البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

المباني المعرفيَّة لعلم الكلام عند السيِّد عبد الحسين شرف الدِّين

الباحث :  السيد علي عباس الموسوي
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  38
السنة :  السنة العاشرة شتاء 1426هجـ 2005 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 19 / 2015
عدد زيارات البحث :  1090
المباني المعرفيَّة لعلم الكلام
عند السيِّد عبد الحسين شرف الدِّين

السيد علي عباس الموسوي (*)

تمهيد
شكّلت كتب الإمام السيد عبد الحسين شرف الدين مرجعاً مهماً للحوار المذهبي، ولا سيّما كتابه "المراجعات"، وإن كان غالب كتبه، إن لم نقل جميع ما وصل إلينا منها، يتناول مسائل الخلاف المذهبي بنقد موضوعي، وأسلوب رصين، ولغة أدبية امتاز بها السيد شرف الدين خصوصاً وعائلة شرف الدين الموسوي عموماً.
وحيث إن المسائل المذهبية الخلافية كانت تشتمل على الأُصول والفروع، فإن كتب السيد شرف الدين تناولت كلا الأمرين من دون فصل بينهما. والقيام بقراءة لكتب السيد شرف الدين، كما يمكن أن يكون لملاحظة أسلوبه الحواري ومنهجه في الحوار المذهبي، يمكن أن يكون لملاحظة المباني المعرفية التي يبني عليها وعلى أساسها كان ما خطه يراعه، وهذه المباني قد نجدها في المسائل الفقهية، وقد نجدها في المسائل التاريخية، وقد نجدها في المسائل الكلامية، وقد يحصل التداخل بين هذه الثلاث. وما يهمنا هنا هو ملاحظة المباني المعرفية لعلم الكلام عند السيد شرف الدين.
ومما لا شك فيه أن مؤلفات السيد شرف الدين قد تمحورت في قضايا الخلاف المذهبي، وضمن إطار الحوار المذهبي، وهذا من الطبيعي أن يفرض نفسه على آلية البحث هنا، أي إن ما سنحاول استكشافه من كتب السيد شرف الدين حول مبانيه المعرفية، سوف يبقى محكوماً، للإطار الذي كان يتعاطى معه بما يفرضه من أسلوب ومنهج.
تقسيم البحث
لن نخرج، في تقسيم البحث، عن المعروف من كون الأدلة الأربعة هي أهم
________________________________________
(*)باحث في الحوزة العلمية، من لبنان.

[الصفحة - 75]


عناصر إثبات البحث الكلامي، وتقسيمنا سوف يكون ضمن الترتيب المتعارف عليه: الكتاب، فالسنة، فالإجماع، فالعقل.
النقطة الأولى: الكتاب الكريم
لقد بحث السيد عبد الحسين شرف الدين في مرجعية القرآن الكريم بوصفه نصَّاً إلهيّاً ضمن أمور منها:
الأول:إن الخصوصية التي يملكها القرآن، في الحوار المذهبي، هي كونه نصّاً قطعياً متفقاً عليه بين الفريقين، ولكن هذا الاتفاق لم يسلم من محاولة بعضهم "الخدشة" به عبر رمي الشيعة بالقول بالتحريف، وأن القرآن قد سقطت منه آيات. ومن هنا يتصدى السيد شرف الدين للردّ على مقولة هؤلاء، مثبتاً قطعية هذا النص الإلهي، مفنِّداً القول بتحريفه. ولإثبات هذه القضية تمسّك السيد شرف الدين بطرق متعددة هي:
1 - التواتر
يتحدث السيد شرف الدين عن وجود تواتر على صحة النص القرآني الموجود بتمامه، بحروفه وكلماته وحركاته وسكناته، وهذا التواتر الذي يصفه بأنه قطعي يرى أنه ورد بطرق الإمامية، وعن أئمة الهدى، وذلك يدحض دعوى المدَّعي، فإن الشيعة تتبع الأئمة من آل رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم) الذين رفعوا هذا النص الإلهي عن جدهم الرسول(صلي الله عليه و آله و سلم) عن المولى عزّ وجلّ (1).
ولعل شدَّة هذه التهمة على الشيعة ووضوح بطلانها، يدفعان السيد شرف الدين إلى أن يكون شديد اللهجة في النكير على الاتهام بالتحريف، إذ يقول: "وكل من نسب إليهم - الشيعة - تحريف القرآن فإنه مفتر عليهم ظالم لهم؛ لأن قداسة القرآن الحكيم من ضروريات دينهم الإسلامي ومذهبهم الإمامي، ومن شك فيها من المسلمين فهو مرتد بإجماع الإمامية، فإذا ثبت عليه ذلك قتل، ثم لا يغسل ولا يكفن ولا يصلَّى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين.
وظواهر القرآن، فضلاً عن نصوصه، من أبلغ حجج الله تعالى، وأقوى أدلة أهل الحق بحكم البداهة الأولية من مذهب الإمامية، ولذلك تراهم يضربون بظواهر
________________________________________
(1)شرف الدين الموسوي، السيد عبد الحسين، أجوبة مسائل موسى جار الله، مجلة العرفان، صيدا 1373هـ، ص. 34.

[الصفحة - 76]


الأحاديث المخالفة للقرآن عرض الجدار، ولا يأبهون بها وإن كانت صحيحة، وتلك كتبهم في الحديث والفقه والأُصول صريحة بما نقول.
والقرآن الحكيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه إنما هو ما بين الدفتين، وهو ما في أيدي الناس لا يزيد حرفاً ولا ينقص حرفاً، ولا تبديل فيه لكلمة بكلمة، ولا لحرف بحرف، وكل حرف من حروفه متواتر في كل جيل تواتراً قطعياً إلى عهد الوحي والنبوَّة، وكان مجموعاً على ذلك العهد الأقدس، مؤلفاً على ما هو عليه الآن.
وكان جبرائيل(عليه السلام) يعارض رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم) بالقرآن في كل عام مرة، وقد عارضه به عام وفاته مرتين. والصحابة كانوا يعرضونه ويتلونه على النبي(صلي الله عليه و آله و سلم) حتى ختموه عليه مراراً عديدة، وهذا كله من الأُمور المعلومة الضرورية لدى المحققين من علماء الإمامية، ولا عبرة بالحشوية فإنهم لا يفقهون" (2).
2 - الظواهر القرآنية
يسلك السيد شرف الدين طريقاً آخر لإثبات إيمان الشيعة بعدم تحريف القرآن، ألا وهو التزامهم بحجية ظواهره فضلاً عن نصوصه، وتمسّكهم بهذه الظواهر واعتبارهم لها من الأدلَّة والحجج، بل من أقواها. بل، إن ذلك يعدّ من ضروريات مذهب الإمامية، والشاهد عليه عرضهم الروايات على القرآن، وضربهم بعرض الحائط كل ما يخالف قول الله عزّ وجلّ، ولا يخفى مدى ارتباط الالتزام بهذا مع الالتزام بعدم تحريف القرآن؛ لأن الإسقاط في القرآن الكريم لو كان موجوداً، وكانت الشيعة ممن يؤمن به، لما عملت بظواهره، ولا التزمت بنصوصه، ولا قامت باعتباره مرجعاً لعرض روايات أئمتها عليه (3). إن هذا الجواب هو ما أجاب به الأُصوليون رداً على طائفة الأخباريين الذين منعوا من العمل بالظاهر القرآني.
هذا، والنصوص التي أمرت بالرجوع إلى ظاهر الكتاب هي على طوائف كثيرة: فطائفة دلّت على وجوب التمسك بالقرآن؛ لأنه عدل للعترة الطاهرة، وطائفة دلّت على عرض الشرط في المعاملات ونحوه على كتاب الله، وطائفة ثالثة دلّت على عرض الروايات الصادرة عنهم على الكتاب الكريم، وطائفة دلّت على ممارسة الأئمة لهذا الأمر واستشهاد الإمام بآيات من كتاب الله (4).
________________________________________
(2)شرف الدين الموسوي، السيد عبد الحسين، الفصول المهمة في تأليف الأُمّة، ص 175، مؤسسة البعثة.
(3)أجوبة مسائل موسى جار الله، مصدر سابق، ص. 35.
(4)لمزيد تفصيل لهذه الطوائف يرجع إلى بحث حجية الظواهر في علم الأُصول، الهاشمي، السيد محمود، بحوث في علم الأُصول، ج. 4، ص. 288.

[الصفحة - 77]


3 - إيجاب السورة في الصلاة
مما انفردت به الإمامية إيجابهم سورة كاملة في الصلاة بعد الفاتحة في الركعتين الأُولى والثانية، ولا يجوز التبعيض في السور. وهذا القول هو من أدلَّة ثبوت هذا القرآن عند الشيعة، وعدم التزامهم بالتحريف، وإلاّ لما كان لهذا الحكم معنى ولا أمكن قيام الدليل عليه (5).
4 - دليل العقل
إن ملاحظة خصوصية النبي الأكرم(صلي الله عليه و آله و سلم)، في حكمته البالغة ونبوته الخاتمة، وملاحظة مبلغ نظره في العواقب، واحتياطه على أمته في مستقبلها، يدل على أنَّه من المحال عليه أن يترك القرآن منثوراً مبثوثاً.
5 - نص القرآن
إن من آيات القرآن ما يدلنا على عدم إمكان تحريفه، ولإثبات ذلك يذكر السيد شرف الدين آيتين من القرآن، قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر/9]، وهذه الآية هي التي نتمسَّك بها لرّد ما ورد من الروايات التي تتحدث عن التحريف. وقوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة/2]،حيث أطلق القرآن كلمة الكتاب، وهي إنما تطلق على الشيء المدوَّن المكتوب، وإلاّ فإن ألفاظ القرآن لو كانت محفوظة غير مكتوبة لم يصح إطلاق الكتاب عليها.
وقد يثار هنا الإشكال على ذلك بما ورد على لسان يحيي بن زكريا في قوله: {يَا يَحْيَى خُذْ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً} [مريم/12]، وعلى لسان عيسى بن مريم في قوله: {آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً} [مريم/30]. ولعل هذا الإشكال هو الذي دفع السيد شرف الدين إلى اعتبار أن هذه الآية إنما هي إشعار بما ذكره، وهو أقل مراتب الظهور.
الثاني: من الأمور التي يواجه بها الاستدلال بالقرآن والاحتجاج به، مسائل الظهور والنص. وهاهنا أبحاث ترتبط بهذا الظهور لا بد من حسم الأمر فيها، وهي: السياق، التأويل، الروايات التفسيرية، النسخ وفهم النص.
1 - السياق القرآني
هل يشكل السياق القرآني حجَّةً يعتمد عليها في تحديد الظهور؟ وهل يكون السياق مانعاً أحياناً من التمسك بظهور ما للآيات؟
________________________________________
(5)أجوبة مسائل موسى جار الله، مصدر سابق، ص. 35.

[الصفحة - 78]


لقد استخدم القرآن حجَّةً من قبل الفريق الآخر لنفي الاستدلال ببعض الآيات على ما يتمسك به الإمامية؛ وهذه الآيات تتمثل في:
ـ قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِيناً فَمَنْ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ،حيث استدل الخصم بأن هذه الآية إنما وردت في سياق قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي} [المائدة/3]، ومن هنا فإن الآية تتحدث عن تمام النعمة وإكمال الدين من جهة التشريع، ولا ربط لها بحادثة الغدير وإعلان ولاية أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام).
ب - قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} ،حيث إن الآية وردت في سياق الحديث عن نساء النبي؛ لقوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ إِنْ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} [الأحزاب/32 و33].
فقد استدل عكرمة ومقاتل على أن هذه الآية إنما وردت في نساء النبي؛ لأن السياق كذلك؛ حيث كان الخطاب مع نساء النبي في ما سبقها من آيات.
ج - قوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}[المائدة/55] ، فإن المراد من الولي في هذه الآية، وإن وردت في تصدُّق عليّ(عليه السلام) بخاتمه أثناء الصلاة، الناصر والمحب؛ وذلك لأن السياق في الآية هو النهي عن اتخاذ الكافرين أولياء بمعنى الناصر والمحب.
أما موقف السيد شرف الدين من مسألة التمسك بالسياق، فقد كان ضمن اتجاهات:
الاتجاه الأول: نفي وحدة السياق القرآني من أساسه، وذلك لأننا نعلم أن القرآن الحكيم لم يرتَّب في الجمع على حسب ترتيبه في النزول، وإذا كان كذلك فلا
________________________________________

[الصفحة - 79]


يبعد أن تكون الآية الأُولى التي تتحدث عن كمال الدين وتمام النعمة قد زُجّت ضمن آيات التحريم لغرض ما أو لجهل أو لغير ذلك (6). ويتمسك السيد شرف الدين لإثبات ذلك من جهة بالإجماع لدى كل المسلمين، بل له قول واحد لا ثاني له. ومن جهة أخرى بملاحظة آيات القرآن وسوره نفسها، فإن الأغلب من أواخره مكي، والأكثر من أوائله مدني (7).
هنا تشكل نقطة الإشكال على السياق، وهي نفيه موضوعياً بسبب أمر خارجي، وهي أن القرآن لم يكن مرتباً بحسب النزول حتى يكون ذا سياق واحد.
الاتجاه الثاني: إن السياق إنما يصح التمسك به مع فرض إحرازنا عدم خروج المتكلم عنه إلى سياق آخر، وهذا ما تمّ في الآية التالية، وإن السياق وإن كان في مقام ذم اتخاذ المشركين أولياء بمعنى اتخاذهم أنصاراً ومحبين، فإن الآية خرجت عن سياق الذم إلى الثناء على أمير المؤمنين وترسيخه للزعامة بتهديد المرتدين؛ لأن الآية التي قبلها بلا فصل هي قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [المائدة/54]،وهذا نفي الوحدة في السياق (8)من جهة ملاحظة لغة القرآن وطريقته في تناول الموضوع، وانحلاله إلى البحث عن قضيتين لا عن قضية واحدة.
الاتجاه الثالث:إن وحدة السياق إنما تكون متبعة مع عدم ورود الدليل النافي لها، ولذا يقول السيد شرف الدين: "إن المسلمين متفقون على أن الأدلة إذا عارضت السياق فهي المرجحة على السياق"، والبعد التحليلي لهذا الترجيح عند السيد شرف الدين يرتبط بعدم الوثوق، مع ورود الدليل المعارض لوحدة السياق بنزول الآية فيه (9). وإضافةً إلى ذلك فإن الإخلال بالسياق لا يخل بالإعجاز ولا يضر بالبلاغة، فلا بد من المصير إليه مع دلالة الأدلة عليه (10).
2 - التأويل
تشكِّل مسألة التأويل أساساً في البحث عن مرجعية القرآن المعرفية، كيف وقد كان التأويل عاملاً أساسياً في كل الصراعات التي حفل بها التاريخ الإسلامي. ومنذ البداية حيث حصل ما حصل بعد وفاة النبي (صلي الله عليه و آله و سلم)، وأمام ما قام به الصحابة من إرساء
________________________________________
(6)شرف الدين الموسوي، السيد عبد الحسين، فلسفة الميثاق والولاية، ص 11، المطبوع بضميمة كلمة حول الرؤية، دار النعمان 1967.
(7)شرف الدين الموسوي، السيد عبد الحسين، مودة أهل البيت فريضة، مجلة العرفان، مجلد 5، جزء5، ص. 89
(8)شرف الدين الموسوي، السيد عبد الحسين، آية الولاية، مجلة العرفان، مجلد 5، جزء 5 ص. 167
(9)شرف الدين الموسوي، السيد عبد الحسين، آية الولاية، مصدر سابق؛ المراجعات، ص. 197 مراجعة 44، ط 18 دار التعارف 1978.
(10)شرف الدين الموسوي، السيد عبد الحسين، المراجعات، ص 197 مراجعة 44، مصدر سابق.

[الصفحة - 80]


قواعد الخلافة لغير أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام)، كان لا بد من اللجوء إلى التأويل لما ورد من النص على عليّ(عليه السلام) ، ولعل الداعي إلى ذلك دحض حجة من يتمسك بتلك الآيات، أو تبرئة ساحة الصحابة من اتهامهم بمخالفة النص الصريح. لقد تمّ اعتبار قاعدة لزوم حمل عمل الصحابة على الصحة دليلاً على لزوم تأويل الكتاب، ولكن السيد شرف الدين يرفض فكرة التأويل هذه ضمن أمرين:
الأول: إن التأويل، لكي يتم ويكون صحيحاً ومقبولاً، لا بد من أن يكون النص المراد تأويله قابلاً لذلك، والنصوص الواردة من آية كمال الدين أو الوصية لا تقبل ذلك.
والثاني: هل يصح أن يكون عمل الصحابة عاملاً صحيحاً لتأويل النص؟ يناقش السيد شرف الدين في ذلك من جهة أن عمل الصحابة هذا لا يصح أن يكون مستنداً للتأويل؛ لعدم عصمتهم عن الذنب أو عن الخطأ من جهة؛ ولأننا نستطيع أن نجد وجوهاً أخرى نحمل عليها عمل الصحابة مما ورد على ألسنتهم هم، من قبيل أنهم إنما كانوا يلتزمون ويتعبدون بالنص في ما يرد بأمر عبادي من دون الأُمور التدبيرية من جهة أخرى، قال السيد شرف الدين: «أما الخلفاء الثلاثة وأولياؤهم، فقد تأولوا النص عليه بالخلافة للأسباب التي قدمناها، ولا عجب منهم في ذلك بعد الذي نبهناك إليه من تأولهم واجتهادهم في كل ما كان من نصوصه(صلي الله عليه و آله و سلم)، متعلقاً بالسياسات والتأميرات، وتدبير قواعد الدولة، وتقرير شؤون المملكة، ولعلهم لم يعتبروها كأمور دينية، فهان عليهم مخالفته فيها» (11).
3 - في التفسير الروائي
اعتمد السيد شرف الدين، في العديد من المواطن، على التفسير الروائي، أي على ما ورد في تفسير آيات الكتاب من أمور مذهبية لا سيما ما ورد منها في إمامة عليّ، والروايات التفسيرية هذه منها ما ورد بطرق الفريقين، ومنها ما ورد بطرق الإمامية. كما في قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا} [آل عمران/103]، وقوله تعالى: {وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة/119]، وغيرها من الآيات (12).
4 - في النسخ
مسألة النسخ في القرآن من أهم ما يمكن أن يكون إثارة للجدل في الأبحاث
________________________________________
(11)المصدر نفسه، ص. 300 مراجعة 84.
(12)المصدر نفسه، ص. 65 مراجعة 12.

[الصفحة - 81]


الكلامية، وخصوصية المعرفة الحقيقية بالقرآن تتمثل بمعرفة الناسخ من المنسوخ. يشير السيد، في طيّات أبحاثه في كتبه، إلى أن مسألة النسخ لا يصح اللجوء إليها إذا كان التنافي الدلالي بين الآيتين مرفوعاً لوجه من وجوه الجمع، أو لوضوح عدم التنافي.
ففي معرض ردّ السيد شرف الدين على من ادعى أن قوله تعالى: {قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [سبأ/47]، ناسخ لقوله تعالى: {قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى/23]..
يقول السيد: إن النسخ حتى يتم لا بدّ من أن يكون هناك تناف بين الآيتين، وهو هنا غير موجود، فإن معنى آية الشورى: ما سألتكم على أداء رسالتي شيء من الأجر إلاّ مودة قرابتي. ومعنى آية سبأ: إني ما سألتكم على رسالتي شيئاً من عرض الدنيا، والذي طلبته منكم في سورة الشورى إنما هو لكم لا لي؛ لأن قرابتي حجج الله البالغة لديكم (13).
كما يشير السيد شرف الدين إلى أمر آخر، وهو أن النسخ يتوقف أيضاً على ملاحظة المتقدم والمتأخر، فإن الناسخ لا بد من أن يتأخر عن المنسوخ، ولذا فإن المكي لا ينسخ المدني، وهذا أمر ذكره السيد شرف الدين (14)في مسألة دعوى أن قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} [المؤمنون/5 و6]، ناسخ لآية المتعة، وهي قوله تعالى: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً} [النساء/24]. وهذه المسألة وإن لم تكن كلامية، بل هي فرعية، ولكنها ترتبط بوضوح ببحث النسخ في القرآن.
5 - في فهم النص القرآني
إن القرآن ورد بلغة العرب، وفي أساليب تلك اللغة، وما تحدّى العرب إلاّ على طرائقهم في مجازاتهم وحقائقهم، ولذا كان لا بد من ملاحظة خصوصيات النص القرآني، وهذه الخصوصيات تتمثل في أمرين:
أحدهما: ملاحظة الخصوصية البيانية للغة العربية، فإن اللغة العربية تحمل أسلوب التصوير والتمثيل، وقد ورد العديد من الآيات القرآنية بهذه اللغة، وقد ذكر السيد شرف الدين العديد من هذه الآيات، وأهمها آية الميثاق: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ }
________________________________________
(13)شرف الدين الموسوي، السيد عبد الحسين، الكلمة الغراء في تفضيل الزهراء، ص 50، دار الزهراء.
(14)شرف الدين الموسوي، السيد عبد الحسين، أجوبة مسائل موسى جار الله، ص 114، مصدر سابق.

[الصفحة - 82]


{بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} [الأعراف/172]، حيث يقول: "ظاهر الآية أنها جاءت على سبيل التمثيل والتصوير، فمعناها: واذكر يا محمد ما قد واثقوا الله عليه بلسان حالهم التكويني من الإيمان والشهادة له بالربوبية".
وكذلك من تلك الآيات التي وردت على ذلك الأُسلوب قوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} [الأحزاب/72]، قال: «لأن عرضها على السماوات والأرض والجبال لم يكن إلاّ على سبيل التمثيل والتصوير تقريباً للأذهان، وتعظيماً لأمر الأمانة، وإكباراً لشأنها» (15).
ثانيهما: ملاحظة خصوصية الظروف المحيطة التي نزل في إطارها النص القرآني، فإن خلود النص القرآني لا يمنع من وروده ملاحظاً الخصوصيات التي رافقت نزوله. ومن هنا، فإن اللغة المستخدمة فيه ترد بنحو معين مراعاة لهذه الظروف، وهذا ما قدّمه السيد شرف الدين في معرض ردّه على اعتراض المعترض على ورود قوله تعالى: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة...} [المائدة/55]، بأن هذه الآية كيف تكون نزلت في عليّ(عليه السلام) وهو مفرد، والآية إنما وردت بصيغة الجمع.
وجواب السيد شرف الدين هو أنه "إنما جاء بعبارة الجمع من دون عبارة المفرد بقياً منه تعالى على كثير من الناس، فإن شانئي عليّ، وأعداء بني هاشم، وسائر المنافقين، وأهل الحسد والتنافس لا يطيقون أن يسمعوها بصيغة المفرد، إذ لا يبقى لهم حينئذٍ مطمع في تمويه"، إلى أن يقول: "ولو كانت الآية بالعبارة المختصة بالمفرد، لجعلوا أصابعهم في آذانهم، واستغشوا ثيابهم، وأصروا واستكبروا استكباراً، وهذه الحكمة مطّردة في كل ما جاء في القرآن الحكيم من آيات فضل أمير المؤمنين وأهل بيته الطاهرين كما لا يخفى، وقد أوضحنا هذه الجمل، وأقمنا عليها الشواهد القاطعة، والبراهين الساطعة في كتابينا: سبيل المؤمنين، وتنزيل الآيات» (16).
إن منهج القرآن سار على هذا النحو من ملاحظة تلك الظروف المحيطة، ولكن عدم توافر كتابي السيد المذكورين هو مدعاة للأسف؛ لأن ملاحظة منهج السيد شرف الدين في هذا الأمر يثري البحث القرآني - الكلامي.
________________________________________
(15)شرف الدين الموسوي، السيد عبد الحسين، فلسفة الميثاق والولاية، ص 2، مصدر سابق.
(16)شرف الدين الموسوي، السيد عبد الحسين، المراجعات، ص 195 مراجعة 42، مصدر سابق.

[الصفحة - 83]


النقطة الثانية: السنة الشريفة
المصدر الثاني، بحسب الترتيب المعروف، هو السنة النبوية، وضمن هذه السنة أبحاث:
الأول: في إثبات السنة الشريفة
1 - التواتر
لا يخفى كون التواتر من أهم طرق الإثبات للسنة النبوية أو ما ورد عن الأئمة، بل هو من أعلاها درجة؛ لأنه مثبت لها بنحو علمي لا ظني، وهذا التواتر كما يكون لفظياً يكون معنوياً. وفي التواتر يبحث السيد شرف الدين عن حديث الغدير، محاجّة منه لمن أنكر تواتره من طرق الفريق الآخر، وذلك عبر إدخال عامل كيفي وهو من جهة ملاحظة العوامل الخارجية، فإن حديث الغدير قد أُلقي بمنظر ومسمع من الأُلوف المجتمعة من أماكن شتى، و هذا يجعل النواميس الطبيعية تقضي بتواتره وتناقله على الألسن كافة، ومن جهة أخرى فإن هذا الحديث قد نزلت في شأنه آية من القرآن، وهي قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [المائدة/67]، وذلك من جهة أن اهتمام المسلمين بالقرآن ترتيلاً وتفسيراً، وملاحظتهم لأسباب النزول، يقضي بأن يكون هذا الحديث متواتراً (17).
2 - خبر الواحد
ما هي قيمة خبر الواحد في علم الكلام أو في الاعتقاديات، هذا هو أول سؤال يمكن أن نطرحه هنا، والسيد شرف الدين يؤكد أن خبر الواحد مع صحته إنما يكون حجة في الفروع لا في العقائد، وهذا أمر معروف في أصول الفقه مفروغ عنه. وهذا ما طرحه السيد شرف الدين لرفض بعض الروايات الواردة في كتب الفريق الآخر عن رؤية الله عزّ وجلّ. قال: "على أن هذين الحديثين وسائر الأحاديث التي تشبث بها القائلون بالرؤية، لو فرض صحتها متناً وسنداً، لا تخرج بالصحة عن كونها من الآحاد، وخبر الواحد مع صحته إنما يكون حجة في الفروع لا في العقائد" (18).
ولكن هذا لا يعني إسقاط الخبر من أساسه، فالخبر إذا كان ورد لتفسير آيات
________________________________________
(17)المصدر نفسه، ص. 221 مراجعة 56.
(18)شرف الدين الموسوي، السيد عبد الحسين، كلمة حول الرؤية، ص. 66، مصدر سابق.

[الصفحة - 84]


الكتاب الكريم - أو إذا كان من المتواتر الذي يخرج عن خبر الواحدـ فإنه يكون عنصر إثبات في الاعتقاديات، ولكن هل المدار على العدالة أو لا بد من وحدة المذهب، أو أن الوثاقة تكفي للقبول بالخبر، ينص السيد شرف الدين على الاكتفاء بالوثاقة عند دفع إشكال من يرفض الاستدلال بروايات ورد في طريقها من هو من الشيعة (19)، فإن الكذب من الكبائر عند الشيعة، ورجال الشيعة الثقات لا يمكن صدور الكذب منهم، فالاعتماد على إخباراتهم مما لا محيص منه.
نعم للسيد شرف الدين موقف من نوعين من أنواع الحديث:
أولاً: يبحث السيد شرف الدين عن العلاقة بين الحديث والعقل، فلا يعني ورود الحديث، حتى لو كان في الكتب المعتبرة أو في الصحاح المعروفة لدى الفريق الآخر، اعتباره إذا كان مما يستحيل عقلاً، ومثالاً على ذلك يذكر السيد شرف الدين ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما، والإمام أحمد في مسنده وغيرهم في فضائل النبي موسى (عليه السلام)، عن أبي هريرة مرفوعاً قال: «كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة، ينظر بعضهم إلى سوأة بعض، وكان موسى (عليه السلام) يغتسل وحده. فقالوا: والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلاّ أنه آدر أي عظيم الخصيتين - قال: فذهب مرة يغتسل، فوضع ثوبه على حجر، ففر الحجر بثوبه. قال: فجمح موسى بأثره يقول: ثوبي حجر! ثوبي حجر ! حتى نظرت بنو إسرائيل إلى سوأة موسى. فقالوا: والله! ما بموسى من بأس.
فقام الحجر بَعدُ، حتى نُظِر إليه. قال: فأخذ موسى ثوبه فطفق بالحجر ضرباً».
قال أبو هريرة: والله! إنه بالحجر ندبٌ ستة أو سبعة… الحديث (20).
ويقف السيد أمام هذه الرواية قائلاً: «وأنت ترى ما في هذا الحديث من المحال الممتنع عقلاً، فإنه لا يجوز تشهير كليم الله بإبداء سوأته على رؤوس الأشهاد من قومه؛ لأن ذلك ينقصه ويسقط من مقامه» (21).
وهذا الموقف من قبل السيد شرف الدين لا يقتصر على خبر الواحد حتى يقال إنه مرفوض لعدم كونه عنصر إثبات في الاعتقاديات، بل إن هذا يأتي حتى في الخبر المتواتر الذي يملك قيمة إثباتية في الاعتقاديات، ولذا يتحدث السيد شرف الدين في بحث الرؤية عن الروايات التي تتحدث عن إمكانية رؤية الواجب تعالى، حيث يقول: "إن التواتر لو فرض حصوله لوجب تأويله أو رد العلم بالمراد منه إلى الله تعالى" (22).
________________________________________
(19)شرف الدين الموسوي، السيد عبد الحسين، المراجعات، ص. 80، مراجعة 14.
(20) صحيح البخاري، ج. 3، ص. 1249، ح3223 كتاب الأنبياء؛ صحيح مسلم، ج. 4، ص. 520، ح. 155 (339) كتاب الفضائل، واللفظ له؛ مسند أحمد، ج2، ص606 من مسند أبي هريرة. (المنهاج).
(21)شرف الدين الموسوي، السيد عبد الحسين، إلى المجمع العربي بدمشق، ص 69.
(22)شرف الدين الموسوي، السيد عبد الحسين، كلمة حول الرؤية، ص 66.

[الصفحة - 85]


ثانياً:يرفض السيد شرف الدين الروايات الواردة من قبل من يسميهم غلاة المفوضة، ومثاله موقفه من الروايات الواردة في نزول آيات من القرآن في كفر فلان وفلان، ويتمسك لردّ ذلك بآيات من القرآن فيقول: "ومن تدبَّر آيات المنافقين في الذكر الحكيم وجدها تعطفهم على الكفار تارة نحو قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [التوبة/73]، وتعطف الكفار عليهم تارة أخرى، نحو قوله عزّ اسمه: {وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها} [التوبة/68]، وهذا يشعر بتغايرهما، فالقرآن إذن لا يكفر المنافقين مع ما كانوا عليه من الإيذاء لرسول الله، والسعي في إطفاء نور الله، وقد صدع بذمهم ولعنهم ووعيدهم، ومع هذا كله فقد فتح لهم باباً إلى رحمته الواسعة، إذ قال عزّ من قائل: {ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما} [الأحزاب/24] (23).
والموقف نفسه نجده لدى السيد شرف الدين في الروايات الواردة بأن علياً طلق فلانة، ويتمسك لإثبات عدم اعتبار مثل هذه الأخبار بالإجماع على عدم اعتبارها (24).
الثاني: في دلالة الحديث
للبحث في دلالة الحديث جهات متعددة، ومن الجهات التي تعرَّض لها السيد شرف الدين في طيات أبحاثه:
1 - عموم الروايات
العموم في الرواية يثبت عادة بحسب أهل اللسان والعرف، وهذا ما تمسك به السيد شرف الدين قبال من ادعى عدم العموم في حديث المنزلة، وهو قول النبي(صلي الله عليه و آله و سلم) لعليّ(عليه السلام) : "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبي بعدي"، فإن العموم في هذا الحديث مما يعرفه كل أهل الضاد، وذلك من جهتين: عموم اسم الجنس المضاف واستفادة العرف ذلك منه؛ والاستثناء للنبوة حيث إنه لم يستثن من جميع المنازل إلاّ النبوة(25).
2 - المورد لا يخصص الوارد
فقد حاول بعضهم دفع الاستدلال بحديث المنزلة بأنه إنما نزل في خصوص
________________________________________
(23)شرف الدين الموسوي، السيد عبد الحسين، أجوبة مسائل موسى جار الله، ص. 77، مصدر سابق، والآية من سورة الأحزاب: 24.
(24)المصدر نفسه، ص 87.
(25)شرف الدين الموسوي، السيد عبد الحسين، المراجعات، ص. 163، 169.

[الصفحة - 86]


غزوة تبوك، ولكن السيد يدفع ذلك بالقاعدة المؤسسة في محلها من كون المورد لا يخصص الوارد، ويحيل هذه القاعدة إلى وجدان الإنسان، ممثلاً لذلك بما لو رأيت الجنب يمس آية الكرسي فقلت له: لا يمسنّ القرآن محدث. أيكون هذا خاصاً بمورده أم عاماً شاملاً لجميع آيات القرآن ولكل محدث؟ وهكذا العرف فإنه أيضاً يقضي بعدم تخصيص الكلام بمورده. ومن الشواهد الخاصة التي يوردها السيد شرف الدين على عدم تخصيص الحديث بمورد نزوله، هو أن حديث المنزلة قد صدر من النبي(صلي الله عليه و آله و سلم) في وقائع مختلفة، ولم يختص بغزوة تبوك (26).
الثالث: النسخ في الرواية
تعدّ مسألة النسخ من أكثر القضايا جدلاً في الحوارات المذهبية، ومن عوامل اللجوء إلى النسخ ذلك التصادم الذي حصل بين الروايات وبين عمل الصحابة، فإذا كان حديث الدار نصاً في مسألة الإمامة والولاية لعليّ(عليه السلام) من بعد النبي(صلي الله عليه و آله و سلم)، وإذا كان الصحابة قد أعرضوا عن هذا الحديث عمداً بعد وفاة النبي(صلي الله عليه و آله و سلم)، فلا بد من أن يكون هذا الحديث منسوخاً. ولكن السيد شرف الدين يثبت استحالة النسخ في هذه الرواية عقلاً وشرعاً.
أما عقلاً، فلأن النسخ قبل حضور وقت العمل مستحيل. وأما شرعاً، فلعدم ثبوت إعراض النبي(صلي الله عليه و آله و سلم) عن هذا الحديث، بل إن ما ورد عن النبي(صلي الله عليه و آله و سلم) بعد هذا من أحاديث يؤيد ذلك، وإعراض الصحابة عنه لا يوجب نسخه (27).
الرابع: الدلالات العرفية والعقلية
إذا كانت السنة حجة في مدلولها المطابقي، فهي حجة في مدلولها الالتزامي أيضاً، وذلك في المدلول الالتزامي اللازم بالمعنى الأخص. وإذا كانت النصوص الواردة في إمامة الإمام عليّ(عليه السلام) قد وردت بالمطابقة، فهي أيضاً قد وردت بالالتزام، مثل قوله: "علي مع القرآن والقرآن مع عليَّ لن يفترقا حتى يردا علي الحوض"، فإن هذه الرواية وأمثالها قد أعطت عليّاً من المنازل المتعالية ما لا يجوز على الله تعالى وأنبيائه ورسله إعطاؤها إلاّ لخلفائهم وأمنائهم على الدين وأهله(28).
________________________________________
(26)المصدر نفسه، ص 170 مراجعة 30.
(27)المصدر نفسه، ص 160 مراجعة 24.
(28)المصدر السابق، ص 212 مراجعة 50.

[الصفحة - 87]


الخامس: تأويل الروايات
لقد تمت مواجهة النصوص الروائية الواردة بالإمامة والولاية لعليّ (عليه السلام) بأساليب شتى، ولعل من هذه الأساليب تأويل هذه النصوص، فإن في التأويل طريقاً للفرار من مشكلة مخالفة النص، وهذا الأمر كما حدث بالنسبة لبعض الآيات، حدث بالنسبة للنصوص الروائية. فقد تم اللجوء إلى التأويل لأغراض معينة، فإن العرب لم ترض أن تكون الإمامة والخلافة حصراً في بيت واحد. وهذا هو الدافع الأساسي لأُولئك الذين قاموا بعملية الرفض لهذه النصوص بعد وفاة النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) مباشرة، فيما قام من لحقهم من المسلمين بتأويل هذه النصوص بدافع تسويغ فعل المتقدمين.
فإذا كان رفض العمل بهذه الروايات قد تمّ من قبل الصحابة، فإن أصلاً آخر يحكم على عقلية التابعين، ألا وهو حمل عمل الصحابة على الصحة. وإذا كان السبب الذي دفع الأوائل إلى رفض تلك النصوص هو مصالح أو مطامع ارتأوها، فإن الذي دفع اللاحقين لهم تصحيح عمل أولئك.
ومن هنا يرفض السيد شرف الدين عملية التأويل هذه، وعوامل الرفض هذه تشترك في كل حديث يتم العمل على تأويله، فلا بد من الوقوف موقف الرافض لذلك، وهذه بعض الأُمور التي ذكرها السيد شرف الدين لرفض التأويل:
1 - السياق الروائي
إن تأويل الرواية حتى يكون صحيحاً لا بد من أن يتلاءم مع سياق الرواية. ومن هنا، فإن الجواب عمن حاول تأويل المراد من كلمة "مولى" في حديث الغدير إلى معنى المحب والناصر، هو بعدم انسجام ذلك مع سياق الرواية، ويكفي لذلك التدبر باللغة والأُسلوب الذي وردت فيه الرواية، فنعي النبي(صلي الله عليه و آله و سلم) نفسه من جهة «يوشك أن أدعى فأجيب»، وطلب النبي(صلي الله عليه و آله و سلم) من القوم الشهادة بأصول الدين من الشهادتين والقيامة (29).
وكذلك يشهد السياق مرة أخرى على نفي أي تأويل للرواية، فإن من التأويلات التي قدمت لحديث الغدير هو الاعتراف والإقرار بأن الرواية أرادت أن تجعل الولاية لعليّ(عليه السلام) ، ولكنها لم ترد أن تجعل ذلك فعلاً، بل الولاية هنا هي الولاية المآلية؛ أي أن الولاية سترجع إلى عليّ(عليه السلام)، ولكن بعد ولاية الخلفاء الثلاثة.
________________________________________
(29)المصدر نفسه، ص. 232، مراجعة 58.

[الصفحة - 88]


وهنا يتمسك السيد شرف الدين بعموم الحديث لمنع هذا التأويل؛ لأن عموم الحديث يفيد أن عليّاً له الولاية حتى على الثلاثة، فإذا أردنا أن نلتزم بهذا التأويل، فهذا يعني الخروج عن العموم الوارد في الحديث (30).
2 - خصوصيات الرواية
إننا لأجل تأويل الرواية لا بد من أن نلحظ الخصوصيات التي وردت فيها، أي القرائن الخارجية التي احتفت بصدور الرواية، فلا يمكن إغفال تلك القرائن والذهاب بعيداً في التأويل، ولذا يرفض السيد شرف الدين مقولة من ذهب إلى تأويل كلمة "المولى" في حديث الغدير إلى معنى الناصر والمحب؛ لأن القرائن الخارجية تأبى ذلك، وهي منع النبي(صلي الله عليه و آله و سلم) الأُلوف من المسير، وحبسهم في رمضاء الهجير، وإرجاع من تقدم، وإلحاق من تأخر من غير كلأ ولا ماء، فإن هذا كله لا ينسجم مع مقولة: إن مراده أن يقول لهم إن عليّاً(عليه السلام) هو المحب والناصر له فقط (31).
السادس: فقه الحديث
إن فهم النص الديني الوارد عن النبي(صلي الله عليه و آله و سلم) يحتاج إلى وجود إلمام لدى القارئ لهذا النص بخصوصياته، وهذه الخصوصيات يمكن الحديث عنها ضمن تصنيفين:
التصنيف الأول:خصوصيات اللغة العربية، فإن اللغة التصويرية المستخدمة في اللغة العربية قد استخدمت في لسان الروايات؛ لأن الروايات وردت بلغة العرب بكل ما تحمله هذه اللغة من أساليب ووسائل. ومن هنا، فإن الاستغراب أو التوقف في بعض النصوص قد يكون نتيجة عدم ملاحظة هذه الأساليب، ومثال ذلك العديد من الصحاح الصريحة ببكاء الأرض والسماء على سيد الشهداء، وخامس أصحاب الكساء، إذ بكته الشمس بحمرتها، والآفاق بعبرتها، وطبقات الأرض بزلزالها، والطير في أجوائها، وحجارة بيت المقدس بدمائها، وقارورة أمّ سلمة بحصياتها..
يقول السيد شرف الدين: وأنت تعلم أن بكاء تلك الأجرام لم يكن على ظاهره، وإنما كان مجازاً على سبيل التمثيل، إكباراً لتلك الفجائع، وإنكاراً على مرتكبيها وتمثيلاً لها (32).
التصنيف الثاني:ملاحظة تاريخ الرواية، أي الظروف المحيطة بالنص والتي يكون لها نوع من الحكومة على هذا النص، وعلى اللغة المستخدمة فيه.
________________________________________
(30)المصدر نفسه، ص. 234، مراجعة 60
(31)المصدر نفسه، ص. 231، مراجعة 58
(32)الدين الموسوي، السيد عبد الحسين، فلسفة الميثاق والولاية، ص. 5

[الصفحة - 89]


النقطة الثالثة: العقل
إن ترك الإيمان بالعقل، كما فعل الأشاعرة، مبالغة منهم في الإيمان بالشرع سوف يستلزم أن لا يقوم الدليل على ثبوت الشرع. فالعقل هو العنصر المثبت للشرع، ولا يملك الشرع إثباتاً ذاتياً، ولذا كانت معرفة الله وعبادته موقوفة على العقل ولولا العقل، لما حصلتا.
والعقل فطرة إلهية فطر الله بها عباده، وجعله وسيلة لمعرفة حقائق الأشياء (33)، هذا هو العقل الذي يتحدث عنه السيد شرف الدين مبدياً أهميته.
أوّلاً - رؤية الله
يعدّ العقل أصلاً أساسياً في علم الكلام، ولعلنا نجد الكثير من المفردات التي دار حولها الجدل الكلامي، والتي كان العقل فيها المستمسك الأقوى لدى الإمامية لردّ مقولات مخالفيهم، ومن هذه المقولات مسألة رؤية الله. والإمامية ذهبت إلى استحالة الرؤية بالمعنى الذي يحمل عليه أهل الظاهر الآيات الواردة في الرؤية، وأن المراد من ذلك الرؤية البصرية. ويتحدث السيد شرف الدين في رسالة عقدها لذلك، على أن الرؤية البصرية لا يمكن وقوعها إلاّ أن يكون الرائي في جهة ومكان ومسافة خاصة بينه وبين رائيه، ولا بد من أن يكون مقابلاً لعين الرائي، ذلك كلّه ممتنع على الله تعالى، مستحيل بإجماع أهل التنزيه من أشاعرة وغيرها (34).
إذن، الاستحالة من جهتين: تتمثل الأُولى منهما باستلزام الرؤية لكون الله عزّ وجلّ بحاجة إلى مكان، والله هو الغني؛ وتتمثل الثانية بأن الرؤية تستلزم خلو الله من مكان؛ لأن وجوده في مقابل الرائي يعني عدم كونه في الجهة المخالفة، والله لا يخلو منه مكان.
ثانياً - الحسن والقبح العقليين
إن قضية حسن العدل وقبح الظلم ثابتة بما لا مجال للإنكار، وإذا أراد بعضٌ الاحتجاج على عدم صحتها بذهاب الأشاعرة إلى نفيها، فإن السيد شرف الدين يثبت هذه القضية بأمرين:
1 - البداهة والضرورة، فإن هذه القضية ليست أقل من جزم العقلاء بأن الواحد نصف الاثنين.
________________________________________
(33)شرف الدين الموسوي، السيد عبد الحسين، المراجعات، ص. 278، مراجعة 76.
(34)شرف الدين الموسوي، السيد عبد الحسين، كلمة حول الرؤية.

[الصفحة - 90]


2 - إن منكري الشرائع يحكمون بهذه القضية، ويرتبون على العدل الثناء وعلى الظلم الذم، ومستندهم في ذلك هو العقل من دون غيره (35).
ثالثاً - العقل لإثبات الإمامة وتواتر القرآن
يشكل العقل دليلاً على ضرورة الإمامة، فإن الوصية من قبل النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) بالشريعة، وبقيم تتم لله بها الحجة مما يحكم به عقل الإنسان ووجدانه. وكذلك يحيل هذا العقل أن يترك النبي(صلي الله عليه و آله و سلم) القرآن مبثوثاً منثوراً من دون أن يجمعه بنحو يتم به حفظه.
إن حكم العقل هذا ينبثق من ملاحظة خصوصية النبي الأكرم(صلي الله عليه و آله و سلم) الذي حفظ الشريعة التي جاء بها وجاهد من أجلها. وحفظها يقتضي بحكم العقل مجموعة من الأُمور، ويتمثل اثنين منها في الوصية بالإمامة وجمع القرآن.
النقطة الرابعة: الإجماع والسيرة
شكّل الإجماع عنصراً استند إليه السيد شرف الدين في العديد من الموارد، لا سيّما في إثبات نزول بعض الآيات في عليّ(عليه السلام)، كآية الولاية، و في أهل البيت (عليهم السلام) كآية التطهير. ولا شك في أن الإجماع الذي استدل به السيد هو إجماع ملزم للخصم؛ لأنه إجماع من قبلهم، ولعل الإجماع في الموارد التي استدل بها لا يعدو عن كونه احتجاجياً؛ لأن القضايا التي يستدل بها السيد شرف الدين للإجماع فيها نصوص متواترة عن العترة الطاهرة، وذلك كما في نزول آية الولاية في عليّ(عليه السلام)، فإن تواتر النصوص يمنع من حجية مثل هذا الإجماع على مسلك الشيعة، إذ يكون مثل هذا الإجماع مدركياً.
ولذا فإن السيد شرف الدين يذكر تواتر روايات الشيعة في المسألة قبل الإجماع؛ لأنه المدرك الأولى بالاعتماد من الإجماع، ولكن الإجماع حيث كان يملك قيمة إثبات كبرى عند الخصم يذكره السيد في كلامه احتجاجاً.
وهذا الاحتجاج المذهبي نشهده بوضوح في ردّ السيد شرف الدين على من تمسك بالإجماع لإثبات صحة خلافة الخليفة الأول، والسرّ في ذلك هو أن الإجماع لا يثبت الإمامة والولاية إطلاقاً عند الشيعة، بل الإمامة عندهم إنما تثبت بالنص خاصة،
________________________________________
(35)شرف الدين الموسوي، السيد عبد الحسين، المراجعات، ص. 278 مراجعة 76

[الصفحة - 91]


ولكن السيد شرف الدين يبتعد عن النقاش مبنائياً، ليناقش بنائياً فيخدش في دعوى الإجماع هذه من جهتين:
الأولى:إثبات عدم انعقاد مثل هذا الإجماع، سواء عبر إثبات مخالفة بعض الأنصار أو بني هاشم أم من خلال النصوص الواردة عن أصحاب القضية، والتي تدل على أن مسألة البيعة والخلافة لم تكن إجماعاً بقدر ما كانت فجأة وارتجالاً (36).
الثانية:إن هذا الاتفاق إن فرض التسليم بانعقاده بعد مدة، ولكن لا بد من ملاحظة جهات الفعل من قبل المجمعين، أو فقل معقد الإجماع. فهل كان إجماعاً على عقد الخلافة أو أنه كان إجماعاً على التسليم للواقع لأجل حفظ أمّة الإسلام من الضياع؟
يقول السيد: «فإن لعليّ (عليه السلام) والأئمة المعصومين من بنيه مذهباً في مؤازرة أهل السلطة الإسلامية معروفاً، وهو الذي ندين الله به... وحاصله أن من رأيهم أن الأُمّة الإسلامية لا مجد لها إلاّ بدولة تلم شعثها، وترأب صدعها، وتحفظ ثغورها، وتراقب أمورها، وهذه الدولة لا تقوم إلاّ برعايا تؤازرها بأنفسها وأموالها، فإن أمكن أن تكون الدولة في يد صاحبها الشرعي وهو النائب في حكمه عن رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) نيابة صحيحة - فهو المتعين لا غير. وإن تعذر ذلك، فاستولى على سلطان المسلمين غيره، وجبت على الأُمّة مؤازرته في كل أمر يتوقف عليه عزّ الإسلام ومنعته، وحماية ثغوره وحفظ بيضته، ولا يجوز شق عصا المسلمين، وتفريق جماعتهم بمقاومته، بل يجب على الأُمّة أن تعامله - وإن كان عبداً مجدع الأطراف - معاملة الخلفاء بالحق، فتعطيه خراج الأرض ومقاسمتها، وزكاة الأنعام وغيرها، ولها أن تأخذ منه ذلك بالبيع والشراء، وسائر أسباب الانتقال، كالصلات والهبات ونحوها، بل لا إشكال في براءة ذمة المتقبل منه بدفع القبالة إليه، كما لو دفعها إلى إمام الصدق، والخليفة بالحق، هذا مذهب عليّ والأئمة الطاهرين من بنيه» (37).
نعم، استخدم السيد شرف الدين الإجماع عنصراً لتحديد المراد من بعض آيات القرآن، فمثلاً في آية التطهير يقول السيد: إن إجماع أهل القبلة على أن الآية نزلت في الخمسة أصحاب الكساء (38).
وأما السيرة فإن النقاش الأساسي للسيد شرف الدين فيها يرتكز على ملاحظة هذه السيرة من جهة أنها متى تشكل عنصر إثبات؟ لأن السيرة التي يُستدل بها، هي سيرة السلف الصالح، وهنا يأتي السؤال بأن الخلف الصالح هم نصف المسلمين (39)، فمخالفتهم ألا تضر بانعقاد مثل هذه السيرة؟
* * *
________________________________________
(36)المصدر نفسه، ص. 287 مراجعة 80.
(37)المصدر نفسه، ص. 291 مراجعة 82.
(38)شرف الدين الموسوي، السيد عبد الحسين، الكلمة الغراء في تفضيل الزهراء، ص. 20 ، مصدر سابق.
(39)شرف الدين الموسوي، السيد عبد الحسين، المراجعات، ص42 مراجعة 4.

[الصفحة - 92]