فهرس المحتويات

العتبة العباسية المقدسة المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية سلسلة مصطلحات معاصرة 28 المواطنة مفهومها جذورها التاريخية وفلسفتها السياسية شريف الدين بن دوبه
هذه السلسلة تتغيا هذه السلسلة تحقيق الاهداف المعرفية التالية: أولا:الوعي بالمفاهيم واهميتها المركزية في تشكيل وتنمية المعارف والعلوم الانسانية وادراك مبانيها وغاياتها ، وبالتالي التعامل معها كضرورة للتواصل مع عالم الافكار ، والتعرف على النظريات والمناهج التي تتشكل منها الانظمة الفكرية المختلفة. ثانيا:إزالة الغموض حول الكثير من المصطلحات والمفاهيم التي غالبا ما تستعمل في غير موضعها أو يجري تفسيرها على خلاف المراد منها.لا سيما وان كثيرا من الاشكاليات المعرفية ناتجة من اضطراب الفهم في تحديد المفاهيم والوقوف على مقاصدها الحقيقة. ثالثا:بيان حقيقة ما يؤديه توظيف المفاهيم في ميادين الاحتدام الحضاري بين الشرق والغرب،وما يترتب على هذا التوظيف من آثار سلبية بفعل العولمة الثقافية والقيمية التي تتعرض لها المجتمعات العربية والاسلامية وخصوصا في الحقبة المعاصرة. رابعا:رفد المعاهد الجامعية ومراكز الابحاث والمنتديات الفكرية بعمل موسوعي جديد يحيط بنشأة المفهوم ومعناه ودلالاته الاصطلاحية ، ومجال استخداماته العلمية،فضلا عن صلاته وارتباطه بالعلوم والمعارف الأخرى. المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية
(4)

الفهرس

 

المدخل9

الفصل الأول:

مفهوم المواطنة في اللغة والاصطلاح12

الفصل الثاني:

الجذور التاريخية لمفهوم المواطنة28

المواطنة في العصر الحديث45

المواطنة في الفكر الحديث47

الفصل الثالث:

أسس المواطنة76

الفصل الرابع:

المقاربة النقدية110

الفصل الخامس:

الاسلام والمواطنة128

الخاتمة147

(5)
(6)

مقدمة المركز 

تدخل هذه السلسلة التي يصدرها المركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية في سياق منظومة معرفية يعكف المركز على تظهيرها، وتهدف إلى درس وتأصيل ونقد مفاهيم شكلت ولما تزل مرتكزات أساسية في فضاء التفكير المعاصر.

وسعياً إلى هذا الهدف وضعت الهيئة المشرفة خارطة برامجية شاملة للعناية بالمصطلحات والمفاهيم الأكثر حضوراً وتداولاً وتأثيراً في العلوم الإنسانية، ولا سيما في حقول الفلسفة، وعلم الإجتماع، والفكر السياسي، وفلسفة الدين والاقتصاد وتاريخ الحضارات.

أما الغاية من هذا المشروع المعرفي فيمكن إجمالها على النحوالتالي:

أولاً: الوعي بالمفاهيم وأهميتها المركزية في تشكيل وتنمية المعارف والعلوم الإنسانية وإدراك مبانيها وغاياتها، وبالتالي التعامل معها كضرورة للتواصل مع عالم الأفكار، والتعرف على النظريات والمناهج التي تتشكل منها الأنظمة الفكرية المختلفة.

ثانياً: إزالة الغموض حول الكثير من المصطلحات والمفاهيم التي غالباً ما تستعمل في غير موضعها أويجري تفسيرها على خلاف المراد منها. لا سيما وأن كثيراً من الإشكاليات المعرفية ناتجة من اضطراب الفهم في تحديد المفاهيم والوقوف على مقاصدها الحقيقية.

(7)

ثالثاً: بيان حقيقة ما يؤديه توظيف المفاهيم في ميادين الاحتدام الحضاري بين الشرق والغرب، وما يترتب على هذا التوظيف من آثار سلبية بفعل العولمة الثقافية والقيمية التي تتعرض لها المجتمعات العربية والإسلامية وخصوصاً في الحقبة المعاصرة.

رابعاً: رفد المعاهد الجامعية ومراكز الأبحاث والمنتديات الفكرية بعمل موسوعي جديد يحيط بنشأة المفهوم ومعناه ودلالاته الإصطلاحية، ومجال استخداماته العلمية، فضلاً عن صِلاته وارتباطه بالعلوم والمعارف الأخرى. وانطلاقاً من البعد العلمي والمنهجي والتحكيمي لهذا المشروع فقد حرص لامركز على أن يشارك في إنجازه نخبة من كبار الأكاديميين والباحثين والمفكرين من العالمين العربي والإسلامي.

 ***

تسعى هذه الدراسة من إلى مقاربة مفهوم المواطنة في مجموعة من السياقات جرى ترتيبها من جانب المؤلف على الوجه التالي:

المواطنة لغة واصطلاحاً ـ نشأة المفهوم تاريخياً ـ القراءات الإيديولوجية للمفهوم والتيارات الفكرية والفلسفية الغربية التي قاربته بالتعريف والتوصيف والنقد.

والله ولي التوفيق

(8)

المقدمة

المدخل

اللغةُ كمؤسسةٍ رمزيةٍ فضاءٌ رحب للدلالات، والمعاني، وانتقاءُ حدٍّ أو لفظٍ في الفضاء اللغوي بقصد التعيين والتدقيق مجرّد مغامرة، والادعاءُ بملكية الدلالة من طرف جماعةٍ لغويةٍ أو ثقافية وراء كل التباس، والمواطنة من الاصطلاحات التي.قع عليها الحكم أيضا، ففي عرف الحداثيين، ومريدي الغرب هو من المفاهيم الغربية بامتيازٍ، ولكن الرجوع إلى أيِّ لسانٍ رمزيٍّ يكشف عن معانٍ متقاربةٍ مع الدلالة الغربية للمصطلح، كما أن التسليم بوحدة الأصل والغاية للبشر تقر بأن كلَّ قولٍ بأسبقيةٍ في سياقٍ معرفيٍّ أو سياسيٍّ لا يخرج عن دائرة الذات المغلقة على نفسها.

والدليل في ذلك أن الحديث عن المواطن والمواطنة قد تصدر الأدبيات والخطابات السياسية الراهنة بشكلٍ رهيبٍ لدرجةِ أن أصبح نعتُ هذه الحقبة الزمنية هو “عصر المواطنة”، حيث نلمس مبالغةً في استخدام وتوسيع دائرة الاصطلاح، إذِ امتد إلى فضاءاتٍ اجتماعيةٍ واسعةٍ مثل اللقاء المواطني[1] (Rencontre Citoyenne).الفعل المواطني[2] (Action Citoyenne) والمقهى المواطني[3] (Café Citoyen) الذي يجتمع فيه الكثير من شرائح المجتمع  

(9)

لمناقشة قضايا فكريةٍ وسياسيةٍ ومدنيةٍ، ويستنير رواد المقهى بفلاسفة الأنوار: روسو وفولتير وبالزاك [Honoré De Balzac :1799/ 1850]، الذي من اقواله التي تؤطر الرؤية الاستشرافية للمقهى: «طاولة الشرب في المقهى هي برلمان الشعب» (Le comptoir d’un café est le parlement du peuple)

والفضاء الثقافي الذي نبتت فيه المواطنة، برواسبه التاريخية وراء هذا التمسك، والاصرار في التوظيف، والتمثل الليبرالي للمواطنة كمبدأٍ سياسيٍّ، واجتماعيٍّ، فقد كانت الصراعات المذهبية في المجتمع المسيحي.راء هذا الاصرار، فقد كان أفراد المجتمع.تطلعون إلى فضاءٍ يتنسمون فيه الصعداء، فضاء الحرية والعدالة، لأن تجربتهم مع السلطة الجماعية أو الرهطية كانت قاهرةً وظالمةً، وعلى هذا الأساس كانت الفردانية تعبيراً عن كبتٍ سياسيٍّ، وحرمانٍ، والدليل على ذلك هو العودة عن هذا النزوع إلى الفردانية، إلى البحث عن إطارٍ جماعيٍّ ناظمٍ وحافظٍ للحقوق.

وفي هذه الدراسة نسعى إلى مقاربة مفهوم المواطنة في السياقات التالية: اللغوية ابتداء، مروراً بالقراءات الإيديولوجية للمفهوم، والتيارات الفكرية والفلسفية الغربية التي قاربته بالتعريف والتوصيف والنقد. كما نأمل في الختام إلى تظهير مبادئَ إجماليةٍ رئيسيةٍ.

شريف الدين بن دوبة

(10)

 

 

 

 

 

 

الفصل الأول

مفهوم المواطنة في اللغة والاصطلاح

 

(11)

الفصل الأول:

مفهوم المواطنة في اللغة والاصطلاح

يشكل الوطن في اللغة العربية المادة الأصلية التي نحتت منها كلمة المواطنة،.الوطن مكانٌ يمارس فيه الفرد نشاطاته الفردية والجماعية، وفي السياق التداولي للقبائل العربية، الوطن مقر الإقامة، ومكان العيش والحياة : «الوَطَنُ، مُحرَّكةً ويُسَكَّنُ‏:‏ مَنْزِلُ الإِقامَةِ، ومَرْبَطُ البَقَرِ والغَنَمِ ج‏:‏ أوطانٌ‏، وَوَطَنَ به يَطِنُ وأوْطَنَ‏:‏ أقامَ‏، ‏وأوْطَنَهُ وَوَطَّنَهُ واسْتَوْطَنَهُ‏:‏ اتَّخَذَهُ وَطَناً‏ ومَواطِنُ مكةَ‏:‏ مَواقِفُها...[1]»

الوطن محلّ ومكان الإقامة، وما يشدُّ الإنسان إلى ذلك المكان وهذه الإشارة نلمسها في مربط البقر، فالذي يجعل الغنم والبقر ثابتاً في المكان هو ذلك القيد الذي يمثل الإلزام. والالتزام: هو ما يترتب على المُواطن بحكم انتمائه الى الوطن.

كما يفرِّق علماء اللغة بين نموذجين للعلاقة المواطنية، فهناك وطنٌ أصليٌّ يشكل هوية الفرد أو المواطن، ووطن الإقامة الذي تترتب عليه الحقوق والواجبات التي تحدد مواطنة الفرد، وهذا ما

(12)

نلمسه في النص التالي: «الوطن الأصلي هو مولد الرجل والبلد الذي هو فيه، ووطن الإقامة موضعٌ ينوي أن يستقر فيه خمسة عشر يوماً أو أكثر من غير أن يتّخِذه مسكناً.»[1]

 وفي لسان العرب: «الوطن هو المنزل الذي تقيم به، وهو موطن الإنسان ومحله، والجمع أوطانٌ. وأوطان الغنم والبقر: مرابضها وأماكنها التي تأوي إليها.. وَطن بالمكان وأوطن أقام، وأوطنه اتخذه وطناً يقال: أوطن فلانٌ أرض كذا وكذا أي اتخذها محلاًّ ومسكناً يقيم فيها، وأوطنت الأرض ووطنتها توطيناً، وأستوطنتها أي اتخذتها وطناً.»[2]

في القرآن الكريم لم يُستعمل لفظ «وطن»، ولكن اُستُعمِل لفظ.لد، إذ هناك سورة في القرآن باسم سورة «البلد» يقول تعالى:(لَا أُقْسِمُ بِهَـٰذَا الْبَلَدِ * وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا الْبَلَدِ[3] ومنها : «بلدة» و»بلاد»، كقوله تعالى: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ[4] وقوله تعالى: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاَدِ[5].

كما استعملت لفظة «ديار» يقول تعالى: ﴿قَالُوا وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ

(13)

فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا[1] والـمَوْطِنُ: الـمشْهَدُ من مَشَاهد الـحرب. وفي التنزيل العزيز: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّـهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ * وَيَوْمَ حُنَيْنٍ * إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ[2]

فالمواطنة إذن كلمة لها أصلٌ عربيٌّ مرتبطٌ بموطن الإنسان ومستقره وانتمائه الجغرافي، لكنها كتركيبٍ ومصطلحٍ اُستحدثت للتعبير عن الوضعية السياسية والاجتماعية والمدنية والحقوقية للفرد في الدولة.

تشير المواطنة (Citoyenneté/Citizenship) اصطلاحاً إلى مساهمة الأفراد في إدارة الشؤون السياسية للدولة، عن طريق المشاركة في صياغة القرارات والأحكام التنظيمية للدولة، هي: «صفة المواطن الذي يتمتع بالحقوق ويلتزم بالواجبات التي يفرضها عليه انتماؤه إلى وطن، وأهمها واجب الخدمة العسكرية وواجب المشاركة المالية في موازنة الدولة»[3].

ويتبين من هذا التعريف الوارد في الموسوعة أن المواطنة صفةٌ أو قيمةٌ شرطيةٌ يمكن توفرها ويمكن غيابها، فهي ليست صفةً جوهريةً ذاتيةً تكون بالوجود، بل هي صفةٌ تترتب عن مؤشراتٍ

(14)

أهمها الانتماء إلى الوطن، فالوطن هو الحقل العام الذي تمارَس فيه المواطنة، ولا وجود لمواطنةٍ دون وطن.

وهناك أربع مؤشراتٍ للمواطنية:

سياسيٌّ يتجلى في حقوق المواطن، الناتجة عن انتمائه لنظام سياسي معينٍ، مثل حق الاقتراع، باعتباره عضواً في المجتمع السياسي الذي هو المدينة.

ومؤشِّر الولادة: المواطن ابنٌ مواطن له الحق في حيازة المواطنية، وهو التعريف الأقدم إذ كان يسمح للمدن القديمة.مقابلة عددٍ ضئيلٍ من المواطنين.ع عددٍ كبيرٍ من ساكني المدينة.

والمؤشر الحقوقي يعكس المواطن على مستوى القانون، المواطنة الرومانية نموذجا،

والمؤشر الاقتصادي المالي والذي به يتحدد المواطن من خلال ما يتمتع به من ملكيةٍ محدِدة، حيث يساهم في موازنة الدولة ضمن شروطٍ معينةٍ؛

أما دائرة المعارف البريطانية فتعرف المواطنة بأنها: «.. علاقة بين فرد ودولة كما حددها قانون تلك الدولة، وبما تتضمنه تلك العلاقة من واجباتٍ وحقوقٍ في تلك الدولة».[1]

ونلاحظ في التعريف تفرقةً بين المواطنة والجنسية، لأن الجنسية

(15)

تتضمن حقوقاً أخرى مثل الحماية في الخارج، وهذه الحقوق لا تتولد مع المواطنة.

فالمواطنة علاقة ولاءٍ للسلطة السياسيّة وحماية للمواطن من هذه السلطة بما في ذلك الحماية الدبلوماسية للمواطن في غير وطنه، فالمواطنة مشاركةٌ في الحياة السياسيّة، وممارسةٌ للحقوق المدنية، فهو فردٌ ينخرط في سلطة الدولة وفي حمايتها، وبالتالي يتمتع بحقوقٍ مدنيةٍ ويقوم بواجباتٍ تجاه الدولة التي ينتمي إليها.

وتحيل فكرة الانتماء إلى كون المواطنة مرتبطةً بهويةٍ وطنيةٍ خاصةٍ، فهي تعود إلى عناصر: أهمها الانتماء والولاء للأرض في السلم والحرب والتعاون مع المواطنين الآخرين لتحقيق الأمن الاجتماعي؛ وهي أيضا علاقةٌ بين الفرد والدولة يحددها الدستور وقوانين الدولة المتضمنة للحقوق والواجبات مثل حقوق الانتخاب وتولي المناصب العامة؛ وهي أيضا علاقةٌ بين الفرد وغيره تحددها قواعد الاحترام الأخلاقي المتبادل والقوانين الجزائية الرادعة لكلِّ تعدٍّ، وهي أيضاً علاقة بين الفرد والمجتمع تحددها القواعد المثلى لخدمة الفرد لمجتمعه عبر الوسائل المتاحة سواءً ما كان منها ضمن إطار القانون أو ضمن إطار الأعراف والتقاليد المعمول بها، والتي لا تخالف القانون المطبَّق في البلاد. كما أنها علاقة بين مؤسسات المجتمع المدني من خلال البرامج العلمية المكتوبة والتي تشكل خطةً للأمن والسلم الاجتماعي في البلاد.

فالمواطنة تستبطن أبعاداً متعددةً: منها القانوني الذي يظهر في

(16)

الجنسية، التي تثبت العلاقة القائمة بين الفرد والدولة، والتي تخول للمواطن المكاسب المادية والمعنوية، فهي لازمةٌ عن وضعية الانتماء.

ومنها السياسي الذي يتجلى في الضوابط القانونية الضابطة لمنظومة الحقوق، والواجبات التي يملكها الفرد، من تسييرٍ وتنظيمٍ لأليات المشاركة السياسية من ترشيحٍ وانتخابٍ، فهي في الأصل تقوم على الإرادة العامة الواعية.

المواطنة و المدينة : polis

يؤرخ الفكر السياسي لميلاد فكرة المواطنة بالمدينة (cité) أو الحاضرة، فهي الرحم الثقافي الحاضن للفكرة، حيث كانت المدينة الفضاء السياسي والاجتماعي لممارسة الحقوق والواجبات المدنية، فهي ملحٌ للثبات، والاستقرار المشروط في قيام المجتمع المدني. ففي اللغة العربية نجد اللفظ القريب من المدينة هو الحضر، والتي تقابل البادية التي تستبطن معنى العارية، أي العراء، فالمدينة سياجٌ حافظ للحقوق وناظم للواجبات.

أما.لمدينة في اللغة الفرنسية «.. (فيل/Ville) الضيعة في الأصل اللاتيني، أي الدار في الريف، وهي أيضا.جمعٌ سكنيٌّ جغرافيٌّ واجتماعيٌّ قوامه بنايات تخترقها طرقات، سُكّانُها يعملون في التجارة والمهن، والنسبة إلى المدينة.هذا المعنى (Urbin/أوربان)، ومنها (Urbanisme)، وهي من أوربس Urbus التي تعني المدينة.اللاتينية كذلك، أما في الفلسفة فالمدينة.يتي Cité، وباللاتينية

(17)

سيفيتاس Civitas، ومعناها الشخصية المعنوية والقانونية التي قوامها مجموع المواطنين(Citoyens) بالفرنسية، و(Citizens).الإنجليزية يعيشون بصورة مستقلة.سري عليهم القوانين.فسها»[1].

كما أن التمييز بين المدينة (Ville) و(Cité) يأخذ بُعداً ثقافيّاً، فالمدينة (Ville) مؤسسةٌ عمرانيةٌ مدنيةٌ، ذات بعدٍ ماديٍّ، أما المدينة (cite) التي تؤسس للمدنية، فتقوم على المواطنية، وليس على المؤشرات المادية، ونلمس هذا في قول روسو: «المنازل تشكل المدينة (Ville) أما المواطنون فيكوِّنون السيتي (Cité)»[2].

المواطنة والدين:

المواطنة هيئةٌ قانونيةٌ، وعلاقةٌ بين سلطة موضوعيةٍ، وذاتٍ قانونيةٍ، وبالأصل اللغوي العربي هي رابطةٌ بين فردٍ ووطنٍ،.في اللسان الغربي هي علاقةٌ بين فردٍ ومدينةٍ، ففي الأولى تجمع بين الفرد والوطن روابطُ روحيةٌ معنويةٌ، وفي الثانية تطفو التجليات المادية على العلاقة، وانطلاقاً من هذه الرؤية نفى الغرب وجود نموذج المواطنة في الثقافة العربية، متناسين أن المواطنة في صورتها المادية هي منظومة من.واعدَ قانونيةٍ محكومةٍ بتأصيلٍ طبيعيٍّ للحقوق والواجبات، وهي في جوهرها موقفٌ عاطفيٌّ، ومشاركةٌ وجدانيةٌ بين الفرد والوطن، وهذا الذي نلمسه كثيراً في التراث الأدبي للشعوب الشرقية.

(18)

وانطلاقا من هذا التأسيس ارتبطت المواطنة تاريخيًّا بالمعتقد الديني، والمقولة الثابتة في الموروث الفردي والجماعي “حب الوطن من الايمان” مشتركٌ ثقافيٌّ في جميع الألسن الشرقية، والمعنى واحدٌ، والتعبيرات مختلفة، والعلاقة بين التأصيل اللغوي الديني الثقافي، والممارسة السياسية تداخليةٌ بين الوطن والدين، والتاريخ يثبت حضور المعتقدات الدينية في بلورة العلاقة المواطنية، وعلى قاعدة الارتباط والتلازم بين الدين والشخصية المؤسسة، فالرابطة بين الديني والسياسي، أو بين رجل الدين والرهط الذي يمثِّل المجال الإنساني للممارسة المدنية ظاهرةٌ يصعب التفرقة فيها.

واستثمار السياسة أو الأشخاص كذواتٍ أنانيةٍ لهذا النزوع الديني واقعةٌ لا يمكن نفيها من التاريخ، وقد كانت جميع الشعوب ضحيةً له دون تمييزٍ، وحتى المجتمع الغربي الذي حاول تأسيس مواطنة بعيداً عن الدين كان ضحيةً لها في الأصل، والبحث عن مواطنةٍ متعاليةٍ على الدين هو مجرد ردودِ أفعالٍ للاضطهاد الديني الإلكليركي، والموضوعية تقتضي منا التعاطي مع الديني من خلال أهدافه وغاياته، وليس من خلال ممارسة المنتمين إليه، فالدين والمعتقد الديني ضرورةٌ طبيعيةٌ ومدنيةٌ لا يكون التوازن الفردي أو الاجتماعي إلا بها، ومن خلالها.

ونجد هذا التأسيس المعاصر للمواطنة من خلال مراعاة الحرية والاعتقاد الديني في التشريع المدني للأمم المتقدمة، حيث يبرر أحد علماء الاجتماع الأمريكيين بأهمية الحرية الدينية في المواطنة الأمريكية باعتماد خمس مؤشراتٍ لازمةٍ وموجبةٍ لضرورة هذه

(19)

العلاقة، أولها: «.. الحرية الدينية أو حرية الضمير، هي حق إنساني أساسيٌّ وثمينٌ ولا يمكن التنازل عنه.. وهي حرية المرء في الوصول إلى معتقداتٍ معينةٍ، والتمسك بها، وممارستها بحرية، أو تغييرها، بحيث لا يخضع إلا لما يمليه عليه ضميره ويكون مستقلًّا عن أيَّ سيطرةٍ خارجيةٍ خاصةً السيطرة الحكومية.. فهي ليست حقًّا من الدرجة الثانية، هي حقٌّ لا يخضع لأيِّ تصويتٍ ولا يمكن لبيروقراطية الدولة الاعتداء عليه»[1].

إذاً، الاعتقاد الديني حسب هذه الرؤية سابقٌ للتشريع، وأصلٌ قائمٌ بذاته قبل الحقوق الوضعية، وليس العكس، فالدولة كمؤسسة دستورية لا تملك الحق في قمع أو تقييد هذا الحق، ويعتقد الباحث الأمريكي أن الحماية الدستورية للحرية الدينية في الولايات المتحدة الامريكية هي التي حافظت على قوة الدين، والعلاقة بين الحداثة والدين تكون دوماً عكسيةً في النظم السياسية إلا في النظام الأمريكي تتميز هذه العلاقة:».. فمعظم الدول الحديثة تبدو وكأنها محكومةٌ بمعادلةٍ صارمةٍ كلما ازدادت حداثة الدولة.ادت علمنة الناس،.كن أمريكا هي استثناءٌ صارخٌ لهذا التوجه فهي أكثر الدول تقدُّماً وحداثةً ولديها في الوقت نفسه أكثر الشعوب تديناً وحداثةً[2]

وخلاصة القول أن الدين لا يتعارض مع مبدأ المواطنة فهو أصلٌ وجدانيٌّ للتلاحم والتكافل، وليس علامةً للفرقة بين الأفراد،

(20)

واستثماره لشرذمة الأمم نابع من مصالحَ اقتصاديةٍ بحتةٍ لا تمت بصلةٍ إلى حقيقة المعتقد الديني.

 المواطنة والجنسية:

تضعنا الدلالة الاصطلاحية للمواطنة في التباسٍ مع اصطلاح الجنسية، حيث إن الانتماء لمؤسسةٍ سياسيةٍ بالمفهوم الضيق، أو لدولةٍ بالمعنى العام يمنح المواطن هيئةً قانونيةً معينةً يمكن نعتها بالمواطنة تارةً، وبالجنسية تارةً أخرى، هذا إذا اعتمدنا التصور الأمريكي المسجل في موسوعة كولير، والذي ينطلق من انتماء الجنسية التي يتمتع بها المواطن الأمريكي، فالسلطة الأمريكية: «..تعامل رعاياها خارج القارة على أنهم تابعين لها من ناحية الجنسية، وإن كانوا ليس لهم من المواطنة ـ أي ممارسة الحقوق السياسية المكفولة للمواطن الامريكي ـ أيُّ حقوقٍ»[1] .

كانت ولادة الشخص لأبوين، أو في منطقةٍ معينةٍ، هي المعيار الأساسي للحصول على الجنسية. وتأتي كلمة (nationality) الإنجليزية التي تعني «الجنسية» من الكلمة اللاتينية القديمة (nasci) والتي تعني: الولادة، فالجنسية وضعيةٌ مرتبطةٌ بالمكان، وبالميلاد.

ويفرق البعض من رجال القانون بين المواطنة والجنسية باعتمادهم فروقاتٍ قانونيةً بسيطةً، فالتقاطع قائمٌ بين المفهومين، ولكن التمتع بالحق على مستوى المواطنة يكون محليًّا، أي داخل

(21)

الوطن، في حين أن الجنسية كوضعيةٍ قانونيةٍ تمنح الفرد حقوقاً وامتيازاتٍ خارج الوطن، أو بين دولتين تكون محكومةً وفقاً للقانون الدولي، فالمواطنة والجنسية :» تعبّران عن وجهين مختلفين لعلاقةٍ واحدةٍ، تكتسب فيها الجنسية السمة الدولية، وترتكز المواطنة على الإطار الوطني، فهي تمييزٌ بين الداخل والخارج تعبر فيه المواطنة عن العلاقة القانونية بين الفرد والجماعة السياسية التي ينتمي إليها، وتتحول إلى علاقةٍ بين دولتين أو أكثر بمناسبة الوضع القانوني للفرد من ناحيةٍ ثانيةٍ”[1].

الجنسية إذاً صفةٌ، وامتيازٌ قانونيٌّ مدنيٌّ يتضمن رابطةً بين الفرد ودولةٍ ما، لأنه بإمكان الأفراد الحصول على جنسياتٍ مختلفةٍ، أو جنسيتين على سبيل التمثيل، فالجنسية تمنح الفرد بعض الامتيازات، لا كل الحقوق المواطنية، فليس من الضروري للحاصل على جنسيةٍ ما أن يصبح مالكا لحق المواطنة المتمثل في الحقوق والوظائف المدنية والسياسية.

ويذهب البعض إلى التفرقة والتمييز بين الجنسية والمواطنة باعتماد مؤشراتٍ ضابطةٍ للمواطنة، إذ يحددونها في أربع محدداتٍ: قانونيةٍ، وحقوقيةٍ، وسياسيةٍ، وثقافيةٍ. ولحاظ التقاطع يكون في بعضها لا في كلها، فالتقاطع بينهما يكون في البعد القانوني، وفي ممارسة النشاط السياسي، وقد:» ..تختزل المواطنة في أمرين: نمط اكتساب الحقوق من ناحيةٍ، وطرق ووسائل ممارسة الحقوق من

(22)

ناحيةٍ أخرى، أيْ الاقتصار على معنَيَيْن للمواطنة؛ يحدد الأول منها المواطنة كوضعٍ قانونيٍّ، بمعنى طرح الافتراضات حول من الذي تعترف له الدولة بصفة المواطن وما هي الأسس القانونية لحقوق وحريات الأفراد داخل الدولة، بينما يتناول الثاني منهما الرؤية الاوسع للمواطنة على أنها مجموعةٌ من الحقوق والواجبات، وإمكانيات المشاركة التي تعرف بحدود العضوية السياسية والاجتماعية[1].

والعلاقة بين الجنسية والمواطنة لاتقف عند حدود السجال النظري والجدلي، بل تطرح إشكالاتٍ عدةً على مستوى الانتماء والهوية، والحالات لا حصر لها، وفي النص التالي بعض من الإشارات: «وقد جعلت قواعد عضوية الأمة الحياة بائسةً، ليس فقط بالنسبة للمهاجرين المكسيكيين في الولايات المتحدة، وإنما أيضا بالنسبة للأشخاص الذين لا يستطيعون إقناع حكوماتهم بقبول طلباتهم للحصول على الجنسية والمواطنة، كما أوضح مؤتمرٌ عُقِد مؤخّراً في كلية بوسطن، بعنوان «في مسألة المواطنة». وقد ناقش العلماء حالاتٍ في إنجلترا والهند وإندونيسيا وساحل العاج وماليزيا وجنوب أفريقيا وتايلند وتوغو والولايات المتحدة، والتي جعلت فيها الحكومات مواطنيها القانونيين أنفسهم عديمي الجنسية..»[2]

وتبقى المواطنة والجنسية مفتوحةً على الإمكانات على قاعدة الذاتية الثقافية التي تحكم التشريع المدني والقضائي في الأمم.

(23)

المواطنة والأخلاق:

المواطنة صفةٌ ووضعيةٌ قانونيةٌ تربط الفرد بالوطن، والعلاقة بالأصل معطىً تجريديٌّ، فهي نسبةٌ.ين تصورين، أو معلمين هما الفرد والوطن، فهي ليست ماديةً بحتةً، بل رابطةٌ روحيةٌ وقيميةٌ، وعليه نجد أن التقاطع بين الأخلاق والمواطنة مسألةٌ جوهريةٌ لا انفصام بينهما، فهي صفةٌ قيميةٌ قبل أن تكون وجوديةً، على قاعدة الشرطية المتضمنة في القيمة، فهي الصفة التي إذا وُجدت في شيء جعلته مرغوباً فيه وجديراً بالطلب، فالمواطنة تتحقق بوجود شروطِ تحددها المؤسسة الدستورية لكل دولةٍ.

ولكن التصور الغربي للمواطنة يؤكِّد كعادته على العنصر المادي للمواطنة في جل مظاهره، دون الالتفات إلى العناصر الروحية والأخلاقية، ومن رواد هذا الاتجاه الفيلسوف جون راولس، الذي يؤسسها على مرجعية كانطية[1] تستنير بأولوية الحق على القيمة الخلقية، لأن الحياة المدنية عنده لا ينبغي أن تُقام على الفرضيات الاخلاقية، بل ينبغي بناؤها على فكرة الحقوق الطبيعية، يقول راولز:» ينبغي، إذاً ألَّا نحاول إعطاء حياتنا شكلاً ما انطلاقاً من الخير المحدّد بطريقةٍ مستقلةٍ. ليست أهدافنا هي التي تبرز طبيعتنا بل تلك المبادئ التي نعترف لها بكونها هي المتحكمة في الشروط التي يقع في سياقها تحديد هذه الأهداف والطريقة المتبعة في تحقيقها سبب ذلك يمكن في أسبقية الأنا على غاياته، وتحديده لها إلى درجة أن الغاية السائدة نفسها يجب اختيارها من بين عددٍ

(24)

من الإمكانات، لذلك ينبغي علينا قلب العلاقة بين الحق والخير كما تقترحها المذاهب الغائية والنظر إلى الحق على أنه أوَّليّ”[1].

وعليه تصبح المواطنة حسب رؤية هذا الموقف المادي الطبيعي قائمةً على فكرة الحق الطبيعي، لا محكومةً بالقيم الأخلاقية الفطرية، فالأنا الذي يقيم عليه راولز فكرة الحق هو أنا مستقلٌّ، وغيرُ مثقلٍ بالقيم الأخلاقية المجتمعية، فهو أنا مجردٌ، وعلى حد توصيف الفيلسوف طه عبد الرحمن تكون المواطنة في حدهم :”..جملةً من الحقوق الفردية تحددها نظريةٌ في العدل تم وضعها خارج نطاق الأخلاق، ذلك أن الأفراد، رعايةً لمصالحهم، قاموا بتحديد مبادئ هذه النظرية السياسية بعد أن تجرد كلُّ واحدٍ منهم من كل القيم والأغراض والأوضاع والأدوار والأوصاف التي تخصه، وعلى هذا فإنّ الرؤية الأخلاقية [conception du bien].لتي يرى بها المواطن حياته هي من هذه الأشياء التي ينبغي أن يتجرد منها كليًّا، حتى يحصل على حقوقٍ متساويةٍ مع حقوق غيره من المواطنين، فإذاً هذه الرؤية الأخلاقية شأنٌ خاصٌّ مثلها في ذلك مثل العقيدة الدينية، في حين أن نظرية العدل التي توجبها المواطنة شأنٌ عامٌّ لا غبار عليه[2].

وهناك فئةٌ أخرى في الفكر السياسي الغربي تقوم بفصل القيم الأخلاقية وعزلها عن المواطنة، وهم الجماعاتيون

(25)

[Commu nitaiarists] الذين يعتقدون أن المواطنة كهيئةٍ قانونيةٍ تتقاطع مع قيم الجماعة فقط، لا مع القيم العامة، وعليه تكون قيم المواطنة مرتبطةَ بثقافةٍ مغلقةٍ، وقيمٍ جماعيةٍ محددةٍ، تعكس التوجه المادي للجماعة، وفحوى منظورهم للمواطنة يقر باقتران المواطنة :»..بموقعٍ من المواقع داخل المجتمع، فكلُّ مواطنٍ يرتبط بتاريخٍ وتراثٍ مخصوصين حاملاً ثقافةً معينةً لا يشترك فيها إلا مع الذين ينتسبون إلى الجماعة نفسها التي ينتسب إليها ويطالب باقي المواطنين باحترام خصوصية ثقافته كما يطالب الدولة بالاعتراف بالحقوق الخاصة التي تترتب عليها، والقيم الأخلاقية هي جزءٌ من هذه الثقافة المخصوصة..”[1].

(26)

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني

الجذور التاريخية

لمفهوم المواطنة

(27)

الفصل الثاني:

الجذور التاريخية لمفهوم المواطنة

من المعالم التي يتّفق عليها أغلب الباحثين في الفكر السياسي اعتبارُ المواطنة اصطلاحاً وتواضعاً غربيّاً، والاتفاق على أنّ الدلالات والمفاهيم التي عرفت في الثقافات ليست إلّا ارهاصاتٍ.م تجسّد على أرض الواقع، ولم تخرج عن سياق الحاكم و الرعية (les sujets) تغيب فيها روح المواطنة المتفق عليها اصطلاحاً، ومن بين صيغ الإجماع التي أقر بها رجال الفكر عموما، والفكر السياسي خصوصا أنّ أثينا هي الرحم الرئيس لجميع المؤشرات الحضارية.

المواطنة عند اليونان:

امتازت هذه الدولة بممارسةٍ سياسيّةٍ ونموذجٍ ديمقراطيٍّ فريدٍ جعلها تكوِّن النواة الأولى في مناقشة القضايا السياسيّة واتخاذ القرارات بطريقة حرةٍ وديمقراطيةٍ، أي أنها خلقت الأجواء المناسبة للمشاركة السياسيّة، وهذا بطبيعة الحال مع بعض التحفظات حول هذه المشاركة والممارسة الديمقراطية، أي هل شملت جميع طبقات المجتمع أم أنها اقتصرت على فئةٍ دون الفئات الأخرى.

(28)

لم يستقر مفهوم المواطنة عند اليونان على حالةٍ واحدةٍ بل تطور من نظامٍ سياسيٍّ.لى أخرَ فقبل تولِّي.ولون[1] (Solon) الحكم كانت المواطنة ذات دلالة إثنية (Ethnique) استثنى فيه المشرع اليوناني.لأجانب والنساء والأطفال وغير الأحرار، إذ «تنكرت المدينة اليونانية، كما يقول اندريه ايمار ـلتوسيع حدودها البشرية وذهب المواطنون الذين يؤلِّفونها.حيانا، إلى إقصاء أبناء الزنا، وأبناء الأمهات الأجنبيات، فلم يقبلوا في صفوفهم سوى أبنائهم، أما أولئك الذين لم يمنحهم نسبهم هذا الحق، فلم يحصل عليه منهم، في أغلب الأحيان، سوى أشخاص معينين صدرت لمصلحتهم قرارات خاصة. ويقفل.اب هذه المواطنية، كأنهم يحرصون على إبقاء نقاوتهم العنصرية، وعلى حصر التمتع بالحقوق السياسيّة في إطار ذوي هذه الحقوق من الشرعيين»[2].

 ونستشفُّ من هذا النص أن المواطنة في المجتمع اليوناني حيثيةٌ وسمةٌ سياسيّة يتشرف بها الفرد اليوناني وتمنحه الأهلية للممارسة السياسيّة في مستوياتها المتعددة التشريعية والقضائية، وتمنح لكلِّ شخصٍ تتوفر فيه وجوباً الصفات التالية: «..أن يكون منتمياً للمدينة أباً عن جدٍّ ويعيش فيها، وهم المواطنون.لذين تتوفر فيهم شروط: الميلاد لأب وأم أثينيَيْن حسب قانون عام 451 ق.م وأن يكون ذكراً، وبالغاً من العمر 18 عاماً، ومقيّد الاسم في السجلات

(29)

المعدّة.ذلك في خلال.لعام الأول لميلادهم، وتم التحقق.ن هذا القيد عند بلوغه سن 16 عاماً، وإضافةً إلى هذه الشروط الحرية، فالمواطن الذي يملك الشرط الأول والثالث بالكسب والثاني والرابع بالطبيعة يخرج من.ائرة الخضوع للسلطة الأبوية، وبعد أداء الخدمة العسكرية.مدة عامين أي عند سن 18 يصبح.ضوا في الجمعية (Ecclésia) أي مواطناً.ثينياً»[1].

وعلى هذا الأساس، ووفقاً لهذا التقسيم.الهيكلة لصفة المواطنة نجد عشرةً بالمائة من سكان أثينا يتمتعون بالمواطنة، وهي نسبة تشير إلى أن أكبر الشرائح في المجتمع اليوناني كانت تعيش التهميش فالاستثناء هذا يوحي في اعتقادنا إلى فعالية المواطنة، فلو كانت المواطنة مجرد انتماءٍ ولا تعني المشاركة في اتخاذ القرارات فلِم يحرم حصول العبيد والنساء على المواطنة؟ فحصول هاتين الشريحتين على المواطنة يمنحهما الشرعية القانونية للمشاركة في العملية السياسيّة؛ فالتقيد والالتزام بالقانون في المدينة اليونانية ووضعه في مرتبة يسمو فيه فوق الشخص الحاكم هي من الخدمات الجليلة والإسهامات اليونانية في.لفكر السياسي الإنساني.

وتتمثل التعديلات التي أصدرها الحاكم صولون في: «إلغاء نظام الرق بسبب الديون سايس سكتيا أي وضع الثقل باليونانية، وإصدار قرار يعفي الابن من مساعدة أبيه إذا لم.كن هذا الأب قد

(30)

علمه.هنة، وجعل أساس الاشتراك في الحكم مقدار الثروة التي يملكها الفرد شريفاً كان أم غيرَ شريفٍ..»[1].

كما قسم الدستور الأثيني المعدل في عهد صولون المواطنين إلى أربعة: «طبقة الأغنياء الأشراف اليوبتردا وهم من يملكون خمس مائة مديمنوس فأكثر، الطبقة الوسطى: طبقة الفرسان الهيي من يملكون ثلاث مائة مديمنوس أو من يستطيع أن يغذي فرساً، الطبقة الثالثة الحرفيون الزوجيتاي وهم الذين يملكون المحراث وما يجره الثيران وأرضا يزرعون. الطبقة الرابعة: المعدمون الثيتيس وهم من لا يملكون شيئاً»[2].

ونلاحظ في هذه التراتبية اعتماد الثروة مقياساً لأهلية المواطن، وتم تهميش الفقراء والعبيد والنساء، فالقانون اليوناني.طبق فقط كما يقول.سوالد شبنجلر[3] (Oswald Spengler 1880- 1936) على المواطنين أما الأجانب والعبيد وكُلّ من كان في العالم خارج أسوار المدينة فإنهم جميعاً لم يكونوا ذوي شأنٍ في نظر القانون»[4].

فطبقة المواطنين هي الطبقة الوحيدة التي تمتعت بكافة الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسيّة، وكان لأعضائها الأهلية الكاملة لتولي الوظائف العامة، والمشاركة في شرف الانضمام إلى الجيش

(31)

وقيادته.»[1].

وقد كان القَدْر الذي يشارك فيه المواطن الأثيني في الشؤون العامة لا يجاوز أحيانا مجرد حضور المواطن.جتماع المدينة، وهو اجتماع تتفاوت أهميته تبعاً لمدى الديمقراطية السائدة، وقد يتضمن أحياناً أخرى صلاحيةً متفاوتةً لتولي الوظائف العامة، ولهذا ذهب أرسطو، وفي ذهنه صورة نظام أثينا، إلى أن الصلاحية لتولي وظائف المحلفين هي أحسن.عيارٍ لصفة المواطن، ويلاحظ أن عدد الوظائف التي يصلح المواطن لشغلها كان متغيراً تبعاً لدرجة الديمقراطية.لمطبقة في المدينة[2] 

ومن الملاحظ.نا أن الاشتغال.الأعمال العامة والمشاركة.ي أعباء الدولة كان شرفاً للمواطن الأثيني الذي لم يكن.بحث عن حقوقٍ قانونيةٍ ودستوريةٍ بقدر ما كان يسعى للحصول على شرف تأدية.اجبات مجتمعه.

وبمرور الوقت ظهرت ظاهرة التفرقة داخل طبقة المواطنين نفسها حيث تفرعت إلى فئتين: «فئة الأشراف ذوي الأصول النبيلة، وفئة العامة، إذ «حاولت فئة الأشراف الاستئثار بالحقوق السياسيّة ونادى العامة بضرورة زوال هذه الفرقة القائمة على أساس عراقة الأصل ونسبة المولد، واستعيض عنها بمعيار الثروة أي أن ارستقراطية

(32)

المواطن أصبحت تعتمد على ماله وممتلكاته، لا على نبالة أصله وعراقة فرع أسرته وقد كان لهذا أثره في ما بعد على التقسيمات التي سادت المؤسسات العامة في دولة المدينة»[1].

لا تخرج نظرية أرسطو في المواطنة عن النسق الأرسطي العام، إذ نجدها مرتبطة برؤيته العامة للدولة، التي يعتبرها حالة طبيعية، مع اعتباره الإنسان حيواناً مدنياً، والرابطة التي تجمع بين الإنسان والدولة اقتضاءً لمنطق الطبيعة ومنطق الوجود.

المواطنة عند أرسطو هي حالةٌ ووضعيةٌ اصطناعيةٌ، وهي ليست طبيعيةً على غرار الدولة، فالدولة المدينية عند أرسطو: «توجد بصورة طبيعية، ويعيش الإنسان فيها بفعل الطبيعة..»[2]. وهي: «جماعةٌ بشريةٌ منظمةٌ بشكلٍ مؤسّسيٍّ، ونمط من الجماعات المدينية التي نشأت على شاطئ المتوسط، التي امتازت بالقدرة على إقامة علاقات مع مواطنين في الخارج، بمعنىً آخرَ إنها عبارة عن الجماعة المنظمة من مواطني المدينة مع ما يتعلّق بها من أراضي، بذلك تختلف عن المدينة التي هي مكان السكن»[3].

فمسألة المواطنة عند أرسطو عولجت من جهة المفهوم السلبي للشيء على حد تعبير حاتم النقاطي،[4] فتحديد المواطن يتعين من

(33)

جهة تعيين غير المواطن والذي يعبر عنه أيضا بعلاقة الاختفاء، وهو ما نلمس فيه الطابع الجدلي الذي يحدد القضية منظوراً إليها من خلال النقيض، كما نستشف من خلال أرسطو أن المواطنة كانت مسألةً اختلافيةً قبل زمن كتابة كتابه في السياسة إذ يقول:» ومن ثم، علينا أن نستقصي من يجب أن ندعوه مواطناً، ومن هو مواطنٌ، ومن المواطن، إذ يكثر ما يكون المواطن موضوعَ جدلٍ، من حيث إن الجميع لا يتّفقون على كون المواطن شخصاً واحداً، معيّنًا»[1].

ويمكن اعتبار هذا النص وثيقةً تاريخيةً سجلّ فيها أرسطو الأنظمة السياسيّة التي كانت سائدة في اليونان وهي الديمقراطية الأوليغاركية والملكية، والديمقراطية؛ فالاختلاف في حدّ المواطنة يرجع إلى الانتماء السياسي للنظام الذي يبعد تعريف المواطن عن سياق الموضوعية.

بدأ أرسطو بنقد ودحض الحجج التي اعتمدها البعض في ربط المواطنة بمسالة الإقامة.ي المكان أو المدينة فيقول: «أما المواطن فليس هو مواطنا بمجرد سكناه في البلاد، لأن النزلاء والأرقاء يشاطرونه تلك السكنى...»، فالتسليم بعامل المكان كشرطٍ للمواطنة يمنح الأجنبي أيضا الحق والرقيق أيضا، ويبدو أن أرسطو يستبعد الشروط المادية في بناء المواطنة، إذ يمكن أن يكون الوطن محلًّا للعديد من الأجانب، والمهاجرين، واللاجئين

(34)

السياسيين، فالحصول على الجنسية بحكم الإقامة، قد يكتسب وفقاً لقواعدَ وشروطٍ يضعها النظام السياسي للمدينة، وهذا ما حدث في روما بعد ذلك على يد الإمبراطور ماركس أورليوس، والذي عرف بمرسوم (Antonniana).

كما أخذت هذه الدلالة تعبيرا جديداً في العصر الراهن، وهو المواطنة العبروطنية، أي إمكانية التمتع بحقوق المواطنة بمجرد الإقامة، وهو ما يعبر عنه المفهوم الوارد في موسوعة كولير الأمريكية الذي يعرفها بأنها: «أكثر أشكال العضوية في جماعةٍ سياسيّةٍ اكتمالاً»[1].

كما يطرح أرسطو تصوراً آخرَ للمواطن ويشرع في نقده وهو:...الذين يشتركون في حقوق الدولة اشتراكا فعليا يمكنهم من المرافعة، ويخضعهم للمحاكمة، ليسوا هم أيضا من قبل ذلك مواطنين..»، فقابلية الفرد للمحاكمة من طرف السلطة، أو النظام يشير إلى نقصٍ في مبدأ المواطنة.. كما أن امتلاك حق المشاركة بالتمثيل أو النيابة يعتبره أرسطو مواطنةً ناقصةً، لأن المعاهدات قد تمنح فرداً ما بعض الصلاحيات السياسيّة، ولكن لا تسمح له بالمشاركة الفعالة، وعلى الأرجح أن اليونان كانوا يمنحون بعض التجار أو أرباب الصنائع بعضا من الامتيازات الاجتماعية حفاظا على مصالحهم الاقتصادية.

 فدولة المدينة ظهرت إلى الوجود السياسي بفعل الازدهار الاقتصادي، ومن بين السنن أو الحتميات التاريخية توجيه الطبقة

(35)

المالكة لأدوات الإنتاج.لنشاط السياسي، وقصة إعدام سقراط تحمل بعضا من هذه الإشارات فالتمكّن من شراء الحارس وتهيئة الظروف لفرار.قراط هو صورةٌ لقدرة أصحاب رؤوس الأموال على التأثير على مصدر القرار السياسي، والعلاقة بين المال والحكم مسألة تعرض لها الفلاسفة.البحث، وما لم يختلف فيه الفلاسفة: «وجود علاقة بين المال والحكم، فهناك فعلا من عشاق الحكم من يحتقر المال، ولكنه لا يكون زاهدا فيه، لأنه يعرف أن المال سندٌ للحكم، ولو لم تكن للمال قيمةٌ عنده في ذاته...»[1].

حضور المال في الممارسة السياسيّة لا يمكن إنكاره، والشروط الأرسطية لتحديد المواطنة هي الجنسية أي الانتماء أو الميلاد لأب مواطن وأم مواطنة؛ الجنس، فهي حصرٌ على الذكور فقط، أما الإناث فلا يملكون حق المواطنة، كما أن الذكر البالغ هو المعنيُّ بالمواطنة والتفرغ للعمل السياسي. والمواطنة البديلة التي يطرحها أرسطو لجميع الأشكال الناقصة للمواطنة هي المواطنة البحتة، والتي يحدّها من جهة.لمشاركة أي القدرة على التأثير والتشريع، والمساهمة في القرار السياسي، وللإشارة فقط نجد أن المواطنة في الفقه السياسي المعاصر تعتمد المشاركة كمعيارٍ للمواطنة الفاعلة، والتي تقابل المواطنة السلبية، والتي تكون فيها المواطنة وسيلةً لحماية المواطن من الدولة، في حين أن الإيجابية هي القدرة على تغيير السلطة، وتوجيهها، يقول أرسطو: «أمّا المواطن البحت،

(36)

فليس له بين الحدود الأخرى حدٌّ أفضلُ من كونه يشترك في القضاء والسلطة..».

وصيغة المشاركة التي تتأسس عليها المواطنة ليست مشاركةً مطلقةً أو ثابتةً، ونهاية مدة المشاركة في السلطات لا تستلزم غياب مبدأ المواطنة، وهذا واضحٌ في الفقرة التالية: «..ومن السلطات ما هي محدودةٌ بأوقات، بحيث لا يتاح لنفس الشخص أن يليها إلا مرة واحدة أو خلال أزمنة معينة ومنها ما هي غير محدودةٍ كسلطة القاضي وسلطة العضو في مجلس الأمة»[1].

كما أشار إلى اختلاف مبدأ المواطنة في الأنظمة السياسيّة، وفي الدساتير أيضا، فالأنظمة السلطوية.كومة الطغيان لا تمنح حق المواطنة للشعب «..فإن بعض السياسات لا تخوِّل الشعب شيئاً من السلطة، ولم تألف إقامة مجالس للأمة اعتياديةً بل غيرَ اعتياديةٍ»[2].

والبعض منها يمنح البعض من الصلاحيات للبعض فقط وهي حكومة الأقلية، وفي النتيجة يخلص.رسطو إلى القول بأن المواطن الحقيقي هو المالك لحق المشاركة في السلطة التشريعية وفي السلطة القضائية، فالمواطنة إذن عند ارسطو: «...وظيفةٌ لنظام الحكم، فالأشخاص الذين يكونون مواطنين في النظام الديمقراطي ليسوا بالضرورة كذلك في النظام الأوليغاركي، ومن ثم فهوية المدينة تتحدد أساساً عن طريق نوع نظام حكمها، ولا تتحدد عن

(37)

طريق عوامل مثل الجغرافيا أو الجنسية»[1].

التطابق بين المدينة والمشاركة عند أرسطو ظاهرٌ في التصور الذي يقدمه، فالمدينة عنده تتحدد بمشاركة مواطنيها وإخضاع المشاركة لسلم قيميٍّ تفضيليٍّ يمنح هذا الحق لفئةٍ معينةٍ من المواطنين ويسلبها عن البعض، هو مسلمةٌ أخلاقيةٌ، ففي الأخلاق النيقوماخية أيضا.. ما دمنا نرى أن كلَّ مدينةٍ هي نوعٌ من المشاركة، وكلَّ مشاركةٍ تتكون من أجل خيرٍ ما «..لأن كلَّ شخصٍ يفعل كل شيءِ من أجل ما يتمسك به على أنه خيرٌ، فمن الواضح أنَّ كل المشاركات تهدف إلى خيرٍ ما، والمشاركة الأكثر إلزاماً والتي تضمّ كلَّ أنواع المشاركات الأخرى وتفعل ذلك بوجهٍ خاصٍّ، وتهدف إلى خير الجميع الأكثر إلزاماً وهذا ما يسمى بمدينة المشاركة السياسيّة»[2].

 فالمشاركة إذاً هي فضيلة المواطن ومعيار المواطنة، كما يبدو من خلال التحليل أن أرسطو.ميل إلى النظام الأرستقراطي، نظام القلّة كنظامٍ نموذجيٍّ، وهذه الفكرة يؤكدها (تايلور) في قوله: (..المثل الأعلى للدولة عند أرسطو هو نظام الحكم الذي يديره الأرستقراطيون، وإن كانوا قلّةً قليلةً، إلا أنهم على تربيةٍ ثقافيةٍ عاليةٍ ويتمتعون بالفراغ دون أن يكون هناك من يملك أو يتميز عن غيره بالثروات الكبيرة، بعيدون عن روح المغامرة والانشغال بالأعمال..)[3]، وأوّل ما يتبادر

(38)

إلى ذهن الباحث أو القارئ لأرسطو أنه فيلسوفٌ ينظر إلى الغير من الفوق، والنصوص التي تركها حول الرّق تؤيِّد هذه النظرة. (لم يترك أيُّ فيلسوفٍ نصوصاً تتعلق بالرّق كما ترك لنا أرسطو.)[1]، ولكن الموضوعية تقتضي التعامل مع النص الأرسطي في سياقه التاريخي، وتجنب التأويلات العقيدية، وصدق أحد الحكماء في قوله: والحي يغلب ألف ميّت، وسنحاول رفع بعض الالتباس على الموقف الأرسطي؛ فسلب المواطنية عن فئة العمال والمزارعين والصناع ليس كليًّا بل جزئيًّا، فالمواطنة الكاملة لا تتحقق بالفعل في الممارسة السياسيّة وهي مستحيلةٌ منطقيًّا لأن الفهم الشمولي للمواطنة يقتضي ممارسة المشاركة في صنع القرار وفي تنفيذ القرار وفي السلطة القضائية، وهذا مستبعدٌ كليًّا وجودُ مصداقٍ له في الواقع الاجتماعي واجتماع العقل والممارسة أو الجمع بين النظرية والتطبيق.ن الأمور الإشكالية، وتاريخ الفلسفة والعلم يؤكِّد هذه الاستحالة، فالواقع أغنى من النظرية عند دعاة التجربة والواقع، وملكة الفهم هي عملة الإنسان الصعبة التي يخرج بها من قزميته، ومن بين التفسيرات التي تبّرر التقسيم الأرسطي لحق المواطنة هو افتقاد فئة المزارعين والصناع لأوقات الفراغ التي يحتاجها المواطن لأداء واجباته السياسيّة، وهذه الفكرة.ؤكدها الفيلسوف (تايلور) الذي يقول: (هاتان الطبقتان لا تملكان فرصاً للتمتع بوقت الفراغ اللائق، إذ لا يمكن أن تكونا موضع ثقةٍ لجهة حسن إدارة الدولة من أجل الغايات العليا التي وظيفة الدولة

(39)

هي تحقيقها وتنميتها)[1].

ولكن للأسف نجد الكثير من الباحثين العرب يعتبرون هذا التصور زلةً وهفوةً لا تليق بفيلسوف أسطاغيرا (أرسطو) أمثال الأستاذ مصطفى الخشاب الذي ينظر إلى التقسيم الأرسطي لمسألة المواطنة على أنه تقسيمٌ تعسفيٌ، تقسيمٌ ينطلق من سلّمٍ تفاضليٍّ تقييميٍّ، ونعتقد أن هذه الأفكار ليست إلا قراءات، وإسقاطات إيديولوجية على النص، وليس هو المضمون المقصود عند الفيلسوف، فالسياسة إذاً عند أرسطو هي النموذج الكلي الذي تنتهي عنده جميع الخيرات الإنسانية، والسياسة هي ممارسة وتجسيد للغايات الخلقية.

كانت الممارسة اليونانية لمبدأ المواطنة من بين الأوليات التي أسّسّت للمواطنة المعاصرة، فهي بمثابة النموذج الجيني لها، يقول الأستاذ علي خليفة الكواري: «وعلى الرغم من قصور مفهوم المواطنة الذي تم تطبيقه في أثينا، من حيث الفئات التي يشملها وعدم تغطيته لبعض الجوانب التي يتضمنها المفهوم المعاصر للمواطنة فإنه قد نجح بتحقيق المساواة على قاعدة المواطنة بين الأفراد المتساوين. من وجهة نظره، وذلك من حيث إقرار حقهم في المشاركة السياسيّة الفعالة وصولاً إلى تداول السلطة وتولي المناصب العامة[2]».

(40)

المواطنة الرومانية

كان السياق الاغريقي للممارسة المواطنية محكوماً بشروطٍ إثنية، وإن كان المفهوم في لحظة الميلاد يبقى مشروطاً بسياقٍ ثقافيٍّ محددٍ، حيث عرف المفهوم في العصر الروماني تغيّرا بارزاً، والسبب الرئيس في ذلك يعود الى اتساع الرقعة الجغرافية للإمبراطورية، إذ ضمت الامبراطورية ثقافاتٍ متغايرةً، وشرائحَ اجتماعيةً متفاوتةً، استطاعت من خلال الجاه الذي كانت تحوزه إلى حيازة بعضٍ من الحقوق المدنية، كما عمل الحكم الجمهوري عام 507 ق.م على فسح المجال أمام الطبقات الدنيا للمطالبة بالحقوق المدنية حمايةً لنفسها من جشع الأشراف والنبلاء، كما كان لحركة المنابر العامة[1] دورٌ حيث تمت المطالبة فيها بحقوقهم المدنية وضرورة قيام الدولة بحماية ملكياتهم، والسعي إلى إقامة مؤسساتٍ قادرةٍ على حمايتهم.

ومن بين دعاة العدل والمساواة بين الطبقات الاجتماعية سيسيرون[2] الذي يرى أن الدولة لا تستطيع «أن تضمن استمراريتها وبقائها وهيبتها إلا إذا اعترفت بحقوق المواطنين، لأنها تمثل مصلحة الناس المشتركة»[3].

والواقع أن الدولة الرومانية منحت المواطنة بُعداً قانونيًّا، ونظمتها بشكلٍ دقيقٍ ومحكَمٍ عبر إجراءاتٍ إداريةٍ مباشرةٍ تمثلت بدايةً بإجراء

(41)

أول إحصاءٍ سكانيٍّ في العام 44 ق.م والذي كان القصد منه تنظيم وإعداد القوائم التفصيلية من أجل ضبط قوائم المواطنين بما يتعلق.مسائل الخدمة العسكرية ودفع الضرائب.

وفي سنة 4 ق. م أصدر أغسطس أمرا بتسجيل المواليد الجدد في الدوائر الرومانية الرسمية والتثبت من حالة المواطنة منذ فترة الميلاد، وبعد ذلك إجراء كاراكلا Caracalla المرسوم القانوني الذي أصدره الإمبراطور ماركوس أوريليوس في سنة 212 والمعروف: constitutio antoniniana.

وهو من القوانين المعروفة في الإمبراطورية الرومانية، والذي يمنح حق المواطنة الرومانية لجميع الرجال الأحرار الذين لم يكونوا مالكين لهذا الحق، وهم أفرادٌ في الإمبراطورية الرومانية، ومن هنا تتبدى.لصورة القانونية للمواطنة التي حرصت عليها الدولة الرومانية، وتركزت الإجراءات حول مسار العلاقة.لقائمة بين قضايا المعاملات العامة من زواجٍ ونشاطٍ تجاريٍّ، والتي اختصت بالمواطنين الرومانيين تحديداً، وامتياز المواطنة راح يتمثل في منحه حق المقاضاة في مدينة روما، حتى وإن كان قد تم توجيه الاتهام إليه.ي أيٍّ إقليم من أقاليم الدولة، فالمواطن الروماني هو الذكر البالغ المنتمي إلى تراب الإمبراطورية، وهو ذاتٌ قانونيةٌ تكتسب المواطنة من خلال وضعه القانوني لا من خلال أصله الإثني، فهو يرتقي. لمرتبة المواطن بتغيير وضعه القانوني دون اعتبار أصله الاجتماعي، فهي قائمةٌ على حيازة مجموعةٍ من الحقوق السياسيّة والعسكرية والمدنية.

(42)

القاسم المشترك بين الإغريق والرومان في نظرتهما إلى المواطنة يكمن في كون الكل لا يمكنه ممارسة الوظائف السياسيّة، فهناك تراتبية في تركيبة المجتمع المدني اليوناني والروماني، فلا يستحق صفة المواطنة إلا الممتازون والمؤهلون، والتفاوت مسألةٌ طبيعيةٌ لا اجتماعيةٌ، وهذا مابرَّرَه أرسطو حيث يقول: «..إن القيادة والانقياد ليسا فقط أمرين ضروريين، ولكنهما نافعان أيضا، ومن الكائنات ما يفرز منذ نشأته للرئاسة، ومنها ما يفرز للخضوع ..»[1].

ومقاييس الاستحقاق هي الثروة والجاه والتي يمكن أن تتأتى من بطولاتٍ عسكريةٍ أو عن طريق الإرث، وفي الحالة المعروفة لا بد أن ينحدر المواطن من أبوين ينتميان إلى المدينة نفسِها وبدون اعتبار ظروف الأم حيث يمكن للابن المنحدر من أب مواطن أن يتقلد هذا الامتياز، وعدم مواطنة الأب الأجنبي أو العبد مبطلة لبلوغ الابن امتياز المواطنة، أما الحصول عليها في صيغة الهبة أو الهدية فنادرة، رغم أن ذلك قد حصل في سنة 406 ق.م حيث منح حق المواطنة للأجانب الذين قدّموا خدماتٍ في الحروب اليونانية، كما نلاحظ اعتماد طريقة الإحصاء في كلٍّ من الحضارة اليونانية والرومانية للتمييز بين مختلف أعضاء المدينة حسب انتماءاتهم العائلية والطبقية ولتحديد مكانتهم في المدينة، فالإحصاء يقيم تراتبيةً بداخل الجسم المدني إضافةً إلى التراتبية اليونانية التي تميز بين الحقوق المدنية والحقوق السياسيّة.

(43)

أما المجتمع الروماني فيعكس صورةَ مجتمعٍ سياسيٍّ أكثرَ ديمقراطيةً، فالكل يشارك في الاقتراع، ومع ذلك يؤدي الإحصاء إلى التمييز الدقيق لأقليةٍ من المواطنين مدعوةٍ للمشاركة في الحياة المدنية، أولئك الذين لهم مساهمةٌ فعالةٌ، فهي تخوِّل لهم ولوج مناصبَ مهمةٍ، وكتلةٍ مدنيةٍ ذات تأثيرٍ سياسيٍّ ضعيفٍ، وبالعكس فإن اليونان الذين يعينون موظفيهم الكبار حسب قانون القرعة يتسلحون بممارسةٍ سياسيّةٍ تسمح من الناحية النظرية بتجنب تشكيل «نبل مواطني» يعيش على مزايا مكتسبة، وبالنسبة للقدماء لا يمكن أن نتحدث عن تسييرٍ ممتازٍ غير هذا المؤسس وفقاً لهذا المبدأ، بما أن اللامساواة التراتبية الجلية التي يرتكز عليها معدّلةٌ بإنصافٍ مستساغٍ، وعليه فإن المواطنة لا تتقدم على شكل نموذجٍ مثاليٍّ فريدٍ لأن الواقع يدعو باستمرارٍ للحديث عن المواطنين، فهذا التمييز المواطني الذي يوجد عند الإغريق كما عند الرومان ّ وفق منطق الإدماج أو بالعكس وفق قوة الإقصاء الذي يتصدر منح صفة المواطن.

وخلاصة القول: نجد أن روما التي فرضت نفسها كقوةٍ منفتحةٍ على الشعوب الدخيلة استطاعت أن تضم للإمبراطورية خليطاٍ من الشعوب اللاتينية الحليفة التي أُدمجت إلى الشعب الروماني ومنح حق المواطنة دون التصويت أو الاقتراع والمعروف بـ: la civitas sine suffragio لهذه الشعوب ليس في أصله مواطنةً كاملةً كما توحي بهذا العبارة بل هم خاضعون فقط لمساهماتٍ متعلقةٍ بوضعيتهم الجديدة، والأصل كما نعتقد في هذه المواطنة هو جمع

(44)

أكبر قدرٍ من الضرائب، والتاريخ يؤكِّد ما نقول إذ احتج سكان هذه المستعمرات على وضعيتهم الدونية المفروضة عليهم وثاروا ضد روما... وما جعل مجلس الأعيان يستاء من الأبعاد السياسيّة والنتائج العسكرية لهذه المسألة اللاتينية، فصوت ابتداء من 9 ق.م على قوانين تمنحهم مواطنةً كاملةً.

المواطنة في العصر الحديث

عرف الفكر السياسي الانجليزي كثيرا من الأحداث الاجتماعية، دفعت إلى التفكير في تجديد الدستور، ومنها الميثاق الأعظم أو الماجنا كارتا (Magne Carta) التي هي من الوثائق القانونية في التراث الدستوري الانجليزي، وهي وثيقة صدرت في سنة: 1215 ساهمت في سيادة القانون الدستوري، كما كان لهذا الميثاق الأعظم أثرٌ كبيرٌ على الدساتير والوثائق الأخرى، مثل وثيقة حقوق دستور الولايات المتحدة، وهذه الوثيقة كانت بمثابة الأساس لمبادئ الدستور في ما يتعلق بحكم الملك ومحدودية نفوذه وسلطته، وكانت الماجنا كارتا، شِرعةً دستوريةً ترمي إلى حماية امتيازات البارونات، أو طبقة النخبة من المواطنين، فهي وثيقةٌ تقول للملك: «لا تستطيع انتهاك حقوق هؤلاء البارونات، في حين يعتقد البعض أنها أوّل وثيقة تقيّد صلاحية الملك الإنجليزي في القانون الدستوري الانجليزي.

ونجد مراحلَ سابقةً للميثاق الأعظم، فهي مؤسسةٌ جزئيًّا على أساس ميثاق الحريات، ذلك الذي أعلنه هنري الأول ملك إنجلترا،

(45)

وأصدره عند الصعود إلى العرش في سنة: 1100 وكان ملزماً للملك ببعض القوانين المتعلقة بمعاملة المسؤولين في الكنيسة والنبلاء، وميثاق الحريات وهو وثيقة تاريخية في التاريخ الإنجليزي، وسابقةٌ للميثاق الأعظم الماجنا كارتا.

وهي ليست وثيقةً وحيدةً جامدةً، بل مجموعةً متنوعةً من الوثائق يشار إليها بالاسم الشائع ماجنا كارتا، والبند الأول في الوثيقة ينُّص على أن تكون الكنيسة في إنجلترا حرّةً من التدخلات الملكية بشؤونها، والنص: «عاهدنا، بدايةً، الربَّ وأكدنا بهذا الميثاق لأنفسنا ولورثتنا إلى الأبد أن كنيسة انجلترا ستكون حرة وستتمتع بجميع حقوقها وحرياتها بدون أدنى انتقاصٍ، من هنا فقط أردنا أن يراعى ويتم الالتزام بما يتبع وينتج عن هذا الأمر»[1].

تتضمن الوثيقة الأسس الأولية لمبدأ المواطنة، رغم أنها في صورتها العامة تقعيدٌ قانونيٌّ للنبلاء، ففي المادتين:30/31 نلمس احتراماً وحمايةً للذات الحقوقية للمواطن أمام جشع النبلاء: «المادة 30: لن يأخذ عمدةٌ أو مشرفٌ ملكيٌّ أو أيُّ شخصٍ آخرَ جيادنا ولا عربات رجلٍ حرٍّ للقيام بعمليات النقل إلا بموافقة هذا الرجل- المادة31: لن نستولي ولن يستولي مشرفونا الملكيون على أخشاب الآخرين لاستخدامات قصورنا ولا لأيِّ استخداماتٍ أخرى بدون موافقة حائز هذه الأخشاب»[2].

(46)

وقد أصبحت هذه البنود بعد ذلك مرجعاً تاريخيًّا لما يُسمى حقوق الإنسان، ومازالت أصداؤها تتردد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

المواطنة في الفكر الحديث:

تميز الفكر السياسي في العصر الحديث بالعديد من المحاولات الهادفة إلى تشييد أنساقٍ سياسيّةٍ تحاكي الأنساق الفلسفيّة الكلاسيكية، وهذا يعود لطبيعة التماهي التي كانت موجودة بين القضايا السياسيّة والفلسفيّة، ومن بين القضايا التي استأثرت باهتمامات الفلاسفة في ذلك العصر، قضية أصل الدولة وكيفية قيامها وغاياتها وأشكالها وأركانها، ويُعَدُّ القرن السادس عشر والسابع عشر من أغنى عصور الفكر السياسي، حيث كانت الحوادث الاجتماعية والسياسيّة مصدراً ومنبعاً استلهمت منه أهمُّ وجُلُّ النظريات السياسيّة في العصور التالية. فحركة البروتستانت ضد اضطهاد الكاثوليك، ومطالبتهم.حق الحرية في ممارسة الشعائر الدينية، ترتبت عنها الكثير من النتائج، منها الطلب بحقوق الشعوب تجاه الملوك، ومهاجمة السلطان المطلق الذي كان يملكه هؤلاء أو الرغبة في تقييده، وهذا الصراع السياسي استوجب الدفاع النظري والكلامي عن الرؤى والأطروحات السياسيّة.

وتعددت الإجابات حول البحث في مشروعية السلطة، والحدود التي تقف عندها، وفي مشروعية مقاومة الحكم من طرف الشعب

(47)

وكثير من القضايا السياسيّة، وهذا الزخم المعرفي شكّل تراثاً فكريّاً وسياسيّاً لرجال السياسة في العصور اللاحقة.

ومبدأ المواطنة الذي يمنح الأفراد أو المواطنين صلاحيات التسيير، والتغيير على مستوى التشريع والتنفيذ أيضا هو وليد الحداثة عموماً، والدولة القومية خصوصا حيث ارتبط المصطلح بالدولة الحديثة في الغرب. وفلسفة القومية تعني الجمع بين الوحدتين الطبيعية والسياسيّة، فلا تقوم وحدةٌ سياسيّةٌ على أكثر من أمةٍ، ولا تتوزع الأمة.ين العديد من الدولٍ، فمبدأ القوميات يقوم على فكرة أو مبدأ حق الأمة في أن تتشكل في دولةٍ مستقلةٍ، فقيام الدولة الحديثة على أساس ارتباط الدولة بعناصرها البشرية على أساس ترابط هذه العناصر أو المواطنين في ما بينها على أساسٍ سياسيٍّ دعامته القومية لا الإثنيّه، يمنح جميع المواطنين الحق في المراكز القانونية والسياسيّة على أساس العلاقة المتبادلة بينهم وبين الدولة أو السلطة المنظمة في الدولة.

أما الأفراد المقيمون في الدولة والذين لا يملكون هذا الارتباط السياسي، فهم أجانبُ تختلف مراكزهم السياسيّة القانونية تماما عن مركز المواطنين، فمبدأ المواطنة الذي تم إرساؤه في الدولة القومية يقوم على علاقةٍ متميزةٍ بين الحاكم والمحكوم تختلف عن العلاقة التي كانت قائمةً في العصور الوسطى التي كانت تعتبر الناس ماشية مِلْكاً للحكام، يتوارثونهم ويتصرفون فيهم كأنهم متاعٌ يملكونهـ إذ انتقل الارتباط بين الفرد والدولة من وضعية الملكية الخاصة بين الفرد والعاهل إلى صعيد الارتباط السياسي بين المواطنين ومعقد السيادة.

(48)

الدولة تتألف من رعايا وصاحب سيادة والمواطنة هي الخضوع للسيادة وليس لصاحب السيادة..ما ارتبطت المشاركة السياسيّة بالتاريخ الاقتصادي للدولة القومية منذ نشأتها، والمبدأ المشهور: «لا ضرائب دون تمثيل» يؤكد هذا الارتباط، فتسيير جباية الضرائب يستلزم وجود تمثيلٍ نيابيٍّ لدافعي الضرائب يراقب سبل إنفاقها.. ولهذا السبب يرجع البعض من المفكرين السياسيين ظهور ظاهرة المشاركة السياسيّة مبكراً في دول الشمال الأوروبي الفقير نسبيّاً، كالدول الاسكندينافية وبريطانيا يرجعها إلى الحاجة المتزايدة لملوك هذه الدول في الاعتماد على شعوبهم في تحصيل الضرائب، وبالتالي تشجيعهم على الإنتاج، وزيادة قدراتهم الضريبية من خلال السماح بمزيد من المشاركة السياسيّة، وبإلحاحٍ من الشعوب على التمتع بحقوقها، وتحت ضغط الحاجة للموارد اللازمة لإدارة الاقتصاد الرأسمالي، حدث تطور في آليات الدولة القومية، فأصبحت السيادة.لشعب أو لممثليه، فكانت الليبيرالية برؤيتها وفلسفتها تأسيساً نظريّاً لهذه الرؤية بدعوتها إلى إعلاء شأن الفرد على حساب الجماعة، وحماية الملكية الفردية، ومنع تدخل الدولة.

وبما أن رواد هذا الفكر كانوا ينطقون باسم الطبقة البورجوازية التجارية والصناعية، فإن تعميم الحقوق الديمقراطية على جميع أفراد الشعب يتناقض مع مصالحهم، ولذلك ظهرت احتجاجاتٌ شعبيةٌ تطالب بالمساواة في الاقتراع لجميع المواطنين.

ونتيجة الضغوط التي مارستها حركة الحفارين[1] في الثورة

(49)

الانجليزية، وأصحاب النزعة اليعقوبية في الثورة الفرنسية، اضطر الليبراليون إلى القبول بمطالب الثوريين حفاظا على مصالحهم، ومن هنا كانت البداية لفكرة المواطنة.

البيان الأمريكي:

يقوم البيان الأمريكي الصادر في سنة 1776 على قاعدة المساواة العامة بين الأفراد.لمواطنين وهي قاعدةٌ طبيعيةٌ وغايةٌ رئيسةٌ تتأسس عليها الحكومة ومصلحة المواطنين، فالمواطن يملك القدرة على تغيير وتوجيه مسار الحكومة إذا انحرفت عن مسارها الصحيح، ومما جاء في نص البيان: «..إن الناس جميعا خلقوا متساويين وإن خالقهم منحهم حقوقاً خاصةً لا تُنزع، وإن من تلك الحقوق الحياة، والحرية، وطلب السعادة، وإنه لصيانة تلك الحقوق أنشئت الحكومات بين الناس، مستمدة سلطانها المشروع من رضا المحكومين، وإنه حينما تصبح حكومةٌ ما خطراً على هذه الغايات فإن من حق الشعب أن يبدلها ويلغيها ليقيم حكومة جديدة ترسخ قواعدها على تلك المبادئ، وتنظم سلطانها على وجه يكفل للشعب السلامة والسعادة»[1].

(50)

أما القاعدة الثانية فهي فساد المؤسسات الحكومية البريطانية وعجزها عن تحقيق مصلحة الفرد والجماعة ما تمنح المواطن حق الانتفاض والثورة والاستقلال عن هذه المؤسسات الحكومية، ويمكننا الاستئناس بما كتبه جيفرسون في نص البيان إذ يقول «..ولكن عندما تكشف سلسلةٌ طويلةٌ من سوء الاستعمال والاغتصاب عن خطةٍ مبيتةٍ لإخضاع الشعب ووضعه تحت حكمٍ استبداديٍّ مطلقٍ فمن حق الشعب، بل من واجبه أن يقلب تلك الحكومة ويلتمس ضمانات جديدة لسلامته المستقبلية..[1].

الثورة الفرنسية وتأصيل المواطنة:

ساهمت حركة التنوير (Enlightment/Lumiéres) في بلورة مفهوم المواطنة، والتي لم تكن مقتصرةً أو محصورةً في فرنسا فقط بل اكتسحت جميع المناطق في أوروبا، وقد حمل مشعل التنوير في فرنسا أدباءُ وفلاسفةٌ أمثال ديدرو (Diderot) ودالمبير (d’Alembert) وشارل دي مونتسكيو (Charles de Montesquieu) وجان جاك روسو (Rousseau) وفولتير(Voltaire) وكوندورسيه، وبابيف (Babeuf) ومارشال.

أما التنوير الإيطالي والألماني فقد غلبت عليه الروح الفنية والتاريخية، ومنهم فيكو الايطالي والألمانيان لسنغ (Lessing) وهردر (Herder) وفي إنجلترا نجد بيرك (Burke) وفي أمريكا: توماس بين، وبنيامين فرانكلين..

(51)

والقواسم المشتركة بين هذه الحركات التنويرية جميعاً هي تقديس العقل، ومنحه السلطة العليا على كلِّ شيءٍ، واعتبار الدين خادماً للعقل، فهو مقياسٌ لصحة العقائد وأساسٌ للعلم ووسيلةٌ للقضاء على الخرافة والجهل.

ومن أهم المبادئ التي أكدت عليها حركات التنوير الإيمان بقانون الطبيعة، والحقوق الطبيعية، والمصلحة الذاتية المستنيرة، ومبدأ السيادة الشعبية الذي يعني أن الحاكم يستمد سلطته من الشعب، وللشعب حق سحب السلطة إذا أخلّ بشروط العقد، والشعب المقصود هنا هم الزعماء الطبيعيون الذين يمثلون المجتمع كله.

فالسيادة الشعبية تستبطن فكرة أن الحكم يكون لمصلحة الشعب لا أن يكون بواسطة الشعب؛ وهذا المفهوم الديمقراطي الجديد تبلور في الثورتين الأمريكية والفرنسية من قادة الطبقة الوسطى والتي اعتبرت نفسها ممثلةً للشعب كله.

ولكن روسو يرفض السيادة القائمة على قاعدة المساواة الكاملة بين أفراد المجتمع، وأقر أنه بما أن الجميع أحرارٌ ومتساوون، فمن حقهم أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم، فالشعب بجميع أفراده هو معقد السيادة وصاحب السلطة ومصدرها وهي ما يعبر عنه بالإرادة العامة.

وفضاء المواطنة لا يتحقق إلا في ظل هذه المبادئ مبدأ السيادة الشعبية، كما أن النظام الدستوري الذي نادت به حركة التنوير

(52)

يشكل سياقاً آخرَ لممارسة مبدأ المواطنة، فالدستور كمجموعةٍ من القواعد تحدد مهام وحدود السلطات والهيئات القانونية، يمثل الآلية القانونية لمبدأ المواطنة، وهو الذي يقوم أساساً على حماية الحريات المدنية بالحد من السلطة الحاكمة، وتقييدها عن طريق توفير ضمانات قانونية دستورية، ترتبط بنظرية فصل السلطات، والخصائص العامة لهذا المبدأ نُجملها في نقاطٍ: أولها: أن الدستور هو الأساس الذي تقوم عليه عملية.نظيم الحكم، وبالتالي فالدستور سابقٌ على الحكومة، كما أن الدستور يحدِّد أسلوب ممارسة السلطة وتوزيعها ومن ثم فهو قيدٌ على السلطة، وكلُّ تجاوزٍ لهذا القيد يجعل السلطة غيرَ مشروعةٍ.

ويُعتبر ميثاق إعلان حقوق الإنسان والمواطن، من أهم مواثيق الثورة الفرنسية، وأكثرها تعبيراً عن فكرة الثورة، وهو الإعلان الذي صدر في 26 أوت 1789 عن الجمعية الوطنية الفرنسية، وأصبح في ما بعد جزءاً من دستور الثورة الأول الذي صدر عام 1791، حيث أصبح تعبيراً عن الرؤية الفرنسية للحريات العامة، وقاعدةً أساسيةً استند إليها الفكر والتشريع الليبرالس، والراديكاليين طوال القرن التاسع عشر، ورايةً يلتف حولها الأحرار في جميع أصقاع العالم، كما نلاحظ تبلور هذا الإعلان بإنشاء الأمم المتحدة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

تشيد الثورة الفرنسية بالحقوق الفردية، وتعتبرها سابقةً في الوجود على الدولة، إذ تنبع الحقوق من طبيعة الإنسان بالذات، فتكون مطلقةً بتقعيدها على الأنطولوجيا الإنسانية، فلا تفاوت في

(53)

التجليات التي تملكها الحقوق ثقافيًّا، إذ «..تعرف بالبداهة وصالحة لجميع الناس، ولجميع البلدان، ولجميع الأزمنة بمجرد أنها ولدت مع الإنسان نفسه، وإنها موجودةٌ في ضمير كل فردٍ، إنها ثابتةً أبديةً؛ إن للإنسان بوصفه إنساناً حقوقاً طبيعيةً، تعطيه صفةً حقوقيةً لا يمكن التنازل عنها»[1].

فالجماعة السياسيّة تهدف الى المحافظة على هذه الحقوق الطبيعية التي لا يمكن أن تسقط بالتقادم، فالحرية في الإعلان جاءت كسلطةٍ تقيد المشرع ذاته، فالقانون لا يستطيع أن يضع من القيود على حريات الأفراد إلا تلك التي يتطلبها تمكين الآخرين من التمتع بحقوقهم الطبيعية، وهذا ما ورد في المادة الرابعة والخامسة من الإعلان، ومن المواد التي تنص على مبدأ المواطنة الفقرة التالية: «الأمة في جوهرها هي مصدر كلِّ سيادةٍ ولا يجوز لأيِّ فردٍ أو مجموعةٍ من الأفراد أن تزاول أيَّ سلطةٍ ما لم تكن نابعةً من الأمة صراحةً».

فالقرار السياسي نابعٌ من إرادة الأمة، وينبغي أن يكون متطابقاً مع أهداف ومصالح الأمة، والنص التالي يعبّر أصدقَ تعبيرٍ عن مبدأ المواطنة لأن القانون هو التعبير عن إرادة الجماعة وكل المواطنين لهم حق المشاركة في وضع القانون إما بأشخاصهم أو عن طريق ممثليهم: «كل مواطن له حق المساهمة في التشريع بنفسه أو عن طريق ممثليه»[2].

(54)

ويجب أن يكون القانون واحداً مع الجميع سواءً في الحماية أو في العقاب، حيث إنّ الجميع متساوون في حق التكريم وتولي المناصب والوظائف بحسب قدراتهم المختلفة، ولا امتياز لأحد على أحد إلا بالفضائل والموهبة .

يُعتبر الإعلان وثيقة ميلاد المواطن الحديث، فكلمة مواطن بدأت تستمد قوتها وجذوتها من نور الثورة الفرنسية؛ وإن كان الإنسان المقصود في الإعلان هو الرجل البورجوازي، وهذه الإشارة نجدها عند هارولد لاسكي حين يقول: «إن هؤلاء الذين قاموا بالثورة الانجليزية 1688، والثورة الفرنسية 1789 أعلنوا أنفسهم فلسفيًّا حماة حقوق الإنسان، ولكن الواقع والتحليل الصحيح لما عنوه فعلا كان حماية حقوقهم، ومصالحهم الشخصية ومصالح طبقتهم البورجوازية ليس إلا، وثورتهم الليبرالية هي ثورة مطالبهم..[1] «

فالنظام السياسي وُجد لحماية الفرد من تجاوزات الدولة، فالدلالة التي يشير إليها الإعلان هي الدلالة السلبية للمواطن الذي يسعى لوضع الآليات لحماية نفسِه من الدولة، وليس المواطن الفعال الذي يشارك في الإدارة بإرادة وفعالية.

العقد الاجتماعي والمواطنة:

العقد الاجتماعي من أشهر المفاهيم والأدبيات السياسيّة التي عرفها الفكر البشري، كما ارتبطت بالاجتماعات البشرية عموماً، ولا يحق لأيِّ مجتمعٍ الادعاء بأسبقيته في القول بفكرة العقد، فالبعض

(55)

يعتقد.ن المفكر الصيني ماو تزو في القرن الخامس قبل الميلاد هو من أوائل من قالوا بفكرة العقد، ونشوء المجتمع السياسي؛ كما ضمت الفلسفة اليونانية بعض الشذرات أو الإشارات إلى فكرة العقد (السفسطائيون، سقراط، أبيقور). ولكن فكرة العقد تبلورت في القرنين السابع عشر والثامن عشر عند توماس هوبز وجاسندي وسبينوزا ولوك وروسو والعقد الاجتماعي يحدد طبيعة الدولة ونشأتها وبنية المؤسسة السياسيّة التشريعية، القضائية، التنفيذية، وفلسفة العقد تأخذ نموذجين، نموذج أو ميثاق الاتحاد (Pactum Unionis) وميثاق الرعايا (Pactum Subjectionis)، وعليه فإن المواطنة المترتبة عن هذا الاجتماع تأخذ شكلين، مواطنة الرعايا ومواطنة المواطنين، والشكل الأول يقوم على علاقة الولاء التام للحاكم من طرف الرعايا ويكون بين المواطنين والحكام، وليس بين المواطنين، والماجنا كارتا (Magna Carta) هي نموذج لهذا العقد.

 أما الشكل الثاني فيظهر في ميثاق الاتحاد الذي هو: «تحول من الفردية.لى المواطنة، أعني أنهم أصبحوا مواطنين بعد أن كانوا أفراداً.. مثل الميثاق.لذي اتفق عليه.لآباء المهاجرون الذين أسسوا أَوّلَ مستعمرةٍ في نيوإنجلند عام.620 وتعهدوا بالتجمع في مجتمع مدني واحد..)[1]، وإذا كانت المواطنة في الدولة المدينية (la cité)، ترجع أساساً الى الفرد أو ما يصطلح عليه في علم السياسة بالذات القانونية (le sujet du droit)، فإن نظريات العقد الاجتماعي

(56)

حاولت تأسيس المواطنة على المرجعية الجماعية، لتجاوز الفردية التي بنيت عليها المواطنة المدينية. وسنحاول التعرض لأهم الفلاسفة الذي عرفوا بنظرية العقد الاجتماعي، وهم: توماس هوبز، جون لوك، جان جاك روسو.

توماس هوبز:

تظهر فلسفة هوبز السياسيّة في مؤلفاته الثلاثة: «مبادئ القانون»، و«في المواطن»، و«التنين». توجد اختلافات بين الكتب الثلاثة، ومرد ذلك هو التطور الذي عايشه الفيلسوف في نظريته اللاهوتية، والقصد عنده هو: «وضع الفلسفة الأخلاقية والسياسيّة لأوّلِ مرةٍ، على أساسٍ علميٍّ؛ والمساهمة في تأسيس سلامٍ مدنيٍّ ومودةٍ، وفي إعداد البشرية لكي تفي بواجباتها المدنية، وهذان المقصدان النظري والعملي مرتبطان في ذهن هوبز[1]».

تقوم الطبيعة البشرية عند هوبز على الأنانية، فالإنسان ذئب للإنسان، والكل في حربٍ ضد الكل، والواحد في حربٍ ضد المجموع، فهو كائنٌ شريرٌ حافلٌ بالنقائص، جبانٌ، فاسدٌ، خبيثٌ، لا يُذعن إلا إذا خاف، ولا يضحِّي بمصالحه إلا مرغمًا، ولا يحب السلام للسلام، بل فزِعاً من نتائج الحرب..

هذه الوضعية الطبيعية، تحركها الأهواء والغرائز، فتجعل من حالة الطبيعة أمراً لا يُطاق، وتدفع إلى تكوين المجتمع المدني الذي

(57)

يكون الآلية التي ينتقل بها الإنسان من الحرب المهددة باستمرار، ولذا يجب تفويض المواطنين إرادةً معينةً لتولي الحكم، والتنازل عن بعض الامتيازات مقابل بناء أو تأسيس سلطةٍ لحماية المصالح الفردية والعامة، شريطة أن يضمن كلُّ واحدٍ اضطرار الآخرين للوفاء بوعدهم، ومن المفترض أن يقول كلُّ واحدٍ لكلِّ واحدٍ: «أجيز لهذا الرجل أو لهذه الجمعية، وأتخلى له أولها عن حقي في حكم نفسي بنفسي، شريطة أن تتخلى له عن حقك وأن تجيز له كل أفعاله بالصورة نفسها[1]».

فسلطة الحاكم تقوم على أمرين: الأمر الأول: تخليِّ الأفراد عن حقوقهم، والأمر الثاني: الغاية التي من أجلها تخلَّوْا عن حقوقهم والتي هي السلام والعدل؛ فالدولة كشخصٍ مجردٍ «تكوِّن شخصاً واحداً، عندما تتمثل بإنسانٍ واحدٍ شرط أن يتم ذلك برضا كلِّ فردٍ، وبصورةٍ خاصةٍ برضا كل الذين يتكون منهم ذلك الشخص»[2].

فالأمر الأول يجعل من المواطن عضواً في العقد، والثاني يجعل من هذه العضوية عضويةً غيرَ قابلة للفسخ، ويجعله ملزَماً بالخضوع والطاعة المطلقة للحاكم وتصبح إرادة الحاكم ممثِّلةً لإرادة المواطن كما أنه يملك كل سلطة لتحقيق إرادته التي هي إرادة كل مواطن.

وأخيراً في الاعتقاد السائد الذي فسر به هوبز أن المواطن لا

(58)

يملك حق مساءلة الحاكم، فهي مواطنة رعايا (Les sujets) فالدفاع عن حقوق الأفراد، وتقييد سلطة الحاكم غائبٌ في فلسفة هوبز، فهو من أنصار السلطة المطلقة والفرد ملزَمٌ بقبول جميع التجاوزات التي تقوم بها السلطة، لأنها أفضل من عدم وجود سلطةٍ قاهرةٍ تغل أيديهم عن أعمال العدوان، فمقاومة السلطة لا يمكن تبريرها بأيِّ شكلٍ من الأشكال.

ولكن إمام عبد الفتاح إمام يكشف لنا من خلال النصوص الواردة في كتاب «التنين» عن إشاراتٍ وضعها هوبز في ثنايا الكتاب، ويوردها بلفظ التحفظات، التحفظ الأول: «لما كان حق الدفاع عن حياة المرء والمحافظة على أعضائه لا يمكن التنازل عنه لأنه حقٌّ أساسيٌّ ولا يمكن للمرء أن يكون له وجودٌ إذا تخلَّى عنه وكل شيء لا يستطيع الإنسان أن يعيش بدونه فهو حقٌّ غيرُ قابلٍ للتحويل أو التنازل عنها، فإن ذلك يعني أن للإنسان الحق في الدفاع عن نفسه حتى ضد أوامر السيد الحاكم[1].

قراءة النص بالخط العريض الذي هو للفيلسوف هوبز يؤكد على أن هناك حقوقاً غيرَ قابلةٍ للتنازل عنها، فهي حقوق رئيسةٌ، ومبدئيةٌ، مثل حق الحياة، ويبدو أن الفيلسوف تعامل بذكاءٍ مع السلطة السائدة آنذاك، فالحديث بكلِّ حريةٍ في ظل نظامٍ طغيانيٍّ استبداديٍّ مستحيلةٌ، والنص التالي لهوبز الذي نورده يؤكد الرؤية التي يقدمها إمام عبد الفتاح: «إذا أمر السيد الحاكم إنساناً ما بأن يقتل نفسه، حتى ولو كان لهذا الأمر ما يبرره، أو أن يجرح نفسه،

(59)

أو أن يشوِّه نفسه، أو ألّا يقاوم الذين يعتدون عليه، أو أن يمتنع عن تناول الطعام أو استنشاق الهواء، أو تناول الدواء، أو أيِّ شيءٍ آخرَ لا يستطيع أن يعيش بدونه، فإن لهذا الإنسان الحق في عصيانه أو هو حرٌّ في التمرد عليه»[1].

وخلاصة القول أن المواطنة عند هوبز هي نتاجُ تعاقدٍ بين الحاكم والفرد، والأصل في العقد هو الرعاية والحماية للحقوق، فالتنازل عن الحق ليس اعتباطيًّا، أو تنازلاً عبثيّاً، بل من أجل تأسيس جملةٍ من الحقوق المدنية، فمن العبث أن أتنازل عن الحق لكي لا أتمتع بأيِّ حقٍّ، ولذا نجد القراءة التي قدمها إمام عبد الفتاح إمام أقربَ إلى الصواب، فالهدف الأول الذي بُني عليه العقد هو التنازل عن الأنانية من أجل تحقيق الأمن والأمان، وغياب هذا الهدف عمليًّا يسقط المشروعية عن الحاكم، ومن الغايات الرئيسة في العقد عند هوبز تحقيق العدالة والمساواة بين المواطنين: «إنّ سلامة الشعب تتطلب من الحاكم، أو من اللجنة التي في يدها السلطة، إدارة العدالة بمساواة مع جميع طبقات الناس، أعني أن يعامل الغنيَّ والقويَّ بالعدالة نفسِها التي يعامل بها الشخصَ الضعيفَ والفقيرَ والمغمورَ، وبحيث لا يأمل أحدٌ مهما علت درجته في الإفلات من العقوبة إذا ما ارتكب إثماً»[2].

(60)

جون لوك

يقترن اسم جون لوك في تاريخ الفكر السياسي بفلاسفة العقد الاجتماعي، الذين حاولوا تفسير نشوء المجتمع السياسي من خلال نظرياتهم المتباينة؛ التي كانت منهلاً، ومرجعاً نظريّاً لجميع الساسة في شتى الحقب والعصور، فمنهم من وجد مشروعية حكمه عند هوبز، ومنهم من وجدها عند غيره، ويمكننا تلخيص فلسفة لوك السياسيّة في مجموعةٍ من النقاط أولها معارضته لنظرية الحق الإلهي للملك، التي نجدها واضحة في.تابه في الحكم المدني، حيث يستهل كتابه.توجيه انتقاداتٍ لنظرية روبرت فيلمر، التي يوجز لنا لوك في النص التالي منطقها وخلفيتها: «يتلخص موقف السير روبرت فيلمر الرئيسي في أن البشر ليسوا أحراراً بالطبع، وهذا هو الركن الذي ترتكز عليه الملكية المطلقة عنده وتنتصب شامخةً بحيث تصبح سلطتها فوق كلِّ سلطةٍ، تناطح برأسها السحاب وتحلِّق فوق جميع الشؤون البشرية والدنيوية حتى يكاد الفكر أنْ لا يلحق بها وحتى لتعجز العهود والايامين التي ترتبط بالاله غير المتناهي أن تربطها ولكن إذا انهار هذا الركن انهار معه كل البنيان الذي يشيده عليه وعادت الحكومات إلى حالها الأولى..[1]».

يظهر أنّ أطروحةَ فيلمر تبريرٌ للحكم المطلق، الذي يتعارض مع روح الدولة التي وُجدت من أجل حماية الحقوق والارتقاء بالمواطنين، فالحكم المطلق عند جون لوك ليس إلّا تكبيلاً وتقييداً

(61)

لحرية الإنسان، وشكلاً من أشكال الطغيان، فهو: «ممارسة السلطة التي لا تستند إلى أيِّ حقٍّ قَطُّ والتي يستحيل أن تكون حقًّا لامرئٍ ما، واستخدام امرئٍ ما السلطة التي وقعت إليه، من أجل مصلحته الخاصة، لا من أجل خير المحكومين، حيث يجعل الحاكم إرادته قاعدةَ السلوك عوضاً عن القانون»[1].

يعتبر لوك من مؤسِّسي نظرية الحقوق الطبيعية للإنسان، الحقوق التي تمنح لكلِّ فردٍ حق السلطة وحق الانخراط في عقدٍ اجتماعيٍّ بغية تكوين دولةٍ، كما كانت فكرة الملِكية من أهم التصورات التي طرحها لوك؛ والمجتمع السياسي وُجد لحمايتها وحماية الحقوق الطبيعية للفرد والمصالح الشخصية.

نشأت الدولة في رأي لوك.تيجة عقد موافقةٍ أو إيجابٍ، وعبر هذا العقد انتقل الأفراد من حياتهم الطبيعية إلى مجتمعٍ منظَّمٍ، وفي هذه الحالة تكون بنية العقد مركبةً من عنصرين، سلطةٍ حاكمةٍ، وجماعةٍ محكومةٍ، والنتيجة المترتبة عن هذا المركَّب هو الالتزامات المتبادلة بين كلِّ منهما، فالأفراد يلتزمون بالخضوع للسلطة السياسيّة والولاء لها، بينما تلتزم السلطة.تنظيم حياة الجماعة، وإقامة العدل، وعدم المساس بحقوق الأفراد التي لن يتنازلوا عنها، والنص التالي يكشف عن: «..وهكذا، فحيث يؤلف عددٌ من الناس جماعةً واحدةً ويتخلى كلُّ منهم عن سلطة تنفيذ السنة الطبيعية التي تخصه، ويتنازل عنها للمجتمع، ينشأ عندنا حينذاك فقط مجتمعٌ سياسيٌّ أو مدنيٌّ وهو ما يحدث كلما تألّب عددٌ من البشر ما برحوا على الطور الطبيعي

(62)

في مجتمعٍ واحدٍ وألّفوا شعباً واحداً ودولةً واحدةً تخضع لسلطةٍ حكوميةٍ عليا واحدةٍ أو عندما ينضم فردٌ ما أو يلتحق بحكومةٍ قائمةٍ فعلاً لأنه بذلك يخوّل المجتمع أو السلطة التشريعية فيها»[1].

 فالعلاقة بين الحاكم والمحكوم هي علاقةٌ بين حاكم ومواطن، فالسلطة ملزمةٌ بمراعاة القيود الواردة في العقد، والإخلال بها هو عودةٌ للحق المطلق، والاعتداء على حقوق الأفراد، يُخِلُّ بشرط الرضا كأساسٍ لمشروعية الحكم، فالأفراد أو المواطنين يملكون حق مقاومتها وفسخ العقد معها، لأن ولاءهم للسلطة ليس وليد إكراهٍ، وإنما ترتّب على الرضا الذي عبّروا عنه بإرادتهم الحرة.

ففي الفقرة الثالثة من الرسالة الثانية يعرِّف السلطة السياسيّة فيقول: «أنا أعني بالسلطة السياسيّة حق سنّ القوانين، وتطبيق عقوبة الإعدام، وما دونها من العقوبات لتنظيم الملكية والمحافظة عليها، واستخدام قوة المجتمع في تنفيذ هذه القوانين، وفي الدفاع عن الدولة ضد العدوان الخارجي، وكل ذلك ليس إلا من أجل الخير العام»[2].

فالسلطة العليا هي السلطة التشريعية: «..التي تضع القوانين التي يجب على السلطة التنفيذية تنفيذها وفرضها بالقوة، وإذا انتهكت السلطة التنفيذية الأمانة، فلن يكون هناك التزامٌ نحوها ويمكن عزلها»[3]، والقانون يحمي الملكيات وصلاحية السلطة التنفيذية

(63)

تتحدد بحماية ورعاية المصلحة العامة ولا تجتمع السلطة التشريعية والتنفيذية في الأيدي نفسِها، وكل سلطةٍ يجب أن تكون عادلةً، كما أن المحكوم يملك حق الثورة، فأهم ملمحِ لمبدأ المواطنة والذي هو المساهمة بإيجابية وفعالية في المسار السياسي وخضوع الحكام للقانون، فهم كما يقول لوك: «مثلهم مثل باقي الشعب، وليسوا فوق القانون، والدولة ينبغي أن تكون دولة قوانين، لا دولة شخصيات»[1].

إن أثر لوك في الفكر السياسي الحديث يبدو جليًّا للعيان، إذ اعتبرته أمريكا فيلسوفها، ومرجعها السياسي، فمن كتاباته كما يقول جون ميللر (John Miller) استمد الأمريكيون الحجج التي هاجموا بها الملك، والبرلمان في حكمهما المتعسف، ولو كان هناك رجلٌ واحدٌ قد يُقال أنه ساد الفلسفة السياسيّة في عهد الثورة الامريكية، فذلك هو جون لوك، ولمْ يكن الفكر السياسي الأمريكي إلّا تأويلاً لما كتبه لوك»[2].

 جان جاك روسو.

جان جاك روسو (1712/1778) من أكثر فلاسفة القرن الثامن عشر تقريراً لفرضية العقد الاجتماعي وهي الفرضية التي تقرر كيفية الانتقال من (حالة الطبيعة) إلى (حالة المدنية) مع ممارسة الإنسان

(64)

لحقوقه الطبيعية، وملخص هذه الفرضية كما يقول الجابري: (أن الإنسان بطبعه لا يستطيع أن يعيش بمفرده، ولما كانت إرادتهم.ختلف وتتضارب، فاجتماعهم لا يستقيم، إلا إذا كان مبنيًّا على تعاقدٍ في ما بينهم، يتنازل بموجبه كلُّ واحدٍ منهم عن حقوقه كافة للجماعة التي ينتمي إليها، والتي تجسّدها الدولة كشخص اعتباريٍّ ينوب عن الناس في تنظيم ممارستهم لحقوقهم، وبذلك تتحول تلك الحقوق الطبيعية إلى حقوق مدنية، وتبقى الحرية والمساواة هي جوهر هذه الحقوق)[1]، وهذه الشراكة المؤسسة على فكرة العقد توجد كما يقول روسو: (هيئةً معنويةً متضامنةً، مؤلفةً من الأعضاء مناسبةً لعدد أصوات المجلس، وهذه الهيئة تستمد من العقد نفسه وحدتها، وشخصيتها المشتركة، وحياتها وإرادتها[2]). والمجتمع هو مصدر الحرية، وخارج المجتمع لا يوجد شيءٌ أخلاقيٌّ، فالفرد هو المواطن، فالمواطنة مسألة طبيعية، وهناك فرقٌ بين الوطنية (patriotism) والمواطنة (citizenship)، فالوطنية ليست هي الولاء لوطنٍ معينٍ ورقعةِ أرضٍ، أو حتى مجرد الولاء لجماعة بذاتها ينتمي إليها الفرد، وإنما هي الولاء لجماعةٍ ذاتٍ مثلٍ عليا محددةٍ تحتل فيها حرية الفرد ورفاهيته.لمركز الأول؛ ويبدو أن ملامح مواطنة دولة المدينة.حضر في مفهوم المواطنة عند روسو، فهي الولاء للجماعة السياسيّة التي تسهر على الحفاظ على مجموع الحقوق والواجبات

(65)

الطبيعية التي لا يقوم المجتمع السياسي المنظم إلا بها؛ كما أنها المساواة بين مواطنين يكون انتماؤهم إلى جماعةٍ بشريةٍ واحدةٍ، تؤلف كياناً سياسيًّا خاصًّا بها، تربط بين أعضائها مشاعرُ ومفاهيمُ مشتركةٌ، مساواةٌ في مجموعةٍ من الحقوق والواجبات، يحدوها الوعي بهذا الانتماء ويحددها في إطارٍ من وحدة الهدف والمصير، ويعتمد روسو على قاعدتين: القاعدة الأولى: المشاركة الإيجابية من جانب الفرد في عملية الحكم، يقول روسو: «أنه بمجرد أن ينصرف أو يبتعد الناس عن الاهتمام الإيجابي بشؤون الدولة، أو إذا حيل بينهم وبين هذه المشاركة الايجابية، يكون الوقت قد حان لاعتبار الدولة في حكم المفقودة»؛ والقاعدة الثانية: اعتبار جميع المواطنين أمام القانون شخصاً واحداً، ولا يمكن التفرقة بينهم مطلقا، فينبغي المساواة الكاملة بين أبناء المجتمع الواحد كلهم، كما يدعو أيضا إلى المساواة الاقتصادية التي رفضها كلٌّ من جون لوك، وفولتير، بحجة التفاوت الطبيعي في قدرات الناس، إضافةً إلى المساواة السياسيّة والقانونية، فانعدام المساواة كما يقول روسو يدمّر الخير الطبيعي في الإنسان، ويجلب الشقاء على الكثيرين، ويجعل المجتمع في حالة تنافر متزايدة، ويفقده وحدته، بل ومبرر وجوده)، ومن: «يجب ألّا يكون في المجتمع أيُّ مواطنٍ من الثراء بحيث يستطيع أن يشتري غيره ولا يكون أيُّ مواطن من الفقر بحيث يضطر إلى بيع نفسه».[1]

(66)

الليبرالية والمواطنة:

الليبرالية مصطلح مشتقٌّ من الكلمة اللاتينية (liber) التي تعني «حرّ»، وتمتد جذورها الأولى في الثورة الإنجليزية الثانية لعام 1688 التي أرست أسس النزعة الدستوريةَ والتسامحَ الدينيَّ، والتوسُّعَ في النشاط التجاري، والنظريةُ الفرديةُ هي القاعدة النظرية التي قامت عليها الليبرالية.

وجوهر هذه الفلسفة يقوم على أنّ كلَّ فردٍ يتمتع بمجموعةٍ من الحريات الطبيعية أو الحقوق الطبيعية التي تجد في الطبيعة الإنسانية مرجعيتها، ومهمة السلطة السياسيّة هو حماية هذه الحقوق وليس لها الحق في أن تتدخل في نشاطات الأفراد إلا بقدرٍ محدودٍ، وإلا اُعتُبرت متجاوِزةً للحدود أو القيود التي التزمت بها خلال عملية التأسيس؛ وقد ارتبطت الفلسفة الفردية اقتصاديًّا بالنظام الرأسمالي وكانت تعبيراً عن تطلعات الطبقة الرأسمالية التي كانت في مرحلة النمو آنذاك في التخلص من الحكم الملكي المطلق، وضمان حرية النشاط الاقتصادي أو ما يُعرف بمبدأ حرية التعامل «اتركه يعمل، اتركه يمرّ».

والمواطنة في الفلسفة الليبرالية هي النموذج الرئيس الذي قامت عليها فلسفة المواطنة في الوقت الراهن، وهي رابطةٌ سياسيّةٌ بين الفرد والدولة، تتحدد من خلالها العلاقة بين الحقوق والواجبات؛ كما نجد أن المرونة هي الصفة التي ميّزت هذا المفهوم في الفلسفة الليبرالية، فتارة يحمل دلالةً سياسيّةً، وتارةً مدنيةً حقوقيةً؛ فالفرد

(67)

يمتلك مؤهلاتٍ وإمكاناتٍ فطريةً ينبغي احترامها وتوفير الامكانيات لتحقيقه.

وينبغي وضع حقوق الأفراد وحرياتهم الخاصة فوق اعتبارات المنفعة الاجتماعية أو الضرورات السياسيّة، وقد صنّف ج. ستوارت مل (John Stuart Mill) (1807/1873) الحريات الضرورية للفرد إلى ثلاث: حرية الضمير تتعلق بحرية العقيدة والفكر والعاطفة والتعبير قولاً ونشراً، وحرية الاختيار وتشمل حرية العمل، حتى ولو اعتقد الآخرون بسخافة هذا العمل أو بعده عن الصواب، وحرية تكييف الأفراد حياتهم بما يلائم شخصياتهم، أما الصنف الثالث فيتعلق بحرية الانتماء، وتشمل حرية الانضمام إلى الأحزاب والجماعات، فرفعُ القيود القانونية على حرية الفكر والتعبير ضروريةٌ.رفع حجب الجهل واكتشاف الحقائق»[1].

واحترام هذه الحريات هو المعيار الذي يعتمده جون ستوارت مل في تقييم السلطة السياسيّة والرأي العام، فالقاعدة العامة التي تُبنى عليها المواطنة في المجتمع الليبرالي هي: «أن يترك للأفراد أكبرُ قدرٍ ممكنٍ من حرية التصرف في كل الحالات التي لا يستطيعون فيها إيذاء أحدٍ غيرِ أنفسهم، وذلك لأنهم خير من يقدِّر مصالحهم الذاتية، ولا يصبح فرض القيود ضروريًّا إلا لمنعهم من إيذاء بعضهم البعض، لأن ممارسة الحزم والشدة إزاء الفرد في هذه الحالة تكون

(68)

أمناً للجميع»[1]. فالمواطنة فضاءٌ يساهم في تنمية القدرات الفردية، مع الشعور بالمسؤولية الفردية والجماعية.

في الماركسية :

رفضت المدرسة الماركسية المنحى الذي تنتهجه الليبرالية في المواطنة، والتي تربطها بدفع الضرائب؛ فالمواطنة في التصور الماركسي مرتبطة بالحقوق العامة للمواطنين، وعلى كل المستويات، والتنظير الماركسي كان يهدف إلى بناء مواطنٍ اشتراكيٍّ ديمقراطيٍّ، فالمواطن عنده هو الموضوع المجرد غير الواقعي في تاريخ غير طبيعي.

كما أن التقاطع بين المواطن والحرية في الحقوق السياسيّة والمدنية.ان يعيد النقاش حول المساواة الطبيعية عند البعض والثقافية عند البعض الآخر. وبقدر ما نال المواطن حقه الكامل في التصرف بشخصه وملكيته ابتعد عن تلك الصورة التي رسمها رواد الاشتراكية؛ فالخطاب السياسي القانوني للدولة الحديثة يتخذ من الفرد المجرد نقطةَ انطلاقٍ وبذلك يحاول اخفاء انقسام المجتمع إلى طبقاتٍ وهذا التجريد هو تعبيرٌ عن فصل المنتجين عن وسائل الإنتاج، فانفصال الدولة الحديثة عن المجتمع المدني حسب الرؤية الماركسية هو تعبيرٌ عن نشوء مواطنةٍ بعيدةٍ عن الفضاء الاجتماعي.

كما دعا كارل ماركس إلى إنشاء مجتمعٍ شيوعيٍّ بطريقةٍ قانونيةٍ تخوّل له حق سنّ الشرائع والقوانين بواسطة الشعب والإدارة

(69)

الاختيارية للعدالة، وإلى جانب هذا يرى بأن تاريخ المجتمع البشري بأسره حتى يومنا هذا ما هو إلا تاريخ الصراع بين الطبقات، وكانت الطبقة العاملة هي الضحية الأولى للتفاوت، وبالتالي يجب الارتفاع بالبروليتاريا إلى وضع الطبقة الحاكمة لتحقيق الديمقراطية، والمواطنة في نظره لا تتحقق إلا بتحطيم نظام المجتمع البورجوازي، وخلق مجتمع اشتراكي قائمٍ على العدالة والمساواة والتمتع بالحقوق وأداء الواجبات في ظل المواطنة الاشتراكية.

أما عند فريدريك إنجلز، المواطنة توازنٌ بين الحقوق والواجبات، فالمواطن له حقوقٌ اجتماعيةٌ ومدنيةٌ، وسياسيّةٌ، وعليه واجباتٌ اتجاه وطنه منها واجب الدفاع الوطني، والمشاركة في المصاريف العامة، واحترام القانون، وهذا الالتزام المتبادل بين الحق والواجب، يخلق للمواطنة مركزاً قانونياً متميزاً يتمتع بالحصانة الدستورية والاحترام، والنفاذ في الحياة العامة دون معوقات إدارية، وهذا يستلزم بالضرورة صياغة السبل والوسائل الكفيلة التي تضمن للمواطن امكانية ممارسة حقوقه بشكلٍ فعالٍ ومستمرٍّ، حيث دعا إلى النظام ضد الانتهازية، كما نظر إلى المساواة والإخاء في التوزيع الاقتصادي، وصرّح أن الحرية الاشتراكية للجميع وبالتالي يجب اجتثاث كلِّ تفاوتٍ في الحياة داخل المجتمع الاشتراكي.

يورغن هابرماس:

يعتبر من أهم علماء الاجتماع والسياسة في عالمنا المعاصر، كما يعد من أهم منظري مدرسة فرانكفورت النقدية، ويمثل الجيل

(70)

الثاني من فلاسفة مدرسة فرانكفورت، الجيل الذي قاد النظرية النقدية نحو مرحلةٍ من الشمول والاتساع. والمواطنة عنده هي المواطنة الديمقراطية أو المواطنة الدستورية، التي هي انسجام أفراد المجتمع السياسي مع المبادئ القانونية ذات الأهداف الكونية، ويتعلق الأمر بمبادئ العدالة والديمقراطية والمساواة في المواطنة وحقوق الإنسان، وبها تتأسس دولة القانون القائمة على حسابٍ عقلانٍّي يقدم لكلّ فردٍ منا مجموعةً من الحقوق والواجبات موَّثقةً بالتزاماته واستحقاقاته نحو غيره ونحو الدولة. ويكون الدستور هو المرجع الأصلي للهوية الجامعة، كما يتطلب التوافق عليه كوثيقة تعاقدية بين مواطنين متساوين في دولة.

 والمواطنة الدستورية في حاجةٍ لثقافةٍ سياسيّةٍ ليبراليةٍ ومدنيةٍ وفضاءٍ عموميٍّ كونيٍّ تحكمه قيمٌ ديمقراطيةٌ وتشريعاتٌ عالميةٌ. والحقوق التي تميز هذا النموذج من المواطنة هي الحقوق المدنية، وتحتل المرتبة الأولى في سلم الحقوق وتتمثل في حق المواطن في الحياة بحريةٍ، طالما أنها لا تخالف القوانين، ولا تتعارض مع حرية الآخرين؛ وحق كلِّ مواطنٍ في حماية القانون له، وحقه في حرية الفكر والدين واعتناق الآراء وحرية التعبير وفق النظام والقانون.

أما الحقوق السياسيّة التي تلي الحقوق المدنية فتتمثل في حق الانتخاب والمشاركة في السلطة التشريعية والسلطات المحلية والبلديات والترشّح، وحق كل مواطن بالعضوية في الأحزاب والتنظيم في حركات وجمعيات، ومحاولة التأثير في القرار السياسي وشكل اتخاذه من خلال الحصول على المعلومات ضمن القانون،

(71)

والحق في تقلد الوظائف العامة في الدولة، والحق في التجمع السلمي.

وأخيرا، الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والمتعلقة بالحقوق الاقتصادية مثل حق المواطن في العمل، وأبرزها الحرية النقابية، كالانضمام إلى النقابات والحق في الإضراب، أما الحقوق الاجتماعية والتي منها حق كل مواطنٍ.ي الحد الأدنى من الرفاه الاجتماعي والاقتصادي، وتوفير الحماية الاجتماعية، والحق في الرعاية الصحية، والحق في الغذاء الكافي، والحق في التأمين الاجتماعي، والحق في المسكن وفي التنمية، والحق في خدمات كافية لكل مواطن، وتتمثل الحقوق الثقافية بحق كل مواطن بالتعليم والثقافة.

توماس مارشال:

أثر التصنيف الثلاثي للحقوق الذي طرحه هابرماس في مشروع العالم الاجتماع البريطاني توماس مارشال[1] (thomas Marshall) (1893- 1981)، الذي كانت بحوثه من الدراسات الرائدة التي أسهمت في إثراء مفهوم المواطنة في العصر الحديث، حيث استطاع أن يضع إطاراً نظريّاً شاملاً استوعب من خلاله تجربة الدولة القومية الحديثة ودولة الرفاهية، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، فهو أساسٌ مرجعيٌّ للمواطنة، استمد منه أغلب الباحثين الدلالات

(72)

المتعددة لمبدأ المواطنة، ونلاحظ أن التعريف الذي قدمه توماس مارشال للمواطنة يخرج عن السياق النظري والنسقي الذي وُضِع فيه المفهوم خلال مساره التاريخي الأفقي، فهي عنده مجموعةٌ من الحقوق تمارس بشكلٍّ مؤَسَّسِيٍّ، فالمؤسسات هي الإطار الذي تمارس فيه المواطنة، والدولة هي المؤسسات، فبغيابها تصبح الدولة مجردَ شبحٍ، فالأعمال الخيرية مثلا تحمل بعداً أخلاقيًّا، ولكنها قد تنحرف عن الخط الأخلاقي الذي رسمته إذا لم تنظم وتوضع في إطار مؤسساتي؛ ونعتقد أن الصعوبات التي وقفت ولازالت تقف أمام تجسيد القيم الأخلاقية الإسلامية هي غياب المؤسسات القانونية والتنظيمية الموضوعية والمستقلة في قراراتها.

وتتكون المواطنة عند توماس مارشال من ثلاثِ مؤشراتٍ: المؤشر المدني، المؤشر السياسي، المؤشر الاجتماعي.

المؤشر المدني يتضمن الحريات الفردية وحرية التعبير والاعتقاد والإيمان وحق الامتلاك وتحرير القيود والحق في العدالة في مواجهة الآخرين الذين يظلمونه في إطار المساواة الكاملة، والمؤسسات التي تسهر على حماية هذه الحقوق هي المؤسسات القضائية، فالقضاء هو المؤسسة التي تسهر على تجسيد هذه الحقوق على أرض الواقع كما أن هذه المؤسسة إذا لم تكن مستقلةً بسلطتها ولم تكن إلَّا تابعاً فإنها لا تقدر على تجسيد العدالة التي لا تُفهم إلَّا في ظل تفتُّقِ هذه الحريات.

 المؤشر السياسي: يعني الحق في المشاركة.ن خلال القوى

(73)

السياسيّة الموجودة في المجتمع باعتبار المواطن عضواً فاعلاً.ي السلطة السياسيّة أو كناخبٍ لهذه القوى السياسيّة، ونلاحظ أن أغلب القراءات المقدمة لمبدأ المواطنة تركِّز على هذا المؤشر أكثرَ من غيره بحكم أن المواطنة هي المشاركة في الحكم عبر الانتخاب، ولكن نعتقد أنّ هذا المظهر من المواطنة ليس من المعطيات الجاهزة عند أفراد الشعب بل هو مسألةٌ تحتاج إلى تربيةٍ وتهذيبٍ، ولذا نلاحظ أن الفلاسفة ورجال السياسة يضعون للتربية المواطنية حيزاً واسعاً في مشاريعهم السياسيّة، وهو ما اصطلح عليه توماس مارشال بالمؤشِّر الاجتماعي.

المؤشر الاجتماعي: هو الذي يتعلق بحق المواطن في التمتع بالرفاهية الاقتصادية والأمان الاجتماعي، والتمتع بحياة جديرة بإنسان متحضر وفقا للمعايير التي تم التوافق عليها، والمؤسسات المتكفلة برعاية هذا المؤشر هي المؤسسات التعليمية، والنظام الصحي، والخدمات الاجتماعية.

(74)

 

 

 

 

 

 

الفصل الثالث

أسس المواطنة

 

(75)

الفصل الثالث:

أسس المواطنة

1 - الديمقراطية:

الديمقراطية كنظامٍ وتوجُّهٍ سياسي فضاءٌ مناسبٌ لمبدأ المواطنة، حيث إنّ العلاقة بينهما تتداخل في شكلٍ تلاحميٍّ لا تنفصم عراه، فالديمقراطية نحتٌ اصطلاحيٌّ يجمع بين الشعب والسلطة، فهي حكم الشعب نفسه بنفسه، وتؤسس عمليًّا لمبدأ المواطنة، فالمشاركة التي تقوم عليها المواطنة لا تتحقق إلا في النظام الديمقراطي، في مقابل الأنظمة الاستبدادية التي تحصر السلطات الثلاث في شخص الملك.

والقاعدة الأساس تقتضي التجانس بين المبدأ والسياق، فالمواطنة أيضا: «..تحتاج لكي تتحقق وتستمر إلى مناخٍ ثقافيٍّ واجتماعيٍّ وسياسيٍّ ديمقراطيٍّ تعدديٍّ يحترم القانون وحقوق الإنسان ويوفر ضرورات العيش الكريم، وإلا بقيت نزعةً عاطفيةً عابرةً تظهر أحيانا لكن سرعان ما تختفي[1]».

المواطنة مبدأٌ سياسيٌّ مدنيٌّ لا يحتاج إلى فضاء جغرافيٍّ وماديٍّ

(76)

فحسب، بل هي بحاجة إلى نسقٍ من القيم الأخلاقية والتربوية، فموقع الفرد في المخيال الاجتماعي يلازم التعاطي السياسي عند الفرد أو الجماعة التي تمثل الشعب في ممارسة السلطة، ولهذا نجد أن التربية المواطنية ضرورةٌ مدنيةٌ لتفعيل مبدأ المواطنة في المجتمع الديمقراطي، فأغلب الأنظمة الديمقراطية في روحها استبدادية وإمبريالية، فالديمقراطيات الشعبية على سبيل المثال خلال الحرب الباردة لم تكن إلا نُظُماً سلطويةً مستبدةً مغلفةً بطلاءٍ ديمقراطيٍّ، فالديمقراطية هي أنطولوجيًّا، مجردُ اصطلاحٍ.

وعلى قاعدة اعتماد النظام الديمقراطي مبدأ الحرية والمساواة، في مقابل الأنظمة الاستبدادية التي تعتمد حزّ الرؤوس كأداةٍ ضروريةٍ في إثبات السلطة، فإن امكانية الانفلات في الأنظمة الديمقراطية يبقى ممكناً، ولهذا فهي بحاجةٍ إلى ضوابطَ أخلاقيةٍ تكون أصيلةً في الطبيعة البشرية للمواطن، وهذا ما نجده عند مونتسكيو[1]* إذ يؤكد على حضور الفضيلة في المجتمع الديمقراطي، يقول: «لا احتياج إلى كبيرِ صلاحٍ في الحكومة الملِكية أو الحكومة المستبدة حتى يستقيم أمرها أو تبقى، فقوة القوانين في الأولى وذراع الأمير المرفوعة.. تنظمان أو تمسكان كل شيء، ولكن، لا بد للحكومة الشعبية من نابضٍ زيادةً، لا بد لها من الفضيلة»[2].

من هنا فإن الالتزام والتحلي بالقيم الأخلاقية ضرورةٌ مدنيةٌ،

(77)

ويقارب مونتسكيو على حضور القيم في الممارسة الديمقراطية بشكل لطيفٍ في تتمة النص، حيث إن التعالي الموجود في اعتقاد الحاكم أو الملك على القانون يظهر أيضا في الممارسة الديمقراطية، ولكن بشكلٍ مختلف، يقول: «..في الحكومة الشعبية.. يشعر من يأمر بتنفيذ القوانين بأنه خاضعٌ لها بنفسه وبأنه يحمل عبئها»[1] فالعلاقة بين السلطة والحاكم محكومةٌ بمعيارٍ أخلاقيٍّ، يشعر فيها الحاكم بمسؤوليته الأخلاقية والقانونية أمام المواطنين.

والمفهوم السياسي الرئيس في النظام الديمقراطي هو التأصيل الفردي للشرعية، فشرعية السلطة ليست عامةً وضبابيةً مثل ما هو موجود في الأنظمة المستبدة، فشرعية السلطة مستمَدةٌ من المواطن لا من السلطة ذاتها، وهو ما يظهر في المادة الثالثة من إعلان حقوق الإنسان التي تقر بأن الامة هي مصدر كلِّ سلطةٍ، فلا شرعية لحاكم سواءً أكان فراداً أم حزباً لا يستمد سلطته وشرعيته من الأمة، أيْ دون إجماع الارادة العامة عليه وعلى قراراته.

كما يتضمن التأسيس الحداثي للشرعي إشارةً إلى تحييد وفصل سلطة الإكليروس عن الممارسة السياسية، بسبب الجور الممارس من طرف السلطات الدينية بشكلها العام. فالتعاطي المذهبي مع الأفراد والمواطنين يستلزم التفرقة، وتحييداً لمبدأ المساواة، لأن التعامل سيكون إثنيًّا، فالأفراد ليسوا ذواتاً حقوقيةً مستقلةً، لأن الإنسانية في المفهوم الحداثي ليست معطىً أنطولوجيًّا، بل لازمةً مدنيةً، فالحقوق التي يملكها الفرد ناتجةٌ عن انتماءاته المدنية

(78)

للمجتمع وليس لوجوده كإنسان، فالمجتمع المدني هو الذي يؤسس للحقوق، لا العكس، ويعني ذلك أن الحقوق ناتجةٌ عن تعاقدٍ بين الأفراد داخل جماعةٍ.

2 - الولاء:

يطرح الولاء في المواطنة إشكالاً على مستوى الدلالة، إذ يوحي المعنى الأوَّليِّ للولاء الخضوع والاستسلام للسلطة، وهو المعنى الذي تحاربه فلسفة المواطنة، فالولاء وضعيةٌ سياسيةٌ كانت حاضرةً في الأنظمة التسلطية، ولكن المعنى المدني الذي يحمله اللفظ ضرورة سياسيةٌ وقانونيةٌ، إذ لا يمكن قيامُ دولةٍ مؤسساتٍ، إلا بوجود رابطةٍ بين المواطن، ومؤسسات الدولة، فالولاء للسلطة أو للدولة واجبٌ يقابل الحقوق السياسيّة التي يتمتع بها المواطن، ويتلخّص واجب الولاء في: «العمل دائما على المحافظة على أمن الدولة الخارجي والداخلي، وعدم التفريط في واجب الإخلاص نحو الوطن...»[1].

والولاء اجتماعيًّا هو الحفاظ على الرباط، والعلاقة بين الفرد والمؤسسة، التي قد تكون دينيةً، وهو الولاء الديني الذي يُنظر إليه سياسيًّا على أنه عائقٌ أمام المواطنة، ويبحثون عن ولاءٍ مجرَّدٍ عن كلِّ انتماءٍ إثنيٍّ، وثقافيٍّ، وقد يكون الولاء تمثلاً لمبادئَ لمنظمةٍ أو حزبٍ سياسيٍّ معيَّنٍ، لا يهتم فيه الفرد بالنتائج المادية بالقدر الذي يكون فيه التمثل والاعتقاد بصوابية الاختيار.

(79)

أمّا في التصور الإسلامي فالمفهوم القريب من مصطلح الولاء هو البيعة التي يعرّفها ابن خلدون بقوله: «العهد على الطاعة، كأن يعاهد المبايع أميره على أن يسلم له في أمر نفسه، وأمور المسلمين لا ينازعه في شيء من ذلك، ويطيعه في ما يكلّفه به من الأمر على المنشط والمكره»[1].

فهو، إذاً، وضعيةٌ قانونيةٌ وتعبيرٌ أوّليٌّ عن التعاقد الموجود بين الفرد المواطن والسلطة، أو هو شكلٌ من أشكال التسليم والتنازل للسلطة عن بعض الامتيازات الطبيعية التي تكوِّن بعضاً من الهوية الإنسانية بالأصالة والتي قد تشكِّل عائقاً أمام التعايش مع الغير عرضاً مثل: حب الذات، التعصب للإثنية، والجماعة الدينية..ـ وقبول العيش المشترك ضمن الجماعة السياسيّة المؤلَّفة من اتحادٍ حرٍّ لأفرادٍ مستقلين عن كل أشكال التبعية، وتتحدد هوية.لمواطنين فقط بالرباط السياسي الذي يجمعهم أي التساوي بالحقوق أمام القانون، ولا يؤخذ بالاعتبار الارتباط الديني أو العرقي أو الثقافي أو الجذري، وإن كانوا يعرِّفون أنفسهم على مستوى الهوية اعتبارا من أحد هذه المعايير، فهي تقوم على عقدٍ وطنيٍّ، لا شخصيٍّ (impersonnel) تتوافق عليه جماعةٌ أو شعبٌ أو أمةٌ ما، يأخذ شكلاً إقليميّاً، أو قوميّاً، أو قارّيَّاً أُمميًّا فيمكننا الكلام عن مواطنٍ جزائريٍّ، سوريٍّ، عراقيٍّ في الشكل الإقليمي، ومواطنٍ عربيٍّ في الشكل القومي، ومواطنٍ أميركيٍّ ومواطن أوروبي في الشكل القاريّ، بل ومواطنٍ أمميِّ كوزموبوليتيٍّ.

(80)

والعقد اللاشخصي هو العقد الاجتماعي الذي يقوم على أساسه اجتماع الجماعة الإنسانية، وهو عقدٌ توافقيٌّ (conventionnel)، إراديٌّ، عقليٌّ يقوم كما عرّفته فلسفة الأنوار على مبدأ «الحق الطبيعي» في مقابل مبدأ «الحق الإلهي» الذي تقوم عليه الملكية المطلقة، أو البابوية القيصرية، أو القيصرية البابوية، والحق الإلهي أو السلطة المتعالية التي دافع عنها روبرت فيلمر في كتابه «الحكم الأبوي» (Patriarchie)، الذي أشار إليه الفيلسوف جون لوك في كتابه في «الحكم المدني»، والتي حاول فيها إثبات السلطة الأبوية انطلاقا من مصادرات ثيولوجية اعتمد فيها قصة آدم عليه السلام، وموقعه الأنتروبولوجي، فهو صاحب حق وسلطة على أبنائه بحكم أنه هو الذي أنجبهم «..يكتسب الآباء بحكم إنجابهم لأولادهم حقًّا عليهم..»[1].

أما جان جاك روسو، فالولاء يشكل أساسَ هذا التعاقد الاجتماعي وجوهره، إذ يقول: «لكي لا يكون العقد مجموعةَ مبادئَ عقيمةٍ، فقد حوى إلزاماً ضمنيًّا، يكسب الالتزامات الأخرى، وهو: إن من يرفض أن يطيع الإرادة العامة، ترغمه هيئة السيادة كلها على الطاعة، والذي يعني أنه يرغم على أن يكون حرًّا، فهو الشرط الذي بمقتضاه يوهب كل مواطنٍ للوطن، فيضمن له الإفلات من كل تبعيةٍ شخصيةٍ..[2]».

الولاء للسلطة يمثل جوهر القيم الأخلاقية التي تتأسّس عليها

(81)

المواطنة، فمنه تستمد الدولة قوتها وسيادتها، لا من الانتماءات الإثنية أو الطائفية، فالتعدد داخل المجتمع المدني يورث الصراع والصدام، والواقع العالمي يؤكّد يوماً بعد يومٍ أنّ مصير تعدد الولاءات هو الاندثار، فالطبيعة الاجتماعية للإنسان تنبع من دافعٍ عقلانيٍّ يدفعه إلى اختيار الحياة الاجتماعية التي تعود عليه بالمنفعة، ففي الحياة الاجتماعية منافعُ له، وحاجاته المادية والمعنوية لا تُؤمَّن إطلاقاً بمعزلٍ عن المجتمع، فالولاء ركنٌ من أركان الانتماء للدولة الذي هو وسيلةٌ لإشباع حاجةٍ أساسيةٍ منشؤها فطرة الإنسان، فلا يمكن أن يعيش الإنسان دون أن ينتمي إلى شيءٍ. ولذلك نجد الإنسان الذي لا يشعر، إذ يحاول أن ينضوي تحت لواءٍ ما مثل الأحزاب والتيارات وغيرها.

كما أن من مستلزمات الحياة الاجتماعية حصول التزاحم والتنازع والتعارض في ما بين مصالح الأفراد داخل المجتمع، فالبعض يرغب في المزيد، والبعض يستفيد أكثر من الإمكانيات والثروات الطبيعية والاجتماعية، فتقع النزاعات التي لا يمكن حلها إلا بتعيين حدودٍ وضوابطَ تُلزِم الجميع، ومن مجموع هذه المقدّمات نتوصّل إلى أن الولاء للسلطة ضروريٌّ، إذ يجب على الأفراد في أيِّ مجتمعٍ مدنيٍّ أو سياسيٍّ مراعاة حدودٍ معينةٍ في سلوكهم وأعمالهم لكي يتمكّن الجميع من الانتفاع ماديًّا ومعنويًّا من الحياة بالشكل المطلوب.

فالولاء في المواطنة قيمةٌ طبيعيةٌ وقانونيةٌ لازمةٌ للاجتماع البشري، وهي فضيلةٌ أخلاقيةٌ قبل أن تكون سياسيّةً؛ وألان تورين

(82)

(Alain Touraine) [1]*يعتبر أنّ الولاء ليس غياباً أو تغييباً للهوية أو الذات، بل هو إقرارٌ بالهوية الثقافية للذاتية أو المواطن، وإقرارٌ بموضوعيةٍ للسلطة التي يدين لها بالولاء، فالديمقراطية الحقيقية هي: «أن أعترف بالخصوصية التي هي من خصوصيتي أنا وخصوصية ثقافتي، ولغتي، وميولي ومحظوراتي، في الوقت نفسه الذي أنتسب فيه إلى سلوكياتٍ عقلانيةٍ آليةٍ، وإني اعترف بالازدواجية نفسها، والاندماج نفسه الموجود لدى الآخرين»[2]، فالولاء، إذاً، هو إقرارٌ للسلطة بالحق في السلطة مادامت العلاقة بينها وبين المواطن محكومةً بالمواطنة.

3 - المشاركة السياسيّة :

تعني المشاركة السياسية القيام بعملٍ من جانب المواطن مع غيره من المواطنين، بهدف التأثير على اختيار السياسات العامة وإدارة الشؤون العامة، أو اختيار القادة السياسيين على أيِّ مستوىً حكوميٍّ أو محليٍّ أو قوميٍّ، وهي أيضاً عمليةٌ تشمل جميع صور الاشتراك، أو إسهامات المواطنين في توجيه عمل أجهزة الحكومة أو أجهزة الحكم المحلي، أو مباشرة القيام بالمهام التي يتطلبها المجتمع سواءً أكان طابعها استشاريّاً أم تقريريّاً أم تنفيذيّاً أم رقابيّاً، وسواءً أكانت المساهمة مباشرةً أم غيرَ مباشرةٍ.

(83)

وقد تعني لدى البعض الجهود التطوعية المنظمة التي تتصل بعمليات اختيار القيادات السياسيّة، وصنع السياسات، ووضع الخطط، وتنفيذ البرامج والمشروعات، سواءً على المستوى الخدمي أو على المستوى الإنتاجي، وكذلك على المستوى المحلي، أو المستوى القومي، كما تعني المشاركة إسهام المواطنين بدرجةٍ أو بأخرى في إعداد وتنفيذ سياسات التنمية المحلية بجهودهم الفردية أو الجماعية.

المشاركة السياسية في المواطنة كانت محل جدلٍ وخلافٍ بين فقهاء القانون، وذلك في الكيفية، والآليات التي تكفل مشاركةً ناجحةً وناجعةً، وقد كان السؤال المركزي يتمحور في الأنطولوجيا القانونية للمواطن، هل هي ذاتيةُ مستقلةٌ، أم بإمكان امتداد هذه الأنطولوجيا إلى جماعة الانتماء؟ والإشكال المترتب هو ذوبان الفرد المواطن في الجماعة، أو بصيغةٍ أخرَى اكتساح الجماعة الخصوصية المستقلة للفرد كذاتٍ قانونيةٍ.

كما تكشف القضية عن الخلفيات العنصرية للغرب، فالنظريات التي تعاطت مع السؤال انقسمت إلى اتجاهين: اتجاهٍ فرنسيٍّ يقر بالاستقلالية، والمساواة القانونية بين المواطنين، يكون فيها: «..الرباط السياسي هو الذي يجمعهم، أيْ التساوي بالحقوق أمام القانون ولا يؤخذ بعين الاعتبار علاقتهم أو ارتباطهم الديني أو العرقي أو الثقافي أو الجذري... وهذا النموذج هو المثال الأعلى لدى روسو حيث المواطن مساوٍ تماماً للآخرين جميعهم،

(84)

ويساهم على قدم المساواة في تشكيل الإرادة العامة»[1].

فالاعتراف بالاستقلالية والمساواة القانونية للأفراد سوف تحطم النفوذ والجاه الذي بني على أشلاء الهنود والسود، ما استدعى من النخبة الأمريكية تقديم أطروحات تبريرية لتقييد المواطنة المستقلة بالجماعة حتى يتسنى لها التضييق على الإثنيات المصنفة في التراتبية العنصر وفقا لتراتبية عنصرية.

تشدِّد الرؤية الفرنسية على وحدة الجسم الاجتماعي المؤلّف من اتحادٍ حرٍّ لأفرادٍ مستقلين عن كل أشكال التبعية، المشاركة السياسيّة لا تقوم على رابطة الانتماء الديني أو الإثني، وإن كان جميع المواطنين، يعرّفون أنفسهم على أساس الهوية الإثنية، فالمواطن مساوٍ للآخرين.

ويساهم معهم على قدم المساواة.ي تشكيل الإرادة العامة، فالتعددية الإثنية عائقٌ ورافدٌ للفرقة والتصادم بين أبناء الوطن الواحد، والنظرة اليعقوبية تعبر أصدقَ تعبيرٍ عن فحوى هذه النظرية، و تعود في الأصل إلى.يارٍ سياسيٍّ بقيادة ماكسيميليان روبسبيير[2]*.

وكانت اليعقوبية تدافع ضد الليبراليين والجمهوريين المعتدلين عن محاربة اللغات الجهوية، وفرض اللغة المركزية بموازاة فرض الجمهورية والدولة الشديدة المركزية، ولذلك ارتبط اسمها بالديكتاتورية والإرهاب ورفض التعددية الثقافية والإثنية.

(85)

والملاحظ أن هذه النظرية تنطلق من قصدية في الاستيعاب الثقافي وإرادةٍ لا تحترم العادات واللغات المحلية، فعلمانية الدولة ضرورةٌ لازمةٌ لقيام المواطنة الحقيقية، فالرؤية الفرنسية اليعقوبية تلغي كلَّ امتيازٍ اثنيٍّ أو طائفيٍّ للمواطن في مسألة الشأن العام، وهذه النظرة مع طبيعة ومكونات المجتمع الفرنسي الذي ينحدر من أصولٍ واحدةٍ تقريبا.

أما المجتمع الأمريكي بمكوناته المتباينة فإنه يضع النظرية الفرنسية أمام امتحانٍ صعبٍ، فظاهرة الرق التي كانت تملك المشروعية في الثقافة والقانون الأمريكيين، قضيةٌ مرفوضةٌ في المنظور الفرنسي، والهنود الحمر أيضاً شريحةٌ مميزةٌ بهويتها الثقافية؛ فالنظرية الفرنسية تتعامل مع المواطن دون أيِّ عمقٍ اجتماعيٍّ أو إنسانيٍّ، وهذا ما انتقده الكثير من المفكرين الأمريكان والكنديين.

ويؤكد شارل تايلور أن الفرد لا يمكنه أن يحقق ذاته دون أن يتموضع بالنسبة لهذا الأفق الثقافي والتاريخي والعائلي الخاص به.. إذ إنّ المواطنة اليعقوبية تحمل بعداً فرديّاً محضاً، أما المواطنة الأمريكية فتوزع الحقوق العامة بين المواطنين على أساس انتماءاتهم، وهوياتهم الثقافية، فالمجتمع الليبرالي يسعى لحماية الخصوصية الثقافية لكلِّ جماعةٍ، فسياسة التمييز الإيجابي... مثل تحديد حصصٍ لصالح عدد النساء في الحياة العامة، كأن يكون هناك عددٌ محددٌ منهن في مجلس النواب مثلا.هذا ما يدعى الفعل التأكيدي في الولايات المتحدة الأمريكية لصالح أقليات السود أو الناطقين باللغة الإسبانية.

(86)

يحمل الوعي بالمواطنة بعدين: فرديٍّ جسدته الثورة الفرنسية عموماً، والنظرية اليعقوبية خصوصاً. وكان الهدف من ورائه الخروج من آليات النظام التقليدي الذي كان يكرِّس ميثاق الرعايا بين الرعية والحكومة، فرفض الانقياد والإذعان والشعور بالسلبية السياسيّة كان من الأسباب الرئيسة في بلورة هذا النوع من الوعي.

أما الوعي بالانتماء لطائفةٍ معينةٍ فهو لا يتعارض مع مبادئ السلطة، فمن المستحب الاعتراف بالأقليات في جميع المجتمعات السياسيّة، والسماح لها بممارسة طقوسها وتقاليدها، والشرط في ذلك واضحٌ وبديهيٌّ والذي هو عدم التعرض للحريات العامة، وحقوق الآخرين.. فالاعتراف بالجماعة والتعددية الثقافية لا ينبغي أن يجعل من الأهداف الأساس لهذه الجماعة السعي لتأكيد الهوية والدفاع عن هذه الهوية.

المشاركة في صنع القرار وفي سنّ القاعدة القانونية مطلبٌ أخلاقيٌّ نادى به جميع المفكرين ورجال السياسة عبر التاريخ، فقائد الوحدة الايطالية متزيني (Giuseppe Mazzini) (1805/1872) يطابق بين المشاركة الفعالة والقانون الأخلاقي في كتابه “واجبات الإنسان” الذي ألّفه سنة 1858 والذي خاطب فيه عمال ايطاليا جاء فيه: “لا تقبلوا صيغةً أخرى أو قانوناً أخلاقيًّا آخرَ إن كنتم حريصين على كرامة وطنكم وشرف نفوسكم، لتكن جميع القوانين الثانوية، تنظيماً تدريجيًّا لحياتكم... ولكي تكون القوانين كذلك فإنه من الضروري أن تشتركوا جميعاً في وضعها..”[1].

(87)

المشاركة نشاطٌ سياسيٌّ، القصد منه المساهمة في صنع، وصياغة القرارات الحكومية، بأشكالٍ مختلفةٍ، فرديةً كانت أو جماعيةً، بشكلٍ منظمٍ أو عفويٍّ، لأن التعبير عن المشاركة لا يمكن تقنينه، أو ضبطه في صورةٍ معينةٍ وواحدةٍ، ومن أهم الصور التي تعكسها المشاركة المواطنية مراقبة السلطة التنفيذية التي تطبق هذه القرارات، فالشعب هو المصدر والمعيار في الوقت ذاته، وقد كانت تجربة أمريكا الديمقراطية أنموذجا أرّخ له المفكر دي توكفيل في كتابه المشهور: «الديمقراطية في أمريكا» وفي هذا السياق نستأنس بالنص التالي من كتابه: «الشعب هو الذي يعين أعضاء السلطتين التشريعية والتنفيذية في أمريكا، وهو نفسه الذي يقدم هيئة المحلفين التي تتولى عقاب الناس.. فالمؤسسات في أمريكا ديمقراطيةٌ، لا من حيث مبدؤُها فحسب، بل ومن حيث كلُّ ما يترتب عليها ممن نتائجَ أيضا، فالشعب يختار ممثليه مباشرةً، وينتخبهم كلَّ سنةٍ عادةً كي يضمن تبعيتهم له، ومن ثم كان الشعب هو القوة الحقيقية التي توجّه شؤون البلاد..»[1].

فالمواطنة الفاعلة تعتمد، إذاً، على المشاركة الفاعلة لا المنفعلة، والذي يتأسس على الاتفاق والإجماع القائم على أساس التفاهم من أجل تحقيق السـلم الأهلي وضمان الحقوق الفردية والجماعية، والاعتراف بالقواعد والدستور الذي يقوم عليه الحكم والالتزام به من قبل الحاكم والمحكوم.

(88)

ولا تتحقق المواطنة إلا بشروطٍ وأسسٍ، أهمها المعرفة والاحاطة بالقانون وبدلالاته، فالجهل بالقانون مدخلٌ لتسخير الفرد واستغلاله كأداةٍ في تحقيق أهداف السلطة الحاكمة، فالمواطن ملزمٌ بمعرفة حقوقه كاملةً سواءً أكانت مدنيةً أم سياسيّةً أم اقتصاديةً أم اجتماعيةً أم ثقافيةً. وبعد أن يتعلم هذه الحقوق فإن عليه أن يمارسها ويسعى لتحقيقها وعدم التنازل عنها، لأن الحق يُؤخذ ولا يُعطى، فهي تمثل مؤشراً تفاعليًّا لصحة العلاقة بين المجتمع والدولة. بقدر ما تكون الدولة تعبيراً أمينا عن مجتمعها تزداد المشاركة السلمية المنتظمة لأفراد المجتمع في الشؤون العامة سواءً بصفتهم الفردية أو الجماعية من خلال مؤسّساتهم الطوعية.

كما تقوم المواطنة الفاعلة على أساس الكفاءة وقدرة المواطن على فهم طبيعة المجتمع وكيفية التعاون والتنافس، وحلّ الخلافات على أسسٍ عقلانيةٍ، تهدف إلى خدمة الصالح العام، ودعم الترابط الاجتماعي، فالمواطن الفعال هو: «..المواطن الذي يتحدد كيانه بجملةٍ من الحقوق الديمقراطية التي في مقدمتها الحق في اختيار الحاكمين ومراقبتهم وعزلهم، فضلا عن حق الحرية حرية التعبير والاجتماع والحق في المساواة مع تكافؤ الفرص السياسيّة والاقتصادية..»[1]، فالمشاركة صفةٌ شرطيةٌ لازمةٌ لنجاح للنظام السياسي، ومحكٌّ لفعالية المواطنة، ومُلزِمةٌ للحاكم.

(89)

4 - المساواة :

يمكن القول أن المساواة مطلبٌ ثقافيٌّ، على قاعدة التنظير والتأصيل الذي ساير المفهوم، لأن المطلب الأصلي للفرد هو العدالة، لا المساواة، فهي متضمنة فيها وليس العكس. والمواطنة تستلزم العدل بين المواطنين على أرض الواقع، وقد أخذت المساواة حصة الأسد في الاصطلاحات السياسية المجاورة للمواطنة، حيث يطلب البعض المطلقية في التعاطي مع الأفراد، فالناس سواسيةٌ، ولا فرق بين عربيٍّ وأعجميٍّ.

تصطدم هذه الرؤية الأخلاقية للمواطنين بالحياة العملية للإنسان، حيث تقف الفوارق الطبيعية حجر عثرةٍ أمام تطبيق هذا التصور، فالتفاوت الطبيعي يؤسس لمنظومةٍ حقوقيةٍ ومدنيةٍ مختلفةٍ ومتباينةٍ، وعليه كانت فكرة المساواة النسبية هي الحل الأنسب لتجاوز الاشكالات القانونية، والتي يتم فيها مراعاة القابليات والقدرات الفردية في توزيع الحقوق والواجبات.

وطلب المساواة فرعٌ من التربية المواطنية، فهي ليست معطىً طبيعيّاً، بل هي نتاج تنشئةٍ اجتماعيةٍ، لأن الطبيعة الأولية للمواطن مركبةٌ من نزوع نحو الأنانية، فالأنا بطبعه ميالٌ للحيازة والتفوق، وقد أوجز الفيلسوف توماس هوبز[1] هذا النزوع في قوله: «..إنّ أفعال

(90)

كل البشر اإارادية وميولهم لا تتجه فقط نحو امتلاك الحياة السعيدة، بل كذلك نحو ضمانها..»[1].

الصراع طبيعيٌّ بين البشر، وعليه تعمل التربية المدنية على ترويض هذا النزوع الطبيعي عند البشر، من خلال التلقين، من خلال الربط بينها وبين القناعة، فالطبيعة البشرية حريصةٌ على التملك، والتفرد، وقد أشار مونتسكيو إلى ذلك في قوله: «يثار حب المساواة وحب القناعة بالمساواة.. إذا ما عاش الإنسان في مجتمعٍ يؤيد كلا الأمرين ..[2]».

5 - حقوق المواطنة:

المواطنة مبدأٌ قانونيٌّ يقوم على علاقةٍ تداخليةٍ بين الحقوق والواجبات، فكل حق يقابله واجبٌ، فحق الحياة مثلا يقابله واجب الحماية من طرف السلطة، والحقوق التي تقوم عليها المواطنة هي حقوقٌ مدنيةٌ بامتيازٍ، وإن كانت في أصولها امتدادا لما يعرف بالحق الطبيعي، وهي: «...تلك الحقوق التي يتمتع بها الإنسان، لمجرد كونه إنساناً أيْ بشراً، وهذا الحقوق يعترف بها الإنسان بِصَرْفِ النظر عن جنسيته أو ديانته أو أصله العرقي أو القومي أو وضعه الاجتماعي أو الاقتصادي... فهي تسبق الدولة وتسمو عليها، ومن السمات العامة لهذه الحقوق أنه لا يمكن.لعدول عنها ولا انتزاعها من الفرد. كما أنها غير محددة على

(91)

سبيل الحصر لأنه يمكن إضافة حقوقٍ جديدةٍ تشتق من الحقوق الأساسية.»[1].

وقد اهتم فلاسفة القانون بمسالة الحقوق، حيث تلازمت كثيراً مع مطلب العدالة، ومطالب المساواة في الأنظمة البشرية عبر التاريخ، والدلالات التي تستبطنها كلمة الحق كثيرةٌ ومتعددةٌ، فهي اعتباريةٌ وفاقدةٌ للوجود الأنطولوجي، فالحق وحده يكون أنطولوجيًّا ومستقلًّا بذاته إذا كان القصد به الله عز وجل، أما الحق بالمفهوم الإنساني فهو اعتباريٌّ، ولا يملك وجوداً مستقلًّا في الخارج: «إن الحق اعتباريٌّ يجعل لشخصٍ (له) على آخر (عليه)، هذا الحق قد يكون ذا منشأٍ واقعيٍّ وقد لا يكون، أيْ لا يلحظ في مفهومه بعنوان أنه مفهومٌ اعتباريٌّ وحقوقيٌّ[2]»، ويمكن تحليل كلمة الحق إلى ثلاث عناصرَ أساسٍ: صاحب الحق (أي من له الحق) ومن يجب عليه الحق (من عليه الحق) ومتعلَّق الحق، والبحث في هذه العناصر الثلاثة يكشف لنا عن كثيرٍ من الملابسات التي وقع فيها الحقوقيين، فحق الزوج بالنسبة للمرأة مثلاً هو حقٌّ واحدٌ لمن له الحق، وليس لكثير، وحشر أفراد آخرين في هذا الحق يفقد الاستقلالية القانونية للمرأة، وهكذا دواليك.

(92)

6 - الحقوق الطبيعية:

الحقوق الأساس عند الانسان، التي يملكها الانسان بمجرد وجوده الطبيعي، وهي عامةٌ وثابتةٌ، وتمثل المرجعية القانونية للحقوق المدنية، ومنها تتفرع الحقوق المدنية، وهي عالميةٌ لا تختلف باختلاف الثقافات أو الأديان. والحق الطبيعي كما يعرّفه توماس هوبز: “..هو الحرية الممنوحة لكلِّ إنسانٍ لاستخدام قواه الخاصة للمحافظة على طبيعته الخاصة، أعني للمحافظة على حياته الخاصة، وبالتالي حريته في أن يفعل أيَّ شيءٍ يكون في تقديره، وأن يتصور عقله أنه أنسب الوسائل لتحقيق هذه الغاية[1]”.

ويعرّف سبينوزا الحق الطبيعي بقوله: “..أعني بالحق الطبيعي وبالتنظيم الطبيعي مجرد القواعد التي يتميز بها طبيعة كلِّ فردٍ، وهي القواعد التي ندرك بها بان كلَّ موجودٍ يتحدد وجوده وسلوكه حتميًّا على نحوٍ معيَّنٍ، فمثلاً يتحتم على الأسماك بحكم طبيعتها أن تعوم، وأن يأكل الكبير منها الصغير.. طبقا لقانون طبيعيٍّ مطلَقٍ..”[2]، الحقوق الطبيعية إذن فعل تلقائي لا يحتاج الى تنشئة اجتماعية في ممارسته، ولكنه يبقى بحاجة الى مؤسسة قانونية لحمايته.

7 - حق الحياة:

هو امتيازٌ يملكه الفرد لممارسة نشاطاته الطبيعية، وهو امتيازٌ

(93)

ناتجٌ عن الميلاد، فلا أحد يملك الحق في سلبه من الفرد، حتى الوالدان اللذان يمثلان سبباً رئيساً في وجود هذا الحق لا يملكان حق التصرف في هذا الحق، فالمواطنة لا قيام لها دون هذا الحق فهو ركنٌ ماديٌّ أساسٌ في بناء المجتمع المدني والطبيعي، والمؤسسة القانونية ملزمة بحماية هذا الحق، ويستتبع: “التمتع بهذا الحق العمل على كفالة الأمن لكلٍّ مواطنٍ وعدم احتجازه أو اختطافه، وإتاحة السبل لتوفير السكن والتغذية والملبس والعناية الطبية والخدمات الاجتماعية الضرورية»[1].

8 - واجبات المواطنة:

الدفاع عن الوطن:

الدولة مؤسسة سياسيّة إنسانية، تجري عليها السنن نفسُها التي تجري على الكائن البشري، الذي يولد ضعيفاً، ويشب فتىً، ويشيب شيخاً، وكذلك الحال بالنسبة للدولة أو سلطة الدولة، والدفاع عن الوطن.ن أجلّ الواجبات الأخلاقية وأعلاها، فكلُّ إنسانٍ يضع هذه القيمة في أعلى درجةٍ من سلّمه الأخلاقي، واستقراء الحياة الثقافية لأيِّ مجتمعٍ يؤكد أن الإنسان بجميع مستوياته الفكرية والاجتماعية جعل الموت في سبيل الدفاع عن الوطن من أعلى القيم الأخلاقية، فهو من مستلزمات الولاء.

ونلمس قداسة هذه القيمة في تعبير الشهادة الذي منح لهذه القيمة في الأدبيات الدينية والسياسيّة، والتي أغنت هذا المفهوم

(94)

وأصبح يحمل الكثير من الدلالات. والمواطنة لا تعني التمتّع بالحقوق في ظل السلطة، والهروب من الواجب عند الواجب. ففي الثقافة الإغريقية نجد إشادةً بهذه القيمة، إذ جاء في خطابٍ ألقاه بيركليس (Périclès) سنة 431 ق.م. عند الاحتفال بدفن القتلى الذين سقطوا في بدء الحرب بين أثينا واسبرطة وهو وارد في تاريخ ثيوسيديس: «يُخيَّل إليَّ أنّ موتاً كموتهم يعطي القياس الحقيقي لفضل الرجال، وقد يكون الإعلان الأول عن فضائلهم، لكنه الطابع الأخير لحياتهم، تخلَّوا عن الأمل في حظهم المجهول من السعادة.أخذوا على أنفسهم عهداً أن يَلقوا الموت معتمدين على أنفسهم فحسب؛ فقيمة هذه الروح لا يعبَّر عنها بالكلام»[1].

فالرجل الفاضل أو المواطن الفاضل هو الذي يهب نفسه للوطن، أو يقدم نفسه شهيداً فداءً للوطن فالشهادة أو الموت في سبيل الوطن مقياسٌ للمواطنة، فالموت في سبيل الوطن إعلانٌ وإخبارٌ عن سموِّ وعلوِّ المرتبة الخلقية للمواطن، وإذا كانت المواطنة هي المساهمة في حكم دولةٍ ما على نحوٍ مباشرٍ أو غيرِ مباشرٍ، أو الحالة التي يعدّ الفرد بمقتضاها مواطناً لمجرد أنه يعيش في رحاب دولةٍ معينةٍ، أو ينتمي إليها ويُخلص لها، ومن ثم يحظى بالحماية التي لا يمكن توفيرها إلا في الجماعة ومع الجماعة... فالمصلحة الوطنية تسمو فوق كلٍّ اعتبارٍ شخصيٍّ كان أو إثنيٍّ فالوطن أولاً وأخيراً.

(95)

9 - المواطنة والضريبة:

الالتزام بأداء الضريبة من مستلزمات الانتماء إلى دولةٍ معينةٍ، أو بصيغةٍ أخرى حيازة المواطنة في ظلِّ دولةٍ ما، لأن الضريبة تمثل المجال التطبيقي لممارسة الدولة سلطتها، وسيادتها على المواطنين، فالمكلف، أو المواطن ملزمٌ بأداء الضريبة التي هي واجبةٌ عليه بحكم.نتمائه القانوني للدولة، وهي واجبةٌ على حاملي جنسية الدولة وواجبةٌ على الأجانب الذين هم الأشخاص القانونيين الذين ارتبطوا بحكم الاقامة، كما أن أشكال الضريبة مختلفة بحسب الثقافات والأديان، وبحسب الأنظمة السياسية.

والاصطلاح الفني لها هو النظام الضريبي لا الضريبة حتى يتبين أنها نظامٌ ومنظومةٌ من القوانين والضوابط، وهي ليست اعتباطيةً، يعرف النظام الضريبي أصحاب الفن بأنه: «مجموعة من العناصر الإيديولوجية والاقتصادية والفنية والتي يؤدي تراكبها إلى كيانٍ ضريبيٍّ معينٍ، ذلك الكيان الذي يمثل الواجهة الحسية للنظام، والذي تختلف ملامحه بالضرورة في مجتمعٍ متقدمٍ اقتصاديًّا عنه في مجتمعٍ متخلفٍ»[1] .

النظام الضريبي هو سياسةٌ تنتهجها الدولة تجاه مواطنيها والأجانبِ القاطنين في الرقعة الجغرافية التيس تمارس الدولة عليها سيادتها، من أجل سد حاجياتها الوطنية، ومن المسلم به أن الواجب الضريبي على المواطنين ليس واحداً، بل هو متفاوتٌ حسب

(96)

الدخل، وحسب النشاط الاقتصادي الممارس من قبل المواطنين، وإذا استقرأنا التاريخ لوجدنا الواجب الضريبي على المواطن في جميع الأنظمة، ويلاحظ أنها كانت مجحفةً وسالبةً لكثيرٍ من الحق والكرامة للمواطنين. فالمواطنة القانونية التي عرفتها روما (المواطنة الرومانية) كانت استجابةً للمكانة والثروة التي كانت بحيازة بعض الأفراد التابعين للسلطة الرومانية، والذين ليسوا روماً من الوالدين، بل كانوا من سكان مستعمرات الإمبراطورية الرومانية.

وفي التاريخ الإسلامي نجد نظام الجزية كمنظومةٍ ضريبيةٍ اتجاه المواطنين المختلفين عقيديًّا مع توجُّه السلطة الديني. ودلالات الذمة.يميةٌ وأخلاقيةٌ نستشفها من الحمولة اللغوية للكلمة، فهي في اللغة العهد والأمان والضمان، وهي ناتجةٌ عن حقوقٍ تكفلها لهم الدولة التي يعيشون فيها، وهي مسألةٌ عاديةٌ وقانونيةٌ، وليست كما نعتها بعض المستشرقين، فالحياة ضمن دولةٍ ذاتِ سيادةٍ يفرض على المواطنين مهما كانت اعتقاداتهم وانتماءاتهم الإثنية أداء ضرائب حتى تتمكن الدولة من أداء واجباتها القانونية والمدنية، وفي النص التالي تحديدٌ لواجبات وحقوق الذمي في الشريعة الإسلامية: «كان على أهل الذمة في الدولة الإسلامية واجباتٌ ولهم في مقابلها حقوقٌ. أما الواجبات: فكان على أهل الذمة أن يدفعوا الجزية، مع تقديم الزيت والخل والطعام اللازم للمسلمين وكان يشترط عليهم في عقد الجزية شرطان، أحدهما مستحقٌّ والآخر مستحبٌّ ويشمل الشرط المستحق ستة أمور: ..احترام القرآن والرسول وعدم القدح في الإسلام، وألّا يصيبوا مسلمةً بزناً ولا نكاحٍ، وألَّا يحوِّلوا مسلماً عن دينه وألَّا يعينوا

(97)

أهل الحرب، أما الشرط المستحب فيشمل أمورا ستة: فعليهم لبس الغيار وشد الزنار، وأن تكون مبانيهم أقل ارتفاعا من المسلمين، وألَّا يُسمعوا المسلمين أصوات نواقيسهم وتلاوة كتبهم، وعدم المجاهرة بشرب الخمر أو إظهار الصلبان والخنازير..[1]».

والالتزام الضريبي من قبل أهل الذمة كان بمقابلٍ، ولم يكن جزافا، فهناك حقوقٌ كفلتها الدولة الاسلامية للذمي، وهي: «..الكف عنهم والحماية لهم، ولأهل العهد الأمان على نفوسهم وأموالهم.. وقد كان أهل الذمة لا يدفعون سوى عشر التجارة والجزية، بينما هم معفَوْن من الصدقات، وكانت الجزية تقابل ما يدفعه المسلم من صدقة، وأُعفي الصبيان والنساء والمساكين وذوو العاهات والرهبان»[2].

وعليه نجد أن بناء الدولة الحديثة، ومقتضيات المواطنة المعاصرة تجد في الدولة الإسلامية معالم البنيان الأول، فهي متضمنة لأهم المبادئ التنظيمية للمجتمع المدني.

10 - الحفاظ على البيئة:

تعتبر البيئة المجال الفيزيائي والحيوي الأول الذي تمارس فيه الكائنات الحية نشاطاتها الطبيعية والعضوية، فمنها أصل الوجود، ومنها الاستمرار في الوجود، وإن كان هذا التوصيف

(98)

يندرج في البحث الميتافيزيقي أكثر منه في السياق العلمي.

وكلمة البيئة عربية إسلامية بامتيازٍ، وليست دخيلةً على اللسان العربي، وهي من العائلة اللغوية لكلمة «بواء»، والأصل في الكلمة كما جاء عند الاصفهاني: «..مساواة الأجزاء في المكان خلاف النَّبوة الذي هو منافاة الأجزاء، يقال مكانٌ بواء إذا لم يكن نابياً بنازله، وبوّأت له مكانا سويته فتبوّأ.[1]».

العلاقة بين المواطنة والبيئة مسألةٌ تبدو حديثةً ولازمةً عن الحداثة الغربية، ومن الاصطلاحات المعاصرة، والتي تنضوي في الدلالات المستبطنة للمواطنة: المواطنة البيئية وهي التعايش مع البيئة الطبيعية سواءً أكانت جامدةً أم حيوانيةً، من طرف المواطنين، والتي تقوم على معرفةٍ، ووعي بيئيٍّ، فالسلوك المواطني السليم هو الفعل الذي لا يضر بالبيئة، ونجد في الثقافة الإسلامية تأصيلاً طبيعيّاً للمواطنة البيئية.

تستمدّ الأمة الاسلامية ثقافة البيئة من التأصيل القرآني للمفهوم، وللعلاقات القائمة بينها، وبين البشر، والتي نلمسها في البنية الصورية للقرآن الكريم، فالعنونة التي تحيط بسور القرآن الكريم تؤكِّد ذلك، حيث نجد كثيراً من العناوين التي تتقاطع في الدلالات مع الطبيعة والبيئة، فعلى مستوى الطبيعة الجامدة، نجد عناوين السور التالية: الرعد، الدخان، النجم، القمر، الحديد، التكوير، الانشقاق، الفجر، الشمس، الليل، الضحى..

(99)

وعلى المستوى الحي، أي البيئة الحية: البقرة، الأنعام، النحل، النمل، العنكبوت، التين.. وهذا يبيّن لنا أهمية البيئة الجامدة والحية في المنظومة الكونية، فالاصطلاح على سورة باسمٍ لكائنٍ جامدٍ أو حيٍّ يظهر أهمية ذلك الشيء، ووظيفته الرئيسة في حركة المعاني، والدلالات الواردة في تلك السورة، وعلى قاعدة اعتبار تلك الظواهر الطبيعية مادة للبحث العلمي، وعليه يصبح القرآن كتاب علمٍ وتأملٍ في الظواهر الكونية.

والمبدأ الثاني الذي تعتمده في ثقافة البيئة الكرامة الانسانية، التي اشتغل عليها بحثاً، ودراسةً كثيرٌ من الفلاسفة، فالتكريم الذي في حيازة الكائن البشري هبةٌ وجعلٌ إلهيٌّ، تكلفته هي تحمّل مسؤولية ذاته، ومسؤولية محيطه البيئي، قال تعالى: (ولَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا)[1].

فالكرامة نتاج فعل التكريم الحاصل لهذا الكائن، وهي تشريفٌ وزيادةٌ له في الرفعة، وهي صفةٌ تتقارب مع مفهوم الاكتمال، أو الكمال النسبي، فهو من الكائنات السامية الشريفة، فهو كائنٌ حيٌّ بجوهرةٍ ذهبيةٌ، ألا وهي العقل.

كما أن هذا التكريم الذي حصل عليه لا يمنحه المشروعية في احتقار الكائنات الأخرى، والدوس على كرامتها، بل كرامته من كرامتها، وهذا ما نستشفه من التراث الفقهي الإسلامي، فمكانة

(100)

البيئة، بجمادها وحيّها، حاضرةٌ في التشريع الفقهي الاسلامي، فالأرض كبيئةٍ أولى رئيسةٌ، وقاعدية للحياة الإنسانية تفترض وجود آدابٍ في التعامل معها، ومع مصادرها القاعدية واللازمة للحياة.

ونلاحظ أن الاهتمام بالبيئة في المجتمع الغربي جدُّ متأخرٍ عن الاهتمام الإسلامي، حيث بدأت المجتمعات الحديثة في تقنين البيئة من خلال حقوق ضامنة للمعطيات البيئية، وهي ما عرفت بدسترة الحقوق البيئية، أو نحو حقٍّ دستوريٍّ في بيئةٍ نظيفةٍ، وتم استخلاص نظريتين في فقه القانون الدستوري لحماية البيئة، من خلال مشروع بحثٍ أشرف عليه الأستاذ: جوزيف ل. ساكس ([1]*Joseph L. Sax)،.هي نظرية الثقة المشتركة التي تنص على أنّ الطبيعة ملكٌ مشترَكٌ، وهي من الملك العام الذي تشرف عليه الدولة، وبما أن الدولة هي ممثلة الشعب، إذاً، تكون مسؤولةً عن المحافظة على البيئة لمصلحة الشعب ككلٍّ، والنظرية الثانية هي نظرية الصالح العام، التي تعتقد أن العناصر البيئية ملكٌ عامٌّ ومشترَكٌ، ولكنها لا تمنع من حيازة البعض لها، ولكن بشرطٍ، فهي لا تسمح باستعمالٍ تعسفيٍّ للخيرات الطبيعية البيئية.

وعليه نستخلص أن البحث عن سبلٍ قانونيةٍ ودستوريةٍ لحماية البيئة مشروعٌ قانونيٌّ جديدٌ عرفه الغرب أخيراً، والثقافة الاسلامية التي نعتبرها تراثاً إنسانيًّا مشتركاً تزخر بهذه المفاهيم وهذا التأصيل الدستوري الذي يجتهدون في تأسيسه.

(101)

11 - التربية المواطنية:

المواطنية (Citizenship process) أو التربية المواطنية، تُعني تربية الأفراد على المواطنة فهي عمليةٌ سياسيّةٌ اقتصاديةٌ اجتماعيةٌ تنتهجها السلطة الاجتماعية في ترسيخ قيم المواطنة في المجتمع، لأن المواطنة حصيلةُ عمليةِ تنشئةٍ اجتماعيةٍ هادفةٍ ومتكاملةٍ، فهي فكرٌ وعملٌ تحمله فلسفةٌ تربويةٌ، يكون الإصلاح والرقي بالمجتمع الدوافع القبلية والبعدية لهذه العملية.

وتحويل ثقافة المواطنة من درسٍ يلقّن إلى درسٍ عمليٍّ يحتّم على الأسرة كما على المدرسة والمجتمع العمل معاً على تحويل ثقافة المواطنة إلى سلوكٍ يحقق العدالة داخل الفرد والمجتمع، والذي لا يتم إلا بالتربية، التي اقترنت بفكرة المواطنة.ي جميع الثقافات، فأيُّ مشروعٍ تربويٍّ يؤسَّس على الرؤية الجماعية للفرد. فالغاية منها تكوين الإنسان المواطن الواعي الممارس لحقوقه وواجباته في إطار الجماعة التي ينتمي إليها، كما تتمثل في العمل المبرمج من أجل أن تنمى لديه، باستمرار، منذ مراحله الأولى، القدرات والطاقات التي تؤهله مستقبلاً لحماية خصوصياته وهويته وممارسة حقوقه وأداء واجباته بكلِّ وعيٍ ومسؤوليةٍ، حتى يتأهل للتواصل الإيجابي مع محيطه، وقد لازم الاهتمام بالتربية المواطنة جميع الثقافات والنظريات التربوية، ويمكننا الاستئناس ببعضٍ من النماذج للتدليل على أهمية التربية المواطنية.

التربية المواطنية عند كونفوشيوس:

في الفكر الشرقي كان للفيلسوف كونفوشيوس أثرٌ بارزٌ في

(102)

الثقافة الصينية، لدرجةٍ تؤكدها العبارة التالية: كل مولودٍ يولد في الصين يكون بالضرورة كنفوشيوسيًّا، لأن: «الصيني قد يعتنق البوذية أو الطاوية أو الإسلام أو المسيحية، لكن يظل في جوهره كونفوشيوسيًّا»[1].

وحضور كونفوشيوس في الفكر الصيني، كان نتيجة التأثير الواسع الذي تركه في أمته على مستوى الفكر والسلوك، والمشروع السياسي الذي قدّمه، يؤكد معايشته ومشاركته لآمال وآلام عامة الناس، فبعض النصوص تعكس مدى تذمر الفيلسوف كونفوشيوس من طبقة النبلاء، فهو يُقرُّ بتفاهتها، وعبثية الغايات التي يسعون إليها، فهم لا يقدّمون شيئاً حتى بالنسبة لأنفسهم، يقول: «من الصعب أن تتوقع أيَّ شيءٍ من أناسٍ يمتلئون من الطعام طوال اليوم، في حين أنهم لا يستعملون عقولهم في أيِّ سبيلٍ على الإطلاق، بل إن المقامرين.فعلون شيئا، وفي هذه المرتبة، هم خير من هؤلاء الكسالى»..[2].

كما أن الفترة أو الظروف التي عايشها كونفوشيوس، والمعروفة بفترة الربيع والخريف (722-481) تمثل مرحلة الاضطرابات السياسيّة وتراجع القيم الأخلاقية، حيث.فعت الكثير من مفكري الصين إلى البحث عن حلولٍ سياسيّةٍ.

أسس كونفوشيوس مشروعه السياسي على التراث القيمي

(103)

للمجتمع، وعلى الأخلاق الفاضلة الطيبة.بالمشاركة الجادة في الحياة الاجتماعية، بموجب المبادئ والأخلاق والتقاليد الحميدة، فهو يقرّ ويسلم بضرورة الاجتماع البشري، وحاجة الانسان إلى غيره، وحتى تنتظم أموره الحياتية يكون في حاجة إلى الدولة التي هي مسألةٌ طبيعيةٌ، إذ لا تتحقق الغاية الأخلاقية من وجود الدولة إلا إذا كانت هناك سلطةٌ عليَا تنظم العلاقات بين أفراد المجتمع.

وطبيعة البشر الأنانية تدفع الفرد إلى تحقيق المصالح والأهواء الشخصية، وتقف عائقا أمام الأداء السليم لمهام الدولة، وعليه فالقضاء على الفوضى هو الغاية التي من أجلها وجدت الدولة، يقول كونفوشيوس: «..وفي هذا تكمن ضرورة الحكومة وفي هذا يكمن شرط وجودها»[1]. والسعادة غاية أسمى عند الحكومة،.قول كونفوشيوس: «إن الحكومة الصالحة هي التي تحقق السعادة للشعب، والسعادة هي الخير، وليست المنفعة أو المصلحة ذلك لأن هدف الحكومة أخلاقيٌّ في نهاية الأمر»[2]، ولتحقيق هذه الغاية ينبغي تربية المواطنين والحكام، وهي ما يصطلح عليه في الفكر السياسي المعاصر بالتربية المواطنية، فالحكومة الصالحة توجد حيث يكون الأمير أميراً، والوزير وزيراً، والأب أباً والابن ابناً.

ينادي كونفوشيوس بضرورة تقويم الأسماء، وأن تُحترم السنن والشعائر نصّاً وروحًا، فليس من الأخلاق التشدق بالقيم، والمتاجرة بالشعارات وتوظيفها للمآرب الخاصة، فعلى المواطن

(104)

التحلي بالطاعة، لأن الحكومة التي لا تطاع ليست حكومةً... والطاعة كفضيلةٍ لا تقف عند حدٍّ معينٍ، وإنما تسري في كافة العلاقات الإنسانية بدءاً من علاقة الابن بوالديه وانتهاء بعلاقة المواطن بحاكم دولته[1].

لم يمنح كونفوشيوس الطريق أو ال»لي» سمة الموضوعية المتعالية، التي تجعل من ممارسة القيم وتجسيدها على أرض الواقع أمراً مستحيلاً، فالالتزام بها ممكن وضروري، ولكنه يفرّق بين الإلزام الممدوح والإلزام المذموم، حيث: «رفض نموذج الولاء الإقطاعي القائم على ولاء العبد لسيده، وطالب بدلاً منه بولاءٍ للمبدأ، للطريق»[2].

الولاء أو الطاعة كفضيلةٍ أخلاقيةٍ ليست صفةً واجبةً على المحكوم بل أيضاً على الحاكم، فالتحلي بالقيم واجبٌ على الحاكم، إذ لا يعقل مطالبة المواطنين بالفضيلة وغيابها عند الحكام، يقول كونفوشيوس: «لكن إذا استعان الحاكم، في قيادة الشعب، بالفضيلة، والسنة الحسنة، والقدوة الطيبة، واعتمد على العرف والعادات الصالحة التي يوقرها الشعب وينزلها منزلة التقديس، فهاهنا يرتبط الناس برباطٍ قويٍّ وهو رباطٌ أخلاقيٌّ متينٌ لتقويم أنفسهم وصلاح حالهم.

وقد وضع كونفوشيوس مقاييس المواطن النموذجي أو الإنسان الأعلى بلغة الفلاسفة، فهو الفرد الصالح الذي يعتبر القاعدة

(105)

الضرورية ولبنة المجتمع النموذجي والمثالي، وهو المواطن الذي يسعى إلى اكتساب المعرفة الصحيحة، لا المعرفة التلقينية التي تفتقر إلى النجاعة، فالصقل العقلي قليل القيمة ما لم يكن مصحوباً بالتوازن العاطفي، وللوصول إلى هذه الغاية يكون ال»لي» هو طريق التربية، فالرجل الأعلى، كما يقول كونفوشيوس: «يخشى ألّا يصل إلى الحقيقة، وهو لا يخشى أن يصيبه الفقر... وهو واسع الفكر غير متشيعٍ إلى فئةٍ.. وهو يحرص على ألا يكون ما يقوله غيرَ صحيحٍ، فالمعرفة الصحيحة، إذاً، هي المطلب الذي يجدُّ المواطن الصالح في الوصول إليها، فالمستوى الاقتصادي ليس هو الغاية الرئيسة من الحياة بل هي الصدق في الأفكار والإتقان في الأفعال، فالكذب من الصفات المذمومة التي ينبغي على المواطن اجتنابها.

يقول كونوفوشيوس: «إذا ما تجاوزت صفاتُ الإنسان الطبيعية صفاتِه المكتسبةَ غلبت عليه الجلافة، فإن تجاوزت صفاته المكتسبة صفاته الأصلية تحول إلى مجرد إنسانٍ تتحكم فيه العادة، فإذا ما اقترنت الصفات الأصلية بالمكتسبة نحصل على الإنسان الماجد الذي يستمسك بكرم الأخلاق في أفعاله وتصرفاته وفي جميع الظروف والملابسات، فإن انحرف عن المسعى الخلقي الكريم لم يعد جديراً بهذا اللقب الرفيع، ويجعل الماجد السبيل القويم نصب عينيه ولا يكرس جهوده لكسب معاشه»[1].

التربية المواطنية عند أفلاطون:

اهتم الفيلسوف أفلاطون بالتربية المواطنية في مشروعه

(106)

السياسي، حيث وضع القواعد المرحلية لتربية المواطن، وأول المراحل التربوية عنده تكون قبليةً تظهر في التفكير لإنجاب الأفضل من حيثُ البنيةُ الجسديةُ، فالبنية الفيزيولوجية للوالدين تحدد نموذج الأبناء، ونلمس هذا التصور في طيّات الحوار الدائر بين سقراط وغلوكون، وقد كان موضوعُ الحوار كلابَ الصيدِ الأصيلةَ التي يملكها غلوكون، ويبدأ التساؤل: «مع أنّها كلَّها أصيلةٌ، ألا يوجد فيها ما هو أفضل من غيره، أو ما سيصير أفضل؟ غلوكون: يوجد. سقراط: أفتست ولدها كلَّها على السواء؟ غلوكون: أستولد الأفضل... وإذا لم تسلك في استيلاد حيواناتك هذا المسلك.فتظن أن جنس الكلاب والطيور ينحط كثيراً؟.. غلوكون: أظن»[1].

فالتربية على المواطنة تبدأ في نظر أفلاطون قبل الولادة، وأعتقد أن علماء النفس أكّدوا هذه الفكرة بالتجربة، والفرق بينهم وبين أفلاطون كان في اهتمامات الفيلسوف ورؤيته المستقبلية للمشروع السياسي. فالتربية مسألةٌ وطنيةٌ، والطفل مشروعٌ وطنيٌّ، وليس مشروعاً خاصّاً بأسرةٍ معينةٍ، وتكوين المواطن النموذجي يسير وفق خطة مدروسة تبدأ بالتربية الجسدية التي تبدأ من عمر السابعة عشرة الى عمر العشرين، وفيها يخضع الفتيان المحاربون والرؤساء المستقبليون لفترة تدريبٍ رياضيٍّ.

لأن الجسد هو الآلة الضرورية للأفعال، فالمواطن القوي هو الذي يملك بنيةً قويةً ولذا نجد أفلاطون يحث على إعدام الأطفال ضعاف البنية وذوي العاهات الخَلقية نظراً لأهمية السلامة الجسدية للمواطن.

(107)

ثم تأتي مرحلة التكوين العلمي وتمتد ما بين عمر العشرين إلى سن الثلاثين، وفيها يتلقى الفلاسفة أو حكماء المستقبل الدراسة الشمولية للعلوم، فالإحاطة بأشكال المعرفة ضرورةٌ لازمةٌ للفيلسوف، فالأنطولوجيا بكلِّ مضامينها، والقدرة على التنبؤ بالظواهر الطبيعية، فما قام به طاليس عندما تنبأ بالكسوف وبالحرب البلوبونيزية ضرورةٌ إستراتيجيةٌ للدولة.

ثم مرحلة التكوين الميداني وتمتد من سن الثلاثين إلى سن الخامسة والثلاثين، وفيها تتعمق معرفتهم بنظرية الأفكار، أي أنهم يتعرفون بعدها على جوهر العالم، وسلوكهم يتركز على الحقائق الواقعية، ثم يعودون لتأمين وظائفَ سياسيّةٍ طيلةَ خمسةَ عشرةَ سنةً.

أما المرحلة الأخيرة فهي بلوغ الحكمة وهي تتحدد بعتبة الخمسين، إذ بعدها يستطيعون التوجُّه إلى الفلسفة، مع قيامهم بأعلى المهام، فالسياسة «هي تخصصٌ ولا يجب إسنادها إلا لأشخاص محضَّرين لها، إلّا أنّ هذا التحضير ليس إلّا تربية للعقل، إنّ العلم السياسي هو العلم الذي لا علم بعده، إنه علم الحق والخير..»[1]

فتكوين الإنسان كمواطنٍ حرٍّ ومستقلٍ قائمٍ بذاته يشكّل مغامرةً كبرى وتحديًّا كبيراً من الوجهة النفسية والأخلاقية ومن الوجهة السياسيّة، ولا يمكن بلوغ هذه الغاية إلا بإحداث طفرة في النظام الأخلاقي والسياسي للمجتمع، ومن هنا تتحول الدولة إلى ضمانةٍ لهذا التراتب القانوني، والترتيب في المواقع والمسؤوليات والأدوار الذي يحصل بشكلٍ طبيعيٍّ على مستوى المجتمع المدني، وإعطائه شرعيته.

(108)

 

 

 

 

 

 

الفصل الرابع

المقاربة الدينية

 

(109)

الفصل الرابع:

المقاربة النقدية

المواطنة مفهومٌ إنسانيٌّ، يتأثر بالحركة الدورية التي يعرفها البشر، فيكون جنيناً في ذهن الفرد البشري منصهراً بالقيم المأمولة حسب الطبيعة، وينمو ويتطور تبعاً للمتغيرات الثقافية التي تعرفها الجماعة، وتقييدُ مفهومٍ بثقافةٍ أو بعصرٍ من العصور ليس إلّا مغامرةً فكريةً، فالمواطنة القانونية الضيقة ليست إلا تعبيراً عن انتكاسةٍ سياسيةٍ، وهذا ما نجده سابقاً لميلاد مواطنة المدينة اليونانية، فالخوف من تنامي قوة إسبرطة دفع الإغريق إلى التفكير في مواطنةٍ بالمقاس المناسب عندهم، والذي كان مقيَّداً بالجغرافيا.

بقي مواطن المدينة مشدوداً بجغرافية المكان، وإن كانت مواطنته محدّدةً شكلاً بقدرته على المشاركة السياسيّة، وما يمكن ملاحظته أن مفهوم المواطن مرتبطٌ عضويًّا بمفهوم الدولة إذ طبيعة الدولة تحدِّد جملة الوظائف السياسيّة والمدنية التي تتعلق بالمواطن، فدولة المدينة عند الإغريق لم تقدر على بناء مجتمعٍ سياسيٍّ ومدنيٍّ موحِّدٍ للمواطنين الإغريق، واستثناءُ النساء والعبيد والأجانب، الذي كانوا في الحقيقة من الإغريق لا من الشعوب

(110)

المجاورة، خيرُ دليلٍ؛ فمفهوم المواطنة عند اليونان لم يكن شاملاً أو جامعاً لجميع المواطنين اليونان، وعليه يمكن قبول القول أن مفهوم المواطنة الإغريقي كان في بدايته التكوينية.

وتلوَّن مبدأ المواطنة في العصر الروماني بالمعاني التي ترتبت عن فتوحات الاسكندر المقدوني وهي قابلية المفهوم لإضافة بعض الصفات التي تسمح لبعض الأجانب باكتساب صفة المواطنة الرومانية (إجراء كاراكالا 212). وما يُلاحظ أيضاً على هذا المفهوم أنه لم يعمَّم على جميع الشعب، بل كان الغرض من التعديل هو محاولة إدماج ومنح المواطنة لمن كان قادراً على تقديم الخدمات للحكومة الرومانية، أو بتعبيرٍ أدقَّ مُنحت المواطنة للفئة المالكة لرؤوس الأموال.

أما في العصور الوسطى فقد ارتبطت المواطنة بالانتماء إلى المدن، وقد ارتبطت هذه المدن في أذهان الناس في تلك الفترة بكونها مناطقَ جغرافيةً يقيم فيها الناس، ما أسس لفكرة الدولة القومية، الأمر الذي تمخضت عنه فكرة الانتماء إلى الأمة، وقد كان ولاء المواطنين في أغلب هذه الأمم موجَّهاً للملك أو الملكة وكان يطلق عليهم اسم الرعايا.

وكانت معاهدة وستفاليا[1] بدايةً للدولة القومية وللسيادة القانونية، فكانت بذلك أوّلَ اتفاقٍ دبلوماسيٍّ في العصور الحديثة،

(111)

حيث أرست نظاماً جديداً في أوروبا الوسطى مبنيٍّ على مبدأ سيادة الدول. أصبحت مقررات هذا الصلح جزءًا من القوانين الدستورية للإمبراطورية الرومانية المقدسة. وغالبا ما تعتبر اتفاقية البيرينيه الموقعة سنة 1659 بين فرنسا وإسبانيا جزءا من الاتفاق العام على صلح وستفاليا.

وتميز عصر ما بعد وستفاليا بسيادة مفاهيمَ ثلاثٍ، القومية والليبرالية والاشتراكية، وأصبحت المواطنة في الفكر الليبرالي رابطةً سياسيّةً بين الفرد والدولة تقوم على مبدأ حقوق وحريات الأفراد والتسامح والحياد القيمي، وترسيخ الديمقراطية النيابية.

وما يمكن استخلاصه هو أن مفهوم المواطنة بدأ مقيداً بجغرافيا والتزاماتٍ سياسيّةٍ معينةٍ، ثم تحرّر شيئاً فشيئاً من الانتماءات والتقيُّد بالمؤشرات العقدية، ليصبح بعدها مرهوناً بالمصالح الاقتصادية، وعليه اعتقد البعض أن مبدأ المواطنة في العصر الراهن يعاني آلام الاحتضار، وسنشير إلى بعض المؤشرات التي كانت وراء تحديد مجال المواطنة الوطنية، وهي المواطنة العالمية، والمحدودية الناتجة عن الهجرة.

المواطنة العالمية

المواطنة العالمية أو الكوسموبوليت (Cosmopolite) من معالم النهاية لمبدأ المواطنة الكلاسيكي، فبعد أن كانت المواطنة انتماءً لجغرافيا وخضوعاً لسيادةِ سلطةٍ مدنيةٍ أو عسكريةٍ، أصبحت مفتوحة ومشتركةً والمواطنة العالمية تعبيرٌ عن هذه المحدودية التي

(112)

عايشها المبدأ القديم، والقول بمواطنةٍ عالميةٍ ليس وليد الراهن أو التطورات الحداثية، بل هو فكرةٌ قديمةٌ قِدم الإنسان ذاته، فالمواطن العالمي موروثٌ دينيٌّ، وثقافيٌّ مشتركٌ، وسنتطرق إلى مدرسةٍ فلسفيةٍ تعاطت مع المبدأ بشكلٍ أخلاقيٍّ.

تعتقد المدرسة الرواقية أن الاختلاف الواقع بين المدن والمجتمعات مجردُ ظاهرةٍ عرضيةٍ،.البشر هم إخوةٌ، و».. ليس بينهم أسيادٌ أو عبيدٌ، وهم جميعاً مواطنون من حيث إنهم متفقون في الماهية.موجودون في طبيعةٍ واحدةٍ هي أمهم وقانونهم، فوطن الحكيم هو الدنيا بأسرها، ويقوم الحكيم بجميع وظائف المواطن، فيؤسس أسرةً ويُعنى بالسياسة، ولكنه لا يثور على النظام القائم ولا يحاول تحقيق مدينةٍ مثلَى بل يعتبر النظم السياسيّة سواءً ويجتهد في حسن التصرف بها»[1].

فكانت الرؤية السياسيّة للفلسفة الرواقية قاعدةً أسّس عليها فلاسفة الرومان منظومتهم القانونية ومنها الدولة العالمية، وحتى فلاسفة العصر الحديث هم أبناء هذه المدرسة.. «فمذهب سبينوزا ما هو إلا المذهب الرواقي في ثوبٍ ديكارتيٍّ، وإن الأخلاق عند كانط أخلاقٌ رواقيةٌ»[2].

دولة المواطن أو الإنسان العالمي عند المدرسة الرواقية تُبنى على قواعدَ تجعل من الآلهة في هذه المدينة والرجال مواطنين،

(113)

فليست الآلهة بالكائنات الوحيدة المالكة للحكمة والعقل بل الإنسان يملك قبساً من هذا العقل أو الحكمة، وتجعل من العقل المنزّه عن الخطأ دستورا لهذه المدينة فبالعقل يهتدي الناس إلى ما يجب أن يفعلوه وما يجب أن يتجنبوه، وهو القانون الطبيعي وهو المقياس المتعالي عن المكان والمطلق في الزمان الذي يصلح للتمييز بين الحق والباطل والعدل والظلم وكما يقول كريسيبوس: «القانون الطبيعي هو الحاكم المسيطر على أعمال الآلهة والناس جميعاً، ويجب أن يكون هو الموجه والحاكم والمرشد لما هو شريفٌ ورصينٌ، وهو الفيصل في ما هو حقٌّ وما هو باطلٌ وهو الذي يهدي الكائنات الاجتماعية بطبيعتها إلى ما يجب عمله ويمنعها عمّا لا يصحُّ عمله»[1].

ومبدأ ارتباط العقل بالقانون الطبيعي هو أوّل المبادئ التي تقوم عليها هذه الدولة العالمية، أما المبدأ الثاني الذي تؤمن به الرواقية في رؤيتها السياسيّة فهو التسليم بوجود قانونين: «لكلِّ إنسانٍ قانون مدينته وقانون مدينته العالمية، أو بمعنى آخر قانون العادات وقانون العقل، فالعادات مختلفةٌ، ولكن العقل واحدٌ، ووراء هذا الاختلاف في التقاليد ينبغي أن يكون قدرٌ من الوحدة في الغرض، وتجنح الرواقية إلى فرض وجود نظامٍ قانونيٍّ عالميٍّ له فروعٌ محليةٌ لا نهاية لها.»[2]

فالدولة الرواقية فضاءٌ سياسيٌّ عامٌّ يعيش فيه الناس ضمن جمهورٍ واحدٍ بدون أسرةٍ، وبدون ملكيةٍ، وبدون امتيازٍ بسبب

(114)

الجنس أو المكان، فالهدف الأساس هو تحقيق السعادة للفرد على أساسٍ أخلاقيٍّ، فالفضاء الأخلاقي هو مجال الحرية وآلية السعادة، والإيمان بالقدرة المطلقة لمدبر الكون هي القاعدة في النظر إلى الحياة الفردية بمنظور الوظيفة الرسالية التي أسندت إليه، فالطبيعة الإنسانية واحدةٌ وهي من تجليات الله في الخلق، وهو عاقلٌ والإله عاقلٌ، وقد أودع الله قبساً من نوره الذي يضيء الطبيعة العامة كلها في طبيعته.

المواطن في مدينة الرواقية يختلف عن مواطن أفلاطون وأرسطو الذي هو مجرد تابعٍ للدولة، ولا يملك الحق في الحرية الشخصية، وانتماؤه السياسي لا يتعدى المدينة، فهو، عند الرواقية، إنسان بالدرجة الأولى، وإنسانيته تجعله مواطناً عالميّاً أي مواطنا ليس في مدينة أو دولة ما بل وطنه العالم، في دولةٍ عالميةٍ هدفها وحدة الجنس البشري، و»لا يتم التعامل فيها بالمال ولا بالقانون ولا بالدستور، كما أنه ليس هناك حاجةٌ لقيام أيِّ مؤسساتٍ ولا محاكمَ، ولا ضرورةَ لوجود جنودٍ، لأنه مجتمع اختفت منه الحروب واستغنى عن أيِّ تنظيماتٍ موضوعة... ولم تعد به حاجة إلا إلى مجتمعٍ يسوده الانسجام مع غرائز الطبيعة، مجتمعٍ تختفي فيه الفروق الاجتماعية بين الرجل والمرأة، وبين اليونان والبرابرة والأحرار والعبيد، أي تختفي منه كل الفروق في الدولة الطبيعية الجديدة.[1]

طرح زينون[2] تصور العالمية أو حاضرة الحكيم (cosmopolis)

(115)

كبديل عن المواطنة الإغريقية التي تنظر بعين مختلفة للمواطنين، لأن الأصل واحدٌ، والأخوّة الإنسانية حقيقة قطعية، فخارج اليونان يوجد العالم، والإنسان: «..ليس مواطناً في مدينته فحسب، بل مواطناً كونيّاً أيضاً، فالأنهار والمحيطات والفيافي لا تُغيِّر من واجباتنا نحو الجماعة الإنسانية»[1].

وقد ذكر المؤرخ بلوتارك[2] مشروع الجمهورية التي كان يؤمن بها زينون، والتي كانت تأسيساً لمواطنة كونيةٍ غيرِ إثنيةٍ أو قومية: «كتب زينون جمهوريةً مقبولةً ومعجبةً، مبدأها أن الناس يجب أن لا يتفرقوا مدناً وشعوباً، لكلٍّ منها قوانينه الخاصة، لأن كل الناس هم مواطنون إخوةٌ، ولهم حياةٌ واحدةٌ، ونظامٌ واحدٌ للأشياء، كما لو كانوا قطيعاً موحداً في ظل القانون المشترك»[3].

أمّا ابيكتات (Epictète) والاسم كنية لأحد الفلاسفة الرواقيين، وتعني في الإغريقية العبد أو الخادم، فتقوم فلسفته الأخلاقية في دعوته للحرية الداخلية، فالسيد في نظره من هو سيدٌ على أهوائه وآرائه والعبد عبدٌ لأهوائه وآرائه، فأقر بذلك بحرية الإنسان المطلقة سواءً أكان على العرش أم مكبلاً بالأغلال.

وتكمن السعادة (Ataraxie) في السكينة النفسية المترتبة عن الانسجام والعمل وفق المبادئ العقلية أي المبادئ التي تتفق مع

(116)

قوانين الطبيعة، ويمكننا ترك ابيكتات نفسه للتعبير عن رأيه في المواطنة العالمية التي كانت في منظوره بديهيةً لا تحتاج للبرهنة، فتعبير أثيني أو كورنثي في نظره غيرُ مناسبٍ، فالعالمية أو مواطنٌ عالميٌّ هي التعبير الحقيقي عن الذات والهوية لا الانتماء الإثني أو السياسي.

ماركوس شيشرون [106 ق.م/34 ق.م] : من أهم القائلين بفكرة المواطنة العالمية، وهو فيلسوفٌ وسياسيٌّ رومانيٌّ، تأثر في مؤلفاته المختلفة بأفلاطون الذي حذا حذوه في جمهوريته de respublica وأرسطو في hortensias». يعود إليه الفضل في الترويج للفلسفة اليونانية في الأوساط الرومانية وتنقية الرواقية من شوائبها الخرافية، وعلى الرغم من ميوله الشكوكية بحكم تأثره بالتيارات الأكاديمية، فقد تمسك بجوهر الفلسفة الرواقية الخلقية التي كانت تعتبر الفضيلة أساس السعادة»[1].

يقيم شيشرون في كتاب «الواجبات» بحوثاً مفصلةً للمواطن العالمي، ومن القواعد الأساس التي تبنى عليها المواطنة العالمية في نظر شيشرون، وجلّ المفاهيم الأخلاقية عنده هي: «يصرِّح سيبيون في الجمهورية بأن البشر اجتمعوا في جماعاتٍ أو مجتمعٍ لا لعِلَّة الحاجة أو الضعف بل غريزة.لقطيع هي علة الاجتماع»[2].

(117)

ويشرح شيشرون هذه الغريزة في كتابه «الواجبات» فيقول: «النحل لا يجتمع من أجل أن يصنع العسل، بل يصنع العسل لأنهم يجتمعون طبيعيًّا.. والبشر يجتمعون أيضا طبيعيًّا، يضعون أفكارهم وجهودهم في خدمة الجماعة..»[1] أما واجبات الإنسان العالمي في نظر شيشرون أو بالأحرى واجبات الإنسان نحو الإنسانية فهي صنفان: سلبية ومنها عدم إيذاء الآخر، أمّا الواجبات الموجبة فهي التعامل مع الآخر بالحسنى ومحاولة إسعاده، فالرابطة بين أبناء الإنسانية قائمةٌ على المنظومة الأخلاقية.

كما نجد الفيلسوف سنيكا[2] الذي تأثر أيضا بالفلسفة الرواقية خصوصا في شقها الأخلاقي، يتبنى فكرة الأخوة العالمية التي قال بها فلاسفة الرواق، فـ «الطبيعة تأمرنا ـ كما يقول ـ بأن نفيد الناس، سواءً أكانوا أحراراً أم عبيداً، مواليَ أم مولودين أحراراً، وحيثما وُجد كائنٌ إنسانيٌّ، فثم مجالٌ للإحسان»[3].

ويقول أيضا: «...عش مؤمناً بهذه الفكرة: إني لم أولد لأيِّ جزءٍ من هذا الكون، فهذا العالم كله وطني، فإن لم تتضح لعينيك هذه الحقيقة، فلا غرابة إن لم تحظ بفائدة من المناظر الجديدة عندما تطوف في الآفاق وقد أصابك الملال من المناظر القديمة. كان من

(118)

الجائز أن المناظر الجديدة في كلِّ مرةٍ تشرح صدرك لو أنك آمنت بأنها كلها وطنُ لك ..»[1].

 كما يعتمد سنيكا في تصويره للمواطن العالمي على حجّةٍ نفسيةٍ مفادها الاعتياد أو العادة، فالرتابة اليومية التي يعيشها المواطن مع محيط مدينته، تجعله يشعر بالغربة وهو في موطنه، أما إذا كان في واقعٍ جديدٍ يمكن أن يقون أفل جملا من موطنه، ولكنه يشعره بالراحة والطمأنينة، وهذا يعود إلى التعامل الجديد مع المناظر الطبيعية أو لذة الاكتشاف، فالتعلق بالجديد يؤكد للمواطن أنه لم يخلق لتلك المدينة التي وجد فيها أو كان فيها مسقط رأسه.

الموطن الجديد أيضا هو موطني، فالفرد ينتمي إلى كلِّ جزءٍ من هذا الكون، وفي الأخير يمكننا القول أن فلاسفة الرواقيّين غيروا قواعد التقسيم السياسي والجيوسياسي الذي كان سائداً المجتمع السياسي آنذاك، فبعد قرنين فقط من موت أرسطو فشلت دولة المدينة، واستحال عليها البقاء منطويةً على نفسها وعلى التمييز القاسي الذي كانت تعتقد في مشروعيته بين المواطنين والأجانب، وحصرها المواطنة في أولئك الين يستطيعون في الواقع أن يسهموا في الحكم داخلها.

أما الرواقية.قد تجاوزت محيط المدينة الضيق إلى أفق الإنسانية.ما أخذت.لرواقية على عاتقها بكلِّ جرأةٍ أن تفسِّر المثل العليا بكيفية تناسب الدولة العالمية، كما رسمت خطوطاً لفكرةٍ إنسانيةٍ عالميةٍ

(119)

متحدةٍ في ظل العدل، وأصرّت على أن الدولة العالمية إنما هي اتحادٌ أخلاقيٌّ، فالمواطنة بمفهومها العالمي لا تمسح أن تُلغى المواطنة بمفهومها القومي، فبدون تلك الأخيرة لا وجود للمواطنة بمفهومها العالمي فكلاهما يعاضد الأخر.

المواطن العالمي شخصٌ حضاريٌّ يعتبر العالم كله وطناً له وهو شخصٌ يمتنع عن التركيز على الولاءات القبلية أو العرقية أو القومية فهو يرتاب في استخدام هذه الولاءات كمعيارٍ في التدابير الأخلاقية، ولن يحس بأيِّ شعورٍ للاستعلاء لهويته الثقافية أو العرقية، ولكنه يري نفسه جزءاً مركبًّا من عدة إمكاناتٍ تشكل هويته.

الهجرة والمواطنة:

الهجرة ظاهرةٌ اجتماعيةٌ تعمل على وجود بعض التعديلات في ظاهرة المواطنة، والشرعية منها، مثلا، تمنح المهاجر بعضا من حقوق المواطنة في البلد الجديد، ولذا فإن المواطنة كرابطةٍ قانونيةٍ وشعوريةٍ بين المواطن والمدينة أو الأرض تبدأ في التلاشي شيئا فشيئا، وتقدر حاليا نسبة المهاجرين.ي العالم حسب التقرير السنوي للمنظمة الدولية للهجرة الصادر في 23/جوان /2005 مابين 185 و192 مليون مهاجرٍ، وفي عام 2000 كان نحو 175 مليون شخصٍ يعيشون خارج البلدان التي ولدوا فيها والتي يحملون جنسيتها.

كما أن عدد اللاجئين الدوليين في ازديادٍ مستمرٍّ بسبب الحروب والتغيرات الجيوسياسيّة التي غيرت بنية الدول الكبرى خلال العقد الأخير من القرن العشرين مثل الاتحاد السوفيتي، ويوغوسلافيا،

(120)

كما أن الاعتماد المتبادل بين الدول نتيجة التحرير الاقتصادي.. وهذا التزايد، والوجود الإنساني في دول أجنبية أفرز نماذجَ جديدةً للمواطنة اُصطلح عليها: مواطنة الأقلية والتي تشمل حقوق الانضمام إلى مجتمعٍ آخرَ، ومن ثم البناء داخل هذا المجتمع والتمتع بالحقوق وأداء الواجبات، ومواطنة التدفق Citizen of Flow إذ شهدت الإنسانية في العقود الأخيرة الكثير من الإنجازات التشريعية على المستوى الدولي، من أجل حماية المهاجرين.

حقوق المهاجرين أصبحت مرتكزةً على اتفاقياتٍ ومعاهداتٍ دوليةٍ، كما قامت الاتفاقيات الدولية بتقييد سلطة الدولة في مراقبة الهجرة ومن أبرز هذه الاتفاقيات الاتفاقية الدولية التي تبنتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 18 ديسمبر 1990 الخاصة بحماية جميع العمال المهاجرين وأفراد عائلاتهم (قرار 45/185).

 فالدولة أصبحت مسؤولةً أمام المقيمين داخل إقليمها، بناءً على مبادئ القانون الدولي لحقوق الإنسان، فالفرد الموجود خارج حماية دولته الأصلية يحق له الحصول على العضوية.ي دولةٍ أخرى.تى يضمن حماية حقوقه، فإن كان للفرد الخيار بين هذه الدولة أو تلك لمطالبتها بحمايته فإن الدولة على العكس من ذلك لا خيار لها في حمايته، فالدولة ملزمةٌ بقبول هؤلاء الأفراد وحمايتهم، كأن تكون حالتهم ووضعيتهم في وطنهم من حيث الحقوق مهددةً بالسلب، أو أن دولهم عاجزةٌ عن حماية حقوقهم ومواطنتهم.

فبعدما كانت المواطنة قاعدةً قانونيةً لاكتساب الحقوق، أصبحت

(121)

الحقوق هي القاعدة التي تتأسس عليها المواطنة، وصعوبة التمييز بين المواطن الأجنبي في مسالة الحقوق يفقد المواطنة قيمتها على الأقل بمعناها التقليدي، مادام الانتماء إلى دولةٍ وطنيةٍ معينةٍ لم يعد القاعدة الوحيدة لاكتساب الحقوق وممارستها، بل كل القاطنين، سواء أكانوا مواطنين أم لا يحق لهم المطالبة بحقوقهم. فالمواطنة ما بعد الوطنية كأساسٍ نظريٍّ تقوم كتحليلٍ وتأسيسٍ على ظاهرة الهجرة العبروطنية، فهذه الظاهرة تؤثر بشكلٍ مؤكدِ على الأساس التقليدي للعضوية في الدولة الوطنية، فالحقوق أصبحت تطلب على قاعدة الإقامة لا على أساس الولادة.

كما يلاحظ بعض علماء الاجتماع أمثال يوسي شان ومارتن شارمان أن الجماعات المهاجرة تأخذ شيئاً فشيئاً خاصية الشتات حيث أصبحت قادرةً على تعزيز فرصٍ جديدةٍ للمواطنة العبروطنية، فالدراسات والبحوث الميدانية والاستبانات المقدمة من قبل الدارسين لمسألة المواطنة تشير إلى تآكلِ وبدايةِ احتضار المواطنة التقليدية. 

فحسب [1]Sylvie Fortin، مفهوم المواطنة بالنسبة للبعض هي مسألة إدارية ليس إلا، «فأغلب من قدموا لها الاستبانة يشعرون بمحدودية المواطنة القانونية، فإحداهن تقول: إنني هنا منذ ثلاثين سنةً وبمجرد وجودنا في مكان ما يمنحنا جواز السفر، تسهيلات، ومشاركة في الحياة السياسيّة وهي مواطنةٌ إداريةٌ، وبالنسبة لي ليست

(122)

لها قيمةٌ عاطفيةٌ، أسافر كثيرا فأنا أملك مواطنَتَين »[1]. فاكتساب الحق في المواطنة يؤدي إلى تآكل مبدأ المواطنة التقليدي، فالمواطنة هي أن يشعر المواطن بأنه في بلده وأن يكون له الحق في أن يكون كذلك كما تقول فورتان.

ويمكن حوصلة المؤشرات المميزة لنهاية المواطنة في جملةٍ من النقاط أولها تغير الرؤية والنظرة إلى مفهوم المواطن الذي كان مرتبطاً بخصائصَ إداريةٍ وقانونيةٍ وثقافيةٍ معينةٍ إلى أنسنة المواطنة إذا جاز التعبير، فالخصوصية الإنسانية أصبحت القاعدة التي ترتكز عليها المواطنة وليس الخصوصية الثقافية والسياسيّة، فالصفات الإنسانية واحدةٌ لدى الجميع سواءً أكان جزائريًّا أم فرنسيًّا، فالشخصية العالمية هي النموذج الجديد لمبدأ المواطنة، والتي تستمدّ شرعيتها ومشروعيتها في المعاهدات والقوانين الدولية لحقوق الإنسان، إذ أصبحت تتجه نحو نموذجٍ أكثرَ كونيةً، يتحرر شيئاً فشيئاً من الإقليم.

وهذا ما ذهبت إليه أيضاً أستاذة علم الاجتماع ياسمين سويسال في كتابها «نهاية المواطنة» أو «حدود المواطنة» limits of Citizenship [2]، إذ تقارن.ي هذا الكتاب بين الأساليب المختلفة التي تستعملها الدول الأوروبية في دمج المهاجرين، وكيف تطورت هذه السياسات، وكيف تتأثر من قبل الخطابات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان. تركز سويسال على الهجرة الدولية بعد الحرب، مع إبداء

(123)

اهتمامٍ خاصٍّ بالعمال الضيوف كما طرحت توصيفاً جديداً لهذه الدول فرنسا وألمانيا وهولندا والسويد وسويسرا والمملكة المتحدة، ورأت أنها تعرف ثلاثةَ نماذجَ رئيسيةً من أشكال المواطنة غير التقليدية، وتعتقد أن التوسع العالمي والسلطة المتعالية التي يملكها خطاب حقوق الإنسان إضافةً إلى سلطة هيئة.لأمم المتحدة أوجد نوعاً من الضغوط المتزايدة على الدول القومية في إدماج الأجانب وتوسيع رسوم وشروط العضوية أو المواطنة للأجانب، ما أدى إلى ظهور عدةِ معالمَ تجعل التفرقة بين المواطن وغير المواطن من الأمور المستعصية.

لم تعد تتلاءم التصورات التقليدية للروابط بين المواطن والدولة مع نمو عدد الجماعات الاجتماعية والسياسيّة عبر وطنية الناشئة عن الهجرة عبر الحدود. فإذا كانت المواطنة التقليدية تقوم على العلاقة بين الفرد والدولة فإن النموذج الجديد للمواطنة يقوم على العضوية، فبمجرد حصول المهاجرين أو المقيمين على هذه العضوية فإن المواطنة القائمة على الانسجام بين العضوية.الإقليم تبدأ في التلاشي والاحتضار على المستوى القانوني لا على المستوى الشعوري فقط.

ويلاحظ أن المواطنة الممنوحة للمهاجرين ليست مواطنةً كاملةً بل مواطنةً ناقصةً، فالمواطنة تفترض ضمنيا المزايا والحقوق والواجبات، فالمزايا قد تكون موزعةً بالتساوي مع المهاجرين، وأيضا الحقوق إلا البعض منها وهي حق المشاركة في الوظائف العامة، وحق التصويت في الانتخابات الوطنية، فامتلاك المهاجرين

(124)

للمواطنة لا يعني.لحصول على المواطنة الكاملة.

فالمشاركة في الاتحادات العمالية، وحرية الاجتماع والكلام، وحق الحماية المتساوية للقوانين ممكنةٌ بالنسبة لجميع الموجودين على التراب الوطني سواءً أكان الفرد مواطناً مقيما أو مهاجراً شرعيّاً أو غير شرعيٍّ فإنه لا يختلف أمام القانون عن غيره من المواطنين، والملاحظ أن: «..بعض البلدان تمكن المهاجرين من التصويت في الانتخابات المحلية، كما يتمتعون بحق البقاء في البلد، حتى ولو كانوا عاطلين عن العمل.يعتمدون على المزايا العامة ما لم يدانوا في جرائم والفرق بين المواطنين وغير المواطنين يكمن في الواجبات، فالمهاجرون غير المواطنين لا يلزمون بالخدمة في الجيش، وهم لا يدعون في الولايات المتحدة للقيام بواجب المحلفين»[1].

فالحصول على المواطنة من قبل المهاجرين لا يعني نهاية المواطنة بالنسبة للمواطن الأصلي، بل هو رغبة في تأكيد عضويتهم وولائهم للبلد الذي يعيشون فيه الآن [2]، بشهادة مايروك وينر فالدافع الذي يدفع المهاجر إلى البحث عن المواطنة في نظره هو التعارض الموجود بين حضارته وحضارة.لبلد المضيف، فالسماح للغير بالحصول على الامتيازات القانونية في الوطن دليلٌ على السلوك الحضاري الذي يتميز به هذا المواطن، والخوف على مواطنتي بمجرد حصول غيري على المواطنة أمرٌ يفتقر للأساس الأخلاقي،

(125)

فهو يتضمن الكثير من الأنانية، وهذا لا يعني أن الحصول على المواطنة من طرف المهاجرين لا يطرح أيَّ مشاكلَ، فالهاجس الأمني له ما يبرره، وعليه فالإجراءات والتشريعات لمسألة المواطنة ينبغي أن تقام على العدل والموضوعية، وإقصاء النظرة الإثنية والدينية للمهاجرين.

فسياسة الهجرة بدلاً من سياسة التجنس هي نقطة النزاع.لمهاجرين، لأنها تقوم على خلفيات مبيتةٍ، إذ إن البلدان التي تجعل التجنس صعباً ولا تجعل أطفال المهاجرين المولودين محليًّا مواطنين تلقائيًّا هي بلدانُ معرضةٌ لخطر ظهورِ نظمٍ اجتماعيةٍ ينطبق فيها الانقسام الطبقي على الانقسام العرقي، فتوسيع المواطنة لتشمل المهاجرين، وخصوصا أطفالهم هي خطوةٌ نحو إدماج المهاجرين وخطوةٌ لخلق ولاءاتٍ والتزاماتٍ بين المهاجرين، ويقضي على إمكانية تكوين طبقةٍ غيرِ مدينيةٍ تكون مستقبلاً موضع ازدراءٍ من قبل المواطنين الأصليين؛.بناء المواطنة على أساس الخصوصية الإنسانية، هو السياسة الناجحة والناجعة، فنهاية المواطنة لا تستلزم بالضرورة نهاية وضعف الدولة القومية، فإذا كان مصدر الحقوق ومشروعيتها يتنقلان من الوطنية إلى العبر وطنية، فإنها تبقى تمارَس في فضاء الدولة الوطنية، وتبقى هذه الدولة الضامن الوحيد والمحتفظ بالخصوصية الثقافية الوطنية.

(126)

 

 

 

 

 

 

الفصل الخامس

الإسلام والمواطنة

 

(127)

الفصل الخامس:

الاسلام والمواطنة

يمكن الاستهلال بالحديث المشهور عن النبي الأكرم صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله: «ما أوذي أحد ما أوذيت في الله»[1] للإشارة إلى الهجوم الموسع على العقيدة الاسلامية، والذي شارك في بلورة وإذكاء حدة هذه الأذية المنتمون إلى هذه العقيدة بأنفسهم، حيث سايروا الغرب في نفي كلِّ أصيلٍ، عن هذه العقيدة، والمواطنة من بين هذه المفاهيم التي استبعد الفكر الغربي والعربي وجودها في الثقافة الاسلامية.

ولكن الباحث بعين الحياد والموضوعية يجد الكثير من المؤشّرات الدالة على المدنية والمواطنة في التراث الاسلامي، وفي جميع الثقافات أيضا، فالاصطلاح على يثرب[2]* بالمدينة المنورة، إشارة واضحة للمدنية التي تحملها المدينة، إذ كانت التسمية مع بداية التأسيس للدولة الأخلاقية، أو الدولة الاسلامية

(128)

كما ينعتها البعض، وإن كانت الأمة في الاصطلاح الاسلامي هي التعبير الأنسب، وتجد عند الشهيد علي شريعتي إشارات لطيفةً في دلالة الأمة التي أرادها الإسلام.لتعبير عن البعد الإنساني للمجتمع المدني في القرآن: «كلمة أمة مأخوذةٌ من أَمَّ بمعنى قَصَدَ وعزم وهذا المعنى يتركب من ثلاثةِ معانٍ حركةٌ هدفٌ قرارٌ واعٍ، وحيث إن أم ّتنطوي في أصلها على مفهوم التقدم أيضا، يُضحي هذا المعنى مركباً من أربعة معانٍ: اختيار، حركة، تقدم، هدف ومع حفظ جميع هذه المعاني تبقى كلمة الأمة في الأصل بمعنى الطريق الواضح أي جماعة إنسانية تعني الطريق»[1].

فالأمة جماعةٌ تسير نحو أفق الاكتمال، منتهجةً في ذلك جميع الأساليب التي تكفل لها بلوغ ذلك، فهي ليست Nation.المفهوم الغربي، لأن الدلالة تتأسس فيها على القرابة والدم، والتي تقف أمام الغايات السامية للمجتمع المدني، وعليه يمكننا القول أن المشاكل السياسية ناتجةٌ عن الحمولة الاثنية للمفاهيم.

وفي التراث الإسلامي كثيرةٌ هي الاشارات الدالة على أهمية المدينة كجماعةٍ حضاريةٍ، وتعبيرٍ عن مستوىً اجتماعيٍّ راقٍ، ومن بينها ما ورد في السيرة النبوية من تراثٍ استدلاليٍّ على عظمة المدينة، ودورها في بروز وعظمة الشخصية المحمدية، حيث يستأنس ابن

(129)

النفيس بشخصية كامل للتدليل عى هذه العظمة، يقول فيها: «إنه لما ثبت عند كامل أنه يجب أن يكون أعلم الأنبياء وأفضلهم، فكر في أيِّ المواضع من الأرض ينبغي أن يكون منها؟ فقال في نفسه: أنه يجب أن لا يكون من أهل البَرّ كالأعراب ونحوهم، فإن سكان البراري يجب أن تكون عقولهم وآراؤهم أنقص ممّا يكون في أهل المدن، فإن أهل البَرّ لا يجدون من يتشبّهون به من العقلاء بخلاف أهل المدن. فإذاً لابد وأن يكون هذا النبي من أهل المدن [1]».

والمدينة فضاءٌ مدنيٌّ متميّزٌ، يسمح لملكات وقدرات الأبناء على التفتّق، فالعيش فيها أحسن من العيش في البراري، والإشارة التي نستقرئها من النص الذي يقدّمه ابن النفيس أن الشخصية المحمدية كنموذجٍ بشريٍّ، ومعيارٍ تستقطبه البشرية، كانت نتاجَ بيئةٍ مدنيةٍ مميزةٍ، وممكنةٍ للجميع، خصوصاً إذا توفّر الشرط المعرفي، وسيرة النبي الأكرم تمنحنا هذه الدلالات التربوية، فالمثل أو النموذج بالنسبة لأهل البَرّ هو إنسان المدينة.

وعليه تكون التنشئة التربوية في القرية قائمةً على نموذجٍ، أمّا المدينة فالنموذج بدوره يحتاج إلى نموذجٍ آخرَ، وعليه كان محيط المدينة أحسن نموذجٍ قدمته البشرية في تجمعاتها المدنية، والغريب في الأمر أن المدينة التي ترعرع فيها الرسول الأكرم هي

(130)

النموذج، والمثل الأعلى للمدينة البشرية، وهي مكة، يقول ابن النفيس: «..ويجب أن يكون من أهل المدن الأشرف فإن أهل المدن الخسيسة يستقلون عن الناس، وفضيلة المدن تكون بأمور: منها اعتدال الهواء، ومنها رخاء الأسعار، ومنها كثرة الثمار، ومنها كثرة المياه ونحو ذلك، ومنها العظمة الدينية في نفوس الناس، وهذا هو أولى الأمور التي بها ترجح المدينة التي يكون منها هذا النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله[1]

وشرف المدينة التي ينتمي إليها النبيّ الأكرم، ليس شرفاَ من النحو الذي يفهمه العموم من الناس، بالإضافة من قبل سلطة مقدسة أو متعالية، بل شرف مكة من تاريخها، ومن الرموز التي تستبطنها، وفرض زيارة المدينة لم يكن بميلاد النبي الأكرم، بل كان قبل ميلاده بكثير، وهذا ينم على المعاني الجليلة التي تملكها، ويمكنني الاستئناس بقراءة المفكِّر علي شريعتي، فمدينة «مكة» التي تستقرُّ فيها الكعبة كمعلَم، والتي لا تقدِّم في النظرة الأولى للناظر غير غرفة مكعبة فارغة.. والتي تقوم بدور الإشارة أو العلامة والدليل والمرشد، فهي ليست نقطة النهاية، وإنما لتدلك على الاتجاه... إنك تبدأ الحج حينما تقرر أن تتحرك تجاه الأبدية.. إنها حركةٌ أبديةٌ نحو الله لا نحو الكعبة.. فالكعبة ما هي إلا بدايةٌ.. لقد سمِّي البيت

(131)

بالعتيق وهو عتيق أنّه يمثِّل التحرُّر»[1].

المدينة في التراث الإسلامي رمزٌ للحضارة، وللمجتمع المدني، والإشارة هذه ليست إلّا غيضاً من فيضٍ، فاعتمادها في إثبات عظمة الشخصية المحمدية في الفكر الاسلامي، وتسمية النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليثرب بالمدينة دلالاتٌ واضحةٌ لأهمية المدينة، كما اقترن التشريع المدني في الحكومة الإسلامية بحوادثَ اجتماعيةٍ مميزةٍ سجلها التاريخ، تعكس الملمح المدني والمواطني في الشريعة الاسلامية، ومنها المؤاخاة.

المؤاخاة:

يغيب الحديث عن مؤاخاة النبي بين صحابته في مكة، وبين المهاجرين والأنصار في المدينة المنورة في الكتابات العربية الفكرية كثيرا كأنه حادثٌ عفويٌّ لا يمت بصلة إلى التشريع المدني الإسلامي، وهي في الحقيقة تعاقدٌ وتأسيسٌ للمجتمع المدني. وعقد المواطنة المعروف قانوناً، والذي يقوم عليه المجتمع المدني هو مؤاخاةٌ بين العناصر والمكونات الاجتماعية للدولة، سواءً أكانوا نخبا فكرية، أم سياسية، أم أناساً عاديين، والذي يؤكد ذلك اعتماد الأخوّة بدلالتها القرآنية المتعالية، والتي تتجاوز المعيار الإثني والجنسي في التعاقد المدني بين الأفراد، قال تعالى:» (إنَمَا الْمُؤْمِنُونَ

(132)

ِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ * وَاتَّقُوا اللَّـهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) «[1]..القاعدة الرئيسة للمجتمع القرآني هي الأخوّة التي يشرحها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في قوله: «..فإنهم صنفان: إما أخٌ لك في الدين، وإمَّا نظيرٌ لك في الخلق، يَفرط منهم الزلل، وتَعرض لهم العلل»[2].

ويذكر التاريخ أن المؤاخاة مرت بلحظتين: الأولى في مكة حيث آخى النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله بين المؤمنين، لتجاوز مرحلة الامتحان الصعب التي عايشها المؤمنون في مكة، واللحظة الثانية كانت في المدينة، أين آخى النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله بين المهاجرين والأنصار، وكان الأصل في العقد هو المؤاخاة: «..فقال في ما بلغنا تآخوا في الله أخوين أخوين، ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب، فقال هذا أخي.. وكان حمزة بن عبد المطلب.. وزيد بين حارثة أخوين.. وجعفر بن أبي طالب.. ومعاذ بن جبل أخوين..»[3].

وما نستشفه من عناصر المؤاخاة هو التأسيس الموضوعي لعقد المواطنة، التي يبنى عليها المجتمع المدني، فالمؤاخاة بين النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله وعلي كرم الله وجهه توحي بدلالاتٍ عديدةٍ منها أن التناغم بين الشخصيات لازمةٌ ضروريةٌ، وأمير المؤمنين عليه السلام

(133)

باب مدينة العلم المحمدي، وعليه فإنّ التأكيد على التقارب بين عناصر المجتمع المدني يؤسس لمواطنةٍ فاعلةٍ ومتكاملةٍ، فبناء المجتمع يكون بأداء الأدوار بدقةٍ، فليس من المواطنة تكليفُ شخصٍ بمهامَّ ليست من قابلياته وكفاءاته.

والعلاقة السائدة في المؤاخاة الإسلامية هي القيم الأخلاقية، التي اعتبرها البعض عاطفيةً وفاقدةً للدلالات الموضوعية المدنية، وهذا النموذج يساهم في إيجاد مجتمعٍ مدنيٍّ متكاملٍ، وإن كانت اللحظة المحمدية مجردَ بدايةٍ جنينيةٍ لم تكتمل، تعثرت في مسارها الحضاري بسبب الانحراف الفكري والسياسي الذي عرفته الأمة الإسلامية عبر التاريخ.

ويكشف لنا الأستاذ طه عبد الرحمن عن الآفاق الأخلاقية التي تحملها المؤاخاة في سياق الأمة، فهي سيرٌ نحو الكمال الخلقي، يقول: «لقد تقرر أن المؤاخاة تنبني على أربعة أركان: إثنان منهما يلزمان عن التحقق بالإخلاص، وهما دوام التجرد من أسباب الظلم ودوام التوجه إلى المتجلي بالعدل، وإثنان آخران يلزمان عن التمسك بالأمة وهما التحقق بالماهية الأخلاقية، وتحصيل القدرة على إبداع القيم..»[1]، وعليه تتحقق المواطنة الحقيقية عند طه عبد الرحمن من خلال مبدأ المؤاخاة، وسلطة الأمة التي تقوم على الأسِّ الاخلاقي، لا المادي.

(134)

صحيفة المدينة:

تعتبر الصحيفة تأسيساً واقعيًّا للمجتمع المدني، فهي عقدٌ اجتماعيٌّ مدنيٌّ تم تاريخيًّا[1]* بين النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل المدينة بجميع مكوّناتها الاجتماعية والإثنية والعقدية، وما يهمنا في الوثيقة هو البعد السياسي والمدني الذي تملكه الوثيقة حيث كانت البنود التي تضمّنتها الوثيقة ضوابطَ أخلاقيةً ومدنيةً للمجتمع النموذجي، حيث شملت الأحكام المتضمّنة أحكاماً عامةً، وأحكاماً خاصةً بين المؤمنين، وأحكاماً تحدّد العلاقة بين المؤمنين وأهل الكتاب، وإذا كان المجتمع المدني في السياق الغربي كما يقول الأستاذ محمد عثمان الخشت[2]* قائما على التقاعد، فإن: «..أول عقدٍ اجتماعيٍّ صريحٍ تم توقيعه في التاريخ تمثل في ما يسمى صحيفة المدينة.[3]» والعقد الذي اقيم فعلا في التاريخ الاسلامي يختلف عن العقد الغربي، الذي كان مجردَ نظرياتٍ فلسفيةٍ سابحةٍ في الخيال.

 يكشف البند الأول في الوثيقة عن الدلالات السياسية والمدنية للصحيفة، حيث تؤكد على الوحدة والرابطة الأخلاقية بين مكونات المجتمع، فهم إخوةٌ، الفوارق الاجتماعية والعرقية لا وجود لها ولا

(135)

اعتبار لها: «.. إنهم أمةٌ واحدةٌ من دون الناس..»[1] والتأكيد على الوحدة هو الأصل في المجتمع المدني، فلا قوة لأمةٍ أو مجتمعٍ دون تلاحمه، وتضافر جهود عناصره ومكوناته، وبما أن الرابط الذي جمع بين مكونات المجتمع المدني في المدينة كانت العقيدة، التي لم تلمس قلوب ووعي الكثيرين، أراد النبي الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله حماية النسيج الاجتماعي الذي كان مركباً من طوائفَ متعددةٍ ورواسبَ قبليةٍ وعشائريةٍ، تهدد التماسك بين أعضاء الأمة، لهذا نجد في البنود اللاحقة ذِكراً للطوائف المكونة بأسمائها الواحدة تلو الأخرى، لأن تجاهل قبيلةٍ في النص يُعتبر بحد ذاته إهانة لها في عرف العرب، كما تشير الصحيفة في بداية الذكر للقبلية بأصلها القبلي والعرقي «بنو الحارث»، مثلا، ثم يتبعها بعبارة، «وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين» لأن التكوين الاجتماعي لهذه القبيلة لا يقف عند حدود الدم فقط، بل يتعداه الى وجود طوائف متعدّدة داخل هذه القبيلة.

وخلاصة القول أن الصحيفة عقدٌ مدنيٌّ وسياسيٌّ، مضبوطٌ اخلاقيًّا، إذْ تضمنت جملةً من القيم الأخلاقية والمدنية يمكن إجمالها في «..التعددية، وحرية العقيدة، والمواطنة، والمساواة، والإدارة السلمية للاختلافات، وهي لا تتعارض مع الانتماء لامةٍ واحدةٍ أو مجتمعٍ مدنيٍّ واحدٍ. ولم يضع الإسلامُ الدينَ معياراً

(136)

للانتماء بل الالتزام بشروط العقد الاجتماعي، ولعل أهمها عنصر تحقيق الأمن[1]».

أسست الصحيفة لدولةٍ في فضاءٍ سياسيٍّ لم يعرف الدولة أصلا، إذ كانت النظم السياسية آنذاك مثالاً للاستبداد والطغيان، فلا حريةَ معتقدٍ، ولا حقوقَ طبيعيةً، بل جورٌ وحيفٌ، ولكن وثيقة الصحيفة تعاطت مع عناصرها التأسيسية للدولة بحكمةٍ وإدارةٍ موضوعيةٍ محكومةٍ بقيمٍ أخلاقيةٍ، فالعناصر الأربعة للدولة: المواطنون، الإقليم، الحكومة، القانون، واردةٌ بالصريح في نص الوثيقة، والعلاقة بين المواطنين غير محكومةٍ إثنيًّا. كما أسست الصحيفة مفهوم الدستور، وهو المدونة القانونية العليا التي توضح الحقوق والحريات والمسؤوليات للحاكم والمحكوم، وأسست لأليات إعمال الدستور بعد التوقيع عليها من جهة اطرافها بعد المشاورات والمباحثات.»[2].هو المنطلق الأساس في العقد، إذ يقع في الأهداف الاستراتيجية الأولى، والذي يصطلح عليه حاليًّا بالأمن القومي، فأمن المدينة فوق كل اعتبار، وما ورد في الصحيفة: «..وأن يثرب حرامٌ جوفها لأهل هذه الصحيفة ..[3]» فكل تجاوز لهذا الخط يستلزم بالضرورة فسخاً للعقد.

(137)

والتراث الاسلامي غني بالمدونات الفقهية السياسية التي تؤكد وتقرر عظمة هذا الدين في بناء المجتمع المدني القائم على انسانية ليست متعالية ومجردة، بل مجتمع واقعي يقوم على الأخلاق في منطلقاته، وغاياته، ومن بين هذه الوثائق السياسية: رسالة الحقوق للإمام علي بن الحسين زين العابدين رضي الله عنهما.

رسالة الحقوق:

يتهافت العرب على ترجمة ودراسة وتحقيق «رسالة في التسامح لفولتير» و»رسالة في التسامح» لجون لوك على قاعدة الأهمية والدور الرئيس والخطير في نهضة المجتمع الإنساني، دون إلقاء التفاتة بسيطة لأهمية التراث السياسي الإسلامي. ورسالة الحقوق للإمام علي بن الحسين[1]* عليه‌السلام من بين الرسائل القصيرة في متنها، والعميقة في مبانيها ودلالاتها، فهي من خلال العنوان تضع الحقوق الأصل والقاعدة الرئيسة في بناء مجتمعٍ مدنيٍّ وحضاريٍّ متماسكٍ وقويٍّ، وقليلةٌ هي الدراسات التي اهتمت بهذه الرسالة، خصوصا بعد نعت الرسالة، ونسبها للشيعة، حيث استثمر الغرب هذا التضليل الإعلامي من طرف أدواته العربية في تحييد الأمة عن قراءة ودراسة التراث السياسي والفكري للشيعة الإمامية، فكل ما انتجه رجال الفكر في الإسلام، هو ملك للمسلمين جميعاً، وليس حكراً على

(138)

مذهبٍ فقهيٍّ، أو اتجاهٍ سياسيٍّ معينٍ.

نجد في رسالة الحقوق تأصيلاً دينيّاً للحقوق، يبدأ بحقوق الله التي تتفرع إلى حقوق فرعية: حق الله الأكبر، حق النفس، حق اللسان، حق السمع، حق البصر، حق الرِّجلين، حق اليد، حق البطن، حق الفرج.

ومن خلال الهيكلية التي تقوم عليها حقوق الله يظهر البعد الديني للإنسان، فالحق الأول هو للعلة المصدرية، فمنه فاضت هذه الموجودات، وعليه فإن الأوْلى بالاحترام والتبجيل هو الله سبحانه وتعالى، والمرتبة الثانية في المنظومة الحقوقية هي للنفس التي تعتبر المعطى المادي والأنطولوجي، فالنفس هي المحرك والمُسيّر للأعضاء، وعليه فإن ربط النفس بالله هو تقييدٌ أخلاقيٌّ للحركات الإنسانية، وصهرها في قالَبٍ مجرَّدٍ. «أَمَّا حَقُّ نَفْسِكَ عَلَيْكَ فَأَنْ تَسْتَوْفِيَهَا فِي طَاعَةِ اللهِ فَتُؤَدّي إلَى لِسَانِكَ حَقَّهُ وَإلَى سَمْعِك حَقَّهُ وَإلَى بَصَرِكَ حَقّهُ وَإلَى يَدِكَ حَقَّهَا وَإلَى رِجْلِك حَقَّهَا وَإلَى بَطْنِكَ حَقَّهُ وَإلَى فَرْجِكَ حَقَّهُ وَتَسْتَعِينَ باللهِ عَلَى ذَلِك»[1]

والملاحظ عن الحقوق الفرعية للنفس، والتي هي حق اللسان، وحق السمع... إدراجه تحت إمرة النفس، فهي المصدر المحرك والمسؤول عن هذه الأعضاء، ويبدو أن رسالة الحقوق هي الرسالة الأخلاقية الأُولى التي عرفتها البشرية والتي تتطرق إلى

(139)

الآليات والضوابط الأخلاقية التي تكفل للمرء بلوغ الرقي والكمال الأخلاقي، ومن ضوابط وأخلاقيات اللسان:» وَأَمَّا حَقُّ اللّسَان فَإكْرَامُهُ عَنِ الْخَنَى وتَعْوِيدُهُ عَلَى الْخَيْرِ وَحَمْلُهُ عَلَى الأَدَب «، فمن واجبات النفس أو الذات الإنسانية إكرام نفسها، وتأديبها، واللسان مدخلٌ رئيسٌ لجميع الآثام والمعاصي بالاصطلاح الديني، وباللغة الاجتماعية اللسان رأس المشاكل الاجتماعية.

والجوارح هي المدخل الأساس لبلوغ الطاعة والقرب الإلهيَيْن، فهي: «..بوابات العبور السبع إلى الطاعة وهي محل الاحتكاك بالمجتمع، فمن خلال اللسان أتكلم وأتعاطى مع الآخرين، ومن خلال الأذن أسمع، ومن خلال العين أبصر فأنقل صوراً معينةً تعطي انطباعاتٍ في ذهني، فإذا كانت صوراً خبيثةً تؤثر عليَّ وإذا كانت صوراً جيدةً تؤثر عليَّ.. إننا إذا أتقنّا العلاقة مع هذه البوابات السبع وعرفنا كيف نتعاطى معها سنحل كل المشكل المرتبطة بالنفس الانسانية»[1].

وتتضمن الرسالة كل العناصر والمقوّمات التي تكفل السعادة للمجتمع المدني، فمن الجوارح التي حدد لنا فيها الحقوق الواجبة علينا اتجاهها، إلى حقوق الأفعال التي تتجلى في حق الصلاة، وحق الصوم، وحق الصدقة، وحق الهدي، حيث تجد تحليلاً وتقعيداً لن

(140)

تجد مثيلاً له في التراث السياسي الغربي مطلقاً. وتعرّفنا الرسالة بالقيم الأخلاقية المتضمنة في فعل الصلاة، والتي نجدها واضحةً في الآية الكريمة: (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ  إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ  وَلَذِكْرُ اللَّـهِ أَكْبَرُ  وَاللَّـهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)[1].

والمسألة التي تتعلق بدراستنا هي العلاقة السياسية بين الحاكم والمحكوم، والتي نجدها في الرسالة بحق السلطان، التي جاء فيها: «فأما حق سائسك بالسلطان، فأن تعلم أنك جعلت له فتنة، وأنه مبتلىً فيك، بما جعل الله له عليك من السلطان، وأن تخلص له في النصيحة، وأن لا تماحكه وقد بسطت يده عليك فتكون سبب هلاك نفسك وهلاكه..[2]»

العلاقة بين الحاكم والمحكوم تلازميةٌ، فلا سلطة للحاكم بدون المحكوم، ولا رعية بدون حاكمٍ، فهي واقعةٌ طبيعيةٌ تظهر من اصطلاح الجعل، فالمحكوم فتنةٌ للحاكم، والعكس، فالحقوق متبادلة بين السلطان، والفرد، وليست اعتباطيةً، فإدارة البلاد أو الدولة محكومةٌ بضوابطَ شرعيةٍ وقانونيةٍ، لا يمكن تجاوزها، و»..تسلم السلطان للسلطة يضعه أمام مسؤولية الناس وحقوقهم، لأنه يمتلك قدرة التصرف بحكم القانون والنظام العام.. لكن الحقوق

(141)

متبادلةٌ، فللحاكم حقٌ عليك، ولك حقٌّ عليه، وينعكس أداء كلٍّ من الطرفين على المجتمع، ولا يصلح مجتمعٌ إلّا بتكاثف الجهود وأداء الحقوق، وإلّا فمع الظلم والإساءة وعدم القيام بالواجبات المجتمعية المطلوبة من الحاكم والرعية، تتجه الدولة إلى الخراب والانهيار.[1]

ونعتقد أن العلاقة بين هذه الحقوق الواردة في رسالة الحقوق والمواطنة ضروريةٌ، فلا مواطنةَ بدون تربيةٍ مواطنيةٍ، ولا مواطنةَ ناجعةً دون التقيد بالضوابط الأخلاقية القيمية، والاهتمام بجانب التنظير في الأخلاق يهدم الأخلاق، فالأخلاق الحقيقية كما يقول أحد المفكرين تسخر من الأخلاق، فالاهتمام بالتربية الخلقية دون النظر إلى جزئيات الأخلاق العملية والتي تبدأ من أعضاء الفرد لا يفضي إلى نتيجةٍ، وهذا ما ميز الفلسفات الأخلاقية التي بقت في سياق الدراسة والتنظير والكتابة فقط.

ورسالة الحقوق دليل عملي للمواطن الخلوق، والاعتماد عليها في تربية المواطنين تسمح للسلطة بالارتقاء بمواطنيها الى مرتبة الكمال النسبي، فالمواطنة كصفةٍ قانونيةٍ مطلبٌ يوتوبيٌّ عند الجماعة، واليوتوبيا السياسية تنطلق من الأخلاق الفردية لبلوغ الكمال الجماعي، والشريعة الإسلامية لم تقف عند منحى التنظير

(142)

بل اهتمت أيضاً بالسبل التي تكفل التحقيق لتلك الغايات الأخلاقية المرجوة من المطالب الشرعية، والحسبة من بينها.

الحسبة وعقد المواطنة:

يقوم عقد المواطنة في.لمجتمع المدني الغربي على تشريعاتٍ نظريةٍ لحماية حقوق المواطنين، ومن البديهي أن التشريع النظري لا يفرض نفسه إلّا من خلال سلطة ٍآمرة ٍوناهيةٍ، ولكن في التشريع الإسلامي نجد الرعاية العملية لهذا العقد من خلال مؤسسةٍ تنفيذيةٍ تسهرٍ على تجسيد هذه القوانين، وهي.ا عرفت في الفكر السياسي الإسلامي بالحسبة التي نعتبرها تأسيساً رسميًّا، وتقنيناً لمبدأ الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لأن من واجبات المكلف، والمؤمن في المجتمع المدني الإسلامي، السعي وامتثال الأمر الإلهي الذي يوجب عليه العمل على تحقيق المعروف داخل المجتمع المدني. ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون[1] وقوله أيضا: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ[2]

(143)

والمسألة التي تطرح نفسها على الباحث أو المكلّف هي الآليات الكفيلة بتطبيق هذا المبدأ، والمحافظة عليه، فالعمل مهما كانت غاياته أخلاقيةً ونبيلةً، فإنه يبقى حبيس الأوراقِ أو عالَمِ النظر، وتجسيده على أرض الواقع يحتاج إلى مؤسسةٍ تسهر على ذلك، والتدقيق في جزئيات الحسبة في التشريع الإسلامي يكشف عن الأسس القيمية التي منحها التشريع الإسلامي للمجتمع المدني، والدليل على البعد المؤسّساتي في الحسبة يظهر في ما يلي:

أولا: الهيكلية التي تتشكّل منها، والنص التالي يبين الخصوصيات التي تفرق بين المحتسب الرسمي، والمتطوع في ذلك: «...له أن يتخذ على إنكاره أعواناً له، لكلٍّ عملٌ هو له منصوبٌ وإليه مندوبٌ ليكون له أقهرَ وعليه أقدر وليس للمتطوع أن يندب لذلك أعواناً»[1].

ثانيا: الراتب الشهري، للمحتسب، فتخصيص حصة من بيت المال، أو الميزانية، يؤكّد البعد المؤسسي لظاهرة الحسبة، «..له أن يرتزق على حسبته من بيت المال ولا يجوز للمتطوِّع أن يرتزق على إنكار منكر»[2].

ثالثا: ويشترط في المحتسب، العدالة إضافة إلى الأعلمية، والمثير للانتباه في هذا الشرط التفات المشرع إلى الاختلاف الفقهي

(144)

الموجود، بين طبقات الأمة، فليس ملزماً للمواطنين المنتمين إلى مذهبٍ فقهيٍّ آخرَ أو مختلفٍ عن انتماء المحتسب الفقهي، الالتزام بما يتعارض مع توجههم الفقهي، وهذا المبدأ الذي نحن إليه في مجتمعاتنا الإسلامية حاليّا، حيث وقع اختلاف بين العلماء في المسألة، «واختلف الفقهاء من أصحاب الشافعي، هل يجوز له أن يحمل الناس في ما ينكره من الأمور الني اختلف الفقهاء فيها على رأيه واجتهاده أم لا: أحدهما قول ابن سعيد الاصطخري أن له أن يحمل ذلك على رأيه واجتهاده، ...والوجه الثاني ليس له أن يحمل الناس على رأيه واجتهاده ولا يقودهم إلى مذهبه لتسويغ الاجتهاد...»[1]

والناظر في النص يجد الاقرار بمبدأ الاختلاف، بين المواطنين، فالمحتسب مطالبٌ بمراعاة الانتماءات الثقافية للأشخاص المستعدى عليهم، فليس من حق السلطة السياسية إلزام الأفراد بخلاف معتقداتهم الفقهية، دون الاخلال، أو التفريط في حقوق الآخرين، وأجد أن مجرد التنبيه إلى المسألة في التشريع الإسلامي كافٍ، والبحث عن جزئيات التشريع مسألة تفصيلية تقع في دائرة اختصاص الباحثين، ولا يطالب التشريع في ذاته بتوضيحها تفصيلا.

وفي الحقل المدني على سبيل المثال، أو ما نصطلح عليه البيئة المدنية للمجتمع، نجد إشاراتٍ إلى المسألة العمرانية، حيث

(145)

أسست الشريعة لحدود وحقوق الأفراد المدنية، وبالضبط ما تعلّق بالسكن، والنص التالي: «وأما ما يكون من الحقوق المشتركة بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين كالمنع من الإشراف على منازل الناس، ولا يلزم من علا بناؤه أن يستر سطحه وإنما يلزم أن لا يشرف على غيره ويمنع أهل الذمة من تعلية أبنيتهم على المسلمين..»[1]

من مسؤولية المحتسب في الفقه الاسلامي مراقبة البيئة العمرانية، والمدنية، فالشرع الحكيم يدرك بأن الانسان أنانيٌّ بالطبيعة، فمراقبة البنايات، من حيث المواصفات، ومن حيث الاعتداء على حق الجار، أو الحق العام، مسألةٌ رئيسةٌ في الحسبة، وهذا اللون نجده حاليًّا في الجزائر، وبالضبط في ما يصطلح عليه بالشرطة العمرانية.

والنص التالي يشير إلى مجالٍ آخرَ، وهو حقوق الحيوانات، ومسؤولية المحتسب في مراقبتها، والسهر على حمايتها، يقول الماوردي:».. واذا كان من أرباب المواشي من يستعملها في ما لا تطيق الدوام عليه أنكره المحتسب عليه ومنعه منه..»[2]

فالحقوق التي تملكها الكائنات في الشرع الاسلامي، ليست متروكة للأهواء والميول، بل هي محفوظة من قبل السلطة السياسية، فالحسبة مؤسّسة رسمية تقوم بالعمل على تحقيق العدالة الاجتماعية والطبيعية، وهي تمارس هذه السلطة من خلال عدةِ

(146)

وسائلَ وأساليبَ: الأولى وعظيةٌ وإرشاديةٌ تأخذ شكل النصيحة، ثم تأخذ صورة الإجبار، والتقيد بتطبيق الأوامر، والمرحلة الأخيرة تكون في تحمل الدولة مسؤولية تنفيذ الأوامر.

وفي الأخير نستخلص أن الفقه الإسلامي، بتنوعه، ثريٌّ بأحكامه وتشريعاته، التي تحقق العدالة الطبيعية والاجتماعية في الكون، وما يُقال بأن يسمّى المستجدّات، والمسائل المعاصرة لا يوجد لها تقعيد نظريٌّ أو فلسفي هي فكرة لا موقع لها في مجال الحقيقة، لأن التراث الإسلامي لم ينحصر بدائرةٍ معرفيةٍ معينةٍ، بل شمل كلّ فضولٍ معرفيٍّ في الإنسان، والنص القرآني، بعيداً عن الخطاب العاطفي، يحمل في باطنه كل ما يحتاجه الإنسان، وهو لكلِّ زمانٍ، أما العجز والغياب الذي ننسبه إلى الشريعة فهو عائدٌ إلى عجزنا وتقاعسنا كباحثين، وإلى فقهاء الأمة الذين أغلقوا باب الاجتهاد بدلالتيه: المعرفية والفقهية، دون أن ننسى الإطار المرجعي، والحاضن للبحث العلمي الجاد، الذي هو السلطة، التي لازالت تتخبط في المشاكل التي رتبتها لها الإمبريالية، لاستلاب خيراتها: المادية والبشرية والنخبوية، فلا تقدُّمَ في البحث دون حاضنةٍ سياسيةٍ، ولا إبداعَ دون إرادةٍ علميةٍ وأخلاقيةٍ عند الباحثين.

الخاتمة

المواطنة قيمةٌ سياسيةٌ، ومطلب مدنيٌّ نسبيٌّ، ومرحليٌّ، فهي

(147)

ليست غايةً في ذاتها تطلبها الدولة أو الأمة، بل هي مرحلةٌ انتقاليةٌ تسعى الدولة بها إلى الارتقاء بالفرد من مرحلة الذات النفسية والثقافية إلى الذات القانونية الحقوقية التي تشكّل لبنةً رئيسةً في تلاحم بنيان المجتمع المدني، ومن أهم الركائز التي تطلب في المجتمع المدني قيمة الولاء الموضوعي والأخلاقي للسلطة، أو للدولة، فلا تماسك، ولا التزامَ قانونيّاً دون ولاءٍ أو بيعةٍ للسلطة، فالبيعة ليست للأشخاص القائمين بالإدارة السياسية، بل للقيمة الخلقية التي حازت على الشرعية السياسية بتقنينها، فالقانون بالأصل هو قيم أخلاقية مجردة، فالولاء للقانون لا يختلف عن الولاء للقيمة.

والولاء للقيم الأخلاقية معلم عرفته الثقافات الشرقية، في مقابل الحكومات المدنية التي يتشدق علينا بحيازتها الغرب، حيث اختلط الولاء في الثقافة الشرقية بالقداسة، وهذا إن دل على شيءٍ، فإنما يدل على ارتباط الشرقي بالقيم المتعالية، بخلاف الغربي الذي يتجذر في عالم المادة، لدرجة أن ذهبت نخبته الفكرية إلى تأصيل الحقوق المدنية على أرضيةٍ طبيعيةٍ ماديةٍ. فالعلاقة الرعوية في السياسة الشرقية، ليست سنخيةً ثابتةً في الإنسان الشرقي، بل الظروف التاريخية هي التي أنتجت هذا الجور، والمواطنة مقامٌ وعلاقةٌ اجتماعيةٌ تقوم بين فردٍ طبيعيٍّ ومجتمعٍ سياسيٍّ، وعلى أساس هذه العلاقة يقدِّم الطرف الأول الولاء، ويتولّى الطرف الثاني

(148)

الحماية، وتتحدد هذه العلاقة بين الفرد والدولة عن طريق القانون.

كما أن تاريخ الغرب السياسي لا يحمل إلا القليل من الحالات المدنية المتحضرة، فالدكتاتورية.صطلاح غربيٌّ بامتيازٍ، وجرائم الغرب الإلكليركي والاستعماري بحق الشعوب المستضعفة لا يمكن للشعوب أن تنساها، ولن يغفرها لها التاريخ، والادعاء بحيازته المفاهيم الحضارية والحداثية ليس إلا تسويقًا لوهم تقبلته الشخصيات المرضية.

ومن القيم التي تتغياها الحكومات الغربية من خلال المواطنة المساواة الكاملة بين المواطنين، والتي اصطدمت عمليّاً مع اشكالاتٍ نظريةٍ واجتماعيةٍ، فالمساواة المطلقة بين الجميع هي ضربٌ من الخيال وإشارةٌ للجنون، فالتفاوت أمرٌ طبيعيٌّ بين البشر، وليس اصطلاحيًّا. فالقابليات الفردية متفاوتةٌ، والظروف الاجتماعية مختلفةٌ، وعليه تكون المساواة بين الجميع استحالةً عرفيةً، لا عقليةً، ولكن المساواة النسبية مقبولةٌ عقلاً وعرفاً، وهي المساواة أمام القانون، فالمواطنة الحقيقية هي التي تجعل من المواطنين سواءً أمام السلطة القضائية أو التنفيذية. ومن الأهداف المرجوة من المواطنة أيضا تفعيل المشاركة الجماعية للمواطنين في صياغة القرارات، والتي هي مطلبٌ لجميع فئات وشرائح المجتمع، ولكن أليس من التناقض القول بمشاركة الجميع؟ والتفاوت يحكم الجميع، وتشريع القرارات ليس معطىً جاهزاً، ولا ملكاً للجميع،

(149)

بل هو مسألةٌ نسبيةٌ وحصريةٌ، ولهذا نجد انحصار دلالة المواطنة بهذا المضمون في فئةٍ نخبويةٍ معينةٍ.

ومرونة.لمفهوم تُنبئ عن المسار المتعثِّر الذي عرفه المفهوم، فمنطق القوة والحروب ولّد الطبقية، والتفاوت الاجتماعي داخل المجتمع المدني، الذي كان قاعدةً للمجتمع السياسي، فبنية المجتمع السياسي الطبقية، هي من الأمور المألوفة، والتي لا يتطرّق إليها الاستهجان إطلاقاً، وهذا ما لاحظناه في المجتمع الإغريقي والروماني.

فأرسطو المعلم الأول، وعقل اليونان يعكس هذا التقليد في كتابه السياسة، إذ الرقّ عنده من الأمور التي أوجدتها الطبيعة، وهي ليس من ابتكار الجماعة، في حين ينطلق التصور الاسلامي للمواطنة من القواعد والأسس التي تنبني عليها الرؤية الكونية التوحيدية لعنصري المواطنة وهما الوطن والمواطن، وبالتالي فإن الشريعة الإسلامية ترى أن المواطنة هي تعبيرٌ عن الصلة التي تربط بين المسلم كفردٍ وعناصر الأمة، وهي الأفراد المسلمون، والحاكم والإمام، وتُتوج هذه الصلات جميعاً الصلة التي تجمع بين المسلمين وحكامهم من جهةٍ، وبين الأرض التي يقيمون عليها من جهةٍ أخرَى.

 وبمعنىً آخرَ فإن المواطنة هي تعبيرٌ عن طبيعة وجوهر الصلات القائمة بين دار الإسلام وهي وطن الإسلام وبين من يقيمون على

(150)

هذا الوطن أو هذه الدار من المسلمين، وبحلول عصر الأنوار نجد أنفسنا أمام تحديدٍ حديثٍ لمبدأ المواطن، والأصل في الكلمة كان بالإحالة إلى الوطن الذي يقطنه شعبٌ معينٌ، وبالتالي أصبح هذا المبدأ هو قاعدة الارتباط بالوطن، وليس الدين، وأصبحت الدولة في موقعٍ واحدٍ من كل المواطنين، فهي لـ «كل» المواطنين، بغض النظر عن أديانهم واتجاهاتهم، والمهم فقط هو أنه ينتمي لـ «الدولة» على عكس التحديد الديني الذي كان يفرض انتماء الفرد إلى الله، وبالتالي إلى الحاكم ولي الله على الأرض، فحلّ مفهوم المواطن بدل الرعية، بمعنى أن هذه المسألة تخص العلاقات في إطار «الهيكل السياسي» الذي هو الدولة عكس التصور الديني كان يجعل العلاقة بين الرعايا والملك.

(151)

قائمة المصادر والمراجع

الكتب المقدسة:

القرآن الكريم

المصادر:

أرسطو، في السياسة، ترجمة الأب أغسطين بربارة، اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع، بيروت، الطبعة الثانية، 1980.

دي توكفيل، الكسيس، الديمقراطية في أمريكا، ترجمة: أمين مرسي قنديل، عالم الكتب القاهرة.

روسو، جان جاك، العقد الاجتماعي، ترجمة: بولس غانم، اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع، بيروت 1972، د.ط.

لوك، جون، في الحكم المدني، ترجمة: ماجد فخري، اللجنة الدولية لترجمة الروائع، بيروت 1959

مل، جون ستيوارت، الحرية، ترجمة: عبد الكريم أحمد، مؤسسة سجل العرب، القاهرة 1966.

مونتسكيو، روح الشرائع ترجمة عادل زعيتر، الهيئة المصرية العامة للكتاب 2010.

(152)

ماكيافيلي، الأمير، ترجمة: خيري حماد، دار الآفاق الجديدة، بيروت، الطبعة الحادية عشر 1981.

هوبز، توماس، اللفياثان، ترجمة: ديانا حبيب حرب، كلمة أبوظبي، بيروت الطبعة الأولى 2011.

المراجع

ابن خلدون، عبد الرحمن، المقدمة، دار إحياء التراث العربي، بيروت 1981.

ابن هشام، السيرة النبوية، تحقيق: مصطفى السقا، شركة مصطفى البابي، مصر، الطبعة الثانية 1955.

أبو الفتوح، هالة أحمد، فلسفة الأخلاق والسياسة، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، مصر2000. 

أبو المجد، عبد الجليل، مفهوم المواطنة في الفكر العربي الاسلامي، إفريقيا الشرق، المغرب 2010.

الجابري، محمد عابد، قضايا في الفكر المعاصر، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الأولى،.997.

الديمقراطية وحقوق الإنسان، منشورات مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الثانية 1997.

الكواري، علي خليف، وآخرون، المواطنة والديمقراطية في

(153)

البلدان العربية، منشورات مركز دراسات الوحدة العربية، ط:01 2001.  

الماوردي، علي بن محمد، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 1983.

النشار، مصطفى، تطور الفلسفة السياسية، الدار المصرية السعودية للنشر والتوزيع، القاهرة 2005.

ابن النفيس، الرسالة الكاملية، تحقيق عبد المنعم عمر، منشورات وزارة الأوقاف، مصر 1987. 

النقاطي، حاتم، مفهوم المدينة في كتاب السياسة لأرسطو، دار الحوار للنشر والتوزيع، سوريا، ط: 01، 1995. 

إمام عبد الفتاح إمام، الأخلاق والسياسة، المجلس الأعلى للثقافة، مصر 2002، د.ط.

إمام عبد الفتاح إمام، توماس هوبز، دار الثقافة للنشر والتوزيع، مصر 1985.

إيبرلي، دون أي، وآخرون، بناء مجتمع من المواطنين، ترجمة هشام عبد الله، الأهلية للنشر، الأردن، الطبعة الاولى، 2003.

إيمار، اندريه تاريخ الحضارات العام ترجمة: فريد م داغر، منشورات عويدات، بيروت باريس، ط: 02، 1986.

(154)

أيمن بن حميد، الفكر السياسي عند صولون، مجلس الثقافة العام، مصر 2006.

بانفيلد وآخرون، السلوك الحضاري والمواطنة، ترجمة: سمير عزت نصار، دار النسر للنشر والتوزيع، الأردن، الطبعة الأولى 1995.

بيير فرانسو مورو، هوبز، ترجمة: أسامة الحاج، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى 1993. 

تايلور، ألفرد إدوارد، أرسطو، ترجمة: عزت قرني، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت ط: 01،.992.

توتشار، جون، تاريخ الفكر السياسي، ترجمة: علي مقلد، الدار العالمية للطباعة والنشر والتوزيع بيروت، الطبعة الثانية 1983.

تورين، آلآن، ما الديمقراطية، ترجمة عبود كاسوحة منشورات وزارة الثقافة، دمشق، الطبعة الأولى 2000.

طه عبد الرحمن، روح الحداثة، المركز الثقافي العربي، المغرب، الطبعة الأولى 2006.

زاهد، عبد الأمير، وآخرون، وثيقة المدينة، مركز الحضارة لتنمية الفكر الاسلامي، بيروت،.لطبعة الأولى 2014.

ساهر رافع، مبادئ كونفوشيوس الخمسة، الدار العالمية للكتب والنشر، مصر، الطبعة الأولى 2011.

(155)

ساندل، مايكل.ج، الليبرالية وحدود العدالة، ترجمة محمد هناد، المنظمة العربية للنشر، بيروت، الطبعة الأولى: 2009

ستراوس، ليو، وآخرون، تاريخ الفلسفة السياسية، ترجمة: محمود سيد أحمد، المجلس الأعلى للثقافة، الطبعة الأولى، مصر، 2005  

سباين، جورج، تطور الفكر السياسي ترجمة: جلال العروسي، دار المعارف، مصر 1971..ط.

شبل، فؤاد محمد، حكمة الصين، الجزء الأول، دار المعارف، مصر، د.ط.ت.

شبنجلر، أسوالد، تدهور الحضارة الغربية، ترجمة: أحمد الشيباني الجزء الثاني، دار مكتبة الحياة، لبنان، د.ط.ت.

شريعتي، علي، الأمة والامامة، مراجعة: حسين علي شعيب، دار الأمير، بيروت، ط: 02، 2007.

--، الحج الفريضة الخامسة، ترجمة عباس أمير زاده، دار الأمير بيروت، الطبعة الأولى 2003.

شلبي، إبراهيم أحمد، تطور الفكر السياسي، الدار الجامعية للطباعة والنشر، بيروت 1985، د.ط.

شنابر، دومينيك، وكريستيان شوفالييه، ما المواطنة، ترجمة:

(156)

سونيا محمود نجا، المركز القومي للترجمة القاهرة الطبعة الأولى 2016.

علي أحمد عبد القادر، تطور الفكر السياسي،.كتبة الشرق، القاهرة، الطبعة الأولى 1970.

عمراني، عبد المجيد، محاضرات في تاريخ الفكر السياسي، منشورات جامعة باتنة، 1999 د.ط.

غروتويزن، برنارد، فلسفة الثورة الفرنسية، ترجمة عيسى عصفور، منشورات عويدات، بيروت، الطبعة الأولى 1982.

فايز صالح أبو جابر، الفكر السياسي الحديث، دار الجيل، بيروت 1985. 

قاسم، نعيم، في رحاب رسالة الحقوق، دار المحجة البيضاء، بيروت، الطبعة السابعة 2010.

كتورة، جورج، السياسة عند أرسطو، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، ط: 01، 1987. 

كريل، هـ.ج، الفكر الصيني من كونفوشيوس إلى ماوتسي تونغ، ترجمة: عبد الحميد سليم، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر1968 د.ط.

محمود، زكي نجيب، حياة الفكر في العالم الجديد، دار الشروق، مصر، الطبعة الثانية 1982..

(157)

منصور، إسحاق، نظريتا القانون والحق، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 1992.

نسرين عبد الحميد نبيه، مبدأ المواطنة، مركز الإسكندرية للكتاب، 2008.

نصّور، أديب، وطنيون وأوطان، دار العلم للملايين، الطبعة الأولى بيروت 1952.

وولف، فرانسيس، أرسطو والسياسة، ترجمة: أسامة الحاج، المؤسسة الجامعية للدراسات، بيروت، ط:01، 1994.

ياسر عبد التواب جابر، المواطنة في الشريعة الإسلامية، دار المُحَدِّثين، القاهرة، الطبعة الأولى 2011.

المعاجم والقواميس:

ابن منظور، لسان العرب، المجلد الثالث، إعداد يوسف خياط، دار لسان العرب، بيروت، د.ط.ت.

الجرجاني، الشريف علي بن محمد، كتاب التعريفات، دار الكتب العلمية، لبنان 1995، د. ط.

الفيروزآبادي، القاموس المحيط، تحقيق مؤسسة الرسالة، إشراف محمد نعيم العرقسوسي، مؤسسة الرسالة بيروت الطبعة الثامنة 2005.

(158)

الكيالي عبد الوهاب، وآخرون، موسوعة السياسة، مجلد: 05، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط: 03، 1996.

المجلات:

مجلة التسامح، العدد: 12 السنة: 2005

الموسوعات:

بدوي، عبد الرحمن، موسوعة الفلسفة، الجزء الثاني، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى 1984. 

المراجع باللغات الاجنبية

The New Encyclopedia Britannica, Volume3, micropaedia, Library of congress, 15th edition USA 2003

La déclaration des droits de l’homme et du citoyen; publication républicaine. 1é édition .Lyon. 1880. p.14

Arthur Desjardins, Les Devoirs, Essai sur la morale de Ciceron, Librairie Académiques Didier, 2é éd, PARIS, 1893

 F.laurent, Histoire droit des gens, tome2, GAND JB،Merry, Librairie Paris, 1850.

(159)

الانترنت:

جاكلين ستيفينز، حول فكرة الجنسية والمواطنة، ترجمة علاء الدين أبو زينة. موقع جريدة الغد، 29 أيار 2012،.اريخ الدخول: 26 نيسان 2018.

(160)
المؤلف في سطور شريف الدين بن دوبه شريف الدين بن دوبه - الجزائر المؤلفات : 1- اليوتوبيا والمواطنة ، دار ابن النديمز يوليو 2016 2- نهاية المواطنة ، دار ابن النديمز بيروت يناير 2016 3. المتميز في الفلسفة في تعليم الفلسفة لقسم نهائي شعبة آداب وفلسفة ، كتاب تعليمي. صادر عن دار الكتب العلمية ، الجزائر العاصمة في جويلية 2011 كتب مشاركة 1- جورج شحاته قنواتي فلسفة الفكر الديني بين الاسلام والمسيحية . سلسلة دفاتر فلسفية. القاهرة 2014 بمقال : الانسية العقدية . 2- فتحي التريكي : الهوية والتعدد والتنوع والعيش سويا. سلسلة دفاتر فلسفية القاهرة 2014 ببحث : فلسفة التريكي . 3- منشورات ضفاف لبنان 2014 4- : نجيب محفوظ بمقال : نجيب محفوظ من الحارة إلى العالمية . وزارة الإعلام والثقافة البحرينية سلسلة : أطياف 2014 5- الصادر عن الرابطة الأكاديمية العربية للفلسفة 2014 لبنان الكتب الجماعية [الوطنية] : 1. اللغة والفكر الضدية الحميمية مخبر البحث في علم النفس وعلوم التربية . وهران منشورات الأديب وهران 2014 2. في فكر مالك بن نبي بمقال : الثورة في فكر مالك بن نبي ، الصادر عن مخبر الأبعاد القيمية والتحولات وهران 2014
هذا الكتاب المواطنة تسعى هذه الدراسة من إلى مقاربة مفهوم المواطنة في مجموعة من السياقات جرى ترتيبها من جانب المؤلف على الوجه التالي: المواطنة لغة واصطلاحا – نشأة المفهوم تاريخيا – القراءات الإيديولوجية للمفهوم والتيارات الفكرية والفلسفية الغربية التي قاربته بالتعريف والتوصيف والنقد من المقدمة المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية http://www.iicss.iq [email protected]