البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

جمع القرآن من قبل النبي (ص) والإمام علي (ع) من وجهة نظر المستشرقين وأهل السنة

الباحث :  د. عيسى متقي زادة، أستاذ مساعد في جامعة تربيت مدرس في طهران وآخرون...
اسم المجلة :  دراسات استشراقية
العدد :  2
السنة :  السنة الأولى - خريف 2014 م / 1436 هـ
تاريخ إضافة البحث :  January / 9 / 2016
عدد زيارات البحث :  1188
جمع القرآن من قبل النبي (ص) والإمام علي (ع)
من وجهة نظر المستشرقين وأهل السنة

■ بقلم: د. عيسى متقي زادة(*)
■ باب الله محمدي نبي كندي(**)
■ تعريب: حسن علي مطر

المقدمة:
إن القرآن الكريم يشكل حجر الأساس في الحضارة الإسلامية، وليس هناك شخصية في الإسلام تفوق النبي الأكرم (ص) والإمام علي (ع). ومن بين المسائل الهامة فيما يتعلق بسيرة النبي الأكرم (ص) والقرآن هي مسألة جمع القرآن. وقد كانت هذه المسألة مثار بحث ونقاش مستمر بين علماء الإسلام والمفكرين من المستشرقين في العالم الغربي(1). من هنا فإن كيفية جمع القرآن الكريم ودراسته دراسة دقيقة تتوقف على تحليل بعض المسائل، وهي كالآتي:
ـ ما المعنى الذي استعمل فيه مصطلح جمع القرآن؟
ـ ما رأي المستشرقين في جمع القرآن من قبل النبي (ص) والإمام علي (ع).
ـ ما الحافز الرئيس الذي يدفع أبا بكر إلى جمع القرآن؟
ـ ما مقدار صحة تشكيك المستشرقين فيما يتعلق بأحاديث جمع القرآن؟
نسعى في هذا المقال إلى العثور على إجابات لهذه الأسئلة.

بيان المفاهيم:
الجمع في اللغة يعني: ضمّ المتفرّق بعضه إلى بعض، وإلى ذلك يُشير قول الله تبارك وتعالى: )وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا((2). كما يعني ضم أجزاء من الشيء إلى بعض آخر، قال الراغب الأصفهاني في مفرداته: (جمعته فاجتمع)(3). ويعني الجمع: جمع الشيء عن تفرّقه، والمجموع: الذي جمع من هنا وهناك وإن لم يُجعل كالشيء الواحد(4). وذهب (ثيودور نولدكه) و(فريدريش شيفاللي) من المستشرقين إلى القول بأن معنى الجمع هو الحفظ والأخذ، بمعنى أنه كلما جاء في الروايات بشأن جمع القرآن من قبل الصحابة، كان المراد منه أنهم كانوا يحفظون القرآن أو بعض أجزائه، من دون كتابته وجمعه بين دفتين(5). وقد استعمل لفظ الجمع لجمع القرآن الكريم في قوله تعالى: )لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَه((6)، فيكون معنى الآية: فلا تعجل بتلاوة القرآن، لأننا قد تكفلنا بعملية جمعه وربطه ببعضه وقراءته ولن يفوت عنك شيء منه أبداً(7).

الآراء بشأن جمع القرآن الكريم:
هناك بهذا الشأن رأيان:
أ ـ جمع القرآن في عهد النبي (ص) من وجهة نظر أهل السنة.
يذهب أكثر علماء أهل السنة إلى الاعتقاد بأن القرآن لم يتمّ تدوينه وجمعه في كتابٍ رسميٍّ على عهد رسول الله (ص) ولم يكن لدى الصحابة آنذاك كتاباً مجموعاً بين دفتين، وإن كان مكتوباً في صحف متفرقة(8). قال الخطابي: (إنما لم يجمع القرآن في المصحف؛ لما كان يترقّبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته)(9). [فكان النبي الأكرم (ص) على الدوام بانتظار وحي جديد، ولم يحصل في حياته على فرصة ينقطع فيها الوحي ليأمر فيها كتّاب الوحي بكتابة القرآن وتدوينه وترتيبه في ضمن مصحف واحد أبداً]. وقال الطبري أيضاً: [(كان القرآن متفرقاً حتى عهد أبي بكر وعثمان، ولم يكن مرتباً أو منظماً على شكل مصحف واحد)](10). وقال الزركشي [ما معناه]: (بعد رحيل النبي أخذ الصحابة يجمعون القرآن من العُسُب واللخاف والرقاع والأكتاف وصدور الرجال)(11).
ب ـ جمع القرآن الكريم في عهد النبي (ص) من وجهة نظر المستشرقين:
ذهب أكثر المستشرقين ـ تبعاً لأهل السنة ـ إلى الاعتقاد بعدم جمع القرآن في عهد النبي (ص) بشكلٍ كاملٍ، ولم يتمّ جمعه في مصحف. وفيما يأتي نستعرض أشهر آرائهم، ومن ثمّ نناقشها تباعاً:
1 ـ ثيودور نولدكه:
يذهب ثيودور نولدكه إلى القول بأن نظريات القرآن عند المسلمين على ثلاثة أقسام:
أ ـ جمع القرآن على عهد أبي بكر.
ب ـ جمع القرآن على عهد عمر.
ج ـ بداية جمع القرآن على عهد أبي بكر ونهايته على عهد الخليفة الثالث عثمان ابن عفان.
وقال: إن القرآن لا يمكن أن يكون قد جُمع في عهد النبي(12).
2 ـ ريجي بلاشير:
يذهب بلاشير إلى الاعتقاد بأن تاريخ القرآن وتطوّر العلوم القرآنية كان رهناً بثلاثة عوامل:
أ ـ استخدام خط بدائي لكتابة القرآن.
ب ـ ضياع نسخة من الوحي تمت كتابتها بإشراف شخصي من النبي محمد(ص).
ج ـ بالالتفات إلى ما تقدم، يثبت ضعف الكتابة، وضياع النص الثابت، والاعتماد على الحفظ من الذاكرة والنقل مشافهة(13).
وبذلك فقد عمد ريجي بلاشير إلى ملاحظة ضعف الكتابة، وضياع النص الثابت، والتعويل على الذاكرة والرواية الشفهية، ومن ثمّ لا يُشير في استنتاجه إلى جمع القرآن بمعنى الكتاب المدوّن والمجموع بين الدفتين في عهد رسول الله (ص).
3 ـ مونتغمري وات:
كان مونتغمري وات مستشرقاً إنجليزياً، وقد تحدث في آخر كتاب له عن خلاصة ما توصّل إليه بشأن الدراسات الإسلامية؛ فقال: لقد بذل المسلمون اهتماماً وافراً وجاداً من أجل جمع القرآن، فكانوا يبادرون إلى كتابة الآيات فور نزولها، حتى تمّ لهم جمعه عام 650 للميلاد رسمياً(14).
وبذلك يكون مونتغمري وات قد وضع نظرية جمع القرآن بعد عهد رسول الله (ص)، لأن عام 650 للميلاد يصادف السنة التاسعة والعشرين للهجرة، أي بعد مضي ثماني عشرة سنة على رحيل رسول الله (ص).
4 ـ آرثور جيفري:
ذهب آرثور جيفري إلى القول بأن أبا بكر هو أول من كتب القرآن على صحف كبيرة. ثم قام عثمان بنشر هذه المصاحف بغية توحيد القراءات على قراءة واحدة(15).
5 ـ إجناتس جولد زيهر:
يذهب علماء من أمثال إجناتس جولد زيهر وشاخت إلى القول بعدم اعتبار كثير من روايات جمع القرآن، وعدّها فاقدة للقيمة التاريخية. ولم يشككوا في صدور القرآن من قبل النبي (ص)، وعدّوه من أهم مصادر سيرته(16).
6 ـ جوزيف شاخت:
عمد جوزيف شاخت ـ تبعاً لنظرية إجناتس جولد زيهر ـ إلى التأكيد على وضع روايات جمع القرآن بشكل أشد(17).
7 ـ جون ونز برو:
بدأت موجة القول بوضع روايات جمع القرآن بإجناتس جولد زيهر، لتنحسر بعد جوزيف شاخت، لتعود إلى الظهور مرّة أخرى في نهاية عقد السبعينات في مؤلفات جون ونز برو. حيث ذهب إلى رفض تدوين القرآن وجمعه(18). وقد ذهب ونز برو فيما يتعلق بالشكل النهائي لنص القرآن إلى القول بأنه تكامل على نحو تدريجي مواكباً تكوين المجتمع خطوة بخطوة. وبذلك شكلت نهاية القرن الهجري الثاني (الموافق للقرن الثامن للميلاد) من الناحية التاريخية أرضية مناسبة لجمع السنة الشفهية والتعاليم الدينية(19). وهكذا نجد أن جون ونز برو مثل سلفيه المستشرقين (أعني جولد زيهر وشاخت) في الاعتقاد بوضع روايات جمع القرآن، وقد ذهب إلى القول بأن تاريخ جمع القرآن وتدوينه يعود إلى الأجيال التي جاءت بعد عصر النبي الأكرم (ص).

مناقشة وتحليل:
◙ التحليل الأول: جمع القرآن الكريم في عهد النبي الأكرم (ص):
أ ـ إن المرحلة الأولى من جمع القرآن قد تمثلت بحفظه في الصدور، وقد بدأت هذه المرحلة بشخص النبي الأكرم (ص)، ومن ثمّ عمد النبي إلى قراءة القرآن على الناس(20). وقد ارتضى أهل السنة والمستشرقون هذه المرحلة أيضاً.
ب ـ كتابة القرآن الكريم: عهد النبي الأكرم (ص) في هذه المرحلة بكتابة القرآن إلى الذين يعرفون القراءة والكتابة من الصحابة(21). بمعنى أنه عندما كانت تنزل سورة من القرآن، كان النبي يجمع كتّاب الوحي ويأمرهم بكتابتها بعد هذه السورة أو تلك(22).

أدلة جمع القرآن الكريم في عصر النبي (ص) على شكل كتاب بين دفتين:
هناك أدلة على جمع القرآن الكريم في عهد النبي الأكرم (ص) على شكل كتاب مدوّن، ونشير إلى بعض تلك الأدلة على النحو الآتي:
1 ـ حديث الثقلين: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كِتَابَ الله وَعِتْرَتِی ...». وهو حديث متواتر بين الفريقين من أهل السنة والشيعة(23). ولا يمكن أن يكون المراد من الكتاب في هذا الحديث الأوراق المتفرّقة بين أيدي الصحابة؛ وذلك لعدم إطلاق الكتاب على الأوراق المتناثرة.
2 ـ ختم القرآن: كان بعض الصحابة، من أمثال: عبد الله بن مسعود، وأبيّ بن كعب يختمون القرآن على رسول الله (ص) (24). روي في البخاري حديثٌ مضمونه أن النبي (ص) قد أمر عبد الله بن عمرو بن العاص بأن يختم القرآن في كل سبع ليال [أو ثلاث]، وذلك إذ قال له النبي (ص): (كيف تختم؟)، قال: كلّ ليلة. قال (ص): (... إقرأ القرآن في كل شهر).. قلت: أطيق أكثر .. قال (ص): (... إقرأ في كل سبع ليالٍ مرّة).. [قال أبو عبد الله: وقال بعضهم: في ثلاثٍ، وفي خمسٍ. وأكثرهم على سبعٍ](25).
إن ختم القرآن في هذه الرواية يُثبت أن القرآن كان مدوناً على شكل كتاب في حياة النبي الأكرم (ص).
3 ـ وجود كثير من المصاحف في حياة النبي الأكرم (ص)، منها: مصحف عبدالله بن مسعود، ومصحف أبيّ بن كعب، و....، مما يُثبت أن القرآن الكريم كان موجوداً على شكل كتاب عند بعض الصحابة في الحدّ الأدنى.
4 ـ ذهب جون بارتون إلى القول بأن القرآن كان مجموعاً في حياة النبي (ص). ويمكن الالتزام بهذا القول ولكن لا على أساس الأدلة التي ذكرها في تحقيقاته، وإنما على أساس الأدلة والشواهد التي أقامها بعض علماء المسلمين في هذا الشأن. فقد ذهب بعض المحققين المسلمين من أمثال: السيد المرتضى، والسيد جعفر مرتضى العاملي، وآية الله الخوئي، إلى القول بتدوين القرآن الكريم في عصر النبي الأكرم (ص)، وقد أقاموا لإثبات هذا القول شواهد وأدلة عقلية وتاريخية وروائية وقرآنية(26).
يتضح مما تقدم أن العقل لا يستسيغ القول بنزول القرآن على النبي الأكرم (ص) وإهمال النبي له وعدم الاهتمام في إيصاله إلى الناس بالشكل الصحيح. وعليه لا يكون ما ذهب إليه المستشرقون وأهل السنة في هذا الشأن صحيحاً، على الرغم من أنّ بعضهم يقرّ بجمع القرآن في عهد النبي الأكرم (ص) ولكن على أوراق متناثرة ومتفرّقة.

الثاني: دراسة موقف المستشرقين:
عمد بعض المستشرقين إلى نقد آراء نظرائهم من المستشرقين الآخرين فيما يتعلق بجمع القرآن، وفيما يأتي نشير إلى هذه الانتقادات:
1 ـ ذهب جون بارتون ـ خلافاً لأكثر المستشرقين ـ إلى القول بجمع القرآن في عهد النبي الأكرم (ص). وإن أهم ما في نظريته هو أن القرآن الموجود حالياً بين أيدينا هو نفسه الذي كان موجوداً في حياة النبي (ص)، وأنه قد تمّ تدوينه من قبل النبي نفسه(27). وقد ذهب إلى الاعتقاد بأن الروايات التي تصرّح بجمع القرآن بعد رحيل النبي الأكرم (ص) موضوعة من قبل بعض فقهاء المسلمين. فإن هؤلاء الفقهاء لكي يدعموا آراءهم وأحكامهم الفقهية التي لا يوجد لها سند من القرآن والمصحف الراهن، عمدوا إلى اختلاق مسألة النسخ ومصاحف الصحابة(28).
2 ـ قال وليم غراهام: يجب علينا من الناحية العملية أن نعتقد بنظرية تاريخ المؤامرة، كي ندرك وضع الحجم الكبير من المصادر المدوّنة ومن بينها الكتاب السماوي (القرآن) في القرن الثالث. وأضاف قائلاً: على الرغم مما قام به وينز برو من نظريات وآراء بديعة في بحثه، إلا أنه لم يوضح لنا ضرورة أن يتأخر التأليف النهائي للقرآن ثمانية أجيال، وليس جيلاً واحداً!.. وتأتي آراء وينز برو في إطار النظرة التقليدية العريقة في دراسة الشرق والتي تصرّ على الدوام في البحث على منشأ يهودي للتعاليم والمفاهيم الإسلامية(29).
3 ـ وينبول: مستشرق هولندي. وعلى الرغم من أنه يعدّ نفسه امتداداً لجوزيف شاخت وإجناتس جولد زيهر، إلا أنه يوجّه سهام نقده إليهما فيما يتعلق بتشكيكهما في صحة الأحاديث. وقد ذهب إلى الاعتقاد بأن روايات جمع القرآن تعود إلى نهاية القرن الأول(30).
4 ـ هارولد موتسكي. وهو من أشدّ المنتقدين للمستشرقين السابقين في دائرة علوم القرآن والحديث، وقد ذهب إلى حد القول بأن منهجهم في ذلك خاطئ من الأساس. وقال موتسكي: إن محمد بن شهاب الزهري (المتوفى سنة 124 للهجرة) هو المصدر الحقيقي لتلك الأحاديث. وذهب إلى الاعتقاد بأن رواية جمع أبي بكر كانت شائعة في الربع الأول من القرن الثاني. وعليه يمكن لنا أن نتصور بأن جمع القرآن كان شائعاً في نهاية القرن الهجري الأول(31). واستطرد قائلاً: لا نستطيع إثبات أن الروايات المرتبطة بتاريخ القرآن تعود إلى شهود عيان للوقائع، ولايمكن لنا الاطمئنان إلى أن المسائل قد حصلت كما جاء في الروايات. بيد أن تقرير المسلمين أقدم بكثير، ومن ثَمّ فإنّه أقرب إلى الوقائع من التاريخ الذي كان الدارسون للشرق يعتقدونه، ويجب القول: إن النظريات الغربية في هذا الشأن بعيدة غاية البعد عن الحقيقة(32).

تقييم جمع القرآن من قبل أبي بكر
ينسب المستشرقون وأهل السنة أول عملية لجمع القرآن الكريم وتدوينه إلى الخليفة الأول أبي بكر. وقد ذهب المستشرقون إلى هذه النظرية تبعاً لشيخ المستشرقين الألمان ثيودور نولدكه. قال جون بورتن: بعد أن عمد الفقهاء ـ من خلال استدلالهم على مسألة النسخ ـ إلى إلغاء دور النبي (ص) من عملية جمع القرآن، ونسبوا عملية الجمع إلى المرحلة التي أعقبت رحيله، واجهوا السؤال القائل: إذا لم يكن النبي هو الجامع للقرآن، فمن هو الذي قام بعملية جمع القرآن الذي بين أيدينا؟(33)
وقد عمد أهل السنة من أجل التأكيد على هذا الرأي (جمع القرآن من قبل أبي بكر) إلى رواية أحاديث تقول: (إن أبا بكر هو أول من جمع المصحف)(34).

مناقشة:
إن الذي يمكن قوله بضرس قاطع هو أن استشهاد الحفّاظ للقرآن في حرب اليمامة لا يمكن له أن يشكل الذريعة الرئيسة لأبي بكر في الدعوة إلى جمع القرآن؛ وذلك لوجود صحابة آخرين حافظين للقرآن من أمثال: أبيّ بن كعب في دمشق، أو المقداد في حمص، وآخرين ... وكان لدى كلّ واحدٍ منهم مصاحف، يُضاف إلى ذلك أزمة خلافة النبي الأكرم (ص) التي تعرض لها المسلمون مؤخراً وكانت تشغل حيّزاً كبيراً من اهتمام الخليفة، وتجعل من أمر جمع القرآن آخر اهتماماته. ولكن من ناحية أخرى كان الإمام علي (ع) قد جمع القرآن بأمر من النبي الأكرم (ص). وعليه لا بد من التغطية على هذه الفضيلة وطمسها بنحو من الأنحاء. وبذلك فقد بادروا إلى القيام بعمل من عند أنفسهم، فعمدوا في المرحلة الأولى إلى جمع القرآن وتدوينه مجرّداً من أيّ تفسير(35). من هنا نتوصل إلى دليلين:
1 ـ جمع القرآن مجرّداً عن أيّ نوع من أنواع التفسير.
2 ـ افتعال فضيلة للخليفة في حفظ القرآن الكريم.
بيد أن هذا الجمع غير قابل للإثبات حتى بالدليل العقلي؛ وذلك لأن المسلمين لو كانوا بحاجة إلى قرآن مجموع حقيقة لما تحوّل هذا القرآن إلى مصحف خاص لأبي بكر، ولما أضحى داخلاً في ضمن ممتلكاته الشخصية، فبقي عنده حتى النهاية ولم ينعم المسلمون بثمار هذا المجهود الذي بذلته الحكومة في عهد الخليفة الأول. وعليه لا نستطيع القول باعتبار جمع للقرآن تحقق في عهد الخليفة الأول بوصفه أول من جمع القرآن، بل إن الذي تولى القيام بهذه المهمة الخطيرة هو شخص النبي الأكرم (ص) في حياته.

تقييم جمع القرآن من قبل الإمام علي (ع):
أ ـ نقد نظرية أهل السنة:
1 ـ ذهب أهل السنة إلى القول بأن أبا بكر هو أول من جمع القرآن، وقاموا من ناحية أخرى برواية أحاديث بشأن جمع الإمام علي (ع) للقرآن أيضاً، فوقعوا لذلك في مشكلة التوفيق بين هاتين الطائفتين من الروايات المتضاربة، فعمد بعضهم من أمثال أبي بكر الجوهري وابن حجر العسقلاني إلى التوفيق بينهما من خلال القول بأن المراد من جمع القرآن هو حفظه(36).
2 ـ روى علماء أهل السنة حديث جمع القرآن من قبل الإمام علي (ع) من طريق ابن سيرين، الذي ذهب إلى الاعتقاد بأن جمع القرآن على يد الإمام علي (ع) قد جاء في سياق تبرير عدم بيعة الإمام علي (ع) لأبي بكر بن أبي قحافة، ومن ثَمّ كان الدافع وراء ذلك عدم رضاه عن خلافته(37).
ب ـ نقد نظرية المستشرقين
في هذا القسم نستعرض رأي علمين من أعلام الاستشراق في هذا المجال، وهما:
1 ـ ثيودور نولدكه:
ذهب ثيودور نولدكه إلى عدم جمع القرآن وتدوينه من قبل الإمام علي (ع)، وقال: (تقول روايات مختلفة إن علياً بن أبي طالب .. كان وراء جمع القرآن.. لكي يأخذ الكرامة من أبي بكر .. لا شيء من الصحّة في هذا كله. فمصادر هذه الأخبار تفاسير قرآنية شيعية وكتب تاريخية سنية ذات أثر شيعي مشكوك بأمرها، ذلك أن كل ما يرويه الشيعة عن وليّ شيعتهم الأعلى غير موضوعي ومنحاز بجملته)(38).
2 ـ ريجي بلاشير:
قال ريجي بلاشير: إن موقف الخوارج والشيعة هو الذهاب إلى القول من دون شك في أنّ عليّاً قد اهتمّ بهذا الأمر في حياة النبي قبل أيّ شخص آخر من الصحابة. بيد أن هذا التأكيد مقرون بالشك والتردّد. ومع ذلك فإن أهل السنة يعترفون بمصحفه، ولكنهم يرون أن هذه العملية قد تمّت بعد رحيل النبي (ص) مباشرة، وذلك عندما اعتزل السلطة. والعجيب أننا لا نعثر على شيء من هذا المصحف، ونجد تسارعاً وإقبالاً من قبل الشيعة على مصحف عثمان والتزاماً به(39).

مناقشة:
يذهب الشيعة إلى الاعتقاد بأن الإمام علي (ع) هو أول من بادر إلى جمع القرآن الكريم بعد رسول الله (ص). قال العياشي في تفسيره: أمر النبي الأكرم (ص) الإمام علي (ع) أن لا يخرج بعد رحيله من بيته لغير الصلاة، حتى يجمع كتاب الله(40).
وقال ابن النديم أيضاً: إن الإمام علي (ع) قد آلى على نفسه بعد رحيل النبي الأكرم (ص) أن لا يرتدي برداء ولايخرج من بيته إلا لصلاة، حتى يجمع القرآن؛ فلزم داره حتى جمع القرآن(41).
وحيث أن الإمام علي (ع) عمد إلى جمع القرآن على ترتيب نزوله، فقد كان هذا القرآن متميّزاً وفريداً من نوعه، ومن هنا كان منذ البداية محط الأنظار بشكل خاص. حتى قال الإمام علي (ع): (ما نزلت آية على رسول الله (ص) إلا أقرأنيها وأملاها عليّ؛ فأكتبها بخطي(42)، وعلمني تأويلها وتفسيرها، وناسخها ومنسوخها، ومحكمها ومتشابهها)(43).

خصائص مصحف الإمام علي (ع):
1 ـ فيه كل ما نحتاج إليه، حتى الأرش في الخدش(44). بمعنى أنه كان يشتمل على بعض التوضيحات والتفاسير.
2 ـ لقد أملي باطن هذا المصحف على الإمام علي (ع) من قبل النبي (ص)، وظاهره من قبل جبرائيل (ع) (45). بمعنى أن إيضاحاته التفسيرية قد اشتملت على روايات باطنية مروية عن رسول الله (ص).
3 ـ إن الزيادات الموجودة فيه قد تمّت من قبل الوحي(46). بمعنى أنها جاءت في إيضاح تلك الروايات.
4 ـ ذكر فيه أسماء أهل الحق وأهل الباطل(47). بمعنى أن الإيضاحات التفسيرية قد اشتملت على مصاديق لبعض الآيات.
5 ـ إنه قد جمع على أساس ترتيب النزول(48).

مآل مصحف الإمام علي (ع):
يتضح لنا من مجموع الروايات بهذا الشأن أن الإمام علي (ع) بعد أن أكمل جمع القرآن لفه في رداء أصفر وجاء به إلى المسجد وخاطب الناس قائلاً: (قال رسول الله (ص): إني تارك فيكم الثقلين، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلوا بعدي: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي. وهذا كتاب الله وأنا عترته). فقام الخليفة الثاني وقال: إذا كان عندك قرآن، فعندنا قرآن مثله، ولا حاجة لنا بك ولا بقرآنك.
وبطبيعة الحال هناك روايات أخرى تذكر أن السبب الرئيس الكامن وراء رفض جمع الإمام علي (ع) ومصحفه، هو اشتماله على هوامش وتفسير لم يعجب السلطة الحاكمة. بيد أنه حتى لو تمّ التشكيك في الحديث المتعلق بجمع الإمام علي (ع) للقرآن، لا يمكن لنا من الناحية العقلية أن نفهم كيف يكون لصحابة مثل أبيّ بن كعب وعبد الله بن مسعود قرآن، ولا يكون للإمام علي مثل هذا القرآن وهو الذي كان أشدّ لصوقاً بالنبي الأكرم (ص) وبالقرآن الكريم من بين سائر الصحابة، حتى وصفه رسول الله (ص) قائلاً: (علي مع القرآن، والقرآن مع علي).
كما يبدو التهافت والتناقض واضحاً في كلمات أهل السنة في هذا الشأن، كما هو الحال بالنسبة إلى المستشرقين أيضاً، فها هو المستشرق الألماني ثيودور نولدكه في الموضع الذي يُنكر فيه وجود مصحف للإمام علي (ع)، يعود في ذات الموضع ليتحدث عن ترتيب السور في مصحف الإمام علي (ع) (49).

الاستنتاجات:
استناداً لما تقدم يمكن لنا أن نتوصّل إلى النتائج الهامة الآتية:
1 ـ إن النبي الأكرم (ص) هو أوّل من جمع القرآن الكريم. وفضلاً عن ذلك يشكل حديث الثقلين أهم الأدلة على وجود القرآن في عصر النبي الأكرم (ص) في ضمن كتاب مدوّن بين دفتين.
2 ـ يمكن لنا أن نستبين بعض الخبث في دراسات المستشرقين. فإنهم تبعاً لأهل السنة لا يرون أيّ فضيلة للإمام علي (ع) فيما يتعلق بجمع القرآن الكريم. في حين هناك روايات مستفيضة يتداولها العلماء من الفريقين بشأن مصحف الإمام علي (ع) وعدِّه من قبلهم أول من جمع القرآن الكريم بعد رسول الله (ص) على الرغم من اختفاء هذه الحقيقة خلف ستارة تاريخية سميكة.
3 ـ لقد كان القرآن الذي جمع في عهد أبي بكر خالياً من أي تفسير أو تهميش، وكانت الغاية من وراء جمعه سياسية بحتة.
4 ـ إنّ التشكيك في روايات جمع القرآن الكريم من قبل بعض المستشرقين غير وارد؛ إذ إنّ علماء المسلمين (من أهل السنة)، وبعض المستشرقين، يرون جمعاً للقرآن الكريم في الحد الأدنى وينسبونه إلى الخليفة الأول.

* هوامش البحث *
(1) انظر: محمود راميار، تاريخ قرآن، ص 280 ـ 290، وص 294 ـ 295؛ ومحمد باقر حجتي، پژوهشی در تاریخ قرآن کریم، ص 221؛ ومير محمدي، بحوث في تاريخ القرآن وعلومه، ص 105 ـ 106، وص 128 ـ 129.
(2) الكهف: 99. انظر: القرشي، قاموس القرآن، ج 1، ص 47.
(3) انظر: الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، ج 1، ص 409.
(4) انظر: ابن منظور الأفريقي، لسان العرب، ج 1، ص 458، دار صادر، ط 1، بيروت، 1997.
(5) انظر: محمود راميار، تاريخ قرآن، ص 211.
(6) القيامة: 16 ـ 17.
(7) انظر: العلامة محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج 20، ص 110.
(8) انظر: السيوطي، الاتقان في علوم القرآن، ج 1، ص 202.
(9) انظر: المصدر أعلاه، ج 1، ص 98 ـ 99.
(10) انظر: ابن النديم، محمد بن إسحاق النديم، كتاب الفهرست، ص 42.
(11) الزركشي، بدر الدين، البرهان في علوم القرآن، ج 1، ص 295 ـ 300.
(12) انظر: ثيودور نولدكه، تاريخ القرآن، ص 252.
(13) بلاشير، ريجي، در آستانه قرآن، ص 15.
(14) وات، مونتغمري، الإسلام والمسيحية في العالم المعاصر، ص 128.
(15) انظر: ابن أبي داود، المصاحف، ص 5.
(16) Motzki, The Collection of the Quran, p 4.
(17) Schacht, The Origins of Muhammad Jurisprudence, p 4.
(18) انظر: كريمي نيا، مرجع مطالعات قرآن در غرب، ص 118 ـ 120.
(19) انظر: المصدر أعلاه، ص 146.
(20) انظر: محمود راميار، تاريخ قرآن، ص 221.
(21) انظر: المصدر أعلاه، ص 227.
(22) انظر، الخوئي، أبو القاسم، البيان في تفسير القرآن، ج 1، ص 393 ـ 394.
(23) انظر: الزنجاني، عبد الله، تاريخ القرآن، ص 50.
(24) انظر: مير محمدي، بحوث في تاريخ القرآن وعلومه، ص 126.
(25) انظر: أبو عبد الله بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري، صحيح البخاري، ص 628 ـ 629، مكتبة عباد الرحمن، مصر، 2008.
(26) انظر: الخوئي، أبو القاسم، ص 269 ـ 271؛ الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، ج 1، ص 43 ـ 193.
(27) Burton, The Collection of the Quran, p 240 - 231.
(28) see. Ibid, p. 18-19, 134, 160-166,174-187, 197-199.
(29) Ibid, p. 127.
(30) Berg, The Development of Exegesis in Early Islam, p. 27- 29.
(31) انظر: موتسکی، جمع قرآن، ص 27 ـ 29.
(32) انظر: المصدر أعلاه، ص 31.
(33) Burton, The collection of the Quran, p. 231-240.
(34) العاصمی، مقدمتان فی علوم القرآن، ص 23.
(35) انظر: راميار، محمود، جمع قرآن، ص 329 ـ 332.
(36) انظر: ابن أبي داود، كتاب المصاحف، ص 10؛ ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، ج 42، ص 398.
(37) انظر: فرشجيان، بررسي دو شبهة در باره مصحف امام علي (عليه السلام)، ص 138.
(38) انظر، نولدكه، ثيودور، تاريخ القرآن، ص 244.
(39) بلاشير، ريجي، در آستانه قرآن، ص 59 ـ 61.
(40) الخوئي، أبو القاسم، البيان في تفسير القرآن، ص 252.
(41) ابن النديم، الفهرست، ص 47 ـ 48.
(42) انظر: راميار، محمود، تاريخ قرآن، ص 367.
(43) انظر: العياشي، تفسير العياشي، ج 1، ص 226؛ وانظر أيضاً: البحراني، هاشم، البرهان في تفسير القرآن، ج 1، ص 40 ـ 41، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ط 1، بيروت، 1999.
(44) العسكري، القرآن الكريم وروايات المدرستين، ج 2، ص 307.
(45) البحراني، مدينة المعاجز، ج 2، ص 187.
(46) الحسيني، معروف، دراسات في الحديث والمحدّثين، ص 352.
(47) الكاشاني، الصافي في تفسير القرآن، ج 2، ص 25.
(48) السيوطي، الاتقان في علوم القرآن، ج 1، ص 58.
(49) نولدكه، ثيودور، تاريخ القرآن، ص 244.
***

(*) أستاذ مساعد في جامعة تربيت مدرس في طهران ([email protected]).
(**)ماجستير من جامعة علوم ومعارف قرآن كريم في طهران ([email protected]).