2021 ما يلي: جزر فيجن البريطانيّة التي تحتلّ الصدارة في مخالفات ضرائب الشركات في العالم بنسبة 6.4%، وهي تستضيف حوالي 2.3% من النشاط المالي للشركات مُتعدّدة الجنسيّات، وجزر كايمان بنسبة6% وهي موطن لحوالي 1.9% من النشاط المالي العالمي، وأرخبيل برمودا المسؤول عن 5.7% من التجاوزات الضريبيّة للشركات العالميّة، ويحتضن 1.6% من النشاط المالي لهذه الشركات، وهولندا بنسبة 5.5% وتستضيف 11% من النشاط المالي للشركات في العالم، ثمّ سويسرا المسؤولة عن 5.1% من التجاوزات الضريبيّة، وتحتضن ما نسبته 3.4% من نشاط الشركات العالميّة[2].

لقد تمكّنت الشركات مُتعدّدة الجنسيّات من أن تتوافر على أصول ماليّة ضخمة تجعلها تتفوّق على ميزانيّات دول كاملة، فمثلاً بلغت القيمة السوقيّة لشركة آبل الأمريكيّة أواسط العام 2015 أكثر من 700 مليار دولار[3]، وهذا الرقم يفوق مجموع إيرادات العراق

(98)

من النفط للمدّة 2010-2015 التي تبلغ قرابة 522 مليار دولار فقط[1]، ما يعني أنّ العراق لو جمع وارداته النفطيّة التي تشكّل 85% ممّا ينفقه لإعالة الشعب العراقي لمدّة ستّ سنوات كاملة، فلن يكون قادراً على شراء شركة آبل بكامل قيمتها السوقيّة لعام 2015.

والغريب أنّ عدداً من الشركات مُتعدّدة الجنسيّات قد قفزت بعد انتشار جائحة كوفيد-19 قفزات مخيفة، فمثلاً تجاوزت قيمة شركة آبل لوحدها ألفي مليار دولار للعام 2021، في حين وصل مجموع القيمة السوقيّة لأربع شركات أمريكيّة هي (مايكروسوفت وأمازون وألفا بيتا وفيسبوك) قرابة 5 آلاف مليار دولار للعام ذاته[2].

هذا ولم تعد الأهداف التي تصوّب نحوها كثير من هذه الشركات مُقتصرة على جني الأرباح وتعظيم رأس المال، بل تجاوزتها إلى أهداف التأثير الشامل والدائم على الصعيد العالمي، إذ أخذت تتسابق لتحويل علاماتها التجاريّة إلى سمات تطبع حياة البشر بشكل نمطي، وكما عبّر عن ذلك هيكتور ليانغ الرئيس السابق لشركة البسكويت المتّحدة قائلاً: «الآلات تبلى، تصدأ السيارات، الناس يموتون، لكن ما يعيش هو العلامات التجاريّة»[3].

هذا فضلاً عن سعي أرباب هذه الشركات إلى تدويل ذواتهم، إذ

(99)

صار الدخول في قائمة (أثرى أثرياء العالم) هدفاً بحدّ ذاته يتنافسون فيما بينهم لتحقيقه، وبذلك لم تعد قائمة النجوم والمشاهير في عصر العولمة تقتصر على الممثّلين والمغنّين ولاعبي كرة القدم وحسب، بل صار يدخلها جيل جديد من أصحاب الشركات مُتعدّدة الجنسيّات أمثال ستيفن جوبزوبيل غيتس ومارك زوكربيرغ وإيلون ماسك، وذلك ما ساعد على نمو قائمة المليارديرات الذين يتوافرون على أرصدة ماليّة عملاقة تنافس ميزانيّات مجموعة من الدول، ففي الولايات المتّحدة يوجد 735 مليارديراً يبلغ صافي أرصدتهم الماليّة 4.7 ألف مليار دولار، وفي الصين يوجد 607 مليارديرات يبلغ صافي أرصدتهم الماليّة 2.3 ألف مليار دولار، علماً أنّ عدد مليارديرات العالم قد وصل إلى 2668 شخصاً بحسب إحصائيّة مجلّة فوربس للعام 2022[1].

ويشير تقرير منظّمة أوكسفام الدوليّة الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2020 إلى أنّ مليارديرات العالم صاروا يملكون ثروة تفوق ما يملكه 60% من سكان الأرض، بمعنى أنّ أكثر من ألفي شخص فقط لديهم أرصدة تتجاوز أرصدة 4.6 مليار إنسان في العالم، وبحسب التقرير فإنّه لو دفع 1% من هؤلاء المليارديرات زيادة ضريبيّة تبلغ 0.5% فقط من ثروتهم على مدى 10 سنوات مُقبلة، فإنّ ذلك من شأنه أن يخلق 117 مليون وظيفة في قطاعات كِبار السن ورعاية الأطفال والتعليم والصحّة[2].

(100)

إنّ تركّز الأموال بهذا الشكل الفاحش بيد قلّة قليلة من البشر في عصر العولمة يدقّ ناقوس خطر حقيقي، إذ لم يشهد تاريخ البشرية مثل هذا المستوى من عدم المساواة واحتكار الثروة، وكلّ ذلك يعود إلى إطلاق العنان للشركات مُتعدّدة الجنسيّات من دون أيّ رقابة أو ضوابط تحدّ من سلطتها.

وإنّ ما تخفيه الشركات مُتعدّدة الجنسيّات تحت هذا الثراء الفاحش بشعٌ بامتياز، فالتفاصيل التي جُمعت عن مناطق التجارة الحرّة التي تستغلّها الشركات للوصول إلى العمالة الرخيصة في البلدان النامية تجعلنا نعرف جزئيّاً كيف يجمع أولئك الناس الأنيقون ثروتهم، فمثلاً تصف نعومي كلاين الوضع في مناطق التجارة الحرّة (كافيت Cavite) جنوب الفلبين قائلة: «يتمّ تشغيل العديد من مصانع المنطقة بقبضة حديديّة وقواعد صارمة تنتهك بشكل منهجي قانون العمل الفلبّيني، على سبيل المثال بعض أرباب العمل يحافظون على الحمّامات مُغلقة باستثناء فترة الاستراحة البالغة خمس عشرة دقيقة، وخلال هذه الفترة يتعيّن على العمال تسجيل دخولهم وخروجهم حتّى تتمكّن الإدارة من تحديد وقتهم غير المُنتج، ويضطر بعض العمال إلى التبوّل في أكياس بلاستيكيّة يُخفونها تحت أجهزتهم، وفي بعض المصانع هنالك قواعد صارمة تمنع الكلام وحتّى الابتسام، ليس هذا فقط بل يتمّ التلاعب بمسألة الأجور أيضاً، إذ يكسب معظم العمّال دون الحدّ الأدنى من الأجور، وتغشّ المصانع بانتظام في مدفوعات الضمان الاجتماعي لعمّالها، وتجمع منهم بشكل غير قانوني «تبرّعات» لكلّ شيء، وفي مصنع

(101)

شاشات حواسيب (آي بي إم) فإنّ ساعات العمل الإضافي لا تُدفع مقابلها أجور ماليّة بل بضعة قطع صغيرة من الكعك، وفي الوقت نفسه يتوقّع بعض المُلّاك أن يسحب العمّال الأعشاب الضارّة من الأرض وهم في طريقهم إلى المصنع، ويتعيّن على آخرين تنظيف الأرضيّات والحمّامات بعد انتهاء نوباتهم، هذا في الوقت الذي تكون فيه بيئة العمل قاسية بسبب سوء التهوية وندرة مُعدّات الحماية»[1].

قد يقال إنّ هذه السلبيّات بالمجمل يمكن التغاضي عنها ما دامت هذه الشركات تعمل على تشغيل اليد العاملة في البلدان الفقيرة والنامية، ولكن هنالك مؤشّرات تدلّ على أنّ 200 شركة عملاقة تتصدّر قائمة الشركات مُتعدّدة الجنسيّات، والتي تقوم بتنفيذ ربع النشاط الاقتصادي العالمي، لا تستخدم سوى 0.075% من القوى العاملة[2]، في حين تلجأ بعض الشركات إلى استخدام الأتمتة بهدف التخلّص من العمالة البشريّة، فمثلاً بدأت شركة فوكسكون -إحدى أكبر شركات تصنيع الإلكترونيّات العالميّة في الصين- باستبدال العمّال بالروبوتات بعد وقوع سلسلة من حالات الانتحار بين العمّال المهاجرين الشباب بسبب ضغوط العمل، وتُطلق فوكسكون على خطوط الإنتاج الجديدة مصطلح (مصانع الأنوار المُطفأة) الذي يعني أنّ الشركة لم تعد بحاجة إلى القلق بشأن مشكلات الاعتماد على البشر[3].

(102)

هذا وإنّ الإمكانات الضخمة التي توافرت عليها الشركات مُتعدّدة الجنسيّات أهّلتها لأن تحتكر عمليّات التطوير العلمي لأغراضها التجاريّة، وبذلك عملت هذه الشركات على تحويل دفّة الإنتاج العلمي الأكاديمي من أهداف تنمويّة إلى أهداف سلعيّة صرفة، إذ تستقطب كبرى الشركات الرأسماليّة العقول الخلّاقة للطلبة في الأكاديميّات العالميّة، وتغدق عليهم الأموال لتجيير إبداعات عقولهم لمصالحها التجاريّة، وتعمد إلى توظيف الأبحاث في علوم إنسانيّة مهمّة -مثل علم النفس وعلم الاجتماع- لأغراض تسويقيّة صرفة، ولا غرابة عندئذ في أن يضع أستاذ علم النفس روبرت سيالديني كتابه (التأثير.. علم نفس الإقناع) بناء على متابعته لأساليب التأثير النفسي لأغراض التسويق، إذ تتعلّم الشركات الكثير عن نقاط الضعف النفسيّة لدى البشر، ليس من أجل ردمها بل من أجل استغلالها لبيع أكبر قدر من البضائع، وهذا ما دفع الدكتور آلان دونو إلى اعتبار التعليم الأكاديمي اليوم جزءاً من نظام التفاهة؛ لأنّ قدراً كبيراً من هذا التعليم صار يهدف إلى تسليع العلم وطلابه، فلم يَعُد الطلبة «مُستهلكين للتدريس وللشهادات المُقدّمة في الحرم الجامعي، لقد صاروا هم أنفسهم سلعاً، فالجامعة تبيع ما تصنعه منهم إلى زبائنها الجدد وتحديداً إلى الشركات وغيرها من المؤسّسات المُموِّلة لهذه الجامعة»[1].

ولا يقتصر الأمر على الطلبة، فلقد تمكّنت الشركات من شراء ذمم الأكاديميين المختصّين في حقولهم المعرفيّة لصالح التسويق،

(103)

ويضرب دونو أمثلة على ذلك، فشركة كوكا كولا موّلت دراسات علميّة تدّعي أنّ سبب السمنة لا يكمن في السعرات الحراريّة بل يعود إلى نقص الرياضة، ناهيك عمّا يعرف عن أساتذة كليّات الطب المُموَّلين من قبل الشركات الدوائيّة من ميل إلى التهوين من آثار المضار الجانبيّة للأدوية عند مناقشتها في قاعات الدرس[1].

هذا وإنّ احتكار هذه الشركات لأبحاث التطوير لا يؤدّي إلى تسفيه العلم حسب، وإنّما يعمل على تدمير الحِرف والمهن المحليّة التي تعتاش عليها قطاعات واسعة من الشعوب، إنّ الشركات من خلال هذه الأبحاث سوف تكون قادرة حرفيّاً على إنتاج بضائع وخدمات رخيصة بجودة عالية تجعل منافستها في الأسواق الناشئة شبه مستحيلة، ومن الطبيعي أن ينطوي مثل هذا التوجّه -الذي تشجّع عليه المنظّمات العولميّة- على مقدار عظيم من انعدام العدالة واللامبالاة بمصائر قطاع واسع من الشعب في البلدان الفقيرة والنامية.

إنّ هذا الحجم الذي بلغته الشركات مُتعدّدة الجنسيّات أحدث تغييراً فعليّاً في توازن القوى مع حكومات الدول المتقدّمة، إذ تحوّلت علاقة هذه الشركات بالحكومات إلى علاقة اعتماديّة شديدة لا يستغني فيها أحد الطرفين عن الآخر، ومن الطبيعي أنّ الإمكانيّات الضخمة التي تحوزها هذه الشركات تؤهّلها فعليّاً لأن تُشكّل قوّة ضغط هائلة لاستحصال القرارات السياسيّة التي تلائم مصالحها التجاريّة، وذلك عن طريق شرائها للساسة والأحزاب والضغط على

(104)

جماعات اللوبي، لذا يمكن اعتبار الشركات مُتعدّدة الجنسيّات أشبه بالحكومة الفعليّة التي تدير المشهد العالمي في عصر العولمة.

وحيث إنّ هذه الحكومة لا تتكوّن من قطب واحد، وإنّما من أقطاب مُتعدّدة تجمعها أهداف استثمار الفرص التي تزيد أرباحها في المشهد العالمي، لذا فهي بحاجة إلى التوافق بين أطرافها، ولهذا ينعقد المنتدى الاقتصادي العالمي WEF في مدينة دافوس بسويسرا سنويّاً، حيث يشترك قادة أكبر 1000 شركة في العالم من أمثال نستله ونايكى ومايكروسوفت وبكتل وكوكاكولا وغولدمان وساكس وآي بي أم، وعادة ما تتمّ استضافة رؤساء وقادة وأشخاص مؤثّرين على الصعيد الدولي للمشاركة في أعمال المنتدى.

في منتدى دافوس توضع مسوّدات لخطط ومشاريع اقتصاديّة مشتركة، وعلى الرغم من أنّه رسميّاً منظّمة غير حكوميّة ولا يستهدف الربح، إلّا أنّ شروط عضويّته تحتّم أن يكون دخل الشركة لا يقلّ عن مليار دولار سنويّاً، إلى جانب اشتراك عضويّة يبلغ 12.500دولار، أمّا الاشتراك في المؤتمر السنوي فيكلّف 6.250 ألف دولار، وإذا أرادت الشركة الاشتراك في وضع أجندة هذا المؤتمر قبل انعقاده، فعليها أن تدفع 250.000 ألف دولار، وإذا أرادت أن تكون شريكاً دائماً، فعليها أن تدفع 78.000 ألف دولار[1].

وقد «فرّخ» منتدى دافوس منتديات قاريّة وإقليميّة أهمّها (اللقاء السنوي للأبطال الجدد) في الصين و(دافوس الصيفي) الذي يضمّ

(105)

قادة الأعمال والسياسة في الدول الصناعيّة الصاعدة بما فيها الهند وروسيا والبرازيل والصين، إضافة إلى المنتدى الاقتصادي العالمي لقارّة أميركا اللاتينيّة، كما صارت تنعقد سلسلة من اللقاءات الإقليميّة التي تحمل اسم دافوس في مناطق أخرى مثل أوروبا وآسيا الوسطى وروسيا وأفريقيا والشرق الأوسط[1].

إنّ منتدى دافوس وأمثاله أشبه ما يكون بمنظّمة الأمم المتّحدة بالنسبة لحكومات العالم، إذ تؤكّد كبرى الشركات مُتعدّدة الجنسيّات على سلطتها العالميّة على نطاق رسمي، وتعبّر عن طموحاتها المتزايدة في تعدّي بعدها الاقتصادي إلى الأبعاد السياسيّة والثقافيّة، إنّ الشركات مُتعدّدة الجنسيّات تؤكّد من خلال ذلك على سلطتها الصاعدة التي تهمل الاختلافات القوميّة المعهودة بل وتهمل التنافس التقليدي بين الحضارات.

ولكن هل يمكن أن تتحرّر الشركات من حاجتها للحكومات القوميّة وأنظمتها التقليديّة؟ إنّ هذا الأمر لا يبدو ممكناً على الأقلّ في المستقبل المنظور؛ لأنّ الحكومات القوميّة لا تزال هي المُعوَّل عليه، الذي تستند إليه الشركات لتأمين بيئة مستقرّة أمنيّاً، كما تعتمد هذه الشركات على الحكومات العظمى لتنظيم التنافس المحموم بين الشركات ذاتها، فمن المعلوم أنّ منتدى دافوس وأمثاله لا يستند في تنفيذ قراراته إلى قوى قاهرة كالتي تمتلكها الحكومات التي لا تزال تمتلك القوّة العسكريّة الرسميّة في جميع أنحاء العالم.

(106)
(107)
(108)

 

 

 

 

 

الفصل الثالث

مُنجزات العولمة

(109)
(110)

الفصل الثالث: مُنجزات العولمة

أوّلاً: عَوْلمة بِطعمِ الأزمات

لا يخفى أنّ موازين القوى بعد الحرب العالميّة الثانية تحوّلت من أوروبا إلى الولايات المتّحدة الأمريكيّة بما في ذلك القوّة الاستعماريّة التي كانت تتمتّع بها دول غرب أوروبا، ولكن بسبب وجود الاتحاد السوفييتي كقوّة عظمى منافسة للقوة الأمريكيّة وتأسيس المواثيق الدوليّة تحت مظلّة الأمم المتّحدة، ركّزت الولايات المتّحدة على اتّباع أسلوب القوّة الاستعماريّة غير المباشرة، وذلك من خلال تشجيع الانقلابات العسكريّة ودعم الحركات الانفصاليّة ونشر الفوضى واستغلال الكوارث البيئيّة، وقد لعبت المخابرات الأمريكيّة CIA دوراً كبيراً في هذا الصدد.

إنّ القوّة الاستعماريّة غير المباشرة التي مارستها الولايات المتّحدة تمتاز بثلاث ميّزات مهمّة: أوّلها أنّها أقلّ كُلفة، وثانيها أنّها لا تخرق المواثيق الدوليّة علانية، وثالثها أنّها تُوقف تمدّد الشيوعيّة عن طريق فرض الأجندة الرأسماليّة، فالاقتصاد سلاح عظيم لا توازيه أشدّ الأسلحة فتكاً، وإنّ تحويل النظام الاقتصادي لأيّ دولة من الاشتراكي إلى الرأسمالي لا يعني انفتاح تلك الدولة على المشروع الغربي حسب، وإنّما يعني أيضاً تقويض السياسة الاشتراكيّة برمّتها، ويقوم أسلوب الاستعمار غير المباشر على أساس فكرة بسيطة تتمثّل في استغلال الأزمات لتمرير النظام النيوليبرالي والقضاء على النظام الاشتراكي، وهي عمليّة أطلقت

(111)

عليها نعومي كلاين اسم (عقيدة الصدمة) التي كانت أمريكا اللاتينيّة من أوائل ضحاياها.

كانت مؤسّسة فورد -وهي أكبر مؤسّسة خيريّة في العالم آنذاك- تُعدّ المُموّل الأوّل للبرنامج الأمريكي اللاتيني للبحث والتدريب الاقتصادي التابع لجامعة شيكاغو، الذي أطلق العديد من (صبيان شيكاغو)[1] الأمريكيين في القارّة، كذلك موّلت فورد برنامجاً موازياً في الجامعة الكاثوليكيّة في سانتياغو عاصمة تشيلي مُصمّماً لجذب طلاب الاقتصاد من البلدان المجاورة لكي يتعلّموا على يدي صبيان شيكاغو، وقد حوّل ذلك مؤسّسة فورد، سواء بشكل متعمّد أم غير متعمّد، إلى مصدر رئيس لتمويل انتشار إيديولوجيا مدرسة شيكاغو في أرجاء أمريكا اللاتينيّة بشكل يفوق دور الحكومة الأمريكيّة ذاتها[2].

أولى تجارب الاستعمار النيوليبرالي الجديد كانت في جمهوريّة تشيلي الواقعة على الساحل الغربي لأمريكا اللاتينيّة، إذ دعمت الولايات المتّحدة انقلاباً عسكريّاً بقيادة الجنرال أوجستو بينوشيه على حكومة الرئيس الاشتراكي سلفادور أللندي في العام 1973، وقد حكم الجنرال بينوشيه البلاد بالحديد والنار لمدّة 17 سنة مُعطياً المجال لصبيان شيكاغو في ممارسة دورهم لنقل تشيلي من النظام الاشتراكي إلى الرأسمالي على الطريقة النيوليبراليّة، وفي ذلك يقول

(112)

ميلتون فريدمان: «كانت هذه هي المرّة الأولى التي نتّخذ فيها إجراء ضدّ الشيوعيّة، والتي كانت في الحقيقة خطوة نحو السوق الحرّ»[1].

بعد تطبيق الرأسماليّة النيوليبراليّة مباشرة، فشل الاقتصاد التشيلي فشلاً ذريعاً، ففي العام 1974 بلغ التضخّم الاقتصادي 375%، وهو أعلى معدّل في العالم وضعف أعلى مستوى بلغه الاقتصاد التشيلي تحت حكم الرئيس أللندي تقريباً[2]، وعلى الرغم من أنّ معدّلات الفقر في تشيلي انخفضت من 30% في عام 2000 إلى 6.4% في عام  2017، إلّا أنّ الفجوة بين مستويات معيشة الأغنياء والأقلّ دخلاً ظلّت كبيرة للغاية، بحيث أصبحت تشيلي من أكثر البلدان عدم مساواة في توزيع الدخل من بين الدول الأعضاء في منظّمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ولم تنمُ الأجور بالشكل الكافي لملاحقة زيادات أسعار الكهرباء والبنزين وغيرها من السلع والخدمات العامّة، فتزايدت الضغوط على المواطنين حتّى نزلوا بمظاهرات عارمة في تشرين الأوّل من عام 2019 للاحتجاج ضدّ ثلاثين سنة من التقشّف وتردّي الدعم لقطاعات الصحّة والتعليم والمعاشات والإسكان وزيادة تكاليف الكهرباء والغاز في مقابل التساهل مع المُستثمرين، وفي مفارقة تراجيديّة كتبت إحدى الفتيات المتظاهرات على لافتة تحملها عبارة: «ولدت النيوليبراليّة في تشيلي وستموت في تشيلي»[3].

(113)

كتب كاثي شنيدر المتخصّص في شؤون أمريكا اللاتينيّة قائلاً: «لقد كان التحوّل الذي شهده النظام الاقتصادي والسياسي ذا تأثير بالغ على رؤية المواطن التشيلي للعالم، فأغلب التشيليين اليوم -سواء كانوا يملكون أعمالاً صغيرة أو يعملون بشكل وقتي- إنّما يمارسون أعمالهم بشكل مُنفرد، ويعتمدون على مبادراتهم الفرديّة في توسعة النشاط الاقتصادي، وليس لديهم اتصال واضح بغيرهم من العمّال أو جيرانهم، وليس في وسعهم سوى قضاء وقت محدود مع عوائلهم، وتتّسم مشاركتهم السياسيّة أو انخراطهم في تنظيمات عمّالية بالمحدوديّة التامّة مع بعض الاستثناءات في قطاعات الخدمات الشعبيّة كالرعاية الطبيّة -والتي لم يستطع الحكام الفاشيّون تدميرها بسبب شدّة مقاومة السكّان- ويعاني هؤلاء السكّان من نقص الموارد والسلطة التي تمكّنهم من مواجهة الحكومة، لقد حقّق تفتيت تجمّعات المعارضة ما فشلت فيه الوسائل القمعيّة الوحشيّة، ونقل كلّ هذا تشيلي ثقافيّاً وسياسيّاً من دولة ذات مشاركات نشطة للتنظيمات الزراعيّة والقرويّة إلى مكان لا اتصال بين أرجائه، يعيش فيه أفراد معزولون غير مشاركين سياسيّاً»[1].

ولم يتنهِ الاستعمار غير المباشر للولايات المتّحدة عند تشيلي، بل استمرّ في استهداف بلدان أخرى، ففي العام 1976 حدث انقلاب عسكري في الأرجنتين بقيادة الجنرال خورخه فيديلا أطاح بحكومة الرئيسة إيزابيل بيرون، وفسح المجال لصبيان شيكاغو لهيكلة الاقتصاد الأرجنتيني من الاشتراكي إلى الرأسمالي على الطريقة

(114)

النيوليبراليّة لتتفاقم بعدها معاناة الشعب الأرجنتيني، فبين أعوام (1975–1990) انخفض الدخل الحقيقي للفرد الأرجنتيني أكثر من 20% ليمحو ما يزيد على ثلاثة عقود من التنمية الاقتصاديّة[1].

وقد حاول النظام العسكري في الأرجنتين إسكات الشعب بالحديد والنار، ولكنّ الحراك الشعبي واصل ضغوطه ممّا اضطر حكومة العسكر إلى إيجاد منفذ من المأزق بشنّ حرب، هدفها المُعلن هو استعادة جزر الفوكلاند من بريطانيا التي تحتلّها منذ عام 1833، بالمقابل أعلنت بريطانيا بقيادة مارغريت تاتشر الحرب لاستعادة الجُزُر، فكان النصر حليفها بعد قتال دام أكثر من ثلاثة أشهر، راح ضحيّته مئات الجنود من الطرفين، وعلى الرغم من أنّ هذه الحرب لم يكن لها داعٍ لأنّ جُزر الفوكلاند لم تكن تُمثل أهمّية كبيرة لأيّ طرف، إلّا أنّ الجانب الاقتصادي كان هو الهدف المُبرّر من ورائها، ليس بالنسبة لحكومة الأرجنتين فقط، وإنّما لحكومة بريطانيا أيضاً.

فبسبب النصر الرمزي الذي حقّقته في حرب الفوكلاند، والذي منحها اسم (المرأة الحديديّة)، استخدمت تاتشر هذه الورقة لتعويض تراجعها الانتخابي بسبب تردّي الاقتصاد البريطاني إثر السياسات النيوليبراليّة التي طبّقتها منذ تولّيها رئاسة الوزراء، فعندما أضرب اتحاد عمّال مناجم الفحم في العام 1984 ردّاً على تقليص الحكومة لسلطة الاتحاد، اعتبرت تاتشر هذا الاعتصام استمراراً لحرب الفوكلاند قائلة: «كان علينا أن نكافح العدو في

(115)

جزر الفوكلاند، والآن علينا أن نقاتل العدو المُتربّص في الداخل، العمليّة أصعب لكنّ الخطر على الحريّة هو نفسه»، وبذلك وجدت تاتشر الفرصة لتطبيق ما كان فريدريك هايك ينصحها به حول تنفيذ السياسات النيوليبراليّة بالقوّة على المجتمع البريطاني، فشنّت حرباً ضروساً على أقوى اتحاد في بريطانيا وربحتها في النهاية، فبحلول العام 1985 طردت تاتشر 966 شخصاً من اتحاد عمّال المناجم، وهي خطوة شبيهة بما فعله رونالد ريغان -مُبشّر النيوليبراليّة في أمريكا- بعد تولّيه الرئاسة عام 1980، إذ طرد 11400 عامل من مراقبي الحركة الجويّة في أمريكا بعد الإضراب الذي نظّمته نقابتهم[1].

وهكذا تستمرّ سلسلة استغلال الأزمات لصالح تمدّد النيوليبراليّة، وبخاصّة مع أزمة تفكّك الاتحاد السوفييتي عام 1991، فعندما حدثت محاولة الانقلاب العسكري التي دبّرها أعضاء الحزب الشيوعي ضدّ الرئيس ميخائيل غورباتشوف، عمد بوريس يلتسين -الذي كان آنذاك منحازاً للرأسماليّة- إلى ركوب تلك الأزمة وإنهاء الانقلاب لصالح تفكيك الاتحاد السوفييتي والقضاء على الاقتصاد الاشتراكي، فقام بتحرير الأسعار وخصخصة المؤسّسات العامّة، فوقعت الثروة في أيدي قلّة من الروس الذين تحوّلوا إلى مليارديرات على حساب القطاع الأوسع من الشعب، فزاد الاقتصاد الروسي تدهوراً وعمّ التضخّم في البلاد، وجرّت الأحداث إلى اشتعال الأزمة الدستوريّة الروسيّة في عام 1993، فعمد يلتسين إلى حلّ البرلمان

(116)

وإلغاء الدستور وحظر المعارضة، ليؤسّس بذلك دكتاتوريّة تمضي قدماً في تطبيق الاقتصاد النيوليبرالي دون رجعة.

كانت هذه الأزمة بمثابة الفتح للنيوليبراليّة الأمريكيّة، فهو الإعلان الرسمي عن نهاية المنافس الاشتراكي اللدود، ولكنّه في الوقت نفسه لم يمثّل نهاية القوّة الاستعماريّة غير المباشرة للولايات المتّحدة، فالنيوليبراليّة لا تستغني عن وجود أزمات تفتح انغلاقاتها الاقتصاديّة وتكتشف أسواقاً جديدة للشركات مُتعدّدة الجنسيّات، ومنها الشركات المصنّعة للأسلحة[1].

وقد تحوّلت النسخة الاستعماريّة غير المباشرة للولايات المتّحدة إلى نسخة أكثر تراجيديّة بعد ظهور مؤشّرات تفكّك الاتحاد السوفييتي، فبرزت الحاجة إلى النفخ في تهديدات معيّنة وتحويلها إلى بُعبُع يعوّض عن زوال خطر الشيوعيّة، فكان الإرهاب الدولي هو الخطر الذي تحدّث عنه الرئيس بوش الأب في خطابه بمعهد آسبن عقب غزو العراق للكويت قائلاً: «على الرغم من التغيير في التهديد السوفييتي إلّا أنّ العالم لا يزال مكاناً خطيراً مع تهديدات خطيرة لمصالح أمريكيّة مُهمّة لا علاقة لها تماماً بالأنماط السابقة للعلاقة بين الولايات المتّحدة والاتحاد السوفييتي، هذه التهديدات

(117)

كما رأينا في الأربع والعشرين ساعة الماضية يمكن أن تظهر بشكل مفاجئ وغير مُتوقّع ومن جهات غير مُتوقّعة، لا يمكن حماية مصالح الولايات المتّحدة إلّا بالقوّة الحاضرة والمستعدّة للعمل دون تأخير، تؤكّد أحداث اليوم الماضي أيضاً على الحاجة الحيويّة لهيكل دفاعي لا يُحافظ على أمننا فحسب، بل يوفّر الموارد اللازمة لدعم احتياجات الدفاع عن النفس المشروعة لأصدقائنا وحلفائنا»[1]، وبذلك صارت أزمة الخليج الحدث المناسب للإعلان عن ولادة العولمة رسميّاً، إذ وصفها الرئيس بوش بأنّها «فرصة نادرة لقيام نظام عالمي جديد أكثر تحرّراً من تهديد الإرهاب»[2].

لقد صرّفت أزمة الخليج العجز المالي الأمريكي الذي بلغ آنذاك 232 مليار دولار[3]، كما فتحت مناجم الذهب الأسود أمام الشركات المُصدّرة للسلاح، وما بين عامي (1990-1991) أصبحت الولايات المتّحدة أكبر مُورّد للأسلحة إلى العالم الثالث، وفي عام 1992 استأثرت بـ57% من مبيعات الأسلحة إلى سوق العالم الثالث مقارنة بروسيا التي لا تزيد حصّتها على 9%، وقد دفعت السعوديّة وحدها 30 بليون دولار في منتصف 1993، وهو ما حقّق الهدف الأمريكي لتقويض اقتصاد هذه الدولة بالغة

(118)

الثراء حتّى يضمن إعادة الثروة النفطيّة إلى الولايات المتّحدة بصفة خاصّة[1].

يقول نعوم تشومسكي: «كلّ عام يرسل البيت الأبيض تقريراً إلى الكونغرس يشرح له أنّ التهديد العسكري الذي نعانيه يتطلّب تخصيص ميزانيّة ضخمة بما يضمن الحفاظ على مستوى عالٍ في الصناعات التكنولوجيّة في داخل الولايات المتّحدة وضمان «القمع في الخارج»، وكانت الطبعة الأولى لسياسات ما بعد الحرب الباردة قد ظهرت في مارس 1990 وكان المبرّر هو ذاته: فنحن نواجه تهديدات مُرعبة ولا يمكن تسريح حرّاس أمننا، ويتمّ تعديل التوجيه العسكري إلى مناطق جديدة، فالقوّة العسكريّة الأمريكيّة يجب أن تركّز على العالم الثالث على نحو ما اقترح التقرير المُقدّم من الكونغرس، وأن يكون الهدف الأوّل هو الشرق الأوسط... فلقد فقد المبرّر السوفييتي فعّاليته، ويستمرّ التقرير داعياً إلى ضرورة تطوير قواعد عسكريّة مُتقدّمة ودعم إمكانات مواجهة التمرّدات والنزاعات الخفيفة، وفي ضوء تزايد تعقيد نزاعات الشرق الأوسط يجب على الولايات المتّحدة أن تعزّز من القاعدة الصناعيّة للدفاع[2].

وبعد عشر سنوات فقط من الانطلاقة الفعليّة للعولمة، تمّ ضخ دماء بلون آخر في جسد الاقتصاد النيوليبرالي، وذلك من خلال أزمة تفجير مركز التجارة العالمي WTC في الحادي عشر من سبتمبر

(119)

2001 مع كلّ ما يحمله الحدث من معانٍ رمزيّة لافتة[1]، وفي الوقت ذاته كانت هذه الأزمة تمثّل الدجاجة التي تبيض ذهباً، إذ خوّلت الولايات المتّحدة احتلال العراق لاحقاً عام 2003 تحت غطاء امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل، وقد تبيّن لاحقاً أنّ الهدف الرئيس هو تحويل اقتصاد البلد -الذي يملك خامس أكبر احتياطي من النفط- من النظام الاشتراكي إلى النظام النيوليبرالي بعد تعريض نظامه السياسي لسلسلة من الأزمات الداخليّة تحت مبدأ (الفوضى الخلّاقة)[2].

ولا يفوتنا أن نذكّر بأنّ من أسباب توسّع الإنفاق على الجانب العسكري من قبل الحكومة الأمريكيّة بعد الحرب الباردة -على الرغم من أنّه يناقض مبادئ النيوليبراليّة القاضية بتقليص الإنفاق الحكومي على القطاع العام- بسبب ارتفاع معدّلات الكراهية تجاه أمريكا من كلّ حدب وصوب عقب الأزمات التي افتعلتها أو شاركت فيها، لذا فإنّ الرأسماليين وأصحاب الشركات مُتعدّدة الجنسيّات

(120)

يشعرون بضرورة الإبقاء على قوّة الردع العسكري للولايات المتّحدة لمواجهة التهديد واسع النطاق الذي يواجهه البلد الأوّل الراعي للنيوليبراليّة ليؤمّن مصالح تلك الشركات.

وخلاصة لما تقدّم، فإنّ اقتصاد العولمة قائم فعليّاً على مبدأ البقاء للأقوى، الذي يستمدّ فلسفته من الداروينيّة، فهذا المبدأ يُبرّر للنيوليبراليين التنقّل من أزمة إلى أخرى من أجل الحصول على الموارد الجاهزة لامتصاصها، ويبقون دائبين في البحث عن البلدان المنكوبة للاستثمار في أزماتها، فإذا وجد النيوليبراليّون دفاعاً عنيفاً من قبل الدولة التي يستهدفونها، عمدوا إلى وسائل تُخضِع المدافعين لرغباتهم الاقتصاديّة بافتعال الفوضى والصدمات، لذا فإنّ استغلال الانقلابات العسكريّة والحروب الأهليّة من قبل أرباب العولمة تمثّل أدوات لا تصوّب نحو أهداف قوميّة أو أيديولوجيّة بالأساس، وإنّما تصوّب نحو أهداف اقتصاديّة من أجل فتح حدود البلدان النامية والوصول إلى مواردها الطبيعيّة واستغلال مواردها البشريّة في عبوديّة العمل بالمصانع في مقابل الكفاف، وهكذا تبقى دبابير العولمة تمتصّ الموارد في قفير البلد النامي حتّى تنضب موارده ويستحكم فيه الفساد، وعندئذ سيرفعون أيديهم عنه بحثاً عن بلدٍ جديد لا يزال واعداً، وبذلك يُترك النظام السياسي في مواجهة مباشرة مع الشعب الساخط، فتكون الاحتجاجات والصدامات بين الحكومة والشعب هي الستار الذي يُسدل على المشهد التراجيدي الأخير.

ولكنْ من المفارقات أنّ طاولة النيوليبراليّة سرعان ما انقلبت

(121)

على أربابها، وذلك بحلول الأزمة الاقتصاديّة في عام 2008 التي تمثّل أسوأ أزمة عرفها العالم بعد أزمة الكساد الكبير عام 1929، وهي الأزمة المعروفة باسم (أزمة الرهون العقاريّة الأمريكيّة).

ابتدأت الأزمة في العام 2004 عندما دفع جشع البنوك في وول ستريت إلى الاندفاع في تحقيق أرباح سريعة بفتح قروض عقاريّة للمواطنين الأمريكان من دون ضمانات كافية للسداد، وجعل الرهن العقاري هو الضامن لذلك، ثمّ قامت البنوك الاستثماريّة باقتراض مليارات الدولارات من أجل شراء هذه القروض من بنوك أخرى، ثمّ تقوم بتوريقها وطرحها للتداول في البورصة، ثمّ قامت البنوك الاستثماريّة بجمع هذه الأوراق الماليّة من البورصة وبيعها إلى بنوك استثماريّة أخرى وصناديق استثمار وصناديق احتياط ومستثمرين في جميع أنحاء العالم، وبطبيعة الحال فإنّ هذه القروض يتمّ تحميلها هوامش أرباح إضافيّة في كلّ مرّة تُطرح للبيع، ثمّ دخلت شركات التأمين على الخطّ بتحرير وصولات تأمين على هذه القروض.

تحوّلت عمليّات البيع والشراء والإقراض والاستثمار على الرهون العقاريّة إلى جبل عملاق من الارتباطات الماليّة، وكان هذا الجبل يستند إلى مجرّد صخرة هشّة تتمثّل بمواطنين أمريكان لا يملكون القدرة الكافية على سداد القروض، وبمجرّد أن بدأت بوادر عجزهم عن السداد في العام 2007، قامت البنوك بأخذ المنازل منهم وطرحها للبيع، ممّا خلق عرضاً أكثر من الطلب على المنازل في السوق، فانهارت أسعارها، وفي عام 2008 انفجرت الفقاعة الاقتصاديّة وأدّت إلى إفلاسات سريعة لكبرى البنوك في الولايات

(122)

المتّحدة، تبعتها البنوك الأجنبيّة المرتبطة بها، ما أدخل المؤسّسات الماليّة العالميّة في فوضى عارمة، وأخذت البورصات بالتدهور سريعاً، تبعتها شركات التأمين والمستثمرون من كلّ أنحاء العالم، وسرّحت البنوك والشركات المُفلسة موظّفيها فارتفعت نسبة البطالة، وتراجعت مؤشّرات الأسهم مع هروب المستثمرين من الأسواق، فأصيبت جميع القطاعات الاقتصاديّة بالشلل.

قرّرت حكومة الولايات المتّحدة أن تتدخّل بمنح مليارات الدولارات لإنقاذ كبرى البنوك لديها مثل بنك سيتي غروب أوف أمريكا وولز فارجو ومورغان ستانلي وجولدمان ساكس جي بي مورغان وشركتي الإقراض العقاري فاني وفريدي ماك، كما قامت بتأميم شركة ايه آي جي أكبر شركة تأمين في العالم، وعمل الاحتياطي الفيدرالي على تخفيض معدّل فائدته الرئيسة إلى 3.50% ثمّ تمّ تخفيضه تدريجيّاً إلى 2% وهو إجراء استثنائي جداً، بالمقابل قامت الحكومة البريطانيّة بتأميم مصرف برادفورد وبينغلي، وأمّمت حكومة بلجيكا مصرف فورتيس، وهما مصرفان أوروبيّان تأثّرا بشكل مباشر بأزمة الرهون العقاريّة الأمريكيّة.

بذلك نجد أنّ الشرّ المُقيم في توحّش الرأسماليّة سرعان ما يعود ليفاجئ الجميع ويُغيّر كلّ الحسابات، فالاقتصاد عندما لا يقوم على قاعدة أخلاقيّة، فإنّ الحراك الجشع لأصحاب النفوذ المالي سرعان ما يقلب الطاولة على الجميع، بخاصّة في المنظومة النيوليبراليّة التي تحرّر هذا الجَشع من أيّ تنظيم ورقابة حقيقيّة. إنّ الفوضى التي أحدثها السوق الحرّ كلّف الدول الكبرى خسارات هائلة لم تكن

(123)

تداعياتها الكارثيّة لتتوقّف من دون تدخّل القطاع الحكومي لإنقاذ الوضع، والإجراءات التي أقدمت عليها حكومات العالم الغربي في أزمة الرهون العقاريّة فضحت النيوليبراليّة التي كانت ترفض أيّ تدخّل حكومي في الاقتصاد الحرّ، بدعوى أنّ هذا الاقتصاد قادر بذاته على تجاوز محنه وتعديل موازينه باليد الخفيّة للسوق.

ثانياً: عالمٌ غني يسكنه البائسون

عندما تدخل العولمة في البلدان ذات الموارد الاقتصاديّة الوفيرة، فإنها تُوجد أوّلاً حالة من النشاط الملحوظ في سوق العمل، وذلك تزامناً مع ضخّ الأموال في جيوب المستثمرين في الداخل، ومن الطبيعي أن يستتبع ذلك نشاط حركة التوظيف والعَمالة، ولكن يُلحظ في هذه الفترة بالذات تصاعد في نسب مُتطلّبات المعيشة الأساسيّة، لأنّ الحكومة -كما يقتضي النظام النيوليبرالي- سوف تبدأ بسحب يدها عن دعم قطاعات الخدمات الأساسيّة للمواطنين مثل التعليم والصحّة والكهرباء والماء والصرف الصحّي، ما يدفع المواطنين إلى صرف حصّة كبيرة من الأموال التي يجنونها لتعويض النقص في هذه الخدمات، وهنا تنطوي المسألة على حيلة ذكيّة، فالنشاط الملحوظ في سوق العمل يدرّ أرباحاً سريعة تُشعر الناس بالأمن الاقتصادي، بحيث لا يُشكّل تراجع الخدمات الأساسيّة مشكلة كبيرة لهم ما داموا قادرين على تعويضها ببدائل الخصخصة، بخاصّة أنّ تراجع الخدمات الأساسيّة يأتي تدريجيّاً بحيث لا يثير حساسيّتهم، بل يصبح أمراً طبيعيّاً في نظرهم، ولكنّ المُعاناة تبدأ بالظهور عندما يتراجع نشاط السوق وتقلّ فرص التشغيل بسبب

(124)

انفتاح الاستثمارات على الخارج، وعندئذ يصبح تراجع الخدمات الأساسيّة كشبح ثقيل يجثم على صدور المواطنين، إذ يُصبحون غير قادرين على سداد فواتيرها؛ لأنّ غالبيتهم باتوا يعانون من البطالة أو شبه بطالة.

هذا الحال لا بدّ من أن يخلق الطبقيّة الحتميّة، فشريحة محدودة جداً سوف تحوز على قدرات ماليّة ضخمة، في حين تعود قطاعات واسعة من الشعب إلى ما دون خطّ الفقر، وهي صفة لازمة من لوازم العولمة، إذ تزداد الفجوة بين الأغنياء والفقراء بانتظام، «ففي عام 1960 كانت نسبة إجمالي الناتج المحلّي الإجمالي بين أغنى 20% وأفقر 20% من السكّان 30 :1، لكن في عام 1989 بلغت هذه النسبة 60 :1، بل كشفت إحصاءات برنامج الأمم المتّحدة للتنمية أنّ نسبة دخل أغنى وأفقر 20% من سكّان العالم بلغت 140:1، وقد أظهرت بياناتها أنّ عدم التساوي بين أفقر وأثرى 20% من السكان أكثر وضوحاً لا على مستوى الأمم بل داخل الأمم[1].

وتمثّل نيكاراغوا مثالاً واضحاً على ما تسبّبه العولمة من توسيع في مساحة الفقراء، إذ كانت هذه الدولة تسجّل أدنى معدّلات في وفيات الأطفال الرضّع مطلع الثمانينيّات، ولكن بعد خضوعها للنظام النيوليبرالي استحقّت لقب أسوأ دول أمريكا اللاتينيّة، إذ أخذت تعاني من أعلى المعدّلات في وفيات الأطفال في القارّة كلّها، وبحسب الأمم المتّحدة فإنّ 25% من أطفال نيكاراغوا يعانون سوء التغذية، وأخذت النساء بإعداد مطابخ طهي الحساء لبيعه في

(125)

زوايا الشوارع بهدف إنقاذ عشرات الأطفال من براثن المجاعة، وذلك في وقت ينتشر فيه أطفال بؤساء جوعى في كلّ إشارة مرور، مستعدّون لمسح زجاج السيارات أو يتسوّلون دون مواربة، بل قد ينجرفون إلى مستنقع الدعارة والسرقة، كما أنّ الأمراض التي كانت البرامج الصحيّة لحكومة الساندينيين قد تغلّبت عليها، عاودت للانتشار من جديد، وقد تفاخر وزير الماليّة الأمريكي بأنّ نيكاراغوا «حقّقت أدنى معدّل تضخّم في الأمريكيّتين» لكن فاته أن يشير إلى وجود أربع ملايين إنسان يقرص بطونهم الجوع في تلك الدولة، وقد قوبلت برامج الساندينيين في الرعاية الطبيّة والغذائيّة ومحو الأميّة والزراعة بالرفض من قبل الحكومة المحليّة بسبب ضغوط صندوق النقد الدولي وواشنطن حتّى تنقلب الدولة إلى الخصخصة وقطع الدعم المُوجّه للشعب[1].

هذا ولا ينطوي نظام العولمة الجديد على مشكلة صعود الأغنياء عموديّاً على حساب توسّع قاعدة الفقراء أفقيّاً حسب، وإنّما ينطوي على مشكلة أخرى تتمثّل بأزمة الطبقة الوسطى التي تعمل غالباً في وظائف لا تناغم طموحاتها وإمكانيّاتها الفعليّة، بل هي مجبرة على البقاء فيها لتحافظ على مستواها الاقتصادي المُتوسّط، بعبارة أخرى: إنّ نظام العولمة يُوظّف طبقة لا يُستهان بها من أفراد المجتمع في أعمال لا يؤمنون بها ولا يُطيقونها، ولكنّهم مُجبرون عليها بحكم حاجتهم إلى المصادر الماليّة التي يغدقها عليهم أرباب المؤسّسات والشركات العامّة والخاصّة.

(126)

هذه الطبقة التي تستهلك نفسها في الوظائف تعاني من قهر اجتماعي لا يقلّ شأناً عن قهر الطبقة الفقيرة، ولكن مع فارق مهمّ هو أنّ الطبقة المتوسّطة تقبل بهذا القهر وتكبته للحفاظ على امتيازاتها الماليّة، وقد يضطرّهم هذا الكبت إلى السكوت والتواطؤ مع أرباب العمل لإتمام صفقات الفساد التي تزيد من معاناة الفقراء من أبناء جلدتهم، لذا فإنّ غالبيّة أفراد هذه الطبقة لا يُتوقّع منهم أن يثوروا يوماً على النُظُم الإداريّة الفاسدة كما يُتوقّع من طبقة الفقراء أن تفعل؛ لأنّ القهر الاجتماعي الذي يعاني منه أبناء الطبقة الوسطى مدفوع الثمن.

ولكنّ ذلك لا بدّ من أن تكون له ارتدادات سلبيّة خطيرة، تبدأ مؤشّراتها مع تدنّي مستويات الإنجاز في الوظائف، فعندما يُجبر الناس على أعمال لا يحبّونها ولمدّة طويلة، فمن المؤكّد أنّ الإهمال والتقصير سيتفشّيان في تلك الأعمال، وهذا يُعدّ واحداً من أهمّ مسبّبات زيادة معدّلات الفساد في الوظائف، بالإضافة إلى إهدار طاقة الطبقة الوسطى التي تمتلك مؤهّلات للإبداع في مجالات مُتعدّدة لكونها طبقة مُتعلّمة، وتنتهي قائمة الارتدادات السلبيّة عند المشكلات النفسيّة من القلق والاكتئاب، التي يعاني منها أبناء الطبقة الوسطى نتيجة لالتزامهم بأعمال لا تلائم طموحاتهم ومواهبهم الذاتيّة.

ولكنّ أفذاذ النيوليبراليّة وجدوا حلّاً لذلك، إذ يُلفت الفيلسوف بيونغ تشول هان أنظارنا إلى دور ورش التدريب والتنمية البشريّة العديدة التي تهدف إلى تدريب الأفراد على الإدارة الذاتيّة بهدف تجاوز القلق والاكتئاب وطرد الطاقة السلبيّة، وتدفعهم لتطوير أدائهم

(127)

وتجاوز الإرهاق الناتج عن الاستغلال المستمرّ لأجسادهم وأرواحهم من أجل أن يكونوا منتجين جيّدين في نظام العولمة النيوليبرالي، وبذلك يتمّ تمرير وهم مفاده أنّ المرء إذا عمل بجدّ فسيضمن لنفسه حياة مُرضية، أي إنّ الحياة الهنيئة تنحصر في تحسين الإنتاجيّة بالعمل، وأنّ أيّ تشكيك بذلك الوهم لهو أمر خطير؛ لأنّه قد يقضي على ضرورة التحسين الذاتي-بمعنى زيادة الإنتاجيّة- وبذلك تمثّل إيديولوجيّة النيوليبراليّة في تحسين الذات شكلاً من أشكال العقيدة[1].

ويؤكّد الفيلسوف هان على أنّ هذا التحكّم النفسي للسلطة أكثر كفاءة في السيطرة على الجماهير من الوسائل التقليديّة؛ لأنّه يجعل التمرّد شبه مستحيل، لأنّ الذين فشلوا في النظام النيوليبرالي يعيشون فشلهم على أنّه مسؤوليّتهم الخاصّة، وفي أفضل الأحوال سيوجّهون إحباطهم نحو زيادة إنتاجيّتهم من خلال التصحيح الذاتي التلقائي، وفي أسوأ الحالات فإنّ إحباطهم بسبب فشلهم في خلق الثروة أو الشهرة يجعلهم مكتئبين يدمّرون أنفسهم، ولا يُدمّرون النظام الذي عزّز هذا الاكتئاب والتدمير الذاتي[2].

ثالثاً: الأسرة وتشكيل الهوية الجندريّة

ها قد وصلنا إلى أهمّ تغيير فعلت فيه العولمة فعلها، وذلك لأنّه تغيير على الصعيد الثقافي الذي يمثّل الركيزة الأهمّ في حياة المجتمعات، وهذا التغيير يتعلّق بإعادة توصيف كلّ من الذكر والأنثى

(128)

تحت مسمّى (الهويّة الجندريّة)، مع أنّه من أكثر الحقائق البشريّة وضوحاً،إذ لا نحتاج إلى تأمّل كثير لنحكم بأنّ المجتمع البشري نشأ واستمرّ بقاؤه على أساس وجود نوعين مُتمايزين من البشر، أحدهما (ذكر) والآخر (أنثى)، يلعب كلّ منهما أدواراً تكامليّة لإدامة زخم الحياة الاجتماعيّة بشكل تضامني، بخاصّة من ناحية تشكيل الأسرة التي تمثّل مصدر التكاثر والنواة الرئيسة لأيّ مجتمع بشري.

إنّ الدول الخاضعة للأنظمة النيوليبراليّة ولهيمنة الشركات مُتعدّدة الجنسيّات وضعت في حسبانها أهمّية تشكيل الهوية الجندريّة بما يتلاءم ومتطلّبات العولمة وأنماطها الجديدة، فذلك هو ما يضمن توحيد كلّ التباينات الثقافيّة تحت مظلّة الثقافة المُعولمة لشعوب الأرض، وفي هذا الصدد يقول المحلّل السياسي ألكسندر نازاروف: «يعدّ النموذج المثالي لمجتمع العولمة مجتمع التشرذم، الذي لا يمتلك الشخص فيه جنسيّة، ولا يرتبط بمجموعة اجتماعيّة مستقرّة، ولا هويّة شخصيّة ودينيّة واضحة، بينما يتمتّع بالمرونة والقدرة على الحركة بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى، سواء على مستوى الجغرافيا وحتّى مستوى تغيير الجنس، فقط استناداً لذلك الأساس عندما تمحى جميع الاختلافات يمكن للإنسانيّة على نطاق عالمي أن تصبح كيانا واحداً يمكن التحكّم فيه من مركز واحد، من هنا تكتسب معناها كلّ الجهود المبذولة لتشويه سمعة الدين، وتدمير الأسرة، والدعاية المهووسة للتوجّهات الجنسيّة البديلة، ونشر نمط تغيير الجنس»[1].

(129)

بدأ الأمر مع تنشيط الحركات النسويّة Feminism بشكل راديكالي، بحيث أصبحت المطالب النسويّة مُتطرّفة بشكل لا معقول، إذ نشرت النسويّات أفكاراً غريبة حول الهويّة الجندريّة، مفادها أنّ التمايز بين الرجل والمرأة لا يقوم على أساس الاختلافات الفسيولوجيّة والسيكولوجيّة، وإنّما يقوم على أساس التكييف الاجتماعي والتنشئة الأسريّة التي تجعل الفرد يتّبع هوية جندريّة معيّنة يخلقها المُجتمع بشكل مُسبق، ولا ريب في أنّ هذه الأفكار تتوافق مع مبادئ ما بعد الحداثة وفلسفتها الوجوديّة، التي لا تستند إلى أيّ مرجعيّة فكريّة أو أخلاقيّة صُلبة، كما أشرنا في الفصل الأول، وبهذه الطريقة صار يُنظر إلى الهويّة الجندريّة كمجرّد شيء اعتباري يمكن تشكيله وفقاً لميول الناس، وعلى هذا الأساس بدأت تنتشر ظاهرة التحوّل الجنسي transgender، وبخاصّة مع تطوّر التقنيات الطبيّة والتوسّع في استخدام العقاقير الهرمونيّة بحسب الرغبة لا بحسب الحاجة[1]، وبذلك لم يشهد التاريخ كلّه نظيراً للحملة الشرسة التي تقودها العولمة ضدّ التمايز بين الجنسين.

هذا وقد صوّبت العولمة نحو هدف آخر لا يقلّ خطورة، وهو

(130)

تقويض الأسرة التقليديّة بحجّة الدفاع عن حقوق المرأة، إذ أخذت التعديلات القانونيّة والحملات الإعلاميّة تتوالى وتزداد قوّة في هذا الصدد، حتّى ورد في تقرير مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتّحدة: أنّ حقوق المرأة على الرغم من أنّها تواجه تحدّيات في جميع الوجود الإنساني إلّا أنّ حقوقها مهدّدة بشكل خاصّ على الصعيد الأسري، باعتبار أنّ الأسرة «هي مكان لاستمرار القيم التقليديّة، وهي نابعة من الثقافة الأبويّة، وتُشكّل مؤسّسة أساسيّة للحفاظ على النظام الأبوي»، لذا يوصي التقرير بأنّ مساواة المرأة في الحقوق داخل الأسرة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بحقوقها في جميع مجالات الحياة، ما يعني أنّ نقطة التغيير التي يستهدفها النظام العولمي تبدأ من الأسرة بالذات[1].

ولهذا تزداد الحملات التي تدفع النساء في المجتمع الغربي إلى مزيد من الانفكاك عن أنماط الثقافة التقليديّة للأسرة، حتّى صار من المألوف لديهنّ التعبير الفاضح عن رغباتهن الجنسيّة وميولهنّ في تحقيق ذواتهنّ عبر أنماط حياة لا تليق بالطبيعة الإنسانيّة مثل حركة دعم حقوق المرأة أو حقوق المثليين، ما يعني أنّ قضايا الحركات النسويّة لم تعد مقتصرة على الحقوق السياسيّة والاقتصاديّة للمرأة، بل تعدّتها إلى إعادة هندسة العلاقات الاجتماعيّة، ويتمّ ذلك بناءً على قاعدة الخصومة والعداء بين الجنسين لا على أساس التعاون والألفة كما يُفترض أن يكون.

(131)

هذه العدوانيّة كلّفت كلّ من الرجال والنساء الشيء الكثير، فقد تحوّلت الحياة الزوجيّة الهانئة التي يضمّها سقف الأسرة السعيدة إلى مطلب بعيد المنال، ويواجه الزوجان بسبب ذلك كثيراً من التحدّيات والعراقيل، وعلى ضوء ذلك ارتفعت مُعدّلات الطلاق العالميّة، ما جعل الشباب يعيدون النظر في مشاريع الزواج؛ لأنّها أصبحت تحتوي على كثير من المخاطر، إذ لا تقتصر على دفع التعويضات بعد الطلاق أو الانفصال حسب، وإنّما تشمل النفقات المترتّبة على وجود أطفال والتكفّل بحضانتهم.

هذا بالإضافة إلى أنّ تشكيل الأسرة يُواجه تحدّيات الليبراليّة وحسابات الربح والخسارة على ضوئها، فما الذي يدفع الشاب الذي يعيش الثقافة الفردانيّة إلى الزواج الذي يمثّل مُعرقلاً لحريّته الشخصيّة ومصالحه الذاتيّة مثل توسيع مشاريعه الاقتصاديّة أو الحصول على الترقيات الدراسيّة أو ممارسة الترفيه والسياحة؟ أمّا بالنسبة للغريزة الجنسيّة -التي تمثّل واحدة من أهم دوافع الزواج- فإنّ عصر العولمة يوفّر بدائل متنوّعة ورخيصة، ابتداء من الأفلام الإباحيّة وانتهاء بملاهي التعرّي وحانات الدعارة.

كما أنّ هذا الحال صار يُمثّل منشأً طبيعيّاً لتنامي ظاهرة (المساكنة)، إذ يعيش رجل مع امرأة تحت سقف واحد، ويمارسان حياة مشتركة من دون زواج، بحيث لا يتقيّد أيّ طرف بالتزامات قانونيّة أو أخلاقيّة تجاه الطرف الآخر، ويمكن بسهولة التخلّي عن هذه العلاقة من قبل أحد الطرفين أو كليهما، وقد أخذت هذه الظاهرة تنتشر بسرعة مذهلة في العالم الغربي مع بدايات عصر العولمة، ففي

(132)

الولايات المتّحدة يقدّر مكتب الإحصاء الأمريكي أنّ نسبة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18-24 عاماً، الذين يعيشون المساكنة قد زادت من 0.1٪ إلى 9.4٪ خلال الفترة 1968-2018[1]، وازداد هذا النوع من العلاقات عالميّاً من حوالي 500.000 في العام 1970 إلى أكثر من 7.7 مليون في العام 2010[2].

هذه القضيّة تُعيد للأذهان الحركة التي دعمتها الشيوعيّة بخصوص تحرير المرأة من القيام بالأعمال المنزليّة نظراً لكونها أعمالاً من دون أجور، بحيث شجّع النساء على النزول إلى سوق العمل، فكانت المحصّلة النهائيّة تصبّ في صالح الأعمال والتجارة، ولا تصبّ في صالح النساء بالدرجة الأولى، ما يعني أنّ الحركة النسويّة كانت ولا تزال تصبّ في مصلحة الشركات الرأسماليّة، وذلك على ثلاثة محاور:

أوّلاً: تغذية النشاط الاقتصادي، فنزول المرأة إلى ميدان العمل في الشركات والمصانع سوف يدفع بزخم الأيدي العاملة ويخدم الشركات أكثر، فكثرة الأيادي العاملة النسويّة سوف تُقلّل من الأجور، فالنساء يملن إلى العمل بكفاءة في الخطوط الإنتاجيّة الروتينيّة التي لا تحتاج إلى عَمالة ماهرة، إلى جانب كونهن قليلات الشكوى من قلّة الأجور، ولا يملنَ إلى الانخراط في حركات

(133)

نقابيّة مُعارضة، فمنذ الستينيّات «سدّت المرأة في الدول الصناعيّة الحديثة مثل كوريا الجنوبيّة وتايوان وهونغ كونغ وسنغافورة الحاجة المطلوبة للعمالة الرخيصة الأجر من أجل النمو الاقتصادي السريع الملحوظ الذي مارسته هذه المنطقة، كما اعتمدت كلّ من الفلبين وماليزيا وأندونيسيا وتايلاند على النساء العاملات منذ السبعينيّات... وهناك اعتماد كبير على العمالة النسائيّة، وحتّى على الأطفال في المجموعة الآسيوية الأخيرة التي أنشأت مناطق عمليّات تصديريّة خلال الثمانينيّات مثل سيريلانكا وبنغلاديش ومناطق من الصين والهند»[1].

كما نجد أنّ الحكومة اليابانيّة قد وضعت نزول المرأة لسوق العمل في صميم خطّتها لإنعاش الاقتصاد الياباني في عام 2014، إذ صرّح رئيس مجلس الوزراء شينزو آبي بأنّ إنتاج اليابان يمكن أن يرتفع بنسبة 16% إذا عملت المرأة اليابانيّة بالقدر الذي يعمل به الرجال، ووضع خطّة أطلق عليها اسم (المشاركة الاقتصاديّة الفعّالة للمرأة اليابانيّة Womenomics) من أهدافها رفع نسبة القوى العاملة النسائيّة إلى نحو 73% مقارنة بـ 68% للعام 2012 على أمل أن يحصد المجتمع الياباني عائدها الاقتصادي في العام 2020[2].

ثانياً: نشر تجارة الجنس، فثقافة التحرّر تتيح مزيداً من الاستغلال التجاري لجسد المرأة، سواء كان ذلك في الإعلانات أم

(134)

في التسويق أم في صناعة الأفلام الإباحيّة أم في السياحة الجنسيّة أم في باقي أشكال الدعارة، وكمثال على ذلك: بلغت نسبة النساء اللواتي يعملن في الجنس في بانكوك 10% من عدد العاملات في الشركات العابرة للجنسيّات، وترتبط تجارة الجنس باستثمارات الأعمال الدوليّة والشركات مُتعدّدة الجنسيّات والقواعد العسكريّة الأمريكيّة في الدول المتقدّمة، وترى بعض المؤسّسات الماليّة العالميّة وبعض الدول تطوير هذه الصناعة كحلّ لأزمات الديون، كما تلعب حكومات هذه الدول دوراً رئيساً في تطوير هذا الشكل من عمالة النساء غير الرسميّة، وفي الوقت نفسه تقوم بتمجيد فضيلة النساء العاملات في المصانع[1].  

ثالثاً: تفكيك الأنماط القديمة للأسرة، وهذا التفكيك يصبّ في صالح العولمة بكلّ تأكيد، فعندما تسود ثقافة عمل المرأة خارج المنزل، فإنّ ذلك سوف يفرض تغييراً شاملاً لأنماط الحياة التقليديّة، فلا تعود الأسرة تنتج الغذاء الصحّي في المنزل، أو تكون مركزاً يضمّ الجلسات العائليّة الحميميّة، وإنّما يجد أفراد الأسرة ذواتهم في المطاعم والمولات والحانات وصالات الترفيه التي تصبّ المزيد من الأموال في جيوب الشركات، ما يعني أنّ العولمة تسعى إلى وضع المرأة في خضمّ التسليع، فتجرّدها من مهامها الإنسانيّة، وتجعلها تركّز على مهام العمالة والأرباح الماليّة، وتجعلها تقتنع بأنّ رعاية الزوج والأبناء والقيام بالشؤون المنزليّة مهمّة خاسرة لأنّها تتمّ من دون أجور.

(135)

هذه المقايسة تقصي إلى حدّ بعيد المعايير الأخلاقيّة والإنسانيّة من حياة المرأة، وتجعل ميزان الجودة في الجهد المبذول من قبلها قائماً على الربح المالي فقط، أمّا مسائل مثل ممارسة دور الأمومة وتنشئة الأطفال تنشئة سليمة وتعزيز الروابط الأسريّة وتحقيق الإشباعات العاطفيّة...إلخ كلّها مسائل خارجة عن نطاق التقييم، وتكاد لا تحتلّ وزناً في اعتبارات العولمة، وعلى ذلك يُعلّق زيجمونت باومان قائلاً: «الإنسان الاقتصادي والإنسان الاستهلاكي يشيران إلى رجال ونساء بلا روابط اجتماعيّة، إنّهم السكّان المثاليّون لاقتصاد السوق والأنماط التي تبثّ السعادة في نفوس مراقبي الناتج القومي الإجمالي»[1].

ويندرج ضمن خطّة العولمة لتفكيك الأنماط القديمة للأسرة: التوسّع الشديد في مفهوم الأسرة، بمعنى إدخال أشكال جديدة ضمن مفهوم تشكيل الأسرة من كونها قائمة على نمط زواج بين (رجل– امرأة) إلى علاقة زواج بين (رجل–رجل) أو بين (أنثى–أنثى)، وقد أوصى تقرير مجلس حقوق الإنسان بما يأتي: «ينبغي توسيع نطاق مفهوم الأسرة وتعريفها القانوني في التشريعات الوطنيّة للاعتراف بالأشكال المختلفة للأسرة، والاعتراف بالأزواج من نفس الجنس، سواء كانوا رجالاً أو نساء، وبأشكال أخرى للأسرة، هو ممارسة جيّدة سبق أن طبّقتها دول عديدة، وفي هذا الصدد أكّدت محكمة البلدان الأمريكيّة لحقوق الإنسان أنّه ينبغي ألّا تحرم الأمهات

(136)

المثليّات من الحقّ في حضانة أطفالهن»[1]، وتمّ التحشيد الواسع لقانونيّة هذا المفهوم إلى حدّ وصم أيّ ممارسة تناهض المثليّة بأنّها ممارسة عنصريّة وتمييز يجرّمه القانون، كما يتمّ الترويج للمثليّة بشكل كبير عبر حزم عديدة من البرامج الثقافيّة والإعلاميّة، وفي هذا الصدد يطرق الذهن أعمال شبكة نتفلكس Netflix المخصّصة لعرض الأفلام والمسلسلات على شبكة الإنترنت، إذ تعمل جاهدة على إقحام المثليّة في عروضها حتّى لو لم تخدم هذه الفكرة أيّ غرض درامي في سياق أحداث الفيلم أو المسلسل الذي تعرضه، كما أعلنت شركة والت ديزني مؤخّراً عن نيّتها في إنتاج حزمة من أبطال الكارتون المثليين، وباشرت بالفعل بإنتاج فيلم Lightyear لعام 2022 تظهر فيه شخصيّة (باز يطير) الشهيرة كشخصيّة مثليّة.

هذا الضخّ الإعلامي إلى جانب رواج الأفلام الإباحيّة عبر الإنترنت عزّز القبول الاجتماعي لظاهرة الشذوذ الجنسي، ففي استطلاع للرأي قامت به مؤسّسة غالوب في المجتمع الأمريكي باعتبار المثليّة مقبولة أخلاقيّاً بنسبة 40% مقابل اعتبارها خطأ بنسبة 53% لعام 2001، وقد انقلبت النسبة في العام 2021 حيث بلغ قبول المثليّة أخلاقيّاً بنسبة 69% مقابل اعتبارها خطأ أخلاقيّاً بنسبة 30%[2].

وكما في مسألة التحوّل الجنسي، فإنّ للمثليّة شأناً اقتصاديّاً

(137)

كبيراً، يتمثّل باستهداف الماليّة الضخمة التي يمتلكها المثليّون حول العالم، إذ تقدّر القوّة الشرائيّة الخاصّة بهم بنحو 3.7 ترليون دولار[1]، وهذه القوّة الشرائيّة يسيل لها لعاب الشركات مُتعدّدة الجنسيّات، وأنّ مثل هذا المجتمع طيّع جداً لنمط الحياة الاستهلاكيّة الذي تشكّل أنماطه هذه الشركات كيف تشاء[2].

رابعاً: الاستهلاكيّة وتشيّؤ الإنسان

الإنسان السلعة.. هذا هو المخلوق الجديد الذي تستهدف العولمة صناعته، إنّه (إنسان فرانكشتاين) الذي جرّبت العولمة تخليقه في مختبرات النيوليبراليّة لكي يكون الأداة المربوطة بنِير الاستهلاكية المحرّكة للسوق، حيث لا فرصة ليرفع رأسه من أجل أن يُبصر الواقع من حوله، إنّه (الإنسان المُتشيّئ).

إنّ تشيّؤ الإنسان يعني ببساطة تحوّله إلى (شيء) كسائر الأشياء القابلة للتسليع من قبل القوى المُتحكّمة بالإنتاج، بحيث

(138)

يمكن أن يكون أداة مُنتجة للسلع، ويمكن أن يكون بنفسه سلعة، فتتحدّد قيمته وفقاً لمتطلبات العَرْض والطَلَب الذي تتحكّم فيه الشركات والمؤسّسات الرأسماليّة، وإنّ تشيّؤ الإنسان يرتبط بمبدأ الهيومانيّة الذي تأسّس عليه الفكر الغربي الحديث، فعندما ادّعى فلاسفة عصر التنوير الترفّع بالإنسان إلى قمّة هرم الوجود بإعلاء مبدأ الهيومانيّة الماديّة، لم يدُر بخلدهم أنّهم ينزلون الإنسان إلى رتبة الأشياء الماديّة، ويلغون أيّ تمايز بينه وبين باقي موجودات الطبيعة، فالفلسفة الماديّة لا تعترف بشيء يقع ما وراء المادّة كما يؤكّد الدكتور عبد الوهاب المسيري[1].

وإذا كان البشر أشياء كسائر الأشياء في الطبيعة، وإذا كانت العولمة تستند إلى قوى الرأسماليّة التي تُقيّم كلّ شيء بمعيار الربح المالي، فما المانع في أن يتمّ تحديد قيمة سوقيّة لجماعات البشر المختلفة؟ بخاصّة إذا تمكّنت القوى المُنتجة من إضفاء تحسينات مُكمّلة تزيد من فرص الطلب عليهم في السوق الاستهلاكيّة من قبل جماعات أخرى.

(139)

ولكن أليس عجيباً أن يكون المُشتري سلعة في الوقت ذاته؟ إنّ ذلك من ابتكارات العولمة الذي تفوّقت به على (فرانكشتاين) في صناعة الإنسان المسخ، فالإنسان المُتشيّئ سيدافع عن تسليع الآخرين ليُحافظ على قيمة ذاته باعتباره سلعة أيضاً، إنّه مُجبر على ذلك حتّى لو أحسّ في قرارة ذاته بأنّه يمتهن نفسه، لمعرفته أنّ المجتمع الاستهلاكي لا يهتمّ إلّا بالسلع، وسوف يُلقي في سلّة المهملات أيّ شيء غير السلعة الرائجة للتسويق.

لا يحتاج المرء سوى أن يتجوّل بذهنه في واقع العالم اليوم ليجد الدليل على صدق ما نقول: الملايين الذين يُصادرون طاقاتهم في وظائف روتينيّة باردة طمعاً في علاوات مُؤجّلة، والملايين الذين يستنفدون طاقاتهم ضمن خطوط إنتاجيّة في مصانع أشبه بالسجون، وملايين النساء الباحثات عن أيّ منصّة -حقيقيّة أو افتراضيّة- لبيع أجسادهن بمبلغ ما، ولا ريب في أن تكون مثل هذه الأجواء مليئة بالألم والإحباط؛ لأنّها تُصادر قيمة الإنسان التي لا تتحمّل الابتذال بهذا الشكل، ولكن هل من مناص للإنسان المُتشيّئ غير ذلك؟

إنّ الإنسان المُتشيّئ حبيس ثقافة الاستهلاك، وهذه الثقافة تُعيد حساب الجودة الاجتماعيّة للبشر على أساس المقاييس الماديّة، ولا مكان للقيم المعنويّة في هذه المقاييس، ولذلك يعود الإنسان المُتشيّئ غريباً مُغترباً مع سبق الإصرار: غريباً عن نفسه لتخلّيه عن ذاته البشريّة التي تُشبعها القيم المعنويّة، مُغترباً لانقطاعه عن هويّته الاجتماعيّة الكامنة في التراث والأعراف والتقاليد.

(140)

وبالتأكيد ستكون هنالك ضريبة باهظة تكمن وراء التشيّؤ، فتسليع البشر يعني هجرة الناس من حياتهم الاجتماعيّة المليئة بالمعاني المُجرّدة نحو حياة فردانيّة بحتة، وهذه الماديّة لا بدّ أن تكون لها ارتدادات مُدمّرة على أكثر من صعيد، لكنّ ارتدادها على الصعيد النفسي هو الأكثر تدميراً، ويمكن تحديد آثار التشيّؤ على الجانب النفسي في خمس شعب مترابطة فيما بينها:

أوّلاً: إنّ إغراق الأسواق بالبضائع وجعل استهلاكها غاية بحدّ ذاته يعمل على رفع مستوى الطموحات الاستهلاكيّة لدى الأفراد بشكل غير متوازن مع مستوى إشباع هذه الطموحات، فكلّما زاد مُعدّل الإشباع الاستهلاكي انفتحت أبواب أوسع لطموحات أكبر، ما يؤدّي إلى بروز حالة مزمنة من الشعور بالحرمان، فبقدر «ما يحصلون على الإشباع تتضخّم طموحاتهم وتتهيّج لدرجة تُفاقم من درجة استيائهم»[1].

ثانياً: من أجل أن تحلّ ثقافة الاستهلاك في أيّ مجتمع عليها أن تُضعف من الهياكل الثقافيّة الأصيلة، وعادة ما تقوم هذه الهياكل على القيم والمبادئ الراسخة مثل الدين والأعراف والتقاليد، التي من شأنها أن تشكّل قاعدة صلبة يتسالم عليها جميع أفراد المجتمع، ويسيرون على هديها باطمئنان، فإذا زالت القاعدة الصلبة وحلّت محلّها ثقافة الاستهلاك التي تتّسم بالتبدّل والسيولة وعدم الثبات، فإنّ الإنسان سوف يكتنفه القلق ويشعر بالخوف المستمرّ من بيئة

(141)

اجتماعيّة مجهولة قد تُخبّئ له مفاجآت غير سارّة، وذلك بالتأكيد سيخلق لديه شعوراً دائماً بالقلق وعدم الأمان، ما يعني فقدانه لحاجة نفسيّة أساسيّة وضعها عالم النفس الأمريكي أبراهام ماسلو (1908-1970) بالمرتبة الثانية من حيث الأهمّية في هرم الحاجات الإنسانيّة الأساسيّة.

ثالثاً: غياب الإشباع العاطفي في العلاقات بين الأفراد، وذلك لأنّ نمط الحياة الاستهلاكيّة يجعل العلاقات الاجتماعيّة مبنيّة على أساس مادّي ربحي بالدرجة الأولى، ويُقلّل من أهمّية تأسيس هذه العلاقات على أساس مشاعر روحيّة دافئة، فالإنسان بطبيعته كائن ذو شعور يسعى إلى إشباع حاجاته العاطفيّة بالحبّ الحقيقي، وقد رتّب ماسلو هذه الحاجة النفسيّة في الطبقة الثالثة من حيث الأهمّية، وإنّ غياب إشباعها يعدّ واحداً من أهمّ مسبّبات الكآبة وعدم الاستقرار النفسي.

رابعاً: فقدان الشعور بالانتماء للبيئة الاجتماعيّة، فالإنسان كائن اجتماعي بطبعه بحاجة إلى الشعور بالانسجام مع بيئته الاجتماعيّة ليتفاعل معها وينمو من خلالها ليصل إلى مرحلة تقدير الذات وتحقيقها في هذه البيئة، ولكنّ ثقافة الاستهلاك تعمل على إضعاف الهويّة الثقافيّة الأصليّة للمجتمع، كما ذكرنا آنفاً، وتزعزع ثقة الإنسان بتراثه الثقافي، وتعمل على فكّ ارتباطه بهذه البيئة، فيشعر الإنسان بالغربة عنها، وعدم الشعور بوجود رابط الانتماء لها، وهذا الاغتراب يُنمّي مشاعر العزلة والكآبة مادام وجد الإنسان في بيئة تحاول الحفاظ على أنماطها الثقافيّة الأصليّة.

(142)

خامساً: إنّ العولمة تعمّم ثقافة الرفاهية الاستهلاكيّة على كلّ الأفراد، بغض النظر عن إمكانيّاتهم المُتفاوتة، وذلك يجعل الطبقات الواقعة في أسفل السلّم الاقتصادي تحت ضغط نفسي غير معهود، ممّا يخلق لديهم حالة من الإحباط النسبي لعدم قدرتهم على مساواة باقي الطبقات في الرفاهية الاستهلاكيّة، لأنّه «بمقدار ما تتضاعف المتع، بمقدار ما يفرض انتشارها نفسه على أكبر عدد، لأنّ المحرومين منها هم أكثر حساسيّة لهذا الحرمان النسبي من حرمانهم الكلّي السابق، فعندما كانت حكراً على بعض المحظوظين كانت بعيدة عن متناولهم، لقد أصبحت أشهى بعد أن أصبحت أسهل منالاً، وهذا ما يدعوه علماء النفس الأمريكيّون الإحباط النسبي»[1]

إنّ أنماط الحياة الجديدة التي تفرضها طبيعة السوق المُتحرّرة سوف تُحوّل مِقياس الجودة الاجتماعيّة للفرد إلى مِقياس مادّي صِرف، فتكون مكانة الإنسان الاجتماعيّة محصورة فيما يمتلكه من وظيفة مرموقة تدرّ عليه أرباحاً كبيرة، إلى جانب ما يسكنه من منزل فاره، وما يركبه من سيارة حديثة، وما يلبسه من ملابس فاخرة، وما يأكله في مطاعم الدرجة الأولى، وذلك يُشكّل ضغطاً هائلاً على الشريحة الاجتماعيّة الفقيرة، التي كانت تقنع بما هي عليه من مستوى مادّي، وتجد العوض في تحقيق جودتها الاجتماعيّة بما تمتلكه من قيم معنويّة صرفة مثل شبكة العلاقات الاجتماعيّة والسيرة الأخلاقيّة والالتزام بالدين...إلخ.

(143)

إنّ مجموع الضغوط النفسيّة الناشئة عن الآثار الخمسة المُتقدّمة (تُفاقم الاستياء، انعدام الشعور بالأمن، عدم الإشباع العاطفي، الشعور بالاغتراب، الإحباط النسبي) سوف يدفع الإنسان المُتشيّئ غالباً إلى التورّط بجملة من الانحرافات الاجتماعيّة الخطيرة مثل الانتحار وتعاطي المخدّرات وتفشّي الجريمة وتصاعد نسب الطلاق والتفكّك الأسري والعدوانيّة وانتهاك حقوق الضعفاء.

كما أنّ ثقافة الاستهلاك إذا تمدّدت في أيّ مجتمع، فإنّ ذلك يقتضي بالضرورة سيادة نمط المصالح الفرديّة على حساب الأنماط الثقافيّة التقليديّة التي تهتمّ بالصالح العام وتؤدّي دوراً كبيراً في حفظ التضامن الاجتماعي، وبذلك تعمل ثقافة الاستهلاك على تشكيل دوّامة لولبيّة تسحب الإنسان المُتشيّئ نحو الهاوية، بحيث لا يملك خيار العودة إلى السطح، فعندما يهتمّ الأفراد بمصالحهم الفرديّة أكثر من اهتمامهم بالصالح العام، فهم يقومون بصناعة نمط حياة انعزاليّة تُضعف من تضامنهم الاجتماعي، والذي يؤدّي بدوره إلى ضعف الحماية المُجتمعيّة للأفراد، وإنّ ضعف الحماية المُجتمعيّة للأفراد يدفعهم بشكل اضطراري إلى مزيد من التمحور حول الذات ببناء الحواجز التي تحمي مصالحهم الفرديّة، وذلك يؤدّي حتماً إلى تدهور التضامن الاجتماعي وخسارة المزيد من الحماية المُجتمعيّة تبعاً لذلك، وهكذا دواليك إلى أن يصل توسيع الأفراد لحواجزهم الفرديّة إلى التداخل بين بعضها البعض، ما يولّد احتكاكات تجعل التضامن الاجتماعي ينقلب إلى عِداء اجتماعي، وعند تلك المرحلة يصبح ترسيم حدود واضحة للحقوق الفرديّة قضيّة صعبة للغاية، فيشعر الأفراد بالعجز، ما يضطرّهم

(144)

تالياً إلى اللجوء للّوائح والأنظمة القانونيّة الصارمة في محاولة يائسة لترسيم حدود فاصلة بينهم، فتكثر النزاعات العجيبة التي تعجز أفضل المَحاكم عن إنهائها بما يُرضي كلّ الأطراف.

إنّ أفضل العيّنات التمثيليّة المُصغّرة لهذا الحال المُؤسف يتجسّد في العلاقة الزوجيّة اليوم، فتركيز الزوجين على المصالح الفرديّة أضعف العلاقة التضامنيّة بينهما، وأفقدهما الثقة والاطمئنان ببعضهما، ما يدفع كلّ طرف إلى التعجيل في حجز أوسع مساحة من الحقوق لنفسه، وذلك يُنتج شكلاً من أشكال العلاقة العدائيّة بشكل تدريجي[1]؛ لأنّ أيّ غنيمة لأحد الطرفين تُمثّل خسارة للطرف الآخر، وهذا الشكل من العلاقة العدائيّة يؤدّي لاحقاً إلى زوال الثقة والاطمئنان بين الزوجين، ما يضطرّهما إلى اللجوء للقوانين والتشريعات الصارمة بهدف ترسيم حدود واضحة من الحقوق بينهما، وكثيراً ما تعجز هذه القوانين عن ترسيم مثل هذه الحدود، وحتّى لو تمكنت من ذلك، فلا ضمانة من عدم اختراقها، ما يجعل التردد على المحاكم المختصّة ظاهرة مألوفة ومتكرّرة في هذا العصر، في حين أنّ العلاقة الزوجيّة يجب أن تقوم على أسس معنويّة صرفة من الألفة والتعاون والتضحية، ولكن ميل النساء والرجال نحو الفردانيّة بسبب ثقافة الاستهلاك أفقدتهم التضامن، ممّا حوّل

(145)

العلاقة الزوجيّة من رابطة حميمة دافئة إلى رابطة بيروقراطيّة باردة تُعاني من التفكّك ويُهدّدها الانهيار.

ومن المهمّ الالتفات إلى أنّه من المفيد جداً لأرباب العولمة -من مديري الشركات الرأسماليّة إلى قادة الأحزاب الليبراليّة وحواشيهم في الأجهزة الحكوميّة- استمرار الصراع الداخلي بين أطياف المجتمع على هذا النحو؛ لأنّ ذلك يعمل بفاعليّة على استنفاد طاقة الجماهير في نزاعات فرعيّة، ويُبعد نظرهم عن الرؤية الكليّة من أجل تحديد الأسباب الحقيقيّة الكامنة وراء معاناتهم، ولذلك يقول ليسلي سكيلر بأنّ الاستهلاكيّة كونها جزءاً من الحداثة قد حلّت تماماً محلّ إيديولوجيّات أخرى (نظم العقيدة) وشتّتت انتباه كلّ الناس عن الأضرار الحقيقيّة التي يعانون منها كنتائج للعولمة، ويقترح أنّ وقوف إحدى الإستراتيجيّات ضدّ شرك الحداثة والعولمة يكون بمحاربة «النزعة الاستهلاكيّة»[1].

ويرى سكيلر أنّ الحركات المعارضة الوحيدة الناجحة هي تلك التي تستطيع أن توقع الفوضى بشكل فعّال في النظام ولا تسمح باستقطابها لا هي ولا المنظّمات والأهداف المحليّة، وعند النظر إلى الخلف يمكن أن نرى أنّ نجاح «التحديث» كان في انتشار المفهوم الاستهلاكي القائل بأنّ «السلع» ستجعلنا سعداء وتعطي لحياتنا معنى، ويدعو سكيلر هذا تغييراً اجتماعيّاً لشرائح عولميّة حقيقيّة، ولهذا السبب يرى أنّ الحركات الاجتماعيّة المعارضة لـ«الاستهلاكيّة» هي الأكثر تدميراً من بين الحركات كلّها[2].

(146)

خامساً: تكنولوجيا العولمة وإلغاء التوازنات

من البديهي أنّ التطوّر التكنولوجي الذي يُحرزه البشر لا يختصّ بعصر العولمة، بل هو حقيقة واقعة منذ فجر التاريخ، ويفرض هذه الحقيقة نزوع الإنسان نحو تحسين حاله وتسهيل حياته وحماية نفسه من الأخطار المحيطة به، لذا لم يتوقّف الإنسان يوماً عن اكتشاف التكنولوجيا وتطويرها منذ اختراع العجلة حتّى اكتشاف المحرّك البخاري وما بعده، لكنّ الشيء الجديد في تكنولوجيا عصر العولمة هو سرعة التطوّر الهائلة الذي تمرّ به بسبب هذه التكنولوجيا، بسبب تغوّل الشركات الرأسماليّة وجشعها المتزايد للربح، بحيث جعلت العناصر الاجتماعيّة الأخرى غير قادرة على مجارات التطوّر التقني وامتصاص عوارضه السلبيّة، لتدخل المجتمعات البشريّة بسبب ذلك في حالة من الإرباك المُتفاقم.

وهذا الإرباك قد صادقت عليه ثقافة العولمة؛ لأنّ ثقافتها تابعة لأهم مبادئ الفلسفة الغربيّة القائمة على مفهوم البقاء للأقوى، فترى أنّ العناصر الإنسانيّة التي تُعاني من ضعف يجب أن تنقرض، سواء كانت هذه العناصر سياسيّة فيتمّ تغليب الديمقراطيّة على الشموليّة، أو اقتصاديّة فيتمّ تغليب الرأسماليّة على الاشتراكيّة، أو حضاريّة فيتمّ تغليب الغرب على الشرق، أو اجتماعيّة فيتمّ تغليب الشمال على الجنوب وهكذا، وبالتالي فإنّ ثقافة العولمة تُشجّع على تسيّد الأحاديّة، وإنّ هذا الاتجاه الأحادي للعولمة يعني في النهاية إفقاد العالم للتوازنات الثنائيّة التي تضمن بالضرورة ديناميكيّة عمله وسلامة بقائه، فمبدأ التوازن بين الثنائيّات هو مبدأ بسيط ومهمّ إلى أبعد الحدود.

(147)

دعونا نأخذ أهمّية التوازن الثقافي بين البيئة الحضريّة والبيئة الريفيّة كمثال، إنّ البيئة الحضريّة مع أنّها تمثّل بيئة ولّادة للتطوّر الفكري والسياسي لأيّ أمّة، إلّا أنّها في الوقت ذاته مُعرّضة لخطر التخلّي عن الأعراف الأصيلة للمجتمع، وهنا يأتي دور البيئة الريفيّة التي تمثّل خزّانات طبيعيّة للأعراف بحكم تمسّكها بالعادات والتقاليد، وبوجود البيئتين بشكل فاعل فإنّ الخلطة بين الحداثة والتراث، بين المادّة والمعنى، بين جسد الأمة وروحها ستكون متوازنة، وإنّ توجّه العولمة الأحادي الذي يقضي بتغليب البيئة الحضريّة على الريفيّة يؤدّي بالضرورة إلى إفقاد المجتمع توازنه الثقافي بين الأصالة والمُعاصرة.

وتلعب التكنولوجيا الحديثة دوراً محوريّاً في هذا الصدد، إذ إنّ ارتباط هذه التكنولوجيا بزعزعة التوازنات أمر واضح في كلّ المجالات، وهو في المجال الثقافي أكبر وأوضح، وذلك أساس نظريّة عالم الاجتماع وليم أوجبرن (1886-1959) الذي تحدّث عمّا تفعله التكنولوجيا الحديثة من تغليب للثقافة الماديّة على الثقافة المعنويّة للمجتمع، فمن خلال تكنولوجيا الاتصال والإعلام تعمل العولمة على استباحة الفضاء الثقافي للمجتمعات، ومن شأن هذه التكنولوجيا إلغاء «إمكانيّات التثاقف كخيار -يعني الانفتاح الطوعي على المنظّمات الثقافيّة المختلفة عبر آليّات التأثير والتأثّر والتفاعل المُتبادل- لصالح الاستباحة الكاملة للفضاء الثقافي الذي يُعزّز قيم الغالب، ويؤدّي إلى استتباع المغلوب، واكتساح دفاعاته التقليديّة، وبالتالي لا تترك أمامه من خيارات خارج حدود الانعزال

(148)

أو الذوبان سوى هوامش محدودة في مواجهة تكنولوجيا الإخضاع وصناعة العقول وهندسة الإدراك لغرض الغلبة الحضاريّة وكسر الممانعة الثقافيّة»[1].

ومن المستحيل أن لا يكون لهذا الأمر تداعيات خطيرة، إذ إنّ فقدان التوازن الثقافي السريع سيخلق ردود أفعال عنيفة تهدّد بزعزعة الأمن المجتمعي ذاته، كما حدث في نيجيريا التي شهدت اضطرابات عنيفة على هامش الخلاف بين الجماعات المسلمة والعلمانيّة بخصوص احتضان البلد لمسابقة ملكة جمال العالم لعام 2002، إذ أدّت الاضطرابات إلى مقتل أكثر من 200 نيجيري، وانتهت القضيّة بنقل فعّاليات المسابقة إلى لندن في النهاية[2].

أمّا على الصعيد زعزعة التوازن بين الطموحات الجماهيريّة والواقع الاجتماعي والسياسي، فإنّ تكنولوجيا العولمة بطبيعتها قادرة على إحداث تغيّرات سريعة في تطلّعات الجماهير بشكل لا توازيه القدرة الاقتصاديّة والسياسيّة للبلد الذي يعيشون فيه، إذ «إنّ الحضرنة والتعليم والثقافة ووسائط الإعلام كلّها تعرّض الإنسان التقليدي إلى أشكال جديدة من الحياة ومعايير جديدة للمتعة وإمكانات جديدة للإشباع» وبالتالي «تنمو فجوة بين الطموح والتوقّع، بين تشكّل الحاجة وإشباعها، أو وظيفة الطموحات ووظيفة

(149)

مستوى المعيشة، تولّد هذه الفجوة إحباطاً اجتماعيّاً واستياءً عمليّاً ويوفّر امتداد الفجوة مؤشّراً منطقيّاً إلى عدم الاستقرار السياسي»[1].

من جانب آخر، غيّرت تكنولوجيا العولمة بيئة العمل القديمة التي كانت تُوازن بين مصالح العمال ومصالح الشركات، كما في تجربة شركة فورد التي كانت توفّر أجوراً مجزية للعاملين من أجل الحفاظ على العمالة الماهرة لديها، بحيث يشعر العامل بأنّ مستقبله المهني مرتبط ارتباطاً عضويّاً بهذه الشركة، ولكنْ مع مجيء التكنولوجيا الحديثة للعولمة وما تمنحه من فرص واسعة للشركات مُتعدّدة الجنسيّات وحرّية في التنقّل والاختيار، فقد تمّ فقدان التوازن بين مصالح العمالة ومصالح الشركات، ومثالها الأشهر شركة مايكروسوفت التي لا يرغب مالكها بيل غيتس في الارتباط بأيّ مشروع على المدى الطويل، متّخذاً سياسة البحث عن الأرباح السريعة والتخلّص من كلّ الالتزامات المُرهقة للمشاريع بعيدة الأمد، وبذلك صارت مسألة المهن المؤقّتة شيئاً سائداً جداً، لتصبح الطبقة العاملة مهدّدة بفقدان مصدر الرزق ويلاحقها شبح البطالة في أيّ وقت.

أمّا على صعيد الاقتصاد الحكومي، فإنّ تكنولوجيا عصر العولمة خلقت سوقاً جديدة وناشطة تتمثّل في المضاربات في الأوراق الماليّة التي تهدّد بطبيعتها التوازنات في الأسواق العالميّة، يقول أستاذ العلوم السياسيّة كلاوس ليجفي: «الطبيعة المُتّسمة بالمضاربة لهذه الأشكال من الاستثمار المالي والقيود المفروضة على إمكانات الرقابة من خلال إشراف المصارف والبورصات ألصقت بهذا الشكل من أشكال

(150)

المقامرة الاقتصاديّة (بكلّ ما في الكلمة من معنى) اسم رأسماليّة الكازينو»[1]، وهذا الأمر ينطبق أيضاً على المضاربة في سوق صرف العملات (فوركس) Foreign Exchange Market الذي يؤدّي إلى عدم استقرار أسعار العملات، إذ يعمل هذا السوق على تدفّق أموال المضاربات ما يجعلها تتفوّق بسهولة على مخزون العملات الأجنبيّة لأيّ حكومة، بحيث «لم تعد البنوك الأهليّة قادرة على حماية عملاتها أمام هجوم المضاربات، وصار التخطيط الاقتصادي الوطني متزايد الصعوبة حتّى للدول الثريّة، وتزايد عدم استقرار السوق، واتجهت الحكومات إلى سياسات الانكماش المالي للحفاظ على مصداقيّة السوق، وهو ما دفع الاقتصاديّات نحو حالة من البطء والبطالة مع انخفاض الأجور الفعليّة وزيادة في الفقر واللامساواة»[2].

وأحد أخطر أشكال عدم التوازن الذي تفعّله تكنولوجيا العولمة هو تهديد النظام البيئي، فالتطوّر التكنولوجي في مجال التصنيع يشكّل فارقاً كبيراً في انعدام التوازن بين استغلال الموارد وتعويضها في الطبيعة، فمثلاً تقوم الجرّارات الحديثة بقطع آلاف الهكتارات من الأشجار في الغابات خلال وقت قياسي لا تتمكّن تلك الغابات من تعويضه، ويتمّ تلويث المياه والهواء بألوان السموم بفعل المخلّفات الصناعيّة بشكل لا تستوعبه إعادة التدوير الطبيعيّة لكوكب الأرض، وذلك ما دفع بو ساتكليف إلى القول: «إنّ عولمة خصائص الدول المتقدّمة ستجعل كوكبنا بالتأكيد مكاناً لا يمكن العيش فيه»[3].

(151)

وعلى الرغم من أنّ المنظّمات المدافعة عن البيئة تنشط بشدّة في محاولات حثيثة لإعادة الاستقرار البيئي في عصر العولمة، ولكنْ هنالك حملة خبيثة بالمقابل تقمع مثل هذه المحاولات، مثل التضليل الإعلامي وتزييف الحقائق العلميّة للتقليل من شأن المخاطر التي تنتجها الصناعة الحديثة، فمثلاً حصلت جماعة السلام الأخضر على مستندات تظهر أنّ (ويهوك سون) العالم في مركز (هارفرد-سميثونيان) للفيزياء الفلكيّة كان يتلقّى دفعات ماليّة من قبل القطاع النفطي للادّعاء بأنّ التفاوت في طاقة الشمس هو أمر يمكن أن يعزى له الاحتباس الحراري الأخير إلى درجة كبيرة، كما أنّ (جيمس كريسويل) الخبير في الزهور والنحل في جامعة (إكستر) البريطانيّة كان يُدفع له من قبل شركة سينجينتا العملاقة في مجال المُبيدات الحشريّة لقيام بعمل يُظهر أنّ الموت الملحوظ لمستعمرات النحل حول العالم لا علاقة له بهذه المبيدات[1]، كما تتعرّض المنظّمات المدافعة عن البيئة لحملة تشويه بحجة أنّ النضال البيئي مُنحاز سياسيّاً، وقد تنصّلت الولايات المتّحدة الأمريكيّة في عهد الرئيس دونالد ترامب من اتفاق باريس للمناخ عام 2019 بحجّة أنّه اتفاق مُنحاز، وأنّه لم يكن مُصمّماً لإنقاذ البيئة بل لقتل الاقتصاد الأميركي[2].

وعودة على بدء، فإنّ تسريع التكنولوجيا في عصر العولمة لعمليّات الاندماج والتخلّي عن توازن الثنائيّات على الصعيد

(152)

الثقافي والاقتصادي والسياسي والاجتماعي والبيئي لا بدّ من أن يخلق حالة من التوتّر العالمي، وهذا التوتّر قد يؤدّي في أيّ لحظة إلى انفجار سياسي شعبوي واسع النطاق، وذلك ما حذّر منه كلّ من شواب وسماديا في منتدى دافوس لعام 1996 قائلين: «لقد دخلت العولمة الاقتصاديّة مرحلة جديدة وثمّة ردّة متصاعدة ضدّ آثارها وبخاصّة في البلدان الديمقراطيّة الصناعيّة، تهدّد بأثر مدمّر للنشاط الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي في بلدان عدّة، والحالة السائدة في هذه الديمقراطيّات تدلّ على اليأس والقلق، وهذا يفسّر نشوء صنف جديد من السياسيين الشعبويين، وهذا الأمر قد يتحوّل بسهولة إلى تمرّد»[1].

ولأجل الحفاظ على مستوى التوتّر عند حدود معيّنة، تسعى الدول في عصر العولمة إلى التنافس المحموم على التسليح لتوفير قوّة الردع وتحقيق التوازن بين القوى العسكريّة المنافسة، لذا نجد وفي مفارقة تراجيديّة أنّ نظام العولمة -بسبب طبيعته المتوحشّة القائمة على مبدأ البقاء للأقوى- يعمل على تثبيت الأمن العالمي باستخدام توازن الرعب باهظ التكلفة، في حين يهمّ لتثبيت هذا الأمن بحلّ المشكلة من الجذور وبتكلفة أرخص بكثير، فالإنفاق العالمي على التسليح سنويّاً بلغ 800 بليون دولار، مقابل 50 بليون دولار فقط لتوفير الطاقة النظيفة، و24 بليون دولار لمنع تحات التربة، و21 بليوناً لتقديم الرعاية الصحيّة ومكافحة الإيدز، و19 بليوناً للقضاء على الجوع وسوء التغذية، و10 بلايين دولار لتوفير

(153)

المياه النظيفة والآمنة، و16 بليون دولار لمنع الاحترار العالمي والأمطار الحامضيّة، و12 بليون دولار لإيقاف إزالة الغابات ومنع نفاذ الأوزون[1].

سادسًا: منجزات إيجابيّة للعولمة

على الرغم من كلّ السلبيّات التي طرحناها للعولمة، إلّا أنّ ذلك لا يعني أنّ لا إيجابيّات فيها، بل هنالك إيجابيّات كبيرة لا يمكن إنكارها، فمثلاً أدّى الترابط الاقتصادي إلى تحقيق نمو اقتصادي سريع، ما ساعد الناتج المحلّي الإجمالي العالمي على النمو من حوالي 50 تريليون دولار عام 2000 إلى 75 تريليون دولار عام 2016 [2].

كما ساعدت العولمة كثيراً من البلدان الفقيرة وبلدان العالم النامي على استثمار أكبر لمواردها البشريّة، إذ أسهم استثمار الشركات مُتعدّدة الجنسيّات في تلك البلدان بفتح فرص عمل كثيرة ساعدت في إعالة قطاعات واسعة من الشعب لم تكن تحلم بفرص عمل أصلاً، يقول جوزيف ستكتز: «الانفتاح على التجارة الدوليّة ساعد العديد من البلدان على النمو بصورة أسرع ممّا لو كان العكس، والتجارة الدوليّة تساعد التنمية الاقتصاديّة عندما توجّه صادرات البلد نموّه الاقتصادي، والنموّ الموجّه نحو التصدير كان واسطة السياسة الصناعيّة التي أغنت معظم بلدان آسيا، وجعلت

(154)

الملايين من الأشخاص هناك في وضع مادّي أفضل، وبسبب العولمة يعيش العديد من الأشخاص في العالم الآن فترة أطول من قبل، وأصبح مستواهم المعيشي أفضل بكثير، وربّما يحسب الناس في الغرب وظائف الرواتب الواطئة في شركة نايكي استغلالاً، إلّا أنّ العديد من الناس العاملين في المصانع في العالم النامي يعدّونها خياراً أفضل بكثير من العمل في المزارع ومزاولة زراعة الرز، لقد قلّلت العولمة الشعور بالعزلة في معظم العالم النامي وأعطت العديد من الأشخاص في البلدان النامية سبيلاً إلى المعرفة تعدّى حدود إمكانيّة حتّى الأغنياء في أيّ بلد قبل قرن، إنّ الاحتجاجات المعادية للعولمة بحدّ ذاتها هي نتيجة هذا الارتباط»[1].

ولا ننسى أنّ العولمة تسبّبت في انفتاح أكبر على استهلاك الطاقة من قبل الدول الصناعيّة الكبيرة، مثل النفط والغاز والفحم الحجري، وهو الجانب الأهمّ الذي تعتمد عليه اقتصاديّات كثير من الدول النامية التي تسعى إلى تأمين مستويات معيشيّة لشعوبها بما يتلاءم وأنماط الحياة التي رسمتها العولمة.

كما أنّ الاندماج الاقتصادي الذي سبّبته العولمة ساعد في وصول منتجات التقدّم التقني في الدول الفقيرة والنامية، فلم تعد هذه المنتجات حكراً على الدول المتطوّرة، إنّ حريّة التجارة أسهمت في حصول العديد من الشعوب على أحدث المخترعات التقنيّة، والوصول إلى أفضل الوسائل التكنولوجيّة التي تجعل الجميع يستفيد من منافع هذه المخترعات، ويكون مساهماً في تطوير كفاءتها.

(155)

من جانب آخر، أدّى رخص المواد الأوليّة واليد العاملة إلى تغطية الأسواق العالميّة بكمّيات كبيرة من السلع والخدمات، ما جعلها رخيصة الثمن وفي متناول قطاعات واسعة من الجماهير، وذلك سهّل حياة كثيرٍ من الناس، وأعانهم على ممارسة نشاطات فكريّة واقتصاديّة وترفيهيّة لم يكونوا يحلمون بها في السابق، بمعنى آخر إنّ السلع والخدمات الحديثة لم تعد حكراً على الطبقات الغنيّة وأصحاب النفوذ المحظوظين في غالبيّة بلدان العالم، بل صارت مثل هذه القضايا أسهل منالاً، وفي متناول يد كثير من الناس.

والأهمّ من كلّ ذلك، عملت العولمة على خلق نظام اقتصادي فوقي شديد الترابط يعمل كنسق متناغم يقلّل من حالات الفوضى والتخبّط الاقتصادي، التي كانت أمراً مألوفاً في العالم خلال عصر ما قبل العولمة، وأدلّ شيء على ذلك التذبذب الشديد في أسعار العملات التي كانت تابعة لأهواء الحكومات بسبب رغبتها في تحفيز صناعاتها المحليّة وممارسة الحمائيّة ضدّ الصادرات الأجنبيّة قبل الحرب العالميّة الثانية.

وفيما يتعلّق بالأبعاد السياسيّة، فإنّ العولمة بما أنتجته من أعراف وقوانين دوليّة تمكّنت من إبراز دائرة الرأي العام من النطاق المحلّي إلى العالمي، وذلك يؤثّر في النهاية على هيمنة الشخصيّات الدكتاتوريّة وتحديد حركتها، وإنّ بعض القرارات الدوليّة صارت تشكّل وسيلة ضغط أكبر على تصرّفات الحكومات المُستبدّة، ومن جانب آخر فإنّ العولمة في نسختها المتقدّمة

(156)

أخذت تخلق أقطاباً جديدة تخفّف من مساوئ حكم القطب الواحد الذي بدأ مع انطلاقة العولمة أواخر القرن العشرين، ومثال ذلك صعود الصين كقوّة اقتصاديّة وسياسيّة قادرة على إيجاد قوّة وازنة للقوّة الأمريكيّة.

ثقافيّاً، لم يعد التبادل الثقافي يسير في اتجاه واحد، فعلى الرغم من أنّ السمة السائدة في عصر العولمة هي تأثير الثقافة الغربيّة على الثقافة الشرقيّة بشكل عام، إلّا أنّ الشرق لم ينفك عن التغلغل في أوساط الغرب ليؤثّر فيه، وكذا تأثيرات الجنوب الزراعي على الشمال الصناعي، وذلك يتمّ في كثير من الأحيان من الأسفل بسبب حركات الهجرة والنزوح التي ساعدت العولمة على تنشيطها وتسهيلها بفارق واضح عن العصور السابقة. إنّ الحركة الثقافيّة المتبادلة لا يمكن إلّا أن تكون ذات فائدة، فالتبادل الثقافي بين الحضارات يعدّ المحرّك الأبرز لتطوير الواقع البشري منذ فجر التاريخ.

على صعيد انتشار المعلومات، ساعدت التقنيّة التي نمت في عصر العولمة على خلق مجتمع المعلومات، الذي يتيح لكلّ الشعوب القدرة على الاستثمار في الجانب الفكري والثقافي، فمثلاً تمكّنت شركة واحدة فقط هي شركة ألفا بيتّا – صاحبة محرّك البحث الشهير جوجل- من جمع وأرشفة وإتاحة النتاج الفكري للعالم خلال بضعة عقود، بحيث اختصرت عملاً جبّاراً ربّما يحتاج العمل على تنفيذه بالطرائق التقليديّة مئات القرون.

(157)

وقد أسهم انتشار المعلومات بهذا الشكل إلى إشاعة المعرفة، وسهولة الوصول إلى الحقيقة، فبفضل الانفجار الاتصالي للعولمة أمكن للباحث اليوم من الحصول على كثير من المعطيات عن طريق نقرات قليلة على أزرار الحاسوب لا تستغرق سوى دقائق، في حين كان الوصول إلى مثل هذه المعطيات يستغرق أيّاماً أو شهوراً في سالف الأزمان.

كما أسهم انتشار المعلوماتيّة إلى ظهور ما يسمّى باقتصاد المعرفة، والذي أصبح السمة الأساسيّة لاقتصاد العولمة، وقد بلغت الاستثمارات في مجال صناعة المعلومات في عام 2000 نحو ثلاثة ترليون دولار سنويّاً بعد أن كانت هذه الاستثمارات لا تتجاوز 350 بليون دولار عام 1980[1]، وقد أسهمت حركة المعلومات النشطة هذه بتحفيز الأفكار الإبداعيّة على نطاق كوني، ما ولّد قفزات هائلة على مستوى الاكتشاف والإبداع الفكري، وانسحب إيجابيّاً على التطوّر التقني بشيء شبيه بالمتتالية الهندسيّة.

إذاً لماذا أصبحت العولمة التي جلبت هذا الخير مدعاة لكلّ ذلك النقد اللاذع من مناهضيها؟

بجواب بسيط نقول: إنّ المشكلة لا تكمن في نظام عالمي بحدّ ذاته، وإنّما تكمن في الفلسفة التي يتبنّاها الداعمون لهذا النظام، فهذه الفلسفة تقوم على أساس مادّي بحت، بحيث أنّ أرباب العولمة عندما يريدون مدحها، فهم يبدؤون بتعداد ميزاتها في التنمية

(158)

الاقتصاديّة وإنتاج مزيد من السلع الاستهلاكيّة من أجل إسعاد الناس، إنّ ذلك يعني فقدان العولمة للأسس الأخلاقيّة الكافية التي تكبح جماح الطمع والاستغلال الذي يعتمل في نفوس اللاعبين الأساسيين على الساحة العالميّة اليوم.

(159)
(160)

 

 

 

 

 

الفصل الرابع

مآلات العولمة

(161)
(162)

الفصل الرابع: مآلات العولمة

أوّلاً: تدابير العولمة المُستقبليّة

بعد قرابة ثلاثة عقود من انطلاقتها، فإنّ الأحلام الورديّة التي كانت تعِد بها العولمة في إيجاد المجتمع العالمي المُنسجم قد تبدّدت إلى غير رجعة، ودعوى تحوّل العالم إلى قرية واحدة باتت أشبه بالمستحيلة، فالانقسامات الحضاريّة ازدادت عمقاً، والمجموعات الوطنيّة تبدو أكثر تشرذماً، والغضب الجماهيري صار يتنامى في كلّ مكان بسبب تفشّي الفقر وانعدام المساواة، فاستعادت الأطياف العرقيّة نشاطها وانتعش الخطاب اليميني المُتطرّف، كما تنامى الصراع بين القوميّات إلى درجة كبيرة بحيث ضاع الأمل في حصول اندماج حقيقي بين الدول، وإنّ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وغزو روسيا لأوكرانيا يمثّل أبرز الأمثلة في هذا الصدد.

كما لم تعد العولمة تعني التغريب فقط، وإنّما باتت تشمل التشريق أيضاً، أي إنّها لم تعد تعمل باتجاه واحد، وإنّما باتجاهات متبادلة كما يؤكّد جورج ريتزر، فالأنماط الحياتيّة في الشرق بدأت تأخذ أثرها في الغرب، ولا يقتصر ذلك على أنماط الحياة غير الأساسيّة مثل انتشار المطاعم الإثنيّة والأكلات الشعبيّة الشرقيّة في الدول الغربيّة، ولكن على مستوى أكثر عمقاً مثل الاقتصاد، فمثلاً نجد أنّ صعود الصين جعلها تتوفّر على رصيد كبير من عملة الدولار الأمريكي، فإذا قرّرت يوماً استبداله بعملة أخرى مثل اليورو

(163)

فستجعل الدولار الأمريكي يهبط بسعره إلى أدنى المستويات[1]، أضف إلى ذلك عودة النشاط الديني إلى الساحة بقوّة، بحيث ذهب الكاتب الفرنسي أندريه فروسار إلى القول بأنّ «القرن الواحد والعشرين سيكون قرناً دينيّاً بامتياز»[2].

ويشير الدكتور مظهر محمّد صالح إلى أنّ الطبقة الوسطى تنامت عالميّاً في القرن الحادي والعشرين وبشكل متسارع في ظلّ ظاهرة تطوّر اقتصادات البلدان ذات الأسواق الناشئة التي تحظى ديموغرافيّاً بنحو 80% من سكان العالم، ويتزايد سكّانها بواقع 6ملايين نسمة شهريّاً مقابل 300 ألف نسمة في العالم الصناعي الأوّل[3]. إنّ هذه الأرقام تجعل البلدان التي انطلقت منها العولمة أمام تحدٍ كبير، إذ صار ميزان القوى البشريّة يميل لصالح البلدان النامية، وبخاصّة البلدان التي يكثر فيها المسلمون، فالإحصائيّات تفصح بشكل لا يقبل الشكّ أنّ التفوّق العددي سيكون للمسلمين في مستقبل الأيام[4].

(164)

هذه التطوّرات تشكّل تحدّياً كبيراً لقيم العولمة بسبب صعود الكثافة السكّانيّة التي تحمل قيماً من شأنها أن تكبح الأجندة النيوليبراليّة أو تحوّرها على أقلّ تقدير، وهو أمر مزعج جداً للقوى العولميّة وأنصارها؛ لأنّهم سيضطرّون إلى مواجهة خطر التغيير الذي سيكون سياسيّاً في المقام الأوّل، لذا بدأت هذه القوى باتخاذ تدابير سريعة لتلافي ذلك، وفيما يأتي ثلاثة نماذج بارزة من هذه التدابير التي قد تسود خلال العقود العشرة المُقبلة:

أ. تسريع اندماج البلدان النامية

يمثّل تدفّق الهجرة من البلدان النامية نحو بلدان العالم الأوّل فرصة لضخّ دماء جديدة في البلدان الرأسماليّة واستعادة التوازن في الكتلة البشريّة بين الشرق والغرب، ولكن لا ريب في أنّ ذلك ينطوي على مخاطرة كبيرة، إذ لا ضمانة في أن يندمج المهاجرون بالثقافة النيوليبراليّة والتخلّي عن ثقافتهم الأصليّة، ممّا يجعل بلدان العالم الأوّل تواجه خطر تبدّل هوّيتها الثقافيّة، وإنّ تمسّك شعوب البلدان النامية بثقافتها الأصليّة يقوى أكثر عندما تواجه الغبن والقهر الذي تمارسه العولمة بحقّهم، والتجارب التاريخيّة المتكرّرة تثبت أنّ المشكلات التي يولّدها النظام الرأسمالي كلّما ازدادت أدّى ذلك إلى توليد ردود أفعال تسبّب انتعاشاً في الحركات ذات البعد المعنوي، وعلى رأسها الحركات الدينيّة.

ويبدو أنّ أرباب العولمة قد تعلّموا من هذه التجارب التاريخيّة، فبرزت أمامهم حلول أكثر براغماتيّة تقيهم من الخطر، وأحد هذه

(165)

الحلول يتمثّل بإحداث فجوة واسعة بين الشعوب النامية وجذورها الثقافيّة الخاصّة لتحلّ محلّها ثقافة الاستهلاك، فتكون بذلك صالحة للتعاطي بإيجابيّة مع سلوك الشركات مُتعدّدة الجنسيّات، وعليه يجب أن تخضع هذه الشعوب لبرامج تأهيل ثقافي لتحقيق التناغم مع متطلّبات العولمة.

تأخذ برامج التأهيل الثقافي أشكالاً مُتعدّدة، منها ما يتعلّق بسنّ التشريعات القانونيّة التي تستهدف المهاجرين إلى البلدان الغربيّة، ومنها ما يتعلّق بالحملات الفكريّة والإعلاميّة المضادّة للثقافات المحافظة بشكل عام، ومنها ما يتعلّق بتعديل التشريعات الروحيّة التي تستهدف الأديان.

ومن الأمثلة الواقعيّة على ما تقدّم: ممارسات مؤسّسة الخدمة الاجتماعيّة في السويد (السوسيال) ضدّ أطفال المهاجرين من البلدان الآسيويّة والأفريقيّة، وبخاصّة المسلمين منهم[1]، وكذا الأعمال الفنيّة المكثّفة التي تصبّ في صالح الاندماج بثقافة العولمة كالمنتجات التي تقدّمها شركات الإنتاج الفنّي الشهيرة مثل نتفلكس ووالت ديزني ومارفل التي تسعى إلى تقبّل شعوب البلدان النامية لقضايا محظورة مثل ما يطلق عليه اسم مجتمع الميم LGBT، وجرياً على هذا السياق نجد أنّ البابا فرنسيس قد صرّح في إحدى المناسبات قائلاً: «إذا كان هناك شخص مثلي الجنس يسعى إلى

(166)

الله ويتحلّى بالإرادة الخيّرة، فمن أنا كي أحكم عليه؟»[1]، هذا على الرغم من أنّ الشذوذ الجنسي لا يمكن أن يتلاءم مع فكرة السموّ الروحي والمحبّة الإلهيّة والخلاص الأخروي.

ومن الأمثلة الأخرى في هذا السبيل: تطويع الأديان بطريقة تجعلها لا تتعارض مع المقولات النهائيّة للعولمة، مثلاً ابتكار ما يسمّى بالديانات الموحّدة التي تمهّد لها (الدبلوماسيّة الروحيّة) التي قطفت أولى ثمارها في عام 2020 عندما تمّ توقيع اتفاقيّات سلام بين الإمارات وإسرائيل، وبحسب تصريح للرئيس الأمريكي دونالد ترامب فقد طلب من السفير الأمريكي في إسرائيل أن يُطلق اسم (اتفاق إبراهيم) على وثيقة السلام بين البلدين[2]، وقد صرّحت الأمم المتّحدة في إعلانها عن يوم الأخوّة الإنسانيّة قائلة: «علينا أن نشدّد على أهمّية التوعية بمختلف الثقافات والأديان أو المعتقدات وأهمّية التعليم في تعزيز التسامح الذي ينطوي على تقبّل الناس للتنوّع الديني والثقافي واحترامهم له في ما يتعلّق بأمور منها التعبير عن الدين، وأن نشدّد كذلك على أنّ التعليم، وبخاصّة في المدارس، ينبغي أن يسهم على نحو مُجدٍ في تعزيز التسامح، وفي القضاء على التمييز القائم على أساس الدين أو المعتقد»[3]علماً أنّ الأمم

(167)

المتّحدة كانت تسعى إلى تطبيق هذا المبدأ من خلال منظّمة غوث للاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في العام 2017 من خلال تغيير المناهج الدراسيّة للطلبة الفلسطينيين، مثل استبدال تعريف القدس من كونها عاصمة الدولة الفلسطينيّة إلى كونها مدينة إبراهيميّة مقدّسة للديانات الثلاث[1].

ب. الإعلام وطمس القضايا الكبرى

يمثّل إعلام الصوت والصورة الأداة الأبرز لنشر العولمة ودفعها قدماً للتغلغل في حياة كلّ الشعوب، لذا فإنّ الشركات مُتعدّدة الجنسيّات عملت باتجاه تسيّد هذا الإعلام عن طريق البثّ الفضائي والإنترنت لتحقيق سيادة التفكير العاطفي السطحي، يقابله تدمير لروح التحليل المستقلّ والتفكير النقدي، الذي كان يتمتّع به الناس الذين اعتادوا أن يستقوا معلوماتهم عبر وسائل الإعلام المقروءة مثل الصحف والمجلّات، وقد أوضح الفيلسوف مارشال ماكلوهان (1911-1980) آليّة عمل ذلك في نظريّته الشهيرة حول تأثير تقنيّات وسائل الاتصال في السلوك الجماهيري.

لقد صار إعلام الصوت والصورة، الذي بطبيعته يجتزئ الحقيقة، يحوّل اهتمام الناس نحو قضايا جزئيّة تافهة بدل الاهتمام بالقضايا الكبرى، التي تمثّل المسائل المصيريّة التي تصوغ حياتهم، ويضرب آلان دونو أمثلة على ذلك، فالانبعاثات الكاربونيّة موضوع مُغطّى

(168)

إعلاميّاً بشكل واسع بدلاً من التصدّي لتغطية التراجيديّات البيئيّة التي تَسبّبَ فيها الاستغلال الصناعي، ومهجّرو الحرب السوريّة الهاربون من منطقة النزاع بدلاً من خطوط أنابيب البترول التي تمثّل أصل الصراع، والتصوّرات حول سُبل دفع الدَيْن اليوناني بدلاً من الترتيبات الإجراميّة التي جعلت من الشعب مسؤولاً عن هذا الدَيْن، والمُشاحنات البرلمانيّة بدلاً من سلطات الشركات مُتعدّدة الجنسيّات، والصراع المُربح حول أنواع معيّنة من السرطان بدلاً من التغييرات الغذائيّة البسيطة التي قد تكون كفيلة بالوقاية من هذا المرض، والحديث عن إدارة فريق لعبة الهوكي بدلاً من إدارة صندوق الثروة السياديّة للدولة[1].

كما بتنا نشهد بفضل هذا الإعلام اقتطاع الحقيقة من سجلّها التاريخي لصالح اللحظة الراهنة، نجد ذلك واضحاً في برامج (قصص النجاح) التي تملأ مساحات واسعة من برامج الفضائيّات والمواقع الإلكترونيّة، إذ يتمّ تسليط الضوء على أشخاص تمكّنوا من حيازة قدر معيّن من النجوميّة -أو يُراد لهم ذلك- بحيث يكون الاهتمام مُقتصراً على اللحظة الراهنة من نجاحهم بعيداً عن الأسباب الرئيسة التي أنتجته: هل جاء النجاح بفعل مواهبه الذاتيّة أو بمعونات خارجيّة؟ وهل جاء بأساليب مشروعة أو غير مشروعة؟ وهل يمكن للمشاهد أن يطمح لمثل هذا النجاح ويصل إليه؟ لا يهم كلّ ذلك، فالمهمّ هو اللحظة الراهنة، هذا التوجّه بات يدفع الجماعات البشريّة إلى اعتبار نجوم السينما والرياضيين ورجال

(169)

الأعمال قدوات مُلهمة يجب التركيز على أنماط عيشهم الحالي والمغامرات الآنيّة لحياتهم، مع قطع النظر عن الجوانب المظلمة منها، ولو برز شيء من تلك الجوانب فينبغي تجاوزها بل تقبّلها باعتبارها هفوات يمكن أن يتعرّض لها أيّ إنسان، وبذلك يكون تأثّر الجماهير بهذه القدوات طفوليّاً ساذجاً لا يُعير أهمّية للوقائع المنطقيّة والأحكام القيميّة.

وبفضل الإعلام المُعولَم صار الحراك المناهض للعولمة يتشتّت وعيه بعيداً عن الصورة الكليّة للواقع، فيركّز نقده للحكومات بدلاً من التركيز على القوى التي تُهيمن على القرار السياسي العالمي، مع أنّ هذه القوى هي الورم الخبيث الذي يعمل على تشويه نسيج العالم بحكوماته وشعوبه بشكل متسارع.

ت. التحوّل نحو الحداثة الغازية

يرى جورج ريتزر أنّ عصر العولمة يمثّل عصر الانتقال من الحداثة السائلة -بحسب تعبير زيجمونت باومان- إلى الحداثة الغازية، أي الانتقال من أنماط الحياة الخفيفة إلى أنماط الحياة معدومة الوزن، ورؤيته هذه تلائم جداً تدابير العولمة المستقبليّة.

لقد كان اقتصاد العولمة يقوم على نشاط التبادل للسلع الاستهلاكيّة عبر الحدود القوميّة، وكانت حتّى وقت قريب تحمل بين طيّاتها روح الأمركة الضامنة لصلاحيات عمل النيوليبراليّة وديمومة بقائها، ولكن مع ازدياد النموّ الاقتصادي للصين، وما يرافق ذلك من تحدّيات تأبى الانفكاك عن السياسة القوميّة مثل مشروع

(170)

(الحزام والطريق) أخذت القوى الغربية تحوّل أنماط الاقتصاد سريعاً نحو العوالم الافتراضيّة على يد شركات أمريكيّة كبرى لتدخل العولمة في مرحلة الحياة الغازية.

إنّ نظام سلسلة الكتل Blockchain وتقنيّة الميتافيرس Metaverse وما يفتحانه من أبواب على عالم افتراضي واسع الطيف، سوف يستوعبان أنماط الحياة والحركة الاقتصاديّة وتبادل الثقافات وإنشاء العلاقات والسفر والسياحة وممارسة كلّ أنشطة البشر عبر أثير لا وزن له، وبهذه الطريقة يتمّ فكّ أنماط الحياة العالميّة تماماً عن أيّ جغرافيا قد تهدّد القيم النيوليبراليّة الغربيّة، وهذه التوقّعات يمكن أن تتكامل معالمها أكثر فيما لو تأكّد لنا أنّ الجائحات الوبائيّة التي انطلقت من الصين مؤخّراً -مثل كوفيد 19- هي أسلحة بيولوجيّة من صنع الولايات المتّحدة، إذ إنّ حظر التجوّل الذي تفرضه الجائحات الوبائيّة من شأنه أن يوقف نموّ الاقتصاد المألوف للعولمة، ويُدخل الاقتصاد الافتراضي للخدمة بسرعة، ويكفي فقط أن ننظر إلى القفزة الهائلة التي حقّقتها الشركات الرقميّة الأمريكيّة بفضل انتشار جائحة كورونا في العام 2020 وما بعده[1].

هذه الحالة الغازية تُؤسّس إلى شكل جديد من أنماط الحياة

(171)

على الأرض، تنعدم فيها كلّ الأوزان وتتلاشى معها أهمّية ما تبقى من الأشياء ذات الوزن والقيمة، بل يمكن أن تتضاءل قيمة الوجود الحقيقي للإنسان ما دام وجوده الافتراضي على ما يرام، ولا مشكلة في غياب العلاقات الاجتماعيّة الدافئة والحميمة مع وجود علاقات افتراضيّة تنقل الإحساس على سطوح الأشياء بإيحاءات تكنولوجيّة زائفة، إنّ هذه الأنماط من الحياة تجعل الناس يقبلون تصديق المشاعر الكاذبة وتكون بالنسبة لهم شيئاً مُرضياً، وإذا برزت الأوهام إلى السطح فلا مشكلة أن يُترك الفكر العميق في القاع، وبهذا الوضع المنكوس سوف تُغادر الحقائق المُحكمة كأنّها أشياء مُنتهية الصلاحية، وتحلّ محلّها أكاذيب تُقبل كأنّها وقائع، إنّ العالم يسير على عُجالة نحو متطلّبات تقنيّة الزيف العميق Deepfake التي تمكّنت بشكل مُذهل من تذويب الحواجز بين ما هو حقيقي وما هو زائف.

وإنّ المآلات الغازية لعصر العولمة تنطوي على تجريد أكبر لسلطة الدول القوميّة، إذ إنّ انعدام الوزن يقتضي إحداث تحوّلات عميقة في طبيعة الاقتصاد الذي يقوم على تداول العملة الافتراضيّة مثل البتكوين وأخواتها، فهذا الاقتصاد يقصي البنوك المركزيّة عن ساحة التأثير؛ لأنّ العملة الرقميّة لا تحتاج إلى وسيط بنكي، ولا تخضع للرقابة الرسميّة ولا تنتجها الحكومات، وقد شهدت هذه العملات نموّاً لافتاً في التداول وتسجّل مؤشرات على أنّها نقود المستقبل[1].

(172)

ماذا يعني ذلك؟

إنّه يعني ببساطة تحّرر أكبر للشركات مُتعدّدة الجنسيّات وخروجها من أيّ سلطة للحكومات القوميّة، ما يطلق يدها أكثر في الأعمال الاقتصاديّة المحرّمة مثل تجارة الأعضاء البشريّة والإتجار بالبشر وتهريب المخدّرات، فكلّ هذه الأعمال ستتمّ بحريةّ كبيرة بين الباعة والمشترين من غير أن تتمّ محاسبتهم أو تتبّع مصادرهم أو إيقافهم عند حدود معيّنة من قبل أيّ سلطة حكوميّة أو مجتمعيّة، ففي هذا الاقتصاد عديم الوزن لا يوجد أرض للدولة ولا لبنوكها المركزيّة أو أجهزتها القضائيّة، في هذا الاقتصاد لن يحتاج أصحاب رؤوس الأموال إلى البحث عن وسائل لغسيل الأموال، فالأموال الرقميّة تسبح عبر العالم الافتراضي من دون حسيب، فقط لإرضاء جشع الشركات العابرة للقارات وطمع المواطنين المنغمسين في ثقافة الاستهلاك حتّى آذانهم.

إنّ التسريع الشديد نحو الحالة الغازية إذا ما تمّ على النحو سابق الذكر، فإنّ ذلك ينذر بمخاطر أخرى لا تقلّ أهمّية عمّا تقدم، ففي الاقتصاد الافتراضي تعمل الحالة الغازية على سلب كلّ قيمة

(173)

ذاتيّة للأشياء، وتجعل سعر السوق هو الثابت المطلق، أي جعل التسعيرة هي المعيار الذي يُضيف للأشياء قيمتها فقط، بما في ذلك قيمة الأعمال الفنيّة والثقافيّة التي يتميّز بها الإبداع البشري، ولا شيء يدلّ على ذلك أكثر من آليّة تداول الأصول الفنيّة الرقميّة عبر نظام (Nft) الرقمي، حيث لا قيمة للفنّ في اللوحة أو المقطوعة الموسيقيّة ذاتها، وإنّما قيمتها تتحدّد تبعاً لمقدار المبلغ الذي يدفعه مالكها كضريبة لإحدى الشركات الرقميّة لتشفيرها على نظام (Nft) وعرضها في سوق التداول الرقمي، بمعنى أنّه يمكن لأيّ شخص رديء الذوق أن ينتج لوحة سيّئة تحقّق أرقاماً قياسيّة في القيمة بمجرّد دفعه لضريبة أعلى من أجل تشفيرها على هذا النظام، وبالمقابل قد لا تحصل لوحات الفنّ الرفيع على نصف قيمتها لأنّ أصحابها قد يدفعون ضريبة أقلّ.

هذه السوق اليوم تمثّل واحدة من أكبر الأسواق الناشئة نموّاً[1]، وقد بدأت شركات عديدة تفتح أسواقاً افتراضيّة لها في هذا العالم وتنفق عليها مليارات الدولارات استعداداً لجني الأرباح الطائلة المتوقّعة في مستقبل العولمة عديم الوزن.

ثانياً: توقّعات لمآلات العولمة

على الرغم من كلّ التدابير التي يمكن لأرباب العولمة أن يتّخذوها تجاه التحدّيات التي تعصف بهذا النظام، وبخاصّة خلال العقد الحالي، فإنّ ذلك لا يعني حتميّة بقاء العولمة واستمرارها

(174)

كما نعرفها اليوم، ومن ثمّ يمكن وضع توقّعات لمآلات العولمة المتوقّعة في المستقبل المنظور، وأبرز هذه التوقّعات اثنان: إمّا إصلاح نظام العولمة لتخفيف سلبيّاتها، وإمّا هيكلة العولمة نحو النظام اللاقطبي.

أ. إصلاح نظام العولمة

ابتدأت البوادر الفعليّة لإصلاح نظام العولمة أوائل عقد التسعينيّات من القرن العشرين مع نشر آراء عالم الاجتماع الشهير أنطوني جيدنز، والتي توّجها بطرح نظريّة الطريق الثالث في كتابه الموسوم (الطريق الثالث.. تجديد الديمقراطيّة الاجتماعيّة)، إذ عرض فيه طريقاً وسطاً بين الديمقراطيّة الاشتراكيّة والرأسماليّة النيوليبراليّة، وحاول أن يطرح أسلوباً جديداً في السياسة الغربيّة تجمع بين محاسن النظام الاشتراكي والنظام الرأسمالي، وذلك بعد أن فشلت النسخة الليبراليّة الجديدة عن إثبات تفوّقها على النظام الاشتراكي في تحقيق الرفاه والاستقرار للشعوب، فكما أوضحنا سابقاً فقد أسهمت النيوليبراليّة في توسيع دائرة البؤس والاستغلال أكثر ممّا فعلته الاشتراكيّة.

وقد وجدت نظريّة الطريق الثالث تطبيقاً لها على الساحة السياسيّة، إذ تبنّاها رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير خلال حملته الرئاسيّة لعام 1992 ما جعله يقود حزب العمّال إلى تحقيق إصلاحات أوصلته للسلطة بعد حكم مديد لحزب المحافظين، وقد ضمّنت تلك الإصلاحات احتفاظ الحزب بأغلبيّة مقاعد البرلمان

(175)

البريطاني والاستمرار في الحكم لمدّة تزيد على 10 سنوات، كما شكّل الطريق الثالث حجر الأساس في التحوّلات البرنامجيّة التي اعتمدتها اشتراكيّات ديمقراطيّة في أوروبا لا سيّما في ألمانيا، وكذلك أحزاب رئيسة أخرى في أميركا اللاتينيّة وآسيا وأستراليا وكندا[1].

إنّ نظريّة الطريق الثالث لا تعترف بالاشتراكيّة من الأعلى، بمعنى أنّها ترفض تسلّط الدولة على المجتمع والتخطيط المركزي للاقتصاد، وفي الوقت نفسه تشجب توحّش الرأسماليّة الليبراليّة واستغلال الطبقات الفقيرة والكادحة لصالح المستثمرين النافذين، بل تؤمن هذه النظريّة بمزايا السوق الحرّة وخلق الثروة، وفي الوقت نفسه تؤيّد مزيداً من العدالة الاجتماعيّة، وترى أنّ الدولة تلعب دوراً رئيساً في تحقيق ذلك.

كيف يمكن أن يتمّ ذلك؟ من وجهة نظر جيدنز فهنالك أربع قيم أساسيّة يتمّ من خلالها تحقيق الطريق الثالث[2]:

أوّلاً: الإيمان بقيمة المجتمع، وذلك على عكس ما تراه النيوليبراليّة من إلغاء للدور الاجتماعي وإعلاء قيمة الفردانيّة فقط، إذ يرى أنصار الطريق الثالث أهمّية إحياء الأسرة التقليديّة الممتدّة وتنشيط دور الدولة القوميّة.

(176)

ثانياً: الالتزام بدعم الحكومة للخدمات العامّة بمقدار لا يخلق الاتّكاليّة لدى المواطنين، فمثلاً يتمّ تحسين المدارس الحكوميّة، ولكن الويل للوالدين الذين يفشلون في التأكّد من حضور أطفالهم لتلك المدارس، وسيتمّ مساعدة أولئك الذين يريدون الإقلاع عن التدخين، وفي الوقت نفسه التأكيد على أنّ كلّ فرد مسؤول عن صحّته.

ثالثاً: مبادرة الحكومة في تعزيز المسار الأخلاقي في المجتمع من خلال مطالبة الوالدين بضمان تخصيص وقت لواجباتهم المنزليّة، واتّخاذ إجراءات صارمة تجاه الآباء المراهقين، فكلّ هذه الأمور وأمثالها تهدف إلى التأكيد على مسؤوليّة الفرد تجاه الدولة والمجتمع.

رابعاً: كما أنّ الأفراد مسؤولون أمام المجتمع، فإنّ المنظّمات وبخاصّة الهيئات العامّة ستخضع للمساءلة كما لم يحدث من قبل، يتضمّن جزء من ذلك إنشاء آليّات ديمقراطيّة جديدة من خلال محاولات تنشيط الحكومة المحليّة.

وبذلك يُظهر جيدنز تفاؤله تجاه مستقبل البشريّة، ويقول في هذا الصدد: «ليس هناك فاعل واحد أو جماعة أو حركة منفردة يمكن لها (كما افترض ماركس أن تفعله طبقة البروليتاريا) أن تنهض بتحقيق الآمال الإنسانيّة، لكن هناك عدّة نقاط للانخراط السياسي التي يمكن أن توفّر الأساس الجيد للتفاؤل»، ويستبعد جيدنز إمكانيّة وجود إيديولوجيّة أو برنامج سياسي واحد يتّسم بالشموليّة والتماسك،

(177)

وبدلاً من ذلك فإنّه يدعو للذهاب إلى ما وراء «الصور الصغيرة»، بحيث يستطيع الناس أن يؤثّروا مباشرة على حياتهم في بيوتهم، أماكن عملهم، أو مجتمعهم المحلّي، فهذا هو الفارق حسب رأي جيدنز ما بين المثاليّة الخياليّة والمثاليّة الواقعيّة المفيدة[1].

ولكن هل تتمكّن نظريّة الطريق الثالث -التي مرّ على ولادتها أكثر من عقدين- من تخفيف سلطة الشركات مُتعدّدة الجنسيّات واستعادة زمام الأمور من قبل الحكومات؟ أم أنّ هذه النظريّة وأمثالها ستظلّ حبيسة بعض البلدان الغربيّة، حيث تسعى لتطبيقها أحزاب اليسار لنيل انتصارات انتخابيّة؟ إنّ الاحتمال الثاني هو الأقرب إلى الذهن، ويؤكّد لنا ذلك موقف توني بلير نفسه، إذ كان من أشدّ المناصرين لحرب احتلال العراق في عام 2003، وهي الحرب التي تعدّ من أهمّ حوادث تدعيم النيوليبراليّة في القرن الواحد والعشرين.

من جانب آخر، فإنّ الواقع يكشف أنّ سلطة الشركات مُتعدّدة الجنسيّات وتغوّل النيوليبراليّة يجعل من الصعب استمرار وتطوير مثل هذه النظريّات الإصلاحيّة، شأنها شأن الحركات المناهضة للعولمة؛ وذلك لاعتمادها أساساً على مبادئ أخلاقيّة بدأت تتآكل بسرعة بسبب ثقافة الاستهلاك التي تعّمقها الشركات مُتعدّدة الجنسيّات في الشعوب بشكل حثيث.

(178)

ب. نظام اللاقطبيّة للعولمة

اتّسمت العولمة منذ انطلاقها بأنّها قائمة على هيمنة القطب الواحد المتمثّل بالولايات المتّحدة الأمريكيّة، وقد بيّنا سابقاً أنّ أبرز المنظّمات التي تقود العولمة تعمل تحت وصاية الولايات المتّحدة وتتماهى مع رغباتها، وذلك نتيجة طبيعيّة لصعود أمريكا كقوّة عسكريّة واقتصاديّة هائلة بعد انهيار منافسها الاتحاد السوفييتي.

ولكن هنالك بوادر عديدة تشي بأنّ هذه القطبيّة قد شارفت على النهاية، ليس فقط نتيجة لصعود أقطاب أخرى منافسة مثل الصين وروسيا، بل بسبب تأثير نظام العولمة الراهن، إذ إنّ «السلطة العالميّة الحقيقيّة في عصر العولمة تبدو في كلّ مكان ولا مكان في آن، إنّها أشبه بشبح متشّرد لا منزل واحد له يسكنه، أو هي كتَيّار كهربائي تَعرف بوجوده فقط حين يلسعك، وهذا ما يجعل السلطة العالميّة الراهنة شديدة الشبه بـ«الحقيقة الافتراضيّة» التي خلقتها ثورة المعلومات في عوالم العقول الإلكترونيّة»[1].

هذا يعني أنّ العولمة سوف لن تنتقل من نظام القطب الواحد إلى النظام متعدّد الأقطاب، بل إنّ العولمة سوف تتجاوز ذلك على المدى البعيد لتسهم في تشكيل (نظام اللاقطبيّة).

إنّ نظام اللاقطبيّة Nonpolarit هو مصطلح جديد طرحه ريتشارد هاس رئيس مجلس العلاقات الخارجيّة الأمريكيّة، إذ يرى هاس أنّ

(179)

الدول تتقدّم وتتحسّن في توليد وتجميع الموارد البشريّة والماليّة والتكنولوجيّة التي تؤدّي إلى الإنتاجيّة والازدهار، وينطبق الكلام ذاته على الشركات والمؤسّسات الأخرى، ولا يمكن إيقاف نشوء هذه القوى الجديدة، فينتج من ذلك عدد متزايد أبداً من الفاعلين القادرين على التأثير إقليميّاً أو عالميّاً، كما أنّ سياسة الولايات المتّحدة قد سرّعت بظهور مراكز قوّة بديلة في العالم، وأضعفت موقعها الخاصّ بالنسبة إليها، فمثلاً زيادة استهلاك أمريكا المفرط للنفط أدّى إلى ارتفاع سعره العالمي من 20 دولاراً إلى ما يفوق 100 دولار للبرميل في أقلّ من عقد من الزمن، ما سبّب تحوّلاً هائلاً للثروات والفعّالية إلى الدول التي تمتلك احتياطات الطاقة، وبهذه الطريقة ساعدت سياسة الطاقة الأمريكيّة على بروز منتجي النفط والغاز كمراكز قوى أساسيّة[1].

ويتوقّع هاس أنّ العالم اللاقطبي سيترك بشكل متزايد انعكاسات سلبيّة بغالبيّتها على الولايات المتّحدة وعلى قسم كبير من سائر العالم أيضاً، «فبوجود هذا العدد الكبير من الفاعلين الذين يتمتّعون بقوّة فعّالة ويحاولون إثبات تأثيرهم، سيكون من الأصعب تكوين ردود جماعيّة ودفع المؤسّسات إلى العمل، فأن يرعى امرؤ عشرات أصعب من أن يرعى بضعاً فقط، وليس العجز عن التوصّل إلى اتفاق في المحادثات التي جرت في خلال مؤتمر التجارة العالميّة في الدوحة إلّا مثالاً بليغاً عن ذلك، وستزيد اللاقطبيّة أيضاً عدد

(180)

التهديدات واحتمالات التضرّر التي تواجهها دولة مثل الولايات المتّحدة، قد تتّخذ هذه التهديدات شكل دول تهدّد السلم العالمي أو مجموعات إرهابيّة أو منتجي طاقة يعمدون إلى تخفيض الإنتاج أو مصارف مركزيّة يمكن لعملها أو امتناعها عن العمل أن ينشئا ظروفاً تؤثّر في دور الدولار الأميركي وقوّته»[1].

إنّ نظام اللاقطبيّة لن يقف عند حدود الدول الكبرى، فالعولمة عملت من خلال التكنولوجيا على نقل التمايزات الخارجيّة بين الدول إلى داخل كلّ دولة، وعندئذ يصبح بالإمكان الحديث عن عالم ثان أو ثالث في الداخل الأمريكي والأوروبي والياباني، حيث 20% ينتجون ويحكمون، في حين 80% يُفقرون ويُهمّشون، كما بات بالمستطاع العثور على عالم أوّل داخل الدول الفقيرة، حيث النخب فاحشة الغِنى مُندمجة بالسوق العالمي كليّاً بشتّى تجلِّياته الثقافيّة والاقتصاديّة والترفيهيّة[2]، وهذا الشكل من النظام لن يتّخذ صيغته القانونيّة النهائيّة إلّا بعد مخاض عسير قد يكون على الأرجح بعد قيام حرب عالميّة ثالثة.

ومثل هذا الاحتمال لم يعد بعيداً عن المنال، بخاصّة مع الخطوة العسكريّة التي اتّخذتها روسيا ضدّ أوكرانيا، مع محاولات غربيّة لعزل الاقتصاد الروسي وإنهاكه، وازدياد الاستقطاب العسكري المتمثّل بمطالب دول غربيّة محايدة مثل فنلندا والسويد الالتحاق بحلف الناتو، ومحاولة روسيا بالمقابل توطيد علاقتها بالمحاور

(181)

المناهضة لأمريكا. إنّ هذه الاستقطابات إذا استمرّت على هذه الوتيرة المتسارعة فقد تصل إلى مرحلة لا تحتاج معها إلّا إلى شرارة بسيطة تشعل فتيل الحرب لتسير نارها بسرعة على طول خطوط التحالفات الأخيرة.

قد لا تستمرّ الحرب طويلاً، بخاصّة أنّ القوّة العسكريّة التي تمتلكها الأطراف المتحاربة قادرة على توسيع دائرة الدمار على مساحات واسعة خلال وقت قياسي، ولكنّ الحرب بالتأكيد سوف تعيد ترسيم شكل النظام الذي لن يكون عبارة عن عولمة مُتعدّدة الأقطاب، وإنّما عولمة تقوم على نظام اللاقطبيّة التي لا بدّ من أن تكون لها مخاطر عالية في المستقبل البعيد.

ثالثاً: الإسلام في مواجهة العولمة

إنّ الدين الإسلامي بطبيعته العقلانيّة وتأكيده على الأولويّات الاجتماعيّة بطريقة واقعيّة يجعله من أكبر المخاطر التي تواجه العولمة على الإطلاق، بحيث يتفوّق في تهديده للعولمة على كلّ المنظّمات والحركات المناهضة لها، لذا باتت القوى العولميّة الغربيّة تتّخذ تجاه الإسلام مواقف قمعيّة، وإنّ غالبيّة الدعوات العنصريّة المناهضة للمسلمين تستمدّ من هذا التحدّي مبرّراً لتحرّكها، وما فتئت دول أوروبيّة وغيرها تشهد ممارسات عنيفة ضدّ المسلمين المغتربين لديها، وتعمل على تعميق مشاعر الإسلاموفوبيا، ومن الأمثلة الواضحة على ذلك الأعمال المتطرّفة للسياسي الدانماركي السويدي راسموس بالودان.

(182)

وعلى وقع تنبؤات البروفيسور صامويل هنتغتون (1927- 2008) التي تؤكّد على أنّ الصدام الحضاري الأقوى سيكون بين الحضارة الإسلاميّة والحضارة الغربيّة، خاضت الدول الراعية للعولمة عمليّات قمع مُمنهجة للمسلمين وعلى نطاق واسع، تارة بتفعيل نشاط حركات التطرّف الإسلامي في قلب الدول الإسلاميّة مثل القاعدة وداعش، وتارة بالسكوت عن عمليّات التطهير التي يتعرّض لها المسلمون على يد جماعات عرقيّة أخرى كما يحدث مع مسلمي بورما والإيغور.

لكنّ تعاليم الإسلام التي تحثّ المسلمين على مواجهة الشدائد بالصبر والتضحية والفداء مقابل مثوبة دنيويّة عاجلة أو أخرويّة مؤجّلة تجعل الممارسات القمعيّة المُمنهجة ضدّ المسلمين ذات أثر معكوس، فكأنّ هذه الممارسات تزيد من فضيحة العولمة المناهضة للإسلام، وتدفع الشعوب المسلمة إلى الالتفاف حول الإسلام أكثر.

كما أنّ الطاقة الروحيّة التي تكتنف الشعائر الإسلاميّة -التي تؤدّى عادة بشكل جمعي- ذات أثر عظيم في الإبقاء على التماسك الاجتماعي للمسلمين محصّناً من افتراس الرأسماليّة المتوحّشة، فما تتوافر عليه تلك الشعائر من شحن عاطفي تجعل جذوة الإسلام مشتعلة في نفوس أبنائه بين الحين والآخر، وتوجّه العقل الجمعي للمسلمين نحو مفاهيم تسمو فوق الحياة الماديّة التي تنشرها العولمة في أرجاء المعمورة.

ولا تقتصر قوّة الإسلام على ما تقدّم فقط، بل إنّ أهمّ نقاط قوّته

(183)

تكمن في طبيعته العقلانيّة والواقعيةّ، وقدرته على الاستفادة من الفرص الإيجابيّة التي تتيحها الظروف، وفي الوقت نفسه امتصاص التحدّيات السلبيّة التي تطرأ على الساحة الاجتماعيّة وتحويلها إلى جانبه، لذا فإنّ العولمة التي فرضت على المشهد العالمي منظومة اندماج لا يمكن تفكيكها تعطي للمسلمين مساحة واسعة للاستفادة من هذه المنظومة أقصى استفادة، إذ لا يوجد في الدين الإسلامي ما يمنع ذلك وفق شروط واضحة.

إنّ امتصاص الجانب السلبي للعولمة في العمل الإسلامي لا يقتصر على التنظير فقط، فالإسلام أكّد على أهمّية الموازنة بين الحاجات المعنويّة والمادّية للبشر، وأن يلعب الحراك الاجتماعي دوره الكامل في إشباع الحاجات الماديّة للشرائح المعوزة في المجتمع الإسلامي، وذلك مؤدّى الحديث المروي عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، إذ قال: «من أصبح ولم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم» وقوله: «مَثَل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، أذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى»، لذا فإنّ من أهمّ واجبات الجماعة الصالحة في عصر العولمة أن تتّجه نحو بناء شبكات خيريّة تعمل على تخفيف حدّة الفقر بالنسبة للشرائح المُعدمة التي باتت تتّسع عالميّاً بفضل جشع الشركات مُتعدّدة الجنسيّات.

هذا يعني أنّ الإسلام من خلال خطّته هذه يهتمّ بخلق سلطة شعبيّة تضامنيّة تعمل بالتوازي مع قوى السلطة، أي إيجاد بيئة اجتماعيّة ناجحة في خضم بيئة سياسيّة هشّة. إنّ هذه السلطة

(184)

الشعبيّة -بخلاف السلطات الرسميّة- محميّة من تأثيرات القرارات الفوقيّة للعولمة، وتعود جذور هذه الخطّة إلى ثورة الإمام الحسين عليه السلام في يوم عاشوراء وما بعدها، إذ أسّس أهل البيت عليهم السلام بعد تلك الواقعة الفاصلة إلى الفصل بين التيّار الجماهيري والسلطة الجائرة، ووضعوا منهجاً عمليّاً طبّقوه بأنفسهم يؤكّد إمكانيّة تعايش الجماعة الصالحة مع وجود سلطة ظالمة، وفي الوقت نفسه فإنّ هذه الجماعة قادرة على ضمان نمائها الثقافي والاقتصادي ذاتيّاً.

هذه القوّة الداخليّة الكامنة في الإسلام تجعل من القوى العولميّة تلجأ إلى حلّ أكثر عمليّة لإنهاء التهديد الإسلامي لمصالحها، وذلك باللجوء إلى تطويع الثقافة الإسلاميّة لصالح ثقافة العولمة، ويتمّ ذلك من خلال تفريغ الإسلام من مفاهيمه الأصيلة بطريقة تجعله يندمج مع متطلّبات النيوليبراليّة، وإنّ ما تقوم به برامج إعلامية موجّهة للعرب والمسلمين دليل ناصع على ما نقول، مثل برنامج في فلك الممنوع على قناة فرانس، 24 وبرنامج جعفر توك على قناة DW الألمانيّة[1]، ما يعني أنّ التحدّي الأكبر الذي يواجه المسلمين اليوم ليس تحديّاً اقتصاديّاً أو سياسيّاً بقدر ما هو تحدٍّ ثقافيّ.

وهذا الأمر يتطلّب حركة مضادّة من قبل النخب الإسلاميّة،

(185)

ترتكز على استراتيجيّة مُحكمة تمثّل نقطة انطلاق لتجاوز التحدّيات التي تواجه الثقافة الإسلاميّة في المرحلة الراهنة، وهذه الإستراتيجيّة يجب أن تستمدّ معطياتها من المفاهيم الأصيلة للإسلام نفسه، كما يجب أن ينبع أساساً من داخل المجتمعات، ولا يتمّ بفرضه من سلطة أعلى مثل الحكومات، إذ يقتضي واقع الحال أن تكون القاعدة الجماهيريّة المسلمة هي العدوّ الأساس للعولمة، لا حكومة ولا مؤسّسة؛ لأنّ الجماهير هي المتضرّر الرئيس من العولمة أوّلاً، وثانياً لأنّ صوت الجماهير يعلو فوق شبهات المصالح القوميّة والتجاذبات السياسيّة، ويكون أقرب لنداء القيم الإنسانيّة الصِرفة، لذا فإنّ الإسلام منذ بزوغ فجره اعتمد على تأسيس قاعدة جماهيريّة ذات وعي وتوجّه معنوي شكّل عبر العصور الهاجس الأعظم لأصحاب السلطات الجائرة.

وحيث إنّ الحرب التي تشنّها العولمة على الإسلام هي حرب ثقافيّة تستهدف إحداث فجوة بين الأجيال المسلمة والدين الحنيف كما أشرنا سلفاً، فإنّ الإستراتيجيّة للإبقاء على هذا الدين حيّاً في نفوس أبنائه تبدأ بفهم النخب الفكريّة والثقافيّة لطبيعة التحدّيات الخارجيّة التي يواجهها المجتمع المسلم وتحديد ثغراته الداخليّة، ومن ثمّ العمل على تطوير خطاب ثقافي إسلامي عصري يستفيد من تقنيّات العولمة لقلب الطاولة عليها، وبعبارة أخرى امتصاص التغييرات التي تريد قوى العولمة إحداثها في توجّهات الأجيال الجديدة للمجتمعات المسلمة وتحويلها لصالح الرسالة الإسلاميّة

(186)

السمحة[1]، وذلك من خلال صناعة خطاب ثقافي ينبع من صميم الرؤية الإسلاميّة بما يتلاءم مع حاجات العصر وطبيعة اللغة المؤثّرة في الجيل الإسلامي الجديد.

وهذا الأمر يتطلّب أوّلاً التعرّف على أهمّ التوجّهات التي تعيشها المجتمعات الإسلاميّة في عصر العولمة، ومن هذه التوجّهات ما يأتي:

1-    المجتمع الإسلامي يواجه عصر المعلوماتيّة المتزاحمة، لذا بات متعطّشاً للمعلومات.

2-    المجتمع الإسلامي صار متأثّراً بمعطيات العلوم الأكاديميّة الحديثة والبحوث المدعومة بالإحصائيّات والأرقام والأدلّة الملموسة.

ومع الأخذ بنظر الاعتبار حقيقة أنّ الاكتشافات العلميّة الرصينة التي توصّلت إليها المناهج الأكاديميّة الحديثة لا تتقاطع بالمُجمل مع روح التعاليم الإسلاميّة، فسوف نصل إلى نتيجة مفادها: أنّ النخب الفكريّة والثقافيّة الإسلاميّة يجب أن تنطلق من قاعدة بيانات دقيقة تستند إلى تحليل موضوعي للواقع الاجتماعي الإسلامي وفقاً للمنهج الأكاديمي مؤطّراً بالرؤية الإسلاميّة الكلّية؛ ذلك لأنّنا نؤمن بأنّ لدى الإسلام رؤية صائبة لما يجب أن يكون عليه الواقع الاجتماعي، ولكنّ طبيعة هذه الرؤية أنّها كُليّة، وليس من شأنها

(187)

التوغّل في التفاصيل، وقد أوكل الإسلام للبشر أمر استكشاف تلك التفاصيل لإبعاد العقل عن شبح التراخي ودفعه لاكتناه دقائق الأمور بالسعي الاختياري، ليجعله في النهاية يعود مُذعناً لصواب الرؤية الإلهيّة عن قناعة راسخة، وذلك مؤدّى قوله تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) [1]، فالقرآن الكريم (لم يطرح نفسه بديلاً عن قدرة الإنسان الخلّاقة ومواهبه وقابليّاته في مقام الكدح في كلّ ميادين الحياة، بما في ذلك ميدان المعرفة والتجربة، وإنّما طرح نفسه طاقة روحيّة موجّهة للإنسان، مفجّرة لطاقاته، محرّكة له في المسار الصحيح)[2].

إنّ التحليل الموضوعي للواقع الاجتماعي الإسلامي يهدف إلى تحديد المشكلات الكبيرة التي خلقتها العولمة فيه، لكي يتمّ ربط هذه المشكلات بشكل منطقي بالمفاهيم التي تروّج لها العولمة مثل المساواة بين الرجل والمرأة والتشيّؤ وانتشار ثقافة الاستهلاك، وجعْل معيار القيمة الاجتماعيّة مُتعلّقاً بالجانب المعنوي والروحي للإنسان، ودور الثقافة الفردانيّة في إضعاف التضامن الاجتماعي.

بعبارة أخرى، إنّ الخطاب الثقافي الإسلامي الموجّه للجماهير المسلمة يجب أن يؤسّس على قاعدة معلومات علميّة دقيقة قادرة على رفع مستوى الوعي الاجتماعي بالجذور الحقيقيّة للإشكاليّات الكبيرة التي يواجهها المجتمع المسلم، والتي ترتبط غالباً بطبيعة

(188)

الثقافة النيوليبراليّة، وذلك أقوى ما يدفع الأجيال الجديدة إلى القناعة بضرورة الالتفاف حول مبادئ الدين الحنيف وإعادة التمسّك بها، وعلى هذا الأساس يتطلّب من المُبلّغ أو المُثقّف الديني وكذا الإعلامي الإسلامي التركيز على ما يأتي:

أ. توسيع ثقافته الأكاديميّة بالاطّلاع على العلوم الإنسانيّة الرئيسة (علم الاجتماع وعلم النفس وعلم الاتصال).

ب. تحليل الأفكار في الأطروحات الأكاديميّة للعلوم المتقدّمة وإعادة التركيب فيما بينها للخروج برؤية شاملة للواقع الراهن.

ت. اعتماد التفكير النقدي لتهذيب معطيات العلوم الأكاديميّة وفق المبادئ العامّة للدين الإسلامي الحنيف.

ث. التركيز على المنطق الاستقرائي في قراءة الوقائع الراهنة.

ج. التركيز على دراسة التحدّيات التي تُلاصق هموم المجتمع وشرحها مدعومة بالأمثلة المُعاشة بلغة مبسّطة وجاذبة.

لكنْ ما يواجه الخطاب الثقافي الإسلامي في خطّته الإستراتيجيّة هذه أنّ نجاحها سوف يقتصر على تحقيق إنجازات محدودة لا يمتدّ تأثيرها على نطاق عالمي لاعتبارات عديدة، أهمّها أنّ كثيراً من الشعوب لا تؤمن بالدين الإسلامي كشريعة تقود الحياة، وبالتالي فإنّ أقصى ما يمكن أن يحقّقه بمقابل طغيان العولمة، هو أن يشكّل جُزُر نجاح في خضمّ محيط عالمي من الفشل، ولكن لا يخلو من احتمال أن تتحوّل هذه الجُزُر إلى منارات اجتماعيّة تطمح إليها

(189)

أنظار المجتمعات التي تأكلها المجاعات ويحكمها الاستهلاك النهِم ويسودها تمزّق العلاقات والانهيارات النفسيّة، بعبارة أخرى إنّ من شأن المجتمعات الإسلاميّة الناضجة والناجحة أن تجذب إليها أنظار الشعوب التي تنشد الخلاص من الغرق في ظلمات العولمة المُتلاطمة.

أضف إلى ذلك، فإنّه في عصر سريع التحوّل كالذي يمتاز به عصر العولمة، لن تعود الانتصارات الوقتيّة والإنجازات السريعة ذات قيمة، بل إنّ ما يكون قادراً على الصمود وإثبات الوجود في النهاية هو المنتصر، لذا فإنّ ما تحتاجه النخب الإسلاميّة أوّلاً هو خلق نواة اجتماعيّة صلبة قادرة على الصمود في وجه رياح التغيير السريعة لكي تكون فيما بعد قادرة على جذب باقي الجماهير إليها.

قد يقال إنّ خلق نواة اجتماعيّة صلبة يمكن تحقيقها في المجتمعات التي لا تؤمن بالدين الإسلامي أيضاً، وحتّى تلك التي لا تؤمن بالدين أصلاً، وذلك لاحتواء تلك المجتمعات على مثقّفين ناشطين مُخلصين لقضيّتهم، ينشدون الطمأنينة والسعادة والمساواة لشعوبهم ويسعون إلى درء أذى العولمة من دون التوسّل بمبادئ دينيّة.

وللجواب على ذلك نقول: إنّ هنالك بالفعل مثل تلك الشخصيّات تعمل بإخلاص في إنقاذ شعوبها من براثن العولمة خارج منظومة الدين -كما فعل أنطوني جيدنز في طرحه لنظريّة الطريق الثالث- ولكنها لن تنجح في تحقيق مسعاها في آخر

(190)

المطاف لأسباب عديدة، أهمّها: أنّ إغراء الثقافة الماديّة يمكن أن يُفقد كلّ الثقافات اللاماديّة مُبرّرات التمسّك بها من قبل المجتمع، باستثناء الثقافة الدينيّة؛ لأنّ الأخيرة -بالإضافة إلى فطريّتها- تعتمد في ديمومتها على مبدأ الثواب والعقاب الأخروي، فهي تستمدّ من هذا المبدأ مُبرّرات دائميّة لتمسّك المجتمع بها مهما كانت مغريات الثقافة الماديّة الضاغطة، ومن هنا نلمس أهمّية تأسيس المنظومة الأخلاقيّة للمجتمع على أساس ديني، على الرغم من إمكانيّة تأسيس هذه المنظومة بمعزل عن الدين، وبعبارة أخرى: يقتضي أن يكون في مقابل العولمة جهة جماهيريّة مناهضة تستمدّ قوّتها من معين أخلاقي لا ينضب بشكل مضمون تماماً، وهذه الضمانة لا تتوفّر إلّا في الأديان؛ لأنّ العامل الأخلاقي فيها ذو ديمومة على عكس العامل الأخلاقي للفكر الوضعي.

هذا إذا لم نرد التحدّث بلسان ديني بحت يؤمن بأنّ المدد الإلهي لا بدّ من أن ينزل على الأمم التي تتمسّك بحبل الله تمسّكاً واعياً وحقيقيّاً مهما كانت العقبات التي تواجهها طاغية، وذلك لقوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) [1]وقوله تعالى: (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) [2].

(191)
(192)

الخاتمة

ازدهرت العولمة على أساس تعميم النظريّة النيوليبراليّة على نطاق عالمي، بحيث تعدّ النيوليبراليّة عاملاً أساسيّاً في ظهور العصر الكوني[1].

كانت النيوليبراليّة الحلّ المقترح للقضاء على مشكلة التضخّم والركود الذي أصاب الاقتصادات الرأسماليّة الغربيّة في سبعينيّات القرن العشرين بعد عقود من تطبيق الاقتصاد الكينزي، وقد شجّع على تطبيق النيوليبراليّة عالم الاقتصاد ميلتون فريدمان وفتيان شيكاغو بهدف التخلّص من التخطيط المركزي للاقتصاد، وتحرير الأسواق من أيّ سياسة نقديّة.

والنيوليبراليّة بحدّ ذاتها تمثّل الوريث الشرعي والنسخة الأكثر تطرّفاً لليبراليّة الغربيّة التي تبلورت عبر قرون طويلة من تاريخ الغرب الحديث، إذ بلغت من الغوص في الحريّة الفردانيّة إلى مستوى إلغاء أيّ اعتبار لحقوق المجتمع والمسؤوليّة الاجتماعيّة، وقد عبّرت رئيسة وزراء بريطانيا مارغريت تاتشر عن ذلك بمقولتها الشهيرة: «ليس هناك شيء اسمه المجتمع».

وقد كانت النيوليبراليّة أواخر السبعينيّات ومطلع الثمانينيّات من القرن العشرين محصورة ضمن دول محدودة مثل الولايات المتّحدة وبريطانيا والصين فضلاً عن دول تعرّضت إلى عمليّات تطهير نيوليبرالي وفقاً لعقيدة الصدمة مثل تشيلي والأرجنتين، ولم

(193)

تُعمّم على نطاق عالمي إلّا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي مطلع التسعينيّات، إذ انفتح العالم كلّه على التجارة الحرّة التي حملت لواءها الولايات المتّحدة الأمريكيّة ودافعت عنها دفاعاً مُستميتاً، وبلغ ذلك ذروته بإعلان الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب في خطاب ألقاه أمام الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة عن قيام نظام عالمي جديد حدّد فيه «رؤية لشراكة جديدة بين الأمم.. شراكة تقوم على التشاور والتعاون والعمل الجماعي، خصوصاً من خلال المنظّمات الدوليّة والإقليميّة»[1].

وبغضّ النظر عن البلدان التي تمّ إخضاعها لعمليّات تطهير نيوليبراليّة وفقاً لعقيدة الصدمة أو تلك التي رجعت إلى مصاف الدول النامية من البلدان التي انشقّت عن الكتلة السوفييتيّة المُنحلّة، فإنّ العولمة حملت بين طياتها ازدهاراً سريعاً لبلدان عدّة من الشرق والغرب، وساعدت بلداناً على تحقيق نموّ اقتصادي سريع مثل مجموعة النمور الآسيويّة، إلّا أنّ ذلك لم يُكتب له الدوام، إذ سرعان ما بدأت المساوئ تترى لتشكّل مفاجآت غير سارّة على نطاق واسع، مثل أزمة الفقاعة الاقتصاديّة عام 1997 وأزمة الكساد العالمي عام 2008.

ولم يكن ذلك سوى الجبل الجليدي من المشكلة، وإنّ الخطر الحقيقي كان يكمن في النمو السريع للشركات مُتعدّدة الجنسيّات،

(194)

إذ وفّر لها النظام النيوليبرالي فرصة ذهبيّة لتتحوّل إلى غيلان عملاقة تقبض على مصادر القرار السياسي في الدول العظمى وتتحكّم من خلاله بزمام كلّ الأمور، وعلى حدّ تعبير نعوم تشومسكي: «لقد أصبح النظام العالمي اليوم شكلاً من أشكال (ميركانتليّة الشركات) تتّسم فيه التفاعلات والمخطّطات التجاريّة المنظّمة داخل إطار من العولمة الليبراليّة صمّم ببراعة حسب حاجات السلطة والأرباح»[1]، وبفضل قوّة هذه الشركات تمّ إزاحة إرادة الحكومات عن اتّخاذ القرار المناسب ليتحوّل الاقتصاد العالمي إلى هدف بحدّ ذاته، وأصبح كلّ ما دونه مجرّد وسيلة بما في ذلك المجتمعات ذاتها، يقول داني رودريك أستاذ الاقتصاد السياسي الدولي بجامعة هارفارد: «كان الاقتصاد العالمي يخدم الأهداف الاقتصاديّة والاجتماعيّة المحليّة -التشغيل الكامل للعمالة والازدهار والعدالة- وليس العكس، في ظلّ العولمة المفرطة قَلَب صُنّاع السياسات هذا المنطق رأساً على عقب، حيث أصبح الاقتصاد العالمي الغاية والمجتمع المحلّي هو الوسيلة»[2].

كما خضعت منظّمات عالميّة مهمّة لإرادة الشركات مُتعدّدة الجنسيّات ونظامها النيوليبرالي مثل: صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظّمة التجارة العالميّة، بحيث أصبحت هذه المنظّمات السبب الأبرز في تحقيق اللامساواة وانتهاك سيادة الدول القوميّة،

(195)

حتّى إنّ مؤسّسات خيريّة مثل مؤتمر الأمم المتّحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD) الذي أنشئ أساساً لتحسين الوضع الاقتصادي للدول النامية تحوّل عن مساره في عام 1992 وخضع لمتطلبات النيوليبراليّة، فأخذ يسعى إلى إدماج الدول الأقلّ تقدّماً في الاقتصاد العالمي، كما عانت منظّمة اليونسكو التي تدعم العلوم الطبيعيّة والاجتماعيّة والثقافيّة من حالة تدهور وانحطاط في نشاطها بعد أن فضّل النيوليبراليّون تحويل هذه العلوم إلى سلع يمكن بيعها وشراؤها في السوق[1].

وقد أسهمت العولمة في ازدهار نظام اقتصادي غريب يُعرف باسم (رأسماليّة الكازينو) وهو يمثّل اقتصاداً ربحيّاً طفيليّاً لا يُنتج شيئاً في قطاع الخدمات والسلع، ويخلق سوقاً أشبه ما تكون بنادٍ كبير للمُقامرة، يعمل على إثراء المضاربين بمخاطر عالية، ويمكن أن يجرّ القطاع العام إلى أزمة ضخمة تستدعي الأموال الحكوميّة لوضع خطّة للإنقاذ، لذا يوصف بأنّه اقتصاد يُخصخص الربح ويُعمّم الخسارة.

هذا ولم يقتصر عمل العولمة على التلاعب بالبُنى الفوقيّة المُتمثلة بالحَوْكمة العالميّة حسب، وإنّما عملت على تغيير البُنى السفليةّ على مستوى المجتمعات أيضاً، إذ إنّ التنوّع الثقافي للشعوب بات مهدّداً بالاقتلاع بسبب الحرب الناعمة التي تقوم بها وسائل الإعلام المدعومة بأموال الشركات مُتعدّدة الجنسيّات، ولا يصعب على أيّ متابع أن يشعر بما تتضمّنه هذه الوسائل من هجوميّة مُفرطة على الثقافة التقليديّة

(196)

للأمم مثل الأسرة الممتدّة، والعلاقة التضامنيّة بين الرجل والمرأة، وأهمّية الدين والأعراف والقيم المعنويّة، لتحلّ محلّها مفاهيم تحرّر المرأة من المسؤوليّات المنزليّة، وتأسيس العلاقة بين الجنسين على مبدأ المنافسة العدوانيّة، وترويج أنماط الحياة الاستهلاكيّة، ومبادئ مجتمع الميم التي تجعل الإنسان في آخر المطاف طيّعاً لمتطلّبات الاستهلاك وما يخدم مصالح الشركات الرأسماليّة.

وبخلاف النتيجة المُعلنة من قيام نظام كوني موحّد، فإنّ العولمة عملت على تفكيك المجتمعات، وليس التحامها، بسبب ابتعاد الناس عن المصالح المشتركة والأهداف طويلة الأمد سعياً وراء المصالح الفرديّة والشؤون اليوميّة، وقد انعكس ذلك بشكل أو بآخر على نظرة علماء الاجتماع أنفسهم، ففي البدء كان علماء الاجتماع ينظرون للمجتمع على أنّه بناء كُلّي يتكوّن من أجزاء مشدودة بأنساق تؤدّي وظائفها بتناغم، وأنّ سعادة المجتمع تتوقّف على أداء كلّ جزء لوظيفته بشكل سليم، ولكنْ مع طغيان العولمة التي زعزعت الأنماط التقليديّة، صار علماء الاجتماع يقصرون نظرهم على العلاقات الجزئيّة وقرارات الفاعلين على المستوى الشخصي، بحيث لم يعد الحديث عن قضايا المجتمع الكبيرة محلّ اهتمام في علم الاجتماع المعاصر.

هذه الرؤية الجزئيّة ضلّلت الرأي العام، إذ جعلت أصابع الاتهام تشير إلى الأسباب غير الحقيقيّة لمعاناة الناس في عصر العولمة، وبذلك تكاملت أسباب التضليل من قبل مؤسّستين مهمّتين: المؤسّسة الإعلاميّة والمؤسسة الأكاديميّة، وعندما يواجه الناس أذى الحروب والأزمات الاقتصاديّة والاجتماعيّة سرعان ما تشير

(197)

أصابع الاتهام نحو تقصير الحكومات السياديّة، في حين أنّ هذه الحكومات أصبحت في عصر العولمة مجرّد واجهة لا تملك من السيادة سوى الاسم، وأنّ من يخلق الأزمات في التحليل النهائي هم أرباب الشركات مُتعدّدة الجنسيّات وأتباعهم من الساسة المنتفعين في الدول الرأسماليّة العظمى.

ولكن ما هو المصير الذي ينتظر العولمة؟ هل سنشهد تطوّراتها أم انهياراتها في المستقبل؟ في الحقيقة إنّ الأمر مُربك وليس من السهولة التنبؤ به، فمن ناحية نجد أنّ النيوليبراليّة قد تغلغلت في عمق النظام العالمي “ومن غير الواضح أنّه يمكن التضحية بها بسهولة بدون إحداث ضرر حتمي للنظام بأكمله”[1]، ومن ناحية أخرى نشهد تفكّكاً فعليّاً في بعض العناصر الأساسيّة للعولمة، مثل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والحمائيّة التي التزمت بها الولايات المتّحدة ضدّ الصادرات الصينيّة وحركة الهجرة.

لذا ربّما كانت رؤية نعوم تشومسكي لمستقبل العولمة هي الأقرب للذهن على المستوى المنظور، إذ يرى أنّ الدول الجائعة ودول العالم الثالث سوف تبقى مُلزمة باتّباع مبادئ النيوليبراليّة في حين سوف تتهرّب الدول الأقوى من هذه المبادئ، وفي الوقت نفسه فإنّ طبقة الأثرياء ستبقى تطوّر أسلحتها في حربها الشرسة التي تشنّها بلا انقطاع لضمان مصالحها الرأسماليّة، وأنّ هذه المشاهد ستبقى هي الملامح الأساسيّة للنظام العالمي الذي نحياه[2].

(198)

قائمة المصادر والمراجع

1- العولمة.. نصّ أساس، جورج ريتزر، المركز القومي للترجمة، القاهرة - الطبعة الأولى، 2015.

2- النظام العالمي القديم والجديد، نعوم تشومسكي، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2007.

3- ما هي العولمة، أولريش بيك، منشورات الجمل، بيروت - الطبعة الثانية، 2012.

4- العولمة.. المفاهيم الأساسيّة، أنابيل موني وبيتسي إيفانز، الشبكة العربيّة للأبحاث والنشر، بيروت - الطبعة الأولى، 2009.

5- العولمة ومساوئها، جوزيف ستكتلز، بيت الحكمة، بغداد – الطبعة الأولى، 2003.

6- العولمة ومناهضوها، كلاوس ليجفي، المركز القومي للترجمة، القاهرة - الطبعة الأولى، 2011.

7- الوجيز في تاريخ النيوليبراليّة، ديفيد هارفي، منشورات الهيئة العامّة السوريّة للكتاب، دمشق-الطبعة الأولى، 2013.

8- من الحداثة إلى العولمة ج1 – ج. تيمونز روبرتس، إيمي هايت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت- سلسلة عالم المعرفة، 2004.

9- من الحداثة إلى العولمة ج2- ج. تيمونز روبرتس وإيمي هايت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، سلسلة عالم المعرفة، 2004.

(199)

10- العولمة وتأثيراتها، د.منير الحمش، مركز دراسات الوحدة العربيّة، الطبعة الأولى، بيروت 2012.

11- عقيدة الصدمة.. صعود رأسماليّة الكوارث، ناعومي كلاين، شركة المطبوعات للنشر والتوزيع، بيروت- الطبعة الثالثة 2011.

12- فهم النظام الدولي الحالي، مايكل جيه مازار، ميراندا بيرايب، اندرو رادين، استريد ستوثسيفالوس، مؤسّسة راند، 2016.

13- العولمة الطوفان أم الإنقاذ؟ الجوانب الثقافيّة والسياسيّة والاقتصاديّة، فرانك جي. لتشنر وجون بولي، مركز دراسات الوحدة العربيّة، بيروت - الطبعة الثانية، 2010.

14- هوية المجتمع المحلّي في مواجهة العولمة من منظور أساتذة جامعة بسكرة، ميمونة مناصريّة، أطروحة دكتوراه في علم اجتماع التنمية، جامعة محمّد خيضر، بسكرة –الجزائر، 2011-2012.

15- ما بعد العولمة.. صناعة الإعلام وتحوّل السلطة، د. خالد محمّد غازي، وكالة الصحافة العربيّة (ناشرون)- مصر، 2017.

16- مصطلح التنوير.. مفاهيمه واتجاهاته في العالم الإسلامي الحديث «نظرة تقويميّة»، د. عبد اللطيف الشيخ توفيق، مجمع الفقه الإسلامي بجدّة، منتدى الفكر الإسلامي، 16/ شباط/ 2005.

17- حكمة الغرب.. الفلسفة الحديثة والمعاصرة، برتراند رسل، سلسلة عالم المعرفة، الطبعة الثانية، 2009.

(200)

18- الليبراليّة، شهريار زرشناس، المركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجيّة، سلسلة مصطلحات معاصرة، دار الكفيل، كربلاء - الطبعة الأولى، 2017.

19- الحداثة وما بعد الحداثة، د. سعيد محمّد محمّد السقّا، دار الوفاء للطباعة والنشر، الإسكندريّة - الطبعة الأولى، 2014.

20- مناهضة العولمة، كريس هارمان، مركز الأرض لحقوق الإنسان، مصر - سلسلة المقاومة والعولمة، العدد 1.

21- نظام التفاهة، آلان دونو، دار سؤال للنشر/ بيروت – الطبعة الأولى، 2020.

22- الجنّات الضريبيّة ودورها في التهرّب الضريبي الدولي.. الحالة الإيرلنديّة المزدوجة والساندويتش الهولندي لشركة غوغل، ضارفي ريمة وبلخيري محمّد سعد الدين، مجلّة اقتصاد المال والأعمال، المجلّد 4- العدد أفريل 2020.

23- الحب السائل.. عن هشاشة الروابط الإنسانيّة، زيجمونت باومان، الشبكة العربيّة للأبحاث والنشر، بيروت- الطبعة الأولى، 2016.

24- علم الاجتماع من النظريّات الكبرى إلى الشؤون اليوميّة إعلام وتواريخ وتيّارات، فيليب كابان وجان فرانسوا دورتيه، دار الفرقد، سوريا - الطبعة الأولى، 2010.

25- نحو نظريّة اللاقطبيّة في النظام الدولي: مقاربة جديدة لدراسة التحوّل في النظام الدولي، د. رباحي أمينة، المجلّة الجزائريّة للعلوم السياسيّة والعلاقات الدوليّة، العدد الرابع، 2015.

(201)

26- الفلسفة الماديّة وتفكيك الإنسان، د. عبد الوهاب المسيري، دار الفكر، الطبعة السادسة،  2016.

27- معجم العلوم الإنسانيّة، جان فرنسوا دورتيه، المؤسّسة الجامعيّة للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت - الطبعة الأولى، 2009.

28- كلّ ما أردت دوما أن تعرفه عن الأمم المتّحدة، إدارة شؤون الإعلام في الأمم المتّحدة، قسم الأمم المتّحدة للنشر، نيويورك 2008 .

29- إشكاليّة التغيير الاجتماعي المعاصر من خلال مقاربة لنظريّة التخلّف الثقافي عند وليم أوكبرن، ضامر وليد عبد الرحمن، مجلّة الأكاديميّة للدراسات الاجتماعيّة والإنسانيّة، العدد 11، كانون الثاني، 2014.

30- الماسونيّة العالميّة.. بحث عن المنشأ والأهداف النهائيّة للحرب العالميّة الأولى، فريدريش فيختل، ترجمة: عثمان محمّد عثمان، المركز القومي للترجمة، الطبعة الأولى (القاهرة) 2010.

31- تقرير الفريق العامل المعني بمسألة التمييز ضدّ المرأة في القانون والممارسة، مجلس حقوق الإنسان، الأمم المتّحدة، 2/ 4/ 2015.

32- التقرير القطري حول الأطفال خارج المدرسة 2014، العراق – منظّمة الأمم المتّحدة للطفولة، اليونيسيف/ 2015.

(202)

33- السنن التاريخيّة في القرآن، محمّد باقر الصدر، دار إحياء التراث العربي، بيروت - الطبعة الأولى،  2011.

34- IHEU Bylaws, Internal Rules, General Assembly Regulations and Membership and DuesRegulations -   IHEU Bylaws.

35- NO LOGO/ Naomi Klein / Great Britain by Flamingo – 2000 .

36- The Changing Global Religious Landscape – Pew research center - APRIL 5, 2017 .

37- What life means to Albert Einstein - the Saturday Evening Post - October 26.1929 .

المصادر الإلكترونيّة

38- Advantages and disadvantages of WTO–economicshelp - Friday, June 17, 2016 - https://econ.economicshelp.org/2007/06/advantages-and-disadvantages-of-wto.html

39- America’s biggest companies are flourishing during the pandemic and putting thousands of people out of work/ Douglas MacMillan, Peter Whoriskey and Jonathan O’Connell/ The Washington Post/

(203)

https://www.washingtonpost.com/graphics/2020/business/50-biggest-companies-coronavirus-layoffs/

40- Apple Market Cap 2010-2021 | AAPL/ macrotrends / https://www.macrotrends.net/stocks/charts/AAPL/apple/market-cap

41- BUSH ‘OUT OF THESE TROUBLED TIMES . . . A NEW WORLD ORDER’ – The Washington post - https://www.washingtonpost.com/archive/politics/1990/09/12/bush-out-of-these-troubled-times-a-new-world-order/b93b5cf1-e389-4e6a-84b0-85f71bf4c946/

42- Definition of globalization / merriam-webste  / https://www.merriam-webster.com/dictionary/globalization

43- Does the World Trade Organization Actually Promote World Trade? - NO. 5, MAY 2003 - https://www.nber.org/digest/may03/does-world-trade-organization-actually-promote-world-trade

44- Exclusion, Community, and a Populist Political Economy: The Radical Right as an Anti-Globalization Movement - Andrej Zaslove – springerlink - 27 June 2008 - https://link.springer.com/article/10.1057/palgrave.cep.6110126?error=cookies_not_supported&error=cookies_not_

(204)

supported&code=42280719-969e-4b8a-8b2f-a50dd4888a6d&code=2dba9671-4ff1-4fd0-beb4-8f57325a559a

45- Forbes World’s Billionaires List The Richest in 2022/Kerry A. Dolan & Chase Peterson-Withorn / Forbes/ https://www.forbes.com/billionaires/

46- Friedrich A. Hayek – Mises Institute - https://mises.org/profile/friedrich-hayek

47- Friedrich August Hayek / David R. Henderson /  Ecolab/ https://www.econlib.org/library/Enc/bios/Hayek.html

48- George Soros Bet Big on Liberal Democracy. Now He Fears He Is Losing./Michael Steinberger / The New York Times Magazine / 17-7-2018 / https://www.nytimes.com/2018/07/17/magazine/george-soros-democrat-open-society.html

49- Is the UN a friend or foe? - Charles T. Call, David Crow, and James Ron–Brookings - October 3, 2017  - https://www.brookings.edu/blog/order-from-chaos/2017/10/03/is-the-un-a-friend-or-foe/

50- LGBT Rights–Gallup - https://news.gallup.com/poll/1651/gay-lesbian-rights.aspx

(205)

51- Los paraísosfiscalesmásimportantes del mundo / Juan Pedro Fernández / 28-06-2021 / https://www.muynegociosyeconomia.es/economia-y-finanzas/fotos/los-paraisos-fiscales-mas-importantes-del-mundo-561624894693-1/7

52- Marriages and Divorces - Esteban Ortiz-Ospina and Max Roser – ourworldindata - https://ourworldindata.org/marriages-and-divorces

53- Milton Friedman 1912-2006/ Econlib/ https://www.econlib.org/library/Enc/bios/Friedman.html

54- Milton Friedman Biographical / The Nobelprize / https://www.nobelprize.org/prizes/economic-sciences/1976/friedman/biographical/

55- Neoliberalism & Social Control - Arianna Marchetti – philosophy now - https://philosophynow.org/issues/139/Neoliberalism_and_Social_Control

56- Relationship Quality among Cohabiting versus Married Couples - US National Library of Medicine /National Institutes of Health- 16 Dec 2015 - https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC6002150/

57- Remarks at the Aspen Institute Symposium in Aspen, Colorado - 1990-08-02 – George H. Bush - https://bush41library-tamu-edu.translate.goog/archives/

(206)

public-papers/2128?_x_tr_sl=en&_x_tr_tl=ar&_x_tr_hl=ar&_x_tr_pto=op,sc

58- Soros on Russian ethnic nationalism/FAREED ZAKARIA / CNN / 25-5-2014/ https://cnnpressroom.blogs.cnn.com/2014/05/25/soros-on-russian-ethnic-nationalism/?fbclid=IwAR2_MmpKSiHO-26KeyXBQP4bTKauoRO6HUlnoxd3mNUGbkvyHh0sm44KSyU

59- The Biggest Companies in the World in 2021 / Jenna Ross / visualcapitalist / June 10, 2021 / https://www.visualcapitalist.com/the-biggest-companies-in-the-world-in-2021/

60- The George Soros philosophy – and its fatal flaw /Daniel Bessner/ The Guardian / 6-7-2018/ https://www.theguardian.com/news/2018/jul/06/the-george-soros-philosophy-and-its-fatal-flaw

61- The LGBTQ+ Community Has $3.7 Trillion In Purchasing Power; Here’s How We Want You to Sell to Us.–entrepreneur-By / Nick Wolny- middle east – 10/June/2019 - https://www.entrepreneur.com/article/334983

62- What is the Third Way?–BBC -           Monday, September 27, 1999 - http://news.bbc.co.uk/2/hi/458626.stm

(207)

63- World’s billionaires have more wealth than 4.6 billion people / Oxfam / 20th January 2020 / https://www.oxfam.org/en/press-releases/worlds-billionaires-have-more-wealth-46-billion-people

64- «الطريق الثالث» في ضوء الأزمة الراهنة، صحيفة الغد الإلكترونية، نشر بتاريخ 25 /7/ 2011 على الرابط https://alghad.com/الطريق-الثالث-في-ضوء-الأزمة-الراهنة/

65- أبعد من اتفاقيّات التطبيع.. مشروع «الولايات المتّحدة الإبراهيميّة»، الميادين، نشر بتاريخ 25/ 9/ 2020 على الرابط https://www.almayadeen.net/analysis/1425818/أبعد-من-اتفاقيات-التطبيع---مشروع--الولايات-المتّحدة-الإبراهيم.

66- احتجاجات صاخبة تُخّيم على قمّة إيفيان، الوحدة الدوليّة لهيئة الإذاعة والتلفزيون السويسريّة SWI، نشر بتاريخ 2-62003 على الرابط https://www.swissinfo.ch/ara/احتجاجات-صاخبة-ت-خ-يم-على-قمة-إيفيان/3340150.

67- أرقام صادمة في اليوم العالمي للقضاء على العنف ضدّ المرأة /DW/ نشر بتاريخ 25/ 11/ 2021 على الرابط https://www.dw.com/ar/أرقام-صادمة-في-اليوم-العالمي-للقضاء-على-العنف-ضد-المرأة/a-59912781

68- اشتعال الاحتجاجات في السويد ضدّ ممارسات «السوسيال» مع أطفال المهاجرين، صحيفة الخليج، نشر بتاريخ 11/ 2/ 2022 على الرابط https://www.alkhaleej.ae/2022-02-11/اشتعال-الاحتجاجات-في-السويد-ضد-ممارسات-السوسيال-مع-أطفال-المهاجرين/العالم/سياسة

(208)

69- الاقتصاد العراقي: التحدّيات والخيارات، سرمد كوكب الجميل ونمير أمير الصائغ وعدي سالم، مركز صنع السياسات للدراسات الدوليّة والإستراتيجيّة، نشر بتاريخ 11/ 8/ 2018 على الرابط https://www.makingpolicies.org/ar/posts/economy.arabic.php

70- إمام مسجد فرنسي: «الإسلام لم يحرّم المثليّة الجنسيّة»/ DW/ 2-5-2016/ https://www.dw.com/ar/إمام-مسجد-فرنسي-الإسلام-لم-يحرم-المثلية-الجنسية/a-19228141

71- الأمم المتّحدة وضرورة إصلاح هيكلي يتجاوز «الخمس الكبار»(مقال تحليلي، البروفسور طارق أوغوزلو، وكالة الأناضول، نشر بتاريخ 22/ 9/ 2017 على الرابط

https://www.aa.com.tr/ar/أخبار-تحليلية/الأمم-المتّحدة-وضرورة-إصلاح-هيكلي-يتجاوز-الخمس-الكبارمقال-تحليلي/916562

72- انتقادات ضدّ منظّمة التجارة العالميّة، محمّد ولد عبد الدائم، موقع الجزيرة الإلكتروني، نشر بتاريخ 3/ 10/ 2004 على الرابط https://www.aljazeera.net/2004/10/03/انتقادات-ضد-منظّمة-التجارة-العالميّة#اقتصادية

73- إنصافاً للمنظّمات الاقتصاديّة الدوليّة، ريتشارد وود وارد، trends– نشر بتاريخ 30/ 7/ 2020 على الرابط https://trendsresearch.org/ar/insight/إنصافاً-للمنظمات-الاقتصاديّة-الدوليّة/

74- البابا فرانسيس الأول: من أنا لأحكم على مثليي الجنس؟- BBC

 

(209)

عربي- 29/7/2013- https://www.bbc.com/arabic/worldnews/2013/07/130729_pope_gay_people

75- التاريخ الاقتصادي للأرجنتين، المعرفة، نشر على الرابط https://www.marefa.org/التاريخ_الاقتصادي_للأرجنتين/simplified#cite_note-ucematgu-74

76- تاريخ ظهور الشركات المُتعدّدة الجنسيّات والنظريّات المفسّرة لدوافع نشأتها، SAKHRI Mohamed، الموسوعة الجزائريّة للدراسات السياسيّة والإستراتيجيّة، 21/ 11/ 2018، https://www.politics-dz.com/تاريخ-ظهور-الشركات-المُتعدّدة-الجنسيّات/

77- ترامب يدافع عن الانسحاب من اتفاق باريس للمناخ، فرانس 24، 22/ 11/ 2020 https://www.france24.com/ar/الأخبارالمستمرة/20201122-ترامب-يدافع-عن-الانسحاب-من-اتفاق-باريس-للمناخ

78- تقرير العولمة الجديد: ثلاثة اتجاهات كبرى قد تؤثّر في مستقبلنا- الأمم المتّحدة- 19/10/2019- https://www.un.org/development/desa/ar/news/intergovernmental-coordination/new-globalization-report.html

79- دافوس 2020: كلّ ما تريد معرفته عن المنتدى الاقتصادي العالمي - دانيال توماس - BBC عربي- 19-1-2020/ https://www.bbc.com/arabic/business-51160664

80- دائرة الحقوق.. دليـل تدريـبي لدعـاة الحقـوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقـافيّة - جامعة مينيسوتا - ص524 - نشر على الرابط http://hrlibrary.umn.edu/arab/M27.pdf

 

(210)

81- رييوا .. عصر إنصاف المرأة اليابانيّة– بوابة الأهرام – نشر بتاريخ 5/1/2020 على الرابط https://gate.ahram.org.eg/News/2345438.aspx

82- سؤال محيّـر: ماذا ينتظر العالم بعد نهاية الأحاديّة القطبيّة؟ - swissinfo.ch– نشر بتاريخ 15/9/2008  على الرابط https://www.swissinfo.ch/ara/سؤال-محي-ـر--ماذا-ينتظر-العالم-بعد-نهاية-الأحادية-القطبية-/399460

83- عولمة أفضل قد تنهض من رماد العولمة المفرطة/ داني رودريك/  شبكة النبأ المعلوماتيّة / 12-5-2022/

https://annabaa.org/arabic/referenceshirazi/31088

84- فلسفة تاجر ثورات/ جمال غصن / جريدة الأخبار/ 14-1-2022/ https://al-akhbar.com/Politics/327902

85- الفوضى الخلّاقة وتداعياتها على الأمن الإقليمي– دينا رحومة فارس – المركز الديمقراطي العربي – نشر بتاريخ 7/8/2015 على الرابط https://democraticac.de/?p=17753

86- فوكسكون.. أكبر معمل تقني يدفع ثمن الحرب التجاريّة / كاثرين هيلي / جريدة الاقتصاديّة – 24/6/2019 على الرابط https://www.aleqt.com/2019/06/24/article_1623166.html

87- كلاوس شواب وصعود منتدى “دافوس”، صحيفة الغد، نشر بتاريخ 25/ 7/ 2011 على الرابط https://alghad.com/كلاوس-شواب-وصعود-منتدى-دافوس/

88- كيف تتمّ عمليّة التحوّل الجنسي بالتفصيل؟ - أنا أصدّق العلم –

(211)

نشر بتاريخ 29/ 4/ 2018 على الرابط

 https://www.ibelieveinsci.com/?p=47295

89- كيف تتمزّق سمعة النيوليبراليّة تحت أقدام المتظاهرين في شيلي؟ - محمّد جاد – صحيفة المنصّة – نشر بتاريخ 2/11/2019 على الرابط

https://almanassa.com/ar/story/13137

90- لعب «البايسبول الدستوري» في العالم الديمقراطي، رفيق خوري، عربيّة Independent– 14/ 9/ 2019 على الرابط

https://www.independentarabia.com/node/55861/آراء/لعب-البايسبول-الدستوري-في-العالم-الديمقراطي

91- لغز جورج سوروس، وهل هو حقّاً من يحكم العالم!، مجيد الهماشي، كتابات، 12-4-2021.

https://kitabat.com/2021/04/12/لغز-جورج-سوروس-وهل-هو-حقا-من-يحكم-العال/

92- ما قصّة «دعه يعمل.. دعه يمر» - صحيفة القبس – نشر بتاريخ 9/2/2018 على الرابط

https://alqabas.com/article/499448-ما-قصة-دعه-يعمل-دعه-يمر

93- ما هي البرجوازيّة، محمّد مروان، موقع موضوع، نشر بتاريخ 13/1/2020 على الرابط https://mawdoo3.com/ما_هي_البرجوازيّة#cite_note-Lqo9pCDGyC-4

94- ما وراء «اتفاقيّة إبراهيم».. أرقام ومواقف وبيانات، روسيا اليوم،

(212)

نشر بتاريخ 14/ 8/ 2020 على الرابط

 https://arabic.rt.com/world/1144172 -ما-وراء-اتفاقية-إبراهيم-أرقام-ومواقف-وبيانات//

95- مرّة أخرى.. بين الليبراليّة والنيوليبراليّة، أحمد فرحات، العربي الجديد – 14/7/2015 - https://www.alaraby.co.uk/مرة-أخرى-بين-الليبراليّة-والنيوليبراليّة

96- مظاهرات ضدّ العولمة في أوروبا وأعمال عنف في آسيا أثناء الاحتفالات بيوم العمّال، صحيفة الشرق الأوسط، نشر بتاريخ 2/5/2001 على الرابط

https://archive.aawsat.com/details.asp?issueno=8070&article=37930#.Yl5ZBujP2M8

97- معجزة تشيلي، المعرفة، نشر على الرابط https://m.marefa.org/معجزة_تشيلى#cite_ref-16

98- من هي الطبقة الوسطى، د. مظهر محمّد صالح، شبكة الاقتصاديين العراقيين،  نشر بتاريخ 17/ 12/ 2014 على الرابط http://iraqieconomists.net/ar/2014/12/17/د-مظهر-محمد-صالح-الطبقة-الوسطى-في-العر/

99- مؤسّسة المجتمع المنفتح وجورج سوروس/ Open Society Foundations/ 1-12-2020/

https://www.opensocietyfoundations.org/newsroom/open-society-foundations-and-george-soros/ar

(213)

100- ميلتون فريدمان – الجزيرة – نشر بتاريخ 31/ 5/ 2015 على الرابط

https://www.aljazeera.net/encyclopedia/icons/2015/5/31/ميلتون-فريدمان

101- النيوليبراليّة والسيطرة على العولمة بسلاح فايروس كورونا المستجدّ – د. حذيفة المشاقبة – وكالة عمون الإخبارية – 28/ 4/ 2020.

https://www.ammonnews.net/article/533521

102-  هل تمتدّ موجة LGBT لتشمل الشرق الأوسط؟ - روسيا اليوم – نشر بتاريخ 30/ 11/ 2020 على الرابط

https://arabic.rt.com/press/1178484-هل-تمتد-موجة-lgbt-لتشمل-الشرق-الأوسط/

103- اليوم الدولي للأخوّة الإنسانيّة 4 شباط/فبراير– الأمم المتّحدة

–https://www.un.org/ar/observances/human-fraternity

 

(214)
المؤلف في سطور حيدر محمد الكعبي الاسم : حيدر محمد الكعبي . التولد : النجف 1979 - السكن : النجف / حي النداء - مجمع قنبر السكني . الشهادة الاكاديمية : دبلوم تقني . المنصب الحالي : نائب رئيس مركز المحسن لثقافة الاطفال في العتبة العلوية المقدسة . التخصص المهني : محرر ورسام في ادب الطفولة / باحث في الشؤون الاجتماعية والاعلامية . 1- المهام : - محاضر في مؤسسة التمسك بالثقلين للتوجيه الثقافي منذ 2017 . - عضو في لجنة المرأة والطفل في مشروع النجف عاصمة الثقافة الاسلامية 2012. - عضو في لجنة متابعة جنوح الاحداث في النجف الاشرف / العتبة العلوية 2018. - عضو مؤسس لفريق الصافات الاعلامي 2010. - سكرتير تحرير مجلة الولاية الصادرة عن العتبة العلوية 2016-2012. - مدير تحرير مجلة قنبر الصادرة عن العتبة العلوية منذ 2013. - مدير شعبة إعلام فرقة الامام علي القتالية لعام 2015. 2- النتاج الفكري والثقافي : - كتاب قضايا اجتماعية من الواقع الشيعي العراقي الراهن 2021 / فريق صافات . - كتاب دور المرجعية الدينية في مظاهرات تشرين (بالاشتراك مع مع علي العيساوي) 2021 - / المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية . - ملحق التطرف الديني .. أسبابه انعكاساته علاجه 2014 / المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية . - ملحق الاعلام الشيعي .. الواقع والطموح 2015 / المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية . - ملحق هوليوود تستهدف الدين (بالاشتراك مع محمد علي العسكري) 2016 / المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية . - ملحق الجامع لأهم المواقع الالكترونية (بالاشتراك مع عادل الفتلاوي) 2017 / المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية . - ملحق فضائيات الاطفال واخطارها MBC3 و CN انموذجا 2017 / المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية . - ملحق الالعاب الالكترونية واثرها الفكري والثقافي 2017 / المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية . - ملحق ازمة الشباب المسلم في عصر العولمة 2018 / المركز الاسلامي للدراسات. الاستراتيجية . - ملحق الدراما التلفزيونية وأثرها في المجتمع 2019 / المركز السلامي للدراسات الاستراتيجية . - قصة كنز من الجحيم / سيناريو ورسوم 2018 / العتبة العلوية المقدسة . - قصة مشكلة دلال / سيناريو 2019 / العتبة العلوية المقدسة . - قصة مقتل مارشال / سيناريو ورسوم 2019 / العتبة العلوية المقدسة . - قصة جندي السلام / سيناريو 2020 / العتبة العلوية المقدسة . - فلم (السيل والسد - الجزء الاول) سيناريو واخراج 2012- / فريق الصافات. - فلم (السيل والسد - الجزء الثاني) سيناريو واخراج 2017 - / فريق الصافات .
هذا الكتاب العولمة المنشأ والمنجز والمآل هذا الكتاب (العولمة) ، لا يدخل في التكرار البحثي ، كأن يسعى الى اضافة رقم جديد للمؤلفات التي تناولت العولمة ، كما أنه لا يهتم بالتعريف المجرد للمصطلح ومفهومه الاكاديمي ، وانما يحاول ان يجمع شتات الافكار المعقدة والمتقاطعة حول العولمة ليصبها في قالب منظم واضح المعالم . على الرغم من ان كثيرا من المفكرين العرب قد اثروا الساحة الفكرية بكتاباتهم عن العولمة ، الا ان هذه الكتابات لم تعمل على تحريك النقاش في المؤتمرات الفكرية والنوادي الادبية ووسائل الاعلام ومجالات الفن لدينا ، لذا فإن مسعانا من الدخول مجددا على هذا المفهوم فإنما من أجل ان لا يبقى غريبا على تلقيات الذهنية الثقافية الخاصة في مجتمعاتنا . المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية http://www.iicss.iq islamic.css@gmail.com
 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف