فهرس المحتويات

مقدِّمة المركز | 7

مقدِّمة المؤلِّف | 9

■ الفصل الأوّل: تشخيص «رينيه غينون» للحضارة الغربيّة | 15

تمهيد | 17

● المبحث الأوّل: وهم الحضارة الكونية بين الكليانية والنسبية | 19

أولاً: الأحكام المسبقة توصيفاتٌ نرجسيةٌ لسراب الخلو | 21

ثانيًا: الحضارة الغربية بين التعدّدية والأحادية | 32

ثالثًا: الحضارة الغربية تصعيدٌ للمادية وتنكيس للروحانية | 40

رابعًا: الحضارة الغربية بين التغالب والتدافع | 51

● المبحث الثاني: التقدّم من وهم الصعود إلى فوضى السقوط | 57

أولًا: التقدّم والتغير جدلٌ في المفهوم | 59

ثانياً: التقدّم بين التفوّق الخطّي والتقهقر الانتكاس | 67

ثالثاً: التقدّم انحسارٌ في المادي وإنكار للروحاني | 76

● المبحث الثالث: العلم الحديث صنم عصر الكالي - يوغا | 83

أولًا: العلم الحديث درايةٌ جاهلةٌ | 85

ثانيًا: الطبيعة التبسيطية الاختزالية التحليلية للعلم الحديث | 89

ثالثًا: العلم الحديث درايةٌ دونيةٌ | 94

رابعًا: الحصر التعسّفي لمناهج العلوم التجريبية بين العلم المقدّس والعلم الدنيوي | 100

■ الفصل الثاني: فرضية سقوط الحضارة الغربية | 107

تمهيد | 109

● المبحث الأوّل: أركيولوجيا الأزمة وجذور الانحراف | 111

أولًا: مفهوم الأزمة | 113

ثانيًا: الفلسفة تزاحم السماء فمن محبة الحكمة إلى الحكمة | 116

ثالثًا: ثورة الإصلاح الديني من الإيمان بالمبادئ إلى الإيمان بالآراء | 124

● المبحث الثاني : فوضى التشتت وفقدان المبادئ | 129

أولًا: الوعي بالأزمة وجدل النهاية | 131

ثانيًا: هيمنة الكم على الكيف والعمل ضدّ التراث الروحي | 135

1. هيمنة الفردانية (النزعة الإنسانوية) | 135

2. هيمنة المعرفة ذات الطراز البشريوتنكيس المعرفة الفوق بشرية | 148

3. هيمنة التماثلية وإنكار التراتبية الوجودية | 151

■ الفصل الثالث: بعث التراث الروحي لإنقاذ الحضارة الغربية | 169

تمهيد | 171

● المبحث الأوّل: مساءلةٌ في مفهوم التراث لتصحيح المسار | 173

أولًا: تعريف التراث عند رينيه غينون | 175

ثانيًا: التراث في شكله الميتافيزيقي | 177

ثالثًا: التراث في شكله الديني | 182

● المبحث الثاني: نحو عودةٍ روحانيةٍ للحضارة الغربية | 187

أولًا: إصلاح التراتب الوجودي بتصعيد الروحانية وتنزيل المادية | 189

ثانيًا: الاستلهام من الروحانية الشرقية | 193

ثالثًا: تجسير الهوة بين الغرب والشرق من خلال التفاهم على المبادئ | 198

رابعًا: إعادة بعث الصفوة الروحانية | 201

الخاتمة | 206

المصادر والمراجع | 209

المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية سلسلة نحن والغرب 6 الروحانية النازلة نقد المادية الغربية في فكر رينيه غينون ذهبان مفيدة
 

الفهرس

 

مقدِّمة المركز7

مقدِّمة المؤلِّف9

الفصل الأوّل: تشخيص «رينيه غينون» للحضارة الغربيّة15

تمهيد17

المبحث الأوّل: وهم الحضارة الكونية بين الكليانية والنسبية19

أولاً: الأحكام المسبقة توصيفاتٌ نرجسيةٌ لسراب الخلو21

ثانيًا: الحضارة الغربية بين التعدّدية والأحادية32

ثالثًا: الحضارة الغربية تصعيدٌ للمادية وتنكيس للروحانية40

رابعًا: الحضارة الغربية بين التغالب والتدافع51

المبحث الثاني: التقدّم من وهم الصعود إلى فوضى السقوط57

أولًا: التقدّم والتغير جدلٌ في المفهوم59

ثانياً: التقدّم بين التفوّق الخطّي والتقهقر الانتكاس67

ثالثاً: التقدّم انحسارٌ في المادي وإنكار للروحاني76

(3)
 

الفهرس

 

المبحث الثالث: العلم الحديث صنم عصر الكالي - يوغا83

أولًا: العلم الحديث درايةٌ جاهلةٌ85

ثانيًا: الطبيعة التبسيطية الاختزالية التحليلية للعلم الحديث89

ثالثًا: العلم الحديث درايةٌ دونيةٌ94

رابعًا: الحصر التعسّفي لمناهج العلوم التجريبية بين العلم المقدّس والعلم الدنيوي100

الفصل الثاني: فرضية سقوط الحضارة الغربية107

تمهيد109

المبحث الأوّل: أركيولوجيا الأزمة وجذور الانحراف111

أولًا: مفهوم الأزمة113

ثانيًا: الفلسفة تزاحم السماء فمن محبة الحكمة إلى الحكمة116

ثالثًا: ثورة الإصلاح الديني من الإيمان بالمبادئ إلى الإيمان بالآراء124

المبحث الثاني : فوضى التشتت وفقدان المبادئ129

أولًا: الوعي بالأزمة وجدل النهاية131

ثانيًا: هيمنة الكم على الكيف والعمل ضدّ التراث الروحي135

1. هيمنة الفردانية (النزعة الإنسانوية)135

(4)
 

الفهرس

 

2. هيمنة المعرفة ذات الطراز البشريوتنكيس المعرفة الفوق بشرية148

3. هيمنة التماثلية وإنكار التراتبية الوجودية151

الفصل الثالث: بعث التراث الروحي لإنقاذ الحضارة الغربية169

تمهيد171

المبحث الأوّل: مساءلةٌ في مفهوم التراث لتصحيح المسار173

أولًا: تعريف التراث عند رينيه غينون175

ثانيًا: التراث في شكله الميتافيزيقي177

ثالثًا: التراث في شكله الديني182

المبحث الثاني: نحو عودةٍ روحانيةٍ للحضارة الغربية187

أولًا: إصلاح التراتب الوجودي بتصعيد الروحانية وتنزيل المادية189

ثانيًا: الاستلهام من الروحانية الشرقية193

ثالثًا: تجسير الهوة بين الغرب والشرق من خلال التفاهم على المبادئ198

رابعًا: إعادة بعث الصفوة الروحانية201

الخاتمة206

المصادر والمراجع209

(5)

مقدمة المركز

تهدف سلسلة «نحن والغرب» إلى إحياء الحركة المعرفية والنقدية وتفعيلها حيال فكر الغرب وقيمه في الثقافة العربية والإسلامية المعاصرة. وتقوم منهجية هذه السلسلة على تظهير أعمال مفكِّرين وعلماء من الذين أثروا الثقافة العربية والإسلامية بإسهامات نقدية وازنة في سياق المساجلات والمناظرات، مع الأفكار والمفاهيم الغربية؛ ولا سيما تلك التي ظهرت بالتزامن مع تدفّقات الحداثة، وما رافقها من عمليات توسّع استعماري إلى بقية العالم.

إنّ المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية إذ يقدّم هذه السلسلة إلى الباحثين والقرّاء، يحدوه الأمل بأن يُسهم هذا المسعى المعرفي في رسم استراتيجيات دينية ومعرفية جادة، وتنشيط فضاءات التفكير النقدي، وتأسيس مناخات فكرية جادّة في العالمين العربي والإسلامي.

 *   *   *

إنّ  هذا الكتاب "الروحانيّة النازلة؛ نقد المادية الغربية في فكر رينيه غينون" هو دراسة تحليلية للباحثة الجزائرية ذهبان مفيدة، تتناول فيها  مواقف ورؤى الكاتب والمفكّر الفرنســي رينيه غينـــون   René Guénon)،  

(15 نوفمبر 1886 - 7 يناير 1951). أو عبد الواحد يحيى - الاسم الذي اختاره لنفسه بعد إسلامه-، في نقده  للحضارة الغربية؛ بالتركيز على الأوهام الغربية والأنا الحضاري الغربي التي أدّت إلى تصعيد المادية وتنزيل الروحانيّة، ومكامن الأزمات التي أصابت الحضارة الغربية، والكشف عن أهمّ المرتكزات التي شكّلت الخلفية الفلسفية والمعرفية والاجتماعية للأزمة الحضارية الغربية؛ لتبلور في نهاية الكتاب رؤية رينيه غينون والبدائل التي قدّمها والمتمثّلة

(7)

بالعودة إلى الروحانية، وذلك بعد عرض لمناقشة غينون للالتباسات والتزييف والتمويه المتعلّق بالتراث الغربي.

وفي الختام  نجد أنّه من اللازم علينا التنويه إلى أنه مع كل  القيمة العلمية المهمة لأطروحة وأفكار رينيه غينون في نقد الحضارة الغربية والفكر الغربي، وبيان مكامن الضعف والتهافت والخلل في هذا الفكر، إلا أنّ هذا لا يعني التوافق مع رينية غينون في كل المباني والخلفيات الفكرية، ولاسيما ما يتعلّق منها  بالتأثيرات الباطنية والتأويلية في أفكاره، ووضعه العقائد الشرقية برمّتها في ميزان واحد دون تفريق واضح بين الديانات السماوية الكبرى وما يطلق عليه <مصطلح الديانات الوضعية>، كالهندوسية.

 

والله ولي التوفيق

المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية

(8)

مقدمة المؤلف

يُعتبر موضوع الحضارة قُطبًا جاذبًا، وضاجًّا بالمساجلات الفلسفية والتاريخية والأنتربولوجية، وحافلًا بالإشكالات، في ظل علاقاتٍ حضاريةٍ لم تجنح للسِّلم. وبين الجذب والدفع، تضيع هذه العلاقات في متاهات عنف الكمّ المتجذّر في الحضارة الغربية الحديثة، الذي تسلّل إلى الحضارات الشرقية، ففتّت الأواصر الروحانية المتعالية النّاظمة لتلك الحضارات الإنسانية التراثية الأصيلة. وتظلّ الروح الحضارية الأصيلة تنزف تحت مخالب الكم، الذي أطفأ جذوة الروح، وأيقظ طوفان الأنانية الجارف لكلّ ما يلقاه، مُلوّثًا روح الإنسان، المشاكِلة للروح الإلهية، ليشدّها إلى المادة الترابية.

هكذا انزلقت الحضارة الغربية الحديثة في دوّامةٍ من التدمير الشامل، ما أيقظ الأصوات داخل الغرب لتصدح معلنةً أنّ هذه الحضارة ليست هي جنّةَ عدنٍ الموعودة، وبدأ الحديث الجادّ في الغرب عن «خطر»، «سقوط، «أزمة»، «انحلال»، «انهيار»، «انحطاط»،  «موت». تعدَّدت التسميات، لكنّ المعنى واحدٌ: الحضارة الغربية لم تعد متماسكةً من الداخل، وبدأت تفقد عناصرها السوّية. وهذا ما حدا ببعض فلاسفة الغرب إلى رفع التحدّي بدراساتٍ وجدالاتٍ عكفت على تحليل الداخل الممزّق، الذي صار يتسم بفقدان القيم الموصولة بعالم السّماء، وبالفوضى العارمة على المستويات كافةً، خاصةً المستوييْن الاجتماعي والروحي.

وسط كل هذه العتمة لم تعد الحقيقة الموصولة بعالم السماء تُغري العقول التي تروم الحكمة الأبدية، ما دفع الفيلسوف «رينيه غينون» (René Guénon) إلى أن ينبري للتشخيص والعلاج، فحمل شفرةَ التشريح للحضارة الغربية، غائصًا بالتحليل في أغوارها العميقة، ومعولَ الهدم، كاشفًا عن أوهامها التي سيّجتها، وهَوت بها في دوّامة الخواء الروحي. ولم يألُ «غينون»  جهدًا، بعد

(9)

هدمه لمرتكزات الحضارة الغربية (الحضارة، التقدّم، العلم الحديث، الحياة الدنيا) التي شكّلت أساساتٍ صلبةً لأوهامها وأوثانها الحداثوية، لم يألُ جهدًا في أن يبحث عن منافذَ لتلمّس الضوء الذي يمكنه أن يعيد النور والبصيرة لحضارةٍ أصيب بالعمى، فلم يجد ذلك ممكنًا إلاّ في العودة للتقاليد التراثية الأصيلة، وفي المبادئ العرفانية الشرقية الطافحة بالرمزية الروحانية، فهي، كما رأى، المعراج الذي يمكنه أنْ يسموَ بها إلى الترقّي الروحيّ.

ركّز المسعى الفلسفي الغينوني على الهدم والبناء معًا، فلم يكن «غينون»  فيلسوفًا عاديًّا، فلا هو بالمتفائل بالحضارة الغربية -من خلال البدائل التي نظَّمها كمخرجٍ لهذه الحضارة من نكستها- ولا هو بالمتشائم الذي قطع الأمل من عودة هذه الحضارة إلى مسارها السوي، إنّه يترك النهاية لحكم المستقبل، ليكون هو القاضي الذي يحدّد مصير هذه الحضارة. لذلك فإنّ ما يقدّمه «غينون»  في مشروعه، هو عبارةٌ عن مُساجلاتٍ ومطارحاتٍ ومحاكماتٍ نقديةٍ ومفاتحاتٍ لمجاهيلَ، يستنكف الكثير من الفلاسفة عن تناولها بالدرس والتحليل والنقد، إنّها العوالم الروحية التي سقطت من المرتبة العلوية في التراتب الوجودي إلى المرتبة السّفلية، نازلةً تدريجيًّا بسرعةٍ تتناسب مع الزمن المتسارع في دورة الكالي-يوغا، ما أحدث قلبًا في القيم.

ينتهي الفيلسوف الهدّام «رينيه غينون»، بعد تحليلٍ وصفيٍّ تشخيصيٍّ للحضارة الغربية من الدّاخل، إلى الإقرار بأنّ هذه الحضارة مرتهَنةٌ داخل أزمةٍ روحيةٍ خانقةٍ، كانت مخاضًا لتضخيم المادّية المقطوعة الصلة عن كل الشرائع الربانية، وهو المآل الذي ينذر بسقوطها وتفكّكها. وبما أنّ إنكار الروحي وإنزال مرتبته إلى الدرك الأسفل، هو الذي أنتج الأزمة، فإنّ الحلّ، كما يتصوّره «غينون»، سيكون بإعادة الترتيب الطبيعي للقيم، لترتفع مرتبة الروحي وتنزل مرتبة المادي. إنّ التسامي بالروحانية هو الحل للخروج من المأزق الفكري والمعرفي والاجتماعي والأخلاقي والديني، وهنا تكمن أصالة وحداثة الفيلسوف الهدّام «رينيه غينون».

إنّ قيمة «غينون»، في مشروعه الحضاري، هي إعادة الوصل بين الحضارة والمنابع التراثية الأصيلة

(10)

الموصولة بالشرائع الربّانية، التي أهدرتها العقلانية المادية المتصلّبة والهيومانية (الإنسانوية) الدوغمائية. لقد حاول استثمار الروحانيات التي تغتني بها التراثيات التقليدية لإعادة إنتاج المعنى، ولتصويب وجهة الإنسان الغربي نحو رؤيةٍ كونيةٍ روحانيةٍ.

كان «غينون» فيلسوفًا مهمومًا بقضايا عصره، ولم يكن فيلسوفًا حالمًا يوتوبيًّا، غارقًا في زُهدياتٍ فكريةٍ فاترةٍ. فما أحوجنا لمثل فلسفة «غينون» الروحانية الساعية بخطًى حثيثةٍ لبناء فضاءات للتفاهم، بعيدًا عن الفكر الاندماجي المماهاتي.

من هذه المفاتحات، آثرنا الإشكاليّة الرئيسة التالية لموضوع كتابنا:

كيف استبطن «غينون» الحضارة الغربية مُعرّيًا تأزّماتها الدّاخلية؟ ولِمَ اختار «غينون» الروحانية طريقًا مُنقذًا لها من السُّقوط في هاوية النهاية والتشظِّي في التشتّت بدل الوحدة والانسجام الكوني والمعرفي؟

وعن الإشكاليّة الرئيسة التي يعالجها الكتاب تتنزّل الإشكاليّات الفرعية المتمثلة في:

* لِمَ يظهر الأنا الحضاري الغربي استعلائيًّا مُتضخّمًا مُنتفخًا بالنَّرجسية بَاتِرًا كل الوشائِج مع الحضارات الشرقية؟ كيف انتهت الحضارة الغربية إلى تصعيد المادية وتنكيس الروحانية؟

* هل حقَّق التقدّم كل أحلامه، وبقي صاعدًا، أم انتهى ساقطًا في الفوضى، ومرتدًّا إلى التقهقر؟ هل التقدّم مسارٌ خطّيٌّ مستقيمٌ خالٍ من الأزمات أم هو مسارٌ انحنائيٌّ مُتعرّجٌ تتخلّله القطائع والانفصالات؟

* لِمَ يحظى العلم الحديث بكل تلك والهالة والقداسة، على الرغم من قطْعه مع الأصول العُلوية؟

* ما هي البدائل التي اقترحها «غينون»  لإعادة الحضارة الغربية إلى المسار السويّ؟

يحاول هذا الكتاب أن يتبيّن موقف «غينون»  من الحضارة الغربية من خلال الخطة التالية:

(11)

المقدِّمة: اشتملت على التعريف بالموضوع مع تحديدٍ للإشكالية الأمّ، مُتبوعةً بالإشكاليات الفرعية.

ـ الفصل الأوّل: عبارةً عن وصف تشخيصي للحضارة الغربية الحديثة كما حلَّلها «غينون». أبرزنا من خلال هذا الفصل الأوهام الغربية التي أدَّت إلى تصعيد المادية وتنزيل الروحانية، والمتمثِّلة في ثلاث أساطير (وهم الحضارة الكونية، وهم التقدُّم الصاعد، وهم العلم الحديث)، والتي يعتبرها «غينون» أديان العصر الحديث.

ـ الفصل الثاني: حاولنا فيه استجلاء مكامن الأزمة التي أصابت الحضارة الغربية، وقلبت قيمها الحداثوية، وتتبّعنا بعض أسبابها، بعد القيام بتمشٍّ أركيولوجيٍّ لكشف جذور الأزمة، ثم كشفنا أهمّ المرتكزات التي شكلت الخلفية الفلسفية والمعرفية والاجتماعية للأزمة الحضارية الغربية، لتنتهي بها في فوضى التشتُّت وفقدان المبادئ، والمتمثِّلة في «هيمنة الكم على الكيف»، و«هيمنة الفردانية والإنسانوية»، و«هيمنة المعرفة ذات الطراز البشري وتنكيس المعرفة الفوق-بشرية»، و«هيمنة التماثلية وإنكار التراتبية» (وهم الديمقراطية والمساواة)، وأبرزنا في كلٍّ من هذه المرتكزات التي ولّدت الأزمة، كيف تم العمل ضدّ التراث الروحي، خاصةً في شكله الديني.

ـ الفصل الثالث: حاولنا فيه تحليل البديل الذي قدّمه «غينون»  كمنفذ لتلافي سقوط وانحلال الحضارة الغربية، والمتمثِّل في الروحانية التراثية. فبعد مساءلة في المفهوم الذي قدَّمه «غينون» للتراث لتصحيح التزييف والتمويه الذي لحق به وجعله مفهومًا مُلتبسًا، انتقلنا إلى إبراز كيفية إنقاذ الحضارة الغربية كما يتصوّرها «غينون» من خلال الاستلهام من الروحانية الشرقية، والتي لا تتمّ إلاّ من خلال «الصّفوة» بالمفهوم الغينوني، والذين سيكونون  هم البصيرة التي تتلافى بها الحضارة الغربية الفناء المحتوم، الذي يتهدّدها إذا ما بقيت مستنكفةً عن القيم والروحية للحضارة.

(12)

ـ الخاتمة: عرضنا من خلالها أهم النتائج التي استطعنا استخلاصها، بعد تلك القراءة والبحث في موقف «غينون» من الحضارة الغربية، مع فتح آفاق بحثٍ في فكره لما يمكن أن يفيد به في الدراسات الإبستمولوجية في علم الأديان والعقائد التقليدية، ومستقبل العلوم الإنسانية المعاصرة والعلاقات الحضارية.

تؤرقنا تساؤلاتٌ كثيرةٌ:

* لِمَ تظهر الروحانيات في عالمنا اليوم وقد استنفذت طاقتها البنائية، فلم تعد عوالمها تُغري الإنسان الحديث فكرًا وسلوكًا، سواءً الغربي أو الشرقي؟

* لِمَ صُيِّر الإنسان اليوم كمًّا وعددًا حسابيًّا، في فكره، وسلوكه؟

* لِمَ آل الإنسان اليوم إلى كائنٍ خاوٍ من الداخل، ألِأنّ عالم الروحانيات مُفلسٌ في ذاته أم لأنّ الرؤية الكونية للإنسان الحديث هي التي أفلست؟

* لِمَ تصلّب المعنى وتلاشت رطوبة الخيال وضاع الكلّ في عوالم اللّامعنى؟

 

(13)
(14)

 

 

 

 

 

 

الفصل الأوَّل

تشخيص «رينيه غينون»

للحضارة الغربيّة الحديثة

 

(15)
(16)

تمهيد 

بعد التغيّرات الراديكالية التي حصلت على مستوى الحضارتين الشرقية والغربية، فُتح سجالٌ حول مصير العلاقة بين الحضارتين ومآلها في المستقبل، فكانت المواقف متباينةً بين من يرى أنّ الشرق والغرب حضارتان متمايزتان إلى حدّ استحالة التقارب بينهما، وبين من ينظر إلى العلاقة نظرةً تفاؤليةً تستشرف تقاربًا ممكنًا وقادرًا على تجسير الهوّة السحيقة التي تفصل بينهما. تلك الفجوة، الموجودة أصلًا، كانت قد بدأت تتسع أكثر فأكثر بعد ما أفرزه عصر الحداثة والأنوار من قيمٍ إقصائيةٍ للآخر، وترسيخٍ لمركزية الذّات الطّهرانية بكل أبعادها. هذا الأمر أدى في النهاية إلى انتكاس هذا المشروع وانقلابه على ذاته مُفكِّكًا الحضارة الغربية من الداخل، وكاشفًا عن اختلالاتها، التي إن لم يتمّ تشخيصها ومعالجتها ستؤدّي إلى فناء هذه الحضارة. هذا ما قام به العديد من فلاسفة الحضارة، ومن أكثرهم جدّيّةً في مجال الدراسات الحضارية الغربية الحديثة الفيلسوف «رينيه غينون»، الذي كشف أوهامها وعرّى أوثانها، مستبطنًا كل تجلّياتها ومظاهرها على المستوى المعرفي والاجتماعي والفكري، منتهيًا الى اعتبارها خرافاتٍ للتمويه على الحقيقة الأصيلة الموصولة بالشرائع الربانية.

ـ فيم تتمثّل هذه الأوهام التي تمركزت عليها الحضارة الغربية الحديثة والتي انزلقت بها في أزمةٍ روحانيةٍ شكّلت طعنةً نجلاءَ لكلّ التراث الروحي؟

ـ هل سيبقى وهم التقدّم صاعدًا في شكل حركةٍ قمريةٍ أم أنّه سيتنكّس على عقبيْه نازلًا في مسار حلزونيٍّ إلى أسفل؟

ـ هل كلُّ تغيّرٍ هو تقدّمٌ، وهل كلُّ ثباتٍ هو تخلّفٌ وركودٌ؟

عن هذه الأسئلة سيجيبنا الفيلسوف الهدّام «رينيه غينون» مُقوّضًا أكبر المقولات المزيّفة التي تَدثّرت بها الحضارة الغربية، والتحفت بها لتُبرّر كلّ أشكال هيمنتها على الحضارات الأخرى.

(17)
(18)

 

 

 

 

 

 

المبحث الأوّل

وهم الحضارة الكونيّة بين الكليانيّة والنسبيّة

 

 

أولًا: الأحكام المسبقة توصيفاتٌ نرجسيّةٌ لسراب الخلود

ثانيًا: الحضارة الغربيّة بين التعدّديّة والأحاديّة

ثالثًا: الحضارة الغربيّة تصعيدٌ للماديّة وتنكيسٌ للروحانيّة 

رابعًا: الحضارة الغربيّة بين التغالب والتدافع

(19)
(20)

أولًا: الأحكام المسبقة توصيفاتٌ نرجسيةٌ لسراب الخلود:

تصنّف حضارة الغرب الحديث الحضارات تصنيفًا تغذّيه النرجسية الأَنَوية وفق المنظور الهرمي العمودي بدلًا من المنظور الأفقي. بلغة الهندسة الرياضية يمكن أن نمثّل الحضارة الغربية بمركز الدائرة والقطب المحرّك والفاعل، وبقية الحضارات هي الأجزاء التي تدور حول المركز والتي تحتلّ الهامش. حيث انتهى هذا التصنيف إلى جعل الحضارة الغربية أعلى وبقية الحضارات أدنى، لتتجسّد جدلية العبد/ السيّد بالمفهوم الهيغلي. فهذه الأحكام ضخّمت الأنا الحضاري الغربي الذي أصبح مشوبًا بالزهو، منتفخًا غرورًا في مقابل تحجيم الآخر الحضاري. وانتهى هذا التصنيف النرجسي إلى السقوط في وهم سراب الخلود أو البقاء السرمدي، وهو ما الذي جعل الحضارة الغربية الحديثة تمارس قهرًا على الحضارات الأخرى لإجبارها على اتّباع قصديّتها المادية. فلو اكتفى الغرب بنزوعه المادي دون أن يجبر الآخرين على أن يسلكوا مسلكه نفسه، وأبْقَى الخيار للحضارات الأخرى تنزع إلى ما تراه ملائمًا لطبيعتها الداخلية، لكان الأمر مقبولًا، ولاستحقّت الحضارة الغربية الحديثة كل الاحترام، لكنّ العكس هو الذي حصل -والتاريخ الحديث شاهد عيانٍ على ذلك- إذ أخذت تُكرِه الآخرين على ترك هوياتهم الحضارية واستقلاليتهم التراثية للتماهي معها معتبرةً نفسها النموذج والمثال الأعلى، لذلك كان «الأمر الأشدّ غرابة، هو دعوى جعل هذه الحضارة الشاذّة النموذج نفسه الذي ينبغي أن تحذوَ حذوه كلّ الحضارات الأخرى، وأن يُنظر إليها على أنّها هي «الحضارة» بامتيازٍ».

إنّ نرجسية الحضارة الغربية وتحيّزها يتجلّيان بوضوحٍ، في ما يُسمى «بالمعجزة الإغريقية» التي تُنسب للحضارة اليونانية باعتبارها، من جهةٍ، بداية المدنية والتحضّر في تاريخ البشرية، ومن جهةٍ أخرى، تشكّل اللحظة الأوّلى لانبثاق العقلانية البشرية التي انتصرت على «الميتوس» بكلّ أشكاله لتدشّن لعصر «اللوغوس»، حيث تمّ إقصاء كل المرجعيات الشرقية التي أخذت منها الحضارة الغربية، ثم تنكّرت لها ورمت بها إلى هامش التاريخ، ولم تعترف حضارة الغرب الحديث إلاّ بالحضارة اليونانية على أنها مهد العلوم والفنون، ما أدّى إلى نشوء ما يطلق عليه «غينون» اسم «التحيّز الكلاسيكي» الذي يقصد به «النزوع إلى إرجاع أصول كل الحضارات إلى اليونانيين

(21)

والرومان[...] حيث إنّ حضارة الغربيين لا تنتمي إلى ما هو أسبق من الفترة اليونانية الرومانية، وتنهل منها فقط في الغالب الأعمّ، فقد اعتقدوا أنّ كلّ الأمور لها المرجعية ذاتها»[1].

هذا التحيّز الكلاسيكي كان وراء سطوع إبستيما «المركزية الغربية» التي تجذّرت في الذّهنية الغربية الحديثة وأصبحت حكمًا مسبقًا وإطارًا قبليًّا مشكّلًا للعقل الجمعي اللاّواعي للتفكير الغربي الذي ينتصر لمقولة «تفوّق الحضارة الغربية»، منتهيًا إلى إدانة الآخر الحضاري، لا لشيءٍ إلاّ لأنّه لا يتقاطع مع المقصد المادي الذي يشكّل جوهر حضارة الغرب الحديث. من هنا أصبح مُسوّغ التحيّز الكلاسيكي حكمًا مطلقًا مشحونًا إيديولوجيًّا ليغطّي كل ذلك التنوع والغنى الذي تزخر به الحضارة الإنسانية، فيتحوّل إلى أداةٍ قمعيةٍ إجهاضيةٍ لكل حضارةٍ غَيرها. هكذا أضحى التحيّز الكلاسيكي منطقًا للغالب على المغلوب بالمعنى الخلدوني، لتخسر الحقيقة، ويتخدّر العقل الغربي، وتتعطّل القوى النقدية الشكّية بعد أن مُورس على العقل الغربي حَجْرًا مقصودًا جعله لا يتقبّل فكرة وجود مرجعيةٍ أخرى لحضارة الغرب الحديث غير «الحضارة اليونانية» التي سُميت بالمعجزة الإغريقية، حتّى أصبح عاجزًا عن الاعتراف بوجود حضارةٍ أو حضاراتٍ متفوقةٍ على حضارتهم سواءً في الماضي أو في الحاضر.

وهكذا أصبح الغربيّون ينظرون إلى غيرهم نظرةً دونيةً، لأنهم «يعانون من صعوبة فهم مسألة وجود حضارةٍ أخرى تامة الاختلاف وأكثر إيغالًا في الماضي من حضارتهم»[2]، والحضارات الموغلة في الماضي التي يقصدها «غينون»، هي تلك التي تضرب بجذورها إلى ما هو أقدم من الحضارة اليونانية، وهي الحضارات الشرقية القديمة كالحضارة الهندوسية والمصرية... إلخ، ما يجعل «الحضارة اليونانية ذاتها بعيدةً كلّ البعد عن امتلاك الأصالة التي يعزوها إليها أناسٌ ذوو رؤيةٍ محدودةٍ، والذين لا يتورّعون عن ادّعاء أنّ اليونانيين قد فضحوا أنفسهم حين اعترفوا بدينهم للمصريين أو الفينيقيين أو الكلدانيين أو الفرس، أو حتى للهند».

(22)

لقد أكّد الكثير من مفكِّري وفلاسفة الحضارة الغربية ما أقرّه «غينون» بشأن عدم أصالة الحضارة اليونانية، حيث يقول تيوكاريس تيسيديس: «لقد أثبتت إقامة علاقاتٍ مباشرةٍ وثيقةٍ مع الشرق، فائدتها الجمّة بالنسبة إلى ازدهار اقتصاد المدن اليونانية وثقافتها... وكان ازدياد الاتصالات مع الشرق، ومع المستعمرات البعيدة، ومع العالم غير الإغريقي بشكلٍ عامٍّ، يدفع بالرقيّ الصناعي والتجارة، قُدُمًا، ويوسّع أفق الهيلينيين»[1]. إذًا، لا يمكن إنكار الدور الطليعي للحضارات الشرقية الماقبل-يونانية على الحضارة الغربية بدايةً من اليونان ذاتها، وهذا ما يوضّحه لنا أيضا «جيمس هنري برستيد» عالم المصريات الأمريكي في كتابه، «انتصار الحضارة»، الذي تحدّث فيه عن حضارة مصر وجيرانها في الشرق القديم باعتبارها أصل الحضارات في العالم، حيث بدأ بتاريخ حضارة مصر القديمة، وتناول قصتها من أقدم العصور مرورًا باكتشاف الزراعة وعصر الاستقرار، ثم نشأة الكتابة والعصر التاريخي والذي تنطلق فيه مصر لتسجّل أعظم تاريخٍ عرفته البشرية في عصر بناة الأهرام بما فيه من رقيٍّ في الفكر والعقائد ورقيٍّ في الإدارة والإقتصاد، ورقيّ فنون العمارة والنقش والنحت، وقد اعترف «برستيد» بتأثير الفرس على الإغريق قائلا: «لقد أدّى اندماج تلك الحضارات القديمة التي نشأت في الشرق الأدنى... إلى اندماجٍ أقوى بين حضارات الشرق الأدنى وبين الحياة في أوربا الغربية إلى درجةٍ لم تكن ميسورةً من قبل. ولم تكن تلك الحروب بين بلاد الفرس وأوربا ذات أهميةٍ كبرى بالنسبة لبلاد الفرس، ولكنها كانت العامل الأساسي في تطوّر تاريخ بعض الأمم الصغيرة مثل الإغريق»[2]. من خلال هذا الاستشهاد يتجلّى لنا بوضوحٍ اعتراف الغربيين أنفسهم بالمدّ الحضاري للشرقيين القدامى وتأثيراتهم على اليونان، ولا أحد يمكن أن يجحد هذه الحقيقة، ما ينفي ذلك التحيّز الكلاسيكي، فيصبح بلا مبررٍّ، لأنّ التاريخ يدحضه، لا باعتراف الشرقيين فقط بل باعتراف الغربيين أنفسهم، الذين ما زال فيهم من ينتصر للحق في أحيانٍ كثيرةٍ.

يعترف بعض الغربيين المنصفين بالإمدادات الشرقية للحضارة الغربية، وبأنّ هناك تشويهًا لحضارات الشرق القديم من طرف بعض مؤرخي الإغريق المسكونين بالمعجزة الإغريقية، من

(23)

هؤلاء «برستيد» الذي يقول: «كتب المتأخِّرون وخاصةً الإغريق عن الحكام الفرس وصوّروهم لنا كطغاةٍ شرقيين قساة القلوب غير متحضّرين، ولكنّ هذا الوصف مليءٌ بالتحامل وخاصةً إذا تحدّثنا عن الحكّام الفرس الأوّلين. فلقد شعر بعض هؤلاء الأباطرة الفرس شعورًا عميقًا بواجبهم في أن يهيّئوا حكومةً عادلةً لأمم الأرض. فيقول دارا الأكبر في نقش بهستون: ولهذا مدّ أهورامزدا يد المساعدة لي... لأنّي لم أكن شرِّيرًا ولم أكن كذوبًا ولم أكن طاغيةً، وما كان أحدٌ من أجدادي هكذا، لقد حكمت طبقًا لقواعد العدل»[1].  إنّ هذه التزييفات التاريخية، المقصودة تنمّ عن أنويةٍ غربيةٍ مستعليةٍ، تدّعي دائمًا أنّها مولّد كل القيم الإنسانية، كما يدلّ على أن دراستهم للتاريخ لم تكن لأجل الحقيقة، بل كانت دراساتٍ مُشبعةً بالإيديولوجيا المنغلقة ذات الخلفية التاريخية لدكتاتورية الحضارة الغربية التي ظلت مستنكفةً عن الاعتراف بِدَيْنِها للحضارات الشرقية الماقبل-يونانية، ما كوَّن تناقضًا في التصورات حول تلك الحضارات، والذي لا يمكن إلاّ ردّه كما يقول «غينون» إلى المغالطات التأريخية، باعتبارها مشكلاتٍ تؤرّق وتحيّر المستشرقين، ما يجعل «الحقيقة الواقعة هي أن النتائج التي يستبطنونها لا تزيد أو تقل عن فرضياتٍ وهميةٍ، وقد فشلوا حتى في الاتفاق عليها»[2]. فالكثير من النظريات العلمية الحديثة تُعزَى إرهاصاتُها إلى اليونان على اعتبار أنهم مهد العلوم، كالنظرية الذرية -على سبيل المثال لا الحصر- التي تُنسب إلى «هراقليطس» اليوناني، في حين يعتقد «غينون» أنّ «نظرية الذرات كانت شائعةً في الهند أيام مدرسة كانادا في الفلك، وقبل وصولها إلى اليونان بأمدٍ طويلٍ»[3]، كما أنّ الكثير من فلاسفة اليونان تأثّروا بما كان سائدًا من قيمٍ في الحضارات الشرقية، فقد كان «»أفلاطون» يحلم بدولةٍ ذات استقرارٍ سياسيٍّ بينما كان يعيش في ظل ديمقراطيةٍ تحفل بالحركة. وكانت «مصر» أنموذجه. وقد ألهمت «مصر» الحضارة الإغريقية أيما إلهامٍ»[4]، وعلى الرغم من الحقيقة التاريخية الساطعة التي دحضت مقولة «التحيّز الكلاسيكي» مؤكدةً على أنّ كل علوم اليونان وفلسفتهم قد انتقلت إلى الغرب

(24)

عبر المسلمين الذين كانوا وسطاء وسعاة بريدٍ للحضارة اليونانية، حيث عملوا على تمحيص تراثها وأشبعوها بالروح الشرقية الأصيلة. كل ذلك ولم يتنازل الغربيّن عن أسطورة أنهم ورثة الإغريق.

كما أكّد «روجي غارودي» على أنّ «الغربيّين يدينون بعصر النهضة لـ «الغزو« العربي الذي عرف كيف يخلق الشروط الفكرية اللازمة لتفتحه. وهذا الغزو قد جعل من الممكن، أولًا، انبثاق الثقافات القديمة بدءًا من الثقافة الهيلينية... وعندما غدت أوربة غير قادرةٍ في مستهل القرن التاسع على معرفة القراءة، افتتح الخليفة «المأمون» في «بغداد» بمساعدة جيشٍ من الكُتّاب والمترجمين مكتبةً ضخمةً هي: «دار الحكمة» وكان يحفظ فيها جميع آثار الحضارات القديمة»[1]. لذلك يصبح التحيّز الكلاسيكي لا مبرّر له.

 لقد انكشف زيف خدعة الأصل الإغريقي لحضارة الغرب الحديث، من خلال الكثير من الدراسات التاريخية والأنتربولوجية والحضارية التي جاد بها مفكرون التزموا الحياد، ولم ينتصروا إلاّ للحقيقة، بعد أن قاموا بتمحيصٍ لكل ما كتب عن الحضارة الغربية الحديثة كامتدادٍ للمعجزة الإغريقية، وقد كان «روجي غارودي» واحدًا من هؤلاء الذين أسقطوا ذلك الوهم، وهو الذي يقول: «إذا ما ورفضنا اعتبار «الغرب» ماهيةً جغرافيةً، ونظرنا إليه باعتباره حالةً فكريةً متجهةً نحو السيطرة على الطبيعة والناس، وجدنا أنّ مثل هذه النظرة إلى العالم ترقى إلى الحضارة الأوّلى المعروفة، تلك التي ظهرت في دلتا >دجلة< و>الفرات< في بلاد الجزيرة وهي >العراق< اليوم»[2]، إذًا، فصفة المعجزة التي اتسمت بها الحضارة اليونانية، تسقط، لأنها حضارةٌ تشكّلت من منابعَ شرقيةٍ أصيلةٍ، والغرب يريد طمر هذه الحقيقة بأي ثمنٍ.

لكن يبدو أنّ الاعتداد بالذات الغربية يظلّ متصاعدًا، وأنّ غرورها في ازديادٍ، إذْ على الرغم من تفاعلاتها الحضارية مع بقية الشعوب إلاّ أنّ معرفتها بهم بقيت فاقدةً للموضوعية العلمية، خاصةً معرفتها بالعرب والمسلمين، التي امتزجت دائمًا بمفاهيمَ دونيةٍ على الرغم من احتكاكها ومعاشرتها

(25)

لهم أيام الحروب الصليبية، إذ أكد الكثير من مؤرّخي الحروب الصليبية العلاقة المباشرة التي كانت تجمع الغرب بالشرق، مثل ما نجده في اعتراف «رانسيمان» بأنّ نمو الحضارة الغربية كان من خلال تفاعلها مع الشرق قائلًا: «لقد كانت انتصارات الحملة الصليبية انتصاراتٍ للإيمان. ولكنّ الايمان دون حكمةٍ خطيرٌ. ففي التتابع الطويل للتفاعل والانصهار بين الشرق والغرب الذي نمت حضارتنا -يقصد الغرب- من طياته... ولم تكن الحرب المقدّسة نفسها أكثر من عملٍ طويلٍ من التعصّب باسم الرب»[1]، وفي السياق ذاته أبانت «زيغريد هونكة»، في كتابها «الله ليس كمثله شيءٌ»، الافتراءات الغربية على الحضارة العربية الإسلامية حيث تقول: «حين دامت الحروب الصليبية قرابة ثلاثة قرونٍ... واستمرت الحروب بين العرب والأوربيين، وكانوا في تلاحمٍ يوميٍّ في الحرب والسلم. ومع ذلك -وهذا أمر لا يصدّق- بقيت معرفة الأوربيين بالعرب وبحضارتهم وتاريخهم، وطباعهم المختلفة عن الطباع الأوربية معرفةً سطحيةً للغاية»[2].

لقد مثّلت الحروب الصليبية تاريخًا دمويًّا مزّق الشرق، ولا زالت رواسبه باقيةً إلى اليوم، ليواصل المستشرقون المؤدلجون تصعيد منسوب الحقد التاريخي. فما كان على الفرد الغربي الحديث -عبر عملياتٍ إيحائيةٍ- إلاّ أن يمتصّ هذا الوهم، فيتجذّر في ذهنيته ويترسّب في اللّاشعور الجمعي للإنسان الأوربي، حتى أصبح هاجسا يؤرّق يومه وغده. وبقي الوهم يتسع ويمتد، ليتحوّل إلى عداءٍ مُبطّنٍ لحضارة الشرق بدءًا من «الخطبة التي ألقاها البابا أوربان الثاني سنة 1095م والتي دعا فيها الفرسان إلى أن يقسموا على المسير إلى الشرق بهدفٍ مزدوجٍ هو تحرير المسيحيين من نير الحكم الإسلامي وتحرير قبر المسيح، الضريح المقدّس في القدس من السيطرة الإسلامية»[3]،  والتي كانت كما يقول «ليوبولد فايس»: «إعلانًا من البابا أوربان الثاني -دون أن يدري- عن

(26)

ميثاق المدنية الغربية... فالأذى الذي جلبته الحروب الصليبية لم يقتصر على اصطدامٍ استعملت فيه الأسلحة، بل كان، قبل كل شيءٍ، أذًى عقليًّا، نتج عنه تسميم العقل الغربي ضدّ العالم الإسلامي عن طريق تفسير التعاليم والمثل العليا الإسلامية تفسيرًا خاطئًا متعمّدًا... فالعداوة للإسلام صاحبت المدنية الأوربية»[1].

لقد ظلَّت النرجسية الحضارية للغرب تتضخّم، وفي كلّ مرّةٍ تتخذ دِرعًا واقيةً لتحافظ على أوهامها، وكحيلةٍ دفاعيةٍ تخلق عدوًّا وهميًّا هو «الخطر الشرقي» كما يقول «غينون»، من خلاله «يتوهّم الغرب أنّ الأخطار خارجيةٌ لكنها في الحقيقة داخليةٌ، فإمكانية انهياره ستكون من الداخل لا من الخارج، فلا أحد من الشرقيين يفكّر في الهيمنة على الغرب أو استعماره»[2] فاختلاق وهم «الخطر الشرقي» ليس إلاّ وسيلةً يبرّر بها الغرب جرائمه، في حين أنّ الخطر الحقيقي، في اعتقاد «غينون»، «يكمن في طبيعة الحضارة الغربية، في ماديتها الصِّرفة»[3]، فوهم الخطر الشرقي جعل الغرب يتوجّس خيفةً ورعبًا من صعود حضارات الآخر المغاير، خاصّةً من عودة الحضارة الإسلامية التي دخلت حالةً كمونيّةً مؤقتةً فقط، لأنّ تكلّسها كان بفعل الانتكاسات الداخلية المتتالية التي نخرتها، ووأدت مفاعيلها الخلاّقة، والتي، على الرغم ممّا ألمّ بها، قد تعود من الموت الآني لتحفر قبر الحضارة الغربية وتستردّ المجد الذي كان لها يوم كان التراث الروحي التقليدي هو المهيمن. إنّ فوبيا الآخر الحضاري أصبحت تسكن في المخيال الغربي بعد أن مأسس لوهم «الخطر الشرقي»، الذي أجّج للتصادم بين الشرق والغرب.

إذًا، لم تعد تلك المبرِّرات الطفولية تُجدي نفعا، لأنّ الحقيقة لم تعد خافيةً لا على الشرقي ولا على الغربي ذاته مهما بذل الغربيون من محاولاتٍ لتورية ذلك التصدّع الذي أصاب حضارتهم من الدّاخل، وباعتراف الكثير من الغربيين كـ «هارالد موللر» الذي يؤكّد على أنّ «أسس الثقافة الغربية معرّضةٌ للخطر، ولا طريق يمرّ بهذا الإدراك، وعليه فإنّ النقد الموجّه للغرب من قبل آسيا

(27)

والعالم الإسلامي ليس ببساطةٍ تفريغًا ساخرًا لتطلّعات السّيطرة المقنّعة، بل إنّه يضع الإصبع على جرحٍ حقيقيٍّ، بصرف النظر عن دوافعه»[1].

لذلك كان وهم «الخطر الشرقي»، الذي نسجته الحضارة الغربية بمخيالها، والذي عمّمته عبر الإيحاء الجماعي، حتى استوطن في اللاشعور الجمعي للجمهور الغربي، كان سببًا من بين أقوى الأسباب عند «غينون» التي بترت العلاقة بين حضارة الغرب والشرق، وأجهضت كل محاولات التقارب بين الحضارتين، فلم تثمر تلك الجهود على الرغم ممّا يظهر من صدقٍ في بعض النوايا.

«هكذا ظلَّت الحضارة الغربية الحديثة عبر آلية الأحكام التعسّفية المسبقة تقف ضدّ الحضارات الشرقية، فلا تفوّت أيّ فرصةٍ، لإدانة الشرق، لا لشيءٍ إلاّ لأنّ الشرق غير مهووسٍ بمادية الحضارة الغربية، وينتشي بروحانيته الأصيلة، وإذا كان بإمكان الشرقي أن يتحمّل صابرًا هيمنة الغرب المادية، فلأنّه يعلم نسبية الأشياء العابرة، ولأنّه يحمل في أعمق أعماق ذاته، الوعي بالخلود أو الشعور بالديمومة (أو بالآن الدائم حسب المصطلح الصوفي)»[2].

«فلأنّ الغرب لم يتخلّ بعد عن أحكامه التعسّفية المسبقة إزاء الشرق زادت الفرقة واتسعت في العصر الحديث الذي ألغى وقطع الصلة بالمقصد الروحي الذي هو عند الشرق المقصد الأصيل والأسمى الذي يعلو في مرتبته عن المقصد المادي وهذا ما نفهمه مما قاله «غينون»: «فالغرب هو المطالب بالاقتراب من الشرق، إذ هو الذي ابتعد عنه، ولا جدوى في أن يُقنع الشرق بالدنوّ منه»[3]. لذلك يخطئ الغرب عندما يطلب من الشرق الاقتراب منه، وكأنه هو الذي تغيّر وابتعد، في حين أنّ العكس هو الذي حصل، وبالتالي فمن تغيّر وابتعد هو المُطالَب بالعودة. هكذا تبقى الأحكام المسبقة، ذلك الإطار القبلي الجاهز الذي يشكّل «الخريطة الإدراكية»[4]، التي تحدد الرؤية

(28)

والإتجاه، والتي تعوق كل سبل التقارب بين الحضارات، كما أكدت في السياق ذاته «زيغريد هونكة» على أنّ «المزاعم هي الآراء المسبقة التي تتسبب في جعل تفهّم الشعوب بعضها بعضًا أمرًا صعبًا وتيسر الازدراء بينهم»[1].

تمثّل الأحكام المسبقة خريطةً إدراكيةً جاهزةً -بتعبير عبد الوهاب المسيري- تحدّد بشكلٍ قَبْليٍّ الرؤية للآخر، فتكون الأحكام على الآخر إسقاطاتٍ جزافيةً، موسومةً بنظرةٍ رُهابيةٍ بمفهوم علم النفس، مكوِّنةً «عقدة التوجّس» من الآخر، والتي تترسّب وتتراكم في العقل الباطن، فتتداعى إلى الذهن بشكلٍ إيحائيٍّ فكرة التآمر على الذات التاريخية بكلّ أبعادها (الثقافيّة، والدينيّة، والاجتماعيّة...)، وهذا ما أدّى إلى تشكيل منظومةٍ معرفيةٍ تاريخيةٍ حاقدةٍ على الشرق (خاصةً الإسلام)، ازدادت رسُوخًا بفعل كتابات الكثير من مؤرخي الأديان والمستشرقين المُشوّهة لصورة الشرق الإسلامي، لا لشيءٍ، إلاّ بفعل نفاذ عقيدة المسلمين وديانتهم وانتصارها الظّافر على المسيحية، ما يؤكّد أنّ العداء المتأصّل مصدره الكراهية الدينية التي كانت الحروب الصليبية أقوى تجلٍّ وأعنف مُمثّلٍ لها، إذ عرف فيها المسلمون أشدّ أنواع التعذّيب والقتل، لتستمرّ هذه الكراهية الحاقدة إلى اليوم، ليصبح الإسلام هو هاجس الغرب وبؤرة التوتّر الدّيني والبعبع الذي يخوّف به شعوبه، خوفًا من فوزه على كلّ الديانات التوحيدية التي حُرّفت ليكون المستقبل للإسلام الروحاني، بعد أن تزايد عدد المسلمي، ما يراه الغربيون خطرًا على المسيحية وعلى اليهودية، وتهديدًا وجوديًّا لحضارة الغرب عمومًا.

لطالما رسم الغرب تاريخ العرب المسلمين على أنّه تاريخ عنفٍ فكريٍّ وجسديٍّ... إلخ. إن الكثير من الدراسات الغربية، التي تناولت تاريخ بعض الظواهر العالمية، لم تحاول أن تقف عند أسبابها الموضوعية وعللها الحقيقية بل قامت بتعميم حكمٍ مسبقٍ مبنيٍّ على قيم العداء والتعصّب للإسلام والمسلمين. إنّ الأحكام المسبقة تعمل دائمًا على قلب الحقائق وتزييفها، وبدلًا من رأب

(29)

الصدع بين حضارات الشرق والحضارة الغربية والتأسيس لأرضيةٍ للتفاهم على المبادئ، كما يعتقد «غينون»، فإنّ الشقاق يتّسع أكثر فأكثر، لترسم تلك الأحكام بذلك لوحةً معتمةً ملتبسةً عن الشرق «تعوق التعرّف الموضوعي على عالمهم الروحي وعلى دينهم وتاريخهم وثقافتهم، ويبدو أنها ما زالت تسيطر حتى اليوم على الرأي العام عن العرب من خلال تزييف التاريخ»[1]. هكذا بنت الأحكام التعسّفية المسبقة جدارًا عازلًا بين الشرق والغرب، ومثّلت الشرق الذي يدين بالإسلام في صورة الشعب الهمجيّ المتوحّش الذي لا زال يعيش في مرحلة ما قبل الإنسان العاقل، أي في مرحلة ما قبل الارتقاء، بالمفهوم الدارويني السّاذج.

ففي تصور «غينون»، أدت الأحكام المسبقة، بشكلٍ مباشرٍ، إلى عدم حصول التقارب بين الشرق والغرب، لأنّ الحضارة الغربية تحاول فهم الشرق انطلاقًا من مصطلحات الغرب لا مصطلحات الشرق، أي وفق فهمٍ مبنيٍّ على إسقاطٍ تعسّفيٍّ، فما يتعارض مع قيم الحضارة الغربية لا تنظر له من زاوية التسامح، بل من زاوية الإقصاء، والتهوين الذي فتّت عضد الحضارات الأخرى.

يشتدّ التعصّب وتتفاقم النرجسية الغربية، ليعبّر أحد الفلاسفة الغربيين الأمريكيين، وهو «بال فرغسون»، متبجّحًا بحضارته قائلا: «أعتقد أنّه ليس مغالاةً في حبّ أوربا، ولا مغالاةً في معاداة الشرق، قولُنا أنّ نهوض الحضارة الغربيّة هو أهمّ ظاهرةٍ تاريخيةٍ وحيدةٍ، بعد ظهور المسيح في النصف الثاني من الألفية الثانية»[2]، حتى إنّ «بال فرغسون» يبرّر هيمنة الغرب على العالم، ويصرّح بأنها مشروعةٌ لاعتقاده بأنّ «التفوّق الغربي وحده لم يكن هو العامل الذي أدّى إلى السيطرة على معظم أنحاء بقية العالم واستعماره، بل، أيضًا، الضعف المفاجئ الذي أصاب منافسي الغرب»[3].

إنّ الكثير من مؤرخي الحضارات ومن المستشرقين وعلماء الأديان، لم يكونوا حياديين في كتابة

(30)

التاريخ الحضاري للشرق عامّة وللعرب ]المسلمين[ خاصةً، إذ كانت صورتهم دائمًا في مخيال هؤلاء هي صورة الهمج ]البرابرة[ بكل لوازم هذه التوصيف. هكذا «تزايد التعصّب ضدّهم نتيجةً لتزييف الحقائق التاريخية التقليدية منذ مئات السنين. وكان المراد من استمرار تشويه صورة العرب ]المسلمين[ في موجة العداوة القديمة التي بدأت في القرون الوسطى ضدّ الخصوم «الكفرة» الذين أطلق عليهم الغرب «المحمديين» أن تمتد موجة الكراهية وتستمر»[1]، فكراهية الغرب للعرب ]المسلمين[ لم تكن إلا بسبب كراهية عقيدتهم التي هي الإسلام كما تقول «زيغريد هونكة». هذه الكراهية تمتد إلى العصور الوسطى، وتستقي مقولاتها الإقصائية من ترسبات العهد الكهنوتي الإكليروسي، الذي كان يعتبر أيَّ ديانةٍ غير المسيحية هرطقةً[2] وصاحبَها مارقًا ينبغي قتله. لقد كانت الكنيسة تعتبر أنّ المسيحية هي الديانة الوحيدة الصحيحة، وهي الشكل الأورتودكسي للإيمان القويم، وأنّ الإسلام يمثّل منافسًا قويًّا للمسيحية خاصةً بعد الانشقاقات التي مزّقت المسيحية من الداخل وجعلتها ديانةً هشّةً ترزح في لجّة تأويلاتٍ فردانيةٍ مشوّهةٍ.

بقيت الحضارة الغربية الحديثة ترزح تحت وطأة التحيّز الكلاسيكي، فلم تتمكن من الإفلات من عقاله، فالأحكام المسبقة لها من قوة الثأثير والصمود ما آل بها إلى وصايا أزليةٍ تُشرنق المعيش الراهن للحضارة الغربية الحديثة (فكرًا، ومعرفةً وسلوكًا...)، فتلك الأحكام نفذت إلى العمق الغائِر لإنسان العصر الحديث.

هكذا تتنزّل الأحكام المسبقة لتشكّل رؤية الغربي للعالم، وللحياة بكل تفرعاتها، وترسم مسار

(31)

الحياة الفكرية والسياسية والاجتماعية والفلسفية والفنية، فلا تترك زاويةً إلا وأحكمت القبضة عليها، فتم مصادرة حقوق الآخر الحضاري في أن يكون حاضرًا في العالم. لقد شحنت الأحكام المسبقة الكثير من المستشرقين الذين أدانوا الحقيقة وصادروها لصالح إيديولوجيَاهم المقيتة، والسبب هو كونهم لديهم «ميلٌ جارفٌ إلى إسقاط كل الحضارات القديمة من الحسبان كلما أمكن، وغالبًا ما يقدمون على هذا الرغم أنف أي منطقٍ، كما لو كانوا يشعرون بالحرج من حقيقةٍ استطاعت تلك الحضارات في أزمانٍ غابرةٍ أن تعيش في أوجها، والتي استقت منها مباشرةً، ويبدو أنّ هذه هي الأعذار الوحيدة لأفكارهم المسبقة العرجاء»[1]. فالغربيون، في التصوّر الغينوني، يريدون تحويل الوهم إلى حقيقةٍ ولو على حساب الحقيقة ذاتها، ليظهروا هم بمظهر مبشّري الإنسانية ومالكي الحقيقة وصانعي الحضارة، وأنّهم هم الروح البروميثيوسية التي تسكن العقل التاريخي.

إنّ دّاء للحضارة الغربية كلّه، وفق تشخيص «رينيه غينون»، يكمن في «الأحكام المسبقة» التي تجذّرت فيها، وجعلت العلاقة بينها وبين الحضارات الشرقية علاقةً صِداميةً، لا زلت قائمةً إلى اليوم على الرغم من كلّ محاولات الحوار، التي لم تنجح لأنّ الغرب لا زال غارقًا في أحكامه المسبقة، إذ «لو يتخلّى الغرب عن أحكامه المسبقة، فإنّ نصف العمل المطلوب يكون قد أنجز»[2]. لأنّ بداية الفرقة والانفصال عن الشرق بدأها الغرب عندما تحامل على الشرق وأنزله إلى مرتبةٍ حضاريةٍ سفلى.

ثانيًا: الحضارة الغربية بين التعدّدية والأحادية:

 إن الرؤية الاختزالية تجتاح الخريطة الإدراكية لحضارة الغرب الحديث، متجاوزةً منطق التعدد، لتؤسس لحضارةٍ كونيةٍ، حيث تقفز على سنّة التنوع الغني الذي حكم الحضارة الإنسانية منذ ميلادها، وبذلك تُكوّن لرؤية مبتسَرةٍ، تنزلق في فخّ الدوغما، الذي حاربته العقلية الحديثة نفسها، ولأجله نصبت مقصلةً للإله وأعدمته. لكن الحضارة الغربية التي تدّعي، نفاقًا، الاستنارة التي ورثتها عن عصر الحداثة، والتي لأجل الحرية والعدل والمساواة قامت في رحابها تلك الثورة

(32)

الفرنسية الأكثر دمويةً في تاريخ أوربا الحديث، هي في الحقيقة حضارةٌ ظلاميةٌ بامتيازٍ، لأنّها تمارس دكتاتوريةً حضاريةً، وتحت قناع المساواتية، والتماثل المطّرد، تريد تنميط كل الأشياء، بما فيها البشر، وحتى الحضارة. ففي مخيال عقلها الإمبريالي التسلّطي وفكرها الاحتكاري، أنّها ملزمةٌ بمشاركة تلك الغنيمة الحداثية، أي اقتسام النور الذي شعّ في فضائها مع بقية الحضارات، التي هي في عرفها التاريخي، لا زالت بدائيةً همجيّةً، تحتاج لمن يأخذ بيدها، وتحت غطاء الهيومانيزم (الإنسانوية)، يصدّر الغرب ما يسميه «الحضارة الكونية» و «الثقافة العالمية». إنّه يريد جعل كل القيم بكل متضمناتها، قيمًا سيبرنيتيةً كوكبيةً، متجاوزةً للقوميات وللأعراق وللجغرافيا وللتاريخ، لنصبح أمام «حضارةٍ إنسانيةٍ كونيةٍ» تتماهى فيها كل الحضارات وتنصهر، والمعيار لذلك هو التماثل والتشابه والتجانس المطّرد المطلق بين البشر. كلّ ذلك باسم وهم «المساواة الحضارية»، التي كانت وراء كل أشكال التدمير للتراث الروحاني الأصيل، ذلك التراث الذي لا تستوعبه إلاّ الصفوة من كل حضارةٍ.

لذلك يهدم «غينون» وهم الحضارة الكونية، ويرفض تعميم هذا الوهم باسم «الإنسانية الواحدة»، إذ تظلّ النسبية هي التي تحكم الحضارة الإنسانية، ولا مجال للحديث عن تطابقٍ مطلقٍ، لأنّ «التحدّث عن الحضارة مطلقًا، يساهم في الحفاظ على ذلك التحيّز. وفهم كهذا للحضارة على أنها كيانٌ واحدٌ، هو أمرٌ ليس له وجودٌ في الواقع وعلى مستوى الممارسة، فقد كان هناك دائمًا وما يزال حتى الآن حضاراتٌ كثيرةٌ»[1].

على الرغم من وجود الكثير من الغربيين المزهوّين بحضارتهم العرجاء، والذين يناصبون العداء لكل ما ليس بغربيٍّ، إلاّ أنّ هناك وجهًا مشرقًا في الغرب لدى البعض الذين لم تعمَ بصيرتهم عن رؤية الحقيقة. من بين هؤلاء «أرنولد توينبي» الذي يُشهَد له بالموضوعية والحياد في موقفه من الحضارات، فلم يكن ذلك الغربيَّ المغرورَ بتفوّق حضارته، بل إنه تنبأ بإمكانية انهيارها إذا استمرت في الاستنكاف عن درس البعد القيمي والروحي في علاقته بالمنتوج الحضاري.

(33)

  لقد هدم «توينبي» وهم «الحضارة الكونية» في كتابه «بحثٌ في التاريخ»، الذي تناول فيه بالتحليل الموضوعي الحضارات وكيفية تشكّلها ونموّها، ثم انهيارها. لقد أكّد أنّ الحضارة الغربية غارقةٌ في وهم التفوّق الذي حققته بفضل التقدم في المجال المادي، مقارنةً بالحضارات الأخرى، ما يخوّل لها، بزعم أبنائها المتعصّبين، السيطرة والهيمنة على العالم من خلال القضاء على فكرة نسبية الحضارة وإحلال مقولة «الحضارة الكونية»، التي هي في منظور الغربي، «الحضارة الغربية». عندما يحلل «توينبي» هذه الرؤية التعسّفية ليستكشف أصولها، ينتهي إلى تحديدها في ثلاث جذورٍ (أوهامٍ) هي:

الأوّل: «الوهم أو الخداع المنبعث عن الأنانية الغربية»[1]: وهو لا يختلف عن تصور «غينون» الذي سمّاه «التحيّز الكلاسيكي والأحكام المسبقة»، حيث يتصوّر الغربيون من خلال هذا الوهم أنهم شعب الله المختار، وأنّ عرقهم مبدعٌ ويتميّز بامتلاك صفات الذكاء الأعلى بين الأعراق البشرية[2].

الثاني: «الوهم القائل بالشرق الذي لا يتبدّل: وهو وهمٌ سوقيٌّ لا يقوم على أساسٍ من البحث والتمحيص»[3]، ويُقصد به أنّ الشرق راكدٌ لا يتقدّم، وبالتالي، لا يمكنه أن ينتشل ذاته من ذلك سباته الحضاري الذي أخرجه عن دائرة المكان (الحضور المادي)، وعن دائرة الزمان (الحضور التاريخي والثقافي). هذا الوهم هو الذي دفع الغرب إلى اجتياح الشرق، وإلى إنفاذ عقله المادي إلى الخارج، كما يقول «غينون»، فحكم على الشرق بأنّه ساكنٌ لا يتبدّل، وهذا حكمٌ استشرافيٌّ لمستقبلٍ مجهولٍ للشرق انطلاقًا من حاضرٍ معلومٍ نسبيًّا. وهكذا أُقصي من دائرة الحكم، ماضي الشرق الحافل بالحضور (الفعل الحضاري) المكاني والزماني، وما هذه النظرة إلاّ رؤيةٌ ذاتيةٌ تفتقر إلى الرصانة العلمية، وتندرج في سياق الرؤية الغربية العامّة، التي تتّسم بالروح الاختزالية التبسيطية.

(34)

هذه هي الحضارة الغربية الإقصائية التي تقوم دائمًا بحصرٍ تعسّفيٍّ للقوانين الكونية عليها فقط، وكأنّ بقية الشعوب تخرج من دائرة السنن الكونية.

الثالث: «التقدّم يسير في خطٍّ مستقيمٍ: فهو مثل ما يبديه العقل الإنساني من ميلٍ إلى الإغراق في التبشير والتبسيط في جميع نواحي نشاطه، فإنّ مؤرخينا -يقصد الغربيين- في تقسيمهم التأريخ إلى أدوارٍ ينظّمون أدوارهم بسلسلةٍ واحدةٍ تتصل حلقاتها بعضها ببعضٍ كما تتصل أجزاء عود الخيزران بين عقدةٍ وعقدةٍ»[1]. هذا يعني أنّ «التقدّم» الذي تزهو به الحضارة الغربية وتحاول تعميمه، هو في الحقيقة ناتجٌ عن رغبتها الاستعمارية في السيطرة على الشعوب الأخرى التي تختلف عنها في نشاطاتها.

إنّ التاريخ ليس خطًّا مستقيمًا، بل هو خطٌّ منحنٍ، يصعد وينزل، وحضارات الشرق -خاصةً بلدان العالم الإسلامي التي تبدو اليوم وكأنها تعيش بمنطق العقل المستريح والمستقيل- يمكن لها أن تنهض لتكون صانعةً للحضارة من جديدٍ، فهي تحتاج إلى إعادة فهمٍ وتحليلٍ للواقع الراهن، والبحث في تراثها عن آليات الإحياء، خاصةً وأنّ مستقبل الحضارة الغربية مهدّدٌ، بعد انبثاق أزمةٍ في المعنى والقيم بدأت تنخر الحضارة الغربية وتشتتها وتفقدها قوى التماسك. تلك القيم التي لا زالت حيةً في الشرق، يمكن بعثها لإحياء الشرق الراكد ولإنقاذ الغرب المتأزّم والنازل إلى الهاوية كما يقول «غينون»، حيث أبرز «إيريك يونس جوفروا» أنّ المستقبل سيكون للإسلام الروحاني، من خلال إعادة إنتاج وتخصيب المعنى، الذي تلاشى في حضارة الغرب الحديث نتيجةً لتضخّم العناصر السفلية للإنسان الحديث.

كيف يُعقل أن يطمح الغرب في بناء هذه «الإنسانية الواحدة» وهذه الحضارة الكونية، والتاريخ شاهدٌ، منذ القِدم، على أنّ لكل حضارةٍ ميولها وأنشطتها ومقاصدها، وكما علّمنا التاريخ، لقد كانت الحضارات الشرقية ذاتَ توجّهٍ روحانيٍّ، صاعدةً دومًا إلى السماء، ولا زالت كذلك إلى اليوم على الرغم من كلّ عمليات التحريف والتزييف التي حاولت اختراق التراث الشرقي لتدميره، سواءً

(35)

من الداخل بأيدي المهووسين بحضارة الغرب، أو من الخارج بأيدي المستشرقين الذين يتحركون دائما خلف الستار بمنطق «التحيّز الكلاسيكي».

إنّ التاريخ يطالعنا بذلك الزخم الهائل من التعدد والتنوع في النشاطات التي استوطنت الحضارات الإنسانية، التي انهار بعضها واندثر، أو التي قد تمّت إبادتها، أو التي لا زالت تقاوم لأجل البقاء، حيث كشف لنا الكثير من المؤرخين، الذين تناولوا تاريخ الحضارة الإنسانية، أنّ الحضارة هي فسيفساءُ طافحةٌ بالغنى المتعدد، ما يُسقط وهم الحضارة الكونية، أو الإنسانية الواحدة، ويؤكد لنا ما يعتقده «غينون» بشأن اختلاف الرؤى الكونية بين مختلف الحضارات، واختلاف مقاصدها ونشاطاتها. فالتأمّل هو الطابع الذي يطغى على حضارات الشرق، أما حضارة الغرب فإنّ المهيمن فيها هو الفعل، ما يجعل إمكانية المساواة الحضارية مستحيلةً في التصور الغينوني، خاصةً وأنّ الفارق الأكبر بينهما يكمن في أن الحضارات الشرقية تراثيةٌ في الأصل، أما الحضارة الغربية الحديثة فهي ضدّ-تراثيةٌ (معاديةٌ للتراث)، وبالتالي فإنّ محاولة الصهر الحضاري، من خلال النموذج الغربي، سيؤدي إلى امتصاص المغلوب لقيم حضارة الغالب، ويحصل في الأخير تغلُّب الحضارة غير التراثية والفوضوية على الحضارات التراثية السوية، ما سيؤدي إلى فناء الاثنين معًا، ولا حلّ إلا في العودة إلى التراث التقليدي الأصيل.

لقد أكّد «محمّد أسد» على أنّه لا وجود لتجانسٍ حضاريٍّ، لأنّ «المفكِّرين الغربيين الأكثر نضجًا قد أخذتهم الريبة في كثيرٍ من نواحي مدنيّتهم ذاتها، وأنهم الآن بسبيل التطلّع نحو الإيحاء الثقافي في أجزاء أخرى من العالم. إنّ بعضهم قد أخذ يفقه أنه قد لا يكون هناك كتابٌ واحدٌ وقصّةٌ واحدةٌ عن الرقيّ الإنساني، بل عدّةُ كتبٍ وقصصٍ، لا لشيءٍ سوى أنّ الجنس البشري، بالمعنى التاريخي، ليس وحدةً متجانسةَ الأجزاء، بل مجموعاتٍ مختلفةً تتباين مفاهيمها لمعنى الحياة وغايتها»[1]. هذا ما يؤكّد عليه التصوّر الغينوني، إذ لا يمكن، حسب»غينون»، لحضارةٍ واحدةٍ أن تمتلك الرؤية الكلية والتصوّر الشمولي المطلق للكون والطبيعة والإنسان، كما لا توجد

(36)

حضارةٌ عاجزةٌ عن تقديم رؤيةٍ كونيّةٍ، فكل حضارةٍ تنظر إلى الوجود من زاويةٍ واحدةٍ أو من أكثرَ من زاويةٍ، لكن لا يمكن أن تُلمّ بكلّ زوايا الكون، فكلّ حضارةٍ تساهم بنصيبٍ على قدر سعتها، والمحصّلة الحضارية هي وليدة تراكم الخبرة الإنسانية المنتجة والخلاّقة، ولا يمكن لأيّ حضارةٍ إنسانيةٍ أن تدّعي أنّها الأوفر والأغزر إنتاجًا، لذلك «لا ينبغي أبدًا الكلام عن تفوّقٍ أو تدنٍّ بكيفيةٍ مطلقةٍ [...] فلا وجود لحضارةٍ واحدةٍ متفوّقةٍ في جميع المجالات على غيرها من الحضارات، وذلك لأنّه من المستحيل على الإنسان أن يوجّه نشاطه في جميع الاتجاهات على السواء في الوقت نفسه»[1]، وقد لاحظنا أنّ الحضارات الشرقية قد سكبت نشاطها في الجوانب الروحية، على النقيض تمامًا مما هو بادٍ للعيان في حضارة الغرب الحديث التي أفرغت كل نشاطها في خدمة ما هو ماديٌّ، فكان الثمن انزياح كل نشاطٍ من طرازٍ روحيٍّ.

ويكفي أن نعود إلى التاريخ الحديث كشاهدٍ على العمليات المرعبة التي حصلت لإزاحة للروحاني وإحلال الزمني. فابتداءً من عصر الأنوار والحضارة الغربية تسجّل انتصارًا تلو الآخر على الطبيعة، وكأنّ مملكة السماء ستحلّ لينعم الكلّ بجنة الفردوس الأرضي، وأوشكت صرخة «ديكارت» وأمله الواعد بـ «أن نصبح أسيادًا على الطبيعة» أن تتحقق وتكتمل في شكلها النهائي بعد ما أنجزه العلم الوضعي والتقنية الحديثة، اللذان أصبحا يجسّدان تمثيلًا عامًّا لروح العصر وميراث الحداثة الأكثر خصوبةً وتجليًّا، حتّى بلغ العلم الحديث من القداسة مبلغًا حوّله إلى إله العصر الجديد والصنم البديل لأوثان الجاهلية، الذي سيمنح الإنسان السعادة القصوى، ويشفي كلّ علله وأسقامه ويبرّئه من كلّ آثام الماضي التي أرهقت كاهله.

لقد حقَّق العلم الكثير من أحلام الإنسان التي كانت يومًا ما جنونًا وجنوحًا وشذوذًا، ولعل أكثرها كان يُعتبر من الطابوهات (المحرّمات/ tabous). لا أحد ينكر منجزات العلم الغربي الحديث ويدّعي أنّه لم يقدّم للإنسانيّة شيئًا يستحق الاعتراف، ولا مراء في أنّ ما قدّمه من منجزاتٍ ماديةٍ قد جعل حياة الإنسان أقلّ قسوةً، ولا حاجة لتعديد مكاسب العلم التجريبي منذ عصر النهضة واكتشاف الطباعة.

(37)

لكن العلم الحديث، الذي وهب الكثير للإنسان في الجوانب المادية انتزع منه روحه، وجعلها أكثر غربةً في عالمٍ يئنّ من شراسة المادّة التي أصبحت لغة التواصل في عصرنا الراهن، يقول «غينون»: «فمفهوم التراث الروحي خُرّب إلى درجة أنّ الذين يطمحون في استرجاعه لا يعرفون إلى أيّ جهةٍ يقصدون»[1] لأنّ الفوضى أصبحت تهيمن، فنحن في مرحلةٍ من مراحل تاريخ البشرية، توشك فيها الحضارة الغربية أن تنتحر، إنها المرحلة، كما يقول»غارودي»، التي «تجاوزت فيها قدرة الإنسان طاقة الإنسان، بعد أن تجاوزت في المرحلة الأوّلى قدرة الطبيعة قدرة الإنسان، ثم في المرحلة الثانية قدرة الإنسان تجاوزت قدرة الطبيعة»[2].

فبعد النجاح المظفّر للعلم المادي الذي هيمن على الطبيعة وسخّرها لخدمة الإنسان، يتسع أكثر طموح السيطرة ليصبح جنونًا وجنوحًا، عندما يحاول السيطرة على الطبيعة الإنسانية ذاتها، بالتحكم فيها وتوجيهها، من خلال برمجة الجنس البشري وراثيًّا وجينيًّا بعد معرفة أسرار المادة الحية ADN (الحمض الريبي المنقوص الأكسجين)، حيث أحدثت ثورة الجينوم البشري رجّةً خلخلت المفاهيم التقليدية حول الجسد وحرّرته من التفسيرات اللاهوتية التي تُموضعه على الهامش، ليحتل من جديدٍ بؤرة الأسئلة الفلسفية الأكثر جسارةً.

لكن إذا تقصّينا حال الجوانب الروحية للحضارة الغربية فلا نجد لها أثرًا، فالعلم الحديث أجهز على البقية الباقية منها، حينما أزاح الميتافيزيقا التي يعتبرها ألدّ أعدائه لأنها تبحث في نقيض ما يبحث فيه العلم، وتؤكد وجود ما لا يستطيع العلم التجريبي تأكيده أو نفيه، إذ تتأمّل الميتافيزيقا ما لا يمكن للتجربة اختباره ولا للحواسّ ملاحظته. والأدهى أنّ العلم الحديث قد أعلن القطيعة مع عالم السماء، فقتل الإله ليأخذ هو نفسُه دورَه، «فبعد تخلُّص الإنسان من الله سيهيمن على مكان الذات، وبالتالي سيصبح مركز الكون»[3]. وهكذا تزامن تفوّق الحضارة الغربية ماديًّا مع

(38)

تحلّلها روحيًّا وانحرافها، حتى بات كل ما يمثّل تراثًا روحيًّا خالصًا بالمفهوم الغينوني في معرض الإرجاء، إن لم يكن في معرض الإقصاء والتعامي المطلق سواءً أكان مقصودًا أم غير مقصودٍ. هذا البتر المجحف للتراث الروحي جعل الحضارة الغربية الحديثة حضارةً عليلةً، لأنّ الحضارة هي منتوج الإنسانية الروحي والمادي، وغياب أحدهما وطغيان الآخر، سيشكّل حضارةً عرجاءَ.

يرى «غينون» أنْ لا وجود لحضارةٍ تمثّل الشجرة بينما بقية الحضارات تمثّل الفروع، أي لا وجود لحضارة المركز وحضارة الهامش، أو بتعبير «أفلاطون»، إن جاز لنا الإسقاط، حضارة يمكن أن نسمّيها «الأيقونة» أي النموذج الأصل/ المثال، والحضارات الأخرى هي «السيمولاكر» أي الظلّ والنسخة، فهذا التصنيف يؤسس ما نسمّيه بالعنصرية الحضارية التي تتأسس على تراتبيةٍ هرميةٍ تتغذّى على إيديولوجيَاتٍ تاريخيةٍ حقودةٍ عرقيةٍ وإثنيةٍ، ما يُسقط مقولة المساواتية التي تتبجّح بها حضارة الغرب، التي تناقض نفسها باستمرارٍ، ولا تريد أن تعترف بأنّ «هناك دائمًا حضاراتٍ مختلفةً ومتعدّدةً تطوّرت كلٌّ منها بطريقتها الخاصة وباتجاهٍ يتلاءم مع استعدادات هذا الشعب أو ذلك العرق، لكن التمييز لا يعني التعارض، فيمكن أن يكون هناك نوعٌ من التكافؤ بين حضاراتٍ مختلفةِ الأشكال»[1]، والتكافؤ يكون دائمًا على مستوى المبادئ.

إنَّ الحضارة الغربية الحديثة ترفض الاعتراف بتعدّد الحضارات، وهذا ما وضّحه «غينون» في كتابه «مدخلٌ عامٌّ إلى فهم النظريات التراثية»، عندما تحدّث عن التحيّز الكلاسيكي، إذ يقول: «ويبدو بين أولئك المستشرقين ميلٌ جارفٌ إلى إسقاط كل الحضارات القديمة من الحسبان كلّما أمكن [...] كما لو كانوا يشعرون بالحرج من حقيقةٍ استطاعت تلك الحضارات في أزمانٍ غابرةٍ أن تعيش في أوجها [...] ويبدو أن هذه الأعذار الوحيدة لأفكارهم المسبقة العرجاء عن المسألة»[2]. فالحضارة الغربية الحديثة حضارةٌ إقصائيةٌ استبعاديةٌ، تقع في التناقض ككل مرّةٍ، فبينما يدعو عقل الحداثة إلى المساواتية، والتسامح وقبول الآخر، نجد أنّ العقل الحداثي نفسه الذي تختفي وراءه حضارة الغرب الحديث، هو عقلٌ دائريٌّ يعجّ بالمغالطات المنطقية، فدائمًا يُصادر على المطلوب،

(39)

حيث يدافع عن مبدأ الاختلاف الذي يشكّل روح الحرية والفردانية الحداثية وينادي بمبدأ التنوع الحضاري، لكنه يمارس عمليًّا عنفًا حضاريًّا، لأنه لا يعترف إلاّ بالحضارة الغربية، فينتهي منتصرًا للوحدة ضدّ التنوع. هذا النفي غير مؤسَّسٌ على مبرراتٍ منطقيةٍ أو تاريخيةٍ أو واقعيةٍ.

 سعى الغرب الحديث، وما زال يسعى، إلى تطويع الشعوب الأخرى حضاريًّا وثقافيًّا، لكنّ «الحضارات ]الأخرى[، على الرغم من آراء المذهب المادي الحديث الضال ليست مشيّدةً من آجرٍ كهذا الآجر. فهي ليست مركّبةً من مكائن الخياطة والتبغ والبنادق ولا حتى من حروف هجاءٍ وأرقامٍ فقط. فإنّ أسهل شيء في الوجود على التجارة أن

 تصدّر أيّ أسلوبٍ صناعيٍّ غربيٍّ، ولكنّه أعسر من ذلك عسرًا لا حدّ له على شاعرٍ غربيٍّ أو قدّيسٍ غربيٍّ أن يوقد في روح غير الغربي النار الروحية المتّقدة في نفسه»[1]. لذلك مهما كانت قوّة الاجتياح الغربي المُخترِق لحضارات الشرق فإنّه، في ما يعتقد غينون، لن يتمكّن من تحويل العقل الغربي إلى عقلٍ شرقيٍّ، ولا العقل الشرقي إلى عقلٍ غربيٍّ، لانّ لكلٍّ منهما طبيعةً متمايزةً، وسيظلّ كلٌّ منهما محتفظًا بروحه، وذلك مهما تعدّدت محاولات الدمج ومهما كانت قويّةً.

ثالثًا: الحضارة الغربية تصعيدٌ للمادية وتنكيسٌ للروحانية:

لم تستطع الحضارة الغربية الحديثة الابتعاد عمّا هو محسوسٌ، بل هي لا تريد الخروج من ذلك، إذ هي لا تعترف إلاّ به، وذلك بعد أنْ عجزت عن إدراك العالم الآخر، الموازي لعالمنا الأرضي، أي المافوق-أرضيّ (العالم المقدّس)، والماوراء-أرضيّ (الميتافيزيقي)، لأنّها تمُاهي بين هذين العالمين وبين العالم الأرضي الحسي بكل محمولاته الأفلاطونية، وهي تخطئ عندما تسقط عليهما المفهومات والمقولات الدنيوية المقيسة الأبعاد، والمتعالقة مع مقولتَيِ الزمان والمكان الماديين.

الغربيون «لا يتصوّرون أيّ علمٍ آخر سوى العلم بالأشياء التي تُقاس والتي تعدّ والتي توزن»[2]،

(40)

فكل ما هو محسوسٌ موجودٌ، وكل ما هو محسوسٌ يمكن معرفته، وكل ما هو غير محسوسٍ هو غير موجودٍ، وبالتالي لا يمكن معرفته، لأنّ المعرفة عند المحدثين في -التصور الغينوني- تنصّب كلّ قواها وتتركّز على الموجودات المحسوسة التي تنتمي إلى الفيزيقا، أمّا ما فوقها، وما وراءها، أي الميتافيزيقا فهي ضربٌ من العبث، والبحث فيها عندهم لغوٌ باطلٌ وكلامٌ فارغٌ، لا لشيءٍ إلاّ لأنّها عصيّةٌ عن الفهم بمناهج العلوم التجريبية الضيقّة التي وُضعت خصِّيصًا لما هو ماديٌّ محسوسٌ. «بالنسبة للمحدَثين، لا شيء يبدو موجودًا خارج نطاق ما يمكن أن نراه ونلمسه، أو على الأقل، حتى لو يقبلون، نظريَّا، أنّه يمكن أن يوجد شيءٌ آخرُ، يسارعون إلى إعلان، لا فقط أنه مجهولٌ، بل أنه غير قابلٍ للمعرفة أيضًا، ما يعفيهم من الاهتمام به»[1].

  ومن بين النماذج المنحرفة التي تسعى لفهم العوالم الخفيّة ذات الطراز الروحي بمستوى العقل الأرضي يذكر «غينون» «الأرواحية»[2]. كما تتجلى أيضا الروحانية المزيفة في ما يسمى بالمثالية الفلسفية، التي ليست إلاّ وجهًا آخر للمادية، إذ يعتقد «غينون» أنّ النزاع الذي أسّس لثنائية مادة / روح، ليس إلاّ نزاعًا شكليًّا[3].

لقد غزت الحضارة الغربية الفضاء الخارجي واقتحمت القمر، وتأمل العيش على سطح المريخ، إذا ما ضاق بها كوكب الأرض الأزرق المنتعش أو انهار بسبب تقنياتها المدمّرة، لقد غاص الإنسان الحديث في عمق الذرّة وفكّكها، وجعل العالم قريةً كونيةً تنمحي فيها الحدود الجغرافية فلا تتمايز. إنّه عالمُ اتصالٍ وتواصلٍ مدهشٌ ومثيرٌ للجدل، غيّر مفهوم المكان، لنودّع المكان بالمفهوم الكلاسيكي ونلج إلى المكان السبرنيتي، حيث كل شيءٍ فيه مباحٌ، الجميع أصبحوا داخل زجاجةٍ شفافةٍ. عالمُ اليوم غريبٌ في تسارعه الهائل، ففعلًا «لكل عصرٍ -سواءً أكان عصر الفحم، أم عصر الفولاذ، أم عصر النفط- موادُّه الخام التي تحدد لحظته التاريخية، والمواد الخام لهذا العصر هي

(41)

المعلومات، وغوغل باتت المضيف الأكثر تفوّقًا»[1]. الثورة المعلوماتية هي أكثر الإنجازات إبهارًا في العصر الحديث باعتبارها إحدى أهم جولات الحضارة الغربية الظّافرة، ففي كل يومٍ، تضيف عددًا من الانتصارات، ولكن في المقابل تسجّل عددًا من الإخفاقات في العالم الروحي الذي بات منسيًّا مطمورًا في ذاكرة النسيان.

لقد افتُتحت سجالاتٌ لمساءلةٍ أنطولوجيةٍ لمصير الحضارة الغربية الحديثة ومآلها بعد تفوّق العناصر المادية على العناصر الروحية، حيث اقتحمت هذه المساءلات الجريئة العمق الغائر للحضارة الغربية لاستكناه جذور البلاء الذي أصابها ومزّق أواصرها منذرًا بفنائها.

لقد تنبَّأ الكثير من فلاسفة الغرب بالمآل المأزوم والحرج الذي دخلت فيه حضارة الغرب الحديث، منهم الفيلسوف «إدغار موران» الذي سأل، في كتابه «النهج: إنسانية البشرية» وفي العديد من كتبه، عن مصير البشرية في المستقبل باعتباره مصيرًا مجهولًا، لأنّ المغامرة البشرية أفرزت تطوّرًا متسارعًا وغيرَ مسبوقٍ في مجال البيولوجيا البشرية، والتي أدت إلى إعادة طرح السؤال الفلسفي الأنطولوجي القديم / الجديد، المتمثل في سؤال «المصير»، إذ يفتتح «إدغار موران»، كتابه «إنسانية البشرية»، بالسؤال التالي: «(من نحن؟) هذا التساؤل غير منفصلٍ عن: (أين نحن، من أين أتينا، وإلى أين نحن ذاهبون؟)»، حيث تحيّر «إدغار موران» من مصير «الهوية المستقبلية»، وإلى أين المصير إن وصلت الأبحاث المتعلّقة بالجينات والمخزون الوراثي مبتغاها؟ ما هو المصير إن أصبح الإنسان قادرًا على خلْق نفسه، وعلى الشكل الذي يريد؟ ترى هل سيبقى ذلك حلمًا، لأنّ في ذلك تدخُّلًا في شأنٍ من شؤون الخالق الخارقة؟ أم أنه سيسعى لاهثًا لتحقيق ولو جزءٍ من الانتصار؟ ترى هل ستؤدّي البحوث التجريبية في البيولوجيا إلى انتصار الفضيلة والقيم الإنسانية؟ أم تؤدّي إلى خلق عالمٍ جديدٍ بعيدٍ عن إنسانيته قد تفوح منه الطفولة الأنانية المفرطة نتيجة حصاد البحوث التي تحاول خلق الإنسان المتفوّق (السوبرمان)؟ هل سينتهي المصير بالإنسان مشوّهَ الوجود الوراثي، مقذوفًا في طريقٍ لا عودة منه؟ وفي مصير لا يستطيع أن يغالبه؟

(42)

إنّ انحسار النشاط العقلي في فهم الطبيعة المادية الحسية للكون أدّى إلى ارتدادٍ مهولٍ وانتكاسٍ مفجعٍ للقيم الروحية ذات البعد الميتافيزيقي. إنّ «كلّ إنكارٍ أو تجاهلٍ لكل عرفانٍ روحيٍّ خالصٍ وفوق-عقليٍّ فتح الطريق الذي أدّى حتمًا منطقيًّا إلى الفلسفة الوضعية، وإلى اللاأدرية[...]، ومن جانبٍ آخر، فتح الطريق أيضًا لكلّ النظريات العواطفية والإرادية»[1]. النظريات العواطفية والإرادية التي تبحث في ما تحت العقل (العالم السفلي الظلماني الموصول بعالم الأرض والمقطوع عن عالم السماء)، هذه النظريات تستمد معرفتها من النفس والشعور، ما يجعل هذه المعرفة هشّةً تتوقّف عند القشر ولا تركن إلى اليقين لامتزاجها بالهوى والرغبة التي تشدّ الإنسان إلى عالم الأرض عالم الظِّلال بالمفهوم الأفلاطوني، أما عالم الأنوار، عالم الدّرّ واللبّ، فالغوص إليه يحتاج إلى قوةٍ فوق ـ بشريةٍ، إنّها البصيرة.

  لقد كانت النظريات العواطفية والإرادية معول هدمٍ عمل ضدّ التراث فاختزلت الإنسان في الجانب المادي، في الجسد والنفس والرغبة، في حاجياته الدنيوية، وهي لا تؤمن إلاّ بما هو مادّيٌّ محسوسٌ. يمكن أن نتلمّس هذه النظريات في إرادة القوّة عند «نيتشة»، وفي الإيروسية عند «فرويد»، وفي الحدسية البرغسونية، وفي العبثية السارترية... إلخ.

كشف «غينون»، في كتابه «هيمنة الكم وعلامات آخر الزمان»، بشيءٍ من التفصيل، عن البعد الشيطاني في تلك النزعات التي جعلت الحضارة الغربية حضارةً مادّيةً نازلةً، حيث فكّكها «غينون» مستبطنًا زيوفها التي تخدم الأغراض الدنيوية، وكاشفًا عن تلك اللعبة الخبيثة التي تحاك لتدمير التراث الروحي الأصيل الذي تزخر به الحضارة الغربية، والذي لا زال جانبه الأقوى في التراث الديني. إنّ «برغسون»، عند «غينون»، «بدلًا من أن يبحث فوق العقل على ما يصلح نقائصه، بحث بالعكس في ما تحت العقل، وبالتالي بدلًا من أن يتجه إلى الحدس العرفاني الصحيح -وهو يجهله تمامًا كجهل العقلانيين به- التجأ إلى ما يزعم أنّه «حدسٌ» من النمط الحسي و«الحيوي» بمفهومٍ في غاية الغموض والتشويش»[2]، فالحدسية البرغسونية التي حاولت أن تجد منفذًا يعبر

(43)

من خلاله الإنسان نحو التسامي الروحي عجزت هي الأخرى عن حلّ مشكلة الأزمة الروحية التي استشرت في حضارة الغرب الحديث لأنها أبدلت ما هو أعلى بما هو أدنى، أيْ «الحدس العرفاني الخالص» بـ «الحدس الحسي البشري».

 كما لم يغفل الفيلسوف الهدّام «غينون» تلك الشقوق السفلية الشهوية التي فتحها «التحليل النفسي» الذي أرسى دعائمه «سيغموند فرويد»، حيث فتح الباب على مصراعيه للحديث عن موضوعٍ لطالما أُدرج ضمن الطابوهات )المحرّمات/ (tabous. إنها «الغرائز الجنسية» (الليبيدو) التي بمجرد سماعها نشعر بالخجل والحياء، فلقد أزيل عنها الستار ولم تعد شيئًا محاطًا بالسرية يتم تناوله ودرسه بشيءٍ من اللياقة والتحفّظ. لقد هيّج التحليل النفسي كل العناصر السفلية الظلمانية، الشهوات الأكثر توحُّشًا، حيث اعتبر «الجنس» وظيفةً فيزيائيةً ونفسيةً يتوقف عليها مستقبل النوع البشري، واعتبر أنّ الحضارة هي تعبيرٌ رمزيٌّ لإشباع تلك العناصر السفلية، كما صرح «فرويد» بقوله أنّ: «الحضارة تقوم على نوعٍ من الزهد والتقشّف عن إشباع الغرائز، وأنّ وجودها مشروطٌ باللاإشباع، بالكبت الإرادي أو اللاإرادي للمتطلبات الغريزية القويّة»[1].

لقد ساعد التحليل النفسي على تصعيد القوى السفلية، حين عمل على إخراجها من مخبئها إلى سطح الشعور، فهو لا يمثّل مسلكًا صاعدًا للخروج من الجحيم حيث يقبع الشيطان -الذي هو اللاّشعور عند فرويد- بل هو مسلكٌ هابطٌ إلى أسفل، لأنّه يعالج المشكلة النفسية بما هو نفسيٌّ لا بما هو فوق-نفسيٌّ». في الواقع لا يمكن للتحليل النفسي أن يقوم بشيءٍ سوى أن يُصعّد كل ما تحتوي عليه مخابئ «الحضيض» المشكّل لما يُسمى تحديدًا بـ «ماتحت-شعوريّ»، يصعّده إلى السطح فيجعله واضحًا في وعي شخصٍ»[2]، «لأنّ الجنس يطرح نفسه كمشكلٍ، بل يطرح نفسه على أنّه المشكل الأساسي في اللاّشعور... الذي يتخذه التحليل النفسي موضوعًا له، والذي يتعيّن

(44)

عليه أن يدافع عنه كما لو كان يدافع عن شيءٍ مقدّسٍ معتدًى عليه»[1]. لذلك كان الجنس الفرويدي هو موضوع الرغبة عند إنسان حضارة العصر الحديث، والذي استوطن أكثر مع صعود النزعة الفردانية لتشرنق على كل تجليات الحياة.

عمل التحليل النفسي عبر تقنية «التداعي الحر» على إخراج كل العناصر الليبيدية من التخفّي إلى الحضور والظّهور متتبّعًا كل تمثّلاتها بغية اجتثاث «مرض الرّغبة» -كما يعتقد فرويد، وبدلًا من التدخّل في الجسم انتقل إلى «ميدان الكلام الحرّ» كبديلٍ عن «التنويم المغناطيسي»، فعن طريقه يتم تدريب المريض على الإقلاع عن كل الاعتراضات النقدية، وحثّه على الإفصاح عن كل شيءٍ، أي إطلاق العنان لأفكاره وخواطره ورغباته لتتداعى وتسترسل حرةً مترابطةً تلقائيًّا دون تخطيطٍ أو اختيارٍ أو قيدٍ أو شرطٍ، مهما بدت هذه الأمور تافهةً أو محرجةً أو سخيفةً مذمومةً أو منحرفةً لا يقبلها العقل ولا يُقرّها القانون ولا يوافقها العرف، وهنا يكمن العمل ضدّ كل ما هو فوق-نفسيٌّ، أي العالم العلوي، لأنّ «فرويد» حرر العلاج النفسي من كل اللوازم الدينية والاجتماعية والأخلاقية من أجل تحقيق النصر لنظريته العلمية، إذ ينطلق من ضرورة «التسليم بأنّ هذا الشخص ضعيفٌ نفسيًّا، لأنّه لو لم يكن كذلك لما احتاج أصلًا للالتجاء إلى علاجٍ من هذا النمط، وبالتالي فهو أقل استعدادًا لمقاومة هذا التقليب، وهو بهذا في غاية التعرّض لأن يغرق بلا رجعةٍ في هذا المستنقع الموحل من القوى الظلامية التي أطلق سراحها بلا حذرٍ»[2]، باستثمار المخزون الغريزي الليبيدي الموجّه «بالرغبة» التي أعتقها التحليل النفسي وأعطاها كل الحقوق، فلم تعد ذلك الصوت المكبوت داخل الذات خوفًا من سلطة الأنا الأعلى. لقد تحررت الرغبة من كلّ اللوازم الدينية والمحظورات الأخلاقية والموانع الاجتماعية، لتفتح الباب لتفريغ العناصر الشهوية، خاصةً بعد تحالف الرغبة مع الاستهلاك حتى بات العصر الحديث يلقّب  بـ «عصر الرغبة» التي اجتاحت الحياة الفكرية والاجتماعية والسياسية والعلمية، «إنّ الأمر يبدو كما لو أنّ رغبة الإنسان وجشعه قد أصبحا هما المبدأ الأصلي الذي ينهض عليه علم النفس»[3]، «وبدلًا

(45)

من الترقّي الروحاني، يحصل هنا تضخُّم للنفسانية السفلية»[1]، لأنّ التسامي الروحي يفترض عقلنة الرغبة وكبح جموحها بربطها بما هو أعلى، في حين أنّ التحليل النفسي يشيطنها ويدفع بها إلى أقصى حدود الإشباع، لذلك يعتقد «فرويد» بأنّ «للحضارة مصاعبَ ومسؤولياتٍ أبرزها الالتزام بضرورة تحقيق الإشباع للغرائز. فالحرمان من الإشباع والتخلي عنه أو شجبه أو إعادة توجيه الغرائز يكلّف الإنسان غاليًا»[2]، لذلك يعتقد «فرويد» «أنّ السلطة عندما تمنع الطفل من الاستمتاع بأوّل وأهم إشباعاته تتولّد لديه بالضرورة دوافعُ عدوانيةٌ على درجةٍ عاليةٍ من الحدّة»[3]، فبدلًا من توجيه السلطة العليا للطفل وتهذيب رغباته وصقلها وتصنيفها انطلاقًا مما هو أعلى، أصبح الدور المنوط بها، وفق رؤية «فرويد»، هو حثّ الطفل على الاهتمام بالرغبة، أي بالعناصر الشهوية كمطلبٍ، لأنّ كبتها يحوّل الطفل إلى كائنٍ عدوانيٍّ (ساديٍّ أو مازوخيٍّ). من هنا يظهر أنّ التحليل النفسي الفرويدي يريد لمملكة الشيطان أن تنتصر من خلال تكثيف العناصر الشهوية المتمركزة في (الهو) وحجر العناصر الروحانية المخبأة في الأنا الأعلى.

 لقد حلّ التحليل النفسي وسيطًا بين الإنسان ونفسه، فنقل الاعترافات بالخطيئة من الكنيسة إلى المعالج النفسي، من مكانٍ مقدّسٍ إلى مكانٍ دنيويٍّ، وبدلًا من أن يكون المخلّص هو الله، يصبح المحلل النفسي هو المخلّص. وبذلك يتراجع الإيمان بقدرة المقدّس على معالجة أسقام النفس، وأصبحت كل الانحرافات تُعالَج من منطلقٍ نفسيٍّ محضٍ، بعيدًا عن الارتقاء الروحي، كما يقول «غينون»، لأنّ المعالج النفسي قد يكون مؤمنًا وقد يكون ملحدًا، ما يجعل العلاج النفسي ممزوجًا بإديولوجيا الطبيب، لأنّ حياد المعالج النفسي يكاد يكون مستحيلًا، وقد أكّد على ذلك تلميذ «فرويد»، المنشقّ عنه، « كارل غوستاف يونغ» حينما قال: «يُمكن للمُمارس العام أن يَستعمل طائفةً من التِقانيّات الطبّية، بصرف النّظر عن آرائِه الشّخصية في مَرضاه، وعن نظريّاتِه

(46)

السّيكولوجيّة أو حتى عن مسلّماته الفلسفيّة والدّينية. أمّا في العلاج النّفسي فلا يمكنه ذلك، لأنّ الطبيب ومسلّماتهِ طرفٌ هنا»[1]. فالمحلل النفسي لا يتعامل مع مادةٍ جامدةٍ يحوّرها كيفما يريد، ولا يحتاج لأدلجتها حتى يكشف عن حقيقتها. إنّ التحليل النفسي بانفتاحه على ذلك العالم الذي كان مغلقًا محظورًا (الإيروس)، قد ساهم في توجيه الحضارة الغربية الحديثة لتستحق اسم حضارة الإيروس (الجنس)، الذي أحال إنسان الحداثة المنتكسة إلى كائن جنسانيٍّ بروحٍ ديونيسيةٍ ثملةٍ بالعناصر الليبيدية.

 إنّ الانتقال إلى العلاج النفسي كان من بين العوامل الحاسمة التي أدت، حسب «غينون»، إلى تردّي العلاج الروحاني بمعناه الأصيل، ففي التحليل النفسي يسلم الشخص نفسه لإنسانٍ، ويوكل له حل مشاكله النفسية، وتخليصه من آلامه التي تمزّق ذاته، رغبةً منه في أن يعيد له هذا الإنسان (المعالج النفسي) الاتزان الداخلي، الذي فُقد بفعل تفكّك الشخصية، وبالتالي فإنّ العلاج لا يخرج من المجال الدنيوين فالمريض إنسانٌ والمعالج إنسانٌ، وهنا ُتطِلُّ النزعة الإنسانوية برأسها ككل مرّةٍ لتنفذ إلى عمق حياة الإنسان الحديث، فيكون العلاج عبر التحليل النفسي علاجًا مادّيًّا، ما أدّى إلى الخلط بين النفساني والروحاني، فيعالج الروحاني بالنفساني.

 وهنا يكمن الخلل، إذ يظنّ هؤلاء المرضى أنّ الكلام (اللغة) كافٍ لخلق حالة الانسجام والتوازن الداخلي، حيث يعوّض منهج التحليل النفسي فعل (التأمّل) بالمعنى التراثي، كأحد الوسائل التي تبْرئ النفس من الأسقام، وهو فعلٌ من أدنى إلى أعلى، يُطلب فيه الخلاص من قوةٍ فوق-بشريةٍ هي الله، فيكون العلاج هنا من طبيعةٍ قدسيةٍ، لأنّ المعالج هو (الله)، أي إنّ العلاقة في العلاج التراثي تكون بين الدنيوي (الإنسان) والقدسي (الله) فيكون العلاج معراجًا للترقي الروحي، فتعود إلى الروح قوّتها وحياتها التي ابتلعتها المادّية الموغلة في البهيمية. هذه العلاقة يغفلها التحليل النفسي، بل يحاربها، لأنّه يعتبر القوةَ الفوق-بشريةَ وهمًا من إنتاج المخيّلة البشرية، لذلك يعتبر  «غينون» «التحليل النفسي هو أحدى الوسائل الخاصة التي وظّفت ليتفاقم إلى أقصى حدٍّ ممكنٍ اختلال

(47)

العالم المعاصر ولينجرّ نحو التلاشي النهائي، والذين يمارسون هذه المناهج، هم بلا شكٍّ، مقتنعون بالعكس تمامًا أنها لا تثمر إلّا خيرًا»[1]، لأنّ تحرير الرغبة من معقلها دون لجامٍ، سيحقق الهدف المنشود حسب اعتقادهم، وهو عتق الإنسان الغربي الحديث من أزماته النفسية، لكن الحالة هنا على غير ذلك في الواقع، إذْ إنّ الأزمات النفسيّة لا تزداد إلاّ تفاقمًا وتأزّمًا، لأنّ تهييج العناصر السفلية «فنحن لا نسير في عيون العالم التجاري والاحترافي إلاّ بكوننا حيواناتٍ تسير على قدمين، متوافقين مع الشهوات الممسوخة والجشعة. من يمكنه أن يشبع رغباتنا؟... إننا ندفع ثمنًا باهضًا من أجل تآكل الجوهر الإنساني»[2]. هذا هو المصير المحتوم، كما يقول «غينون»، فمن «يطلق القوى الوحشية للمادة من قيودها، سوف يهلك مسحوقًا بهذه القوى نفسها، التي فقد السيطرة عليها عندما حرّكها بلا حذرٍ، والتي لا يمكنه أن يتباهى بأنّه سيتحكّم في مسيرتها القاتلة، سواءً أكانت قوى الطبيعة أم قوى الجماهير البشرية»[3].

وحتى الدّين لم يسلم من مخالب المادية النازلة التي ظلّت تحاربه حتى أصبح منبوذًا، لا يقصده إلاّ الخائفون، بعد أن أتعبهم شظف العيش، وأرهقهم بؤس الفقر، يلجأون إلى الدين كسلوًى، ليس لهم دونها، وكأنّ الدّين خطٌّ دفاعيٌّ أخيرٌ بعد الإخفاق في تحقيق الرغبة. سعت الحضارة الغربية الحديثة حثيثًا لـ «تصغير الدين، بجعله شيئًا يوضع جانبًا، يكتفى بمنحه مكانةً محدودةً وضيّقةً قدر الإمكان، شيئًا فاقدًا لأي تأثيرٍ حقيقيٍّ على باقي جوانب الحياة، المعزولة بنوعٍ من الفصل المطلق»[4].

إنّ الحضارة الحديثة سكبت كل نشاطها في ما هو ماديٌّ صِرفٌ، ما جعلها تجهل كل ما يتعلق بالروحانيات الأصيلة، الأمر الذي جعلها تنكر وجودها، لا لأنها غير موجودةٍ، بل لأنّ هذه الحضارة عجزت عن فهم طبيعة تلك الروحانيات العرفانية. ولكي لتدافع عن نفسها، ولتبرّر مقولتها العزيزة

(48)

«التقدم»، ألغت وجود أي معرفةٍ تتجاوز نطاق العقل والحواسّ، أي وجود معرفةٍ تتجاوز الدنيوي والإنسانوي، وما هذا الإنكار إلاّ علامة خوفٍ مما يُجهل، لأن «الجاهل يشعر دوما بخوفٍ غريزيٍّ من كل ما لا يفهمه، والخوف لا يولّد بسهولةٍ الكراهية والضغينة، وهذا حتى عند الاجتهاد في الوقت نفسه في الهروب من ذلك الخوف بالإنكار المطبق للحقيقة التي لم تفهم، بل تُوجد أنواعًا من الإنكار تشبه فعلًا صرخات حنقٍ، كتلك التي يطلقها «اللاّدينيون» إزاء كل ما يتعلّق بالدين»[1]، حيث وجّهوا طعنةً نجلاءَ لكل التراث الروحي في شكليه الميتافيزيقي والديني، منهم الفلاسفة ومنهم العلماء. فالفلاسفة حاولوا إنكار الدين بحججٍ فلسفيةٍ مليئةٍ بالسفسطة معتمدين على براهينَ عقليةٍ ومنطقيةٍ هشّةٍ. أما العلماء فحاولوا إنكار الدين مستدلين بحججٍ وبراهينَ علميةٍ ذاتِ طبيعةٍ حسّيةٍ، وبذلك يتحالف العقل الفلسفي والعلم التجريبي لإسقاط مملكة السماء، من أجل إحلال مملكة الأرض.

هذا الهجوم على مملكة السماء أدّى إلى تصاعدٍ مريبٍ لموجة الإلحاد، التي انتهت إلى الإقرار -تحت تأثير النزعة الأخلاقوية- بأن الإنسان يحتاج إلى الأخلاق، ولكنه لا يحتاج إلى الدين. هكذا تم الإعلاء من الأخلاق الإنسانوية، وإنزال الدين إلى مرتبةٍ سفلى في المقابل، حيث «اُختُزل، حاليًّا، في الأخلاقوية (moralisme) أو على الأقل، يبدو أن لا أحد يريد، بعدُ، أن يبحث عمّا هو في الدّين حقيقةً، والذي هو شيءٌ آخرُ مغايرٌ كليًّا»[2]. فالدين آل إلى أنْ يصبح عرضًا لا جوهرًا، لأنّه أصبح شعائريًّا طقسيًّا، يتزلّف من خلاله الإنسان لله ليخلّصه من عذابات الدنيا، وليغفر خطاياه، فتحوّل إلى مجرد حركاتٍ آليةٍ مفرغةٍ من المعنى العميق للدين، حيث تُؤدّى رسوم العبادة بشكلٍ لاشعوريٍّ.

هذا الفهم المشوّه والمغالط للدين، والذي أُلقي به على هامش الحياة، زاد من تفاقم الخواء الروحي في الغرب، فصّير اليومي المعيش للإنسان الحداثوي، مُفرغًا من روح كل القيم المعنوية ذات الكثافة الروحية، لتحوّله مادية الحضارة الغربية إلى كتلةٍ تنزف بالترف الفائض كغثاء السيل الجارف، لتخرّب العباد والعمران. بل لقد عمّ البلاء خارج الغرب أيضًا، إذْ إنّ «الهيمنة المادية

(49)

للغرب صدّرت إلى العالم تحت غطاء «العقل» رؤيةً نفعيةً مصلحيةً أنانيةً، وبالتالي هزيلةً وذاتَ بعدٍ واحدٍ. لقد بترت البعد الآخر الروحاني، اللامادي»[1].

لا أحد ينكر المساهمة الخبيثة المبطّنة للعلمانية الغربية في انحسار دور الدين. فما العلمانية إلاّ الوجه الباطن للإنسانوية، فعندما يضيق مجال الدين ويُقصى، فهذا يعني تقليص الدور الإلهي في الحياة، لحساب الدور الإنساني.

يبدو أنّ مقاربة هؤلاء هشةٌ في بنائها الاستدلالي، وتنفي نفسها بنفسها، لأنها تشتمل على دورٍ منطقيٍّ. لنطرح السؤال على هؤلاء: كيف للإنسان أن يدرك الخير والشر، الفضيلة والرذيلة من تلقاء نفسه بدون دينٍ؟ سيجيب هؤلاء بأنّ هناك أناسًا لم يعرفوا الدين ولكنهم كانوا مستقيمين. لكن كيف عرفوا أنّ هذا خيرٌ وأنّ هذا شرٌّ؟ أكيد أنهم وجدوا غيرهم فعلوا ذلك، وبطريقةٍ ارتداديةٍ إلى الوراء، سنصل إلى سيدنا آدم أبي البشر كأول ساكني الأرض، هل كان يعرف القيم الأخلاقية؟ نعم، لأنّ الله لم يخلقه مجرّدًا من المعرفة والعلم، بل أوحى إليه بعض الحقائق من بينها ما يتعلق بالأخلاق، ما يشير إلى أنّ المصدر الأوّل للأخلاق كان إلهيًّا، أي قدسيًّا لا دنيويًّا، وهذا يعني وجود علاقةٍ بين الدين والأخلاق منذ لحظة خلق سيدنا آدم. والذين يزعمون أنهم متخلقون ولا يؤمنون بالإله فحجتهم مردودةٌ عليهم، لأنّ الأخلاق التي يؤمنون بها كالتضحية، والتسامح، والأمانة، والعدل... كلها قيمٌ مبثوثةٌ في كلّ الأديان، التوحيدية أو الوثنية، وتناقلتها الأجيال؛ فكون الإنسان متخلقًا وغيرَ مؤمنٍ لا ينفي وجود الدين بل يثبته، لأن الأخلاق تمثّل الجانب الروحاني العملي في الدين.

 لذلك لا يمكن اختزال الدين في الأخلاقوية، بحيث تتقدم الأخلاق على الدين، وتُقصيه في الكثير من الأحيان، إذ «ليس من حقنا أن نعتبر هذا الجيل وعالمه برهانًا على إمكانية الثقافة الإلحادية. فالواقع، أن الجيل الحالي وثقافته قد نشأ متأثّرًا بالدين ومبادئه الأساسية بطريقةٍ صامتةٍ، غيرِ

(50)

محسوسةٍ، ولكنها ثابتةٌ. أما المعايير التعليمية والأخلاقية فقديمةٌ. البنّاؤون قدامى والتصميم فقط هو المستحدث»[1]، لذلك لو «كان هناك فهمٌ حقيقيٌّ للدين، هل كان الناس سيخصّون الدين بمكانةٍ بهذا المستوى من السوء، ضمن همومهم الحياتية؟»[2]، لأنّ الفهم الحقيقي للدين لا يُجتزأ في بعد علائقيٍّ أحاديٍّ هو العلاقة بين الله والإنسان، والتي على أساسها جعلوا الدين مسألةً شخصيةً تبقى محصورةً بين الخالق والمخلوق.

لقد استطاع «غينون»، الفيلسوف الهدّام، أن يضيء على كلّ التجليات المادية حتى على مستوى الحياة العادية للإنسان الغربي، فوجد أنّ المادية تسكن في تجاويف المجتمع والفرد، حيث تكاد الروحانية لا يُسمع لها حسيسٌ، ويتجلى ذلك الهدم في كتابيْه «أزمة العالم الحديث» و «هيمنة الكم وعلامات آخر الزمان»، حيث طالت مطرقةُ «غينون» كلَّ مرتكزات الحضارة الغربية، فقد ذهب إلى عمق الأزمة وجذورها، من خلال الحفر الأركيولوجي تحت البناء الحضاري للغرب الحديث.

رابعًا: الحضارة الغربية بين التغالب والتدافع:

إنّ الحضارة الغربية لا تتعامل مع الآخر الحضاري بعقلٍ تركيبيٍّ مفتوحٍ، بل بعقلٍ ضيّقٍ اختزاليٍّ مغلقٍ، بعقلية النموذج الغربي، كباراديغمٍ حتميٍّ قهريٍّ، وتنسى أنّ الواقع بنيةٌ تركيبيةٌ  تنفتح على خطوطٍ متعددةٍ، ومساراتٍ متنوعةٍ وغنيةٍ بالإمكانيات. لذلك تعمد إلى الإقصاء كلغةٍ للتعبير عن ذاتها وحضورها، ما جعل منها حضارةً استعلائيةً لا تتقن فنّ الاعتراف بالغير، وفاعليات التداول وميكانيزمات التواصل والشراكة الناجعة أمام عالمٍ يعجّ بالمفارقات، والتداخلات العلائقية الداخلية والخارجية على كل المستويات.

  تنطلق الحضارة الغربية دومًا من أحكامها التعسّفية التحكّمية المسبقة، المترسّبة في لاوعيها الثقافي والإيديولوجي والأنتروبولوجي والتاريخي، إذ تسلّم بداهةً بالهوّة الأبدية السّحيقة بين

(51)

الحضارات الشرقية والحضارة الغربية، وبأنّ تجسير البون بينهما أمرٌ مستحيلٌ، حيث ترسّخ في الذهنية الغربية أنّ الغرب والشرق متباعدان في الزمان والمكان ولكلٍّ منهما حضارته، فالتباعد يزداد اتّساعًا، لأنّ الغرب يتقدّم بوتيرةٍ متسارعةٍ صانعًا مجدًا للمستقبل، في شكل حركةٍ دائبةٍ لا تكفّ عن الفعل الخلاّق متّخذًا مسارًا تصاعديًّا، في حين يشهد الشرق نكوصًا إلى الوراء مرتميًا في شرنقة الماضي يلوك مآثر أمسه، غارقًا في إساره في منحًى حلزونيٍّ، متلهّيًا عن المحن التي تملأ حاضره، فيوأد غدُه بفكره الكسيح العائم في تأمّلاته الحالمة.

 يستعير «غينون» عبارة «روديارد كيبلينغ»: «الشرق شرقٌ، والغرب غربٌ، ولن يلتقي الإثنان أبدًا»[1]، ليختصر بها الموقف الأوربي الغربي من العلاقة بين الشرق والغرب. لقد امتدّت مقولة «كيبلينغ» وكأنها تأسيسٌ استشرافيٌّ سبق ميلاد نظرية «صدام الحضارات» لـ «هنتنجتون» التي كانت نذير شؤمٍ لمستقبلٍ حضاريٍّ أقضّت مضاجعه الصراعات «واحتدمت التفاعلات في ما بين الشعوب المختلفة بعد أن أصبح العالم أصغر، وأدّى هذا إلى زيادة إدراك كلّ فردٍ بكلٍّ من الفوارق بين الحضارات ومظاهر الاشتراك في ما بينها، ويزعم «هنتنغتون» أن هذه الألفة المتزايدة أفرخت مشاعرَ ازدراءٍ وأجّجت من جديدٍ نيران عداوةٍ قديمةٍ مضت عليها قرونٌ»[2]، إذْ يعتقد «هنتنغتون» أنّ احتكاك شعوب الحضارات المختلفة ببعضها البعض لا يقرّب بينهم، بقدر ما يزيد من الهوّة، لأنّ هذه الشعوب، حسب «هنتنغتون»،  ستدرك الاختلافات في ما بينها، ما سيجعل كلّ طرفٍ يشعر بهويّةٍ متمايزةٍ عن الآخر، وهذا ما يدفع إلى الصراع للحفاظ على الهويّة واستقلالها وثباتها ومنعها من التماهي مع المغايرة لها، ولأجل أن تتحقق هذه الحضانة الهويتية فإنّ كل حضارةٍ ستسعى لإقصاء الأخرى لبقائها هي، من منطق أنّ الصراع هو قانون البقاء.

  إنّ الحضارة الغربية تريد من كلّ الحضارات الأخرى أن توجّه نشاطها إلى الميدان المادي، وإذا لم تفعل ذلك ستتهمها بالانحطاط، وهنا يكمن التناقض المنطقي الذي وقع فيه الغرب الحديث

(52)

عندما شبّه الحضارة بإنسانٍ ينمو ويتطوّر ويزداد حكمةً ونضجًا وتبصّرًا وذكاءً كلّما ازداد تعلّمًا ومعرفةً، وكأنه لا وجود لاختلافاتٍ فرديةٍ، وكأننا أمام إنسانٍ واحدٍ يتكرر في كلّ فردٍ وفق منطق الماهية الأرسطي ثنائي القيمة، في حين الطبيعة ذاتها تؤكّد مبدأ الفروق الفردية في التعلّم.

كما أنّ كلّ فرد تختلف مداركه وقدراته الاستيعابية عن الآخرين وهذه هي جِبِلّة بني آدم، هناك فروقٌ بين الحضارات، فـ «لا يمكن اعتبار حقيقة عدم تكريس الشرقيين أنفسهم لفروعٍ معينةٍ من العلوم الخاصة دليلًا على الضّعة بأي شكلٍ، فليس هذا المنظور الفكري إلاّ العكس تمامًا، واتجاه معظم نشاطهم إلى وجهةٍ أخرى ونحو أهدافٍ مختلفةٍ ليس إلاّ نتيجةً طبيعيةً لذلك»[1]. فلكلّ حضارةٍ أنشطةٌ معيّنةٌ تجدها أسمى من غيرها. فإنْ كانت قصدية الحضارة الغربية -بالمفهوم الفينومينولوجي- تنزع نحو ما هو مادّيٌّ، فليس ضروريًّا أن تنحوَ الحضارات المغايرة لها المنحى نفسه.

فلكلّ حضارةٍ قصديّتها. هذا يعني أن كل حضارةٍ تميّزها سماتٌ معيّنةٌ تجعل أوجه نشاطها منطبعةً بتلك السمات وهذا ما نجده ظاهرًا في الحضارة الغربية ذات القصد المادي والحضارة الشرقية ذات القصد الروحي. لذلك كما يقول «غينون»: «ما يعتبره شعبٌ ما عظيمًا، قد يعتبره آخرُ تافهًا والعكس صحيحٌ»[2]، ذلك ما يتبدّى لنا في تجربة التصوّف العرفاني في الحضارات الشرقية، إذ نجد الميدان الروحي أسمى وأرفع شأنًا، أما الميدان المادي فهو أدنى، حتى إنّ بعض الشعوب تحتقره تمامًا كالشعوب التي تنتمي للحضارة الإسلامية والهندية.

إنّ الاستعلاء الغربي، يجد أرضيته الصلبة التي يرسو عليها في تلك الدراسات الأنتربولوجية، التي قام بها الفلاسفة وعلماء الأنتربولوجيا، والتي رسخت للعنصرية العرقية الغربية، على الرغم من أنّ الكثير منهم حاول أن يكون موضوعيًّا ومحايدًا إلاّ أنّ القليل منهم من نتلمّس فيه نوعًا من الحيادية، إذ إنّ غالبيتهم أعلت من شأن العرق الغربي وصنفته في المرتبة الأوّلى، أي العليا.

(53)

إنّ محاولة الحضارة الغربية الحديثة صهر كل التمايزات بحجة المساواة بين الشعوب ما هي إلاّ خديعةٌ كبرى تخفي نيّةً خبيثةً لسحق حضارات الشرق وإبادتها، من خلال تدمير تراثياتها الأصيلة وعلومها التقليدية بعد إغراقها في وحل مقولة «التقدّم»، بذريعة إنقاذها من تخلّفها، حتى ينتهي المآل بمن صدّقت وهم «التقدّم» بين مخالب الاستعمار بكلّ أشكاله الظاهرة والباطنة، كما وضّح «غينون» بقوله: «إذا كان الجمهور العام يقبل بحسن نيّة حجج «الحضارة» هذه، فإنّ هذا عند بعض الناس ليس سوى نفاقٍ «أخلاقيٍّ»، وقناعٍ لروح الغزو والمصالح الاقتصادية. أيّ عصرٍ فريدٍ هذا الذي يستسلم فيه كثيرٌ من الناس فيقتنعوا بفكرة أنّ إسعاد شعبٍ يتحقق من خلال استعباده، بتجريده من أغلى ما يملك، أي من حضارته الخاصة، وإجباره على تبنّي ضوابطَ وأنظمةٍ عامةٍ قد وُضعت لعرقٍ آخرَ»[1]. إنّ الحضارة الغربية التي تدعو إلى الكونية الثقافة والشمولية الحضارية الكاسحة على الخصوصية الحضارية، حيث فرضت نفسها فرضًا بالقوّة على الحضارات المغايرة، وقدّمت نفسها كأيقونةٍ للحداثة، ما خيّل للذين ظنّوا أنهم خارج زمن الحداثة، أنّهم أمام خيارٍ وحيدٍ للخروج من مأزق الإقصاء من التاريخ ومن دورة الحضارة الإنسانية، إنّه خيار الانخراط في حداثة الغرب، ولا مجال للتنافس والتدافع معها ندًّا لندٍّ، من منطلق أنّها سابقةٌ زمنيًّا، وتتقدّم بشكلٍ متسارعٍ.

فهذه الفوقية والاستعلاء الذي تصدّر به حضارة الغرب الحديث قيمها وحداثتها، أعطت للغرب فرصة الزحف نحو الشرق لاستعماره وتضييق فرص التنافس الحضاري بين الشرق والغرب بشكلٍ متكافئٍ، وسعت لعولمة قيمها وفرْضها على الشعوب المغايرة لها، لا على سبيل الاختيار، ولا على أساس احترام حرية الآخر في اختيار قيمه بما يلائم طبيعة حضارته. لجأ الغزاة الغربيّون إلى اتخاذ مبررات لإخفاء نواياهم السيئة، «فالحجة التي يتذرع بها أنصار الاستعمار، حتى عندما يجدون أنفسهم مضطرين إلى الاعتراف بمساوئ النخاسة والعمليات العسكرية والاستغلال الاقتصادي، هي حجة تبرير ذلك كله بـ «المهمة التحضيرية» (mission civilisatrice) الملقاة على عاتق المستعمرين الذين يجلبونها معهم إلى الشعوب «البدائية»، إذ يجلبون إليها ثقافتهم ومسيحيتهم

(54)

ومشافيهم»[1]، كل ذلك، كما يقول «غينون»، «باسم هذه المساواة المزعومة التي هي من أعز «المثل العليا» المنكوسة للعالم الحديث، يتم فعلًا جعل الأشخاص متماثلين في ما بينهم بقدر ما تسمح به الطبيعة، وهذا قبل كلّ شيءٍ بدعوى إخضاع الجميع لتربيةٍ متماثلةٍ... وفوق ذلك، فإنّ الغربي الحديث لا يكتفي بفرض هذا النوع من التربية عنده هو فحسب، إنّه يريد أيضًا فرضه على الآخرين مع جملة مجموع عاداته الذهنية والجسمية، بهدف تنميط العالم بأسره»[2].

  إنّ هذا التماثل المطّرد الذي سعت من خلاله الحضارة الغربية الحديثة لعولمة قيمها وفرضها على كل شعوب العالم، آل بالمشروع الحداثي الذي استهلك في أرض الميلاد وفي أرض التبني فوضًى في كل المستويات. ففي حضارة الغرب انقلبت الحداثة إلى ما بعد الحداثة، أي من العقل التنويري إلى العقل المتشظّي العدمي المبعثر في عالم اللامعنى، منتقلًا من كونه جوهرًا، إلى أداةٍ، نافيًا ذاته بذاته، مُفرغَا كل مقولات الحداثة من مضامينها بتحويلها إلى النقيض، لأنّ العقل الحداثي تجزيئيٌّ ومختَزلٌ في البعد الخارجي للإنسان الذي هيمن على حضارة الغرب، كما يقول  «غينون»، وجعلها حضارةً أحاديةَ البعد تنحصر في الكمّ وتستبعد كلّ الأبعاد الإنسانية ذات الطراز الروحي.

إنّ فوضى التشتت وفقدان المبادئ تجتاح الشرق، الذي اخترقه الغرب وفرض عليه وصايته الاقتصادية والسياسية، لكن يبدو أنّ الأمر لم يتوقف هنا، ففي اعتقاد «غينون» أنّ مادّية الغرب اتجهت نحو التراث الروحي للشرق لتدميره، وإحلال قيمها الإنسانوية والأخلاقوية المخادعة كبديلٍ لقيمه، فيقول: «إنّ الغرب يجتاح كلّ شيءٍ، هو يمارس فعله أولًا في المجال المادي، الذي كان مباشرةً في متناول يديه، سواءً من خلال الغزو العنيف، أو من خلال التجارة والاستيلاء على موارد جميع الشعوب»[3]، والتاريخ الحديث يشهد على ذلك العنف الذي مارسه الغرب على الشعوب الشرقية، كالاستعمار الفرنسي للجزائر وما ألحقه بها من دمارٍ وخرابٍ اقتصاديٍّ وإفلاسٍ سياسيٍّ وفراغٍ مؤسساتيٍّ، وعنفٍّ ثقافيٍّ، ظلّت تداعياته إلى اليوم، تنخر المجتمع والدولة الجزائرية، إذْ، على الرغم من الاستقلال

(55)

الجغرافي، لم تستكمل الجزائر، بعدُ، استقلالها السياسي والثقافي والفكري والاقتصادي.

كمثال، لقد بقيت الروح الفرنسية تسكن في عمق الجزائري، الذي ظلّت فرنسا مدينة الأحلام بالنسبة له، ففرنسا تعشعش في كلّ شبرٍ من ترابنا، وفي كلّ حرفٍ من لغتنا، وفي كلّ جزءٍ من الهواء الذي نتنفسّه، في إداراتنا، وقوانيننا، وبرامجنا ومناهجنا التعليمية، واستثماراتنا واقتصادياتنا، وسياساتنا... في كل زاويةٍ من الجزائر تجد علامةً فرنسيةً توازي دائمًا العربية وكأنّها توأمها. لقد خرجت فرنسا من الجزائر لكن الروح الفرنسية ما زالت مستوطنةً فيها لا تفارقها لأنّ «الغربيين المدفوعين دومًا بتلك الحاجة إلى التبشير (بمعنى تغريب الآخرين) التي تميّزهم، قد نجحوا، إلى حدٍّ ما، في إنفاذ عقلهم المادي والمعادي للتقليد، إلى الآخرين، وبينما لم يكن الشكل الأوّل من الاجتياح يصيب، في الجملة سوى الأجساد، فإنّ هذا الشكل يسمّم العقول ويقتل الروحية»[1]، إذ «لم تتمكن أيُّ حضارةٍ سابقةٍ من تحقيق هيمنةٍ على بقية أنحاء العالم مثل تلك التي تمكن الغرب من تحقيقها»[2].

لقد أكّد الكثير من فلاسفة الغرب على أنّ الاجتياح الغربي، شمل الجسد والروح، العقل والفكر، وقد عبّر عن ذلك «بال فرغسون»، في كتابه «كيف هيمنت الحضارة الغربية على الغرب والشرق»، متتبّعًا المسار التاريخي للهيمنة الغربية على العالم وكيف أخضعته لقيمها من خلال «تحويل الشعوب في أنحاء العالم كافةً إلى طريقة الحياة الغربية، وهو تحويلٌ تحقق بالكلمة أكثر مما تحقق بالسيف»[3]. فباسم قيم الحداثة المزيّفة، التي عزّزتها فلسفة التنوير والثورة العلمية في عصر النهضة، وبلغت أوجها في عصر الصناعة اليوم، رزحت غالبية الشعوب التي تنتمي لحضارات الشرق تحت نير الهيمنة الحضارية الغربية ردحًا من الزمن، لأنّ «المجتمعات الصناعية عندما أذاعت أنموذجها حرفت بلدان العالم الثالث عن جادة نموه الأصيل وفرّقت شمل ثقافاته»[4].

(56)

 

 

 

 

 

 

المبحث الثاني

التقدّم من وهم الصعود إلى فوضى السقوط

 

 

أولًا: التقدّم والتغيّر، جدلٌ في المفهوم

ثانيًا: التقدّم بين التفوّق الخطّي والتقهقر الانتكاسي

ثالثًا: التقدّم انحسار في المادي وإنكار للروحاني

 

(57)
(58)

أولًا: التقدّم والتغيّر، جدلٌ في المفهوم:

لقد انحصر مفهوم التغيّر في الحضارة الغربية واُختُزل في التقدّم، وكأنّ كل خطوةٍ جديدةٍ، هي دائمًا لصالح التقدّم، وبذلك حصل تحريفٌ في مفهوم التغيّر الذي يرادف عند الغرب «التطوّر»، أي الانتقال من حالةٍ إلى حالةٍ أفضل، وفاءً للداروينية التي اخترقت كل الخطابات، ثقافيةً كانت أو اجتماعيةً، أو سياسيةً، علميةً، أو حتّى دينيةً، لأنّ رؤية الحضارة الغربية أحادية الجانب، فهي تساوي بين التغيّر والتقدّم، وبذلك تناقض السنّة الكونية، التي تفترض التغيّر قانونًا يحكم الوجود، إذ لا شيءَ ثابتًا مستقرًّا كما يقول «هراقليطس».

فكلّ شيءٍ يتحرّك من حالةٍ إلى حالةٍ، لكنّ الحركة لا تنتج دائمًا تقدّمًا، فقد يكون النقيض، أي التقهقر والانتكاس، ما يعني أنّ مسار التغيّر هو انتقالٌ من النقيض إلى النقيض للحصول على حالة الاستقرار والتوازن، فالصيرورة ليست دائمًا نحو الأفضل، كما تدّعي النزعة التفاؤلية السّاذجة التي ينتمي إليها «هيغل»، الذي يؤكّد على أنّ التغيّر هو تقدّمٌ دائمًا، حيث يقول إنّ: «التحوّلات المجرّدة التي يعرضها علينا التاريخ منذ وقتٍ طويلٍ، هو أنها تقدّمٌ إلى شيءٍ أفضل وأكمل. أما التغيّرات التي تحدث في الطبيعة، مهما كان تعدادها اللامتناهي، فإنها لا تعرض علينا سوى دورةٍ يعاد تكرارها باستمرارٍ. «فليس هناك جديدٌ تحت الشمس» يحدث في ميدان الطبيعة. الثبات هو الذي لا يتغيّر، أما المصير الإنساني فهو مختلفٌ، هو القابلية للتغيّر، وهو التغيّر للأفضل والأحسن، والنزوع إلى تحقيق مزيدٍ من الكمال»[1]. هذا يعني، في التصور الهيغلي، أنّ التغيّر هو تقدّمٌ إيجابيٌّ، ولا يمكن أن يحصل تغيّرٌ للأسوأ، أي لا يمكن أن تنتقل الحضارة من التقدّم إلى التقهقر. وكأنّ الثبات عند «هيغل» دليلٌ على التخلّف والركود. هذا يعني أنّ «هيغل» ينتهي إلى إنكار المبادئ المطلقة الفوق-طبيعية والفوق-بشرية، والتي هي في جوهرها غير قابلةٍ للتغيّر، «وهكذا فإنّ الاعتقاد في تقدّمٍ لا محدودٍ، ليس في صميمه سوى أكثر أشكال النزعة التفاؤلية سذاجةً وفظاظةً، وكيفما كانت أنماطها، فهي

(59)

بالتالي في جوهرها عاطفيةٌ على الدوام، حتى إذا كان المقصود «التقدم المادي»[1]. إنّ وهم التقدّم، عند «غينون»، كان أدعى إلى السخرية منه إلى الامتثال حتى إنّ «فولتير» سارع إلى السخرية منها»[2]  في روايته «كانديد»[3]  أو «آدم بعد عدن»، التي ختمها بعبارةٍ رمزيةٍ موحيةٍ «دعنا نفلح حديقتنا»[4]، والتي يشير من خلالها إلى ضرورة العمل من أجل القضاء على الشرور المتفشّية في العالم، لأنّ النظر والتفكير وحده غير كافٍ ما لم يقترن بالعمل.

من هنا هدم «غينون» مفهوم التغيّر الذي ارتكزت عليه الحضارة الغربية، وبيّن التحريف الدلالي الذي استغرقه، حين تمت مطابقته دلاليًّا مع التقدّم وكأنهما مترادفان. وهذا ما يحدث مع كل المفاهيم التي ترتكز عليها الحضارة الغربية، التي من سماتها «تزييف اللغة، أي الاستعمال التعسّفي والمفرط لبعض الكلمات التي تُصرف عن معناها الحقيقي، وهو استعمالٌ، إذا صحّ القول، مفروضٌ بواسطة إيحاءٍ مستمرٍّ»[5]. هذا ما حصل مع مفهومَيِ «التغيّر» و «التقدّم»، حتى أصبح يُنظر اليوم إلى كل ثباتٍ على أنه تخلُّفٌ، وإلى كل تغيّرٍ على أنه تقدّمٌ، في حينّ أنّ التغيّر ليس دائمًا تقدّمًا، والتقدّم ليس دائمًا تغيّرًا.

لقد تغيّرت الحضارة الغربية عبر العصور وانتقلت من مرحلةٍ إلى مرحلةٍ، لكن تغيّرها انتهى إلى الانحراف والفوضى والتشتّت، بفعل التحريف الدلالي الذي أفقد «الكلمات طابعها الكيفي

(60)

(ودلالتها النوعية)... بحيث لا يبقى منها سوى دلالةٍ ذاتٍ طابعٍ كميٍّ تمامًا»[1]، لأنّها فقدت المبادئ الثابتة التي لا تتغيّر والتي يحتويها التراث التقليدي، وبالتالي لا يمكن، مهما حصل من تغيّراتٍ في الحضارة، أن تساير تلك المبادئُ ذلك التغيّرَ.

في حين أنّنا لو أخذنا الحضارات الشرقية التي كانت نموذجًا للتقدّم، سنُلفي أنّ هذه الحضارات قد تقدّمت مع الحفاظ على عنصر الثبات في التراث (المبادئ)، ما يعني أنّ التقدّم يرتبط بالثبات أيضًا. «فما يسميه الغربيون تقدّمًا، ما هو عند الشرقيين إلًّا تحوّلٌ وعدمُ استقرارٍ. وهذه الحاجة إلى التغيّر المميّزة تمامًا للعصر الحديث، هي في نظرهم علامةُ تدنٍّ واضحةٌ: فالواصل إلى وضع التوازن، لا يشعر بالحاجة إلى التغيّر، كالمتحقق بالعلم فإنّه مستغنٍ عن البحث»[2].

لذلك ظلت الحضارات الشرقية، على الرغم ممّا حصل فيها من انتكاساتٍ، محافظةً على جانبها الروحاني، ما جعل «غينون» ينظر إلى الشرق على أنّه المنقذ الذي سينتشل الحضارة الغربية من الانهيار، لأنّه يمتلك المبادئ الثابتة التي أضاعها الغرب المهووس بالتغيّر والحركة؛ فالفوضى والتقهقر يعيدان التوازن والاستقرار والنظام، إذ لا يمكن أن تسير الحياة على نمطٍ واحدٍ، فوضًى دائمةٍ أو نظامٍ دائمٍ، تقدمٍ مستمرٍّ أو تخلّفٍ دائمٍ. ففي حركة التغيّر ينعدم المنطق ثنائي القيمة، ليحل محله المنطق متعدد القيم الذي يقبل كل المفارقات مجتمعةً في مركّبٍ واحدٍ «فربما يكون النظر إلى الوراء أفضل الطرق للتقدم، أن نحرك السهم إلى الأمام يعني أننا يجب أن نسحب القوس إلى الوراء»[3]. هكذا حال الحضارة في التصوّر الغينوني، لا يمكن أن تتغيّر دائمًا باتجاهٍ واحدٍ، لأنّ المستقبل يبقى دائمًا مجهولًا، وذلك ما جعل «غينون» لا ينحاز لا للتصور التشاؤمي حول مآل الحضارة الغربية، ولا للتصور التفاؤلي. فالمستقبل لا يمكن قياسه اعتمادًا على الماضي والحاضر. لذلك فالتغيّر الذي حصل في الحضارة الغربية، لا يمكن أن نسمّيه في كليته تقدّمًا، لأنّ التقدّم في مجالٍ لا يعني التفوّق الحضاري.

(61)

إنّ نظرية التقدّم التي ترتكز عليها حضارة الغرب الحديث، تنظر إلى الثبات على أنه معيارٌ للتقهقر، وإلى التغيّر على أنه معيارٌ للتقدّم، «فالأوربيون يزعمون أنّهم يرون في عدم التغيّر صفةً دونيةً منذ بدأوا في الاعتقاد بالتقدّم والتطور، منذ ما يربو على قرنٍ من الزمان، بينما نراها من جانبنا حالةً متّزنةً، أخفق الغرب في تحقيقها، ثمّ إنّ ذلك الاستقرار يعبّر عنه في أشياءَ صغيرةٍ كما يتجلى في الأمور الكبيرة، وكمثلٍ على ذلك فإنّ الموضة بتغيّراتها التي لا تنقطع، هي مشكلةٌ في الغرب فقط، وباختصارٍ، يبدو أنّ الغربيين -وخاصّة المحدثين منهم- قد تلبسّتهم طبيعةٌ متغيّرةٌ غيرُ مستقرّةٍ، ورغبةٌ جارفةٌ في الحركة والإثارة، في حين لا تبدو من الشرقيين إلاّ الصفات العكسية»[1]. هكذا ينظر الغرب إلى التغيّر على أنّه حتميةٌ ضروريةٌ للتقدم، وأنه بدون التغيّر لن يكون هناك تقدّمٌ، وكأنّ كل ثباتٍ ليس تقدّمًا، ما جعلهم مهووسين بالتجديد الدائم، الأمر الذي جعلهم يفتقرون إلى قاعدة روحيةٍ صلبةٍ تدثّرهم من الضياع والانحلال في اللاّشيء.

  إنّ نظرية التقدم التي ترتكز عليها الحضارة الغربية هي امتدادٌ تاريخيٌّ لنظرية الجريان الدائم  لـ «هراقليطس» والتي تنفي وجود معرفةٍ حقيقيةٍ ثابتةٍ، ومن ثمة تنكر المبادئ الثابتة. فإذا كان «كلّ شيءٍ يجري، لا، يمكن قول شيءٍ محدَّدٍ وصحيحٍ عن الأشياء الدائرة في دوّامة « كلّ شيءٍ يجري»»[2]، ما يجعل البحث عن الحقيقة مع نظرية الجريان الدائم عبثًا لا طائل من ورائه، ونسقط في اللاجدوى السيزيفية.

إنّ «الفكر المعاصر القائم على التغيير والتبديل إلى ما لا نهاية، قد انعكس على نفس شخصية الفرد الغربي الدائم التغيّر والحركة، وبالتالي، فقد توازنه، وأصبح يستمتع بالتغيّر حبًّا في التغيير، ويطلق عبارة «التقدّم» على السير في أي اتجاهٍ. وقد وصل شغف البحث لديهم إلى نفس الوضع المؤدّي إلى مجرّد التغيير وعدم الاستقرار»[3].

(62)

يشتمل التقدُّم، في التصوّر الغينوني، على النقيضين، فهناك تقدُّمٌ في الثبات (مجاله المبادئ)، وهناك تقدّمٌ في التغيّر (مجاله العوارض)، وليس كلُّ تغيرٍّ تقدّمًا، لأنّ هناك تغيّرًا هو تقدّمٌ، وهناك تغيّرًا هو تخلّفٌ وتقهقرٌ. هذا ما لم تعترف به الحضارة الغربية، التي تباهي وتفاخر بتقدّمها، حتى انقلب التقدّم انتكاسًا مروِّعًا أغرقها في فوضًى كاسحةٍ بسبب الفهم الخاطئ للتغير، الذي أدّى إلى تحريفٍ دلاليٍّ لمفهوم «التغيّر»، لأنّ التغيّر، عند «غينون»، هو مراحلُ انتقاليةٌ داخل الدورة الكونية، فلا يكون التغيّر دائمًا نحو التقدّم الصاعد، بل قد يرتدّ إلى تقهقرٍ نازلٍ، فالتغير يحمل النقيضين داخله، ومن النقيضين يخلق النظام في الكون، كما يقول «غينون»، لأنّ «الاضطرابات الجزئية لا يمكن إلاّ أن توجد لأنها عناصرُ ضروريةٌ للنظام العام، ولكن على الرغم من ذلك فإنّ عصرًا من الفوضى هو نفسه شيءٌ يمكن تشبيهه بفظاعةٍ ما، مع كونها نتيجةً لبعض القوانين الطبيعية، فهذا لا يخفّف من اعتبارها انحرافًا ونوعًا من الخطأ، أو كارثةً»[1].

 لقد ترنّح الكبرياء البشري الذي كان مشوًبا بالزّهو، بعد انزياح إبستيما المطلق وفكّ اللّجام عن الفكر المسكوت عنه والولوج إلى عصر الشكّ والنسبية، حيث شكّلت مستجدّات القرن العشرين، على مستوى العلم والمعرفة والفلسفة والفن واللغة... إلخ، طعنةً نجلاءَ نسفت موروث الحداثة، فاستفاق الإنسان من وهم اليقين الذي شدّ وثاق العقل فأعماه عن رؤية المجهول الذي كان يلبس قناع المعلوم، وبدت له سذاجة تلك الاعتقادات الراسخة التي أرخت سدولها عليه سِنين طِوالًا، بل قرونًا. فبدأ بحسم أمره، وأعلن العقل الولاء للنسبي بعد أن كان مُرتَهنًا داخل دائرة اليقين المطلق، ليدشّن مرحلةً جديدةً هي مرحلة اللاّيقين، والنسبية، خاصةً بعد أن ازداد إيمانه بقصور إدراكه، الذي لم يعد سوى تأويلاتٍ أكثر من كونها تفسيراتٍ، أمام الكون الشاسع والطبيعة الملغّمة، والإنسان اللّغز المحيّر، على حدّ تعبير دوستويفسكي.

من هنا زُحزح الإنسان من المركز، وأصبح كلّ شيءٍ مفكَّرًا فيه، ولا شيء مما أنتجه العقل يمكن توصيفه بالنموذج الأورتودكسي (الرأي الصحيح والطريق المستقيم) المقدّس المغلق الذي لا يجوز

(63)

اختراق تخومه المعرفية. هكذا ولّى عهد السلطة الأبوية على الحقيقة بكل أبعادها، وسقطت التراتبية الاجتماعية وما تقتضيه من قيمٍ، وأصبح الحديث، في عصر النسبية والتغيّر، عن حقائقَ لا عن حقيقةٍ، عن زاويةِ رؤيةٍ لا عن شموليةِ رؤيةٍ، عن مقارباتٍ مؤقتةٍ خارج معيار الصدق والكذب، الصحة والخطأ، ولا مجال للقول بالكليات والجواهر الأبدية، فالعقل انتقل من المكُوَّن الموسوم بالصدق الأبدي إلى المتكوِّن الذي يتخلّله الخطأ ويلازمه في منعرجاته، بل ويدخل في تركيب نسيجه، فلم يعد عنصر الخطأ معيبًا، فهو من طبيعة العقل. لقد ختمت النسبوية على شهادة وفاة الدوغما التي سيّجت الفكر بقيم المطلق فحظرت عنه التفكير خارج هذا النسق المتشرنق على ذاته.

فعصر النسبية ينظر للحقيقة على أنّها بناءٌ لا يكتمل عبر الزمان و المكان، فلا وجود لحقيقةٍ ثابتةٍ مهما كان نوعها، وهذا إنكارٌ كليٌّ للحقيقة الفوق-بشرية، أي العلوية. فالنزعة النسبية عندما عجزت عن تفسير الظواهر وفق قوانين السببية والحتمية، انتهت إلى الإقرار بالحقيقة النسبية.

إذ كان منطلق النزعة النسبية التي أصبحت تهيمن على الحضارة الغربية، هو ذلك الوابل المتسارع الذي لا ينقطع من الاكتشافات العلمية التي تتدفق كل يومٍ، تسابق الزمن، حيث خلخلت المفاهيمُ التي كانت، إلى عهدٍ قريبٍ، مفاهيمَ لا يعتريها النقص، ولا يرقى إليها الشك. فبدا صرح العلم الكلاسيكي وكأنّه على حافة الانهيار، وبدأ الإنسان يفقد مركزه في الكون الذي ظنّ أنّه قد أحكم قبضته الحديدية عليه عندما اهتدى لتلك القائمة من القوانين، والتي كان يعتقد فيها الصحة المطلقة.

فالكون والطبيعة التي روّضها العلم الحديث في تلك المعركة التي خاضها معها في الماضي معلنًا انتصاره وسيادته عليها، قد أعلنت عليه حربًا أكثر شراسةً، وبدأت ترمي بألغازها من جديدٍ، ليخبوَ معها الكبرياء والغرور البشري، فبدأ يحسم أمره، ويعلنَ العقل العلمي انفصاله عن مرحلة اليقين المطلق، والدخول في مرحلةٍ جديدةٍ، هي مرحلة النسبية واللّايقين، بعد أن زاد إيمانه بقصور إدراكه وملاحظاته، وبمحدودية تجاربه، وبنقص وسائله، أمام الكون الشاسع والطبيعة الملغمة، خاصةً

(64)

بعد التطوُّر منقطع النّظير الذي حصل في مجال الفيزياء بفضل نظرية «النسبية» لـ «آنشتاين» التي كشفت عن قصور «نظرية الجاذبية» في تفسير ظواهر الكون.

 تنتهي النسبوية إلى نفي كل حقيقةٍ، بما فيها الحقيقة النسبية، ما دام كل شيءٍ في جريانٍ دائمٍ، لأنه كما يقول «غينون»: «يمكننا الذهاب أبعد من ذلك: إنّه الإنكار لأيّ معرفةٍ حقيقيةٍ في أيّ مستوًى كان، حتّى في النسبيّ، لأنّ النسبيّ، هو غير قابلٍ للتعقّل ومستحيلٌ من دون المطلق، كما أنّ الممكن مستحيلٌ من دون الواجب، وكذلك التغيّر من دون الثبات، والكثرة من دون الوحدة»[1]. هذا يعني أنّ من يؤمن بالحقيقة النسبية، وفي الوقت نفسه يبحث عنها محاولًا أنْ يجدها، سيقع في مصادرةٍ على المطلوب، فإنْ كان هناك تسليمٌ مسبقٌ بأنّ الحقيقة المطلقة غير موجودةٍ، فحتى الحقيقة النسبية غير موجودة، فـ «النسبوية تحمل تناقضها في داخلها، وإذا أردنا اختزال كلّ شيءٍ في التغيّر، سنصل منطقيًّا إلى نفي التغيّر نفسه»[2]، لأنّ النسبية تعني أنّ الحقيقة غير موجودةٍ، وبالتالي فالحقيقة النسبية ذاتها منعدمةٌ ،لأنّ النسبوية ترتكز على مبدأ الذاتية، وهو بدوره يعني أنّ لكل واحدٍ رؤيته للحقيقة، حيث يعتقد النسبويون أنّ رأيهم صحيحٌ، وأنّ من يرفضون النسبية رأيهم خاطئٌ، وهنا يكمن التناقض، فتسليم النسبوية بصحة موقفها من الحقيقة، يعني أنّ رأيها صادقٌ، وبالتالي فهي تقرّ بوجود حقيقةٍ مطلقةٍ ثابتةٍ وصحيحةٍ، وهي الحقيقة النسبية، فالتغير يصبح حقيقةً ثابتةً مطلقةٌ، أي أنّ هناك حقيقةً لا تتغير وهي التغيّر في الكون والأشياء.

إنّ إيمان الناس في العصور الوسطى بمركزية الأرض وبثباتها، ثم تحوّل الناس بعد الثورة الكوبرنيكية إلى نقض هذا الاعتقاد، جعلهم يؤمنون بأنّ الحقيقة تغيّرت، في حين أنّ الذي تغيّر هو رؤيتهم وموقفهم لا الحقيقة، فالحقيقة ثابتةٌ دومًا ولا تتغير، أي إنّ الأرض منذ بداية الخلق وهي تتحرّك، والذي حصل هو أنّ الفكر البشري لم يكتشف هذه الحقيقة منذ البداية.

(65)

  ويطال النقد الغينوني فكرة الديمومة البرغسونية، التي تعني التغيّر المستمر، والتي لا تخرج عن معنى النسبوية لأنّ «الفكرة البرغسونية عن «المدة المحض» تتناسب تمامًا مع هذا التشتت في الآنية... إنّ الحدس المزعوم، الذي يتشكّل على هذا المدّ الدائم للأشياء الحسية، بعيدًا عن أن يكون وسيلةً لمعرفةٍ حقيقيةٍ، يمثّل، في الواقع، الانحلال لأيّ معرفةٍ ممكنةٍ»[1]، فمذهب الحدس لـ «برغسون» هو مذهبٌ فرديٌّ لا يتماشى مع الاتجاه الروحاني، مثله في ذلك مثل «المذهب العقليّ. وإذا كان صاحب مذهب الحدس قد انتقد المذهب العقلي فإنه قد نزل إلى مرتبةٍ دنيا حينما التجأ إلى ملكةٍ أحقرَ من العقل هي الحدث الحسي، الذي امتزج بالخيال والغريزة وبالعاطفة»[2].

 هذا يعني أن فلسفة الصيرورة البرغسونية ما هي إلا وجهٌ آخرُ متخفٍّ للفلسفة العقلانية، إذ إنّ كلًّا منهما يُخلص للعناصر الإنسانوية، ويضحّي بالعناصر العلوية، ويبقى مجال البحث هو الحقيقة المتغيّرة، لأن «برغسون» بحث في ما تحت العقل بدلًا من أن يبحث في ما فوق العقل، لذلك يعتبر «غينون»  أنّ الديمومة البرغسونية في

جوهرها امتدادٌ لكل فلسفات الصيرورة بدايةً من العصر اليوناني مع «هراقليطس»، إلى العصر الحديث مع النسبوية، فإن تعددت التسميات تبقى الغاية واحدةً وهي التغيّر الدّائم الذي لا يتوقّف، أو الصيرورة المتحوّلة في الزمان، والتي لا تكفّ عن الحركة. فالحدس البرغسوني، عند «غينون»، يتناقض مع الحدس العرفاني في التراث التقليدي، لأنّ الحدس عند «برغسون» يرتبط بالدّيمومة وهي عنده الزمان النفسي الذي يتغير في الزمن ولا يكفّ عن الحركة، وبالتالي لا يمكن أن يصل إلى المعرفة الميتافيزيقية الخالصة باعتبارها معرفةً بالمبادئ.

وملكة الحدس، بالمعنى البرغسوني، ترى بنور البصر وتوجد بالتماثل بين جميع الناس، فهي لا تختصّ بالصفوة العارفة المستنيرة، ما يجعل حدس «برغسون» نازلًا إلى الأرض، أي إلى العالم

(66)

السفلي حيث العناصر الظلمانية الشهوانية والعواطفية هي التي تحكم العالم السفلي (الدنيوي). أما «الحدس العرفاني» بالمفهوم الغينوني، فيرتبط بالعقل المستبصر الذي يحكم بنور البصيرة، وهو عقلٌ صاعدٌ إلى العالم العلوي (المقدّس)، ولا يمتلكه إلاّ «الصفوة»، لذلك فالحدس البرغسوني دنيويٌّ نسبويٌّ، أما الحدس الغينوني فمقدّسٌ مطلقٌ، الأوّل موصولٌ بعالم الأرض (الجسد)، والثاني بعالم السماء (الروح).

ثانيًا: التقدّم بين التفوّق الخطّيّ والتقهقر الانتكاسي:

لقد كانت فكرة «التقدّم»، الموروثة عن عصر الأنوار، هي الموجّه لحركة التاريخ المعاصر، والتي تنظر إليه نظرةً تفاؤليةً، على أنّ التاريخ يرسم خطًّا مستقيمًا في تطوّره، إذ «كلٌّ من العقلانيين والماديين يعتقد أنّ التاريخ يسير في خطٍّ مستقيمٍ، وأنّ تطوّر العالم قد بدأ من الصفر، فالتاريخ -باستثناء بعض الحركات الالتوائية والانتكاسات المؤقّتة- يلتزم بحركةٍ متصلةٍ إلى الأمام. ويتبع ذلك، أنّ الحاضر دائمًا هو شيءٌ أكثر من الماضي»[1]، وبما أنّ الحضارة مكوِّنٌ أساسيٌّ له، فهي بمنظور الحضارة الغربية الحديثة تتخذ منحًى تصاعديًّا، أي إنّ التقدّم خالٍ من الانقطاعات والانكسارات، وهي نظرةٌ تفاؤليةٌ للمستقبل، تؤمن بأنّ الإنسان كلما تقدّم في الزمن زاد نضجًا وتبصّرًا ووعيًا شأنه شأن الحضارة فهي تتجه نحو زيادة امتلاك الإنسان للطبيعة والكون، بتوسيع فهمه لها.

هذا ما توضّحه مقولة «باسكال» عن الإنسانية التي يستدلّ بها «غينون» ليوضّح معنى التقدّم الذي ترتكز عليه الحضارة الغربية الحديثة، فالإنسانية في ما يقول باسكال «شخصٌ واحدٌ، دائمُ الوجود، وفي مزيدٍ مستمرٍّ من التعلّم على مرّ القرون»، ويشرح «غينون» ما قصده «باسكال» بالإنسانية بأنّ «مضمونها يفترض أنّ الإنسانية، في جملتها، في تطوّرٍ مستمرٍّ متصاعدٍ خطيًّا مع الزمن، وهذه رؤيةٌ تبسيطيةٌ إلى أبعد حدٍّ، تتناقض مع كلّ الوقائع المعروفة»[2]، وفي السياق ذاته يقول «إدغار موران»: «كان استشراف المستقبل الذي ساد في سنوات الستينات يطرح أنّ الماضي

(67)

معلومٌ علمًا يقينيًّا، وأنّ الحاضر بطبيعة الحال معلومٌ، وأنّ أساس مجتمعاتنا ثابتٌ. وهكذا اعتقد الفكر التكنو-بيروقراطي أنّ بإمكانه التنبؤ بالمستقبل، بل اعتقد في إطار تفاؤله المعتوه، أن القرن الواحد والعشرين سيقطف الثمار الناضجة للإنسانية»[1]، وكأنّ التقدّم يسير وفق حتميةٍ متفوّقةٍ لا تخطئ، لا وجود فيها لمفاجآتٍ تكسر خطّ التقدّم وتشتت وجهته.

«إنّ التطوُّر لا يخضع للقوانين الحتمية، لا لحتميةٍ متفوّقةِ. وهو ليس ميكانيكيًّا ولا خطّيًّا. ولا وجود لعاملٍ مهيمنٍ باستمرارٍ يقود التطور»[2]. فنظرية التقدّم تتنبّأ بمستقبلٍ أكثرَ تطورًا، وكأنّ التقدّم لا ينحرف. إن هذا التصوّر يتنافى مع وقائع التاريخ التي أثبتت أنّ التقدّم محفوفٌ بأزماتٍ، وتتخلله ارتجاجاتٌ، لذلك «ينبغي علينا الانطلاق من الإقرار بغباوة كل تنبؤٍ يقوم على تصوّرٍ تطوريٍّ بهذا القدر من التبسيطية. إن الواقع الاجتماعي متعدد الأبعاد، وهو يتضمن عواملَ ديمغرافيةً، واقتصاديةً، وتقنيّةً، وسياسيةً، وايديولوجيةً... وبإمكان بعضها أن يهيمن في لحظةٍ، لكن هناك تدويرٌ للهيمنة، والديالكتيك لا يمشي على القدمين ولا على الرأس، إنه يدور، لأنه قبل كل شيءٌ حركة التأثير والتأثّر، أي حلقةٌ في حركةٍ أزليةٍ»[3]. إنّ العنصر المهيمن على الحضارة الغربية الحديثة هو العنصر الاقتصادي والتقني، في حين كان العنصر الديني هو المهيمن في العصور الوسطى.

أما  «غينون» فيعتقد أنّ «التاريخ يبيّن لنا في كلّ عصرٍ وجود حضاراتٍ مستقلةٍ عن بعضها البعض، بل هي في غالب الأحيان متباينةٌ، وبعضها يولد ويتطور بينما الأخرى تهوي نحو التلاشي وتموت، أو تزول بغتةً بفعل إحدى الكوارث، والحضارات الجديدة لا ترث دومًا سابقاتها»[4]، فحسب التصوّر الغينوني لا توجد حضارةٌ متقدّمةٌ على شكلٍ خطّيٍّ بحيث لا تموت ولا تتعثّر، فالتاريخ يعطينا الكثير من الدلائل على ذلك، وكأبرز نموذجٍ الحضارة الإسلامية التي انتكست اليوم

(68)

ودخلت مرحلة الكمون. لذلك فالتقدّم المزعوم للحضارة الغربية هو تقدّمٌ ينذر بفنائها، لأنّه تقدّمٌ لا يعترف بما هو فوق-حسيٌّ أي بالجوانب الروحية الخالصة.

ثم إنّ «المشتغلين باستشراف المستقبل شيّدوا مستقبلًا خياليًّا انطلاقًا من حاضرِ مجرّدٍ. فالحاضر الزّائف المسمّن بالهرمونات حل، بالنسبة إليهم، محلّ المستقبل. والأدوات الفضّة والمبتورة، والباترة التي كانت تساعدهم على إدراك الواقع وتصوره أعمت بصيرتهم لا عن رؤية ما ليس متوقعًا فحسب، بل وعن رؤية ما هو متوقعٌ»[1]. لذلك فالتقدّم الصاعد إلى الأمام غير ممكنٍ، لأنّ التاريخ يسير في حركة دائرية، تتخللّه القطائع والأزمات، حضاراتٌ تندثر وتمحى من الوجود، وأخرى تنبثق، تتطوّر وتتقدّم، ثم قد تخبو وتضمحلّ وتتوقف عن التقدّم مؤقّتًا، فتدخل في حالة سباتٍ حضاريٍّ -كما يحصل مع الشرق الإسلامي حاليًّا- إذ لا يمكن الجزم بأنّ الحضارة الواحدة إذا تقدّمت وأحرزت انتصاراتٍ، فإنّها ستتفوّق دائمًا في المستقبل، ولن تذوق مرارة الارتكاس والانتكاس. فمن «أجل تصوّر دقيق للصيرورة التاريخية، يجب أن نحلّ تصوّرًا مركّبًا محلّ التصور التبسيطي السائد. إنّ التصور التبسيطي يعتقد أنّ الماضي والحاضر معلومان، و أنّ عوامل التطور معلومةٌ، وأنّ مبدأ العليّة مبدأٌ خطّيٌّ، والمستقبل يمكن انطلاقًا من ذلك التنبؤ به»[2].

  إنّ التقدّم، عند «روجي غارودي»، «هو الأسطورة الأكثر رعبًا عندما ينعدم الأمل الحقيقي»[3]، هذا التقدّم الذي سينقلب عليها ويفني الحضارة الغربية، إن لم تستدرك وتراجع مآلات هذه المقولات التي تشكّل الأرضية الصلبة للحضارة الغربية الحديثة. إنّ «التقدّم» الصاعد الخطّيّ تمّ التعبير عنه «في القرن الثامن عشر مع «كوندورسي»، ثم يتطوّر مع الفلسفة الوضعية العلموية مع «أوغست كونت» من خلال» قانون الأطوار الثلاث»، ثم يتطوّر مفهوم» التقدم» ليترادف مع «النمو« و« التنمية» في القرن العشرين»[4].

(69)

أما الخلفية العلمية لـ «التقدم» فتترافق مع نظرية «النشوء والارتقاء» لـ «داروين»، التي أصبحت تمثيلًا لروح الحضارة الغربية للقرن العشرين، «فأضحت تُعلَّم كقانونٍ تحرم مناقشته، بينما ليست هي في الواقع سوى مجرّد افتراضٍ، اعتباطيته وانعدام أيّ أساسٍ له يتجاوز كلّ الافتراضات الواهية الأخرى، وهي كذلك من باب أولى في تصوّرها للتقدم الإنساني، الذي لم يعد في زعمها سوى مجرّد حالةٍ خاصةٍ من سيرورة التطوّر»[1]، لكن على الرغم من أنها مجردُ افتراضٍ تمكّنت من اكتساح كل المجالات، حيث تم إسقاط نظرية التطور على التاريخ، والحضارة. ووفاءً للتطورية آمنت الحضارة الغربية بأنّ التطور يكون دائمًا إلى الأفضل، وبأنّ كل تطورٍ هو تقدّمٌ، لأنه في كل عملية انتخابٍ طبيعيٍّ يتم إقصاء العناصر الضارة وإبقاء العناصر المفيدة، أي القضاء على الأسوأ والإبقاء على الأحسن، وهذا ما نفهمه من قول «داروين»: «إنّ الانتخاب الطبيعي قوةٌ دائمةُ الفعل كلّ يومٍ، بل كلّ ساعةٍ، في استجماع التحولات العرضية في العالم العضوي كافةً، نافيةً كل ما كان منها مضرًّا، مبقيةً على كلّ ما كان منها مفيدًا صالحًا، تعمل في همودها وسكونها عملها الدائم ما سمحت الفرص في كل زمانٍ ومكانٍ لتهذيب كل كائنٍ من الكائنات بما يلائم طبيعة حالات الحياة المحيطة به، ما اتصل منها بالموجودات العضوية وما اتصل بغير العضوية»[2].

بهذا المعنى الدارويني، فكل تطورٍ هو بالضرورة تقدّمٌ إلى الأمام في أفضل شكلٍ وصورةٍ. من هذا التصور الدارويني استقى فلاسفة الحضارة والأنتربولوجيون والمؤرخون فكرة التطور وفسروا بها نشوء الحضارة والتاريخ، وانتهوا إلى أنّ التاريخ يسير خطّيًّا متوافقًا مع حركة الزمن، باعتبارها حركةً إلى الأمام، «فإنّ بعض الذين لم يجدوا مناصًا من ملاحظة وجود أطوارِ صعودٍ وهبوطٍ في ما يعرفونه من تاريخ البشرية، لجأوا إلى الكلام عن «تواتر التقدّم»، أي تشبيهًا بتواتر اهتزاز الأمواج»[3]، وهذا ما نجده جليًّا في تفسير «هيغل» للحضارة، ففي اعتقاده أنّ التطور -والذي يقصد به التقدم- الذي يظهر عادة أنه توقّفٌ، هو في الحقيقة لا ينقطع، ولا يضيع، وإنما يتقهقر بشكلٍ عرضيٍّ مؤقّتٍ لكنه لا يؤدّي إلى انهيار تلك الحضارة التي عرفت التطور، لأنّ

(70)

الروح، عند «هيغل»، تتقدّم وتنمو ولا تتراجع ولا تتقهقر، لأنّ «التقهقر الذي تمثّله الأحداث، على أنّه ظواهرُ خارجيةٌ عارضةٌ، ولا تستطيع أن تحكم على أنماط التطور الجزئية المعينة إلا وجهاتُ نظرٍ غامضةٌ غيرُ محدّدةٍ، لا تكون سوى أهدافٍ نسبيةٍ مطلقةٍ، ما دام التطور بما هو كذلك هو الشيء الوحيد الهامّ»[1]، وكأنّ «هيغل» هنا لا يعطي أهميّةً لذلك التقهقر الذي قد يصيب حضارةً ما بعد تقدّمها، إذ يعتبره شيئًا عارضًا، يتخلل مسار النموّ، لكن في النهاية يتغلّب التطور. إنّ هذا التصور ما هو إلاّ نتاجٌ لذلك «الوهم الأكبر في الاعتقاد بأننا نعرف الحاضر لأننا موجودون فيه»[2]، في حين أنّ الحاضر نفسه الذي نعيش فيه لا نعلم منه إلا النزر اليسير، لأنه كثيرًا ما يقع بين مفترق طرقٍ، حيث تتقاطع كلّ الاتجاهات، لتتجه نحو مسارٍ، نهايتُه غيرُ معلومةٍ.

أما «روجي غارودي» فيحدِّد الخلفية الفلسفية لمقولة «التقدّم» في ثلاثة فروضٍ أساسيةٍ:

الأول: «فرض ديكارت: السيادة وامتلاك الطبيعة»[3]. حيث أنتج هذا الفرض علاقةً عدائيةً بين الإنسان والطبيعة، انتهت بالإنسان مخرّبًا للطبيعة بدلًا من أن يكون صديقًا لها ويحسن التعايش معها، «بواسطة العلم والتقنية أصبحنا نمتلك القدرة على تدمير الطبيعة»[4]، وبدلًا من أن يعيش الإنسان كجزءٍ من الكلّ (الطبيعة) وهو كذلك في الواقع، أصبح يريد امتلاك الكلّ، فكانت النتيجة أن تقوم الطبيعة بردّ فعلٍ عكسيٍّ تمثل في مقاومتها لفعل الإنسان، كما فسرت ذلك نظرية «غايا» لـ»جيمس لفلوك»، التي تؤكّد على أنّ الأرض تدافع عن نفسها مثلها مثل بقية الكائنات الحيّة.

الثاني: «فرض هوبز: الإنسان ذئبٌ لأخيه الإنسان»[5]. هذا الفرض الذي مهّد للصراع والصدام

(71)

الحضاري، فالصراع والتناحر من أجل البقاء انتقل من الأفراد إلى الجماعات، إلى الحضارات.

الثالث: «فرض مارلو: الذي أعلن عن موت الإله في كتابه «فاوست»، قائلًا: أيها الإنسان، عن طريق عقلك القوي، تصبح إلهًا، المالك والسيد لكل العناصر»[1]، هذا الفرض هو الذي أدى -بالتحالف مع الفلسفة المادية- إلى تصعيد الموجة الإلحادية، التي تحارب الإيمان. فقطعت الصلة بين السماء والأرض، هكذا تمّ تعزيز الثقة بالتطوّر الصاعد.

  إنّ الحقيقة التي ينتهي إليها «إدغار موران» هي: «أنّ التاريخ يبدع، وينحرف، ويتمايل، وهو يغيّر السكّة، ويضلّ السبيل: والاتجاه المضادّ للتيار الذي أثاره تيارٌ يختلط بالتيار... والتطور انسياقٌ، وانحرافٌ، وخلقٌ، وهو قطائعُ، واضطرابٌ وأزماتٌ»[2]، هذا يعني أنّ التاريخ لا يخضع لحتمية التقدّم الصاعد، إذ لا وجود لتقدّمٍ مطلقٍ، لأن الإحاطة الكاملة بالحالة الراهنة للعالم في الحاضر، أمرٌ غيرُ ممكنٍ عمليًّا، فكيف يمكن التنبؤ بالمستقبل إذًا، والحاضر غيرُ معلومٍ بشكلٍ نهائيٍّ. إنّ الحرية، لا الضرورة المطلقة هي أساس التاريخ، ولا شيء يضمن لنا أن المستقبل سيكون كما هو الآن أو كما حدث في الماضي.  

إنّ القول بأنّ الأسباب نفسها تولد النتائج نفسها أصبح قولًا قاصرًا، والاطّراد في الحدوث ليس دائمًا، إذ تحدث في التاريخ والحضارة والطبيعة طفراتٌ، لا يمكن لملاحظاتنا ولا لقياساتنا أن تتنبأ بها بدقةٍ لأننا نعتمد في تنبؤاتنا على الحاضر الذي هو في حد ذاته غيُر معلومٍ بشكلٍ نهائيٍّ، ما يجعل المستقبل غيرَ معلومٍ أيضًا، وبالتالي يسقط وهم «التقدّم الخطّي». إنها حالةٌ أشبهُ بوضعية قطّة «أروين شرودنغر»[3].

إذًا، يبدو أنّ الكثير من الفلاسفة يتفقون مع «غينون» حول أنّ التقدّم لا يسير خطيًّا، لكن «غينون»  يختلف عنهم لأنه يربط تصوّره للتقدم بفكرة الزمن في الحضارات التراثية. حيث

(72)

يعتقد «غينون» أنّ هناك دورةً بشريةً تُعرف في العقيدة الهندية «بالمانفانتارا» تتكون من أربع مراحلَ حسب العقيدة الهندوسية وهي: «العصر الذهبي، والعصر الفضي، والعصر البرونزي والعصر الحديدي، ونحن اليوم في العصر الرابع الذي يُسمّى «بالكالي-يوغا» أو العصر المظلم، والذي يشهد أقوى درجات التعتيم للروحانية، التي تكاد تندثر نهائيًّا مع الهيمنة المادية التي اكتسحت حضارة الغرب الحديث»[1].

إنّ الدورة الكونية للبشريّة، ليست دورةً زمنيةً خطّيةً، بل هي دورةٌ دائريةٌ، فعند «غينون» «الطبيعة الأساسية للحوادث متعلقةٌ بالزمن برابطةٍ أوثقَ بكثيرٍ من ارتباط الأجسام بالمكان. وهذا يؤكد مرةً أخرى بأنّ في الزمان ذو طابعٍ كيفيٍّ أوسعَ. والحقيقة أنّ الزمان ليس بالشيء الذي يجري على نحوٍ منتظمٍ، وبالتالي فإنّ تمثيله الهندسي بخطٍّ مستقيمٍ، كما يتصوّره الرياضيون المحدّثون، يعطي عنه فكرة خاطئة تماما بسبب الإفراط في التبسيط. إنّ التمثيل الحقيقي للزمان هو التمثيل الذي يقدّمه التصوّر التراثي العرفاني للدورات الزمنية. ذلك التصور الذي يقوم على الزمان «ذي الطابع الكيفي»[2].

هذا يعني أنّ «غينون» يرفض المعنى الكمي للزمن الذي يتصوره محددا مقيسا بالساعات والأيام والأسابيع والشهور والسنوات، فالزمن يحمل معنًى كيفيًّا[3]، بمعنى أنه ينفلت من التقدير الكمّي، وربما هذا المعنى قريبٌ مما نقصدها في عصرنا حينما نشتكي من تسارع الوقت، فنقول بأنّ الزمن الذي يذهب خيرٌ وأفضلُ من الزمن الذي سيأتي، وكأننا هنا نصف الزمن من الناحية القيمية المعيارية، فنفرغه من خصوصيته الكمية، على الرغم من أنّ الزمان سائرٌ إلى الأمام، يزداد ولا يتناقص، إلاّ أن الزمن عند «غينون» لا يتكرر ولا يتغيّر مقارنةً بالمكان، لأن الزمان يرتبط بالأحداث، والمكان بالأجسام ذات الامتداد، يقول: «موقع الجسم في الفضاء يقبل التغيّر بفعل

(73)

الحركة، بينما الحادثة الزمنية لا تقبل التحوّل فهي «فريدةٌ»»[1]، فما ذهب لن يعود ولن يتكرر في الزمن ولا شيء يضمن لنا عودته، فالأحداث الزمنية لا تشبه بعضها البعض، لأنّها أولًا وقبل كل شيءٍ، وقائعُ بشريةٌ وإنسانيةٌ، فهي ظواهرُ حيةٌ لا تنفكّ تتحرك في الزمن، وفي حركتها هذه تتخذ أشكالًا متعددةً، فقد تتجه الحركة نحو التقدم، وقد يحصل العكس، ما يشير إلى أنّه «لا وجود لتقدّمٍ تحقق بشكلٍ نهائيٍّ، ولا وجود لتقدمٍ من دون ظلٍّ، إنّ كل تقدّمٍ مهدَّدٌ بالانحطاط ويحمل في ذاته العملية المزدوجة الدراماتيكية للتقدم/ التقهقر»[2]. إنّ الأحداث الزمنية لا تسير في حركةٍ مستقيمةٍ يمكن التنبؤ بتسلسلها المنطقي، إنها حركةٌ متعرّجةٌ، فيها نتوءاتٌ ومنعطفاتٌ تظهر حينًا وتختفي حينًا آخرَ، دون أن تُعلمنا بذلك. فلا شيءَ حتميًّا في الزمن، لذلك فإنّ قياس الحاضر على منطق الماضي غيرُ ممكنٍ، «فنحن نشهد منذ بضعةِ عقودٍ من السنين انبثاق نماذجَ معياريةٍ عليا جديدةٍ للإدراك والمعرفة: أي نظرياتٍ علميةٍ ونواميسَ لم تكن معروفةً سابقًا. وهي في طورها لأن تغيّر وتحوّل بشكلٍ راديكاليٍّ علاقتنا بالعالم والأشياء... وبحسب العقيدة الهندية نحن في المرحلة الرابعة من المانفانتارا وهي الكالي-يوغا أو العصر المعتم والمظلم»[3].

من هذا التصور للزمن يفسّر «غينون» الحضارة انطلاقًا من «المانفانتارا» (الدورة الكونية للبشرية)، حيث تبيّن هذه الدورة «أنّ كل مرحلةٍ من مراحلِ دورةٍ زمنيةٍ ما، مهما كانت، لها نوعيتها الخاصة التي تؤثّر في تحديد مسار الأحداث، وحتى السرعة التي تجري بها هذه الأحداث، هي أيضاً تتعلّق بتلك المراحل، وبالتالي فهي ذات نمطٍ كيفيٍّ أكثر من كونه كميًّا حقيقةً»[4]. ومن ميزات الدورة الزمنية الخاصة بعصر الكالي-يوغا الذي نعيش فيه كما يحدِّدها «غينون»:

(74)

الأول: «تسارع الزمن»[1]، فالزمنُ ثابتٌ كمّيًّا، أما كيفيًّا فقد تقلّص، إذ يعتبر في العقيدة الإسلامية إحدى علامات اقتراب الساعة.

الثاني: «الدورة الزمنية تتجه نحو النزول إلى أسفل والابتعاد عن المبدأ»[2]، أي إنّ الأحداث الزمنية تشير إلى الارتباط بالدنيوي أكثر من الارتباط المقدّس، ونشاهد ذلك من خلال الابتعاد التدريجي المتسارع لإنسان العصر الحديث عن كلّ ما ينتمي للروحانيات، وعن كل ما له علاقةٌ بعالم السّماء، إذ أصبح النزوع إلى الأرض أقوى منه في أيّ زمنٍ مضى. لقد أصبح عصرنا اليوم «يفضّل الصورة على الشيء، النسخة على الأصل، التمثيل على الواقع، المظهر على الوجود، وما هو مقدّسٌ بالنسبة إليه، ليس سوى الوهم، أما ما هو مدنّسٌ فهو الحقيقية»[3]، لأنّ إنسان العصر الحديث مات قبل أن يموت، مات وجوده الحقيقي، الذي يمتثل للغايات المقدّسة، وعاش الوجود المزيّف المرتهن في الغاية الدنيوية السفلية، لقد افتقدت روحه لرطوبة الخيال المتسامي، وعلقوا لها مقصلةً أعدمت كلّ ما يحمله معنى الإنسان الروحاني، الذي هوى مصيره ونزع نحو المجهول واللاّشيء، وهو مُكْتَفٍ بالتفرّج وبالتمعّن والنظر في الهاوية حتّى نفذت فيه.

«لقد خدعتنا مظاهر التقدُّم في المعرفة والقوة فلن نفكّر في الخطر الذي تتعرض له من جراء تضاؤل القيمة التي نعطيها للعناصر الروحية في بناء الحضارة. وأسلمنا أنفسنا تمامًا لنوع من الرضا الساذج بما حققناه من إنجازاتٍ ماديةٍ رائعةٍ»[4]. فإنسان الحضارة الغربية المادية المبتورة عن كل قيمةٍ روحيةٍ أصبح إنسانًا مرهقًا وكأنّ صخرة «سيزيف» على ظهره. هرمت روحه وأصبحت هزيلةً تجرّ أذيال الخيبة وكأنّ الجحيم الأرضي قد حلّ فيها، لأنها ضحّت بالمقدّس السّماوي في سبيل الدنيوي المدنّس.

(75)

هكذا يعتبر «غينون» «أن سير الإنسانية الحالية يشبه حركة جسمٍ متحرّكٍ ملقًى به على منحدرٍ فهو ينزل بسرعةٍ تزداد كلما اقترب أكثر إلى الأسفل»[1]. لذلك يعتبر الزمن في العقائد التراثية زمنًا كيفيًّا، يرتفع وينخفض، يستقيم حينًا ويعوجّ حينًا آخرَ، وما نشاهده في الطور الراهن للدورة البشرية (المانفانتارا) هو غلبة القوى السفلية الشيطانية، أي إنّ محور الشرّ أقوى من محور الخير، والنزوع إلى الدنيوي يمتص كل النشاط الإنساني.

ثالثًا: التقدّم انحسارٌ في المادي وإنكار للروحاني:

إنّ التقدّم الخطّي في الميدان المادّي المبتور عن كلّ ما هو تراثٌ روحيٌّ سيولّد التقهقر الضدّيّ، وهذا مآل الحضارة الغربية الحديثة إن استمرت في تنكيس الجانب الروحي، إذ يقول «غينون»: «نظرًا لافتقارها إلى أي مبدأٍ مشروعٍ في أساسها، وهذا ما حكم عليها بأن تكون حالةً ميؤوسًا منها للانحطاط العقلي. ويمكن الدفع بأنّ هذا كان ثمنًا للتقدّم المادي الذي اندفع العالم الغربي نحوه[...] ولكننا نرى -على كل حالٍ- أنّ ذلك الانحطاط كان ثمنًا باهضًا لذلك التقدّم الذي يتباهون به»[2]، وكأنّ «غينون» هنا يعتبر أنّ الانحراف والأزمة التي هوت إليها الحضارة الغربية، هو النتيجة الحتمية للتقدّم الأعمى في النشاط المادّي، فالجزاء من جنس العمل، والإفراط في شيءٍ دون اعتدالٍ، ينقلب إلى الضدّ دائمًا، هكذا هو حال الحضارة الغربية، فشذوذها المادي الذي أدّى إلى انحسار الروحانيات هو الذي أغرقها في الأزمات، إذ أصبح الإنسان في الرؤية الحداثية الغربية جسدًا، أي مادةً فقط، أما أسمى ما في الإنسان فخرج من اهتمامات الغرب، ذلك الجانب الذي به يكون إنسانًا. ففعلًا كما قال «رالف والدو إمرسون»: مع «كل شيءٍ يتم الحصول عليه هناك شيءٌ يتم أخذه»[3].

إنّ التقدم العلمي، كما يقول «توينبي»: «سمح لملَكةٍ من أخص وأنبل ملكات الطبيعة

(76)

الإنسانية بالضمور، أو إذا لم تكن ضمرت فهو يحاول أو هي تحاول عمدًا كبتها. هذه الملكة التي يتم تنميتها بحماسٍ وفعاليةٍ في الهند[1] من أجل التواصل مع نفس الإنسان ومن خلال الإنسان، والتواصل لا مع الإنسان نفسه وحده، بل مع الحقيقة الروحية النهائية وراء الكون. هذه الملكة، وهي التأمل الروحي، من سمات الطبيعة البشرية التي تجعلنا بشرًا، ونحن نتحول إلى ما دون البشر إذا فقدنا هذه الملكة أو دمرناها»[2].

كثيرًا ما يُنظر إلى الحضارة الغربية وتقدّمها المادي، الذي تنعكس أصداؤه في كل مناحي الحياة، على أنّه معيارٌ لقياس الذكاء والعبقرية، حتّى إنّنا نعتبر المكتشفين والمخترعين للآلات والأجهزة في مجال التكنولوجيات هم الأرقى ذكاءً، في حين أنّ هؤلاء الأشخاص إذا ما أخرجناهم من مجال صناعة الآلات فإنهم يظهرون بلادةً وتكلّسًا ما يشير إلى أنّ الذكاء لا ينحصر في الاختراعات المادية، بل هناك مجالٌ أسمى يكشف عن ذكاءٍ أعلى هو ميدان الروحانيات المتعالي والمفارق لعالم المادة. إنّ الولوج إلى هذا الميدان ليس بالأمر اليسير والمتاح للجميع، بل هو ممكن فقط لمن أُلهموا بصيرةً نافذةً وذكاءً ثاقبًا يخترق الحجب ليتحدّ مع عالم السماء وهو كائنٌ في عالم الأرض ومنقطعٌ عنه، ويمكن أن نسمّي هذا الارتحال الصاعد بالسفر الروحي الذي لا يعترف بمقولتَيِ الزمان العددي والمكان الهندسي.

لقد انحسر الذكاء تحت هيمنة النزعة التقدمية في المجال المادي، وبالأخص في مجال الاختراعات التقنية، حيث أصبح مفهوم العبقرية يقترن باختراع ما يقع مباشرةً في نطاق الحواسّ، أي ما يمكن أن يحقق المنفعة المباشرة بشكلٍ ملموسٍ كما يقول «غينون»: «في مثل هذا العالم (الغربي الحديث)، لم يبق أيّ مكانٍ للذكاء، ولا لكلّ ما هو داخليٌّ محضٌ، لأنّ الأمر هنا يتعلّق بأشياءَ لا تُرى ولا تُلمس، لا تُحسب ولا تُوزن، لا مكان، بعدُ، إلا للحركة الخارجية بجميع مظاهرها»[3]،  

(77)

أمّا الإبداعات ذات الطابع التأمّلي الرمزي المحض، والتي لا تُتلمّس أصداؤها، ولا تُرى رؤيا العين، فإنّها لم تعد تستثير إنسان العصر الحديث، ولم تعد تمتّعه وتؤنسه وتخفف عليه وطأة اليوميّ الذي ابتلع إنسان العصر الحديث وصيّره كائنًا اليوميًّااإستهلاكيًّا مُفرَغًا من كلّ رمزيةٍ، يقضي يومه في غدوّه ورواحه وهو مهمومٌ بإشباع حاجات البدن.

إنّ آثار التقدّم، ذلك الوهم الذي أسقطه «غينون»  وعرّاه، قد بدأت مخاطره في الثلث الأوّل من القرن العشرين، وهي اليوم تلوح على الأفق لتنذر بكارثةٍ عظمى بفعل التقدّم المحموم والمكثّف والمنسكب في المادي فقط. وما تنبأ به «غينون» أصبح ظاهرًا للعيان كمعيشٍ يوميٍّ. ويكفي أنّ الكثير من رجال الدّين الغربيين بدأوا يحذّرون من الإفراط في منسوب النشاط المادّي، الذي سيرتدّ بالحضارة الغربية على عقبيها على غرار ما حصل في هجمات 11 سبتمبر 2001، التي تعتبر إحدى مخرجات تصعيد المادية، وقد اعترف بذلك حتّى بعض رجال الدين الغربيين كما جاء في كتاب «الخديعة الكبرى» لـ «تيري ميسان» الذي قال أنّ «العديد من رجال الدين الغربيين فسّروا الهجمات -يقصد هجمات 11 سبتمبر 2001- على أنّها إشارةٌ إلهيةٌ تدعو أمريكا إلى التحوّل والاهتداء، حيث كتب القسيس «بات روبرستون»: «إنّ الله سبحانه حرَمنا من حمايته لنا لأنّنا استغرقنا في السعي وراء الملذات المادية والغرائزية»[1].

إنّ خطر التقدّم أيقظ رجال الدين من سباتهم بعد أن نصب العلماء أنفسهم سادةً على السماء والأرض، لأنّ البشرية مصيرُها مشتركٌ ولا أحدَ يمكن اعتباره بريئًا من الإثم إذا انهارت البشرية وانتقلنا إلى ما بعد الإنسانية، إذ كما يعتقد «إدغار موران»، «ترتبط أخطر التهديدات التي تتربّص بالبشرية بالتقدّم الأعمى وغير المتحكَّم فيه للمعرفة (أسلحةٌ حراريةٌ-نوويةٌ، تلاعباتٌ في كلّ الأنواع، خللٌ بيئيٌّ»[2]. لقد مكّن التقدّم العلمي من إنتاج الأسلحة النووية وأسلحةٍ أخرى للدمار الشامل، كيماويةٍ وبيولوجيةٍ، وأتاح لها الانتشار الواسع. وتسبب التقدم التقني والصناعي في مسلسلٍ من التدهور في المحيط الحيوي، وفي خلق كوارثَ بيئيةٍ أخطرها اليوم، ما يدعى بالاحتباس  

(78)

الحراري، والذي نجم عن تلك الرؤية «الاختزالية المباشرة للأرض على أنها شيءٌ يمكن تطويره وإدارته، ويبدو أنهم يرونها مجرّد كرةٍ من الصخور التي تبللها المحيطات، وتتموضع ضمن حلقةٍ نحيلة ٍمن الهواء. إنهم لا يرون الأرض الآن كوكبًا حيًّا ينظم نفسه بنفسه»[1].

إنّ ما أنتجه العلم من وسائلَ غيرِ مسبوقةٍ لتحسين حياة الناس وحفظها من الأمراض، وإطالة الأعمار، أخذ وجهًا آخر في القرن الماضي. بالمقابل لذلك، لقد تم اختراع وسائل غير مسبوقةٍ لتهديد الحياة ولنشر الموت، لم يعهدها الإنسان، دمّرت الوجه الإنساني والروحاني للحضارة الإنسانية، وشوّهت الطبيعة وحوّلتها إلى مسخٍ نتيجة أطماع الإنسان في السيطرة الجامحة.

لقد تعرّضت البشرية في لحظاتٍ إلى خطر فناءٍ محتّمٍ كاد يعلن النهاية للحياة بشكلٍ أبديٍ، عندما بثّت المواد الكيماوية وأشبعت جلودهم بسموم الموت البطيء وأغرقت أعصابهم في هاجس الموت المرتقب، وجعلت القلق هو معيشها اليومي والراهن. وكما يقول «إيريك يونس جوفروا»: لقد أثبتت «الأزمات الراديكالية الشمولية التي تواجهها البشرية منذ الآن فصاعدًا أنه لم يعد هناك من حلٍّ «أفقيٍّ» لمشاكل كوكبنا، فالإنسان الحديث المشدود إلى أفق «التقدم» المادي البرّاق قد أصبح مخرّبًا للأرض وسارقًا لثرواتها وطبيعتها. انظر ما فعله الإنسان الحديث بالطبيعة والبيئة. وهو بذلك يهدد وجوده على هذه الأرض وكذلك وجود أنواع الحيوانات والنباتات الأخرى»[2]. فعلًا، وكما قال «يونس جوفروا»، لقد أصبح كوكب الأرض مهدَّدًا بشتى المخاطر التي ستجعل العيش فيه غير ممكنٍ، ما حدا بالكثير من العلماء على اختلاف تخصّصاتهم، إلى النزوع نحو الإيكولوجيا، وأشكلة مواضيعها فلسفيًّا، لتقويم نتائج العلوم التجريبية والبيولوجية وتطبيقاهما.

من بين العلماء الذين تيقّظوا لحقيقة الأزمة الإيكولوجية التي يواجهها العالم «جيمس لفلوك» في كتابه «وجه غايا المتلاشي» الذي يعالج فيه قضايا مثيرةً للجدل في الساحة العلمية اليوم،

(79)

والتي تهدد كوكب الأرض بالفناء، جرّاء الاستخدامات اللامسؤولة لموارد الأرض والطاقة، دون التفكير في الانعكاسات الخطيرة على كوكب الأرض، «لقد عتّم تلوّث الهواء والضوء على هذه الكواكب والنجوم بحيث لم يعد يرى سوى القمر والزهرة من خلال الوهج الليلي... وما عدا بعض البحارة والمزارعين البعيدين لأميال عن أي منطقةٍ عمرانيةٍ، والذين لا يزالون يرون أعماق السماء المعتمة، فقد ضعنا كلنا في الجو الضبابي لعالم البشر، والذي كونته العولمة والمدن الكبرى»[1]، فلا مراء في أنّ تقنيات العلم الحديث شوّهت الحياة والطبيعة، لأنّ طموح العلم الحديث الذي يسير بمنطق «التقدّم الوهمي»، أفقده البوصلة. لقد أصبحت الأرضُ، مكانُ العيش المشترك بين الكائنات، تحت قبضة علمٍ بدون كوابحَ، ما أدّى إلى فتح سجالاتٍ حول مشروعية تطبيقات العلم الحديث، وبدأ الكثير من العلماء يعيدون حساباتهم، بعد أن أدركوا أنّ الأزمة الإيكولوجية التي تعاني منها الكائنات بما فيها البشر، هي أزمةٌ من صنع البشر، وباعتراف الكثير من العلماء، من بينهم «جيمس لفلوك» الذي يقول: «إنّ الأفكار التي تنبع من نظرية غايا تضعنا في مكاننا الصحيح كجزءٍ من نظام الأرض، لسنا المالكين، أو المديرين، أو حتى المسؤولين القياديين، أو المسيطرين. فلم تتطور الأرض لمصلحتنا فقط، وأي تغيّراتٍ نقوم بها ستكون على حسابنا»[2]، هذا يعني أنّ مواجهة التهديدات الايكولوجية يقتضي تجاوز تلك الرؤية البراغماتية لكوكب الأرض، والتي هي في الأساس رؤيةٌ مادّيةٌ تكثّف من حضور المقولة الديكارتية «السيادة على الطبيعة»، والتي عبّر عنها «ديكارت» بشكلٍ صريحٍ: «يلزمنا أن نوفّر الخير لكل الناس على قدر ما في استطاعتنا، لأنّ هذه الأنظار في علم الطبيعة بيّنت إمكان الوصول إلى معارفَ مفيدةٍ للحياة فائدةً كبيرةً. وبدلًا من الفلسفة النظرية التي تُعلّم في المدارس، فإنه يمكن أن نجد عوضًا عنها فلسفةً عمليةً... وبذلك نستطيع أن نجعل أنفسنا سادةً ومسخِّرين للطبيعة»[3]. في غياب أيّ مبدأٍ روحيٍّ، يستولي الإنسان على الأرض، فيكون مخرِّبًا لها، بدل عمارتها وخلافتها على الوجه الذي دعت إليه العقائد التقليدية.

(80)

لقد تحوّلت علاقة الإنسان بالطبيعة من علاقة تضايفٍ ومحايثةٍ وتوازٍ، إلى علاقة سيطرةٍ، لذلك «ربما كانت القيمة الأعظم لمبدأ غايا في استعارته لأرضٍ حيةٍ تذكّرنا بأننا جزءٌ منها، وأنّ عقدنا مع غايا[1]  لا حول حقوقنا فقط، ولكنه يتضمن واجباتنا أيضًا»[2]. «يجب إذًا أن نتوقع أن تستمر الاكتشافات أو بالأحرى الاختراعات الميكانيكية والصناعية بأن تتطور وتتسع بوتيرةٍ متسارعة ٍحتى نهاية العصر الحالي، ومن يعلم أنها لن تكون، مع أخطار الدمار التي تحملها في ذاتها، واحدةً من العوامل الأساسية التي ستؤدي إلى الكارثة الأعظم، إذا ما وصلت الأمور إلى درجةٍ لا يمكن تلافيها»[3]. لذلك يعتقد «غينون» أنّ استمرار تصعيد المادّية، في مجال الصناعة والتقنيات سيؤدّي إلى تدمير الحياة، ويصبح رعب الموت يسكن الإنسان الحديث ولا يغادر تفكيره.

إنّ«غينون» لا ينكر التقدّم المادي ولا يرفضه، لكنه يرفض التقدّم بالمفهوم الحداثي الذي هيمن على الحضارة الغربية، والذي يتناقض مع العرفان الخالص بل يسحقه، لأنّ التقدّم الحداثي يتماهى مع المادّي، ويعترف «غينون» بذلك قائلًا: «ونحن لا نشكك أبدًا في وجود تقدّمٍ مادّيٍّ، وإنما اعترضنا فقط على أهميته. والرأي الذي نؤيّده هو أنه لا يكافئ ما يتسبب في فقدانه في الجانب الروحي العرفاني، ولا يخالف هذا الرأي إلاّ من كان جاهلًا بالعرفان الحق»[4].

إنّ التقدّم المادّي ليس في ذاته مذمومًا، أو مشينًا، بل إنّه ضروريٌّ، لأنّ من معاني الخلافة البشرية في الأرض عمارتُها من خلال تحسين مناحي الحياة، واستثمار موارد الأرض وخيراتها بما يفيد في صلاح العباد، وذلك ما تجسّده العلوم الطبيعية الدنيوية، التي حققت نقلةً نوعيةً، وقفزةً فائقةً في تحسين مستوى الحياة المادّي، بما قدّمته التقنيات من وسائلَ غيرِ مسبوقةٍ، جعلت حياتنا أقلّ قسوةً. فالعلوم المادية وما تقدّمه من نتائج هي مشتركةٌ بين الناس، ولا علاقة لها بالعقائد والأخلاق، لأنها أمورٌ حياتيةٌ عمليةٌ، ولا يمكن لحضارةٍ أن ترفضها بحجّة أنها من مخرجات حضارةٍ  

(81)

مخالفةٍ لها في العقائد التراثية. لكن الذي يعيبه «غينون» على التقدّم المادّي هو أنه فُهم في الحضارة الغربية على أنّه غير ممكنٍ إلاّ إذا فُصل كليًّا عن النشاط الروحاني للإنسان، وكأنّ الإنسان في منظورهم لا يمكن أن يُحصّل الغايتين معًا في الدنيا: الغاية المادية والغاية الروحية، وهذا ناتجٌ عن سوء فهمهم معنى «الماديّ» ومعنى «الروحانيّ»، إذْ هم يعتبرون أنّ الأوّل نشاطٌ عمليٌّ منتجٌ، وأنّ الثاني نشاطٌ تأمّليٌّ عقيمٌ، وسوء الفهم هذا للمدلولات التي يحملها لفظ «المادي» ولفظ «الروحاني» أدّى إلى الانحراف والفوضى.

(82)

 

 

 

 

 

 

المبحث الثالث

العلم الحديث صنم عصر الكالي ـ يوغا(*)

 

 

أولًا: العلم الحديث درايةٌ جاهلةٌ

ثانيًا: الطبيعة التبسيطية الاختزالية التحليليّة للعلم الحديث

ثالثًا: العلم الحديث درايةٌ دونيّةٌ

رابعاً: الحصر التعسّفي لمناهج العلوم التجريبيّة بين العلم المقدّس والعلم الدنيوي

 

 

 

(83)
(84)

أولًا: العلم الحديث درايةٌ جاهلةٌ:

إنَّ حضارة الغرب نظرت إلى العلم الحديث وكأنّه قد اكتمل ليعلن عن نهاية التاريخ باعتباره خاتم العلوم، لتصبح الطبيعة والكون مع النزعة العلموية بسيطةً، بعد أن تمكّنت تقنيات العلم الحديث من تفكيك شفراتها، لتصبح وكأنها هادئةٌ راضخةٌ مستكينةٌ للإنسان، وكأنّ الحلم الديكارتي أصبح أمرًا واقعًا، واكتمل المشهد النهائي لتتحوّل السلطة والنفوذ للإنسان على الطبيعة.

إنّ العلم الحديث، الذي ظلت الحضارة الغربية تفاخر به، وتستعلي على بقية الحضارات، وتتخذه أداةً للهيمنة والإقصاء، هو عند «غينون»، ليس إلاّ علمًا دنيويًّا قاصرًا ومفلسًا وعاجزًا عن احتواء كل ظوهر الكون، لذلك ينبش «غينون» تحت أرضه، مفكِّكًا كلّ أبنيته.

إنّ العلم الحديث، الذي يدّعي امتلاك رؤيةٍ صحيحةٍ وشموليةٍ للكون والإنسان والوجود، هو، عند «غينون»، علمٌ قاصرٌ ومليء بالعيوب والمغالطات، لأنّه لا يأخذ من المعرفة إلا جانبها الدنيوي، الذي يخدم الأغراض المادية، إذ «يمكن أن ينظر إلى «العلم الدنيوي»، الذي هو علم المحدثين، كـ»معرفةٍ جاهلةٍ»: معرفةٍ من مستوًى سفليٍّ تقف بكلّيتها على مستوى الحقيقة الدنيا، إنها معرفةٌ تجهل كلّ ما يتجاوزها، إنّها جاهلةٌ بكلّ غايةٍ أسمى منها كما بكلّ مبدأٍ يمكنه أن يؤمّن لها مكانةً شرعيةً، ولو متواضعةً، من بين مختلف مراتب المعرفة الكاملة»[1].

تُقدّم الحضارة الغربية نفسها على أنّها مهد العلوم، مبدأها ومنتهاها، وبأنّها الحضارة العلمية الوحيدة ذات الطابع الكلّياني، وكأنّ عهد الأسطورة قد ولّى بغير رجعةٍ، ما دام العلم الحديث قد تكفّل بتفسير كلّ ما كان وما هو كائنٌ وما سيكون، ولن يعود الإنسان إلى ما قبل التاريخ، إلى ذلك العهد الطفولي الذي كان يقف فيه وجِلًا أمام الطبيعة فيعزو كلّ ما يحدث من ظواهرَ غريبةٍ وطارئةٍ إلى قوًى مفارقةٍ لا تُحسّ تنتمي إلى عالم السماء يجثو أمامها رافعًا أكفّ الضّراعة  

(85)

إليها لئلاّ تقسو عليه، ليطلّ عصر الخلود مع انبجاس العلم الحديث كبوصلةٍ تهدي التائهين إلى مرافئ السلام. يقول «غينون»: «من بين مزاعم الحضارة الغربية الحديثة دعوى أنها «علميةٌ» بامتيازٍ»[1]، ما حدا بالحضارة الغربية إلى الزهو بنفسها وكأنّ هذا العلم الوضعي قد انتصر على كل ميادين المعرفة الأخرى لا لشيءٍ إلاّ لأنّه استطاع تمثيل مخرجاته ومحصّلاته تمثيلًا مادّيًّا تشهده الأعيان في الواقع مباشرةً. لقد اخترعوا آلة الطباعة، التي افتتحت عصر النهضة وجعلت المعارف والعلوم متاحةً للجميع، وقضت على التعليم التلقيني، ليتحمل كل فردٍ مسؤولية المعرفة والحصول على الحقيقة بنفسه. لقد تحكّموا في موجات الأثير، وقلصوا المسافات الزمانية والمكانية، وأطالوا في الأعمار وفي الحياة الجسدية، وغزوا الفضاء ونزلوا على سطح القمر، واكتشفوا سرّ الحياة المخزّن في شريط (ADN) وأصبحوا يحلمون بالتحكّم في الجينوم البشري، وفكّكوا الذرّة وغاصوا في أعماقها، إنّها مخترعاتٌ غير قابلةٍ للتعديد.

كل التقنيات الحديثة صناعةٌ غربيةٌ، وكان هذا كافيًا لتشكيل الوعي الجمعي للأنا الحضاري الغربي وللآخر الحضاري غير الغربي ليستسلم لفكرة «الغرب الحديث سيّد العلوم»، وتصبح هذه الفكرة قابعةً في اللّاوعي الباطني للفرد الغربي ولغيره من الشعوب، وتتداعى الفكرة في الأذهان دون اعتراضاتٍ نقديةٍ، حتّى إنّ «بعض المصلحين الإسلاميين خُدعوا بالمظاهر الغربية البراقة وتمنّوا أن يؤدي تحديث العقل الإسلامي إلى وضع حدٍّ لنشوة الإنسان واغتباطه، ورغبوا في هيمنة العقلانية الجافة على العالم الإسلامي، والقضاء على الشعر والروحانيات»[2].

يعتقد «غينون» أنّ وهم تفوّق الحضارة الغربية في العلم يعود إلى «الإيحاء الجماعي الذي يبثّ وينشر الوهم [...] لأنّ الكثير ممن يتلفّظون بتلك الكلمات بأتمّ قناعةٍ، لا يوجد في فكرهم معنًى جليٌّ يتطابق معها[...] بل يمكن حتى قول: مجرّد التجسيد لآمالٍ عاطفيةٍ متفاوتةِ الإبهام زيادةً»[3]، ويمارس تمويهًا للحقائق بقلب المفاهيم وتزييف دلالاتها، فتسيطر الكلمة وتخبو  

(86)

الفكرة، وتصبح كلمة «علم» تستدعي بشكلٍ لاشعوريٍّ كلمة «غرب»، والعكس صحيحً، إذ أصبحت صفة «العلمية» البراديغم (النموذج المعرفي المهيمن) الأعظم أو المثل الأعلى الذي تنصّب «كإلهٍ جديدٍ». «إنها أوثانٌ حقيقيةٌ وآلهةٌ لنمط «ديانةٍ لائكيةٍ» غيرِ محدّدة المعالم بلا ريبٍ»[1]، هذا الإله الجديد يتقمّص دور المنوّم المغناطيسي لتخدير وعي الشعوب التي تنتمي للحضارات المغايرة للغرب لتركن إلى السبات الأبدي،  فكلمة «علم» لم تعد مجرّد سمةٍ مؤقّتةٍ بل أصبح شأنها كالمعتقد الذي يزيح العقل ويُحلّ مكانه العاطفة، فتنقاد الشعوب مُسملة العينين في حضارة العميان، وهنا لا فرق بين الذكي والغبي أو المتعلم والجاهل، فكلّهم في بوتقةٍ واحدةٍ، فحيث العواطف ستسقط أعتى إمبراطورية للعقل. 

فالإيحاء الجماعي الذي ينشر خرافة -كما يعتقد «غينون»- علمية الحضارة الغربية قد أدّى إلى تشكيل بنيةٍ فكريةٍ متصلّبةٍ للفرد الغربي، نسقٍ مغلقٍ ومتشرنقٍ على ذاته انتهى إلى تعطيلٍ كلّيٍّ للملكات النقدية لأنها ارتهنت، على حدّ تعبير «غينون»، داخل «فكرٍ منظوماتيٍّ مغلقٍ»[2]، وهذا التصوّر الذي تزعمه النزعة العلموية هو تصوّرٌ دوغمائيٌّ، جعل الأفراد والجماعات والشعوب تسير -إن جاز لنا الاستعارة- بمنطق الفلسفة السلوكية «مثير-استجابة»، وتحت وطأة سلطة «أصنام السوق الذهنية» بالمفهوم البيكوني، فتحاول الحضارة الغربية عبر هذا النشر المبتذل -حسب تعبير «غينون»- لكلمة «علم» إلى اللجوء لرد فعلٍ عكسيٍّ، هذا ما تفعله الحضارة الغربية ذات النزعة العلموية التبسيطية ضدّ التراث الروحي بكلّ أشكاله.

لقد حظي العلم الحديث بمكانةٍ كبيرةٍ غير مسبوقةٍ تاريخيًّا، فلقد أُلِّه، وجعل المعبودَ المقدَّسَ. البراغماتية -التي تنتصر للمادية بكل أشكالها- تُجلُّ العلم وتدافع عنه ضد كل الهجمات، لتبرّئه من كل الآثام التي ارتكبها ضدّ الإنسان والإنسانية، حيث يقول «جون ديوي»: «معظم الهجمات على طبيعة العلم هذه ذات الصلة بالآلة سببها بقاء فلسفاتٍ ودياناتٍ تشكلت عندما كانت الطبيعة العدو الشرس للإنسان. لكن إمكانية الحاضر، وبالتالي مشكلته، تكمن في أن الطبيعة قد تصبح،  

(87)

من خلال العلم وبسببه، صديق الإنسان وحليفه»[1]،  إنّ «جون ديوي» والبراغماتية على العموم تتعامى قصدًا عن انحطاط العلم الحديث المنتصر للفلسفة التقنية المادية التي غذّاها «المذهب الطبيعي»[2]، إذ هناك دائما «نوع من القصور الطبيعي في سبر أغوار العالم بحثا عن أسراره، لأنّ العالم لا يمكن استنفاده وسبر أغواره... من المستحيل أن نسبر عمق ما لا يمكن أن يسبر»[3].

 هكذا يقرّ «غينون» بـ «أنّ العلم الدنيوي الذي هو علم المحدَثين كمعرفةٍ جاهلةٍ، معرفةٍ من مستوًى سفليٍّ، تقف بكليتها على مستوى الحقيقة الدنيا، إنّها معرفةٌ تجهل كل ما يتجاوزها، إنها جاهلةٌ بكل غايةٍ أسمى منها كما بكل مبدأٍ يمكنه أن يؤمّن لها مكانةً شرعيةً... إن العلم الدنيوي بانغلاقه في النسبي والمحدود، حارمًا نفسه بذلك من أي تواصلٍ مع الحقيقة المتعالية ومع المعرفة العليا، إن العلم الدنيوي، بواقعه هذا لم يعد سوى علمٍ عبثيٍّ ووهميٍّ، لا يأتي في الحقيقة، من شيءٍ، ولا يؤدي إلى شيءٍ»[4]. إنّ العلم الحديث في التصور الغينوني، يقصي المعرفة العرفانية التي تشترط عقلًا مستبصرًا يتجاوز الاختبارات التجريبية المحسوسة، فهو بمناهجه المادية قاصرٌ عن إدراك الحقائق الفوق-طبيعية، أي الماوراء-حسية، فكلّ نتائجه تخدم الأغراض الدنيوية، إذ تحرَّر من كل غائيةٍ إلهيةٍ، ولم يربط علومه بالمقاصد الروحية التي حددتها العقائد التقليدية التراثية، والتي تجعل لكلّ معرفةٍ وعلمٍ هدفًا غائيًّا، هو تحقيق الحكمة الإلهية في الأرض، أما العلم الحديث الذي أصبح ماديًّا صِرفًا فهو، بإغراقه في النزعة التحليلية وانتصاره للنسبوية، يضيّع الحكمة الإلهية في الكون، ويجعل العلم المقدّس في خدمة المدنّس، ما أدّى إلى تشويه معنى العلوم التراثية التقليدية الموصولة بالوحي الإلهي.

(88)

لا ينظر العلم الحديث لظواهر الطبيعة على أنّها تخضع لحكمةٍ إلهيةِ، إذ لا يحدث شيءٌ في الطبيعة إلاّ وله مغزًى ربّانيٌّ. إنّ الطبيعة ليست سلسلةً من الأسباب والنتائج، أو حلقةً من الاحتمالات والصدف، إنّها نظامٌ غائيٌّ، بكل ما يحدث فيها، وكل ما سيحدث هو لحكمة لا يدركها إلاّ أهل «الصّفوة» كما يعتقد «غينون». لكن العلم الحديث حين يتجاهل المقاصد الروحية للطبيعة والكون والانسان، فإنه يسقط في تلك النظرة التبسيطية الساذجة، والتي جعلته يعجز عن فهم التناغم الكوني القدري، والانسجام الدّاخلي بين ظواهر الكون وتداخلها مع بعضها البعض.

ثانيًا - الطبيعة التبسيطية الاختزالية للعلم الحديث:

 تنطلق هذه الرؤية الاختزالية من براديغم التبسيط، بدل التعقيد والتركيب في ظواهر الكون والوجود الانسان، وبدل ردّ الأجزاء إلى الوحدة، وإلى مبدأٍ جامعٍ بينها، فإنها تشتت الكل إلى أجزاء منفصلةٍ، من أجل تحليلها وفق مبدأ الفصل بين الجزء والجزء، وهي رؤيةٌ ديكارتيةٌ من موروثات التنوير الغربي، التي انتهت بفصل الذات عن الموضوع، بزعم تحقيق الموضوعية. هذا التبسيط التجزيئي انتهى إلى كثرةٍ في التخصص وتشتّتٍ في الفهم، وهو الأمر الذي يعترض عليه «غينون» ويعتبره اختزاليةً مبتذلَةً، لأنها تجعل للمعرفة ميدانًا واحدًا هو عالم المادة أو الفيزيقا، أي تحصر موضوع المعرفة المدركة في عالم المحسوسات الذي يمكن إخضاعه لمنهج العلوم التجريبية، وتعتبر أنّ ما دونه من الموضوعات، العصيّة عن الاختبار التجريبي بالمعنى الوضعي الحديث، تعتبرها خارجةً عن مجال الإدراك، وتدخل ضمن دائرة أحكام الوجود مستحيلة التحقق.

لذلك يعتقد «غينون» أنّ «العلم الدنيوي، بانغلاقه في المجال النسبي والمحدود، حيث أراد إظهار نفسه مستقلًّا، حارمًا نفسه بذلك من أيّ تواصلٍ مع المعرفة الحقيقية المتعالية ومع المعرفة العليا، إنّ العلم الدنيوي، بواقعه هذا لم يعد سوى علمٍ عبثيٍّ ووهميٍّ، لا يأتي، في الحقيقة، من شيءٍ ولا يؤدّي إلى شيءٍ»[1].

هكذا يتصوَّر «غينون» العلم الحديث علمًا مليئًا بالمغالطات، بادّعائه أنّ ما لا يمكن التحقق

(89)

منه تجريبيًّا هو غير موجودٍ، وبدلًا من أن يعترف بعجزه وقصوره أمام تلك العوالم العصيّة على التجريب، والإقرار بأنّها خارج نطاقه وبأنّ مناهجه لا تستطيع الوصول إلى كنهها، فإنّه يصرّح بعدم وجودها، لذلك يعتبر «غينون» أنّ «العلم الغربي درايةٌ جاهلةٌ، فهي درايةٌ فاقدةٌ للمبدأ، كما هو حال كل ما ينتمي تخصيصًا إلى الحضارة الغربية الحديثة، فالعلم كما يتصوّره معاصرونا، يقتصر فقط على دراسة ظواهر العالم المحسوس»[1]، هكذا يُدين «غينون» العلمويين الذين يعتقدون أنّ موضوع المعرفة عند الإنسان هو فقط تفسير ظواهر الطبيعة المحسوسة وكأنّه لا توجد إلّا علاقةٌ واحدةٌ هي علاقة الإنسان بالطبيعة، في حين أنّ هناك علاقتيْن: علاقة الإنسان مع السماء (الله) وعلاقة الانسان مع الأرض (مع الإنسان ومع الطبيعة)، والنجاح في العلاقة الثانية أو الإخفاق فيها مرهونٌ بالنجاح أو الإخفاق في العلاقة الأوّلى. فارتكاز العلم الحديث على هذه العلاقة الأحادية (إنسان/ طبيعة) تجد خلفيتها في المقولة الديكارتية «نريد أن نكون أسيادًا على الطبيعة»، وكأنّ الطبيعة بتلك البساطة التي تصوّرها «ديكارت»، يمكن للعقل المفكّر الإحاطة بكلّ مكنوناتها، وتغافل هذا العلم الحديث عن حقيقة أنّ الإنسان جزءٌ من كلٍّ ولا يمكن للجزء أن يحيط بالكلّ. لذلك فعدم إمكان المعرفة بالموضوع لا يعني عدم وجود الموضوع.

  ولأنّ «العلم الدنيوي كله، الذي تطور خلال القرون الأخيرة، ليس سوى دراسة العلم المحسوس، فقد وقع في أسره بشكلٍ حصريٍّ»[2]، هذا الاختزال والاجتزاء للوجود، هو نتاجٌ، حسب «غينون»، للغزو السّاحق للمادية وهيمنتها على العلم الدنيوي الحديث، الذي قطع الصلة بكلّ المقاصد الوجودية ذات المنحى الروحي، وأنهى علاقته بكلّ ما هو مقدّسٌ، حيث نزعت كلّ العلوم إلى دراسة الظواهر سواءً أكانت إنسانيةً أم تجريبيةً أم بيولوجيةً بربطها بكلّ ما هو دنيويٌّ، فكانت تلك العلوم وسيليةً لا غائيةً. فعندما درست العلوم الدنيوية الظواهر الوجودية التي تنتمي إلى علوم الإنسان أو علوم المادة الجامدة أو الحيّة، كانت تريد معرفة طبيعة هذه الظواهر وتفسيرها انطلاقًا من علاقتها بالعالم المادي (الأرضي) فقط، ما انتهى بتلك العلوم إلى تشويه الرؤية  

(90)

للكون والإنسان والطبيعة، لأنّ «التصوّر الحديث، ومن خلال رغبته في الفصل الجذري للعلوم عن أي مبدأٍ أعلى بذريعة تأمين استقلاليتها، ينزع عنها أي دلالةٍ عميقةٍ، بل وكلّ فائدةٍ حقيقيةٍ من منظور المعرفة، لأنها لا يمكن أن تؤدي إلاّ إلى مأزقٍ لأنها تحصر تلك العلوم نهائيًّا في مجالٍ محدودٍ»[1].

فإذا أخذنا التطوّرات المتسارعة التي حصلت في العلوم البيولوجية بعد اقتدائها بالنموذج التجريبي في علوم المادة الجامدة، لا يخفى على أحد أنّ تطبيقات العلم الحديث وتقنياته لا تراعي أي بعدٍ قيميٍّ أو روحيٍّ، إذ أصبح الجسم البشري كالمادة الجامدة مفرغًا من كلّ القيم، ويكفي أن نعطي كمثالٍ التقدم العلمي والتكنولوجي في مجال الهندسة الوراثية، الذي أدّى خلال زمن ٍقصيرٍ إلى تحوّلاتٍ جذريةٍ على مستوى مفاهيم: الطبيعة البشرية، الأسرة، الأمومة، الحياة والموت، المصير...إلخ. لقد تحطّمت الأفكار التقليدية عن الأسرة وعن أدوارها، بل إنّ الأسرة تكاد تختفي نهائيًّا، إن لم تكن قد ماتت في الحضارة الغربية الحديثة، بعد التطبيقات الجنونية في مجال تكنولوجيا التكاثر والانجاب.

«إنّ العلم الحديث المنبثق من تحديدٍ تعسّفيٍّ للمعرفة في مرتبةٍ معيّنةٍ خاصّةٍ، والتي هي أسفل من كلّ المراتب، ألا وهي مرتبة الواقع المادّي المحسوس، إنّ هذا العلم قد فقد، بفعل التحديد، أي قيمةٍ عقليةٍ»[2]، هذا يعني أنّ الطابع الاختزالي التجزيئي للعلم الحديث يتعارض مع هرمية مراتب الوجود، لأنّه انفصل عن المبدأ الأعلى، وهو ما أنتج هذه الهمجيّة، والفوضى، التي أصبحت تهدد الإنسان والأحياء والجمادات. العلم الحديث يعقلن الظواهر دون موازنةٍ بين المطلب العلوي والمطلب الدنيوي، حيث يكتفي بإرضاء المقصد الدنيوي، لأنّ «الوضعية الاختزالية المسيطرة على عقلية الغرب هي التي طردت الميتافيزيقا... تبدو مكتسبات العلوم الإنسانية ضروريةً ولكنها على أهميتها ليست كافيةً. وبالتالي فنحن بحاجةٍ إلى المنهجية الشمولية الكليانية المتكاملة التي تجمع بين العقل والقلب، أي بين التجريب الخارجي على

(91)

عالم الظواهر المادية المحسوسة من جهةٍ، وبين التجربة الروحانية الداخلية من جهةٍ أخرى»[1].

إنّ التقدّم نظريةٌ هشةٌ متهاويةٌ، لا تصمد أمام تصاعد المشكلات البيئية التي تهدد العيش على كوكب الأرض، والتي تلغي وهم التقدّم الصّاعد. يسأل «غينون»: «لماذا تطورت العلوم التجريبية المحضة في الحضارة الحديثة تطورًا لم تعرفه في باقي الحضارات؟ ذلك لأنّ هذه العلوم هي علوم العالم الحسّي، علوم المادة، ولأنّها أيضًا هي التي تفسح المجال للتطبيقات العملية الأكثر مباشرةً... وفي المقابل، لم تجد فيها العصور السابقة دوافعَ مصلحيةً كافيةً للارتباط بها إلى درجة إهمال المعارف الأعلى درجةً»[2]. إنّ ما حققته العلوم التجريبية من تطورٍ في الحضارة الغربية، هو نتاجٌ أولًا، لإيمانها بالتقدم بالمفهوم الوضعي الدارويني، ما جعلها تسكب كل نشاطها في مجال هذه العلوم، في مقابل انحسار النشاط في العلوم الروحية الموصولة بالتراث التقليدي، بل يكاد ينعدم كليًّا الاهتمام بالتراث التقليدي الذي تزخر به الحضارة الغربية، وثانيًا لإيمانها وثقتها العمياء بالعلم الحديث، وبما يمكن أن يحققه، لذلك فهي تصرف أموالًا طائلًة على التجارب العلمية، والتطبيقات التقنية، حتى إنّ الغرب يصرف أكبر ميزانيةٍ على تطوير التقنيات بكل أشكالها، لأنه يعتقد أنّها الوسيلة التي تساعده على إبقاء هيمنته على بقية الشعوب وإدامة خضوعها لسيطرته.

إن الاهتمام بالعلم الدنيوي، على غرار العلوم التجريبية والعلوم الإنسانية والعلوم البيولوجية، ليس مشينًا في حدّ ذاته، بل العيب في أنّ يركّز العقل البشري على هذه العلوم دون غيرها، فيعطيها كل الاهتمام، ويقصي العلم القدسي، فالعلوم الدنيوية ضروريةٌ، لكنها ليست هي المقصد من العمارة في الأرض والخلافة البشرية، بل هي علومٌ مكمّلةٌ، لذلك، كما يقول «غينون»، «يجب أن يفهم الجميع جيّدًا بأنّ الأمر لا يتعلّق أبدًا، في فكرنا، بإعلان أنّ معرفةً ما، وإن كانت من درجةٍ أدنى، هي غيرُ مشروعةٍ في ذاتها، إنّ ما هو غير مشروعٍ، هو فقط التعسّف الذي ينتج عن كون أمورٍ من هذا النوع تبتلع كلّ النشاط البشري، كما نلاحظ حاليًّا»[3]، فكل العلوم تكمّل بعضها  

(92)

البعض، ما يقتضي، حسب «غينون»، البحث عن منهجٍ تكامليٍّ يجمع بين العلم الدنيوي والعلم المقدّس في شكلٍ تفاعليٍّ، دون تجاوز العلم الدنيوي لحدود العلم المقدّس كما يفعل العلمويون.

«تكمن الرؤية غير المركبة للعلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية في الاعتقاد بوجود واقعٍ اقتصاديٍّ، من جهةٍ، وواقعٍ نفسيٍّ من جهةٍ أخرى، وواقعٍ ديمغرافيٍّ من جهة ثالثةٍ... إلخ، إننا نعتقد أنّ هذه المقولات التي تخلقها الجامعات هي عبارةٌ عن وقائعَ، ولكننا ننسى أنه في قلب الاقتصاد مثلًا توجد الحاجات والرغبات البشرية، وفي ما وراء النقود يوجد عالَمٌ من الأهواء، وتوجد النفسية البشرية. وحتى في قلب الظواهر الاقتصادية الصرفة تفعل ظواهر التجييش، أي ظواهر الهلع، فعلها. إذًا، فالبعد الاقتصادي يشمل الأبعاد الأخرى ولا يمكن أن نفهم أيّ واقعٍ بشكل أحاديٍّ»[1]. إنّ الرؤية غير المركّبة للعلم الحديث التي يتحدث عنها «إدغار موران» هي نتاجٌ للطابع الاختزالي التحليلي للعلم الحديث كما يعتقد بذلك «غينون». إنّ العلم الحديث وفرةٌ تجزيئيةٌ تكديسيةٌ، نتيجةٌ لطغيان التحليل على التركيب، فبدلًا من رد الكثرة إلى الوحدة، يتم تجزئة الوحدة إلى كثرةٍ لا تنتهي. ينظر التحليل إلى الموضوع في جزئياته، فهو انتقالٌ من المركّب إلى البسيط، من خلال تفكيك الكل إلى عناصر وعزلها عن بعضها البعض، ودراسة كل عنصرٍ على بمعزلٍ عن الآخر. تنتهي عملية التحليل إلى تشتيت الكل ونقله إلى الكثرة، بفعل «التخصّص الذي ينتجه التحليل، والذي دفع إلى حدّ أنْ أفقد أولئك الذين خضعوا لتأثيره أي قابليةٍ لإدراك العلم الذي يتناول الطبيعة ككلٍّ»[2].

وما زاد من اتساع الطابع التحليلي للعلم الحديث، هيمنة النسبوية التي تُعتبر تمرّدًا على العقل التقليدي، لأنّها لا تعترف بأيّ معرفةٍ ثابتةٍ، وتنفي وجود أيّ مبدأٍ يوحّد المعارف العلمية، فهي بذلك لا تعترف بوجود معرفةٍ يقينيةٍ، أيْ إنّ النسبية لا تعترف بوجود المطلق، وعدم الاعتراف بالمطلق يعني نفي المبادئ. لم ينتبهوا إلى «أنّ استحالة توحيد الكثرة، التي نواجهها، هي نابعةٌ

(93)

من حالة المنع من ربط تلك المعارف التفصيلية بمبدأٍ أسمى، أي من الإصرار على العمل انطلاقًا مما هو في الأسفل، ومن الخارج، بينما كان من الواجب فعل العكس تمامًا لكي نحصل على علمٍ يحمل قيمةً تأمّليةً حقيقيةً»[1].

يريد «غينون» أن يردّ الكثرة إلى الوحدة، الشتات المجزّأ من التخصّصات العلمية إلى مبدأٍ أوحدَ تنتهي إليه، وذلك من خلال ربط العلوم بالغائية أي تحقيق المقصد الإلهي. ففي العقيدة الإسلامية كل العلوم غايتها تجسيد خلافة الإنسان في الأرض من خلال عمارتها بما يحقق الصلاح، فمهما اختلفت العلوم فإنّها تحقق المقاصد الخمس (حفظ النسل، حفظ المال، حفظ الدين، حفظ النفس، حفظ العقل).

ثالثًا: العلم الحديث درايةٌ دونيةٌ:

انحطاط العلم الوضعي التجريبي الحداثي كان نتيجةً حتميًّا لإقصاء المعرفة الروحية السامية، وللعمل ضدّ التراث الروحي الأصيل، هذا ما جعل «غينون» يعتبر «العلم الغربي درايةً دونيةً»[2]، وأعتى الدرجات السفلية للعلم الحديث تتجلى في سطوته المادّية التي غيّرت الرؤية والمنظور للعالم والكون والإنسان من رؤيةٍ روحيةٍ إلى رؤيةٍ خاليةٍ من كلّ ما هو من طرازٍ روحيٍّ خالصٍ. لقد تمّ تصدير هذا المنظور للعالم تحت مظلّة العقل، فأصبحت الرؤية للكون ذرائعيةً محضةً ونفعيةً أداتيةً، فكانت هذه الرؤية هشّةً تتموضع على أرضٍ رخوةٍ. إنّها تصوّرٌ هزيلٌ لأنّه غير مؤسَّسٍ على أرضٍ صلبةٍ، نظرا لقصديتها الأحادية البعد التي بترت البعد الضدّيّ لها وهو الميتا-ماديّ الروحاني الفوق-حسّيّ. فسقط الإنسان في هاوية اللامعنى حيث أصبح كائن السوق الاستهلاكية.

إنّ دونية العلم الحديث وانحطاطه يتجلّيان في تلك العلاقة العدائية بينه وبين الطبيعة، حيث ينظر إليها مستوثقًا -بالمنظور الدارويني- بقانون التنازع من أجل البقاء، فالمعرفة «بخاصةٍ في الأنساق المعرفية الغربية، ليستً معرفةً من أجل المعرفة، وإنما هي تجلٍّ لإرادة القوة وأثرٌ لصراع 

(94)

الإرادات... وبالتالي ثمة ظاهرةٌ لازمت الرؤية الحداثية للعالم، هي تخليص المعرفة من حيث المصادر والمقاصد، تخليصها من الإحالات المقدسة والمتعالية، وإسكانها في نظامٍ معرفيٍّ لا يعتدّ بالقيم أو المعنويات، وإنّما يعتدّ بالكفاءة والنجاعة والفعالية»[1]، هذا يعني أنّ المعرفة بالمنظور الحداثي أداتيةٌ لا غائيةٌ، وكأن الطبيعة عدوٌّ لدودٌ له عليه محاربتها والانتصار عليها وهزْمها، بدلًا من أن ينظر لها على أنها مكانٌ للعيش المشترك بين مختلف الكائنات التي سخّرت لخدمة الإنسان لا من أجل مصارعته وتدميره.

إنّ المعرفة الحداثية، معرفةٌ مهووسةٌ بالحلم الديكارتي لتحقيق «أسطورة السيطرة»، تريد هذه المعرفة الهيمنة على الطبيعة والإنسان معًا، لذلك قطعت صلتها بعالم السماء، الذي يحدد المقاصد ويؤطّر المعرفة لتخدم المتضمّنات الروحية، فشكّلت المعرفة الحداثية نسقًا فكريًّا ديكتاتوريًّا، تحوّل إلى آليةٍ ذات نوازعَ إمبرياليةٍ. لكن إذا انتقلنا إلى التراث الروحي في الحضارات الشرقية خاصةً التي تنتمي إلى الإسلام، فإننا لا نجد هذا التصوّر العدائي، بشهادة الكثير من علماء الغرب المعاصرين من أمثال العالم الفلكي  «كارل ساغان» الذي يقول: «إنّ الإسلام على العكس، ينفر من القول بأنّ الطبيعة عدوٌّ»[2]. فالخطاب القرآني يحتفي بالطبيعة وعناصرها وتوازنها، وبالأرض وكائناتها الحية، وكذلك الوصايا والأحاديث النبوية التي تدعو إلى الرفق بالحيوان والتعامل الرشيد مع موارد الأرض، من قبيل الماء والمراعي، وتنبذ الهدر والتبذير[3].

لقد عرّض العلم الحديث كوكب الأرض لعدّة تشوّهاتٍ أبرزها ثقب الأوزون الذي يمرّر الأشعة فوق البنفسجية التي تسبب الأمراض الجلدية والسرطانية، بالإضافة إلى التلوث البيئي، فالانحرافات التي خلّفها العلم الحديث في علاقته بالطبيعة لا تُعدّ ولا تحصى.

إنّ انحطاط العلم الحديث ودونيته عند «غينون» يتجليان في الطابع التحليلي للعلوم التجريبية،  

(95)

التي تميل إلى التجزئة والتخصّص وتبتعد عن التركيب، الذي يقتضي البحث عن الوحدة والمبدأ الشامل الذي يجمع كلّ الظواهر بردّها إلى مصدرٍ واحدٍ، إذ يكفي «للإشادة أو الاستهانة بهذا الفرع أو ذاك من فروع المعرفة أو بهذا المنهاج أو ذاك يكفي الإعلان على أنه «علميٌّ» أو «غير علميٍّ»[1].

إنّ الطابع التحليلي جعل العلوم التجريبية مقطوعة الصلة بالتراث العرفاني، لأنّ العلوم التجريبية تدرس الطبيعة الحسية بشكلٍ جزئيٍّ، فيتخصص كل علمٍ بدراسة جزءٍ معيَّنٍ من الكون المادي، حيث ترفض وجود مبدأٍ أعلى ترتدّ إليه الكثرة والتنوع، فبدلًا من ردّ الكثرة إلى الوحدة والتغير إلى الثبات فإنها تنظر إلى كل شيءٍ بمنظورٍ نسبيٍّ.

لذلك يعتقد «غينون» أنّ الإجلال الخرافي للعلم الحديث نابعٌ من كونه يلبي المطالب المادّية، إذ «لا يوجد إلّا أمرٌ واحدٌ يمكن أن يفسّر الانبهار بلا حدودٍ والإجلال الخرافي تجاه هذا العلم: ذلك أنه ينسجم انسجامًا تامًّا مع احتياجات حضارةٍ ماديةٍ صرفةٍ»[2]، فالعلم الحديث لا يقيم اعتبارًا للتأمل المجرّد ويحصر الحياة في الجانب التطبيقي العملي النفعي. فالتقنية كأكثر مظاهر العلم الحديث لم تخدم الجوانب الروحية بقدر ما زادت في تغذية النوازع الغريزية التي تصبّ في خدمة الجسد الذي تحرر -في ظل التقنية الحديثة- من كل اللوازم الدينية التي كانت تنظر له كمدنَّسٍ ومُغذٍّ للشرّ والخطيئة، فلم يعد الجسد اليوم مجرّد شكلٍ خارجيٍّ مفرغٍ من المعنى لالتصاقه بالنجاسة وينبغي الخلاص منه وإماتة مطالبه ونوازعه، بل أصبح الجسد اليوم مصدرًا للثروة داخل منظومة الاقتصاد السلعي، وأصبح يعبّر عن الهويّة الذاتية والفردية والاستقلالية ويعكس توجهات الفرد الفكرية والعقائدية، وحتى ذوقه الفنّي وحسّه الجمالي. فالتقنية أعطت للجسد مركز الصدارة، وانتزعت منه الروح، وبذلك شطرت من جديدٍ العلاقة بين الجسد والروح، بين التأمل والنظر والتطبيق والممارسة، ولكن هذه المرة للإعلاء من شأن الجسد الذي أنزله أفلاطون

(96)

إلى العالم السفلي محتقرًا إيّاه باعتباره كهف النفس الذي يمنعها من رؤية نور الحقيقة. فكل ما يقدّمه العلم الحديث، حسب اعتقاد «غينون»، يصبّ في خدمة الجسد ويحقق فقط ما يسميه «غينون» بـ «الرفاهية البدنية»[1].

لتوضيح يا يقصد «غينون» بالرفاهية البدنية، يمكن أن نأخذ «الآلة» ودورها في العمل، ففي الماضي كان الجهد يبذل من الجسد، وكان للعمل قيمةٌ رمزيةٌ روحيةٌ يشعر فيه العامل بقيمة ذاته عندما يعمل ويكدّ ويشعر بالإرهاق والتعب الجسدي، فذلك التعب هو الذي يعزّز في العامل الشعور بالكرامة، لأنها قيمةٌ باطنيةٌ في ذاتها لا تقاس ولا تقدّر كمّيًّا كما يقول «كانط». لكن بإحلال الآلة تم تقليص الجهد البدني، وأصبحت الآلة تعوّض ذلك الجهد فخسر الإنسان كل ما له قيمةٌ رمزيةٌ وروحيةٌ.

إنّ التقنية بكلّ أشكالها حولت العلاقة بين الأنا والآخر من علاقة إنسانٍ بإنسانٍ إلى علاقة آلةٍ بآلةٍ، ودفنت قيم التواصل الإنساني تحت أنقاض ثورةٍ صناعيةٍ أنتجت تقدّمًا يرزح تحت حساباتٍ مادّيةٍ. كان الاعتقاد حول التقنية، لزمن غيرٍ يسيرٍ، أنها خلاص الإنسانية من جبروت الطّبيعة وآفاتها، وذلك عندما استطاع الإنسان أن يخطو درجاتٍ لا بأس بها أهّلته للسّيطرة على الكثير من الظواهر الطبيعية، الأمر الذي سمح له بتوسيع حرّيته وتحسين قدراته وكان له بليغ الأثر في تمدّن الإنسان، كما ساهم بقسطٍ كبيرٍ في تسامي أحاسيسه والانعكاس إيجابيًّا على الأخلاق الإنسانية.

لكن هذه التقنية ما لبثت أن أصبحت طوفانًا يجرف كلّ ما يلقاه، عندما نزعت من الإنسان آدميته وأغرقته في أوحال الاغتراب وجعلت منه دميةً بين أنياب الآلات ومخالبها، فتزايد خطرها حتّى أصبحت قاب قوسين أو أدنى من الانفلات من قبضة الإنسان ومراقبته. والغريب في الأمر أن إرادة التحكّم هاته أصبحت خداعا  حقيقيًّا ليس إلاّ، إنّها إرادةٌ مثقلةٌ بالعمى وبالتواطؤ من قبل الفكر التقني نفسه، الذي أصبح يحاصر الإنسان من كلّ جانب والذي يخفي وجهًا آخرَ للعبودية يجعل إمكانية خلق مجالٍ للتواصل بين ذواتٍ تختلف في المرجعيات الثقافية والعقائدية أمرًا يكاد 

(97)

يكون مستحيلًا. فلم يعد الإنسان يجد الراحة في التواصل مع غيره من الأشخاص، بل إنّ ذلك قد يأخذ من وقته ويعطّل مشاغله ومساعيه نحو كسب أكبر قدرٍ من المادّة، حتّى إنّ النّاس اليوم، أصبحوا ينفرون من النقاشات والاستماع لمشاكل بعضهم البعض، لقد أصبحت الغالبية -تقريبا- تفضّل التواصل مع المادّة بدل الإنسان، وهذا ما عبّر عنه «هاربرت ماركوز» في كتابه «الإنسان ذو البعد الواحد» حينما قال: «إنّ الناس يتعرّفون على أنفسهم في سلعتهم، يجدون أرواحهم في سيّاراتهم... في بيوتهم الفخمة، وفي تجهيزات مطابخهم»[1]. فلقد أُبدلت علاقات التواصل بعلاقات التسويق والاستهلاك الذي غذّته أكثر فأكثر العولمة اليوم، والتي قضت على التواصل الإنساني حين أذابت كل الاختلافات.

لدينا مجالٌ آخرُ تتجلى فيه الرفاهية البدنية، هو المعلوماتية وتكنولوجيات الاتصال الحديثة وما توفّره من تقنياتٍ سريعةٍ في الحصول على المعارف، لقد صنعت مجتمع الكم والوفرة المعلوماتية وأقصت الكيف والنوع. ففي الماضي كان الباحث يجدّ ويكدّ باحثًا عن المعلومة في الكتب فيجهد بدنه بالقراءة شهورًا وسنواتٍ ليصل إلى المعلومة، كان يتنقل ويسافر ويرتحل لتقصّي المعلومة. لكن في ظل التقنيات الحديثة أصبح في إمكانه بضغطة زرٍّ وفي لمح البصر أن يحصل على ما يريد من معارفَ وهو جالسٌ في مكانه، حيث اختصرت هذه التقنيات الوقت والجهد البدني، لكن ساهمت في تعطيل قوى العقل ومداركه، بعدما كانت المعارف والعلوم تُبنى أصبحت تستهلك جاهزةً، وهذا ما يؤكد الطبيعة الاستهلاكية التي غذّتها النزعة التقنية العلموية الحديثة.

فتطبيقات العلم الحديث على المستوى العملي يبدو أنها تتطابق، كما قال»غينون»، مع احتياجات الانسان المادية، إلى حد الاعتقاد بقداسة العلم وكأنه عصًى سحريةٌ تقول للشيء كن فيكون. لقد تحوّل العلم الحديث إلى إيديولوجيا العصر، على الرغم من أنّه قد ظُنّ وقيل أنّ عصر الإيديولوجيَات قد انتهى في عصر العلم. لكن يبدو أنّ العلم الحديث لم يفلح في التخلص من الفكر المنظوماتي المغلق، كما يقول «غينون»، لأنه قد تحول هو ذاته إلى «دوغما العصر» بفعل تطبيقاته التي أعطته نوعًا من القداسة. إنّ الإجلال الخرافي للعلم الحديث ناتجٌ عن فهمٍ خاطئٍ للعلم

(98)

عبر حصره في ما هو دنيويٌّ، في حين أن العلوم نوعان، علمٌ مقدّسٌ وعلمٌ دنيويٌّ، «وهذا [هو] الخلط الذي لا يمكن وقوعه إلاّ عند أشخاصٍ يجهلون حقيقة التأمل الخالص للعقل المستبصر»[1]. إنّ الهيبة التي اكتسبها العلم الحديث ناتجةٌ في الأصل عن جهل الناس بحقيقة التراث العرفاني الروحي الخالص الذي يشترط لفهمه «عقلًا مستبصرًا» لا «عقلا مفكّرًا»، أي بصيرةً لا بصرًا.

لذلك يعترف أحد كبار علماء البيولوجيا المعاصرين، «كارل ساغان»، بانحراف العلم والدين الغربيّيْن، ففي نظره، لقد «حاد الدين الغربي والعلم الغربي عن طريقهما ليؤكدا أن الطبيعة مجرد مسرحٍ للأحداث وليست هي الأحداث نفسها، وأن النظر إلى الطبيعة كشيءٍ مقدّسٍ تقليلٌ من واقعيتها»[2]، ما يشير إلى أنّ التفسير المادي لا الروحاني للطبيعة هو المهيمن على حضارة الغرب الحديث، إذ يعتقد العلماء أنّ الدين ضدّ العلم، ويعتقد رجال الدين أنّ العلم يهدم الدين دائمًا، فيصبح الصراع بينهما هو صراع الإيمان واللاّإيمان، لأنّ «خطر الاختراعات، حتى خطر تلك التي هي غير موجهةٍ، قصدًا، لَتَلْعَبُ دورًا مضرًّا بالإنسانية، والتي هي ليست أقلّ تسبّبًا بالكثير من الكوارث، هذا إذا تحاشينا الكلام عن الاضطرابات عند المشكوك فيها التي تحدثها في المناخ الأرضي»[3]، إذ ولّدت هذه الاختراعات أزمةً بيئيّةً تهدد كوكب الأرض بالخراب والدّمار الشامل لكلّ الموجودات الحية والجامدة.

لقد خرّب الإنسان، بواسطة العلم الحديث وتقنياته المنبثقة عنه، العلاقة بينه وبين البيئة بكل ما تحويه، وأصبح، كما قال «إدوارد ويلسون»، «قوةً جيولوجيةً هائلةً، تدفع الكثيرين إلى الاقتناع بأنّ الإنسان هو مشكلة البيئة»[4]، فالطموح الجامح للعلماء لإخضاع الطبيعة بالكامل للسيطرة البشرية، أفقدهم الرؤية العقلانية والأخلاقية والقيمية للطبيعة والبيئة باعتبارها صديقةً للإنسان ومكانًا مشتركًا للعيش معًا في علاقة تفاعلٍ كلّيٍّ بين كل الموجودات.

(99)

علاقة الإنسان لا تتوقف عند الإنسان، بل هي متعدّيةٌ ومتعددةٌ، بين الإنسان والأحياء بكل أنواعها، وبينه وبين الجمادات بكل تنوعاتها، وإذا تخرّبت وتصدعت هذه العلاقات، فإنّ علاقة الإنسان بالإنسان تنهار هي الأخرى، فالإنسان إذا دمّر البيئة التي يتموقع فيها، سيفقد مصدر العيش الذي يستمد منه آليات الحفاظ على بقائه البيولوجي. لقد شوّهت الاختراعات البيئة وجعلت كلَّ شيءٍ اصطناعيًّا، وفقدت البيئة جمالها، وتحوّلت عمارة الأرض إلى تدميرٍ لها. «إنّ الصناعة العصرية تنهض على مبدأ الحدّ الأقصى من الإنتاج بأقلّ التكاليف»[1]، وكأنّ إنسان العصر الحديث أصيب بالعُجب، ولم تعد الطبيعة التي سبقته في الوجود، مكانًا يرضي غروره، ويشبع جموحه.

رابعًا: الحصر التعسّفي لمناهج العلوم التجريبية بين العلم المقدّس والعلم الدنيوي:

يعترف «غينون» بالتطوّر الإيجابي لبعض العلوم و يعترض على العلمويين الذين يعتقدون بأنّ صحّة كل تفكيرٍ مرهونةٌ بخضوعه للمناهج الخاصة التي تتبعها هذه العلوم، وهذا ما نسمّيه بالتحيّز الذاتي الذي يتنافى مع الروح العلمية الموسومة بالموضوعية، وكأنّ هذه المناهج مكتملةٌ ومعصومةٌ تصلح لكلّ مواضيع المعرفة. إنّ هذا التحيّز العلموي يريد إقحام مناهج العلوم التجريبية عنوةً في ميادينَ موضوعاتها لا تنتمي للفيزيقا بل للميتافيزيقا، وحتى تلك التي تسمّى بالعلوم الإنسانية يحاول الكثير جاهدين من أجل تطويع ظواهرها الإنسانية بدراستها بمناهج العلوم التجريبية ، لكنّ محاولاتهم ستخفق لا محالة.

لقد انتهى «غينون»  إلى حصر مميزات الفكر الحديث[2] في النقاط التالية:

1 - الغياب التام للمعرفة الميتافيزيقية.

2 - إنكار كل معرفةٍ غير الدراية العلمية.

3 - الحصر التعسّفي للدراية العلمية نفسها في ميادينَ معيّنةٍ وإقصاء غيرها.

(100)

وكل هذا يعتبره «غينون» انحطاطًا عقليًّا وصل إليه الغرب. فهذه المميزات التي تسم العصر الحديث، يمكن حوصلتها في أنّ الرؤية للعالم والكون والوجود والطبيعة والإنسان هي رؤيةٌ مادّيةٌ خالصةٌ تستبعد إمكانية التفسير الروحاني للعالم بل وتنكره، يقول: «عندما نرى أنّ علمًا مادّيًّا، حصرًا، يطرح نفسه على أنّه العلم الوحيد الممكن، عندما يعتاد الناس على أن يتقبّلوا، كحقيقةٍ غير قابلةٍ للنقاش، فكرة أنه لا توجد معرفةٌ صحيحةٌ خارج هذا العلم، عندما تنزع التربية كلها، التي يلقّونها، إلى ترسيخ المكانة الخرافية لهذا العلم، هذه هي بالضبط «العلموية» (scientisme)»[1].

إنّ العلوم الدنيوية منذ العصر الحديث ترتكز فقط على مقولة  «الكم» حتى إنّها تتعسّف لتسقطها حتى على العلوم ذات الطابع الكيفي، حيث تحاول إخضاع الكيف للكمّ، أي جعل كلّ كيفٍ مقيسَ الأبعاد. ما العلوم الإنسانية إلاّ أنموذجا يتكلّم بنفسه عن هذا الحشر التعسّفي للكم في مجال الظواهر الإنسانية، التي هي ظواهرُ تأمّليةٌ كيفيةٌ لا كميّةٌ قياسيةٌ، حيث منيت كلّ المحاولات بالإخفاق عندما أمِلت في تحييد الظاهرة الإنسانية وتجريدها عن خصيصتها التأمّلية، وتحويلها إلى ظواهرَ كميّةٍ خالصةٍ. يوضّح لنا «غينون» هذا الانحراف بقوله: «يراد اليوم تطبيق القيْس حتّى في مجال علم النفس، في حين أنّه مجالٌ عصيٌّ على ذلك بسبب طبيعته نفسها، حتّى انتهى الأمر، كلّيًّا، عن فهم أنّ قدرة القيس لا ترتكز إلاّ على خاصيّةٍ ذاتيةٍ للمادّة، والتي هي قابليتها غير المحدودة للانقسام، إلاّ إذا وصل القوم إلى حدّ الاعتقاد أنّ هذا الخاصية تشمل كلّ ما هو موجودٌ، ما يعني تمدية (matérialisation)  كل الأشياء»[2].

يقدّم لنا «غينون»  علم النفس كأنموذجٍ للتعسّف الذي يمارسه العلم الحديث محاولًا حشر مناهجه في علومٍ لا تنتمي إلى عالم المادة الجامدة، حيث يعتبر المنهج التجريبي هو اللغة الوحيدة للإخبار عن الواقع وأداةً للاستنباط الدّقيق، تتقدّم كقوةٍ توجيهيةٍ وكتمثيلٍ كلّيٍّ ومطلقٍ لروح حضارة الغرب الحديث التي تعتبر المنهج التجريبي موروثًا خصبًا لعصر الأنوار، ومن أقوى ما امتلكه الإنسان من ضروب المعرفة، إنه معراج الارتقاء والتقدّم الذي أصبح قوة جذبٍ تستقطب

(101)

كل العلوم الدنيوية الأخرى، بما فيها العلوم الإنسانية التي طمحت في استلهام المناهج المطبقة في العلوم الطبيعية لبحث ودراسة الظواهر النّفسية التي تُعنى بالإنسان ككائنٍ تنبثق منه وظائفُ سيكولوجيةٌ يعانيها بشعوره ووجدانه، والتي بحكم طبيعتها لا تعرفها إلاّ الذات التي تعانيها من الدّاخل كتجربةٍ فرديةٍ أصيلةٍ تنمّ عن خصوصية الشخص واستقلاليته.

ما هو جليّ للوهلة الأوّلى هو أن الظواهر النّفسية ذاتُ طبيعةٍ ذاتيةٍ، إذ لكلٍّ منّا عالمه الدّاخلي الذي يحياه وينفعل له ولا يمكن للغير الاطلاع عليه وسبر مكامنه الخفية، إنه سلوكٌ إراديٌّ قصديٌّ. وليس هذا فقط فهو ذو طابعٍ معنويٍّ عصيٍّ عن الملاحظة التي تعدّ شرطًا ضروريًّا في العلم التجريبي، ما أدّى إلى نوعٍ من العزوف حينًا والحذر حينًا آخرً في محاولة دراسة هذه الظواهر، وبموازاة هذا التردد بدأت الكثير من الأسئلة تلوح في الأفق حول الدقة وصلاحية التجربة ومدى مصداقيتها ونجاحها في مجال علم النفس.

لكن تحت هيمنة وهم التقدم الذي شكّل العلم الحديث أرضيته الصلبة، ظنّ علماء النفس أنّ النفس البشرية لا تختلف عن بقية ظواهر الطبيعة الفيزيائية، وأنّ فهمها بمناهجها ممكنٌ، ولا يطرح أيّ صعوبةٍ، حتى تمادى خيالهم وأعماهم وهمهم، فظنّوا أنّ النفس ظاهرةٌ مقيسةُ الأبعاد، ويمكن تكميمها، أي حسابها رياضيًّا. إنهم بهذا التعسّف يخلطون بين ما ينتمي إلى عالم الكيف (النفس باعتبارها مجال المعنويات)، وعالم الكم (المادة القابلة للتقدير والقياس).

إن الظواهر النفسية ليست بالحالات التي يمكن ضبط شدتها أو ضعفها، أو حجمها... فهي، عند «غينون»،  تنفلت من قبضة التحديد الكمّيّ الذي يُعتبر أساس للدقة العلمية، التي تفترض أن يكون الموضوع المدروس مقيسَ الأبعاد ومعلوم الحدود. لكن هذا الأمر مستحيلٌ إذا تعلق الأمر بالظواهر النفسية، فهي ليست بالأشياء التي تُرى، إنها تتعلق بالجانب الباطني من حياتنا، أي بعالمنا الدّاخلي الجوّاني الذي لا يطّلع عليه إلاّ صاحبه. فكيف يمكن تمدية (matérialisation) حياتنا النفسية، أي كيف يعقل أن نقيس حالاتنا النفسية. فهل من المعقول أن نقيس مقدار ذكرياتنا وعددها وحجمها؟ هل من الممكن أن نزن انفعالاتنا وعواطفنا كما نزن شيئًا مادّيًّا في  

(102)

الميزان؟ إنّ القياس غير مشروعٍ، ولا يمكن أن يكون مشروعًا، إنه محاولةٌ عبثيةٌ يائسةٌ من قبيل الوهم، لأنّ القياس يشترط أن يكون الشيء الذي نريد تكميمه، ثابتًا لا يتغيّر، فكيف يعقل قياس ظواهر لا تكفّ عن الحركة، ولا تتكرر في الزمان. 

لذلك ففهم الإنسان وتقديم تفسير لبنيته هو في الحقيقة مسألةٌ معقدةٌ للغاية، وليست موضوعيةً كما تعتقد العلوم الإنسانية الحديثة المهووسة بمناهج العلوم التجريبية. إنّ فهم الإنسان يبقى أمرًا ذاتيًّا يتعلق بالشخص ومعتقداته أكثر مما يرتبط بالنتائج العلمية والاختبارات التجريبية، وتتأثر تحليلات العالم للإنسان مباشرةً بالإيديولوجيا والديانة التي يؤمن بها. فإذا كان العالم في الظواهر الإنسانية ملحدًا، فإنّه لن ينظر إلى لإنسان، ولن يفهمه كما يفعل المؤمن أو اللاأدروي، بل سيسقط رؤيته الإلحادية أو الإيمانية أو الريبية على مفهومه للإنسان، لأنّ الموضوع إنسانٌ والذات المدرِكة إنسانٌ، ويستحيل أن يعزل الباحث نفسه كإنسانٍ له مخزونٌ قيميٌّ وثقافيٌّ ودينيٌّ... إلخ، عن دراسته للإنسان كموضوعٍ.

فإذا أردنا إقامة مقاربةٍ، حسب التصوّر الغينوني، فإنّ الدارس والباحث الذي ينتمي إلى الحضارة الغربية والذي يريد تفهّم الإنسان كموضوعٍ بكل أبعاده، ستكون رؤيته من المقدمات إلى النتيجة رؤيةً مادّيّةً خالصةً، وسيكون التفسير تفسيرًا مادّيًّا صِرفًا، لأنّ خريطته الإدراكية ستستحضر بشكلٍ لاواعٍ قيم الحضارة الغربية التي ينتمي إليها، والتي هي في الأساس قيمٌ ماديةٌ تستنكف عن درس الإنسان في بعده الروحي والمعنوي. أما الباحث في الظواهر الإنسانية الذي ينتمي إلى الشرق والمشبع بقيمه التراثية الأصيلة، فإنه لا يستطيع أن يعزل تأويلاته وتفسيراته حول الإنسان عن قيم الحضارة الشرقية. هذا يعني أنّ الموضوعية تظلّ غائبةً.

هناك دائمًا فرقٌ بين من إنسانٍ يتصوّر الإنسانَ ويفسّره انطلاقًا من مخزون حضارةٍ ماديةِ المقصد، وآخر يفسّره انطلاقًا حضارةٍ روحيةِ المقصد. من هنا يظهر لنا استحالة النظر إلى الإنسان بأعينٍ موضوعيةٍ تمامًا، لأنّ التفاعل الموجود بين الإنسان كباحثٍ والإنسان كموضوعٍ لا يمكن إلغاؤه، إذ إنّ أفكار الإنسان (تنبؤاته، ومشاعره وأحاسيسه، وإدراكاته المسبقة)، أي كل تلك

(103)

الأمور التي تشكّل خريطته الإدراكية في الحاضر، هي دومًا مستمدّةٌ من إطارٍ يؤثّر في الخفاء. «إن علم الحفريات وعلم هيئة الإنسان وعلم النفس، كلها علومٌ تصف من الإنسان فقط الجانب الخارجي الآلي الذي لا معنى له. الإنسان مثله كمثل اللوحة الفنية والمسجد والقصيدة، أكثر من مجرد كمية ونوعية المادة التي تكوّنه»[1]. لذلك «فالفكرة الحمقاء في وجود علم نفسٍ يعتمد على قياس مقاديرَ كميةٍ تمثّل حقًّا أبرز درجةٍ للزيغ العلموي الحديث»[2].

لذلك يحظى العلم الحديث بهالةٍ من التقديس، جعلت منه إله العصر، فقط لأنّه استطاع أن يقدّم نتائجَ عمليةً تُلمَس، وتُرى أصداؤُها، إذ إنّ التطبيقات التقنية هي التي أعطت للعلم الحديث هذه القداسة، يقول «غينون»: «إنّما يمنح العلم الحديث الاعتبار (prestige) في أعين الجمهور العريض، هي وحدها تقريبًا النتائج العملية التي يتيح (العلم) تحقيقها، لأنه هنا أيضًا يتعلق الأمر بأشياءَ قابلةٍ للرؤية وللمس»[3]، فالتطبيقات العملية للعلم الحديث هي من أعطى الهيبة للعلم.

«بسبب هيمنة الرؤية الحداثية للعالم، في صورتها التجريبية الاختزالية، احتذت العلوم الإنسانية حذو العلوم الحداثية في نظامها المعرفي، واحتفظت منها بعناصرها أو شكلها ولم تحتفظ منها بالمضمون، أي أخذت بنظامها في الحقيقة وأفرغت موضوعها هي من خصوصيته الذاتية، فكان الوهم أنّ النجاعة والسيطرة والإحكام المنهجي الموجود في علوم الطبيعة، يمكن أن يحصل في علوم الإنسان»[4]، ما أدّى إلى انحراف العلوم الإنسانية. لأنّ «الإنسان أكثر من جميع ما تقوله عنه العلوم مجتمعةً»[5]. فالمنهج التجريبي قاصرٌ في مجال الظواهر الطبيعية، إذ ثبت أنّ ظواهر الطبيعة لا تتكرر. لذلك «نستطيع أن نستخلص نتيجةً مدهشةً ترتبط بانفراديةٍ أو تفرّدٍ كل  

(104)

تجربةٍ حسيةٍ، والطبيعة التي لا تعيد إنتاج كل النتائج التجريبية... وحتى وإن استطعنا إعادة إنتاج كل شروط إحدى التجارب مرةً ثانيةً وبدقةٍ كاملةٍ، فإننا لا نزال نحصل على نتائجَ مغايرةٍ، بماذا ينذر هذا؟ بانهيار العلم»[1]، لأنّ كل ظاهرةٍ هي فريدةٌ من نوعها، ما يجعل التجربة الحسية تتسم بالذاتية، بذلك تهوي الموضوعية وتنزاح كليةً، هذا حال المنهج التجريبي في ظواهر الطبيعة الجامدة يعلن إخفاقه وانتكاسه وقصوره، فكيف له أن يكون صالحًا لدراسة الظواهر الإنسانية إذًا، «لأنّ العلوم الإنسانية لا تزال متأخرةً عن حركة البحث العلمي لأنها مكبوحةٌ أو مفرملةٌ من قبل الإيديولوجيا الوضعية الاختزالية المهيمنة على الغرب. نلاحظ بهذا الصدد أنّ التداخل بين الدارس والمدروس والذي اعترفت به الفيزياء الحديثة منذ عام 1920 لم يتم الاعتراف به حتى الآن في كل العلوم الإنسانية. لماذا؟ لأنّ ذلك كان سيؤدي إلى نقض مزاعمها في الموضوعية الكاملة والحيادية الباردة المطلقة، وعدا ذلك كان سيؤدي إلى نقض الإمبريالية المعرفية المهيمنة الطاغية التي تمارسها هذه العلوم على الفكر المعاصر»[2].

إنّ العلوم الدنيوية التي أفرزها العصر الحديث، لم تستطع فهم الواقع في كليته، ولن تتمكن من الإحاطة به في شموليته طالما تفصله عن المبدأ الأعلى الذي يوحّد كل تلك الكثرة من العلوم، حيث ظلّ فهمها وتفسيرها للواقع مشوبًا بالكثير من اللبس، لأنها لا تستبطن منه إلاّ المظاهر الخارجية، فتقف عند العوارض المتغيرة، وتنأى عن الجواهر الثابتة. لذلك «لن ينجح أحد أبدًا في إنهاك التنوع اللانهائي لعالمنا، ولن نكتشف أبدًا ما ينبغي علينا أن نعرفه عنه. إنّ أيّ قصدية تدّعي تقديس المعرفة الكلية لنوعنا البشري، هي أكثر حمقًا من مجرد الاعتقاد في الآلهة، لأنّ هذا التقديس سيجعله هو نفسه إلهًا دائمَ الوجود كلّيَّ القدرة»[3]. لذلك فالعلم اليوم مطالبٌ بالاعتراف بالتعقيد في ظواهر الكون، وعليه التخلّي عن ذلك المبدأ التبسيطي الاختزالي، الذي  

(105)

سجنه في مستوى الإدراك الحسّي للعالم المادي، وإسقاط مناهجه على كلّ الظواهر التي لا تنتمي إلى العالم الحسي ممارسًا عسفًا منهجيًّا، من خلال محاولة فهم اللامادي بالمادي، والكيف بالكم، والمتعدد بالواحد، والثابت المطلق بالمتغيّر. لقد بدأت فعلًا بوادر الاعتراف تلوح في الأفق مع الفيزياء الذرّية والكوانتية في الفيزياء المعاصرة، التي أعادت إدخال العناصر الميتافيزيقية إلى الساحة العلمية، التي اُستُبعدت منها بحجة انتمائها إلى الماوراء، حيث أصبحت الرؤية العلمية في وضعٍ برزخيٍّ، انسحبت فيه من منطق التناقض الثنائي القيمة المرتكز على النفي والإقصاء بـ «إما»/ «أو«، إلى المنطق المركّب المتكامل والمتفاعل على نسقٍ مفتوحٍ على الواقع والكون والطبيعة والانسان.

 

(106)

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني

فرضية سقوط

الحضارة الغربيّة

 

(107)
(108)

تمهيد

شكّلت الحداثة منعطفًا حاسمًا، ومسارًا ظافرًا، باختراقها الكاسح لتخوم المعرفة بكل تمظهراتها، وولوجها لصميمية الحياة بكلّ تجلّياتها، لتتحوّل إلى نمطٍ مميّزٍ للحضارة الغربية عن نمطها القديم بكلّ حمولته التقليدية، ما جعل الحضارة الغربية تنتشي زهوًا. لكن فردوسها الأرضي بدأ يتفكّك ويتكسّر، وتتهاوى أكبر قلاعه وأوثانه: «الحضارة الكونية»، و «التقدّم الصاعد»، و «العلم الحديث»، لتنقلب قيم التنوير إلى ظلاميةٍ، بعد أن حفل المجتمع الغربي الحديث بأشكالٍ من التناقضات، وضروبٍ لا تنتهي من الصراعات المريرة مع الحضارات المغايرة، حتى وُسم القرن العشرين بعصر الصراع الحضاري الذي لم يضع أوزاره بعدُ، حتى بعد دخولنا في القرن الواحد والعشرين الذي تفاءل به الغرب، لكن التفاؤل تحوّل إلى تشاؤمٍ، بعد أن أفلست الحداثة وأعلنت عن نهايتها بنفسها، إذ بدلًا من الاحتكام للعقل وما يدعو إليه من حريةٍ وعدالةٍ، سقطت في هاوية اللاّعقل والهمجيّة، وأنذرت بالدمار الشامل لكل ما هو إنسانيٌّ، بتحطيم كلّ مقدرات الإنسان وإمكاناته باسم العلم والتقنية والتقدم الصاعد والحرية والانعتاق.

هذه الأزمة الخانقة حدت بالفيلسوف «غينون» إلى تتبّع جذورها، ثم انطلق هادمًا البنى الفوقية والتحتية التي شكّلت أرضيتها الصلبة، ويمكن حصر الهدم الغينوني في الاستشكال التالي: فكيف أسقطت الأزمة الحضارة الغربية في عصر الكالي-يوغا وحوّلتها إلى حضارةٍ غير سويّةٍ؟ وهل هي أزمةٌ حديثةٌ أم قديمةٌ؟ وهل هذه الأزمة تنذر بنهاية العالم أم بنهاية دورةٍ زمنيةٍ بشريةٍ؟ ما هي مولّدات الأزمة والانحراف؟

(109)
(110)

 

 

 

 

 

 

المبحث الأوّل

أركيولوجيا الأزمة وجذور الانحراف

 

 

أولًا: مفهوم الأزمة

ثانيًا: الفلسفة تزاحم السماء فمن محبة الحكمة إلى الحكمة

ثالثًا: ثورة الإصلاح الديني من الإيمان بالمبادئ إلى الإيمان بالآراء

(111)
(112)

أولًا: مفهوم الأزمة:

لقد تمزّقت حضارة الغرب من الدّاخل وانقسم البيت على نفسه. «فلقد بدأ البعض يشعر -على تفاوت الوضوح- بأنّ الأمور لا يمكن لها أن تستمرّ إلى آجالٍ غيرِ محدّدةٍ في نفس الاتجاه، بل بدا الكلام عن إمكانية وقوع إفلاسٍ كاملٍ: للحضارة الغربية، على الرغم من أنّه ما كان لأحدٍ أن يجرأ على التفوّه به قبل أعوامٍ»[1]، يمكن، على سبيل المثال لا الحصر، اعتبار «أرنولد توينبي» و «أوزفالد شبنغلر» من بين الغربيين الذين تنبّهوا إلى الخطر الحقيقي الذي سيعصف بكيان الحضارة الغربية. فعلى الرغم من أنّ «توينبي» يمثّل المنحى التفاؤلي بعودة الحضارة الغربية السويّة، فإنّ «شبنغلر»، على النقيض تمامًا، يمثّل النزعة التشاؤمية حول الحضارة الغربية، ويعلن عن موتها الحتمي في كتابه «تدهور الحضارة الغربية»، لأنّها وصلت إلى دورة الحياة الأخيرة، إنها دورة الشيخوخة قبل الدخول إلى مرحلة الفناء، شأنها شأن كلّ الكائنات الحية التي تمرّ بلحظتَيِ الميلاد والموت، وقد أشرفت الحضارة الغربية على لحظة الموت.

إنّ تنكيس التراث التقليدي في حضارة الغرب الحديث يرتدّ إلى تلك المغالطة حول مفهوم التاريخية، حيث يعتقد الغرب أنّ التاريخ بدأ مع التقويم المسيحي، أي بميلاد المسيح عليه‌السلام، الذي يشكّل لحظة بداية حضارتهم، وأنّ كل ما قبله هو خارج التاريخ وينتمي إلى العهد الأسطوري ونهاية التاريخ ستكون بعودة المسيح (الولادة الثانية). لكنّ «غينون» يهدم كعادته هذا التصوّر، ولا يعتبر العهد الأسطوري خارج التاريخ، لأنّه يشتمل على عناصرَ تراثيةٍ تقليديةٍ لم يستطع الغرب فهمها، ما جعلهم يُقصونها كعادتهم السيئة الإقصائية، فدائمًا ما لا يفهمونه فهو إما غيرُ موجودٍ أو أسطورةٌ نسجها الخيال البشري.

يبدو أنّ «غينون» لا يثق حتى في ما تمتلكه الحضارة الغربية من معارف تاريخية، كونها أقصت مرحلة من التاريخ والتي تسميها «بالأسطورية»، إذ يقول «غينون»: «يمكن أن يكون لدينا ما

(113)

يكفي للحكم إلى أيّ درجةٍ يحق للمحدثين بأن يكونوا فخورين بسعة معارفهم التاريخية! قد يؤدّي كل هذا بلا شكٍّ أيضا لأن يبرّروا لأنفسهم، بالإجابة بأنها ليست سوى مراحلَ أسطوريةٍ، ولذلك لا تستحق بأن يحسب حسابها»[1]. إنّ المرحلة التي تسمّى بما قبل التاريخ، أو التي تسمى بالعهد الطفولي أو بمرحلة ما قبل العقل، أو ما قبل الكتابة، صُنّفت في الحضارة الغربية على أنّها العصر الأسطوري البدائي، حيث أكد «رالف لينتون» على أنّ: «أوربا انتقلت من عصر ما قبل التاريخ إلى العصر التاريخي ببزوغ المدنية اليونانية»[2]، إذ يستند هذا الحكم إلى النظرة التبسيطية الاختزالية إلى الحضارة الغربية، التي تنكر وجود كل ما لا تستطيع فهمه، إما بعدم الاعتراف به نهائيًّا، وإما بوصفه بالأسطورة، لأنها عاجزةٌ عن استكناه الرموز الخفية الباطنة التي تشتمل عليها الأساطير، فهي ليست مجرد خرافاتٍ وترفٍ للمخيّلة البشرية، إنها تحوي حقائقَ لها علاقةٌ بالتراث التقليدي الموصول بالوحي الإلهي، والذي لم يستطع المؤرخين الولوج إليه.

إن التساؤل المحيّر هو: كيف جاءت فكرة وجود قوّةٍ غيبيةٍ، وإن تعددت، قوةٍ مفارقةٍ للطبيعة وغير محدّدةٍ وتُعزى إليها القدرة الفائقة في ما يسمى بالعهد الأسطوري؟ بمعنى هل إنّ فكرة الإله، ولو كان وثنيًّا، جاءت إلى الإنسان من ذاته أم إنّها فكرةٌ متوارثةٌ عن الإنسان الأوّل سيدنا آدم؟ هذا يعني أنّ إيمان الناس بهذه القوة لم يكن صدفةً ولا أسطورةً خرافيةً، فهذه الفكرة تلازمت مع خلق سيدنا آدم عليه‌السلام، ثم تناقلتها ذريته، ولحق بها من التشويهات والتنكيسات ما لحق، ما يشير إلى أنّ التاريخ الدنيوي لم يبدأ مع ميلاد «المسيح» عليه‌السلام ، بل مع خلق سيدنا آدم عليه‌السلام. وبالتالي يسقط التقسيم الثنائي الغربي، ونصبح أمام تاريخٍ واحدٍ هو التاريخ والزمان الدنيوي والذي له بدايةٌ تتحدد بخلق سيدنا آدم، ونهايته تتحدد بفناء الدنيا وقيام الساعة كما جاء في العقيدة التراثية التقليدية الإسلامية، بالتالي تحصل «نهاية العالم، ولا يبقى عندئذ زمانٌ، ولهذا يقال بأن «الموت هو آخر كائنٍ يموت»[3].

(114)

فحتى «أرنولد توينبي»، نظير «غينون»، في المكان، يتفق معه في ما يتعلّق بمغالطة التقسيم الثنائي للبشرية إلى عهدين، الأوّل هو الماقبل-تاريخي (قبل الميلاد) والثاني التاريخي (بعد الميلاد) ويتحدث عن المؤرخين الغربيين قائلًا: «لم يرث مؤرخونا المحدثون في بداية الأمر من تلك المفاصل أو العقد إلاّ عقدتين، وهما «القديم» و «الحديث» اللذان يطابقان بوجه التقريب «العهد القديم» (التوراة) و «العهد الجديد» (الإنجيل)، وينطبقان على التقويم الثنائي للتأريخ (في تقسيمه) إلى عهود ما قبل الميلاد وما بعد الميلاد. وما هذا التقسيم الثنائي للتأريخ إلاّ بقيةٌ من اتجاه «البروليتارية» الداخلية في المجتمع الهيليني بأن جعلت تباينًا مطلقًا يفصل بين العهد الهيليني القديم وبين عهد الكنيسة المسيحية. وبذلك رضخت تلك البروليتارية إلى الضلال الناشئ عن الأنانية»[1].

لذلك يعتقد «غينون» أنّ المادة التاريخية الموجودة تشتمل على أخطاء، لأنها تحدد بداية التاريخ بظهور المسيحية، وتُقصي كل ما كان قبلها من أحداثٍ زمنيةٍ، لأنّ «النزعة السائدة في هذا العصر هي الوصم بالأسطورة لكل ما يأتينا من الأحداث الأكثر قدمًا في التاريخ... لأنها تخرج عن وسائل التحقيق التي يعتمد عليها التأريخ «المدنّس». و ]إنّ[ من يفكرون هكذا، بسبب عاداتٍ اكتسبوها نتيجة تربيةٍ لا يمكن اعتبارها اليوم الا انحرافًا ذهنيًّا، يستطيعون مع ذلك، إذا ما احتفظوا ببعض إمكانيات التفهم، أن يأخذوا هذه الأحداث ببساطةٍ على قيمتها الرمزية»[2]، لأنهم لم يستطيعوا فهمها.

الرؤية المادية هي التي تهيمن دائمًا على الحضارة الغربية، ولأنّ العصور الوسطى شهدت تقدّمًا روحانيًّا، ولم تكن للنوازع المادية قيمةٌ مقارنةٌ بالمجال الروحاني، فإنّ التأريخ الغربي أسقطها من الحضارة، واعتبرها عصرًا ظلاميًّا، حيث قدّم صورةً أحاديةَ الجانب مبسّطةً عن العصور الوسطى. لكن رغم سيادة الفقر والشقاء وسوء الأحوال الصحية في كل مكانٍ، فإنّ مجتمعات العصور

(115)

الوسطى كانت تتمتع بصحةٍ باطنيةٍ. كان هذا العصر عصر قوة الروح التي بدونها ما كنا لنفهم الإلهامات التي حملت الإنسان الغربي إلى عصره الحديث... هذا العصر بدون تقدّمٍ علميٍّ وتقنيٍّ، استطاع أن يبدع شيئًا وصفه «هويتهيد» بأنه تقدّمٌ كيفيٌّ. فالعصور الوسطى، إذًا، لا يمكن اعتبارها ظلاميةً، بحكم انعدام التقدم العلمي والتقني، لأنها عرفت تقدّمًا في المجال الروحاني، وما الصفة الظلامية التي أُسقطت عليها إلاّ نتيجةُ رؤيةٍ أحاديةٍ للكون والحياة.

إنّ الحضارة الغربية، التي أشاحت ناظرها عن دراسة العقائد التراثية التقليدية منذ العهد الكلاسيكي اليوناني، كان مقدمةً لجذور الانحراف الحديث الذي وصلت إليه في أعتى صوره، والذي بدأ مع العهد الإغريقي الذي تعتبره الحضارة الغربية مهد الحداثة والعقلانية، في حين هو، عند “غينون”، بداية عصر الكال-يوغا (العصر الرابع المظلم). لذلك يتتبّع “غينون”  جذور الأزمة التي تعاني منها الحضارة الغربية، من خلال الحفر الأركيولوجي في التاريخ.

ثانياً: الفلسفة تفتتح الأزمة وتزاحم السماء بالعبور من محبة الحكمة إلى الحكمة:

إنّ فرضية انهيار الحضارة الغربية الحديثة ليست هي مآل عصر الحداثة عند «غينون»، فعصر الحداثة هو تصاعد الأزمة التي ستصل إلى النهاية، لا بداية الأزمة كما يعتقد أنصار «ما بعد الحداثة».

إنّ بداية السقوط، عند «غينون»، بدأت مع العصر الكلاسيكي اليوناني، ثم تطورت هذه الحضارة وبدأت تتضخّم وتتأزّم حتى وصلت إلى درجة النهاية في العصر الحديث. ففي التصوّر الغينوني، الأزمة التي تمرّ بها حضارة الغرب الحديث هي آخر مرحلةٍ من مراحل المانفانتارا، وهي المرحلة الرابعة التي تسمّى بعصر «الكالي يوغا»، أي العصر المظلم، وبذلك يهدم «غينون» ذلك الوهم الغربي الذي يصنّف العصر الوسيط على أنّه عصرٌ ظلاميٌّ، وبأنّ العصر الكلاسيكي هو عصر المدنية والحضارة والعقلانية، أي عصر النور. ومن خلال تحديد «غينون» لجذور الأزمة وامتداداتها التاريخية، يمكن القول أنّ نظراءه في الزمان والمكان قد أخطأوا حين جعلوا من العصر الحديث

(116)

مفتتحًا للأزمة، حيث يدعو «غينون» إلى البحث عن جذور الأزمة «في العصر الكلاسيكي القديم الذي يحتوي عن بعض منابع العالم الحديث، إذ إنّ، هذا الأخير ليس مخطئًا تمامًا عندما يستشهد بالحضارة الإغريقية اللاتينية ويدّعي أنه امتدادٌ لها»[1].

فالعقلانية، التي نُسفت وأُعدمت في العصر الوسيط تحت الهيمنة الكهنوتية، ليحل الإيمان، استيقظت من جديدٍ، وكأنها انسحبت من الوجود بالفعل إلى الوجود بالقوة في شكلٍ كمونيٍّ مؤقتٍ، لتعود من جديدٍ وبقوةٍ في العصر الحديث، الذي أعاد مركزية العقل (اللوغوس) الذي هيمن على العالم الكلاسيكي اليوناني، بفعل تلك القوّة الدافعة له متمثّلةً في» الفلسفة»، التي يعتبرها «غينون»  تمهيدًا لأزمة الحضارة الغربية، باعتبارها أزمةً روحيةً فاقدةً للمبدأ الأعلى الثابت، لأنّ الفلسفة عقلنةٌ للوجود والإنسان والطبيعة، وبدأت تنافس العقائد التقليدية الموصولة بالشرائع الربانية، حينما جعلت العقل سيّدًا على نفسه وعلى الكون ككلٍّ، لا أحد يعلو عليه، ولا شيء يتسامى فوقه .

هكذا كانت الفلسفة مفتتحًا للأزمة والانحراف الذي عصف بالحضارة الغربية الحديثة، لأنّ الفلسفة حلّت محلّ الحكمة التقليدية، باعتبارها نسقًا عقلانيًّا بشريًّا، في حين أنّ الحكمة التقليدية هي فوق-بشريةٌ، وشتّان بين  الحكمة ومحبّة الحكمة هذه التي ترادف عند اليونان مصطلح «الفلسفة»، ما يعني أنّ الفلسفة ليست ضروريةً كما يعتقد، وليست تلك الحكمة الأبدية المطلقة، التي تمثّل أعلى مرتبةٍ في مراتب المعرفة، إنها ليست سوى معرفةٍ إنسانيةٍ منقوصةٍ، إذْ «لا يعني الاسم اشتقاقيًّا سوى «محبّة الحكمة»، وهو يعني بدايةً استعدادًا مسبقًا مطلوبًا للوصول إلى الحكمة، ويمكن أن يعني أيضًا، كامتدادٍ طبيعيٍّ، البحث المتولّد عن هذا الاستعداد المؤدّي إلى المعرفة، وذلك ليس سوى مرحلةٍ أوليةٍ وتحضيريةٍ للتوجّه نحو الحكمة، ودرجةٍ مقابلةٍ لحالةٍ أسفلَ»[2]. إذًا، «فالفلسفة وسيلةٌ تحضيريةٌ لبلوغ الحكمة وليست غايةً، وبما أنّ الحكمة

(117)

هي بذاتها المعرفة الحقيقية الباطنة، فإنه يمكن القول أنّ المعرفة الفلسفية ليست إلاّ المعرفة السطحية الخارجية، فليس لها قيمةٌ في نفسها، أو من نفسها، وما هي إلاّ درجةٌ أوليةٌ، في الطريق المؤدية للمعرفة السامية الحقة التي هي الحكمة»[1].

فمحبّة الحكمة، عند «غينون»، تعني الاستعداد المسبق لتلقّي الحكمة، فالفلسفة هي طريقٌ، هي مرحلةٌ انتقاليةٌ، كما يقول «غينون»، لبلوغ مدارج الحكمة التي لا تساوي الفلسفة، إنها أعلى منها لأنها من أعلى، من لدن قوةٍ فوق-بشريةٍ، والمساواة بين الفلسفة والحكمة، يعني المساواة بين ما هو إنسانيٌّ وما هو فوق-إنسانيٌّ، فالفلسفة معرفةٌ محدودةٌ في الزمان والمكان، وتتعدد بتعدد الأنفس والعقول، فهي تنتمي إلى مجال المتغيرات لا المبادئ، لأنّ الفلسفة كثرةٌ تُشتِّت، لا تُوحِّد، «والانحراف الذي حصل في ما بعد كان لجعل هذه الدرجة الانتقالية هدفًا بذاته، وادّعاءً بإبدال الحكمة «بالفلسفة»، ما يؤدّي إلى نسيان أو تجاهل الطبيعة الحقيقية لهذه الحكمة. وهكذا ولدت ما نسميه بالفلسفة الدنيوية، أي حكمةٌ مدّعاةٌ محضُ إنسانيةٍ، ذاتُ نسقٍ عقلانيٍّ فحسب، آخذةً مكان الحكمة الحقيقية التقليدية، المافوق-عقلانية والـ»إنسانية»[2]. «لذلك فالفلسفة وحدها لا تكفي للتحضير للحكمة، لأنها لا تختص إلاّ بقوًى محدودةٍ هي نفسها العاقلة بينما يستمد التحضير للحكمة من الكون الكلّي للإنسان نفسه»[3].

يمكن القول أنّ الفلسفة مثّلت لحظة القطيعة الأوّلى مع التقليدية بالمفهوم الغينوني، تلك التقليدية التي تشتمل على الحكمة السرمدية وتكتنزها. إنّ الانحراف الذي يتجلّى هنا هو إبدال ما هو فوق-دنيويٌّ (مقدّسٌ) متجاوِزٌ للزمان والمكان بما هو دنيويٌّ مقيَّدٌ بالزمان والمكان، وبالتالي إحلال الحقيقة الزمانية التاريخية بديلًا للحقيقة اللازمانية اللاتاريخية، وبالتالي الإعلاء من الإنساني وتصعيده، في مقابل تنكيس وتقويض المافوق-إنسانيّ (الإلهيّ) واختزاله إلى حدّ التلاشي، لأنّ

(118)

الفلسفة التي كانت مع «فيتاغورث» تعني محبة الحكمة، أي التي هي طريقةٌ ومنهجٌ في التفكير يساعد على بلوغ الحكمة، وليست هي الحقّ في ذاته، قد انحرفت لتصبح الفلسفةُ هي الحكمةَ في حد ذاتها.

وقد بلغ تعظيم الفلسفة حدَّ أن أصبحت مع «بوئتيوس» في كتابه «عزاء الفلسفة»[1] المسلك الذي يَهديه إلى الخير الأسمى، وينقذه من الظلام الذي يلفّ العالم السفلي، بحيث تُجيبه عن كلّ أسئلته حيث يقول في نوعٍ من الرمزية: «تبددت غيوم حزني وابتهجت بالضياء. والتفتّ أتملّى وجه طبيبتي وقد عاد إليّ صوابي. وثبّتّ عينيّ عليها، فعرفت فيها مربّيتي التي نشأت في بيتها منذ شبابي -الفلسفة- وسألتها: «لماذا هبطتِّ من عليائك إلى منفاي الموحش. ألكي يتهمونك ظلمًا مثلما اتهموني؟». ردّت السيدة -الفلسفة-: «كيف أتخلى عنك يا ولدي؟... وهل هذه هي المرّة الأوّلى التي تتعرّض فيها الحكمة للخطر وتتهدّدها قوى الشرّ؟... في حياة أفلاطون انتصر أستاذه سقراط على الموت الظالم بوقوفي إلى جانبه»»[2]، هذا الحوار الذي يكشف من خلاله «بوئتيوس» كيف أنّ الفلسفة هي السلاح لمقاومة الشرّ والظلام، وكأنّ الفلسفة عنده معراجٌ للترقي الروحي.

 كما أحيطت الفلسفة والفلاسفة في العصر اليوناني بهالةٍ من القداسة، جعلت «أفلاطون» في جمهوريته اليوتوبية يضع الفلاسفة على هرم السلطة، ليكونوا هم الطبقة الحاكمة، إذ بقيت الفلسفة تعلو عبر التاريخ، ويعتدّ بها وبقياساتها المنطقية، حيث أصبح كلّ شيءٍ تحت النظر والمحاكمة الفلسفية، لتمارس دور القاضي على كل المعارف سواءً التي تنتمي للعلم المقدّس أو العلم الدنيوي، حيث جعلت الفلسفة كلَّ معرفةٍ قابلةً للنقاش بما فيها المسائل الإيمانية والعقائدية.

هذا يعني أنّ اليونان تمثّل أرض ميلاد الفلسفة كمنتوجٍ عقلانيٍّ بشريٍّ، حيث نالت الفلسفة

(119)

حظوةً كبيرةً لدى الإغريق، واعتُبرت بمثابة المنقذ من أسمال الأساطير التي قوّضت العقل اليوناني، حيث تمركزت الفلسفة اليونانية على مقولة العقلانية (اللوغوس) في مقابل (الميتوس)، فكانت المهد الأوّل لهذه النزعة. منحت تجربةُ التفلسف السقراطي الفلسفةَ تلك القدرة الاقتحامية للمعيش اليومي للإنسان الإغريقي واخترقته، وامتدت الأنا المفكرة السقراطية في عمق المجتمع الأثيني لتهدم أركانه، وبموت سقراط يعلن انتصار الفلسفة، على أنها ليست بقايا أحلامٍ متشظّيةٍ هاربةٍ من اليومي إلى أبراجها العاجية، مستغرقةٍ في خيالاتها الأسطورية، مستنفذةٍ طاقاتها في اللاّشيء من أجل لا شيءٍ.

كانت الفلسفة ولا زالت مزعجةً، لا لشيءٍ سوى لأنّها تحشر أنفها في كلّ شيءٍ، تحفر تحت الأرض وتنبش سجلات الماضي، وتخترق الزمن وتسافر في التاريخ تستنطقه، وتعرج إلى المستقبل وتعيد الحياة للأموات لتوقظ المشكلات النائمة، وتستفزّ العقول لتبدأ لحظة التفكير حتى أصبحت مشوبةً بالزهو والكبرياء الأرستقراطي، عندما أعلنت أنّها «الحكمة ذاتها» وحلت كمعرفةٍ دنيويةٍ نسبيةٍ محل المعرفة المقدسة المطلقة، ولم يعد التمايز، بين العقل الأرضي المفكّر عن العقل العلوي المستبصر، سهلًا، لأنّ «الفلسفة المحض دنيوية عُظّم دورها، فظهور الشكية من جهة، ونجاح الأخلاقوية الرواقية والأبيقورية من جهة أخرى، بيّنا ما يكفي من انحطاط النزعة الفكرية»[1].

إذًا، فانحراف الحضارة الغربية، عند «غينون»، ليس حديثًا، بل تمتدّ جذوره في أعماق العصر اليوناني، أي في القرن السادس قبل بداية التأريخ المسيحي. ففي التصور الغينوني، بدأ التراث التقليدي يُفقد في العصر الكلاسيكي قبل الحديث، ففيه «انتكست العقائد المقدّسة القديمة التي لم يعد أحد يفهمها، بفعل عدم الفهم ذلك، انتكست إلى الوثنية بالمعنى الحقيقي للكلمة، أي أنها لم تعد سوى خرافاتٍ وأشياءَ فقدت دلالتها العميقة»[2]، وتعتبر «الإلياذة والأوديسة» للشاعر اليوناني «هوميروس» تمثيلًا لتلك الوثنية التي انقلبت إليها العقائد التقليدية، حيث تتقاطع الآلهة مع البشر، فتعطى للبشر بعض الصفات الإلهية، وتعطى للآلهة بعض الصفات البشرية، فيختلط

(120)

المدنّس بالمقدّس. لقد أسقط هوميروس الصفات البشرية على الآلهة، فهم ينفعلون ويغضبون ويتشاجرون، ويرتكبون الفواحش، وينهزمون وينتقمون ويكيدون المكائد لبعضهم البعض كما حصل في حرب طروادة، معركة الآلهة مع البشر، «وخوفًا على انهزام جيش طروادة استنجدت الآلهة فينوس بإله الحرب «مارس» الذي كان يتلمّس منها كلمةً تشفي قلبه الخفق، وتداوي هواه الثائر، وأعصابه التي مزّقها الحب، حيث انطلقت إليه تغريه بكل ابتسامةٍ تليّن الحديد، وكلّ نظرةٍ ساجيةٍ تفجّر الماء من الصخر، أن يقوم من فوره فينفخ من روحه في قلوب الطرواديين، ويؤيّد بنصره صفوفهم»[1]، هذا التصوير للآلهة، يكشف عن الانحطاط الذي حصل في العصور الكلاسيكية، والذي جعل الإغريق يثقون في قدرة العقل أكثر من قدرة القوى الغيبية.

إذًا، فالفلسفة التي ولدت من رحم الحضارة الغربية وترعرعت فيها، بالنسبة لـ «غينون» قد ساهمت في تحريف «التراث والتقليد» وفي «تنكيس الروحانية»، والذي أدّى بدوره إلى انحراف الحضارة الغربية، لأنّ «غينون»  يقرّ بالتعارض بين التقليد (التراث) والفلسفة، إذ، في تصوره- توجد فلسفةٌ واحدةٌ دنيويةٌ بدأت مع اليونان واستمرت حتى العصر الحديث والمعاصر، فعلى الرغم من تغيّر الموضوعات، وتعدد المناهج الفلسفية على كثرتها عبر التاريخ، إلاّ أنّ الفلسفة لم تخرج عّما هو دنيويٌّ محضٌ، ففي كلّ تجلياتها تعقلن الوجود ماديًّا كان أو مجرّدًا.

لذلك يرفض «غينون» وجود ما يسمى «بالفلسفة التقليدية» التي ترادف ما نسميه «بالفلسفة الكلاسيكية أو القديمة»، مشكّلةً نسقًا فلسفيًّا في الزمن الماضي، والتي تشير إلى «الفلسفة اليونانية» كمرحلةٍ تجاوزتها الفلسفة الحديثة والمعاصرة. لكن «غينون» ينفي صفة التقليدية عن الفلسفة، لأنّ «التقليد هي معرفةٌ فوق-بشريةٌ» مصدرها الوحي الإلهي وتشكّل في مجملها ما يسمى بالتراث، أما الفلسفة فهي معرفةٌ بشريةٌ مصدرها الإنسان المقيّد باعتبارها جملة آراء ومواقفَ شخصيةٍ حول الوجود والكون والإنسان، إذ يمكن اختزال الفلسفة في كونها رؤيةً ذاتيةً للعالم تتقيّد بالزمان والمكان.

(121)

لذلك يميّز «غينون» بين الفلسفة والتقليد (التراث)، كون الأوّلى تنتمي إلى العلم الدنيوي، النسبي والمحدود، أما الثاني -التقليد- فمجاله العلم المقدّس المطلق واللانهائي كعلمٍ متجاوزٍ مفارقٍ ومتعالٍ، يحتاج لقوةٍ فوق العقل وهي «البصيرة» التي يمكن أن تنفذ إليه وتستبطنه ولا يمتلكها إلاّ الّصفوة، في حين أنّ الفلسفة تتمركز على العقل ولا تتجاوزه. من هنا يعتقد «غينون»  أنّ الحضارة الغربية الحديثة لا تميّز بين ما هو بشريٌّ وما هو فوق-بشريٌّ، حينما تساوي بين نسقٍ عقلانيٍّ وآخرَ لاعقلانيٍّ، أي بين الفلسفة والتقليد.

لذلك كانت مفاهيمُ التقليد والتراث مفاهيمَ سجاليةً، ولا زالت كذلك، ضجّت بها الفلسفة عند الغرب والشرق، وكثيرًا ما كان فهمها منحرفًا، إذ يعتبر التراث والتقليد في الحضارتين مخزونًا ماضَويًّا ينبغي تجاوزه، للدخول إلى عصر الحداثة، الذي نُظر إليه على أنّه عصر القطيعة مع التقليد والتراث، باعتبارهما معوّقًا يسدّ الطريق إلى النهضة، ويزجّ بالبشرية في الظلامية. فأخذت كلمة «التقليد» من النعوت السلبية ما يكفي لانهيارها، فهي في نظرهم ضدّ التحديث الذي انبثق بالثورة على «التقليد» دون فهم معنى التقليد الحقيقي، إذ بدا لهم أنّ كل ما ينتمي إلى الماضي هو تقليدٌ تجاوزه الزمن وفقد صلاحيته والقدرة على الديمومة في الزمن.

هذا ما جعل «غينون» يرفض تلك المقابلة بين «الفلسفة التقليدية» و«الفلسفة الحديثة» اللتيْن تظهران دائما متضادّتيْن، وكأنّ فلسفةً قد انتهت وفقدت شرعيتها هي التقليدية، وأخرى ولدت بعناصر الحاضر استجابةً للمقولة الهيغلية: «الفلسفة هي عصرها معبَّرًا عنه بالفكر»[1]، كما يؤكدها «غينون» من خلال سؤاله: «هل يمكن لأيّ تصوّرٍ فلسفيٍّ أن يكون له أدنى نجاحٍ إذا لم يكن مستجيبًا لبعض التوجهات السائدة في العصر الذي تم فيه التعبير عن ذلك التصور؟ ولا نريد بهذا القول أنّ الفلاسفة لا يلعبون دورهم، تمامًا مثل غيرهم، في الانحراف الحديث»[2].

فالفلسفة إذًا ليست وحيًا أو إلهامًا سماويًّا، إنّها تنبثق من العصر وترتبط بالزمان والمكان، ما

(122)

يسقط عنها صفة «التقليد»،  كما يقول «غينون»: «إنّ أيّ فلسفةٍ، وإن كانت في الحقيقة كل ما يمكن أن تكونه، ليس لها أيّ حقٍّ بهذه التسمية، لأنّها تقع كلّيًّا ضمن النسق العقلي... ولأنّها ليست سوى بناءٍ شيّده أفرادٌ من البشر دون وحيٍ ولا إلهامٍ من أيّ نوعٍ... لأنّها شيءٌ ما دنيويٌّ في جوهره»[1].

إذًا، فالعصر المظلم، عند «غينون»، الذي بدأ فيه تعتيم التقليد وتنكيس التراث هو العصر الكلاسيكي اليوناني، لأنّ اليونانيين عرفوا بمقاطعتهم لكل ما هو روحيٌّ وتبجيلهم لكل ما هو ماديٌّ، الذي طبع حياتهم كلها، ونجد ذلك واضحًا في اعتراف «ثيوكاريس تيسيديس» وهو يعدّد سمات التصور اليوناني القديم للعالم قائلًا: «تكمن إحدى الملامح المميزة للفلسفة والفن عند اليونانيين القدامى في توكيد الحياة، بصفتها الخير الأسمى، وحبهم للحياة، وتفاؤلهم القوي، كما هو معروفٌ، وهذه النظرة المختلفة بشكلٍ كاملٍ مع النظرة المسيحية للعالم، منبت الآلام والمليء بالمحن، كجزاءٍ للسعادة الموعودة في السماء»[2]، هذا اعترافٌ صريحٌ على القطيعة بين «الفلسفة اليونانية» و «الروحانية» التي تمثّلها العقيدة المسيحية حيث كانت «ثقافة اليونانيين الأقدمين، ونظرتهم إلى العالم، مطبوعتيْن بطابع تبجيلهم للجسد الإنساني والجمال المادي (الدنيوي)، وأنّ الثقافة المسمّاة بالمسيحية مطبوعةٌ بروحانيتها»[3]. لقد تصاعد تنكيس الروحانية حتى بلغ الانحراف الفلسفي أعتى درجاته عندما أخضعت البروتيستانتية، الدين المسيحي للمحاكمة العقلية غير المقيّدة، ما أدّى إلى كل تلك الهرطقات والبدع.

حتى إنّ «إدغار موران» يعيب على الفلسفة اليوم انطواءَها على نفسها، وسيرها إلى الجفاف والضمور، لأنها لم تعد تضطلع بوظيفة التأمل في العالم البشري، يقول: «إنّ التفكير القائم على العقلنة وعلى التكميم والحساب، والذي يُختزل في الاقتصاد لهو تفكيرٌ عاجزٌ عن فهم ما يعجز

(123)

عن فهمه الحساب، أعني الحياة والأحاسيس والروح وتلك مشكلاتنا البشرية»[1] لأنها تحالفت مع الوضعية العلموية والأخلاقوية البراغماتية، وأصبحت تنزع نحو العمل، وأصبحت تهتم أكثر بمجال العلوم الدنيوية، دون الاهتمام بعالم الروحانيات، لأنها دائمًا تكون عصرها معبَّرًا عنه بالفكر، وهذا العصر هو عصر هيمنة المادة على الروح، والعمل على التأمل.

يقول «غينون»: «أما بالنسبة للعلوم التقليدية في العصر الوسيط التي استمرت بعض مظاهرها المتأخرة في هذا العصر، فلم تلبث أن اختفت تمامًا، وهذه المرّة لم يأت شيءٌ ليحلّ محلّها، ومن هنا فصاعدًا لم يعد موجودًا غير الفلسفة والعلم الدنيويين أي إنكار الفكر الحقيقي، وحصر المعرفة في المستوى الأسفل»[2]، حيث أصبحت الفلسفة والعلم يسيطران على حضارة الغرب الحديث، الفلسفة من الناحية النظرية والعلم من الناحية العملية.

ثالثًا: ثورة الإصلاح الديني من الإيمان بالمبادئ إلى الإيمان بالآراء:

لقد اكتسحت الفوضى حضارة الغرب، بعد أن تمّ التضحية في العصر الوسيط بالحقوق الفردية (حق الفرد) والاجتماعيّة (حق الناس) انتصارًا لحق الله في أن يُعبد ولو بحدّ السيف كما تجسّد في الحروب الصليبية التي اندلعت باسم الربّ لاستعادة قبر المسيح. أمّا العصر الحديث فقد كان عصرًا انقلابيًّا راديكاليًّا على الله فاغتصب حقه في أن يُعبد، انتصارًا لحق الإنسان الفرد في أن يعيش حرًّا بلا إملاءاتٍ لاهوتيةٍ ولا وسائطَ كهنوتيةٍ، فحلّ الإنسان محلّ الإله. كلّ شيءٍ قابلٌ للانتهاك وللاختراق إلاّ شيئًا واحدًا لا يمكن أن يُنتهك، هو «الإنسان» الذي أصبح المقدّس المعبود، ما يوحي بامتداد الديكارتية كمفتتحٍ لعصر الحداثة، عصر الكوجيطو الذي جذّر مركزية الذات، والتي لم تنزح على الرغم من كلّ عمليات الهدم التي طالت هذه المقولة من داخل الحضارة الغربية ومن خارجها، فهي لا زالت صامدةً تقاوم.

(124)

إنّ من أهم أهداف الإصلاح الديني البروتيستانتي إعادة العقل إلى مركزه، بعد أن أبعدته السلطة الكنسية، وبذلك يكون الإصلاح، في حدّ ذاته، انحرافًا، لأنّ المعادلة قد تغيّرت، فبعد أن كان الايمان يهيمن على العقل، أصبح العقل يهيمن على الإيمان، الذي تحوّل بعد ثورة الإصلاح الديني، إلى مجرّد «آراء» بعدد الأفراد، ليصبح الدين تحت سطوة الفردانية. لقد انتهت البروتيستانتية إلى دينٍ مشوّهٍ، لأنها جعلت فهم الدين متاحًا للجميع، وفق مبدأ «المساواتية»، دون أن تدرك أنّ للدين ظاهرًا يفهمه العامة، وباطنًا تختص به الصّفوة، ويحتاج لنوعٍ من التربية الروحية للولوج إليه. وهذا الإنزال للمسيحية إلى المستوى الأسفل، وتحويلها إلى آراء يفسره «غينون»  بتلك الرغبة في «تطبيق مبدأ التبسيط على كل ما يتعلّق بالمجال الروحاني ذاته، وذلك بتوسيعه ليشمل على السواء المفاهيم الدينية والمفاهيم الفلسفية والعلمية. والمثال الأبرز نموذجيةً هنا هو المذهب البروتيستانتي، حيث يتمثّل هذا التبسيط بإلغاءٍ شبهِ تامٍّ للشعائر يصحبه تغليبٌ للآداب العامة على العقيدة. وحتى العقيدة مع مستلزماتها وقع تبسيطها أكثر فأكثر، إلى أن آلت إلى لا شيء تقريبا، أي إلى عباراتٍ بدائيةٍ يمكن لأي أحدٍ أن يفهمها. والمذهب البروتيستانتي هو المنتج الديني الوحيد المتولد عن العقلية الحديثة»[1].

إنّ الرؤية التبسيطية للدين، أنزلته إلى مستوى العوامّ، تتأوّله بشكلٍ مبتذلٍ، باعتمادها على الظاهر دون الباطن، ما أفقد المسيحية عمقها الجوهري، الذي يُحتاج لفهمه إلى عقلٍ فوق-بشريٍّ، يتجاوز فهم العوامّ للدّين، حيث أصبحت «المسيحية» بعد الإصلاح الديني وبفعل تأثير البروتيستانتية، دينًا شعبويًّا جماهيريًّا، يتساوى في فهمه العالم والجاهل، الدهماء والصفوة، وهنا ضاعت الحقيقة العليا، وما هذا الانحراف، في نظر «غينون»، «إلاّ أحد مظاهر فكرة الديمقراطية التي تقتضي إرادة جعل العلم في متناول كل الناس، والحاجة ليست ملحّةً لملاحظة أنّ هؤلاء التجديديين أنفسهم، كتبعةٍ يلتزمها موقفهم، هم دومًا الأعداء الألداء المشهورون لكل منهاجٍ

(125)

يهتم بالباطن، وكما هو من المعلوم أن علم الباطن[1]  لا يتوجّه إلاّ للصفوة»[2]، أما البروتيستانتية فقد أعلت من «ظاهر الدين»، في مقابل انحسار «الباطن» وتقلّص الاهتمام به. وما ظهور البدع والهرطقات في المسيحية على كثرتها، إلاّ دليلٌ على انحراف البروتيستانتية، التي انطلقت من رغبةٍ في الإصلاح الديني، لتنتهي إلى انحرافٍ دينيٍّ أجدبَ ومنكوسٍ، جعل المسيحية دينًا مبتذلًا، وموضوعًا لسخرية للمتهكّمين.

إذًا، الانحطاط الديني والعمل ضدّ التراث استمر بقوّةٍ وبعنفٍ أكثر مع ثورة الإصلاح الديني المزيّفة، لأنّ «»الإصلاح» حين أتى ليضاف إلى آثار «النهضة»، والتي ربما لم يكن له بها صلةٌ أصلًا، حينذاك اتخذت الميول الأساسية للفكر الغربي سمتها المؤكد، فالثورة الفرنسية كانت بمثابة رفضٍ كاملٍ لكل التراث، وتبعتها نتائجها في كافّة المجالات»[3].

كشف «غوستاف لو بون» في كتابه «روح الثورات والثورة الفرنسية»، «الخداع الذي مارسته الثورة الفرنسية عندما قطعت العلائق بالماضي المظلم المتوحّش من أجل مجتمعٍ جديدٍ قائمٍ على نور العقل المطلق. لكن السرّ في أنّ رُسُل الثورة الفرنسية وقفوا أشدّاء غاضبين في وجه العوائق اليومية المانعة من تحقيق أحلامهم، اضطرّوا إلى التوقّف عن سيرهم غير مريدين للخضوع، فأخذوا يُكرهون الناس على الانقياد لأوامرهم بضغطٍ أعادوا به -في النهاية- النظام السابق المقضي عليه»[4]. كما أكّد «غوستاف لو بون» أنّ على الإصلاح الديني لم ينتشر بالخطب والبراهين العقلية، بل عن طريق الاضطهاد والقتل وأبشع أنواع التعذيب، فالوصاية البابوية ألقيت على

(126)

رقاب الناس، لا بالإقناع والحوار العقلي، بل بحدّ السيف، إذ ذكر «غوستاف لو بون»: «ما كان يقوم به أحد الكهنة السفاحين، الذي بلغ حبه سفك الدماء واقتراف المظالم مبلغًا أدى إلى نصبه المقصلة قريبةً من نوافذ بيته، ليتمتع هو وزوجته وأعوانه بمنظر الذّبح، وقد أقام على قائمة المقصلة مقصفًا ليشرب منه الثّائرون، وانحصر دفاع ذلك الكاهن في قوله: «لم أفعل ما فعلته إلاّ لتنفيذ ما أمرت به»»[1].

فبعد «صكوك الغفران»[2] السخيفة، تنتقل المسيحية إلى عهدٍ أكثر انحرافًا، هو عصر الهرطقات التي ضجّت بها المسيحية بعد انتصار البروتيستانتية واجتياحها. لذلك كانت القطيعة النهائية مع الفكر التقليدي مع بداية العصر الحديث، «مع انحلال المسيحية، التي تماهت معها الحضارة الغربية في العصر الوسيط، وفيه أيضا كانت نهاية النظام الإقطاعي الذي كان متضامنًا مع هذه «المسيحية» نفسها»[3]. فالعصر الحديث، عند «غينون»، يمثّل العصر المظلم، لا كما يعتقد الغربيون، أو ما يحب أن يسميه الفلاسفة «عصر الأنوار» أو عصر النهضة في مقابل العصور الظلامية، بحيث يصورونه العصر الذي تحرر فيه العقل من ربقة التقاليد باعتبارها خرافاتٍ موروثةً عن العصور الماقبل-حداثوية؛ هو في الحقيقة «عصر الظلام» أو ما يسميه «غينون»  بأعتى درجات « الكالي-يوغا».  

وبذلك فإنّ العصر الحديث يمثّل، عند «غينون»، مرحلةً من مراحل «التعتيم للروحانية»،

(127)

والذي يسمى «بالإصلاح الديني»، وما هو في الحقيقة إلاّ «الانحراف الدّيني» في أعتى صوره. لينتهي «غينون» إلى اعتبار أنّ الفكر الحديث ليس بالنتيجة سوى فكرٍ معادٍ للتقليد من خلال الفهم السيّئ لمدلول «التقليد» الذي أصبح يتقابل بالنقيض مع «الحداثة»، تقابل «الظلام» و«النور». لقد قام عصر الحداثة بثورةٍ كاسحةٍ على كل ما هو تقليديٌّ بدون استثناءٍ، وكأنّ هذا التقليد ترسانةٌ نفدت ذخيرتها ولم تعد صالحةً لاستيعاب قيم العصر الحديث الذي أصبح يصف كل ما قبله من عصورٍ بالظلامية.

(128)

 

 

 

 

 

 

المبحث الثاني

فوضى التشتّت وفقدان المبادئ

 

 

أولًا: الوعي بالأزمة وجدل النهاية

ثانيًا: هيمنة الكم على الكيف والعمل ضدّ التراث الروحي

 

(129)
(130)

أولًا: الوعي بالأزمة وجدل النهاية :

تتصاعد الخطابات الفلسفية المعاصرة والراهنة وهي تصدح مدوّيةً بمقولة «نهاية العالم»، التي حفلت بها ما بعد الحداثة الفلسفية، لتصبح هاجسًا وفوبيَا فلسفيةً، جعلت بعض الغربيين، على الرغم من غرورهم وكبريائهم الحضاري المزعوم، يعترفون بالحقيقة التي، مهما حُجبت، ستنبجس في النهاية وتخرج من عتمة الظلام إلى النور، كما قال: «ليس المهم هو الندم وإنما الاعتراف، كما يجب أن تتوسّط هذا الاعتراف المعرفة والوعي، من اللاّزم أن نعرف ما حدث بالفعل، وأن نمتلك الوعي بتعقيد هذه المأساة الضخمة، وأن يشمل ويهم هذا الاعتراف جميع الضحايا... وهو أمرٌ ضروريٌّ إذا أردنا تجاوز البربرية الأوربية»[1]، وما هذا الاعتراف إلاّ بدايةٌ لطريقٍ شاقٍّ لإنقاذ حضارة الغرب من الغرق والانهيار، يقول «بوكانن»: «إنّ الصراع الحقيقي للحضارات لن يكون مستقبلًا بين الغرب وبين واحدٍ أو أكثر من البقية، سيكون بين الغرب وما بعد-الغرب داخل الغرب نفسه»[2].

لذلك يتفاءل «غينون» بعودة الحضارة الغربية إلى المسار السويّ بعدما أدرك الغرب يقينًا وجود خطرٍ حقيقيٍّ، بعد ممارسة جدل الذات مع ذاتها عبر مونولوغٍ حضاريٍّ (حوار الذات الحضارية مع ذاتها)، إذ يقول «غينون» موضّحًا ذلك: «والمخاوف الوهمية أو السخيفة التي يبدونها أحيانا تثبت بشكلٍ كافٍ الإصرار على كثيرٍ من الأخطاء في عقليتهم. وحسنًا أنهم أدركوا أخيرًا وجود خطرٍ ما وإن شعروا به من دون أن يفهموه حقيقةٍ، وأنهم فهموا أنّ هذه الحضارة التي يتبجّح بها المحدَثون، لا تحتل مكانةً متميّزةً في تاريخ العالم، وأنه من الممكن أن تلقى المصير نفسه الذي لقيته حضاراتٌ أخرى اختفت عبر أزمنةٍ تتفاوت في قدمها»[3].  

 ينتقد «غينون» الفهم الخاطئ وشيوع فكرة نهاية العالم، بالتعميم دون استثناءٍ، فـ «غينون» يقرّ

(131)

بوجود نهايةٍ للعالم لكن لا في شكله الكلياني، بل توجد نهايةٌ مرتقبةٌ ووشيكةُ الوقوع لجزءٍ من هذا العالم وهي «نهاية الحضارة الغربية»، وبهذا يصحح «غينون» السردية الكبرى التي غزت الخطابات الفلسفية الراهنة، التي تصرّح بأننا ولجنا عصر المابعديات بشكلٍ لا مراء فيه، وأصبح الحديث عن النهايات يتنزّل بشكلٍ مكثّفٍ، بعد تفكك النسق الحداثي بكلّ حمولته المثقلة بالعقلانية اليوتوبية، بعدما آل إنسان الحداثة إلى كائنٍ مجوَّفٍ منبوذٍ في الفراغ العدمي، عارٍ من كلّ القيم، لتغدوَ كلّ القيم متكسّرةً متشظّيةً، بعدما جففت إنسان الحداثة من كل منابعه الروحانية. أصبح الجدل حول النهاية، هل هي نهاية حضارةٍ أم نهاية العالم؟ هل الحضارة الغربية الحديثة هي خاتم البشر وهي الفردوس الأرضي، التي بموتها ينتهي العالم؟ يجيب «غينون» بقوله: «هذه النهاية ليست «نهاية العالم» بلا شكٍّ... ولكنها، على الأقل، نهاية عالمٍ ما. وإذا كان هذا الذي ينبغي أن ينتهي هو الحضارة الغربية بشكلها الراهن... وعلى اعتبارها «الحضارة» من دون أي نعتٍ، يعتقدون بسهولةٍ أنّ كل شيءٍ سينتهي بانتهائها، وأنها إذا زالت ستكون فعلًا  «نهاية العالم»[1].

يعتقد «غينون» أنّ نهاية الحضارة الغربية، هي نهايةٌ لدورةٍ زمنيةٍ بشريةٍ. وفرضية سقوط الحضارة الغربية إذا ما تحققت، لا يعني أنّ الحضارة الغربية سينتهي حضورها المكاني والزماني، بل ستنتهي زمانيًّا، لتدخل في دورةٍ جديدةٍ، فعند «غينون»، «الزمن كالعجلة التي تدور، ولا يمكن تمثيله هندسيًّا بالخط المستقيم»[2]. وهنا ينكر «غينون» التصور القائل بالانهيار والفناء الكلي للحضارة الغربية، على غرار ما تصوّره «أوزفالد شبنغلر» في كتابه «تدهور الحضارة الغربية».

فالتصور الغينوني يتوافق مع الدورة الخلدونية التي تمرّ بها الحضارة (الميلاد – النضوج - الانحطاط)، فما يحدث لهذه الحضارة هو انحرافٌ، وهو ليس مطلقًا، إذ يمكن تلافيه وإصلاحه، وعلاجه، وإعادة الحضارة الغربية للمسار السويّ، «لأنّ الخطأ في المجمل ليس سوى نمطٍ من الوجود السلبي المحض. فالخطأ المطلق لا يمكن أن يكون موجودًا في أيّ مكانٍ، وهو ليس سوى كلمةٍ فارغةٍ من المعنى»[3]. هذا ما يجعل «غينون» يختلف في رؤيته إلى الحضارة الغربية، فهو يرى أنّها أخطأت، وهي تدفع ثمن ذلك باهضًا، وكان خطؤها فادحًا ثقيلًا، لأنها خنقت الروح، لكنها

(132)

تستطيع إعادتها وبعثها من جديدٍ، فالأمل لا زال قائمًا. ويمكن القول أن هذه الرؤية الغينونية متأثرةٌ بالرؤية الإسلامية لمعنى «الخطأ» وعلاقته» بالتوبة».

لذلك يقول «غينون»: «نقترب فعلًا من نهاية عالمٍ ما، أي نهاية عصرٍ أو دورةٍ تاريخيةٍ ما، يمكن أن تتناسب في هذه الحالة مع دورةٍ كونيةٍ بحسب ما علّمتنا إياه كلّ العقائد التقليدية»[1]، ففي التصور الغينوني، نهاية الحضارة الغربية لا يعني نهاية العالم، لأنّها ليست الشكل النهائي للحضارة الإنسانية، ولا تمثّل «نهاية التاريخ» المنتصر للديمقراطية الليبيرالية التي تشكّل عند «فوكوياما» «نقطة النهاية في التطوّر الإيديولوجي للإنسانية»، و «الصورة النهائية لنظام الحكم البشري» وبالتالي فهي تمثّل «نهاية التاريخ»... فإنّ الديمقراطية الليبيرالية قد يمكن القول أنّها خاليةٌ من التناقضات الأساسية الداخلية. من غير المستطاع أن نجد ما هو أفضل من الديمقراطية الليبيرالية مثلًا أعلى»[2]. هذه النهاية يعتبرها» فوكوياما» نهايةً إيجابيةً، وتحقيقًا لأسطورة السعادة التي جاء بها التقدّم، بعد أن تفوّق الإنسان على الإنسان.

 إنّ الحضارة الغربية الحديثة ليست الأنموذج القدسي المتعالي الذي لا يصيبه الفساد، إنّها لا تتجاوز كونها جزءًا من مجموع العالم والكون، وإذا ما أفل هذا الجزء، لن يسحب معه الكل بشكلٍ حتميٍّ كما يعتقد الغربيون، فالمصير ليس مشتركًا عند «غينون»، فالكل لا يتأثر إلاّ بشكلٍ نسبيٍّ وبدرجاتٍ متفاوتةٍ سلبًا أو إيجابًا.

 إنّ «غينون» يهدم أسطورة «الحضارة الغربية النقيّة الطّهرانية» غير المثقلة بأوزار المرجعيات التاريخية الحقودة والملوّثة بإثم الإيديولوجيات الإقصائية للآخر الحضاري واستبعاده من الفعل الحضاري الخلاّق، وكأنّ الحضارة تبدأ عند الغربيين وتنتهي عندهم. إنّ انهيار وتأزّم وضعٍ حضاريٍّ ما، حسب «غينون»، لا ينتج عنه بالضرورة نهاية للعالم مهما كانت قوّة الجذب التي تمتص بها تلك الحضارة الآخر الحضاري لتذيبه في كيانها، فتلاشيها لا يعني نهاية الآخر الحضاري. فلقد انهارت فعلًا حضاراتٌ عريقةٌ، كالحضارة الإسلامية، التي كانت في ما مضى قوة جذبٍ للغرب، دون أن ينتهي معها

(133)

العالم، على الرغم من حضورها المكثّف والخصب في علاقتها بالغرب، وقد أكّد الكثير من المستشرقين امتداد هذه الحضارة وسطوعها، ومن أكثر المؤلفات الموسومة بالتحليل الموضوعي كتاب «زيغريد هونكة» المستشرقة الألمانية، التي أشادت بمآثر حضارة العرب المسلمين في كتابها «شمس العرب تسطع على الغرب» كشهادةٍ حيّةٍ استقتها من خبرتها المباشرة مع العرب والمسلمين حيث تقول عن كتابها أنه «يفي ديْنًا اُستُحقّ منذ زمنٍ بعيدٍ»[1] وتعتبر «بساط الحضارة بساطًا نسجته وتنسجه أيدٍ كثيرةٌ، وكلها تهبه طاقتها، وكلها تستحق الثناء والتقدير»[2]، فكان كتابها حقّا فسيفساء حيةً حول حضارة العرب. لكن عندما انهارت وأفلت، لم ينتهِ معها العالم، لأنها تمثّل جزءًا من العالم، لا العالم كلّه. ففي اعتقاد «غينون» لا توجد دورةٌ كونيةٌ تسير باتجاهٍ واحدٍ، هو اتجاه التقدم الصاعد.

إنّ الفيلسوف الهدّام «غينون» يأتي هذه المرة على مفهومٍ استُفتح به عصر المابعديات، إنه «مفهوم النهاية» وبدقةٍ أكثر «نهاية العالم»، فالتصورات الفلسفية التي استبطنت مفهوم النهاية، كانت دائمًا تربطه بالعالم الأرضي، وكأنه بانتهاء هذا العالم ينتهي كل شيءٍ، في حين أنّ هذه النهاية، هي نهاية جزءٍ من العالم، أما الجزء الآخر فيخرج من مجال النهاية، لأنّه موسومٌ بالبقاء الأبدي، وهذا العالم نسميه «بالعالم الآخر»، الذي ننتقل إليه بعد الموت.

 إنّ مفهوم النهاية ملتبسٌ دلاليًّا، فأيّ عالمٍ سينتهي؟ وأيّ نهايةٍ هي النهاية المقصودة في عصر النهايات؟ هل هي النهاية بشكلٍ نهائيٍّ أم هي نهايةٌ لعالمٍ وبدايةٌ لعالمٍ آخرَ؟ فجدلية النهاية هي في الحقيقة جدلية الفناء/ البقاء، وإذا أردنا أن نعرف أكثر لا بدّ أن نسأل: «أيّ العوالم باقٍ وأيّها فانٍ؟ هنا يعيدنا الجدل الأفلاطوني إلى ثنائية عالم المثل مقابل العالم الحسي، لكن لا يتمارى اثنان في أنّ الجميع متفقٌ على أنّ هناك عالمًا سيفنى في يومٍ ما، والكل صائرون إلى الفناء، لكن العالم الآخر الباقي لا يسلّم بوجوده إلاّ المؤمنون من مختلف الديانات، «فنحن قد دخلنا فعلًا في المرحلة الأخيرة لـ «الكالي-يوغا»، في المرحلة الأكثر ظلمةً لهذا العصر المظلم في هذه المرحلة من الانحلال التي لم يعد الخروج منها ممكنًا إلاّ بكارثةٍ، الفوضى والغموض

(134)

يهيمنان على المجالات كافّةً... وأصبحا يهدّدان الآن، انطلاقًا من الغرب، العالم بأسره»[1].

إذًا، «فالنهاية» عند «غينون»  تختلف عن «النهاية» المقصودة في عصر ما بعد الحداثة، والتي تعني نهاية الحداثة، ونهاية المطلق، ونهاية الفنّ، ونهاية الانسان، ونهاية الأخلاق، ونهاية الإيديولوجيا، ونهاية التاريخ، ونهاية القومية، ونهاية الدولة،... إلخ، من النهايات التي حفل بها عصر ما بعد الحداثة. أما النهاية بالمفهوم الغينوني، فتعني «نهاية دورةٍ زمنيةٍ ما، كدورة البشرية الراهنة»[2]. فالزمان هو المنتهي عند «غينون» بالمعنى الكيفي، أي إنّ مرحلةً ستنتهي، لتتلوها مرحلةٌ زمنيةٌ أخرى، وهذا ما يُسمّى عند «ابن خلدون» بـ «التعاقب الدوري»، الذي يشبّهه «غينون» بـ «عجلة الدوران».

 

ثانيًا: هيمنة الكم على الكيف والعمل ضدّ التراث الروحي:

1 - هيمنة الفردانية (النزعة الإنسانوية)

* تعريف الفردانية: يعرّف «غينون» الفردانية بقوله: «إنّ ما نعنيه بكلمة «فردانية» (individualisme) هو الإنكار لأيّ مبدأٍ أعلى من الفردية (individualité)، ما يؤدّي بالتالي إلى اختزال الحضارة، في مجالاتها كلّها، بالعناصر الإنسانية المحض، إنها تعني، إذًا، في جوهرها الشيء نفسه الذي كانت تعنيه، في عصر النهضة كلمة «إنسانوية» (humanisme)»[3].

فـ «غينون» يعتبر الفردانية متماهيةً مع الإنسانوية مدلولًا ومقصدًا، فكلٌّ منهما تحلّ الإنسان مركزًا للوجود بدلًا من الله، حيث ينزاح ويقصى إلى هامش الوجود، ليعود إحياء مقولة «بروتاغوراس»: «الإنسان مقياس كلّ شيءٍ»[4]، باعتباره مفتتحًا للنزعة الإنسانوية في العصر اليوناني، وما العصر الحديث إلاّ امتدادٌ ووفاءٌ لتلك النزعة، التي تراجعت وانحسرت في العصر القروسطي تحت هيمنة سلطة الإكليروس حرّاس الإيمان ومنقذي الأرواح من الخطيئة. لقد

(135)

تعصّبت الإنسانوية للإنسان، ولأجله دفعت ضريبةً فادحةَ الثمن، تمثّلت في أرواحٍ إنسانيةٍ روت دماؤُها الطبيعةَ المتعطشةَ. فالإنسانوية كنزعةٍ تجعل الإنسان هو المبتدأ والمنتهى، ولا وجود لإلهٍ يتوسّط البداية والنهاية. «لقد أظهرت سلطة الأفكار أنها أكثر تشدّدًا من التيوقراطية»[1].

يمكن أن نستبطن «الفردانية» بالعودة إلى العصر الكلاسيكي اليوناني، بشكلٍ صريحٍ مع السوفسطائيين على لسان «بروتاغوراس» الذي حوّل العلاقة بين الإنسان والطبيعة من انفعالٍ إلى فعلٍ، حيث يكون حضور الطبيعة سلبيًّا، لأنّها ستنصت و«تصغي للإنسان وتتصرّف كما يريد لأنه هو مقياس كلّ الأشياء»[2]، وكأنّ «بروتاغوراس» يسبق الحلم الديكارتي ويفتتحه في العصر الكلاسيكي قبل العصر الحديث، من خلال إقراره بإمكانية إحلال الإنسان مكان الطبيعة الموضوعية وسيطرته عليها، لتنتفي مع السوفسطائيين الحقيقة ونقيضها، ونصبح أمام «آراء» لا هي صادقةٌ ولا هي كاذبةٌ، أي خارج مجال الحكم المنطقي، فتصبح «المعرفة الموضوعية للعالم مستحيلةً»[3]، لأنّ تحوّل المعرفة إلى آراء ذاتيةٍ يجعلها تنزل إلى الأسفل بدلًا من أن ترتفع إلى أعلى، لنصبح أمام كثرةٍ لا تنتهي من الآراء، وهنا مكمن الفوضى الفكرية.

هكذا يعيد المذهب الإنساني «رفع الإنسان إلى أرفع المراتب ويضع مصلحته فوق كلّ شيءٍ آخر، وكان «مونتاني» هو لسان هذا المذهب بما آتاه الله من بيانٍ رائعٍ أخّاذٍ، وكان من خير ما أحدثه أنصار مذهب «الإنسانية» نموّ الفردية، أعني قوّة شعور الإنسان بشخصيته، واعتقاده أنه فردٌ ذو روحٍ حساسةٍ وعليه أن يفكّر بنفسه لنفسه»[4]، ما يشير إلى أنّ الفردانية ليست مقولةً حداثويةً تمخّضت عن عصر الأنوار، بل هي قديمةٌ قِدم الفلسفة ذاتها، إذ إنّ الفلسفة في حدّ ذاتها تمثيلٌ للفردانية في أعتى صورها، والتي بدأت مع اللحظة السقراطية حين أعلن «سقراط» مقولته «اعرف نفسك بنفسك»، «لقد كان سقراط يعلّم أبناء أثينا -بما في ذلك أفلاطون- أنّ الحكمة تبدأ بفهم الإنسان لنفسه»[5].

(136)

لقد كان سقراط يحثّ الناس على تكبّد عناء التفكير ومصارعة أهوال الجهل بأنفسهم، ليخرجوا من دياجيره المدلهمّة إلى ضياء الحقيقة، وتتحرّر ذواتهم من ربقة المعتقدات التي درجوا عليها، والتي لم تحصل لديهم بعون العقل ولا برضاه، بل ترسّبت في عقولهم الباطنة عبر آلية التلقين المبرمج، لذلك يبدأ التحوّل الدّاخلي عند «سقراط» عندما يصل الإنسان إلى الحقيقة بنفسه، لا عن طريق التعبئة والتلقين، حيث يقول «غوستاين غاردر» أنّ «سقراط أنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض، وجعلها تعيش في المدن، وتدخل البيوت، وترغم الناس على التفكير في الأعراف، وفي الخير والشر»[1]، لأنّ الفلاسفة الطبيعيين قبل «سقراط» لم يهتموا بالبحث في الإنسان، «كانوا قبل كل شيءٍ، رجال علمٍ، كانوا يهتمون بالتحليل الفيزيائي للعالم. ومن هذه الناحية نراهم يحتلون مكانًا هامًّا في تاريخ العلم. أما في أثينا فإنّ دراسة الطبيعة أزيحت، لتحلّ محلّها دراسة الإنسان، ومكانه في المجتمع»[2]. إذًا، فالفردية كمرادفٍ للإنسانوية، كان تنمو عبر التاريخ كالعجلة في حركة الدوران، صاعدةً حينًا وهابطةً حينًا آخرَ.

إنّ «الفردية» قد تعرضت للإقصاء في العصر الحديث باسم الموضوعية في المعرفة، وذلك من خلال فصل الذات عن الموضوع، ليكون الموضوع هو المحرّك الفاعل في الحكم، إذ يقول «إدغار موران»: «بعد طرد الذات من العلم، أخذت بثأرها داخل الأخلاق والميتافيزيقا والإيديولوجيا. إيديولوجيًّا، تشكّل الذات دعامةً للنزعة الإنسانية، إنها دين الإنسان الذي يُعتبر كذاتٍ سائدةٍ أو ينبغي أن تسود على عالمٍ من الموضوعات. أخلاقيًّا، هي المأوى الذي لا غنى عنه لكل أخلاقٍ. ميتافيزيقيًّا، هي الواقع النهائي أو الأوّل الذي يطرد الموضوع كشبحٍ شاحبٍ، أو بالأحرى كمرآةٍ رديئةٍ لبنياتِ فهمنا. لقد تم -ومن جميع الجهات- إضفاء الطابع المتعالي على الذات بشكلٍ يبعث على الفخر أو على الخزي»[3]. لكن الذّات لم تستكن، فافتتحت المعركة من جديدٍ مع الموضوع، لتتغلب عليه، وتعود من هامش الدائرة  إلى مركزها، وتنتقل من المتفرّج إلى اللاّعب الحقيقي وكأنّ الذات، حسب بتعبير «إدغار موران»، تثأر لنفسها.

 لقد انتهت الفردانية الإنسانوية، إذًا، إلى أن تجعل، كما يقول «غينون»، «الأدنى هو الذي يحكم

(137)

الأعلى، والإنساني هو الذي يحلّ محلّ الإلهي، والأرض هي التي تتغلب على السماء، والفرد هو الذي يصطنع مقياسًا لجميع الأشياء ويريد أن يملي على الكون قوانينَ مستمدةً بشكلٍ تامٍّ من عقله الخاص النسبي الخطّاء»[1]. إنّ الفردانية التي شكّلت الثابت الصميميّ للحضارة الغربية، عند «غينون»، انتهت بتراتبيةٍ منحرفةٍ غارقةٍ في الشذوذ تم فيها تبادل الأدوار بشكلٍ هابطٍ إلى أسفل، بدلًا من أن يصعد إلى أعلى، ما يؤكد أن الدورة الزمنية التي تمرّ بها الحضارة الغربية، توشك على التوقّف، لتعلن إما عن نهاية هذه الحضارة أو عن دورةٍ زمنيّةٍ جديدةٍ.

* الفردانية تزيح مملكة الله لصالح مملكة الإنسان (تصعيد العناصر السفلية وتنزيل الروحانية):

على الرغم من أنّ الكثير من المجتمعات تتعامل مع الظاهرة الدينية تعاملًا يشوبه توجّسٌ رهيبٌ، من منطلق أنّ الظاهرة الدينية تنتمي إلى عالم المقدّس الذي يفوق قدرات العقل الإنساني، والذي يتصف بالكمال والتسامي، ما جعل مسألة التناول العلمي للمقدّس تكاد تكون غائبةً في تلك المجتمعات التي لا زالت ترزح تحت نير الأصولية المتزمّتة التي تنظر لأي دراسة ٍعلميةٍ للظاهرة الدينية على أنّها محرّمةٌ ومجرّمةٌ، إذ لا يجوز الخوض في هذه التجربة، بل ينبغي ممارستها كما تم توارثها. الأمر الذي أدّى إلى تحوّل الدين إلى طقوسٍ وشعائرَ خاليةٍ من كل روحانيةٍ بعد تحرّره من طابعه التقليدي التراثي بالمفهوم الغينوني.

لكن المقدّس في الحضارة الغربية الحديثة، كموضوعٍ مفكّرٍ فيه من قبل الذات، لم يعد محاطًا بهالة التحريم، لقد تحولت ظاهرة المقدّس إلى حقل التداول الجدالي الفلسفي، لمعرفة  العلل والأسباب الموضوعية التي تكمن خلف مختلف الممارسات الدينية (طقوس، شعائر، رموز، صلوات، قرابين... إلخ)، حيث قدّمت فلسفةُ التاريخ وعلمُ الأديان دراساتٍ خصبةً وثريةً حول ظاهرة المقدّس، استجلاءً لطبيعته وحقيقته كمعتقدٍ، ومعرفة أشكال المقدّس المختلفة التي مارسها الإنسان عبر الأزمنة التاريخية ولا زال يمارسها، وكيف تطورت وتغيّرت عبر العصور، ومصدر تنوّعها بين الثقافات.

فبعد أن نزل الدين إلى مستوًى دنيويٍّ محضٍ تستشكله الذاتُ وتسأل عنه وتؤوّله وتعقلنه

(138)

كغيره من الظواهر الإنسانية والطبيعية، وتمخّضت عن تلك الأسئلة والتأويلات أعتى فوضى في المجال الدّيني كانت ثورة الإصلاح الديني تمثيلًا قويًّا لها، حيث استهدفت السلطة البابوية الممثّلة في الإكليروس، والتي انتهت بفصل السلطة الزمنية عن السلطة الروحية، فتهاوت قلعة الكهنة الذين كانوا يتقدّمون كأوصياء على الناس مفوّضين من الله، يوزّعون تذاكر الجنّة والنار، ولعلّ أعمق تعبيرٍ عن هذه الوصاية ما قاله «جون ديوي» من أنّ «احتكار رأس المال الروحي أكثر ضررًا من احتكار رأس المال المادي»[1]. لقد تمكنت ثورة الإصلاح الديني من إسقاط بدعة عصمة البابا، وخلّصت المسيحيين من وهم صكوك الغفران ومن احتكار الكاثوليكية للسلطة الروحية، ومنازعتها للسلطة الزمنية، وافتتحت البروتيستانتية المجال للاجتهاد العقلي.

إنّ البروتيستانتية، التي تعتبر تمثيلًا للفردانية، أحدثت انشقاقًا في المسيحية من الداخل وشطرتها إلى طائفتين: الكاثوليك والبروتيستانت (المحتجّين)، حتى غرقت المسيحية في البدع والهرطقات بشكلٍ مفزعٍ ورهيبٍ، تفنن من خلالها المسيحيون في تبادل الكراهية والحقد باسم الله. قضت البروتيستانتية على الروح التقليدية عندما أخضعت الديانة المسيحية للمخيال الفردي يتأوّلها ويستبطن مكنوناتها الخبيئة ممارسًا عليها ما يسمّى بـ «التفكير الحرّ»، لتصبح مفهومات الدّين محصّلة تأمّلاتٍ فرديةٍ خالصةٍ مقطوعةِ الصلة عن التقليد، حيث امتدت فوضى الإصلاح الدّيني لتكتسح حضارة الغرب الحديث حتّى أسقطت مملكة السماء وأعلن عن موت الإله لتحلّ مكانه أوثانٌ جديدةٌ، يحتل فيها «وثن الإنسان» الهَرَم حيث أصبح الإنسان هو المقدّس الذي يَعلو ولا يُعلى عليه وأصبحت لفظة «الإنسانوية» (humanisme) تغزو كلّ السياقات الفكرية والثقافية والدينية والسياسية، وتهيمن عليها... لقد حلل «ج. ويتلر» تاريخ البدع والفرق الدينية في المسيحية وكيف نشأت الهرطقات بعد ثورة الإصلاح الديني التي افتتحها «مارتن لوثر» وأتمّها «كالفن»، وكيف تعزّزت الانشقاقات والانحرافات بعد صعود الفردانية لتحتلّ هرم كل القيم الإنسانية، حيث قال «ويتلر»: «جزّأت الفردية الدينية إلى أبعد الحدود جمهور المؤمنين البروتيستانتيين وأدّت أحيانًا إلى ظهور التفسيرات الأشدّ غرابة لتعاليم المسيح»[2]. هكذا يسقط الدين في الأخير

(139)

في مستنقع الرأي وتنتزع منه مقولة اليقين التي تحفظ له البقاء وتؤمّنه من التحلّل، فيؤول الدين إلى آراء خارج مجال الصدق والكذب.

  وهكذا تحول الموقف من الدين من مستوى النقد إلى التحريف والتشويه ثم انتهى الى انتهاك قدسيته بالرفض الكلّي وجعله ظاهرةً من إفرازات المخيال البشري بحجّة حرية التفكير، فتحوّل الدّين بذلك إلى قناعاتٍ شخصيةٍ، وهذا ما نستشفّه، كما يقول «غينون»، «في الواقع باعتبار أنّ الدين هو، بدقّةٍ، شكلٌ خاصٌّ من التقليد، فإنّ العقل المعادي للتقليد لا يمكنه أن يكون إلاّ معاديًا للدين، يبدأ بتشويه الدّين، وعندما يتمكّن، ينتهي بإلغائه كليًّا»[1]، وقد حصل هذا فعلًا في العصر الحديث بحجّة الإصلاح الدّيني الذي افتتحه «مارتن لوثر كينغ»، والتي انتهت إلى إنكارٍ للدين، لتتحوّل البروتيستانتية إلى ليبيراليةٍ علمانيةٍ تفصل الدين عن الدولة، ثم ليبيراليةٍ لائكيةٍ، تعزل الدين عن الحياة، ليتحوّل الأمر في ما بعد إلى عملية إقصاءٍ للدّين من الحياة وإلغائه نهائيًّا بإعلان حربٍ شعواءَ عليه، مع الماركسية الشيوعية التي انتهت إلى اعتباره «أفيونًا للشعوب». إنّ ما يحصل اليوم «أسوأ بكثيرٍ من الهجمات ضدّ «الإكليروس»، إنما هو لامبالاة الكثيرين حيال قضايا الإيمان. وهي لامبالاةٌ منتشرةٌ بشكلٍ خاصٍّ في الأوساط الشعبية في كلّ البلدان... نحن نواجه عالمًا سقط مجدّدًا في جزءٍ كبيرٍ منه في الوثنية»[2].

هكذا تكبّد الدّين المسيحي ثلاث إهاناتٍ كبرى شكّلت في مجموعها طعنةً نجلاءَ، قصمت روحه التقليدية، إذ بدأت بالنقد لأجل الإصلاح، ثمّ تمادى النقد وأصبح أكثر جسارةً ووقاحةً، فتحوّل إلى تشويهٍ، ليرسوَ في نهاية رحلة المحاكمة العقلية إلى الإعلان عن «موت الإله»، وانتهى بتصعيد موجة الإلحاد في حضارة الغرب الحديث بعد تجذير مقولة «الإنسانوية» (humanisme)، تلك النزعة المتصلّبة التي أعلنت «الإنسان» إلهًا للعصر، ما حدا  بـ «غينون» إلى اعتبار البروتيستانتية نموذجًا للدين المشوّه الذي تتجلّى فيه الفردانية الدّونية بشكلٍ صارخٍ، إذ «من الطبيعي أن تكون البروتيستانتية، مع عقلية الإنكار التي تحرّكها، قد ولّدت هذا «النقد» الهدّام الذي تحوّل، بوجوده في أيدي «مؤرّخي الأديان المزعومين» إلى سلاح معركةٍ ضدّ كلّ دينٍ»[3].

(140)

لذلك لم يألُ «غينون» جهدًا في نقد البروتيستانتية التي جعلت من المسيحية التقليدية ديانةً تكاد تكون إنسانيةً صِرفةً، من خلال إفساح المجال لكل الأفراد لتعقّلها وتأويلها بكلّ حريةٍ ودون أي قيودٍ، وكأنّهم جميعٍا على درجةٍ واحدةٍ من العقل الذي يسمح لهم بفهمٍ سليمٍ للعقيدة المسيحية، حيث تتغاضى البروتيستانتية عن التراتبية الوجودية التي يتموقع فيها البشر، والتي تؤكّد بوضوحٍ على التفاوت في القدرات البشرية في مستوى فهم التراث الذي لا يؤتى إلاّ لقلّةٍ يسمّيها «غينون» «الصّفوة»، وهي التي تحظى ببصيرةٍ نافذةٍ تستطيع أن تستكنه غور العقيدة التراثية للمسيحية، من هنا كان الانحراف قد بلغ مداه في البروتيستانتية التي تمثّل تجليات الفردانية وانحرافاتها في المجال الديني.

وفي السياق الغينوني نفسه يؤكد «غوستاف لو بون» على هذه الحقيقة قائلا: «قد بشّر «لوثر» وخلفاؤه بنظرياتٍ جامدةٍ جدًّا ومجرّدةٍ من أيّ روحٍ فلسفيةٍ، ومشبعةٍ بتصلّبٍ شرسٍ. أما «كالفن» فبعد أن قسّم الناس إلى أصفياء وملعونين اعتبر أنّ الأوّلين ليس عليهم أن يراعوا الآخرين. وحين أصبح حاكمًا على جينيف طبّق على المدينة أبشع حكمٍ استبداديٍّ في تاريخها، وأنشأ محكمةً تضاهي محاكم التفتيش دمويةً. وقد أحرق معارضه «ميشال سيريفي» على نارٍ هادئةٍ»[1].

لذلك فإنّ «غينون» يرى أنّ «البروتيستانتية غير منطقية لأنّها، على الرغم من اجتهادها لـ «أنسنة» الدّين، تواصل الحفاظ، نظريًّا على الأقل، على عنصرٍ فوق-بشريٍّ هو الوحي، إنها لا تجرؤ على الإيغال في الإنكار إلى منتهاه، لكن، بدفعها بالوحي في أتون كلّ النقاشات التي تمثّل نتيجةً لتأويلاتٍ إنسانيةٍ صِرفةٍ، هي تنزل به، فعليًّا، إلى حدّ أن يصير، قريبًا، شيئًا فاقدًا لكل معنًى»[2].

إنّ البروتيستانتية، على الرغم من أنّها أرادت أن تعيد للمسيحية طابعها التقليدي التراثي الأصيل الذي شوّهته الكنيسة الكاثوليكية الرومانية بابتداعها لما يسمّى بـ «صكوك الغفران» والتي تتنافى تمامًا مع المسيحية التقليدية، إلاّ أنّها لم تسترجع المسيحية الأصلية غير المشوّهة، لأنّ البروتيستانتية، بأنسنتها للدين، جعلت الأدنى يحكم الأعلى، فبعد أن كان الخوض في الدين محظورًا ويعرّض

(141)

الباحث إلى شتّى أنواع العقاب، أصبح التعامل مع العلم المقدّس -بعد ثورة الإصلاح الديني اللوثري- دون احترازٍ وحذرٍ، شأنه شأن الظواهر الإنسانية أو الطبيعية. وبدلًا من أن تجعل البروتيستانتية المقدّس يحكم المدنّس، جعلت المدنّس هو الذي يحكم المقدّس، وأصبح الدّين المسيحي خاليًا من كلّ هيبةٍ، وتمّ إنزاله إلى أسفل السافلين بعدما سقط في مماحكاتٍ الفلاسفة وجدالاتهم، وأصبح موضوعًا مغريًا وقطبَ جذبٍ تدور حوله جدالاتٌ فلسفيةٌ لا تنتهي.

بحسب التصوّر الغينوني، يمكن القول أنّ كلّ الانحرافات التي عرفتها الديانات التوحيدية الكبرى كانت بسبب فقدانها للمبادئ التراثية التقليدية التي تعتبر المفتاح الذي يتم به الولوج إلى جوهر الدّين. فإذا غابت المبادئ سيكون فهم الدّين سقيمًا وستتلاعب به الأهواء الفردية الجامحة. إنّ غموض الكتب المقدّسة يمكن إزاحته، لكن لا من قِبل الأغلبية لأنّها تمتلك عقلًا أرضيًّا موصولًا بالعوالم السفلية، يحول بينها وبين الفهم السليم للكتب المقدسة، بل إنّ مهمّة استجلاء ذلك الغموض موكولةٌ إلى الصفوة ذاتِ البصيرة.

إنّ الفردانية، عند «غينون»،  لا تتلاقى مع الروحانية، لأنّ الأوّلى تنزع إلى أسفل، أما الثانية فتصعد إلى أعلى، فالفردانية انتصارٌ للإنسان العينيّ المشخّص، إذ تختزل الحياة في المرئي والواقعي، بل إنّ اللاّمرئي لا وجود له، وكما يقول «غينون»، فـ «إنّ الفردانية، هي السبب الحاسم للانحطاط الراهن للغرب، من جهة كونها، نوعًا ما، المحرّك للتطوّر الحصري للإمكانيات السفلية للإنسانية، تلك التي لا يتطلّب توسّعها تدخّل أيّ عنصرٍ فوق-بشريًّ والتي لا يمكنها حتّى أن تنتشر بصورةٍ كاملةٍ إلاّ بغياب مثل هذا العنصر لأنّها على الطرف النقيض لأيّ روحانيةٍ وأيّ عقلانيةٍ حقيقيةٍ»[1].

وكما يقول طه عبد الرحمن، فإنّ حضارة اللوغوس قد أنتجت أزمة القصد بسبب تقرير الانفصال بين الغيب والعقل[2]. فالإنسان أصبح كائنًا وسيليًّا بدلًا من أن يكون كائنً غائيًّا، لأنه أبدل القيمة والمعنى بالأدوات، أي المادة بالروح، والكيف بالكم، حيث أصبح نمط المعرفة الحديث، كما حلّله «طه عبد الرحمن»، يرتكز على أصليْن هما نتاج الفردانية والإنسانوية الحديثة:

(142)

الأوّل: لا أخلاق في العلم، حيث إنّه لكل واحدٍ -أو جماعةٍ- أن يضع بنيانه المعرفي بحسب ما يشاء من القرارات المعرفية والإجراءات المنهجية، ما عدا أن يجعل فيها مكانًا للاعتبارات التي تصدر عن التسليم بقيمٍ معنويةٍ»[1]، حتى إنّ الإنسان -الذي خلقه الله في أحسن تقويمٍ- قد انتهى، في رؤية العلم الغربي مع «داروين» إلى «حيوانٍ متطوّرٍ من الصورة العضوية الوحشية إلى الصورة الإنسانية». وأكّد هذه الرؤيةَ الداروينيةَ الكثيرُ من فلاسفة الحضارة كـ «رالف لينتون» الذي يقول: «لقد انتهت المعركة التي كانت بين الأنتربولوجي وبين غير المؤمنين بنظرية التطور، لقد انتهت هذه المعركة بفوز الأنتربولوجي منذ وقتٍ طويلٍ، وعلى أي حالٍ لم يكن خصمه يقاتل إلاّ مقاتلةً صوريةً أو بعبارةٍ أخرى كانت أشبه بمعركةٍ بين ملاكمٍ وظلّه... القِرَدة ليست أجدادنا ولكنها أبناء عمومتنا الذين افترق فرع أصولهم عن فرعنا منذ مليون سنةٍ»[2]. أما «فرويد» انتهى إلى اعتباره الإنسان «كائنًا غريزيًّا» من بقايا وحش الغاب لا «كائنًا عاقلًا».

 الثاني: هو: «لا غيب في العقل، حيث يركّب الانسان من العلاقات ومن البنيان ما شاء»[3]، أي الإنكار الكلّي لوجود أيّ معرفةٍ خارج نطاق العالم الحسي أو الواقعي أو الموضوعي ـ على اختلاف التسميات الحديثة ـ ولا مكان لحصول معرفةٍ فوق العقل، لأنّ الغيب متجاوِزٌ للعقل.

لقد أُفرغ الانسان وجفّت روحه، لأنّه يريد أن يحتلّ مكانًا ليس له، لقد صرخ «دوستويفسكي» متحسّرًا وهو يقول: «انظروا في العالم إلى الذين رفعوا أنفسهم فوق بني البشر، أليسوا يغيّرون صورة الله ويشوّهون الحقيقة؟ يملكون العلوم، ولكن لا شيء في العلم سوى مواد الإحساس، فالعالم الروحاني، والقسم الأسمى من وجود الإنسان مهملٌ، ملغًى، يُنظر إليه باحتقارٍ بل بكراهيةٍ» [4]. «لقد خلق العلم والآلة الإنسان، وبدورهما هما اللذان يخلقان الله -إن جاز التعبير-، لأنّ الفراغ الذي يخلّفه الله لا يمكن أن يظلّ فراغًا. إن حقيقة الله وسمته في الطبيعة تتطلبان بديلًا عن الألوهية، ومطلقًا مزيّفًا، بوسعه أن يملأ العدم بعدما سلبت منه مادته. لقد

(143)

كثر الكلام في عصرنا على «الإنسية»، لكن من يتكلّمون عليها ينسون أنّ الإنسان لا يبقى في الواقع «إنسانًا» إذا هو تخلّى عن امتيازاته للمادة والآلة والمعرفة الكميّة»[1].

هكذا ظلّت الفردانية تغذّي العالم السفلي للإنسان فانزلق في اليومي المُعرّى من الامتلاء الروحي، واستنفذه خواء المعنى، وضاعت كينونته في جحيمها الأرضي. لقد أغرقت الفردانية إنسان العصر الحديث في المادة بشكلٍ مبتذلٍ، فأصبح معيشه اليومي مستغرقًا في ثقافة الجنس وذائبًا في قيم السوق، حيث تنحّى الحقيقي ليسكن المزيّف صميم العصر الحديث قالبًا كل القيم على رأسها، لتزول كل التراتبيات الوجودية. إنّه زمن الفوضى حيث اللانظام، واللاّمعنى، والعبث.

 

* الفردانية تعزيزٌ للفوضى الاجتماعية :

إنّ الفردانية لا تعني معارضة الجماعة أو الدولة، بل تعني، عند «غينون»، معارضة كل مبدأٍ أعلى، لأنّ الجماعة، بالمفهوم الحديث، تحوّلت إلى ما يسمّى بـ «الجمهور» حيث تعتبر الدولة الحديثة ممثّلًا له وناطقًا باسمه. ويعتبر الجمهور مصبًّا تتجمّع فيه النوازع السفلية للفردانية، إذ يقول «غينون»: «لو أخذنا هذه الكلمة «الفردانية» في مفهومها الأضيق، يمكن أن يغرينا الأمر بأنّ نعارض الجماعة بالفرد... في الحقيقة إنّ الأمر ليس شيئًا آخر غير مجموع الأفراد، لا يمكنها أن تكون متعارضةً مع هؤلاء، ولا أيضًا الدولة نفسها في صيغتها الحديثة، أي بما هي مجرد تمثيلٍ للجمهور، حيث لا ينعكس أيّ مبدأٍ أعلى»[2].

إنّ الفردانية لا تنمو إلاّ داخل الحياة الاجتماعية التي تصقلها، وتخرج طاقاتها من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل، فالفردانية لا تعني انعزال الفرد عن الجماعة وانسحابه من المجتمع وانطواءه على ذاته. لذلك، فحسب «غينون»، «إن وجدت في المجال الاجتماعي صراعاتٌ بين مختلف النزعات، التي تنتمي جميعًا إلى العقل الحديث، فإن تلك الصراعات ليست بين الفردانية وشيءٍ آخرَ، بل ببساطةٍ، بين أنواعٍ من الفردانية، متعددةٍ بحسب قابلية الفردانية نفسها لذلك،

(144)

ومن السهل أن يتبيّن المرء أنّه، في غياب أي مبدأٍ يوحّد حقيقة الكثرة»[1]. فالفردانية، في التصور الغينوني، ليست ضدًّا للجماعة، فإنها تتماهى معها باعتبارها مجموعةَ فردانياتٍ متعددةِ الأشكال والصور، وكل فردانيةٍ هي مجموع أفرادٍ يذوبون في متاهة الكلّ، ولا قيمة للأجزاء (الأفراد) إلاّ داخل الكل (المجموع)، فكل فردانيةٍ هي بنيةٌ نسقيةٌ تأصيليةٌ مغلقةٌ على ذاتها. 

لكن التصوُّر الغينوني لا يعترف بالانفصام بين الفرد والجماعة، فالفردانية عنده تعني الكثرة والكم، وذلك نستشفّه في الصراع الحديث داخل الحياة الاجتماعية كما يتصوره «غينون»، فهو ليس صراعًا بين الفرد والمجتمع كما يتصوره فلاسفة الفردانية، بل هو صراعٌ بين ثنائياتٍ: (الأعلى/ الأدنى)، (المقدس/ المدنس)، (الإنساني/ الإلهي)، (الكم/ الكيف)، وهذه الثنائيات تفصل بين الفرديّ والمافوق-فردي، وبما أنّ الفردانية بالمفهوم الغينوني الغينوني تتساوى مع الإنسانوية، التي تعني تقديس كل ما هو إنسانيٌّ فقط وتنكر كل مبدأ أعلى فوق/ إنساني، فإنّ كل نزعةٍ ترتكز على العناصر الإنسانوية فقط وتقصي العناصر الروحية فهي تندرج حتمًا ضمن الفردانية.

لذلك فالصراع هو صراعٌ إنسانيٌّ/ إنسانيٌّ، أي صراعٌ فرديٌّ/ فرديٌّ. وهو صراعٌ بين كثرةٍ وكثرةٍ، وليس صراعًا بين صفوةٍ ودهماءَ، إنه صراعٌ بين كمٍّ وكمٍّ، وليس صراعًا بين كمٍّ وكيفٍ، وبالمفهوم الغينوني، هو صراعُ مجموعٍ حسابيٍّ (مجموع أفرادٍ) مع مجموعٍ حسابيٍّ آخرَ (مجموع أفرادٍ). إنّ موضوع الصراع ذو طبيعةٍ واحدةٍ في كل أشكاله لدى هذه النزعات، إنّه المادية كغايةٍ قصوى متعددةِ الوسائل، حيث تتجمع كل النزعات الفردية التي تهيمن على حضارة الغرب في مقصدٍ واحدٍ مبتورٍ دائمًا عن كل ما هو روحيٌّ. وهنا تتجلى الفوضى الاجتماعية التي التي صبغت عصر إيديولوجيا الفردانية المتعددة التي نسفت أبنية المجتمع الحديث وعصفت بكل أنساقه الرمزية التراثية التقليدية التي توحّد بين الكثرة المتعددة في حقيقةٍ كليةٍ واحدةٍ.

إنّ العصر الراهن الذي يعيشه العالم اليوم، قد بلغ أعتى درجات الخراب، فالحروب السياسية والاقتصادية وتلك التي تُسمّى بالحروب المقدّسة، لم تضع أوزارها بعدُ على الرغم من كل المبادرات لإرساء السلام. إنّها، بالنسبة لـ «غينون»، كلها محاولاتٌ مخفِقةٌ، لأنها تؤسس السلام على عناصرَ إنسانويةٍ سفليةٍ، ما يجعل كلّ مبادرةٍ للسلام مصيرها الموت؛ يسأل «غينون» متحسّرًا: «ألم نصل إلى

(145)

هذا العصر المخيف الذي أعلنت عنه الكتب المقدّسة في الهند: حيث الطوائف ستختلط، وحيث لن يكون للعائلة وجودٌ؟... يكفي أن ننظر حولنا كي نقتنع بأنّ هذه الحالة هي حالة العالم الراهن، لكي نتأكّد من السقوط العميق الذي سمّاه الإنجيل «رجس الخراب»... وكلما انغمسنا في المادة أكثر، تراكمت أكثر عوامل الانقسام والتضادّ وتعاظمت، وبالعكس، كلما ارتفعنا نحو الروحانية الصافية، كلّما اقتربنا من الوحدة التي لا يمكن أن تتحقق إلاّ بالوعي بالمبادئ العامة»[1].

هكذا تتفرَّع الفردانية لتنتج الفوضى في الحياة الاجتماعية، من خلال اكتساح تلك المقولة الهلامية الزئبقية التي تنفلت من التحديد، إنّها «الحرية الفردية» وما ينضوي تحتها من حرّياتٍ تتوالد من غير توقّفٍ والتي لأجلها أُهرقت الدماء وأُعلنت الحرب على الله لتهوي مملكة المقدّس بكل حمولتها وتفقد براءتها وطهارتها. من أجل الحرية الفردية أُعلن عن موت الإله لتعيش مملكة «الإنسان». إنّ الفوضى التي غرقت فيها الحياة الاجتماعية لحضارة الغرب الحديث كانت مآلًا حتميًّا للممارسات الشاذّة للحرية الفرديّة، التي تعتبر إحدى مكونات الفردانية والإنسانوية؛ لقد بلغت بها الفوضى -كما يقول محمد عزيز لحبابي- حدّ أن أصبح «الشباب الغربي يبحث، بلا جدوًى، عن رسالةٍ ليعطي للوجود معنًى، بيد أنّ أوضاع الغرب الحالية لم تمكّنه إلاّ من تعويض عالم المثل والمبادرات بعالم الجنس، إذ «بالجنس يتحرر الفرد وتتحرر الجماعات»، وبات الجنس هو الاهتمام الأوّل، لدى بناة المستقبل: تحرر المرأة هو «حريتها» الجنسية، ومقاومة الاستلاب هو «إشباع الرغبات الجنسية»»[2].

فالفوضى الاجتماعية للتطور المادي في المجال الاجتماعي تتجلى بقوةٍ في الحروب الحديثة بدايةً من الثورة الفرنسية الدموية، إذْ «من المدهش حقًّا، لمن يريد التفكير بهذا الشأن، أن تصل الأمور إلى حدّ اعتبار أنّ «استنفارًا جماهيريًّا عامًّا» (levée en masse)، و«تعبئةً عامةً» هما من الأمور العادية جدًّا، وأنّ فكرة «أمة مسلّحة» استطاعت فرض نفسها على كلّ العقول، مع استثناءاتٍ نادرةٍ»[3].

مع تصاعد وتيرة السباق نحو التسلّح، أصبح الصراع بين القوى العالمية العظمى صراعًا بين قوًى

(146)

مسلّحةٍ نوويًّا، فالتي تمتلك أكثر وتصنع أكثر هي التي تمسك بخناق البقية، وتلوي أعناقهم متى ما أرادت. واليوم أصبح الحديث عن أسلحةٍ عابرةٍ للقارات، وهكذا دخلنا عصر ما يصطلح عليها بـ «الحرب عن بعد»، حيث تم الاستعاضة عن الجيوش البشرية، بالجيوش التقنية؛ فالولايات المتحدة الأمريكية لم تحتج لأي قوّةٍ بشريةٍ لتحقيق استسلام اليابان في الحرب العالمية الثانية، إذْ بكبسة زرٍّ أبادت مدينتَيْ هيروشيما وناگازاكي، لتختبر قوّة أسلحتها النووية، وكما يقول «برتراند راسل»: «فما يؤمّن الانتصار في الحرب ليس الجيوش المتميّزة بالشجاعة، بل الصناعة الثقيلة. انظر في انتصار الولايات المتحدة الأمريكية بعد بيرل هاربر، فلا أمة قد أظهرت من ضروب الشجاعة ما أظهره اليابانيون، لكن الإنتاجية الصناعية الأمريكية قهرتهم في النهاية»[1]. حتى «الموت» أصبح كمّيًّا (تصاعد العدد الحسابي)، لأنّ «من نتائج التطور الصناعي والتحسين المتواصل لأدوات الحرب وزيادة قدرتها التدميرية بنسبٍ عاليةٍ جدًّا. هذا وحده يكفي للقضاء على «الأحلام السلمية» للمفتونين بـ «التقدم» الحديث»[2].

«إنّ الإنسانوية المطابقة جدًّا لذوق العصر لا تستحق، يقينًا، أن تؤخذ على محمل الجد، لكن من الغريب أن يكون الكلام كثيرًا حول نهاية الحروب في عصر تحدث فيه الحروب من الخراب أكثر مما أحدثته من...[3].

لقد أجهزت النزعة الفردانية على ما تبقّى من إنسانية الإنسان، بتشويهها لرمزية النسق الاجتماعي العلائقي الذي يتغذّى منه العالم اليومي المعيش، ليغرق الفرد داخل متاهة الثقافة الشيئية الاستهلاكية التي تتغذّى من قيم السوق، محوّلةً علاقة الذات بالآخر إلى علاقةٍ أداتيةٍ وسيليةٍ، أصبحت باعثًا على القلق ومصدرا للهواجس التي تقضّ مضجعه، وترمي به في عالم العزلة والاغتراب والاستلاب، مشوّه الوجود، معطوب الوجدان، حيث أوهمت هذه التقنية الإنسان الحديث بالاكتفاء الذاتي والامتلاء الأنوي، بما توفره له من احتياجاتٍ تغنيه عن الآخر كشريكٍ مكمِّلٍ لوجوده الذاتي وكفاعلٍ مكوِّنٍ للأنا الذاتي. فالفردانية أزّمت الحياة الاجتماعية، حينما

(147)

جعلت من الفرد قيمةً تعلو قيمة الجماعة، فانتهى الفرد كائنًا مغتربًا لا عن الجماعة فقط، بل عن ذاته أيضا، فالفردانية تنظر للمجتمع كعدوٍّ يستلب الفرد ويسحقه.

2 - هيمنة المعرفة ذات الطراز البشري وتنكيس المعرفة الفوق ـ بشرية.

 إنّ المعرفة الحديثة التي تتغذّى من النزعة الفردانية الإنسانوية بالنسبة لـ «غينون» هي إقصاءٌ للميتافيزيقا الخالصة باعتبارها معرفةً بالمبادئ، أي بالثوابت، في حين أنّ الفردانية التي تنتصر لها الحضارة الغربية هي معرفةٌ بالمتغيّرات، ما يجعلها معرفةً هشّةً، لأننا سنكون أمام حقائقَ بكثرة المخيّلات الفردية. فبدلًا من أن نكون إزاء حقيقةٍ واحدةٍ ترتدّ إلى مبدأٍ ثابتٍ يختزل تلك الكثرة والتعدد، تكون المحصّلة آراء ومعتقداتٍ نسبيةً ريبيةً منزوعةَ الثقة لا تركن إلى يقينٍ صلبٍ، لأنها تنزع نحو المرتبة السفلى للمعرفة. فبدلًا من أن تتخذ المعرفة مسارًا صاعدًا (من أسفل إلى أعلى)، فإنّها تتخذ مسارًا دائريًّا (من أسفل إلى أسفل)، تكون نقطة البداية هي نفسها نقطة النهاية، يقول «غينون»: «الفردانية إنكار للحدس العقلي، لكون هذا الأخير، أساسًا، ملكةً فوق-فرديةً (supra-individuelle)، وكذلك إنكار مرتبة المعرفة التي هي المجال الخاص بهذا الحدس، نعني بذلك الميتافيزيقا الحقيقية»[1].

فالفردانية، في التصور الغينوني، بهذا المعنى لا يمكنها الارتقاء إلى المعرفة التقليدية التراثية التي هي، في الأصل معرفةٌ من طرازٍ روحيٍّ خالصٍ لا يمكن النفاذ إليها واستكناه باطنها إلاّ بالبصيرة وهذه لا تؤتى للجميع، إنّها لا تؤتى إلاّ لأولئك الذين تجردوا من كل اللوازم السفلية، حتى يحصل لهم الارتقاء إلى أعلى مرتبةٍ في المعرفة الوجودية وهي مرتبة «العلم المقدّس(science sacrée)»، وذلك من خلال التدرّج في المعرفة والانتقال من «العلم الدنيوي» (science profane) إلى العلم المقدّس بممارسة النشاط المزدوج (تأمّل/ فعل)، بدل الانحسار في الفعل الخالص أو التأمّل المحض.

يعتبر «غينون» نمط المعرفة الحديثة نمطًا معاديًا للمعرفة الحقيقية (التقليدية) لارتباطها بما هو دنيويٌّ واعتبار أنّ كل ما هو تراثيٌّ وتقليديٌّ هو ضدّ-فرديٌّ، باعتبار أنّ «الفردانية» كما يتصوّرها المحدثون هي تحقيق مشروع الوجود الأصيل (original) في مقابل الوجود المزيف (pseudo)، «من هنا الرغبة في أن يكون الفرد أصيلًا بأيّ ثمنٍ، حتّى وإن وجب التضحية بالحقيقة من أجل

(148)

هذه الأصالة: الأفضل بالنسبة لفيلسوفٍ ما، لأجل سمعته، أن يلفّق خطأً جديدًا من أن يكرّر حقيقةً سبق أن عبّر عنها آخرون»[1].

 إنّ نمط المعرفة الحديث قد فكّك الوحدة إلى كثرةٍ لامتناهيةٍ، فبدلًا من الحقيقة الموصولة بالمبدأ الأعلى حيث اليقين، نصبح أمام حقائقَ متكثّرةٍ، بتعدّد الأنفس، فنسقط في النسبيّة، ويصبح المعيار المنطقي، الذي نحتكم إليه لاستبانة الحقائق الصادقة من الكاذبة، فاقدًا للمشروعية وغيرَ صالحٍ لنزن به هذه الكثرة من الحقائق.

فإذا أخذنا أيّ موضوعٍ في مجال الفلسفة سنجد أنّ «الفردانية» تطغى على تحليلات الفلاسفة وعلى تصوّراتهم للحقيقة، حتّى إنّنا من كثرة المفارقات التي تعجّ بها سجالات الفلاسفة، لا نكاد نمسك بطرف الحقيقة حتى ينفلت الخيط منّا فتنفلت قدرتنا على الثبات والتفكير، فلا ندري أيّ الرؤى يمكن أن نتمسك بها، خاصةً وأنّ الفلاسفة يمتلكون فنّ الحِجاج، ولا يكاد يقارعهم فيه أحدٌ، فهم متمرّسون في الجدال، فإذا أردنا أن نركن إلى اليقين في ما يستجليه الفلاسفة من حقائق، ستظهر أمامنا كثرةٌ لامتناهيةٌ من الحقائق حول الموضوع الواحد. وهنا يبدأ التشتّت ويضيع الفكر في متاهة التعدد، وهو الأمر الذي حدا بـ «غينون» إلى اعتبار الفلاسفة أنموذجًا لانحرافات الفردانية، بما يثيرونه من سجالاتٍ واستشكالاتٍ لا تنتج إلاّ العقم ولا ترنو إلى يقينٍ، فيظل العقل سابحًا في محن الشكّ والريبة، لأنّه يؤوّل الأعلى انطلاقًا من الأدنى، فينتهي إلى فوضًى، وهذا ما يحيلنا إليه قول «غينون» عن الفلاسفة: «عند الفلاسفة، نستطيع أن نرى، بأجلى صورةٍ، الفوضى العقلية والفكرية التي هي نتاج هذه الفردانية»[2].

لقد أدّت الفوضى العقلية والفكرية التي تمخضت عن المعرفة الحديثة إلى ظهور ما يسمّى بـ «فلسفة الدّين»، التي كسرت حاجز الصمت عن موضوع «المقدّس» الذي كان ينتمي إلى حقل الطابوهات والممنوعات، ليصبح «المقدّس» موضوعًا للدرس والمساءلة الفلسفية، فتنسكب الاستفهامات حول الدّين ومقولاته التي يتأسس عليها، حيث يجترئ العقل الفلسفي على محاكمة «المقدّس» شكلًا ومتنًا، بمناهج «المدنّس» وبآليات المباح، فيتفحّص ويستبطن كنه المطلق الكلّي

(149)

(المقدّس) بمناهج الدنيوي النسبي الجزئي، فيتم فهم مافوق-البشري بالبشري، أي اختراق جوف اللاّمعقول المجرّد اللانهائي بالمعقول المقيّد النهائي. فهنا الفوضى بعينها -حسب المقصد الغينوني- لأنّ الأعلى يتساوى مع الأدنى، بل إنّ العالم السفلي يرتفع، والعالم العلوي ينزل ويهوي.

يمكن أيضًا استجلاء الفوضى العقلية والفكرية في فلسفة الدّين عندما يصبح «العلم المقدّس» (science sacrée) في المرتبة الوجودية نفسها لـ «العلم الدنيوي» (science profane)، فيتنزّل كموضوعٍ سجاليٍّ يمكن لأيّ فيلسوفٍ مؤمنًا كان أو ملحدًا أو لا أدرويًّا أن يستشكل ويستفهم حوله ويقيم عليه محاكماته  العقلية والمنطقية.

أين تكمن الفوضى بالمفهوم الغينوني؟ لا محالة سنتلمّسها في التباينات في الموقف من الدّين، فالمؤمن سيأخذ الموقف الدفاعي، أما الملحد فسيتبنّى الرؤية الإنكارية ولأجلها سيشحذ كل الحجج لتسويغ موقفه الدّحضي، أمّا اللاّأدروي، فسيشكّل رؤيته من زاويةٍ أخرى هي زاوية الريبي المشكّك، فهو لن ينكر ولن يدافع، وإنّما سيظلّ موقفه معلّقًا، لأنّه لا يمتلك الأدلّة الكافية التي تثبت وجود الله أو تنكره وتنفيه.

إنّ مكمن الفوضى هو تحويل «المقدّس» كمعرفةٍ من طرازٍ فوق-بشريٍّ -تحت سيطرة الفردانية التي زادت في سعارها الفلسفة الحقوقية- إلى معرفةٍ من طرازٍ بشريٍّ، أي تحوّله إلى قناعاتٍ شخصيةٍ ورؤًى فرديةٍ، حيث ينزل «العلم المقدّس» من مستوى التنزيه إلى مستوى التدنيس. ماذا سيبقى من الدّين إذا فُلسف؟ ألا يفقد طهارته وبراءته الأوّلية بعد أن يتلوّث بأوهام العقلانية الجامحة؟ إذا كان السؤال الروح النابض الذي يستوطن أرض الفلسفة يتدفق بلا نهايةٍ مستفهمًا حول العالم الأرضي، فهل يجرؤ على اختراق حجب العلم المقدّس؟

إنّ نمط المعرفة الحديثة -تحت مظلّة الفردانية- قد حرّر السؤال الفلسفي في مجال المقدّس ورفع الوصاية والرقابة عنه، وأصبح بمثابة مِعول هدمٍ للدين إذْ تحولت السّجالات حوله إلى جدالاتٍ مِرائيةٍ بامتيازٍ. فهل يصدق في كل الأحوال ما ذكره «دافيد هيوم» في كتابه «التاريخ الطبيعي للأديان» على لسان «بيكون»: «القليل من الفلسفة يؤدي إلى الإلحاد، والكثير من الفلسفة يؤدي إلى الإيمان»[1].

(150)

لكن يبدو أنّ الكثير من الفلسفة في الدين يؤدّي إلى التخلّص من الإيمان، لأنّ الفلسفة، كما يقول «غينون»، هي طريقٌ للحكمة، وليست هي الحكمةَ ذاتها، إذْ من خلال التناول الفلسفي للدّين، اعتمادًا على العقلانية المفكّرة لا العقلانية المستبصرة، تنزّل المقدّس (le sacré من عليين إلى أسفل السافلين، حيث أصبح «المقدّس» مساويًا لـ «المدنّس»، وبالتالي كُسرت التراتبية الوجودية (أعلى/ أدنى).

  إنّ هذا الحال ينذر بفناء الدينيّ المقدّس ليحل محله الدنيوي المدنّس، ومعه تغرق الحضارة الغربية وتنحدر إلى الفوضى، فتنزاح مملكة السماء لتحل مملكة الأرض التي يحكمها قسيس الشيطان الإنسي الذي فوّض نفسه ليختم على صكوك الغفران ليبرئ العالم الأرضي ويدنّس العالم العلوي. لذلك فإنّ إعادة قراءة الدور التاريخي للدين وتحليله، قد تكون فأل خيرٍ، لإنجاح الدين في الحاضر، ولإحياء المقدّس وإعادته إلى الواجهة.

3 - هيمنة التماثلية وإنكار التراتبية الوجودية:

تهيمن على الحضارة الغربية الحديثة ثيمةُ التماثل المطلق، أي تعميم كل ما يتعلق بالحياة المعرفية والاجتماعية، لتكون في متناول الجميع، بدون استثناءاتٍ، فتزول الفوارق والتراتبيات الهرمية على المستوى المعرفي والاجتماعي، فتصبح المعارف والعلوم على اختلاف مستوياتها ملكًا للجميع، بدون مراعاةٍ لقدرات الاستيعاب والفهم، وتزول الطبقية الاجتماعية. هذه الرغبة في التعميم هي وليدة ذلك المبدأ العزيز على الغربيين، «المساواة»، التي تُعتبر إحدى ثوابت العقلانية الحداثوية الغربية، والتي سميت بـ «إنجيل الثورة الفرنسية».

 انطلاقًا من الرغبة المستعرة في التسوية بين البشر، تم التضحية بـ «العلم القدسي» على مقصلة «العلم الدنيوي»، لأنّ التعليم الحديث يرتكز على مبدأ المساواة، ويعتمد على مناهجَ واحدةٍ في تعليم العلم الدنيوي والعلم المقدّس، فتنزل العلوم العلوية (الباطنية) إلى مستوى العلوم الدنيوية (الظاهرية) ويزول الخطّ الفاصل بينهما، فيظهر وكأنّ العلوم الباطنية هي من قبيل المعارف البسيطة التي يمكن تناولها بالدرس والتلقين على شاكلة العلوم الدنيوية، وهنا يقع الغرب ككلِ

(151)

مرّةٍ في الأسلوب الاختزالي التبسيطي بممارسة العَسْف التعليمي، من خلال إلزامية التعليم التي يوضع فيها برنامجٌ تعليميٌّ مُعَدٌّ مُسبقًا، ومخطَّطٌ بشكلٍ جاهزٍ ومُحدّدُ الأهداف، لِيُعمَّم على الجميع، فيُعتقد أنّ أيّ علمٍ ومعرفةٍ مهما كان مستواهما يمكن تدريسهما بتلك المناهج التبسيطية. والمفارقة هنا أنّ العلم القدسي (التراثي التقليدي) يُدرّس في المدارس والجامعات بالمناهج نفسها التي تَدرّس بها العلوم الدنيوية المستحدثة والتي هي نتاجٌ للإبداع البشري عبر العصور، ما أدّى إلى إنزال «العلم القدسي» إلى مرتبةٍ دنيا، حتى تشوّه وآل إلى أشكالٍ ظاهريةٍ ومعارفَ سطحيةٍ يظنّ الناس أنّه في إمكانهم معرفتها عن طريق التعليم الإلزامي. هذا الأمر (إلحاق بالتعليم الإلزامي) هو الذي أدى في الغرب إلى ضياع التراث التقليدي، ثمّ مع تطوّر المناهج التعليمية وتحوّل المجتمعات الغربية إلى مجتمعاتٍ لائكيةٍ، تمّ التخلص نهائيًّا من التراث التقليدي وفصله عن التعليم الإلزامي، بحجّة فصل الدين عن الحياة، بعد أن فُصل عن السياسة.

بعد التحوّل الجذري في الغرب الحديث على مستوى المناهج التعليمية، التي أصبحت تركز في مضامينها على العلوم الدنيوية، تمّ سحق التراث من الجذور، وشُنّت حملةٌ شعواءُ ضدّه تحالفت فيها الفلسفة مع العلم الحديث، لأنّ التعليم الحديث وسيليٌّ لا غائيٌّ، كلُّ مُخرجاته تصبّ في خدمة المادّة، وهي ذاتُ طبيعةٍ كميةٍ تتنفّر من كلّ ما هو كيفيٌّ روحانيٌّ. ويكفي أن نتفحّص محصّلات التعليم الغربي لنرى كيف أنّها كلها ابتكاراتٌ واختراعاتٌ في المجال المادي، وتسعى لتحسين الحياة المادية، في غيابٍ كلّيٍّ، تقريبًا، للإنتاج الروحي، لأنّ كل شيءٍ أصبح منتَجًا اصطناعيًّا. والذي تسبب أكثر في غياب الإنتاج الروحي، هو رغبة العلوم الإنسانية في التماثل مع العلوم التجريبية، ما انتهى بها إلى الاستنكاف عن درس موضوعاتها قيميًّا. هذا ما أنتج الفوضى على المستوى المعرفي[1]  والاجتماعي.

   لذلك يعترض «غينون» على هذا التماثل والتطابق لأنّ «إمكانية وجود التماثل المطّرد يفترض كائناتٍ خاليةً من كلّ نعتٍ، فلم تعد سوى وحداتٍ عدديةٍ مجرّدةٍ، ومثل هذا التماثل لا يمكن تحقيقه بالفعل أبدًا، غير أنّ كل المجهودات المبذولة لتحقيقه، خصوصًا في المجال

(152)

الإنساني، لا يمكن أن تعطي من نتيجةٍ سوى تجريد الكائنات من أوصافها المميّزة»[1]. فالتماثل أو «المساواتية» ضدّ السنّة الكونية وضدّ التراث التقليدي، لأنّ الوجود بكل موجوداته يعطينا صورةً تراتبيةً للموجودات البشرية، فلا يوجد إنسانٌ متماثلٌ مع إنسانٍ آخرَ، فكلّ كائنٍ بشريٍّ هو كائنٌ فردٌ فريدٌ من نوعه، والتمايز هو القانون الذي يحكم هذا الكائن. لذلك فالسعي لمماهاة البشر أفرادًا وجماعاتٍ هو من قبيل العبث، لأنّ الكائن البشري هو أعقد الكائنات، فهو مركّبٌ برزخيٌّ كيفيٌّ، لا يمكن التعامل معه كوحدةٍ كمّيةٍ.

يكفي أنّ الواقع يعجّ بما يدحض المساواتية بين الموجودات البشرية، فلو أخذنا كائنين يعيشان ظروفًا اجتماعيةً قاهرةً (بؤس، شقاء، فقر...) وكانا قد تلقّيا التربية نفسها، وتشبّعا القيم بنفسها، وعاشا في البيئة الأسرية نفسها والثقافية والعقائدية، ثمّ وفرنا لهما الظروف المعيشية الجيّدة نفسها، على أمل أن نحصل على كائنين ناجحين في الحياة على كلّ المستويات، فمهما فعلنا لن نحصل على النتيجة نفسها، لأنّ كلًّا منهما سيستجيب بطريقةٍ تختلف عن طريقة الآخر؛ فهما قد ينجحان، وقد يخفقان، وقد ينجح أحدهما ويخفق الآخر، لأنّ فكرة التحدّي-الاستجابة، بمنظور «توينبي»، لا تصلح دائمًا خاصةً على الوقائع البشرية. يكفي أنّ سِيَر الكثير من العلماء تشهد على ذلك، فـ «أديسون» اُتُّهم بالغباء، لأنه لم يستطع التأقلم مع مناهج التعليم الإلزامي، وانتهى به الأمر مطرودًا من المدرسة، شأنه شأن «آنشتاين» الذي اُتُّهم بالبلادة لأنّه لم يكن يحلّ المسائل الرياضية بشكلٍ متماثلٍ مع مناهج المدرسة، فاختلافه وعدم تماثله مع ما كان يقدّمه التعليم الإلزامي حوّله إلى غبيّ في لحظةٍ، وغيرهما كثيرون، كانوا ضحايا التعليم الإلزامي المساواتي.

إنّ المساواتية والتماثل هي ضدّ الموهبة، بل هي العدو السرّي لها، إذْ «لا يمكن الإلغاء التام للفروق بين الاستعدادات، فإنّ هذه التربية لن تعطي للجميع نفس النتائج بالضّبط. لكنْ إنّه لَحقٌّ تمامًا بأنّها وإن كانت عاجزةً على إعطاء بعض الأشخاص ميزاتٍ لم تكن لديهم، فإنها بالعكس قد تتسبب عند آخرين في خنق كل المواهب التي تفوق المستوى العام، وهكذا فانّ «التسوية» تقع دومًا من أسفل، ولا يمكن أن تقع إلا كذلك، لأنّ التسوية نفسها ما هي إلاّ تعبيرٌ عن الاتجاه نحو الأسفل، أي نحو الكمّ الصرف»، لأنّ المساواة تركّز على العدد، ولا تهتم بالكيف الذي يفترض

(153)

تراتبيةً هرميةً وجوديةً، حيث يغيب فيها التماثل لصالح التفاوت والتمايز.

إنّ براديغم «التماثل والمساواة» كان مِعولًا هدّامًا للطاقة ذات الطراز الروحي المكتنزة داخل صفوة الأفراد، تلك الإمكانات التي تحتاج لتعليمٍ من نوعٍ خاصٍّ، لأنّ العقول النيّرة المتجاوزة للعالم الأرضي، والتي تمتلك القدرة للنفاذ إلى عمق الحكمة الإلهية المبثوثة في الكون، لا يمكن أن تُساوى لا في التعامل ولا في التعليم مع العامة.

هكذا ينتهي التماثل المعرفي عبر التعليم الإلزامي بسجن الأفراد داخل سجن الأنساق الفكرية المغلقة على ذاتها والتي تدّعي امتلاك الحقيقة والمعرفة دون سواها، والتي تقيم من أنساقها أصنامًا وصروحًا عتيدةً تطلب من الفكر الخارج عنها أن يجثوَ لها دون أيّ اعتراضٍ أو سجالٍ، لتقدّم نفسها كنزعةٍ وثوقيةٍ بلغت اليقين. فالتعليم الالزامي التماثلي

المساواتي يقوّي الفاعلية التلقينية على الفاعلية الإبداعية التي تتغذّى من المغايرة، فيتغلّب العقل المستقيل والمستريح على العقل السّؤول المتجاوز.

إنّ تاريخ البحث عن الحكمة حافلٌ بالنزعة التماثلية التي جرّمت تَفكُّر الذات خارج ما هو شائعٌ من المعارف وما درج عليه أهل العصر، فعلّقت المقصلة لكل من تُسوّل له ذاته أن يفكر بنفسه، وكثيرٌ من الفلاسفة لقي حتفه ليموت شهيدًا في سبيل الحقيقة، كـ «سقراط» الذي انبرى بنفسه منافحًا لكسب رهان الحقيقة، ووصل إلى مرفأ اليقين بموقفه البطولي الذي تجسّد في طريقة موته عندما اختار تجرّع السمّ لأجل الحقيقة، متنازلًا عن العالم الأرضي لصالح العالم العلوي، ورضي أن يُدَان هو على أن تُدَان الحقيقة وتُقاضى استقلالية الفكر لصالح الهوى الشعبي. إنّ الحقيقة تمنحنا الموت، كما يقال. لقد كان العباقرة والمبدعين دائما مجانين لذلك أُهرقت دماؤهم في سبيل الحكمة، وانفجرت حنايا أنفسهم لتعانق سماء الحقيقة.

لذلك يعتقد «غينون» أنّ المساواة وهمٌ خادعٌ إذْ «لا تعطي الطبيعة عنه ولو مثالًا واحدًا... باسم هذه المساواة المزعومة التي هي من أعزّ المثل العليا المنكوسة للعالم الحديث، يتمّ فعلًا جعل الأشخاص متماثلين في ما بينهم بقدر ما تسمح به الطبيعة، وهذا قبل كل شيءٍ بهدف

(154)

إخضاع الجميع لتربيةٍ متماثلةٍ»[1]، تلك التربية التي يراد بها تنميط البشر فكرًا وسلوكًا، سواءً الغربيين منهم أو غيرهم من الشعوب، بحيث يتحوّل الجميع إلى نسخةٍ متكررةٍ بعددهم، حتى أصبح الفرد الذي يتضادّ مع النمطية السائدة في المجتمع، يُنظر إليه كشاذّ اجتماعيٍّ، فقط لأنّه لا يرفض التماثل، ويريد أن يحافظ على فطرته، وعلى سجيّته، حتى أصبح الفرد المتماهي والمتماثل مرغوبًا، والمتجاوز واللامتماثل هو منبوذًا.

عندما سُئل «نعوم تشومسكي» عن التعليم -وهو فيلسوفٌ ينتمي إلى لحضارة الغربية- أجاب قائلا: «جلُّ النظام التعليمي مصمّمٌ لهذا الغرض لو فكّرت فيه، إنّه مرسومٌ للطاعة والاستسلام، إنّه منذ الطفولة، مصمّمٌ لمنع الناس من أن يكونوا مستقلّين ومبدعين. لو كنت عقلًا مستقلًّا في المدرسة فستتورّط في مشاكلَ في وقتٍ مبكّرٍ جدًّا. ليست تلك الصفة التي يجري صقلها وتفضيلها»[2]، تلك الصفة التي تجعل المتعلم يستشكل الوجود المليء بالأسرار فلا ييأس ولا ينفض يديه، وإنّما يمضي سائرًا على الطريق يواصل سيره يدفعه الشوق إلى المعرفة القصوى التي يحددّها «غينون» بـ «الحكمة الإلهية»، التي يقف التعليم الإلزامي ضدًّا لها بسعيه لذلك التماثل المطّرد، الذي يشدّ الوثاق على العقل المستبصر فيكبت المخيال موجِّهًا للإدراك ومكوّنًا للوجدان، ومشكّلًا نسقًا معرفيًّا وفكريًّا مجهَّزًا وقويًّا، يمنع كل محاولةٍ لاختراق تخومه ويحمي نفسه حتى لا ينحلّ ويتفتّت.

ويبدو أنّ مقولة التماثل قد انتقلت بالعدوى إلى الحضارات غير المتماثلة مع الغرب لأنّ «الغربي الحديث لا يكتفي بفرض هذا النوع من التربية عنده هو فحسب، إنه يريد أيضًا فرضه على الآخرين مع جملة مجموع عاداته الذهنية والجسمية»[3].

  إنّ العَسف الذي تمارسه الحضارة الغربية، كما يقول «غينون»، امتدّ بقوّةٍ إلى الشرق، إذ يكفي أن ننظر إلى الشرقيين في المجتمعات العربية الإسلامية، لنجد أنّ أولئك المغرمين بالحضارة الغربية، يجدون أنّ التماثل مع الغرب هو المنقذ لهم من نكستهم ومن وهنهم، وهو الذي سيرسو بهم

(155)

في مرفأٍ حضاريٍّ آمنٍ، إذ نطالع في كتاب «ما هي النهضة» لـ «سلامة موسى»، رغبته اللجوجة في ضرورة الاقتداء بثقافة الغالب لما حققته قيمه الحداثوية من استنارةٍ فكريةٍ وسياسيةٍ واقتصاديةٍ واجتماعيةٍ، ففي حديثه عن نهضة المرأة، يرى بأنّ نهضتها تكمن في تحريرها ومساواتها التامة مع الرجل حتى إنّه يقول «إنّ تحرير المرأة يكون بتحريرها من الجهل بالتعليم، ومن التقاليد بإلغاء الحجاب، ثم مساواتها بالرجل»[1]، ويستطرد معترفًا بأنّ نهضة المرأة العصرية وتحريرها كان من خلال «الاحتكاك بالحضارة الأوربية في أشخاص الجاليات الغربية التي تقيم، أو كانت تقيم، منذ أكثر من سبعين سنةً في مدننا الكبرى، فإنها بعيشتها، وأزياء نسائها، ونشاطهنّ في الأعمال الحرّة، أوجدت قيمًا وأهدافًا جديدة أخذ بها المجتمع المصري»[2].

إنّ تزايد سُعار الرغبة في التماثل طال حتى المجال القدسي وهو الروحانيات، حينما أريد في هذه الحضارات -أي الشرقية- علمنة الحياة الشرقية في كل تمفصلاتها، ظنَّا منهم أنّ ربط الحياة بالروحانيات سيكون كالعقبة الكؤود في طريق تقدّمهم، لذلك فإنّهم يرون في كل ما هو غربيٌّ مثالًا أعلى ينبغي أن يُحتذى به. وفي رغبتهم تلك يرسّخون «وهم الحضارة الإنسانية الكونية»، لأنّ هذا الوهم مبنيٌّ على «مبدأ التماثل». ويتغافل هؤلاء عن تلك الحقيقة التي تفطّن لها الغرب أنفسهم، حقيقة أنّ حضارتهم بلغت النزع الأخير قبل الموت، وهم يحاولون تدارك الوضع، والعودة إلى الطريق السوي، بينما شرقنا لا زال يحلم بأن يصبح مثل الغرب، وقد عبّر عن ذلك الحلم السخيف «إيريك يونس جوفروا»: «فالغرب يراجع نفسه الآن ويتراجع عن تطرّفه الاختزالي المادي الذي قضى على شطحات الخيال ورطوبة الشعر وعبق الروحانيات. فلماذا يريد المثقفون العرب والمسلمون تقليده في خطئه وتطرّفه في الوقت الذي يتراجع هو عن هذا الخطأ والتطرّف؟... أحدث نظريةٍ علميةٍ فيزيائيةٍ، أي نظرية ما بعد الحداثة، أصبحت تعترف بالروح والروحانيات وليس فقط بالماديات»[3]. وبالتالي فعلى الشرق أن يكفّ البحث عن الحضور الحضاري في الزمان والمكان -بمفهوم طه عبد الرحمن- بالتماثل مع الغرب الحضاري، فذلك لم يعد يُجدي نفعًا، فلا يعقل أن تقتدي حضارةٌ غائبةٌ بحضارةٍ ستدخل إلى

(156)

مرحلة الغياب؛ من الغباء أن يبحث المريض عن الدواء عند مريضٍ. لذلك على الشرق أن يجد آليات العودة والحضور من الدّاخل لا من الخارج.

إذًا، فالتماثل هو من بين الثيمات المشكّلة للخريطة الإدراكية للحضارة الغربية، وهو يكتسح المجال المعرفي، وحتى الاجتماعي، وهو في الأساس، عند «غينون»، أحد تفرّعات «الكمّ» المهيمن على الحضارة الغربية، ففي «أدنى الدركات التي أمكن حتى الآن إدراكها، تغلّب الكمّ على الكيف، وإلى هذا تتجه فعلًا بالأخص في الميدان الاجتماعي، المفاهيم «الديمقراطية» و «المساواة» التي تزعم أنّ جميع الأفراد متكافئون فيما بينهم، وهذا يجرّ إلى الافتراض اللاّمعقول العابث بأنّه يجب أن يكون للجميع نفس الأهلية لأي أمرٍ»[1]. إنّ العودة إلى «الديمقراطية»، التي أصبحت أقدس الأقداس التي لا تُمسّ في الحضارة الغربية الحديثة وكأنّها هي الإله، بل هي الإله، لقد أصبحت الوثن المعبود. لقد تعزّزت كإيديولوجيا مهيمنةٍ، وهي في الحقيقة تمثيلٌ واستمرارٌ وتثبيتٌ للنزعة الفردانية، بما تحاول كفالته وصونه من الحقوق الطبيعية والمدنية.

لقد نبش فيلسوفنا الهدّام «غينون» في الحضارة الغربية نبشا غائرًا من الداخل، لم يَخفَ عن مِعوله تلك المقولة العزيزة على الغربيين والتي تتبجّح بها حضارتهم مضخّمةً منسوبها في تحرير الوعي الغربي من نير الديكتاتوريات الأصولية بكل أشكالها السياسية والدينية والاجتماعية، إنّها «الديمقراطية» التي غاصت داخلها مطرقة «غينون» لتعرّيها وتفضح زيفها ومآلاتها التي تنذر بفناء حضارة الغرب، لأنّها إحدى تجليات المادية في المجال السياسي المنفصلة عن كل مبدأٍ أعلى (روحيٍّ)، فالديمقراطية هي شكلٌ من أشكال الإنسانوية السياسية التي تعطي الحكم لمملكة الإنسان بدلًا عن مملكة الله، حيث يصبح الشعب هو مصدر التشريع، وتصبح أهم قيمةٍ للديمقراطية التي هي «العدل» في مأزقٍ، عندما ينفصل فيها التشريع عن المصدر الإلهي، ليتحول إلى المصدر البشري المقيّد في الزمان والمكان، وهنا يظهر التشريع الديمقراطي تشريعًا إنسانويًّا يستمد مبادئه من العناصر السفلية وهي الرغبات، والتي بطبيعتها تتعدد بتعدد الأفراد، وهنا منشأ الفوضى الاجتماعية، إذ تنفلت الرغبة الإيروسية الليبيدية بشكلٍ غيرِ محدودٍ لتغرق المجتمع الحديث في الانحرافات السلوكية والأخلاقية والدينية.

(157)

فالديمقراطية التي تُختزل في «حكم الأغلبية»، هي في الحقيقة ليست إلاّ «حكم الرغبة»، لأنّ الأغلبية أو الدهماء، أو الجمهور، أو المجموع الحسابي (مجموع الأفراد)، كما يسميهم «غينون»، لا يفكرون بمنطق العقل، بل بمنطق العاطفة، التي هي مكمنٌ تختبئ داخله الرغبة. هذا يعني أنّ الديمقراطية ليست حكم الأغلبية بل هي ضمانات الأقلية.

تُعزّز الديمقراطية إذً، الفوضى بشكلٍ لا يمكن مغالبته لأنّ «جعل كلّ ما هو إنسانيٌّ ديمقراطيًّا ليس إمكانيةً واقعيةً: فهذا توهّمٌ إن نُظر إليه كأملٍ بقدر ما هو تافهٌ كتهديدٍ»[1]. فبعيدًا عن توصيفاتها الدلالية التاريخية وعن مرتكزاتها وشكليْها السياسييْن: الديمقراطية الليبيرالية والديمقراطية الاشتراكية، فإنّ النقد الغينوني تركّز على مدلولها كما تَحدّد عند الإغريق وهو «حكم الأغلبية»، والتي يُفهم منها مباشرةً أنّ الديمقراطية لا تعترف بـ «الأقلية» التي تتوافق مع المصطلح الفلسفي اليوناني المنشأ وهو «الأرستقراطية» أي «النخبة»، إذ يطرح «غينون» سؤالًا عن مفهوم»حكم الأغلبية»، ثمّ يجيب عنه: «ما هو، بالتحديد، قانون العدد الأكبر هذا الذي تتمسك به الحكومات الحديثة والذي تريد استمداد شرعيتها منه؟ إنّه بكل بساطةٍ قانون المادة والقوّة الوحشية، القانون نفسه الذي بموجبه يَسحق جمهورٌ مدفوعٌ بقوّته كل ما يعترضه في مسلكه، وهنا توجد، بالتحديد، نقطة الوصل بين التصور «الديمقراطي» و «المادية» (matérialisme)»[2].

في السياق الغينوني نفسه يؤكد «جاك رانسيير» على انفصال الديمقراطية عن مملكة السماء وارتباطها فقط بالعنصر الإنسانوي بل ويعتبر الديمقراطية «الجريمة السياسية في المقام الأوّل، إنّها ببساطةٍ تنظيم جماعةٍ إنسانيةٍ بلا رابطٍ مع الإله الأب»[3]. كذلك، ينظر التصور الغينوني إلى الديمقراطية على أنها ضدّ الروحانية لأنها تجسد مبدأ الكثرة الذي يتعارض ويُقصي مبدأ الصفوة بالمفهوم الغينوني، فالكثرة كمٌّ، والصفوة كيفٌ.

إنّ الاعتماد على رأي الكثرة، يعني الاهتمام بالعدد على حساب النوع، وبالتالي تتراجع الكفاءة، فمبدأ الأغلبية الذي ترتكز وتراهن عليه الديمقراطية الحديثة كما يقول «غينون»: «عندما يُنكر

(158)

المبدأ أو يفقد الاهتمام، لن تبقى، بعدُ، إلاّ الكثرة الخالصة، التي تتماهى مع المادة نفسها»[1]، لذلك خَلقت الديمقراطيةُ -عبر مبدأ الأغلبية والكثرة- الفوضى وعزّزت التشتت في حضارة الغرب الحديث، وهذه الفوضى القديمة قدم الديمقراطية ذاتها، كانت قد تعرّضت للشجب والنفور منذ حدوثها الأوّل في بلاد الإغريق «إنّ الكلمة ذاتها تعبيرٌ عن كراهيةٍ، فقد كانت أولًا، شتيمةً اخترعها، في بلاد الإغريق القديمة، من رأوا في الحكم الشائن للدهماء، خرابَ كلِّ نظامٍ مشروعٍ»[2]، لأنها، عند «غينون»، لا تحتكم لأيّ مبدأٍ أعلى فوق-بشريٍّ، إذ يكفي أن يتفق المجموع على رأيٍ حتى تُعطى له المصداقية والمشروعية، إذ «إنّ الكثرة المنظور إليها من خارج مبدئها، والتي لا يمكن، إذًا، ردّها أبدًا إلى الوحدة، هي، على المستوى الاجتماعي، الجماعة المفهومة على أنّها مجرد المجموع الحسابي (somme arithmétique) للأفراد المكوّنين لها»[3]، هذا المجموع الذي يشكّل الأغلبية، لا تراعى فيه الكفاءة بأي شكلٍ من الأشكال، إذ تضيع الصفوة داخل المجموع الحسابي الذي يبتلعها فلا تقوم لها قائمةٌ، هنا تتجلى الفوضى في أعتى صورها المبتذلة، إذ يُقصى رأي الأقلية بحجّة عدم توافقها مع رأي الأغلبية، فتميل الكفة لرأي الأكثرية وإن كانت على خطأٍ، ولا يؤخذ برأي الأقلية وإن كانت على صوابٍ، وهذا ما قصده «غينون» عندما قال: «الجهل هو الذي يفرض حدودًا على الحكمة، والخطأ هو الذي يتقدّم الحقيقة»[4]، هكذا يصبح معيار الصواب هو التوافق مع المجموع والتماهي مع رأي الأغلبية، حتى وإن كان رأي الأكثرية يتعارض مع الحقيقة، وبالتالي يخبو صوت الحكمة التي لا تؤتى للجميع، بل للخاصة فقط كما أكّد الله تعالى بقوله: (يُؤتي الحكمةَ من يشاء، ومن يُؤتَ الحكمةَ فقد أوتي خيرًا كثيرًا)[5]، وقوله تعالى: (فاسْألوا أهلّ الذّكر إن كنتم لا تعلمون)[6]. كل هذه المؤشرات القرآنية تدل على وجود الخاصة الذين يصطلح عليهم «غينون بـ «الصفوة»، في مقابل العامة، إذ لا يمكن أن تعطى الحكمة للجميع بالتساوي، لأنّ التفاوت هو سنّةٌ ربانيةٌ وكونيةٌ وطبيعيةٌ. فالديمقراطية إذًا، تلغي الأقلية، وبالتالي تقصي الصفوة، وتقوّض الحكمة وتعدمها لصالح الدهماء.

(159)

إنّ «الأقليّة»، بالمفهوم الغينوني، تمثّل قوةً خطيرةً تزعج الأكثرية، لأنّها توقظ المشكلات النائمة التي لا تستبصرها الأكثرية، وتعاتب الضمائر الغارقة في سكونها، وتدين هذا الوضع أو ذاك. إنّ الأقلية (الصفوة) يمثّلون النخبة المستنيرة التي يستحيل أن تخضع أو تُستمال أو يُمال بها، فهي ترتفع عن كل العوارض لتتحد بالمبدأ الأعلى، لذلك، على الرغم من اختلاف الأزمنة التي ينبجس فيها نور أفراد هذه الصفوة، إلاّ أنّهم يلتقون في مبدأٍ واحدٍ يكون دائمًا موصولًا بالعالم العلوي .

إنّ الأزمات الاجتماعية التي تعجّ بها حضارة الغرب الحديث تحتاج إلى صفوةٍ تمتلك عقولًا جريئةً لا تخشى الإدانة ولا تستكين لسطوة الكثرة، ولا يهمها مقاضاة العقول العرجاء. إنّ حضارة الغرب الحديث في حاجةٍ أكثر من أي وقتٍ مضى لهذه الصفوة، لأنها دخلت في الفوضى والانحطاط وهي مهددةٌ بالتدهور ثم الانهيار. فلإنقاذ الحضارة الغربية من الغرق، والذي سيجرف معه الشرق لا محالة، لا بد من أن تتقدم «الأقليّة» على «الأغلبية»، وأن يدرك الغرب الحديث أنّ العبرة ليست بالعدد وبالكم، بل بالكيف. إنّ الصفوة هي التي ستكون البصيرة الملهمة التي تستشرف المستقبل، وتحارب ضيق الأفق والعقم العقلي والثقافي والفكري الذي أنتجته فوضى هذا العصر، لأنّ الأغلبية فاقدةٌ للبصيرة، ترى بالبصر ولا تتجاوزه، لأن حاكم الحسّ عندها هو المتغلّب، وإذا ما ترك الحكم في أيديها فسيحل رجس الخراب. إنّ هؤلاء يطيعون ويُقادون ولا يقودون، لذلك ربّما يسأل الكثير من الذين لا يفقهون في السياسة: لِمَ يركّز المرشّحون دائمًا في خطاباتهم ولقاءاتهم على أنهم سيلبّون المطالب الحيوية للمواطنين (مسكن، مأكل، ملبس، تأمينات صحية، توفير مناصب عمل، مراكز ترفيه... إلخ)؟ ربما لو تأمّلوا قليلًا لوجدوا الإجابة واضحةً، وهي أن هؤلاء المرشحين يعلمون علم اليقين أنّه بدون هذه اللعبة لن يفوزوا بأصوات الناخبين. فالليبيدو هو الوتر الحسّاس الذي يعزف عليه المرشحون لخوض غمار المباراة السياسية، لذلك نجد رجال السياسة يخاطبون عواطف الجمهور لا عقولهم، فيكسبون أصواتهم في الانتخابات، ويتساوى هنا الذكي والغبي. إذًا، لا نستغرب عندما نجد بعض النخب المثقفة والمتنوّرة تُستمال وتسير مع التيار، حتى إنّها تُوظف لتبرير مشروعية الأنظمة القائمة (تعليمية، اقتصادية، سياسية...).

يستخدم رجال السياسة في المجتمع الديمقراطي حجة الجمهور بقوّةٍ، لأنها هي الوحيدة التي تجعل خطابهم يحظى بالقبول والاقتناع، والطاعة في الأخير، لأنه خطابٌ يلامس العاطفة لدى

(160)

الجمهور، ولا يخاطب العقل والروح، لذلك يعتبر «غينون» «أن الخطابات العاطفية الفخمة والجدالات الحزبية ما هي إلاّ تفضيلاتٌ فردية»[1]، لذلك فمبدأ الأغلبية الشعبية، كمبدأٍ عامٍّ هو، عند «غينون»، مبدأٌ مرتبطٌ ارتباطًا وثيقًا بالعناصر السفلية للإنسان، ذات المنزع المادي، إنّها «الرغبة» التي ترتبط بما هو أدنى، لذلك «كان يعني التأكيد إيجابيًّا أنّ الديمقراطية لم تكن سوى سيادة المستهلك النرجسي الذي ينوّع خياراته الانتخابية مثلما ينوّع لذّاته الحميمة»[2]، ما كان سببًا في نشأة الصراعات داخل المجتمعات الديمقراطية، لأنّها لا ترتكز على ما يوحّد الناس أو الجمهور، فوحدها العناصر العلوية يمكن أن توحّدهم.

على الرغم من أنّ الحضارة الغربية، تعتمد على «مبدأ التخصّص»، الذي نتج عن الميل إلى التحليل والتعمق في دراسة المجال السياسي، فهو الوحيد الذي لا يُطالب فيه بالتخصّص، ويكون الشرط الوحيد لمن يحكم الدولة الزمنية أن تكون لديه قاعدةٌ شعبيةٌ فقط، أي إنّ الشرط الوحيد هو «الكم والعدد»، فالذي يُصوّت له أكبر عددٍ هو من يحكم، لذلك يستغرب «غينون» من مفارقة الديمقراطية قائلًا: «يبدو ذلك غريبًا في عصرٍ ميزته «التخصص» المفرط، وعلى الرغم من ذلك فإنّ الأمر هكذا، خاصةً على المستوى السياسي، إذا كانت مهارة «الاختصاصيين» في الغالب وهميةً للغاية، ومحدودةً على أيّ حالٍ في مجالٍ ضيّقٍ جدًّا، فإنّ الاعتقاد في تلك المهارة، مع ذلك هو واقعٌ، ويمكننا أن نتساءل: لِمَ يحصل أنّ هذا الاعتقاد لا يلعب، بعدُ، أيَّ دورٍ عندما يتعلّق الأمر بمهنة رجال السياسة، حيث عدم الكفاءة الأكمل نادرًا ما يكون عائقًا»[3].

لقد أكّد الواقع السياسي للمجتمعات الديمقراطية، أنّ رجال السياسة، من أثرياء المجتمع، ما يشير إلى أنّ الأوّليغاركية لم تُدحر، ولا زالت تحكم بقوةٍ، لأنّ الديمقراطية التي تعني حكم الشعب، هي، في الحقيقية كممارسةٍ، عمليةٌ تاريخيةٌ، أثبتت أنّ الديمقراطية هي حكم الأقلية الثرية، الفاقدة للبصيرة، ما يجعل هذه الأقلية، بدلًا من أن تخدم الشعب، تخدم الأقلية من الطبقة نفسها، وبالتالي تصبح الديمقراطية هي حكم الأوّليغاركية لحماية الأوّليغاركية، لذلك يعتقد

(161)

«غينون» «أنّ الديمقراطية - مليئةٌ بالمغالطات (sophisme) التي تختبئ تحتها»[1]، إذ لا شيء قد تغيّر، المصطلحات فقط هي التي أخذت تسمياتٍ جديدةً، بالدلالات القديمة نفسها. يقول «غينون»: «لو تأملنا في ذلك، لأدركنا بسهولةٍ أن لا شيء في ذلك يستوجب الاندهاش، وأنّ الأمر ليس، إجمالًا، سوى نتيجةٍ طبيعيةٍ للمفهوم «الديمقراطي» الذي تأتي السلطة، بمقتضاه، من أسفل وترتكز، أساسًا، على الأغلبية، ما يستلزم بالضرورة إقصاء كل كفاءةٍ حقيقيةٍ، لأنّ الكفاءة هي دائمًا تفوّقٌ، ولو نسبيًّا، ولا يمكن أن تكون إلاّ حكرًا على أقليةٍ»[2].

    لأجل ذلك يرفض «غينون» «الديمقراطية» كشكلٍ سياسيٍّ، لأنها تنتج الفوضى، من وراء قطيعتها مع المبدأ العلوي، فتجعل الممارسة السياسية ممارسةً دنيويةً محضةً، تنطلق من العناصر الدنيوية، وتنتهي إلى المقاصد الدنيوية، وبدلًا من أن تكون السياسة امتدادًا للخلافة في الأرض تحقيقًا للمقصد الإلهي، فإنها مع الديمقراطية كشكلٍ، أي كآليةٍ إجرائيةٍ، وكمضمونٍ، أي كأفكارٍ وقيمٍ، تصبح السياسة مناورةً خبيثةً لخدمة العالم الإنسانوي السفلي، لتنتهي إلى مجرد نظامِ حكمٍ رعويٍّ رغبويٍّ، لأنّ الحاكمين والمحكومين في النظام الديمقراطي لا يُشترط فيهم أي شروطٍ من طرازٍ روحيٍّ، إذ الشرط الوحيد أن تكون للممثِّلين قاعدةٌ شعبيةٌ واسعةٌ وجماهيرُ تجثو لهم خانعةً، بغضّ النظر عن بنية هذه الجماهير، والشيء نفسه في المحكُومين الذين يُعطى لهم مشروعية اختيار الممثِلين، فكل الشروط إذًا للحاكمين والمحكومين هي من طبيعةٍ ماديةٍ محضةٍ.

 يوضّح «غينون» أنّه، انطلاقًا من القطيعة التي تقيمها الديمقراطية مع عالم السماء عبر ما يصطلح عليه في الحضارة الغربية الحديثة بـ «العلمانية»، تكون قد عملت على هدم التراث التقليدي، عبر الانتصار لمبدأ «الأغلبية» وسحق «الأقلية» التي يصطلح عليها «غينون» «بالصفوة» وهي عنده «من الناحية التراثية المتوارثة، مشتقةٌ من الاصطفاء، ولا يقصد هنا أيّ مفهومٍ اجتماعيٍّ غربيٍّ حديثٍ ودنيويٍّ قائمٍ على الانتخاب... كما أنّه لا يتوقف عند المعنى الديني أو الظاهري للعبارة»[3].

(162)

فالديمقراطية، عند «غينون»، عبر مبدأ التماثل والمساواة، تلغي الطبقية الاجتماعية، ومعه تزول الحدود الفارقة بين «الصفوة العرفانية» و «الدهماء»، لأنّ «الهدم لكل تراتبٍ يبدأ حالما تريد السلطة الزمنية أن تستقلّ عن السلطة الروحية، ثم تخضعها لسلطتها من خلال سعيها لتوظيفها لأهدافٍ سياسيةٍ، كانت تلك عملية غصبٍ أوّليٍّ فتحت الطريق لكل مثيلاتها»[1]. يبدو أنّ «غينون» يرفض «العلمانية» بالمفهوم الغربي، لأنّه لا يريد أن تنفصل السلطة الزمنية عن السلطة الروحية، فلا تعارُض بينهما، لأنّ الأوّلى ترتبط بالمبدأ الأسفل (العنصر البشري) والثانية بالمبدأ الأعلى (العنصر المقدّس)، وهما متكاملان، إذ ينبغي أن يُخضَع الأسفل للأعلى، لا الأعلى للأسفل كما تفعل الديمقراطية التماثلية.

إنّ الفيلسوف الهدّام «غينون» يريد أن يجمع في السياسة بين الكمّ والكيف، أي بين المادي والروحاني، على اعتبار التكامل بينهما، فالمادي ليس ضدًّا للروحاني، والروحاني ليس إقصاءً للمادي، والأمر يتطلب فهم الروحاني فهمًا تراثيًّا خالصًا بالعودة إلىى التقليد الأصيل. إنّ السياسة ليست منفصلةً عن المعنى والقيمة الروحية، لذلك فإنّ السلطة الحقيقية، عند «غينون»، ليست سلطة الشعب المختزَلة في ما يُسمّى نظرية العقد الاجتماعي «بالسيادة الشعبية أو الإرادة العامة»، أي حكم الشعب نفسه بنفسه، وكأنه لا يريد في هذا الحكم أي سلطةٍ أخرى عليه سوى ذاته، بحيث يتم إلغاء السلطة الروحية لصالح السلطة الزمنية. إنّ السلطة الحقيقية هي سلطةٌ من فوقٍ، إذْ «من الواضح جدًّا أنّ الشعب لا يمكنه أن يمنح سلطةً لا يملكها هو نفسه، إنّ السلطة الحقيقية لا يمكن أن تأتي إلا من فوقٍ... أي من قبل سلطةٍ روحانيةٍ»[2]، خاصةً إذا عرفنا أنّ الديمقراطية تحتوي على مغالطةٍ منطقيةٍ صريحةٍ، فإذا كانت تعني «حكم الشعب نفسه بنفسه، توجد هنا استحالةٌ حقيقيةٌ، شيءٌ لا يمكن حتى أن يكون له مجرد وجودٍ ملموسٍ، لا في عصرنا ولا في أي عصرٍ آخرَ، يجب ألاّ نُخدع بالكلمات، وأنّه من التناقض تقبّل فكرة أن أناسًا بعينهم يستطيعون أن يكونوا، في الوقت نفسه، حاكمين ومحكومين»[3]، فهذا تناقضٌ، فالشعب إما أن

(163)

يكون حاكمًا، أو محكومًا، وفكرة أن يحكم الشعبُ نفسه بنفسه تبدو فكرةً سخيفةً، ففي كل المجتمعات عبر التاريخ لا يوجد شعبٌ حكم نفسه بنفسه، وذلك سيكون ممكنًا في حالة أقليةٍ يمكن حسابها بالعدد، لكن مع المجتمعات الحالية ذات الكثافة السكانية، من ناحيةٍ، ومن جهةٍ أخرى مع تنوّع وتعدّد النزعات والذهنيات في المجتمع الواحد، ما يجعل حكم الشعب نفسه بنفسه أمرًا مستحيلًا، لأنّ التوافق لن يحصل، وهذا ما يجعل الصراعات السياسية تستمرّ، وتقطر بالعنف المادّي.

إنّ غياب المبدأ الأعلى الذي يوحّد التوجهات السياسية على الرغم من تنوّعها، هو ما يثير كل تلك الفوضى الاجتماعية، في حين أنّه عندما ترتبط الممارسات السياسية بالمبدأ الأعلى، فمهما تعددت الوسائل، ستنتهي إلى غايةٍ واحدةٍ وهي خدمة المقصد القيمي الروحي باعتباره هو الوحيد الذي يوحّد، ويقضي على التشتت والفوضى.

تظل الديمقراطية شكلًا دنيويًّا عاجزًا عن بلوغ المجتمع العادل، لأنّ «المهارة الكبرى للحكام في العالم الحديث، تكمن في إقناع الشعب بأنه يحكم نفسه بنفسه، ويستسلم الشعب للقناعة بسرورٍ يزداد كلما مدح، وأيضا كلما كان أكثر عجزًا عن التفكير بما يكفي ليكتشف أن هناك استحالةً في هذا الأمر»[1]، لذلك أكّد «غينون» على أنّ الديمقراطية وهمٌ خادعٌ، وتحاول جعله حقيقةً بكل الطرق والوسائل، وبخصوص ذلك الوهم يقول «غينون» أنّ «»اخترع الاقتراع العام» يفترض أنّ رأي الأغلبية هو الآمر والناهي، لكن ما يتعذّر تبيّنه هو أنّ الرأي شيءٌ يمكن بسهولةٍ توجيهه وتعديله، يمكن دائمًا لمن يريد ذلك، بواسطة إيحاءاتٍ مناسبةٍ، أن يُحدث تياراتِ رأيٍ يوجّهها الوجهة التي يريدها»[2].

فـ «في ظلّ المجتمع الديمقراطي تنتصر المادة على حساب الفن والأخلاق وحرية الفكر، فهذه الديمقراطية المعاصرة هي الأكثر تطرّفًا في الفكر لأنّها تحاول ابتلاع الضّمير المتيقظ الذي كلما حاول الانفصال عن النظام السائد بشكل حرٍّ وواعٍ، كلما وجد تعويضاتٍ تشتري ضميره الثّائر،

(164)

وتحوّله إلى ضميرٍ تعيسٍ راضٍ بالوضع القائم»[1]. هكذا يتولّد عدم الاكتراث واللاّمبالاة عند الأفراد في الأنظمة الديمقراطية، فالفرد في هذا النظام يصبح وكأنّه لا يهمه الحكم، فلا يشترك في التصويت ولا يساهم في التفكير في القضايا العامة. ونتيجةً لذلك يأتي أفرادٌ غيرُ صالحين إلى الحكم يتخذون قراراتٍ لا تخدم مصلحة المجموع، لأنّ «البرمجة تسيطر على كل أوجه الحياة، ولم يبق سبيل للعفوية والمبادرات الشخصية. تشيّأ المحيط فتشيّأت معه الرغبات والميول. وكلما انغلق أفق المستقبل تقلّص منظار الرؤية الداخلية والخارجي»[2].

من هنا تظهر الديمقراطية أسوأ الأوهام، لأن القادة السياسيين عند «غينون» لا يمتلكون دائمًا الكفاءة السياسية، أي القدرة على خلق خيطٍ ناظمٍ يجمع بين السلطة الزمنية والسلطة الروحية، لذلك فانعدام هذه الكفاءة، سيلغي عن القادة السياسيين صفة القيادة التي هي في الأساس قيادةٌ من طرازٍ روحيٍّ، فلجوء القادة، في ما يقول «غينون»، لِما يُسمّى بـ «الرأي العام» ليس خطئًا، لكنّ مكمن الخطأ المنتج للفوضى، حين يتم صناعة الرأي العام من طرف أشخاصٍ غير مؤهلين، لأنّ الشعب سيخضع لذلك الرأي العام، وهنا تقع الكارثة، إذا كان الرأي العام فاسدًا في الأساس، لكنه سيستوطن في عقل الشعب الذي يسير بمبدأ الأغلبية في الحكم على جميع الأشياء، من منطلق أنّ العام والمنتشر والمشاع والمتداول من طرف أكبر عددٍ، هو دائمًا صحيحٌ، في مقابل الرأي الخاص الذي لا يحظى بمجموعٍ حسابيٍّ كمّيٍّ كبيرٍ، فإنه سيسحق، وهذا ما نفهمه من قول «غينون»: «لم نعد نعرف من تكلّم عن «صناعة الرأي»، وهذه العبارة صحيحةٌ تمامًا، على الرغم من أنه يجب القول، إضافةً، إلى ذلك، أنه ليس دائمًا أنّ القادة الظاهرين هم من تتوفّر لديهم الوسائل الضرورية لكي يحصلوا على تلك النتيجة... وصناعة الرأي دليلٌ واضحٌ وقويٌّ على عدم كفاءة الملأ»[3]، لأنّ الجمهور أو المسمى بالشعب الذي تراهن عليه الديمقراطية في الحكم هو عند «غينون»، لا يمتلك الكفاءة اللازمة التي تؤهله للحكم، باعتباره سهل الاستمالة، عن طريق الإيحاءات اللفظية التي تهيمن على الحضارة الغربية الحديثة، في غيابٍ كلّيٍّ للفكر، الأمر الذي أدى إلى سيطرة اللغة وانسحاب الفكر لتعود الجدلية الانفصالية بينهما، بتقريض الروح الشكّية والنقدية التي تسائل

(165)

الوضع الراهن، وتنبش في الأعماق. لذلك يصبح من السهل على المخاطِب أن يبثّ ما يشاء من أفكارٍ ومعتقداتٍ وآراء، فطالما أنّ وعي الجماهير في حالة كمونٍ، والعقل النقدي السؤول مُخْمدٌ، فإنّ الجماهير ستستقبل بعد عزل المصفاة التي ينبغي أن تكون بين المرسِل للخطاب والمتلقّي له.

ثم إنّ المجتمع الديمقراطي اليوم طوّر من وسائل الاستمالة والإيحاء، فانتقل في العصر السيبرنيتي من الإيحاءات اللفظية، إلى الإيحاءات الميديائية باعتماد «الصورة»، التي حلّت محلّ الفكر، فهي التي تحلّل وتركّب، هي التي تفكّر في مكان الإنسان الحديث، حتى انسحب العقل المفكر، تاركًا الساحة للعقل المستقيل والمستريح، بما خلقته «ثقافة الصورة» من تعميمٍ مبتذَلٍ على مستوى الفكر والمعرفة.

لقد أصبحت «الصورة» في المجتمع الديمقراطي الحديث أكثر الوسائل جذبًا للجمهور، الذي يمكن تسميته بـ «جمهور الصورة»، لتنزل كل إمكاناته وقدراته التفكّرية إلى الحضيض، ولم يعد للتأمّل أي قيمةٍ مع هيمنة «الصورة» التي يمكن اعتبارها إحدى تجليات المادية الحديثة، التي تحصر المعرفة وتختزلها في المجال البشري الحسي، لتجد «الصورة» أفضل وأقصر وأبسط وسيلةٍ لتحصيل المعرفة الدنيوية، أما الحكمة فضاعت وسط هذه العتمة ووسط فوضى الحواس في العالم الميديائي اليوم. فكما يقول «غينون» حقًّا: «إنّ التأثير الذي يمارسه الخطباء على عامة الناس مميّزٌ، بشكلٍ خاصٍّ، من هذه الجهة، ولا توجد حاجاتٌ لدراسته من قريبٍ حتى نتأكّد بأنفسنا أنّ الأمر، هناك، لا يعدو كونه عمليةَ إيحاءٍ مماثلةً تمامًا لإيحاءات المنوّمين المغناطيسيين»[1]. هكذا يتم التلاعب بعواطف الشعب، فكيف له أن يحكم نفسه بنفسه، لذلك فبراعة الحكام، التي تتمثّل إذًا بمبدأ العدد والكم، لم يترك مجالًا إلاّ واقتحمه وسيطر عليه، وما الأفراد إلاّ مجموعةٌ من الأعداد والأرقام التي تشكّل بنية الحياة الاجتماعية الحديثة في غيابٍ كليٍّ للكيف والنوع، حتى إنّ الشعب في اختياراته أو في ما يُسمّى «الاقتراع العام»، يختار منتَخبيه باعتماد المنطق الإقصائي الاستبعادي للأقلية، فقط لأنها لا تحظى بقبول الأغلبية، حتى وإن كانت ذاتَ كفاءةٍ، لأنّ الجمهور تحت تأثير الإيحاءات التي يستخدمها السياسيين للتأثير على عواطفهم. يظنّ هؤلاء أنّ من يحوز على العدد الأكبر فهو الأصلح، «فقانون العدد الأكبر هو الذي تتمسك به الحكومات الحديثة والذي

(166)

تريد استمداد شرعيتها منه، هو بكل بساطةٍ قانون المادّة والقوّة الوحشية، القانون نفسه الذي بموجبه يَسحَق جمهورٌ مدفوعٌ بقوّته كلّ ما يعترضه في مسلكه، وهنا توجد، بالتحديد، نقطة الوصل بين التصوّر الديمقراطي و«المادّية»، وهذا أيضًا ما يجعل أنّ التصوّر نفسه مرتبطٌ بشدّة بالعقلية الحديثة»[1].

إذًا، فالديمقراطية كشكلٍ سياسيٍّ، عند «غينون»، قد أغرقت المجتمع الحديث في الفوضوية، فهي لا تخرج عن كونها إحدى تجليات الحضارة المادية الغربية التي لا تعترف إلاّ بالكم الحسابي، فما لا يقبل العد الحسابي، لا يمكن أن يكون ذا قيمةٍ، ما أدى في الأخير إلى قلب المفاهيم، فأصبح الكم يحكم في الكيف، أي العامة تحكم وتوجه الخاصة، والدهماء تكتسح المجتمع في ظلّ تراجع الصفوة، وبذلك يحكم الجهل ويخبو العقل المستنير، «إنّه الانقلاب الكلّي للنظام السوي، بما أنّ الذي يحصل هو إعلان هيمنة الكثرة، كثرة هي، في الواقع، لا توجد إلا في العالم المادي، وبالعكس ففي العالم الروحاني، في النظام الكوني، تتربّع الوحدة على قمّة التراتب، لأنها هي المبدأ الذي تصدر عنه كل كثرة، لكن عندما ينكر المبدأ أو يفقد الاهتمام به، لن تبقى، بعد، إلاّ الكثرة الخالصة، التي تتماهى مع المادة  نفسها»[2].

إنّ الأزمة، التي تعاني منها الحضارة الغربية الحديثة، على المستوى الاجتماعي، هي إحدى مآلات وهم الديمقراطية والمساواة، باعتبار أنّ الأزمة هي أزمةٌ روحيةٌ في الأصل، لأنّ الديمقراطية علمنت المجتمع الغربي، وفكّكت أواصره وبناه الداخلية، فانتهى الإنسان الغربي مقذوفًا داخل متاهات الهشاشة الأنطولوجية، والعدمية السياسية، والخواء الروحي، فشُوّه الفن، واستُلب الجمال، «فالفرد الحديث هو شخصٌ منفصلٌ عن الأشخاص الآخرين المماثلين له، وفي صراعٍ معهم، يمتلك قدرته الخاصة على العمل وقادرٌ على بيعها في السوق. الجسد جزءٌ من الطبيعة، آلةٌ ميكانيكيةٌ تعمل بطاقة المشاعر المحكومة بالعقلانية الديكارتية. لغة النزعة الإنسانية الليبيرالية المحدثة -الحقوق والمساواة والاستقلال الذاتي- قائمةٌ على هذا التصوّر للفرد المسلَّع»[3].

(167)

من أجل أن تحقق الحضارة الغربية التماثل ضحّت بكل ما هو علويٌّ، ليبقى كل شيءٍ في مستوًى سفليٍّ دنيويٍّ، بل إنّها من خلال تيْنك القيمتيْن الحداثويتيْن -الديمقراطية والمساواة- دمّرت التراث الروحي في شكليه الميتافيزيقي، والديني، هذا الأخير الذي لم يبق منه في الغرب سوى أشكالٍ سطحيةٍ شعائريةٍ باهتةٍ، منسيةٍ ومركونةٍ في زاويا الكنائس، تبدأ هناك، وتنتهي بين جدرانها. إنّ «إنكار السلطة الروحية هو، أيضا، ماديةٌ عمليةٌ، وأولئك أنفسهم، الذين يزعمون أنهم يعترفون بمثل هذه السلطة من حيث المبدأ، ينكرون عليها، واقعًا أي تأثيرٍ حقيقيٍ وأيّ سلطةٍ للتدخل في المجال الاجتماعي، تماما بالكيفية نفسها يقيمون بها عازلًا محكمًا بين الدين والانشغالات العادية لحياتهم، سواءً تعلق الأمر بالحياة العامة أو الحياة الخاصة». وهنا تكمن المفارقة والمغالطة المنطقية في الحضارة الغربية الحديثة المادية، فهي من جهةٍ تعترف بذلك المجال الروحي الذي يمثله الدين كمبدأٍ، لكن لا تعترف به على مستوى الممارسة العملية، في قدرته التوجيهية والبنائية لمجتمع المؤسسات الدنيوية، وبهذا تفصل بين النظري والعملي، وبين المبدأ والممارسة، وتنتصر لـ «العمل» على «التأمّل»، حتى إنّ المهووسين بالحضارة الغربية، معجبون بها لأنّها «حضارةٌ عمليةٌ» في نظرهم، ما جعلهم يحتقرون كل حضارةٍ تنزع نحو «التأمّل»، فذلك الفصل بين «العمل» و «التأمّل» ما هو إلاّ وفاءٌ للمبدأ الاختزالي التبسيطي، حيث تردّ كل الأشياء إلى «المادة والكم».

إنّ التماثل في شكله السياسي والاجتماعي والفرداني، سمح بميلاد «الإنسان الإله»، الذي حلم به «نيتشة» فهو الذي يشرّع، ويستمد كل السلطات على اختلاف أشكالها، من الإنسان، فهو المبتدأ والمنتهى، هكذا أوهنت الديمقراطية، المجتمع الغربي، وصيّرت الحياة فيه إلى كايوسيةٍ ممتلئةٍ.

(168)

 

 

 

 

 

 

الفصل الثالث

بعث التراث الروحي

لإنقاذ الحضارة الغربيّة

 

(169)
(170)

تمهيد

 

إنّ «غينون» ليس ذلك الفيلسوف الهدام الذي ينتقد دون أن يعيد الحياة للقوى الميتة، وليس ذلك الفيلسوف النرجسي الذي لا يعترف إلا بأنويته، إنّه لا يتعالى عن الحقيقة، وحيثما وجدت يعترف بها، فتفكيكه لبنى الحضارة الغربية الحديثة، وكشفه عن تصدّعاتها وانشقاقاتها الداخلية، لم تغنِه عن تلمّس وجه القمر المضيء فيها، فلم يألُ جهدًا، في البحث عمّا بقي من عناصرَ سويةٍ داخل هذه الحضارة المفكّكة وإبرازها. لقد اكتشف «غينون» أنّ الحضارة الغربية، لم تبلغ مرحلة الموت النهائي، ما يجعل إنقاذها أمرًا ممكنًا، والذي لا يحصل إلاّ إذا أُعيدت القيم إلى مكانها في سلّم التراتب الوجودي. لقد وجد «غينون» نورًا خافتًا لا زال يقاوم تيار المادية، تتجلى فيه شذراتٌ متناثرةٌ لترسّبات الروحانية الحقيقية الأصيلة، إنه «التراث الديني والميتافيزيقي»، الذي يمكن الانطلاق منه لإعادة الحضارة الغربية إلى المسار السوي، خاصةً بعد التزييفات التي حرّفت التراث الروحي، وجعلته دنيويًّا محضًا، ومفرغًا من المقاصد العلوية (الإلهية)، فآل، تحت هيمنة العقلانية والإنسانويّة، إلى روحانياتٍ مزيَّفةٍ تخدم العناصر السفلية للإنسان.

فكيف يتم إعادة السلطة الروحية لتصحيح مسار السلطة الزمنية؟ وكيف يتم  إعادة حياء الروحانية التراثية عند «غينون»؟

(171)
(172)

 

 

 

 

 

 

المبحث الأوّل

مساءلة في مفهوم التراث لتصحيح المسار

 

 

أولًا: تعريف التراث عند «غينون»

ثانيًا: التراث في شكله الميتافيزيقي

ثالثًا: التراث في شكله الديني

 

(173)
(174)

أولًا: تعريف التراث عند «غينون»:

يُعدّ «التراث» من المفاهيم الملتبسة دلاليًّا، إذ أصبح بحكم التشويهات التي اخترقته، مجرَّد مخزونٍ ماضويٍّ تجاوزه الزمن، وفقد صلاحيته ومشروعيته في الحاضر والمستقبل، وكأنّه استكمل دورته الزمنية، وحصل معه كما يحصل مع الكائن الحي (ميلاد - نموّ - موت)، حيث أصبح في المخيال الغربي والشرقي، مرادفًا لذلك المعنى المبتذل الذي يحصره في العادات والتقاليد الموروثة، حتى إنّ كلمة «تراث» أصبحت تشير إلى كلّ ما هو قديمٌ في مقابل «الحديث» و «المعاصر»، والذي ينبغي تجاوزه للتكيّف مع روح العصر، أي اليومي الراهن الذي نعايشه في الحاضر، أيْ الوجود هنا والآن بمفهوم «هايدغر» لـ «الآن». هذا الفهم المغلوط والملتبس للتراث ساهم في تصعيد الأصوات الرافضة له والتي تدعو إلى القطيعة معه للاستمرار في التواجد الآن، وكأن كل رجعةٍ إلى التراث هي تقهقرٌ إلى الوراء، وهنا ظهرت إلى الأفق سجالاتٌ لا تنتهي حول «التراث» و «المعاصرة» في الحضارة الشرقية والغربية.

إنّ التعريف المتداول لـ «التراث» لا يمّيز ما هو بشريٌّ عمّا هو فوق-بشريٌّ، ويعتبر أنّ كلَّ ما ينتمي إلى الماضي هو تراثٌ، لذلك حاول «غينون» تطهير مفهوم «التراث» ممّا لحقه من مغالطاتٍ عن سوء فهمٍ مقصودٍ أو غير مقصودٍ، محاولًا إعادة الاعتبار للمفهوم الأصيل للتراث.

يعرّف «غينون» التراث بأنه: «معرفةٌ من طرازٍ فوق-بشريٍّ، أي لا يُعتبر ثراثًا أصيلًا إلا ما كان مرتبطًا بالوحي الإلهي [...] فكل ما هو من نمطٍ بشريٍّ صِرفٍ لا يصحّ لهذا السبب أن يوصف شرعًا بأنّه تراثيٌّ أصيلٌ»[1]. هذا يعني أنّ التراث، عند «غينون»، هو من طرازٍ روحيٍّ مفارقٍ، لا مادّيٍّ. لذلك فالاستخدامات المتداولة من قبيل «التراث الفلسفي» و «التراث العلمي» و «التراث الفني»...إلخ، هي كلها تسمياتٌ خاطئةٌ، إذ لا يوجد إلاّ تراثٌ واحدٌ، هو ذلك الموصول بالشرائع الربانية.

ولتوضيح المقصود بـ «التراث» يقدّم لنا «غينون» مثالًا بالنظام الإسلامي حيث يقول: «النظام الإسلامي ككلٍّ قائمٌ على تراثٍ دينيٍّ، وليس حاله في ذلك حال أوربا اليوم، والتي تعتبر الدين

(175)

عنصرًا واحدًا من عناصر النظام الاجتماعي، فالعكس هو الصحيح في الإسلام، حيث النظام الاجتماعي بالكامل جزءٌ جوهريٌّ من الدين، ولا تنفصل عنه كافة التشريعات، حيث تجد فيه المبدأ والمبرر»[1]. فالعلاقة بين الدين والنظام الاجتماعي في كلا الحضارتيْن، الغربية والشرقية الإسلامية، هي علاقة جزءٍ بكلٍّ، لكن في الحضارة الغربية يمثّل النظام الاجتماعي الكل، والدين ينحصر في مجردِ جزءٍ، ما يشير إلى أنّ الدين خاضعٌ للنظام الاجتماعي وتابعٌ له، بدلًا من أن يحصل العكس، وهذا القلب في العلاقة، هو علامةٌ على انحراف الحضارة الغربية، باعتبارها حضارةً غيرَ تراثيةٍ، لأنها تنظر إلى التراث كبقعةٍ قاتمةٍ، وتحصره في زاويةٍ وتمنع عنه الحركة والفاعلية في تنظيم شؤون الحياة الدنيوية، في جانبها المعرفي، والاجتماعي، والفكري.

أما الحضارة الشرقية، فهي على النقيض، تضع النظام الاجتماعي جزءًا من الدين، باعتباره الكل، فهو الجوهر الثابت، أما النظام الاجتماعي فهو عارضٌ دنيويٌّ نسبيٌّ، متغيّرٌ. لذلك نجد الحضارات الشرقية –والإسلامية منها خاصةً- في كل تشريعاتها السياسية الاقتصادية والأسرية والحقوقية... إلخ، هي تشريعاتٌ مستمدةٌ من أعلى، لا من أسفل.

على الرغم من هيمنة الكم على حضارة الغرب الحديث، والتي تنذر بانهياره، إلاّ أنّ «غينون» يتفاءل بإمكانية تلافي هذا السقوط، إذ يقول «غينون»: «يقول الإنجيل أيضا: «كلّ بيتٍ منقسمٍ على نفسه سينهار»، هذا الكلام أيضًا ينطبق تمامًا على العالم الحديث، بحضارته المادية... ولا حاجة إلى الاعتماد على أسبابٍ أخرى حتى نتمكن، بلا خشيةٍ من الخطأ، من توقّع نهايةٍ مأساويةٍ لهذا العالم، إلا إذا حصل في أقرب وقتٍ، تغيّرٌ جذريٌّ يصل إلى حد عودةٍ حقيقيةٍ»[2]. فإحياء التراث كفيلٌ بتصحيح المسار المنحرف للحضارة الغربية. 

التراث بالمعنى التقليدي الأصيل له شكلان عند «غينون» هما: الشكل الميتافيزيقي والشكل الديني:

(176)

ثانيًا: التراث في شكله الميتافيزيقي:

التراث الميتافيزيقي، عند «غينون»، ينتمي إلى مجال العقل المستبصر لا العقل المفكر. فالميتافيزيقا هي المعرفة بالمبادئ الكلية المطلقة، وهي معرفةٌ إلهاميةٌ حدسيةٌ غير استدلاليةٌ، مستقلةٌ عن كل نسبيةٍ، لأنّ الإلهام المستبصر يختلف عن الحدسيات التحت-عقلية (يقصد «غينون» البرغسونية التي بحثت في ما تحت العقل أي العالم السفلي الظلماني).

فالمعرفة الميتافيزيقية، عند «غينون»،  لا يمكن التعبير عنها في قوالبَ لفظيةٍ، فالتعبير سيكون معرفةً ناقصةً مشوّهةً، يقول في ذلك: «وهي التي -أي الميتافيزيقا- في جانبها الأكبر مستعصيةٌ عن التعبير والتوصيل، ولا يدركها إلاّ من شهدها وذاقها وحققها في ذاته مباشرةً»[1]. فالمعرفة الميتافيزيقية، عند «غينون»، هي «المعرفة العرفانية المستبصرة» والمعرفة الإلهامية اليقينية.

إنّ المعرفة الميتافيزيقية الخالصة، عند «غينون»، لا يمكن أن تكون محلّ اختلافٍ بين الأفراد لأنها تتعلَّق بالمبادئ الكلية، وهي واحدةٌ مهما تعدّدت أشكالها الخارجية، ومهما حصل اختلافٌ بين الأفراد، فوراء التنوع والتعدد هناك دائمًا حقيقةٌ واحدةٌ ترتدّ إليها تلك الكثرة. لذلك فإنّ إدراك هذه المعرفة لا يتأتّى إلّا لإنسانٍ يمتلك بصيرةً نافذةً تذهب إلى ما وراء الأشكال الظاهرة لتستكشف كنه الأشياء وجوهرها الأبدي، لأنّ «الرؤية، على هذا النحو، من خلال الأشكال المتعدِّدة، قد تُخفي أكثر مما تُبدي، ولكي تحصل رؤية ما تخفيه الأشكال، لا بد من حيازة هذه البصيرة الحقيقية التي أمست غريبةً تمامًا عن العالم الغربي»[2].

إنّ الاختلاف، عند «غينون»،  يكون في مجال الحقائق التي تنتمي إلى النمط

(177)

العارض، والاختلاف لا يعني التعارض ولا ينبغي أن يؤدّي إلى الصراع والتباعد بين الحضارات، أما في مجال المبادئ فينبغي حصول الاتفاق. لذلك فالتقارب بين الحضارة الغربية والحضارة الشرقية يكون على مستوى الحقائق السامية لا الحقائق العارضة، إذ يمكن التفاهم على مستوى المبادئ بغضّ النظر عن الاختلافات على مستوى الجنس والعصر. لذلك يعتقد «غينون» أنه «ينبغي ملاحظة أنّ معرفة المبادئ، التي هي المعرفة بامتيازٍ، المعرفة الميتافيزيقية بالمعنى الحقيقي للكلمة، هي معرفةٌ كونيةٌ كما هي المبادئ نفسها، وبالتالي فهي متحرِّرةٌ من كل العوارض الفردية»[1]. لذلك يعتقد «غينون» أنّ العجز عن إدراك الشيء ليس دليلًا على عدم وجوده، إذْ، كما ما يقول «غينون»، «من السهل دائمًا الاستهانة بما لا يُعرَف، بل هي أحسن وسيلةٍ للتخفيف عن النفس وطأة عجزها عن الإدراك، وهي وسيلةٌ في متناول جميع الناس»[2].

يميّز «غينون» بين العلم والميتافيزيقا، «فمجال الميتافيزيقا يحتوي على ما يكمن بطبيعته خارج نطاق هذه العلوم، ويتجاوز بشوطٍ واسعٍ كل ما يمكنهم ادعاء الإلمام به، ومجال كل علمٍ يعتمد دائمًا على التجريب، في حين مجال الميتافيزيقا يكمن جوهريًّا في ما لا يجوز فيه التجريب، حيث إنّه ما وراء-طبيعيٌّ»[3]، فإذا كانت المعرفة الميتافيزيقية، العرفان الروحي عند «غينون»، عصيةً على الفهم بواسطة مناهج العلم الحديث، فهذا لا يعني أنّ المعرفة العلمية أسمى منها لمجرد نجاح تطبيقاتها على المستوى المادي، وملاحظة ذلك النجاح أرض الواقع مباشرةً، فهذا النجاح نفسه انقلب إلى النقيض جراء ما أفرزه العلم الحديث من أزماتٍ تهدد بانهيار «العالم الرمزي»، فمن الحماقة والسخف إزاحة الميتافيزيقا بحجّة عدم وجود تطبيقاتٍ ماديةٍ مباشرةٍ لها على أرض الواقع.

إنّ الاقتصار على الجانب الكمّي في المعرفة واهمال الجانب الكيفي، أي طغيان المنهج التحليلي على حساب المنهج التركيبي، الذي أحدث الفوضى المعرفية والتشتت كحتميةٍ للإغراق في التفصيل

(178)

بدلًا من الوحدة، ما أدّى إلى فقدان المبدأ الأسمى الموجّه للتعليم الحديث في الحضارة الغربية والذي امتد إلى الحضارات الشرقية.

«يبدو أن الاستعمال الحصري لبعض المناهج قد فُرض على المؤرخين المحدثين فقط ليتم منعهم من تشكيل رؤيةٍ واضحةٍ حول الأسئلة التي لا يجب المساس بها، لسببٍ بسيطٍ أنها يمكن أن تقودهم إلى استنتاجاتٍ معاكسةٍ للنزعات «المادية» التي يدعمها «التعليم الرسمي»»[1]، فالتعميم التعسّفي لمناهج العلوم والحكم عليها بالصلاحية المزعومة والمطلقة ورفض كل ما سواها من مناهج، أدّى إلى الانغلاق والانحصار في مستوًى واحدٍ من المعرفة، هو الميدان الحسي الذي تحكمه المادة والكم، ما أدّى في النهاية إلى إنكار قدرة الإنسان على إدراك الحقيقة أمام كثرة الافتراضات المتناقضة، وبالتالي إنكار ما يُسمّى بـ «البقاء الأسمى الدائم والأبدي»، والذي لا يكون إلاّ للمبادئ لا للعوارض، حيث تم إنكار «المعرفة الميتافيزيقية» باعتبارها معرفةً بالمبادئ لكونها تنفلت من قبضة المناهج العلمية الحديثة التي تبدو عاجزةً تمامًا عن بلوغ كنه هذه المعرفة اعتمادًا على الوقائع الحسية، وهذا العجز هو الذي أدى إلى إنكار «الميتافيزيقا» والإعلان عن موتها وتهاوي كل قلاعها وحصونها تحت مطرقة العلم الحديث، وهذا إحدى أنواع العمل ضدّ التراث والتقليد، وعلى الرغم من ذلك «فالميتافيزيقا تظلّ هي ذاتها دائمًا، وبشكلٍ أساسيٍّ لا تتغيّر، حيث إنّ موضوعها كامنٌ في جوهرها، أو بشكلٍ أدقَّ باللاّإزدواجية كما يسمّيها الهندوس، والموضوع مرّةً أخرى: كامنٌ في ما وراء الطبيعة فوق كل التحوّلات، ويعبّر العرب عن ذلك بقولهم: «إنّ التوحيد واحدٌ»... إنّ الميتافيزيقا هي معرفةٌ لا تحتاج إلى أيّ وسائلَ متخصّصةٍ وبرّانيةٍ في البحث، وكلّ ما يمكن أن يُعرف منها قد يكون عُرف بالفعل لأشخاصٍ معينين في حقبةٍ كانت»[2].

فالميتافيزيقا، في التصور الغينوني، لا تُلقًّن من الخارج، وإنما يصل إليها الإنسان من الداخل، فهي تجربةٌ جوّانيةٌ تخص السريرة الداخلية، ولا يمكن نقلها من الداخل إلى الخارج، أي شرحها وإفهامها

(179)

للناس بالألفاظ والكلمات، لأنها شيءٌ يُعاش، ولا يمكن لأيٍّ كان أن تحصل له التجربة الميتافيزيقية، بل لا يستطيع ذلك إلّا أولئك الذين تجردوا من العوارض وارتبطوا بالجواهر الثابتة، أي الذين انفصلوا عن العناصر السفلية، وارتفعوا إلى العناصر العلوية، أيْ أولئك الذين أقاموا القطيعة مع عوالم النسبي ليسكنوا في عوالم المطلق.

لذلك لا يمكن الولوج إلى عالم «الميتافيزيقا» من قبل العامة المرتهنة في العالم الظلماني، بل لا تعرج إلى العالم الميتافيزيقي إلاّ الأرواح المتحرّرة بشكلٍ مطلقٍ من كل ما ينتمي إلى المادة والكم بالمفهوم الغينوني، على ألّا يُفهم من «الميتافيزيقا» بهذا المعنى الغينوني، أنها تعني الانسحاب من عالم الدنيا، والانعزال والتقوقع داخل الذات والتماهي معها في حركةٍ سكونيةٍ كُمُونيةٍ، خاليةٍ من الفعل. إنّ الميتافيزيقا المقصودة، هي التي لها القدرة على التأثير في العالم الدنيوي، وتوجيهه إلى المسار السوي، فكما قال «غينون»: «التجرّد إلى التأمّل الروحي الخالص لا يحجب بالضرورة النظر إلى تأثيره الذي يمكن أن يمتد إلى جميع الميادين، ولو بكيفيةٍ غيرِ مباشرةٍ، بل حتى دون قصدٍ من صاحبه من حيث التفصيل... فما من تراثٍ روحيٍّ إلاّ وقد سمح لمن بلغوا بعض المقامات الروحية العالية، أن يوجّهوا «المؤثرات الروحية» التي ركّزوها في ذواتهم، لتنتشر تدريجيًّا في تلك الميادين (الإنسانية والكونية) تبعًا لتسلسلها في مراتب السلم الوجودي، مفيضةً كقبسٍ ومساهمةً في التدبير الكلّي»[1].

إنّ الميتافيزيقا، عند «غينون»، «ترتبط بالمجال الغيبي، وفي نظره يصعب تعريف هذا المجال، لأنه يتعدى الطبيعة المحسوسة، وأي تعريفٍ له يعدّ بمثابة تحديدٍ، فالميتافيزيقا متعلقةٌ بكل ما وراء الطبيعة، ولا يمكن لأي فردٍ أن يتوصل إلى درجةٍ من المعرفة إلاّ بفضل مجهودٍ بحتٍ، بغية تخطي حدود الفرد نفسه»[2].

يميّز «غينون» بين المعرفة العلمية والمعرفة الميتافيزيقية، باعتبار أنّ مجال الأوّلى هو المتغيرات، ومجال الثانية هو المبادئ والثوابت، أي أنّ عالم الحس هو موضوع المعرفة العلمية والذي نسميه بعالم الشهادة، أما موضوع الميتافيزيقا فهو عالم ما فوق الحس وهو ما نسمّيه بعالم الغيب، وهو

(180)

عالمٌ لا يمكن إدراكه بمناهج المعرفة العلمية الضيقة التي لا تصلح إلا لمعرفة المادة. لذلك فالمعرفة الميتافيزيقية لا يحوزها إلا أصحاب العقلية المستبصرة كما يقول «غينون»: «فالحائز على عقليةٍ مستبصرةٍ راقيةٍ تمكّنه من ولوج هذه الدراسة بأمانٍ لا يتعرض لخطر التضحية بالأسمى ليحصل على الأدنى، وفي أيّ ميدانٍ سيمارس نشاطه، لن يرى عمله أبدًا إلا كمساعدٍ لما يتم القيام به في مجال المبادئ»[1].

إذً، يمكن القول، حسب «غينون»، أنّ الذين يريدون الإعلاء من المعرفة العلمية والحط من المعرفة الميتافيزيقية هم في الحقيقة يريدون الإعلاء من شأن المادي واحتقار كل ما هو روحيٌّ عرفانيٌّ خالصٌ وتنكيسه، وبدلًا من الاعتراف بتعدد سلم مراتب الوجود في شكلٍ هرميٍّ عموديٍّ، فهم يريدون من الوجود أن يكون واحدًا فقط وهو «الوجود المادّي».

من أبرز النماذج من التراث الميتافيزيقي الشرقي، الذين اخترقت كلماتهم الآفاق الكونية، فكانت آياتٍ مبثوثةً في الفضاء الفسيح، فلم تعترف بالزمان ولا المكان، الشاعر الصوفي «جلال الدين الرومي»، الذي أصبح منارةً تضيء العالم وتبشّر بالحب على الرغم من كل الدمار والقتل الذي عايشه في عصره، لقد غاص في النفس وسبر أغوارها، ونفذ إلى القلب مباشرةً، حتى لُقّب بمعلم العشق، حيث كانت أشعاره، مادةً ثريةً وخصبةً، طافحةً بالروحانيات. لقد كتبت عنه «أنا ماري شيمل» في كتابها «الشمس المنتصرة» تصفه قائلةً: «كان الروميُّ كائنًا بشريًّا، بكل ما تنطوي عليه الكلمة من دلالةٍ: استخدامه الصور يثبت ذلك، وملاحظاته الشخصية جدًّا، وقصائده القصار التي ولدتها النشوة أو الغضب المفاجئ تثبت ذلك أيضا. لكنه عرف أن السلم الروحي الذي وصفه كثيرًا في أشعاره لا يكمن في قتل الطبائع الذّميمة والتخلص من عالم المادة بل في تكاملها في ارتقاء الإنسان»[2]

(181)

ثالثًا: التراث في شكله الدينيّ:

بشأن الدين يعتقد «غينون» أنه من أكثر المفاهيم التباسًا، يقول: «يبدو أنه من الصعب الوصول إلى تعريفٍ دقيقٍ مضبوطٍ للدين وعناصره الأساسية واشتقاقاته. وكلمة «دين» تعني من حيث اشتقاقها ما يربط. لكن هل يؤخذ هذا المعنى على أنه ما يربط الإنسان بمبدأٍ أعلى، أم ما يربط الانسان بالإنسان[1]؟» و «غينون» هنا يسأل عن معنى الدين عند الغربيين، الذي نقلوه عن اليونان والرومان باعتبارها مهد الحضارة الغربية وأصلها، فهم يأخذون كل مفهومٍ انطلاقًا من دلالته عند اليونان والرومان، وهذا كان شأن مصطلح «الدين»، حيث كان في العصر الكلاسيكي مرتبطًا بالدلالتين: العلاقة مع الأعلى ومع الأسفل (الدنيوي) و (المقدس). يؤكد «غينون» على أنّ الدين في العصر الكلاسيكي: «كان ملتحمًا بشكلٍ لا ينفصم في هيكل المؤسسات، والتي كان «الاعتراف بآلهة المدينة» وطاعة القوانين المفروضة للشعائر قد لعب كلٌّ منهما دورًا مهمًّا في تحديد مدلوله، وأمدت الناس بضمانٍ للاستقرار، وكان هذا هو ما أسبغ على تلك المؤسسات سماتٍ تراثيةً[2]، لكن مع الانحرافات والتشويهات للدين بدايةً من العصر الكلاسيكي، أصبح الدين يرتبط بالمدلول الثاني (ما يربط الإنسان بالإنسان)، وهو ما تمثّله النزعة الإنسانوية الحديثة، التي أبدلت المبدأ العلوي بالمبدأ السفلي، وانتقلت العلاقة من: العلاقة بين الله والإنسان، إلى العلاقة بين الإنسان والإنسان فقط، لأنّ «ميولهم التي لا تقهر في أنسنة آلهتهم (أي صبغها بصبغةٍ إنسانيةٍ)، حوّلت هذه الآلهة إلى أساطير َيستطيع كل امرئٍ أن يفسّرها كما يشاء»[3].

يعترض «غينون» «على بعض علماء الاجتماع الذين يدّعون أنّ ما يميّز الظاهرة الدينية هو قوة قهرها»[4]، وهو التعريف الذي خصّصه «دوركايم» للدين، ويعتبره تعريفًا يشتمل على قصورٍ منطقيٍّ لأنه ليس جامعًا ولا مانعًا، إذا أخذنا بقواعد التعريف المنطقي كما صاغها «أرسطو«، و «الجمع» يعني مجموع السمات والصفات التي توجد في الشيء ولا نجدها في غيره والتي يصطلح عليها المناطقة بـ

(182)

«الجوهر» أو بـ «الفصل النوعي»، أما «المنع»، فيعني انحصار التعريف في أفراد النوع المُعرّف فقط، بحيث لا يسمح بمشاركة أفراد نوعٍ آخر في التعريف. لكن يبدو أن التعريف الاجتماعي لا يحقق شرط «الجمع والمنع»، حيث يعتبره «غينون» تعريفًا لا جامعًا ولا مانعًا، لأنّ «القهر المفروض من قِبل أي سلطةٍ أو قوةٍ من نوعٍ أو آخرَ هو عنصرٌ يوجد أينما وجدت المؤسسات الاجتماعية»[1]، ما يشير إلى أن صفة «القهر» لا يمكن أن تكون جوهرًا وفصلًا نوعيًّا للدين حتى تدخل في التعريف. بل إنّ الدين في حقيقته ليس قهريًّا، ويبدو أنّ موقف علماء الاجتماع يفتقر إلى الرؤية التاريخية الصحيحة بشأن العقائد التراثية الأصيلة، وينطلق من العصر الحديث الذي جسّد «القهر الديني» مع «العصر الكهنوتي»، فالتعميم الذي قام به علماء الاجتماع هو تعميمٌ تعسّفيٌّ، اختزاليٌّ كعادة الغربيين في التبسيط، في حين نجد ما يعارض تلك الرؤية للدين عند علماء الاجتماع، ما جاء في العقيدة التراثية الإسلامية في قوله تعالى: «لا إكْرَاهَ في الدّينِ قد تبيّنَ الرُّشْدُ منَ الغَيِّ»[2].

أما «غينون» فإنّه يعرّف الدين بالقول: «إنّ الدين يتضمن بالضرورة ثلاثة عناصر تنتمي إلى نظمٍ مختلفةٍ وهي: العقيدة، والقانون الأخلاقي، والعبادة. وحينما ينقص أحدها فلا مجال للقول بأنّ هناك دينًا بمعنى الكلمة، ويقصد «غينون» بـ «العقيدة: الجزء العقلي من الدين، والقانون الأخلاقي: هو الجزء الاجتماعي. والثالث وهو عنصرٌ شعائريٌّ يشترك في كلتا الوظيفتين»[3].

 فالعقيدة، عند «غينون»، «تعبّر عن حالةٍ نفسيةٍ أوليةٍ، باعتبارها انعكاسًا لليقين، والذي هو حالةٌ فكريةٌ صِرفةٌ»[4]، أما «العبادة فتمثّل الشعائر أو أشكال التعبد، ولها سمةٌ فكريةٌ من حيث رمزيتُها وتعبيرُها المقبول عن النظرية، كما أن لها سمةً اجتماعيةً باعتبارها ممارسةً تستلزم اشتراك كافة أعضاء المجتمع الديني فيها»[5]، وهو تعريفٌ في الحقيقة لا يختلف عن مفهوم «العبادة» في العقيدة التراثية الإسلامية.

(183)

من خلال مفهوم «غينون» للتراث، نستشفّ ذلك التمييز بين الحضارة غير التراثية والحضارة التراثية. فالحضارة غير التراثية فوضوية وغيرُ سويّةٍ، هي حضارةٌ منحرفةٌ لأنها فاقدةٌ للمبادئ وتقوم على أسسٍ هشّةٍ (على العوارض العابرة)، ومقطوعةُ الصلة بعالم السماء أي بالوحي الرباني، كما تنزع نحو العالم الأرضي وتضحّي بعالم المقدّس في سبيل المدنّس الدنيوي. أمّا الحضارة التراثية فهي حضارةٌ سويةٌ مستقيمةٌ لأنها ملتزمةٌ بالمبادئ وتقوم على أسسٍ صلبةٍ (على الجوهر الثابت)، وموصولةٌ بعالم السماء أكثر من العالم الأرضي وتنتصر للمقدّس وتهمل المدنّس.

إنّ الحضارة الغربية، عند «غينون»، هي حضارةٌ فوضويةٌ لأنها تقتصر على الجانب الكمّيّ في المعارف وتهمل الجانب الكيفي، أي طغيان الجانب التحليلي على حساب التركيبي، وبالتالي فإنّ النتيجة هي الفوضى والتشتت بسبب الإغراق في التفصيل والتجزئة بدل الوحدة. «إنّ حضارةً لا تعترف بأي مبدأٍ أسمى، وليست مؤسسةً في الواقع سوى على إنكار المبادئ، هي منزوعةٌ من أي وسيلةٍ للتفاهم مع الآخرين، لأنّ هذا التفاهم لكي يكون فعّالًا وعميقًا لا يمكن أن يأتي إلاّ من أعلى، أي، وبالتحديد مما ينقص هذه الحضارة المنحرفة وغير الطبيعية. وفي الحالة الراهنة للعالم لدينا كل الحضارات التي بقيت أمينةً للفكر التقليدي، وهي الحضارات الشرقية، ومن جهةٍ أخرى، حضارةٌ معاديةٌ للتقليد (ضدّ تقليدية/ antitraditionnelle)، بشكلٍ جليٍّ هي الحضارة الغربية»[1]. وبالتالي، فإنّ «غينون» ينتهي إلى الإقرار بأنّ الحضارة الغربية قد تطورت في مجال معرفة عالم الشهادة فقط، وأشاحت عن معرفة عالم الغيب، بل أنكرت وجوده، وكأنّ العالم يحكم نفسه بنفسه، لذلك وجد «غينون» أنّ العودة إلى التراث بشقّيْه الديني والميتافيزيقي هي التي ستنقذ حضارة الغرب الحديث. لذلك من أجل إنقاذ الحضارة الغربية وإعادتها إلى المسار السوي، لا بد من إصلاح العقلية الحديثة، من خلال تجاوز مأزق التحريف الدلالي للألفاظ الذي يهيمن على حضارة الغرب الحديث، والذي أدى إلى تزييف الكثير من المفاهيم من مثل «التراث»، و «المبادئ»، و «الدين»، والذي أدى إلى الخلط بين الدلالة الجوهرية والدلالة العرضية، حيث حصل عدم تمييزٍ بين ما هو حقيقيٌّ (مطلقٌ) وبين ما هو غيرُ حقيقيٍّ (نسبيٌّ متغيرٌ).

(184)

ويقدّم لنا «غينون» الكثير من الأمثلة التي حصل فيها تزييفٌ وتنكيسٌ للمعاني الجوهرية من مثل «إطلاق لفظ «مبادئ» على «القوانين العلمية» التي هي في الأصل خلاصاتٌ أو نتائجُ استقرائيةٌ، إن لم تكن مجرد افتراضاتٍ»[1].

وهذا التحريف الدلالي لمفهوم المبادئ، من خلال إضفائها على القوانين العلمية هو الذي أدّى إلى التعميم التعسّفي، كما يعتقد «غينون»، لمناهج العلوم والحكم عليها بالصلاحية والمشروعية المطلقة ورفض كل ما سواها من مناهجَ، ما أدى إلى الانغلاق في ما يسميه «غينون» بالفكر المنظوماتي. وكانت النتيجة إنكار قدرة الإنسان على إدراك الحقيقة أمام كثرة الافتراضات المتناقضة. كما أدى هذا التعسّف المنظوماتي إلى إنكار وجود ما يسمى بـ «المعرفة الميتافيزيقية»، التي هي معرفةٌ بالمبادئ، لكونها تنفلت من قبضة المناهج العلمية الحديثة التي تبدو عاجزةً تمامًا عن بلوغ كنه هذه المعرفة اعتمادًا على الوقائع الحسّية، وهذا العجز هو الذي أدى إلى إنكار «الميتافيزيقا» والإعلان عن موتها. فالمبادئ كليةٌ ومطلقةٌ وثابتةٌ تنتمي إلى الميتافيزيقا، ومفارقةٌ للزمان والمكان، أما القوانين العلمية فهي جزئيةٌ ونسبيةٌ ومتغيرةٌ، تنتمي إلى عالم الفيزيقا ومقيّدةٌ بالزمان والمكان.

إذًا، يمكن القول أنّ «غينون» قد حرّر مفهوم التراث من تلك التحريفات التي التصقت به، والتي كانت تنظر إليه كمنتوجٍ بشريٍّ، ليصبح، مع «غينون»، بنيةً رمزيةً ذاتَ طرازٍ روحيٍّ، مستوحاةً من الوحي الإلهي، وموصولةً بعالم السماء، وترتكز على المبادئ القدسية لا العوارض الدنيوية. فلم يعد «التراث» مع «غينون» تلك التقاليد والعادات المشكّلة لبنية العقل الجمعي التاريخي الذي تشّكل في الماضي محدَّدًا في زمانٍ ومكانٍ، وانتهى فيه. إنّ «التراث»، بالمفهوم الغينوني، متجاوزٌ لحدود الزمان والمكان، ويتسم بطابع الكلية، واللاتاريخية، لذلك حاول «غينون»، من خلال تصحيح المفهوم التراثي، تجاوز التحريفات الدلالية التي تهيمن على الحضارة الغربية، التي انتكست فيها الرموز، وأصبحت العلاقة بين الدوالّ والمدلولات علاقةً عرضيةً تتموقع في النسبيّ، بدلًا من أن تكون جوهريةً ساكنةً في المطلق.

(185)
(186)

 

 

 

 

 

 

المبحث الثاني

نحو عودةٍ روحانيّةٍ للحضارة الغربيّة

 

 

أولًا: إصلاح التراتب الوجودي بتصعيد الروحانيّة وتنزيل الماديّة

ثانيًا: الاستلهام من الروحانيّة الشرقيّة

ثالثًا: تجسير الهوّة بين الغرب والشرق من خلال التفاهم على المبادئ

رابعًا: إعادة بعث الصفوة الروحانيّة

(187)
(188)

أولًا: إصلاح التراتب الوجودي بتصعيد الروحانية وتنزيل المادية:

إنّ مكونات الحضارة، عند «رينيه غينون»، ليست متماثلةً ولا متساويةً في المرتبة والقيمة، إذ هناك سُلَّمٌ تراتبيٌّ فيه أعلى وفيه أسفل، في المرتبة الأعلى نجد العرفان الروحي، وفي المرتبة الدنيا نجد الميدان المادي «إلاّ أنه يجوز اعتبار وجود نوع من النظام الهرمي المتدرج، وأنّ الأمور من الطراز العرفاني الروحي، مثلًا، أشرف وأعلى من التي في الميدان المادي»[1]، لأنّ العناصر الروحية توحد الكثرة وتلملم الشتات، أما العناصر المادية فهي تقسّم وتبذر الصراع والانشقاق، لذلك فالحضارة الروحية هي حضارةٌ سويةٌ لأنّها تركن إلى ما هو ثابتٌ. أما الحضارة المادية فهي حضارةٌ فوضويةٌ، لأنّها تتركّز على ما هو عارضٌ وطارئٌ.

إنّ تفكيك «غينون» لمرتكزات المجتمع الغربي الحديث مكنه من كشف الخسارة في كل تجلياتها، التي تجلّت في الفوضى التي اكتسحته وأدخلته في مرحلة التدهور. لقد خسرت الحضارة الغربية ورقة التفوق المادي التي راهنت عليها، معتبرةً إياها مقياسًا للتفوق الحضاري، والمآل كان خسارةً فادحةً، أدخلت الغرب إلى عصر ما بعد الحداثة، حيث العدمية والعبثية بكل مقولاتها تسيّج كيانه وتقذف به إلى مصيرٍ مجهولٍ، بل تنذر بانهياره. لذلك عندما يتغلب العرفان الروحي على الميدان المادي يحصل انتصارٌ للحضارة، وإن حدث العكس فسيكون لا محالة،حسب «غينون»، إخفاق الحضارة وهذا ما نستشفّه من قوله: «فالحضارة المنحطّة روحيًّا، رغم تفوّقها بلا منازعٍ في الجانب المادي ستكون خاسرةً في المحصلة، مهما كانت المظاهر الخارجية، وهذه هي حالة الحضارة الغربية إذا ما قورنت بالحضارات الشرقية»[2]. هكذا يقول «غينون» متفائلًا: «بعض الأفكار الوهمية بدأت تتبدّد، ولا يمكننا من جانبنا إلاّ أن نسعد بذلك، لأنّ هناك إمكانيةً لتصحيح العقلية المعاصرة، وهي بارقةٌ خافتةٌ في خضمّ هذه الفوضى الحالية»[3].

(189)

لذلك حاول «غينون»، على الرغم من كل تلك الفوضى، أن يبحث عن منفذٍ لتلافي انهيار الحضارة الغربية، وكلّه أملٌ في إعادة الحضارة الغربية إلى المسار السوي. وما دامت الأزمة عند «غينون» هي روحيةٌ في الأساس، فإنّ الحل والعلاج سيكون من طرازٍ روحيٍّ أيضًا، فما فُقد ينبغي أن يُعاد، والذي افتقدته الحضارة الغربية هي الروحانيات، لذلك ما عليها إلاّ أن تقوم بإعادة بعثها من جديدٍ، لتصحيح العقلية الحديثة والحد من الهيمنة المادية للكم. «إنّ إصلاح الإنسان هو في ربطه بالسماء وإعادة الرباط المقطوع إلى ما كان عليه، وفي انتزاع الإنسان من ربقة الشهوة وعبادة المادة والكمية والحيلة، ثم في إعادة دمجه بعالم الروح والسكينة، وأكثر من ذلك: دمجه بعالم العلّة الموجبة»[1].

إنّ روح القيم انفصمت عن حضارة الغرب الحديث، وأصبح كل شيءٍ عبثيًّا لأنّ فعل الله لم يعد يحرّك التاريخ، «لأنّ قطيعة التجربة الحداثية مع الدين وتهميشها للمقدّس والأخلاقي، لم تلبِّ حاجة الإنسان العميقة في ذاته، أو أنّها لم تُعطَ معنًى متكامًلا للحياة يتكامل فيها الوجود الدنيوي مع الآخروي»[2].

لكن على الرغم من تطور سيطرة العلم بتطبيقاته ومناهجه الموروثة عن العصر الحديث، عصر الأنوار، فإنّه لم يستطع إزاحة «المقدّس الديني بشكلٍ نهائيٍّ»، هذا المقدّس الذي لازم الإنسان في كل لحظاته التاريخية قبل أن تقوم للعلم قائمته وسطوته، هكذا ينحني «دوستويفسكي» معترفًا بوجود الله، وبعجز الانسان، بعد رحلته الشاقّة وهو يحاول فهم الثنائي المتناقض «الخير الشرّ» متسائلًا بحسرةٍ : «ما نفع وجودي تحت الأرض بدون الله؟ إن طردوا الله من الأرض فسنضعه في ملجأٍ تحت الأرض. لا يستطيع الإنسان أن يعيش في السجن بدون الله»[3]. وفي عبارةٍ تهكّميةٍ رمزيةٍ ضد الإنسانوية يقول «دوستويفسكي»: «ماذا لو كان الله ليس موجودًا؟ عندها فالإنسان

(190)

هو سيّد الأرض والكون. عظيمٌ! ماذا يمكنه أن يفعل بدون الله؟ من سيحب الإنسان عندها؟ من سيشكر[1]؟».

إنّ الحضارة، كما يقول «فريتجوف شيون»، «لا تمثل قيمةً إلاّ بشرط أن تكون من أصلٍ ما فوق-إنسانيٍّ، وأن تتضمن بالنسبة إلى «المتحضّر» الحس بما هو قدسيٌّ. فما من شعبٍ متحضِّرٍ حقًّا إلاّ ذلك الذي يملك هذا الحسّ ويعيش له... فوجود عالَمٍ «متحضرٍ» بلا دينٍ، تصبح في هذه الحالة «الحضارة» غير متميّزةٍ، أو أنّها بالأحرى أكثر الضلالات خداعًا... إنّ الحس بما هو قدسيٌّ أمرٌ أساسيٌّ في كل حضارةٍ، لأنّه أساسيٌّ بالنسبة للإنسان، فما هو قدسيٌّ، أي الثابت غير القابل للانتهاك، وبالتالي اللانهائي الجلالة، موجودٌ في مادة عقلنا ووجودنا بالذّات. والعالم تعيسٌ لأنّ الناس يحيون دون مستواهم، وخطأ المحدثين أنهم يريدون إصلاح العالم دون إصلاح الإنسان[2]».

فلو فُهم التراث التقليدي الأصيل الموصول بعالم السماء (الشرائع الربانية) الفهم العميق، لأدركت الحضارة الغربية أن التجربة الدينية الحقيقية ليست ممارساتٍ طقسيةً تندرج ضمن عاداتٍ روتينيةٍ تلتبس باليومي بشكلٍ لاشعوريٍّ، بل لعرفت أنّ الروحاني المقدس يعلو في مرتبته على الدنيوي المدنّس، ولعملت على تزويد الدين بما يجعله قادرًا على مواجهة لعنة العصر، في ظل تكالب القوى المادية الشيطانية عليه. وليس على هذه التجربة الروحية، لكي تتأقلم مع الوضع الراهن للإنسانية العليلة، أن تقدّم تنازلاتٍ إلى الدنيوي على حساب المقدّس، ولكن عليها أن تُحرر هذا الأخير من بعض الغرور والاكتفاء الذي تدعيه بعض الممارسات الدينية والتي تختزله في مجرد علاقةٍ بين الله والعبد. إنّ حقيقة الدين تتجاوز علاقة الإنسان بالله إلى علاقة الإنسان بالطبيعة وعلاقة الإنسان بالإنسان، حيث تكتمل العلاقة بين المقدّس والدنيوي، فتكون العلاقة بين السماء والأرض وبين الأرض والسماء في حركتَيْ صعودٍ ونزولٍ، لتكون الغاية الأخيرة هي الصعود النهائي إلى العالم العلوي.

(191)

ينبغي تصحيح الفهم المغلوط للدين كتراثٍ في علاقته بالحياة، الدين الذي أصبح «بالنسبة لكثيرٍ من المتدينين، هو مجرد مسألة «ممارسةٍ»، مسألة عادةٍ كي لا نقول تقليد»[1]، ففي التصوّر الغينوني تحوّل الدين من مستوى التأمّل إلى مستوى الفعل المحض، ما أفقده الروحانية العميقة، وهذا أحد مظاهر الفوضى الدينية التي هي نتيجةٌ لهيمنة الفعل على التأمّل.

لقد أكّد «ألبرت أوشفيتسر» على أنّ الحضارة في جوهرها أخلاقيةٌ روحيةٌ، وليست ماديةً، فعلى الرغم ممّا حققته تلك الإنجازات المادية إلا أنها تبقى عرضيةً، لا يمكن أن تكون هي الحضارة، قال في ذلك: «إنّ مستقبل الحضارة ليتوقف على تغلبنا على فقدان المعنى واليأس اللذين يميزان أفكار الناس ومعتقداتهم في هذه الأيام، وعلى بلوغ حالةٍ من الأمل النضير والعزم الفتيّ. ولن يكون في وسعنا ذلك إلاّ إذا اكتشفت غالبية الناس لأنفسهم موقفًا أخلاقيًّا عميقًا راسخًا... وبغير هذه التجربة الروحية العامة لا سبيل إلى المباعدة بين عالمنا وبين الإنهيار الذي يسير إليه[2]». هذا القول يحيل إلى التصور الغينوني الذي يجعل من العودة إلى المقصد الروحي للحضارة الغربية منفذًا لإنقاذها من السقوط الكلي، ما يدل على الوعي العميق لبعض فلاسفة الغرب بثقل الوضع الحضاري الغربي المتأزّم وخطورته، حيث بلغ طريقًا مسدودةً لا تُرى فيه إلاّ بعض الثقوب التي يمكن أن ينفذ من خلالها النور من جديدٍ إلى الحضارة الغربية الآيلة للزوال إذا لم تتخلَّ عن أوهامها وتقتنص الفرص قبل أن تفقد إلى غير رجعةٍ.

لازال التراث الروحاني يمثّل التجربة ذات المخزون الثري بالرموز التي لا تنضب أقاصيصها وأحجياتها، والتي لا يمكن لـ «الإنسان المتمدّن» أن يستغني عنها مهما بلغ من علمٍ، فهناك عالمٌ خفيٌّ مستترٌ مفارقٌ لنا وللكون وللطبيعة، فيه تستضيء أمنياتنا وأحلامنا، إنه عالم المقدّس بكل تجلياته، ذلك العالم الذي تسكن فيه الروح وتستريح. إنّ أزمة الإنسان الحديث، باعتبارها أزمةً روحانيةً، ستنتهي بعودة المقدّس لتلافي انهيار حضارة الغرب كما يأمل الفيلسوف الهدّام «غينون» سائلًا: «وسط الاستشباحات الأكثر ظلاميةً لخيالٍ في هوسٍ جامحٍ، فهل هذه حقًّا «بداية النهاية»

(192)

للحضارة الحديثة؟ نحن لا نريد المخاطرة بأي توقّعٍ، لكن على أيّ حالٍ، كثيرةٌ هي العلامات التي ينبغي أن تدفع من لم يزل بإمكانهم التفكير إلى التأمّل في كل هذا، فهل يستطيع الغرب أن يتمالك نفسه ويسعفها قبل فوات الآوان[1]؟»، إذ يرى «غينون» أنّ العودة إلى الروحانيات هي الطريق المثلى التي يمنكنها أنْ تنتشل الحضارة الغربية من الضياع.

ثانيًا: الاستلهام من الروحانية الشرقية:

بعد انزياح إبستيما المطلق عن حضارة الغرب الحديث، وإحلال النسبية كبراديغمٍ لهذه الحضارة، سقط عنصر «التأمّل» الذي يرتبط بـ «المبادئ» وأُبدل بعنصر «الفعل» الذي ينزع نحو «المتغيرات»، والذي طبع هذا العصر، فانتقلت بذلك الفلسفة، من المثالية التي ترسم صور الكمال، وترنو إلى المطلق الثابت، إلى الواقعية النسبوية على اختلاف تجلياتها وتسمياتها، أي إنّ الانتقال كان من «الفكرة» إلى «العمل»، من «النظر» إلى «الفعل»، من «التأمّل الروحي» إلى «الممارسة العملية (المادية)»، أي الانتقال من سؤال الكينونة الأنطولوجي الذي ارتكزت عليه ميتافيزيقا الحضور التي تنتصر للكوجيطو الديكارتي إلى سؤال الفعل؛ إنّها إهانةٌ أخرى للكوجيطو الديكارتي بقلبه من «أنا أفكر، أنا موجودٌ» إلى «أنا أفعل، أنا موجودٌ»، ليصبح «الفعلُ» الموضوعَ الأثير الذي نال الحظوة في الحقل الفلسفي بكل مجالاته التداولية المعاصرة، لأنه يتعالق مع الواقع ويسكن داخله، ومعه، وفيه، هنا والآن، بجعل الحياة محايثةً للفعل ومتضايفةً معه، خاصةً بعد بزوغ عصر النهايات الذي أزاح السرديات الكبرى حول الفكر الجوهراني الماهياتي، لتصبح الفلسفة في قلب الواقع، والواقع في قلب الفلسفة.

هكذا أرادت الفلسفة، عبر النزوع إلى «الفعل»، رسم أفقٍ معرفيٍّ وإنسانيٍّ جديدٍ ثريٍّ أنطولوجيًّا، ويحمل جاذبيةً تفسيريةً قويةً، بفعل الإنجاز والحركة الدؤوب لـلـ «أنا أفكر»، بإخراجه من مستوى «التأمّل»، ليلامس الواقع ويكون الحاضنة لاستشكالاته التي لا تنضب. هكذا أصبح الفكر منصبًّا على الوسائل لا الغايات، باحثًا عن المتغيرات لا الثوابت، وعن الكثرة

(193)

المتنوعة لا الوحدة. لقد تم تعزيز البعد المادي في العمل، وإقصاء البعد التأملي الروحي.

فهيمنة «الفعل» على إنسان الحضارة الغربية، وهوسه بـ «العمل»، جعلاه يحتقر كل نشاطٍ تأمّليٍّ، لأنّ نتائجه، حسب حضارة الغرب الحديث، لا تُرى ولا تُقاس ولا توزن، ولا يمكن التحقق منها، فالتأمل يرتبط بالكيف، أما العمل فيتماهى مع الكمّ، يقول «غينون»: «إنّ الغرب الحديث لا يمكنه تقبّل أن يفضل الناس العمل أقلَّ، والاكتفاء بالقليل لكي يعيشوا، بما أنّ الكمية وحدها هي المعتبرة، وبما أنّ كل ما لا يقع تحت الحواسّ، هو، للتذكير، بحكم المعدوم، فقد أصبح مسلّمًا أنّ من لا يتحرك ومن لا ينتج ماديًّا، لا يمكن أن يكون إلا «كسولًا[1]»». يعتقد «غينون» أنّ الحضارة الغربية حضارةٌ عمليةٌ تنأى عن التأمّل الروحي وتحتقره، حتى إنّها توصف بأنها حضارة الفعل، في حين أنّ غيرها من الحضارات متكلّسة لأنها تتأمّل. حتى إننا في الشرق الإسلامي نعزو إخفاقنا إلى هيمنة النشاط التأمّلي، ونعتبره فعلًا غيرَ منتِجٍ ومقطوعَ الصلة بالواقع، بينما عندما نتحدث عن الغرب، نصفهم بالعمليين ونردّ تقدّمهم إلى عنصر «العمل»، مما جعل لهم نصيبًا وافرًا في الحضارة الإنسانية. لكن «غينون» يجعل التأمل في أعلى مراتب الوجود لأنه بنظره «هو الذكاء المحض»[2]، ويقصد البصيرة، لأنّ «القوة الروحية ليست قائمةً على العدد الذي هو قانون المادة»[3].

 لقد صور لنا «زكي نجيب محمود» في كتابه «الشرق الفنان» التمايز بين الغرب والشرق، ليؤكد أنّ حضارة الغرب حضارةٌ ماديةُ المقاصد، بينما حضارة الشرق روحية المقاصد، إذ يقرر أنّ «طابع الشرق الأوّل الأصيل هو أن ينظر إلى الوجود نظرة الفنان التي تجاوز السطوح الظاهرة إلى الكوامن الخافية، فلئن كانت ظواهر الأشياء تدل على تعدديتها، فحقيقتها الخبيئة هي أنها كائنٌ واحدٌ، وهي وحدانيةٌ يدركها الإنسان ببصيرته النافذة... أما الغرب فطابعه الأصيل العميق هو النظر إلى الوجود الخارجي بعقلٍ منطقيٍّ تحليليٍّ يقف عند الظواهر مشاهدًا لها وهي تطّرد

(194)

وتتابع على هذه الصورة أو تلك، فيجعل من هذه الاطّرادات في الحدوث قوانينَ يستخدمها بعدئذٍ في استغلال الظواهر الطبيعية»[1].

لذلك فإنّ شذوذ الحضارة الغربية ليس إلاّ نتيجةً حتميةً لإنكار العرفان الروحي الخالص الموصول بعالم السماء والمرتكز على العقل المستبصر، الذي تكون المعرفة المستقاة بواسطته نابعةً من القلب الذي يُعبّر عنه بالبصيرة، هذا الشذوذ انتهى بميلاد نظرياتٍ تعمل ضدّ التراث الروحي.

إنّ النزوع إلى الفعل كان وراء إقصاء الميتافيزيقا لأنّها نشاطٌ تأمّليٌّ، حتى إنّ الفلسفة في الحضارة الغربية الحديثة قد تخلّت عن جوهرها كفكرٍ تأمّليٍّ، وذلك على العكس، كما يؤكّد «غينون»، من «العقائد الشرقية، التي مع تأكيدها الواضح على هيمنة التأمّل بل وتساميه على الفعل، فهي لا تنفي عن هذا الأخير مكانته الشرعية، بل وتعترف، بطيب خاطرٍ بأهميته في نسق الأحداث الإنسانية»[2].

فالإسلام، مثلًا، كعقيدةٍ تراثيةٍ شرقيةٍ، تكون فيه علاقة الإنسان بالله علاقةً تأمليةً بالأساس، وعلاقة الإنسان بالإنسان وبالطبيعة علاقةً عمليةً، ومن خلال العلاقتين تتحقق خلافة الإنسان في الأرض، ففي العقيدة الإسلامية يتم المزاوجة بين التأمل والفعل،  من أجل ربط عالم السماء بعالم الأرض، أي المقدّس بالدنيوي.

لذلك عن طريق الجمع بين التأمل والفعل، يمكن إعادة إنتاج المعنى الروحاني، وإعادة بعث التراث الغربي المفقود، تحت هيمنة المادية الكمية، لأنّ التأمل يرتبط بالمبادئ، أما الفعل فيرتبط بالمتغيرات (العوارض)، والتأمل موصولٌ بالأعلى أما الفعل فموصولٌ بالأسفل، بالعالم الأرضي، وفي هذا السياق يقول «غينون»: «تُجمِع العقائد الشرقية وكذلك العقائد الغربية القديمة على التأكيد ]على[ أنّ التأمّل أعلى شأنًا من الفعل، كما أنّ الثابت أسمى من المتغيّر. إنّ الفعل، الذي هو ليس سوى تعديلٍ عابرٍ ومؤقتٍ للكائن، لا يمكن أن يكون له، في ذاته، مبدأه وسببه الكافي، والفعل،

(195)

إذا لم يتصل بمبدأٍ أبعدَ من مجاله الطارئ (الحادث)، هو ليس سوى وهمٍ محضٍ، وهذا المبدأ لا يمكن أن يوجد إلاّ في التأمل[1]». لذلك يعزو «غينون» الفوضى والتشتت إلى انحياز حضارة الغرب الحديث للفعل ضدّ التأمّل، بل إلى إبعاده نهائيًّا.

إنّ ممارسة التأمل تقتضي ربط الحياة في كل أبعادها الفكرية والمعرفية والسلوكية والأخلاقية بالمبدأ الأعلى، من خلال توظيف العقلانية المؤيّدة -بمفهوم طه عبد الرحمن- التي تسعى لتحقيق مقاصدَ نافعةً بوسائلَ ناجعةٍ. إنّ الإنسان الغربي، الذي ابتلعه “الفعل” واستغرقه كليًّا، أصبح يعيش تجربة الحلول الصوفي في اليومي، دون أن يبحث عن المقاصد العلوية، سابحًا بدون مجاديف في تفاهات أحداثه التي تتوالد يوميًّا. إنّ الإنخراط الكلي في «الفعل» أدى إلى إفلاس المعنى الروحاني للوجود والطبيعة والانسان، فسقطت الكينونة في الغربة الأنطولوجية الروحية، فأفرغت كل الوجود من القيم.

إنّ الحل الذي قدمه “غينون” لإنقاذ الحضارة الغربية هو العودة إلى الحضارة الشرقية، يقول: “من الضروري أن يكون هناك تواصلٌ مع العقل التقليدي المفعم بالحياة، من أجل إيقاظ ما هو غارقٌ في نوعٍ من السبات، لاستعادة الفهم المفقود. ولنكرِّرْ أيضًا مرةً أخرى: إنّ هذا الأمر، بالذات، هو الذي سيحتاج فيه الغرب إلى معونة الشرق إذا كان يروم العودة إلى الوعي بتقليده الخاص”[2]، فالعودة إلى الشرق، هي الأمل لإعادة بعث التراث الروحي الغربي، الذي اُفتُقد.

حسب “غينون”، لم يعد للتراث الروحي من وجودٍ وأصالةٍ إلاّ في الشرق، لأن طبيعة الإنسان الشرقي تنزع إلى التأمّل الروحي، بينما طبيعة الإنسان الغربي تنزع إلى العمل فيسكب فيه كل نشاطه، ولا يولي أي اعتبار للتأمّل الروحي. إنّ هيمنة الفعل على التأمل هي هيمنةٌ للكم على الكيف، يقول «غينون»: «من الواضح أنّ الاستعداد للتأمّل هو أكثر انتشارًا وأكبر بشكلٍ عامٍّ لدى الشرقيين[3]».

(196)

من منظور «غينون»، كان من نتائج هيمنة الفعل على التأمّل في حضارة الغرب الحديث توسيع الفرقة بين الغرب والشرق، كون التأمّل هو ما يميز الحضارة الشرقية، إذْ يصرّح قائلًا: «من أوجه التعارض الموجودة حاليًّا بين العقل الشرقي والعقل الغربي، الذي هو، بشكلٍ أعمَّ، تعارضٌ بين العقل التقليدي والعقل المعادي للتقليد antitraditionnel))... يبدو هذا التعارض كتعارضٍ بين التأمّل والفعل[1]». فالتعارض بين الفعل والتأمل هو، عند «غينون»، تعارضٌ بين المادي والروحي، أي تعارضٌ بين العقل التراثي التقليدي والعقل الحداثي الضدّ-تقليديّ.

  إنّ الحضارة الشرقية، عند «غينون»، هي مهد التراث الروحي الذي، على الرغم من ارتداده اليوم، لم ينكسر، بل بقي نافذًا بقوةٍ في الذهنية الشرقية، ولو بشكلٍ متخفٍّ غيرِ بادٍ للعيان، لأنّ هذا التراث الروحي مستلهمٌ من العالم الفوقي المقدّس؛ إنّ ضمور التراث الروحي في الحضارة الشرقية ليس إلاّ عارضًا، وسنشهد قريبًا ظهوره الجلي مرةً أخرى.

لقد تكلّم الكثير من الغربيين بإنصافٍ عن حضارة الشرق، وعن روحانيتها، ولم يبخسوها حقها، ومن بين هؤلاء «بيار جوردا» في كتابه «الشرقي المحتال، الشرقي الغريب»، الذي قال: «كم هو رفيعٌ وحكيمٌ هذا التصور الذي يحمله هؤلاء الناس المسلمون، فهم يعدّون الحياة زائلةً ويضعون آمالهم في الله، ويصلّون له، ويخلقون لأنفسهم القليل من الحاجات، ويستمتعون بأكثر قدرٍ ممكنٍ من الإيجاز بكل ذي جمالٍ حقيقيٍّ على الأرض، مثل الربيع، والصباحات الرقراقة، والأماسي الذهبية، أوَليست أشياءَ تستحق من الإنسان أن يستمتع بها... ومن ثم عندما تأفل الحياة لا يبقى لدى الإنسان سوى الإيمان الذي يطرد عنه رعب الموت[2]». وفي السياق نفسه يقول «غوستاف لو بون» مشيرًا الى التمايز بين الغربي والشرقي باعتباره تمايزًا بين المادي والروحي: «إنّ التطور أصل التقدّم... قابلوا بين الأوربي القلق الهائج الساخط على حظّه، والشرقي الراضي بمصيره ترَوْا أنهما يختلفان في حالهما الروحية... ومن أكبر أغاليط العصر الحاضر أن يعتقد

(197)

وجود السعادة في الأمور الخارجية وحدها»[1]. هذا ما يؤصّل فكرة «غينون» حول تعدد النشاط الحضاري، بين حضارةٍ تسكُب كل نشاطها في ما هو ماديُّ الطراز، في حين أنّ أخرى تنزع نحو كل ما هو روحيٌّ، تجد فيه مأمنها وسلواها وسعادتها التي لا تُقاس بثمنٍ.

ثالثًا: تجسير الهوة بين الغرب والشرق من خلال التفاهم على المبادئ:

إنّ الاستلهام من الروحانية الشرقية، لا يكون ناجعًا وفعّالًا، إلاّ إذا تم تجسير الشقّة بين الشرق والغرب، لذلك حلل «غينون» طبيعة العلاقة بين الحضارة الشرقية والغربية، محاولًا البحث عن سبلٍ لإنقاذ الحضارة الغربية المنتكسة من الداخل، محاولًا استمداد آليات الإنقاذ الروحي من الحضارة الشرقية.

تعتبر الحضارة الشرقية روحانية المقاصد، إذْ على الرغم من الاختلال الذي أصابها اليوم، وأدخلها في مرحلة الكمون والتكلّس، تظل في الصميم حضارةً روحانيةً، يقول «غينون»: «منذ وقتٍ طويلٍ جدًّا، تحوّل مخزن التقليد الأوّلي إلى الشرق، فهناك توجد الأشكال المذهبية التي انطلقت منها مباشرةً، يلي ذلك أنّه في الحالة الراهنة للأشياء، لم يعد للعقل الحقيقي التقليدي، مع كل ما يلزم عنه، من ممثلين حقيقيين إلاّ في الشرق[2]». لذلك «فما يجب طرحه هو «إصلاح الغرب»، وهذا الإصلاح إذا حصل كما يجب، أي استعادة تقليدية حقيقية، ستكون نتيجته الطبيعية تقاربًا مع الشرق[3]».

إنّ تأسيس التقارب على مبدأ الصراع والتنافس المادي بدل التفاهم على مستوى المبادئ، يعتبره «غينون» حائلًا يمنع أي محاولةٍ لردم الهوة بين الشرق والغرب، فالتفاهم يكون على المستوى العرفاني الروحي الخالص لا على مستوى ما هو ماديٌّ، لأنّ هذا الأخير يخلق الصراع، لأجل ذلك يبرّر «غينون» اختياره للتفاهم كحلٍّ لتجسير الهوّة بين الشرق والغرب بقوله: «فنحن عندما نتحدث

(198)

عن التقارب، فالمقصود هو التفاهم لا التنافس[1]»، وبالتالي، فإنّه لا يمكن، حسب «غينون»، تحقيق تفاهمٍ لا في الميدان السياسي ولا في الميدان الاقتصادي، فكلٌّ منهما يرتبط بالميدان المادّي وبالجانب العملي.

لذلك ينتقد «غينون» الديمقراطية لأنّها ضدّ الأقلية وتنتصر للأغلبية، وبالتالي فهي تنزع نحو الكم على حساب الكيف، يقول: «وأيًّا كان قول البعض في هذا الشأن، فإنّ إنشاء نخبةٍ ما، لا يتلاءم مع المثل الديمقراطية، التي تفرض بكيفيةٍ صارمةٍ توزيع نفس التعليم بين أفرادٍ، مواهبهم وقدراتهم وأمزجتهم في غاية الاختلاف»[2]. هذا ما حدا بـ «غينون» إلى أنْ يرفض تحقيق تفاهمٍ على المستوى السياسي، يقول في ذلك: «ونحن لا نؤمن بنزاهة المبشّرين بـ «الحضارة»، والحق يقال: إنّ النزاهة ليست فضيلةً سياسيةً، وفي صميم المسألة، لا يمكن أبدًا العثور على وسائل التفاهم في المجال الاقتصادي ولا في الميدان السياسي»[3]، لأن الحضارة الغربية ترتكز على قيم الديمقراطية الليبيرالية وهي قيمٌ تهدم التراث الروحي الأصيل الذي يشكّل مستوى التفاهم المأمول بين الشرق والغرب، ويوضّح لنا «غينون» ذلك عندما يتحدث عن مناهج التعليم العمومي التي تركّز على قيم الديمقراطية المتمثلة في مبدأ المساواة في التعليم بين أفرادٍ مختلفين بالفطرة. فالتعليم العمومي، في ما يعتقد «غينون»، لا يراعي مبدأ الفروق الفردية، ولا يقيم أي اعتبارٍ لكل ما هو سامٍ متعالٍ، لأن التلقين الذي تتخذه مناهج التعليم الديمقراطية يشكّل خطرًا، حيث يبرمج العقل ويشوّه الفطرة السليمة ويشجّع الذاكرة بدل الذكاء، أي الحفظ (الكم) الذي يقتضي التكديس، بدل الفهم (الكيف) الذي يشترط التأمّل والفحص والنظر.

إنّ مناهج التعليم الديمقراطي المساواتي الذي تسعى الحضارة الغربية الحديثة لتعميمه على شعوب الحضارات الأخرى، ذات الثقافات المختلفة عن الثقافة الغربية، لها غايةٌ واحدةٌ هي تدمير التراث الروحي الأصيل لتلك الحضارات «والمساواة عندهم لا تسمح للشعوب والأجناس

(199)

الأخرى أن تكون لهم عقليتهم الخاصة بهم، والأدهى من ذلك، أنّ المنفعة الرئيسية لهذا التعليم الذي يطمح إليها الذين فرضوه، هي على الأرجح، في كل زمانٍ وفي كل مكانٍ، تدمير للروح التراثية»[1]. يحاول الغرب فرض المساواة في كل مناحي الحياة، وسعت الحضارة الغربية الحديثة إلى إكراه الشعوب على التماهي مع قيمها وتبنّيها، وهنا يتجلى عنصر الصراع والتنافس، الذي قصده «غينون» والذي لا يمكن أن يحقق التفاهم المنشود، لأنّ «المبادئ هي التي تشترك فيها كلّ حضارةٍ سويّة مع غيرها[2]».

إنّ الغرب الحديث، بمناداته بالمساواة بين الشعوب في العلم والمعرفة، قد نصب نفسه وصيًّا على الشعوب الأخرى التي لا تمتلك ما يمتلكه من علومٍ وتقنياتٍ وقيمٍ إنسانوية وأخلاقوية، وحشر نفسه داخل هذه الشعوب متخذًا من نشر العلم ذريعةً لاستعمارها والسيطرة عليها، وكان أول ما يلجأ إليه الغرب المستعمر هو طمس كل ما له علاقةٌ بالتراث الروحي في الشرق، لأنه يعلم أنّ الجوانب الروحية في الحضارات الشرقية هي نواة وحدة شعوب تلك الحضارات وتماسكها.

لذلك فإنّ تصدير الغرب لقيم الديمقراطية كان هدفه القضاء على الصفوة العرفانية التي يزخر بها الشرق، من خلالها جعل كل شيءٍ عامًّا شائعًا في متناول الجميع، حيث تزول الحدود الفاصلة بين الصفوة والعامة، لذلك يعتبر «غينون» أنّ مبدأ المساواة منافٍ لكل الوقائع، «سواءً في المجال العقلي والفكري أو في الميدان المادي والطبيعي، وهو نفيٌ لكل تراتبٍ طبيعيٍّ، وإهانةٌ لكل معرفةٍ بإهباطها إلى مستوى فهم العاميّ المنحصر في حدودٍ ضيّقةٍ. فلم تبقَ ثمة إرادةٌ للاعتراف بوجود شيءٍ يتجاوز الفهم العام»[3]، فعن طريق مبدأ المساواة تم إقصاء المعرفة الفوق-حسية (الموصوله بالوحي الإلهي).

إذًا، وكما يقول «غينون»: «وجب الخضوع للاعتراف بأنه ليس لدى الغرب ما يعلّمه للشرق

(200)

باستثناء ما قد يتضمنه الميدان المادي الصِّرف، وهو الميدان، ونكرر هذا مرةً أخرى، الذي لا يمكن أن يعيره الشرق اهتمامًا كبيرًا، لأنّ لديه ما هو أنفس منه بكثيرٍ[1]». فالغرب لا يمتلك ما يعلّمه للشرق، لأنّ التراث الروحي الأصيل عند الشرق أسمى من التقدم المادي، فالشرقيون لا يولون أي اهتمامٍ للأمور التي هي من طرازٍ ماديٍّ لأنها في نظرهم عوارضُ فانيةٌ وزائلةٌ، بل إنّ عنايتهم ومقاصدهم تروم الأمور من الطراز الروحي العرفاني الخالص، لأنه يرتبط بما هو أعلى وثابتٌ، أما الأمور المادية فهي مصدر كل الصراعات.

لذلك يعتقد «غينون» أن أي محاولةٍ لإيجاد فرصٍ للتلاقي بين الذهنية التراثية العرفانية، الموصولة دومًا بعالم السماء، والعقلية التي تهيمن على حضارة الغرب الحديث، تلك العقلية المادية المحضة، سيكون مآلها الإجهاض لا محالة، فلا يمكن «في الواقع إيجاد أي توفيقٍ بين العقلية العرفانية الروحانية والعقلية الحديثة، وكل تنازل ٍلصالح الثانية إنما يقع على حساب الأوّلى، لأنّ العقلية الحديثة، في صميمها ما هي إلاّ الرفض نفسه، لكل ما يؤلف العقلية العرفانية[2]».

رابعًا: إعادة بعث الصفوة الروحانية:

الحكمة غير البشرية (العلم القدسي) لم تضِع، ولن تضيع. هي فقط محتجبةٌ عن الأبصار، وتحتاج إلى الصفوة بالمفهوم الغينوني لإعادة البعث والإحياء. لذلك فالولوج إلى جوفها العميق لا يؤتى لأولئك الموصولين بعالم الظاهر. إنّ «غينون» نفسه لو لم يكن مشدودًا إلى عالم السماء لما استبان له نور الحق، ولما انتزع الظلمة التي كانت تستغرقه في أسفاره التأمّلية «لقد كان متطلعًا إلى المعرفة، كان يتطلع إلى السماء، يريد أن يخترق الحجب، وأن يكشف القناع، وأن يرفع المساتير، وأن يصل إلى الحق[3]».

إنّ فكرة «الكمّ» المهيمنة على مناحي الحياة بكل تشعباتها هي التي أضاعت الجواهر الثمينة

(201)

المكتنزة داخل الحضارة الغربية، والتي لا زالت تنتظر من ينفض عنها الغبار الذي يعلوها. فـ «غينون» كان يرى الكمّ إعلاءً للقشر وتعاميًا عن اللبّ، حتى إنه نأى في حياته عن كل ما يجد فيه تكثّرًا، بعد أن امتحن هذه الكثرة بمحكمة العقل الحصيف، والبصيرة المتّقدة، والرؤية البحّاثة النافذة التي لا تركن إلى الظاهرٍ البرّاق، ولا تتعجّل اليقين قبل أن تتوافر أسبابه. لقد اعتكف «غينون»، وانفرد بنفسه منقّبًا عن الحقيقة، وصولًا إلى الاطمئنان، لقد كان حاله حال الذي لم يستوثق بالحق تلقينًا من الخارج، فسعى إليه عبر التأمّل من الداخل. وبعد المعايشة المباشرة لمختلف مدارس باريس والتغلغل في بواطنها، انتهى «غينون» إلى استجلاء الحق من الباطل.

إنّ الصفوة العرفانية الموصولة بالأعلى، يرون ويُبصرون على الرغم من عمى الكل. هم أحياء بكل كياناتهم الروحية. مهما حاول الغير قتلهم، لن تُقتل أرواحهم، لأنها أرواحٌ قد انعتقت من دهاليز أهل الأرض، وتعلّقت بالسماء، حيث النور الربّاني الآسر، ترتشف من نبع القدس الفياض، إنها تنشد الفردوس الأبدي، وتنأى عن الفردوس الأرضي المفقود، إنّها تترفّع عن السفاسف. هؤلاء نادرون، وعلى الرغم من آلامهم، هم يبتسمون، في قلوبهم جراحٌ تتكلم بصمتٍ، حتى إذا رأيتهم يخيّل إليك أنهم قد وُهبوا مملكة الأرض والسّماء. هؤلاء أدركوا أنّ لكل إنسانٍ مملكةً وقصرًا، أدركوا أنّ الداخل أهم من الخارج، ومهما تكلم معهم السّفهاء والدّهماء لا يجيبون، وهم عنهم معرضون، يزدادون حلمًا، كلما صفعتهم الأعاصير العاتية، تجدهم دائمًا منتصبي القامات لا ينحنون، مبادئهم وقفٌ لا تباع ولا تشترى. هؤلاء هم الذين عرفوا وجودهم حقّ المعرفة، عرفوا أنّ الدنيا زائلةٌ، وأنّ خير الناس من جعلها معبرًا للآخرة، وأعدّ العدة ليسافر إلى رحلته الأبدية مطمئن النفس.

إنّ «الصفوة»، بالمفهوم الشائع، هي «النخبة» التي حصّلت تعليمًا متخصِّصًا في مجالٍ معيّنٍ كالعلماء والفلاسفة، ويتم تمييزهم عن العامة سواءً أكانوا أميّين لا يعرفون القراءة والكتابة، أم كانوا يعرفونها لكنهم لم يتلقّوْا تعليمًا متخصّصًا، بحيث يتم الرفع من شأن أولئك المتخصصين ويوصفون بالصّفوة والنخبة المتنوّرة، ويوضعون على رأس الهرم الاجتماعي.

(202)

إنّ أغلب العلماء والفلاسفة في تخصصاتهم لم يكونوا «صفوةً» بالمفهوم الغينوني، بل الراجح أنّهم كانوا سببًا في تحطيم الحضارة الغربية، بما نشروه من سمومهم الفكرية، ونظرياتهم العواطفية ذات المنازع المادية السفلية المحضة[1]، التي لم تمكّنهم من الولوج إلى عالم الجوهر الثابت حيث المبادئ الكلية. إنّ فالفلاسفة والعلماء لا يحوزون هذا العقل المستبصر، لأنهم مسجونون في الكهف الأرضي بالمفهوم الأفلاطوني، وانغماسُهم في عوالم النسبية يحجب عنهم رؤية الحقيقة الكلية الثابتة، لذلك يؤكد «غينون» على أنّه «يمكننا القول أنّ العالم الحديث يقاوم بواسطة تشتّته الخاص به، الذي لا يتوصل حتى خصومه أنفسهم إلى التنصّل منه، سيبقى الأمر على حاله ما دام هؤلاء ماكثين على الأرضية الدنيوية[2]».

أما الصفوة، التي يقصدها «غينون»، فهي التي قد تلقّت إعدادًا روحيًّا خالصًا يحميها من أي انحرافٍ عندما تخوض في أي علمٍ، لذلك فإنها محصّنةٌ بأساسٍ ثابتٍ هو «المبادئ» التي تحوطها وتصونها من الضياع والتشتّت. هذه الصفوة تسير على أرضٍ صلبةٍ ولن تضلّ السبيل لأن العنصر الموجِّه لها هو عنصرٌ أسمى يجعلها موصولةً بعالم السماء فلا تحيد عن الطريق.

لذلك يعتقد «غينون» أنّه «لا توجد سوى وسيلةٍ وحيدةٍ للخروج من الفوضى العارمة (chaos): إحياء العقلانية، ومن ثمّ، إعادة تشكيل نخبةٍ يجب، حاليًّا، أن تُعتبر غيرَ موجودةٍ في الغرب... لأنه لا يمكننا منح هذا الاسم لبضعة عناصرَ معزولةٍ وفاقدةٍ للتماسك[3]»، لأنّ «ما ينقصهم هو المعرفة الحقيقية، إنّها المعطيات التقليدية التي يستحيل ارتجالها، والتي لا يمكن لذكاءٍ موكولٍ إلى نفسه، خاصةً في ظروفٍ معاكسةٍ جدًّا من جميع النواحي، أن يقوم مقامها إلا بشكلٍ ناقصٍ جدًّا وإلى حدٍّ ضعيفٍ جدًّا[4]».

إنّ فالصفوة، عند «غينون»، لا يمكن أن تكون إلاّ فكريةً أو روحيةً، إذ إنه يرفض خلط المجال

(203)

الفكري الحق بالعقلانية، وذلك بسبب أنّ التمييز الذي يحدّد الصفوة لا يمكن أن يتم إلاّ من أعلى، أي انطلاقًا من الإمكانيات الأكثر رقيًّا للفرد. ولكي يتم تكوين الصفوة لا بد أن يدرك أعضاؤها صفاتهم بأنفسهم، هذا من جهةٍ، ومن جهةٍ أخرى ينبغي تجاوز مختلف العقبات المتمثلة في[1]:

1_ العقبة الأوّلى هي الاتصال بمن لهم هذه الكفاءة، دون علمٍ منهم بتاتًا بقدراتهم الخاصة.

2_ العقبة الثانية هي القيام بانتقاء من قد يظنون أنفسهم مؤهلين، بينما هم ليسوا كذلك في الواقع، وإزاحتهم.

إنّ الصفوة الحقيقية تشكّل الطبقة الهادمة للعناصر السفلية في العالم الظلماني، وبذلك تشكّل، بموقعها الديناميكي، قوةً اقتحاميةً فاتحةً، تحاول أن تنتزع ما هو حقيقيٌّ وسط العوارض العابرة، لترسيَ ما هو نهائيٌّ محلَّ ما هو مؤقَّتٌ، وتحوّل كل فوضًى إلى نظامٍ، فتنقل الإنسان الغربي من الأرض الهشّة الرخوة لتضع قدمه على أرضٍ صلبةٍ متماسكةٍ، من أجل كل ذلك تواجه الصفوة في الغرب ضآلة الترحيب والاحتواء والاحتضان. إنّ الدور المنوط بها والمأمول تحقيقه، هو إنقاذ الحضارة الغربية من هاوية السقوط في الكاووس، وإعادة الإحياء الروحي للغرب الحديث ببعث التراث العرفاني.

كما ينبّه «غينون» إلى أنّ الاستلهام من الروحانية الشرقية، لا يعني أن يكون تنظيم الصفوة في الغرب متماثلًا ومتطابقًا مع ما هو موجودٌ في الشرق، فغاية الصفوة ليس تحويل الإنسان الغربي إلى إنسانٍ شرقيٍّ بحيث تذوب الذات الغربية في الذات الشرقية، كما يفعل الغربي مع الشرقي، بل غاية الصفوة الاستلهام من العناصر الموجِّهة التي يزخر بها التراث الشرقي، والتي افتقدتها الحضارة الغربية.

على الرغم من كل ما أصاب الحضارة الغربية، لا زال الأمل في إنقاذها ممكنًا، حسب «غينون»، لكن «مع الاحتفاظ، بالعكس، بصلةٍ مع كل ما قد لا يزال باقيًا من التراث السوي المقبول في

(204)

الحضارة الغربية، وخاصةً ما تبقّى على الرغم من العقلية الحديثة، من الروح التراثي في الشكل الديني بالأساس»[1]، أي إنّه لا ينبغي صهر كل الحضارات في بوتقةٍ واحدةٍ إلى حد التطابق والتماهي المطلق الذي تغيب فيه استقلالية كل حضارةٍ تراثيةٍ، فلكل حضارةٍ ممارساتها وتطبيقاتها التي تتجلى فيها «المبادئ»، فالتطابق يكون على مستوى الجوهر لا الأعراض. فالحقيقة واحدةٌ، وأشكالُ تجليها متعددةٌ، إذ لا يمكن إحلال تراثٍ كبديلٍ لتراثٍ آخرَ. أما عن طبيعة تنظيم الصفوة عند «غينون»، فهو يرى أنّها تنظيمٌ روحيٌّ غيرُ مؤطّرٌ بقوانينَ، على عكس تنظيم الجمعيات الذي تقيده القوانين لذلك ينحرف، إذْ يُشترط هذا التنظيم حيازة المؤهلات والكفاءات المطلوبة لحصول عملية الفهم الحقيقي.

إنّ توجيه الروحاني للزمني والمادي، أي توجيه الأعلى للأسفل، والمقدّس للدنيوي، لا يعني، كما يفهم البعض، الإلغاء الكلّيّ للدنيوي لأنّ «دور الروحاني هو إرشاد الزمني دون الانغماس فيه، وهكذا يبقى كلُّ شيءٍ في مستواه، عند مرتبته الخاصة في التراتب[2]». لا بد من توجيه المقدّس للدنيوي لا العكس، أي إنّه من الضروري أن يحكم الأعلى الأدنى، والحكمةُ الجهلَ، والسماءُ الأرضَ، والإلهيُّ الإنسانيَّ، والحقيقةُ الخطأَ، والمطلقُ النسبيَّ. إنّ سوء فهم الحقل الدلالي للتراث العرفاني الروحي، كان هو النتيجة الحتمية التي آل إليها الإنسان الغربي تبعًا لتفكّك عالمه الروحي، ولانغماسه المفرط في عالم الماديات العابر، حيث انزلق فيه وانسحب داخل شرنقته ليصبح هو اليومي المعيش الوحيد في غدوّه ورواحه. هذا هو ما أدى إلى تصعيد المادية وإنزال الروحانية، وقلب العلاقة بين الكم والكيف، وعدم فهم طبيعة كلٍّ منهما، ما يقتضي،حسب «غينون»، فهم التراتب الوجودي بعقلٍ مستبصرٍ حتى يتم النفاذ إلى الحقيقة العليا، والتي هي الوحيدة التي، إذا بلغتها الحضارة الغربية عن طريق إعادة الاعتبار للصفوة العرفانية الروحية، تستطيع تلافي السقوط والتلاشي في العدم .

(205)

الخاتمة

 

من خلال الولوج إلى موقف «غينون» من الحضارة الغربية، تنجلي أمامنا الرؤية التي تستبطن من خلالها الحضارة الغربية العالم وهي رؤيةٌ ماديّةٌ. فبعد أن طردت الهيومانيةُ (الإنسانوية) اللهَ من الأرض، ولم تعد تعترف إلاّ بالفعل الإنساني المُعقلن والمُكوّن، وبعد أن خُنقت الروح وانتُزعت نهائيًّا من العالم الدنيوي، غَرقت الحضارة الغربية في عالمٍ مُوحشٍ وجرفتها المادّية عن كل ترقٍّ روحيٍّ، لأنّ إنسان الحضارة الغربية أسلم روحه قربانًا يتزلّف به لدخول الفردوس الأرضي وأصبح ينتشي بمنجزات التقدم الزّائف. لكن الحلم الماتِع انتكس على عقبيه، لتتحول الجنّة الأرضية إلى جحيمٍ أضاع إنسان هذه الحضارة في متاهات رغبوية السوق المتصلّب الذي استنزف طاقاته وإمكاناته، فحوّله من كائن التأمّل إلى كائن العمل، حيث توقّف الزمن الكيفي وتحول إلى زمانٍ سيزيفيٍّ. هكذا كان الجزاء أن انتهت الحضارة الغربية إلى واقعٍ ضبابيٍّ، فالعقاب من جنس العمل، إذْ لا يمكن أن تُلغى مملكة السماء، ولا يمكن أنْ تُنتزع الروح من دون ضريبةٍ تدفع، لقد كان الثمن مفزعًا، إنّه الشواش والفوضى والتشتّت اللاّمحدود الذي سقطت فيه الحضارة الغربية مغشيًّا عليها، لأنّها طردت النور بالظلام، بدلًا من أن تطرد الظلام بالنور. لقد طغت مادية الحضارة الغربية الحديثة فلم تترك جانبًا إلاّ وأنزلته إلى الحضيض، أما الروحانية فصارت إلى التلاشي والضمور الرهيب. لذلك كانت أزمة الحضارة الغربية أزمةً عاصفةً في كل شيءٍ، خلخلت كل الثوابت الجمالية والأخلاقية والدينية، فالحداثة التي نذرت الحضارة الغربية لتبليغها إلى الإنسانية، تتكسّر وتهوي في نفق الكاووس المشوّش.

لقد انكشفت حقيقة تلك الحضارة النرجسية التي حَلمت بيوتوبيا أرضيةٍ وفردوسٍ دنيويٍّ. لقد وعى بعض الغربيين أنّ حضارتهم لا يمكن أن تكون خاتمةً للحضارات، ولا نهايةً للتاريخ، وسقط

(206)

عنهم قناع الاكتفاء الوهمي بحضارتهم، بعد أن أدركوا أنّ الحضارة، التي لطالما كانوا مزهوين بها، هي نفسها التي ستنكّسهم. لقد فهم الغربيون، أنّ الدّاء ضاربٌ في أعماق الداخل، لتطفو على السطح الحقيقة التي ظلّوا يوارونها، ويهربون منها.

 إنّ الحضارة الغربية، التي ظلّت طويلًا مشرئبّة العنق، ستهوي وتنكسر إذا لم تقبل حقيقة أنّ المرض الذي ألمّ بها هي التي صنعته، بل وغذّته بأوهامها حتى كبر واكتسحها ويكاد الآن أنْ يُجهز عليها، خاصةً بعد انهيار الأسطورة اليوتوبية المسماة بـ «التقدم»، تلك الكلمة الإيحائية العزيزة على الغربيين، وبعد تهاوي أصنامها، بعد دخول هذه الحضارة عصر «الكالي-يوغا» الذي يمثّل، عند «غينون»، أعتى درجات الظلام، والذي كان مآلًا محتومًا للتقدم منقطع النظير الذي لا يتوقف لحظةً مراجعًا ذاته.

إنّ الكبرياء، الذي انتفخت به حضارة الغرب، قد أحاطها بغشاوةٍ حالت بينها وبين رؤية الهاوية التي ستسقط فيها، بفعل الهوس والافتتان بالتقدم المزعوم، الذي تحوّل إلى رد فعلٍ ارتكاسيٍّ سيقلب حضارة الغرب رأسًا على عقبٍ، ويكفي أنّ الغرب قد قطع الشك وبدأ، كما يلحّ على ذلك «غينون»، يستفيق من وهم التقدم الصاعد اللانهائي، ويعيد التفكير في ذاته منتزعًا دوغما التقدم، ليقف وجهًا لوجهٍ مع ذاته مستشكلًا بناها الفوقية والتحتية التي أنتجت الذهنية المعاصرة ذات البعد الواحد، الذي حوّل الإنسان إلى كيانٍ معطوبٍ ضائعٍ في الجحيم الأرضي. لكن على الرغم من الداء، فإنّ «غينون» يرى أنّ الانحراف الذي وقعت فيه الحضارة الغربية يمكن إصلاحه، وإعادة الحضارة الغربية إلى المسار السوي، وإنقاذها من كارثة السقوط عبر ما سماه بـ «الافتراض الأفضل»، وهو التحوّل التلقائي بلا اصطدامٍ، أي بحصول عملية انتقالٍ تدريجيٍّ من الانحراف إلى الاستقامة، وهذا يعني أنّ مصير الحضارة الغربية، عند «غينون»، ليس الموت أو الفناء كما تصور ذلك المتشائمون من أمثال «أوزفالد اشبنغلر» لأنها، عند «غينون»، لم تفقد كل العناصر السوية، فهي لا زالت تشتمل على الروح التراثي الديني الذي يحتاج إلى إعادة الإحياء. هو يرى أنّ الانحراف الذي سقطت فيه الحضارة الغربية ليس شذوذًا تصاعديًّا بشكلٍ مطلقٍ لا ارتداد فيه، بل هو

(207)

انتكاسٌ مؤقَّتٌ يمكن إصلاحه وإيقاف امتداداته المستقبلية. وهكذا يبقى موقف «غينون» من الحضارة الغربية موقف أملٍ وانتظارٍ يترك للمستقبل الحكم على مصير الحضارة الغربية.
إنّ «غينون» لا يؤكّد على انهيار الحضارة الغربية، بل يتوقع فقط إمكانية سقوطها، فهو لا يرفض الغرب كحضارةٍ في ذاته، بل يهاجم العقلية الغربية الحديثة التي أقصت العرفان الروحي، إذ يعترف بأنّ الحضارة الغربية الحديثة حققت طفرةً نوعيةً في مجال التقدم المادي، والذي لا يمكن إنكاره أو التغاضي عنه. وهذا ما يميّز موقف «غينون» من الحضارة الغربية، باعتباره موقفًا مكثّفًا بالجدّة والأصالة، ويكشف عن روحٍ مشبعةٍ بالروحانيات التراثية الأصيلة التي تؤمن بأنّ الغيب من شأن عالم السماء لا من شأن عالم الأرض.

(208)

المصـادر والمــراجع

 

أولًا: المصادر:

 المصادر بالعربية:

1. بيري ساندرز: اختفاء الكائن البشري (أرواحٌ غافلةٌ)، ترجمة سهيل نجم، بيروت - لبنان، ط1، 2018 م

2. تيري ميسان: الخديعة الكبرى.

3. رينيه غينون: أزمة العالم الحديث. ترجمة د/ عدنان نجيب الدين وجمال عمار. الناشر المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية، العتبة العبّاسية المقدّسة الطبعة الأوّلى. 2016م.

4. رينيه غينون: شرقٌ وغربٌ. ترجمة عبد الباقي مفتاح. الطبعة الأوّلى، 2016م. عالم الكتب الحديث للنشر والتوزيع  - إربد - الأردن.

5. رينيه غينون: مدخلٌ عامٌّ إلى فهم النظريات التراثية (والهندوسية بوجهٍ خاصٍّ). ترجمة عمر الفاروق. مراجعة وتقديم سعد الموجي. المجلس الأعلى للثقافة القاهرة. الطبعة الأوّلى، 2003 م.

6. رينيه غينون: هيمنة الكم على الكيف.

7. رينيه غينون: هيمنة الكمّ وعلامات آخر الزمان. ترجمة عبد الباقي مفتاح. عالم الكتب الحديث للنشر والتوزيع - إربد - الأردن. الطبعة الأوّلى، 2013م.

8. طه عبد الرحمن: سؤال الأخلاق.

9. عبد الحليم حمود: الإنسان في قفص الصورة. دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، 2008 م

(209)

المصادر بالفرنسية:

 RENÉ GUÉNON, AUTORITÉ SPIRITUELLE ET POUVOIR TEMPOREL.

ثانيًا: المراجع:

1. فرتجوف شيون: كيف نفهم الإسلام. ترجمة الدكتور عفيف دمشقية، دار الآداب - بيروت، الطبعة الأوّلى، 1978م.

2. عزّت بيجوفيتش: الإسلام بين الشرق والغرب، ترجمة محمد يوسف عدس، تقديم عبد الوهاب المسيري، مصر، دار الشروق. 1994م

3. ليوبولد فايس (محمد أسد): الطريق إلى مكّة. ترجمة: عفيف البعلبكي. دار العلم للملايين.

4. طه عبد الرحمن: الحوار أفقًا للفكر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت - القاهرة - الدار البيضاء - الرياض، ط 2، 2014 م.

5. طه عبد الرحمن: سؤال الحداثة. مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية. المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء - المغرب. الطبعة الأوّلى 2000 م.

6. هارالد موللر: تعايش الثقافات. مشروع مضادّ لهنتنغتون. ترجمة: د. إبراهيم أبو هشهش. دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت _-لبنان، الطبعة الأوّلى 2005 م.

7. إيمانويل كانط: تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق، ترجمة وتقديم: د. عبد الغفّار مكاوي. منشورات الجمل، الطبعة الأوّلى، 2002 م.

8. فرانسيس فوكوياما: نهاية التاريخ وخاتم البشر. ترجمة: حسين أحمد أمين، مركز الأهرام للترجمة والنشر - القاهرة، الطبعة الأوّلى، 1993 م.

(210)

9. باتريك جيه بوكانن: موت الغرب. ترجمة: محمد محمود التوبة، مراجعة: محمد بن حامد الأحمري، مكتبة العبيكان، الطبعة الأوّلى، 2005 م.

10. أرنولد توينبي: بحث في التاريخ. المجلّد الأوّل، ترجمة وتعليق طه باقر، الفرات للنشر والتوزيع، بيروت - لبنان، ط 1, 2014م.

11. أرنولد توينبي: بحث في التاريخ. المجلد الثاني، ترجمة وتعليق طه باقر، الفرات للنشر والتوزيع، بيروت - لبنان، ط 1, 2014م.

12. أرنولد توينبي وآخرون: الإنسان وهموم الموت، ترجمة عزّت شعلان، المركز القومي للترجمة القاهرة، الطبعة الأوّلى 2011م.

13. رالف لينتون: شجرة الحضارة، ترجمة أحمد فخري، المركز القومي للترجمة - القاهرة.

14. زيغريد هونكة: الله ليس كمثله شيءٌ. الكشف عن ألفُ فريةٍ وفريةٌ عن العرب. ترجمة حمد عوني عبد الرؤوف، المركز القومي للترجمة، مكتبة مؤمن قريش، ط 1، 2010 م.

15. ريغريد هونكة: شمس العرب تسطع على الغرب. نقله عن الألمانية: فاروق بيوض  كمال دسوقي راجعه: مارون عيسى الخوري. منشورات دار الآفاق الجديدة - بيروت، ط 8، 1982 م.

16. كافين رايلي: كتاب الغرب والعالم، تاريخ الحضارة من خلال موضوعاتٍ. ترجمة: د. عبد الوهاب المسيري و د. هدى عبد السميع حجازي، مراجعة: د. فؤاد زكريا، عالم المعرفة 1985 م.

17. بال فرغسون: الحضارة. كيف هيمنت الحضارة الغربية على الشرق والغرب. ترجمة، سعيد محمد الحسنية، تدقيق لغوي: محمد زينو شومان، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، لبنان - بيروت، الطبعة الثانية، 2014م.

18. جوناثان رايلي سميث: تاريخ الحروب الصليبية. ج 1، ترجمة قاسم عبده قاسم، المركز القومي للترجمة, الطبعة الأوّلى، 2009 م.

(211)

19. مايكل زيميرمان: الفلسفة البيئية من حقوق الحيوان إلى الإيكولوجيا الجذرية، ترجمة معين شفيق رومية، سلسلة عالم المعرفة، 2006م.

20. جيمس لفلوك: وجه غايا المتلاشي، ترجمة د/ سعد الدين خرفان، عالم المعرفة 2012م.

21. راندال ستروس: كوكب غوغل. كيف استطاعت رؤية شركةٍ واحدةٍ أن تحوّل حياتنا. ترجمة مها عز الدين، الدار العربية للعلوم ناشرون، الطبعة الأوّلى، 2011 م.

22. توماس باترسون: الحضارة الغربية: الفكرة والتاريخ. ترجمة شوقي جلال. مكتبة الأسرة، برعاية السيدة سوزان مبارك، 2004م.

23. جيمس هنري برستيد: انتصار الحضارة تاريخ الشرق القديم. ترجمة أحمد فخري. تقديم ممدوح محمد الدماطي.

24. إدغار موران: ثقافة أوربا وبربريتها. ترجمة محمد الهلالي. دار توبقال للنشر الدار البيضاء، الطبعة 1، 2007.

25. إدغار موران: إلى أين يسير العالم. ترجمة أحمد العلمي، الدار العربية للعلوم ناشرون - مقاليد، الطبعة الأوّلى، 2009 م.

26. إدغار موران: الفكر والمستقبل. مدخلٌ إلى الفكر المركّب، ترجمة: أحمد القصوار ومنير الحجوجي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء - المغرب، ط 1، 2004م

27. سيغموند فرويد: الحب والحرب والحضارة والموت. دراسة وترجمة الدكتور عبد المنعم الحفني، دار الرشاد. الطبعة الأوّلى، 1992م.

28. بول لوران أسون: التحليل النفسي، ترجمة الدكتور محمد سبيلا، منشورات ضفاف، العدد الثامن، 2005م.

(212)

29. كارل يونغ: دور اللاّشعور. ترجمة نهار خياطة، ط 1، 1992 م. 

30. سوزان شوكرمان: نظرية العقل من منظورٍ زمنيٍّ، فرويد بين الحقيقة والصورة، ترجمة د. عبد الستار الأسدي، ط 1, بيروت - لبنان، 2017م.

31. دافيد هيوم: التاريخ الطبيعي للدين، نقله إلى العربية حسام الدين خضور، دار الفرقد للطباعة والنشر والتوزيع دمشق - سوريا، الطبعة الأوّلى، 2014م.

32. جاك رانسيير: كراهية الديمقراطية. ترجمة أحمد حسان، التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، لبنان - بيروت،  الطبعة الأوّلى، 2012م.

33. جون دن: قصّة الديمقراطية، ترجمة عبد الإله الملاح. العبيكان للنشر، المملكة العربية السعودية، الطبعة العربية الأوّلى، 2012 م.

34. رينيه ديكارت: مقالٌ في المنهج، ترجمة، محمود محمد الخضيري، راجع لها وقدمها محمد مصطفى حلمي، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، ط 2، 1968م صص : 190 - 191.

35. عبد الرزاق بلعقروز: من أجل المعرفة. مفاتحات حواريةٌ مع الذات والكتاب. منشورات الوطن، 2017 م.

36. هيغل: العقل في التاريخ، الجزء الأوّل، ترجمة وتعليق إمام عبد الفتاح إمام.

37. بيير جوردا: الشرقي المحتال الشرقي الغريب. ترجمة د. مي محمود و علي بدر، دار ألكا - بلجيكا، الطبعة الأوّلى، 2017م.

38. ألكسيس كاريل: الإنسان ذلك المجهول. ترجمة عادل شفيق.

39. غوستاف لو بون: السنن النفسية لتطور الأمم. ترجمة عادل زعيتر. مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة. 2012 م.

(213)

40. غوستاف لو بون: روح الثورات والثورة الفرنسية. ترجمة: عادل زعيتر، كلمات عربية للترجمة والنشر، 2012 م.

41. غوستاف لو بون: الآراء والمعتقدات (نشوؤها وتطورها). ترجمة نبيل أبو صعب. دار الفرقد للطباعة والنشر - دمشق - سوريا، الطبعة الثانية 2016 م.

42. ألبرت أوشفيتسر: فلسفة الحضارة. ترجمة الدكتور عبد الرحمن بدوي، مراجعة الدكتور زكي نجيب محمود.

43. كارل ساغان: بلايين وبلايين. أفكارٌ حول الحياة والموت على حافة الألفية. ترجمة عزت عامر. المجلس الأعلى للثقافة. الطبعة الأوّلى 2003 م.

44. جون ديوي: الفردية قديمًا وحديثًا. ترجمة وليد شحاذة. دار الفرقد للطباعة والنشر والتوزيع. الطبعة الأوّلى، 2014 م.

45. ليونارد رامستريغين: مملكة الفوضى محاولات لفهم عمل المصادفة والسيبرنيتية، ترجمة د. عبد الهادي عبد الرحمن، دار الطليعة للطباعة والنشر بيروت - لبنان، الطبعة الأوّلى، 1995م.

46. ج. ويتلر: الهرطقة في المسيحية. تعريب جمال سالم، التنوير للطباعة والنشر بيروت - لبنان، الطبعة الثانية، 2010 م.

47. إيريك يونس جوفروا: المستقبل للإسلام الروحاني. ترجمة هاشم صالح، مراجعة أسامة نبيل. المركز القومي للترجمة. القاهرة، الطبعة الأوّلى 2016م.

48. هاربرت ماركوز: الإنسان ذو البعد الواحد. ترجمة جورج طرابيشي. دار الآداب للنشر والتوزيع. بيروت - لبنان. الطبعة الرابعة 2004م.

(214)

49. نعوم تشومسكي: أشياء لن تسمع بها أبدًا. ترجمة أسعد محمد الحسين. دار نينوى. سوريا - دمشق. الطبعة الأوّلى، 2017م.

50. هوميروس: الإلياذة، ترجمة دريني خشبة، دار التنوير للطباعة والنشر، الطبعة الأوّلى، 2014م.

51. أنا ماري شيمل: الشمس المنتصرة، ترجمة، الدكتور عيسى علي العاكوب، دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر، دمشق - سوريا، الطبعة الأوّلى 2016م.

52. روجي غارودي: حوار الحضارات، تعريب الدكتور عادل العوا، عويدات للنشر والطباعة، بيروت - لبنان، الطبعة الرابعة 1999م.

53. روجي غارودي: حفّارو القبور. الحضارة التي تحفر للإنسانية قبرها. ترجمة: عزت صبحي. ط 3، دار الشروق. 2002م.

54. محمد عزيز لحبابي: مفاهيمُ مبهمةٌ في الفكر العربي المعاصر. دار المعارف، القاهرة. 1990م.

55. برتراند رسل: أثر العلم في المجتمع . ترجمة: صباح صديق الدملوجي، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأوّلى، 2008م.

56. تشارلز داروين: أصل الأنواع، عرض وتحليل د. أيمن محمد عادل، الناشر مكتبة النافذة الطبعة الأوّلى، 2008.

57. ثيوكاريس تيسيديس: هراقليطس وجذور المادية الديالكتيكية. نقله إلى العربية حاتم سلمان. الناشر. دار الفارابي - بيروت - لبنان. الطبعة الأوّلى، 1987م.

58. بوئتيوس: عزاء الفلسفة، ترجمة: د. عادل مصطفى، مراجعة: د. أحمد عتمان، رؤية للنشر والتوزيع، الطبعة الأوّلى، 2008م.

(215)

59. عبد الحليم محمود: المدرسة الشاذلية الحديثة. دار الكتب الحديثة.

60. أ. د. زينب عبد العزيز: مقالات رينيه غينون، دار الأنصار.

61. زكي نجيب محمود: الشرق الفنان، النشر، دار القلم - القاهرة.

62. زكي نجيب محمود: قصّة الفلسفة الحديثة. لجنة التأليف والترجمة والنشر - القاهرة، 1936م.

63. سلامة موسى: ما هي النهضة. سلسلة الأنيس، موفم للنشر، لبنان. 1987م.

64. عبد الغفار مكاوي: لِمَ الفلسفة. الناشر، منشأة المعارف بالإسكندرية.

 

الروايات:

1. فولتير: كانديد (أدم بعد عدن)، ترجمة وتقديم ودراسة عقيل يوسف عيدان، دار الرافين، بيروت - لبنان، الطبعة الأوّلى 2018 م.

2. غوستاين غاردر: عالمٌ صوفيٌّ. (رواية). ترجمة حافظ الجمالي. 1996م، ص:78.

3. دوستويفسكي: الإخوة كرامازوف. ترجمة إدوار أبو حمرا. منشورات ضفاف - منشورات الاختلاف. الطبعة الأوّلى، 2017م.

(216)
هذا الكتاب إن هذا الكتاب الروحانية النازلة نقد المادية الغربية في فكر رينيه غينون هو دراسة تحليلية للباحثة الجزائرية مفيدة ذهبان ، تتناول فيها مواقف ورؤى الكاتب والمفكر الفرنسي رينيه غينون أو عبد الواحد يحيى الاسم الذي اختاره لنفسه بعد إسلاميه ، في نقده للحضارة الغربية ، بالتركيز على الأوهام الغربية والأنا الحضاري الغربي التي أدت إلى تصعيد المادية وتنزيل الروحانية ، ومكامن الأزمات التي أصابت الحضارة الغربية ، والكشف عن أهم المرتكزات التي شكلت الخلفية الفلسفية والمعرفية والاجتماعية للأزمة الحضارية الغربية ، لتبلور في نهاية الكتاب رؤية رينيه غينون والبدائل التي قدمها والمتمثلة بالعودة إلى الروحانية ، وذلك بعد عرض لمناقشه غينون للالتباسات والتزييف والتمويه المتعلق بالتراث الغربي . وفي الختام نجد أنه من اللازم علينا التنويه إلى أنه مع كل القيمة العلمية المهمة لأطروحة وأفكار رينيه غينون في نقد الحضارة الغربية والفكر الغربي ، وبيان مكامن الضعف والتهافت والخلل في هذا الفكر ن إلا أن هذا لا يعني التوافق مع رينيه غينون في كل المباني والخلفيات الفكرية ، ولا سيما ما يتعلق منها بالتأثيرات الباطنية والتأويليلة في أفكاره ووضعه العقائد الشرقية برمتها في ميزان واحد دون تفريق واضح بين الديانات السماوية الكبرى وما يطلق عليه (مصطلح الديانات الوضعية) كالهندوسية .