الإسلام والغرب عند أبي الحسن الندوي

الإسلام والغرب عند أبي الحسن الندوي

مقدمة المركز

تهدف سلسلة «نحن والغرب» إلى إحياء وتفعيل الحركة المعرفية والنقدية حيال قيم الغرب في الثقافة العربية والإسلامية المعاصرة.

تقوم منهجية هذه السلسلة على تظهير أعمال مفكرين وعلماء من الذين أثروا الثقافة العربية والإسلامية بإسهامات نقدية وازنة في سياق المساجلات والمناظرات مع الأفكار والمفاهيم الغربية ولا سيما منها التي ظهرت بالتزامن مع تدفقات الحداثة وما رافقها من عمليات توسع استعماري إلى بقية العالم.

إن المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية إذ يقدّم هذه السلسلة إلى القرّاء يحدوه الأمل بأن يُسهم هذا المسعى المعرفي في تنشيط فضاءات التفكير النقدي وتأسيس مناخات فكرية جادّة في العالمين العربي والإسلامي.

 * * *

في هذا الكتاب يتطرق الباحث الدكتور محمود كيشانه إلى تظهير مشروع الندوي الفكري والمعرفي في نقد الغرب ضمن سبعة فصول تتضمّن تبيين حضارة الغرب واسسها المعرفية وموقف المسلمين منها، زائدًا الإشارة إلى تاريخ الصراع بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية لينتهي إلى وضع معالجات لحالة التغريب في العالم الإسلامي ومحاولة استشراف مستقبل العلاقة بين الإسلام والغرب.

والله ولي التوفيق

المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية

مقدمة المؤلف

تبدو قضية الإسلام والغرب من القضايا المهمّة على الساحة الفكريّة المعاصرة، ذلك أنّها تبيّن بوضوحٍ حدود العلاقة بينهما، وما يعتورها من إشكالياتٍ ومعوّقاتٍ لا يمكن الوقوف عليها إلا بالدراسة المتأنية، فضلاً عن أنّها تضع أطرًا محدّدةً وهادفةً للعلاقة المستقبليّة بينهما.

وتزداد قضية الإسلام والغرب أهميّةً إذا تناولناها مستحضرين نموذجًا من النماذج الفكرية الإسلامية، التي لم تقف موقف الانبهار من الحضارة الغربية، وإنما وقفت منها موقف الند للند، وعنينا بذلك «أبو الحسن الندوي» المفكر الإسلامي الذي لم يأل جهدًا في سبيل كشف الخبايا التي تنطوي عليها الحضارة الغربية بمختلف أبعادها، فوجّه النقد إليها منطلقاً من الجذور، وبيّن تهافتها، ومناطق الزلل فيها، وأشار إلى الكيفيّة التي من خلالها يتغلّب المسلمون على مخططاتها.

لقد كانت قضيّة الإسلام والغرب هي شغل الندوي الشاغل، فقد أعطاها الكثير من وقته وجهده، وكأنّه كان يحاول أن يضع خريطةً واضحةً يمكن من خلالها أن يسير المسلمون عليها في علاقتهم بالغرب والحضارة الغربيّة، وهو طريقٌ مبنيٌّ ـ في التحليل الأخير ـ على أسسٍ عقديّةٍ في المقام الأول، فقد نقد الحضارة الغربية بالدين، ونقد الفكر الغربي وأعلامه بالدين، وجعل من الدين نبراسه وسراجه الذي يضيء له الطريق في الكشف عن هذه العلاقة بكلّ أبعادها ومحاورها وتفاصيلها.

وتبدو أهميّة دراسة علاقة الإسلام بالغرب عند أبي الحسن الندوي ملحّةً في تلك الفترة من تاريخ الأمة الإسلامية، التي صارت مرتعًا للغرب يتدخل في شؤونها بين الفينة والأخرى، رجاء مصلحةٍ هنا أو منفعةٍ هناك، في ظلّ عصرٍ أصبح كلُّ شيءٍ يُقاس فيه بمقدار ما يجلبه من منفعةٍ، ويُمثل موقف الندوي هنا المصباح الذي يكشف ستر هذه الحضارة، فينير العقول، ويخلع عليها سبيلاً من الفهم لا تدركه إلا به.  

والغريب أنّه على الرغم من أهميّة هذه القضية، وأهمية الشخصية التي عالجت هذه القضيّة في دراساتٍ متعدّدةٍ إلاّ أنّها لم تنل حظًا من الدراسة والبحث، إذ لم نجد أحدًا تطرق إلى قضيّة الإسلام والغرب عند الندوي، في حين تمّ تناول شخصيّتة من جوانب فكريّة أخرى، إلا أنها أيضًا كانت دراسات في الغالب في شكل مقالٍ أو بحثٍ، أما كقضيّةٍ جوهريّةٍ كالتي نحن بصددها في هذا الكتاب فلم يتطرق إليها أحد.

وهنا تُثار مجموعة من التساؤلات: إلى أيّ مدى استطاع الندوي أن يحيط بأبعاد القضيّة القائمة بين الإسلام والغرب؟ وما الجهود التي بذلها في هذا الصدد؟ وما طبيعة الحضارة الغربيّة وتطورها التاريخي؟ وما الأسس التي بنى عليها نقده للحضارة الغربية؟ وهل هذه الأسس تعبّر عن روح الدين، أم العقل، أم الاثنين معًا؟ هل استطاع أن يكون على درايةٍ بمواقف المسلمين المختلفة من الحضارة الغربية والفكر الغربي؟ وما هي عوامل الاحتقان بين الشرق والغرب؟ هل هناك تشويهٌ ممنهجٌ وتضييق؟ وما مظاهر العداء بين الشرق والغرب وأسبابه ونتائجه؟ وكيف كانت وجهة نظره في تاريخيّة العلاقة بين الحضارة الإسلاميّة والحضارة الغربية؟ كل هذه الأسئلة والإشكاليات تطرق إليها الندوي في تناوله لتلك القضيّة محاولاً الإجابة عليها انطلاقاً من وازعه الديني.

عمدنا في هذا الكتاب لتحليل رأي الندوي في كلّ محورٍ من محاور قضيّة الإسلام والغرب، والمقارنة بينه وبين من سبقوه وأدلوا بدلوهم في القضية من أمثال: محمد إقبال، ومحمد أسد وغيرهما. كما قمنا بتوجيه النقد للعديد من الأفكار والأطروحات والآراء.

أما أبو الحسن الندوي. فهو مفكرٌ إسلاميٌّ وداعيةٌ هنديٌّ ولد بقرية تكية، مديرية رائي بريلي، الهند عام(1333هـ/1913م) وتوفي في 31 ديسمبر 1999 الموافق 23 رمضان 1420هـ[1]. هو عليٌّ أبو الحسنِ بن عبد الحي بن فخر الدين الحسني ـ ينتهي نسبه إلى عبد الله الأشتر بن محمد ذي النفس الزكية بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب. هاجر جدّه وهو الأمير قطب الدين محمد المدني (م 677هـ) إلى الهند في أوائل القرن السابع الهجري[2].

توفي والده وهو دون العاشرة، فأشرف أخوه الكبير على تربيته. حفظ القرآن، وتعلم الأردية والإنجليزية والعربية، ثم التحق بجامعة لكهنؤ، وهي جامعةٌ تدرس العلوم المدنيّة باللّغة الإنجليزية، وفيها قسمٌ لآداب اللّغة العربيّة، اختاره أبو الحسن عن شوق، ثم التحق بدار العلوم لندوة العلماء عام 1929م، ليلاقي كبار علماء الهند، وليحضر دروس الشريعة عندهم، ولكنّه لم يرتوِ بعد فالتحق بديوبند مدّة شهورٍ، ثم سافر إلى لاهور، وقرأ التفسير القرآني على كبار علمائها، وتحققت أمنيته بلقاء شاعر الإسلام محمد إقبال، فجالسه وأفاد منه، وعُيّن –بعد ذلك- مدرسًا بدار العلوم لندوة العلماء في عام 1934م[3].

يُعَدُّ أبو الحسن الندوي من أشهر العلماء المسلمين في الهند، تميّز بكتاباته الغزيرة وإسهاماته الثريّة في الفكر الإسلامي، وكان كثير السفر، إذ تنقّل في مختلف أنحاء العالم لنصرة قضايا المسلمين والدعوة للإسلام وشرح مبادئه، وإلقاء المحاضرات في الجامعات والهيئات العلمية والمؤتمرات. دفعته همته الباكرة -صغيرًا- إلى كتابة مقالٍ تاريخيٍّ، وعمره (18 سنة) يتحدث فيه عن جده المجاهد أحمد بن عرفان شهيد الإسلام، وبعث به إلى (مجلّة المنار) المصرية التي يقوم عليها العلامة محمد رشيد رضا فنشره، وبدأ الندوي الدعوة إلى الله على المنابر خطيبًا. ثم سافر إلى (دلهي) في رحلةٍ علميةٍ، فالتقى بعالمها الكبير الشيخ محمد إلياس. عزم الندوي أن يكون داعيةً بلسانه كما يكتب بقلمه، ولكنّه في نهاية المطاف رأى أنّ الأصلح أن يكون داعيةً رحّالةً في العالم الإسلامي كله، بدلاً من الدعوة في الهند فقط كما فعل شيخه إلياس. فرحل إلى الحجاز مراتٍ عديدةٍ، وإلى مصر، والمغرب، والشام، وتركيا، وزار أميركا، والدول الأوربية، وطاف بأكثر عواصم العالم الإسلامي، وكانت رحلاته عظيمةَ التأثير[4].
توفي أبو الحسن الندوي في (23 من رمضان 1420هـ = 31 من ديسمبر 1999م)، عن عمر ناهز 86 عامًا.

أمّا بالنسبة لأعماله، فقد عمل الندوي مدرّسًا بدار العلوم في لكنهؤ مدّة عشر سنوات، واشتغل بالصحافة، وساهم في الكتابة في مجلّة «الضياء”التي تصدر بالعربيّة،، ثم ترأس تحرير مجلّة «الندوة العلميّة»، ثم أصدر «مجلّة التعمير» النصف شهريّة بالأورديّة، ويعتبر أحد رؤساء التحرير لمجلّة «معارف» الأكاديميّة التي تمثّل المسلمين في شبه القارّة الهنديّة.[5]

كما أسّس جمعيّةً لنشر الإسلام بين الهنود، وتولّى رئاسة جامعة دار العلوم «ندوة العلماء» وأنشأ المجمع الإسلامي «أكاديمية البحوث الإسلاميّة» سنة (1959م)، وأسس حركة «رسالة الإنسانية» عام (1951م)، وأسس المجمع الإسلامي العلمي في لكهنؤ عام (1956م)، وشارك في تأسيس هيئة التعليم الديني للولاية الشماليّة عام (1960م)، وفي تأسيس المجلس الاستشاري الإسلامي لعموم الهند عام (1964م)، وفي تأسيس هيئة الأحوال الشخصيّة الإسلاميّة لعموم الهند (1972م)، وفي تأسيس رابطة الأدب الإسلامي العالميّة (1986م[6].

نال عضويّة عدد من المجامع العلميّة والمؤسسات العالميّة مثل: رابطة العالم الإسلامي، والمجلس الأعلى العالمي للدعوة الإسلامية، ومركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، ومجامع اللغة العربيّة في دمشق والقاهرة وعمان وغيرها[7].

يمثل الندوي واحدًا من المفكرين الذين آلوا على أنفسهم تناول الفكر الغربي والحضارة الغربيّة دراسةً نقديّةً، فهذا المفكّر لم يرهب من التوسع المادي للحضارة الغربيّة فقد حاول كثيرًا أن يؤكّد على افتقار هذه الحضارة للجانب الروحي، وأنّها جاءت لتقضي على الإنسان روحيًا وأخلاقيًا لتصنع إنساناً آخر ذا نزعةٍ ماديّةٍ صرفةٍ.

لقد عاش الرجل مدافعًا عن الهويّة الإسلامية، رافضًا كلّ مظاهر الماديّة الحديثة، وقد تنوعت جهوده ما بين كتبٍ ألّفها لنقد الحضارة الغربيّة، وخطبٍ ألقاها في مساجد كثيرةٍ من مختلف بلدان العالم وخاصة العالم الغربي منها، ورسائل طرح فيها بعض آرائه وأفكاره في القضيّة.

لقد ركّز الندوي نقده على مركزيّة الغرب وحضارته القائمة على فلسفةٍ ماديّةٍ صرفةٍ من خلالها أصبح الغرب هو المركز في مقابل الآخر (التابع). ولذالك حذّر الندوي من الانبهار بالحضارة الغربيّة في جانبها المادي دون النظر إلى ما خلّفته ولا زالت تخلفه من آثارٍ سيّئةٍ على إنسانيّة الإنسان، حيث أصبح الأخير عبارة عن آلةٍ صماء تُؤمر فتُجيب.

ولا يخفى البعد الديني الذي كان ينطلق منه الندوي في نقده هذا، فقد كان يخشى من انتصار النزعة الماديّة على الإنسان، والإنسان المسلم خاصة، فتبعده عن سمته الإيماني الروحي، فقد كان الواقع الغربي متمثلاً أمامه بكلّ سلبياته في الجانب الروحي، فرأى في ماديّة الحضارة الغربيّة المفرطة معوّلاً يهدم المعاني الروحية، لذلك كانت دعوته حثيثة إلى ضرورة الربط بين المادي والروحي في أيّ حضارةٍ إنسانيّةٍ، لأنّ التوازن بينهما هو السبيل الوحيد إلى إقامة حضارةٍ إنسانيّةٍ متوازنةٍ بحق، وتقود العالم إلى حياةٍ أفضل.

إنّ المتأمّل في كتب الندوي التي خصّصها للحديث عن إشكاليّة الحضارة الغربية يستطيع أن يجد بسهولةٍ تحليلاً راقيًا لهذه الحضارة بما تنطوي عليها من إشكاليات جمة، مبينًا بوضوح قدرة الأمة الإسلامية لمواجهتها. ولقد كان موقفه من الأمة الإسلاميّة موقفًا معتدلاً، نابعًا من قلب رجلٍ مؤمنٍ يدرك الخطر الحقيقي الذي يحيق بهذه الأمة، وفكرِ باحثٍ مدقّقٍ ومحلّل، وصاحب تجربة ودراية بالواقع، كلّ ذلك في أسلوبٍ أخذ يمزج فيه القلب بالعقل، والفكر بالعاطفة. أمّا المنهجيّة التي كان ينطلق منها، فهي تعتمد بالأساس على النقد الممزوج بالمقارنة، وهذا يمثل موقفًا شجاعًا لمفكرٍ وقف في وجه الحضارة الغربية مدافعًا عن عقيدته وهويّته اللتين لم تنالا اهتمام من قلّدوا هذه الحضارة، وجعلوها الملاذ الآمن للإنسانيّة التعيسة.

 ومن ثم فإنّ تناول الفكر النقدي الذي قدمه الندوي للغرب حضارةً وفكرًا يمثل حلقةً من حلقات كشف العلاقة التاريخيّة بين الإسلام والغرب.

وعليه فسوف نتناول الموضوع من حيث المحاور الآتية:

أ – نظرةٌ شموليّةٌ حول علاقة الإسلام بالغرب عند الندوي.

ب – الأسس التي بنى عليها نقده للغرب.

ج – النتائج التي انتهى إليها، مع عرضها على ميزان التحليل والمناقشة.

د – مستقبل العلاقة بين الإسلام والغرب.

---------------------------------

[1]-انظر أحمد الجدع، معجم الأدباء الإسلاميين المعاصرين، طبعة الأردن – عمان، دار الضياء للنشر والتوزيع، الأولى، 1421هـ - 2000م، ص51.

[2]-انظر:  https://www.kutubpdfbook.com/author/877 -

[3]-انظر:  https://www.kutubpdfbook.com/author/877 -

[4]-انظر  موسوعة ويكيبيديا، وموقع إسلام ستوري. (less)

[5]-انظر أحمد الجدع، معجم الأدباء الإسلاميين المعاصرين، طبعة الأردن – عمان، دار الضياء للنشر والتوزيع، الأولى، 1421هـ - 2000م، ص52.

[6]-انظر أحمد الجدع، معجم الأدباء الإسلاميين المعاصرين، طبعة الأردن – عمان، دار الضياء للنشر والتوزيع، الأولى، 1421هـ - 2000م، ص52، 53.

[7]-انظر خالد النجار، أبو الحسن الندوي، على الرابط التالي:

https://www.alukah.net/culture/0/49623