الروحانية النازلة "نقد المادية الغربية في فكر رينيه غينون"

الروحانية النازلة "نقد المادية الغربية في فكر رينيه غينون"

تأليف 

ذهبان مفيدة

مقدمة المركز

تهدف سلسلة «نحن والغرب» إلى إحياء وتفعيل الحركة المعرفية والنقدية حيال قيم الغرب في الثقافة العربية والإسلامية المعاصرة.

تقوم منهجية هذه السلسلة على تظهير أعمال مفكرين وعلماء من الذين أثروا الثقافة العربية والإسلامية بإسهامات نقدية وازنة في سياق المساجلات والمناظرات مع الأفكار والمفاهيم الغربية ولا سيما منها التي ظهرت بالتزامن مع تدفقات الحداثة وما رافقها من عمليات توسع استعماري إلى بقية العالم.

إن المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية إذ يقدّم هذه السلسلة إلى القرّاء يحدوه الأمل بأن يُسهم هذا المسعى المعرفي في تنشيط فضاءات التفكير النقدي وتأسيس مناخات فكرية جادّة في العالمين العربي والإسلامي.

 * * *

إن هذا الكتاب "الروحانية النازلة ، نقد المادية الغربية في فكر رينيه غينون" هو دراسة تحليلة للباحثة الجزائرية ذهبان مفيدة ، تتناول فيها مواقف ورؤى الكاتب والمفكر الفرنسي رينيه غينون rene guenon

(15 نوفبر 1886 – 7 يناير 1951). أو عبد الواحد يحيى – الأسم الذي اختاره لنفسه بعد إسلامه - ، في نقده للحضارة الغربية ، بالتركيز على الأوهام الغربية والأنا الحضاري الغربي التي أدت إلى تصعيد المادية وتنزيل الروحانية ، ومكامن الأزمات التي أصابت الحضارة الغربية ، والكشف عن أهم المرتكزات التي شكلت الخلفية الفلسفية والمعرفية والاجتماعية للأزمة الحضارية الغربية ، لتبلور في نهاية الكتاب رؤية رينيه غينون والبدائل التي قدمها والمتمثلة بالعودة إلى الروحانية ، وذلك بعد عرض لمناقشة غينون للالتباسات والتزييف والتمويه المتعلق بالتراث الغربي.

وفي الختام نجد أنه من اللازم علينا التنويه إلى أنه مع كل القيمة العلمية المهمة لأطروحة وأفكار رينيه غينون في نقد الحضارة الغربية والفكر الغربي ، وبيان مكامن الضعف والتهافت والخلل في هذا الفكر ، إلا أن هذا لا يعني التوافق مع رينيه غينون في كل المباني والخلفيات الفكرية ، ولا سيما ما يتعلق منها بالتأثيرات الباطنية والـتأويلية في أفكاره ، ووضعه العقائد الشرقية برمتها في ميزان واحد دون تفريق واضح بين الديانات السماوية الكبرى وما يطلق <مصطلح الديانات الوضعية> كالهندوسية .

والله ولي التوفيق

المركز الاسلامي للدراسات الاسترانيجية

مقدمة المؤلف

يُعتبر موضوع الحضارة قُطبًا جاذبًا، وضاجًّا بالمساجلات الفلسفية والتاريخية والأنتربولوجية، وحافلًا بالإشكالات، في ظل علاقاتٍ حضاريةٍ لم تجنح للسِّلم. وبين الجذب والدفع، تضيع هذه العلاقات في متاهات عنف الكمّ المتجذّر في الحضارة الغربية الحديثة، الذي تسلّل إلى الحضارات الشرقية، ففتّت الأواصر الروحانية المتعالية النّاظمة لتلك الحضارات الإنسانية التراثية الأصيلة. وتظلّ الروح الحضارية الأصيلة تنزف تحت مخالب الكم، الذي أطفأ جذوة الروح، وأيقظ طوفان الأنانية الجارف لكلّ ما يلقاه، مُلوّثًا روح الإنسان، المشاكِلة للروح الإلهية، ليشدّها إلى المادة الترابية.

هكذا انزلقت الحضارة الغربية الحديثة في دوّامةٍ من التدمير الشامل، ما أيقظ الأصوات داخل الغرب لتصدح معلنةً أنّ هذه الحضارة ليست هي جنّةَ عدنٍ الموعودة، وبدأ الحديث الجادّ في الغرب عن «خطر»، «سقوط، «أزمة»، «انحلال»، «انهيار»، «انحطاط»،  «موت». تعدَّدت التسميات، لكنّ المعنى واحدٌ: الحضارة الغربية لم تعد متماسكةً من الداخل، وبدأت تفقد عناصرها السوّية. وهذا ما حدا ببعض فلاسفة الغرب إلى رفع التحدّي بدراساتٍ وجدالاتٍ عكفت على تحليل الداخل الممزّق، الذي صار يتسم بفقدان القيم الموصولة بعالم السّماء، وبالفوضى العارمة على المستويات كافةً، خاصةً المستوييْن الاجتماعي والروحي.

وسط كل هذه العتمة لم تعد الحقيقة الموصولة بعالم السماء تُغري العقول التي تروم الحكمة الأبدية، ما دفع الفيلسوف «رينيه غينون» (René Guénon) إلى أن ينبري للتشخيص والعلاج، فحمل شفرةَ التشريح للحضارة الغربية، غائصًا بالتحليل في أغوارها العميقة، ومعولَ الهدم، كاشفًا عن أوهامها التي سيّجتها، وهَوت بها في دوّامة الخواء الروحي. ولم يألُ «غينون»  جهدًا، بعد هدمه لمرتكزات الحضارة الغربية (الحضارة، التقدّم، العلم الحديث، الحياة الدنيا) التي شكّلت أساساتٍ صلبةً لأوهامها وأوثانها الحداثوية، لم يألُ جهدًا في أن يبحث عن منافذَ لتلمّس الضوء الذي يمكنه أن يعيد النور والبصيرة لحضارةٍ أصيب بالعمى، فلم يجد ذلك ممكنًا إلاّ في العودة للتقاليد التراثية الأصيلة، وفي المبادئ العرفانية الشرقية الطافحة بالرمزية الروحانية، فهي، كما رأى، المعراج الذي يمكنه أنْ يسموَ بها إلى الترقّي الروحيّ.

ركّز المسعى الفلسفي الغينوني على الهدم والبناء معًا، فلم يكن «غينون»  فيلسوفًا عاديًّا، فلا هو بالمتفائل بالحضارة الغربية -من خلال البدائل التي نظَّمها كمخرجٍ لهذه الحضارة من نكستها- ولا هو بالمتشائم الذي قطع الأمل من عودة هذه الحضارة إلى مسارها السوي، إنّه يترك النهاية لحكم المستقبل، ليكون هو القاضي الذي يحدّد مصير هذه الحضارة. لذلك فإنّ ما يقدّمه «غينون»  في مشروعه، هو عبارةٌ عن مُساجلاتٍ ومطارحاتٍ ومحاكماتٍ نقديةٍ ومفاتحاتٍ لمجاهيلَ، يستنكف الكثير من الفلاسفة عن تناولها بالدرس والتحليل والنقد، إنّها العوالم الروحية التي سقطت من المرتبة العلوية في التراتب الوجودي إلى المرتبة السّفلية، نازلةً تدريجيًّا بسرعةٍ تتناسب مع الزمن المتسارع في دورة الكالي-يوغا، ما أحدث قلبًا في القيم.

ينتهي الفيلسوف الهدّام «رينيه غينون»، بعد تحليلٍ وصفيٍّ تشخيصيٍّ للحضارة الغربية من الدّاخل، إلى الإقرار بأنّ هذه الحضارة مرتهَنةٌ داخل أزمةٍ روحيةٍ خانقةٍ، كانت مخاضًا لتضخيم المادّية المقطوعة الصلة عن كل الشرائع الربانية، وهو المآل الذي ينذر بسقوطها وتفكّكها. وبما أنّ إنكار الروحي وإنزال مرتبته إلى الدرك الأسفل، هو الذي أنتج الأزمة، فإنّ الحلّ، كما يتصوّره «غينون»، سيكون بإعادة الترتيب الطبيعي للقيم، لترتفع مرتبة الروحي وتنزل مرتبة المادي. إنّ التسامي بالروحانية هو الحل للخروج من المأزق الفكري والمعرفي والاجتماعي والأخلاقي والديني، وهنا تكمن أصالة وحداثة الفيلسوف الهدّام «رينيه غينون».

إنّ قيمة «غينون»، في مشروعه الحضاري، هي إعادة الوصل بين الحضارة والمنابع التراثية الأصيلة الموصولة بالشرائع الربّانية، التي أهدرتها العقلانية المادية المتصلّبة والهيومانية (الإنسانوية) الدوغمائية. لقد حاول استثمار الروحانيات التي تغتني بها التراثيات التقليدية لإعادة إنتاج المعنى، ولتصويب وجهة الإنسان الغربي نحو رؤيةٍ كونيةٍ روحانيةٍ.

كان «غينون» فيلسوفًا مهمومًا بقضايا عصره، ولم يكن فيلسوفًا حالمًا يوتوبيًّا، غارقًا في زُهدياتٍ فكريةٍ فاترةٍ. فما أحوجنا لمثل فلسفة «غينون» الروحانية الساعية بخطًى حثيثةٍ لبناء فضاءات للتفاهم، بعيدًا عن الفكر الاندماجي المماهاتي.

من هذه المفاتحات، آثرنا الإشكاليّة الرئيسة التالية لموضوع كتابنا:

كيف استبطن «غينون» الحضارة الغربية مُعرّيًا تأزّماتها الدّاخلية؟ ولِمَ اختار «غينون» الروحانية طريقًا مُنقذًا لها من السُّقوط في هاوية النهاية والتشظِّي في التشتّت بدل الوحدة والانسجام الكوني والمعرفي؟

وعن الإشكاليّة الرئيسة التي يعالجها الكتاب تتنزّل الإشكاليّات الفرعية المتمثلة في:

* لِمَ يظهر الأنا الحضاري الغربي استعلائيًّا مُتضخّمًا مُنتفخًا بالنَّرجسية بَاتِرًا كل الوشائِج مع الحضارات الشرقية؟ كيف انتهت الحضارة الغربية إلى تصعيد المادية وتنكيس الروحانية؟

* هل حقَّق التقدّم كل أحلامه، وبقي صاعدًا، أم انتهى ساقطًا في الفوضى، ومرتدًّا إلى التقهقر؟ هل التقدّم مسارٌ خطّيٌّ مستقيمٌ خالٍ من الأزمات أم هو مسارٌ انحنائيٌّ مُتعرّجٌ تتخلّله القطائع والانفصالات؟

* لِمَ يحظى العلم الحديث بكل تلك والهالة والقداسة، على الرغم من قطْعه مع الأصول العُلوية؟

* ما هي البدائل التي اقترحها «غينون»  لإعادة الحضارة الغربية إلى المسار السويّ؟

يحاول هذا الكتاب أن يتبيّن موقف «غينون»  من الحضارة الغربية من خلال الخطة التالية:

المقدِّمة: اشتملت على التعريف بالموضوع مع تحديدٍ للإشكالية الأمّ، مُتبوعةً بالإشكاليات الفرعية.

ـ الفصل الأوّل: عبارةً عن وصف تشخيصي للحضارة الغربية الحديثة كما حلَّلها «غينون». أبرزنا من خلال هذا الفصل الأوهام الغربية التي أدَّت إلى تصعيد المادية وتنزيل الروحانية، والمتمثِّلة في ثلاث أساطير (وهم الحضارة الكونية، وهم التقدُّم الصاعد، وهم العلم الحديث)، والتي يعتبرها «غينون» أديان العصر الحديث.

ـ الفصل الثاني: حاولنا فيه استجلاء مكامن الأزمة التي أصابت الحضارة الغربية، وقلبت قيمها الحداثوية، وتتبّعنا بعض أسبابها، بعد القيام بتمشٍّ أركيولوجيٍّ لكشف جذور الأزمة، ثم كشفنا أهمّ المرتكزات التي شكلت الخلفية الفلسفية والمعرفية والاجتماعية للأزمة الحضارية الغربية، لتنتهي بها في فوضى التشتُّت وفقدان المبادئ، والمتمثِّلة في «هيمنة الكم على الكيف»، و«هيمنة الفردانية والإنسانوية»، و«هيمنة المعرفة ذات الطراز البشري وتنكيس المعرفة الفوق-بشرية»، و«هيمنة التماثلية وإنكار التراتبية» (وهم الديمقراطية والمساواة)، وأبرزنا في كلٍّ من هذه المرتكزات التي ولّدت الأزمة، كيف تم العمل ضدّ التراث الروحي، خاصةً في شكله الديني.

ـ الفصل الثالث: حاولنا فيه تحليل البديل الذي قدّمه «غينون»  كمنفذ لتلافي سقوط وانحلال الحضارة الغربية، والمتمثِّل في الروحانية التراثية. فبعد مساءلة في المفهوم الذي قدَّمه «غينون» للتراث لتصحيح التزييف والتمويه الذي لحق به وجعله مفهومًا مُلتبسًا، انتقلنا إلى إبراز كيفية إنقاذ الحضارة الغربية كما يتصوّرها «غينون» من خلال الاستلهام من الروحانية الشرقية، والتي لا تتمّ إلاّ من خلال «الصّفوة» بالمفهوم الغينوني، والذين سيكونون  هم البصيرة التي تتلافى بها الحضارة الغربية الفناء المحتوم، الذي يتهدّدها إذا ما بقيت مستنكفةً عن القيم والروحية للحضارة.

ـ الخاتمة: عرضنا من خلالها أهم النتائج التي استطعنا استخلاصها، بعد تلك القراءة والبحث في موقف «غينون» من الحضارة الغربية، مع فتح آفاق بحثٍ في فكره لما يمكن أن يفيد به في الدراسات الإبستمولوجية في علم الأديان والعقائد التقليدية، ومستقبل العلوم الإنسانية المعاصرة والعلاقات الحضارية.

تؤرقنا تساؤلاتٌ كثيرةٌ:

* لِمَ تظهر الروحانيات في عالمنا اليوم وقد استنفذت طاقتها البنائية، فلم تعد عوالمها تُغري الإنسان الحديث فكرًا وسلوكًا، سواءً الغربي أو الشرقي؟

* لِمَ صُيِّر الإنسان اليوم كمًّا وعددًا حسابيًّا، في فكره، وسلوكه؟

* لِمَ آل الإنسان اليوم إلى كائنٍ خاوٍ من الداخل، ألِأنّ عالم الروحانيات مُفلسٌ في ذاته أم لأنّ الرؤية الكونية للإنسان الحديث هي التي أفلست؟

* لِمَ تصلّب المعنى وتلاشت رطوبة الخيال وضاع الكلّ في عوالم اللّامعنى؟