فهرس المحتويات

مقدمة المركز: | 7

مقدمة المؤلف: | 8

الفصل الأول: طبيعة الحضارة الغربيّة وتطورها التاريخي | 15

الحضارة الإغريقيّة.. نقطة بدء الحضارة الغربيّة: | 17

الحضارة الرمانية.. كمرحلة على الطريق: | 21

نقد الفلاسفة الماديين الغربيين: | 39

مفهومي القومية والوطنية في الغرب: | 43

هل الحضارة الغربية إلى الزوال، وأوروبا إلى الانتحار؟ | 48

صفات الحضارة الغربية: | 51

الفصل الثاني: أسس ودوافع نقد الغرب وحضارته | 61

أولاً – البعد الديني العقدي: | 67

ثانيًا – النزعة المادية الصرفة | 73

ثالثاً – أساس السعادة واثالثًا لشقاء | 76

رابعًا – الأساس الأخلاقي | 77

الفصل الثالث: موقف المسلمين من الغرب والحضارة الغربية | 81

موقف الحكومات من الحضارة الغربية | 82

الجانب الأول: الجانب الإيجابي في العلاقة | 87

الجانب الثاني: الجانب السلبي في العلاقة | 90

هل هناك علاقةٌ بين المسيحيّة و الحضارة الغربيّة؟ | 97

موقف المسلمين من الحضارة الغربية.. كيف كان؟ | 103

محاربة العنف | 117

الفصل الرابع: العداء بين الشرق والغرب | 119

المظاهر - الأسباب - النتائج عند الندوي | 120

أولاً- أسباب العداء بين الشرق والغرب | 120

ثانيًا- الندوي ومظاهر العداء بين الشرق والغرب | 125

استراتيجيات الاستشرق الخبيثة: | 139

الفصل الخامس: تاريخية الصراع بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية (أدوات الصراع) | 167

حركة التغريب التركيّة | 168

الفصل السادس: الغرب وأسباب التغريب في العالم الإسلامي وعلاجها | 199

نظام التعليم الغربي: | 200

الفصل السابع: مستقبل العلاقة بين الإسلام والغرب | 215

العبقري العصامي ودوره الحضاري: | 224

ثورة التفكير والدور الحضاري المأمول: | 227

وماذا عن مركب النقص؟ | 234

التدجيل في الحضارة الغربية: | 235

مخطط العلاقة بين الإسلام والغرب: | 236

 

فهرس المحتويات

مقدمة المركز:7

مقدمة المؤلف:8

الفصل الأول: طبيعة الحضارة الغربيّة وتطورها التاريخي15

الحضارة الإغريقيّة.. نقطة بدء الحضارة الغربيّة:17

الحضارة الرمانية.. كمرحلة على الطريق:21

نقد الفلاسفة الماديين الغربيين:39

مفهومي القومية والوطنية في الغرب:43

هل الحضارة الغربية إلى الزوال، وأوروبا إلى الانتحار؟48

صفات الحضارة الغربية:51

الفصل الثاني: أسس ودوافع نقد الغرب وحضارته61

أولاً – البعد الديني العقدي:67

(3)

الفهرس

ثانيًا – النزعة المادية الصرفة73

ثالثًا – أساس السعادة والشقاء76

رابعًا – الأساس الأخلاقي77

الفصل الثالث: موقف المسلمين من الغرب والحضارة الغربية81

موقف الحكومات من الحضارة الغربية82

الجانب الأول: الجانب الإيجابي في العلاقة87

الجانب الثاني: الجانب السلبي في العلاقة90

هل هناك علاقةٌ بين المسيحيّة و الحضارة الغربيّة؟97

موقف المسلمين من الحضارة الغربية.. كيف كان؟103

محاربة العنف117

الفصل الرابع: العداء بين الشرق والغرب119

المظاهر - الأسباب - النتائج عند الندوي120

أولاً- أسباب العداء بين الشرق والغرب120

(4)

الفهرس

ثانيًا- الندوي ومظاهر العداء بين الشرق والغرب125

استراتيجيات الاستشرق الخبيثة:139

الفصل الخامس: تاريخية الصراع بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية (أدوات الصراع)167

حركة التغريب التركيّة168

الفصل السادس: الغرب وأسباب التغريب في العالم الإسلامي وعلاجها199

نظام التعليم الغربي:200

الفصل السابع: مستقبل العلاقة بين الإسلام والغرب215

العبقري العصامي ودوره الحضاري:224

ثورة التفكير والدور الحضاري المأمول:227

وماذا عن مركب النقص؟234

التدجيل في الحضارة الغربية:235

مخطط العلاقة بين الإسلام والغرب:236

(5)

 

مقدمة المركز

تهدف سلسلة «نحن والغرب» إلى إحياء وتفعيل الحركة المعرفية والنقدية حيال قيم الغرب في الثقافة العربية والإسلامية المعاصرة.

تقوم منهجية هذه السلسلة على تظهير أعمال مفكرين وعلماء من الذين أثروا الثقافة العربية والإسلامية بإسهامات نقدية وازنة في سياق المساجلات والمناظرات مع الأفكار والمفاهيم الغربية ولا سيما منها التي ظهرت بالتزامن مع تدفقات الحداثة وما رافقها من عمليات توسع استعماري إلى بقية العالم.

إن المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية إذ يقدّم هذه السلسلة إلى القرّاء يحدوه الأمل بأن يُسهم هذا المسعى المعرفي في تنشيط فضاءات التفكير النقدي وتأسيس مناخات فكرية جادّة في العالمين العربي والإسلامي.

 * * *

في هذا الكتاب يتطرق الباحث الدكتور محمود كيشانه إلى تظهير مشروع الندوي الفكري والمعرفي في نقد الغرب ضمن سبعة فصول تتضمّن تبيين حضارة الغرب واسسها المعرفية وموقف المسلمين منها، زائدًا الإشارة إلى تاريخ الصراع بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية لينتهي إلى وضع معالجات لحالة التغريب في العالم الإسلامي ومحاولة استشراف مستقبل العلاقة بين الإسلام والغرب.

والله ولي التوفيق

المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية

(7)

 

مقدمة المؤلف:

تبدو قضية الإسلام والغرب من القضايا المهمّة على الساحة الفكريّة المعاصرة، ذلك أنّها تبيّن بوضوحٍ حدود العلاقة بينهما، وما يعتورها من إشكالياتٍ ومعوّقاتٍ لا يمكن الوقوف عليها إلا بالدراسة المتأنية، فضلاً عن أنّها تضع أطرًا محدّدةً وهادفةً للعلاقة المستقبليّة بينهما.

وتزداد قضية الإسلام والغرب أهميّةً إذا تناولناها مستحضرين نموذجًا من النماذج الفكرية الإسلامية، التي لم تقف موقف الانبهار من الحضارة الغربية، وإنما وقفت منها موقف الند للند، وعنينا بذلك «أبو الحسن الندوي» المفكر الإسلامي الذي لم يأل جهدًا في سبيل كشف الخبايا التي تنطوي عليها الحضارة الغربية بمختلف أبعادها، فوجّه النقد إليها منطلقاً من الجذور، وبيّن تهافتها، ومناطق الزلل فيها، وأشار إلى الكيفيّة التي من خلالها يتغلّب المسلمون على مخططاتها.

لقد كانت قضيّة الإسلام والغرب هي شغل الندوي الشاغل، فقد أعطاها الكثير من وقته وجهده، وكأنّه كان يحاول أن يضع خريطةً واضحةً يمكن من خلالها أن يسير المسلمون عليها في علاقتهم بالغرب والحضارة الغربيّة، وهو طريقٌ مبنيٌّ ـ في التحليل الأخير ـ على أسسٍ عقديّةٍ في المقام الأول، فقد نقد الحضارة الغربية بالدين، ونقد الفكر الغربي وأعلامه بالدين، وجعل من الدين نبراسه وسراجه الذي يضيء له الطريق في الكشف عن هذه العلاقة بكلّ أبعادها ومحاورها وتفاصيلها.

وتبدو أهميّة دراسة علاقة الإسلام بالغرب عند أبي الحسن الندوي ملحّةً في تلك الفترة من تاريخ الأمة الإسلامية، التي صارت مرتعًا للغرب يتدخل في شؤونها بين الفينة والأخرى، رجاء مصلحةٍ هنا أو منفعةٍ هناك، في ظلّ عصرٍ أصبح كلُّ

(8)

شيءٍ يُقاس فيه بمقدار ما يجلبه من منفعةٍ، ويُمثل موقف الندوي هنا المصباح الذي يكشف ستر هذه الحضارة، فينير العقول، ويخلع عليها سبيلاً من الفهم لا تدركه إلا به.  

والغريب أنّه على الرغم من أهميّة هذه القضية، وأهمية الشخصية التي عالجت هذه القضيّة في دراساتٍ متعدّدةٍ إلاّ أنّها لم تنل حظًا من الدراسة والبحث، إذ لم نجد أحدًا تطرق إلى قضيّة الإسلام والغرب عند الندوي، في حين تمّ تناول شخصيّتة من جوانب فكريّة أخرى، إلا أنها أيضًا كانت دراسات في الغالب في شكل مقالٍ أو بحثٍ، أما كقضيّةٍ جوهريّةٍ كالتي نحن بصددها في هذا الكتاب فلم يتطرق إليها أحد.

وهنا تُثار مجموعة من التساؤلات: إلى أيّ مدى استطاع الندوي أن يحيط بأبعاد القضيّة القائمة بين الإسلام والغرب؟ وما الجهود التي بذلها في هذا الصدد؟ وما طبيعة الحضارة الغربيّة وتطورها التاريخي؟ وما الأسس التي بنى عليها نقده للحضارة الغربية؟ وهل هذه الأسس تعبّر عن روح الدين، أم العقل، أم الاثنين معًا؟ هل استطاع أن يكون على درايةٍ بمواقف المسلمين المختلفة من الحضارة الغربية والفكر الغربي؟ وما هي عوامل الاحتقان بين الشرق والغرب؟ هل هناك تشويهٌ ممنهجٌ وتضييق؟ وما مظاهر العداء بين الشرق والغرب وأسبابه ونتائجه؟ وكيف كانت وجهة نظره في تاريخيّة العلاقة بين الحضارة الإسلاميّة والحضارة الغربية؟ كل هذه الأسئلة والإشكاليات تطرق إليها الندوي في تناوله لتلك القضيّة محاولاً الإجابة عليها انطلاقاً من وازعه الديني.

عمدنا في هذا الكتاب لتحليل رأي الندوي في كلّ محورٍ من محاور قضيّة الإسلام والغرب، والمقارنة بينه وبين من سبقوه وأدلوا بدلوهم في القضية من أمثال: محمد إقبال، ومحمد أسد وغيرهما. كما قمنا بتوجيه النقد للعديد من الأفكار والأطروحات والآراء.

(9)

أما أبو الحسن الندوي. فهو مفكرٌ إسلاميٌّ وداعيةٌ هنديٌّ ولد بقرية تكية، مديرية رائي بريلي، الهند عام(1333هـ/1913م) وتوفي في 31 ديسمبر 1999 الموافق 23 رمضان 1420هـ[1]. هو عليٌّ أبو الحسنِ بن عبد الحي بن فخر الدين الحسني ـ ينتهي نسبه إلى عبد الله الأشتر بن محمد ذي النفس الزكية بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب. هاجر جدّه وهو الأمير قطب الدين محمد المدني (م 677هـ) إلى الهند في أوائل القرن السابع الهجري[2].

توفي والده وهو دون العاشرة، فأشرف أخوه الكبير على تربيته. حفظ القرآن، وتعلم الأردية والإنجليزية والعربية، ثم التحق بجامعة لكهنؤ، وهي جامعةٌ تدرس العلوم المدنيّة باللّغة الإنجليزية، وفيها قسمٌ لآداب اللّغة العربيّة، اختاره أبو الحسن عن شوق، ثم التحق بدار العلوم لندوة العلماء عام 1929م، ليلاقي كبار علماء الهند، وليحضر دروس الشريعة عندهم، ولكنّه لم يرتوِ بعد فالتحق بديوبند مدّة شهورٍ، ثم سافر إلى لاهور، وقرأ التفسير القرآني على كبار علمائها، وتحققت أمنيته بلقاء شاعر الإسلام محمد إقبال، فجالسه وأفاد منه، وعُيّن –بعد ذلك- مدرسًا بدار العلوم لندوة العلماء في عام 1934م[3].

يُعَدُّ أبو الحسن الندوي من أشهر العلماء المسلمين في الهند، تميّز بكتاباته الغزيرة وإسهاماته الثريّة في الفكر الإسلامي، وكان كثير السفر، إذ تنقّل في مختلف أنحاء العالم لنصرة قضايا المسلمين والدعوة للإسلام وشرح مبادئه، وإلقاء المحاضرات في الجامعات والهيئات العلمية والمؤتمرات. دفعته همته الباكرة -صغيرًا- إلى كتابة مقالٍ تاريخيٍّ، وعمره (18 سنة) يتحدث فيه عن جده

(10)

المجاهد أحمد بن عرفان شهيد الإسلام، وبعث به إلى (مجلّة المنار) المصرية التي يقوم عليها العلامة محمد رشيد رضا فنشره، وبدأ الندوي الدعوة إلى الله على المنابر خطيبًا. ثم سافر إلى (دلهي) في رحلةٍ علميةٍ، فالتقى بعالمها الكبير الشيخ محمد إلياس. عزم الندوي أن يكون داعيةً بلسانه كما يكتب بقلمه، ولكنّه في نهاية المطاف رأى أنّ الأصلح أن يكون داعيةً رحّالةً في العالم الإسلامي كله، بدلاً من الدعوة في الهند فقط كما فعل شيخه إلياس. فرحل إلى الحجاز مراتٍ عديدةٍ، وإلى مصر، والمغرب، والشام، وتركيا، وزار أميركا، والدول الأوربية، وطاف بأكثر عواصم العالم الإسلامي، وكانت رحلاته عظيمةَ التأثير[1].
توفي أبو الحسن الندوي في (23 من رمضان 1420هـ = 31 من ديسمبر 1999م)، عن عمر ناهز 86 عامًا.

أمّا بالنسبة لأعماله، فقد عمل الندوي مدرّسًا بدار العلوم في لكنهؤ مدّة عشر سنوات، واشتغل بالصحافة، وساهم في الكتابة في مجلّة «الضياء”التي تصدر بالعربيّة،، ثم ترأس تحرير مجلّة «الندوة العلميّة»، ثم أصدر «مجلّة التعمير» النصف شهريّة بالأورديّة، ويعتبر أحد رؤساء التحرير لمجلّة «معارف» الأكاديميّة التي تمثّل المسلمين في شبه القارّة الهنديّة.[2]

كما أسّس جمعيّةً لنشر الإسلام بين الهنود، وتولّى رئاسة جامعة دار العلوم «ندوة العلماء» وأنشأ المجمع الإسلامي «أكاديمية البحوث الإسلاميّة» سنة (1959م)، وأسس حركة «رسالة الإنسانية» عام (1951م)، وأسس المجمع الإسلامي العلمي في لكهنؤ عام (1956م)، وشارك في تأسيس هيئة التعليم الديني للولاية الشماليّة عام (1960م)، وفي تأسيس المجلس الاستشاري الإسلامي لعموم الهند عام

(11)

(1964م)، وفي تأسيس هيئة الأحوال الشخصيّة الإسلاميّة لعموم الهند (1972م)، وفي تأسيس رابطة الأدب الإسلامي العالميّة (1986م[1].

نال عضويّة عدد من المجامع العلميّة والمؤسسات العالميّة مثل: رابطة العالم الإسلامي، والمجلس الأعلى العالمي للدعوة الإسلامية، ومركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، ومجامع اللغة العربيّة في دمشق والقاهرة وعمان وغيرها[2].

يمثل الندوي واحدًا من المفكرين الذين آلوا على أنفسهم تناول الفكر الغربي والحضارة الغربيّة دراسةً نقديّةً، فهذا المفكّر لم يرهب من التوسع المادي للحضارة الغربيّة فقد حاول كثيرًا أن يؤكّد على افتقار هذه الحضارة للجانب الروحي، وأنّها جاءت لتقضي على الإنسان روحيًا وأخلاقيًا لتصنع إنساناً آخر ذا نزعةٍ ماديّةٍ صرفةٍ.

لقد عاش الرجل مدافعًا عن الهويّة الإسلامية، رافضًا كلّ مظاهر الماديّة الحديثة، وقد تنوعت جهوده ما بين كتبٍ ألّفها لنقد الحضارة الغربيّة، وخطبٍ ألقاها في مساجد كثيرةٍ من مختلف بلدان العالم وخاصة العالم الغربي منها، ورسائل طرح فيها بعض آرائه وأفكاره في القضيّة.

لقد ركّز الندوي نقده على مركزيّة الغرب وحضارته القائمة على فلسفةٍ ماديّةٍ صرفةٍ من خلالها أصبح الغرب هو المركز في مقابل الآخر (التابع). ولذالك حذّر الندوي من الانبهار بالحضارة الغربيّة في جانبها المادي دون النظر إلى ما خلّفته ولا زالت تخلفه من آثارٍ سيّئةٍ على إنسانيّة الإنسان، حيث أصبح الأخير عبارة عن آلةٍ صماء تُؤمر فتُجيب.

ولا يخفى البعد الديني الذي كان ينطلق منه الندوي في نقده هذا، فقد كان

(12)

يخشى من انتصار النزعة الماديّة على الإنسان، والإنسان المسلم خاصة، فتبعده عن سمته الإيماني الروحي، فقد كان الواقع الغربي متمثلاً أمامه بكلّ سلبياته في الجانب الروحي، فرأى في ماديّة الحضارة الغربيّة المفرطة معوّلاً يهدم المعاني الروحية، لذلك كانت دعوته حثيثة إلى ضرورة الربط بين المادي والروحي في أيّ حضارةٍ إنسانيّةٍ، لأنّ التوازن بينهما هو السبيل الوحيد إلى إقامة حضارةٍ إنسانيّةٍ متوازنةٍ بحق، وتقود العالم إلى حياةٍ أفضل.

إنّ المتأمّل في كتب الندوي التي خصّصها للحديث عن إشكاليّة الحضارة الغربية يستطيع أن يجد بسهولةٍ تحليلاً راقيًا لهذه الحضارة بما تنطوي عليها من إشكاليات جمة، مبينًا بوضوح قدرة الأمة الإسلامية لمواجهتها. ولقد كان موقفه من الأمة الإسلاميّة موقفًا معتدلاً، نابعًا من قلب رجلٍ مؤمنٍ يدرك الخطر الحقيقي الذي يحيق بهذه الأمة، وفكرِ باحثٍ مدقّقٍ ومحلّل، وصاحب تجربة ودراية بالواقع، كلّ ذلك في أسلوبٍ أخذ يمزج فيه القلب بالعقل، والفكر بالعاطفة. أمّا المنهجيّة التي كان ينطلق منها، فهي تعتمد بالأساس على النقد الممزوج بالمقارنة، وهذا يمثل موقفًا شجاعًا لمفكرٍ وقف في وجه الحضارة الغربية مدافعًا عن عقيدته وهويّته اللتين لم تنالا اهتمام من قلّدوا هذه الحضارة، وجعلوها الملاذ الآمن للإنسانيّة التعيسة.

 ومن ثم فإنّ تناول الفكر النقدي الذي قدمه الندوي للغرب حضارةً وفكرًا يمثل حلقةً من حلقات كشف العلاقة التاريخيّة بين الإسلام والغرب.

وعليه فسوف نتناول الموضوع من حيث المحاور الآتية:

   أ – نظرةٌ شموليّةٌ حول علاقة الإسلام بالغرب عند الندوي.

   ب – الأسس التي بنى عليها نقده للغرب.

   ج – النتائج التي انتهى إليها، مع عرضها على ميزان التحليل والمناقشة.

   د – مستقبل العلاقة بين الإسلام والغرب.

(13)
(14)

 

 

 

 

 

الفصل الأول

طبيعة الحضارة الغربيّة وتطورها التاريخي

(15)

يخطئ من يظن أنّ الندوي كانت نظرته للحضارة الغربية نظرةً ضيّقةً، أو أنّ نظرته كانت سطحيّةً، فالندوي ومن خلال مؤلفاته كان على وعيٍ تامٍّ بطبيعة تلك الحضارة، وطبيعة الأدوار التاريخيّة التي مرت بها، فليست الحضارة الغربية عنده في القرن العشرين وليدة القرون المتأخرة التي تلت القرون المظلمة في أوروبا، أو أنّها حديثةٌ كما توهّم البعض، بل يرجع تاريخها -بنظر الندوي- إلى آلاف السنين.

يرى الندوي أنّ الحضارة الغربيّة سليلة الحضارة اليونانيّة والحضارة والرومانيّة، فقد خلفتهما في تراثهما السياسي والعقلي والمدني، وورثت عنهما كلّ النتاجات من ممتلكاتٍ، ونظامٍ سياسيٍّ، وفلسفةٍ اجتماعيّةٍ، وتراثٍ عقليٍّ وعلميٍّ، وانطبعت فيها ميول ونزعة وخصائص الحضارتين كلتيهما، بل انحدرت إليهما في الدم، “فقد كانت الحضارة اليونانية أول مظهرٍ رائعٍ ـ حفظه لنا التاريخ ـ للعقليّة الأوروبيّة، وأول حضارةٍ ـ سجلها التاريخ ـ قامت على أساس الفلسفة الأوروبيّة وتجلت فيها نفسيتها، وعلى أنقاضها قام صرح الحضارة الروميّة، تحمل روحًا واحدةً هي الروح الأوروبية. وظلّت الشعوب الأوروبية طيلة قرونٍ محتفظةً بخصائصها وطبيعتها، وارثةً لعلومها وفلسفتها وآدابها وأفكارها، حتى برزت بها في القرن التاسع عشر في ثوبٍ براقٍ يوهمك – بطلاوته وزهو ألوانه – أنّه جديد النسج، ولكن لحمته وسداه من نسج اليونان والرومان”[1].  

وقد انتبه البعض إلى حقيقة تأثير الحضارة الإغريقية في الحضارة العربية، ذاهبًا إلى أن هناك العديد من جوانب الحضارة الإغريقيّة التي يمكن ملاحظتها في الحضارة الغربيّة اليوم، ومن هذه الجوانب [2]:

(16)

الجانب الاقتصادي: لا تزال الحضارة الغربية تستخدم العديد من أفكار الحضارة الإغريقية، مثل أنظمة الري، والنظام العددي، فالحضارة الغربية توظف أنظمة الري لري المحاصيل في الأراضي التي يصعب الوصول إليها، كما كان الإغريق يفعلون قديماً، وتوظف النظام العددي لحفظ جرد الضرائب، والمنتجات، كما كانت تفعل الحضارة الإغريقة منذ زمن.

الجانب السياسي: سادت الأفكار الديموقراطيّة في الحضارة الإغريقية قديماً، ولا تزال هذه الأفكار موظفةً من قبل العديد من حكومات العالم، والحضارة الغربية تحديداً، وذلك لأنه نظامٌ يشرك الأفراد في اختيار الحكومات، كما أنه يُوحّد ويساوي بين كافة أفراد الشعب.

بيد أن الندوي يرى أنّ التأثير كان أكبر من ذلك، فهو تأثيرٌ في العقلية والتوجه العقدي يحاول أن يهمش الدين، وينظر نظرة مخالفٍ له، وينظر إلى العالم نظرةً ماديّةً، وهذا ما كان يجمع بين حضارة اليونان والحضارة الغربيّة المعاصرة.

ومن ثم عمل الندوي على دراسة خصائص الحضارة الإغريقية، والحضارة الرومانية، للوقوف على طبيعة كلّ منهما والاتجاه – روحيًا أو عقليًا – الذي تمثله، إيمانًا منه بأن الوقوف على طبيعة التطور التاريخي للحضارة الغربية يؤدي إلى تحليلها وانتقادها والحكم عليها بصورةٍ سليمةٍ.

الحضارة الإغريقيّة.. نقطة بدء الحضارة الغربيّة:

 لا شك في أنّ اليونان كانت أمّةً ذات إسهامٍ بالغٍ في تاريخ الفكر الإنساني، وتاريخ الحضارة العالميّة عامة، والغربيّة منها خاصة، وذلك لما أنتجته شريحةُ علمائها من أفكارٍ وقضايا وحلولٍ للعديد منها كانت مثارَ نقاشٍ كبيرٍ، وأخذٍ وردٍّ ظلّ قرونًا بعدها، بغض النظر عن قبولنا لها من عدمه. وقد أشاد الندوي بالحضارة

(17)

اليونانيّة – باعتبارها الإرهاصات الأولى للحضارة الغربيّة – قائلاً: “اليونان أمّةٌ موهوبةٌ، وتعدّ من أنجب أمم العالم وأذكاها، وأكثرها استعدادًا للعلم والأدب، ومن أخصبها أذهانًا وعقولاً، وقد مثلت في العالم دورًا خالدًا بفلسفتها وأدبها، ووفرة من نبغ فيها من العلماء والحكماء والعبقريين، تزهو بآثارهم مكتبات العالم”[1].

وقد حاول الندوي جهده الوقوف على طبيعة الحضارة اليونانية، محاولاً سبر أغوارها، والنظر إليها نظرةَ تحليلٍ ونقدٍ، صارفًا النظر عمّا تشترك فيه مع الحضارات الأخرى من مظاهر وظواهر، ومن ثم فقد بحث عن طبيعة هذه الحضارة وخصائصها، فوجد أنّها تمتاز بمجموعةٍ من المزايا تجعلها متفرّدةً عن الحضارات الأخرى، خاصة حضارات الشرق، وقد أجمل هذه المزايا في النقاط الآتية[2]:

الإيمان بالمحسوس، وقلّة التقدير لما لا يقع تحت الحسّ.

قلّة الدين والخشوع.

شدة الاعتداد بالحياة الدنيا، والاهتمام الزائد بمنافعها وشهواتها.

النزعة الوطنيّة.

إن الندوي كان يهدف من خلال هذه المزايا أن يؤكد على الطابع المادي للحضارة اليونانيّة، فشعار هذه الحضارة عنده هو الماديّة، ولعلّ هذا الجانب المادي يبرز أكثر ما يبرز في ميل هذه الحضارة إلى المحسوس، حتى المجرد يعملون على تصويره تصويرًا ماديًا، وما يدل على ذلك تصويرهم للذات الإلهيّة، فالإله في الفكر اليوناني ليس واحدًا، وإنما متعدد، فجعلوا هناك إلهًا للرحمة، وإلهًا للقسوة، وإلهًا للجمال، وإلهًا للحب، إلى غير ذلك، ونسبوا المادة إلى هذه الآلهة،

(18)

وصوروها في صورة الشيء المجسم الذي له شكل وجهة ومكان وزمان[1]، وهي الأمور التي تتنافى مع الله تعالى. 

وكأنّ الندوي يحاول أن يشير إلينا من طرفٍ خفيٍّ إلى أنّ الماديّة التي غلبت على الحضارة الغربيّة في العصر الحديث والمعاصر، إنما هي مجرد إرثٍ من الحضارة اليونانيّة الأم، فالاتجاه الغالب واحدٌ، وهو البعد عن كلّ ما هو روحي أخلاقي في الغالب.

وكانت قضيّة الإله أكثر القضايا الدالة على هذه الماديّة المقيتة، فالفلسفة اليونانيّة نفت الصفات الإلهيّة، وعملت على تعطيلها، بل لقد وصف أرسطو الذات الإلهية بكونها المحرك الذي لا يتحرك، فصور الله تعالى في هذا التصوير بالعجز وعدم القدرة، وهي أمورٌ استتبعها نفي أرسطو الاختيار عن الله تعالى والأفعال والخلق والأمر. فضلاً عن أن فلسفتهم تقوم على ربط هذا العالم بالعقل الفعل وحركات الأفلاك والكواكب، وليس الله تعالى، “فإنّه بطبيعة هذه العقيدة لا يقصد الله في حياته العملية إلا تقليدًا، ولا يرجوه، ولا يهابه، ولا يحبه، ولا يخر لعظمته، ولا يستغيث به في شدته، ولا يسبّح بحمده، ويعيش كأنّه لا إله ولا رب، فإذا سمعنا أنّ اليونان لم يكونوا خاشعين لله، وكانت عبادتهم وأعمالهم الدينية أجسادًا بغير أرواح، وأنهم كانوا يعظمون الله، كما كانوا يعظمون شيوخهم وكبارهم لم نستغربه البتة، وإنما نتعجب إذا سمعنا عكس ذلك”[2].

أما الوطنيّة فهي من لوازم الطبيعة الأوروبية، في رأي الندوي، بل إنّه يرى أنها أظهر وأقوى في أوروبا منها في آسيا، ويرجع ذلك إلى الطبيعة الجغرافية، حيث إنّ المناطق الطبيعيّة في آسيا واسعةٌ بصورةٍ كبيرةٍ، وتشمل مناخاتٍ متعددةً، وأنواعَ

(19)

كثيرةٍ من البشر، فضلاً عن أنّها غنيّةٌ وخصبةٌ في وسائل العيش، “فالمملكة في القارة الأسيويّة تجنح بحكم الطبيعة إلى السعة والعموم، وظهرت في أرضها، وازدهرت أوسع ممالك عرفها التاريخ، أما في أوروبا فالتنازع على البقاء فيها شديدٌ، والكفاح للحياة دائمٌ ومستمرٌّ، لتزاحم العمران، وضيق المناطق، وقلة وسائل العيش، وقد حصرت الجبال والأنهار الأجناس الأوروبية، في نطاقٍ ضيّقٍ طبعي دائم، وبالأخص الجزء الأوسط الغربي، والجزء الجنوبي من أوروبا، لا يسمح بوجود ممالك واسعة عظيمة، وقد شاءت طبيعة هذه القارة أن تكون منشأً لممالك ضيّقةٍ صغيرةٍ، لذا كان التصور السياسي في أوروبا في القديم لا يكاد يجاوز ممالك بلديّة، لا تزيد منطقتها على أميالٍ مستقلةٍ استقلالاً تامًا، وأكبر مظهر لهذا التصور أرض اليونان؛ حيث وجدت من أرض التاريخ عشرات من مدن صغيرة مستقلة”[1].    

وهو هنا يحاول أن يربط نشأة فكرة الوطنية بطبيعة المكان جغرافيًا، واعتبر بذلك أنها كانت فكرةً مناسبةً لتلك الدويلات الصغيرة، أو المدن غير المترامية الأطراف، وقد استدل على ذلك بالمدن اليونانية، ونحن نجد أن فكرته هنا تتماشى مع واقع تلك المدن في تلك الفترة، فقد اكتسبت أثينا شهرةً كبيرةً في بلاد اليونان، حتى إنّهم كانوا ينظرون لغير الأثيني نظرةً دونيّةً، بما يعني أنّ حقّ المواطنة الحقيقيّة كان للأثينيين، ولا أحد غيرهم، الأمر نفسه يقال على إسبرطة تلك المدينة التي نالت شهرتها الواسعة تاريخيًا، وغيرها من المدن التي كان فكرة الوطنية أو المواطنة فيها مقصورةً على أبنائها الخلص، لا الهجين. “فقد كان الأحرار والمتساوون هم المواطنون الأثينيون، لا البشر من حيث كونهم بشرًا”[2].

ولكي نتأكد من تلك الفكرة لا بدّ أن نرجع إلى ما كتبه أرسطو ذاته – ذلك

(20)

الفيلسوف اليوناني الذي جابت شهرته الآفاق – كانت فكرته في المدينة الفاضلة أو الجمهورية الفاضلة قائمةً على أساس التمييز بين ما هو يوناني، وما هو غير يوناني[1]، بل لقد كان لليوناني كلُّ الحقوق والمميزات، وليس لغيره أيٌّ من هذه الحقوق والمميزات.

نعم كان هناك حبٌّ للوطن في النظام الأخلاقي الأرسطي، لكنه لم يكن نظامًا يحتوي الجميع ليشمل غير اليونانيين، ومن ثم فقد كانت وطنيّةً نعم، ولكنّها نوعٌ من الوطنيّة المجحفة التي لا ترى وجودًا لجنسٍ غير الجنس الأثيني، لذلك فإن الوطنية اليونانيّة الأرسطية كانت نوعًا فجًا من الوطنية. بيد أنّ العذر الوحيد هنا هو أنهم أخذوا بفكرةٍ كانت في طور النشأة، وفي فترةٍ تاريخيّةٍ كانت في مرحلةٍ لا نستطيع أن نقارنها بالمرحلة التاريخية والعصر الذي نعيش فيه الآن. ومن المعلوم أنّ الفكرة لا تولد مكتملةً، بل تتعاور عليها السنون والأيام والأفكار التي ينتجها جيلٌ بعد جيلٍ، فتتطور، حتى تصل إلى مرحلة الفكرة الواضحة، وهذا ما حدث لفكرة الوطنية بالفعل.

الحضارة الرمانية.. كمرحلة على الطريق:

يرى الندوي أن اليونانيين خالفوا الروم، وفاقوهم في القوة والتنظيم للمملكة، واتساع الدولة، وصفات الجنديّة، لكنّهم لم يلحقوا بهم - في رأيه - في العلم والفلسفة والآداب والشعر والتهذيب واللباقة والمدنيّة التي كان للإغريق فيها فضلٌ وتقدمٌ على جميع الأمم المعاصرة، وعلى الروم أيضًا الذين كانوا لا يزالون في دورهم العسكري فخضعوا لهم من الناحية العملية، وتطفلوا على مائدتهم، واقتبسوا من علومهم وفلسفتهم وأفكارهم[2].

وهو متأثرٌ في ذلك بالمفكر ليكي الذي نقل عنه الندوي نصًا يقول فيه:

(21)

“إن اليونان كانت لهم ثروةً علميّةً ضخمةً أنتجوها، وزادوا فيها على مرِّ القرون والعصور، وكانت روما لا تزال في طورها الجندي، لا تملك أثرًا من الآثار الأدبيّة، بل كانت لغتها قاصرةً في التعبير على الأفكار والمعاني العالية، فغُلب الروم بتخلفهم وقصورهم في العلم، وانقلبوا صاغرين للمدينة اليونانية التي غلب أهلها في السياسة، ولم يزالوا مأخوذين بسحرهم في كلّ قسمٍ من أقسام العلم، فكان المؤرخون الأقدمون في الروم يؤلفون كتبهم باليونانيّة، واستمرت اليونانيّة لغة التأليف والعلم بعدما بدأ شعراء الروم ينظمون الشعر في اللاتينية”[1].

وهذا يعني في التحليل الأخير أن الروم تشبعوا بالحضارة اليونانيّة، وصاروا يتمثلونها في كلّ حياتهم، لا في الأدب والشعر والكتابة فحسب، بل صاروا يونانيين لحمًا ودمًا، في الحياة العامة والخاصة، في الأخلاق والاجتماع، في طريقة تفكيرهم وأساليب حياتهم، حتى صار الأمر محاكاةً بالفعل.

الندوي ـ من جانبه ـ وقف عند هذه المحاكاة مفسرًا ومحللاً وناقدًا أيضًا، فلم يكن لديه شك في أنّ الفلسفة اليونانية والثقافة اليونانية – وكذلك النفسيّة اليونانيّة ـ قد انتقلت من اليونان إلى الرومان، جرت منهم مجرى الروح والدم. نعلم أنّ الروم بطبيعتهم الأوروبية لم يكونوا يختلفون كثيرًا عن اليونانيين في الخصائص الفطرية، بل كان الندوي يرى أن هناك شبهًا كبيرًا بين الأمتين، وقد بنى موقفه هذا على أساس عدة أمور[2]:

الإيمان بالمحسوس ( المادية ) في الغالب.

الغلو في تقدير الحياة.

الشك في الدين، والضعف في اليقين، والاضطراب في العقيدة، والاستخفاف بالنظام الديني وطقوسه.

(22)

الاعتزاز بالقوميّة والتعصّب لها، وحبٌّ مفرطٌ للوطن.

الاعتداد بالقوة، والاحترام الزائد لها الذي يبلغ حد العبادة والتقديس.

ومن الأكيد ـ تأكيدًا على منزع الندوي في تأثير الحضارة اليونانية في الحضارة الرومانية ـ أنّ من المفكرين من ذهب إلى أن الحضارة الرومانية لم يكن لها فلسفة أصيلة، وإنما اتبعت الحضارة اليونانية، وفتحت بابها على مصرعيه أمام هذه الفلسفة الوافدة، واحتضنتها، وكانت أولى ثمار هذا الاحتضان التمسك بالنهج المادي، وتغليب الحسي على ما دونه من الروحانيات والعواطف[1].

إنّ الرومان كانت لهم ديانتهم، ولكنّها كانت ديانةً وثنيةً، تقوم على الخرافات والأساطير، وهذا يفسر سبب هذا الضعف الديني لديهم، والاستهزاء بكلّ ما هو مقدس، ومن ثم فإنّ أيّ موقفٍ دينيٍّ لديهم لا ينبني على أساسٍ صحيحٍ، وهذا يقودنا إلى إدراك الشبه بين الحضارة الرومانيّة والحضارة الغربيّة في العصر الحديث الذي حاوله الندوي تقريبه لنا، وهو أنّ الثانية سارت على خطوات الأولى نفسها، بما يعني أنّ الماديّة ورفض كلّ ما هو ديني يطغى على الغرب منذ بداية حضارته.

وهذا يقودنا إلى شيءٍ من الأهميّة بمكانٍ في فهم حضارة اليونان، وهو أنّ الدين فقد أهميته عندهم، ولم يبق لديهم شيءٌ من سلطانه الروحي، بل لقد وصل الأمر بهم إلى التجرؤ على الآلهة التي كانوا يعبدونها، وأنزلوها من مكانتها في قلوبهم التي لطالما تغنت بها، “فلم يكن للدين تأثيرٌ في أخلاق الأمة وسياستها ومجتمعها، لم يكن يملك عليهم شعورهم، وميولهم، ويراقب عليهم أخلاقهم ونزعاتهم، ولم

(23)

يكن دينًا عميقًا يحكم على الروح، وينبعث من أعماق القلب، بل كان تقليدًا من التقاليد، كانت السياسة تقتضي البقاء عليه، ولو بالاسم والرسم”[1].

يقول ليكي تأكيدًا على ما ذهب إليه الندوي: “إنّ الدين الرومي كان أساسه على الأثرة، ولم يكن يرمي إلا على رفاهة الأفراد، وسلامتهم من المصائب والمتاعب، والشاهد على ذلك أنه ظهر في روميّة مئات من الأبطال العظماء، ولكن لم ينهض فيها زاهد في الدنيا، عزوف عن ملذات الحياة، ولا تسمع مثالاً في تاريخ الروم للتضحية والإيثار إلا تجده لا تأثير فيه للدين، ولكن مبنيًا على الوطنية”[2].

إذاً، الندوي يحاول جاهدًا أن يدلل على أثر الحضارة الرومانية في الحضارة الغربية المعاصرة، باعتبار الأخيرة هي الوريثة الشرعيّة للأولى. فالنظرة الماديّة، وحبّ السيطرة على البشرية كانتا صفتان، أورثتهما الحضارة الرومانية للحضارة الغربية المعاصرة، وهذا ما أكده المفكر المسلم محمد أسد ـ إسلامي الديانة، ألماني الجنسية ـ في نصٍّ يقول فيه: “إنّ الفكرة التي كانت تسيطر على الأمبراطورية الرومانيّة هي احتكار القوة لها، واستغلال الأمم الأخرى لمصلحة الوطن الرومي فقط، لم يكن رجالها والقائمون عليها يتحاشون من أيّ ظلمٍ وقسوةٍ في سبيل حصول خفض العيش لطبقة ممتازة، أما ما اشتهر من عدل الروم، فلم يكن إلا للروم فقط. إنّ هذه السيرة لا يمكن أن تقوم إلا على إدراكٍ ماديٍّ محضٍ للحياة والحضارة، وإن كانت ماديتهم قد هُذّبت بذوقٍ عقليٍّ، ولكنّها بعيدةٌ عن جميع القيم الروحية. إنّ الروم لم يدينوا بالدين جديًا أبدًا، كانت آلهتهم التقليدية محاكاةً شاحبةً لأساطير الإغريق وخرافاتهم، وقد أمنوا بهذه الأرواح محافظةً على الرابطة الاجتماعية التي كانت تربطهم وتوحدهم، فلم يكونوا يسمحون لهذه الآلهة بالتدخل في حياتهم

(24)

العمليّة، كان لها أن يأذنوا أن تتكهن بالغيب ـ إذا سئلت عن ذلك ـ على لسان الكهان، ولكن لم يحلوا لها أبدًا أن تفترض شرائع أخلاقيّة على الناس”[1].

ومن ثم نفهم أن تأثير العامل الديني على الرومان كان ضئيلاً، بل لا ندعي مُنكرًا إذا قلنا أنّهم اتخذوا الدين في بعض الأحيان خدمةً لأغراضهم السياسيّة، أما أنّهم كانوا يمتلكون الوازع الديني القومي، فذلك ما لا نجده البتّة. وهناك نقطةٌ أخرى يجب الانتباه إليها وهي أن طبيعة الدين الوثني الذي كان يؤمن به الرومان، كان يميل إلى التجسيم والتصوير، تجسيم الآلهة، وتصويرها في صورة المادي، وهذا كلّه ـ في التحليل الأخير ـ ينزع فكرة القداسة عن الإله. فعندما كانوا يؤمنون بتعدّد الألهة، وينظرون إليها على أنها كائنٌ ماديٌّ مثلهم، كانت النتيجة الحتميّة هي انتزاع القدسيّة للإله من قلوبهم وعقولهم. ومن ثم يكون الدين محلّ شكٍّ كبيرٍ، وهذه هي طبيعة كلّ دينٍ لا يناسب الفطرة السليمة.

ولا شك في أنّ مجتمعًا كهذا تسود فيه الاستهانة بالدين والقيم الأخلاقية والإنسانية لا يرجى منه شيوع الجانب الروحي على المادي، فالمادية طغت بصورةٍ شنيعةٍ، ومن ثم فليس بعجيبٍ أن نرى انحطاطًا أخلاقيًا في كلّ أركان الدولة الرومانية، فقد هبطوا بإنسانيّتهم إلى مستوى البهيميّة والحيوانيّة، ولم يُغلّبوا الجانب الروحي الذي حرص المفكرون الحقيقيون في كلّ العصور على تغذيته للرقي بالنفس الإنسانيّة، ودأوبوا لنقل الإنسان من الساحة الحيوانيّة إلى ساحة العقل والروح.

بيد أنّ الندوي كان يرى أنّ تنصّر الروم صنع بعض التحول في الدولة الرومانيّة، لكنه ليس تحولاً كبيرًا على الإطلاق، وهي ـ في رأيه ـ حادثةٌ عظيمةٌ يجب أن ينوه بها التاريخ، فقد كان اعتلاء النصرانيّة عرش روما الوثنيّة، وجلوس قسطنطين الذي اعتنق المسيحيّة على سرير الأباطرة عام 305 م، يمثل انتصارًا كبيرًا، انتصرت فيه

(25)

النصرانية على الوثنية، ونالت ما لم تكن تحلم به ـ كما يرى الندوي ـ من ملك عريضٍ ودولةٍ مترامية الأطراف، وكلمةٍ لا تعلوها كلمة، وحيث إنّ قسطنطين توصل إلى الحكم عبر جسرٍ من أشلاء النصارى، وأنهارٍ من دمائهم التي أريقت في الدفاع عنه والنصر له، عرف له هذا الجميل، وبذل لهم وجهه، ووطّأ لهم أكتافه، وقلدهم مفاتيح ملكه[1].

لكن إن كان هذا يمثل انتصارًا للمسيحيّة في الغرب، فإنّه كان على الجانب الآخر خسارةً من نوعٍ آخر أشدّ وأنكى، “انتصر النصاري في ساحة القتال، وانهزموا في معترك الأديان، ربحوا ملكًا عظيمًا، وخسروا دينًا جليلاً؛ لأنّ الوثنيّة الروميّة مسخت دين المسيح، ومسخه أهله، وكان أكثر مسخًا له وتحريفًا هو قسطنطين الكبير حامي ذمار النصرانيّة، ورافع لوائها”[2].

بما يعني أنّ النصرانية تقلدت مقاليد الحكم، غير أنّها لم تستطع أن تقضي على الوثنية التي كانت تمثل عدوها الديني الأول، حتى إنّها تغلغلت في داخل النصرانيّة وصارت جزءًا منها في رأيي، وهذه نقطة خلافٍ كبيرٍ بينها وبين الإسلام، إذ استطاع الإسلام في بداياته أن يقضي على الوثنيّة الشركيّة قضاءً مبرمًا.

بيد أنّ الندوي انتقد النصارية بسبب شيءٍ آخر ـ إضافةً إلى الوثنيّة التي امتزجت بها في الدولة الرومانية ـ وهو الرهبانيّة، التي عدّها رهبانيّةً عاتيةً، كانت شرًا على العالم والإنسانيّة والمدنيّة من بهيميّة روما الوثنيّة، وتقوم هذه الرهبانية على تعذيب الجسم، ظنًا بأنّ ذلك يقود إلى الارتقاء الأخلاقي والديني. ولكن هل قضت هذه الرهبانيّة على ماديّة الحضارة الرومانيّة الجامحة؟ الإجابة عند الندوي بالنفي، فهو يؤكد على ذلك بقوله: “ولا يتوهم أحدٌ أنّ هذه الرهبانيّة الغالية قد عدلت من شره المادية الرومية، وكبحت من جماحها وغلوائها في البهيميّة والشهوات، فإنّ هذا

(26)

لم يكن، ولا يكون في الغالب، وتأباه الفطرة الإنسانيّة، ويكذبه التاريخ، فإنّ الذي يُوجد الاعتدال، ويخفّض من الماديّة الجامحة، ويجعل منها حياةً معتدلةً هو النظام الروحي الديني الخلقي الحكيم، الذي يوافق الفطرة الإنسانيّة الصحيحة، والذي لا يتصدى لأن يزيل الفطرة الإنسانية، بل يوجهها توجيهًا نافعًا، فإنها لا تزول، ولكن تميل من شرٍّ إلى خيرٍ، وهكذا فعل الإسلام”[1].

ويمكن القول إذاً، أنّ الحضارة الرومانيّة كانت حافلةً بأمرين: الرهبانيّة والماديّة، فريقٌ يهتم بالروح وإماتة الجسد، وفريقٌ يهتم بالجسد ويقتل الروح، وكلا الفريقين على خطأ؛ لأنّهما لا يلبيان متطلبات الفطرة الإنسانيّة التي هي في الأساس من جسدٍ وروحٍ. يقول الندوي في ذلك: “أما النصرانيّة الروميّة فقد حاولت عبثًا تغيير الفطرة وإزالتها، وجاءت بنظامٍ لا تطيقه الفطرة الإنسانيّة ولا تستسيغه، وحملت النفوس ما لا طاقة لها به، ورغبت فيه كردّ فعلٍ ضدّ الماديّة الطاغية، واحتملت كارهة، ثم تخلصت منه، وثارت عليه، ولم تقدر النصرانيّة ـ بإسرافها في الرهبانية والزهد ومكابرتها للفطرة والواقع ـ أن تصلح ما فسد من أخلاق الناس وعوائدهم، وتمسك بضبع المدنية الساقطة إلى الهاوية، وتمنعها من التردي، فكانت حركة الفجور والإباحة، وحركة الغلو في الزهد والرهبانية تسيران في البلاد النصرانية جنبًا إلى جنب، بل الأصح أن الرهبانية كانت معتزلةً في الصحارى والخلوات، لا سلطان لها على الحياة، وحركة الخلاعة والإباحة كانت زاخرةً طامةً في المدن والحواضر”[2].    

وهذا الأمر صوره ليكي أبشع تصويرٍ، وكأنّ هذه الحضارة الرومانية كانت هي الأم الكبرى للحضارة الغربية المعاصرة في ماديتها وتكالبها على الحياة وعدم اهتمامها بالدين، ولا بالأخلاق، ولا بالقيم  حتى غدا الجلّ فيها تائهًا حائرًا إلى أيّ الاتجاهات يسير، هل يسير حسب ما تقتضيه الماديّة؟ أم يسير حسب ما تقتضيه الروح، فينطلق

(27)

إلى الأولى بحكم ضعف الثانية في النفوس، وبسبب السمت الحضاري الشائع في تلك الفترة، والتي يميل بكليته إلى ماديتها الزائفة، وهي الحال نفسها التي يعاني منها إنسان الحضارة الغربية الآن، ويحاول أن يعمم نموذجها على العالم أجمع. يقول ليكي: “إن التبذل والإسفاف قد بلغا غايتهما في أخلاق الناس واجتماعاتهم، وكانت الدعارة والفجور والإخلاد إلى الترف، والتساقط على الشهوات، والتملق في مجالس الملوك وأندية الأغنياء والأمراء، والمسابقة في زخارف اللباس والحلي والزينة في حدتها وشدتها، كانت الدنيا في الحين تتأرجح بين الرهبانية القصوى والفجور الأقصى، وإن المدن التي ظهر فيها أكثر الزهاد كانت أسبق المدن في الخلاعة والفجور، وقد اجتمع في هذا العصر الفجور والوهم اللذان هما عدوّان لشرف الإنسان وكرامته، وقد ضعف رأي الجمهور، حتى أصبح الناس لا يحفلون بسوء الأحدوثة والفضيحة بين الناس، وكأن الضمير الإنساني ربما يخاف الدين ووعيده، ولكنّه أمن واطمأن، لاعتقاده أن الأدعية وغيرها تكفّر عن جميع أعمال الإنسان، لقد نفقت سوق المكر والخديعة والكذب، حتى فاق هذا العصر في ذلك عصرَ القياصرة، ولكن قل الظلم والاعتدال والقسوة والخلاعة، مع انحطاطٍ في حرية الفكر والحماسة القومية”[1].  

إن ذلك الانحلال والفساد وصل إلى المراكز الدينيّة، التي يُعول عليها الندوي في في فهم أسباب انتشار الانحلال الأخلاقي بهذه الصورة المزرية، فقد كان يرى أن اتجاه الرهبانيّة أو النظام الديني لم يكن سوى مصادمةٍ للفطرة، حيث بقيت مقهورةً بعوامل الديانة الجديدة وسلطانها الروحي، وساعدتها في ذلك عوامل أخرى، فضلاً عن قهر الطبيعة، وتسرب الضعف والانحلال في المراكز الدينية، حتى صارت تزاحم المراكز الدنيوية، بل لقد رأى الندوي أنها ربما تسبقها في الدعارة والفجور، ويرجع إلى ذلك سبب وقف الحكومة للمآدب الدينية، التي

(28)

كانت ترمي إلى عقد الألفة والأخوة بين المسيحيين وأعياد الشهداء والأولياء وذكرياتهم، لأنها وجدت فيها الخلاعة والفجور حِمًى ومرتعًا، واتهام القساوسة بالكبائر والمنكرات[1]

وقد صاحب كلّ ذلك تنافس البابويّة والأمبراطورية الرومانيّة، ذلك التنافس الذي بدأ في القرن الحادي عشر، فاشتدّ بعنفٍ، وحمي وطيسه، وكان الانتصار أولاً للبابوية، حتى إنّ الأمبراطور كان ينال مكانته في بعض الفترات الزمنية بمباركة البابوية[2]، وقد استمرت الحرب الباردة وغير الباردة بين الباوبوية والإمبراطورية، إلى أن ضعفت البابوية وقلّت هيبتها في نفوس الناس، وبقي الناس ـ على رأي الندوي، وهو رأي أراه صوابًا بكل المقاييس ـ يتنازعهم طوال هذه المدة الطويلة أمران: ديني، ودنيوي، وبقوا يرزحون تحت نيرين إمبراطوري وبابوي[3].

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل كان بإمكان البابوات ـ بما امتلكوه من مكانةٍ راقيةٍ في الأمبراطورية الرومانية في العصور الوسطى لم تكن للأباطرة والملوك ـ أن يقودوا أوروبا إلى التقدم الصحيح في الحضارة والمدنية في ظلّ الدين وتحت قيادته؟ ولعلّ هذا السؤال كان دائمًا ما يثور في خلد الندوي، فقد كان يرى المكانة الشعبية التي كان يتمتع بها البابوات؛ حيث كان ممثلوهم ونوابهم يتجولون في البلدان الأوروبية، وينزلون من أهلها في ظلّ ظليل، ويتفاهمون معهم بلغةٍ واحدةٍ، وكانوا يتدخلون في أمورٍ سياسيةٍ مهمةٍ، فضلاً عن أنصارهم من ذوي الرأي والسياسة في كلّ بقعةٍ من بقاع الإمبراطورية الرومانية، والذين كانوا يساعدونهم في مهام الدولة[4].

(29)

بما يعني أن البابوات امتلكوا كلّ المقومات التي كان من شأنها أن تقودهم إلى الحضارة والمدنية، لو أرادوا ذلك، ولو فكروا قليلاً في تعمير دنياهم كتفكيرهم في الآخرة، لكن شيئًا من ذلك لم يحدث، بل لقد كان ذلك سببًا في شقاء أوروبا وتعاستها. ومن ثم كان انتقاد الندوي للنظام البابوي انتقادًا شديدًا؛ لأنه من سوء حظّ النصرانيّة ومن سوء حظ الأمم ـ في نظره ـ أن رجال الدين أساءوا استخدام هذه السلطة الروحية على القلوب والعقول معًا، فاستغلوه لأنفسهم ولجاههم ولنفوذهم، تاركين أوروبا تهيم في الجهل والخرافات والتدهور والانحطاط، ومن ثم أصيبت الحضارة والمدنية إصابةً في الصميم، “ولكن من أعظم أخطاء رجال الدين في أوروبا، ومن أكبر جناياتهم على أنفسهم وعلى الدين الذي كانوا يمثلونه أنهم دسوا في كتبهم الدينية المقدسة معلومات بشريّة ومسلمات عصرية، عن التاريخ والجغرافية والعلوم الطبيعية، ربما كانت أقصى ما وصل إليه من العلم في ذلك العصر، وكانت حقائق راهنة لا يشك فيها رجال ذلك العصر، ولكنها ليست أقصى ما وصل إليه العلم الإنساني، وإذا كان ذلك في عصرٍ من العصور غاية ما وصل إليه علم البشر، فإنه لا يؤمن عليه التحول والتعارض، فإنّ العلم الإنساني متدرج في الارتقاء، فمن بنى عليه دينه، فقد بنى قصرًا على كثيبٍ مهيلٍ من الرمل، ولعلهم فعلوا ذلك بنيةٍ حسنةٍ، ولكنّه كان أكبر جنايةً على أنفسهم وعلى الدين، فإنّ ذلك كان سببًا للكفاح المشؤوم بين الدين والعقل والعلم، الذي انهزم فيه الدين - ذلك الدين المختلط بعلم البشر الذي فيه الحق والباطل، والخالص والزائف - هزيمةً منكرةً، وسقط رجال الدين سقوطًا لم ينهضوا بعده، وشرّ من ذلك كلّه وأشأم أنّ أوروبا أصبحت لا دينية”[1].  

ولعلّ هذا كان السبب الرئيس في أنّ قيام الحضارة الأوروبية كان على حساب الدين؛ لأنها وجدت أتباع الدين المسيحي في أوروبا يتدخلون في كلّ شيء، سياسةً واقتصادًا واجتماعًا وثقافةً، وهذا ما كانت تخشاه أوروبا بحضارتها المترامية.

(30)

لقد أدخل رجال الدين الكثير والكثير في الكتب المقدسة، معلومات تتعلق بالأمور التاريخية والجغرافية والإنسانية، ثم خلعوا عليها الحلّة الدنيويّة، وصبغوها بالصبغة الدينية، وأقحموها فيه، ثم جعلوها من مبادئ الدين، وأصوله التي من الواجب الالتزام بها وعدم الانحراف عنها لأيّ سببٍ من الأسباب.

ولا شكّ أنّ دخول المسيحيّة الكنسيّة الغربيّة في معترك العلم، وادعائها الإلمام به وبمبادئه وأصوله كان قمة الجهل حتى إنّها مارست نوعًا شديدًا من الاضطهاد للعلم الحقيقي وأهله، بل إنها مارست ما هو أبشع من ذلك، فقد مارست الإرهاب والاستبداد في أبشع صوره. وما محاكم التفتيش عن أذهاننا ببعيدةٍ.[1] فقد اتجه هؤلاء العلماء أول ما اتجهوا إلى نقد البناء الهشّ الذي أقامته، والذي أحال إلى نوعٍ من الهمجيّة الفكريّة، التي ترسخ لأخذ العلوم من أفواه رجال الدين في الكنيسة، فكانت ثورتهم تشبه بركان نارٍ ضدّ هذه الرجعيّة، وضدّ كلّ ألوان التسلّط الفكري، فعمدوا إلى تحطيم كلّ القواعد التي ادعت الكنيسة أنّها علميّةٌ في مجالات الطبيعة والجغرافيا والتاريخ، وبينوا تهافت الكتب التي باركتها الكنيسة، والتي اعتبرتها مصدر العلم، وأقاموا على أنقاض تلك القواعد قواعدَ جيدةً وعلوماً جديدةً، مبنيّةً بالأساس على عمل العقل والتفكير العقلي والمنطقي.

ولم يكن للكنيسة أن تقبل بهذا الوافد الجديد؛ لأنها رأت فيه تهديدًا لسلطتها على قلوب وعقول الناس، باعتبارها تأتي بنظرياتٍ جديدةٍ تدحض القديمة، وتعرّيها، وتكشف تساقطها أمام المنهج العلمي السليم. فعمدت الكنيسة إلى تكفيرهم، واستحلال دمائهم، وإخضاعهم لمحاكم التفتيش، باعتبارهم ـ في نظر البابا الكنسي وأتباعه ـ ملحدين ومارقين عن الدين، وتعرض هؤلاء العلماء إلى مطاردة الكنيسة في

(31)

البيوت والمدن والقرى والغابات والصحراء، وكأن الكنيسة أرادت أن تقتلع كلّ عالِمٍ يدين بالنصرانيّة من جذور الأرض الأوروبية، حتى تبقى لها السيطرة المزعومة. يقول الندوي: “فجهدت واجتهدت وسهرت على عملها – يقصد الكنيسة – واجتهدت أن لا تدع في العالم النصراني عرقًا نابضًا ضدّ الكنيسة، وانبتت عيونها في طول البلاد وعرضها، وأحصت على الناس الأنفاس، وناقشت عليهم الخواطر، حتى يقول عالم نصراني: (لا يمكن لرجلٍ أن يكون مسيحيًا، ويموت حتف أنفه )، ويقدر عدد المعاقبين من هذه المحاكم بثلاثمائة ألف، أحرق منهم اثنان وثلاثون ألفًا، كان منهم العالم الطبيعي المعروف برونو، نقمت منه الكنيسة بسبب أرائه التي من أشدها قوله بتعدد العوالم، فحكمت عليه بالقتل، واقترحت بأن لا تراق قطرةً من دمه، وكان ذلك يعني أن يحرق حيًا، وكذلك كان، وهكذا عوقب العالم الشهير غاليليو بالقتل؛ لأنه كان يعتقد بدوران الأرض حول الشمس”[1].

وهذا دليلٌ على الجو العام الذي كانت تتحكم فيه الكنيسة في أوروبا، ذلك الجو الذي كان ملبدًا بالغيوم، ولذا فإنّ أهم ما تولته الكنيسة في هذا العصر:

محاربة العلم والعلماء.

قتل روح الإبداع والابتكار.

إشاعة الاستبداد والتسلط.

غلبة النزعة الدينيّة ورجال الدين.

وما كان لرعاة التجديد وحاملي شعلة التنوير في أوروبا أن يخضعوا لهذا الواقع الأليم، أو أن يرضخوا لأوامر الكنيسة التي تقود إلى الجهل المطبق، فهبّوا إلى محاربة الكنيسة بكلّ ما أوتوا من قوة[2]، ولم ترهبهم الأفعال التي قامت بها الكنيسة ضّد

(32)

سابقيهم من العلماء والمفكرين، وصاروا يعادون الكنيسة، وكل ما هو دينيٌّ، وكلّ من يتبنى الفكر الكنسي أو يتعاطف معه. لكن أخطر ما يشير إليه الندوي في هذه العداوة، وفي فكر التنويرين أنهم لم يعادوا الدين المسيحي وحده، بل عادوا الدين مطلقًا، ومن ثم تحولت الحروب بين زعماء العلم والعقلية التنويرية من جانب وزعماء الدين المسيحي من جانبٍ آخر إلى حروبٍ بين العلم والدين مطلقًا، فالعلم والدين في نظرهما ضرتان لا تتصالحان، والعقل والنظام الديني ضدان لا يجتمعان، فمن استقبل أحدهما استدبر الآخر، ومن آمن بالأول كفر بالثاني، وإذا ذكروا الدين، ذكروا الدماء الزكية التي أريقت في سبيل العلم والتحقيق، والنفوس البرئية التي راحت ضحية قسوة القساوسة، فاشمأزت قلوب هؤلاء التنويرين، وآلوا على أنفسهم كراهة هؤلاء، وكل ما يمثلونه، وتواصوا به، وجعلوه كلمة باقية في أعقابهم[1]

بيد أن هولاء المجدّدين أو التنويرين كان عليهم أن يميّزوا الدين الصحيح من الدين الزائف، وأن يفرقوا بين ما هو ديني، وما هو يخص رجال الدين من آراء ومواقف، فالدين ـ أي دين نزل من رب العالمين- لا يعادي العلم، ولا ينبغي له أن يعاديه، كما لا يعادي العقل الذي كرم به الله تعالى الإنسان، ومن ثم وجه لهم الندوي سهام نقده، “ولم يكن عند هؤلاء الثائرين من الصبر والمثابرة على الدراسة والتفكير، ومن الوداعة والهدوء، ومن العقل والاجتهاد ما يميزون به بين الدين ورجاله المحتكرين لزعامته، ويفرقون بين ما يرجع إلى الدين عن عهدةٍ ومسؤوليّةٍ، وما يرجع إلى رجال الكنيسة من جمودٍ وجهلٍ واستبدادٍ وسوء تمثيل، فلا ينبذوا الدين نبذ النواة، ولكن الحفيظة وشنآن رجال الدين والاستعجال لم يسمح بالنظر في أمر الدين، والتريث في شأنه كغالب الثوار في أكثر الأعصار والأمصار”[2].     

(33)

فالندوي كان يرى أن حميّة الجاهلية، والسدود التي أقامتها الحروب الصليبية بين الغرب المسيحي والشرق الإسلامي، ودعاية الكنيسة والكهنة ضدّ الإسلام وحامل رسالته، وعدم تجشم التعب والمطالعة، وقلة الحرص على الحياة الأخروية، أو الاهتمام بما هو بعد الموت فضلاً عن تفريط المسلمين في التبشير الإسلامي ونشر الإسلام في أوروبا، منع التنويرين من الرجوع إلى الدين الإسلامي، والأخذ به في ساعة ما كانوا أشد احتياجهم له فيها[1].    

وهذه المؤشرات كلّها كانت تدل على أنّ الغرب سوف يتخذ اتجاهًا آخر فيه من المادية الكثير، وليس فيه من الروحانيات شيء، نفض الدين والعقيدة، واتجه بكليّته إلى المادية، علمًا بأن هذا الاتجاه لم يكن سريعًا، بل كان اتجاهًا متأنيًا ـ فيه من العزيمة والإصرار والكثير ـ سار فيه خطوةً وراء الأخرى حتى انفصل الغرب كليّة عند الدين، حيث كثرت الفلسفات والنظريات الاجتماعية التي كانت تعوّل على الإنسان وحده، وتفصله شيئًا فشيئًا عن خالقه ودينه، حتى انتهى بهم الأمر ـ في نهاية المطاف ـ إلى إنكار وجود الإله، ورفض وجوده كمدبرٍ وخالقٍ لهذا الكون، فالقوة قوة الطبيعة، والمادة أساس كلّ شيءٍ في هذا العالم، فهي التي تدير وتتحكم فيه وتسيطر عليه وتسيّره كيفما تشاء، وصاروا يفسرون العالم وظواهره تفسيرًا آليًا صرفًا، ظنًا منهم أنّ العلم المحض الذي يفسّر الظواهر هذا التفسير هو العلم السليم، واتهموا كل من يخالف ذلك، ويتجه في تفسيراته اتجاهات دينية تعترف بالإله، وتقرّ بوجوده وبالتقليد والرجعيّة، فهمشوا بذلك الدين، وسخِروا من أهميّته، بل لقد جحدوا كلّ ما وراء الحس، فالشيء الحسي هو الشيء الموجود تحت تفسير العقل وسلطته، أما الشيء غير المحسوس والذي لا يقع تحت طائلة العقل فقد جحدوه، وأنكروا وجوده، ومن ثم أصبحت الإلهيات والسمعيات، وكلّ ما في عالم الغيب محلّ شكٍّ عند هؤلاء؛ لأنّ العقل لا يعترف به، ولأن العلم لا

(34)

يثبته. ومن ثم يقول الندوي: “إنّهم لم يجحدوا بالله إلى زمنٍ طويلٍ، ولم يكاشفوا الدين العداء، ولم يجحدوا به كلهم، ولكن منهج التفكير الذي اختاروه، والموقف الذي اتخذوه في البحث والنظر، لم يكن ليتفق والدين الذي يقوم على الإيمان بالغيب وأساسه الوحي، والنبوة ودعوته ولهجه بالحياة الأخروية، ولا شيء من ذلك يدخل تحت الحسّ والاختبار ويصدقه العدّ والوزن والمساحة، فلم يزالوا يزدادون كلّ يومٍ شكًا في العقائد الدينيّة”[1].

والغريب أن المحاولات في الغرب تغافلت عن الإصلاحات حتى الثانوية، والتي من شأنها المساس بهذه الاختلالات والانحرافات الفكرية، على الرغم من أننا لا نغفل بعضًا من المفكرين والعلماء الذين حاولوا رسم الطريق الصحيح[2].

لكن الغرب ـ رغم ذلك كلّه ـ كان يكابر في الاعتراف بتهميشه للدين وإهماله، أو هكذا أراد له الغربيون ممن حملوا على عاتقهم هذه الحركة، واتجهوا اتجاهًا ماديًا صرفًا كما قلنا، ومع ذلك فإن الندوي كان يرى أنّ رجال النهضة الأوروبية ظلوا قرونًا يجمعون بين النظر المادي الجاحد والحياة المادية، والطقوس الدينية المسيحية، سواءً بالتقليد، أو بتأثير المحيط الذي لا يزال في العالم الغربي المسيحي، أو بمصالح خلقيّة اجتماعيّة، كانت تقتضي البقاء، ولو بالاسم على نظامٍ دينيٍّ يؤلف بين الأمة، ويحفظها من الفوضى، حتى افتضح أمرهم، وصعب الجمع بينهما بسرعة سير الحضارة المادية، وتخلف الدين والتقاليد وعجزها عن مسايرتها، وما في الجمع بينهما من متاعب وضياع للوقت، وتكلف هم في غنًى عنه، فطرحوا الحشمة، ورموا برقع النفاق في نظره[3]. بما يعني أن تطور النزعة المادية وجموحها يومًا بعد يوم كان العامل الرئيس في فضح الحضارة الغربية، وقد كان هناك علاقةٌ

(35)

عكسيةٌ بين الجانب الروحي والجانب المادي فيها، فكلما ازدادت المادية جموحًا، ابتعدت الحضارة الغربية عن الدين بالمقدار نفسه، حتى قضت هذه الحضارة على الجانب الروحي والإيماني عند أبنائها، أو تكاد.

 وما كان للندوي أن ينقد البناء الحضاري الغربي دون أن ينقد بعضًا ممن قامت على أكتافهم هذه الحضارة، ولذا نجد عنده نقدًا للعديد من فلاسفة الغرب من أمثال: ميكيافيللي وهيغل وغيرهما، فقد كان يعتبر هؤلاء الفلاسفة والمفكرين جنودًا للمادية ودعاةً لها، لا يمكن تغافلهم أو إنكار دورهم الرئيس في جنوح هذه الحضارة، وطغيانها المادي. وهؤلاء كانوا كتّابًا ومؤلفين وأدباء ومعلمين واجتماعيين وسياسيين، وجدوا في كلّ منطقةٍ أوروبيةٍ، ويعملون على نشر فكرهم المادي في أرجاء الغرب كله، ففسروا الأخلاق تفسيرًا ماديًا، وطوروا مبدأ اللذة الأبيقورية، ونشروا الفلسفة النفعية والبرجماتية.

وقد وقف الندوي عند ميكيافيللي المفكر السياسي الفلورنسي، باعتبار أن دعوته كان فيها فجاجةٌ واضحةٌ وميلٌ واضحٌ إلى نوعٍ فلسفيٍّ يبغي النفعيّة لا أكثر[1]، هو ومن تبعه من التلاميذ والمفكرين الذين ساروا على دربه، واقتفوا أثره، وكان من أكثر مبادئهم شيوعًا، والتي استحقت نقد الندوي وغيره من المفكرين المسلمين ما يلي:

فصل الدين عن السياسة.

تقسيم الفعل الخلقي إلى شخصي واجتماعي.

النفعية.

يقول الندوي ناقدًا هذا التوجه: “وقرّروا أن الدين ـ إذا كان لا بد منه ـ قضيّةٌ شخصيّةٌ لا تتدخل في أمور السياسة والدولة، وأنّ الدولة عندهم أعزّ وأهمّ من كلّ

(36)

شيءٍ، وأنّ النصرانيّة إنّما موضوعها الحياة الأخرويّة، وأنّ المتدينين والصالحين لا يفيد وجودهم الدولة، وإن كان يفيد الكنيسة؛ لأنهم يتقيّدون بأحكام الدين، ولأنهم لا يستطيعون أن يحيدوا عن أحكام الدين ومبادئ الأخلاق إذا اقتضت المصلحة غير ذلك، وأن الملوك والأمراء يجب عليهم أن يتخلقوا بأخلاق الثعالب، ولا يحتشموا من نقض العهود والكذب والخيانة والغش والنفاق، إذا كان في ذلك أدنى مصلحة للدولة إلى غير ذلك، ونجحت هذه الدولة، وساعدتها عوامل كثيرة من الوطنية والقومية التي خلفت الديانة القديمة”[1].

ولم يبرأ الندوي الثورة الفرنسية من إشاعة روح اللادينيّة في الحياة الغربية، لأن الأدباء والمؤلفين وأصحاب الرأي والفكر ثاروا على الأخلاق القديمة والنظم الاجتماعية، وزينوا للناس الإثم، ونشروا دعوة الإباحيّة، وأطلقول الطبائع من كل قيد، والفرد من كلّ مسؤوليّة، ودعوا إلى التهام الحياة البهيمية، وإرضاء الشهوات، وانتهاب المسرات، واستعجال الطيبات، وغلوا وأسرفوا في تقدير قيمة هذه الحياة،، وجحدوا كلّ شيءٍ سوى اللذة العاجلة والنفع المادي الظاهر والمحسوس[2].

فثورة  فرنسا 1789 تعدّ منعطفاً تاريخيًّا مؤثرًا في حياة فرنسا بشكلٍ خاص وأوروبا بشكلٍ عام، لِما أحدثته من تغيّرٍ جوهريٍّ في طبيعة السلوك والفكر السياسيين في بلاد الثورة والبلدان المحيطة بها، إذ سرعان ما استخدمت شعوب أوروبا الطريقة الفرنسيّة لإحداث التغيّرات السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة في بلدانها[3]. ولقد كان للمفكرين الفرنسيين دورٌ مهمٌّ في بثّ بذور الخروج عن الأفكار الدينيّة، وصاغت أفكارًا جديدةً آمنت بها جموعٌ كبيرة، وأدت إلى سقوط الباستيل[4].

(37)

وكأن الندوي يحاول أن يعود بنا إلى الحضارة اليونانية والرومانية، ليقول لنا أن الحضارة الأوروبية المعاصرة بعد نكوثها عن الدين أخذت تتقهقر، حتى وصلت إلى الحالة المزرية أخلاقيًا التي كانت عليها الحضارة اليونانية، ومن ثم فقد كان الندوي يرى أن الحضارة الغربية في القرنين: التاسع عشر والعشرين، أصبحت نسخةً من الحضارة اليونانية، والرومانية، وعادت مرةً أخرى الطبيعة الأوروبية بعدما كانت قد قهرت على يد الديانة الشرقية، ولا يجد الندوي غرابةً في ذلك؛ لأنّ الأوروبيين ينحدرون من أولئك الرومان واليونان، والسلالات الأوروبية الأخرى ترى الدين خلوًا من الروحانية[1].

فهاتان الحضارتان كانتا قائمتين على المادية، ولم تكونا قائمتين على الروحانية والإيمان، وهذا ما وقعت فيه الحضارة الغربية المعاصرة، فهي حضارةٌ ماديةٌ لا نصرانية، فدين أوروبا اليوم ـ في ما يرى الندوي ـ هو المادية لا النصرانية، ذلك أنه تأمل النفسيّة الأوروبية، وتعامل معها عن كثبٍ، وسافر كثيرًا لإلقاء المحاضرات، فلم يكن اتصاله بها اتصال كتبٍ فحسب، بل عايشها أيضًا، ولم ينخدع بالمظاهر الدينيّة التي تظهر فيها الدولة الأوروبية وكأنها متدينةٌ حقّ التدين، ولم ينخدع كذلك بزياراتهم للكنائس.

ولقد اهتم الندوي بالعمل على إبراز مظاهر المادية في الحضارة الغربية المعاصرة، إذ كان يراها نتيجة عدّة عوامل تاريخيّة وعلميّة وطبيعية، صارت هذه العوامل شعارًا للحضارة الغربية، وللحياة الغربية منذ عهدٍ بعيدٍ في التاريخ، ولم تزدها النشأة الحضارة الجديدة، سياسيًا وعلميًا إلا قوة في ذلك.

(38)

نقد الفلاسفة الماديين الغربيين:

لا شك في أن الندوي يعدّ الفلسفة الغربية هي الفلسفة المستولية والمسيطرة على العالم، وما في ذلك شك ولا إنكار، ومن ثم فليس على وجه الأرض اليوم ـ كما يشير الندوي ـ أمةٌ أو جماعةٌ تخالف الأمم الغربية، في نظرياتها، وتزاحمها في سيرها، وتناقشها في مبادئها، وفلسفتها الجاهلية، ونظام حياتها المادي. فلا أفريقيا ولا أسيا تستطيع الانفكاك من هذا الأسر، أما ما نراه من تزاحم هذه الأمم وتصارعها، فهو ليس من أجل إحداث وضعٍ حضاريٍّ جديدٍ يخالف ذلك التوجه الحضاري المادي العالمي، وإنما هو مجرّد صراعٍ على القيادة العالميّة، فهذه هي الغاية التي تسعى إليها الدول الكبرى في العالم.    

ويمكن القول أنّ الندوي لم يكتفِ بنقد مظاهر الحضارة الغربية، ولكنّه فضلاً عن ذلك وجّه سهام نقده إلى أعلام هذه الفلسفة وروادها الأوائل ومن ساروا على دربهم، فقد نقد الندوي الفكر المادي عند كارل ماركس (1818- 1883)، مؤسس المدرسة الشيوعية.

إن كارل ماركس كان ينظر لكلّ عصر، ولكلّ مرحلةٍ من المراحل التاريخيّة لها خصوصية في الإنتاج الصناعي، وبناءً عليه تكون العلاقات الاجتماعيّة، لكن بعد حينٍ يدرك الناس أن هذه العلاقات الاجتماعية غير متوافقةٍ مع طبيعة الإنتاج، فتقوم الثورات والانقلابات، علمًا بأن من يقومون بهذه أو تلك لا يشعرون بحقيقة الدوافع إليها، أو بالغاية التي يثورون لأجلها، أما النمو السياسي، والنظم السياسية، وما يحدث فيها من تطورٍ وتغيّرٍ فهي ليست شيئًا جديدًا غير كونها صورًا جديدةً للعلاقات الاجتماعيّة، إذ هي تظهر لتجعل هذه العلاقات الاجتماعية متوائمةً مع طرق الإنتاج بصورةٍ جديدةٍ، نعم هناك اختلافٌ بين الإنتاج الصناعي والعلاقات الاجتماعية، وهذا يستدعي جهدًا كبيرًا ومستمرًا للتوفيق بينهما، لأنه إذا زاد الخلاف

(39)

تحول إلى ثورةٍ، وحتى مع خفوت هذه الخلافات وعدم ظهورها، فهذا لا يعني أنها غير موجودةٍ، والاختلاف بين طرق الإنتاج الصناعي ومناهجه، وبين العلاقات الاجتماعية يظهر جليًا في حرب الطبقات عند ماركس، لأنه كان ينظر إلى الطبقات الاجتماعية على أنّها جزءٌ من النظام الاقتصادي، وينتهي من ذلك إلى أن التاريخ البشري ليس إلا حرب الطبقات الاجتماعية المختلفة[1].

وقد نقد الندوي هذه الفلسفة، باعتبارها غير شاملة لجميع أبعاد الحياة الإنسانيّة واقتصرت على الجانب الاقتصادي فقط، ولم تقم للدين والأخلاق والروح والقلب، وحتى العقل وزنًا وقيمة، ولم تعترف أن أحدًا منها كان عاملاً من عوامل التاريخ، وأنّ جميع الحروب والثورات لم تكن إلا ثأرًا لبطنٍ من بطن، وجهادًا في سبيل تنظيمٍ جديدٍ للنظام الاقتصادي وطرق الإنتاج الصناعي، كما انتقد الندوي نظرة صاحب هذه الفلسفة إلى الحروب الدينية، والتي كان ينظر إليها ماركس على أنها حرب الطبقات الاقتصاديّة، استأثرت إحداها بموارد الثروة ووسائلها وطرق الإنتاج، واجتهدت الأخرى في أن تنافسها، وتتناول قسطها، أو تنظمها من جديد، فوقعت الحرب، ويجب أن تكون كذلك في رأيه بدر وأحد والأحزاب والقادسية واليرموك، ووقائع ومعارك حفظها التاريخ[2]

ومن الواضح أن نظرة الندوي هنا نظرةً دينيّةً، لأنه لم يكن ليقبل أن تكون هذه المدرسة الشيوعية هي التي تفسّر حركة التاريخ، كما أنّها بفعلها الشيوعي تمثل معارضةً صريحةً للإسلام كدين، نعم قد يكون لها من ناحية الدعوة إلى الإنتاج الصناعي والتنمية الاقتصادية دورٌ ملموسٌ على أرض الواقع، غير أنه الدور الذي يفتقد إلى الحياة، أي حياة الروح والإيمان، لأنّ أيّ اتجاهٍ بلا روح وإيمان مصيره

(40)

الزوال، وهو ما حدث للشيوعيّة، إذ نكاد لا نرى لها وجودًا الآن على الساحة الدولية؛ حيث إن الزمن تجاوزها، وتجاوز فرضياتها.

يستند الندوي في تفسيره لماركس ـ في رأيي ـ على جانبٍ عقليٍّ، إذ من يستطيع أن يجزم بأن حركة التاريخ الذي يحدد مسارها هو الإنتاج الصناعي؟ وهل الواقع يحتّم علينا أن نربط بين الحروب والعامل الاقتصادي فقط؟ ونجعله الأساس الوحيد والركن الركين لأيّ صراعٍ في الماضي أو في المستقبل؟ بالطبع لا.

لكن الغريب أن الندوي ينظر إلى هذه المدرسة على أنّها تمثل التصوف المادي الغربي بوحدة وجوده الاقتصادية؟ ولا أدري كيف ذلك؟ لكن الرجل يحاول أن يشير إلى أنه إذا كان الشرقيون يغلبهم الروح الديني، ويعتقدون في خلواتهم أن لا موجود إلا الله، فإن المفكرين الأوروبيين إنما تغلبهم المادية، فنفوا وجود كلّ شيءٍ إلا الناحية الاقتصادية والإنتاج الصناعي، وهتفوا أنّ لا موجود إلا البطن والمعدة، فصوفيّة الشرق عند الندوي كانوا يرون الإنسان ظلاً ربانيًا، في حين أنّ الماديين في الغرب لا يرون فيه إلا حيوانًا بهيميًا[1].

ومثلما انتقد الندوي المدرسة الشيوعيّة انتقد نظرية التطور عند دارون نقداً شديدًا، باعتبارها نظريّةً موجّهةً في الأساس إلى نقد الدين والنيل منه، وتغييب العقل البشري، والنظر للحياة نظرةً ماديّةً صِرفةً.

ونظرية دارون هي نظرية في الارتقاء والتطور، تقوم بالأساس على افتراضٍ خاطئٍ بأنّ الإنسان حيوانٌ ارتقى من سلالة الحيوانات، إذ إن الإنسان أخذ يرتقي من سلالةٍ حيوانيّةٍ إلى أخرى، ومن نوعٍ إلى آخر حتى وصل إلى صورته النهائيّة التي عليها الآن، حيث انتقل في نظره الخاطئ من أميبا إلى قرد إلى إنسان، وذلك عبر آلاف السنين، وقد ذكر دارون هذا في كتاب: أصل الأنواع [2].     

(41)

إن نقد الندوي هنا يمثل نقد كلّ مفكّرٍ حرّ، يأبى التلاعب بالعقل البشري ولا بالدين السماوي، ولا بالإنسان ذاته الذي كرمه الله تعالى في كتابه الكريم، يقول الندوي: “وكانت هذه النظرية اتجاهًا جديدًا لم يسبق في المسائل البشرية، وما يتعلق بها، تقلب تيّار الفكر، وتصرف نظر الإنسان في الاستعلام والاستهداء في مسائله وفي تاريخه من الإنسان إلى الحيوان، وتجعله يعتقد أن هذا الكون سائرٌ بغير عنايةٍ إلهيةٍ، وبغير أن تتدخل فيه قوةٌ غير طبيعيةٍ، وأن لا علّة في الكون غير السنن الطبيعية، وأن الموجودات ترتقي من مراتب الحياة الأولى إلى مراتبها العليا بعملٍ فطريٍّ تدريجيٍّ عارٍ من العقل والحكمة، وأنّ الإنسان، وسائر أنواع الحيوان، ليس من صنع صانعٍ حكيمٍ، بل هو نتيجة نواميس طبيعيّة، انتهى بها التنازع للبقاء وناموس بقاء الأصلح، والانتخاب الطبيعي الذي هو سائرٌ في الكون إلى إنسانٍ ناطقٍ ذي شعور”[1].

ومن ثم فإنّ الدوافع التي دفعت الندوي لنقد هذه النظرية هي دوافعٌ مشروعةٌ ومنطقيةٌ، لأن تلك النظرية هدامةٌ بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى، تحاول أن تهدم الدين لتستبدل به دينًا آخر من صنعها هي، وتقضي على كلّ ما هو أخلاقي، ولا أدلّ على خطورتها على الدين من أن أوروبا ذاتها لفظتها، واعتبرتها ذات مسارٍ مضادٍّ لمسار الدين[2]. ومن ثم كانت مناط نقد أحد الباحثين عندما قال: “هذه النظرية التي أجمع العلماء على صحتها، هل لاحظها أحدهم أو جرّبها في معمله؟!.... والجواب لا!! فذلك ضربٌ من المستحيل. إن مزعوميّة الارتقاء معقدةٌ، وهي تتعلق بماضٍ بعيدٍ جداً، حتى أنّه لا سؤال عن تجربتها وملاحظتها”[3].

(42)

لكنّ الغريب في الأمر، والذي استدعى انتباه الندوي أن الجمهور والدّهماء تقبلوا هذه النظرية بالحفاوة والتقدير، على الرغم مما تنطوي عليه من ضعفٍ من الناحية العلميّة والمنهجيّة، وكأنهم كانوا مهيّئين لمثل هذه النظرية، مبينًا أنهم وجدوا فيها منافسًا للدين ورجاله، ومن ثم صعب على رجال الدين – في رأيه ـ أن يعارضوا هذا التيار الجارف من أفكار الناس وأذواقهم، والسيل العارم من المنشورات والمحاضرات. ومن ثم فقد كانت هذه النظرية عنده ذات تأثيرٍ بعيدٍ وعميقٍ في الأفكار والحضارة والأدب والسياسة، يمكن تلمسه في أخلاق الناس، وفي نزعات الرجوع إلى الفطرة، وإلى العهد الذي كان الإنسان يعيش فيه، على الفطرة عاريًا حرًا، وفي تعيين المثل الكامل للإنسان، وفي جميع الأعمال والأخلاق التي لا تصدر إلا عن تسليم بأنّ الإنسان إنما هو حيوانٌ راقٍ، وفي فساد الحياة المنزلية[1].

مفهومي القومية والوطنية في الغرب:

 إن موقف الندوي من المفاهيم الغربية المعاصرة كان موقف الارتياب والشك فيها، باعتبار أنها مفاهيمٌ نشأت في أرضٍ مختلفةٍ وبيئةٍ مغايرةٍ، ومن ثم فليس من العقلي ولا المنطقي أن نستورد هذه المفاهيم بتلك الأفكار والمضامين التي تحملها، ومن هذه المفاهيم التي وقف منها موقف الريبة والشك مفهوما القومية والجنسيّة.

لعل الندوي كان ينظر لهذين المفهومين على أنّهما من المفاهيم المستوردة من الغرب، ذلك الغرب الذي كان ينظر إليه على أنه زعيم المادية الجامحة؛ لأنها مفاهيمٌ فيها من المادية ما ليس فيها من الإيمان والعقيدة، ولكن لماذا؟ لأنه ـ في ما نفهم من الاستقراء العام لمنهجه – أنّ تلك المفاهيم تقوم على أنقاض الدين؛ لأنّ

(43)

فكرة القوميّة تقوم على الجنس المشترك في التاريخ واللغة، ولا تقوم على الدين، ومن ثم فإن وجودها إنما هو وجودٌ على حساب الدين، فالندوي لا يؤمن برابطةٍ غير رابطة الدين، ومن ثم فإنّ أيّ رابطةٍ غيرها تمثل عنده رابطةً فجةً لا تراعي الدين، ولا تحترم مبادئه التي قام عليها.

وما ينطبق على القومية ينطبق كذلك على الوطنية عند الندوي، فهي أيضًا من المفاهيم التي لا يقبلها كرجل دين في المقام الأول، ولا يقبل بغير الرابطة الدينيّة بديلاً.

أما سبب نقد الندوي لها ـ غير السبب الديني ـ فإنما يرجع إلى الجوّ الفكري الذي نشأ فيه هذا المفهوم في الغرب، من حيث مناهضة الدين، وتهميشه، والتقليل من دور رجاله، وما صاحب نشأته من حركات التنوير التي كانت بالأساس تقوم على العداء للدين، من هنا ربما  أنّ ذلك كان سببًا رئيسًا في موقف الندوي من هذا المفهوم والمفهوم السابق عليه، وربما كان خوفه هنا له ما يبرره من الناحية العقدية، ومن الناحية المنطقية، بيد أننا نعتقد أن المفهوم عربيًا محملٌ بأفكار الغرب، حيث يحاول المفكرون المسلمون وغيرهم وضعه في أرض الشرق وهو محملٌ بالمضامين نفسها. وخاصة وأن الفكر الغربي ما فتئ يحاول الإيهام بأن المواطنة نقيض الدين، وأنه لا يجتمع نقيضان، ويظهر ذلك جليًا في توجهات كلّ من ماركس عن الحرية[1]، وغيره من زعماء الفكر الغربي المادي.

لقد كان الندوي يرى أنّ انكسار الكنيسة اللاتينية وخسارتها أمام المدّ المادي إنما كان بسبب ظهور العصبية والوطنية والقومية، فذهب إلى “أن الوطنية والقومية والاعتداد الشديد بالشعب وبالموقع الجغرافي من خصائص الطبع الأوروبي، الذي سرى في العنصر الأوروبي مسرى الروح، وجرى منه مجرى الدم، وأصبح طبيعةً

(44)

ثانيةً له[1]، ولكنّ النصرانيّة قهرت هذه الطبيعة؛ لأنها ـ على علاتها، وبرغم ما طرأ عليها من التحريف والتبدل ـ لا يزال عليها مسحةٌ من تعاليم المسيح، وفيها أثارٌ من علمه، والدين السماوي مهما تحرّف وتغيّر لا يعرف الفرقة المصطنعة بين الإنسان والإنسان، ولا يفرق بين الأجناس والألوان والأوطان، فجمعت النصرانيّة الأمم الأوروبية تحت لواء الدين، وجعلت من العالم النصراني عشيرةً واحدةً، وأخضعت الشعوب الكثيرة للكنيسة اللاتينية فغلبت العصبية القومية والنعرة الوطنية، وشغلت الأمم عنها لمدةٍ طويلةٍ”[2].

ثم يردف قائلاً: “ولكن لمّا قام لوثر سنة 1483 – 1526م بحركته الدينيّة الإصلاحيّة الشهيرة ضدّ الكنيسة اللاتينيّة، ورأى من مصلحة مهمته أن يستعين بالألمان جنسه، ونجح في عمله نجاحًا لا يستهان بقدره، وانهزمت الكنيسة اللاتينية في عاقبة الأمر فانفرط عقدها، استقلت الأمم، وأصبحت لا تربطها رابطة، ولم تزل كل يوم تزداد استقلالاً في شؤونها وتشتتًا، حتى إذا اضمحلت النصرانية نفسها في أوروبا قويت العصبية القومية والوطنية، وكان الدين والقومية ككفتي ميزان، كلما رجحت واحدة طاشت الأخرى، ومعلوم أن كفة الدين لم تزل تخف كل يوم، ولم تزل كفة منافسته راجحة”[3]

وهذا كله يعني في التحليل الأخير أن هناك علاقةً عكسيةً عند الندوي بين القوميّة والعصبيّة من جانب والدين من جانب آخر، فإذا زادت موجات القوميّة

(45)

والعصبيّة والوطنيّة يعني ذلك عدم غلبة الدين وضياع تأثيره في الجماهير، أما إذا قلت هذه الموجات، فهذا يعني أنّ الدين هو المتحكم والمسيطر والقابض على مقاليد الأمور.

وفي عصرنا الحالي نجد أن كفة القوميّة والوطنيّة هي الراجحة، بما يعني أنّ الدين حظّه من حياة الشعوب والحكومات ضئيل، وليس له تأثيرٌ على مجريات الأمور، نتيجة التحجيم القسري والتهميش المتعمّد من قبل من يملكون مقاليد الأمور والحكم. إذ إنّ دعاة القوميّة والوطنيّة يتخذونهما على معنى المصطلح في بيئته الغربية، لا على أساس التجربة المعيشة في واقعنا الإسلامي.

ومن الملاحظ هنا ظهور شخصيّة الندوي المتحفظة، التي تأنف من كلّ ما هو غربي، خوفًا على العقيدة والدين من جانب، وخوفًا من جريان الشعوب وراءها، الأمر الذي قد يؤدي إلى الذوبان في الآخر حتى النخاع، وهذا ما نجده واقعًا بالفعل وتؤيدة التجربة والواقع المشاهد.

ومن ثم صارت أوروبا معسكرًا واحدًا، يدعو إلى تغييب الدين، وتهميش دوره، بل إلغائه بالكلية، وما أن استقر لها الأمر حتى وجهت وجهها شطر الشرق الإسلامي، واتخذت منه عدوًا حاولت أن تنتصر عليه، كما انتصرت على الكنيسة الأوروبية من قبل، وقد انتقد الندوي هذا التوجه الغربي؛ لأنه وضع خطًا فاصلاً بين الشرق والغرب، أو بين أوروبا وبين ما عداها من القارات والدول، وبين الجنس الآري وما عداه من البشر، حتى إنّهم قسموا البشر قسمين: قسمٌ له الفضل على كلّ ما جاء وراءه من نسلٍ وشعبٍ، وثقافةٍ وحضارةٍ وعلمٍ وأدبٍ، وقسمٌ ليس له من ذلك شيء، الأول خلق ليسود ويحكم، والثاني ليخضع ويدين، الأول ليبقى ويزدهر، والثاني ليموت ويضمحل، وهذا ما سبق الندوي أن كشفه عند اليونان، وعند الروم،، حيث كانوا لا ينظرون إلا لأنفسهم، مع الآخرين فهم برابرة[1].

(46)

والندوي هنا لا يتحدث عن الجنسية التي تولد التعصب كسمةٍ مميّزةٍ للغرب الأوروبي، لأنه كان يدرك جيدًا ـ في نظري ـ أن التعصب لا جنس له، فهو عند أبناء الشرق، كما هو عند أبناء الغرب، لكن الندوي يقصد بالتعصب هنا والجنسية، تلك الجنسية والفوقيّة الأوروبية التي تنظر إلى كلّ شعبٍ يتمسك بدينه ولم ينل حظًا من الحضارة المادية التي للغرب على أنه شعبٌ أدنى أو بربري، ومن ثم فإنّ أيّ بلدٍ أو قطرٍ عليه أن يسير بالنظرة الجنسيّة نفسها، فينفض عن نفسه الدين والإيمان، ويسير في تيارهم المادي، حتى ينال الحظوة والمكانة الراقية التي لهم على ظنهم المريض.

وهذا ما كان يرفضه الندوي، ويعمل على نقده من الإساس، حتى لا يستحوذ على العقليّة الإسلامية، بيد أنّ الندوي في ظني لم يفلح، أو على الأقل جاء بعد فوات الأوان، بدليل أنه يقول: “ومما يدعو للأسف والاضطراب، أنّ هذه العدوى الجنسيّة قد سرت إلى بعض الأقطار الإسلامية، التي كان يجب، وكان من المترقب أن تكون زعيمةً لدعوة الإسلام العالمية، حاملةً في عصرها لرسالة الأمن والسلام، وأن تكون جبهةً قويّةً ضد الجنسيّة والوطنيّة، وذلك بانحلال الدين في هذه البلاد، وبتأثير الآداب الأوروبية والحضارة الغربية، فترى في الترك النزعة الطورانيّة، والدعوة إلى إحياء جاهليتها القديمة وآدابها وثقافتها، والنظرة إلى الدين الإسلامي الذي انتشر على أيدي العرب، وشريعة الإسلام وثقافته ولغته، نظرة شبه نظرة ألمانيا الجديدة إلى الأديان التي جاء بها الأنبياء من غير النسل الآراي والآداب السامية وثقافتها، فيعتقد بعض المفكرين في تركيا الفتاة أن الإسلام دينٌ طارئٌ غريبٌ لا يصلح للترك، وأن الأولى بهم أن يرجعوا إلى وثنيتهم الأولى قبل أن يعتنق أباؤهم الدين الإسلامي”[1].

إن الندوي إذاً، كان يستشرف الخطر الذي يحيق بنا من جراء هذه المفاهيم الغربية عن القومية والجنسية وغيرهما، ذلك أن معنى أن يتأثر بهم المسلمون،

(47)

فيصنعون صنيعهم، ويقولون هلمّ نعد تاريخنا الماضي، ونتمسك بما كان عليه أجدادنا الأوائل قبل مجيء الإسلام، أن نتخلى عن الرابطة المقدسة التي تربطنا بعضًا بعضًا، وهي رابطة الدين والإيمان.

هل الحضارة الغربية إلى الزوال، وأوروبا إلى الانتحار؟

لا يقلّل الندوي من الحضارة الغربية وممثلتها أوروبا وأميركا، بل إنه يعترف بفضل هذه الحضارة على العالم، حتى صار العصر عصر الاكتشافات العلمية، ففضل هذه الحضارة وطرقها لباب الاكتشاف والاختراع بعبقريةٍ وإبداعٍ لا يقبل المكابرة أو الإنكار، وهذا هو موقف الندوي.

بيد أنّه كان يدرك أنه مهما بالغ المبالغون في إطراء الصناعات والمخترعات الحديثة في أوروبا، والإعجاب والثناء على مكتشفيها ومخترعيها، فإن هذا يجب ألا يصرف أنظارنا عن أن هذه الصناعات والمخترعات ليست غايةً في حدّ ذاتها، وإنما هي وسائل وأدوات لغاياتٍ أخرى، نحكم عليها بالخير والشر، أو النفع والضر، ونحكم عليها بالنجاح أو الفشل، بالنظر إلى الغاية التي وضعت لها، وبالنظر في النتائج التي ترتبت عليها، والدور الذي لعبته في حياة الناس والمجتمع، وفي أخلاقهم وسياستهم، ولكن ما هذه الغاية؟ يقول الندوي مجاوبًا: “أما الغاية فعلى ما أرى هي التغلب على العقبات والصعوبات في سير الحياة التي سببها الجهل والضعف، والانتفاع بقوى الطبيعة المودعة في هذا الكون، وخيراتها وخزائنها المبثوثة فيها، واستخدامها لمقاصد صحيحةٍ من غير علوٍّ في الأرض ولا فساد “[1].

لكن لا يمكن الانتفاع بقوى الطبيعة أو المخترعات الحديثة ما لم يكن هناك دينٌ نؤمن به، ويدعونا إلى توجيه هذا كله في الخير لا الشر، وهذا هو سبب ما تعانيه الحضارة الغربية الآن، إنها لما انتصرت على الديانة الكنسيّة اتخذتها عدوًا،

(48)

واتخذت كلّ الأديان أعداءً، فمنعها ذلك من البعد الروحي الذي يمكن أن يزن لها أفعال بميزانٍ حسّاسٍ، ويقودها إلى منافع الإنسانية بدلاً من قيادها إلى مجاهل الظلام والشرور.

إن الأوروبيين عند الندوي حرموا أنفسهم الدين، فخلطوا بين الوسائل والغايات، فلم يبقَ لهم رادعٌ من خلقٍ أو دينٍ، أو مرشدٌ من علمٍ إلهيٍّ، يرشدهم إلى الجادة، ونسوا غاية خلقهم ومبدئهم، فاعتقدوا بطبيعة هذه الطبيعة أن ليس للإنسان وراء اللذة والراحة والانتفاع المادي، والعلو في الأرض، وبسط السيطرة عليها ـ مثل مملكة لا سيد لها ولا وارث ـ والتغلب على أهلها واسئثار خيراتها، فاستعملوا هذه القوة، وهذا العلم في الحصول على اللذات والتغلب على المادة وقهر المنافسين، وتنافسوا في اختراع الآلات التي ينالون بها وطرهم، ويعجزون بها غيرهم، ولم يزالوا كذلك حتى اختلطت عندهم الوسائل بالغايات، فظنوا الوسائل غايات، واعتقدوا أن الراحة هي الحضارة، ثم تقدموا وصاروا يعتقدون أنّ السرعة هي الحضارة[1]

فالقوّة والأخلاق غير متعادلتين في أوروبا، وكذلك العلم والدين. يقول الندوي مصورًا تلك الحالة في أسلوبٍ بديعٍ: “فلم تزل القوة والعلم في أوروبا بعد النهضة الجديدة، ينموان على حساب الدين والأخلاق، ولم يزل الأولان في ارتفاعٍ وارتقاءٍ، والآخران في انخفاضٍ وانحطاطٍ، حتى بعدت النسبة بينهما، ونشأ جيلٌ كأنّه ميزانٌ لصقت إحدى كفتيه بالأرض، وهي كفّة القوة والعلم، وخفت الثانية ـ وهي كفة الأخلاق والدين ـ حتى ارتفعت جدًا، وبينما يتراءى هذا الجيل للناظر في خوارقه الصناعية، وعجائبه الكونية، وتسخيره للمادة والقوة الطبيعية لمصالحه وأغراضه، كأنّه فوق البشر، إذا هو لا يتميز في أخلاقه وأعماله، في شرهه وطمعه، في طيشه ونزقه، وفي قسوته وظلمه على البهائم والسباع، وبينما هو قد ملك جميع وسائل الحياة، إذا هو لا يدري كيف يعيش، وبينما هو قد بلغ الغايات وراء الغايات في

(49)

الكماليات وفضول الحياة، إذا هو لم يعرف المبادئ الأولية، والبديهيات للحياة الإنسانية والمدنية والأخلاق، فتراه يصعد إلى السماء، ويريد أن يناطح الجوزاء، وهو لم يتقن شؤون الأرض، ولم يصلح ما تحت قدميه، وقد خولته العلوم الطبيعية قوةً قاهرةً، وهو لا يحسن استعمالها، كطفلٍ صغيرٍ أو سفيهٍ أو مجنونٍ يملك أزمّة الأمور، ويؤتى مفاتيح الخزائن، فهو لا يزيد على أن يعبث بالجواهر الغالية والنفائس المخزونة، ويعيث في دماء الناس ونفوسهم”[1]

وكأنّ الندوي يقول لنا أنّهم يمتلكون قوةً يظنون بها أنهم الآلهة، بيد أنّ عقولهم عقول الأطفال، ومن ثم فإنّ أمةً كهذه تمتلك كلّ شيء، بيد أنّها لا زالت في مرحلة الطفولة عقليًا، إنما تسير إلى حتفها، فأوروبا متجهةٌ إلى الانتحار، والحضارة الغربية سائرةٌ إلى زوالٍ، خاصة بعدما تحول كلّ منتجٍ في عصر الحضارة إلى نوعٍ من الضرر، فقد صارت التكنولوجيا تُستخدم في ضرر الإنسان أكثر مما تُستخدم في منفعته، فالطائرات صارت للحرب ولقتل الأبرياء وللسيطرة على العالم، وكذلك صارت الإذاعات والتلفاز أداةً لعلوّ الصوت السياسي ولفرض رأيٍ سياسيٍّ معينٍ على الجماهير، وغيرها كثير، ومن ثم فلم تزد الآلات والمخترعات الحديثة الإنسان إلا إكثارًا في القتل، وسرعة إلى الانتحار، وما حادثة القنبلة النووية عنا ببعيدةٍ ولا بغريبةٍ.

حضارة الغرب عند الندوي حضارةٌ راقيةٌ تقودها أخلاقٌ وحشيةٌ وعقولٌ صبيانيةٌ، فتفتقر إلى وسطية الإسلام، ذلك أن الذي فطر المادة والروح قد فرض على المادة أن تخضع للروح[2]، كما نقد الحضارة الغربية لقيامها على الظلم والعدوان وإنكار الروح وعبادة المادة[3]، فالعقل الغربي عقلٌ شيطانيٌّ مدمرٌ وماديٌّ يشكو فراغ القلب

(50)

المؤمن والعقل الواعي بالإيمان، وفراغ الإخلاص، وفراغ التألم للبشرية[1]. بما يعني أنه عقلٌ ماديٌّ يتجه بقوّةٍ إلى الإلحاد.

كما نجد ذلك التأثر في الإلحاح على فكرة الماديّة الطاغية وفكرة الإلحاد المتحكمة في هذه الحضارة.

صفات الحضارة الغربية:

انتقد الندوي الحضارة الغربية، ونحن ندرك الدوافع التي أملت عليه ذلك، بيد أنه قبل نقده لها وصفها وصفًا دقيقًا، من خلاله عدّد لنا الصفات التي تتصف بها، وهي فضلاً عن كونها صفات، فإنها تعد في نظرنا أيضًا دعائم لهذه الحضارة المادية، إذ لا يمكن تصور الحضارة الغربية دون إدراجها داخل هذه الصورة، ويمكن أن نبين هذه الصفات في النقاط الآتية:

 الصفة الأولى – بطلان الحاسة الدينيّة:

كان الندوي دائم المقارنة بين طبيعة الإنسان الشرقي وطبيعة الإنسان الغربي في العديد من القضايا، وأخصها قضية البعد الديني أو الحاسة الدينية، ويظهر ذلك في طرحه العديد من التساؤلات، منها: ما الغاية التي ينتهي إليها الإنسان؟ وما مصيره الذي يصير إليه؟ وما طبيعة هذا المصير إذا كان موجوداً حقًّا؟ وهل للحياة الآخرة تعليمات وإرشادات في الحياة الدنيا؟ ومن أيّ منبعٍ تُستقى هذه المعلومات؟ وما الطرق والأسس التي إذا سار عليها الإنسان كانت حياته الآخرة راضيةً مرضيّةً؟ وما الطريق المثلى للوصول إلى السعادة بعد الموت؟ ومن أين تستفاد هذه الطريق؟

ويحاول الندوي ـ في مختلف كتبه التي خصّصها لنقد الحضارة الغربية، أو التي

(51)

يتحدث فيها عن قيمة الحضارة الإسلاميّة ودورها الكبير الذي يمكن أن تقوم به في الأخذ إلى مرحلةٍ من الاعتدال الحضاري إن جاز لنا أن نسميه ـ أن يعقد مقارناته بين الشرقي والغربي في ما يتعلق بنصيب كلّ منهما من الحاسة الدينية، ولذا هو كان دائمًا ما يطرح الأسئلة؛ لأن “تلك أسئلة ورثها الشرقي أبا عن جد، وشغلت خاطره، وأزعجت فكره طيلة قرون، ولم يقدر أن يذهل عنها، ويتناساها حتى في لهوه وزهوه، وكانت هذه الأسئلة حافز نفسه، ونداء ضميره، ولم يستطع أن يُتصام عنه ويطوي دونه كشحًا، بل أصغى إليه في رغبةٍ ونصيحةٍ وإخلاصٍ، وأحلّ هذه الأسئلة من نفسه وحياته المحلّ الأول، ومنذ آلاف السنين إلى اليوم وهو في أخذٍ وردٍّ ونقضٍ وإبرامٍ في هذا الموضوع، وليس ما نسميه بما وراء الطبيعة والفلسفة الإلهية، والإشراق والرياضة النفسيّة، والعلم والحكمة إلا محاولات ومغامرات في هذا الطريق الطويل، وارتيادًا إثر ارتيادٍ في مناطق مجهولةٍ، ينبئ عن اهتمام الشرق البليغ بهذا الموضوع ورغبته الملحة فيه“[1].

إنّ الحاسة الدينيّة عند الندوي ليست أكثر من حاسةٍ سادسةٍ[2]، وهي حاسةٌ يمتلكها الإنسان الشرقي، ويفقدها الإنسان الغربي المتخم بالمادة والنفعيّة، وهذه الحاسة لها آثارها ونتائجها، أو بالأحرى وظيفتها، التي لا تختلف عن أيّ حاسةٍ عضويّةٍ في النفس الإنسانيّة من حيث القيمة، فإذا كان للبصر قيمته وللأذن وظيفتها، فإنّ للحاسة السادسة وظيفتها التي لا يمكن إنكارها، بيد أنّها حاسةٌ لا يمتلكها الجميع، وإنما يمتلكها أهل الشرق.

هذه الحاسة وإن كان يمتلكها الشرقي، فالغربي يفتقدها، ومن فقدها لطارئٍ مؤثرٍ،

(52)

أو حُرِمَها لنقصٍ في الفطرة بطلت نتائجها وآثارها الخاصة به، وانعدمت في حقه، بحيث لا يستطيع أن يتصورها أو يصدقها، شأنه في ذلك شأن الأعمى لا يبصر الألوان والأشياء المرئيّة، وقد يكابر ويعاند في إنكارها، كذلك شأنه عنده كشأن الأصم الذي ليست الدنيا الصاخبة إلا مدينة الأموات بالنسبة له، كذلك الأمر بالنسبة لمن فقد الحاسة الدينيّة فإنّه يجحد الغيب ويكابر في ما وراء الطبيعية، ويعاند في المعاني الدينيّة، ويقسو في ما يستحق هزّ النفوس، ورقّ القلوب، وذرف العيون[1].

ومن ثم فإنّ الإلحاح على نقد النهضة الأوروبية أو الحضارة الغربية من حيث فقدها للحاسة الدينية علامةٌ بارزةٌ في المنهج العام لفكر الندوي، حيث كان دائم الإلحاح على أن الغرب بمحاربته للدين وتماديه في ذلك، فقد هذه الحاسة، ولما غلبته ماديّته شيئًا فشيئًا، وتباعدت بذلك المسافة بينه وبين الدين، كانت النتيجة الملازمة لذلك زوال الحاسة الدينيّة والتعمّق أكثر في النزعة الماديّة المطلقة.

ولذا فإن محاولة تغيير هذه الحاسة لتكون في صفّ الدين، بحيث تقوى وتزداد نموًا، أمرٌ فيه من الصعوبة بمكان، حتى لكأني بالندوي وهو يرى استحالة ذلك، بل لكأنّه يشفق على الداعي الذي يدعو هؤلاء إلى الإيمان والعمل من أجل العقيدة والروحانيات والأخلاقيات كعاملٍ مكملٍ للحضارة المادية.

الصفة الثانية – طغيان المادة والمعدة:

طغيان المادة في الحضارة الغربية أمرٌ لا ينكره منكر، ذلك أن الفلسفات التي بنى عليها الغرب حضارته، هي فلسفاتٌ ماديّةٌ صِرفةٌ، تقوم على مبدأي: الحسيّة (المحسوس) والمنفعة، حتى كادوا أن يقولوا لا وجود إلا للمادة، ولا نهم إلا في النفعية، وقد تسلط عليها سلطان الجشع، وشيطان الحرص. وربما كان ذلك أيضًا نتيجة أن تلك الفلسفات تعمل للدنيا، ولا تعمل للآخرة، لكونها ماديّةً صرفةً، ومن

(53)

ثم فإن الباب مفتوحٌ فيها على مصراعيه لجلب المنافع الدنيويّة، ومغلقٌ إغلاقًا شديدًا لجلب منافع أخروية.

ويمكن القول أنّ الندوي كان يُرجع شيوع هذه الماديّة إلى عدّة أسباب:

الأول: وضع الحياة الغربية المعاصرة وطبيعتها؛ كونها ماديّةً بصورةٍ مغاليةٍ، لا تؤمن بالآخرة، وهو ما تمّ طرحه سابقاً.

الثاني: الأدب العصري، ويقول الندوي: “الأدب العصري  بمعناه الواسع ـ الذي لا يتحدث إلا عن المادة وأصحابها، ويخنع لأهل الثراء، وأصحاب الاحتكار، وأصحاب الإنتاج، الخنوع الذي لا يليق بالأدب الشريف العالي، فيكتب دقائق حياتهم في تفصيل، وينشر ألقابهم وأسماءهم بقلمٍ عريضٍ، وكلّ نفسٍ من أنفاس مدحه وتقريظه، وكلّ فصلٍ من فصول روايته ينتهي إلى نتيجةٍ ماديةٍ، أو إلى بطلٍ من أبطال المادة، ويزين للقارئ المذهب الأبيقوري تارة بالتلميح وتارة بالتصريح، ويحث الشباب على التهام الحياة، وانتهاب المسرات نثرًا وشعرًا، وفلسفة ورواية، وتحليلاً وتصويرًا، فلا ينتهون منه إلا بالروح المادي، والتقديس لرجال المادة”[1].

الثالث: المجتمع، فالمجتمع حقًا تغيرت مفاهيمه عن الحق والخير والشرف، بل لقد تناساها بالكلية، يهتم بالمظاهر ولا يهتم بالجوهر. هذا المجتمع يقدم كلّ التقدير والاحترام لصاحب الغنى والمال، ضاربًا صفحًا عن كلّ خصاله المرذولة من لؤمٍ وسوء أخلاق، “ويتجنى على الإنسان الذي لا يترجح في ميزانه مهما كثرت مواهبه، وطاب عنصره، وسما جوهره، ويلمح ـ وقد يصرح ـ بأن الفقير لا يستحق الحياة، ويعامله معاملة الدواب والحمير والكلاب، فيرغم الإنسان ـ إذا لم يكن ثائرًا على المجتمع ـ على أن يخضع لشريعة مجتمعه، فلا يلبس إلا لغيره”[2].

(54)

وهذا المجتمع يساعد على المادية كذلك باختلال المعايير فيه، فلا الصواب صواب، ولا الخطأ خطأ، “وهذا المجتمع لا تزال مقاييسه للشرف والظرافة تتغير، ومعاييره للإنسانية تتبدل وتتحور، ومطالبه تتنوع وتتكثر، حتى يضيق الإنسان بها ذرعًا، ويلجأ إلى طرقٍ غير شريفةٍ؛ لتحصيل المال، وإلى كدحٍ وكدٍّ في الحياة، وهناك أمورٌ تتوالى، ولا تنتهي، ومتاعبٌ تتسلسل، ولا تنتهي”[1].

الرابع: نظام الحياة الآلي، هذا النظام الذي يراه الندوي نظامًا يغلب عليه الإنتاج الصناعي الآلي، الذي يعده سيلاً متدفقًا من أحدث المنتجات، وأحدث طراز من السيارات والسجائر والأزياء والقبعات والأدهان والأطلية وأسباب الزينة والزخارف والأجهزة، وهذه كلها عنده في سبيل الاستغلال الصناعي والاحتكار التجاري، ولا تلبث هذه المنتجات التي هي من فضول الحياة أن تدخل في أصول المعاش ولوازم المدنية، والذي لا يتحلى بها لا يعد من الأحياء”[2]

بما يعني أن طابع الحياة الشكلي لا يزال يتغلب على الطابع الجوهري الذي يجب عليها الالتزام به، وكلما زاد الأول على الثاني زاد بعد الناس عن الروحانية والإيمان، واقتربوا من الماديّة بكلّ قوةٍ، وفي وقتٍ أسرع؛ كما أنّ هذا يعني أن الطابع الغالب في هذه الحضارة هو الطابع الآلي الصناعي، هذا الطابع من شأنه أن يقود إلى شيوع المادية، ما لم يكن هناك عقيدةٌ تمتلك القلوب، ودينٌ يقودها وإيمانٌ راسخٌ بالقيم والمثل الإنسانية التي لا يمكن الاختلاف عليها.

نعم إن لهذا النظام الآلي إيجابيات تتمثل في جوانب العبقرية في التنظيم والإدارة والنظام السياسي والديمقراطي والنظام القضائي والحقوقي والعدلي والصناعة والاختراع، بيد أن سلبياته على المستويات الأخرى كبيرة، فعلى المستوى الاجتماعي مثلاً يزداد الوضع الغربي بؤسًا وشقاءً، “فالمنبهرون بالحياة الغربية

(55)

عليهم أن ينظروا للكوب كلّه، لا إلى الجانب المملوء فقط، حتى يمكن تقييم الموقف بشكلٍ كليٍّ ومتوازنٍ”[1].

ولكن بالنظر إلى أنّ الطابع الآلي الإنتاجي الصناعي نجده يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالناحية الاقتصادية، فالاقتصاد هو العامل المحرك لكلّ مظاهر الحياة الغربية، بل واقتصاد كلّ دولةٍ، وبما أنّ الأمر مرتبطٌ بالاقتصاد، فلابدّ كذلك أن تكون الحياة مرتبطةً بالمال؛ إذ إن بريق المال هو الأقوى في هذا الزمان، فهو لغة الجيب التي لا تضاهيها لغة أخرى، وليس لها في أيّ مجتمعٍ ماديٍّ منافسٌ أو منازعٌ.

ولذا يوصي الندوي بأن نعلم الحياة عن كثب، لا عن طريق الكتب، فقد كان مدركًا أن الكتب تصور لنا العالم عامة والحضارة الغربية خاصة وكأنك تعيش في عالمٍ من صنع الحياة، ليس فيه كدرٌ ولا عكر، عالمٌ تقوده الأماني والأحلام والآمال. ولذا يقول: “إذا حكمت على عصرك وطابعه وأذواقه، وأنت بمعزلٍ عن الحياة، وبنيت حكمك على مؤلفاتٍ ومقالاتٍ، إنما تكتب في زاويةٍ من زوايا المكتب، فإنك تغالط نفسك، وقد تقرأ في هذه الكتب الفلسفية أو المقالات العلمية التحليلية كأنك في عصرٍ متمدنٍ راق تتحكم فيه معايير الأخلاق، وتسود فيه المثل العليا، ويغشاه سحاب الفضيلة والنبل، وتحلق عليه روح الديانة والعلم، ولكن الواقع غير ذلك، فإنّ هذه الكتب إنما أُلّفت في عالم الخيال الذي يعيش فيه مؤلفوها، إن أهواءهم وأذواقهم هي التي خلقت لهم عالمًا خياليًا يصفونه ويصورونه في كتبهم، حتى يخيل إلى القارئ أنه هو العالم المحيط به.. وللإهواء عجائب وخوارق”[2].

الصفة الثالثة – التدهور في الأخلاق والمجتمع:

إن الصفة التي تمثل واحدةً من الصفات الرئيسة في الحضارة الغربية صفة

(56)

التدهور الأخلاقي على المستوى الفردي والمستوى المجتمعي، وهذه الصفة يعوّل عليها الندوي كثيرًا في نقده لهذه الحضارة ونواتجها التي لا تتدخر جهدًا في النيل من كلّ ما هو أخلاقيٌّ في الإنسان ليكون متوائمًا مع هذه الحضارة العرجاء التي تسير بقدمٍ واحدةٍ وهي الماديّة، وتترك الثانية وهي الروحانية، والأخلاقيات المريضة في حاجةٍ إلى جبر انكسارها. وقد أفردنا مساحةً خاصةً لهذا الأمر في الفصول القادمة، باعتبار أنها من أسباب نقد الندوي لهذه الحضارة. ولعلّ بعض الباحثين يرجعون ذلك إلى ميزةٍ مهمةٍ تتميز بها البيئة الإسلامية عن البيئة الغربية، حيث إنّ أهم ما يميز الأخلاق في الفكر الإسلامي عن الأخلاق في الفكر الغربي، أنّ الأولى تأخذ في الغالب الأعم من مبادئها بمبدأ الحلال والحرام، كمعيارٍ للحكم على الأفعال، بينما يأخذون في الفكر الغربي بمبدأ الخطأ والصواب[1]. فالمبدأ الأول ينظر للآخرة، بمعنى النظر إلى تبعاته الأخروية، وما يترتب عليه من حسابٍ وعقابٍ، جنة ونار، في حين ينظر المبدأ الثاني إلى الدنيا بكليته، وما يترتب على الفعل من نعيمٍ دنيوي فقط. 

الصفة الرابعة – التأثر بالمدارس الفلسفية:

تمثل قضية التأثر بالفلسفات القديمة والحديثة أحد الصفات التي تتصف بها الحضارة الغربية، والتي تدفعها دفعًا شديدًا نحو الماديّة المفرطة التي يعاني منها العالم الآن، فالغرب منذ نشأة الفلسفة فيه لديه ميولٌ ناحية المادة واللذة، فقد نشأت قبل الميلاد المدارس الفلسفية التي اتخذت من اللذة مقياس كلّ شيءٍ، فبمقدار إشباع اللذة والشهوة تحصل السعادة للإنسان على ظنّ هذا المذهب، وإذا اتصلت اللذة بالفكر، في الأمر المادي هو الغالبة، كذلك نشأت بعض المدارس النفعية، التي كانت ترى السعادة في تحقيق أكبر

(57)

كمٍّ من السعادة للمجموع أو النوع الإنساني[1]، وهذه النفعية أيضًا تقود لا محالة إلى المادية المفرطة، حتى مع توالي الاتجاهات الفلسفية والمدارس الفكرية، فإنّ الاتجاه الغالب عليها ماديٌّ صرف، سواءً أجاءت تحت عنوان التجريبيّة أم الوضعية، إلخ. ومن ثم فإنّ الفلسفات الغربيّة كانت الأم التي خلفت لنا هذه الحضارة، وقد اختمرت هذه الحضارة في بطن تلك الأم، فشربت لبنها، وتغذت من طعامها، وما لبنها وغذاؤها إلا الفكر المادي المنبني على لذةٍ جوفاء ونفعيّةٍ مقيتةٍ، تهدم ولا تبني. ومن ثم “فكان نتيجة ذلك أن الذهن الغربي والمنطق العصري أصبحا عاجزين عن الاهتداء إلى منفعةٍ غير محسوسةٍ لا تجلب لذةً واغتباطًا، وأصبح العقل الأوروبي محاميًا عن المادية، لا يحكم على الأخلاق بالحسن والصحة، إلا بمقدار جلبها للمنافع المادية، وبحسب ما يكتسب المجتمع بواستطتها من اللذة والهناء، والأفراد من الاغتباط والرخاء، فأصبح الرزق المادي هو الميزان للأخلاق، والفارق بين الشر والخير، وأصبحت الأخلاق التي لا وزن لها في ميزان المادة، لا قيمة لها إلا القيمة الدينيّة أو الخلقيّة في المصطلح القديم، ينتقص كلّ يومٍ سلطانها على القلوب والعقول، وتعدم أنصارًا وتصبح من شعائر القديم، وذكريات العهد الماضي كحنان الأبوين، وحبهما للأولاد، ووفاء الأزواج، وحفظهن للغيب، وتحلّ محلّ هذه الأخلاق المقدرة الصناعية والاختراع والإنتاج والوطنية والجنسية، ولا تزال ترتفع قيمتها، ويرجح وزنها”[2]

وهذه الصفات التي ذكرها الندوي تعبّر بوضوحٍ عن المظاهر التي تنطوي عليها الحضارة الغربية، بل تعدّ الإفرازات والنتوءات التي أفرزتها هذه الحضارة، بأعلامها وفلسفتها واتجاهاتها. والملاحظ هنا الارتباط الشديد بين كون هذه الصفات

(58)

مظاهر، وبين كونها أسبابًا، إذ تصح كلّ واحدةٍ من الصفات الأربعة السابقة أن تكون مظهرًا للحضارة الغربية، كما يصح أن تكون سببًا فيها، وأداة ارتكزت عليها في بنائها. فبطلان الحاسة الدينية قد يكون مظهرًا لها، وقد يكون سببًا فيها، وطغيان المادة يعدّ مظهرًا وسببًا، وكذلك التدهور الأخلاقي، والمدارس الفلسفية التي تشترك بين كونها نظرًا، وكونها سببًا.

(59)
(60)

 

 

 

 

 

الفصل الثاني

أسس ودوافع نقد الغرب وحضارته

(61)

يمكن القول أنّ الندوي كان ينتقد من الحضارة ـ أيّ حضارة كانت ـ ماديتها المفرطة، فمنذ بدء تاريخ الحضارة سواءً أكانت غربًا أم شرقًا نجد أنها كانت تعوّل على الجانب المادي مهملةً الأبعاد الروحيّة في الإنسان، ومن ثم انتقدت من قبل العديد من المفكرين في هذا الجانب، وقد انتقد الندوي مثلاً الحضارة الرومانيّة في الغرب، وغيرها في الشرق في وقت نزول الرسالة المحمدية.

وعلى الرغم من أن الحضارة ـ أي حضارة كانت ـ عند الندوي قد توفرت لها من الوسائل الكثير إلا أنه كان ينتقد فيها البعد عن روح الإيمان، حيث يراه فراغًا عقديًا، فراغًا إيمانيًا، إذ ليس هناك استقرارٌ وهدوءٌ نفسيٌّ، كما أنّه ليس هناك سكينةٌ ولا ثقة بالنفس ولا ثقة بالإنسان، هذه الحضارة قامت على المادة والرفاهيّة والتمتع بالملذات والتفنّن في المظاهر البراقة. “لكن ما وراء هذه النقطة؟ لا يعرف ذلك أحد، لا فلاسفة، ولا حكماء، ولا أدباء ولا شعراء، ولا مقننون للقانون، والمشرعون البارعون، ولا قادة حرب، ولا قادة فكر، كلهم واقفون واجمون، حائرون مضطربون متشككون مرتابون، لا يعرفون المصير الإنساني، ولا يعرفون ما وراء هذه الطاقات التي استخدموها وعصروها عصرًا، حتى ما بقيت فيها قطرة، ولكن ماذا بعد؟ لا يعرف ذلك أحد، فراغ في العقائد، عقائد لا تستحق أن تسمى عقائد، كلّ ما كان عندهم هو تاريخ عقائد، يعني كانوا يؤمنون بكذا في زمن من الأزمان، كانوا يؤمنون بالله تعالى في غابر الدهر، ولكن هل لا يزالون يؤمنون بالله؟ لا، كلّ ذلك إنما هو تذكار تاريخي، إنما هو آثارٌ تاريخيةٌ قد حفظت ودونت في كتب التاريخ والفلسفة، ولكن ما هنالك عقيدة حية قوية تملك عليهم مشاعرهم، وتضبط حركاتهم وسكناتهم، وتحكم عليهم، لا، قد أفلت الزمام، قد فقدت هذه العقائد كلّ قوةٍ وكلّ ضبط، وكلّ حكم، فالعقائد هي عقائدٌ تقليديةٌ

(62)

فقط، عقائدٌ مرددةٌ باللسان، ولكن ليس لها نفوذ، ليس لها تأثير في الأخلاق ولا في الأعمال”[1].    

ومن ثم نفهم أن الندوي عندما كان ينقد الحضارة إنما كان ينقد فيها عبثيّتها، وقيامها على لا هدف، فالحضارة العديمة الهدف كالحكومة عديمة الهدف، والقوانين عديمة الهدف، كلها سواًء في كونها تنتمي لعقليّةٍ قاصرةٍ تهدف إلى حياةٍ بدون متعةٍ حقيقيةٍ، وإلى جسدٍ ليس فيه روح. وعلى الرغم من النقد الشديد الذي وجهه الندوي للحضارة قديمًا وحديثًا، فإنّه كان محقًا في العديد من أوجه هذا النقد، وإن كنّا لا نتفق معه في بعضها.

والمتأمل في الخط الفكري العام للندوي وللمنهج الذي يتبعه وللمنطلقات الفكرية التي ينطلق منها يتأكد له تمام التأكد أنه كان في غاية الاستياء من الثقافة الغربية الوافدة على بلاد الشرق، وكان أشد استياء من تأثيرها على الجيل المثقف خاصةً، لكنه لم يكن ليقف مكتوف الأيدي أو مغلول العنق تجاه هذا الأمر، فراح يُبيّن مظاهر هذه الحضارة الوافدة وخطرها على الجيل المسلم، خاصة وقد وجد لها آذانًا صاغيةً في الجيل المثقف، مع ما في ذلك من خطورةٍ جمةٍ.

وقد تحدث الندوي كثيرًا عن المظاهر المشينة في هذه الحضارة حديث الخبير، مقارنًا بينها وبين تلك المظاهر التي كانت توجد في عصر الجاهلية من قتلٍ وسفكٍ للدماء، وامتهان كرامة الإنسان، لكي ينتهي في آخر المطاف إلى أنه رغم التقدم المادي والتكنولوجي في العصر الراهن فإنّه على الجانب الروحي والأخلاقي لا يختلف كثيرًا عن ذلك الرجل الذي كان يعيش قديمًا في كهفٍ مظلمٍ، وكان يتقاتل من أجل المادة. والغريب أنّ هذه الحضارة الغربية تتذرع بالعقل، وتؤلّه العلم، وهي في حقيقة الأمر موغلةٌ في الجاهلية الخلقيّة حتى النخاع، ومن ثم يقول أحد

(63)

الباحثين: “رفضت أوروبا أن تدخل في الإسلام، وتنسلخ من الجاهلية، وتكفر بقيم الشرك، بل راحت تعلنها حربًا شعواء على الإسلام، حربًا لا زالت إلى حدّ اللحظة، وتبقى بعد ذلك حقيقة مبدئية في تأثير الجاهلية الإغريقية في الحضارة الغربية الحديثة، وهي الانحراف الجوهري، الذي ورثته الحضارة الغربية من الجاهلية الإغريقية، بالرغم من التغيرات التي أحدثها المنهج التجريبي ذو الأصل الإسلامي، ذلك الانحراف المتمثل في تحكيم العقل، في ما لا مجال فيه، واتخاذه حكمًا في ما لا يصلح أن يكون حكمًا فيه”[1]. وهذا كلّه دليلٌ على الفراغ العقدي الذي ينتاب الغرب عامةً والحضارة الغربية خاصة، وهذا يفسر من جانبٍ لماذا يلجأ الغرب إلى العديد من المظاهر الغريبة كالانتحار مثلاً في ظلّ هذه الرفاهيّة غير المحدودة.

إنّ الندوي كان ينتقد ظاهرة الانتحار التي تحكمت في الشباب الغربي نتيجة الفراغ العقدي، إذ كيف يستساغ وجود مثل هذه الظاهرة في حضارةٍ ملكت بأدواتها العالم من حولها؟ كما انتقد قضية الإفراط الواضح في إزهاق النفس البشرية، والتعامل مع البشر بفوقيةٍ مقيتةٍ، جعلت من أكبر المدن الأميركية كشيكاغو مرتعًا للجريمة والخروج عن القيم الإنسانية والسلوكيات، والأخلاقيات، ومن ثم فإن الندوي ينطلق من هذا إلى الفكرة الرئيسة التي لطالما نقد الحضارة الغربية من أجلها، تلك الفكرة مؤداها: إنسانية الإنسان، ولا شي غيرها، لقد صنعت الحضارة إذاً أناسًا لا يملكون من الإنسانية إلا اسمها فقط، أما روحها وجوهرها، فلا تمت له بصلة.

ففي الولايات المتحدة الأميركية، يبلغ معدل الانتحار السنوي 13.26 لكلّ 100،000 شخص. ويموت الرجال عن طريق الانتحار بمعدل 3.5 مرة أكثر من النساء. وفي المتوسط، هناك 121 حالة انتحار في اليوم. ويشكل الذكور البيض 7

(64)

من كلّ 10 حالات انتحار، هذا وفقاً لتقديرات عام 2015م. وتمثل الأسلحة النارية ما يقرب من 50 في المائة من جميع حالات الانتحار[1].

وبحسب منظمة الصحة العالمية:هناك ما يقرب من 800،000 شخص يموتون بسبب الانتحار كلّ عام، وهناك العديد من الذين يحاولون الانتحار. وبالتالي، يتأثر ملايين عديدة من الناس أو يعانون من الفاجعة الانتحارية كل عام. والانتحار هو السبب الرئيس الثاني للوفاة بين الأطفال، الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و 29 عاما على الصعيد العالمي [2]..

لقد حاول أن يبحث عن الإنسان في هذه الحضارة فلم يجده، حاول أن يبحث عن القيم فلم يجدها، حاول أن يبحث عن الأخلاقيات والمبادئ الإنسانية فلم يجدها، فكيف تكون إذاً حضارة، إذا كان القمح الأميركي يلقى في النهر حتى لا تقل أسعاره العالمية، في الوقت الذي يتضور فيه الملايين من أبناء هذا العالم جوعًا خاصة في أفريقيا، فكيف تكون هذه حضارة؟ إذا كانت أكثر التجارات رواجًا في العالم هي تجارة السلاح، التي يروجها دعاة هذه الحضارة والرعاة الرسميون لها، فكيف تكون تلك حضارة؟ 

ويمكن القول أيضاً أن الندوي لم ينقد الحضارة الحديثة فحسب، بل بدأ قبل كل شيءٍ بنقد الحضارات التي كانت سابقةً على الإسلام ومنها الحضارة الرومانية، وهي حضارة الغرب القديم، والندوي وهو في سبيل نقد هذه الحضارة كان يستحضر النموذج الغربي الحديث في الحضارة، بل إن الندوي كان يؤوّل الآيات القرآنية تأويلاً جديدًا يخدم وجهة نظره في نقد البناء الحضاري الغربي من أساسه.

والدليل على أن نقد الحضارة الغربية كان مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا عند الندوي

(65)

بمنهجه في تأويل العديد من الآيات التي اتخذها منطلقًا إلى نقد الفكر الغربي وحضاراته، نذكر من هذه الآيات على سبيل المثال لا الحصر: “أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها، ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور”(النور: 40). فهو يفسر هذه الظلمات على أنها ظلمات الجهالة التي ترسف فيها الحضارة من الناحية الإنسانية والأخلاقية: ظلمة في الحضارة، ظلمة في القانون، ظلمة في السياسة، ظلمة في التفاوت بين طبقات المجتمع. ومن ثم فإنّ هذا الظلام عنده يمثل ظلمةً مطبقةً صنعها الإنسان بنفسه، وجعل القيود تلتف حول عنقه برضاه.   

ومن ثم فقد كان موقف الندوي من الحضارة الغربية موقف المتحفظ، موقف الحذر، حاول أن يتعامل معها وهو على مستوى عالٍ لا منخفض. لم يكن يقدس هذه الحضارة أو يبالغ في إطرائها، بل كان موفقه موقف المعتز بدينه، موقف المسلم المؤمن بالقرآن، موقف مسلمٍ حاملٍ لتاريخٍ مشرقٍ مجيدٍ، وهو يحدث نفسه بأنّه كمسلمٍ قائدٌ للإنسانية وإمامٌ، وسيظلّ كذلك إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها[1].

وما يدلّ على أن الندوي وهو معتزٌّ بدينه لا يمانع من أن يكون المسلم على تواصلٍ مع هذه الحضارة الغرّاء في جانبها الإيجابي، أنه لم يكن من أولئك النفر الذين يحرمون أن تطأ أقدام المسلمين أرض الغرب أو أن يفدوا إليها، أو أن يأتوا إليها دارسين متعلمين، وكيف ذلك وهو كدارسٍ للفلسفة والحضارة والتاريخ قد جال دول الغرب. بيد أنه وهو في سبيل التواصل مع الغرب، كان دائمًا يريد أن يكون المسلم على وعيٍ، لا يفقد شخصيته، ولا يقلّل من قيمته وقيمة الدين الذي ينتمي إليه.

(66)

ومن الملاحظ أن الندوي يرمي من طرفٍ خفيٍّ تارةً ومن طرفٍ غير خفيٍّ تارة أخرى إلى الربط بين الحضارة الغربية وغياب الحرية، وبين الانخلاع عن هذه الحضارة والحرية، إذ من المؤكد أنه يرى في سير المسلمين خلف مظاهر هذه الحضارة إنما يعني التنازل عن حريتهم، إذا غيبوا عقولهم، وأخذوا بتلابيبهم مقتفين أثر الحضارة الغربية دون نقد لها، معتبرين أنها كلُّ شيءٍ فإنما يعني ذلك وضع القيود في أيديهم بأنفسهم لا عن طريق شيءٍ آخر.

إنّ الندوي كان ينادي بالكفران بهذه الحضارة، لا الكفران بها بالكليّة، ولكن الكفر بجانبها السلبي الذي لا يضع اعتباراتً للقيم الإنسانيّة والأخلاق الفاضلة، اعتبارات تهمش الروح والمبادئ، لقد كان مقدرًا لتلك الحضارة، ولكن تقدير الحَذِر المتحفّظ، بدليل أنّه دعا إلى الاستفادة منها في تنظيم الحياة في بلادنا، وفي ترفيه العديد من الجوانب التي تحتاج إلى ذلك، كما أنّه دعا إلى الاستفادة من العلوم الصناعيّة والتجربة، وفي العلوم الرياضية والتكنولوجية، دون أن نقلّدها في الإيمان أو الأخلاق أو العقيدة، فهي أفقر ما تكون إلى كلّ هذه القضايا الكبرى واللازمة لحياة الإنسان.

ويمكن القول من خلال الاستقراء العام لفكر الندوي أنّ هناك مجموعةً من الأسس التي بنى عليها نقده للفكر الغربي، ورفضه للحضارة الغربية، وهي على النحو الآتي:

أولاً – البعد الديني العقدي:

انتقد الندوي الحضارة الغربية بناءً على توجهاتٍ عقديّةٍ دينيّةٍ لا شك في ذلك، فالرجل كان يميل إلى عقد مقارناتٍ بين الجانب العقدي في الحضارة الغربية والحضارة الشرقيّة، وكان يتهم الأولى بأنّها حضارةٌ لا تقوم على أساسٍ عقديٍّ، فالغرب يملك في نظره كلّ شيءٍ إلا أنّه لا يملك الإيمان، ولا يملك الهدوء

(67)

والاستقرار النفسي، وليس في حضارته ما يصنع الإيمان، فالمصانع لا تصنع للغربييين إيمانًا، ولا تقودهم إلى التخلق الروحي، وإنما الذي يقود إلى الإيمان الحقيقي هو الإسلام.

فالندوي يُعوّل على الإسلام قرآنًا وسنّةً في نقده لهذه الحضارة الجوفاء، “من أين يستصدر الإيمان؟ من أين يجلب الإيمان؟ يجلب الإيمان من القرآن، يجلب الإيمان من السيرة النبويّة، يجلب الإيمان من هؤلاء المسلمين الذين يعيشون على إيمانهم، ويحمدون الله على فقرهم وهم راضون مطمئنون هادئون ساكنون، ليس عندهم قلق، هذا القلق الذي استحوذ عليكم ـ يقصد الغرب ـ وجركم إلى السآمة، وإلى ردود فعلٍ حمقاء، وجركم إلى الانتحار، وجركم إلى اليأس القاتل، هذا الإيمان لا يمكن أن تقتبسوه من إيمانكم، ومن هذه الجامعات الكبيرة، وإنما تقتبسونه من القرآن وحده، وتقتبسونه من السيرة النبوية وحدها، ومن تاريخ الصحابة رضي الله عنهم، إذا كنتم تتمتعون بقشور الحياة، فإنّهم كانوا يتمتعون بجوهر الحياة وروحها ولذتها”[1].

ويكفي أن ندرك أهمية البعد الديني في نقد الندوي للحضارة الغربية، إذا علمنا أنه كان يؤوّل بعض الآيات ـ خاصة آيات سورة الكهف ـ التي رآها تعبر عن واقع الحال الذي نحياه، فإذا سئل عن السورة القرآنيّة التي تصف هذا العصر وصفًا دقيقًا، وتصف الحضارة الماديّة التي اعتمدت على المادي والمحسوس وإنكار الحقائق الغيبية وما وراء هذه الحياة، والتي اتخذت من الماديّة غايةً قصوى ومقصدًا أسمى، لأجاب من فوره: إنّها سورة الكهف. فالله تعالى أشار في سورة الكهف بقوله تعالى: “إنّا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوكم أيكم أحسن عملاً وإنا لجاعلون ما عليها صعيدًا جرزًا”(الكهف: 8، 9)، ومن ثم يفسر الندوي لفظة الزينة بأنّها زينة الحضارة

(68)

الماديّة التي تهتم بالمظاهر الجوفاء والطلاء الخدّاع، فضلاً أنه استشهد بقوله تعالى في السورة نفسها: “وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا”(الكهف: 28)؛ لكي يؤكد على أنّ هذا الجيل الذي نعايشه ونعاصره، هو الجيل الذي غفل أو تغافل عن ذكر الله تعالى الذي أُمرنا به في هذه الآية، بسبب اتباع الهواء، “وكان أمره فرطًا”، فهو جيلٌ يمتاز بالتفريط والإفراط في كلّ شيءٍ، يحب النهاية، ويحب  الطرافة، ويحب الجدة، ويحب الوصول إلى آخر المدى[1].

يقول الله تعالى في هذه السورة: “وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلا”(الكهف: 45، 46). وفي الآيات الختاميّة من السورة يقول تعالى: “قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا” (الكهف: 103: 105).

ولقد لفتت هاتان الآيتان نظر الندوي واسترعتا انتباهه، فوقف كثيرًا عند قوله تعالى: “وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا”، فقد ربط بين هذه الآية وبين ما امتاز به قادة الحضارة الغربية الذين يملكون زمام الحضارة الغربية ورسموا لها خطواتها، ويظنون بأنّهم يحسنون الصنع ويقودون البشرية إلى الرقي والتقدم المادي. لكن الندوي ينظر إليهم على أنّهم يسيئون ولا يحسنون صنعًا، يهدمون ويعتقدون أنهم يبنون، يخربون ويعتقدون أنهم يشكلون ويكوّنون، يفسدون ويعتقدون أنهم يحسنون إلى الإنسانية.

(69)

بل إنّ الندوي ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، فقدّر أنّ الآيات الأولى التي وردت في سورة الكهف على أنّها تحذّر من الدجال الأكبر، الذي ـ بحسبه ـ هو الحضارة الغربية. “ولذا كان الدجال الأكبر الذي نبه به الرسول صلى الله عليه وآله وحذّر أمّته منه هو زعيم هذه الحضارة الأكبر، هو الذي يتولّى قيادتها ويتولى كبرها، ويدعو إليها، إنّه رمز الماديّة الأكبر، ولذا جاء في الأحاديث الصحيحة التي رواها أصحاب الصحاح أنّ النبي صلى الله عليه وآله حثّ أمّته على قراءة هذه السورة، وقال بأنّ قراءتها تعصم من فتنة المسيح الدجال؛ لأنّ هذه السورة تضرب على الوتر الحساس إذ تضع الإصبع على موضع الداء. إنّ هذه السورة الكريمة المعجزة هي التي تجسد الأخطار التي تحلق على رأس البشرية عن طريق هذه المدنية الزائفة، وعن طريق هذه المدنية الراعنة، وعن طريق هذه المدنية المتطرفة المغالية”[1].

وهذا يؤكد على أنّ الندوي كان يستنطق الآيات القرآنية ـ وفق بعدٍ تأويليٍّ جديدٍ ـ لكي يؤسس موقفه من الحضارة الغربية، وليُؤكد على موقف الدين الرافض للمادية الطاغية التي انبنت عليها واتخذتها ركيزة لها، ولا دلالة على ذلك أقوى من ارتكاز الندوي على سورة الكهف، التي جعل منها السورة التي تعبر عن موقف الدين الرافض لكلّ تطرّفٍ حضاريٍّ ماديٍّ، وكلّ اتجاهٍ تقدميٍّ يلغي الروح مقابل المادة، والإنسان مقابل الآلة، والأخلاق مقابل الشهوات والملذات. وكأنّ لسان حال الندوي يقول: اقرؤوا سورة الكهف وتدبروها جيدًا تعلموا أنّ فتنة الدجال التي حذّر منها النبي ووجه بقراءة السورة للعصمة منها، تنطبق أيضًا على فتنة الحضارة الماديّة الغربيّة، وأنّ قراءة السورة إذاً هو فهمٌ لحقيقة الفتنة التي تنطوي عليها هذه الحضارة.

والحقيقة أن المتأمل لسورة الكهف يجدها بالفعل تعري كلّ اتجاهٍ ماديٍّ وتكشف أمره لمن أراد الهداية وطلب الحق، وكأنّها سورةٌ موجّهةٌ لهذا العصر الذي نحياه ولهذه الحضارة الماديّة الطاغية على العالم المعاصر، إذ ما لا شك فيه

(70)

أنّها تنطوي على العديد من المعاني والحقائق التي توضح حقيقة الأمور بالفعل، فالسورة تشتمل على مجموعةٍ من القصص والأمثال التي لم توجد هباءً حاشا لله، وإنما وجدت لدلالةٍ عميقةٍ إذ ربطناها بحقيقة العصر الذي نعيش فيه، وهذا ما فهمه الندوي ولفت نظره بالفعل، فالقصص والأمثال في السورة تدور حول هذا المحور، وهو وإن كان محورًا عامًا ينتقد كلّ ما هو مادي، فهو لا شك ينطبق على الخاص الذي يندرج تحته، فقصة أصحاب الكهف التي ذكرت في السورة إنما تنتقد الحضارة المادية التي أقام عليها القوم بنيانهم، الأمر الذي رفضه أصحاب الكهف، وبحثوا عن القيم الإنسانية والجوانب الروحية في الإنسان، فانعزلوا عن العالم، [وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا هَؤُلاء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا”] ( الكهف: 13، 14)، ثم حدث بعد ذلك ما ورد في بقية هذه السورة الكريمة.

 وكذلك قصة الرجلين، وقصة موسى والخضر، وقصة ذي القرنين، كلّ هذه القصص إنّما جاءت لتبيّن تهافت كلّ ما هو ماديٌّ من أجل المادي ونفعي من أجل المنفعة، محاولةً لإبراز الجوانب الروحّية الكامنة في النفس الإنسانية التي تهفو إلى القيم والإعلاء من قيم الإنسانية حيث تكمن الحضارة الأصيلة.

إن الدين والتوجيه السماوي له أساسٌ مهمٌّ عند الندوي في إقامة أيّ بناءٍ حضاريٍّ يبغي لنفسه الكمال ومن ثم الخلود، أما الحضارة التي ليس لها حظٌّ من التوجيه السماوي أو الدين، واستندت إلى عقلها فحسب، وجعلت كلّ تركيزها في الآلات والماكينات ووجهت ذكاءها وفطنتها إلى الكون والآفاق دون الاسترشاد بقيمٍ ربانيّةٍ، ومبادئ أخلاقيّةٍ وغاياتٍ إنسانيّةٍ واضحةٍ، تستطيع أن تسخر كلّ هذا، إلاّ أنّها لا تستطيع أن تسخّر نفسها، وتستطيع أن تعمل على تسخير الكون، غير أنّها ليس لديها القدرة على تسخير نفسها.

(71)

و فكرة التأكيد على الجمع بين الدين والعلم فكرةٌ أصلها العديد من القدماء والمحدثين من المفكرين المسلمين، فالشيخ محمد العزالي في كتابه ظلام الغرب ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ كان دائم التأكيد على تلك العلاقة المثمرة بينهما، ولذا وجدناه يؤكد عليها قائلاً: “إنّ الإسلام لم يكن قشرةً رقيقةً تكسو أفئدة الأولين، ويمكن الانسلاخ منها مع بقاء كلّ شيءٍ على وضعه الأصيل، كلا، لقد كانت هذه التعاليم جزءًا من يقظتهم العقلية وفضائلهم النفسية، بل لقد كانت الروح الكامن في كلّ نهضة، والمدد الباعث على كلّ تقدّمٍ. فلما ضعفت تخاذل ما وراءها، واستحال رفاتًا هامدًا، بعدما كان جسدًا نابضًا”[1].

ويتفق محمد الغزالي مع الندوي في أنّ الحضارة الإسلامية في فنون الحياة ومجالات العمران، والنصيب الوافر الذي حصله المسلمون في الناحية المادية والأمور الكونيّة، لم تكن إلا من خلال تشبعهم بالثقافة الإسلامية، وتذوقهم لما تنطوي عليه من عوامل الإبداع، ومن ثم فإنّ أيّ انفصالٍ بين هذه الثقافة العقديّة وبين المسلمين يعني ـ في التحليل الأخير ـ التدهور الحضاري والتخلف عن ركب الأمم. “إنّ الأمة التي أهملت قول الله (حافظوا على الصلوات)، هي التي أهملت قول الله (انظروا ماذا في السموات والأرض)، والتي أهملت قوله (أفلم يدبروا القول)، هي التي أهملت (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها). ولو أن أمتنا أخذت بنصف هذه النصوص، وأضاعت نصفها الآخر، لانتهى هذا بها إلى أن تكون ممن قيل فيهم (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض)...

إنّ الحضارة الكاملة لا تتم إلا باستجابةٍ كاملةٍ لهذه التعاليم كلّها”[2].

(72)

ثانيًا - النزعة المادية الصرفة:

لا شك في أنّ النزعة المادية الصرفة التي بنيت عليها والحضارة الغربية كانت النقطة المركزيّة التي اعتمدها الندوي في رفضه لكلّ ما هو غربيّ، فقد نظر إلى الحضارة الغربية على أنها حضارةٌ ميكانيكيّةٌ ماديّةٌ صرفةٌ، لا روح فيها، تفتقد للجانب الروحي في الإنسان، شبهها مفكرنا بالبعير المجتر، الذي يجتر ما في بطنه. “هذه الحضارة الغربية قد قالت كلمتها الأخيرة قبل زمن، الآن هي تعيش على امتداداتها، تعيش على ما حققت من انتصارات، ومن فتوح في المجال الحضاري، والصناعي، والتكنولوجي، لا شيء جديد، لا رسالة لها للإنسانية. إنها في الحقيقة لا تفكر في مستقبل الإنسانية، كما أنّها الآن تعيش لنفسها”[1].

وفي كتاب «بين العالم وجزيرة العرب» يفترض الندوي أنّ الحضارتين الغربيّة والإسلاميّة تتحاوران في إيجابيات وسلبيات كلٍّ منهما، وكانت أكثر النقاط سلبيّة هي الماديّة الغربيّة، ويقول الندوي وهو يتحدث بلسان الحضارة الغربية: “لا تغرنك أيتها الجزيرة – يقصد جزيرة العرب – مني مظاهر المدنيّة الجوفاء، وهذه الطائرات المحلقة في الهواء، وهذه الناطحات للسماء، وهذه الآلات التي ملأ صوتها الفضاء، فيسهل عليَّ أن أتخلّى من كلّ هذا، ومن كلّ كنوزي، وأتنازل عن كلّ ما تنظرين إليه نظر الغبطة والطمع، واستبدل بها ما فقدته من الإيمان الذي جاءت به الأنبياء والرسل، والذي فقدت معه قوتي وحرارتي وشخصيّتي وروحي، وأصبحت جسدًا ميتًا قد يطفو على الماء، وقد يحمله الهواء !”[2].

ومن هنا ندرك كيف كان البعد الإنساني مفقودًا ولا زال في الحضارة الغربية، بسبب تلك المادية المفرطة التي غلبت ولا زالت تغلب عليها، فإذا كان الغرب

(73)

متقدمًا في الجانب المادي، فهو أفقر ما يكون في الجانب الروحي والإنساني. ولذا يقول محمد حسين هيكل: “في اعتقادي أنّ حضارةً تجعل الحياة الاقتصاديّة أساسها، وتقيم قواعد الخلق على أساس هذه الحياة الاقتصاديّة، ولا تقيم للعقيدة وزنًا في الحياة العامة، تقصر عن أن تمهّد للإنسانيّة سبيل سعادتها المنشودة”[1].

إنّ مدنية الغرب وحضارته لم تمنعه من غزو الشرق تحت ما يُسمى بالاستعمار، كما أنّها لم تمنعه من الانقضاض على الدول الإسلاميّة بوسائل شتّى وبحيلٍ مختلفةٍ كسبًا لمصلحة الغرب الشخصيّة، فالحضارة التي هو زعيمها ورائدها تخلو كليّةً من جانبها الإنساني، وهذا هو سبب هشاشتها التي يقيم عليها الندوي نقده، مع أنّ واقع الأمور كان يقتضي أن تسمو هذه الحضارة بنفسها فتمزج بين المادي والروحي، المحسوس والمعنوي، إلا أنّها لم تفعل.

لقد تجول الندوي في أميركا شرقًا وغربًا شمالاً وجنوبًا، وهو يلقي العديد من الدروس والخطب في العديد من المراكز الإسلاميّة في هذه الأنحاء، وقد لحظ أنّ كلّ ما تعجّ به هذه البلاد من حراكٍ إنما يرجع إلى تبنيها العلوم الرياضيّة والتكنولوجيّة والهندسيّة والصناعيّة، فنتج عنها رغدٌ في العيش وترفيهٌ كبيرٌ وانتعاشاتٌ ما كان للإنسان أن يحلم بها قط. بيد أن الندوي حاول أن يبحث عن إنسانٍ حقيقيٍّ ـ والإنسان الحقيقي عنده هو الذي لديه لبّ يشعر بألم الإنسانية، ويحمل في داخله قيمها ومبادئها التي لا تستطيع المادة أن تزحزحها ـ فلم يجد. وهنا يتساءل مستنكرًا: “هل يوجد في هذا البلد -الغاص بالسكان، والباذخ بالعمران والذي بلغت مدنه من كثافة السكان وزحمة الإنسان إلى أن لا يكاد المرء يجد طريقه على الشارع– إنسانٌ حقيقيٌّ يحمل في صدره قلبًا خفاقًا، ويملك عينًا ساكبةً للدموع، حزنًا على الإنسانيّة البائسة المنكوبة، ويتحرق ألمًا للإنسان الضائع، ويتجرّد عن الشهوات، ويتمرّد على الأهواء، ولا يستسلم لهذه المدنيّة ولا يخضع لها، بل هو يخضعها

(74)

ويسخّرها، ويركب على أعناقها، ولا يلقي حبله على غارب الحياة، بل هو يمسك بزمام الحياة، فلا تقسو عليه، ولا تجمح لديه ولا تسوقه، ولا تهرع به، بل هو يقهرها، ويتملكها ويوجهها كيف يشاء”[1].

وكأنّ الندوي هنا يريد إنسانًا ملائكيًا، ولكن هيهات. أماّ على الجانب الآخر يجب التأكيد على أنه كان يريد على أقلّ تقديرٍ أن يكون الإنسان إنسانًا، حتى لو ملك الحضارة الماديّة بين يديه. يريد إنسانًا عصريًا يهتم بهذه الحضارة، يعرف خالقه ويعبد ربه، ويعيش في حبه وحب الإنسانية وقيمها. أيضاً تبدو فكرة الإنسان الملائكي مستحوذةً على عقله، حتى أنّه أراد إنسانًا في عصر الحضارة يحيا حياةً متقشفةً زاهدةً، حياةً قريبةً من حياة الفطرة، حتى يتذوق لذة الجانب الروحي، حيث إنّ هذا الجانب مهمٌّ عنده باعتباره ينظر نظرةً أكثر إنسانيّةً، حتى لا يتأذى، ويوحد الأمم، ويمنع اصطدام الأفراد والدول، وينتشله من حالة الأثرة والأنانية، والنفعية والانتهازية. إنّ الندوي يريد إنسانًا يخلص في خدمة البشرية، يندفع بكلّ قوته إلى البذل والعطاء، ولم يرد إنساناً يعتمد مقولة “كل وعش وانعم“ منهجًا له في الحياة. 

 لقد أراد أن ينتشل الإنسان من النزعة الماديّة الصرفة، تلك النزعة التي تشكل أساسًا نقَدَ من خلاله الحضارة الغربية، كما أنّه أراد إنسانًا عالميًا يهتم بقضايا العالم، ولا يقف اهتمامه عند حدود دولته وأمّته فقط. وكان يحب أن يرى العالم وكأنّه أسرةٌ واحدةٌ في التضامن والاتحاد، ليس على صعيد منظمة الأمم، وإنّما على مستوى الإنسانيّة جمعاء، حتى يصل إلى مرحلة الكمال الإنساني الحقيقي.

حتى إنّ معنى الكمال الإنساني مختلفٌ في الحضارة الإسلاميّة عنه في الحضارة الغربية، فعلى رأي أحد الباحثين فإنّ معنى الكمال في الإسلام مرتبطٌ بحركةٍ شاملةٍ وموصلةٍ إلى الكمالين الثقافي والمعنوي. بينما يتحقق الكمال في

(75)

الغرب من خلال تطور الإنسان من البعد الحيواني إلى البعد المتكامل من تلك الصورة، ومن ثم “نحن بصدد معرفة مدى انسجام معنى التنمية في ثقافتنا الإسلاميّة مع الكمال والسمو الإنساني بمعناه الغربي، والجواب هو النفي، إذ لا يرى الإسلام أن التنميتين المادية والاقتصادية تحققان بالضرورة للإنسان كماله وكرامته، وهي لا تسمو بروحه، ولا تجعله قنوعًا وزاهدًا، ولا تجنّبه الاستهلاك المفرط وغير الهادف (الانغماس في الشهوات)”[1]، دون أن يعني ذلك أن التنمية الاقتصادية في اتجاهٍ مخالفٍ للكمال الإنساني، وإنما المقصد هنا أنّها لا تحقق الكمال الإنساني المنشود من قبل الإسلام. 

فالكمال الإنساني الحقيقي عند الندوي ـ كما نفهم من خلال السطور ـ ليس في تسخير ما بين السماء والأرض من أجواءٍ، أو في نفخ روح الحياة في الحديد أو الجمادات من أنواع المعادن وغيرها، أو في الغوص في أعماق الأرض والوصول إلى الأفلاك والكواكب والنجوم، فليس ذلك كمالاً إنسانيًا حقيقيًا، وإنما الكمال الإنساني الحقيقي في أن يُحيي الإنسان روحه وقيمه وأخلاقه وإنسانيّته، لأنّه خليفة الله تعالى في أرضه، فليس عبدًا لمادة، وإنما هي ملك له يطوعها في خدمة الإنسانيّة، فهو الذي يقودها لا هي تستعبده.

ثالثًا – أساس السعادة والشقاء:

السعادة والشقاء عند الندوي كانا من الأسس التي بنى عليها نقده للحضارة الغربية والفكر الغربي، باعتبارهما الأساس المرتبط بالأساس الأول في نقده، وهو الأساس العقدي الديني.

الندوي من جانبه كان ينظر للغرب على أنّه سعيدٌ وشقيٌّ في آنٍ واحدٍ، وبلاده

(76)

سعيدةٌ وشقيّةٌ أيضًا، لكنّه كان له وجهة نظرٍ في هذا الأمر، فهي بلادٌ سعيدةٌ؛ لأنّ الله تعالى قد أنعم عليها بنعمٍ كثيرةٍ: في الخيرات، وفي الذكاء، وفي قوة الإرادة، وفي تنظيم حياتهم، وسّع الله تعالى لهم في الخصب الأرضي والخصب العقلي، وهذا دليل عند الندوي على سعادتها، وهو ما جعلها تتصدر المشهد العالمي وقيادة المدنيّة العصريّة. أما شقاؤها عند الندوي فمن جهة الديانة والعقيدة، “فهو أن الديانة المسيحيّة هي أبعد ديانةٍ عن روح هذه البلاد، وعن دور هذه البلاد الذي قامت به ومثلته في تاريخ الإنسانية، إذا سئل: ما أبعد هذه الديانات عن روح هذه البلاد؟ وما هي أغرب الديانات عن طبيعة هذه البلاد، وعن مركزها القيادي وروحها القلقة وعقلها المتوثب؟ فالجواب الوحيد المعيّن أنها الديانة المسيحية؛ لأنّ الديانة المسيحية هي التي تجعل الإنسان يؤمن بأنه خلق آثمًا مذنبًا، مجرمًا بالفطرة البشرية، فكان لا بد له من فداء، وأن المسيح..كان فداء هذا الإنسان”[1].

ثم يردف ذلك قائلاً: “هذه الديانة هي التي تُنشئ في الإنسان عدم الثقة بصلاحيّته، وعدم الثقة بفطرته الصالحة، ثم إنّ هذه الديانة تحبب الرهبانيّة، وتُزهّد في حياة الكفاح، وتُزهّد في حياة النضال، وتُزهّد في حياة المنافسة والمسابقة التي هي من أكبر رواد رقي الإنسان وتقدمه، فالديانة المسيحية ديانةٌ غريبةٌ في هذه البلاد، ديانةٌ قد فرضت على هذه البلاد فرضًا، قد فرضتها الأدوار التي مرت بها، ومرّ بها التاريخ الإنساني”[2].

رابعًا – الأساس الأخلاقي:

إنّ الغرب اختار الجانب المادي، فكان له باعٌ كبيرٌ في هذا الشأن، إلاّ أنّ اختياره هذا ضرب صفحًا عن الجانب الروحي الأخلاقي. إذ ما لا شكّ فيه أنّ الأخلاق، وخاصة

(77)

الأخلاق التي يؤيدها الدين ـ والأخلاق الفاضلة كلّها يؤيدها الدين ـ هي الحصن الحصين الذي نأمن من خلاله عدم الجور العلمي على الحياة، فالعلم المتحصّن بالأخلاق لا شك سيكون علمًا لرخاء البشرية وقيادتها إلى أبعادٍ إنسانيّةٍ جليلةٍ.

ومن هذا المنطلق كان الندوي يتشوّف اتجاهًا أخلاقيًا في كلّ حضارةٍ، وكان يريد أن تقوم الحضارة المادية على رافدين: روحٌ ومادةٌ، لا مادة فقط، ولا روحًا فقط، وذلك لسببٍ جوهريٍّ، وهو أنّ الحضارة القائمة على مادةٍ فقط إنّما هي حضارةٌ جوفاءٌ خاويةٌ، مثلما أنّ الحضارة القائمة على روحٍ فقط إنما هي حضارةٌ مثاليّةٌ لن تأخذ حظًا من الدنيا للدين.

ولذا فقد رفض كلّ ما قامت عليه الحضارة الغربيّة من مادة، لا لشيٍء إلا لأنّها أهملت الجانب الأخلاقي، وهمّشت البعد الإنساني، وضربت بالقيم الإنسانيّة والأخلاقيّة عرض الحائط، فكان لها ما كان من دمار العالم وخرابه، بدلاً من سموّه ورقيّه على الناحيتين المذكورتين.  ومن المؤكد أنّ بلاد الحضارة الغربيّة سارت عكس هذا الاتجاه “فاختارت هذه البلاد المجال المادي والمجال الصناعي فقط، فكان لها تقدمٌ رائعٌ، وازدهارٌ، ولكنّها لمّا أهملت الجانب الروحي، وأهملت عالم القلب والنفس، وأهملت العناية بمعرفة الهدف الصالح للحياة، وأهملت الجانب الخلقي، والجمع بين الأخلاق الفاضلة وبين الصناعات البشريّة، فإنّ هذه الصناعات وهذا التقدم لا يصلح إلا مع الأخلاق، الأخلاق التي تضبط الجشع وتضبط النهامة، وضبط حب المال وحب الاستيلاء على البشر، وحب الظلم والقهر للأمم والشعوب، الأخلاق وحدها هي التي تستطيع أن تملك الزمام، وهي التي تستطيع أن توجه هذه العلوم توجيهًا صالحًا إلى غايةٍ رشيدةٍ”[1].

ولذا كانت أوروبا عنده مصابةً بداءٍ خطيرٍ أسماه الجذام الخلقي، الذي لا يزال

(78)

ينتشر في كامل المجتمعات الأوروبية، إلى أن يأتي فيه اليوم الذي يقضي عليها، وربما كان سبب ذلك عنده تفشي الإباحيّة والحياة الجنسية، خاصة مع تعرّي المرأة الأوروبية؛ نتيجة القوانين التي أتاحت لها حريّةً مطلقةً، لا رقيب فيها ولا حسيب، ما أدى إلى شيوع الاختلاط، وإدمان الخمور. ولذا نبه الندوي محذرًا من مغبة السير خلف هذا النموذج اللاأخلاقي الغربي الذي أسماه الجذام الخلقي، باعتباره يقود إلى نوعٍ من التفسخ الخلقي والجنسي والثورة على القواعد الخلقية والدينية[1].

ومن ثم فإنّ الغرب عند الندوي وعلى رأسه أميركا قد أهمل هذه الجوانب المهمة، والتي تضبط حركة أيّ حضارةٍ أو تقدمٍ حضاريٍّ، إذ لمّا أهملت الجوانب الثلاثة: الجانب الروحي، والجانب العقدي، والجانب الأخلاقي حدث ما حدث من شقاءٍ التي يعيشه العالم على هذه الجوانب الثلاثة، وأصبح هناك ما يشبه السآمة والقلق النفسي الذي طغى على أوروبا، وهذا كله ردّ فعلٍ قاسٍ على هذه الثورة الماديّة التكنولوجيّة، التي على الرغم من أنّها جعلت الإنسان يحصل على كلّ شيءٍ إلا أنّها نزعت منه هدوءه النفسي واستقراره، وعلى الرغم من سعادتها الظاهرة، إلا أن هذه السعادة الظاهرة إنما تبطن داخلها ثورةً مكبوتةً على ضياع المعاني الإنسانية والقيم الروحيّة، فأضحى القلق والاضطراب ملازمين للإنسان. وهذا يفسر لنا كيف أن هذه البلاد عند الندوي “بلادٌ شقيّةٌ وبلادٌ سعيدةٌ، ولكنّها الآن في دور القلق والاضطراب، لا تبيّن أمرها، ولا تملك زمامها، أصبحت مركبًا تركبه الحياة، ولم تعد راكبًا يركب الحياة، الحياة تسوقها سوقًا عنيفًا، ولم تعد تقدر على أن تسوق الحياة سوقًا رفيقًا، سوقًا متزنًا، سوقًا هادئًا”[2]

ويتفق في الرأي مع شكيب أرسلان الذي حذّر من الحضارة الغربية التي قامت على أساس التقليل من الدين، ما أشاع فوضى أخلاقيّة في العالم كله، كان من

(79)

أهمّها ظاهرة الإلحاد، وكثيرًا ما كان يحذر المسلمين في بلاد الشرق من انتقال هذه الظاهرة اللادينية واللا أخلاقية، فضلاً عن تحذيره من شيوع الإباحيّة الغربية، والتوغل في الماديّة، والانصراف عن الجانب الروحي والأخلاقي[1]. ومن ثم يتفق الاثنان ـ شكيب أرسلان والندوي ـ في أن الحضارة الإسلامية المنشودة هي ذات طابعٍ أخلاقيٍّ في المقام الأول، وهي الميزة التي تتميز بها عن الحضارة الغربية، تلك الحضارة التي صار فيها الإنسان يُباع ويُشترى، تباع فيها قيمه وشرفه جراء ماديّةٍ مزعزمةٍ لن تحقق له خيرًا، إلا النفع المادي الدنيوي العاجل.

(80)

 

 

 

 

 

الفصل الثالث

موقف المسلمين من الغرب والحضارة الغربية

(81)

موقف الحكومات من الحضارة الغربية:

يمكن القول أنّ موقف الدول والحكومات الإسلامية سياسيًا كان يسير في كنف السمع والطاعة من الحضارة الغربية خاصة والغرب عامة، ولا يزال هذا الموقف ماثلاً أمامنا الآن، وهذا الموقف هو الموقف الذي كان يؤلم الندوي كثيرًا، فقد كانت الحكومات الإسلامية تتمسك بالقيم والأفكار الغربية، في الوقت الذي تتخلى فيه عن القيم والأفكار الإسلامية، وهذا ما أدى إلى نوعٍ من الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية.

فالموقف من الحضارة الغربية لا يدعونا إلى استنساخها، فتلك تجربةٌ غربيةٌ، كما لا يدعونا إلى أيّ إصلاحٍ وافدٍ، وإنما الموقف السليم هو ذلك الموقف الذي يعتمد على تجاربنا الذاتيّة المتوافقة مع واقعنا[1].

إنّ الندوي كان ينظر إلى الأمر على أنّه صراعٌ فكريٌّ، أو معركة فكريّة في أدقّ معانيها، حيث سماها معركة أو صراعًا بين الأفكار والقيم الإسلامية والأفكار والقيم الغربية، ومن ثم نظر إليها على أنّها المعركة الحامية الحاسمة الحقيقية التي يخوضها العالم الإسلامي، والتي ستحدّد مصيره لا محالة، وهي المعركة التي عدها أم المعارك التي تتضاءل بجوارها كلّ المعارك الفرعيّة والمحليّة والوهميّة.

لكن الندوي كان على وعيٍ كبيرٍ بأنّ الطبقة الحاكمة التي تملك زمام البلاد، تمتلك عقليّةً وثقافةً وتربيةً ومصالح شخصيّة وسياسية تعدّ البيئة الصالحة لازدهار قيم الغرب وأفكاره، حتى كأنّها تتبع البلاد الغربيّة شبرًا بشبرٍ وذراعًا بذراعٍ، فتغير المفاهيم الدينية والقوانين القومية، تشبهًا بالأوضاع الغربية، وهي قد تطورها إذا

(82)

خالفت هذا الهدف، وحالت دون الوصول إليه. كلّ ذلك في تؤدةٍ وأناةٍ ممزوجين بوعيٍ وإلحاح رغبةٍ في الانضمام إلى بوتقة الحضارة الغربية. ومن ثم ارتأى البعض الذهاب إلى أنّ حكام المسلمين، مجرد دمى يحركها الغرب، فهو يوصلهم إلى الحكم ويثبتهم فيه ليكونوا خَدَمَةً وحراساً لمصالحه في بلاد الإسلام، ثم يقوم بتغييرهم إذا تمّ استهلاكهم إن أراد[1]. ومن ثم وصفوا من قبل البعض أيضًا بأنهم أعوان الغرب، فالذي يساعد الغرب على تطبيق مخططاته هو خيانات الحكام في الأقطار الإسلامية[2].

ويرى الندوي أنه هناك العديد من الأقطار الإسلامية التي قطعت شوطًا كبيرًا نحو هذا التوجه، وبعضهم وصل إلى هدفه المنشود أو كاد، ومنها في رأيه من وقف حائرًا على مفترق الطرق لكن يبدو أنه على وشك الوصول[3].

ومن هذا المنطلق يقول الندوي: “إنني أعتقد أنّ ذلك أضخم مشكلةً للأقطار الإسلامية، وهي مشكلةٌ حقيقيةٌ لا صلة لها بالأوهام والأحلام. إنّ ضعف الأقطار الإسلامية الداخلي ونفوذ الحضارة الغربية واحتلالها واستيلاء الأفكار الغربية المادي والسياسي يرسم في الأفق علامة استفهامٍ واضحةٍ وضخمةٍ أمام الأقطار الإسلامية كلّها، ولا تستطيع أن تتقدم خطوةً واحدةً بدون أن تجيب عليها جوابًا حاسمًا؟

أيّ موقفٍ تتخذ هذه البلاد نحو هذه الحضارة؟!

وأيّ منهجٍ تسير عليه لتوفيق مجتمعها بالحياة العصرية وتحقيق مطالب العصر الحديث؟

(83)

وإلى أيّ مدى تثبت ذكاءها وشجاعتها الخلقية لمواجهة هذه المعضلة؟”[1]

الواضح أنّ الندوي بطرحه هذه الأسئلة المهمة يحاول أن يضع الشعوب والحكومات أمام مسؤولياتها، ذلك أنّ الإجابة عليها توحي بالكثير، وتشير إلى الكثير والكثير، فالإجابة عليها تحدّد بوضوحٍ موقف هذه الشعوب الفعلي من القيم الإسلامية والقيم الغربية، ثم إنّه يرسم ثانيةً مستقبل هذه البلاد، إما إلى التغريب، وإما إلى الهوية الإسلامية، ثم إنّه يحدد ثالثًا موقعنا على خريطة العالم كدولةٍ إسلاميّةٍ تتمسك بقيمها، أم كدولةٍ إسلاميّةٍ اسمًا تميل كفتها إلى الغرب.

 نعم إنّ الدول الإسلاميّة والعربية منها خاصة قد وقعت فريسةً للحضارة الغربية، وقد كانت هناك مجموعةٌ من العوامل السياسيّة التي تتعلق بالسلطة الحاكمة، والتي أدّت إلى ذلك، يمكن أن نلخصها من خلال الاستقراء العام لفكر الندوي في النقاط الآتية[2]:

لم يقم قادة الأقطار الإسلاميّة بمحاولاتٍ جادةٍ للاكتفاء الذاتي والتخطيط والمشاريع، فضلاً عن فقدان المجهودات المخلصة والنزيهة لتنفيذ خططٍ محكمةٍ وواضحةٍ.

تلقي الحضارة الغربية بكلّ سلبياتها، دون تناولها بنقدٍ جريءٍ وتفكيرٍ أصيل.

  تجرد السلطات الحاكمة عن بعد النظر وعمق التفكير والصبر والجلد الذي يجب أن يتسم به قادة البلاد وحكامها.

لكن السؤال المهم: هل يطول هذا الموقف السلبي؟

ويرى الندوي أنّنا أصبحنا لا نفكر في معارضة الغرب ومناقشة سيادته، وجدارته

(84)

بالسيادة، وإذا فكّرنا في ذلك على حين غفلةٍ من العلم والدراسة والكياسة، استعرضنا طاقاتنا ووسائلنا والقوة الحربية في بلادنا، وسهمنا من المخترعات الحربية، والطاقات الذرية، فاستولى علينا اليأس والتشاؤم، وآمنّا بأنّنا لم نخلق إلا للخضوع والخنوع، ولنعيش على هامش الحياة، وعيالاً على الغرب، مرتبطين ومعقودي النواصي بأحد المعسكرين المتنافسين”[1].

لكنه يرى ـ في الوقت ذاته ـ أنّ تلك الفترة السلبيّة لا تدوم طويلاً، في أيٍّ من البلاد الإسلامية، مستندًا إلى أنّ التقاليد والعادات والجهاز الاجتماعي أو الإداري ـ الذي ليس وراءه عقيدة راسخة قائمة على فقهٍ وبصيرةٍ، وليس معه ذكاءٌ وألمعيّةٌ، والمقدرة الكاملة على تطبيق الحقائق والمبادئ الدينيّة الخالدة على الحياة المتطورة وحاجاتها الجديدة، والتمييز بين ما يصلح للاقتباس من الحضارة الوافدة وما لا يصلح منها ـ ليس في استطاعته أن يقف طويلاً في وجه هذه الحضارة العتية، فضلاً عن أنه كان يرى أنّ كلّ قطبٍ أو قيادة تمني نفسها بالاحتفاظ بالقديم، والانحصار في دائرتها من غير هذه المقومات، ومن غير إيمانٍ جديدٍ وقويٍّ، وعقلٍ واعٍ منتجٍ، مهددةٌ بالانهيار العاجل أو الآجل[2].   

يصور الندوي هنا الأمة التي لا تتمسك بعقيدتها وهويتها بالفريسة التي تهجم عليها الأسود المفترسة بضراوةٍ؛ نتيجة عدم قدرتها عن الدفاع عن نفسها؛ لخورٍ شديدٍ فيها، وإذا كانت مظاهر هذا الافتراس، وذلك الانكباب على الحضارة الغربية من قبل المسلمين في جيل الندوي بتلك الصورة التي يصفها، فكيف كان حاله لو كان يعيش بيننا الآن، وكيف كان سيوصف لنا الأمر، بعدما بلغ الانبهار بالحضارة الغربية واقتفاء أثرها من قبل المسلمين ما بلغ؟

ونفهم من ذلك أنّ الاقتباس من الحضارة الغربية إذا لم يكن عن إرادةٍ ووعيٍ

(85)

وبصيرةٍ، فإنّه سيمثل هجمةً شرسةً، يتبعها اقتفاءً أثرها عنوةً وغصبًا، في غفلةٍ من الحكام ورجال الدين أو ربما نتيجة ضعفٍ منهم، حتى حلّت القيم الغربيّة محلّ القيم الدينيّة والأخلاقيّة، بحيث صار الوضع يصعب الآن على هؤلاء الحكام ورجال الدين أن ينتشلوا الأمّة منه.

فالأمر أمر عقليّةٍ تخطط بدقّةٍ للأعوام والأجيال القادمة، “لقد أصبحت الأقطار الشرقيّة -من غير استثناءٍ– فريسة الحضارة الغربية في الزمن الأخير، وانجرفت في سيلها العارم من غير امتناعٍ أو مقاومةٍ، لفقدِ العقل الراجح المتّزن في القيادة، وفقد عمليّة التمييز والاختيار المحكمة في الوجهين، وعدم وجود التصميم أو التخطيط الحكيم في نظام المعارف وتنظيم البلاد تنظيمًا جديدًا، قائمًا على التجارب الحديثة، وبسبب وجود نظمٍ وأوضاعٍ كانت نتيجة الانحراف عن التعاليم الإسلامية الصحيحة، لا يقرها العقل والعدل، ولا تصلح للبقاء في أيّ عصرٍ من العصور، فضلاً عن هذا العصر القلق الثائر”[1].

هل استفاد الغرب من الإسلام؟

يمكن القول أنّ الندوي كان من نوعيّة المفكرين الذين كانوا يبحثون عن القضيّة في جميع جوانبها لا مجرد النظر إلى جانبٍ دون آخر، ومن هنا فإنّ قضيّة استفادة الغرب من الإسلام كانت تحمل جانبين: جانبٌ إيجابيٌّ وجانبٌ سلبيٌّ. وهما الجانبان اللذان فيهما يشترك الندوي مع العديد من المفكرين الذين اهتمّوا بعلاقة الإسلام بالغرب.

إن المتأمل في تاريخ العلاقة بينهما يجد أننا أمام هذين الموقفين أو الجانبين اللذين لا ثالث لهما:

(86)

الجانب الأول – الجانب الإيجابي في العلاقة:

وهو الجانب الذي يتمثل في أنّ الحضارة الإسلامية كانت شعاع النور للعالم في الوقت الذي كانت فيه أوروبا غارقةً في ظلمات العصور الوسطى، وهي الفترات التي كانت فيها حركة الترجمة قد زادت بدرجةٍ كبيرةٍ، انتقلت معها علوم الدنيا إلى اللغة العربية، ما ساعد في ظهور ثورةٍ علميّةٍ في مجالات: الطب والحساب والعلوم والفلسفة والفلك، وغيرها من العلوم التي كانت أساسًا في نهضة الحضارة الغربية في ما بعد[1].

وقد استمرت تلك الثورة العلمية تزدهر وتتطور؛ حتى ساد المسلمون العالم سياسيًا وعلميًا، وهذه الثورة العلمية استفاد منها الغرب استفادته الكبرى، فقد نقلت علوم الدنيا من اللغة العربية إلى اللغات الأخرى في أوروبا، فكانت الحضارة الإسلامية هي المعبر الذي عبرت من خلاله هذه العلوم إلى العالم أجمع، فنقلت بذلك مجرى التاريخ كله من حالٍ إلى حال، فضلاً عن أن الاستفادة الغربية من العلوم الإسلامية كانت كبيرة، وقادت أوروبا إلى حضارتها الماثلة الآن، ويكفي أن نلقي الضوء على تلك الاستفادة الكبرى التي استفادتها الحضارة الغربية من مؤلفات كلٍّ من: ابن رشد، ابن سينا، ابن بطوطة، جابر بن حيان، الحسن بن الهيثم، ابن النفيس[2]، وغيرهم كثيرون ممن لا ينكر جهودهم في الفكر الغربي إلا جاحد أو جاهل.

ومن ثم فإنّ أوروبا الآن بحضارتها السامقة مدينةً للفكر العربي والحضارة الإسلامية بالكثير والكثير، يكفي أنه أخرجها علميًا من الظلمات إلى النور، فمن

(87)

الناحية العلمية كانت العلاقة غالبًا إيجابية. خاصة إذا علمنا أنه بعدما دار الزمن دورته، وصارت أوروبا المتقدمة علميًا وحضاريًا، وأخذ العالم الإسلامي في التراجع والانحطاط، وبدأ يظهر في الأفق أن الغرب هو السيد، أخذ يرسل بعثاته لدراسة العالم الإسلامي، ومن هنا نشأت الدراسات الاستشراقية، وهي دراساتٌ أفادت الغرب والمسلمين في جوانب عديدةٍ، خاصة ما يتعلق منها بالجانب اللغوي الخاص باللغة العربية، وجانب الأدب، وجانب العلوم الأخرى، وهذه الجوانب كان لها فوائدٌ جمةٌ على الجانبين، بخلاف الجوانب الأخرى من قبيل العقيدة والدين، السيرة النبوية، فهي من أكثر الجوانب تعصبًا في كثير من الدراسات الناشئة عنها، إلى الحد الذي يمكن معه القول أنّ هذين الجانبين كانا أقلّ إفادةً متبادلةً من الناحية العلمية مقارنةً بالجوانب الأخرى سابقة الذكر.

الندوي كان يرى أن أول شعبٍ أو بلدٍ من الشعوب والبلدان الأوروبية اتصلوا بالعالم الإسلامي في القرن الثامن عشر هو الشعب البريطاني، إذ كانت بريطانيا ـ في رأيه الزعيمة الأولى للحضارة الغربية ورائدة التعليم الغربي والعلم والتكنولوجية الغربية ـ مظهرًا من مظاهر القوة والإنجازات الضخمة في عددٍ من الدول الإسلامية، لا سيما شبه القارة الهنديّة ومصر، فترة طويلة من الزمن، إذا صرفنا النظر عن شرعيّة هذا الاتصال وطبيعته[1].  

رغم أنه كان ينتقد عدم استفادة بريطانيا من هذه العلاقة، “كان من المعقول والمتوقع أن تعنى بريطانيا حكومةً وشعبًا، بأقوى الديانات السائدة في مستعمراتها، وأكثر حيويّةً ونشاطًا وتأثيرًا، وتهتم بدراستها واكتناه روحها وجوهرها، الديانة التي قامت في الماضي بأكبر دورٍ ثوريٍّ وبنائيٍّ في تاريخ العالم الطويل الممتدّ على آلاف السنين، وخلفت طابعًا واضحًا خالدًا على الحضارة الإنسانيّة والمجتمع

(88)

الإنساني، بل يصح أن نقول أنّها أنقذت الحضارة الإنسانية والمثل العليا، من الإبادة الكاملة، ووهبتها قسطًا جديدًا طويلاً من الحياة، وأنشأت قوة خيرٍ صالحةٍ لمقاومة القوى الهدامة، ومكافحة الشرّ والباطل”[1].

إن الندوي يشير إلى عدم استفادة بريطانيا من الجانب الروحي والأخلاقي في الإسلام، إذ لو فعلت ذلك لأعادت الحياة -في نظر الندوي ـ  إلى الوجهة الصحيحة، فالإسلام وهب الإنسان الكرامة والاعتبار، وأرسى دعائم الأخوّة والمساواة في العقول والنفوس، وأعاد إلى المرأة حقوقها وكرامتها الضائعة، فضلاً عن أنّ الإسلام يقيم علاقةً قويّةً ومتينةً بين الإنسان وخالقه.

فما الذي كان يريده الندوي من بريطانيا كممثلةٍ للحضارة الغربية؟ هذا ما يبرزه الندوي قائلاً: “كان كلّ ذلك يقتضي بطبيعة الحال أن تقوم في كلّ بقعةٍ من بقاع بريطانيا مراكز علميّة وفكريّة لدراسة القرآن الكريم، والسيرة النبوية ـ على صاحبها ألف ألف صلاة وتحية ـ دراسةً مجردةً مخلصةً، وأن توفر وسائلها وإمكانياتها بأريحيّةٍ وسخاءٍ، وأن تشجّع دراستها الموضوعيّة، التي تتحرّر من رواسب الحروب الصليبيّة الملموسة وغير الملموسة، والأهداف والمصالح السياسية والدعوية والدعاية، وتتحرر من مركب الاستعلاء، الذي يكون في غالب الأحيان نتيجة السيطرة السياسية، والحكومة القوية، والذي يحول بين الدارسين وبين التأملات الحيادية والدراسات المنصفة لثروة الشعوب والبلدان المغزوة الضعيفة العلمية ومعتقداتها ومسلماتها، والتقدير الصحيح لقيمتها وأهميتها”[2].

فالندوي كان يلوم بريطانيا خاصة والغرب عامة أنّهم لم يفهموا الإسلام على

(89)

الرغم من المدّة الطويلة التي مكثوها في دياره، إذ إنهم لو فهموا الإسلام جيدًا لما ساءت العلاقة بصورتها التي هي عليها الآن ومن ذي قبل.

لكن الندوي هنا نسي أو تناسى أنّ ذلك الاتصال بين الشرق والغرب كان اتصالاً متسلطًا حاول فيه الغرب أن يستبسل ويظهر عنفوانه، وقوته، ورغبته الجامحة في السيطرة على الأرض والمال، فالغرب إنّما جاء محمّلاً بعدائه وعنفوانه. فأيّ اتصالٍ هذا الذي يمكن أن يغيّر من شخصيّة المعتدي، هل ترك لنفسه فرصةً للتعرف على هذا الدين؟ والتعرف على عقيدة أبنائه السامية؟ ربما كان رأي الندوي هنا نابعًا من كونه ألقى هذا النص ضمن كلمةٍ مطولةٍ ألقاها في بريطانيا ذاتها، وبدعوةٍ من الجالية الإسلامية بها، فكأنّه كان يستحث فيهم البعد الإنساني الذي يجمع البشرية كلّها، أو لعلّه كان يلومهم برفقٍ على ضياع عشرات السنين بل القرون، حيث كان من الممكن أن تكون أعوامَ خيرٍ، لا سنين جدبٍ وقحطٍ. 

الجانب الثاني – الجانب السلبي في العلاقة:

لا شكّ في أنّ العلاقة بين الشرق والغرب مرّت ـ ولا زالت ـ بالعديد من العوائق الصعبة، ومن المؤكد أنّ العلاقة لها جذورٌ تاريخيّةٌ منذ أن فتح المسلمون العديد من المدن الشرقيّة التي كانت في حوزة الغرب، بل العديد من المدن والبلاد الأوروبية ذاتها، وما كان الغرب ليرضى بأن تكون العديد من المدن الشرقية، في حوزة المسلمين خاصة أن من هذه المدن ما هو مقدسٌ، مثل: مدينة القدس، مقصد الحجاج المسيحيين من كلّ بقاع العالم، إذ ما كان لهم أن يرضوا بأن تكون السيادة ـ وكذلك الحكم ـ فيها في أيدي المسلمين.

وهذا ترتب عليه تدخلٌ عسكريٌّ من قبل الغرب، الأمر الذي واجهه المسلمون بكلّ قوّةٍ، حتى تفجرت ينابيع الصراع الذي تمتلئ به كتب التاريخ. بما يعني أنّ العلاقة كانت سلبيّةً، تكتنفها مراحل عديدةٍ من الصراع.

(90)

ثم بعد أن دار الزمان دورته ظهرت علاقةٌ أخرى أشدّ خطورةً وفتكًا، في القرن الثامن عشر واستمرت إلى ما بعد منتصف القرن العشرين، وهي مرحلة الاحتلال، أو ما يسمونها خطأ مرحلة الاستعمار، وهي المرحلة التي تعني إحكام سيطرة دولةٍ غازيةٍ أو مجموعة دولٍ أو حتى جماعةٍ ما على دولةٍ أخرى شعبًا وحكومةً ومؤسساتٍ بهدف استنزاف موارده والاستفادة من خيراته، فإنه يحوي في داخله الأسباب أو العوامل التي أدت إلى وجوده. أما الاستعمار على المعنى الأوروبي وعلى أساس ما أدى إليه واقعه المرير فهو معنىً لا يحمل أيّ قدرٍ من الشرف، إذ كان يعني ـ في التحليل الأخي ـ استغلال الشعوب تحت مزاعم واهيةٍ، بهدف إقامة مستوطناتٍ بعيدًا عن القارة الأوروبية، وإملاء الشروط السياسية والاقتصادية عليها، ما يمكّن المحتل الأوروبي من استغلال خيرات الشعوب المحتلة وتسخيرها لخدمته وخدمة دولته في الغرب، وهو لا يتوانى في أن يسخر الموارد البشريّة ـ المتمثلة في الإنسان ذاته ـ في إكمال عمليّة الخدمة؛ فهو السيد، والمستعمَر هو العبد. وندرك ذلك جيدًا إذا كان “المستهلكون في البلاد المستعمرة يتلقون عام 1953م ما يبلغ 80 % من مستورداتهم بأسعارٍ أكثر أرتفاعاً بـ 20 - 50 % وأحياناً أكثر أيضاً من الأسعار التي كانوا يحصلون عليها لو أتيح لهم أن يستوردوا بضائعهم من بلدٍ آخر”[1]

ومن ثم فإنّه يمكننا القول أن الاستعمار أحد أهم الأحداث التي واجهها الشرق الإسلامي في العصر الحديث، نعم كان له جذوره التاريخية التي لا يمكن فصله عنها، إلا أنّه في كلّ الأحوال يمثل العقبة الكؤود التي أعاقت ـ ولا زالت ـ الأمة الإسلاميّة عند تقدّمها المنشود، وقد كان هذا أحد الأسباب المهمّة التي دفعت الغرب إلى احتلال الشرق واستغلال خيراته.

(91)

بيد أنه كان يفهم أن المشكلة كانت تكمن في فهم الغرب للشرق الإسلامي، كما كانت تكمن في الوسيلة التي اتخذها الأول ناحية الثاني، فالواقع يرى أنّ الاحتلال الغربي للشرق الذي امتدّ لفتراتٍ طويلةٍ كان كما يرى الندوي في اتجاهٍ واحدٍ فقط، فالدول الغربية لم تعامل الدول الشرقية إلا معاملة المنح والإعطاء والتعليم والتثقيف، فضلاً عن تربية رجالٍ يخدمون مصالحها، في الوقت الذي لم تشعر فيه أدنى شعورٍ بالحاجة إلى أن تقتبس منه شيئًا تستفيد منه، مع الوضع في الاعتبار أنّ الندوي كان يدرك جيدًا أن ضعف الشرق ومركب النقص الذي عانى منه ودهشة الفتح وفقد الثقة بالنفس كان لها كلها تأثيرٌ في موقفه.

فالاحتلال الغربي الذي خضعت الأقطار الإسلامية له قد صاحبه العديد من الأخطار على هذه الأقطار، ومن ضمنها الهند، وهي التي كانت النموذج الماثل أمام الندوي هنا، فقد وجد أن الهند قد مرت –كغيرها من البلدان الإسلامية التي ابتليت بالسيطرة الغربية، وما صحبته من تغوّل الحضارة الغربية الماديّة ونظامها التعليمي الذي حاولت فرضه عليها ـ بمرحلةٍ انتقاليّةٍ دقيقةٍ وعميقةٍ، عدّها من نتائج حكمٍ غربيٍّ قاهرٍ وغاشمٍ، لكن أقصى ما كان يؤلم الندوي ويراه على أنّه نتيجةً كارثيّةً من نتائج الاحتلال هو مركب النقص الذي بدأ يعتور الشخصية المسلمة، والشعور الزائد والمبالغ فيه بتفوق الحاكم الغربي سياسيًا واقتصاديًا وحضاريًا واجتماعيًا وعقليًا وخلقيًا[1].

ولا شك في أنّ الندوي يستحضر في ذهنه هنا الفكرة الذائعة الصيت التي قال بها ابن خلدون بعدما خبر البلاد وهي “المغلوب مولعٌ بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيّه ونحلته وسائر أحواله وعوائده.... فالمغلوب يرى أنّ غالب الناس ليس بعصبيةٍ ولا قوة بأس، وإنما هو بما انتحله من العوائد والمذاهب”[2].

(92)

ولاشك في أن الندوي كان ينظر إلى عصر الاحتلال لا على أنّه عصر احتلالٍ سياسيٍّ فقط، بل كان ينظر إليه قطعًا على أنّه عصر احتلالٍ سياسيٍّ وثقافيٍّ، كانت تمثله أكبر قوتين في ذلك العصر، وهما بريطانيا وفرنسا، ومن هنا نشأ عنده ما يسمى بالصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية، ذلك الصراع الذي كانت الغلبة فيه للأخيرة، نتيجة مجموعة متضافرة من الأسباب التي تكتلت في ما بينهما لتخرج لنا هذا المنتج الفكري السلبي، وهي أسبابٌ تتلخص في: عدم استناد الفكرة الإسلامية إلى قوةٍ سياسيّةٍ كبرى، افتقاد حكومةٍ إسلاميّةٍ حرّةٍ، وجود مجتمعٍ غير معتزٍّ بعقيدته ورسالته وشخصيّته، في حين أنّه على العكس من ذلك تمامًا كانت الفكرة الغربية تستند لحضارةٍ فتيّةٍ تحمل معها منجزات في العلوم التطبيقية، والمبتكرات الصناعية المدنية، والحكومات القوية المسلحة[1].

فقد كان يلوم على أكبر قوتين استعماريتين في الشرق -وهما بريطانيا وفرنسا- لأنهما لم يستفيدا من اقترابهما من الديانية الإسلامية، حتى بعد انتهاء الاحتلال الذي لم يتغير الحال بعده كثيرًا حيث كان الوافدون المسلمون يفدون هاتين الدولتين بغرض التعلّم والمعيشة، ولم تحاول أيٌّ منها محاولة فهم هذا الدين، إلا أنّ هذا اللّوم لا يقف عند حدود هاتين الدولتين، بل إنه فضلاً عن هذا كان يحمل الوافدين المسلمين شيئًا كبيرًا من المسؤوليّة، إذ لم تكن لديهم تلك الحماسة الدينيّة التي ظهرت في بداية الدعوة الإسلامية في القرن السابع الميلادي، على الرغم من أنّ الفرق بين مسلمي القرن السابع الميلادي بالحضارات التي واجهوها كان أكبر من الفرق بين الشباب الوافدين إلى الغرب والحضارة الغربية، بما يعني أنهم لم يكن لهم أدنى عذر.

ومهما كان الأمر فإنّ الفكرة التي كانت تستحوذ على الندوي هي أن الوضع

(93)

الذي تقع عليه مسؤوليّةٌ على الفريقين لم يهيّئ فرصةً لدراسة الإسلام والتأمل فيه على المستوى الذي كان يستحقه ويليق به، “وعندما بدأ العلم الحديث والتكنولوجية الحديثة في منتصف القرن التاسع عشر، رحلتها السريعة، كانت لهما الفرصة الذهبيّة لتستفيدا من الدين ـ الذي كان الإسلام مثله الحي القوي– ومن أهدافه الصحيحة لاستخدام العلم والطاقة، والعواطف النبيلة لخدمة الإنسانية، وأن تقتبسا منه القدرة على تملك زمام النفس وكبح جماحها، وأن تقتبسا منه نهجًا فكريًا، ونظريةً عالميّةً لاحترام الإنسانيّة، والنظرة إلى الشعوب والأمم السامية على القوميّة الضيقة والوطنية العمياء، وأن تحترزا من هذه المسابقة المجنونّة، بين البلدان والشعوب في التظاهر بالقوة والطاقة الذريّة، التي أشرف بها العالم على الانتحار، والنار والدمار، وأن يقرع آذان سادة الشعوب والبلاد وقادة الحضارة النداء العلوي الخالد: “تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ”(سورة القصص: الآية 83)”[1].   

إن العلم الغربي والتكنولوجية الغربية اللذين أنتجتهما البيئة الغربية ـ ويخص حديثه هنا ببريطانيا وفرنسا ـ لم يكن على المستوى المأمول من الناحية الدينيّة في ما يبدو لي من وجهة نظر الندوي، إذ كان يجب أن يرافق هذا العلم وتلك التكنولوجية خشية الله، واحترام الإنسانية، وهذا ما كانت تفتقره الحضارة الغربية. فالندوي كان يبحث عن نزاهة الأهداف وطهارة الوسائل، “ولو كانت الأهداف الكريمة الصالحة مرومة بالوسائل القوية والإمكانات غير المحدودة، ولو كانت عاطفة التعاون على البر والتقوى ( التي لا يعطيها إلا الدين الحي القوي) مكان عاطفة المسابقة المجنونة، لكانت الدنيا غير الدنيا، ولكان العالم أجمع يعيش كأسرةٍ واحدةٍ مترابطةٍ متوادةٍ، بدلاً من هذه الكتل الشرقيّة والغربيّة المتناحرة، التي تكاد تودي عداواتها وضراوتها بالحضارة الإنسانية، بل الأجيال البشرية كلها إلى الهلاك

(94)

الذريع، ولكن رقي العلوم المادية والتكنولوجية الحديثة والسياسية، الحرّ المنطلق من كل الضوابط والقيود، أحدث خطرًا كبيرًا لانتحار العالم بخنجره نفسه”[1].  

ومن ثم فإنّ الندوي يعترف بكلّ صراحةٍ، ويقرر دون مواربةٍ بأنّ الحضارة الغربيّة والقيادة الفكرية التي تقودها، لم تنجح على مستوى التربية، حيث أخفقت إخفاقًا شديدًا في إعداد جيلٍ يحمل على كاهله إصلاح سلوك المجتمع الإنساني، وينهض بمسؤولياته. والرأي الذي انتهي إليه الندوي هنا، وهو ما انتهى إليه عددٌ غير قليلٍ من المفكرين المسلمين، يقول الدكتور عبد الكريم بكار: “تسود في الغرب روحٌ استهلاكيّةٌ عارمةٌ تدمّر كلّ شيءٍ أتت عليه، من باب التعويض عن الخواء الروحي الرهيب الذي يعاني منه الإنسان الغربي، حقاً أنّ المجتمعات الغربية ما زالت قادرةً على دفع التكاليف الباهظة للانهيار الأخلاقي والاجتماعي، وذلك من بقايا المنهوبات من عالم المستعمَرين، وبسبب الجهود والعبقريات الفذة، لكن حين تستحكم الأزمات الاقتصاديّة فإنّ الانهيار سوف يسير بخطىً متسارعةٍ”[2].

إنه لا ينكر ما فعلته وتفعله الحضارة الغربية، ولا ينكر أن العلم الحديث يستطيع أن يقتنص أشعة الشمس، وأن يعدّ لرحلةٍ فضائيّةٍ أسرع الوسائل العلميّة وأشدها أمنًا، والوصول إلى القمر والكواكب، وأن يستخدم الطاقة الذريّة في تنفيذ العديد من الإنجازات والمشروعات الضخمة، ويقضي على البؤس والفقر، ويصل إلى قمة التطور. إنّه لا ينكر أيًا من ذلك، فقد كان ينظر إليها على أنها فتوحاتٌ وانتصاراتٌ للإنسانية، لا يمكن لعاقلٍ أن يقف منها موقف الجحود أو الإنكار، بيد أن كلّ ما كان يحنق عليه هو أن القيادة الفكرية التي تقود الحضارة الحالية لا زالت عاجزةً عن إنشاء جيلٍ صالحٍ مؤمنٍ، وتلك هي انتكاستها الكبرى التي كان ينقد الحضارة الغربية من أجلها.

(95)

ومن ثم فإنّه كان لا يثق بالقيادة الفكرية للعالم، لفراغها الإيماني، فالندوي كان ينقد العلاقة بين الغرب والإسلام في جانبها السلبي، ويركز كثيرًا على تفريط الحضارة الغربية في الربط بين العلم والدين، الحضارة والعقيدة، وعليه يؤكد “إن الأفراد الذين قدمتهم لنا القيادة الفكرية الجديدة فارغون من الإيمان واليقين، مجردون من الضمير الإنساني، محرومون من الحاسة الخلقية، جاهلون لمعنى الحب والإخلاص، غافلون عن كرامة الإنسان وشرفه ومكانته. وإنهم لا يفهمون غير اللذة والجاه، ولا يعرفون غير القومية والوطنية، وإنّ مثل هؤلاء الأفراد في نوعيتهم وصلاحيتهم، سواءً أكانوا حكامًا في الأنظمة الجمهورية، أم مسؤولين عن النظام الاشتراكي لا يقدرون أبدًا على إيجاد مجتمعٍ فاضلٍ، وبيئةٍ آمنةٍ، وجماعة مؤمنة تخشى الله في السر والعلن، ولا يمكن الثقة بهم والاعتماد عليهم في مصير خلق الله، والأسرة البشرية الكريمة”[1].    

وفي جوٍّ كهذا لا يرجى للبشرية خيرًا، إذ يؤدي بها إلى الدمار والفناء، لأنه في ذلك الجو المشحون لا تجدي الجهود العادية نفعًا، ولا يغني أسلوب التعليم والإصلاح التقليدي، وإنما لا يجدي إلا شيء واحد  يتسم بالجرأة الخلقية والتضحيات الجسيمة والمخاطرة والمجازفة على مستوى عالٍ، وهذا الشيء عند الندوي ليس أكثر من وجود عباقرة، الذي استطاعوا أن ينزعوا الحضارة الإنسانية في كلّ عصر. فالغرب الذي استطاع أن يخرج لنا شخصياتٍ عبقريّة في كلّ المجالات: الطب والهندسة والعلوم والتكنولوجية، وغيرها من مختلف العلوم والفنون، هذا الغرب في نظر الندوي أصبح يخيم عليه الجمود منذ زمنٍ طويلٍ، بل ويفتقر إلى الشخصيات العبقرية لقيادة المجتمع الإنساني والحضارة الإنسانية، ومن ثم تحويل وجهة العالم كله من الهدم والتدمير إلى البناء والتعمير[2].  

(96)

هل هناك علاقةٌ بين المسيحيّة و الحضارة الغربيّة؟

يمكن القول أنّ الندوي كان يرى أنّ لكلٍّ من المسيحيّة واليهوديّة دورًا واضحًا في توجيه المدنية ومصير الإنسانية، فالمسيحيّة هي التي قادت الحضارة في أوروبا بعد القرون الوسطى في العالم المتمدن ـ وكان الندوي يرى لليهودية دورًا مشابهًا ـ رغم أنه كان مدركًا تمام الإدراك أنّ الحضارة الغربيّة في خلافٍ جذريٍّ مع العقيدة المسيحيّة، وهذا يفسر لماذا بدأت الشعوب المسيحيّة التي تحرّرت من رقّ الكنيسة والباباوات، وضعفت صلتها بالمسيحية ـ ولم يكن الندوي يرى أنها تقطعت كلية ـ السمحة المؤسسة على التوحيد الخالص الذي نزلت به السماء، ولكن الحضارة الغربية اتجهت بالمسيحيّة اتجاهًا ماديًا عنيفًا، أصبح يهدّد العالم، ومصير الإنسانية، بالاكتشافات العلمية الحديثة، والمخترعات المدمرة المبيدة، وفقد التوازن بين العلم والعاطفة والعقل والضمير والأخلاق[1].

الندوي وهو يقودنا إلى اكتشاف نوعٍ من العلاقة بين المسيحيّة واليهوديّة في هذا الصدد، حيث سيطر اليهود -في نظره- في العهد الأخير على هذه الحضارة، وذلك راجعاً إلى عدّة أسباب:

خصائص النسل والدم.

التعليم والتربية.

الغايات السياسية.

المشاريع القومية.

ونحن وإن كنّا نتفق معه في الثلاثة الأخيرة، فإننا لا نتفق معه في السبب الأول،

(97)

إذ لم يكن اليهود أصحاب خصائص في النسل تمكنهم من الفعل الحضاري، ويمنعنا نسلنا نحن المسلمين من التمكن منه، فإن هذا محال، نحن يمكن أن نفهم كلام الندوي هنا على أن نسل اليهود ودمهم الذين يملؤهما اللؤم والخيانة والمكر مكنهم من السيطرة على الحضارة الغربية، لتكون في خدمة الصهيونية، ونعتقد أن هذه الفرضية هي ما يكشف عنها اتجاه الندوي العام في كلّ آرائه حول الإسلام والحضارة الغربيّة.

ومع هذا ـ وعلى كل حال ـ فإنّه لا ينكر إسهام اليهود في السيطرة على هذه الحضارة بالعلوم والفنون والاكتشافات والاخترعات، وتملُّك زمامها، وتوجيهها في صالحهم، والتأثير في الأدب والتربية، والفلسفة والتجارة والسياسة، والصحافة ووسائل التوعية والإعلام[1]، حتى صاروا العنصر الفعال الرئيس في نظره في قيادة الحضارة الغربية، رغم ظهورها في بيئةٍ مسيحيةٍ، “ويبدو للناظر المتعمق في الحوادث الأخيرة، والمطلع على مدى نفوذ اليهوديّة العالمية في المجتمع الغربي، أنّ هذه الحضارة وما تحتوي عليه من علمٍ وفنٍّ ستلبغ نهايتها السلبية، وتصل إلى ذروتها في قوة التدمير والهدم والإفساد، والتلبيس والتدجيل، على أيدي اليهود الذين مكن لهم الغرب المسيحي ـ بغفلةٍ منه وبجهلٍ بمراميهم البعيدة وطبيعتهم الحاقدة ـ كلّ تمكينٍ، وأتاح لهم فرصةً لم يكونوا يحلمون بها قبل قرون، وكانت في ذلك أكبر محنة للإنسانية، وأكبر خطر على العالم، فضلاً عن العرب الذين يكتوون بنارهم، فضلاً عن المنطقة المحدودة التي يجري فيها هذا الصراع الحاسم”[2].

وربما كان الندوي على صواب هنا إذا علمنا أنّ المتحكمين في العالم على المستويات كافة هم اليهود. ففي الفلسفة والفكر فرويد يهودي، وكارل ماركس

(98)

يهودي. والاقتصاد العالمي وما يقوم عليه من ماركات وأسماء صناعٍ ورجال أعمالٍ نجده تحت تحكم اليهود، فماركة بولو صاحبها رالف لورين يهودي، جوجل (سيرجي برين يهودي)، ديل (مايكل ديل يهودي)، أراكل (لاري إيسون يهودي)، وفي السياسة هناك هنري كسنجر وزير خارجية أميركا السابق يهودي، ريتشارد ليفين رئيس جامعة ييل يهودي، مادلين أولبريت وزير خارجيّة أميركا السابقة يهودية، جون كي رئيس وزاء نيوزيلاندا يهودي، إيزالك إيزالك حاكم أستراليا يهودي، وفي الإعلام هناك وولف بليتزر شبكة سي إن إن يهودي، بربارا وولترز إيه بي سي نيوز يهودية، يوجين ماير واشنطن بوست يهودي، هنري جرونوالدا مجلة التايم يهودي. وهذه النماذج على سبيل المثال لا الحصر، إذ إنها قائمةٌ قد يصعب حصرها أو يستحيل.

إنّ الندوي الذي كان يرى أنّ الحضارة الغربية نشأت في ظلّ شيوع المسيحية وترعرعت تحت حضانة المسيحيين، فإنّه كان يرى أنّ المسيحيّة كديانةٍ نقيّةٍ من عند الله في صورتها غير المشوّهة، تتعارض مع تلك الحضارة الشغوفة بهذه الحياة المحدودة الفانية، والحرص على تمديدها وتزيينها، والمبالغة في إجلالها والتفخيم من شأنها، والاتجاه إلى كلّ ما وراءها من مثلٍ وقيمٍ وأخلاقياتٍ، والاقتصار على التنافس للسيطرة عليها وعلى أسبابها وطاقاتها، وإذا كان يرى أن هذه الأمور لا تلتقي مع المسيحية الحقة في شيء، فإنّه يجدها تتناسب مع اليهود؛ حيث يرى الندوي أنّ التوراة تجرّدت عن ذكر الآخرة والعالم الآخر، والحثّ على الاستعداد لها، وصرف القوى والنوايا إلى نيل السعادة فيها، ولا عجب عنده في ذلك؛ لأنّ تاريخ اليهود هو تاريخ التنافس على المادة، والنهامة للثروة، والكفاح للسيادة - التي يراها سلالية - والكبرياء القومي، ويرى أنّه قد تجلّى ذلك بوضوحٍ في الأدب والشعر، والقصص والملاحم، والنبوات والكهانات، وما أثر عنهم من بطولاتٍ ومغامراتٍ، وحروبٍ وثوراتٍ، أو ما عرف عنهم من اختراعاتٍ وإبداعاتٍ، أو ما يعزى إليه من فلسفاتٍ وأفكارٍ، حيث إنّ أندر شيءٍ بالنسبة إلى اليهود هو الرقة والتواضع، وهضم النفس

(99)

وإنكار الذات، والاستهانة بالحياة الدنيا، والشوق إلى الله تعالى، والحنين إلى الآخرة، والرحمة بالإنسانية على اختلاف طبقاتها، وأجناسها، وأوطانها[1]

ولعل حكم الندوي على اليهود هنا ناتجٌ عن اطلاعه الواسع في كتاب الله تعالى وفهمه له، إذ من المتعارف أن القرآن أفسح جزءًا كبيرًا من آياته عن الحديث عن بني إسرائيل وصفاتهم الذميمة، ومعاملتهم لأنبيائهم. “فقد شغل اليهود وبنو إسرائيل في القرآن حيزًا كبيرًا سواءً منه المكي أم المدني، حتى لقد ورد ذكرهم تصريحًا أو تلميحًا، ومسهبًا أو مقتضبًا في خمسين سورةٍ”[2].

لا يؤمن الندوي بوجود علاقةٍ من أيّ نوع بين المسيحيّة والتقدم الحضاري الذي شهده الغرب، ويرفض ذلك رفضًا قاطعًا، ونحن معه في ذلك، فتاريخ الصراع بين المسيحية ممثلة في الكنيسة والعلم واضح في هذا الشأن، فقد كان  هناك قيودٌ للكنيسة في الغرب وقفت كعقبةٍ كؤودٍ في سبيل تقدم العلم الغربي وما قام عليه من حضارةٍ.

بيد أنّ الغرب وجد أنّ استمرار وجود الوضع على هذه الصورة لن ينتج عنه إلا تخلف قائم مرفوض، فقد وصل الغرب إلى حالةٍ من الصخب على الوضع الديني الكنيسي، الذي كانت أهم مظاهر رفض العلم ومحاربة العلماء، عدم الخروج عن المنطق الأرسطي القديم، صكوك الغفران، وغيرها من المظاهر التي كانت معول هدم في طريق كل ما هو حضاري.

الندوي كان يرى أن تلك الحالة الدينية العقدية في أوروبا كانت تواجهها حالةٌ أخرى مناقضةً تمامًا، تتمثل في تلك الروح الغربيّة الوثابة إلى التقدم، فطبيعة الغرب المتطلعة المتحمسة طموحة، وتندفع إلى الأمام بقوةٍ وحماسةٍ، وعاطفةٍ جياشةٍ، “وكانت القوى الطبيعية تزيح الستار عن مخابئ القدرة الإلهية والإمكانات الهائلة

(100)

للتقدم والانطلاق، وكانت الأمم تتنافس في ميدان الرقي، وتتسابق إلى إحراز قصب السبق، كل ذلك كان يبعث أوروبا على السير الحثيث والاندفاع القوي السريع إلى الأمام، ويشجعها على أن تستخدم الذرة من ذرات الكون، وأن تستغل ما أودعه الله فيه من ذخائر ومواد، وقوى وطاقات، وأن تحول التراب ذهبًا، وتجعل الجمادات ناطقة حية تتحرك”[1].

 وهذا دليلٌ على أنّ الزمن قد دار دورته وأجبر الغرب على الخروج على الكنيسة التي كانت  قيداً، فالطبيعة الأوروبية الطموحة المتحمسة والتطورات التي حدثت في العالم والتحولات الكبرى التي حدثت فيه جعلت أوروبا تتجه إلى مجال العمل والعلم بكلّ قوةٍ، وأن تستخدم كلّ مؤهلاتها من ذكاءٍ وطموحٍ في سبيل هذا المجال دون النظر للكتاب المقدس ولا للديانة المسيحية، ولا للكنيسة ذاتها. ومن ثم فالديانة المسيحية لم تكن هي التي تقود أوروبا إلى الحضارة، ولم تكن لنصوصها أي دورٍ في ما شهدته وتشهده الدولة الغربية من حضارةٍ وتطور. بل إنّ الندوي كان يندب حظ أوروبا في أنّها لم تعتنق الإسلام أو لم تعرف الإسلام؛ إذ سبقته المسيحية إليها.

وكأن لسان حال الندوي يقول أن الديانة المسيحية لا تنسجم مع المجتمع الأوروبي، ولا تتجاوب مع طبيعته في قليلٍ أو كثيرٍ؛ إذ هي ـ في الاستقراء الأخير لفكره ـ لا تستطيع أن تعيد الهدوء إلى الطبيعة الأوروبية المضطربة القلقة، والجامحة بكلّ قوةٍ، أمّا الديانة التي تتحقق فيها كلّ هذه المطالب فهي الديانة الإسلامية. فهي قادرةٌ على إعادة هذه الطبيعة الأوروبية إلى الطريق الصواب، بل لديها القدرة على ضبط جموحها بل وكبحه، والجمع بين الوسائل والغايات، والأسباب والأهداف، بل إنّه كدينٍ عالميٍّ سوف يتخذ خطةً جديدةً للإنسانيّة جمعاء ويهبها دمًا جديدًا، ويتجه بالبشرية إلى الاتجاه الصحيح[2].

(101)

والمتأمل في الخط الفكري الذي خطه الندوي في علاقة الإسلام بالغرب يجده يحاول أن يعقد مقارنةً من طرفٍ خفيٍّ بين الديانة المسيحية في موقفها من الحضارة، والديانة الإسلامية في موقفها من الحضارة أيضًا؛ لكي يدلل على أمرٍ من الأهمية بمكان، مؤداه: أن الغرب يسير في حضارته خلافًا لما تقتضيه الديانة المسيحية، في حين أن العرب يسيرون في تخلفهم وتدهورهم خلافًا لما تقتضيه الديانة الإسلامية.

ومن ثم فهو دائم التأكيد على أنّ الإنسان لدى المسيحية مذنبٌ بالولادة والفطرة، فكيف يتمشى مع ركب المدنية وهو مثقلٌ بالمعاصي والذنوب الفطرية، فإذا كان من الواجب عليه طبقًا لديانته أن يعتقد بأنه مذنبٌ بالفطرة، فكيف إذاً يعتمد على نفسه في وجهة نظر الندوي؟ وكيف يثق بذاته ومواهبه؟ وكيف يستطيع أن يسخر الكون؟ فالإحساس الدائم والملازم له بأنه مذنبٌ يجعله مقيدًا، لا يستطيع أن يكون ندًا لما في الكون من موارد وقوى، يواجهها ويستفيد منها ويجعل منها أداةً طيعةً في يده، فهل هذه النفسية تستطيع أن تشق البحر وتصعد القمر والكواكب وتكتشف النجوم؟ ومن ثم يقول مستغربًا: “والواقع أنّ ذلك كان سعيًا وراء الجمع بين متضاربين، ومحاولة توفيقٍ بين متناقضين، تناقضًا ينقطع نظيره، فكان كمن يركب حصانين في عربة، أحدهما وراء العربة وآخر أمامها، فهما متقابلان تمامًا، فهذا يجرها إلى الأمام، وذاك يجرها إلى الخلف، فكانت أوروبا بطبيعتها المتحمسة، تنطلق بشدة وحدة إلى الأمام، وكانت المسيحية تدفعها بالشدة والقوة نفسها إلى الخلف، تدفعها إلى الرهبانية، والفرار من الحياة، وكان رجال الكنيسة ينادون بأنّ سرّ تقدم الإنسانية في العزلة من الحياة، وضوضاء المجتمع البشري، وإن كان الإنسان يريد الرقي الروحاني، فليلتجئ إلى الجبال والمغارات والكهوف، وليوقف حياته على الكنيسة..”[1].

وقد وقف العديد من المفكرين المسيحيين عند حقيقة العزلة والرهبنة التي

(102)

تدعو إليها المسيحية، بل ويفخرون بأن ذلك من مبادئ العقيدة المسيحية[1]. ومن ثم فإنّ طبيعة الأمور تقضي باستحالة الجمع بين الدعوة إلى العزلة والانقطاع عن ملذات الدنيا، وبين التوجه الموغل في الماديّة كما تمثله الحضارة الغربية.

ومن ثم نفهم أنّ الندوي لم يكن مطلقًا من الرافضين للثورة على الكنيسة في أوروبا، إيمانًا منه بأنّه كانت هناك معاداةٌ للعلم من قبل الكنيسة في أوروبا، حتى إن الحال قد وصل بها إلى إنزال العقاب بالعلماء أصحاب الاكتشافات العلمية والمعرفية، والتنكيل بهم أشدّ التنكيل، ومن ثم رفضت الحضارة الغربية كلّ ما يمت للدين بصلة، وقطعت كلّ الخيوط التي كانت تربطها بالكنيسة. ومن ثم فإذا كانت بداية النهضة الأوروبية مرتبطةً بالانفكاك عن الدين، فإن بداية التدهور الإسلامي كان مرتبطًا بالانفكاك عن الدين، “حقيقتان واضحتان: ما بلغت أوروبا شأوًا بعيدًا من التقدم إلا حينما رفضت المسيحية، وما انهار العالم الإسلامي إلا بعد ما طوى كشحه عن تعاليم الإسلام وزهد فيها وانصرف عنها”[2]

موقف المسلمين من الحضارة الغربية.. كيف كان؟

يرى الندوي أن جميع الحضارات المعاصرة والقيادات الحديثة اليوم، تنقسم إلى نوعين: إما هي مقلدةٌ جامدةٌ، وصورةٌ شاهبةٌ للحضارة الغربية، وإما هي ضعيفةٌ هزيلةٌ، مريضةٌ سقيمةٌ، منسحبةٌ منهزمةٌ، لا تستطيع أن تواجه هذه الحضارة، أو تقف معها جنبًا إلى جنب، فإذا قامت هذه الدول الإسلامية، والعالم الإسلامي بصورةٍ عامةٍ لسدّ هذا الفراغ الذي سيحدث بعد نهاية هذه الحضارة وانسحابها عن مسرح القيادة وردّ إليها منصب قيادة الجنس البشري[3].

(103)

ويمكن القول بناءً على هذا أن العالم الإسلامي في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي واجه مشكلةً غايةً في التعقيد والدقة والخطورة، وشهد تبايناً في الموقف الذي ينبغي أن يتخذ تجاهها، باعتبار أنّ تلك المواقف تحدّد مظهرًا من مظاهر مستقبل العلاقة بين الإسلام والغرب، وتلك المشكلة كانت مشكلة استفحال الحضارة الغربية الفتيّة الدافقة بالحياة والنشاط، والطموح والقوة والانتشار والاستيلاء، ومن ثم فقد كانت هناك ثلاثة مساراتٍ في علاقة الإسلام بالغرب وحضارته التي بدأ الشعور بتنفّذها في القرن التاسع الميلادي، بعد أن أخذت الحملات الحربيّة الغربيّة تتوالى على الشرق رغبةً في استنزاف خيراته، وهذه المسارات تحدّد مواقف المسلمين من الحضارة الغربية ومن الغرب نفسه، إذ كان هناك ثلاثة مواقف يستطيع العالم الإسلامي أن يقفها أمام هذه القاطرة، وهي على النحو الآتي:

أولاً- الموقف السلبي: 

وهو الموقف الذي يرفض هذه الحضارة بكلّ ما جاءت به ويقف منها موقف المعارض الرافض الثائر على معطياتها أو موقف المعتزل المحايد، الذي لا يقتبس منها شيئًا، ولا يسمح بدخول علمٍ من العلوم التي كان للأوروبيين فيها التفوق والاختصاص، ولا ينتفع بتجارب الغرب في مجالات: الطبيعة والكيمياء والرياضيات وعلم الميكانيكا، ولا يستورد شيئًا من الآلات والصنائع والأجهزة، وأدوات الحرب والبضائع ومرافق الحياة.[1] وقد واجه هذا الفريق نقدًا شديدًا، تحت منطلقاتٍ طبعيّةٍ شرعيّةٍ، لأنّه ينتج عنه التخلف الشديد عن ركب الحياة، ويقطع صلة هذا الجزء عن باقي العالم، ويكون كجزيرةٍ منقطعةٍ لا مناعة لها ولا قيمة، والبرّ لا مكان فيه للجزر المنقطعة المعزولة، ولا حرب مع الطبيعة البشرية، ومنطق

(104)

الحوادث والحقائق، فضلاً عن أنّ هذا الموقف السلبي يعبر عن ضيقٍ في العقل، وتعطيلٍ للقوى الفطرية، وجنايةٍ على الإسلام، وسوء تفسيرٍ للدين الذي يحث على النظر في الكون وإعمال العقل، واقتباس الصالح النافع أيًا كان مصدره. “ولو حاول قطرٌ من الأقطار أن يطبق عينه وسمعه عن تحدي هذه الحضارة الصارخة، أو أن يرفضها رفضًا باتًا، وصمّم في أن يعيش في عزلةٍ عن العالم المعاصر، منطويًا على نفسه، لما استطاع ذلك، ولواجه ثوراتٍ لا آخر لها، وعصيانًا وتمردًا في الداخل، لأنه يعارض الفطرة الإنسانية الوثابة الطموح، الولوعة بالجديد، الطالبة للمزيد، الطامحة دائمًا إلى المجد والقوة والتجديد، ويعارض كذلك السنن الكونيّة وطبائع الأشياء، ولو فعل ذلك قطرٌ من الأقطار لتسربت هذه الحضارة إلى أسر هذا القطر وبيوته، كما يتسرب الماء في القرية أو المدينة إذا أحاط بها السيل من كلّ جانبٍ، وطغى عليها الفيضان.”[1]

ومن ثم فإنّنا نقف موقف الرافض لمثل هذا الموقف الذي يخالف الشرع والعقل وطبائع الأمور، فلسنا من أولئك النفر الرافضين لكلّ ما أتى به الغرب، بل من أولئك النفر الذي يقدر منجزات هذه الحضارة في جانبها العلمي والتكنولوجي بما قدمته من خدماتٍ جليلةٍ للإنسانية، ومن هنا فإنه بالإرادة والتصميم في أيّ قطرٍ من الأقطار نستطيع التمييز والاختيار من الغرب وحضارته ما يفيدنا ونصرف عن كواهلنا ما لا ثمرة له.

خطورة الموقف السلبي:

وقد حاول الندوي كثيرًا الوقوف عند خطورة هذا الموقف السلبي من عدة نواح تبيّن ـ في التحليل الأخير ـ خطورته على المجتمعات الإسلامية، ذلك أنه استند إلى معيارٍ اجتماعيٍّ مؤداه: أن البلاد الأكثر عزلةً هي الأكثر وقوعًا في براثن الدول

(105)

الأكثر حضارة، فالندوي كان يؤسس فكرته هنا على اعتباراتٍ تاريخيةٍ تتعلق بالفترة التي عاشت فيها بعض الأقطار الإسلامية بعيدةً عن الحضارة الحديثة بخيرها وشرها، فضلاً عن أنّها كانت فيها منطويةً على نفسها، وقد كانت هذه الفترة تتسم بالآتي:

كانت فترة قصيرة مضطربة.

مهددة بالغزو الحضاري والثقافي من الخارج.

شيوع موجات المدنية العاتية التي تغلغل الجذور والأعماق.

ذهاب القيم والمفاهيم والمبادئ الأخلاقية.

ومن ثم نفهم أنّ الانغلاق والانكفاء على الذات لا يجدي نفعًا عند الندوي، ولو كان يجدي نفعًا لظلت هذه الأقطار متمسكةً بمبادئها العقدية والأخلاقية، إلا أنها لم تفعل، إذ سرعان ما جاءها داعي المدنية حتى ارتمت في أحضانه مقتفيةً أثره. فهذه الحضارة المادية الغربية كانت من القوة بحيث يصعب أن تقف تلك الأقطار في وجهها أو أن تستطيع صدها، ولا تكمن الصعوبة في ذلك فحسب، بل إن الصعوبة الأكبر كانت تكمن في ضعف هذه الأقطار روحيًا وماديًا، فهي تفقد كلّ مقومات المقاومة من وازعٍ دينيٍّ وأخلاقيٍّ، ومن ثقةٍ بالنفس وقوة الشخصية، الأمر الذي يجعل من صمود هذه الأقطار غايةً في الصعوبة، خاصة مع طول الفترة واستمراريتها.

ومن الأكيد أنّ الندوي هنا متأثرٌ بالأستاذ محمد أسد الذي كانت له مواقفٌ في هذه القضية، وقدم الكثير من الآراء التي تعضده، وقد تأثر الندوي ذاته بهذا الموقف خاصة موقفه الذي يقول فيه محمد أسد: “إلى متى يستطيع زيد، وقوم زيد ـ العرب ـ أن يحتفظوا بتماسكهم الروحي في وجه الخطر الذي يطبق عليهم بكثير من الخدع والمكر، وبصورةٍ لا تعرف الرحمة أو اللين؟ نحن نعيش في زمنٍ لم يعد

(106)

الشرق فيه أن يبقى ساكنًا سلبيًا في وجه الغرب الآخذ بالإطباق عليهم. إن آلافًا من القوى السياسية والاجتماعية والاقتصادية تطرق أبواب العالم الإسلامي، فهل يخضع هذا العالم، ويستسلم إلى حضارة الغرب، ويفقد خلاله التفاعل، لا أشكاله وأنظمته التقليدية فحسب، بل جذوره الروحية أيضًا”[1]

والحقيقة أن ما تنبأ به كلّ من محمد أسد والندوي قد تحقق بالفعل الآن، حتى صارت السلبية التي عليها العرب الآن تجاه الحضارة الغربية نوعًا من الاستسلام، فقد هجمت الحضارة الغربية بكلّ قوةٍ على تلك الدول، حتى صارت منتجات هذه الحضارة في كلّ بيتٍ، بل لقد أصبحت وسيلة من وسائل الترف والدعة، فأصبحت البلاد تعجّ بكلّ غالٍ ونفيسٍ في المنزل والعمل والشارع، فكانت هذه الحالة الجديدة بديلاً عن الحالة الأولى من القناعة التي كان عليها الإنسان البدوي في البلاد العربية.

نحن لا ننكر ذلك الاتصال، إذ ليس من الطبيعي أن يحرم الإنسان نفسه من وسائل الراحة، وأن ينتقل من حياةٍ أكثر مشقةً من الناحية البيئة والطبيعة الجغرافية وغيرها إلى حياةٍ تبدو في نظره أكثر رفاهيةً، وإنما النقد الذي وجهه الندوي هنا ينبني على أمرين:

الأول، عدم التمسك بالموروث، فكان الاتصال على عدة نواح: سياسية وثقافية وحضارية خاصة بعد ظهور البترول.

الثاني، الاقتباس عن الحضارة الغربية عن ارتجال وتهور.        

ثانيًا – موقف الاستسلام:

وهو موقف الاستسلام والتقليد والخضوع الكامل، أو ما يمكن تسميته موقف التقدمية والتغريب، ويمكن وصفه بأنه موقف المقلد المتحمس، والتلميذ البار

(107)

الصغير الذي لم يبلغ بعد سن التمييز، ومن ثم فليس من المنطقي أن يقبل العالم الإسلامي أو جزء منه هذه الحضارة الغربية بحذافيرها، كأن يقبلها بعقائدها الأساسية، ومناهجها الفكرية، وفلسفاتها المادية، ونظمها الاقتصادية والسياسية، ويحاول تطبيقها في الأقطار العربية برمتها، لأن معنى ذلك تغريب هذه الأقطار، ونزع هويتها، وغزو فكري نرتضيه لأنفسنا بزعم مواكبة التطور والتقدم[1].

وقد نقد الندوي هذا الموقف، ووقف منه موقفًا حازماً، ويظهر نقده لهذا الموقف ضمن ما يظهر من خلال إعجابه بأشعار أكبر حسين الإله آبادي ( 1263هـ / 1340هـ) = (1846م / 1921م ). حيث يقول حاكيًا عن شرح نقد هذا الشاعر لهذا الموقف السلبي من التغريبيين: “ينتقد سياسة السيد أحمد خان رائد التعليم الغربي، الداعي إلى قبول الحضارة الغربية، ومؤسس جامعة عليكراه الإسلامية، مع الاعتراف بإخلاصه، وينتقد الجيل المثقف الجديد، وما يتسم به من تقليدٍ أعمى للغرب، وتساهلٍ في العقيدة، ورقةٍ في الدين، وتبذيرٍ في الأقوال والأموال، وتركيزٍ زائدٍ على المظاهر، واستخفافٍ بالدين ورجاله ونهامة للحياة، وتهالكٍ على المناصب الرسمية، وتخلٍّ عن التراث الشرقي القديم ومبادئه القديمة، وثورةٍ عليها من غير تمييز وتبصر، واندماجٍ في المجتمع الغربي الغريب، وسيطرة التفكير المادي الاقتصادي المحض”[2].

وهذا هو الاتجاه التغريبي الذي يدعو أصحابه إلى الأخذ بكلّ أسباب الثقافة والحضارة الغربية، والإقبال على كلّ معطياتها خيرها وشرها، من علمٍ، وصناعةٍ، وثقافةٍ، وحتى أسلوب الحياة؛ لأنهم يرون أنّ الثقافة كلٌّ لا يتجزأ؛ إما أن تؤخذ كلها أو تترك كلها. ويكثر هذا الاتجاه لدى العلمانيين أمثال طه حسين وغيره من الحداثيين[3].

(108)

وإذا كان الاحتلال يمثل استيلاءً ظاهريًا ماديًا، فإنّ فعل التغريبيين هنا يمكّن المحتل من الاستيلاء الروحي، فيجعل الاستيلاء ماديًا روحيًا، وهذا ما حذّر منه الندوي، ومن ثم وصف هذا النوع من الاستيلاء المزدوج ـ إن صح التعبير ـ بأنه وباءٌ، كما وصف الثقافة الغربية بأنها سمٌّ سائلٌ منتشرٌ، والمدارس الأوروبية أو أشباه الأوروبية بالجراثيم الفاشية الدابة، وله الحق في هذا الوصف. ولم يستثن من هذا التأثر وذاك التسمم بقعة، لا بادية عرب، ولا صحراء أفريقية، ولا قمة هملايا، بل لقد كان يرى من عظم الخطب وهول الكارثة أن لو حفرت الأرض لرأى لذلك أثرًا، إذ هو عنده كالليل في العموم، والهواء الذي لا يخلو منه مكان، وإن خاله الناس خاليًا، والذي يقال في الهندي يقال في المصري، والذي يقال في المشرقي يقال في المغربي، والذي يقال في الأسيوي يقال في الأفريقي[1]

وقد مثل الندوي لهذا الموقف بمجموعةٍ من الأمثلة التي كانت ماثلةً أمامه في الواقع المعيش والتي استند إليها في التعبير عن موقف الاستسلام، ومن هذه النماذج:

أ – حركة التغريب في تركيا وأسبابها.

ب – الصراع بين الشرق والغرب في الهند.

فقد ندّد الندوي بحركة التغريب في تركيا، ونقدها نقدًا لاذعًا باعتبارها استسلامًا للفكر الغربي والحضارة الغربية، يقول: “وقد سبقت إلى هذا الأسلوب من التفكير والمنهج من العمل تركيا الإسلامية، وكان ذلك نتيجةً طبيعيةً لعوامل كثيرةٍ، ورحلةٍ طويلةٍ، فقد حاربت أوروبا مدة طويلة، من غير أن تستعد لهذه الحرب، وتتسلح بسلاح عدوها العلمي والصناعي، وفرّطت في اقتباس العلوم المفيدة من أوروبا والصناعات والفنون الحربية والتنظيم الإداري تفريطًا مجرمًا، وأبدى العلماء وزعماء

(109)

الدين ضعفًا وقصورًا في توجيه الأمة والبلاد توجيهًا علميًا وفكريًا، وفي الإشراف على اتجاهاتها التي يفرضها الزمان والمكان، وتغير الأحوال في العالم كله، وتقرير الصالح منها، وتزييف الطالح، ووقفوا على ما وقف عليه العلم والمعرفة والتفكير في القرن الثامن عشر”[1].

وعن أهل السلطة في هذه المرحلة الحرجة يقول: “وفوق كلّ ذلك فقد استغل السلاطين ـ إلا من عصم ربك ـ اسم الدين واسم الخلافة لصيانة مصالحهم الخاصة، وتحقيق رغباتهم، وكانوا من أسباب تأخر البلاد، والهزائم والانتكاسات التي تحققت بالأمة، وممالأة الأعداء في أحيان”[2]. ومن ثم كان دائم التوجيه للحكماء والأمراء في الأقطار الإسلامية بأن يجعلوا من العقيدة الإسلامية موجهًا لهم؛ لأن فيها النجاح والفلاح.. حيث لَفَتَ أنظارهم إلى ضرورة التمسك بالإسلام، والتشبث بنبوة محمد صلى الله عليه وآله، وأن يقوموا بدور الأصالة والتجديد، وصيانة البلاد من النفوذ الأجنبي. [3].

إن الندوي وهو ينقد هذه السلبية التركية كان يستحضر تاريخًا طويلاً من التجارب التي وفدت إلى الشرق دون أن يكون لها التأثير نفسه الذي أظهرته حركة التغريب التركية، وكان أهم ما استند إليه تجربتين من التاريخ الإسلامي كان لهما أثرهما ودورهما المحمود في قيادة سفينة الأمة وحضاراتها.

إذ من منا ينكر تلك التجربة العميقة التي مرّ بها المجتمع الإسلامي في القرنين الأوليين، فقد ظهرت حضارة الإسلام، فوجدت نفسها أمام قوتين عظيمتين: الإمبراطورية الرومانية واليونانية في الغرب، والأمبرطورية الفارسية في الشرق[4]،

(110)

وقد كانتا قد وصلتا إلى نوعٍ من الرقي المادي والحضاري في ذلك العصر، إلا أن ما كان يتكئ عليه الندوي هنا هو أن رجال تلك الحضارة الإسلامية الوليدة في هذين القرنين لم ينتابهم أيّ شعورٍ بالدونيّة أو النقص تجاه هاتين الحضارتين العظيمتين. وهذا ما جعل المسلمون الأوائل ينهلون من روائع هاتين الحضارتين بما ينسجم مع طبيعة المجتمع المسلم ويلبي حاجاته، “بدون أن يصاب بالرق الفكري والدهشة والخضوع الزائد، أخذ جميع ما يناسبه ويجدر به، والذي رآه غير جدير به صاغه في قالبه أولاً، ثم وضعه في مكانه، ولم يجن هذا الاقتطاف المحدود والتلقي على روح ذلك المجتمع ونزعاته الخلقية لاستقلاله وسيادته”[1].   

في حين كانت التجربة الثانية عند الندوي هي تلك التي ظهر فيها التتار على المسلمين وانتصروا عليه واستولوا على ديارهم، فصار التتار متحكمين في البلاد الإسلامية بعد أن قضوا على دولة الخلافة في بغداد[2]، والغريب أنّ الحال في تلك التجربة كان مختلفًا تمامًا عن الحال في التجربة السابقة، فقد كان فقيرًا إلى كلّ ما يمت إلى الحضارة بصلةٍ، سواءً بسواءٍ على النواحي الصناعية والعلمية والثقافية والمدنية والحضارية والتشريعية والفكرية، وغيرها من نواحي الحضارة، بما يشير إلى أنهم كانوا أقرب شبهًا بالحياة البدائية المتوحشة، “لذلك لم يكن هناك أيّ معنى للخضوع والتلمذة وانصهار المجتمع الإسلامي المفتوح في حضارة الفاتح ومدنيته وفلسفة حياته وأفكاره وقيمه، بالعكس من ذلك بدأت الأمة الفاتحة تتأثر يومًا بعد يوم بالأمة المفتوحة، تتأثر شيئًا فشيئًا بحضارتها ومدنيتها وعلومها وصناعتها وطرق حياتها الراقية، وآدابها الجميلة الواسعة، وعقائدها الدينية السامية وأفكارها النبيلة، وأخيرًا اعتنقت تمامًا دين الأمة المفتوحة وحضارتها، وصارت بعد أن اصطبغت بصبغتها حامية للإسلام ورفعت رايته بحماسة وتفان”[3].  

(111)

وظني أن هاتين التجربتين تفصحان عن الكثير والكثير من المعاني والقيم الإيجابية في علاقة الحضارة الإسلامية الإيجابية بالحضارات الوافدة من الغرب أو الشرق، وما يهمنا هنا الغرب تحديدًا. فالندوي يريد لهذه العلاقة - كما نفهم من سياق هاتين التجربتين ـ أن تكون علاقة الندّ للندّ، علاقةً متكافئةً، ليس فيها خضوعٌ أو انكسارٌ أو أدنى شعورٍ بالدونية أو النقص، بل كانوا يمتلكون الثقة بالنفس، في حين كان الوضع بالنسبة له مختلفًا في حركة التغريب التركية[1]، بل لقد عدهم فاقدي الثقة بالنفس، وحماس القرون الإسلامية الأولى، وقوة الإيمان واليقين، بينما كانت الحضارة الغربية الوافدة ممتلئةً بالحماس والطاقة والروح والآمال غير المحدودة، متطورة من الناحية الاقتصادية والعلمية والصناعية والفكرية، بل لقد كان تطورها يزداد يومًا بعد يوم.

فهل كان الأتراك على مقدرةٍ على الوقوف في وجه هذا المدّ الحضاري الجارف؟ يمكن القول أنّ الندوي كان قد وصف لنا الحال بدقةٍ، إذ كان يعول على مركز تركيا في قلب أوروبا، وعلى أنه لم يكن هناك سابق معرفةٍ لمثل هذه التجربة في التاريخ الإسلامي، ومن ثم فلا وجود لتوجيهٍ من تجارب الأمة الماضية وتاريخها الممتد للتغلب على تلك الإشكالية العويصة، فضلاً عن أن العالم الإسلامي المعاصر وقف عاجزًا أيضًا، ولم يستطع تقديم أي نوع من المساعدة؛ نتيجة أنّه لم يجرب تلك الإشكالية من قبل.

ومن ثم كان الحلّ عند الندوي يحتاج إلى ذكاءٍ وقادٍ ومعرفةٍ صحيحةٍ عميقةٍ للإسلام والحضارة الغربية في آنٍ واحدٍ، فضلاً عن شجاعةٍ أدبيةٍ وبطولةٍ، “وكان ذلك عملاً عملاقًا في الواقع، وكان لا بد لتركيا أن تعمله، وكان العالم الإسلامي كلّه على استعدادٍ تامٍّ لاتباعها والسير في ركابها، وكان يرتبط به مستقبل العالم الإسلامي

(112)

الحضاري والفكري، الديني والسياسي إلى حدٍّ كبيرٍ، ولم يكن ذلك يقبل أي تأجيلٍ أو إهمالٍ، ولا يمكن أن تمرّ به تركيا مرورًا خاطفًا سريعًا”[1].

ثالثًا – موقف المشارك الفعَّال:

وهو الموقف المنطقي الذي يعطي لكلّ شيءٍ قدره الذي يستحقه، وهذا الموقف يقوم على أن نستفيد من الغرب، وأن نأخذ من علومه ما تفتقر إليه أمتنا الإسلامية، وما ينفع عمليًا، خاصة العلوم التجريبية والتطبيقية، كما أن هذا الموقف ينبني على الالتزام بهذه الاستفادة من الغرب شريطة أن ننفض - في كل ما نأخذه من الغرب - غبار القرون المظلمة وعصر الثورة على الدين، مع الأخذ بالعلوم المفيدة المجردة من الإلحاد والعداء للدين والمجردة من النتائج الخاطئة، مع تطعيم ذلك بالإيمان بخالق الكون ومدبره. ويلخص الندوي هذا الموقف الإيجابي الذي يرى وجوب التزام المسلمون به تجاه الغرب وحضارته، وبل يرى صاحبه عبقريًا عصاميًا قائلاً: “العبقري العصامي الذي لا ينظر إلى الغرب كإمامٍ وزعيمٍ خالدٍ، وإلى نفسه كمقلدٍ وتلميذٍ دائمٍ، إنما ينظر إلى الغرب كزميلٍ سبق، وكقرينٍ تفوق في بعض العلوم المادية والمعاشية، فيأخذ منه ما فاته من التجارب، ويفيض عليه بدوره ما سعد به من تراث النبوة، ويعتقد أنّه إن كان في حاجةٍ إلى أن يتعلم من الغرب كثيرًا، فالغرب في حاجةٍ إلى أن يتعلم منه كثيرًا، وربما كان ما يتعلمه الغرب منه أفضل مما يتعلمه هو من الغرب، ويحاول أن ينهج - بذكائه وجمعه بين حسنات الغرب والشرق وقوى الروحانية والمادية – منهجًا جديدًا يجدر بالغرب تقليده وتقديره، ويضيف إلى المدارس الفكرية والمناهج الحضارية مدرسةً جديدةً تستحق كلّ عناية ودراسة وتقليد واتباع”[2] وعليه فإن الموقف الذي نريده في العلاقة بين الإسلام والغرب هو موقف الندّ للندّ، موقف المشارك الفعال في صناعة العالم من حوله، الذي لا يرى في نفسه أنه أقل من غيره الغربي في الفكر

(113)

والقدرة على إنجاز الأعمال التي تأخذ بيد البشرية إلى التقدم والرخاء، موقف التكامل الذي فيه أكمل ما لدي من نقصٍ عن طريق الغرب، ويكمل الغرب ما لديه من نقصٍ عن طريقي أنا ومن خلال الاستعانة بي، وهذا ما يمكن تسميته بالاقتباس المتبادل أو الاستفادة المتبادلة، وليست قضية الاقتباس بين الحضارات عند الندوي بالأمر غير الطبيعي؛ إذ إن كلّ الحضارات في كلّ زمانٍ ومكانٍ تقوم وتزدهر وتتوسع وتترقى، فقد تسنح لأممٍ وشعوبٍ فرصة لتوجيه المجتمع وتنظيم الحياة، وتذليل عقباتها وتسهيل معيشتها، ثم تأتي أممٌ ومجتمعاتٌ فتستفيد من هذه التجارب، وتقتبس من هذه المنجزات والمعطيات للعلم البشري[1].

ولذا فإنّ أولى الأمور التي يجب أن يبدأ بها المسلمون في التعاطي مع هذه الحضارة الغربية، أن ندرك روح الحضارة الماديّة التي سيطرت على الغرب، ونفهم أنّها مجرد مركبٍ ماديٍّ لا روح فيه ولا عقل، ثم تأتي مرحلة التعمق في هذه الحضارة والمقارنة بين محاسنها ومساوئها، والتمييز بين المجالات التي يمكن للمسلمين الانتفاع بها، والابتعاد عما يمكن أن يكون فيه ضرر.

إن في هذه الحضارة دمارُها، وتحت أنوارها نارها[2]، والندوي كان يدرك جيدًا، إلا أنه كان يدرك أيضًا أهميتها، ومن ثم يقول الندوي: “يجب أن نتتلمذ على أساتذة هذه الحضارة وعلى أساتذة هذه الجامعات في هذه المجالات، ولكن ما هي المجالات التي نتجنبها ونفر منها، ونزهد فيها ونستهين بها ونحتقرها، إنما هي مجال العقيدة، مجال الإيمان، مجال الروح، مجال الأخلاق، مجال الشخصية، مجال معرفة قيمة الإنسان، مجال الهدف الصحيح، مجال القيم والمثل الفاضلة، مجال الإيمان بالغيب، مجال الشعائر الإسلامية”[3].

(114)

وهذا دليلٌ على أن الندوي لم يرفض كلية الحضارة الغربية، ولا الفكر الغربي، وإنما رفض الجزء السلبي منها، أما الجزء الخاص الذي يتعلق بالجوانب المادية التي يمكن للمسلمين الاستفادة منها فلم ينطق الرجل بشيءٍ يوحي برفضها، فالحضارة الغربية في جانبها الميكانيكي التكنولوجي الصناعي لم يرفضه الندوي، ولم يكن له أن يرفضه، وكيف يرفضه؟ وهو يرى أنّه مفيدٌ للإسلام والمسلمين لو أخذنا به، فالحكمة ضالة المؤمن، أنّى وجدها فهو أحقّ الناس بها، أما المرفوض من هذه الحضارة كما يكشفه لنا الندوي فهو الجوانب الروحية منها، الجوانب التي تتعلق بالعقيدة، فالندوي كان يخشى أن يكون لهذا الجانب المادي في الحضارة الغربية تأثيرٌ سلبيٌّ على الناحية الإيمانية العقديّة عند المسلمين، أو أن يغلب الجانب المادي الجانب الروحي والإيماني الذي حث عليه الدين الإسلامي.

ولذا نراه يوجه رسالةً إلى الذين أقاموا في الغرب واختبروا حضارته مفادها “يجب عليكم أن تعودوا إلى بلادكم لتقولوا لها ولشبابها وللمثقفين فيها: قد سبرنا الحضارة الغربية، وقد عجمنا عودها، وقد اكتوينا بنارها، وقد عشنا في قلبها، فعرفنا إفلاس هذه الحضارة وإخفاقها، ترجعون إليهم لتكشفوا لهم سر هذه الحضارة، ولتقشعوا هذا السحاب الذي قد غشي أبصارهم، ولتبخروا هذه الثقة الزائدة، وهذا التقديس الذي يحملونه لهذه الحضارة، ولتملكوا زمام بلادكم فتقودوها إلى الإسلام”[1].

إن الندوي لا يريد للمسلمين أن يبهرهم بريق هذه الحضارة، وإنما يريد لهم أن يدركوا جيدًا أنهم ثمارٌ لشجرة النبوة، ومن ثم فإذا عاشوا في الغرب وأقاموا به فلا بد من الانفكاك عن أسره، وعدم الخضوع له بأيّ حالٍ. إن في موقف الندوي دعوةٌ ظاهرةٌ للاستمتاع بهذه الحياة، وبهذه الأرض التي يعيشون فيها، بيد أنها دعوةٌ أيضًا لأن يعيشوا أحرارًا لا عبيدًا لهذه الحضارة.

(115)

إنه ليس كغيره ممن تشدّدوا فأفتوا بحرمانية العيش في الغرب، إيمانًا منه بأن الأرض من خلق الله، وأن المسلم مأمورٌ بالسعي فيها، وإيمانًا منه بقيمة الدين الذي يرفض مثل هذا التشدّد، والذي ليس فيه نصٌّ صريحٌ في ذلك، وإيمانًا منه بقيمة العقل الذي يأبى كلّ هذه الخروقات أو الترهات. بيد أنه وضع شروطًا لكي يحكم حكمًا بالحلال على العيش في الغرب، وتنحصر هذه الشروط في: التمكن من الحياة الدينية، تعليم أطفالهم وبناتهم والحفاظ على تربيتهم الدينية، وأن يأمنوا على مستقبلهم المادي، وأن يبقوا على الإيمان والإسلام، وعدم معصية الله تعالى ورسوله، وفي غير ذلك تكون إقامتهم محرمة، كونها تمثل معصيةً لله ورسوله[1].

ومن ثم فقد كان يوجه كلّ جهده إلى ضرورة الحفاظ على الهوية، خوفًا عليها من الذوبان، أو الانحلال الذي ربما قد يحدث نتيجة الاندفاع ناحية الحضارة الغربية، أو نتيجة الانبهار بمدنيّتها الزائفة، ومن ثم فإنّ اتجاهه يمثل دعوةً إلى الحفاظ على الدين والعقيدة، المثل والقيم، الحضارة الحقيقية والمجتمع. فقد كان يخشى على المسلمين في هذه البلاد الذوبان، فالذوبان في الآخر وفقد الهوية كان الهمّ الذي يؤرّق الندوي ويضج مضجعه، ومن ثم ألزمهم بترك هذه البلاد والعيش في البلد الأم حتى لو كان المكسب ربع أو عشر ما يكسبون في بلاد الغرب، أو حتى لو كان أقل من ذلك بكثير، أما إذا استطاعوا العيش في الغرب آمنين الذوبان فسوف يكونوا سعداء وستكون إقامتهم سعيدة، وربما يكون وجودهم هناك فاتحة خير، إذ يستطيع الناس وقتها الدخول في دين الله أفواجًا.   

إنه يعول على ضرورة وجود مجتمعٍ إسلاميٍّ، يصلح أن يأخذ بأيدي الأميركان وغيرهم إلى الطريق المستقيم، ويخاطبهم مخاطبة التلميذ للأستاذ، والكبير للصغير، بيد أنه كان يندب سوء حظه وحظنا؛ إذ ليس هناك مجتمعٌ مثاليٌّ يصلح أن يخاطب الناس مخاطبة الند الند، ويهديهم إلى الطريق القويم[2].

(116)

بيد أنّ الندوي وكأنّه يرمي من طرفٍ خفيٍّ إلى ضرورة العيش في مجتمعٍ مثاليٍّ أو شبه مثاليٍّ أو نصف مثاليٍّ أو ربع مثاليٍّ، ولا يتحقق ذلك بالقراءة والاطلاع فقط، أو سماع المحاضرات فقط، بل لا بد من وجود مناخٍ إسلاميٍّ، جوٍّ إسلاميٍّ، صبغةٍ إسلاميةٍ، لقد أراد أن يشاهد المسلمون الإسلام بعيونهم، وأن يسمعوه بآذانهم، ويتلمسوه بأصابعهم، ويتذوقوه بأذواقهم، فذلك عنده الإسلام الحي، الذي لا بد فيه من صحبة المؤمنين الصادقين، مستدلاً على ذلك بقول الله تعالى: “وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا”(الكهف:  28) وقوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ”( التوبة: 119).

محاربة العنف:

إن الموقف الذي يؤسس له الندوي في العلاقة المستقبلية بين الإسلام كدينٍ عظيمٍ والغرب، على اللين لا العنف، إذ لم نجد الندوي في أيٍّ من كتبه على كثرتها يحاول أن يؤجج العلاقة بين الإسلام والغرب، ولكن على العكس من ذلك تمامًا نجده يوجه المسلمين لأن يكونوا نماذج يقتدي بها الغرب، وتكون معبرةً بحقٍّ عن الإسلام الحقيقي، الإسلام الحي. وذلك لن يتحقق إلا إذا عاش المسلمون حياة طهرٍ وصفاءٍ ونقاءٍ، وإذا ساروا في حياتهم بالتوسط والاعتدال، وإذا عاشوا عيشة السكون والهدوء متحررين من حياة المصانع والماكينات، وإذا شحنوا قلوبهم بالروحانيّة وبقوة الإيمان واليقين، فإذا تحقق ذلك أقبل الغرب على الإسلام طواعيةً غير مكرهٍ، وساعتها سوف يجد فيه الملاذ الآمن له من تلك المادية المفرطة.  

لكن هل المسلمون قادرون على تحقيق تلك الشروط؟ يقول الندوي متألمًا: “عاد المسلمون أخيرًا ـ مع الأسف ـ متجردين من الاعتقاد في معنى الكلمة بما في هذه الآية، فكيف يقولون ذلك لغيرهم؟ والذين لا يثقون بعظمة الصلاة وإعجازها

(117)

وبحقية الكلمة وبصدقها، وبكون الله مالكًا للخير والشر، والنفع والضرر، وبالقضاء والقدر، والذين اعتبروا الأميركان رازقيهم، واعتبروا المصانع رازقة لهم، كيف يستطيعون أن يدعوا الأميركان إلى التوحيد الخالص النقي؟ وإلى إفراد الله بالعبودية والعبادة، وكيف يستطيعون أن يقولوا لهم: لا رازق إلا الله “[1].

إن المسلمين يجب عليهم أن يعوا ذلك، وأن يدركوا أن في عقيدتهم عوامل تقدمهم، فهل هناك ما هو أقدر من الإسلام على أن يهبنا الزاد الخصب الثّري الواضح البيّن المستقيم، في دنيا من المعطيات، اضطربت فيها مسالك السائرين، وضاعت معالم الطريق؟! وهل ثمة أقدر من رسالة السماء على أن تُحدّد موقع أقدامنا في الأرض وتهبنا أضواءها الغامرة الكاشفة، فنعرف تحت مدّها الإلهي العجيب مواطن النور والظلام، ومواقع الحقّ والباطل، ومظانَّ القبح والجمال؟![2].

(118)

 

 

 

 

 

الفصل الرابع

العداء بين الشرق والغرب

(119)

المظاهر – الأسباب – النتائج عند الندوي :

أولاً- أسباب العداء بين الشرق والغرب:

الاختلاف في الجوهر:

ما لا شكّ فيه أنّ هناك اختلافًا في الجوهر بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية، وهذا ما كان يشي به الندوي على الدوام، فالحضارة الإسلامية جوهرها البحث عن كيفيّة بناء الإنسان، بينما جوهر الحضارة الغربية البحث عن كيفية بناء عالم الإنسان. وهذه هي الإشكالية الكبرى التي لم يستطع أيٌّ من الغربيين التغلّب عليه، ولا حتى أيٍّ من الشرقيين.

ومن ثمّ كان الصراع بين الشرق والغرب، وهو في الأساس صراعٌ بين جوهرين: جوهر بناء الإنسان كما تمثله الحضارة الإسلامية، وجوهر بناء عالم الإنسان كما تمثله الحضارة الغربيّة، وهذا هو الفرق الجوهري الذي كان يدور حوله الندوي في كلّ كتاباته عن الحضارتين.

ولكن هل أدرك أيٌّ منهما الحقيقة، أو الحضارة الحقيقية؟ أظن أنّ الإجابة هنا بالنفي، فكلّ حضارةٍ اتخذت لنفسها على أرض الواقع من خلال اتباعها اتجاهًا واحدًا لا ثاني له، فالحضارة الغربية اتخذت الاتجاه المادي، وحضارة الشرق اتخذت الاتجاه الروحي والأخلاقي، وإن كانت لم تفلح فيه، ومن ثم صار الغرب منكبًا على المادة مستبعدًا الروح، فغلب على شعوبه الاهتمام بهذا وإهمال ذاك، في حين انكب الشرق على الروحي، فظلّ متشبثًا به حتى النهاية، مع عدم أخذ الحظ الكبير من المادة، بل لقد أهملها إهمالاً كبيرًا، فصار أبناؤه متمسكين بهذه، ومهملين تلك.

(120)

وتعويل الندوي على الإسلام كحلٍّ أخيرٍ لانتشال الحضارة الغربية من المادة المغرقة فيها، وتعديل مسار الحضارة الإسلامية التي اهتمت بالروح على حساب المادة، دون الموازنة بينهما، دليل على فهم الندوي لجوهر الإسلام الصحيح؛ ذلك أن الإسلام يستطيع ـ إذا فهم جيدًا من قبل أتباعه ـ القضاء على هذه الإشكالية؛ لأن الإسلام ما جاء للمادة فقط، ولا للروح فقط، كما أنه ما جاء للدنيا فقط، ولا للآخرة فقط، وإنما جاء للاثنين معًا.

والدليل على ذلك قول الله تعالى: «وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ *وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا *وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ* وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ* إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ» (القصص: 77).

وقول النبي صلى الله عليه وآله: “عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله:( ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة ) رواه البخاري (2195) ومسلم (1553).”

وهذه النصوص ـ وغيرها كثير ـ ترغب الإنسان المسلم في الجمع بين الإثنين دون تغليب أحدهما على الآخر، ما يعني أن الإسلام بمنهجه الوسطي يستطيع توجيه مسار الحضارة الإنسانية توجيهًا مثاليًا؛ شريطة توافر الإيمان القوي، والرجال الذين يفهمون هذا الدين حق الفهم، وتلك هي الإشكالية..

الاختلاف في العقيدة:

ما من شك في أن العقيدة من ضمن مصادر العداء بين الشرق والغرب، ولا أقصد بالعقيدة العقيدة ذاتها، ولكن أقصد بذلك المتعصبين، الذين ينظرون بعين التعصب لدينهم. لأن العقائد من معيّنٍ واحدٍ، أنزلها ربنا تعالى إلى الكون ليعمّ السلام، ويعبد في الأرض حق عبادته، إلى أن نال بعض هذه العقائد التحريف،

(121)

فتدخلت فيها يد البشر، فاستبدلوا بالسلم حربًا، وبالتسامح عداوة، وبالمودة كرها، ومن هنا صار الاختلاف في العقيدة مصدرًا لهذا العداء.

والمتأمل في الحضارة الغربية ذاتها يجد هذا التوجه، فالغرب يدين بالديانة المسيحية، فظن البعض أن هذه الحضارة هي المعبرة عن المسيحية، مع أن مسيحية الكنيسة الغربية هي التي عادت العلم والتكنولوجيا والتطور العقلي، فكيف تكون سببًا في التطور الغربي المادي؟ فضلاً عن أن سمت الحضارة الغربية المادة؟! وسمت الديانة المسيحية الرهبانية والكهنوت، فكيف يستقيم الأمران؟!

وربما هذا التعصب العقدي ظهر كما قلنا سابقًا في مجموعةٍ من الوسائل الغربية التي كشف عنها تاريخ الغرب في الشرق، كالاستشراق والتبشير والغزو الفكري، وغيرها من الوسائل التي تبين بوضوحٍ أنّ عامل العقيدة كان له دورٌ في الصراع بين الشرق والغرب.

  وقد ظهر العامل العقدي منذ ظهور الإسلام ذاته، فقد حاربه أهل الديانات الأخرى. إذاً، ليس من المستغرب أن يظل هذا العداء إلى الآن، وأن يستمر زمنًا طويلاً. إنّها العقيدة التي يتظاهر الغرب المسيحي بأنّه تركها، لكنّه يظهرها في كلّ فعلٍ من أفعاله ضدّ الشرق الإسلامي.

الاختلاف في المنهج والغاية:

المنهج من القضايا الخلافيّة بين الشرق والغرب، ولا أقصد بالمنهج هنا المناهج العلمية، مثل: المنهج الوصفي، والمنهج النقدي، والمنهج المقارن، والمنهج التحليلي، ولكن أقصد بالمنهج هنا الطريقة التي اتخذتها الحضارة الغربية واتخذها الغرب في بناء هذه الحضارة، والغاية التي كانت ترمي إليها من وراء هذا المنهج الذي جعلته أسلوب حياة.

 

(122)

إنّ الطريقة التي قامت عليها الحضارة الغربية طريقة المنفعة أو المصلحة، لقد أعادت لنا ذلك المبدأ السوفسطائي المبني على أن الإنسان مقياس كلّ شيءٍ، لكن بشكلٍ أكثر تحديداً، فصار مبدؤها الإنسان الغربي مقياس كلّ شيءٍ، ولذا ليس بغريب وفق هذا المبدأ الذي يشع أنانيّة وحبًا للذات أن يضع معيارًا جديدًا للخير والشر، والحسن والقبح، فكثير من قضايا العالم تكال بهذا المعيار القائم على الكيل بمكيالين.

ولعلّ المتأمل في قضايا وإشكاليات العالم الثالث خاصة يجد من الغرب العجب العجاب، فإذا ما مست القضية المصالح الغربية أو الأميركية بسوءٍ فإنّ لها موقفًا يتماشى مع هذه المصلحة، فالمبدأ المصلحة والمنفعة لا مبدأ العدل والحق والخير. انظر مثلاً إلى القضايا الخلافية الأبدية بين فلسطين المحتلة والكيان الصهيوني الغاشم، وانظر كيف يتعامل الغرب وأميركا مع هذه القضية، الكيل بمكيالين، ولاشيء غيره، وإلا تهدّد المصالح الغربية الأميركية، ويشنع اليهود عليهم بأدواتهم الإعلامية التي تتحكم في الآلة الإعلامية في هذه الدول. وقس على ذلك الكثير من القضايا الشائكة. ولذا فإن علة المدنية المعاصرة وداءها العضال عند الندوي أنّها دست سموم الأثرة والشح وعبادة النفس في شرايين المجتمع وعروقه فأصبح ضميره لا يؤمن إلا بالمصلحة الشخصية والنفع العاجل، ولا يؤمن بغيرهما[1].

ولعلّ الندوي هنا ينقد تلك السياسات، والفلسفات التي تعدّ أساسًا لتلك المنفعة المقيتة، خاصة أن مذهب المنفعة من المذاهب التي قامت عليها الحضارة الغربية وتشربته وأقامت عليه أركانها، فمذهب المنفعة يعد نظريّة غربيّة فلسفيّة غريبة[2]؛ كونها تربط بين الفعل ونتائجه، ولا يكتسب قيمته إلا من خلال

(123)

ما تجلبه تلك النتائج من منفعة[1]، ومن أعلامها جرمي بنتام، جيمس ميل، جون استيوارت مل[2].

في حين أن طريقة المسلمين ومنهجيتهم هي مبادئ: الحق والخير والعدل، ولا شيء غيرها؟ وليس ذلك لأن المسلمين في خانة الضعفاء، الذين يجب عليهم التزام هذه الطريقة، وهذا الموقف، ولكن لأنه منهجٌ أصيلٌ في دينهم، لا يجوز لهم أن يتخذوا سواه.

وتكشف الطريقتان أو المنهجان: الغربي والإسلامي عن الغاية التي يرمي إليها كلّ منهما، فطريقة الغرب تمثل السعي للدنيا وطريقة المسلمين تمثل السعي للآخرة. وإن كانت كلتا الغايتين منفردتين ليستا ذات أهمية، وإن الأهم –حسب المنهج القرآني– أن تكون الغاية تجمع بين الأمرين معًا، فتحقق مطالب الآخرة، ولا تحرم الإنسان من تلبية مطالبه الدنيوية المشروعة. ولذا نحن مع الندوي عندما يقول: “إن في العالم فراغًا لم يملأ من قرون، هو عدم وجود شعب قوي في الإيمان، قوي في العقيدة، قوي في الأخلاق والسلوك، يحمل الدعوة الدينية الصحيحة، ويحتضن الرسالة السماوية الأخيرة، التي تواجه الحياة ومشكلاتها، ولا تفر منها، وتقود ركب الحياة، ولا تتبعه، ولا تتخلف عنه، قوي الثقافة العصرية، بارع وصل إلى درجة العبقرية والابتكار، نشيط، كثير العمل والإنتاج”([3]). وهذا هو الإنسان الذي يريده الندوي، الذي يحول الشر في العالم إلى خير، يحول العالم من الفساد إلى الصلاح، من مبدأ المنفعة والمصلحة إلى مبدأ الحق والخير، يجمع بين الأصالة والمعاصرة، والندوي وهو يبحث عن هذا الإنسان أو الشعب الذي

(124)

يحقق له ذلك يستحضر مثالاً سلبيًا، وهو المثال العثماني، الذي كان قد استطاع أن يملأ ذلك الفراغ في القيادة العالميّة الذي يتحدث عنه الندوي، وقد فعلوا ذلك فملؤوا الفراغ الموجود في القيادة الشرقية، وتزعموا العالم الإسلامي، وأفاضوا عليه قوةً كبيرةً، ولكن ما يُؤسف له أنهم لأسبابٍ عديدةٍ تأخروا في العلوم العصرية والتنظيمات الجديدة، وعدم مجاراتهم للشعوب الأوروبية في الاكتشاف والابتكار، والرقي والابتكار، ما جعل الدول الأوروبية تتكالب عليهم، فتخلفوا عن الركب، ولم يستطيعوا أن يقودوا الغرب كما قادوا الشرق، ومن ثم صاروا في المؤخرة([1]).

إنّ الندوي كان متشوقًا لأن يرى الشرق والغرب مجتمعين على منهجيّةٍ واحدةٍ وغايةٍ واحدةٍ، كان يأمل لو خرج شعبٌ ما يملأ هذا الفراغ، أيًا كان هذا الشعب، أوروبيًا أو إسلاميًا، المهم أن يخرج للنور، ويحمل مشاعل التنوير الحقيقيّة للإنسانيّة، شريطة أن يجمع بين قوّة الإيمان وقوة العلم، وقوة الروح وقوة المادة، وخلود الرسالة وحقيقتها الدائمة، بين جدة العلم ومرونة العقل، بين ثروة الوسائل الحديثة، وصحة الغايات والأهداف التي تمنحها الأديان السماوية[2].

ثانيًا- الندوي ومظاهر العداء بين الشرق والغرب:

ما لا شك فيه أن مظاهر العداء بين الشرق والغرب متعددةٌ، بل إنّها اتخذت أشكالاً عديدةً، وقد بدأت هذه المظاهر العدائيّة بالحروب الصليبيّة، في ما روّج له قديمًا بحروب الصليب، وممثلة في ما سمي بالاستعمار حديثًا، وهي كلّها كانت ألوانًا من العداء بين الشرق والغرب، وهما يعدان من قبيل الحروب العسكريّة، بيد أنّ هناك أنواعًا أخرى تخضع لما يسمى بالحروب الثقافيّة أو الغزو الثقافي، والاستشراق، وغيرها من أدوات هذا الغزو، الذي كان أشدّ أثرًا في رأيي من الغزو

(125)

العسكري، ذلك أن الغزو العسكري كانت ضحيته القتل الجسدي، في حين كانت ضحية الغزو الفكري هي العقول.

لقد كان الندوي على درايةٍ بأنّ الغرب اتخذ العديد من هذه الوسائل إن لم يكن كلها، في محاولة السيطرة على الأقطار الإسلامية، وتسخير العالم الإسلامي، ومحاولة العمل على إبقاء سيطرته عليه قدر المستطاع، يقول الندوي: “استخدم الغرب لتسخير العالم الإسلامي، وإبقاء سيطرته عليه، وسائل لا يعرف لها مثيل في تاريخ استيلاء أمة على أمة، فقد اشتركت في هذا الغزو عناصر عديدة، من العاطفة والقوة والعلم، وتفكير علماء الغرب ومفكريه ومخططيه، والدهاء والمكر، أو ما نسميه بالتدجيل”[1]

الاستعمار:

إن الاستعمار يعني استيلاء دولةٍ أو شعبٍ على دولةٍ أخرى وشعبٍ آخر لنهب ثرواته وتسخير طاقات أفراده والعمل على استثمار مرافقه المختلفة[2]. ويوافق كل من مصطفى الشهابي وعبد الرحمن حبنكة على هذا التعريف[3]. والاستعمار غزو للأفكار والعقول؛ لتحقيق هدف عام وهو إضعاف الإسلام  والمسلمين[4].

وهذا يعني أنّ الغزو العسكري كان مقترنًا بالغزو الفكري أو الثقافي وكذلك السياسي، وما لا شك فيه أنّ الغرب لم يكن ليستطيع أن يفعل ذلك لولا ما كانت عليه حال المسلمين من الضعف والخور والتخلف عن الركب الحضاري العالمي،

(126)

فقد ظلّ العالم الإسلامي قرونًا عديدةً يرسف في التخلف والتراجع والانحطاط الحضاري، في الوقت الذي هبت فيه العديد من الأمم والشعوب -التي لا تطال الكثير من الدول الإسلامية في تاريخها العريق وحضارتها العتيقة– من سباتها العميق؛ لتصنع نهضتها المنشودة، والتي بلغتها بالجد والاجتهاد، بالعلم والعمل.

الندوي من جانبه يرى أن هذه السيطرة الاستعمارية وما انتاب المسلمين من تراجع حضاري إنما ترجع إلى عدة أسبابٍ داخليةٍ، بمعنى أنّها أسبابٌ تتعلق بالشخصيّة المسلمة، وهذه الأسباب هي:

البعد عن العقيدة الإسلامية وروح الدعوة 

الجمود والانحطاط الذي شاع في الأقطار الإسلامية.

الجمود والتحجر في العلم والفكر والاجتماع.

وهن النظام الدفاعي الإسلامي.

وهذا كلّه أدى إلى سريان الانهزاميّة في نفسيّة الشخصيّة المسلمة شعوبًا وحكومات، “فسرت فيها نفسيّة الانهزامية، ومركب النقص والتردّد، فلم يتمكن العقل السليم من الوقوف أمام الغزو الأوروبي العلمي والعسكري موقف صرامة وتحليل بحرية القبول والرفض، وصلاحية التميز”[1].

الاستقراء العام لفكر الندوي في هذه القضية يشير إلى أنه كان يرى مجموعةً من الأسباب الخارجية التي دفعت إلى الحروب الصليبيّة القديمة والحديثة، والأخيرة منها على حدّ الخصوص، وهي أسبابٌ خارجيّةٌ كونها تتعلق بشخصيّة الغازي البغيض، ويمكن حصر هذه الأسباب في الآتي:

(127)

الروح الصليبيّة التي تشبّع بها الغازي.

الاستيلاء على الثروة التي كانت تمثل مصدر قوة العالم الإسلامي.

القلق والاضطراب التاريخي من الإسلام والمسلمين.

إن الندوي كان يدرك أن الاحتلال الغربي المسمى خطأً بالاستعمار كان يمثل حركةً بربريةً لم يشهد التاريخ مثلها على مرّ العصور، فقد كان الشرق منذ القدم مسرحًا لهذه الاعتداءات الوحشية بزعم الدين والعقيدة، وهما منهم براء، وقد كان الندوي مدركًا أن الغزو العسكري الغربي على بلادنا لم يكن إلا وسيلة للقضاء على أيّ تقدمٍ منشودٍ في البلاد الإسلامية، ومن ثم عمد إلى عملية التعطيل هذه، نحن نعلم يقينًا أنّ مشكلة الغرب مع الإسلام واضحةٌ وجليّةٌ، هذا الغرب المحتل ينظر إليه على أنه عدوٌّ يجب الخلاص منه بشتى الطرق المشروعة وغير المشروعة.

ولكن لماذا ينظر الغرب للإسلام من قبل الحروب الصليبيّة وحتى الآن هذه النظرة العدائية؟! هل لأن الإسلام يدعو للتطرف والإرهاب كما يزعمون ويروّجون؟ أم لأنّ الإسلام يمثل خطرًا على الغرب في قيادة العالم؟ يرى الندوي أنّ الغرب خطّط تخطيطًا دقيقًا لإبعاد العالم الإسلامي عن منطلقاته، وصرفه عن استئناف دوره القيادي، مستخدمًا في ذلك ذكاءه وطاقاته العلمية والسياسية، بتزامنٍ وثيقٍ مع اليهودية ووكلائها، بما يعني أن الندوي كان يرى أنّ العدو ليس واحداً وإنما هم أعداء كثر، ينتمون تحت لواء الصليبية واليهودية، وما أسماه المادية اليونانية[1]. بما يعني أنه كانت ـ ولا زالت ـ هناك مؤامرةٌ تحاك ضدّ الإسلام والمسلمين، وهذه المؤامرة كان لها حلقاتٌ عدة، ومراحل متطورة، تتعاون جميعًا على الإجهاز على هذا الدين، وانبثقت عنها أخطارٌ وتحدياتٌ كان لها تأثيرها البالغ[2]

(128)

إنّ تجربة الندوي مع الاستعمار الغربي، والتجربة مع علماء الغرب، وفلسفاتهم وسلوكهم في العمل، والتاريخ الذي يؤكد على تحيزهم وعصبيتهم الصليبية، والتجربة مع الحضارة الغربية وسلوكها مع الأمة الإسلامية، ودراسة الحركات والأفكار التي غزت أوروبا بها الشرق الإسلامي، لتشير إلى مجموعةٍ من العناصر المتداخلة التي تتكون منها هي بذاتها، وهذه العناصر حددها الندوي في الآتي[1]:

الأول، الشعور الدائم في الغرب بخطر الإسلام، ومن ثم عزم الغرب على احتلاله وتهديده ووقف مسيرته الإنسانية حماية لأوروبا من الغزو الإسلامي القلبي لا العسكري لأوروبا، وهي النفسية التي أجّجت فيها الكنيسة في أوروبا مشاعر الأوروبيين تجاهها، وسخرت لها كلّ ما أوتيت من قوةٍ، خاصة في الإعلام والتعليم، ولم ينس الندوي دور اليهوديّة البارز في ذلك التأجيج المتعمد.

الثاني، مركزيّة الغرب، الذي تميز بالتقدم العلمي والحضاري والصناعي، نتيجة استخدام العلم الحديث وأدواته في التجربة الحضارية الغربية، التي أسست على مبدأ المادة والانتفاع المبالغ بها.

الثالث، المطامع الاستعمارية، والشعور الفوقي بتفوق الجنس الأبيض على ما عداه من الأجناس، وهي العقلية التي ورثتها أوروبا المعاصرة –في ما يرى الندوي– من التاريخ اليوناني، والتي لم تتغير بتغيّر الظروف، ولا بالتقدم الحضاري، ومن يمارس الغرب بمنتهى القسوة والصرامة لأحكام استيلائه وسيطرته على الدول الضعيفة، حتى يأمن مكانته، وأن تكون تابعة له.

الرابع، استغلال العلوم في خدمة الأغراض السياسية للقارة الأوروبيّة، ويعوّل الندوي هنا على الاستشراق باعتباره الأداة الآثمة التي استخدمها الغرب في بثّ الانهزامية في قلوب أبناء الشرق الإسلامي، وتصور التفوق الحضاري الغربي بأنه لا يمكن اللحاق به.

(129)

ورغم تغير الظروف والزمن إلا أن هذه الأمور الأربعة لا تزال ماثلةً أمام أعين الغرب، بل ربما ازدادت ضراوة عن ذي قبل، فالخوف من الإسلام في ما يسمى بظاهرة الإسلاموفوبيا صارت سلمًا لاتهام الإسلام بكل تطرف وإرهاب[1]. ومركزية الغرب استفحلت عن ذي قبل حتى تطاير شررها على الإنسانية كلها أو يكاد، بما يعني أن المركزية الغربية استندت أول ما استندت سياسيًا على احتلال الشعوب بهدف التحكم فيها وإظهار مركزيتها العالمية، وقد تبلورت هذه المركزية في:

    إبراز الفوقية الغربية وتأثيرها في العالم من حولها.

    إبراز النفوذ من خلال التوسع على الأرض استعماريًا.

    التحكم في مجريات الأحداث عالميًا ومحليًا[2].

إضافةً إلى أنّ الأطماع الغربيّة لا زالت مستمرةً، إذ يكفي أن تلوح أميركا أو دول الغرب لأيٍّ من الدول العربية بتهمة الإرهاب أو تمويله أو التحريض عليه؛ لابتزاز ثرواتها تحت ستار الشراكة الاقتصادية. أما استخدام العلوم في خدمة الأغراض السياسية الغربية فحدث عن ذلك ولا حرج.

إن الندوي كان ينظر ـ في رأيي ـ إلى القوى الاستعمارية على أنها ثلاثة: أوروبا، وأميركا، وإسرائيل، فقد كانت هذه القوى هي راعية الاحتلال في البلاد الإسلامية؛ تحقيقًا لأطماعها التي لا حدود لها. وهذه القوى الثلاثة في وقتنا الراهن نجدها على وفاقٍ تامٍّ، حيث استطاع الكيان الصهيوني أن يكسب ود الدول الأوروبية وأميركا بإعلامه ووسائله الأخرى التي تقف مدافعةً عن وجوده وكيانه، فضلاً عن

(130)

أنه ليس هناك شك في أن العداء الذي تكنه هذه الدول للإسلام جعلها في وفاقٍ مع أنفسهم، وفي عداءٍ مع الإسلام، وقد ألح الندوي على العلاقة بين أميركا وإسرائيل خاصة قائلاً: “أقول بكلّ صراحةٍ: إن أميركا وإسرائيل القوتين الصليبية والصهيونية قد اجتمعتا رغم وجود أكبر تناقضٍ بينهما على أن الإسلام وحده يتحدي نظامهما السياسي والفكري، ويحبط خطتهما للاستيلاء والسيطرة على العالم كلّه”[1]. ونحن مع الندوي هنا إذ إن هاتين القوتين هما الأكثر جفاءً للإنسانيّة عامة والإسلام خاصة من غيرهما، فالكيان الصهيوني زرع أحقاد العالم عليه، وجعل الأديان والعصور تتوارث كراهيتهم، أما أميركا فظهرت في عصرنا بثوب أميركا الصليبية؛ إذ عملت على احتلال العقول، من أجل ربيبتها إسرائيل[2].

 إذاً، تنبني قضيّة الاستعمار عند الندوي على بعدٍ عدائيٍّ صارخٍ؛ ذلك أنّه كان يدرك كم المؤامرت والدسائس والمخططات التي حيكت حول الإسلام، ودبرت له في الماضي والحاضر والمستقبل، لكنّها باءت بالفشل، نعم إنّها نجحت في الاستيلاء على الكنوز والموارد، وكذلك العقول، بيد أنّها فشلت في القضاء على الإسلام، وهذا كان هدفها الرئيس.

إنّ الإسلام خرج من هذه الظروف الصعبة ظافرًا منتصرًا لم تقض عليه مؤامرات، ولم تفت في عضده دسائس، على الرغم من أن كلّ ما حيك حوله كان كافيًا للقضاء على أديانٍ أو تحريفها، والنيل منها، ولكنّه الإسلام.

ولعلّ الندوي وهو يؤمن بهذه القضية، قضية انتصار الإسلام على كلّ ما توارد عليه من حيلٍ ودسائس ومطامع خارجية، يستحضر النموذج التتاري الصليبي، لقد

(131)

كان يرى في غارة التتار والحروب الصليبية الغارتين الحاسمتين للعالم الإسلامي؛ إذ لا يوجد لهما نظير في السمعة والعمق في تاريخ العالم، فضلاً عن أنهما تختلفان في نظره عن المؤامرات والمخططات التي واجهها الإسلام في رحلته الطويلة، حيث كان يظنّ أنّهما ستقضيان على الإسلام بوصفه ديانةً عالميّةً، وتجعلانه محدودًا في حيّزٍ معيّنٍ من الأرض، لا نفوذ لها ولا قوة ولا مكانة لها على الصعيد العالمي[1]

يقول الندوي: “أما الخطران الأولان الهجوم الصليبي والهجوم التتاري فلم تكن معهما دعوة ولا حضارة ولا فلسفة  ـ وذلك في مقارنتها مع الاستعمار الغربي وحضارته ن طرف الندوي ـ ولم تكن تقدمان بديلاً للدين الإسلامي وحضارته ومجتمعه، وكانا بالطبيعة هجومين عسكريين، وغارتين إقليميتين محدودتين، بخلاف الخطر المعاصر الذي يواجه الأقطار الإسلامية العربية المعاصرة، ويتحدى بقاء تأثير الدين الإسلامي في الدين الجديد، ودوره في صوغ الحياة وتكوين العقليات، ومواجهة المقاومات، فلذلك هو أحق بأن ينتبه إليه ويحسب له حساب) [2].

ومن المعروف أنّ الغارات الصليبية بدأت تتوافد على الشرق في القرن الخامس الهجري  ـ الحادي عشر الميلادي ـ وغارات التتار في القرن السابع الهجري الموافق للقرن الثالث عشر الميلادي، وهي الغارات التي تحطمت على أيدي كلّ من صلاح الدين الأيوبي، وقطز.

ومن ثم فإنّ هذه الغارات عند الندوي لم تكن إلا غارات عسكرية[3]، ولم

(132)

يكن الهدف منها إلا الاستيلاء على البلدان الإسلامية ومقدساتها، وكأنه نوعٌ من ردّ العدوان على استيلاء المسلمين على بعض الممالك الصليبية في الشرق من قبل. وعليه كان آخر ما بين الإسلام والصليبيين من معارك، كانت معركة حطين في نهاية القرن الثاني عشر الميلادي، و“لا يخفى عليكم أن أوروبا في القرن الثاني عشر الميلادي، لم تكن على ما وصلت إليه في القرن الثامن عشر والتاسع عشر الميلادي، من اكتشافاتٍ علميةٍ، واختراعاتٍ جديدةٍ، ومطامع استعمارية، وإعداد للآلات الحربية، وصناعة للأسلحة الفتاكة، وترويج للأفكار اللادينية، والنظريات المادية البحتة، ونفوذ سياسي، وسيطرة اقتصادية، لأجل ذلك فإن الغارات الصليبية على عنفها واتساعها وتنظيمها، ومع أنّها لو نجحت ـ لا قدر الله ـ لمهدت الأرض لإشاعة ونشر المسيحية، وغلبتها على المقدسات الإسلامية، وأصابت المسلمين بالذل والهوان سياسيًا فحسب، ولم تكن خطرًا مثل الخطر الذي واجه العالم الإسلامي والعربي في القرن التاسع عشر والعشرين”[1].

ونحن نفهم لماذا يقلّل الندوي من حجم الحروب الصليبية في مقارنتها مع الحروب الاستعمارية في الفترة المذكورة، حيث إنّ الحروب الصليبية القديمة ضد الإسلام كان هدفها عسكريًا بحتًا، بهدف الاستيلاء على الأرض والمقدسات والسيطرة على الكنوز والخيرات، أما في الحروب الاستعمارية الحديثة فإنها جمعت بين العسكرية والعقلية، لأنّ الاستعمار جاء بفلسفته، وحاول صبها صبًا في البلاد الإسلامية المستعمرة، جعله من نفسه حامل راية التنوير والتقدميّة في هذه البلاد، وحاول تمرير هذه الفلسفة بما تتضمّنه من أفكارٍ مخالفةٍ للعقيدة والهوية، حتى يسهل قيادها والتحكم فيها والسيطرة عليها؛ لأنّ أمةً بلا عقيدة، بلا هويّة يسهل على المحتل أن يسيّرها كيف يشاء كريشةٍ في الهواء؛ لأنّها فقدت عوامل الثبات.

 

(133)

ويمكن الاستدلال على ذلك بموقف الندوي من الغارات التتارية[1]، فهي رغم فظاعتها وقسوتها وتهجمها على الإنسانية، ومجازرها الوحشية، فإنها كانت أقلّ خطرًا من الغارات الاستعمارية الحديثة، فقد كان على وعيٍ تامٍّ بأنّ المحتلّ الذي له حضارة وعقيدة وعقل وإبداع هو الذي يستغل عقلية المحتل ويؤثر فيها فيكون تأثيره ممتدًا وواسعًا، وبما أن التتار كانوا مفتقدين لكل هذه الأمور، فإن تأثيرهم ينتهي بانتهاء احتلالهم، أما الاستعمار الحديث فقد كان يريد العقول، ولذا ظل أثره ممتدًا بعد رحيله لعشرات السنين، بل لمئات السنين، وهذه هي المهمة التي قام بها الاستشراق.

الاستشراق:

الاستشراق كان اتجاهًا غربيًا يهدف إلى دراسة الشرق، وقد كان لهذا الاتجاه غاياتٌ كشفت عنها الأيام التي تلته، ولا زالت تكشف عن تلك الغايات الخبيثة إلى الآن، إلا أنه يمكن القول أنّ الاستشراق انكبّ على كلّ علوم المسلمين النظرية منها والتطبيقية، فدرس علوم التاريخ والفلسفة والاجتماع واللغة والعقيدة والتفسير وعلم الكلام إلى غير ذلك من العلوم التي أنتجتها البيئة الإسلامية، أو نشأت تحت مظلتها، إلا أنه يمكن القول أنّ الاستشرق من ناحية دراسته لعلوم اللغة كنحوٍ وصرفٍ وغيره كان مفيدًا إفادةً كبيرةً، إذ كان يمثل مرحلةً إيجابيةً في الغالب في دراسته لهذه العلوم، إلا أنه في ما يتعلق بعلوم العقيدة أو الشريعة الإسلامية، فإنّه كان سلبيًا للغاية، إذ تظهر في دراساته الاستشراقية النوايا الخبيثة والغايات الدفينة، ولذا فإنّ العقول الإسلامية يجب أن تكون منتبهةً ونحن بصدد التعامل مع الدراسات الاستشراقية من هذا النوع؛ لأنها كانت دراسات تنقد القرآن وعلومه نقدًا يتخفى وراءه التعصب المقيت للعقيدة المسيحية في أوروبا، والملاحظ أن دراستها لعلوم القرآن كانت دراسة من الخارج تتعلق بالظواهر المحيطة بها، دون التطرق

(134)

إلى دراسة النصوص ذاتها في صورة نقدٍ داخليٍّ، وخير مثال على ذلك تعاملهم مع النص القرآني.

الندوي فطن إلى خطورة النهج الاستشراقي على الإسلام والمسلمين ومستقبل الأمة الإسلامية، وكان يتعجب من إعجاب الأوساط العلميّة في الشرق والغرب بالدراسات الاستشراقية حول علوم القرآن خاصة، والعقيدة الإسلامية عامة، حتى أثاروا الشبهات حولها لدى أولئك النفر الذين ساروا على نهجهم، وتعلموا في مراكزهم العلمية، وصاروا قادة البلاد الإسلامية ومتصدري المشهد فيها.

ويلخص الندوي أسباب الاستشراق الذي خطط له الغرب ونفذه بدقةٍ في ثلاثة أسباب:

الأول، السبب الديني.

الثاني، السبب السياسي.

الثالث، السبب الاقتصادي.

فالعامل الديني عند الندوي واضحٌ لا غموض فيه، إذ يهدف إلى نشر الديانة المسيحية وتبليغ دعوتها، والعمل على تصوير الإسلام تصويرًا يثبت فضل المسيحية عليه، ويبعث في الطبقة المثقفة إعجابًا بالمسيحية وحرصًا عليها، ولذ يرى أن الاستشراق والتبشير يسيران معًا في أغلب الأحوال وأن العدد الأكبر من المستشرقين أساقفة، كما أن عددًا كبيرًا منهم يهودٌ ديانةً وجنسًا[1]. ويشاركه في هذا الرأي الدكتور محمد البهي، حيث اعتبر العامل الديني هو العامل الرئيس للاستشراق، كونه رد فعل على الحروب الصليبية، وحركة الإصلاح الديني المسيحي، ورغبة المسيحيين في التبشير بدينهم[2].

(135)

أما العامل السياسي فيحصره الندوي في أن المستشرقين كانوا بصفةٍ عامةٍ روّاد الدول الغربية في الشرق، وكانوا مصادر مؤكدة للغرب يطلع بها على تفاصيل ومعلومات عن تقاليد الشعوب الشرقية وبلدان الشرق، وعن طبيعتها ومعيشتها، ولغاتها وآدابها، وكذلك عواطفها ونفسياتها، حتى يتمكن الغرب من بسط نفوذه وسيطرته على الشرق. وهذا ما انتهى إليه إدوارد سعيد قائلاً: “الاستشراق أسلوبٌ غربيٌّ للسيطرة على الشرق، واستبنائه، وامتلاك السيطرة عليه”[1].

وهذا ما جعل الدول الغربية من وجهة نظر الندوي تشعر بقيمة المستشرقين ومكانتهم، ولكي يحقق المستشرقون هذا الهدف فإنّهم لجأوا إلى إصدار مجموعةٍ من المجلات العلمية التي تحقق لهم هذا الغرض، تقوم بمهمة نشر مقالاتٍ تحليليةٍ ومواد تحقيقيةٍ تبحث عن مشكلات العالم الإسلامي، وميوله ونزعاته. فالاستشراق ينطلق من دراساتٍ متخصصةٍ يقوم بها الغرب للإسلام في شتى جوانبه: العقدية، والتشريعية، والتاريخية، واللغوية، والحضارية، وفي النظم والإمكانات... بهدف تشويهِ الإسلام، ومحاولةِ تشكيك المسلمين فيه، وتضليلِهم عنه، وادعاء تفوق حضارتِهم (الغربية) على الحضارة الإسلامية (الشرقية) ومحاولة فرض التبعية لهم على المسلمين، ومحاولة تبرير هذه التبعية بدراساتٍ ونظرياتٍ تدّعي العلمية والموضوعيّة[2]

ويربط الندوي ربطًا قويًا بين الاستشراق والاستعمار، ويجعل الاستشراق الأداة التي أرساها الاستعمار في الأقطار الإسلامية لتثبيت أركانه، والدليل عنده على أن الاستشراق وأعماله التحقيقية والتأليفيّة كانت تهدف لخدمة الاستعمار الغربي، أن الاستشراق ونشاطاته قد ضعفت ضعفًا، وكسدت كسادًا كبيرًا بعد ما

(136)

طوى الاستعمار الغربي، وبما أن حركة الاستشراق قد أصابها الركود والجمود بعد زوال الاحتلال، فهذا يعني عند الندوي ـ وعندنا أيضًا ـ أن المستشرقين لم يكونوا يتوخون حركة الاستشراق إلا لزعزعة عقيدة المسلمين، وإضعاف ثقتهم بدينهم، وإثارة الشكوك والشبهات حول القرآن الكريم، والسيرة النبوية، والأحاديث النبوية، والفقه الإسلامي، والتاريخ الإسلامي وعلم الكلام[1].

الغريب في الأمر أن الندوي يرى في العامل الاقتصادي عاملاً مؤثرًا من عوامل الاستشراق، ولذا فهو يؤكد على ذلك قائلاً: “كما أنّ هناك عاملاً اقتصاديًا للاستشراق، يتخذه كثيرٌ من المثقفين كمهنةٍ ناجحةٍ، وكثيرٌ من أصحاب المكتبات التجارية والقائمين عليها يشجعون على نشر المؤلفات والكتب التي تدور حول الإسلاميات والشرقيات ويشرفون على نشرها، لما يرون لها من سوقٍ نافقة في أوروبا وآسيا، وتنال هذه المؤلفات من القبول والإعجاب ما يجعلها عظيمة الانتشار، كثيرة الذيوع، وهي لا شك وسيلة لتجارة رابحة وكسب أموال خطيرة “[2].

وعلى الرغم من هذا فإننا نجد عند الندوي نظرةً منصفةً إلى الاستشراق ممثلاً في بعض أهله، فإذا كانت العوامل السابقة تنمّ عن حقدٍ على الإسلام والمسلمين، فإنّه أعطى للبعض منهم أحقيته، فجعل هناك عاملاً ثالثًا، يتمثل في العامل العلمي، فقد أثنى على أولئك النفر من المثقفين المستشرقين الذين لم تنل منهم العوامل السابقة، ولم تؤثر عليهم بحال، وإنما كان هدفهم العلم والذوق العلمي والشغف بالعلم، وقد أرجع إليهم ـ بفضل جهودهم ـ ظهور نوادر العلم والمعارف التي لم تر النور والنشر إلا على أيديهم، إذ كم من مصادر علمية ووثائق تاريخية لها مكانتها وقيمتها صدرت لأول مرةٍ بفضل جهودهم وهمتهم، وقرت بها عيون العلماء في الشرق[3].

(137)

ومن ثم نفهم أنّ نظرة الندوي لم تكن تعصبيّةً تجاه الغرب وأهله، ولم يكن يكره التدخل الغربي في الفكر الإسلامي إلا عندما يكون هذا الغرب حاملاً لنوايا خبيثة واتجاهات تحاول تدمير الإسلام والمسلمين في عقيدتهم وهويتهم وتقاليدهم، ولو كان الندوي متعصبًا لآل على نفسه إنكار جهود بعض المستشرقين العلمية في خدمة الإسلام والمسلمين، فإنّ ما تركه لنا الاستشراق في جانبه الإيجابي –وإن كان هذا الجانب أقل بكثيرٍ من جانبه السلبي- يؤكد أنه كان مفيدًا لنا في ما يتعلق بإبراز التراث العلمي خاصة في قضايا اللغة وفي مجال الفهرسة، كفهرسة ألفاظ القرآن الكريم وغيره.

إلا أنّ هذا الاعتراف بفضلهم لم يمنعه من السبب الرئيس في عدم اعتداد المسلمين بالكثير من إنتاج المستشرقين إنما يعود إلى أنهم كانوا يعملون جاهدين على إبراز جوانب الضعف عند المسلمين وعلوم المسلمين لغاياتٍ سياسيةٍ أم دينيةٍ كما سبق القول[1]، وقد ركز الندوي في هذا على علومٍ معينةٍ حيث كانت النظرة التعصبيّة الغربيّة بارزةً بصورةٍ كبيرةٍ للغاية وهو بصدد دراستها، وهي علوم القرآن، والسنة والسيرة النبوية والفقه والتصوف والأخلاق، فقد كان على يقينٍ بأنّ طائفة المستشرقين التي غاصت في هذه العلوم خرجت صفر اليدين، لم تنل منها شيئًا من الإيمان بالله ولا بالعقيدة الإسلامية السمحة، بل لقد كان ينظر إليهم على أنهم عملوا على ازدياد الفجوة بينهم وبين هذه العلوم لِمَا كشفت عنه توجهاتهم من عداوةٍ للإسلام والمسلمين. يقول الندوي عن أسلوبهم في التعامل مع جوانب الضعف: “ولكن الناحية المهمة ذات التأثير العميق لهذه القضية هي أن المستشرقين يركزون كلّ جهودهم ومساعيهم على تعريف مواضع الضعف وتمثيلها في صورةٍ مروعةٍ مضخمةٍ. إنهم ينظرون إليها عن طريق الآلة المكبرة، ويعرضونها كذلك للقراء، حتى يروا الذرة جبلاً والنقطة بحرًا، وقد ظهرت حذاقتهم وذكاؤهم في تشويه صورة الإسلام”[2]

(138)

ونحن نرى أن تلك الصورة من المبالغة تظهر كثيرًا في تناولهم لقضايا العقيدة والتاريخ الإسلامي وقضايا الفقه، لأنهم كانوا يتخذون من أسلوبهم في تلك العلوم وسيلةً لغايةٍ كبرى حددوها سلفًا. ولقد انتهى الندوي إلى أنهم كانوا يعينون لأنفسهم غاية، ويعملون على تحقيقها بكلّ وسيلةٍ، فيعمدون إلى جمع معلوماتٍ ليس لها علاقة بالموضوع، من كتب الديانة والتاريخ والأدب والشعر أو الشعر والقصة، وهي كلّها موادٌ تافهةٌ لا قيمة لها، ثم يقدمونها بعد التمويه بكلّ جرأةٍ، ويبنون عليها نظرية لا يكون لها وجود إلا في أذهانهم ونفوسهم[1].

والحقيقة أن الندوي وقف على الكثير والكثير من الوسائل التي كان يتخذها المستشرقون الغربيون، للعمل على النيل من الإسلام في جوانب كثيرةٍ منه، وكان هناك وسيلتان ظاهرتان أو استراتيجيتان ظاهرتان في رأيي يمكننا تسميتهم باستراتيجية وضع السم في العسل والثانية التشكيك وإثارة الشبه.

استراتيجيات الاستشرق الخبيثة:

الاستراتيجية الأولى – وضع السم الغربي في العسل:

وقد دأب الاستشراق منذ ظهوره الأول على اتباع هذه الاستراتيجية أو الوسيلة، فعمد زعماء الاستشراق من الغربيين إلى إظهار روح السماحة كطُعمٍ حتى تلين لهم عقول وقلوب المسلمين في ما يصدرونه من أحكامٍ وآراءٍ هي في الغالب ضدّ العقيدة الإسلاميّة، ويشير الندوي إلى أنّ المستشرقين كانوا في أغلب الأحيان يذكرون عيبًا واحدًا، ولكي يمكنوه في النفوس يذكرون معه عشرة محاسن، حتى يخشع القارئ أمام سعة صدورهم وسماحتهم، ثم يستسيغ هذا العيب الواحد الذي يطمس معه جميع المحاسن عمدًا. “إنهم يصوّرون بيئة الدعوة أو الشخصية، وتاريخها وعواملها الطبيعية بلباقةٍ وبلاغةٍ حتى يتصور القارئ أن هذه الدعوة أو

(139)

الشخصية لم تكن إلا نتاج هذه البيئة أو العوامل وردّ فعلها الطبيعي، فينكر أيّ اتصالٍ بمصدرٍ غير ماديٍّ، ولا يعترف لها بقداسةٍ وعظمةٍ، وكثير من هؤلاء المستشرقين يدسون في كتاباتهم مقدارًا خاصًا من السم، ويحترسون في ذلك، فلا يزيد من النسبة المعينة لديهم، حتى لا يستوحش القارئ، ولا يثير فيه ذلك إلا الحذر، ولا يضعف ثقته بنزاهة المؤلف. إن كتابات هؤلاء أشد خطرًا على القارئ من كتابات المؤلفين الذين يكاشفون العداء، ويشحنون كتبهم بالكذب والافتراء، ويصعب على رجلٍ متوسطٍ في عقليّته أن يخرج منها، أو ينتهي من قراءتها دون الخضوع لها”[1].

وهذا مانجده في كتابات المستشرق نولدكه الذي كان يعمل جاهدًا على اتباع هذه الاستراتيجية، التي كانت تخفي وراءها سمًا زعافًا، إذ كان هدفه التأثير على قارئيه بمداخل يظهر فيها سماحته وأمانته العلمية، التي يخفي وراءهما الهدف الأساسي[2]، وهو محاولة نقض هذا الدين من أساسه وهو القرآن، فقد كانت كتاباته عن القرآن تكشف عن الكثير والكثير مما أشار الندوي إليه، كما أننا نرى هذا الأسلوب عند المستشرق ماسينيون الذي كرس جهودًا لمدح الشطحات الصوفية التي تتنافى مع العقيدة الإسلامية النقية، ولذا نجده يمدح الحلاج في طواسينه([3])، رغم خروج الأخير كثيرًا عن النص في ألفاظه وعباراته. وهناك الكثير من هم على شاكلة هذين المستشرقين ممن يضعون السم في العسل.

ولكن الغريب أن هؤلاء لم يقف تأثيرهم عند متوسطي العقول كما أشار الندوي، بل إن الأمر تعدى ذلك إلى من يظنون أنفسهم مثقفين، فساروا على الدرب، وجعلوا

(140)

آراء هؤلاء المستشرقين أحكامًا نافذةً لا تقبل النقد، ولا حتى مجرد النقاش، يكفي أن نشير إلى شخصيات مثل: محمد أركون، الطيب تيزيني، وغيرهما كثيرون، لنرى إلى أي مدى تأثر هؤلاء بآراء المستشرقين في الدين والحياة، حتى وإن حاولوا إيهام القارئ بأنهم مجددون في مناهجهم وغير مقلدين للغرب، حيث إن كتاباتهم وآراءهم المتداولة في اللقاءات والمنتديات لتكشف أن هؤلاء محاكين مخلصين للمستشرقين، ومرددين جيدين لما انتهوا إليه. إذ كتابات هؤلاء المفكرين الغربيين إنما جاءت لقراءة القرآن من حيث هو خطاب، كقراءتهم لأيّ نصٍّ بشريٍّ، فساووا بين النص الإلهي والنص البشري، فقرأوه من حيث قراءتهم لأيّ نصٍ أدبي، فانهالوا عليه نقدًا وتشكيكًا، فلم يفعلوا أكثر مما فعل نولدكه وأتباعه من المستشرقين.

الاستراتيجية الثانية – التشكيك وإثارة الشبه.

 إن المستشرقين ما تركوا موضوعًا من مواضيع الفكر يدخلون منه لدس السم في العسل إلا ولجوه، فلم يتوقفوا عن الكلام في القرآن والسنة والسيرة النبوية، والفقه الإسلامي وعلم الكلام وعصر صدر الإسلام والتابعين، وأهل التفسير والمحدثين والفقهاء والصوفية ورواة الحديث، وقاعدة الجرح والتعديل، وأسماء رجال السند، وتدوين السنة، ومصادر الفقه الإسلامي، كل ذلك في أسلوب لا يخلو عن التشكيك وإثارة الشبهات.

لكن ما أثار حفيظة الندوي وغيره من الغيورين على الإسلام والمسلمين، أن المستشرقين دأبوا على الربط بين الإسلام والتخلف الحضاري، وكأنّ الإسلام سببٌ في ما يعانيه المسلمون من تأخرٍ عن الركب الحضاري العالمي، لكي يبثّوا بشكلٍ خفيٍّ إلى أن السبيل أمام المسلمين هو التخلي عن دينهم، ومسايرة الغرب في اتجاهاته وتفكيره ومواقفه من الدين والحياة. علمًا بأن هذا الرأي تعرض للنقد من قبل الغربيين أنفسهم،  فالمستشرقة الألمانية زيغريد هونكه تقول:

(141)

“وبهذا الروح القوي الفتي ـ اﻹسلام ـ شقّ العرب طريقهم بعزيمةٍ قويّةٍ تحت قيادةٍ حكيمةٍ وضع أساسها الرسول بنفسه، وظلت دائماً مسؤولةً أمام الحكومة المركزية مباشرةً، فكان النصر للعرب على أعدائهم المتفوقين عليهم في العدد والعتاد. أليس في انتصاراتهم السريعة المتلاحقة أكبر دليلٍ على أثر ذلك الروح الجديد الذي سرى بينهم؟ أليس في هذا الإيمان تفسير لذلك البعث الجديد؟”[1].

يقول المُستشرق اليهودي السابق ليوبولد فايس ـ محمد أسعد بعد إسلامه:
“لسنا نُبالغ إذا قلنا أنّ العصر العلمي الحديث الذي نعيش فيه، لم يُدَشَّن في مدن أوروبا، ولكن في المراكز الإسلامية في دمشق وبغداد والقاهرة وقرطبة.
إنّ أثر هذا النفوذ في أوروبا كان عظيماً. لقد بزغ ـ مع اقتراب الحضارة الإسلاميّة- نورٌ عقليٌّ في سماء الغرب ملأها بحياةٍ جديدةٍ وبتعطشٍ إلى الرقي. ولم يأتِ التاريخ الأوروبي بأكثر من اعترافٍ عادلٍ بقيمة الحضارة الإسلامية حينما سمى عصر التجديد الذي نتج عن الاحتكاك الحيوي بالثقافة الإسلامية “عصر البعث”فإنّه في الحقيقة كان ولادةً لأوروبا، ولم يكن أقلّ من ذلك[2].”

لكن هل نجحت هذه الجهود التي كان يرمي إليها هؤلاء المستشرقون في الربط بين الإسلام والتخلف؟ إن الإجابة عند الندوي بالنفي. استنادًا إلى أنّ المستشرقين شعروا بعدما حاولوا في مدة قرنين من الزمان أن طريقتهم لم تجدِ نفعًا، فطريقتهم التي مارسوها في تطوير عقلية المسلمين وتسييرها وفق المثل الغربية والاتجاهات المادية لم تنجح حق النجاح، “فمازالوا يستعرضون جهودهم ونتائجها وتأثيرها في ضوء التجربة والواقع حتى توصلوا إلى أن يحدثوا في طريقتهم وأساليب دعوتهم تغيّرًا أساسيًا، وذلك بأن يقدموا للإسلام تعبيراتٍ جديدةٍ، ويدعوا إلى حركة إصلاح

(142)

الديانة بدلاً من أن يغيروا عقليّة المسلمين ويقوموا بتطويرها، وأن تنال جميع حركات التجديد وإصلاح الديانة حيثما وجدت تشجيعًا وتأييدًا منهم”[1].

وبالنظر إلى أنّ العديد من المستشرقين كانوا يقومون بمهام تبشريةٍ، فإننا نعتقد أنّ محاولتهم تجديد الإسلام على ظنهم تتواكب مع هذه المهام، خاصة إذا علمنا أن خطة التبشير في البلاد الإسلامية كانت معدةً لأن تكون منفّذةً على أرض الواقع خلال عدة أعوام، وبناءً عليه بذلوا الجهود بغية تجديد الإسلام على طريقتهم، أكثر من تجديد عقلية المسلمين ذاتها، خاصة وأن العمل في هذا المجال كانت أرضه مهيئةً لهم في ظلّ الضعف العام الذي كان يعتري المسلمين على الأصعدة كافة.

ونحن نعتقد أنّ كلّ حاملي راية التجديد في عالمنا الإسلامي من مفكرينا المعاصرين منذ بداية الاستشراق، وحتى الآن ـ بما صاحبه ذلك من بعثاتٍ ظهر في أغلبها الانقياد التام لكل ما هو غربيٌّ حضارةً وفكرًا وروحًا ـ يعدون مستشرقين روحًا ودمًا، فقد تشربوا روح هؤلاء المستشرقين في كل ما يتعلق بفكرهم ومناحي حياتهم، ولا شك أن هؤلاء هم الذي يتصدرون المشهد الثقافي والسياسي ويربون جيلاً بعدهم يحمل الروح نفسها والمبادئ ذاتها، حتى صار من يقوم على أمر المسلمين الآن أبناء هذا الجيل. وهذا ما يسمى استغرابًا ونقصد به المصطلح الذي يدل على الميل نحو الغرب، إعجابًا أو تقليدًا أو دراسة[2].

يقول الندوي معلقًا على أثر الاستشراق في الدين الإسلامي، ومبينًا خطورته الشديدة عليه: “إن هؤلاء المستشرقين إنما أضعفوا مثل الإسلام وقيمه العليا، في جانب، وأثبتوا تفوق المثل الغربية وعظمتها في جانبٍ آخر. إنّهم فسروا تعاليم الإسلام تفسيرًا يضعف قيمة القيم الإسلامية، ويضعف علاقة المسلم المثقف بالدين، ويقع

(143)

فريسة الارتياب والشك بالإسلام، أو يضطر إلى الاعتراف بأنّ الإسلام لا يتفق وطبيعة الحياة الحاضرة، وإنما هو عاجزٌ عن مسايرة حاجات العصر ومقتضياته”[1].

ويقول أيضًا: “وبينما يقول هؤلاء المستشرقون: إن من التشبث بالتقاليد والعض عليها بالنواجذ والرجعية أن يعمل الإنسان بالإسلام ـ الذي هو دين الله المختار الخالد ـ في هذا العصر الراقي المتقدم المتطور بسرعةٍ وفي استمرارٍ، إذ هم يدعون الناس إلى إحياء الحضارات العتيقة الغارقة في التاريخ القديم، وإحياء اللغات البالية التي فقدت صلاحيتها للبقاء، ودفنت تحت أنقاض الماضي السحيق منذ آلاف السنين، ولم يكن الغرض بمثل هذه البرامج إلا أن يضطرب حبل المجتمع الإسلامي، وتتمزق وحدة الإسلام، وتواجه الحضارة الإسلامية واللغة العربية ضررًا، وتنال الجاهلية القديمة حياةً من جديد، وقد نجحت كتاباتهم وجهودهم في إنشاء طائفةٍ من تلاميذهم الذين قاموا بحركة إحياء الحضارة الفرعونية ولغتها في مصر، والحضارة الأشورية ولغتها في العراق، والبربرية في أفريقيا الشمالية والفينيقية في سواحل فلسطين ولبنان، ووجد لها دعاة وأتباع”[2].

ونحن نرى من جانبنا أن إحياء نزعة الحضارة القديمة كانت ولا زالت الشغل الشاغل للغرب، للعمل على إضعاف الروح الإسلامية داخل قلوب المسلمين، حتى يسهل إفشال الرابطة الإسلامية التي يتجمعون تحت لوائها، وتصنع منهم أمة واحدة، في حين إحياء تلك النزعات معناه أنهم يتفرقون تحت ألويةٍ عدةٍ، تكون سببًا في فرقتهم وتنازعهم. 

وليس حديث الندوي هنا بدعًا من القول، فلقد سبقه إليه المؤلف جب في كتابه: وجهة الإسلام، والذي أكد على أن أهم مظاهر فرنجة العالم الإسلامي كان تنمية

(144)

الاهتمام ببعث الحضارات القديمة، تلك الحضارات التي ازدهرت قبلاً في البلاد التي دخلها الإسلام، وقد أشار جب إلى أن هذا الاهتمام يظهر بصورةٍ بارزةٍ في تركيا ومصر وأندونيسيا والعراق وإيران[1]. وهي دعوات حرص الغرب على تزكيتها دعمًا للشعوبية، والقومية الفارغة؛ رغبة في القضاء على الرابطة المهمة التي تربط بين المسلمين.

بل لقد كان تأثير المستشرقين قويًا في مصر، وقد ظهر ذلك جليًا في الدعوة إلى الفرعونيّة، فظهرت هذه الموجة أول ما ظهرت عندما حاولت جريدة السياسة الأسبوعية ـ التي رأس تحريرها الكاتب محمد حسين هيكل ـ تزعم هذا الاتجاه، وقد عملت الجريدة على غزو الفرعونيّة سائر الحياة الثقافية، داعيةً إلى إقامة الفنون على أسسٍ فرعونيةٍ[2]

وتلك كانت دعوة المستشرقين الذين تبعهم تلامذتهم النجباء من الغرب ومن بلاد الإسلام، حتى بدأت دعوتهم الصريحة إلى استبدال اللغة الفصحى باللغة العامية، بدعوى أنّ الفصحى غير قادرةٍ على مسايرة المنجزات العلميّة الحديثة، ولا حاجات العصر، لقد كان هدف المستشرقين ومن والاهم أن تحل اللغة العامية مكان اللغة الفصحى في التأليف والصحف، بحيث تصدر الكتب والجرائد باللغة العامية، “وقد تكرّرت منهم هذه الدعوة بصورةٍ شائقةٍ جذابةٍ كسبت تأييد المثقفين في مصر وأوقفتهم بجانبها، وقد عنيت حكومات الاحتلال وبعيدوا النظر من الولاة المستعمرين والمفكرين الغربيين بهذا الموضوع عنايةً فائقةً، وقد كان لهذه الدعوة دويٌّ في مصر في فجر هذا القرن أفزع كثيرًا من المحبين للإسلام والغيارى على اللغة العربية”[3].

(145)

ولعلّ الدليل على استحسان الغرب تلك الدعوة وتجييش الجيوش لإقرارها في البلاد الإسلامية، ما قام به القاضي ولمور أحد قضاة محكمة الاستئناف الأهلية عام 1902م، الذي ألف كتابًا أسماه لغة القاهرة، ويخبرنا صاحب كتاب الاتجاهات الوطنية أن صاحب الكتاب وضع لهذه اللغة قواعد، واقترح اتخاذها لغةً للفكر والأدب، والأدهي أنه اقترح كتابة حروفها باللغة اللاتينية، ولم يتم الانتباه إلى هذا الكتاب إلا عندما أشادت به مجلة المقتطف، فحملت عليه الصحف حملةً شديدةً، محذّرةً من خطورته التي كان هدفها محاربة الإسلام في لغته[1].

وقد تجدّدت هذه الدعوة مرة أخرى عام 1926م، عندما دعا إنجليزي آخر، يُدعى السير وليم ولكوكس، وكان يعمل مهندسًا للري في مصر، إلى هجر اللغة العربية، وخطا بهذا الاقتراح إلى حيّزٍ عمليٍّ، وذلك عندما ترجم الإنجيل إلى ما أسماه اللغة المصرية. “ونوه سلامة موسى بالسير ولكوكس وأيده، فثارت لذلك ثائرة الناس من جديد، وعادوا لمهاجمة الفكرة، والتنديد بما يكمن وراءها من الدوافع السياسية، ولكن الدعوة استطاعت أن تجتذب نفرًا من دعاة التجديد في هذه المرة، فاتخذوا القومية والشعبية ستارًا لدعوتهم، حين كان لمثل هذه الكلمات رواج، وكان لها بريقٌ خدّاعٌ يعشى الأبصار، وحين كان الناس مفتونين بكلّ ما يحمل هذا العنوان في أعقاب ثورةٍ شعبيةٍ تمخضت عن الفرعونية، وحين كان الناس يتحدثون بما صنع الكماليون من استبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية، وترجمة القرآن للغة التركية، وإلزام الناس بالتعبد به، وتحريم تدريس العربية في غير المعاهد الدينية المحدودة والموضوعة تحت الرقابة الشديدة، وقد مضوا من بعد في مطاردة الكلمات العربية الأصل ينفونها من اللغة التركية كلمة بعد كلمة”[2].                   

ولا شكّ أنّ تلك الدعوات كانت استشراقية النشأة، تولاها بعض أعلام الغرب

(146)

سياسيًا وفكريًا كما اتضح لنا هدفها الرئيس المتمثّل في القضاء على اللغة العربية باعتبارها لغة القرآن الكريم، على أساس أن القضاء على اللغة العربية يعد أساسًا للقضاء على الدين الذي تحمله تلك اللغة، ما يعني أنّ البلاد الإسلاميّة حينها سوف تدخل في مرحلةٍ من الإلحاد والانحراف الحاد عن العقيدة، فضلاً عن تفشي الرذيلة، والعودة إلى زمن الخلافات والتشظي والفوضى.

وهذا ما جعل الندوي شديد النقد لكلّ ما يمتّ للاستشراق بصلةٍ، لقد كان عداء المستشرقين ظاهرًا جليًا، بدليل الأساليب والطرق التي عرضنا لها آنفًا، والتي لا تضع مجالاً للشك في أنهم استهدفوا الإسلام، وإذا كان الندوي قد انتقد تلك الروح التعصبية ضد الإسلام، والتي أبداها المستشرقون في دراساتهم ومؤلفاتهم، فإنه انتقدهم أيضًا في تلك الأخطاء العلمية الفاحشة وسوء الفهم، وهي الأمور التي قد تحملها مؤلفاتهم، كذلك انتقد عدم رسوخهم في اللغة وقواعدها الأساسية، فضلاً عما تمتلئ به كتبهم من التدليس والتحريف والتزوير، لكن ما كان يتعجب له الندوي أن أكثر مؤلفاتهم لاقت قبولاً عامًا في الشرق والغرب، لكنه يرجع ذلك إلى عددٍ من العوامل، هي:

حسن ترتيب هذه المؤلفات.

الاستنباط الدقيق للنتائج.

طريقة العرض العلمي.

وهي العوامل التي كان يفتقدها الندوي في مؤلفات علماء الشرق، وربما كان هذا عاملاً رابعًا يضاف إلى جملة العوامل السابقة.

وقد يضاف إلى تلك العوامل عاملاً خامساً يتلخص في ضعف العالم الإسلامي وفقر وسائله العلمية. ويتمثل هذا الضعف وذاك الفقر في الاعتماد على كتب

(147)

المستشرقين في كثيرٍ من القضايا الإسلامية، وكأنها عمدةٌ في مجالها، وهي ليست بذاك القدر، ويمكن أن نذكر من ذلك كتبًا من نحو:

تاريخ العرب الأدبي، لنيكلسون[1].

تاريخ الأدب العربي، لكارل بروكلمان[2].

دائرة المعارف الإسلامية[3].

وهذه الكتب وغيرها كثير ما تمثل في نظر المثقفين والقائمين على أمر الثقافة الإسلامية موضوعات متفردةٍ ومناهج أصيلةٍ ومصدرًا علميًا له أهميته ودوره القيّم في تناول القضايا الإسلامية، بحيث صارت تُدرّس في جامعاتنا الإسلامية والعربية على حدٍّ سواء، ويتم الاعتماد عليها بصورةٍ تكاد تكون كليّةً من قبل القائمين على شؤون التدريس في أقسام كليات جامعاتنا الإسلامية.

ولكن ما الحل؟ الحل يكمن لا شك في تعاملنا مع تراثنا وحاضرنا، فنحن نحاول أن نهمل هذا التراث رجاء الزحف نحو الحداثة الغريبية وحضارتها ونموذجها الذي طال الآفاق، ونحن بإهمالنا تراثنا فقدنا أداةً مهمّةً في التعامل مع الحاضر وفهمه واستشراف المستقبل، ولذا كان من الواجب أن يكون هناك عملٌ مؤسساتيٌّ تتولاه بالرعاية والاهتمام من الناحية المادية والفنية مؤسساتٌ بعينها تكون مهمتها إصدار الأعمال ذات الدوائر المعرفية التي تعالج التاريخ واللغة والعقيدة والفقه والحديث، وغيره ما دأب الاستشراق على تشويهه في كثير من مؤلفات أعلامه -إحقاقًا للحق ليس كلها- بصبغةٍ إسلاميةٍ تظهر فيها روح عقيدتنا السمحاء وشريعتها الغراء.

(148)

الندوي من جانبه ترك لنا حلاً أراه جيدًا ويتكامل مع الرأي السابق الذي أبديناه، يقول الندوي: “ولسد تأثير المستشرقين الهدّام، وإصلاح هذا الفساد، يجب أن يقوم علماء الإسلام من رجال البحث والتفكير، بالكتابة حول الموضوعات العلمية، ويقدموا للعالم الإسلامي المعلومات الإسلامية المؤكدة، ووجهة نظر الإسلام الصحيحة، مع مراعاة الجوانب المحمودة التي يمتاز بها المستشرقون، بل والزيادة فيها، كما يجب أن تكون كتاباتهم ومؤلفاتهم ممتازةً من حيث أصالة التحقيق، وسعة الدراسة، وعمق النظر، وتأكد المصادر وصحتها، واستلالها القوي بالنسبة لكتابات المستشرقين ومؤلفاتهم، وأن تكون حاملةً لجميع نواحي الاستحسان، بعيدةً عن الأخطاء والنقائص العلميّة”[1].

إنّ الحلّ عند الندوي يقتضي أمرين: الأول عملٌ إيجابيٌّ، يستند إلى تأليف كتبٍ تحليليّةٍ حول الموضوعات الإسلامية، والثاني عملٌ سلبيٌّ، يستند إلى المحاسبة العلمية لكتب المستشرقين، ويقصد الندوي بالمحاسبة العلمية أن يقوم المفكرون المسلمون باستعراض مؤلفات المستشرقين العلمية، ومحاسبتها في ضوء الحقيقة والواقع، لكي ينكشف الغطاء عن أخطائهم وتلبيساتهم في فهم النصوص وبيان المعاني، ومن ثم يظهر للناس ضعف المصادر التي يعتمدون عليها، وأخطاء النتائج التي يقومون باستباطها منها، ومن ثم أيضًا ينكشف ما بداخلهم من عداوةٍ للإسلام والمسلمين، وما تقوم عليه دعوتهم من دعاوى سياسيةٍ ودينيةٍ يضمرونها خلف الرأي الذي يقدمونه[2]

وإذا لم يتم هذا الحلّ فإنّ البديل عند الندوي أليمٌ أشد الألم، يقول الندوي: “أما بدون الجمع بين هذا العمل الإيجابي الذي يقتضي تأليف كتبٍ تحليليةٍ وأبحاثٍ عميقةٍ حول المواضيع الإسلامية، وبين العمل السلبي (بالمحاسبة العلمية) فلا

(149)

تتحرر الطبقة المثقفة في العالم الإسلامي من تأثير أفكار المستشرقين المسمومة، تلك الطبقة التي تعدّ من أذكى الطبقات في العالم الإسلامي وأكثرها طموحًا، والتي تدرس في جامعات أوروبا وأميركا الكبرى أو في جامعات بلادها، وتحب دراسة الإسلام بلغات الغرب التي تتقنها، وما لم تتحرر هذه الطبقة المثقفة التي ترزح تحت تأثير أفكار الغرب وعلمائه من تأثيرهم، لا تزال تواجه الأقطار الإسلامية عاصفة الاضطرابات العقلية، والردة الفكرية، ويتبنى حملة لواء التجديد والتغريب أفكارهم وآراءهم، حتى إذا تمت لهم سلطةٌ سياسيةٌ حاولوا تطبيق كل ما ينافي روح الإسلام على المجتمع، وتنفيذه في الحكم، ويشكلون بذلك مجتمعًا يشبه المجتمع الإسلامي القديم في الجنس والقوم فحسب، ولكنه يتجه نحو الغرب والمادية في الحقيقة والواقع”[1].

ونحن نفهم من خلال الربط بين الأفكار عند الندوي أن أهم ما يتعلق بالعمل الإيجابي هو تدوين الفقه الإسلامي، إذ على الرغم من الجهود الكبيرة التي قام بها العالم الإسلامي في هذا المجال ما أذهل العالم، وجعله يقف موقف الاندهاش مما قام به علماء المسلمين في هذا المجال، إلا أن تلك الجهود كانت فردية، بيد أنها أجابت على العديد من الإشكاليات التي كانت تواجه المسلم في حياته اليومية، لكن الندوي كان يرى أن العالم الإسلامي تنقصه حركةً علميّةً دوليّةً قويّةً، وهذه الحركة سوف يترتب عليها ثلاثة أهدافٍ رئيسةٍ:

الأول: تعريف الطبقة المثقفة الجديدة بذخائر الإسلام العلمية وتراثه العظيم.

الثاني: هذه الحركة تنفخ في العلوم الإسلامية روحًا جديدةً.

الثالث: أن تثبت للعالم المتمدن أن الفقه الإسلامي وقانونه من أرقى القوانين وأوسعها عالميًا.

(150)

يقول الندوي: “إنه عملٌ ضخمٌ يقتضيه الوقت الحاضر، وهو نداء الوقت، وصوت الساعة، وبذلك نستطيع أن نُنقذ العالم الإسلامي والمجتمع الإسلامي المعاصر من الردة الفكرية والاجتماعية، ونسد تيار التغريب والتجدد الجارف، الذي يجرف العالم الإسلامي اليوم بكلّ قوةٍ وشدةٍ وطغيان”[1].

ولكن هل يعني تدوين الفقه الإسلامي ابتكار قانونٍ جديدٍ؟ لا يعني تدوين الفقه الإسلامي ابتكار قانونٍ جديدٍ عند الندوي يحتاج إلى وضع مبادئ جديدةٍ أو ظهور شيءٍ لا وجود له في حيّز الوجود، وذلك لأنّ الندوي كان ينظر للفقه الإسلامي على أنّه ثروةٌ قانونيّةٌ غاليةٌ، ونموذجٌ عالٍ للذكاء الإنساني وجهوده، فهو لا يوجد نظير له في ذخائر العالم القانونية، لأنه يحتوي على جزءٍ كبيرٍ للحياة ومعظم أحوال العصر القديم وظروفه، وينبه الندوي إلى أن الحاجة اليوم تتمثل في استنباط المسائل الفرعية من أصول الفقه الإسلامي وكلياته، التي تستند إلى القرآن والسنة، وذلك لتحقيق مطالب الحياة العصرية المتطورة، وتقديم حلولٍ ناجعةٍ لمشكلاتها الحالية[2].

وهنا يتبادر سؤالٌ ثانٍ مؤداه: ما معنى الدعوة إلى تدوين الفقه الإسلامي في قضيّة الصراع بين الشرق والغرب عامة وقضيّة المستشرقين خاصة؟ إن الندوي كان يؤمن إيمانًا لا حدود له بأن تثوير العلوم الإسلامية وإبرازها على خريطة العلوم العالمية كفيلٌ بأن يضع المسلمين في صدارة الأمم، الأمر الذي يمكن من خلاله إفشال خطط الغرب عامة والمستشرقين خاصة في تأجيج حدة هذا الصراع، وانتشال المسلمين من دوائر التغريب، لأنّهم حينها سيدركون أنّ كلّ ما كاله الغرب من اتهاماتٍ إنما هي محض افتراءٍ وتعصّبٍ بغيضٍ.

وخلاصة ذلك كلّه أن الندوي كان يرى للاستشراق الدور الأكبر في تأجيج حدة الصراع بين الغرب والشرق، بما اتبعه في الغالب من أساليب ملتويةٍ وروحٍ

(151)

تعصبيةٍ، كانت عاملاً أساسيًا في ظهور الروح الغربية بمظاهرها وأدواتها وشكلياتها في محيط الأقطار الإسلامية من خلال مجموعةٍ من المثقفين الذين ظنوا في أنفسهم أنّهم النخبة، وهذه الأخيرة هي التي صنعت التأثير الاستشراقي؛ إذ ما كان للاستشراق أن يقوم بكلّ هذا الدور في الأقطار الإسلامية لم تكن هناك نخبةٌ مثقفةٌ تمرّر له كلّ ما يقول وتستسيغه، وتحاول إقناع الناس به، وهذا ما وجدناه بالفعل في محيطنا الفكري منذ عشرات السنين وإلى الآن.

اتهام الإسلام بقضايا مضلّلة

دأب الغرب بحضارته وممثلي حضارته على الطعن في العقيدة الإسلامية، واتهامها بقضايا مضلله لا أصل لها، وهي قضايا تتعلق بالقرآن والسنة النبوية والأحاديث النبوية الشريفة وغيرها من القضايا التي تتعلق بالإسلام عقيدةً وعلومًا. وهذه القضايا المضللة كان الاستشراق جزءًا رئيسًا فيها، إذ لا نستطيع أن نبرأ ساحته، ولا ساحة المشتغلين به، خاصة في مجالات العلوم سابقة الذكر، التي غلّب نظرته الدينية فيها على نظرته العلمية. وليت المتهمين من المستشرقين تناولوا القضية بالمزيد من الإنصاف والعدل، بيد أنهم تناولوه بكثيرٍ من الغلو والتعصب الديني البغيض.

بيد أنّنا لا يمكننا إلا أن نضع إطارًا عامًا تدور في محيطه هذه الاتهامات، وهو العداء الصارخ للإسلام، نتيجة الفكرة المسبقة التي أخذها الغرب عن الإسلام، ونتيجة الحروب التاريخية التي شهدها العالمين الشرقي والغربي، والتي أسهمت فيها العصبية الدينية والأطماع الاقتصادية، وحب السيطرة على الآخر؛ لكسب أرضيةٍ سياسيةٍ داخل البلاد الأوروبية في تلك الفترة.

بيد أنّ الندوي كان يدرك أنّ هذا العداء وهذه الاتهامات كانت نتيجة مجموعةٍ من العوامل، هي:

(152)

الحروب الصليبية، بما شهدته من دمارٍ وخرابٍ على العالمين، وهي الحروب التي انبنت على عدم معرفةٍ بالدين الإسلامي وعقائده، وهي فترةٌ شهدت الكثير والكثير من الاتهامات التي لا زالت –للأسف– كتهمة أنّ المسلمين يدنسون الكنائس المسيحية في الشرق، ويمنعون المسيحيين من تأدية شعائرهم، ويسفكون دماءهم.

رجال الكنيسة، وذلك نتيجة تعصبهم لعقيدتهم، وحقدًا على الإسلام الذي جاء للناس كافة، وكان الرسالة الخاتمة التي بها تم الدين واكتمل، وهذا دفعهم إلى إظهار العداء له، ومن ثم اتهامه باتهاماتٍ باطلةٍ، رغبةً في وقف زحفه، وفتح المساحات لانتشار العقيدة المسيحية، ونحن لا نبرأ رجال الكنيسة من حثهم ملوك أوروبا على المشاركة في الحروب الصليبية، إذ كانوا العامل الرئيس في ذلك.

دعاة النصرانيّة، وهم تلك الفئة التي حملت على كاهلها مهمة التبشير للديانة المسيحيّة في الشرق، وهذه الفئة وإن كانت تجتذب الأتباع من خلال الخدمات الاجتماعية التي كانت تقدمها للفقراء والمعوزين في البلاد الفقيرة التي كانت تختارها بعنايةٍ، فإنّها من جانبٍ آخر كانت تستند في جذب الأتباع على التقليل من الإسلام، وإظهار الشبه والأباطيل والأكاذيب حوله.

المؤلفون في أوروبا، أو أولئك النفر الذين هم معروفون على أنهم مستشرقون، والذين كشفت نواياهم الخبيثة عن حقدٍ ظاهرٍ للإسلام، تكشف عنه تلك المؤلفات التي خلفوها في مجال العقيدة الإسلامية، والعلوم الإسلامية التي كانت تدور حولها، وهذه الفئة كانت من أكثر الفئات التي كالت التهم والأباطيل للإسلام، والتي كان لها أثرها في الفكرة الخاطئة الشائعة في الغرب عن الإسلام والمسلمين.

نظرة الغرب إلى العثمانيين على أنهم الدين الإسلامي، وهذا خطأ كبير، فقد اعتادت أوروبا ـ على رأي الندوي ـ أن تنظر إلى هذا الدين من خلال العثمانيين، وإذا تمثلته فإنّها تتمثله في دين العثمانيين، باعتبارهم الممثل الوحيد للدين

(153)

الإسلامي في أوروبا، “فكانت لا تنظر للإسلام نظرًا مجردًا، بل كانت تتصوره كدين العثمانيين الذين يغزونها بين حينٍ وآخر، ويستولون على كثيرٍ من بلادها، وتصدر عنهم أخطاء أحيانًا، وقسوة أحيانًا، فكان ذلك كله عائقًا عن فهم الإسلام الفهم النقي الصافي المؤسس على دراسةٍ وتفكيرٍ حر”[1].

يقول الندوي ملخصًا كلّ تلك العوامل: “وقد لعبت الحروب الصليبية، ولعب رجال الكنيسة، ودعاة النصرانية، والمؤلفون في أوروبا الذين كانت تسيطر عليهم العاطفة الدينية أكثر من النزعة العلمية، في إبعاد أوروبا عن الدين الإسلامي، وعن صاحب رسالته صلى الله عليه وآله دورًا خطيرًا، فصوّروا لهذا الدين وصوّروا هذا الرسول العظيم أبشع صورة وأفظعها، وشاعت عن الرسول في أوروبا خرافاتٌ وأساطيرٌ، وأحاطت به هالةٌ سوداء من قصصٍ وأمثالٍ وأقوالٍ حالت دون فهمه، فضلاً عن حبه وتقديره، ولا تزال نماذجه في الكتب التي ألفت في العصور الوسطى أو بعدها بعهدٍ طويلٍ، لا يزال يردّدها ويعرضها عرضًا جديدًا كثيرٌ من المتحمسين”[2].   

ثالثًا- الندوي ونتائج العداء على الإنسانية:

دمار العالم:

يرى الندوي أن أوروبا عملت على ترسيخ العديد من المبادئ التي آمنت بها، والتي تندرج كلها تحت مبدأٍ كبيرٍ آمنت به ولا زالت، وجعلته قبلتها، وهو المادية، بل لقد كان على درايةٍ تامة –من خلال الواقع المعيش والتجربة الحيّة– بأنّ أوروبا منحت فرصةً عظيمةً لتحقيق هذه المبادئ التي آمنت بها في سخاءٍ وحريّةٍ، لا نظير لها في تاريخ الحضارات في اعتقاده، وقد نالت كلّ عوامل النجاح من آلاتٍ ووسائل وعقول عباقرة، بل لقد رضخت لها الكنيسة في نهاية المطاف، وباركت

(154)

سعيها المادي وتوغلها العالمي، وكان من نتيجة ذلك احتلال العالم كله تحت ما يسمى الاستعمار، فدمروا البلاد باسم الحضارة الغربية، قتلوا المدنيين الذين كانوا يدافعون عن أوطانهم باسم المادية، أزهقوا الأرواح، واستولوا على خيرات وكنوز الشرق الإسلامي خاصة باسم التقدميّة والتنوير.

ومن ثم فإنّ الحلّ يكمن ـ في ما يرى بعضهم ـ في إعادة برمجة العقل المسلم للتعامل مع الحضارة الغربية كمنقذٍ وحاملٍ لقيم الحرّيات والديمقراطية، بينما هو في الواقع يُساند انقلابات عسكرية، أو يُزوّر انتخابات، أو يدعم مالياً ليأتي بُحكّام من بني جلدتنا يظلمون الناس، ويسعون في الأرض فساداً، ثم عندما تطلب الشعوب الانعتاق من هذا الظلم يتبارى الغرب لتقديم عروض الحماية والرحمة ومساندة الانتقالات الديمقراطية، يحصل ذلك بكلّ خبث، بل في أحيانٍ كثيرةٍ على ألسنة من يتكلم بلغتنا ويدين بديننا يشبهوننا كثيراً لكنّهم الحُرّاس المخلصون للمصالح الغربية في المنطقة[1]. فالحضارة الغربية على الرغم من إنجازاتها وإيجابياتها، إلا أنها لديها العديد من النواقص والانحرافات[2]، وهذه النواقص والانحرافات هي التي تقود لدمار العالم.

إن الدمار العالمي الذي أحدثته هذه الحضارة ليشهد أننا أمام أكبر موجة من التخريب لم تشهدها الإنسانية من قبل، نعم ربما تكون أقل سفكًا للدماء من عصور الظلام، بيد أنها كانت أكثر قتلا على الناحية النفسية والمعنوية، فقهر الشعوب كان غايتها، واحتلالهم العقلي كان مقصدها، ألا يمثل هذا نوعًا من القتل؟ ألا يعد هذا نوع من التدمير والتخريب؟ وهل بعد تخريب وتدمير العقول والأنفس من تدمير؟!

ولقد صور الندوي الحضارة الغربية المادية تصويرًا قويًا وناقدًا، حيث صورها

(155)

بالمسرحية الهزلية، يقول: “لقد أمكن لأوروبا المادية أن تظهر جميع مواهبها، وأن تمثل المادية على المسرح العالمي في جوٍّ مليءٍ بالهتاف والتصفيق والتأييد والتصديق، فإذا كان لمسرحيّةٍ في العالم أن تنجح كان ذلك لهذه المسرحية التي يمثلها أبرع رجال في أوفق أحوال”[1].

ولكن هل حققت هذه المسرحية نجاحًا؟ أم أخفقت على الرغم من العقول البشرية والقرائح الإنسانية التي ساهمت فيها؟ الإجابة عند الندوي ـ وهي كذلك ما نوافقه فيه ـ الإخفاق؛ لا لشيءٍ إلا لأنها ساهمت في دمار العالم ودمار الإنسان، يقول الندوي: “أخفقت هذه المسرحية التي كانت حصيلة أذكى عقولٍ بشريةٍ، وأغنى قرائح إنسانيّة في أهدافها ومراميها إخفاقًا لم يعرفه التاريخ. عداء داخلي وخارجي، صراع بين الأفراد والطبقات والشعوب، غيوم الحرب الكثيفة التي تغشى العالم كله، وبركان متهيأ للانفجار لأدنى مناسبة، ونذر صارخة لنهاية البشر الأليمة، وفقدان الثورة والهدوء والأمن العاطفي، وتسلط الذعر والفزع على الأعصاب، وقلق دائم، وتفسخ خلقي كبير يتخطى القياس وفراغ روحي هائل لا يملكه شيء، وسآمة لا نهاية لها، ولا علاج، وتشاؤم ويأس وحيرة”[2].   

والندوي هنا لا يخالف الواقع الذي يشير إلى كم الدمار الذي شاع في العالم بالتزامن مع الحضارة الغربية، ونرى أن ما أورده الندوي في هذا النص يمثل قليلاً من كثير، فالعالم صار ساحةً للقتال يقتل فيه القوي الضعيف، صارت مدنتيّته عنوان شقائه وتعاسته، فالعالم يُدمّر تحت وقع القنابل النوويّة والعنقوديّة وغيرها، وتحت وقع الصواريخ الباليستيّة وما على شاكلتها، من الذي صنع هذه الأدوات الحربية؟ أليس الغرب؟ ألم تقده مدنيته وحضارته إلى تنمية الثروات وكسب الدولار، ولا يهم بعدها كم من البشر سيقتلون وكم سيبترون، وكم منهم سيعيش معاقًا يعاني ويلات الحرب والصراعات؟

(156)

إن الواقع الأليم، وألوية الدمار ترفرف على العالم، فهل سيعي أيٌّ من زعماء هذه الحضارة لوقف هذا العدوان وذاك الدمار؟ العكس هو الصحيح، إذ لا زلنا نرى هؤلاء الزعماء في دول الحضارة والمدنية الغربية يتسابقون في التسليح، رجاء كسب المال وزيادة الاقتصاد، ثم لا يهم بعدها أيكون كسب المال على أشلاء القتلى؟ أم نكون زيادة الاقتصار على صراخ الثكلى والأرامل والموجعين من البشر؟! لذا كان حريًا بنا أن نروي قصة هذه الحضارة، يقول الندوي: “إن قصة إخفاق الحضارة الغربية قصةٌ معادةٌ مكررةٌ، ولكنها قصةٌ يجب أن تُروى وتُتلى، وتُعاد وتُكرّر، وهي قصة تهم الإنسان في كلّ مكانٍ، وتتصل به، وبحياته من أقرب طريق، ولأنّ في الشرق من لا يزال يؤمن بعصمة هذه الحضارة وقدسها، ولا يصدق أن مثلها يخفق ويخيب، أو أنّها قد أفلست في معنوياتها، وهو يراها تبرهن على وجودها وقوتها في الشرق والغرب”[1]

نعم هي قصة فشلٍ في الجوانب الروحيّة والأخلاقيّة، قد تكون هذه الحضارة بلغت القمة في المادة، طوّعتها وسخّرتها، فسيطرت بها على الأرض، وانطلقت بها إلى الفضاء، بيد أنّها على الجانب الآخر ـ نتيجة فقد الجوانب السابقة ـ دمرت العالم، جعلت منه كتلةً عظيمةً من النار، وسار سكان هذا العالم في أقطارٍ كثيرةٍ منه يعيشون على صفيحٍ ساخنٍ.

إن الحضارة الغربية جاءت، وقد ملأت العالم بالأسلحة والمتفجرات، ووسائل الإبادة والدمار، وساد التدمير والظلم والعسف والفساد والعدوان والتسلط والاستعمار، باعتباره هديّة هذه الحضارة إلى شعوب الأرض، منذ أن اشتدّ ساعدها، وأصبح لها أساطيلٌ وجيوشٌ تجوب البحار؛ لتستغل الشعوب، وتنتهك الحرمات[2].

(157)

لكن ما الحلّ لإنقاذ العالم من الدمار؟

يرى الندوي أنّ إنقاذ البشرية من الدمار يكمن في الدين الإسلامي، فالدين عنده هو الحل، لأنّ الدين الإسلامي في رأيه يشمل أربع ميزات[1]:

الأولى: القرآن الكريم، ذلك الكتاب المتدفق بالحياة، والذي يخاطب العقل، ويشجع التسامح والعدل والمساواة ويمقت الدمار والخراب والصراعات المبنيّة على مصالح دونيّةٍ لا تراعي إنسانية الإنسان، هذا الدين يستطيع أن يحدث ثورةً في البشرية في الوقت الحاضر، كتلك التي أحدثها عند نزوله على جزيرة العرب إلى البشرية جمعاء.

الثانية: السيرة النبوية العطرة، التي هي أجمل صورة من صور الاختلاف، وأعظم صفحة مشرقة في تاريخ البشر، فهي تعيد لهم الكرامة والمكانة وتعيد الثقة والاعتزاز بالنوع البشري، ومن ثم فإنّ السيرة النبوية بدعوتها للكمال وحب الجمال، والعيش بسلمية وأمن وأمان ترفض ذلك النوع من الدمار الذي يجتاح العالم، ويصنع منه قنبلةً موقوتةً.

الثالثة: يؤسس الندوي منطلقاته على الشريعة الإسلامية، ولذا فهي تمثل عنده الميزة الثالثة، ولذا فهو يعول على تلك الشريعة كما تركها صاحب الرسالة محفوظةً في أصلها وأساسها، غنية في ثرواتها الفقهية التي تناسب هذا العصر وتعالجه وتتماشى معه، لا تلك الآراء الفقهية التي لا تناسب العصر والبيئة، والتي كانت تتناسب مع عصرها وبيئتها. ومن ثم فهي صلبةٌ مرنةٌ في آنٍ واحدٍ، صلبةٌ في عدم التنازل عن القديم الصالح لكلّ زمانٍ ومكانٍ، ومرنة؛ لأنها لا تتجهم للجديد، فهي لا تخجل من ماضيها ولا تفر من حاضرها، صالحة لكلّ عصرٍ وبيئةٍ، تعطي الأسس المتينة لقيام مجتمعٍ فاضلٍ وحضارةٍ صالحةٍ.

الرابعة: العاطفة القوية التي تستحوذ على المسلمين، على الرغم من علاتهم

(158)

ومواضع الضعف فيهم، وانقيادهم للدعوة الدينية وخضوعهم لها؛ وذلك إذا وجد الدعاة المخلصون، وهذه قوةٌ يراها الندوي أفلست فيها الأمم الغربية عامة، وهي قوةٌ لا يعرف قيمتها عنده إلا من اشتغل بالدعوة، والتجديد الديني في أمةٍ من الأمم، ومن رأى إخفاق هؤلاء الدعاة في إعادة الحياة الدينية والروح الدينية في هذه الأمم.

ومن ثم فالحلّ عند الندوي حتى نتقي دمار العالم ونتحاشاه هو الدين الإسلامي، بأخلاقياته وقيمه وجوهره السمح وتفاعله مع العقل والعالم من حوله شريطة أن يكون لهذا الدين رجالٌ يحملون لواءه ويفهمون جوهره، ولا يصدّرون للعالم أنه دين تطرفٍ وإرهابٍ. 

تفشي المادية:

إنّ أسوأ ما جادت به الحضارة الغربية المادية، فالحضارة الغربية لم تعر اهتمامًا لشيءٍ كما فعلت مع المادية، الأمر الذي قضى معه على الجوانب الروحية بما تشمله من عقيدةٍ وأخلاقٍ ومبادئ، فليس هنالك إلا المادة، ولا شيء غيرها، وهذا هو سبب نقد الندوي ـ ومن قبله محمد إقبال ـ لها، خاصة أنها كان لها أثرٌ كبيرٌ على غياب القيم الروحية والمبادئ الأخلاقية التي تساعد على نشوء روح الأمن والأمان والطمأنينة، ولعلّ المتأمّل في الفعل الحضاري الغربي يجد الإنسان تقدم ماديًا وتكنولوجيًا وتأخر روحيًا وأخلاقيًا، غلبته الروح المادية في الصناعة والتجارة والعلوم والفنون، وتخلى عن المعاني التي تقوي الأحاسيس والمشاعر والقيم الإنسانية، ولذا تمثل المادية الإشكالية الرئيسة التي تواجه الحضارة الغربية، ولا تستطيع الانفكاك منها، وأنى لها أن تنفك منها، وهي ربيبتها وابنتها البكر؟!

ولكن ما النتائج المترتبة على تفشي هذه المادية المقيتة في الحضارة الغربية؟ لا شك في أننا من خلال الاستقراء العام لفكر الندوي نجد العديد منها، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ما يأتي:

(159)

نزع إنسانيّة الإنسان الغربي، إذ لم تدرك هذه الحضارة أن أهم ما في هذا الإنسان هي إنسانيته، والتي بدونها يعد في قائمة الحيوانات، ولا ندري إلى أيّ مدى تأخذنا هذه المادية وتلك الحضارة؟

غلبة النفعية على هذه الحضارة، حتى صارت المنفعة هي شغل الإنسان الشاغل، وكثرت الاتجاهات المادية في الفكر الغربي والعربي المعاصر، وهي الاتجاهات التي رسخت أكثر فأكثر لتفشي الروح المادية. ومن ثم فنحن مع أحد الباحثين عندما يقرر في حسم أن الحضارة الغربية تمثل محنةً حقيقيةً لنا ، ولا سيما أنها الأجهر صوتاً والأكثر عتاداً وعُدّة ، وإذا كنا نملك قوة الحق ، فإنهم يملكون حق القوة ! ويطالبون بدفع استحقاقاتها[1].

 اغتصاب الغرب لحقوق الآخر وأرضه ووطنه، واغتصاب خيراته وكنوزه وثرواته، ونحن لا نغفل عمّا صنع الاحتلال الغربي بأرض الشرق الإسلامي، وهذا ما كان يركز عليه الندوي في نقد المادية الغربية، إذ إنها هي السبب الرئيس، والدافع الأساسي الذي تتوارى خلفه بقية الأسباب والدوافع، ولعلّ المتأمل في التاريخ الدموي للغرب في بلاد الشرق، ليؤكد على أنّ المادية صنعت من العرب وحشًا كاسرًا لا يأبه بشيءٍ ولا لشيءٍ، فالوحش المفترس لا يأبه لقيمٍ ولا لأخلاقياتٍ ولا لمبادئ؛ لأنّه لا يعرفها، ولم يجربها، إذ حكمت عليه ماديته ألا يجربها ولا يعيشها، ولا يؤديها في حياته، فكيف له أن يعيشها؟! فضلاً عن أن يؤمن بها؟! ولذا يقول طه جابر العلواني: “رغم أن الفكر الغربي نجح في التقدم العلمي، فإنّه قصّر في مخاطبة الجوانب الإنسانية في المجتمع، وأصبحت الحضارة الغربية قائمةً على صراع القوي ضد الضعيف”[2].

إظهار العداء الصارخ للأديان، فالحضارة الغربية قامت على أنقاض الكنيسة،

(160)

تلك الكنيسة التي كانت تحارب العلم والتقدم التكنولوجي، باعتباره في نظرها نوعًا من المحرمات، وكم حكمت على العلماء بالنفي أو السجن والخروج عن الملة، لا لشيءٍ إلاّ لأنّهم اتجهوا اتجاهًا علميًا رأت فيه الكنيسة سحبًا للبساط من تحت قدميها، وقد تجلت تداعيات هذا العداء في الأقطار الإسلامية، إذ أصبح التغريبيون في هذه الأقطار يسيرون خلف النموذج الغربي في اتجاهه للدين، فأظهروا له العداء، وكأنّه هو السبب في تخلف المسلمين وتدهورهم، بل لقد بلغ كرههم للدين وتهميشهم له إلى حدّ محاولة إبعاده عن الحياة عامة، وقد استغلوا في ذلك حكم المستبدين الذين يجدون في ذلك مأمنًا لهم خارجيًا وداخليًا.

إرساء مبدأ البقاء للأقوى، فالحضارة الأوروبية تعاملت مع الآخر بمنطق القوة، فقد ولجت هذه الحضارة الدول دون استئذان، وكان هذا مظهرًا من مظاهر القوة التي تبديها هذه الحضارة تجاه الضعفاء. كما أن تدخلها في شؤون الدول الأخرى من مظاهر القوة التي تبديها هذه الحضارة، وكان أكثر ما يدل على مظاهر القوة التي عليها هذه الحضارة تلك الحروب والصراعات التي تتزعمها، أو التي تشعل نيرانها، بهدف كسب مبيعات التسليح التي تملك ناصيتها.

ولذا كان الندوي دائم الانتقاد لهذه النزعة المادية، حتى في بلاد الغرب ذاته، حيث كانت له مجموعة من المحاضرات في أميركا وكندا وبريطانيا وألمانيا، جعل تركيزه الرئيس في نقد هذه الحضارة منصبًا على المادية، نتيجة المخاطر التي ترتبت عليها، ولا زالت. ففي ألمانيا –على سبيل المثال– انتقدت الماديّة الألمانية باعتبارها نموذجًا للحضارة الغربية، فالرجل من الواضح في حديثه عن التجربة الألمانية أنّه كان يحاول أن يوجه الغرب ممثلاً في ألمانيا وجهة روحانية بجانب الوجهة المادية التي طغت على حضارتها، وعلى الرغم من أن ألمانيا ذاقت الويلات من جراء هذه الحضارة؛ ذلك أنّ الحربين العالميتين كانتا وبالاً كبيرًا عليها، فقد قامت قوية ونهضت لتصنع حضارتها خاصة في مجال الصناعة والإنتاج، فألمانيا في نظر

(161)

الندوي كان لها أن توجه هذه الحضارة ـ بعدما ذاقت ويلاتها ـ إلى وجهةٍ جديدةٍ تحتفظ فيها بالقيم الإنسانية والمبادئ الروحية والأخلاقيات الفاضلة، وذلك ما كان ينقص الحضارة الغربية، ولا زال. يقول الندوي: “لقد كان من المتوقع من هذا الشعب ـ يقصد الشعب الألماني ـ أكثر من الشعوب الأخرى في أوروبا أن يتمرّد ويثور على هذه المثل الزائفة، على القيم والمقادير التي ينحتها الإنسان، ثم يعبدها، ويعكف عليها، وهي أساليب الحياة وتكاليفها ومستوى المعيشة، والموضات، وما يفرضه المجتمع على أعضائه، والضرائب التي يعينها ويفرضها، والتي تكدر صفو الحياة، وتستعبد الإنسان الذي ولد حرًا كريمًا، لقد كان المنتظر من الشعب الألماني بصفة خاصة، الشعب الذي بخسته أوروبا نصيبه، وجحدت فضله، أن يتزعم هذه الثورة المباركة الأصيلة، التي تحدث انقلابًا في وضعه ومركزه، وفي أوضاع العالم”[1].  

ولكن هيهات، أن يجد مثل هذا الكلام صدى عن الغرب وألمانيا، فالمادية طغت عليهم، حتى صنعت ما يشبه الران على القلوب والغمامة على العيون، فلا ينفع رانها دواءٌ، ولا يزيل عمامتها نورٌ، وقد كان الندوي ذاته مدركًا ذلك، لكنه كان يعمل دائمًا بمبدأ الدعوة إلى الله تعالى.

إن الندوي كان مدركًا أن الشعب الألماني –وكذلك الشعوب الغربية جميعها- ظلّ عضوًا وفيًا في البيئة الأوروبية، يتجه اتجاه هذه الحضارة، ويفكر بتفكيرها ذاته، ويشارك فيها بنبوغه وذكائه، فضلاً عن أنه لا يتخطى الحدود التي رسمتها، ولا يخرج من تلك الدائرة التي عينتها، ومن ثم فإن القفزة التي كان يتمناها الندوي لألمانيا لم تتحقق، فقد أراد قفزةً تغير مصيره ومصير العالم من حوله، بحيث تكتب له الزعامة والخلود، وترفع بين الأمم مكانته، هذه القفزة التي كان يتمناها الندوي هي قفزة تنتشل العالم من المادية الموحشة التي تغلغلت فيه، في كل مجالات

(162)

الحياة، ورغم أن الندوي لم يقل صراحة أنّ هذه القفزة هي قفزةٌ ناحية العقيدة الإسلامية، فإنّه كان يريد على أقلّ تقديرٍ أن تسود روح الأديان في هذه الحضارة، حتى تنتقل بها من المادية الوحشية إلى المادية التي تقودها الروح والإيمان[1].

ولعلنا نستطيع تفسير تلك المادية المفرطة في الحضارة الغربية، وذلك نتيجة الصراع المرير مع الكنيسة التي كانت تحارب العلم، وتدعو للرهبانية والكهنوت، التي لا يعتمد فيها الإنسان على ذاته، بل يعتمد على الآخرين، والتي كانت تحكم على العلماء أحكامًا قاسيةً؛ نتيجة الخروج على الكنيسة في ظنهم، كلّ ذلك صنع هوةً سحيقةً بين أوروبا المادية والدين الروحي، فأفرطت في المادية أيما إفراطٍ، وربما كان ذلك شعورًا باطنيًا يدعوها إلى الابتعاد أكثر فأكثر عن الروحانيات والإيمانيات؛ ظنًا منها أنّها تمثل عودةً إلى الماضي.

ضياع الهويات:

تمثل قضيّة الهويّة إشكاليّةً في وقتنا الحاضر، وفي كلّ وقت، فالهوية هي دليل الخصوصية، ولا يمكن لدولةٍ ما أو أمة ما أن يكون لها شأوٌ ومكانةٌ إلا إذا كانت ذات هوية، إذ لا يمكن التطلع للمستقبل ما لم يكن لنا ماضٍ نرتكز عليه، -وهذا ما كان يحاول الندوي أن يؤسسه في كلّ نقدٍ كان يوجهه للحضارة الغربي– ومن ثم فإنّ الهويّة تمثل أمرًا لا بدّ منه. أما الحضارة الغربية فهي تمثل ضربًا لهذه الهوية من جذورها؛ لأنّها تفترض قتل هذه الهويات لتذوب في هويّةٍ واحدةٍ، هي الهوية العالمية، وفي الهوية العالمية تذوب الهويات المحلية، ويظهر صاحب التأثير الأكبر وتتغلب هويته على باقي الهويات حتى تصبح هي سمت هذه الهوية العالمية وهذا يستتبعه خطرٌ جسيمٌ، ألا وهو الذوبان والتخلي عن كلّ مكونات الهوية المحلية من دينٍ وتاريخٍ ولغةٍ وتراثٍ مشترك، وغيرها من العوامل والمكونات التي تعطي لكلّ

(163)

دولةٍ خصوصيّتها. وما يفسر ذلك أنّ العولمة ـ الماركة المسجلة للحضارة الغربية ـ تعتصر الهويات وتقضي عليها بالكلية.

وعليه فقد كان الندوي شديد اليقين، وشديد التمسك بالهوية الإسلامية وعدم ذوبانها في الهويات الأخرى، أو ما نسميه نحن الهوية العالمية، باعتبار هذه الهوية الإسلامية هي الرابطة التي يجتمع عليها المسلمون في أنحاء العالم كافة.

ومن ثمّ فلا يخفى على البصير ما يظهر في كتابات الندوي من دعوات التمسك بالعقيدة كأهمّ مكوّنٍ للهوية الإسلامية، ومن التمسك باللغة باعتبارها المكون الثاني، محذرًا من خطورة أولئك النفر الذين يدعون للتخلي عن الشريعة الإسلامية، أو الثورة عليه، وعلى كل مظاهر الحياة الإسلامية، وهو فذلك يتعجب من موقف التقدميين الذين يرفضون تمسك المسلمين بهويتهم، وينظرون بعين الرضا لتمسك اليهود بيهوديتهم، وتلك مفارقة، وكيل بمكيالين، يقول الندوي: “إنّ دولة إسرائيل المزعومة لم تقم إلا على أساسٍ دينيٍّ خالص، وأن في تشبثها بتعاليم التوراة والعض عليها بالنواجذ في كلّ مجالٍ من مجالات العلم والدين والسياسة والاجتماع، وفي الحياة الفردية واليومية، لعبرة كبيرة للعالم الإسلامي، ودليلاً ساطعًا على أن التقدميين أصحاب لسانين، فإنّهم يتكلمون مع أخوانهم وأتباعهم بغير ما يتكلمون به مع الآخرين، وهم يركزون جهودهم ودعوتهم على نشر الإلحاد والعلمانية، والمحاربة للدين في الأقطار الإسلامية الغرة التي استقلت حديثًا”[1].

إذاً، فهذه الدولة المارقة تعمل قدر طاقتها على عدم فقد هويتها، والذوبان في هوية الآخرين، ولم نر من يعيب على هؤلاء فعلتهم، ولم يخرج أحد من بني جلدتهم ليقول لنا هؤلاء رجعيون؛ لأنهم تمسكوا بدينهم، ولم تظهر فيهم الدعوات التغريبية كما ظهرت فينا، فلماذا إذاً نلوم على المسلمين الذين يتمسكون بعقيدتهم، ويحافظون على هويتهم؟!

(164)

لقد كان التهديد للهوية شديدًا وقويًا، ومن ثم كانت اللغة أحد المناطق التي يحاول من خلالها التغريبيون والغربيون أنفسهم القضاء على الهوية، وذلك بدعوتهم الغريبة إلى استبدال حروفها العربية بالحروف اللاتينية، أو فصلها تمامًا عن مجال العلم بدعوى أنّها لغةٌ متخلفةٌ لا تساير المنجزات العلمية الحديثة، مع أنّ العبرية التي ماتت وفنيت منذ مئات السنين، صارت لغةً من لغات العلم في العالم، ومن ثم يقول الندوي مستغربًا: “وما يبعث على الاستغراب الشديد بعد الاطلاع على هذه السياسة ذات الوجهين التي اتخذها المثقفون من غير المسلمين في بلادهم وأمتهم من الأقطار الإسلامية وشعوبها المسلمة، أن نرى عقلاء البلاد وقاداتها فريسة الدعاية المنافقة للعلمانيّة والتجديد، في غايةٍ من البساطة والاغترار، ولعلّ عقلاء اليهود والمسيحيين والمستشرقين من أصحاب أقلام الصحافة لم يكونوا يقدرون أن الزعماء المسلمين ينخدعون بمثل هذه السهولة، ويؤمنون بتوجيهاتهم في مثل هذه السرعة، ويصبحون لها دعاة متحمسين في بلادهم من غير أن يشعروا بهذه الحقائق النيرة، كما أثبت التجربة العملية ذلك”[1].

وهذا دليلٌ على أنّ الهوية يساهم في ضياعها كلّ من المسلمين وغير المسلمين، ونحن نفهم أن يقاتل الصنف الأخير من أجل ضياعها، تحقيقًا لمصالح دينيّة وسياسيّة واقتصاديّة وغيرها، ولكنّنا لا نفهم حقًا كيف يحمل فريقٌ من المسلمين على هذه الهوية بما اتخذه من الأساليب والمناهج والأفكار التي تعمل -لا محالة- على وأدها. ومن ثم فقد حمل الندوي على هذا الصنف –كما لم يحمل على الصنف الآخر ـ الذي لم يكن يقف عنده عند حيّز التغريبيين من المثقفين، بل تعدى ذلك إلى القادة وأولي الأمر والنهي في البلاد الإسلامية، بما يعني أن القيادة الفكرية والقيادة السياسية كانت عنده سواءً في التعدي على الهوية الإسلامية.

لقد ألح الندوي ـ وهو بصدد الحفاظ على هذه الهوية باعتبارها سدًّا منيعًا ضدّ

(165)

الغرب ومادية حضارته ـ على العديد من المعاني التي تتأسس عليها هذه الهوية، وتحمس في الدفاع عنها تحمسًا كبيرًا، وكان شعاره: الله، الدين، الغيب، الإيمان، الروح، الأخلاق، الآخرة، فلا حس، ولا تجربة، ولا لذة، ولا منفعة، أو قوميّة ووطنيّة على المعنى التغريبي، أو غريزة وعاطفة، أو ديمقراطية وجمهورية على المعنى التغريبي أيضًا، أو شيوعية واشتراكية.

وهذا دليلٌ على أنّ الندوي كان يتوجّس خيفةٍ من كلّ تلك المفاهيم الجديدة التي جاءت محملةً بأدران التجربة الغربية، التي غلبت عليها النزعة المادية، ورفض الروح الإيمانية، رغم أن من هذه المعاني ما لا يرفضه الإسلام كالوطنية والديمقراطية والعاطفة، إلا أن الندوي كان يخشى من أن تدخل هذه المفاهيم بمعناها الغربي إلى بلاد الشرق الإسلامي، فتكون عامل هدم للهوية أو الانتقاص منها، وقد شاهد تلك التجربة عيانًا بيانًا في العديد من الأقطار الإسلامية، إن لم يكن كلها.

(166)

 

 

 

 

 

الفصل الخامس

تاريخية الصراع بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية

(أدوات الصراع)

(167)

حركة التغريب التركيّة

كانت أول مظاهر التغريب التي نظنّ أنّ الندوي كان ينظر إليها على أنّها الأولى في التأثر بالحضارة الغربية في القرن التاسع عشر إنما كانت متمثلةً في حركة التغريب التركية، وكأنّه يصفها بأنّها أول لقاءٍ على مستوى الغزو الفكري بين الشرق والغرب الأوروبي.

هذا الغزو الفكري الذي كان على عدة مستويات: الصناعي والعلمي والثقافي.. إلخ وجد أن الأرض خصبةٌ لذيوع أفكاره وانتشارها وتلقيها بالقبول والتبريكات. إن تركيا كانت في ذلك الوقت ـ كما هو حال دولنا الآن وللأسف الشديد ـ موزعةٌ منقسمةٌ إلى فرقتين أو طائفتين: الأولى، دعاة التمسك بالموروث ولا شيء غيره. والثانية دعاة التمسك بالجديد ونفض التراث عن كواهلهم.

وقد حمل الندوي على هاتين الفرقتين أو الطائفتين حملةً شديدةً؛ كونهم لم يراعوا صالح الوطن أو الدين اللذين كان يجب عليهم الاعتناء بهما وتقديمهما على ما سواهما، خاصة وأن هاتين الطائفتين كانتا تتوليان مقاليد الأمور آنذاك.

إنّ الطائفة القديمة التي تحدث عنها كانت منكفئةً على الموروث، بعيدةً كلّ البعد عن التطورات الجارية في العالم، غير مهتمةٍ بالثورة العلمية، ولا طبيعة المدّ الثقافي الذي جاءت به والذي يهدّد هويّة الأمة الإسلاميّة وخصوصيتها، ولكأنّي بالندوي وقد وصفها بالطائفة المغيبة التي لا تدري شيئًا عمّا حولها، بل لقد كانت تقف أمام كلّ بادرةٍ من بوادر الإصلاح والتطوير إلى الأفضل، “أما الطائفة القديمة فقد كانت مؤلفةً من العلماء القدامى، الذين لا يعرفون مع الأسف المقتضيات الجديدة والتطورات الحديثة إلى حدٍّ كبيرٍ، ولم تكن تعرف خطورة الموقف وضخامة

(168)

الخطر، الذي نشأ لتركيا بتأثير القوى الناهضة من أوروبا، وكانت هذه الطائفة قد عارضت التنظيمات العسكرية والإصلاحات الجديدة التي قام بها السلطان سليم الثالث ( 1789م - 1807 )، وخليفته السلطان محمود ( 1807م – 1839)، لتؤهل تركيا لمجاراة الشعوب الأوروبية عسكريًا وعلميًا ولمسايرة العصر الحديث”[1].

في حين أنّ الطائفة الأخرى المتمسكة بالجديد، والتي ولت وجهها شطر الحضارة الغربية، كانت على العكس من الطائفة الأولى بالكلية، وقد حدد الندوي صفات هذه الطائفة في الآتي[2]:

الاستهانة بقيمة الدين واليأس من مستقبله وكراهية رجاله.

تقديس الحضارة الغربية.

فقدان العقل النابغ والنظرة الثاقبة التي تقف على جوانب القوة والضعف في الحضارة الغربية، وبيان ما يصلح منها للإسلام وما لا يصلح.

يقول الندوي عن تلك الطائفة الجديدة في تركيا: “وأكثرهم من نوع العسكريين والمعلمين الذين لم تكن ثقافتهم واسعة ولا عميقة ولا حرة، أو الذين انتهت بهم تجارب حياتهم الخاصة، وما لقوا من العلماء والمحافظين، من تثبيط أو عدم تشجيع، وما جربوه فيهم من جمودٍ وضيق تفكيرٍ، وما رأوه في الجيل المسلم القديم، وزعمائه من النفاق، يقولون ما لا يفعلون، وينهون عن شيء ويأتونه، أو ما شاهدوا في البلاد من تأخرٍ وضعفٍ انتهى بهم كلّ ذلك إلى الثورة على كلّ قديم، وعلى كلّ موجود، وإلى التصميم على تغريب تركيا”[3]

وقد وقف الندوي كثيرًا عن أحد أعلام هذه الطائفة، وهو ضياء كوك ألب، الذي

(169)

كانت له فلسفته في هذه القضية، وقد وقف منها الندوي موقفًا حازماً، فقد وجد في فلسفة هذا الرجل دعوةً صريحةً إلى سلخ تركيا من ماضيها القريب، والعمل على تكوينها تكوينًا غربيًا خالصًا، وتفضيل للحضارة الغربية بكلّ مقوماتها، باعتباره كان ينظر إليها على أنّها امتدادٌ للحضارة القديمة التي ساهم الأتراك ـ في ظنه ـ  في تكوينها وتأسيسها.

وقد ترك لنا ضياء كوك ألب مجموعةً من الأفكار التي تؤيد هذا الاتجاه الذي حصره الندوي فيه، وقد نقل عنه الأخير العديد من النصوص، من ذلك النص الذي يقول فيه هذا المفكر التركي: “إنّ الحضارة الغربية امتدادٌ لحضارة حوض البحر الأبيض المتوسط القديمة، وكان مؤسّسو هذه الحضارة ـ التي نسميها بحضارة البحر الأبيض المتوسط ـ من الأتراك، مثل السماريين، والفينيقين، والرعاة. لقد كان في التاريخ عصر طوراني قبل العصور القديمة، لأن سكان آسيا الوسطى القديمة كانوا أجدادنا، وفي زمنٍ متأخرٍ جدًا رقي الأتراك المسلمون هذه الحضارة، ونقلوها إلى الأوروبيين، وبتحطيم الإمبراطوريتين الرومانيتين: الغربية والشرقية، أحدث الأتراك انقلابًا في تاريخ أوروبا، لذلك نحن جزءٌ من الحضارة الغربية، ولنا سهم فيها”[1]. وقد اشتهر ضياء كوك ألب بلقب أبي القومية التركية، فقد كان متأثرًا بأوروبا الغربية الحديثة، وخاصة فرنسا وألمانيا، اعتنق الأيديولوجية التركية العالمية الشاملة، وبذل جهده كله في سبيلها، والتي طبقت بعد وفاته من قبل مصطفى كمال أتاتورك[2]

إن الإشكالية الكبرى التي نتجت عن هذا الموقف السلبي من الحضارة الغربية الذي آمن به ضياء ألب تتمثل في موقفه من الدين، فقد عمل على تقديس

(170)

هذه الحضارة دون أن يعمل فيها فكره نقدًا وإبداعًا، حيث امتلك عليه النموذج الغربي كيانه كله، وفي المقابل عمل على تهميش الدين تمامًا في مسيرة التقدم والإصلاح التي كان يرجوها. وعلى ذلك فالدين عنده ـ كما يقول أحد الباحثين ـ شيء، والحضارة شيء آخر، ناسيًا الفرق بين الدين الإسلامي والدين المسيحي في موقفيهما من العلم والحضارة[1].

بيد أنّ الندوي بيّن لنا أنّ هناك فرقاً بين النظرية والتطبيق، والنظرية هي تلك الأفكار التي حاول المفكرون الأتراك نقلها إلى الناس للاقتراب من الحضارة الغربية، ومن ثم التحكم فيها والإمساك بقيادها، وبين ما آلت إليه تركيا بعدها إلى مجرد تابعٍ أمينٍ للحضارة الغربية.

لقد كان يؤكد ـ من الناحية النظرية ـ  على أنّ تلك الحركة التركيّة التي قادها ضياء كوك ألب وتبعه فيها قادة الفكر في تركيا نالوا إعجابًا كبيرًا من المثقفين والمفكرين، ورجال الفكر الأحرار في العالم الإسلامي، بل إنّ تركيا كانت تحتل مكانةً مميزةً في العالم سياسيًا وثقافيًا واجتماعيًا، ومن ثم نظر إليها على أنّ في إمكانها أن تغيّر مجرى التاريخ إذا سيطرت على الحضارة الغربية، وإذا امتلكت ناصيتها، وقادتها وسارت بها إلى غايةٍ مرسومةٍ. ولم تقف أحلام الندوي تجاه النموذج التركي عند هذا الحد، بل لقد كان يحلم بأن تكون منزلة تركيا من الحضارة الغربية بمنزلة القائد الحر من الجيش، أراد لها أن تكون كالعالم المجتهد الذي يفكر بعقله، والقدوة الحسنة للشعوب الشرقية الإسلامية التي تعاني الصراع المخيف، حتى تواجه هذه الحضارة وتوغلها المادي الذي قضى على قيمة الإنسان وروحه وقيمه.

ولكن هل تحقق ذلك على الناحية العملية التطبيقية؟ الحقيقة أن الندوي كان في غاية الأسف من عدم تحقق ذلك عمليًا على أرض الواقع، بل على العكس تمامًا

(171)

صارت تركيا إلى الاتجاه المعاكس الذي كان يأمله الندوي والدول الإسلامية قاطبة، فقد صارت تركيا في حالة تقليدٍ للحضارة الغربية، وتمسكها بالقشور والسطحيات من مظاهرها، ولا زالت في كنف هذه الحضارة، فانفصلت عن ماضيها وتراثها، بل وعن العالم الإسلامي الذي حملت لواءه لعدة قرون، تصدر فيها مشهد الزعامة الإسلامية، والدفاع عن الإسلام ضد الأطماع الغربية ومحاولة اعتدائها على العالم الإسلامي بغية احتلاله واستنزاف ثرواته[1]

إنّ الحضارة الغربية لم تكن ذات تأثيرٍ شديدٍ على السلطة التركية فقط، بل لقد امتد هذا التأثير إلى الشعب التركي ذاته، ولذا يقول الندوي: “إن دور الشعب التركي في اقتباس الحضارة الغربية كان دورًا تقليديًا يخلو من كلّ أصالةٍ، ومن كلّ ابتكارٍ، ومن كلّ عصاميّة، ومن كل إنتاج، فلم تعمل شيئًا جديًا للسيطرة على هذه الحضارة التي انطلقت من الغرب المادي، السيطرة التي دعا إليها، وحلم بها، ضياء كوك ألب، في مقالته السابقة، ولم تعمل شيئًا لامتلاك ناصيتها والتغلب على قيادها”[2].

أما عن الدور الحقيقي الذي قامت به تركيا حكومةً وشعبًا في تلك الفترة، “إنما كان دورها دور الاستيراد ودور الاستعارة ودور التطبيق، لا أقل ولا أكثر، ولم ينبغ فيها في هذه الفترة نابغة، في العلوم التطبيقية، ولا عملاق في العلوم والآداب، ولا مؤسس مدرسة جديدة من مدارس الفكر والفلسفة، ولا من يمدّ هذه الحضارة بشيءٍ أصيلٍ له قيمته العلمية، ولذا بقيت شعبًا متوسطًا يعيش على حاشية الشعوب الأوروبية، ولم يكن هذا قيمة ما ضحى به هذا الشعب من السطوة السياسية والحماسة الدينية والدوافع الخلقية، والزعامة في العالم الإسلامي”[3].

(172)

وإذا كان الندوي يرى في جهود نامق كمال دعوةً معتدلةً وفكرةً قويمةً في مستقبل الأمة التركية، وربما كان ذلك نابعًا من أن نامق كمال كان ضمن جماعة العثمانيين الجدد باعتباره أديبًا وشاعرًا معروفًا[1]، وأعضاء هذه الجماعة “حاولوا بمفاهيم إسلاميّةٍ تبرير تبني المؤسسات الغربية، معتبرين ذلك التبني عودة إلى روح الإسلام الحقيقية، لا إدخال شيء جديدٍ عليه، أما في الشؤون السياسية فقد كانوا ديمقراطيي النزعة، يعتقدون أن النظام البرلماني الحديث ليس سوى بعث لنظام الشورى الذي كان قائمًا في فجر الإسلام، وأنه الضمانة الوحيدة للحرية، وهذا ما أدى بهم إلى الاصطدام بالحكومة التي انتقدوا طابعها الأوتوقراطي”[2].

إلا أنّ دعوة نامق كمال في نظره لم تقم بالدور ذاته الذي قامت به جهود ضياء كوك ألب، تلك الدعوة التي وصفها بالمتحمسة المتطرفة لاعتناق الحضارة الغربية وأسس سياستها. وإذا كان يرى ذلك في دعوة الأخير فإن دعوة مصطفى كمال آتاتورك أكثر تطرفًا وأشد، خاصة في موقفها من الدين، إذ إنّه كان يريد الوصول إلى الحضارة الغربية بشتى الطرق، ولما كان يرى بظنّه المريض أن الدين عدو الحضارة، فقد بدأ يوجه سهام نقده لهذا الدين الخالد، يقول عرفان أوركا تأكيدًا لهذا التوجه عند مصطفى كمال: “قد اقتنع بأنّ كفاحه يجب أن يوجهه إلى الدين، فإنّه منافسه الأكبر، وكان يعتقد من صغره أنّه لا حاجة إلى الله، إنّه اسمٌ غامضٌ خداعٌ مجردٌ عن كلّ حقيقةٍ، وكان لا يؤمن إلا بالمشاهد المحسوس، وكان يرى أنّ الإسلام إنّما ظلّ عاملاً هدامًا في الماضي، وأنه قد جنى على تركيا جنايةً كبيرةً، وألحق به خسائر فادحةٍ، وقد تناسى أنّ الإسلام وحده هو الذي أسس الأمبراطورية العثمانية الواسعة، وكان يرى أنّ الناس قد أصبحوا فريسة الأوهام والجمود بتأثير الإسلام، وكان يبغض الرجل الذي يخضع للقضاء والقدر ويقول: هكذا أراد الله، وهذا الذي قدّر لي، وكان يعتقد أنّه لا وجود للإله، والإنسان يصنع قدره، وكان

(173)

يقول في أكثر الأحيان: إن قوّة العقل وقوّة الإرادة تتغلبان على قسوة الإله، ولكن يقول المتدينون: الله يمهل ولا يهمل، كان يقول: ألم يطلع هؤلاء المتدينون على الطاقة الكهربائية التي تشتغل بسرعة؟ وكان مصمّمًا على سنّ القانون لتحريم الدين في تركيا، ولو احتاج ذلك إلى استخدام القوة وإلى الخدعة والتضليل”[1].

إذا كان مصطفى كمال أتاتورك لم يعترف بوجود الإله في هذا الكون، ولم يعترف بالتالي بأثره فيه، فقد اتخذ له إلهًا جديدًا هو الحضارة الغربية، ومن ثم يقول عرفان أوركا: “لم يمنعه شيء عن أن يعتبر الدين غير لازمٍ لتركيا وشيئًا لا حاجة إليه، ولكن الذي أعطاه للأمة الإسلامية عوضًا عن الدين، هو الإله الجديد، أي الحضارة الغربية، وليس من الغريب أن الأمة قد حاربت لروحها، وقد تعلم درسًا من تاريخ المدنيات الأخرى أن الآلهة القديمة تموت بصعوبة وعسر، لذلك لا تخرج عقيدة الإله من قلب الأمة التركية إلا بعد مدةٍ طويلةٍ”[2].  

وقد كان مصطفى كمال أتاتورك يهيم عشقًا بالحضارة التركية، ويعطيها الكثير من الرفعة والمكانة الراقية، وكان فعل هذه الحضارة يملك عليه كيانه، “إن مصطفى كمال كان يتمسك إلى حدٍّ كبيرٍ بما يلقن ويقول ويأمر به الناس، وكان يعبد هذا الإله الجديد (الحضارة الحديثة)، بحماسٍ ولهفةٍ، وكان له عابدًا وفيًا، وقد نشر هذه الكلمة (الحضارة) من أقصى البلاد إلى أقصاها، وعندما يتحدث عن هذه الحضارة تتقد عيناه لمعًا وإشراقًا، ويظهر على وجهه إشراق كإشراق الصوفية عند مراقبة الجنة”[3]

(174)

ولكن ما مظاهر هذه الحضارة عنده؟ يجيب عرفان أوركا: “يقول مصطفى كمال لشعبه يجب علينا أن نلبس ملابس الشعوب المتحضرة الراقية، وعلينا أن نبرهن للعالم أنّنا أمةٌ كبيرةٌ راقيةٌ، ولا نسمح لمن يجهلنا في الشعوب الأخرى بالضحك علينا وعلى موضتنا القديمة البالية، نريد أن نسير مع التيار والزمن”[1].        

الغريب في الأمر أن حركة التغريب التركية بلغ من اقتناعها بالحضارة الغربية والتأثر الشديد بها أنها رفضت اللغة العربية معتبرةً إياها من قبيل الماضي الدارس الذي يجب الانفكاك عنه، والانفلات من أسره، وقد استبدل بها اللغة اللاتينية، وقد كان لهذا الفعل الخطير تأثيرٌ واضحٌ؛ صنع جيلاً بعيدًا كلّ البعد عن تراثه، وخاصة تراثه الديني، لأنّه بالقضاء على اللغة العربية يضمن تحجيم الدين وتهميش تأثيره في الجيل الناشئ.

وقد كان الندوي يرى أنّ إحلال الحروف اللاتينية محلّ الحروف العربية كان كفيلاً وحده بحدوث ثورةٍ في حياة الشعب التركي وإنشاء جيلٍ جديدٍ تنقطع كلّ صلةٍ له بالماضي والتراث القديم، والحضارة والثقافة القديمة، وقد خضعت العلوم والآداب عنده لهذا الحادث الخطير.

بل لقد كان يأسف أنّ تركيا صارت طليعة التجدد، طليعة التغريب، وقدوة من أسموا أنفسهم تقدميين وتنويرين في الدول والحكومات والأقطار الإسلامية، حتى صار كمال أتاتورك رمزًا للتقدم والثورة في كلّ بلدٍ ناهضٍ، وفي كلّ مجتمعٍ متحرّرٍ في العالم الإسلامي، والمثل الأعلى للقادة والسياسيين والمفكرين المسلمين على اختلاف أجناسهم وبيئاتهم. ويقرّ الندوي بأنّه لا يعرف زعيمًا –على فقره في النبوغ العقلي والتعمق– من زعماء البلاد الإسلامية أثّر في العقول والنفوس وأثار

(175)

الإعجاب بشخصيته وأعماله وأثار الرغبة في تقليده والاحتذاء، مثل ما فعله كمال أتاتورك في الزمن الأخير[1]

وقد حاول الندوي الوقوف على أسباب ذلك، فحصره في سببين[2]:

الأول: ما اكتسبه أتاتورك من شهرة أنه أنقذ تركيا من الأخطار التي كانت محدقة بها، وأسس حكومةً قويّةً، وكسب احترام الحكومات الأوروبية والزعماء السياسيين في أوروبا، ويرجع الندوي ذلك إلى أنّ الشعوب الإسلاميّة كانت متعطشةً إلى القوة والمجد والاستقلال، يخضعون بالإجلال لكلّ من يتسم بذلك أو يسعى إليه، ومن ثم خضعوا في رأيه لأتاتورك ودانوا له بالحب والتقديس، بيد أنهم نسوا في تقديسهم له ما للشعب التركي المؤمن الشجاع من سهم وفضل في هذه الثورة، وفي التمرد على الأوضاع القاسية، وفي بناء هذا الكيان القومي القوي، وردوا الفضل كلّ الفضل في ذلك إلى أتاتورك.

الثاني: يكمن هذا السبب في أنّ إصلاحات أتاتورك صادفت هوى ورغبة في نفوس الزعماء القوميين، وعبرت عما في نفوسم من القلق من الماضي، والثورة على القديم، والتحرّر من ربقة الدين، والاتجاه بشعوبهم إلى الحضارة الغربية، بما يعني أنّ أتاتورك كان له تأثيرٌ كبيرٌ في اتجاه الشعوب الإسلامية إلى الحضارة الغربية واحتذاء حذوها.

نقد حركة التغريب الهندية:

وهي ثاني مجالات الصراع بين الشرق والغرب، بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية، بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية، وهو الصراع الذي شهدته الهند

(176)

الإسلامية، وذلك نتيجة لعوامل سياسيّةٍ ثقافيّةٍ يراها الندوي، فقد كان الهند مكلفًا باختيار واحدٍ من طريقين: الحياة الإسلامية على أساس العقيدة والإيمان أو الحياة الغربية على أساس القوة والتقدم.

والمتأمل في تتبع الندوي لحركة التغريب في البلاد الإسلامية، أو حالة الصراع بين الشرق والغرب يجد أن الندوي يعوّل كثيرًا على بيان الجوّ العام الذي نشأت فيه الفكرة أو نشأ فيه الصراع، فقد كان دائم المقارنة بين أمرين: حضارةٌ غربيّةٌ وافدةٌ أوتيت من كلّ مظاهر القوة والسيطرة اقتصاديًا وسياسيًا وعلميًا، وحضارةٌ موروثةٌ يمثلها شعبٌ مثخنٌ بالجراح، ومليءٌ بالآلام، خائر القوى، ينظر للحضارة الوافدة نظرةَ عجبٍ واندهاشٍ. ولا يعول الندوي على ذلك فحسب، ولكنه يعول أيضًا على كم التهم والأباطيل التي توجه إلى الشعب المسلم، وكأن الندوي يعيش بيينا الآن؛ حيث لا زالت هذه الأجواء موجودةً بقوة، وكأنّ التاريخ يعيد نفسه من جديد، آتيًا وهو يحمل المقدمات نفسها، وللأسف النتيجة لم تتغير؛ إذ ما زالت كما هي، فهل آن الأوان لأن يأتي العصر بمقدمات مغايرة، حتى تأتي النتائج مغايرة، أي في صف الحضارة الإسلامية، لا في صف الحضارة الغربية كما هو الحال الآن؟!

يقول الندوي عن ذلك الحال في الهند: “في هذه الساعة العصبية الدقيقة، وفي هذه الحالة النفسية المحرجة، برز في الميدان نوعان من القيادة: أولهما القيادة الدينية، التي يتزعمها علماء الدين، والقيادة الثانية يتزعمها سيد أحمد خان وتلاميذه وأنصاره من أهل المدرسة الجديدة”[1].

القيادة الأولى وقضية الإسلام والغرب:

والواضح أنّ الندوي كان من أنصار القيادة الأولى، بالرغم من تحفظه عليهم بعض الشيء، باعتباره كان ينظر إليهم على أنهم أقوى علماء العالم الإسلامي من

(177)

حيث الشخصية الدينية، ومن حيث الرسوخ في الدين، والزهد في الدنيا، وإيثار الآخرة، والغيرة على الإسلام، والجهاد في سبيله بالنفس والنفيس، بيد أنه كان يدرك جيدأ أن الجوّ العام الذي عاشوا فيه، وثقافتهم القديمة، لم تمكنهم من السيطرة على الحضارة الغربية، والثقافة الجديدة، وقيادتها إلى ناحيةٍ جديةٍ مجديةٍ، تعود على الإسلام والمسلمين بالنفع والقوة.

غير أنه كان يرى أنّ الجوّ الذي عاشت فيه هذه القيادة كان له شقٌّ آخر، يبين كيف عانت؟ وكيف كانت هذه المعاناة مانعًا لها من التواصل مع الجوانب الإيجابية في الحضارة الغربية؟ يقول الندوي: “ثم إنّ الهمجيّة التي ظهرت من الحكومة الإنجليزية والقسوة النادرة التي عاملت بها المسلمين الذين اعتبرتهم أصحاب الفكرة في الثورة المهفقة سنة 1857م وقاداتها، وتحمس الحكام والولاة الإنجليز لنشر المسيحية في طبقات الشعب الهندي والسرعة الزائدة التي كانت الحضارة الغربية تتنشر بها في الجمهور، وتأثرها في عقيدة المسلمين وأخلاقهم، كل ذلك وضعهم في موقف الدفاع عوضًا عن الهجوم، وجعلهم يفكرون في الاحتفاظ بالبقية الباقية من العاطفة الدينية، والروح الإسلامية، ومظاهر الحياة الإسلامية، والدعوة إلى التجنب عن هذه الحضارة والابتعاد عنها ما أمكن، وجعلهم يفكرون في بناء معاقل الحضارة الإسلامية، والثقافة الإسلامية، والعلوم الشرعية، وتخريج العلماء والدعاة والمرشدين من هذه المعاقل التي سميت بعد بالمدارس العربية”[1].

القيادة الثانية وقضية الإسلام والغرب:

ويمثل هذه القيادة السيد أحمد خان الذي ينظر إليه نظرةً فيها الكثير والكثير من النقد، لكنه نقد الإيجاب، لا نقد التجريح. مهّد أحمد خان السبيل لتلقي كلّ إفرازات الحضارة الغربية، حيث أقام أحمد خان فكره على أساس تقليد الغرب في

(178)

حضارته وماديّته المفرطة، واقتباس العلوم العصريّة بحذافيرها، والاتجاه إلى تفسير الإسلام والقرآن تفسيرًا يطابقان فيه ما وصلت إليه المدنيّة والمعلومات الحديثة في آخر القرن التاسع عشر الميلادي، ويطابقان هوى الغرب وآراءه وأذواقه، بل والاستهانة بما لا يثبته الحس والتجربة، ولا تقرّره علوم الطبيعة من الحقائق الغيبيّة وقضايا ما بعد الطبيعة[1].  

وهذا ما نجده بالفعل في آراء السيد أحمد خان، والذي تركنا له، ووضحه في كثير من مقالاته، من ذلك قوله: “لا بد أن يرغب المسلمون في قبول هذه الحضارة ـ يقصد الحضارة الغربية ـ بكمالها، حتى لا تعود الأمم المتحضرة تزدريهم بأعينها، ويعتبروا من الشعوب المتحضرة المثقفة “[2].

وقد استند الندوي إلى هذا النص متخذًا منه مقدمة بنى عليها العديد من النتائج التي تؤكدها وقائع حال السيد أحمد خان ذاته، وتتلخص هذه النتائج في التأثر بالمحتل الإنجليزي تأثر المغلوب بالغالب، والضعيف بالقوي، وتقليد الحضارة الغربية، والتأثر بها في أساليب الحياة، بل الدعوة إلى التقليد بحماسة وقوة، ورؤية السيد خان بأن هذا التقليد والظهور بمظهر سيد البلاد ومجاراته في الحياة والعادات تزيل الهيبة من قلوب المسلمين، وتعالج مركب النقص فيهم، وترفع مكانتهم في عيون الولاة ورجال الحكومة، وتضعم في مكان الزملاء والشركاء في الحياة[3].

أثر محمد إقبال في فكر الندوي:

نرى من جانبنا أنّ لمحمد إقبال المفكر الإسلامي الكبير أثرًا كبيرًا في تفكير الندوي خاصة في فكرته عن علاقة الإسلام بالغرب وبالحضارة الغربية، خاصة أنّ محمد إقبال من ذلك الجيل الذي سافر للدراسة في الغرب، وعرف عن قربٍ

(179)

هذه الحضارة، وما تنطوي عليه من جوانب سلبيّةٍ، جاهد عمره من أجل نقدها وإبرازها، وبيان تهافت هذه الحضارة أمام العالم أجمع، والأمة الإسلامية خاصة. وقد وقف عنده الندوي كثيرًا في بيان تاريخيّة الصراع بين الشرق والغرب، مثنيًا على جهوده ودوره في كشف هذه الحضارة الغربية وما ترتب عليها من هدمٍ للعقائد والأخلاقيات والروحانيات.

إنّ فكرة اللادينية التي اتسمت بها الحضارة الغربية هي الفكرة التي وقف عليها محمد إقبال في الأساس، فقد كان الأخير أول من نبه عليها وكشفها ونقدها نقدًا شديدًا، فقد كانت بالنسبه له مدنيّةً ملوثةً، ومن ثم يصف هذه الحضارة بأنّ تلوث الروح قد جردها عن الضمير الطاهر، والفكر السامي، والذوق السليم، ومن ثم يقول إقبال عن الحضارة الغربية:[1].

أرى تثقيف إفرنج... فساد القلب والنظر.

فروح حضارة لهم.. خلت من عفة الوطر.

إذا ما الروح جانبها.. جمال الصفو والطهر.

فأين جمال وجدان... ولطف الذوق والفكر.

 كما كان يرى أنها قد تسلط عليها ـ رغم المدنية الباذخة والحكومات الواسعة والتجارة الرابحة ـ القلق الدائم، لقد أظلم الجو في عواصمها بدخان المصانع المتصاعد الكثيف، ولكن بيئتها ـ على كثرة أنوارها ـ غير متهيئةٍ لفتحٍ جديدٍ في الفكر وإشراق من عالم الغيب[2].

هذا فضلاً عن أنّ الندوي لم يخفِ مطلقًا إعجابه بمحمد إقبال، فقد كان دائم

(180)

الاستشهاد بنصوصه وآرائه، حتى في أخص الأفكار التي تمثل تشابهًا واضحًا بينهما، ومن تلك الأفكار التي استند إليها لمحمد إقبال، تحذيره من الحضارة اللادينيّة التي هي في صراعٍ دائمٍ مع أهل الحق. إنّ هذه الفتانة تجلب فتنًا، وتعيد اللات والعزى إلى الحرم. إن القلب يعمى بتأثير سحرها، والروح تموت عطشًا في سرابها. إنها تقضي على لوعة القلب، بل تنزع القلب من القالب، كما أنّها لصٌّ قد تمرن على اللصوصيّة فيغير نهارًا وجهارًا، وأنها تدع الإنسان لا روح فيه، ولا قيمة له [1].

لقد اشترك الاثنان معًا في العمل على بيان تهافت الحضارة الغربية، بل يمكننا القول أنّ الندوي كان حالة من التطبيق لأفكار محمد إقبال، فإذا كان الثاني نقد الفكر الغربي من أساسه نظريًا وعمليًا، وبيّن هشاشته، وعدم رسوخه، وخطورته على الدين والإنسانية، فقد عمل الأول جهده نظريًا وعمليًا، فجال بعض الدول الأوروبية، وتواصل مع بعض رموزها العلمية والثقافية، كما تواصل مع المسلمين الوافدين إليها، كلّ ذلك في تطبيقٍ عمليٍّ لأفكار محمد إقبال وما انتهي إليه من بحثٍ ودراسةٍ كونهما من خلال العلاقة المباشرة بالغرب وأعلامه، باعتبار أنه أكمل دراسته في الغرب، حتى صار واحدًا من أساتذة جامعاته.

ويرى الندوي أنّ كتاب تجديد الفكر الديني في الإسلام لمحمد إقبال الذي كان عبارة عن مجموعة من المحاضرات العلمية التي ألقاها، والتي تناول فيها الحضارة الغربية وأسسها ومناهجها، كان أعمق وأكثر تركيزًا بطبيعة الحال، ونرى أن هذا الكتاب هو الكتاب الأكثر تأثيرًا في فكر الندوي عن الحضارة الغربية عن غيره من الكتب الأخرى، إذ من السهل علينا أن نجد التشابه الكامل في العديد من الأفكار بينهما، والتي تدل على مدى استفادة الندوي من إقبال.

يقول إقبال ـ في نص استشهد به الندوي كدليلٍ على التأثر به ـ: “إنّ الملوكية

(181)

والشيوعية تلتقيان على الشره والنهامة، والقلق والسآمة، والجهل بالله والخداع للإنسانية، الحياة عند الشيوعية خروج، وعند الملوكية خراج، والإنسان البائس بين هذين الحجرين قارورة زجاج. إن الشيوعية تقضي على العلم والدين والفن، والملوكية تنزع الروح من أجسام الأحياء وتسلب القوت من أيدي العاملين والفقراء، لقد رأيت كلتيهما غارقتين في المادة، جسمهما قوي ناضر، وقلبهما مظلم فاجر”[1].

وأهم ما يجمع بين إقبال والندوي، ويدل دلالة واضحة على تأثر الثاني بالأول أنهما يتفقان تمام الاتفاق في أن الحضارة الغربية لا تصلح للبلاد الإسلامية، إذ ليس في مقدورها جلب السعادة لها، أو إعادة الحياة إليها، حيث إنه من الواضح في اتجاه كلٍّ منهما أنهما ينظران إلى هذه الحضارة على أنّها أشرفت على الموت أو كادت، فكيف تكون إذاً في مقدورها هذه أو تلك.

كما أن فكرة المقارنة بين الشرق والغرب، الحضارة الروحية الشرقية والحضارة المادية الغربية تطل برأسها عند الندوي، وهي المقارنة التي سبقه إليها محمد إقبال بفكره وثاقب ذهنه، ففكرة أن الغرب واجه معروف الشرق الذي أسداه إليه بالمنكر تتضح في ثنايا كتابات كلٍّ منهما، وكذلك تصوير الشرق بأنّه حامل مشعل الروحانية، وأنّ الغرب حامل الظلام والشر.

وإذا كان تأثر الندوي بإقبال في قضية الحضارة الغربية شديدًا وحاضرًا بقوة، فإنه أشد حضورًا وبروزًا في نقده لدعاة التغريب في الشرق، فإذا كان الندوي يميل إلى سوء الظن بهؤلاء الدعاة، أو على الأقل يشير إلى خطأهم في المنهج والأسلوب والفكر، فإن إقبال كان أكثر جرأةً في النيل منهم، وتوجيه النقد اللاذع لهم. فإقبال يرى أن الذي يأتي بالجديد في هذا العالم الذي يتجدد دائمًا هو نقطة الدائرة، التي يطوف حولها الزمان، ومن ثم فعلى الإنسان المسلم ألا يعطل شخصيته بالتقليد

(182)

الأعمى، وأن يحتفظ بكرامته فإنها جوهر الفرد، ذلك أن التجديد بمعنى التغريب لا يليق إلا بأمةٍ لا تفكر إلا في الدعة والترف، ومن ثم أبدى خوفه من أن الدعوة إلى التجديد هي حيلةٌ وانتهازٌ لفرصة تقليد الغرب فهول يقول  مثلا:[1].

علة الشرق ذلة واقتــداء.. ونظام الجمهور في الغرب داء.

مرض القلب والبصير فاش.. ما بشرق ولا بغرب شفــاء.

ومن الملاحظ في نقد الندوي للحضارة الغربية ولدعاة التغريب في الشرق أنه يستند بالأساس إلى إيمانه الذي لا يتزعزع بقيمة الحضارة الإسلامية وحيويتها وقدرتها على تخطي العقبات الأخلاقية والروحية التي وقعت فيها الحضارة الغربية، من أجل تأسيس مجتمعٍ إنسانيٍّ جديدٍ يقوم على التواد والتراحم، لا مجتمع ينشأ فيه الفرد على المادة، ومن أجل المادة.

تجلي صراع الشرق والغرب في مصر:

ينظر الندوي لمصر نظرة إعزازٍ وإجلالٍ، لاعتبارها زعيمة العرب والمسلمين، وقد رأى أنّها المجال الثالث الذي ظهر فيه الصراع بين الشرق والغرب على أشدّه، في مجالات: الثقافة والسياسة والاجتماع والحضارة، ويرجع ذلك إلى الحملة الفرنسيّة التي فتحت الباب على مصراعيه بين الشرق والغرب، وما تبعها من البعثات العلميّة بين الجانبين، ثم كان الفتح الأكبر للتواصل بينهما في نظره هو إنشاء قناة السويس.

بيد أنّ الندوي لم يكن يريد قناةً ماديّةً مثل قناة السويس، وإنما كان يريد قناةً من طرازٍ آخر، أي قناةٍ معنويّةٍ. فقد كان يرى أنه كان لمصر أن تنشئ قناةً أفضل من قناة السويس ألف مرة، وأعْوَد منها على الشعوب الإنسانيّة بالخير والسعادة، وأعمق تأثيرًا في اتجاه العالم ومصير الشعوب والأمم، وأوسع تأثيرًا في التاريخ الإنساني،

(183)

هي قناة التعارف الصحيح المتبادل بين الشرق والغرب، قناةٌ تصل في نظره الشرق المتخلّف في العلوم الطبيعيّة والصناعات المفيدة بالغرب الذي بلغ فيها القمة، وتصل الغرب المادي بالشرق الروحي في سبيل التوطئة لحضارةٍ تقوم على رافدي: العلم والإيمان[1].

 وقد وقف الندوي كثيرًا عند شخصيتين كان لهما حراكٌ كبيرٌ في مصر والعالم الإسلامي، وهما السيد جمال الدين الأفغاني، والشيخ محمد عبده، حيث وقف كثيرًا عند العديد من أفكارهما بالدراسة والنقد والتحليل، خاصة في موقفيهما من الحضارة الغربية.

كان يرى في الأول رجلاً من الرجال المعدودين الذين يُؤمل فيهم أن يقوموا في ذلك العصر لمواجهة حضارة الغرب وفلسفاته الماديّة ونقدها، وصيانة الشرق من سيطرتها وسلطانها الفكري، والعمل على منعه من الانجراف الذي يفقده شخصيّته ورسالته؛ إلا أنه كان يرى أن كتابه الصغير الذي وضعه للرد على الدهريين وأعداد مجلة العروة الوثقى التي كان المُوجّه لها والمُشرف عليها، لا تدلّ على مقدرته على تحقيق هذا الغرض، وأداء هذه الرسالة، على الرغم من اعترافه بإعجاب إقبال الشديد به، وبقدرته على ملء الفراغ الذي وقع بين نظام العقيدة، والفكر والخلق القديم، وبين نظام العصر الجديد، والعمل على إعادة الثقة للجيل الإسلامي بخلود الإسلام وجدارته بالبقاء والكفاح[2].

وعلى الرغم من النقد الخفي الذي يوجّهه الندوي للإمام محمد عبده من حيث إنّه عمل على مدّ حبال التعاون والتواصل مع الأجانب، بهدف تسهيل الأمور لدخول الحضارة الغربية إلى مصر، إلا أنّه من ناحية الأفغاني كان ينظر إليه نظرةً مختلفةً، فقد كان يرى له فضلاً كبيرًا له ولمدرسته، يقول:“ لم تكن هذه الغاية

(184)

الجسيمة والأوضاع السياسيّة الجاثمة على الشرق لتدع لمثل السيد جمال الدين الأفغاني ـ في قوّة عاطفته وحساسيته ـ حقلاً آخر للنشاط والإنتاج، وتدعه يعمل عملاً إيجابيًا بنّاءً في المجتمع الإسلامي، ويقوم بدراسةٍ عميقةٍ تحليليّةٍ للحضارة الغربية، وما يحسن اقتباسه منها، وما لا يحسن، وبناء فكرٍ إسلاميٍّ جديدٍ، يساير الزمان، ويتغلب على نزعة تقليد الغرب”[1]

ثم يقول عن دوره عامة وموقفه من الدين والحضارة خاصة:“ لكن دوره لا يُستهان بقدرته في رفع قيمة الدين، والاعتماد على القرآن في عيون النشء الجديد، وفي إعادة الثقة بصلاحية الإسلام لكلّ زمانٍ ومكانٍ، وإلى نفوس الشباب المثقف، وحال ـ إلى حد ـ بين الطبقة المثقفة الذكيّة في مصر وغيرها، وبين الإلحاد والثورة على الدين، وكان له فضلٌ في بقاء نفوذ الإسلام الفكري والعلمي في أوساط الطبقة المثقفة في العالم الإسلامي”[2].

ومن ضمن الأمور التي جعلت الصراع بين الشرق والغرب لصالح الأخير، والتي يقف عندها الندوي طويلاً، اتجاه حركة التأليف والترجمة إلى الأدب والعلوم النظريّة، ونحن لا نقلّل في ذلك من قيمة العلوم النظريّة الفكريّة والفلسفيّة والأدبيّة على حدٍّ سواء، إذ إنّ لها قيمتها التي لا يمكن إغفالها على الإطلاق، ولكن نرى الندوي لا يتهم هذه العلوم بقدر ما يتهم الاتجاه السائد إليها دون العلوم التطبيقية العملية.

بل لقد كان يلح على المقارنة بين اتجاه المفكرين العرب إلى ترجمة الأعمال الأدبية والاجتماعية وتأليفها، وبين اتجاه المفكرين اليابانيين والصينيين إلى ترجمة الأعمال الخاصة بالعلوم التطبيقية كالصناعيّة والكميائيّة والفيزيائيّة وغيرها من العلوم التجريبيّة التي ساعدت الغرب على نيل تقدمه الحضاري والعلمي. “ولكن

(185)

انصرفت عنايتهم إلى ترجمة كتب الآداب وعلم الاجتماع والفلسفة والتاريخ، والروايات والقصص، وترجمة كتب كثير من دعاة الإلحاد والثورة والاضطراب الفكري في المجتمع الغربي، التي ساعدت في إنشاء التبلبل الفكري، والاضطراب الاجتماعي، وضعف شخصيّة الفكر العربي، والأدب العربي، وأحدثت صراع الأفكار، والمثل، ومناهج الفكر”[1]

إن الندوي كان يعول إذاً على أن كتّاب الأدب والفكر، كان لهم الصدارة في المشهد الفكري والعلمي العربي، إلا أنّ هذا الجو وإن خلّف لنا أعلامًا في الأدب والفكر، فإنّه لم يخلف لنا عباقرةً في مجالات العلوم التطبيقية، كالفيزياء والكيمياء والإحياء والعلوم الصناعية والتكنولوجية، كما لم يخلّف لنا نوابغ في علوم الرياضيات ومناهج البحث الحديثة، إلا في ما ندر، ومن ثم فإنّ الفكر الغربي له الصدارة في هذه العلوم، فضلاً عن العلوم الأولى أيضًا، ونحن لم نحتل في ذلك إلا المؤخرة.

وهذا يفسر لنا لماذا تقدم العلم التطبيقي التجريبي في دولٍ مثل: اليابان والصين والهند ـ وهي بلادٌ ربما بدأت سلكها الحضاري بعد العديد من الدول الإسلامية، إلا أنها فاقتها وتقدمت عليها ـ في حين لا زلنا في بلادنا عالة على الغرب، نستخدم وسائله وآلاته التي تتقدم يومًا بعد يوم، ومن ثم يظهر بوضوحٍ لكلّ ذي عينين البون الشاسع بين الشرق الإسلامي، وبين الغرب الأوروبي والأميركي الأكثر تطورًا على مناحي الحياة كافة.

لقد كانت الحالة الثقافيّة في مصر التي أشاعها هؤلاء المفكرون غرضها الرئيس الاقتراب من أوروبا، حتى لو كان ذلك على حساب العقيدة والهوية واللغة، وهي أهم أركان الهوية والخصوصية التي تتمتع بها الأمة المصرية، والمتتبع لكتابات هؤلاء المفكرين يجد الاغتراب واضحًا في فكرهم، ولنأخذ على سبيل المثال طه

(186)

حسين في كتابه مستقبل الثقافة في مصر، حيث إن القارئ الذي  ينظر نظرةً نقديّةً لهذا الكتاب يجد تلك الدعوة التي تحاول أن تقضي على الهويّة في سبيل القرب من الغرب، واستلهام حضارته ومحاولة تطبيقها ولو على أشلاء الماضي والتراث الحضاري، يقول طه حسين: “والتعليم عندنا على أيّ نحوٍ قد أقمنا صروحه، ووضعنا مناهجه، وبرامجه منذ القرن الماضي؟ على النحو الأوروبي الخالص، ما في ذلك شك ولا نزاع، نحن نكوّن أبناءنا في مدارسنا الأولية والثانوية والعالية تكوينًا أوروبيًا لا تشوبه شائبة”[1].

ويقول أيضًا: “وحياتنا المعنوية على اختلاف مظاهرها وألوانها أوروبية خالصة، نظام الحكم عندنا أوروبي خالص، نقلناه عن الأوروبيين نقلاً في غير تحرج ولا تردّد، وإذا عبنا أنفسنا بشيءٍ من هذه الناحية، فإنما نعيبها بالإبطاء في نقل ما عند الأوروبيين من نظم الحكم وأشكال الحياة السياسية”[2].

ويقول أيضًا: “ومعنى هذا أن المثل الأعلى للمصري في حياته المادية إنما هو المثل الأعلى الأوروبي في حياته المادية”[3].

وهذا كلّه يقودنا إلى أن مثل هذه الدعوات هي التي رسخت للاغتراب والتغريب في البلاد الإسلامية، وخاصة البلاد ذات الثقل والتأثير الكبير كمصر، ونحن ليس في اعتقادنا أن قرب المكان بأوروبا ـ فضلاً عن الدعوات التجديديّة ـ كان الدافع لمصر إلى الاقتراب من الحضارة الغربية، بل إنّنا لا نرى في القرب والبعد سببًا لذلك، خاصة وقد صار العالم كلّه كدولةٍ واحدةٍ، فقد قرّب العلم المسافات والحدود، فضلاً عن أنّ هناك العديد من الدول الإسلامية بعيدة المسافات بأوروبا التي زحفت خلف الحضارة الغربية، رغم بعد المسافة.

(187)

بل إنّه يعقد مقارنةً بين ما كان يتوقع من طه حسين، وبين ما نادى به بالفعل، كان مضمون هذه المقارنة بين ما حازه المفكر المصري من مؤهلاتٍ، وبين الأفكار التي آمن بها، وحاول تطبيقها في الواقع المصري. إذ كان الندوي يذهب إلى أنه كان من المتوقع ومن المعقول أن تكون شخصيّةٌ مثل طه حسين، صاحب الشخصية القوية في الأدب والعلم، والذي حفظ القرآن الكريم في صغره، وتعلم في الأزهر، ونظر في العلوم والآداب نظرةً حرةً، ورأى شقاء أوروبا بحضارتها المادية وفلسفاتها الإلحادية، وتذمر مفكريها والأعلام الأحرار فيها، ودرس تاريخ العرب والسيرة النبوية دراسة إتقانٍ وتذوقٍ، أن يدعو إلى الاستقلال الفكري والحضاري للأمة، وتربية شخصيتها الإسلامية العربية، والنهوض برسالتها العظيمة التي بوسعها أن تحدث انقلايًا عالميًا، لكنه لم يفعل، إذ إنّه لو فعل وقام بهذه الدعوة، لكان رائد النهضة الفكرية الحقيقية[1]

ويمكن القول أنّ الندوي كان يدرس الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية في مصر دراسة الخبير، فالرجل كان ينظر إلى مصر نظرةَ إجلالٍ واحترامٍ، ولذا لم يفوته أن يتناول أغلب التيارات التي كان لها دورٌ ـ سواءً أكان إيجابيًا أم سلبيًا ـ في الصراع بين الشرق والغرب، فدرس أعلام التيارات العلمانيّة من قبيل: قاسم أمين، وطه حسين. كما درس أعلام التيارات الإسلامية من قبيل: الإخوان المسلمون وغيرهم، فوقف عند سيد قطب وغيره من أصحاب هذا الاتجاه.

ليس هذا فحسب، بل لقد تتبع بالدراسة ثورة 23 يوليو سنة 1952م، واضعًا في مخيلته دائمًا مقارنة -من نوع ما- بين ما كان يؤمل فيها وما نتج عنها بالفعل، لينتهي في نظره إلى أنّها كانت حلقةً من حلقات الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية، وإن كان يرمي دائمًا إلى أنّها لم تحقق رجاءه في الانتصار للأولى على الثانية، بل كان ينظر إليها على أنّها واحدةٌ من مظاهر الثانية، فحملت لواء القوميّة

(188)

الماديّة الاشتراكيّة، التي كان ينظر إليها الندوي على أنّها من إفرازات الغرب، ومع هذا لم ينكر دورها الكبير في الوقوف في بداياتها مع الفقراء، وفي قضائها على كثيرٍ من المظاهر السياسيّة السلبيّة.

إن الندوي كان ينقد تلك الاتجاهات التي تحدّد أسس الهويّة والخصوصية التي يمكن أن يُبنى عليها حضارة تضاهي الحضارة الغربية في اللغة والتاريخ والأمل المشترك فقط، مختزلة الدين في كونه عاملاً فرعيًا؛ لأنه في ظنهم ليس كل العرب مسلمين، فالأمة المأمولة عندهم هي الأمة العربية لا الأمة الإسلامية، وقد نقد الندوي العديد من المواثيق التي تقوم على النظرة المادية الصرفة، كتلك المواثيق التي خرجت من تحت عباءة الدولة الإسلامية في العديد من أقطار الشرق، وقد نقد الميثاق ـ ميثاق العمل الوطني ـ الذي تقدم به الرئيس جمال عبد الناصر للمؤتمر الوطني القومي للقوى الشعبية في 31 مايو 1962م، قائلاً: “فإنه مما لا شك فيه أن الفكرة التي تسيطر على هذا الميثاق وواضعه، والتي دفعت إلى سبكه في هذا القالب هي الفكرة المادية، وللإنسان أن يسحب من نص الميثاق كلمة العرب ومصر، التي تتردّد كثيرًا، وما يدل على البيئة التي صدر فيها هذا الميثاق، وينسبه إلى أي جمهوريّةٍ علمانيّةٍ اشتراكيّةٍ في الشرق، وكلّها تعترف بحريّة العقيدة الدينيّة وقداستها، وبتأثير القيم الروحيّة الخالدة النابعة من الأديان في تاريخ الإنسان والمدنيّة”[1].

تجلي صراع الشرق والغرب في الأقطار الإسلاميّة الأخرى:

ولعلّه من الواضح أن الندوي كان يريد أن يتخذ المسلمون خطواتٍ حاسمةً نحو تطوير العقلية العربية والإسلامية، ولكن شريطة أن يكونوا متمسكين بوحدتهم الدينيّة، لا في سبيل تطوير العقلية العربية المؤسسة على فكرة القومية العربية، كديانةٍ وعقيدةٍ، فلم يعجبه أن يسخر دعاة هذا التطوير الكتاب والأدباء للتغني بهذه

(189)

القومية والإشادة بها، فلم يشأ الندوي تنحية الرابطة الدينية من أجل رابطةٍ فرعونيّةٍ أو رابطةٍ عربيةٍ، بل لقد كان يتعجب من أن كلمة فرعون لم تعد تثير في النفس معاني الاحتقار والتقليل التي ألصقها به القرآن.

والندوي كان يرى في ذلك تأثرًا واضحًا بالحضارة الغربية والفكر الغربي الذي كان يشجع هذا النوع من الروابط، بل لقد كان يلمح من طرفٍ خفيٍّ إلى أنّ الرفعة والمكانة في المجتمعات العربية والإسلامية أصبحت من نصيب المارقين عن الدين بدعوى التقدمية والتنوير.

إلا أنّ أشدّ مظاهر التغريب التي نقدها الندوي ـ حسب ما أرى ـ التغول على المؤسسات الدينيّة، يقول: “واتخدوا لتطوير المجتمع خطوات إيجابيّة أخرى، من تطوير الأزهر، وإلغاء المحاكم الشرعيّة، والقضاء الشرعي، والوقف الشرعي، ومن التعليم المختلط، والعناية الزائدة بالبرامج الثقافية، والرقص والغناء”[1].

وقد تجلّى هذا الصراع بين القوميّة والدينيّة أو بين الفكرة الغربيّة والفكرة الإسلاميّة في كلٍّ من سوريا والعراق وأندونيسيا وغيرها من الأقطار الإسلامية التي كان ينظر لها الندوي على أنها وإن بدت هذه الأقطار إسلاميّة اسمًا، فهي علمانيّة الفكر والمنهج حتى النخاع سياسة واقتصادًا وثقافةً فضلاً عن مناحي الحياة الأخرى.

وقد عدّ الندوي حزب البعث في سوريا والعراق ـ في رأيي ـ واحدًا من الأحزاب التي تمثل امتدادًا للفكرة الغربية، فقد كان هذا الحزب يحمل في جعبته فكرة القوميّة التي وقف منها الندوي موقفًا شديدًا، وقد راعه الخلط الذي اتبعه مؤسس هذا الحزب وربطه القوميّة بالدين؛ حيث يقول: “فالمعنى الذي يفصح عنه الإسلام في هذه الحقبة التاريخية الخطيرة، وفي هذه المرحلة الحاسمة بين مراحل التطور، وهو أنّ توجه كلّ الجهود إلى تقوية العرب وإنهاضهم، وأن تحضر هذه الجهود في نطاق

(190)

القوميّة العربيّة”[1]. وإذا كان موقف الربط بين القومية والدين موقفًا مجافيًا للحقيقة، فإن موقف الندوي الذي ربط بين القومية واللادينية موقفًا أشد مجافاة للحقيقة، وهو موقف قريب ممّا نشاهده الآن من اتهام المختلف في الفكر بالتكفير. وكأن الندوي كان يقيم علاقة عكسية بين القوميّة والدين، وعلاقة طرديّة بين القومية واللادينية، فكل مظهر من مظاهر انتشار القومية يعد في اتجاه تقويض الدين وإضعافه لدى أتباعه، وكلّ مظهرٍ من مظاهر انتشار الدين يعد ضربًا للقوميّة وتهميشًا لدورها. ويبدو لي صدق هذه النتيجة التي انتهى إليها، فأتباع القومية يفهمون خطأ أنّها بديلٌ للدين، والعامل الرئيس في تقويضه، متأثرين في ذلك بالتوجه الغربي، والتاريخ منذ ظهور الفكرة شاهد على ذلك، فالصراع قائمٌ ولا زال بين القومية كممثلٍ للفكرة الغربية، والعقيدة كممثلٍ للفكرة الإسلامية، وكان الدليل على ذلك قضية التعليم الديني التي كان أصحاب التيار التنويري ينادون بإلغائه باعتباره -في ظنّهم المريض- أداةً لتخريج إرهابيين ودعاة عنف، في حين كان تيار الاتجاه الديني يؤمنون إيمانًا لا مداراة فيه بأنّ التعليم الديني عاملٌ من عوامل الربط بين المسلمين وعقيدتهم، علمًا بأنّه يتم فيه تدريس العلوم واللغات وغيرها من وسائل المتطلبات الحديثة، ولكن في إطارٍ دينيٍّ يربط فيه المسلم بين ماضيه وحاضره.

إنّ الندوي كان يقف موقف الناقد من الدول الإسلامية المتحرّرة من نير الاحتلال الأجنبي التي اندفعت وراء تيّار التجديد أو ما يسميه التغريب، كما رفض نزعة هؤلاء نحو علمنة الدولة وهيمنتها عليها، خاصة في ما يتعلق بالقانون الوضعي، فقد كانت تستحوذ على الندوي فكرة القانون الإسلامي المأخوذ من القرآن والسنة، كونه صالحًا للتطبيق في هذه الحياة، وقد كان من هذه الدول التي نقدها أندونيسيا، فقد رفض موقفها من السير نحو تقليد تركيا. ومن ثم فإنه كان يخشى من أن هذه هي قصة هؤلاء القادة المتجددين الثوريين، وقصة كثير من الأقطار الشرقية التي

(191)

تحرّرت ونالت استقلالها. فقد كان ينتقد هؤلاء القادة؛ لأنهم كان لديهم تصميمٌ على تطبيق الفكر الغربي بفلسفاته ومناهجه على الأصعدة السياسية والاقتصادية والثقافية، ولأنهم كان لديهم التصميم على تطبيق فكرة القومية في الأقطار الإسلامية، ولذا يقول: “يظهر أن زعماءها وولاة الأمور فيها قد صمموا على تطبيق الفلسفة الفكرية الغربية بشعبها الاقتصادية والسياسية والثقافية، فلسفة القومية المادية في بلدهم الإسلامي، فهم في حربٍ دائمةٍ داميةٍ مع الطبيعة الإسلامية العميقة الجذور الممتدة العروق، وفي صراعٍ مع الجهاز الاجتماعي والعلمي والخلقي الذي فيه الخير الكثير والقوة التي ترهب ويحسب لها الحساب، ويمكن أن تنمو وتشغل لصالح الأمة والبلاد، وفي صراعٍ مع المعنويات التي نشأت ورسخت في نفوس أفراد هذه الأمة وأجيالها، بجهودٍ جبارةٍ ودماءٍ زكيّةٍ سخيةٍ، وإخلاص ليس له نظير، وعلى حساب الإيمان بالله والرسول والغيب، الذي لا يصنع في المصانع، ولا يولد بالخطب الرنانة، ولا يخلقه إلا الرسل وشخصيتهم القوية، وجهود الدعاة المخلصين من الطراز الأول، الذي إذا فقد من الأمة لا يعود بسهولة، لا يملأ فراغه شعر قومي، أو وعي سياسي، أو تقدم في المعرفة والثقافة”[1].

ومن ثم نفهم أن الندوي وكأنه يربط بين التقدم والنهضة من جانب والتغريب من جانبٍ آخر، لأنّ دعاة التقدميّة في الغالب كانوا تغريبيين يؤمنون بالفكرة الغربية لا يلقون بالاً للفكرة الإٍسلامية، ومن ثم كان ينظر إلى فكرة الصراع بين الفكرين من بداية عام 1924 م على أنها تمثل قصةً واحدةً لها فصولٌ وحلقاتٌ من تركيا إلى الجزائر، دون أن يستثني من ذلك دولةً إسلاميّةً واحدةً، وقد استدل على ذلك بتونس ـ كما هو الحال في بقيّة البلدان الإٍسلامية ـ التي سارت في طريق تركيا بعد عام 1924م، سارت خلف الثقافة الفرنسية في اتجاهاتها اللادينيّة، فمنع الحبيب برقيبة تعدّد الزوجات والطلاق الانفرادي، هذا الأمر نجد له شبهًا بما فعله النظام

(192)

السياسي التونسي من التغوّل على الشريعة الإٍسلامية في الميراث، حيث اقترح مشروع قانون يساوي المرأة بالرجل في الميراث، مع ما في ذلك من مخالفةٍ صريحةٍ للنص القرآني.

ومن ثم فإنّ الندوي انتقد التطور على طريقة بورقيبة، باعتباره تطورًا لا دينيًا يقف في وجه كلّ ما هو ديني، ينحو ناحية الانفصال عن الإٍسلام، لكن الندوي كان يفهم جيدًا أن بورقيبة لم يكن يظهر تصادمه مع الدين بصورةٍ علانيّةٍ، إذ كان في نظره يبذل جهده للتوفيق بين الحضارة العصريّة الضروريّة والتقاليد الدينيّة، محاولاً الاهتمام بالتدليل على أنّ إصلاحاته إذا كانت لا تحترم النصوص الحرفية للقرآن فإنّها لا تخون روحها، وبناءً على هذا المنطلق فإنّ الندوي اعتبر النموذج التونسي هنا أقرب للنموذج المصري منه للنموذج الكمالي التركي، حيث تجنب مهاجمة الجامع الكبير ـ جامع الزيتونة ـ وجهًا لوجه، في الوقت الذي حدّد له بالتدريج دوره ومهامه، مع التفكير في تحويله إلى مجرّد كليّةٍ لعلم اللاهوت في إطار الجامعة التونسية[1].  

 ومن ثم كانت الإشكالية تتمثل في أنّ الندوي كان يرى أنّ الدولة العصريّة تعني قيامها على أنقاض الدولة الدينيّة، وهذا ما كانت تسعى إليه كل التيارات التي تحمل لواء العلمانيّة والليبرالية وغيرها، وهي كلّها تياراتٌ تقف من الدين موقفًا أقلّ ما يمكن أن يقال عليه أنه موقفٌ عدائيٌّ، وهذا الموقف هو ما كان يستحضره الندوي في ذهنه عند حديثه عن أيّ محاولةٍ عصريّةٍ يقوم بها دعاة العصرنة والتنوير، وهذا الموقف من الندوي ذو جانبين: الأول إيجابيٌّ كونه يحاول أن يبيّن حقيقة دعوة العصرنة والتغريب التي ينادي بها العديد من بني جلدتنا رجاء توجيه فكر العالم الإسلامي إلى وجهةٍ تتفق مع الدين الإسلامي في جوهره وروحه، والثاني سلبيٌّ كونه ينظر إلى كلّ محاولةٍ عصريّةٍ على أنّها نوعٌ من الانفكاك من الدين

(193)

والتملص منه، وهذا أمرٌ قد يوحي خطأ لدى البعض بأنّ الإسلام لا يساير العصر، ولا يؤمن بالتطور، وهذا مجافٍ للحقيقة.

لكن ما يحسب للندوي في نقده لقضيّة الصراع بين الشرق والغرب وخاصة في التجربة التونسية أنّه كان يحاول دائمًا أن يكشف الأخطار التي تحيق بتلك التجارب كونها تحاول الاقتفاء بالنموذج الغربي ليس إلاّ، دون البحث عن نوعٍ آخر مبتكرٍ من الحلول للإشكاليات التي تعيق الحضارة الإسلامية عن الانطلاق؛ كي تكون ذات مكانةٍ في هذا المجتمع الذي لا يعترف إلا بالتطور والتقدم.

وهذا يفسّر سبب حنقه على التجربة التونسية البورقيبية؛ وكأنّه كان ينظر إلى هذه التجربة على أنّها انتصرت للغرب على الشرق في صراعهما الفكري الذي غالبًا ما يحسب للأول على حساب الثاني، حيث قبلت تونس قانون 1956م، وألغت المحاكم الشرعية، واستبدلت بها قانون الأحوال الشخصيّة، وقامت بالاستيلاء على أموال الأوقاف العامة التي ألغت وزارتها التي كانت قائمةً على شؤونها. وإن كنّا نؤكد على أنّ كلّ هذه الإجراءت في ظنّنا لم يكن هدفها الإصلاح بقدر ما كان هدفها الوقوف أمام المدّ الديني في البلاد الإسلامية، والعمل على الانتصار للفكرة الغربيّة على نظيرتها الإسلامية في دول الإسلام ذاتها.

إذاً، كانت الإشكالية الكبرى في الصراع الغربي الشرقي أن الدول الإسلامية التي تنتهج نهج التغريب كانت تعمل على تهميش الدين، فكانت كلّ فكرةٍ عن الإصلاح لا تقوم عندهم إلا على أنقاض الدين، ومن ثم نقد التجربة التونسية التي تأثرت بالحضارة الغربية، فبدلت في أحكام الزواج والطلاق في الشريعة الإسلامية[1]، تبديلاً يعدّ ـ في التحليل الأخيرـ مسخًا لها وتشويهًا متعمّدًا لمضمونها وجوهرها، ومن ثم فإنّه بناءً على القانون التونسي فإنّ تعدّد الزوجات جريمةٌ يعاقب عليها

(194)

القانون في مخالفةٍ واضحةٍ للنص القرآني، كما أنّ الطلاق ـ طبقًا لهذا القانون ـ لا يقع إلا بشروطٍ هي على النحو التالي:

    أ – طلب الطلاق لا يقع إلا في المحكمة.

    ب – توافق الطرفين على الطلاق.

    ج – الغرامة جزاء الطرف الذي يصر على الطلاق.

ومن ثم يقول الندوي: “وهكذا لم تجعل المرأة متساوية بالرجل في الطلاق والزواج أمرًا أساسيًا فحسب، بل في شؤون الملكية أيضًا التي تتبع النكاح. إنه بعيدٌ أن يكون لواضعي هذا القانون تأثرٌ بمثل هذه الأفكار والنزعات، ومهما زعم أهل الحلّ والعقد في تونس، فإنّ قانونهم الشخصي يختلف عن القانون الإسلامي التقليدي، كما يختلف عنه القانون العلماني..”[1].

ولم يكن الأمر عند الندوي بخصوص الجزائر يختلف في قليلٍ أو كثيرٍ، فقد مرّت بالتجربة ذاتها التي مرّت بها الدول الإسلامية، من حيث شدّة الصراع بين الفكرة الإسلاميّة والفكرة الغربية، وتصدر المشهد في هذه البلاد دعاةُ الانتصار للفكرة الغربية، فساد دعاة التقدميّة والتغريب، وساقوا البلاد سوقًا نحو ماديّةٍ اشتراكيّةٍ علمانيّةٍ تنهل كلّ مبادئها من روح الحضارة الغربية، رغم من التطلعات الدينيّة التي تأملها الشعوب الإسلامية ذاتها.

 لقد ذهب الندوي إلى أنّ شجرة الحضارة الغربيّة والفلسفة الغربيّة التي ساهم في نشأتها مناخٌ خاصٌّ وغذاءٌ خاصٌّ ـ وهذه العوامل كلّها هي ما وفرتها البيئة الغربية ـ انتقلت من البيئة الغربية إلى البيئة الإسلامية، فتغرس فيها وتنصب بقوّة، ويهيأ لها الجو، وتحفر لها الأرض حفرًا عميقًا، ويقوم من يعملون على نصبها في البلاد

(195)

الإسلامية بعمليّة هدمٍ واسعةٍ، وإزالة ـ ما أسموه ـ الأنقاض الفكريّة والاجتماعيّة من حولها، وقد استغرقت هذه العمليّة الهدّامة جهودًا وأوقاتًا وطاقات كان من الممكن ـ حسب ما يرى ـ أن تعود على الأمة والبلاد بالنفع الكبير، لو وجهت إلى عمليّةٍ إيجابيّةٍ بناءةٍ، وإلى إثارة القوى الكامنة في نفوس هذا الشعب الإسلامي عن طريق الإيمان والدعوة الدينيّة والإصلاح الخلقي[1].

ومن ثم نفهم أن بعضًا من المسلمين أنفسهم هم الذين ساقوا الفكر الغربي والحضارة الغربية قصرًا إلى الأراضي الإسلامية، بما يعني أنّ الغرب فتح لهم المجال من خلال الفكر والفلسفة، ثم تصارع المفكرون الذي يحملون لواء التقدميّة والتغريب لبسط مظاهر الفكر الغربي وأفكاره في الأراضي، فتكفلوا بكلّ الجهود التي كان ينوي الغرب القيام بها، ووقف الغرب موقف المتفرج المنبهر بأولئك القوم الذين يدافعون عن أفكاره المغلوطة دينيًا وخلقيًا على الأقل، ويصفق لهم تصفيقًا حادًا أن وفّروا عليه مؤنة نشر هذه المظاهر وتلك الأفكار. نعم هو حاول وعمل عملاً دؤوبًا على ذلك، بيد أنّ تلك المحاولات وذاك العمل لم يكن ليؤتي ثماره لولا الطابور الخامس الذي عاونه من أبناء الأمة الإسلامية، ويا للأسف !

والعجيب أنّ حاملي لواء التقدميّة والتغريب في بلادنا راحوا يستندون إلى نظرياتٍ وأفكارٍ غربيّةٍ محلّ نقاشٍ حتى من الغربيين أنفسهم، من ذلك القومية التي يهيم هؤلاء بها عشقًا رغم أنّ الكثير من مفكري الغرب ذاتهم رفضها؛ باعتبارها تمثل نوعًا من التعصب الذي لا يؤدي إلى شيوع السلام في العالم، ومن ثم فنحن مع الندوي عندما يصف هؤلاء التقدميين بالرجعية؛ لأنهم استندوا إلى أفكارٍ عفا عليها الزمن في بيئتها الأصليّة، واتخذوا لها بديلاً يقوم على الإنسان العالمي والمواطنة العالمية.

ولكأني بالندوي وهو ينظر إلى القوميّة على أنها كانت مجالاً واسعًا للصراع بين

(196)

الشرق والغرب، لأن هؤلاء القوميين اتجهوا إلى شيء فقد قيمته ومكانته في بيئته الأصلية، وهو المجتمع الغربي الأوروبي، وذلك من زمن ليس ببعيد؛ لأنهم جاءت عندهم في ظروفٍ خاصةٍ وأوقاتٍ معينةٍ، ولمّا تولت هذه الظروف والأوقات أصبح وجودها عاديًّا، بل لقد كان ضررها كبيرًا على المجتمع الأوروبي. يقول الندوي مؤكدًا على هذه الفكرة التي تدل على الصراع الفكري بين الغرب والشرق، والذي أراد فيه المفكرون الغربيون الانتصار لكلّ ما هو غربي:“ قد بدأ مفكرو الشرق والغرب الأحرار ينظرون إلى القوميّة نظرة ازدراءٍ واحتقارٍ ويعتبرونها موضةً قديمةً ودليلاً على الرجعيّة والتزمت وعنصرًا هدّامًا للبشريّة والسلام العالمي، ويدعون إلى الوحدة الإنسانيّة وفكرة الأسرة العالميّة”[1].

وقد استند الندوي هنا إلى علمين من الأعلام الكبار، هما المؤرخ أرنولد توئنبي والسياسي الدكتور رادهاكرشنان رئيس الهند السابق، إذ إنّ كلاً منهما رفض فكرة القوميّة؛ لأنّها في التحليل الأخير تقود إلى التعصب والنرجسيّة، ما يهدّد السلم العالمي، في الوقت الذي لا بدّ أن يعيش فيه جميع دول العالم كأسرةٍ واحدةٍ.

(197)
(198)

 

 

 

 

 

الفصل السادس

الغرب وأسباب التغريب في العالم الإسلامي وعلاجها

(199)

نظام التعليم الغربي:

تنبني وجهة نظر الندوي في التعليم على أنّه لا بدّ أن يكون قائمًا على أمرين: روح وضمير، كالكائن الحي تمامًا، لأنّ نظام التعليم بروحه وضميره إنّما هو عنده ظلٌّ لعقائد واضعيه ونفسيتهم، وغايتهم من العلم ودراسة الكون، ووجهة النظر إلى الحياة، ومظهر لأخلاقهم، فهذا هو الذي يمنح التعليم شخصيّته المستقلّة، “إن هذه الروح هي التي تسري في هيكله تمامًا، إنها تسري في جميع العلوم، في الأدب والفلسفة والتاريخ والفنون والعلوم العمرانيّة، حتى في علمي الاقتصاد والسياسة، بحيث يصعب تجريدها من هذه الروح”[1].

  ومن ثم هناك فرقٌ كبيرٌ في العقيدة والروح والشخصية بين نظام التعليم الإسلامي ونظام التعليم الغربي[2]، ومن ثم فنحن إذا ما حاولنا تطبيق النظام الأخير في العالم الإسلامي فإنّه لا يأتي بخير؛ لا لشيءٍ إلاّ لأنّه يحمل روحًا مستقلّةً، وضميرًا منفردًا، وشخصيّةً ذاتيّةً، بحيث تتجلى في هذا النظام عقيدةُ وعقليّةُ واضعيه التي تختلف عن عقيدة وعقلية من يحاولون الزجّ بهم في أتون هذا النظام الذي وإن وافق بيئة فإنّه لا يوافق الأخرى.

ولعلّ من السهل علينا هنا أن نؤكد على تأثّر الندوي هنا بالمفكر الإسلامي محمد أسد، فهذا المفكر الغربي الذي أسلم وصار أداةً في الدفاع عن الإسلام لم

(200)

يدّخر جهدًا في كشف المخططات الغربية في التعليم، ولذا نجده يقول مثلاً عن تدريس الأدب: “إن تعليم الأدب الأوروبي على الشكل الذي يسود اليوم الكثير من المؤسسات الإسلامية، يقود إلى جعل الإسلام غريبًا في عيون الناشئة المسلمة، ومثل هذا ـ ولكن إلى حدٍّ أبعد ـ على التعليل الأوروبي للتاريخ العام، إذ لا يزال الموقف القديم فيه: (رومانيون وبرابرة ) يظهر بجلاءٍ ثم إن لمثل هذا العرض في التاريخ هدفًا خفيًا، ذلك أنّه يدلّل على أنّ الشعوب الغربيّة ومدنيّتها أرقى من كلّ شيءٍ جاء أو يمكن أن يجيء إلى هذا العالم، وهكذا يمكن خلق نوعٍ من التبرير الأدبي لسعي الأوروبيين إلى السيطرة والقوة المادية”[1]

إن هناك تأثيرًا سلبيًا ينتج عن هذا التثقيف التاريخي في عقول الناشئة من غير الأوروبيين، قوامه إشعار هذه الشعوب بالنقص في ما يتعلق بثقافتهم الخاصة وماضيهم، وبالآمال المتاحة لهم في المستقبل، فينشأ الناشئة وهم قد تم تربيتهم على احتقار ماضيهم ومستقبلهم، إلا إذا كان هذا المستقبل قائمًا على المثل الغربية [2].

ويحذر محمد أسد من محاولة معالجة تأخرنا العلمي عن طريق اقتباس النموذج الغربي في التعليم، قائلاً: “وإذا كان المسلمون قد أهملوا في ما مضى البحث العلمي فإنهم لا يستطيعون أن ينتظروا إصلاح هذا الخطأ اليوم عن طريق قبول التعليم الغربي، من غير وازعٍ ما. إن كلّ تأخرنا العلمي وكلّ فقرنا لا يوزنان بذلك التأثير المميت الذي سيحدثه تقليدنا الأعمى لنظام التعليم الغربي في قوى الإسلام الدينيّة الكامنة، إذا أردنا أن نحفظ حقيقة الإسلام على أنّها عنصرٌ ثقافيٌّ فيجب علينا أن نحترس من الجوّ الفكري للمدنية الغربيّة، ذلك الجوّ الذي أصبح على وشك أن يتغلب على مجتمعنا وعلى ميولنا، وبتقليد عادات الغرب وزيّه في

(201)

الحياة يصبح المسلمون تدريجًا مضطرين إلى الأخذ بوجهة النظر الغربية. وإن تقليد المظاهر الخارجية يقود شيئًا فشيئًا إلى تقبل الميل العقلي المثاقب لذلك”[1]

ومن ثم نفهم أن النظام التعليمي الغربي في البلاد الإسلامية كان هدفه الرئيس أن يكون المسلمون مسلمين اسمًا وشكلاً ولونًا، بيد أنهم غربيون في التفكير والذوق والفعل، بمعنى أن يكونوا مسلمين في الظاهر غربيون يدينون بالحضارة الغربية في الباطن والجوهر. وهذا يدلنا على شيءٍ من الأهمية بمكان، وهو أن من أسباب التغريب البارزة في عالمنا الإسلامي نظم التعليم التي تصطبغ بالصبغة الغربية. وهذا ما أكده المستشرق جب في كتابه وجهة الإسلام، حيث يقول: “والسبيل الحقيقي للحكم على مدى التغريب أو الفرنجة هو أن نتبين إلى أيّ حدٍّ يجري التعليم على الأسلوب الغربي، وعلى المبادئ الغربية، وعلى التفكير الغربي، والأساس الأول في كلّ ذلك هو أن يجري التعليم على الأسلوب الغربي، وعلى المبادئ الغربية، وعلى التفكير الغربي، هذا هو السبيل الوحيد ولا سبيل غيره، وقد رأينا المراحل التي مرّ بها طبع التعليم بالطابع الغربي في العالم الإسلامي، ومدى تأثيره على تفكير الزعماء المدنيين وقليل من الزعماء الدينيين”[2].    

ومن ثم نفهم أنّ التعليم كان أداةً من أدوات الصراع بين الشرق والغرب في البلاد الإسلامية، وهذا يفسر لنا لماذا كان الندوي ينظر إلى التعليم الغربي على أنه محاولةٌ عميقةٌ وخفيةٌ لضرب العنصر الإسلامي، بل والقضاء عليه، فانتقل الغرب بهذا الأسلوب الجديد من مرحلة الفتك والقتل والدمار إلى مرحلةٍ جديدةٍ من اللعب بالعقول والتأثير على الهويات، فلم يجدوا سبيلاً لذلك إلا بث التعليم الغربي ونظامه بحيث يتحكم في العقول والألباب. ومن ثم انطلقوا إلى تأسيس عددٍ كبيرٍ من الكليات والجامعات واالمراكز هدفها الرئيس تحقيق هذا الهدف الخبيث. يقول

(202)

الندوي حاكياً عن تجربة الهند ومعاناتها من النظام التعليمي الإنجليزي: “ورسخت قدم الإنجليز، وأصبح نظامهم التعليمي ـ وهو من أكبر جنودهم ـ يؤتي أكله كلّ حين، وتسربت في الناس أفكارهم وميولهم، فصارت تقلب نظام الحياة، ونظام الفكر في الهند رأسًا على عقب، من حيث لا يشعر أهلها، فتقاصرت الهمم في الدين، وخمدت جذوة القلوب، وانطفأت شعلة الحياة الدينيّة، وانصرفت الرغبات والأهواء والتنافس الطبيعي ـ الذي هو الدافع الأكبر للتقدم والإبداع– من الدين والروحانية إلى المعاش والمادة، وقلت مرغبات الجهد في الدين والعلم، وما يتصل بالروح والقلب، وتوافرت المزهدات والمثبطات عنه، وكثرت الدواعي والحافزات إلى ضده، واتجه تيار الذكاء والنبوغ والعبقرية ـ الذي كان متجهًا من قبل إلى الدين ـ من صنوف الدين وأقسام العلم الديني والروحي، إلى الإنتاج والإبداع في أنواع علوم المعاش ومرافق الحياة”[1].

ومن ثم فقد انتاب الناس الشك في الدين، جراء هذه البيئة المحيطة التي عملت على تشويه صورته من خلال المناهج التعليمية الغربية، وضعفت ثقة الناس بخالقهم، أو بالأحرى قطعوا الروابط التي تربطهم بربهم وخالقهم، ومن ثم صار الناس يبعدون أولادهم عن الدين، ويضنون بأوقاتهم وجهدهم في سبيل تعلم الدين وعلومه، فصاروا يهتمون بعلوم الدنيا وأمور المعاش، ويهملون علوم الآخرة، وربما كان ذلك الاتجاه خوفًا من بطش المحتل لا حبًّا في العلوم الدنيوية النافعة، أو رغبةً في رفعةِ شأن دينهم، وهذا يوضح الأثر الخطير الذي تركه نظام التعليم الغربي في الهند وغيره من البلاد الإسلامية.

ونرى من جانبنا أن الندوي هنا متأثرٌ بمحمد إقبال تأثرًا كبيرًا في هذه القضية ـ قضية التعليم الغربي في بلاد الإسلام ـ فإقبال كتب محذرًا من هذه القضية الخطيرة ومن تداعياتها على الهوية الإسلامية والشخصيّة المسلمة، فهو يرى أنّ نظام التعليم

(203)

الغربي، إنّما هو مؤامرةٌ على الدين والخلق والمروءة[1]. إذ كان إقبال مؤمنًا بأن التعليم هو الحامض الذي يذيب معه شخصية الكائن الحي، ثم يكوّنها كما يشاء، وهو بذلك أشدّ قوةً وتأثيرًا من أيّ مادةٍ كيميائيةٍ، ومن ثم فالتعليم عنده يستطيع أن يحوّل جبلاً شامخًا إلى كومةٍ من التراب[2]. وهذا كله يعني أن الغرب كان يدرك أهمية التعليم والاستحواذ عليه في الصراع مع الشرق، وبدون ذلك لم يكن للغرب أن تقوم له قائمة في بلادنا، لكنه علم مواطن الضعف فينا ومواطن القوة، فعمل على زيادة إضعاف الأولى، والتفنن في إضعاف الثانية.

إنّ الندوي وقف موقفًا شديدًا من نظام التعليم الغربي الذي تسابقت الدول الإسلامية في تنفيذه، فصارع أولئك المتشبثين به وبأهدابه رجاء السير خلف النموذج الغربي، ولم يخرج من هذه المصارعة إلا منتصرًا لدينه من جانبٍ وشخصيّته وهويّته من جانبٍ آخر، وفي كلّ مرحلةٍ من مراحل هذه المصارعة يتبيّن له أنّ الإسلام حصنٌ منيعٌ أمام كلّ هجمات الغرب، كما يتبيّن له صدق ثقتة في عقيدته وفي نفسه. إننا نستطيع القول أن الندوي لم يقبل التعليم الغربي يومًا، ولم يخضع له، فقد رفض قليله مثلما رفض كثيره، ونعتقد أنه لم يشذ عن طريق إقبال الذي تأثر به كثيرًا، حيث شهد له بأنّ فهمه للدين يطابق القرآن والسنة والسلف من الصالحين، وأنّه لم ينصهر في بوتقة الغرب كما انصهر العديد من مواطنيه وأبناء عقيدته، وتلك في الحقّ شهادة من علم لعلم.

وتأكيدًا على كلام الندوي فقد كان الغرب المحتلّ يحاول في نظامه التعليمي تهميش الدين ومحاولة نزعه من صدور الناشئة، بل العمل على إضعاف الناحية الأخلاقية بما تزرعه من مفاهيم وقيمٍ غربيةٍ تتنافى مع القيم الإسلامية، ولا شك في أنّ تلك السياسة التعليميّة كان لها خطورتها على الدين والشخصيّة المسلمة.

(204)

وقد استدل الندوي على كلامه بالتجربة الهندية، فقد كان النظام التعليمي الذي تم وضعه حديثًا يهدف أول ما يهدف إلى أن ينشأ في طالب العلم شعورٌ هدامٌ، يقضي على قداسة الرواية والحجة والإسناد، ولكن هذا لا يعني أن الندوي يرفض مبدأ تنقية التراث على أسسٍ علميّةٍ، وفتح المجال أمام العقل لفهم الدين وما غمض من أسراره في الكون والحياة، والعلم النظري، ولكن الندوي كان يداخله شعور بأنّ هذا النظام التعليمي إنما جاء للقضاء على الدين والأخلاق، ذلك النظام التعليمي الذي كان ينظر إلى العقائد الدينيّة على أنّها مجرد أوهامٍ، وخرافاتٍ، بحيث ينشأ الإنسان المسلم وهو لا يعير عقيدته اهتمامًا يذكر.

وهذا يقودنا إلى أنّ التعليم كان الوسيلة الغربية الناجعة في إخضاع العالم الإسلامي، سواءً أكان هذا التعليم خارجيًا في دول الغرب، أم داخليًا بما زرعه الغرب ذاته في نفوس المتعلمين الذين تعلموا عنده، أو بما بثّه في نفوس الشعوب المستعمرة، فنتج عن ذلك ما يشبه الاتجاهات الإلحاديّة والتحرريّة التي نشهدها في أوطاننا الآن، ونحن نؤمن بأنّ تلك الاتجاهات إنّما كانت إفرازًا للبيئة الغربية التي ماجت ولا زالت بما هو أكثر من ذلك. إن الشباب المسلم الذي سافر إلى الغرب اطلع على كلّ منتجات الحضارة الغربية، وخاصةً روحها التحرريّة والإلحاديّة، حيث تعلّم هؤلاء الشباب في المؤسسات التعليميّة الغربيّة، ولا زالت الدائرة تدور، إذ يزداد عدد الطلبة الوافدين إلى أوروبا يومًا بعد يوم، وهؤلاء الطلبة كان لهم دورُ السبق في نقل تجاربهم في الغرب إلى البيئة الإسلامية بما تحمله من معانٍ ومبادئ تخالف العقيدة الدينيّة، بما يعني أنّ الغرب صدّر لنا العديد والعديد من الأفكار الهدّامة التي دخلت إلى مجال التعليم سواءً ما تمّ بثّه منها في المناهج، أو ما تولّته بعض المراكز الحقوقيّة والمدنيّة بالرعاية والاهتمام. الأمر الذي نتج عنه تيّاران: تيار يتّبع كلّ نظامٍ غربيٍّ في التعليم أو في الحياة عامة، وتيّاٌر رافضٌ لهذا النظام الغربي إدراكًا منه للخطورة المترتبة عليه في المدى البعيد والمدى القريب، فكان

(205)

التيّار الأول زعيم التغريب في البلاد الإسلامية، في حين كان الثاني التيار المحافظ الذي يغلب عليه الجمع بين التمسك بالعقيدة والأخذ بسبل الحضارة الحديثة ومواكبتها على أسسٍ دينيّةٍ. ومن ثم يقول الندوي عن التيار الأول: “لقد جرف تيار نظام التعليم الغربي الشباب الإسلامي في البلاد العربية والعجمية ـ الذين كانوا زبدة أمتهم وزهرة بلدهم ـ وغيّر عقليتهم إلى حدّ أن عقولهم أصبحت لا تستسطيع أن تستوعب الإسلام الصحيح، وأصبحوا لا يندمجون في المجتمع الإسلامي أيضًا ويصبحون جزءًا منه”[1].

  وبالنظر إلى نظام التعليم الغربي فإن الندوي كان ينظر إليه على أنه آلة الصراع الناجعة التي استخدمها الغرب في صراعه مع الشرق؛ بغية السيطرة عليه؛ لأن المتأمل في فكر الندوي يجد أنّ كل التوجهات السياسية والاجتماعية والثقافية وغيرها إن هي إلا مجرد إفرازٍ لنظامِ التعليم الذي أرسى الغرب قواعده، وتولاه الطابور الخامس بالعناية والحماية. ولذا يقول أحد الباحثين: “أول هدفٍ رمى إليه مخططو التعليم في الهند هو: أن يكون التعليم عاملاً أساسيًا لإخماد الجذوة التي يخشى اشتعالها بين الحين والآخر لطرد الدخلاء والمغتصبين، فوجه التعليم لإزالة الجفاء، وتحويل الأفكار من الكره والبغض إلى الولاء والإذعان”[2].

إن نظام التعليم الغربي وبيئته وجوه الفكري والعلمي والعقلي وتراثه التاريخي هو الضلع الرئيس في كلّ القضايا محل الصراع الغربي الشرقي في ما يرى الندوي، ومن خلال تتبعنا للخط الفكري الذي تولاه الندوي في قضية التعليم الغربي نجد أنه جعل أثره نافذًا في القضايا الآتية:

الإلحاح على كون الدين مسألةً شخصيةً، لا علاقة لها بالدولة والحكم، والمعاملة مع الإسلام كمعاملة الكنائس المسيحية، وقضية فصل الدين عن الدولة.

(206)

الظن بأنّ الدين عائقٌ في سبيل النهضة والاكتشافات والتحقيق.

إقامة علماء الإسلام في صفّ ممثلي الكنيسة المسيحيّة، الذين كانوا يملكون السلطة المطلقة في العصور الوسطى.

إعطاء المرأة حق الإسهام في جميع أمور الحياة في كفاحها والخروج مع الرجل متكافئة.

النظر للحجاب على أنه تذكارٌ لنظام الحرم القديم في البلاد الإسلامية، وعلامةٌ على استبداد الرجل على المرأة، وعدّ القضاء عليه خطوةً رئيسةً نحو الإصلاح،

الاعتقاد بأنّ قانون الوراثة والنكاح والطلاق اجتهاد الفقهاء المسلمين في العصور القديمة، ونتيجة طبيعية للمجتمع البدائي في صدر الإسلام، ومن ثم وجب على ظنهم إدخال ما يلزم من التعديلات والإصلاحات التي تكفل صوغ المجتمعات الإسلامية في قالبٍ غربيٍّ من خلال تطبيق المبادئ الغربية، ومعاييرها التي تعدّ فريضة الساعة.

صرف النظر عن الربا والخمر والميسر، وعن العلاقات الجنسية كافة.

 الإيمان بالقومية، والاندفاع نحو إحياء الحضارات القديمة واللغات العتيقة، والإيمان بالخط اللاتيني وفوائده.

فكلّ هذه النزعات والاتجاهات وما أشبهها عند الندوي، والتي تصير محلّ الحقائق الثابتة عند هؤلاء من أبناء الجيل المثقف، وتعدّ من علامات التنوير والتقدم والنهضة، نتيجة نظام التعليم الغربي وما صاحبه من بيئةٍ وجوٍّ فكريٍّ[1].

إنّ القادة وولاة الحكم في البلاد الإسلامية ـ في ما يرى الندوي ـ نتيجةٌ طبيعيةٌ

(207)

لنظام التعليم الغربي وربيب حضارته، أما من لم ينشأ في الغرب ويتشرب من تعليمه ومنهجه، فإنه على أقلّ تقديرٍ تعلّم في تلك المراكز التعليمية في البلاد الإسلامية والتي يشرف عليها من هم تشبعوا بهذا النظام، وآمنوا به كلّ الإيمان، “وذلك هو السرّ في أنّ العالم الإسلامي اليوم يتأرجح بين عقليّتين، وفلسفتين، ووجهتين مختلفتين تتصارعان دائمًا، وهذا الصراع ينتهي في أغلب الأحوال بانتصار فئةٍ هي أكثر قوةً وأكثر تسلحًا. إنّه صراعٌ طبيعيٌّ، وهو وإن استحق الأسف فهو لا يستحق الاستغراب أبدًا، بل كان موضع الدهشة والاستغراب، إذ لم ينشأ هذا الصراع، ولم توجد هذه النزعة إلى التجديد والتغريب”[1].

بيد أن الندوي كان يحمل في جعبته حلاً ناجعًا لهذه الإشكالية، إذ لم يكن من أولئك النفر الذين يصدرون المشاكل دون محاولة السعي لإيجاد حلولٍ لها، تفيد الأمة الإسلامية أو المجتمعات الإسلامية، كلّ على حدة، وتمثل عملية السعي إلى إيجاد الحلول سمةً رئيسةً في فكر الندوي، ولا نتوقع هذه الحلول إلا نابعة من معينٍ إسلاميٍّ خالص، يستلهم من النص ما يفيد الواقع بحيث يكون معبرًا عن العقل والدين معًا. إنّ الحلّ الذي قدمه الندوي هنا  يتلخص في ضرورة أن يصاغ النظام التعليمي صوغًا جديدًا، بحيث يلائم عقائد الأمة الإسلامية، ومقومات حياتها وأهدافها وحاجاتها، مع تنقيته من روح المادية والإلحاد والتمرد على الله تعالى، والثورة على القيم والروح الخلقية، ومن ثم فقد أراد نظامًا تعليميًا ينفخ فيه روح التقوى والإنابة إلى الله تعالى، وتقدير الآخرة، والعطف على الإنسانية كلها. هذا النظام التعليمي الذي يرتئيه الندوي ليس وقفًا على علومٍ دون أخرى، وإنما هو نظامٌ يتسع لكلّ ألوان العلوم النظرية والعملية، فمن اللغة والأدب إلى الفلسفة وعلم النفس، ومن العلوم العمرانية إلى علوم الاقتصاد والسياسة، بحيث تسيطر على هذا التعليم روحٌ واحدةٌ هدفها إقصاء النموذج الغربي العقلي والكفر

(208)

بإمامته وسيادته على الشرق، وتخضع علومه ونظرياته موضع الفحص والدراسة، مع نقد النتائج المترتبة على حالة نفوذ الغرب وسيطرته على الإنسانية، وفحص ما في حضارته من إيجابيةٍ تناسب قيمنا وعقيدتنا وسلبيةٍ نعمل على القضاء عليها، وبيان غثها للبشرية[1].

  ولا شك في أنّ هذا النوع من العمل فيه مشقةٌ بالغةٌ وعراقيلٌ لا حد لها، إلا أنه كان في نظر الندوي الحل الأمثل والوحيد لموجة التجديد أو بالأحرى التغريب الذي اجتاح العالم الإسلامي كله، وأصبح يمثل تهديدًا للكيان الإسلامي في البلاد الإسلامية. إذ صار أيّ مجهودٍ إسلاميٍّ في سبيل مقاومة هذه الموجة يمثل مجهوداً حقيراً من وجهة نظر أصحاب ما يسمى بالتغريب، كما أنه لاقى التنكيل من السلطة بغية سلب البلاد الإسلامية حضارتها وهويتها الإسلامية.

ويمكن القول أنّ التجارب التاريخية التي قرأ عنها الندوي فضلا عن التجارب التي عايشها جعلته يحكم بسهولةٍ أنّ الحلّ هو صبغ التعليم في بلادنا بالصبغة الإسلاميّة، فالاحتلال عندما جاء إلى بلادنا الإسلامية صبّ أغلب جهوده على التعليم، ولذا كانت طبقات من نوع الضباط وكبار الموظفين والمسؤولين في الدولة قد نشأت نشأةً غربيةً خالصةً، وظلّ هذا النظام مطبقًا عشرات السنين أثناء الاحتلال، وربما تجاوز المائتين سنة، لأنّه لا زال مطبقًا إلى الآن على نطاق الممارسة، ومن ثم فإنّ الندوي يحاول تكرار التجربة، ولكن بصبغةٍ إسلاميّةٍ، وعليه كان الطريق عنده إلى تغيير البلاد الإسلامية، والعودة بها إلى الحياة الإسلامية أن يتم الاهتمام بتعليم هذه الطبقة وتربيتها على أسسٍ إسلاميّةٍ[2]. وما ذلك إلا لأن هذه الطبقة هي المتحكمة في مقاليد البلاد، والآمر الناهي فيها، ومن ثم فإنّ إصلاح النظام

(209)

التعليمي الذي يخرج هؤلاء المثقفون إنما هو إصلاحٌ للبلاد كلها، باعتبار تأثير كلمتهم على العامة من الناس.

ومن ثم نفهم أن التغيير الذي ينشده الندوي هو تغييرٌ جذريٌّ بالأساس، لأنّه يريد أن يكون التغيير تغييرًا في تكوين هذا التعليم من أساسه، فضلاً عن أنّه يحتاج وقتًا أطول.

إنّ أمر الجيل الجديد ـ عنده ـ كان يهم الندوي كثيرًا، ما جعله ينادي بضرورة الإسراع في تطبيق النظام التعليمي الجديد دون تأخير ولو ليومٍ واحدٍ، ولكن ما إطار هذا النظام الجديد؟ وما حدوده؟ إن هذا النظام قبل أن يتحقق لا بدّ عند الندوي من إنشاء دور إقامةٍ إسلاميةٍ تؤثر في عقول الشباب وأبناء الجامعات، يقيم فيها الطلبة، ويتم الاهتمام فيها بغذائهم الروحي والفكري، وتربيتهم الإسلامية، استنادًا إلى أن دور مساكن الطلبة وتأثيرها على حياتهم وسيرتهم وميولهم ونزعاتهم الظاهرة جلي للذين جربوا هذا الجيل الجديد، وعرفوه عن كثب. “أما تأسيس دور الإقامة للشباب المسلم المتعلم في الجامعات فإنّه لا يحتاج إلى عناءٍ كبيرٍ، وفيها فوائد كثيرة، وفي البلاد التي أفلت فيها زمام التعليم عن يد القادة والزعماء تستطيع هذه المساكن أن تهيّئ الجوّ الصالح لصيانة الشباب الخلقية وتربيتهم الدينية والفكرية، وبإمكانها أن تنقذ عددًا كبيرًا من النفوس البريئة السعيدة من هذه البيئة الموبوءة المفسدة وسموم معاهد التعليم وأضرارها”[1].

ونحن مع الندوي في فكرته هنا، بل إننا نرى أن وجود ذلك في الغرب أمرٌ لا غنى عنه، كما هو الحال في البلاد الإسلامية، ونحن نرى بعض التجارب الدالة على ذلك من قبل المسلمين في الغرب، فحسب أحد الباحثين اختار بعض الطلبة الاستقرار في الغرب بعد انتهاء دراساتهم، واتجهوا إلى إنشاء مؤسسات تجمعهم، على مستوى المهن وأماكن الإقامة، وقد تم بالفعل إنشاء الكثير من اتحادات الطلبة المحلية

(210)

في العالم؛ حيث أسهم رواد العمل الإسلامي الفكري في إنشاء الاتحاد الإسلامي العالمي، الذي سجل في ألمانيا عام 1969م، وأصبح في ما بعد مظلةً لنشاطاتٍ فكريةٍ عامةٍ، وزادت أعداد المنظمات المنتسبة إلى هذا الاتحاد إلى أكثر من مائة منظمة طلابية وشبابية من أكثر من ستين بلدًا، ونشر أكثر من ألف كتاب بأكثر من مائة لغة[1].

لكن الندوي لم يكن هدفه إنشاء دور الإقامة هذه في البلاد الإسلامية، بل كان يرى أن الحاجة ملحة إليها أيضًا في البلاد الغربية، التي يقصدها الشباب المسلم والذين قدر لهم قيادة البلاد في المستقبل بما أوتوه من علمٍ وذكاءٍ وثقافةٍ، فإنّ الحاجة إلى إقامة هذه الدور لهم في غاية الأهمية. ومن ثم كان يرى أنه من الواجب علينا القيام بإصلاح النزعات وتغيير التيارات وتكوين الفكر الإسلامي، في هذه المراكز والحصون العلمية مع القيام بإعادة ثقتها بالإسلام ومستقبله، لينتج عن ذلك ثورةً صامتةً في هذه البلاد التي يقودها الشباب المسلم، وهذا في نظره أسلم الطرق والأساليب والتجارب التي يمكن أن تمر بها البلاد الإسلامية[2].

إن الاستقراء العام لفكر الندوي، وخاصة في قضايا التعليم وأثره في الأمة ليقودنا إلى أنه كان يستنكر حالة الركود العلمي عند المسلمين، إذ كان ذلك من العوامل التي تؤدي لانسياق الطبقة المثقفة وطبقة القادة ناحية التغريب، وهذه آفةٌ كبرى لا تزال تطل برأسها في عالمنا الفكري ومحيطنا الإسلامي، تجعل هاتين الطبقتين بعيدتين عن الدين، وربما ترفض أن يكون له دورٌ في المجتمع والحياة. إن المراكز العلمية الإسلامية منذ عقودٍ طويلةٍ مضت وإلى الآن يغلبها الركود الفكري والجمود العقلي، ربما كان هذا نتيجة الجمود العقلي الذي عليه علماؤها الذين يجعلون همهم الانكفاء على القديم لمجرد قدمه إلا من رحم ربي منهم ، مع أن

(211)

الشريعة الإسلامية شريعةٌ متجددةٌ على الدوام تتفاعل مع الواقع والحياة بما تشمله من منجزاتٍ على كافة الأصعدة، دون أن يخل ذلك بجوهر العقيدة وأصولها، شريعةٌ أساسها الاجتهاد، ومن ثم فلابد أن تكون هذه المراكز عاملاً مهمًا في فتح باب الاجتهاد بدلاً من أن تكون عاملاً في غلقه. إنّ المشكلة الأساسية التي يواجهها العديد من القائمين على كثير من هذه المراكز يعتقدون خطأ أن فتح باب الاجتهاد سيعود بالضرر على العقيدة، ناسين أو متناسين أن الاجتهاد لا يترتب عليه ضرر على الشريعة، ولا يمثل عائقًا لها، بل هو من فرضيات الشريعة وعاملٌ مهمٌّ في تجدّدها واستمراريتها في قلوب وعقول معتنقيها، ذلك أن العلوم الإسلامية علومٌ قابلةٌ للتفاعل مع الحياة، وقابلةٌ للنمو والاستمرارية، بيد أنها عند الندوي عاجزةٌ عن إقامة البرهان على هذه الاستمرارية، فضلاً عن صلاحيتها، خاصة ونحن في عصرٍ علميٍّ لا مكان لعلمٍ فيه أو قضيّةٍ منم دون برهان.

إن الندوي أراد أن تكون تلك المراكز عاملاً متجددًا في تطور الحياة ومناسبتها للواقع وتماشيها معه، وفي هذا الصدد كان كثير العرفان للمراكز التعليمية الإسلامية القديمة كونها كانت تتماشى في تطورها مع الواقع، علمًا بأن فترة التحولات والانقلابات كانت نادرة بالنظر إلى ما تلاها من فترات تاريخية، “ولكن واضعي المناهج التعليمية في ذلك العصر، وزعماء الحركات العلمية في العالم الإسلامي آنذاك كانوا يقومون بتعديلاتٍ مستمرةٍ في المناهج تشهد بذكائهم واعترافهم بالواقع”[1].  

 ويعول الندوي على القرن الثامن عشر الميلادي باعتباره القرن الذي وإن لم يشهد انقلابًا أو ثورةً في البلاد الإسلامية، فإنه شهد انقلابًا أو ثورة من نوع آخر، “وإنما كان ثورة حضارية وانقلابًا شاملاً، فزالت حضارة، وجاءت حضارة أخرى، وذهبت قيمٌ، وحلت محلها قيمٌ أخرى، وأصاب المنهج الدراسي جمودٌ لم يسمح له التجاوز عن خطه المرسوم، وأبى كلّ تعديل أن يقبله، وظهر إلحاحٌ شديدٌ على البقاء

(212)

على الخط القديم، فالأسلوب الذي اختاره المتقدمون في وضع المنهج الدراسي في عصورهم، ومن بينهم الشيخ نظام الدين اللكهنؤي مؤسس الدرس النظامي (م 1161هـ) في الهند، وعلماء الأزهر في القرن الثامن عشر في الشرق الأوسط، فقد أغلق باب الاجتهاد، ووقف توسيع نطاق الفقه الإسلامي في القضايا والمشكلات الجديدة التي خلقتها الحضارة الحديثة، والاكتشافات الجديدة، وبالرغم من أن الاجتهادات بالشروط الضرورية[1] كان فريضة علماء الإسلام، ووسيلة لتبليغ رسالة الإسلام إلى العصر المتطور أصبح مقفل الباب، مسدود الطريق”[2]

وعلى الرغم من أن كلام الندوي كان صائبًا إلى حدٍّ كبيرٍ في هذه القضية، وعلى الرغم من أن الوضع في المراكز التعليمية تغيّر شيئًا ما، فإن التغيير لا زال تغييرًا بطيئًا يسير كما تسير السلحفاة، فالتغيير ناحية الإصلاح ينبغي أن يكون في الوقت المناسب حتى يؤتي ثمرته، فإذا تأخر قليلاً لم يحقق النتائج ذاتها التي كان من الممكن تحقيقها، وإذا عجل به قبل وقته المناسب لم يحقق كذلك هذه النتائج.

لكن الإشكالية يبدو أنها إشكاليةٌ من نوعٍ آخر، فهي إشكالية أساليب بيان وطرق تعبير في الحقيقة، فأساليب البيان وطرقه الآثرة للقلوب كان الندوي يراها مفقودةً أو كادت أن تفقد، في عصر تجدّدت فيه التعابير وأساليب البيان، وندر فيه وجود العلماء النوابغ الذين لديهم القدرة على إقناع الجيل الجديد بخلود الحقائق الدينية، وصلاحية الحياة، وتفوق الإسلام، ويزيحون الستار عن وجه الحضارة الحديثة بنقدهم العلمي المتزن وتحليلاتهم الدقيقة[3].

(213)
(214)

 

 

 

 

 

الفصل السابع

مستقبل العلاقة بين الإسلام والغرب

(215)

إن الندوي كان يريد مستقبلاً منيرًا بين الشرق والغرب، مستقبلاً لا نرى فيه علاقة تابع (الشرق) بمتبوع (الغرب)، وإنما علاقة الند للند، علاقة على قدم المساواة، قوامها التسارع في السباق الحضاري والتزود من الحياة العلمية، ومن ثم فإن الشخصية المسلمة التي يرتئيها الندوي لمستقبل هذه العلاقة ليس أي شخصية كيفما اتفق، وإنما هي شخصية لها مقوماتها الخاصة ومميزاتها الذاتية التي تستطيع قيادة دفة الأمور نحو علاقةٍ إيجابيةٍ بين الشرق والغرب، وليست تلك العلاقة السلبية التي نراها الآن.

أولى هذه المقومات أن تدرك الشخصية المسلمة طبيعة الأمة الإسلامية ومركزها في هذا العالم، وموقفها من هذه الحياة التي تصوغ الحضارات، وقدرتها على تشكيل المجتمعات والمدنيات، وفي هذا الشأن استند الندوي إلى أن الأمة الإسلامية هي صاحبة الرسالة الدينية الخاتمة، ومن حيث هي كذلك فإنها يجب أن تكون مركز القيادة والتوجيه بنص القرآن ذاته: “كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله”( آل عمران: 110 )، ومن ثم فقد كان الندوي رافضًا لأن تكون هذه الأمة الإسلامية في مؤخرة ركب الأمم، أو أن تقف موقف التلميذ للأستاذ الغربي، أو أن تعيش على الهامش، وترضى بموقف التابع المقلد، ومنطق الخضوع والطاعة العمياء، ومن ثم فقد أدرك أن يكون وجود الأمة على الساحة العالمية وجود القوي الحر الكريم، القوي الإرادة، المستقيل الفكر، يأخذ ما يلائم شخصيته ومواهبه وقدراته وامتيازه وثقته بنفسه وبمركزه، وينبذ كلية ما لا يلائم هذه الشخصية أو يضعفها، أو ما يقلل من مركزه، ويفقده امتيازه[1]

ثاني هذه المقومات أن يعلم الإنسان المسلم العصري أن المؤمن القوي

 

(216)

الصالح العليم المصلح، وهو من هذا المنطلق مطالب بأن يكافح في سبيل الحياة والعلم والطبيعة، من أجل صالح البشرية، وتحقيقًا لغاياتٍ نبيلةٍ يعمل الإسلام على إقرارها في العالم وتطبيقها فيه، فالندوي يريد لمسلم هذا العصر أن يكون كذي القرنين أو سيدنا سليمان، فقد عده القرآن الإنسان “القوي العليم الصالح المصلح الذي يسخر القوى الكونية والمادية، ويملك أعظم مقدارٍ من الأسباب والوسائل، ويوسع فتوحاته ومغامراته وهو في كل ذلك، وفي أوج قوته وسلطته وسيادته، وتسخيره للقوى والأسباب، مؤمنٌ بربه، خاضعٌ له، مؤمنٌ بالآخرة، ساعٍ لها مقرٌّ بضعفه، رحيمٌ بالإنسانية والأمم الضعيفة، حامٍ للحق، يستخدم كلّ قوته وجهوده ومواهبه، وجميع وسائله وذخائره لخدمة الإنسانية، وتكوين المجتمع الصالح، وإعلاء كلمة الحق، وإخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن عبادة الناس والمادة إلى عبادة الله، سيرة مثلها سليمان بن داود في عصره، ومثلها ذو القرنين في عصره، ومثلها الخلفاء الراشدون والآئمة المهديون في عصورهم”[1]. فالندوي يريد للشخصية المسلمة الحضارية أن توجه جهودها إلى العمل الصالح، بحيث تكون كل توجهاتها وأفعالها وميولها تعبيرًا عن مضمون الدين في تعاليمه وتشريعاته، وهذا هو مناط عمل المدرسة الإسلامية. والمدرسة الإسلامية هدفها –في ما يرى أحد الباحثين– إخراج الإنسان المسلم، والإنسان المسلم هو الإنسان العامل الذي يقوم بالعمل الصالح ويتقنه؛ لأنّ العمل الصالح المتقن، وهو علة الخلق، ومادة الابتلاء والاختبار في الدنيا ومقياس النجاة في الآخرة[2].

ولكن ـ حسب أحد الباحثين ـ إن العرب أو المسلمين جميعًا في هذا الوقت أخطؤوا المنهج، وضلُّوا الطريق؛ فأضاعوا فرصةً يَعِزُّ عليهم أن يُرجعوها، وكان خطؤهم في اتجاههم نحو مجالٍ واحدٍ يعملون فيه ويُنتجون، يَبتكرون فيه

(217)

ويخترعون، وتركوا المجالات الأخرى هملاً أو شبه مُهمَلة؛ ذلك أن المسلمين ـ بناءً على رأيه ـ عندما أتيحت لهم ظروف التقدُّم والابتكار وخلق الحضارة، اتَّجهوا نحو العلوم النظرية؛ علوم الدين والشريعة واللغة والأدب وما إليها، فكرَّسوا لها أعدادهم وجهودهم؛ حتى لتجد منهم ألف عالم وعالم في تخصّصٍ واحدٍ، وتجد العمل الواحد يكرَّر ألف مرة ومرة؛ حتى قتلوا هذا المجال بحثًا، وأشبَعوه إنتاجًا، فأنتجوا من التراث في العلوم الإنسانية ما لم ينتج ولن يُنتَج مثله؛ حتى ليقال: إن مياه الرافدين في العراق قد اسودَّت من مداد الكتب التي ألقاها هولاكو فيها عندما استولى على العراق، فالإعادة والتكرار، والشرح والتلخيص، والإبطال والتأييد - أعمال انصرفَت إليها جهود معظم علماء المسلمين، وكان يمكن لها الاكتفاء ببعض ذلك أو أقلِّه، يؤلف مثلاً عالم كتابًا في النحو فيأتي آخر يَنقضه عليه، ويأتي ثالثٌ يؤيد النقض أو ينقضه، ورابع، وخامس... وهكذا[1].

أمام المقوم الثالث الذي يجب أن تتسلح به الشخصية المسلمة، وهي تصنع طريقها للمستقبل حتى تكون أمةً تقود الغرب ولا يقودها هو، فهو الاعتقاد الجازم بأنّ هذه الحياة إنّما هي حياةٌ عابرةٌ، ووسيلةٌ لنيل السعادة في دارٍ أخرى تتميز بالخلود والأبدية، فهو موقفٌ لا يرى في هذه الحياة الغاية الأسمى أو الخير الأقصى، وإنما ينظر إليها باعتبارها مرحلةً لا بد من اجتيازها، ووسيلة نحقق بها السعادة القصوى والحياة الأبدية.

وهذه الفكره يؤكدها القرآن الكريم من خلال الآيات الكريمة، في أكثر من موضع منها:

كما في قول الله  تعالى: “فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ”( التوبة: 38).

(218)

وقوله: “وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ  وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ  لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ”(العنكبوت: 64).

وقوله: “اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ”(الحديد: 20).

وقوله: “إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا”(الكهف: 7).

وقوله: “لَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ “(الملك: 2).

وقوله: “وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ”(الأنعام: 32).

وقوله: “وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ أَفَلَا تَعْقِلُونَ”(القصص: 61).

وقوله: “إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ 7 أُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ 8”(يونس: 7، 8).

وقوله: “ مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ 51 أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ”(هود:51- 16).

وقوله: “  وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ 2 الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا  أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ ”(إبراهيم: 2-3).

(219)

وقوله: “ فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا 92 ذَٰلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَىٰ”(النجم: 29، 30).

وقوله: “فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ 002 وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ”(البقرة: 200، 201).

كل هذه الآيات ـ فضلاً عن الأحاديث النبوية وآثار حياة الصحابة ـ كانت حاضرةً في ذهن الندوي وهو يتحدث عن ضرورة إيمان المسلم بمركزيته في الحياة، وصولاً إلى القيادة الرشيدة والتوجيه الرشيد الذي كان يأمله، يقول الندوي: “وقد تجلت هذه النفسية القرآنية أو النظرة القرآنية إلى الحياة في حياة النبي صلى الله عليه وآله وتعاليمه وسلوكه، وكلامه وعواطفه وأمانيه ودعائه وسره وعلنه، وتجلت كذلك في حياة الصحابة الذين تربوا، وتكونت سيرتهم وعقليتهم في حضانته وتحت إشرافه، ومن كان على نهجهم، وعلى غرارهم، من التابعين والمؤمنين من هذه الأمة، بحيث قد صار ذلك طابعًا لحياتهم، ومزاجًا لا ينفك عنهم، وأصبح من الحقائق التاريخية التي لا يمارى فيها”[1].    

ولعلّ تركيز الندوي على هذا المقوم أو المقومات السابقة جميعًا ليقودنا إلى أنه يريد أن يصنع المسلم حالةً مغايرةً للحالة التي كانت عليها الحضارة الغربية، وهذه في الأساس نقطةً مهمّةً بين ما هو واقعٌ بالفعل من قبل الحضارة الغربية، وبين ما هو مأمولٌ ويمكن القيام به من قبل الحضارة الإسلامية المنشودة، إذ المتأمل الأديان السماوية عامة والفلسفات المادية عامة أيضًا يجدهما في حالة تنافرٍ شديدٍ، فالفلسفات المادية شغلها الشاغل هذه الحياة الدنيا، فهي الغاية والمقصد والمنتهى بالنسبة لهم، أما الديانات السماوية فإن الغاية والمنتهى عندهما أمرٌ آخر قوامه الحياة الآخرة.

(220)

ومن ثم كان من المؤلم بالنسبة له أن الحضارة الغربية إنما ثارت وترعرعت في عهدٍ شهد ثورةً كبيرةً على الدين وعلى الإيمان بالحياة الأخرى وعالم الغيب، فصارت مفاهيمٌ من نحو التقدم والتنوير والحضارة مرادفة للمادية والذاتية والتقدم الصناعي والتكنولوجي، وصارت كل هذه المفاهيم بمرادفاتها توجّه ناحية الدين وتهميش دوره، بل ومحاولة القضاء عليه، مثل هذا النوع من الحضارة كان ينظر له الندوي على أنه حضارةٌ ثائرةٌ على القيم الروحية والدينية التي أتت بها العقائد السماوية والإسلام خاصة.

إن الحضارة الغربية عند الندوي ولدت ونشأت في ظلّ عصرٍ يحارب الدين ما استطاع، نعم كان يدرك أنهم ثاروا على أولئك الذين تزعموا الدين واستغلوه لشهواتهم وأنانيتهم، واشتد غضبهم عليهم نتيجة وقوفهم في وجه التقدم والإصلاح وحرية العقل والعلم، تزامن ذلك مع الدعوة إلى الحضارة والصناعة والاتجاه المادي العنيف، والاتجاه إلى تنظيم الحياة على أسسٍ ماديةٍ خالصةٍ، وقطع صلة البشرية عامة والمجتمع الأوروبي خاصة عن خالقه، نعم إن الندوي كان يدرك أن تلك الحالة كانت وليدة طبائع الأشياء وسلسلة الأسباب، ووضع أوروبا الخاص، ومن ثم شبت هذه الحضارة واختمرت وهي المسيطرة على القوى والأسباب، وبلغت الغاية في التقدم والصناعة والعلوم التطبيقية، حتى استطاعت أن تختصر المسافات والأبعاد، وتتجاوز الكرة الهوائية، منطلقة إلى عالم الفلك والفضاء[1].

الإشكالية الكبرى التي كان يعاني منها الندوي أن الطابع المادي الصرف الذي هو أبعد ما يكون عن الإسلام عقيدة وروحًا، صار هو الطابع الغالب على دعاة التجديد في الشرق الإسلامي، أو قل أصحاب السلطة، فقد كان يتعجب من الانجرار السريع لهذه الفئة ناحية كل ما هو مادي غربي، اعتقادًا بأنه السبيل الوحيد للتقدم وبلوغ

(221)

الركب الحضاري، ومن ثم استحالت الحياة التي أراد الله تعالى أن تكون روحًا ومادة إلى مادةٍ فقط، وهذا هو الذي جرّ الشقاء على عالمنا الإسلامي والعالم أجمع.

فالأصالة غابت عن هؤلاء؛ لأنهم ارتضوا أن يكونوا مجرد مقلدين محاكين للفعل الأوروبي المادي، مع أن واقع الأمر وطبائع الأمور كان من اللازم أن تقودنا إلى التمسك بالأصالة مع تطعيمها بما هو ملائمٌ ومفيدٌ من المعاصرة، ومع أن الإسلام الذي نؤمن به يرفض الخضوع والذلة والتقليد الأعمى، ويرضى للإنسان أن يكون أصيلاً في مجاله متمسكًا بهويته، جامعًا بين الدين والدنيا، الروح والمادة، لكن المرء رفض وارتضى محاكاة القرود، وترديد الببّغاء.

إن الحضارة عند الندوي تصميم، والتصميم الحضاري لديه محنة ذكاء، وعصامية عبقرية، وقوة إرادة، وفقه دين، وليس مجرد عملية نقلٍ وتطبيقٍ وتقليدٍ، ومن ثم فقد أراد حضارةً إسلاميةً تملك نعومة الحرير وصلابة الحديد، نعومة الحرير في مسايرة المقتضيات والحاجات والحقائق، لا مفترضة أو مختلقة أو متخيلة، وصلابة الحديد وثبات الجبال على الدين والأخلاق، حضارة مفتوحة العقل والضمير، منشرحة الصدر متهيئة لاقتباس العلوم النافعة، والنظم والأساليب التي لا تمس جوهر هذا الدين، ولا تغير من الوضع الأخلاقي[1].

إن الندوي كان يرى الموقف الإسلامي من الحضارة الغربية يكمن في اتخاذ الطريق والوسائل الحديثة في العلوم والفنون الصناعية، لا في اتباع أشكال الحياة الغربية بآدابها ومفاهيمها وعاداتها وتقاليدها، فذلك لا يصنع حضارةً ولا يقيم دولاً. وهو في ذلك متأثرٌ بالكاتب محمد أسد في كتابه الطريق إلى مكة، فالأخير كان معنيًا بما يجب أن يكون عليه موقف المسلمين من الحضارة الغربية، فنفي جنسية العلم، فالعلم ليس أوروبيًا ولا إفريقيًا ولا أسيويًا وإنما العلم إنتاجٌ بشريٌّ ينهل منه من شاء

(222)

وقتما يشاء حيث يشاء، ولذا كان يقول: “أنا لا أعني أن المسلمين لا يستطيعون أن يستفيدوا كثيرًا من الغرب، وبخاصة في مجال العلوم والفنون الصناعية، ذلك أن اكتساب الأفكار والأساليب العلمية ليس في الحق تقليدًا، وبالتأكيد ليس في حالة قومٍ يأمرهم دينهم بطلب العلم حيثما يمكن أن يوجد. إن العلم لا غربي ولا شرقي، ذلك أن الاكتشافات العلمية ليست إلا حلقات في سلسلةٍ لا نهاية لها من الجهد العقلي الذي يضم الجنس البشري بكامله، إن كلّ عالمٍ يبني على الأسس التي يقدمها له أسلافه، سواءً كانوا من بني أمته أو من أبناء أمةٍ غيرها، وعملية البناء والإصلاح هذه تستمر وتستمر، من إنسانٍ إلى إنسانٍ ومن عصرٍ إلى عصرٍ، ومن مدنيةٍ إلى مدنيةٍ، بحيث إنّ ما يحققه عصرٌ معينٌ أو مدنيةٌ معينةٌ من أعمالٍ علميةٍ جليلةٍ لا يمكن مطلقًا أن يقال أنّها تخص وتعود إلى ذلك العصر أو تلك المدنية”[1]

إن محمد أسد هنا ـ وتبعه الندوي في ذلك ـ ينطلقان من عالمية المعرفة الإنسانية، فبما أن العلم اشتراكٌ إنسانيٌّ أسهمت فيه الأمم جميعها، ولو بمقدارٍ يسيرٍ، فإنّه ذو صبغةٍ إنسانيّةٍ، وليس ذا صبغةٍ جنسيةٍ، فلا يتعالى به جنسٌ على آخر، أو قوميةٌ على أخرى، ومن ثم فإن للإنسانيّة جمعاء أن تأخذ به كوسيلةٍ لرقيّها وتقدمها، ويؤكد محمد أسد على هذه الفكرة قائلاً: “وإذاً فإنّ المسلمين إذا تبنوا، كما هو من واجبهم أن يفعلوا، الطريق والوسائل الحديثة في العلوم والفنون الصناعية، فإنهم بذلك لا يفعلون أكثر من اتباع غريزة التطور، والارتقاء التي تجعل الناس يفيدون من خبرات غيرهم، ولكنهم إذا تبنوا ـ وهو في غير حاجةٍ أن يفعلوا ذلك ـ أشكال الحياة الغربية والأداب والعادات والمفاهيم الاجتماعية الغربية، فإنهم لن يفيدوا من ذلك شيئًا، ذلك أن ما يستطيع الغرب أن يقدمه لهم في هذا المضمار لن يكون أفضل وأسمى مما قدمته لهم ثقافتهم نفسها، ومما يدلهم عليه دينهم نفسه”[2].

(223)

ومن ثم فإن بحث الندوي ومحمد أسد الدائم إنما كان عن ذلك الرجل أو أولئك الرجال الذي يتخذون النهج السليم تجاه الحضارة الغربية، هذا الرجل المنشود أسماه الندوي العبقري العصامي، باعتباره القادر على ملء الفراغ الهائل في العالم الإسلامي، ولكن ما هي مواصفات هذا العبقري العصامي، وهل يستطيع أن يقود الأمة إلى غايتها الحضارية المأمولة؟

العبقري العصامي ودوره الحضاري:

هذا العبقري حدّده الندوي تحديدًا دقيقًا، وهو تحديدٌ ينطوي على مجموعةٍ من الصفات اللازمة في هذه الشخصية حتى تكون بالنسبة لها دعائم تنطلق منها ناحية الحضارة برافدين: روح ومادة. غير أنه من اللازم التأكيد على أن تلك الصفات التي حددها الندوي ليس فيها مجالاً للطبع، بل هي بالأحرى كلها مكتسبة تقوم على حرية الإرادة والاختيار لا على أيّ شيءٍ آخر[1].

أولى صفات هذا العبقري العصامي أن يواجه الحضارة الغربية بشجاعةٍ وإيمانٍ وذكاءٍ، بحيث يشق له طريقًا خاصًا بين مناهجها ومذاهبها، وبين فضائلها ورذائلها، وبحيث يكون طريقًا جديداً ليس فيه تقليدٌ للغرب ولا محاكاة له، ولا للغلوّ أو التطرف، فضلاً عن أن هذا العبقري العصامي لا يتمسك بظواهر الأمور وقشورها، وإنما هو معنيٌّ بالجوهر والحقيقية.

هذا العبقري العصامي يجمع بين الأصالة والمعاصرة في رأيي؛ إذ جعل الندوي قوامه الجمع بين الإيمان الذي هو رسالة الأنبياء وبين العلم، الذي ليس ملكاً لأمةٍ بعينها أو بلدٍ بعينه أو عصرٍ بعينه، بحيث يأخذ من هذين الرافدين، الإيمان بما ينطوي عليه من اتجاهٍ روحيٍّ فيكون عونًا له على اتخاذ الدوافع الخيرة، ويأخذ

(224)

من العلم الوسائل والأدوات التي تساعده في تحقيق منجزاته المادية، فيكون بذلك جامعًا لما فقدته الحضارة الغربية، التي أفلست روحيًا وإن تقدمت ماديًا، فيجمع هو بين المادي والروحي، فتكون حضارته موجهةً لخدمة الإنسانية جمعاء لا لفئةٍ بعينها.

العبقري العصامي عند الندوي هو الذي يعامل الحضارة الغربية كمادةٍ خام، ولا يعاملها كشيءٍ قد تم تكوينه وتكريبه، ووصل إلى الحد الأقصى الذي لا يمكن الإضافة إليه أو التعديل عليه، فالندوي لا يريد أن تقبل هذه الحضارة برمتها أو على علاتها، بل يريد أن يختار منها المسلمون ما يشاؤون ويجبرون كسرها ويضيفون إليها بحيث يخضع الكل لغاياتهم وعقيدتهم ومبادئهم ونظام خلق الله تعالى.

العبقري العصامي هو الذي يأخذ من علوم الغرب ما تستفيد به أمته على الصعيد العملي التطبيقي، وما تفتقر إليه، مجردةً من علوم الإلحاد والعداء للدين والنتائج الخاطئة، ويطعمها بما عليه عقيدته من الروحانيات والأخلاقيات التي تقود حتمًا إلى سعادة الإنسانية التي لم يستطع علماء الغرب أن يصلوا إليها، فضلاً عن أن يوصّلوا الناس إليها[1].

هذا العصامي العبقري لا ينظر إلى الغرب على أنه إمامٌ وزعيمٌ خالدٌ، ولا ينظر إلى نفسه على أنه تابعٌ مقلدٌ وتلميذٌ دائم، وإنما ينظر إليه على أنه زميلٌ سابقٌ، وندٌّ تفوق في بعض العلوم المادية، ومن ثم يأخذ منه ما فاته من التجارب، بل إن الندوي يرى أنه يجب على هذا العبقري العصامي أن يكون على اعتقاد بأنه إن كان في حاجةٍ إلى أن يتعلم من الغرب كثيرًا، فإن الغرب في حاجةٍ إلى أن يتعلم منه الكثير والكثير، وربما يكون ما يتعلمه الغرب منه أفضل مما يتعلمه هو من الغرب، وأن يعمل على أن يصطنع لنفسه منهجًا يجعل الغرب مقلدين ومحاكين له، ولم لا؟[2]

(225)

ومن ثم نفهم من كل هذه الصفات التي ضمنها الندوي في العصامي القادر على صناعة التاريخ ومجابهة الحضارة الغربية المادية أنه يريد أن يخرج جيلاً من رحم معاناة هذه الأمة يقود العالم إلى نوعٍ من الحضارة التي تزاوج بين الروح والمادة، حضارة لا تطغى فيها إحداهما على الأخرى، هذا الجيل لا بد أن يكون على درايةٍ قويةٍ بعقيدته، وبمكامن القوة فيها ـ وهي عقيدة كل مكامنها قوة - لأنه حينها سيكون قادرًا على القيام بالمهمة المأمولة، ألا وهي اصطناع حضارةٍ إسلاميّةٍ تسود العالم، وتأخذ بيده إلى مدارج أخرى من السعادة لم يكن له أن يدركها بدون هذه الحضارة المنشودة.

هذا يعني أن العبقري العصامي ليس منبت الصلة عن عقيدته كما أرادت له الحضارة الغربية المادية، وإنما هو موصولٌ بها منذ ولادته، فلا يكون العبقري العصامي كذلك إلا إذا ولد ونشأ وترعرع في جوٍّ عقديٍّ إيمانيٍّ، بيد أنّ هذا الجو الإيماني يجاوره جوٌّ من نوعٍ آخر هو جوٌّ عقليٌّ، هذا العصامي عصم نفسه من الزلات، وبني نفسه من الناحيتين العقلية والعقدية، وهو عبقري؛ لأنه قادرٌ على أن يصنع من هذين الجوين مزيجًا لا يضاهيه مزيج آخر في علو القامة وقوة الأثر، ومتانة العزم.

بما يعني كذلك أن هذين اللفظين لم يخترهما الندوي خبط عشواء، وإنما كان يدرك جيدًا المغزى الذي يرمي من خلاله إليهما، كما أن اللفظين لا يعنيان واحدًا بعينه، ولكن من خلال الاستقراء العام لفكر الندوي، نرى أنه يحاول أن تكون هذه الصفات وهذا العصامي من أولئك القادة الذين يحكمون الشعوب الإسلامية، فوجود مثل هذا الحاكم العصامي العبقري ليس له معنى إن لم يكن شخصيةً قياديةً، ولكأني بالندوي وهو يحاول أن يعيدنا إلى عصر الفارابي، الذي كان يرى في الحاكم الفاضل النموذج الذي يقود المدينة الفاضلة والأمة الفاضلة إلى سعادتها الدنيوية والأخروية،

(226)

ثورة التفكير والدور الحضاري المأمول:

كان من غير المنطقي أن يعول الندوي على فكرة العبقري العصامي كوسيلةٍ مهمةٍ لمجابهة الحضارة الغربية، واصطناع حضارةٍ جديدةٍ ذات سمتٍ إسلاميٍّ تتلافى فيه أخطاء الحضارة الغربية المادية، ولو كان الندوي قد وقف عند هذه الفكرة لاعتبرناها فكرةً حالمةً غير ذي جدوى على الصعيد العملي التطبيقي، وإنما كان متسع الأفق متقد الذهن؛ من هنا كانت فكرته المكملة للسابقة، والتي ينادي فيها الندوي بإحداث ثورةٍ في التفكير.

وثورة التفكير التي يراها الندوي ليست شيئًا أكثر من إعادة التفكير في إمكاناتنا الحقيقية والدور الذي يمكن أن نقوم به في صناعة العالم من حولنا، وعدم النظر إلى ذواتنا على أننا مجرد عالة على المجتمع العالمي. إن الهدف الأسمى من ثورة التفكير هذه هو تغيير النظرة إلى ذواتنا وتعديل نظرتنا إلى الآخرين، فلسنا ضعفاء إلى هذا الحد الذي نتصوره، وليسوا أقوياء بالصورة التي ترسمها لنا عقليتنا القاصرة، يقول الندوي: “وجب علينا أن نحدث ثورة في التفكير، فقد كانت النظرة التي اعتاد قادة الفكر وزعماء السياسة وأولياء الأمور في العالم الإسلامي، أن ينظروا بها إلى الأمة الإسلامية، وإلى أنفسهم نظرة سطحية، ودليل إفلاس كبير، وانهيار عظيم في التفكير والنظر، وفي تقدير القيم والمفاهيم “[1]

ففكرة التقليل من الذات هي الباعث الحقيقي على إحداث ثورةٍ في التفكير، إذ ما زال المسلمون لا يعرفون قدرهم ولا قدر عقيدتهم، ومن ثم فهم يظهرون الاستسلام للغرب وحضارته، بزعم الإمكانات المحدودة، وبزعم كثرة الهويات المحلية واللغات وغيرها، ومن ثم على ظنهم وجب الخضوع للغرب، والعيش في ظل رعايته مقتفين أثره على كافة المستويات، حتى مع ظهور موارد طبيعية،

(227)

عملت على تقوية الموقف الإسلامي، وجعلت المسلمين ذوي شأنٍ في العالم، إلا أن هذا لم يغير من الأمر شيئًا، فظلت النظرة إلى الذات على أنّها خاضعةٌ للعنصر الغربي، وربيبته في الحياة والفكر والسياسة، فالغرب على أساسٍ من تلك النظرة هو السيد الدائم الأبدي لهذا العالم، ومن ثم فالوضع غير قابلٍ للتحور أو التغير أو التبديل، هكذا رأى الندوي تفكير العرب في شبه الجزيرة العربية، وتفكير المسلمين في باكستان وأندونيسيا وتركيا، وهكذا يفكر الناس في كل مكان. وهذه في ظننا هجرة إلى الشيطان، هجرة إلى إبليس، وقد أشار أحد الباحثين إلى خطورة هذه الهجرة قائلاً: “حينما تكون الهجرة بذلاً للخبرات والطاقات والإمكانات لغير بلاد المسلمين! وحينما تكون الهجرة إضعافاً للمسلمين وتقوية لأعدائهم ! وحينما تكون الهجرة تضييعاً للدين وكسباً للدينار!
فهي هجرةٌ في سبيل الشيطان”[1]. ويؤيده رأي الشاعر عندما يقول[2]:

يترسّمون الغربَ حتى يوشكوا *** أن يعبدوهُ عبادة الأصنامِ
ما قلّدوهــم مبصريــن.. وإنما *** تَبعــوا نظامــهمُ بغير نظامِ

ولكن الندوي كان على درايةٍ تامةٍ بأنّه إذا كان هناك صنفٌ من المسلمين ينتهجون هذا اللون من التفكير، فإنّ هناك صنفًا آخر لا يرتضيه، بل يراه أحد عوامل التخلف والتأخر التي نعاني منها في مجتمعاتنا الإسلامية، بل لقد كان على يقينٍ تامٍّ بأن هذا المنهج يرجع الفضل إليه في الثورات وحركات التغيير التي قادها الإصلاحيون في العالم، بحيث كان له الفضل في التغييرات الجذرية والمدهشة التي تقود إلى إسعاد البشرية وتنقيتها مما سادها من مفاسد.

فالمنهج الجديد في التفكير الذي يريده الندوي هو منهج التغيير، ثقافة التغيير

(228)

إلى الأفضل والأصلح، وعدم الركون إلى التفكير الماضوي السلبي الذي يرسخ لكلّ مفسدةٍ واستبدادٍ وضعفٍ وتأخرٍ، فلا أمل إذاً لأمتنا إلا في هذا المنهج ولا مستقبل مشرق بدونه، خاصة لتلك الأمم الضعيفة. ومن ثم “ليس شيء أشد خطرًا على المسلمين من هذا التفكير الذي تسلط على عقلية قادة العالم الإسلامي في العهد الأخير، وهو النظر إلى الأمم الإسلامية ـ في مختلف أنحاء العالم ـ ككتلٍ بشريّةٍ شأنها شأن القطعان البشرية الأخرى التي لا رسالة لها في العالم، ولا دعوة لها للأمم، توزن في ميزان الإمكانيات والوسائل والاستعداد المادي، وتقوم بما تملكه من ثروةٍ وذخائرٍ، والتناسي أو الإعراض عن قوتها الكبرى: الإيمان والطاعة والدعوة إلى الله”[1].   

والندوي هنا يتحدث وهو يعلم حقيقة الشخصية المسلمة التي تستطيع أن تطاول الحضارة الغربية، فهو يدرك أن هذه الشخصية، وإن كانت تعاني فقرًا مدقعًا في علوم الصناعة والاقتصاد والسياسة، بل في أغلب فروع المعرفة، وأن البون شاسع بينها وبين الحضارة الغربية في أوروبا وأميركا، هذا البون الشاسع يمثل عدة قرون، إلا أنه كان مدركًا لما تملكه هذه الشخصية المسلمة من قوة كبرى – ينبغي أن ينتبه إليها القادة والزعماء المسلمون -  تتمثل في هذا الدين العظيم، الذي هو حاجة البشرية جمعاء. ذلك أنهم لديهم الدعوة التي تستطيع أن تنقذ العالم كله من الواقع الأليم الذي سيقوده حتمًا إلى نهايته المحتومة، فضلاً عن الإيمان الذي يخلق الشعور بالمسؤولية والأمانة، ويصنع الدوافع القوية لفعل الخير، وخدمة الإنسانية، ومن ثم فإن الندوي هنا لا يزال يعوّل على قادة العالم الإسلامي وحكامه في القيام بهذا الدور الذي إن فعلوه فسيخلّدهم به التاريخ.

ولكن دعوة الندوي إلى التغيير ليس لها معنى دون الاستناد إلى العمل الدعوي. ومن ثم كانت دعوته إلى التغيير هي دعوةٌ حضاريةٌ لسيادة العالم، بيدها أنها في

(229)

قالبٍ دعويٍّ دينيٍّ، ومن ثم فنحن ليس لنا أن نفصل - ونحن بصدد العمل الحضاري الذي ينشده الندوي - بين الحضارة والدعوة إلى الله. إذ إن الدعوة إلى الله تعالى هي لب منهج الندوي الحضاري، وفي صراعه الفكري مع الغرب وحضارته المادية التي طالت الآفاق. وإلا فما معنى أن يزين دعوته إلى قادة العالم الإسلامي حتى يتجهوا إلى أوروبا بالنص على أنهم دعاةٌ أو يجب عليهم النظر كذلك كمبشرين ومنذرين ومنقذين، حتى يحتلوا قيادة الركب الحضاري في العالم.

نعم إنه كان يدرك جيدًا أن الحضارة الغربية قد بلغت أوجها وقوتها، حتى صارت هناك مسافاتٌ واسعةٌ بينها وبين الدول الإسلامية، حتى صار هناك ما يشبه العجز من مسايرتها من قبل الدول الإسلامية، لكنه كان يرى أن الحضارة الإسلامية مغايرةٌ في ثلاثة أمور:

    أ – العقيدة التي تدين بها.

    ب – المبادئ التي تؤمن بها.

    ج – الغاية التي تنشدها.

وأيّ محاولةٍ للتنازل عن هذه الأمور الثلاثة تعد عند الندوي انتحارًا جماعيًا، ولذا كان الموقف المثالي هو الذي يكون وسطًا بين التقليد والاتباع، وبين السلب والنفي، موقف المتزن المستقيم.

ومن ثم حاول الندوي أن يصنع نوعًا من التلقيح بين الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية، بين الشرق والغرب؛ لأن هذا التلقيح هو ما تحتاجه الإنسانية، لتجاوز مرحلة ما أسماه الانفصام النكد بين الشرق والغرب، العلم والإيمان، الوسائل والغايات، ولذا يقول عن هذا الانفصام: “لقد ظل الشرق بعيدًا عن الغرب، مستقلاً بنفسه ورسالته، وظل الغرب بعيدًا عن الشرق، مستقلاً بنفسه ورسالته، لا يلتقيان

(230)

إلا تحت نقع الشبهات والظنون، والإحن والأحقاد، لا يلتقيان لصالح الإنسانية المشترك، ولبناء المدنية المثلى ولا يتبادلان ما يختصان به من مواهب إلهية وعلوم مكتسبة، واستعدادات فطرية، وما أنتجاه وأبدعاه على مر الدهور والأعصار من علم وفلسفة، وأدب وحكمة، إلا نادرًا وفي دائرة محدودة”[1]

ويفهم من ذلك أن الندوي يحاول أن يستحث همم الإنسانيين إلى ضرورة البحث عن طريق ثالث بدلاً من طريق الغرب المادي الخالص، وطريق المسلمين الذين تخلفوا بسبب فقرٍ في التعاطي الجاد مع دينهم وعقيدتهم، فلا الغرب وجد مفتاح هذا، ولا المسلمون حتى هذه اللحظة، فنحن بإزاء الشرق والغرب أمام اتجاهين لا ثالث لهما ـ وهو الاتجاه الثالث الذي نريد البحث عنه وإيجاده بحيث يجمع بينهما في بوتقةٍ واحدةٍ لخدمة الإنسانية  ـ الاتجاه المادي الصرف ممثلاً في الغرب، والاتجاه الروحي الذي يمثله المسلمون، ولا استقامة للحياة وللكون بأسره ما لم يمزج بين الاثنين في محاسنهما، ونبذ كل ما هو سلبي فيها، فهذا هو المفتاح الذي نراه كلمة السر في فك الاشتباك الشرقي الغربي.

نعلم أن في ذلك يوتوبيا المثاليين، ونعلم أن هذا الحل يمثل ضربًا في المثالية، وعودة إلى أيام الفلاسفة الحالمين، ولكن رغم مثالية الحل، إلا أننا لا نستطيع أن نقدم حلاً شافيًا غيره، فذلك هو السبيل للقاء الشرقي الغربي على أرضيةٍ من التكافؤ والتشارك، بحيث لا يكون هناك تابعٌ ومتبوعٌ، حرٌّ وعبدٌ، شريفٌ وسيّدٌ،  يقول الندوي مؤكدًا على هذا الحل اليوتوبي: “ومع الأسف إذا أراد الغرب أن يقبل على هذا القلب، وينتفع به، ويوجه به الإنسانية لم يستطع، ولا يجد إلى ذلك سبيلاً؛ لأنه فقد المفتاح الذي يفتح به هذا القفل، والقفل لا يفتح بغير مفتاحه، وعجزت صناعته الدقيقة ومصانعه الهائلة، ونوابغه العباقرة عن أن يصنعوا له المفتاح الجديد، أو يكسروا له هذا القفل العنيد، لأنه قفل الإنسانية، لا قفل البنوك والمصانع، ولا قفل

(231)

الصناديق والخزانات، لا يفتح إلا بمفتاح الإيمان، ومفتاح الإيمان الذي أتحفت به النبوة الإنسانية في الزمن القديم، مفقود أو مطمور في الغرب تحت ركام المدنية، أو أنقاض المعابد من قديم”[1].

ومن ثم ننتهي من ذلك إلى أن الندوي لا يريد لنا أن نكون مجرد مقتبسين من الحضارة الغربية؛ لأن هذا الاقتباس يشير ـ في التحليل الأخير ـ إلى عدم اعتداد بالشخصية، وضعف في الثقة بها، والندوي لا ينكر الاقتباس بجملته، ولا يرفضه على الإطلاق، وإنما لا يمانع من الاقتباس من الحضارة الغربية، أي اقتباس ما هو مفيدٌ ونافعٌ شريطة الحفاظ على الدين الإسلامي، ورسوخ العقيدة في الشخصية المسلمة، مع الاعتداد بهذه الشخصية والثقة بها فلا يستبدل برسالته رسالةً أخرى، ولا بشخصيته شخصيةً أخرى.

 ولو قال الندوي غير ذلك لكان مخطئًا، فلا الإسلام يمنع من الانتفاع بعلوم وحضارات الأمم الأخرى ما دام مقيدًا بهذه الشروط، ولا الواقع المعيش ولا التاريخ على طوله يمنع من ذلك، وبالعودة إلى تاريخنا الإسلامي ذاته نجده قد شهد ألوانًا من الإفادة من الحضارات الأخرى التي كانت تواكبه في تلك الفترة، بيد أن هذا الاقتباس أو تلك الإفادة كانت مقرونةً بعزة النفس، بمبدأ الاعتداد بالشخصية، فقد أخذوا العلوم الوافدة وطبعوها بطابعهم، فلن تقودهم هذه العلوم، وإنما هم من قادوها، لم يتركوا أنفسهم لها تتصرف فيهم، ولكنهم الذين صرفوها لخدمتهم وخدمة دينهم وعقيدتهم، فقد صبغوا هذه العلوم بالصبغة الإسلامية، حتى وكأنها ملكٌ لهم من البداية.

فمن ينكر أن التاريخ الإسلامي يزخر بالعديد من الأمثلة التي تدلل على استفادة المسلمين من الأمم الأخرى دون أن يكون في ذلك تنازلٌ عن عقيدتها أو هويتها، ودون أدني شعور بمركب نقصٍ ينتابهم من جراء هذه الاستفادة.

(232)

ومن هذه الأمثلة، الاستفادة من الغرب في الناحية الطبية، والاستفادة منهم في أمور الحياة العامة، خاصة صك النقود والنقش عليها، وصناعة الورق، وتدوين العلوم عليه، وعقد المواثيق من خلاله، كذلك الاستفادة من النظم السياسية والإدارية، وكذلك الشؤون العسكرية[1] .

ويستند الندوي في فكرته هنا على أساسٍ منطقيٍّ وعقليٍّ لا يمكن الاعتراض عليه وهو أن الحضارة الغربية ليست حضارةً إقليميّةً محليّةً، وإنما هي حضارةٌ من صنع البشرية جميعًا، لا من صنع الغرب فحسب، ومن ثم فهي حقٌّ مشاعٌ للجميع، وإرثٌ للبشرية كافة، ليس فيها لأحدٍ فضلٌ دون غيره، وإنما الفضل يعود للجميع، إذ إن كل أمة أو كل فترةٍ تاريخيةٍ استفادت من الأمة التي سبقتها، فحضارة الصين القديمة وحضارة الصين أثرت في حضارة المسلمين، وحضارة المسلمين أثرت في الحضارة الغربية، وكذلك فإن لكلّ دولةٍ دورها في البناء الحضاري حتى في الدول الغربية ذاتها، فليس لدولةٍ فضلٌ على دولة، وإنما الكل يشارك في صناعة هذه الحضارة. ومن ثم فإن الندوي حين ينادي بالتعاطي مع هذه الحضارة أو الاستفادة منها؛ فذلك ليس لأنها إنتاجٌ غربيٌّ، ولكن لكونها إنتاجاً إنسانيًّا.

إن الندوي يضع شروطًا للتعاطي مع هذه الحضارة، وهي شروطٌ في ظني تقوم بعملية فلترةٍ أو تنقيةٍ لهذه الحضارة، وهذه الشروط هي[2]:

التعامل مع هذه الحضارة كمادةٍ خامة نشكل منها ما يطابق قيمتنا وقامتنا.

عدم النظر إليها على أنها بلغت حدّ الكمال، فلا نزيد ولا ننقص فيها، وإنما الواجب الزيادة والنقصان من قبلنا فيها.

(233)

صهر الحضارة في بوتقتنا صهرًا جديدًا.

تنقية هذه الحضارة من المادية واللادينية والشهوانية والأنانية.

إخضاعها لرسالتنا وأغراضنا ومدنياتنا.

وكأن الندوي هنا يحاول أن يعيد صنيع المجتمع الإسلامي في عهد صدر الإسلام من حيث الاستفادة من الأمم الأخرى، مع إخضاع هذه الاستفادة وعرضها على ميزان القرآن الكريم والسنة النبوية. وهذا يفسر لنا قول مصطفى صادق الرافعي: “نمتاز على الأوربيين بقربنا من قوانين الكون، ففي أنفسنا ضوابطٌ قويةٌ متينةٌ، إذا نحن أقررنا محاسن مدينتهم فيها، سبقناهم وكنّا الطبقة المصفّاة التي ينشدونها في إنسانيتهم الراهنة ولا يجدونها ، هذه الضوابط هي ما نمتاز به وهي ما تحتاج إليه أوروبا”[1].

وماذا عن مركب النقص؟

الندوي كان يعول كثيرًا على جزئية مركب النقص وأثرها في الموقف السلبي الذي يتخذه البعض تجاه الحضارة الغربية، لأن هذه المركب الآثم يدفع الأمم إلى اقتباس الحضارة الغربية الغث منها والسمين، دون أدنى تمييزٍ بين ما هو مفيدٌ إيجابيٌّ لأمتهم، وبين ما هو ضارٌ سلبيٌّ. وتبدو المصيبة الكبرى عند الندوي إذا كانت هذه الأمة المقتبسة في عزّ مجدها وثروتها، فتتنازل عن ذلك جراء اقتفاء أثر هذه الحضارة، فترضى لنفسها صفة التابع، مع أنها في الحق يمكن أن تكون المتبوع. ولذا فإن مركب النقص “عميق الجذور في النفس الإنسانية، قوي السيطرة عليها، وهو مرضٌ نفسانيٌّ يصاب به كثير من العقلاء والعظماء والأقوياء والرؤساء، وهو مثال للتناقض الغريب الذي عجنت به طينة الإنسان، وتجلى في مظاهر غريبة،

(234)

وفي غموض والتواء، قد لا يهتدي إليه كبار علماء النفس، ولا يتفطن له كثير ممن يصابون به”[1].

وإذا كان مركب النقص أو عقدة النقص شعور الفرد بوجود عيبٍ فيه يُشعره بالضيق والتوتر ونقص في شخصيته مقارنة بالآخرين، ما يدفعه بالتعويض عن هذا النقص بشتى الطرق، وهو وباءٌ خطيرٌ ومن الأمراض النفسية الأكثر شيوعاً في هذا الزمن[2]. فإن الندوي يرى أن النقص الذي يعاني منه المسلمون هو نقصٌ يدفعهم إلى محاكاة الغرب دون أن يسبب لهم ذلك نوعًا من الضيق أو العيب أو التوتر، وإن كان يشعرهم بنقصٍ في الشخصية تجعلهم مدفوعين لتقليده والسير في ركابه.

إن قضية الحضارة عند الندوي قضيةٌ ذات أصالةٍ وأهميّةٍ، ليست قضيةً حياتيةً طبيعيةً؛ لأن لها تأثيرًا عميقًا في النفس الإنسانية، فإذا جردت أمة من حضارتها الأصلية عنده، وفرضت عليها حضارةٌ أجنبيةٌ دخيلةٌ، فإنّ هذه الأمة إلى زوال، وإلى طريق الانسلاخ من شخصيتها، لأن العبادات لها وقت محدود، والحضارة حيزها أوسع، فإذا عشنا داخل المسجد متعبدين، وفي خارجه نعيش بالحضارة الغربية، فمعنى ذلك أن نصيبنا من الدين في حياتنا قليل[3].

التدجيل في الحضارة الغربية:

مصطلح التدجيل صكه الندوي، ويقصد من خلاله حركات التمويه والخداع التي تتبعها الحضارة الغربية في تعاملها مع الشرق، وبما أنها حركاتٌ ووسائلٌ خادعةٌ، فهي تدجيلٌ ـ نسبة إلى الدجال ـ. فالدجال من الدجل والشعوذة، هو الذي يموه الأمور على العامة ويخدعهم، ويدعي المعرفة ببواطن الأمور.

(235)

ومن ثم فقد وسم الحضارة الغربية بالتدجيل، وعدّه أهم سمةٍ من سماتها، لأنها تمارس التلبيس على الناس، وتسمية الأشياء بغير أسمائها، وتمويه الحقائق، وإطلاق الأسماء البراقة الخلابة للعقول في غير مسمياتها، ولعلّ الندوي هنا يقصد المفاهيم المنتشرة من نحو الجمهورية، والاشتراكية، الحرية، التعددية، حقوق الإنسان وغيرها. وربما كانت هذه المفاهيم تمثل عنده شعارات وفلسفات تحاول أن تحلّ محلّ الإسلام، والدليل على ذلك أنه كان يرى أن تلك المفاهيم أحاطت بها حالة من التقديس والتمجيد، وحلّ حبها واحترامها في قرارة النفوس، وحبات القلوب، بل لقد أصبح مجرد الشك فيها أو النقاش في قدسيتها وكرامتها ومكانتها علامة على الرجعية والبداوة، وأكثر ما كان يؤلم الندوي، ويدل على تغلغل هذه المفاهيم على المعنى الغربي أن كبار الأذكياء والنوابغ من العلماء أخذوا يتغنون بهذه الشعارات والفلسفات، ويدعون إليها في إيمانٍ وحماسٍ، من غير تمحيصٍ لنية أصحابها، والدوافع الخبيثة التي يجرونها وراءها، “وهذا كله من قوة التدجيل وسحره، الذي يفوق فيه الدجال الأكبر ـ يقصد الغرب ـ على جميع الدجالين والمدلسين والمموهين الذين عرفهم التاريخ البشري، وقد سرت هذه الروح الدجلية المدلسة في هذه الحضارة، لسيرها على خط معارض لخط النبوة”[1].

مخطط العلاقة بين الإسلام والغرب:

تقوم الخطة المستقلبلية للعلاقة بين الشرق والغرب التي وضعها الندوي على أساسين بارزين:

الأول يتعلق بالداخل الإسلامي، والثاني يتعلق بالخارج العالمي.

أولاً- ما يتعلق بالداخل الإسلامي.

يمكن القول أنّ الندوي قد رسم لنا خطةً مستقبليةً يمكن من خلالها كتابة علاقةٍ

(236)

جديدةٍ مؤسسة على الشراكة بين الإسلام والغرب، بل إن شئنا القول هي خطة الانتفاضة للأمة الإسلامية، والثورة على كل المعيقات التي تعيقنا عن المشاركة في سباق الحضارة العالمي، بل وتصدره.

كما يمكن القول أنّ هذه الخطة تشتمل على مجموعةٍ من الخطوات الإجرائية التي تسهّل سرعة الوصول إلى هذا الهدف:

يعول الندوي في هذه الخطوة على الجانب الإيماني العقدي عند المسلمين، إيمانًا منه أن تحريك الإيمان في قلوب المسلمين وإثارة العاطفة الدينية عندهم هو الحصن الحصين والسد المنيع لكل ما يواجههم من إشكالياتٍ، بل هو عامل بقاء البلدان الإسلامية. ولم يغفل الندوي أن يشير إلى تربية العقل الإسلامي؛ إيمانًا منه بأن الدين في حاجةٍ إلى عقلٍ يدافع عنه، ويفسره للعالمين، ومن ثم كانت تنمية الوعي عنده ضروريةً، ذلك أن تنمية الوعي الصحيح وتربيته يقود إلى فهم الحقائق والقضايا، والتمييز بين الغث والسمين، وعدم الانخداع بالشعارات والمظاهر، حتى لا تتكرر مآسي وقوع هذه الشعوب فريسة لشعارات من هنا أو هناك، تلك الشعارات التي تنبني على أساسٍ جاهليٍّ أو تعصبيٍّ للغة أو الثقافة، فتكون ضحية سذاجتها، وضعفها في الوعي الديني والعقل الإيماني[1]

صيانة الحقائق الدينية والمفاهيم الإسلامية من التحريف أو إخضاعها للتصورات الغربية العصرية، أو المصطلحات السياسية والاقتصادية والتجنب عن تفسير الإسلام تفسيرًا سياسيًا بحتًا، وعدم المغالاة في تنظير الإسلام ووضعه في مقابلة الفلسفات المعاصرة والنظم الإنسانية، باعتبار أن هذه الحقائق الدينية هي أساس الإسلام الدائم والأصل الذي منه البداية، وإليه النهاية، محذرًا في الوقت نفسه ـ أقصد الندوي ـ من كلّ ما يقلّل من قيمة الصلة بين الله والعبد والإيمان بالآخرة وأهميتها، ويضعف في المسلم عاطفة الامتثال لأمر الله.

(237)

تقوية الصلة العاطفية بالنبي محمد صلى الله عليه وآله، والحذر من كلّ ما من شأنه إضعاف هذا الحب في القلوب أو التقليل منه.

إعادة الثقة في نفوس الطبقة المثقفة، ومن يتولون القيادة التربوية والإعلامية والفكرية، في البلاد والحكومات الإسلامية بصلاحيّة الإسلام وقدرته على مسايرة العصر وتطوراته وتحقيق مطالبه، بل على قيادة الركب البشري إلى الغاية المثلى. وإنقاذ المجتمع البشري من الانهيار والانتحار، “إن ضعف هذه الثقة أو فقدها هو داء هذه الطبقة المثقفة الناشئة في أحضان الثقافة الغربية، أو تحت ضغطها، وهو المسؤول عن كلّ تصرفاتها، وسبب الردة الفكرية والحضارية والتشريعية التي تكتسح العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه، وتعاني منه الشعوب الإسلامية التي لا تعرف إلا لغة الإيمان والقرآن، ولا تتحمس إلا للإسلام، وسبب حدوث هذا الخليج العميق، الواسع بين القيادات والحكومات، والشعوب والجماهير، وسبب القلق الذي يساور النفوس، ويستهلك القوى والطاقات في ما لا يعود على الأمة والبلاد بفائدة”[1]

العمل على قلب نظام التعليم المستورد من الغرب، رأسًا على عقب، وهو النظام التعليمي السائد في العالم الإسلامي إلى الآن، مع العمل على صوغه صوغًا إسلاميًا جديدًا، يتفق مع طبيعة الشعوب الإسلامية، وعقيدتها ورسالتها وقامتها وقيمها، ويبعد عنها عناصر الإلحاد والمادية، والندوي يقصد بذلك أن يكون هذا الإصلاح التعليمي جذريًا وشاملاً لا إصالحًا جزئيًا، بل يبتكر ابتكارًا جذريًا مستفيدًا من الطاقات والوسائل والنبوغ والعبقريات.

وبغير ذلك لا يقوم العالم الإسلامي عنده على قدميه، فقد أراد من خلال هذا النظام التعليمي الجديد أن يقوم العالم الإسلامي بعقله وإرادته وتفكيره،

(238)

فالحكومات والأجهزة الإدارية والمرافق العامة تدار عنده برجالٍ مؤمنين أقوياء أمناء مخلصين، يطبقون العلوم الإسلامية في الحكومة والإدارة والتربية والإعلام والمجتمع، فينشأ المجتمع الإسلامي بسماته وخصائصه، وتتجلى الحياة الإسلامية بكمالها وجمالها.

القيام بحركةٍ علميةٍ قويةٍ على الصعيد الدولي، يكون هدفها تعريف الطبقة المثقفة الجديدة بما يتضمنه تاريخ الإسلام من تراثٍ مجيدٍ وذخائر علميّةٍ عظيمةٍ، وأن تنفخ في العلوم الإسلامية علومًا جديدة، وأن تثبت للعالم المتمدن أن الفقه الإسلامي وقوانينه من أرقى القوانين، وأوسعها في العالم، وهو يقوم على أساسٍ من المبادئ الخالدة التي لن تبلى، ولن تفقد صلاحيتها؛ لأنها صالحةٌ لمسايرة حياة الإنسان في كل زمان ومكان.

الحكومات الإسلامية والمجتمعات الإسلامية ملزمة بعمل تخطيطٍ مدنيٍّ مستقلٍّ بعيد عن التقليد الأعمى للغرب والارتجالية ومركب النقص، ولا بد من أن تكون الحضارة الإسلامية ماثلةً في كلّ حياتنا، حتى تكون دعوةً صامتةً للإسلام.

معاملة الحضارة الغربية ـ بكل ما تشمله على أنّها موادٌ خام، وهذه الجزئية تطرقنا لها عند الندوي في الصفحات السابقة، وهي الفكرة القائمة على أن نكون ندًا للغرب لا أن نكون تابعين له، وذلك بأن نأخذ منه ما يفيدنا من الناحية العملية، وليس الأمور الشكلية. ويؤسس الندوي موقفه هنا بنظرة  أنه كما أننا في حاجةٍ إلى الغرب، فإن الغرب في حاجة إلينا.

أما في ما يتعلق بالبلاد غير الإسلامية فيرى الندوي ضرورة الدعوة فيها إلى الإسلام بأساليب حكيمةٍ تتفق مع طبيعة الإسلام وروح العصر. أما البلاد التي فيها الأقليات الإسلامية فيرى ضرورة الاهتمام بتمثيل الإسلام والحياة الإسلامية تمثيلاً يلفت إليه الأنظار، ويستهوي القلوب، والقيم بالقيادة الخلقية والروحية، وتحمل

(239)

مسؤولية إنقاذ البلاد من الانهيار الروحي والخلقي والخواء الروحي والتدهور الاجتماعي، الذي تعرضت له هذه البلاد حكومة وشعبًا، حتى يتهيأ للإسلام أن يثبت جدارته، وحاجة الناس إليه.

ثانيًا – ما يتعلق بالخارج العالمي:

إن الخطة المستقبلية التي وضعها الندوي في شقها المتعلق بالجانب العالمي تقوم على حلٍّ واحدٍ من وجهة نظره، هذا الحلّ هو تحول القيادة العالمية، وانتقال دفة الحياة من اليد الآثمة الخرقاء التي أساءت استعمالها إلى يدٍ أخرى تستطيع حمل هذه الدفة إلى برّ الأمان. وينظر إلى انتقال هذه الدفة سابقًا من بعض الدول الكبرى إلى بعضها الآخر على أنه انتقالٌ في الاتجاه نفسه، ولم يغيّر من الأمر شيء، فتحول القيادة من بريطانيا إلى أميركا، ثم إلى روسيا بصحبة أميركا لا يغني في نظره شيء، ولا يغير من الموقف شيئًا، إذ إن هذا التحول عنده ليس غير تغيّر المجداف من اليمين إلى الشمال، فإذا كان المجداف واحدًا فلا فرق بين يمينه وشماله، وليست بريطانيا وأميركا وروسيا عنده إلا أيدي رجلٍ واحدٍ تتداول دفة الحياة، وتتناوب تجديف السفينة على خطٍّ واحدٍ إلى جهةٍ واحدةٍ. إذاً، فما الحل عند الندوي؟ يقول الندوي في إجابةٍ على هذا السؤال: “إنّ التحول المؤثر الواضح هو تحول القيادة من أوروبا ـ بالمعنى الواسع الذي يشمل بريطانيا وأميركا وروسيا ومن كان على شاكلتها من الأمم الأسيوية والشرقية ـ التي تقود المادية والجاهلية، إلى العالم الإسلامي الذي يقوده سيدنا محمد صلى الله عليه وآله برسالته الخالدة ودينه الحاكم. هذا هو التحول الذي يغير وجه التاريخ، ويحول مجرى الأمور، وينقذ العالم من الساعة الرهيبة التي ترقبه”[1].

وهذا يعني أن الأمر الثاني الذي يتعلق بالعالم الخارجي في الخطة المستقبلية

(240)

وثيق الصلة بالأمر الأول المتعلق بالعالم الإسلامي، لأن كل الخطط التي يتحدث عنها الندوي تصب في نهاية الأمر في معين القيادة الإسلامية المأمولة بما تمتلكه من مؤهلاتٍ أهمها العقيدة السليمة القائمة على مراعاة الجوانب الروحية مراعاتها للجوانب المادية، بما يعني أن أي فعلٍ حضاري يخرج من عباءة تلك العقيدة معناه أنه فعلٌ حضاريٌّ يجمع بين المادة والروح.

وهناك حل رئيس يقدمه الندوي للمسلمين خاصة، هذا الحلّ هو حلٌّ عقديٌّ بكلّ ما تحمله كلمة عقيدة من معنى، لأنه يفترض في المسلمين أن يكونوا متمسكين بعقيدتهم الغراء وسنة نبيهم الكريم، ففي ذلك غنى لهم عن الغرب وحضارته المادية، وأدواته ووسائله التي تنمي في الإنسان التعلق بالدنيا، دون العمل للآخرة.

لكن ليس هذا الحل أن ينقطع المسلم للعقيدة فقط، بل يعني أن يكون فاهمًا لها، وفهمه للعقيدة يستدعيه للجمع بين المادي والروحي، والعمل للدنيا كما الآخرة، فالإنتاج الصناعي والتكنولوجي والعسكري من مهام المسلم كمشاركٍ فاعلٍ في هذا العالم، يقول الندوي: “ولكن مهمة العالم الإسلامي لا تنتهي هنا – يقصد الندوي عند مجرد الإيمان بالعقيدة والتمسك بها قرآنًا وسنة - فإذا إراد أن يضطلع برسالة الإسلام، ويملك قيادة العالم، فعليه بالمقدرة الفائقة، والاستعداد التام في العلوم والصناعة والتجارة وفن الحرب، ويستغني عن الغرب في كل مرفق من مرافق الحياة، وفي كل حاجة من الحاجات، يقوت ويكسو نفسه، ويصنع سلاحه، وينظم شؤون حياته، ويستخرج كنوز أرضه، وينتفع بها، ويدير حكوماته برجاله وماله، ويمخر بحار المحيط به بسفنه وأساطيله، ويحارب العدو ببوارجه ودباباته وأسلحة بلاده، وتزيد صادراته عن وارداته، ولا يحتاج إلى الاستدانة من الغرب، ولا يضطر إلى أن يلجأ إلى رايةٍ من راياته، وينضم إلى معسكرٍ من معسكراته”[1].

(241)

ومن ثم نفهم أن الندوي وهو في سبيل نقده للحضارة الغربية، يحاول أن يساعد في إقامة بناءٍ حضاريٍّ إسلاميٍّ مميزٍّ، لا يركن إلى التمسك بالآخرة فحسب، كما لا يركن إلى تلاوة القرآن وحفظ أمور العقيدة والعمل بها فحسب، بل يجمع بين هذا وذاك، وبين التمسك بأسباب التقدم الدنيوي المادي، بحيث يصنع دنياه ويمهد السبل للأجيال القادمة، ومن ثم فإن القول بأن الندوي يجافي التقدم المادي لحساب التقدم الروحي أمر لا أساس له من الصحة، بل إن النصوص لتثبت عكس هذا القول، فهو يريد للحضارة الإسلامية المأمولة أن تكون مشاركة للفعل الحضاري الغربي، بل تتفوق عليه، لارتكازها على أساسٍ عقديٍّ يمنعها من الانحراف أو الشذوذ، فضلاً عن الإفراط أو التفريط.

هو يريد ـ في التحليل الأخير ـ الانفكاك من أسر الغرب والحضارة الغربية، وعدم الخضوع لها على الإطلاق، إذ إنه كان دائم التأكيد على أنه مادام العالم الإسلامي خاضعًا للعالم الغربي في السياسة والاقتصاد والصناعة والتجارة والعلم والمعرفة، يمتص الغرب دمه، ويحفر الأرض الإسلامية ويستخرج منها ماء الحياة، وتغزو بضائعه أسواق العالم الإسلامي وبيوته وجيوبه كل يوم، فتستخرج منها كل شيء، وما دام العالم الإسلامي يستدين من الغرب الأموال، ويستعير منه رجاله؛ ليديروا أمور الحكومة والسياسة، ويشغلوا الوظائف الخطيرة، ويدربوا الجيوش الإسلامية، ويستورد منه البضائع، ويجلب له الصنائع، وينظر إليه كأستاذ ومرب، ورب وسيد، لا يبرم أمرًا إلا بإذنه، ولا يصدر إلا عن رأيه، فإنه لا يستطيع أبدًا أن يواجه الغرب فضلاً عن أن يناهضه ويغالبه[1].

إنه يريد أن يهتم المسلمون بإقامة حضارةٍ لا تهمش الجوانب العملية والصناعية، بحيث يكون لهم باعٌ في العلم والسياسة والاقتصاد والتجارة والصناعة، يستخرجون من أرضهم الكنوز التي تمثل لهم الحياة على هذا الكوكب، وتغزو بضائعهم أسواق

(242)

العالم الغربي، بدلا من تغزو بضائع الغرب أسواقنا، وبحيث لا يستدين من الغرب الأموال، ولا يستعير بحال رجالهم لإدارة شؤون الأقطار الإسلامية؛ إذ إن هذه الأقطار معينٌ خصبٌ للرجال النابغين والنابهين؛ شريطة أن ينالوا الفرصة ليحققوا ذاتهم، وينظر إلى الغرب نظرة الند للند، لا نظرة العبد للسيد، وقتها يستطيع أن يغالب الغرب ويناهضه، ويأخذ قراراته من نفسه دون أي إملاءاتٍ غربيةٍ من أي نوع.

وبالإضافة إلى الجانب الروحي والجانب الصناعي الحربي هناك جانبٌ آخر عول عليه الندوي كثيرًا في العديد من كتبه وخطبه، وهو جانب التنظيم التعليمي، ومن ثم فإذا أراد العالم الإسلامي أن يستأنف حياته كما يذهب الندوي، ويتحرر من رقّ غيره، وإذا كان يطمح إلى القيادة، فلا بد عنده إذاً من الاستقلال التعليمي، بل لا بد من الزعامة العلمية، وما هي عنده بالأمر الهين، “إنها تحتاج إلى تفكيرٍ عميقٍ، وحركة التدوين والتأليف الواسعة، وخبرة إلى درجة التحقيق والنقد بعلوم العصر مع التشبع بروح الإسلام والإيمان الراسخ بأصوله وتعاليمه، إنها لمهمة تنوء بالعصبة أولي القوة، إنما هي من شأن الحكومات الإسلامية، فتنظم لذلك جمعيات، وتختار لها أساتذة بارعين في كلّ فن، فيضعون منهاجًا تعليميًا يجمع بين محكمات الكتاب والسنة وحقائق الدين التي لا تتبدل وبين العلوم العصرية النافعة والتجربة والاختبار، ويدونون العلوم العصرية للشباب الإسلامي على أساس الإسلام وبروح الإسلام، وفيها كل ما يحتاج إليه النشء الجديد، مما ينظمون به حياتهم، ويحافظون به على كيانهم، ويستغنون به عن الغرب، ويستعدون للحرب، ويستخرجون به كنوز أرضهم، وينتفعون بخيرات بلادهم، وينظمون مالية البلاد الإسلامية، ويديرون حكوماتها على تعاليم الإسلام، بحيث يظهر فضل النظام الإسلامي في إدارة البلاد، وتنظيم الشؤون المالية على النظم الأوروبية، وتنحل مشاكل اقتصادية عجزت أوروبا عن حلها”[1].

(243)

هذه هي الحلول الثلاثة الرئيسة التي جعلها الندوي محور حلوله لإشكالية العلاقة المستقبلية بين الشرق والغرب، إلا أننا لا نعدم وجود العديد من الحلول الفرعية التي تنضوي تحت هذه المحاور الثلاثة، بحيث تشكل جميعها منظومة واحدة.

ويعد الاهتمام بالجانب العسكري أحد هذه الحلول، وربما اتجه الندوي إلى هذا باعتباره حلاً إسلاميًا، من الطراز الأول، على اعتبار مبدأ علموا أولادكم الرماية والسباحة وركوب الخيل، باعتبارها أدوات الدفاع عن النفس في ذلك العصر والتي يساويها الآن إعداد الجيوش بأحدث الأسلحة وعمل التدريبات اللازمة والمناورات الحربية التي تقويها.

وكان من الحلول الفرعية والجوهرية في الوقت ذاته، محاربة الاستبداد، ذلك الاستبداد الذي كان ولا زال السبب الرئيس الذي يمنع الأقطار الإسلامية من نيل حضارتها المأمولة، وقد صور الندوي صورة المستبد وسط شعبه بالصورة ذاتها ـ أو على الأقل قريبة منها ـ التي صورها المفكرون الذين عالجوا هذه القضية بالدراسة قبله. وهي الصورة التي يرى فيها المستبد الطاغية الذي يكاد أن يقول أنا ربكم الأعلى، فهو يملك كل شيء، ولم يترك لأي من أفراد الشعب شيئًا، ولو شيئًا قليلاً. “وكان هذا الفرد هو الذي تدور لأجله عجلة الحياة، فلأجله يتعب الفلاح، ويشتغل التاجر، ويجتهد الصانع، ويؤلف المؤلف، وينظم الشاعر، ولأجله تلد الأمهات، وفي سبيله يموت الرجال، وتقاتل الجيوش، بل ولأجله تلفظ الأرض خزائنها، ويقذف البحر نفائسه، وتستخرج كنوز الأرض خيراتها”[1].

إن نقده للاستبداد ينبثق من عاملين: ديني وعقلي، فلا الدين يقبل به كونه جاء محاربًا لكل ألوان الظلم والقهر والجبروت، وسمى ذلك العصر بالعصر الجاهلي، ولا العقل يقبله؛ لأنه ليس من غير المعقول أن يعيش الشعب كل الشعب لخدمة السيد المتأله، أو أن يموت لأجله.

(244)

فهذا الوضع عند الندوي غير قابلٍ للاستمرار، في أيّ مكان، أو في أيّ زمان، فهذا الوضع الاستبدادي لا يقره عقل ولا دين، ومن ثم توالت تساؤلاته الاستنكارية: وهل هناك من مسوغٍ لأن يتخم فرد أو عدة أفراد بأنواع الطعام والشراب، ويموت الآلاف جوعًا ومسغبة؟! وهل من مسوغٍ لأن يعبث ملك أو أبناء ملك بالمال والضياع عبث المجانين؟! والناس لا يحدون من القوم ما يقيم صلبهم، ومن الكسوة ما يستر جسمهم؟! وهل من مسوغ لأن يكون حظ الطبقة الشائعة الإنتاج والكدح في الحياة والعمل المضني الذي لا نهاية له، وحظ الطبقة الحاكمة أو طبقة النخبة التلهي والتمتع بثمرات جهد الطبقة الأولى من غير شكر وتقدير، ومن غير عقل ووعي؟! وهل من مسوغ لأن يشقى أهل الذكاء والاجتهاد والمواهب والصلاح، في الوقت الذي ينعم فيه أهل التبذير والإسراف وشاربو الخمور ومرتادي الحانات؟! وهل من مسوغ لأن يقصى أهل الكفاءة والنبوغ والأمانة، ويجتمع حول ملك أو أمير فوج من خساس النفوس وسفهاء العقول وفاقدي الضمائر ممن لا همَّ لهم إلا إرضاء الشهوات، وابتزاز الأموال، ولا يحسنون فنًا من فنون الدنيا غير التملق والإطراء والمؤامرة ضد الأبرياء، ولا يتصفون بشيء غير فقدان الشعور وقلة الحياء؟! [1]   

ومحاربة الاستبداد لا تكون إلا بالرجوع إلى الدين قرآنًا وسنة عند الندوي، وإذا كان يرى أن الاستبداد معوق يعيق العملية الحضارية والبناء النهضوي لأي أمة، فإنه في الوقت ذاته يرى أنه من الواجب العودة للعقيدة في التغلب عليه وصولاً إلى الغاية الحضارية المرجوة، لأن الحضارة الغربية قامت أول ما قامت على محاربة الاستبداد أيًا كان نوعه، وخاصة الاستبداد الكنسي، وبتغلبها عليه صارت أمة ناهضة في كل شيء، أما نحن فلا يوجد لدينا استبداد ديني كالاستبداد الكنسي، وإنما يوجد لدينا استبداد سياسي، وإذا أردنا نهضةً حقيقيةً، فلا بد أن تكون على أنقاضه. “فالذين لا يزالون يعيشون في عالم ألف ليلة وليلة، إنما يعيشون في عالم

(245)

الأحلام، إنما يعيشون في بيت أوهن من بيت العنكبوت، إنما يعيشون في بيت مهدّد بالأخطار، لا يدرون متى يكبس، لا يدرون متى تعمل فيه معاول الهدم، وإن سلموا من كل هذا فلا يدرون متى يخر عليهم السقف من فوقهم، فإنه بيتٌ قائمٌ على غير أساس متين، وعلى غير دعائم قوية. ألا أن عهد ألف ليلة وليلة قد مضى، فلا يخدعن أقوام أنفسهم، ولا يربطوا نفوسهم بعجلة قد تكسرت وتحطمت، إن الملوكية مصباح ـ إن جاز هذا التعبير ـ قد نفد زيته، واحترقت فتيلته، فهو إلى انطفاء عاجل، ولو لم تهب عاصفة”[1].      

والندوي بذلك يحاول القضاء على الأثرة التي قد تطال النفوس المريضة، فتحاول امتلاك كل شيء، ولا تترك لأحد شيئًا، وحين يتحدث الندوي عن الأثرة، فهو لا يتحدث عن الأسرة بمعناها الفردي، الذي يعود على الشخص كفردٍ، وإنما يضم إليها الأثرة العائلية والأثرة الأسرية والأثرة الطبقية، وهي كلها أنواع من الأثرة التي تقود إلى الاستبداد، ومن ثم تتبعها مرحلة التدهور والانحطاط والتخلف عن الركب التي لا زلنا فيها إلى الآن، ونحاول التغلب عليها من قرون فائتة طويلة.

كذلك من ضمن الحلول التي أكد عليها الندوي العمل الدائم على إيجاد الوعي في الأمة الإسلامية، ويعد الندوي من المفكرين القلائل الذين كانت تؤرقهم هذه القضية؛ لأنه فهم تاريخ المسلمين، ومراحل الانتهاك التي تعرضوا لها، والحروب والصراعات التي أدخلتها فيها الدول الغربية دون جريرة ارتكبتها، وكل هذه المراحل عمد فيها المحتل المنتهك إلى تغييب الوعي، والعمل على عدم تواصل المسلمين مع دينهم، وقطع الصلة بينهم وبينه.

إنها مرحلة تغييبٍ كبرى، ولا أظن أن شعبًا من الشعوب في العالم القديم والجديد على كثرتها، ولا أمة من الأمم، تعرض للتغييب القسري كما حدث مع

(246)

الشعب المسلم والأمة المسلمة، ومن ثم فإن دعوة الندوي للعمل على إحياء الوعي داخل الشخصية المسلمة تعد بوضوح أهم النقاط التي تقود إلى حل يقود الحضارة الإسلامية، وينزل الحضارة الغربية من عليائها، لأن الوعي سيجبر الشخصية المسلمة على تبيّن ما في هذه الأخيرة من مسالب، فينقدها، ويبين زيفها، وما في الأول من مضامين حضارية يجب أن يزال ما علق بها من أتربة تمنعها من البروز والوضوح للجميع.

الندوي من جانبه كان يخاف على الأمة الإسلامية من فقدان الوعي؛ لأنه يعرضها للأخطار المحدقة من كل جانب، ويجعلها فريسة للمنافقين، ولعبة في يد العابثين، بل يجعل داءها الافتتان بكل دعوة، والاندفاع وراء كل موجة، وخضوعها لكلّ متسلطٍ، وسكوتها عن كل فظيعة، وتحملها لكل ضيم، ليس هذا فحسب، بل “وأن لا تعقل الأمور، ولا تضعها في مواضعها، ولا تميز بين الصديق والعدو، وبين الناصح والغشاش، وأن لا تلدغ من الجحر نفسه مرة بعد مرة، ولا تنصحها الحوادث، ولا تروعها التجارب، ولا تنتفع بالكوارث، ولا تزال تولي قيادها من جربت عليه الغش والخديعة والخيانة والأثرة والأنانية، ولا تزال تضع ثقتها فيه، وتمكنه من نفسها وأموالها وإعراضها ومفاتيح ملكها، وتنسى سريعًا ما لاقت على يده الخسائر والنكبات، فيجترئ بذلك السياسيون المحترفون، والقادة الخائنون، ويأمنون سخط الأمة ومحاسبتها، ويتمادون في غيهم، ويسترسلون في خياناتهم وعبثهم ثقة ببلاهة الأمة وسذاجة الشعب وفقدان الوعي”[1]

وما ذهب إليه الندوي هو أمرٌ واقعٌ في محيط عالمنا الإسلامي، حيث وصل بنا الحال إلى مايسمى بفقدان الوعي، لا ضعف الوعي، حيث تعيش إلى الآن وهي ترتمي في أحضان عدوها، ظنًا منها أنه الصديق المقرب والأخ الحاني، وسيظل وعي الأمة الإسلامية مغيبًا، إلا أن تدرك عدوها من صديقها، فإذا أدركت ذلك

(247)

علمنا أن هذه الأمة بدأت تستعيد وعها المفقود، وترنو إلى مستقبلٍ لن يبنى إلا عليه.

ويستند الندوي كذلك إلى عملية الاستقلال التجاري والمالي والصناعي والعلمي والتعليمي كأحد الحلول الناجعة في إقامة علاقة شراكةٍ مع الحضارة الغربية، على سبيل التوصل لبناءٍ حضاريٍّ إسلاميٍّ جديدٍ، لا تتحكم فيه الدول الغربية وحضارتها في مقدرات الشعوب الإسلامية وحكوماتها، وذلك لسببٍ جوهريٍّ مؤداه في ما يرى الندوي: أن العالم الإسلامي لا يستطيع أن يواجه الغرب ويبني حضارته وهو مدينٌ له بالمال فضلاً عن لباسه وبضائعه، فلا يجد قلمًا يوقع به على ميثاقٍ مع الغرب، إلا القلم الذي صنع في الغرب، ولا يجد ما يقاتل به الغرب إلا الرصاص الذي أفرغ في الغرب[1].

وبذلك تبني الحضارة الإسلامية قيمتها لا قامتها، إذ إن مسألة القيمة كانت تشغل بال الندوي كثيرًا، وقد لجأ في بعض المواضع إلى التفريق بينهما، موجهًا إلى أي منها تستند الحضارة العالمية على مرّ العصور، فالعبرة عنده بالقيمة لا القامة، مستدلاً على ذلك بالمسلمين الذين كانوا صغارًا في القامة، كبارًا في القيمة، والعبرة بالقيمة لا القامة، ومستشهدًا على فكرته بالتاريخ الذي رآه يثبت من أوله إلى آخره أن القيمة دائمًا تغلبت على القامة، وهزمتها، “لولا هذا لما كان هذا العالم المتمدن المعمور بقاءً، ولا كيان أبدًا، لولا أن القيمة إنما غلبت، واستطاعت أن تتغلب، واستطاعت أن تهزم القامة، مهما كانت كبيرة وشامخة، لما بقيت هناك عقيدة صحيحة، ولا دين صحيح، ولا دعوة صحيحة، ولا كرامة بشرية”[2].  

(248)