البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الصراع الإسلامي ـ اليهودي في المدينة المنوّرة قرءاة تحليلة نقدية في التفسير الاستشراقي

الباحث :  الشيخ علي ناصر
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  50
السنة :  السنة الثالثة عشر صيف 1429هجـ 2008 م
تاريخ إضافة البحث :  June / 24 / 2015
عدد زيارات البحث :  2967

الصراع الإسلامي ـ اليهودي في المدينة المنوّرة
قرءاة تحليلة نقدية في التفسير الاستشراقي

الشيخ علي ناصر (*)

تقديم
إن للتاريخ أهميته وتأثيره في حياة الشعوب والأُمم، ففي التاريخ عبرة لأُولي الألباب. بل إن التاريخ مختبر الحياة العظيم، الذي يمكننا من خلاله تقييم مختلف القضايا الاجتماعية ودراستها، واستخلاص النتائج والعبر منها ولا سيما إذا تعلق الأمر بسيرة الرسول الأعظم(صلي الله عليه و آله و سلم)، وبصراع المسلمين مع اليهود الذي لا يزال مستمراً إلى يومنا هذا، تارة تحت عناوين دينية وفكرية، وأخرى تحت عناوين سياسية وجودية، كما هو الحال في فلسطين المحتلة من قِبَل الصهاينة اليوم.
والإسلام يدفعنا إلى الإفادة من تجارب الأمم والشعوب، ومن فهم سنن الحياة وأخذ الدروس والعبر. وها هو الإمام عليّ(عليه السلام) في وصيته لابنه الإمام الحسن(عليه السلام) يقول: « أي بني إني وإن لم أكن عمّرت عمر من كان قبلي، فقد نظرت في أعمالهم، وفكرت في أخبارهم، وسرت في آثارهم حتى عدت كأحدهم. بل كأني بما انتهى إليَّ من أمورهم قد عمّرت مع أولهم إلى آخرهم، فعرفت صفو ذلك من كدره، ونفعه من ضرره، فاستخلصت لك من كل أمر نخيله ، وتوخيت لك جميله، وصرفت عنك مجهولـه» (3). ولكن المؤسف أن كتب التاريخ تعاني من نقص كبير من حيث الإشارة إلى العِبر والدروس الدينية والاجتماعية والسياسية المفيدة، ومن حيث إبراز العلل الحقيقية الكامنة وراء الحوادث المتنوعة والوقائع المختلفة.
________________________________________
(*)باحث وناشط في مجال الإعلام الإسلامي، من لبنان.
(1)النخيل : المختار، المصفَّى.
(2)توخيت : تحريت.
(3)محمد عبده، نهج البلاغة: 560-561، ط الخامسة، بيروت، دار البلاغة ـ بيروت، 1412هـ /1992م.

[الصفحة - 147]


فالتاريخ علم عميق الأغوار لـه أدواته ووسائله، وهو يستلزم كسائر العلوم تجرداً وحياداً ووعياً بالمقاصد . ولا شك أن كتابة التاريخ تحتاج إلى النقد والمقارنة والتحليل والتفسير، فلقد عانى تاريخ البشر عموماً وتاريخ الإسلام خصوصاً من تأريخ من ليس بمؤرخ، ونقد من لا يمتلك أدوات النقد، وفلسفة من لم يتوغل في أعماق طبائع البشر. وقد لفت انتباهي عبارةً للمحقق الشيخ جعفر السبحاني يقول فيها : «إن التاريخ يذكر لنا كيف وجدت الحضارات المشرقة والمدنيات العظمى في العالم، وكيف سلكت بعد مدة طريق السقوط والانقراض، حتى إنها محيت عن صفحة الوجود بالمرة، وأصبحت خبراً بعد أثر. وبالتالي، ما هي العوامل التي كانت وراء سيادة الشعوب ثم اندحارها» (4).
إن القرآن الكريم قد فتح الباب على مصراعيه امام عموم المسلمين لتدارس حياة الأُمم السالفة والغابرة، لتلافي موارد العطب ومواضع الهلكة، كما اشار إليه قوله تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ} (سورة آل عمران: 137)، وقوله أيضاً: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} ( سورة الحج: 46)، وغير ذلك من الآيات الكريمة، فقد أوقد القرآن في مخيلة المسلم المتدبر في آياته فكرة البحث والتنقيب عن حياة الأمم السالفة .
فالقرآن الكريم من أوثق الوثائق الباقية عن الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) وأكثرها يقينية . إنه يتبوأ موقع الشاهد الثقة على عصر الرسالة من ناحية علمية وموضوعية للحقائق التالية:
1ـيرجع عصر ظهوره كنص ونقل محفوظ ومدون إلى عصر الرسالة نفسه ومنذ بدئها. فهو يتناول حوادث عصر النبوة الخاتمة منذ بدئها.
2ـارتباط آياته وسوره بنفس الحوادث، أي أن الآية المعينة أو السورة المعينة كانت تنزل بعد الحدث مباشرة أو مقترنة به، وهو ما يسمى في علوم القرآن بأسباب النزول.
3ـكما أنه لا توجد لدى المسلمين على الرغم من تعدد الفرق والمذاهب نسخ أخرى يُدَّعى فيها الاختلاف، وما يذكر في بعض كتب الحديث من حذف أو
________________________________________
(4)جعفر السبحاني، سيرة سيد المرسلين 1: 12، الثالثة، بيروت، دار الأضواء ـ بيروت، 1423هـ / 2003م.

[الصفحة - 148]


نسخ تلاوة بعض الآيات، لم يعبأ به أحد من المسلمين خلال هذه القرون العديدة . وكذلك فإن ما يتناول في علم القراءات القرآنية، لا يعدو كونه قراءة أخرى للفظة لا تؤثر على المعنى إطلاقاً، كما لو قرآنا {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} ، {مَلِكِ يَوْمِ ...} .
وبذلك يكون القرآن الكريم أعظم الوثائق التاريخية إتقاناً وأقدم النقول الإسلامية وأوثقها على الإطلاق، وأكثرها قطعية بالنسبة إلى بعض ما حدث للرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) أثناء حياته. ولذلك فإنه لا يمكن الحديث عن سيرة خاتم الرسل والأنبياء بعيداً عن القرآن الكريم .
و لقد حازت سيرة خاتم الأنبياء (صلي الله عليه و آله و سلم) على اهتمام العلماء والمؤرخين والباحثين والأدباء، فأدلوا بدلائهم في معينها. فهناك من كتب فيها ليحفظ التراث ويبيِّن عظمة محمد بن عبد الله(صلي الله عليه و آله و سلم)، وهناك من كتب فيها لينال من شخصية الرسول الأكرم(صلي الله عليه و آله و سلم) بشكل مباشر، محاولاً الاستهزاء بنبوته ورسالته من خلال إلقاء بعض الشبهات فيما يتعلق ببعض جوانب حياته المباركة، سواء على مستوى أُمّيته، أو على المستوى الاجتماعي كتعدد زوجاته، أو على المستوى السياسي والعسكري، كخوضه الحروب والغزوات وإقراره حكم سعد بن معاذ على يهود بني قريظة.
إن ادعاءات وشبهات بعض المستشرقين (5)، ستشكل محوراً رئيسياً من محاور بحثنا العلمي فيما يتعلق بصراع الرسول مع يهود المدينة عموماً وبني قريظة خصوصاً. فقد استغل المستشرقون والباحثون من اليهود هذه الحادثة التاريخية المهمة والحسَّاسة ليشوّهوا صورة الإسلام والمسلمين في أعين الشعوب الغربية والإسلامية. فقد اعتبروا أن مقولة (العفو عند المقدرة) لا تتعدى كونها خرافة تنفيها وقائع التاريخ الإسلامي، وأن ما يسمونه غزوات وبطولات إنما هي في الحقيقة عمليات نهب وسلب وقطع سبيل وسفك دماء واضطهاد أقليات كانت تقطن في جوارهم. ومن المذابح البشعة التي يندى لها جبين التاريخ ـ بحسب ادعائهم ـ مذبحة بني قريظة (6)، حيث تم فيها ذبح أكثر من سبعمئة ذكر، وأما النساء والأطفال فقد تم تقسيمهم بين الجنود كغنائم حرب. فقد أمر محمد(صلي الله عليه و آله و سلم) بأن يُقتل كل من أنبت (7)من الذكور، ويقصد بهذا أن يقتل كل الذكور ابتداءً من الصبيان وحتى الشيوخ، فضربت أعناقهم في خنادق بسوق
________________________________________
(5) إن بعض المؤرخين المستشرقين يدعي الإنصاف والموضوعية، إلا أنه من وقت إلى آخر يرمي بسهامه الخفية التي تنال من العقول والقلوب، سهام لا يراها إلاّ من يقرأ بين السطور، فهو يمرّر من خلال كتاباته أفكاراً عميقة واتهامات خطيرة تصوّر لنا الرسول(صلي الله عليه و آله و سلم) على أنه رجل عبقري يسعى وراء طموحاته الشخصية وزعامته السياسية، وقائد عسكري همُّه أن يجعل من الضعف قوة ويحقق الانتصارات ويبسط نفوذه ويسيطر على شبه الجزيرة العربية. هؤلاء يعتبرون أن النبي محمداً(صلي الله عليه و آله و سلم) تفوَّق على النبي عيسى(عليه السلام) سياسياً وعسكرياً، إلاّ أنه(صلي الله عليه و آله و سلم) لم يتفوق عليه(عليه السلام) روحياً ومعنوياً. فقد ركب النبي عيسى(عليه السلام) على الحمار وحمل غصن الزيتون ونادى بالمحبة، بينما ركب النبي محمد(صلي الله عليه و آله و سلم) على الفرس وحمل السيف ونادى بالقتال !!! ومع ذلك فإن هناك أقوالاً لبعض المستشرقين الذين أُعجبوا بشخصية الرسول العظيم(صلي الله عليه و آله و سلم) وصفاته الجليلة، ومنهم سانت هيلر: «كان محمد رئيساً للدولة وساهراً على حياة الشعب وحريته، وكان يعاقب الأشخاص الذين يجترحون الجنايات حسب أحوال زمانه وأحوال تلك الجماعات الوحشية التي كان يعيش النبي بين ظهرانيها، فكان النبي داعياً إلى ديانة الإله الواحد، وكان في دعوته هذه لطيفاً ورحيماً حتى مع أعدائه، وإن في شخصيته صفتين هما من أجلّ الصفات التي تحملها النفس البشرية، وهما: العدالة والرحمة». راجع: www.islamonline.net/arabic/in-deph/mohamed/1424/eye/article01
(6) تناولتُ هذه الغزوة بإسهاب وتفصيل في بحث علمي تحليلي وموضوعي، وأشرتُ إلى أسبابها الحقيقية ونتائجها الخطيرة والإستراتيجية، وسلّطت الأضواء على آراء المستشرقين غير المنصفين في استغلال هذه الحادثة لتشويه صورة الإسلام والمسلمين، وذلك في مجلة الاجتهاد والتجديد، العدد المزدوج 8 و9 لخريف وشتاء 2007 / 2008م.
(7)أي من نبت له شعر العانة، وهي من علامات البلوغ.

[الصفحة - 149]


المدينة وكانوا قرابة التسعمئة رجل، وأما من لم يكن أنبت فقد تُرك.
أما من ناحية المنهج، فقد تم الاعتماد على المنهج التاريخي التحليلي مع لحاظ السياق العام ورؤية الحدث بالنسبة إلى الأحداث الأخرى. فالرؤية الشمولية مطلوبة ولكنها لا تغني عن المعرفة التفصيلية، ولا تتعارض مع التفسير الموضوعي الذي يأخذ بعين الاعتبار كل المعلومات المتعلقة بالموضوع في حقبة زمنية محددة. فلم يتم الاكتفاء بسرد الوقائع والأحداث، بل العمل أيضاً على تحليل تلك الأحداث واستقراء الآراء المختلفة والمتنوعة، بل والمتعارضة أحياناً، بعين الباحث الذي يتوخى الحقيقة ويتخذ البديهيات والمسلمات العقلية والعلمية منطلقاً لـه، ويعتمد على المشتركات والوقائع، وعناصر التحقيق، والمنطق السليم، وأدوات البحث العلمي، محاولاً الوصول إلى نتائج جديدة يلتمس منها الدروس والعبر. كما تم تجنب الخوض في الحساسيات المذهبية الإسلامية والتوجه مباشرة إلى الصراع الذي فرضه اليهود على الرسول(صلي الله عليه و آله و سلم) بعد هجرته من مكة إلى المدينة.
أما هذا البحث، فقد تم التطرق فيه إلى الصراع مع اليهود، وأسباب عدائهم للإسلام، وموقف النبي(صلي الله عليه و آله و سلم) منهم، ولا سيما بني قينقاع وبني النضير. كما تم استعراض آراء المستشرقين في ذلك وتفنيدها . وأخيراً تم التطرق لمعركة الأحزاب الشهيرة وموقف المستشرقة آرمسترونغ منها.
موقف النبي(صلي الله عليه و آله و سلم) من اليهود
ابتدأت المواجهة بين النبي(صلي الله عليه و آله و سلم) واليهود بعدما هاجر النبي إلى المدينة، حيث تعامل الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) مع اليهود في البداية على أساس أنهم أهل كتاب موحدين يؤمنون بنبوة موسى(عليه السلام) ويرفضون الأوثان . فدعاهم إلى الإسلام بكل سماحة، وإلى الإيمان بنبوته وبدينه كدعوة عالمية، وإلى التقوى في العمل وهي ميزان التفاضل، وإلى تحليل الطيب وتحريم الخبيث في التشريع، وإلى التعاون والمعروف في بناء المجتمع، قال تعالى :{الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ }
________________________________________

[الصفحة - 150]


{الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (سورة الأعراف: 157). وقد أسلم جماعة من أحبارهم ووجهائهم وصدقوا في إسلامهم أمثال: عبد الله بن سلام (8)، ومخيريق من بني ثعلبة الفطيون (9). زد على ذلك أن النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) كان يضع في أولوياته القضاء على العدو الأول والأكبر وهم كفار قريش ومشركيها، ولم يكن يطمح أبداً لفتح جبهة أخرى مع اليهود، لكونهم أهل كتاب يدعون إلى التوحيد ظاهراً .
ولكن ممارسات اليهود التخريبية جعلت خطرهم يتفاقم على الإسلام والمسلمين، حيث حاولوا زعزعة إيمان المسلمين بدينهم، وإظهار الرسول(صلي الله عليه و آله و سلم) بموقف الضعيف، كما عملوا على تأجيج نار الجاهلية بين الأوس والخزرج من جديد بعد أن توحدوا ببركة الرسول(صلي الله عليه و آله و سلم) ونعمة الإسلام . أضف إلى ذلك مضايقتهم لبعض القوافل التجارية الخاصة بالمسلمين ونهبها، وتعرضهم للنساء المسلمات في الأسواق . زد على ذلك محاولة قتل الرسول(صلي الله عليه و آله و سلم) واغتياله، ولكن الإرادة الإلهية شاءت حفظه وإكمال تبليغه للرسالة الإلهية الخاتمة. وأخيراً وليس آخراً نقضهم لعهد الرسول(صلي الله عليه و آله و سلم) وصحيفة المدينة، وتحالفهم مع كفار قريش ومشركيها لاجتياح المدينة في معركة الأحزاب واستئصال الإسلام والمسلمين .
ولكن جميع محاولات اليهود للقضاء على الإسلام والمسلمين باءت بالفشل الذريع بسبب وعي القيادة الإسلامية العليا. ولقد صبر النبي(صلي الله عليه و آله و سلم) في البداية على مؤامراتهم وخياناتهم الكبيرة حتى طفح الكيل، حيث صعَّدوا من تحدياتهم وأصبحوا يشكلون خطراً حقيقياً، فهم يعيشون في قلب المجتمع الإسلامي، ويعرفون كل مواقع الضعف والقوة فيه . فكان لا بد من صياغة التعامل معهم على أساس الحزم والقوة بدلاً من العفو والتسامح والرفق الذي لم يجد نفعاً، فليس من المصلحة أن يُترك اليهود يعيثون في الأرض فساداً، وينقضون العهود والمواثيق، ويسددون ضرباتهم للمسلمين كيف وأنى شاؤوا، بل لا بد من الرد الحاسم والحازم والعادل على كل اعتداء ومواجهة، وعلىكل تحدٍّ وتآمر وكيد وخيانة، فواجههم النبي(صلي الله عليه و آله و سلم) بأسلوب الاغتيالات
________________________________________
(8) إسمه الأول الحصين، من يهود بني قينقاع، كان من أحبار اليهود وعلمائهم، حيث قال عنه اليهود عندما سألهم رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم) عنه ليختبرهم، إنه سيدهم وابن سيدهم وخيرهم وعالمهم . ولكن عندما خرج عليهم عبد الله قائلاً لهم : يا معشر اليهود اتقوا الله واقبلوا ما جاءكم به، فوالله إنكم لتعلمون أنه لرسول الله تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة باسمه وصفته، كذّبوه ودافعوا به. ولما أسلم سماه الرسول(صلي الله عليه و آله و سلم) عبد الله، وأسلم معه أهل بيته، وكتم بداية إسلامه عن اليهود ثم جاهر به، بعد أن ألقى عليهم الحجة أمام الرسول(صلي الله عليه و آله و سلم) .
(9) الفطيون كلمة عبرانية تطلق على كل من تولّى أمر اليهود . وقد جاء في كتب السيرة والتاريخ أنه كان حبراً كبيراً، وعالماً من علمائهم، وغنياً يملك الكثير من النخيل وغيره. بقي وفياً للإسلام ملتزماً بعهد رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم) حتى كانت الحرب في أُحُد فأخذ سلاحه وقاتل مع الرسول(صلي الله عليه و آله و سلم) حتى استشهد . وكان قد أوصى بأمواله من بعده لمحمد(صلي الله عليه و آله و سلم) يصنع بها ما يريد. وقبض رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم) أمواله وكانت منها أكثر صدقاته في المدينة .

[الصفحة - 151]


المنظمة بدايةً، ولما لم ينفع معهم هذا الأسلوب اضطر النبي(صلي الله عليه و آله و سلم) لاتباع أسلوب الحرب الشاملة .
لقد اتبع النبي(صلي الله عليه و آله و سلم) أسلوب الاغتيالات المنظمة لبعض أفرادهم ورموزهم الذين ظهر كيدهم وأعلنوا الحرب على الإسلام وتعرضوا لنساء المسلمين بالأذى، فتم اغتيال أبي عفك اليهودي الذي كان يحرض على رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم) ويقول فيه الشعر، والعصماء بنت مروان اليهودية حيث كانت تعيب الإسلام والمسلمين وتؤنّب الأنصار على اتّباعهم لرسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم) وتقول الشعر في هجوه(صلي الله عليه و آله و سلم) وتحرض عليه . وفي السنة الثالثة بعد الهجرة تم اغتيال كعب بن الأشرف الذي كان قد ذهب إلى مكة بعد حرب بدر وحرَّض المشركين ولم يخرج منها حتى جمع أمرهم على حرب رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم)، وعندما سأله المشركون : أديننا أحب إلى الله أم دين محمد وأصحابه؟ أجابهم: بل أنتم أهدى منهم سبيلاً. وكان يهجو النبي في شعره ويتعرض بالأذى لنساء المسلمين .
وفي هذا السياق نذكر وجهة نظر إستشراقية، حيث تتفهم آرمسترونغ سلوك محمد(صلي الله عليه و آله و سلم) تجاه كعب بن الأشرف قائلة: ذهب كعب بن الأشرف، وهو شاعر يهودي من بني النضير، بعد بدر مباشرة إلى مكة، وبدأ ينظم أشعاراً لاهبة يحث القرشيين فيها على السير ضد محمد والثأر لقتلاهم، وقد أوضحت أشعار كعب للقرشيين أن سكان المدينة ليسوا إلى جانب محمد جميعاً . ولما كان الشعر يلعب دوراً كبيراً في الحياة السياسية في الجزيرة العربية، فقد ساعدت أشعار كعب في استنهاض قريش من حالة الإحباط والحزن اللَّذين نجما عن الهزيمة، وصار واضحاً أن القبائل اليهودية تشكل خطراً أمنياً، فإذا هاجمت قريش المدينة من الشمال، فإن باستطاعة القبائل اليهودية الانضمام إلى قريش التي اعتبرتهم حلفاءها ومهاجمة المسلمين من المؤخرة بحيث يصبحون محاصرين تماماً . وعندما رجع الشاعر كعب إلى المدينة أخذ يكتب أشعاراً تشويهية محرضاً على العصيان، وفي ذلك الوقت كان الشعر سلاحاً قاتلاً، ولم يكن بوسع محمد أن يسمح لـه بإلهاب الفرقاء الناقمين في المدينة، أو أن يحض القبائل البدوية للانضمام إلى تحالف أبي سفيان ضد المدينة . وبالتالي فإن آرمسترونغ تتفهم
________________________________________

[الصفحة - 152]


إقدام محمد (صلي الله عليه و آله و سلم) على إرسال من يغتال كعب، حيث كان للشعر قدرةٌ سحرية على إثارة الفتن وتقليب المواقف (10). وهكذا تتابعت عمليات القتل لبعض أفراد اليهود فاغتيل ابن سنينة، وأبو رافع بن أبي الحقيق من يهود خيبر وغيرهما. لقد كانت هذه العمليات بمثابة جزاء عادل، وإنذار حازم لكل من ينقض عهداً ويتآمر على مصلحة الإسلام العليا، وقد نُظِّمت ونُفِّذت ببراعة فائقة وذكاء وعبقرية، فأرعبت اليهود وأخافتهم .
ولكن بالرغم من ذلك، فإن اليهود لم يتراجعوا عن الدس والتحريض والتآمر، واستمروا في عنادهم وتماديهم في إيذاء المسلمين ونشر الفساد، ونقضهم للمعاهدات التي وقّعوا عليها بملء اختيارهم، فكان لا بد من التعامل معهم بأسلوب آخر فكانت الحرب الشاملة والمصيرية ضدهم حيث لا يمكن اجتثاث مادة فسادهم بغير ذلك . لقد حاربهم النبي(صلي الله عليه و آله و سلم) في داخل المدينة في غزوة بني قينقاع، وغزوة بني النضير ، كما حاربهم في محيطها في غزوة بني قريظة، وحاربهم في خيبر التي كانت تمثل المعقل الأساسي لهم في شبه الجزيرة العربية.
آراء المستشرق ولفنسون في أسباب الصراع بين المسلمين واليهود
1 ـ تمسُّك اليهود بدينهم
يتطرق ولفنسون إلى سبب النزاع المباشر بين اليهود والمسلمين، فيعتبر أن تعاليم الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) التي لم تقف عند حدّ محاربته الدينية للوثنية، بل تعدتها إلى أن يعترف اليهود برسالته، هي التي سببت الصراع بين الرسول(صلي الله عليه و آله و سلم) واليهود، ولولا هذا الطلب لما وقع النزاع بينهم، ولكان اليهود قد نظروا بعينٍ ملؤها التبجيل والاحترام لتعاليم الرسول(صلي الله عليه و آله و سلم)، ولأيدوه وساعدوه بأموالهم وأنفسهم حتى يحطّم الأصنام ويقضي على العقائد الوثنية . فالعقلية اليهودية لا تلين وما شيء يزحزحها عن دينها، وتأبى أن تعترف بأن يوجد نبي من غير بني إسرائيل، بل يعتقد اليهود أنه بعد أن ختمت صحف التوراة وكتب العهد القديم انقضى عهد بعث الرسل وظهور الأنبياء سواء كانوا من بني إسرائيل أو من غيرهم (11).
________________________________________
(10)كارين آرمسترونغ، الإسلام في مرآة الغرب: 216.
(11)إسرائيل ولفنسون، تاريخ اليهود في بلاد العرب في الجاهلية وصدر الإسلام: 164 .

[الصفحة - 153]


والجوابعلى ما قاله ولفنسون بيِّن واضح، حيث يتناقض ولفنسون مع نفسه بعد ما ذكره من أن الرسول(صلي الله عليه و آله و سلم) لم يجبر اليهود على اعتناق الإسلام، بل دعاهم إلى الإسلام وترك لهم حرية الاختيار بين دينهم القديم وبين الدين الجديد، وهذا ما تقره الصحيفة أو المعاهدة التي عقدت فيما بين الطرفين: «لليهود دينهم وللمسلمين دينهم».
ويرد عليه أيضاً أن اليهود لم يقفوا مع النبي(صلي الله عليه و آله و سلم) لمحاربة الوثنية، بل وقفوا إلى جانب كفار قريش ومشركيها العدو الأكبر للنبي(صلي الله عليه و آله و سلم)، وباركوا وثنيتهم عندما قالوا لهم وهم يحزّبون الأحزاب ضد محمد(صلي الله عليه و آله و سلم) أن دينهم خير من دين محمد(صلي الله عليه و آله و سلم) الذي دعا إلى التوحيد ونبذ الشرك وإلى الإيمان بكل الرسل والأنبياء السابقين.
2 ـ الآيات القرآنية التي نزلت في اليهود
ويقول ولفنسون: إن السبب الآخر لهذا النزاع هو الآيات القرآنية التي نزلت في ذلك الحين متضمنة الطعن باليهود، حيث تذكرهم بما ارتكبه أجدادهم من الجرائم كعصيانهم لموسى(عليه السلام)، وقتلهم أنبياء بني إسرائيل، وسجودهم للعجل. ولكن العجيب أن ولفنسون يزيد على ذلك قائلاً: إن كل هذا لم يضعف من عزيمة اليهود فاستمروا على مناقشة الرسول(صلي الله عليه و آله و سلم) ومخاصمة الأنصار، فنجم عن ذلك أزمة سياسية وشعر النبي(صلي الله عليه و آله و سلم) أنه لم يوفق في إيجاد أمة مؤلفة من جميع عناصر يثرب (12).
3 ـ ولفنسون والمزيد من تبرئة اليهود
ويسعى ولفنسون إلى المزيد من تبرئة اليهود من خلال قوله:
أ .إنّ هناك طائفة معتدلة من اليهود أرادت أن تصلح بين الفريقين المتخاصمين وتزيل ما بينهما من أسباب النزاع، ولكنها أخفقت في مسعاها وأن مخيريق اليهودي رفيق الرسول(صلي الله عليه و آله و سلم) من أنصار هذه الطائفة (13).
ب .وإنّ هناك عنصراً آخر لعب دوراً خطيراً في الحوادث اليثربية وهو العنصر الذي يضم أعداء اليهود السياسيين من بين الخزرج، فكان همُّهم أن يصبوا الزيت ليزيدوا في إشعال نار العداوة بين الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) واليهود، وقد عُرف بعضهم باسم المنافقين وكان عبد الله بن أُبي من زعماء هؤلاء المنافقين (14).
________________________________________
(12)المصدر السابق: 166.
(13)المصدر السابق: 167 .
(14)المصدر السابق: 167 -168 .

[الصفحة - 154]


ج.إنّ اليهود لم يكونوا يرغبون في محاربة الأنصار مع أن يوم بدر كان فرصة مناسبة لمن كان في مركزهم، وأنّهم في الواقع يفضلون السلام والسكينة على المشاحنات والمخاصمات؛ لأن السلام والسكينة أساس النجاح في الأعمال التجارية والصناعية (15).
د.إنّ اليهود لم يشتركوا مع الرسول(صلي الله عليه و آله و سلم) في محاربة قريش يوم بدر؛ لأنه لم يكن مشترطاً عليهم في المعاهدة أن يشتركوا في الغزوات الخارجة عن دائرة المنطقة اليثربية، وأن عدد الأوس والخزرج في هذه المعركة كان قليلاً، وأن أغلب المحاربين كانوا من المهاجرين(16).
هـ .إنّ اليهود رفضوا الاشتراك مع الرسول(صلي الله عليه و آله و سلم) في غزوة أُحُد؛ لأنها كانت في يوم السبت، فأبى اليهود أن يحملوا السلاح في ذلك اليوم، إضافة إلى أن المعاهدة التي كانت بينهم وبين النبي(صلي الله عليه و آله و سلم) تسمح لهم بالتخلف عن المعارك التي تقع بعيداً عن المدينة (17).
والجواب عليه
1 ـ إنّ مخيريق اليهودي الغني الذي كان يملك الكثير من النخيل، كان يعرف رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم) بصفته وما يجده في علمه، قد أسلم ودعا قومه إلى الإسلام، واشترك في واقعة أُحُد (18)، حيث قال لليهود لا سبت لكم، فأخذ سيفه وقال: إن أُصِبت فمالي لمحمد يصنع فيه ما شاء، ثم غدا إلى رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم) فقاتل معه حتى قُتل (19).
2 ـ الثابت في معاهدة المدينة: أنه لا تُجار قريش، وأن بين المسلمين واليهود النصر على من دهم يثرب، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن اليهود يتفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين . وهذا كله يثبت أن على اليهود أن يقفوا إلى جانب المسلمين ضد كفار قريش يوم بدر ويوم أُحُد، وأن عليهم ان ينصروا المسلمين أو على الأقل أن يدعموهم بالمال والسلاح إن لم يريدوا أن يحاربوا معهم بأنفسهم . وهذا كله لم يحدث . زد على ذلك أنه لا دليل على أن المعاهدة التي كانت بينهم وبين النبي(صلي الله عليه و آله و سلم) تسمح لهم بالتخلف عن المعارك التي تقع خارج المدينة وحولها، أضف أن عدد الأوس والخزرج في هذه المعركة لم يكن قليلاً.
________________________________________
(15)المصدر السابق: 168 .
(16)المصدر السابق: 169 .
(17)المصدر السابق: 173-174 .
(18)المصدر السابق: 173 .
(19)المصدر السابق: 174 .

[الصفحة - 155]


3 ـ من قال أن واقعة أُحُد كانت يوم سبت؟! وما الدليل على ذلك؟ وإن صحت هذه المقولة، فلماذا لم يدعم اليهود المسلمين بالمال والسلاح؟
4 ـ لو كان اليهود يرغبون بعلاقة طيبة مع النبي(صلي الله عليه و آله و سلم) ولم يُبَيِّتوا العذر والخيانة، لما سمحوا للمنافقين ولا لغيرهم أن يكدروا صفو علاقتهم بالنبي(صلي الله عليه و آله و سلم) . ولكانوا بذلك قد حافظوا على مساكنهم وأموالهم وسلاحهم وتجارتهم وأراضيهم، ولعاشوا بكرامتهم جنباً إلى جنب مع جيرانهم المسلمين . إن ابن أُبي كان معروفاً بنفاقه عند الرسول(صلي الله عليه و آله و سلم) والمسلمين وكان منبوذاً من بينهم خصوصاً بعد أن ترك النبي(صلي الله عليه و آله و سلم) ومن معه في معركة أُحُد ورجع وجماعته من منتصف الطريق، حيث كانوا يشكلون ثلث الجيش تقريباً، فأرادوا أن ينهزم الرسول(صلي الله عليه و آله و سلم) وأن تتضعضع معنويات جيشه . وبالتالي فإن حِيَل ابن أُبي ما كانت لتنطلي على رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم)، زد على ذلك أن ابن أُبي كان يتدخل لصالح اليهود بعد أن تصل الأمور إلى حد السيف، كما حصل وتوسط لبني قينقاع عند النبي(صلي الله عليه و آله و سلم) طالباً منه أن لا يقتلهم بالرغم من فعلتهم القبيحة وجريمتهم النكراء.
أولاً ــ موقف النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) من بني قينقاع
كانت معركة بدر بمثابة الطوفان الذي اقتلع بعض جذور الوثنية في قلب الجزيرة العربية القاحلة.
وكانت مخاوف القبائل الوثنية، ويهود يثرب الأثرياء، ويهود خيبر ووادي القرى، تزداد يوماً بعد يوم، حيث يتقدّم الإسلام وتتعاظم شوكته ويشتد أمر حكومته الفتية . وكان يهود بني قينقاع الذين يقطنون داخل المدينة ويمسكون بخيوط اقتصادها أشد خوفاً من غيرهم وأكثر قلقاً على مستقبلهم، فقد كان وضعهم يختلف عن وضع يهود خيبر ووادي القرى الذين يعيشون خارج المدينة بعيداً عن مركز سلطة المسلمين . ولا أدري ما هو منشأ هذا الخوف إن كانوا صادقين في معاهدتهم للمسلمين الذين برهنوا لهم بكل صدق ووفاء في التزاماتهم، ولم يتجنوا عليهم ولو بحادثة واحدة، ولم يستفزوهم أبداً !
________________________________________

[الصفحة - 156]


ولكن، يهود بني قينقاع بدؤوا قبل غيرهم من يهود المدينة بتدبير المؤامرات، وإيذاء المسلمين، والقيام بالحرب الإعلامية ضدهم، وذلك عبر نشر الأكاذيب وإطلاق الشائعات والشعارات القبيحة، وإنشاد القصائد التي من شأنها تحقير المسلمين وإضعاف معنوياتهم . وبهذا يكون اليهود قد بدؤوا عملياً بنقض معاهدة التعايش السلمي التي عقدها الرسول(صلي الله عليه و آله و سلم) معهم في إبّان قدومه إلى المدينة . ولم يكن من مصلحة الإسلام والمسلمين تفجير الموقف في عاصمة الإسلام يومئذٍ، ولهذا حذَّرهم قبل أن يقدم على أي عمل ردعي، ولكن اليهود المغرورين المتكبرين لم يسكتوا، بل استمروا في تشدُّقهم الفارغ بقوتهم وقدرتهم على القتال والمواجهة. زد على ذلك أن اليهود ممن اعتنقوا الإسلام قد أخبروه أن بني قينقاع يضمرون العداء للمسلمين ويبيتون لهم شراً، وأنهم بعد بدر قرروا نقض العهد مع محمد(صلي الله عليه و آله و سلم)، وإحياء التحالف القديم مع ابن أُبي كي يعززوا حزب المعارضة ويطردوا النبي(صلي الله عليه و آله و سلم) ، فزارهم النبي(صلي الله عليه و آله و سلم) وحثّهم على قبوله كرسول باسم تراثهم الديني (20)، فاستمعوا إليه في عقر دارهم بصمت متمرّد، وأجابوه بالتهديد. وبعد أيام قلائل افتعل اليهود حادثة سوق بني قينقاع (21)، فحاصرهم النبي(صلي الله عليه و آله و سلم)، فلم يفِ ابن أُبيّ بوعده لهم حيث انتظروا طوال أسبوعين أن يحارب معهم، فوجدوا أنفسهم مجبرين على الاستسلام دون شروط .
ولم تكن قريش بعيدة عن ساحة المواجهة، بل كانت تحرِّض اليهود على نقض العهد، وكتب كفار قريش بعد وقعة بدر إلى اليهود: إنكم أهل الحلقة والحصون، وإنكم لتقاتلن صاحبنا، أو لنفعلن كذا وكذا . ولا يحول بيننا وبين خدم نسائكم (22)شيء . فلما بلغ كتابهم اليهود أجمعوا على الغدر. ونحن نستقرب أن يكون بنو قينقاع هم أول من استجاب لطلب قريش هذا، وأن قريشاً قد كتبت لهم بعد بدر، وكان نقض بني قينقاع العهد بعد بدر أيضاً .
أما قضية بني النضير فقد كانت في السنة الرابعة بعد أُحُد. كما أن المؤرخين يقولون: «إن بني قينقاع لما كانت وقعة بدر، أظهروا البغي والحسد، ونبذوا العهد الذي كان بينهم وبين النبي(صلي الله عليه و آله و سلم): أن لا يحاربوه، ولا يظاهروا عليه عدوه. وكانوا أول من غدر من اليهود»(23).
________________________________________
(20) فقال لهم: «يا معشر يهود، احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة، وأسلموا، فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل، تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم». فأجابوه: «يا محمد إنك ترى أنا كقومك؟! لا يَغُرَّنَّك أنك لقيت قوماً لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة، وإنُّا والله لئن حاربناك لتعلمن أنَّا نحن الناس». فانسحب محمد (صلي الله عليه و آله و سلم) إثر هذا التهديد منتظراً التطورات. ابن هشام، السيرة النبوية: 402 .
(21) وهذا يدل عى أنهم فكروا وخططوا مسبقاً لهذه الخطوات التصعيدية ضد محمد (صلي الله عليه و آله و سلم) حيث نقضوا العهد وهددوه واعتدوا على عرض المسلمين وكرامتهم بهذه الحادثة المشينة
(22)وهي الخلاخيل، الواحدة: خَدَمَة، أي الخلخال. وهذا وعيد منهم لهم إن لم يقالتوا رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم).
(23)جعفر مرتضى العاملي، الصحيح من سيرة النبي الأعظم(صلي الله عليه و آله و سلم) 6: 57.

[الصفحة - 157]


ولم يكتف بنو قينقاع بذلك، بل عملوا على تصعيد التحدي؛ لأنّهم كانوا أشجع وأكثر اليهود أموالاً(24)وأشدَّهم بغياً، وكانوا حلفاء لعبدالله بن أُبي، وعبادة بن الصامت (25). قال ابن هشام: «كان من أمر بني قينقاع أن امرأة من العرب قدمت بجلب لها، فباعته بسوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ بها، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها، فأبت، فعمد يهودي الى طرف ثوبها فعقده الى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوأتها، فضحكوا منها، فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الفاعل فقتله، فشدَّت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستنصر أهل المسلم المسلمين على اليهود، فغضب المسلمون. فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع» (26). وقال (صلي الله عليه و آله و سلم): «ما على هذا أقررناهم»، فتبرأ عبادة بن الصامت من حلفهم، وقال: «يا رسول الله، أتولى الله ورسوله، وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار». وتمسك ابن أُبي بالحلف، وأصر على الرسول(صلي الله عليه و آله و سلم) بتركهم، فجمعهم النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) في سوقهم، وقال لهم : «يا معشر يهود، احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة، وأسلموا، فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل، تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم». فردوا عليه قائلين : «يا محمد، إنك ترى أنا قومك ؟ ! ولا يغرنك أنك لقيت قوماً لا علم لهم بالحرب ، فأصبت منهم فرصة . إنا والله، لو حاربناك، لتعلمنَّ أنَّا نحن الناس» (27). فأنزل الله تعالى : {قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ * قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ} ( سورة آل عمران: 12ـ 13). كما أنزل أيضاً : {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ} (سورة الأنفال: 58).
لقد تحصن بنو قينقاع في حصونهم، فاستخلف(صلي الله عليه و آله و سلم) على المدينة أبا لبابة، وسار إليهم ولواؤه راية العقاب السوداء يحمله أمير المؤمنين(عليه السلام) . وحاصرهم النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) خمس عشرة ليلة، ابتداءً من النصف من شوال السنة الثانية للهجرة، وقذف الله في قلوبهم الرعب، وكانوا أربعمئة حاسر وثلاثمئة دارع، فسألوا رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم) أن يخلي سبيلهم، ويجليهم عن المدينة، وأن لهم نساءهم والذرية، ولـه الأموال والسلاح.
________________________________________
(24)كانوا صاغة أغنياء .
(25) كلِّف بأن يعلِّم الفقراء والمهاجرين المحرومين الكتابة وقراءة القرآن بعد أن انتهى النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) من بناء المسجد بعد هجرته إلى المدينة . كما كلَّفه النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) بإجلاء بني قينقاع من حصونهم وترحيلهم بعد أن تم قبض أموالهم وأسلحتهم .
(26)عبد الملك بن هشام، السيرة النبوية: 403 .
(27)المصدر السابق: 402 .

[الصفحة - 158]