البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

المسيحيَّة في المفهوم الثقافي الإسلامي المعاصر(**)

الباحث :  الشيخ محمد مهدي شمس الدين
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  18
السنة :  السنة الخامسة صيف 1421 هجـ 2000 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 17 / 2015
عدد زيارات البحث :  729
المسيحيَّة في المفهوم الثقافي الإسلامي المعاصر(**)

الشيخ محمد مهدي شمس الدين(*)

شرح العنوان
‏إنَّ العنوان يقتضي أن يكون البحث وصفياً وإخبارياً يشخِّص وضع المسيحيَّة (المسيحيين) في المفهوم الثقافي الإسلامي. ولكنَّ الوصول إلى وصف صحيح وتكوين صورة أمينة لا بد من أن يمر بالنقد، وينبثق من النقد، ولا يمكن أن يكون البحث صادقاً ونافعاً ما لم يكن بحثاً نقديَّاً.
وهنا نلاحظ أنّ المراد من العنوان ملتبس وغامض:
فهل المقصود تشخيص صورة المسيحية باعتبارها ديناً وفكراً وثقافة؟ أو جلاء صورة المسيحيين (المتدينين بها) وإضاءتها، باعتبار علاقاتهم وأثرهم في حياة المسلمين؟ وما هو المقصود بالمفهوم الثقافي المعاصر؟
إنَّ الثقافة لأي إنسان هي «العين» التي ينظر بها إلى العالم من حوله، ويفسر معناه، ويضع صيغة التعامل معه.
وبهذا الاعتبار فإن المفهوم الثقافي (الثقافة) للمسلم المعاصر يستمد عناصر تكوينه من المرجعية الإسلامية المتفاعلة مع قضايا العالم المعاصر وثقافاته الإنسانية البنَّاءة.
ونحن، في محاولة سبر موقف المسلم المعاصر من المسيحيين والمسيحية، نحاول استكشاف مضمون هذا المفهوم من ينابيعه الإسلامية من جهة، ومن مساراته التاريخية التي استدخلها من جهة ثانية.
________________________________________
(*) محاضرة ألقيت في المؤتمر الدولي الذي أقيم في روما تحت عنوان ( الإسلام وأوروبا)
(**) رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلي في لبنان

[الصفحة - 59]


خطَّة البحث‏
في برمجة هذا البحث نتفحَّص:
أوَّلاً: رؤية الإسلام وموقفه من الآخر غير المسلم (موقف الإسلام من الإنسان).
ثانياً: موقف الإسلام، في ضمن هذا الموقف العام، من «أهل الكتاب» بوجه خاص.
ثالثاً: موقف الإسلام، في ضمن هذا الموقف العام، من المسيحية والمسيحيين بوجه أخص.
رابعاً: أن نلاحظ ما آلت إليه المواقف المبدئيَّة من المسيحية في ذهن المسلم المعاصر: رؤيته للمسيحيَّة في تجلِّياتها المختلفة والمتنوعة في العصر الحاضر، أو كما ورد في العنوان المقترح لهذه المحاضرة: «المسيحية في المفهوم الثقافي الإسلامي المعاصر». -
موقف الإسلام من الإنسان‏
لقد ركَّز القرآن على وحدة أصل الإنسان، فالنَّوع الإنساني كله ينتمي إلى أصل واحد في الطبيعة (الطين - التراب - ..).. {وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسانِ من طِيْنٍ} [السجدة/7]، وقارن السور: [الأنعام/2] -[المؤمنون/12] - [الصافات/11] - [ ص/7] .
وينتمي إلى أصل واحد يتمتَّع بالوعي والإدراك العقلي {خَلَقَكُمْ من نَفسٍ واحِدَةٍ} [النساء/1] و [الزمر/6] و [فالأعراف/189] {وهُوَ الذي أنشَأَكم من نفسٍ واحدة.. } [الأنعام/98].
الموقف الأساس في الإسلام من الإنسان هو التكريم، بصرف النظر عن أيِّ انتماء من الانتماءات، قال اللَّه تعالى: {ولَقَدْ كرَّمنا بني آدَمَ} [الإسراء/70].
والتكريم الإلهي للإنسان نابع من السر الإلهي في الإنسان، ومن مهمة الإنسان على الأرض: السر الإلهي في الإنسان أنه نفخة من روح اللَّه{وَنَفخْتُ فيه من رُوْحِي} [الحجر/29] و [ص/72] {.. ثمَّ سَوَّاهُ ونَفخَ فيه من رُوْحه.. } [السجدة/9] وهو الذي اقتضى سجود الملائكة له، ومهمَّة الإنسان على الأرض هي أنه خليفة اللَّه.
________________________________________

[الصفحة - 60]


فهذا الإنسان المكرَّم هو خليفة اللَّه في الأرض {وإذْ قالَ ربُّك للملائكة إنِّي جاعِلٌ في الأرضِ خَلِيفةً}[البقرة/30].
إن هدف الخلق الأول للإنسان هو أن يكون خليفة اللَّه للإعمار وللوصول إلى التكامل الروحي.
إن الآيات التي دلَّت على وحدة أصل البشر تدلُّ على الأخوَّة البشرية، من ذلك الخطاب المكرر في القرآن {يا بني آدم} و {خلقكم من نفس واحدة} و {أنشأكم من نفس واحدة} ، والحديث النبوي: «كلكم لآدم..».
هذا الإنسان المكرَّم جعله اللَّه خليفة، وأسند إليه وظيفة الخلافة بصرف النظر عن كلِّ تنوُّع من تنوعاته أيضاً.
وإن من مقتضيات التَّكريم ومن مقتضيات الخلافة أن تكون العناية الإلهية شاملة لهذا الإنسان ومسدِّدة له في كينونته على الأرض وفي مهمته فيها، وهي مهمة الخلافة.
وقد تجلَّى هذا التَّسديد والتوجيه والتعليم الإلهي والهداية الإلهية في أمرين:
الأمر الأوّل - فتسخير الكائنات للإنسان بدلالة نصوص كثيرة في القرآن، منها قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَوْا أنَّ اللَّه سخَّر لكم ما في السَّماوات وما في الأرض} [لقمان/20]وقوله تعالى: {وسخَّر لكُمْ ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه} [الجاثية/13]؛ وذلك لتمكينه من القدرات والوسائل المادية التي تؤهله للقيام بمهمة الخلافة، وهي الإعمار المادي والتكامل الروحي.
إنَّ تسخير الكائنات يعبِّر عن تكريم اللَّه له من جهة، وعن تيسير اللَّه له الوسائل المناسبة لأداء مهمته من جهة أخرى.
وتسخير الكائنات يتكامل مع تزويد الإنسان بالوعي والإدراك والقدرات العقليَّة والقدرات الجسديَّة الخاصة {لَقَدْ خَلَقنا الإنسانَ في أَحْسن تقويم} [التين/4]في المعنى وفي الصورة، في المضمون وفي الشكل،
ليتمكن بوساطة هذه القدرات الذهنية والبدنية من القيام بمهمة الخلافة بالاستفادة من الكائنات التي سخَّرها اللَّه له في الطبيعة (السماوات والأرض).
________________________________________

[الصفحة - 61]


ويمكن للباحث أن يلاحظ أنَّ تسخير «ما في السماوات» يومى، بل يدل على التنبؤ بعلوم الفضاء وارتياد الإنسان للفضاء ووصوله إلى الكواكب، حيث إنّه في عصر نزول الآية لم يكن من المفهوم كيف يمكن الاستفادة من السماوات، وماذا في السماوات مما يمكن أن يستفيد منه الإنسان).
الأمر الثاني - فمن الأمرين اللَّذين اقتضاهما التكريم واقتضتهما الخلافة تنجم نعمة الهداية، وهي الإضاءة الداخلية لعقل الإنسان وضميره، هي ما يتصل بروح اللَّه فيه، بالنفخة الروحية، وقد تمثلت نعمة الهداية بإرسال الرسل والأنبياء.
لقد زوَّد اللَّه الإنسان، في المجال الأوَّل، بإرادة السلطة وأدواتها، وزوَّده في المجال الثاني بالهداية، بنظام التعامل مع الطبيعة ومع العالم، نظام هذه السلطة التي زوَّده بها في المجال الأول كان بإرسال الرسل والأنبياء الذين حملوا توجيه اللَّه للإنسان ليسير في حياته بما تقتضيه حقيقة التكريم الإلهي له، ووظيفة الخلافة التي منحه اللَّه إيَّاها.
الهداية بالإسلام‏
وقد بشّر هؤلاء الأنبياء جميعاً برسالة واحدة هي رسالة الإسلام {إنَّ الدِّين عِنْدَ اللَّه الإسلامُ} [آل عمران/19]ومفهوم الدين يتكون من ثلاثة عناصر هي: العقيدة، والأخلاق، والشريعة.
العقيدة تبلور علاقة الإنسان باللَّه وبالكون المحيط به، بالطَّبيعة.
والشَّريعة تنظم علاقة الإنسان بالإنسان الآخر وبالطَّبيعة.
إنَّ الشَّريعة تنظِّم المستوى الأدنى للعلاقة السليمة بين الإنسان والإنسان وبين الإنسان والطَّبيعة، المستوى الذي إذا اختل تفسد العلاقة، ويخرج الإنسان عن دور الخلافة والإعمار للأرض، ويتحوَّل إلى مفسد في الأرض.
إن الإنسان، في هذه الحالة، يُخْرج نفسه من دائرة التكريم التي تبقى مفتوحة تنتظر عودته، ويخرج عن أمانة الاستخلاف الذي يبقى دوراً معطَّلاً ينتظر أصحابه.
والأخلاق تنظِّم طريقة تنفيذ الشريعة بمستوى أعلى، تهيِّى‏ء الإنسان وتنظِّم
________________________________________

[الصفحة - 62]


فكره وإرادته لتنفيذ الشريعة بأمانة وإخلاص، وفي الوقت نفسه تمثِّل مستوى أعلى من مستويات التعامل مع الطبيعة ومع الآخر، فإذا كانت الشريعة تمثل المستوى الأدنى للعلاقة السليمة،
فإنَّ الأخلاق لها وظيفتان: حيث إنها، من جهة أولى، تدفع الإنسان إلى التسامي وترسم له المستوى الأعلى من التَّعامل مع الطبيعة ومع الآخر، ومن جهة أخرى تكون الحافز الداخلي لانتظام الإنسان على جادَّة الشَّريعة.
وحدة تاريخ الإيمان‏
وانطلاقاً من هذه الرؤية الإسلامية، فإنَّ الإسلام يرى أن تاريخ الإيمان هو تاريخ واحد، وأن تجليات الإيمان على ألسنة الرسل والأنبياء هي تجليات لحقيقة واحدة لا تفاوت في جوهرها إطلاقاً، وإنما تتفاوت في سعتها وفي عمقها وفي إجمالها وفي تفاصيلها.
ومن هنا أيضاً ليس في العقيدة تفاوت، العقيدة واحدة هي الإسلام والتسليم والخضوع للَّه الواحد ذي الأسماء الحسنى، والتفاوت يكون في التشريع، في نظام العلاقات بين الإنسان والإنسان، وفي نظام العلاقات بين الإنسان والطَّبيعة.
إنَّ العقيدة والأخلاق الأساسيَّة نابعان من عالم الفطرة، وهما يمثلان عنصر الثبات في المضمون الإنساني وفي الكينونة الإنسانيَّة.
أمَّا الشَّريعة فهي تعبير عن العنصر المتحول المتغير في الإنسان وتنظيم له، حيث أن علاقة الإنسان بالإنسان وعلاقة الإنسان بالطبيعة - خارج دائرة العقيدة الأخلاق‏ - تتأثَّران بالحالة الثقافية ومكوِّنات الوعي ودرجة التعقيد في الحياة الماديَّة. وهذه الأمور تقتضي تنوُّعاً في مجال التشريع.
إن المسلم ينظر إلى نفسه باعتباره واحداً من النوع الإنساني الذي يتساوى جميع أفراده في الإنسانية، كما عبَّر عن ذلك الإمام علي‏بن أبي طالب(عليه السلام) بقوله: «واعلم أن الناس صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق»، وينظر إلى نفسه باعتباره منتمياً إلى مسيرة إيمانيّة واحدة، هي رسالة اللَّه الواحد على ألسنة الأنبياء.
________________________________________

[الصفحة - 63]


إذاً الإنسان مكرَّم ومستخلف بصرف النظر عن الانتماء العرقي أو الديني أو غيرهما، لأن جميع البشر ينتمون إلى مصدر مادي واحد، وإلى مصدر روحي واحد، ومن ثم فهم يتمتَّعون، من حيث الأصل، برتبة متساوية، هي التي اقتضت التكريم والاستخلاف.
وإنَّ التَّعارف والتَّعاون أعلى مستويات الخلافة {يا أيُّها النَّاسُ إنَّا خَلَقْناكم من ذكرٍ وأُنْثَى وَجَعَلْنَاكم شعوباً وقبائلَ لَتَعارفوا إنَّ أكْرَمَكُم عندَ اللَّه أتقاكم} [الحجرات/13].
إذاً وحدة الأصل الطبيعي ووحدة الأصل المعنوي تنشئان حالة المساواة في الكرامة وفي الخلافة، وحالة التفاضل لا تنشأ من تفاضل في الأصول بل من تفاضل في السلوك تحدِّد منهجه الشريعة والمستوى الإيماني والأخلاقي.
هذا الإنسان المكرَّم يقوم بمهمَّة الخلافة، وعلاقات هذا الإنسان بين أفراده وجماعاته يجب أن تقوم على هذه الأسس، أرشده اللَّه بالدين عن طريق الرسل والأنبياء، وهذا الدين هو الإسلام الذي ينظم علاقته باللَّه عن طريق العقيدة والعبادة، وينظم علاقته بغيره من البشر والطبيعة عن طريق الشريعة والأخلاق.
وفي هذا الإطار ينظر الإسلام إلى أتباع الأديان جميعها - ما ينتمي منها إلى أصل في الوحي الإلهي - كما يعرفه الإسلام وأهل الكتاب - أو كما يعتقده غيرهم.
ومن لا ينتمون‏ - بزعمهم - إلى دين، فهم جميعاً مكرَّمون مستخلفون، ويستحقون على المسلمين ما يقتضيه التكريم والاستخلاف.
إن شرعيَّة التعاون والتكامل بين المسلمين وغيرهم من سائر البشر تقوم على مبدأ الخلافة العامة، لأن الخلافة العامة للإنسان على الأرض تشمل جميع البشر من دون اختصاص لفريق، فالمسلم حينما يسعى للتعاون مع غير المسلم ينطلق من مفهوم ديني - أخلاقي، وليس من مفهوم دنيوي نفعي محض.
وقوله تعالى: {هُوَ أَنْشَأَكم مِنَ الأرضِ واسْتَعْمَرَكم فيها.. } [هود/61]خطاب للبشر جميعاً، وهو أحد التعابير القرآنية عن مهمة الخلافة العامة. وهذه المهمة هي
________________________________________

[الصفحة - 64]


عمارة الأرض في جميع المستويات والمجالات. التنمية البشرية بجميع مستوياتها ومظاهرها، الزراعية والصناعية والعلمية، وما إلى ذلك.
في هذا الإطار نتعرف على نظرة الإسلام إلى أهل الكتاب عموماً، وهم في نظرنا الفقهي لا ينحصرون في اليهود والنصارى والمجوس.
هذا حقل من حقول الشريعة وحقل من حقوق الأخلاق.
علاقة الإسلام بأهل الكتاب‏
المحور الثاني من محاور علاقة الإسلام بالآخر غير المسلم، هو علاقته بأهل الكتاب بوجه عام، وهذا المحور يشمل اليهود والنصارى والمجوس وكل من يدين بدين له أصل في الوحي الإلهي، وينسب إيمانه إلى هذا الأصل.
إن الإيمان الأكثر التصاقاً وقرابة للإسلام هو الإيمان الإبراهيمي بتعبيريه الكبيرين في عصر وصول الرسالة الإسلامية إلى البشر، وهما: اليهودية والمسيحية (النصرانية).
ومن هنا فقد عبَّر القرآن عن اليهود والنصارى معاً ب «أهل الكتاب»، وعبَّر بهذه التسمية تارة عن اليهود وحدهم، وتارة عن النصارى وحدهم، تمييزاً لهم من المشركين.
وأوَّل ما نلاحظه أن القرآن علَّم المسلم أن أهل الكتاب هم «سلفه» في الإيمان الإبراهيمي، وأن بينه وبينهم قرابة المشاركة في هذا الإيمان، وأن إيمانهم جزء مقوّم لإيمانه الإسلامي. إن هذه التربية جعلت من المسلم قريباً للكتابي، ومن تعابير القرآن عن ذلك قوله تعالى:
{شَرَعَ لَكُم من الدِّين ما وَصَّى به نوحاً والّذي أَوْحَيْنا إليك، وما وَصَّينا به إبراهيم ومُوْسَى وعيسى: أن أقيموا الدِّين ولا تتفرَّقوا فيه. كَبُرَ عَلَى المشركين ما تَدْعُوهم إليه... } [الشورى‏/13].
وقوله تعالى: {قُوْلوا: آمنَّا باللَّه وما أُنْزِلَ إلينا، وما أُنْزِل إلى إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطِ، وما أُوْتي موسى وعيسى، وما أُوْتي النبيُّون من ربِّهم، لا نُفرِّق بين أحد منهم، ونحن له مسلمون} [البقرة/136].
________________________________________

[الصفحة - 65]


إن هذه الآيات - ولها في القرآن نظائر - تكشف عن وحدة العقيدة والأخلاق الأساسية عند المنتمين إلى الإيمان الإلهي وتؤكّدها - وبخاصَّة الإيمان الإبراهيمي - وهذا هو الإسلام الجامع الذي ينضوي فيه جميع المؤمنين.
وعلى أساس هذا الإيمان الجامع وجَّه القرآن المسلمين إلى الخطاب الجامع التوحيدي نحو أهل الكتاب {قُلْ يا أهلَ الكتابِ تَعَالَوْا إلى كلمةٍ سواءِ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُم} [آل عمران/64].
لقد لاحظ الإسلام شراكة الإيمان بين المسلمين وبين أهل الكتاب عموماً ومع المسيحيين بوجه خاص.
لقد تحدث القرآن عن اليهود والنصارى باعتبارهم أهل الكتاب، سمَّاهم أهل الكتاب لأجل تسليط الضوء على القرابة الروحيَّة والإيمانيَّة بينه وبينهم، وتحدث عنهم بصيغة «الذين أوتوا الكتاب». تحدَّث عنهم باحترام وخاطبهم باحترام، وصنَّفهم بأنهم على قسمين، منهم من استقام ومنهم من انحرف، والاستقامة تعني الالتزام - عقيدةً وعملاً - بنهج الكتاب، نهج موسى وعيسى ومحمد، والانحراف هو عدم اتباع هذا النهج.
قال اللَّه تعالى: {لَيْسُوا سواءً من أَهْل الكِتَاب أُمَّةٌ قائمةٌ يتلُون آياتِ اللَّه آناءَ اللَّيل وهُمْ يسجدُون، يُؤمنون باللَّه واليومِ الآخرِ ويأمرون بالمعروف ويَنْهَوْن عن المنكرِ وَيُسَارِعون في الخَيْراتِ وأولئك من الصَّالحين} [آل عمران/113 و114].
صحيح أنَّ الإسلام انتقد أهل الكتاب الذين لم يستجيبوا لندائه الإيماني، ومارسوا صورة لإيمانهم اعتبروها الحقيقة النهائية في لاهوتهم.
ولكن انتقاد الإسلام للاختلاف العقدي لم ينعكس على التشريع الاجتماعي - السياسي. تشريع نظام علاقات الحياة والعيش داخل المجتمعات الوطنيَّة والأهليَّة وعلى المستوى الدولي.
لقد أقرَّ التشريع الإسلامي مبدأ الاستقلال التشريعي - الشخصية التشريعية الثقافية - لأهل الكتاب في جميع علاقات اجتماعهم الداخلي {ولْيَحْكُمْ أهلُ الإنجيل بما أَنْزَلَ اللَّه فيه} [المائدة/47] {قُلْ يا أهْلَ الكتابِ لَسْتُم على شي‏ءٍ حتى تُقِيمُوا}
________________________________________

[الصفحة - 66]


{التَّوراة والإنجيلَ} [المائدة/68]، وأقرَّ لهم بالاستقلال الثقافي والشخصيَّة الثقافيَّة في كل شي‏ء. وأقرَّ لهم الشخصيَّة الدينيَّة الخاصة في العبادة ومؤسساتها، والمعابد وما يلحق بها من أديرة ومحابس وصوامع.
يقارن هذا بمحاكم التفتيش المسيحية في إسبانيا وغيرها، وبسياسات اليهود الذين تحالفوا مع المشركين ضد المسيحيين والمسلمين قديماً، وضد العرب والمسلمين حديثاً.
موقف الإسلام من المسيحيَّة والمسيحيين‏
المحور الثالث: موقف الإسلام من المسيحيَّة والمسيحيين بوجه خاص، ومن خلال ذلك تتضح بعض معالم «المسيحية في المفهوم الثقافي الإسلامي المعاصر».
هنا نلاحظ أن صورة المسيحية في الإسلام لها وضعان، وينظر إليها من زاويتين:
الأولى: هي الوضع المقرَّر في القرآن والسنة الصحيحة، وقد تضمن القرآن الكريم نصوصاً عامة ومفصلة عن المسيحية وعن نظرة الإسلام إليها، حدَّد فيها الوحي القرآني للمسلم صورة المسيحية في الاعتقاد الإسلامي، وحدَّد صورة المسيحية كما هي ممثَّلة في المسيحيين ومكوّنة للأمة المسيحية في الواقع القائم.
وهي بهذا الإعتبار جزء من الإيمان الإسلامي، وبالاعتبار الثاني جزء من الحياة الإسلامية، وجزء من نظام علاقات المسلم بالآخر غير المسلم، مع امتياز للمسيحية والمسيحيين عن جميع ذوي الأديان الأخرى.
الثانية: هي الوضع المترسِّب في الخيال الشعبي والذاكرة الجماعية والحالة النفسية والناتج عن مكابدات الحياة، ومن ردود الفعل على السياسات البيزنطية طوال مراحل التاريخ، وغيرها منذ فجر الإسلام وصدره إلى العصر الحديث، مروراً بالحروب البيزنطية الإسلامية، والحروب الصليبية، والهجمة الغربية على العالم الإسلامي في عصرنا، بدءاً من الاستعمار القديم وانتهاءً بالنِّظام العالمي الجديد، والعولمة، والمشروع الصهيوني الذي دعمته الدول الغربية.
وطوال هذه المراحل من علاقات المكابدة والصراع، كان للكنائس الغربية دور
________________________________________

[الصفحة - 67]


داعم للقوى الغربية المستقوية بسلاحها وتجارتها وأساطيلها وتكنولوجيتها أو متعاطف معها. أما المواقف القليلة والمتأخرة والتي اتسمت بشي‏ء من العدل في النظر إلى بعض قضايا المسلمين بسبب المراجعة التاريخية، أو صحوة الضمير، فإنها لم تكف لتهدئة صور الذاكرة المرَّة التي يستثيرها على الدوام تفاقم الخلل واللاتوازن في العلاقات الدوليَّة والعالميَّة اليوم.
وبين هذا وذاك، بين الوضع التاريخي الناتج عن مكابدات الحياة، والوضع المقرَّر في الكتاب والسنة، يلاحظ الموقف الفقهي الذي يستهدي - بطبيعة الحال‏ - في أصوله ورؤيته الأساسية، بالقرآن الكريم والسنة المطهرة، ولكنه تأثر بالواقع السياسي للعلاقات بين المسلمين والمسيحيين الذي أسهم في تكوين الصورة الشعبية العامة أو في بعض معالمها البارزة.
وننطلق من الموقف القرآني، ومن هذه الأوضاع، للتعرف على صورة المسيحية أو على واقع المسيحية في المفهوم الثقافي الإسلامي المعاصر، لأن هذا المفهوم (الثقافي الإسلامي المعاصر) لم يتكوَّن من فراغ، ولم يتأسس على الموقف النظري الفكري والتشريعي فحسب،
بل هو حصيلة جملة أوضاع: منها الصورة القرآنية بحدودها المثالية الأخلاقية والواقعية التشريعية، ومنها الصورة التاريخية، وتفاعل هاتين الصورتين مع الواقع الذي آلت إليه العلاقات بين المسيحية والإسلام في العصر الحاضر، على تنوُّع هذه العلاقات بين منطقة وأخرى من مناطق العالم الإسلامي المسيحي، وبين حالة وأخرى من حالات الأوضاع الدوليَّة وتقلّباتها.
أ - موقف الإسلام من العقيدة المسيحيَّة
بالنسبة إلى موقف الإسلام من طبيعة المعتقد المسيحي قدَّم الوحي القرآني أطروحتين للعقيدة في المسيحية:
إحداهما - صورة للعقيدة المسيحية التي تكوِّن جزءاً من الإيمان الإسلامي، وهي التي تلتقي مع الإسلام في عقيدة الألوهة، والنبوَّة العامة. ومن مضمون ذلك الطبيعة البشرية للمسيح: {إنَّ مثلَ عِيْسى عندَ اللَّه كمثلِ آدمَ خلقه من تُرَاب} [آل عمران/59]، وفي العدالة الإلهية، وفي أساس الشرائع والأخلاق، وفي اليوم الآخر.
________________________________________

[الصفحة - 68]


هذه العقيدة يرى الإسلام نفسه تعبيراً متطوراً عنها، وتطوراً لها، ويعدّ نفسه مصدقاً لما بين يديه فيها.
وهذه تشكِّل جزءاً من إيمان المسلم.
ثانيتهما - هي العقيدة المسيحية كما آل إليه أمرها بعد المسيح في التاريخ، وتمثلت في العقائد المسيحية القائمة، هذه الصورة انتقدها الإسلام، وانتقد - انطلاقاً من ذلك‏ - أهل الكتاب المسيحيين، بعد الاعتراف بأصل الوحي عندهم، وبمنزلتهم المميزة من جهة هذه المشاركة بالوحي.
وقد أقرَّ الإسلام، في نظامه الدنيوي الاجتماعي السياسي، المسيحيين على هذا الاعتقاد واحترمه، واحترمهم على أساسه، وبنى علاقاته في داخل اجتماعه المدني والسياسي وخارجه على أساسه، كما سنرى.
ب - موقف الإسلام من التَّعامل والعيش مع المسيحيين‏
الموقف الثاني هو موقف الإسلام من التَّعامل والعيش مع المسيحيين.
نلاحظ أنَّ موقف الإسلام، في هذا المجال، كان - على مستوى التشريع وعلى مستوى الممارسة - إيجابياً مطلقاً، لم يحمل أية تحفظات في حالة مسالمة المسيحيين للمسلمين، وهذا الموقف الإيجابي نابع من العقيدة الإسلامية، وتعبير أخلاقي وتشريعي عنها، ولذا فهو طبعاً، جزء من الشريعة والأخلاق الإسلامية.
لم يعكس الإسلام موقفه العقدي (الكلامي اللاهوتي) الناقد للعقيدة المسيحية كما مثَّلتها الكنيسة بعد المسيح، على موقفه الإنساني السلوكي الاجتماعي والسياسي. كان الموقف العقدي موقفاً نقدياً، ولكن الموقف الإنساني الذي تدور في إطاره وعلى أساسه العلاقات الإنسانية، كان موقفاً إيجابياً ومنفتحاً.
إن العلاقة الإيجابية مع أهل الكتاب التي تقدمت الإشارة إليها، تميزت، بالنسبة إلى المسيحيين، بمستوى خاص من الحميمية والثقة. وقد عبر الوحي في القرآن، وعبر النبي‏(صلي الله عليه و آل و سلم) في سلوكه العملي عن ذلك في مواقف كثيرة ونصوص تشريعية وتوجيهية فكرية كثيرة.
________________________________________

[الصفحة - 69]


فنلاحظ، منذ الأيام الأولى للإسلام، في العهد المكي، وإلى آخر حياة الرسول‏(صلي الله عليه و آل و سلم)، هذه المنزلة الخاصة التي ميَّز اللَّه بها النصارى، في التشريع الإسلامي وفي تربية المسلم، عن سائر أهل الكتاب.
فنلاحظ أن المسلمين في مرحلة الاضطهاد الأولى في مكة لم يروا ملاذاً مناسباً لهم إلا مجتمعاً مسيحياً هو المجتمع الحبشي المسيحي، فهاجر المسلمون بأمر اللَّه وبأمر النبي إلى الحبشة فراراً من المشركين، هاجروا أولاً وهاجروا ثانياً، وكان الخطاب الثقافي الذي حملوه معهم لمخاطبة السلطات الحبشية هو تعاليم القرآن وسورة مريم، كما تحدِّثنا بذلك السيرة النبوية.
وكما نلاحظ أن الوحي الإلهي خلَّد في القرآن ذكرى شهداء نصارى نجران في سورة «البروج»، وعبر عنهم بالمؤمنين ومدحهم، فقال:
{قُتِلَ أصْحَابُ الأُخْدُود* النَّارِ ذاتِ الوَقُود* إذ هُمْ عليها قُعُود* وهُم على ما يَفعَلُون بالمُؤمنين شُهود* وما نَقَمُوا منهم إلاَّ أن يؤمنوا باللَّه العزيز الحميد* الذي له ملكُ السَّماواتِ والأرضِ واللَّه على كلِّ شي‏ءٍ شهيدٌ* إنَّ الَّذين فتَنُوا المؤمنين والمؤمناتِ ثُمَّ لم يتوبُوا فلهم عذابُ جهنَّم ولهم عذابُ الحريق} [البروج/4 - 10].
في سورة «البروج» العديد من الآيات المباركة يكرِّم فيها الوحي الإلهي شهداء النصرانية الأوَّلين الذين قتلوا واستشهدوا لثباتهم على الإيمان في مقابل الوثنية. ويتوعد اللَّه في هذه الآيات المجرمين الذين اضطهدوا النصارى بالعذاب الشديد.
كما نلاحظ سورة الروم التي تسجِّل تعاطف الإسلام مع المسيحيين في مواجهتهم وصراعهم مع المجوس - الفرس الذين عدّهم مشركو مكة أقرباء روحيين لهم في مقابل اعتبار النصارى أقرباء روحيين للمسلمين، وحينما انتصر الفرس على الروم شمت المشركون بالمسلمين لهزيمة الروم المسيحيين.
إتخذ الوحي القرآني موقفاً واضحاً وصارماً في الآيات الأولى من سورة الروم في قوله تعالى:
{ألم، غُلِبَتِ الرُّومُ في أَدْنى الأرضِ وَهُم من بَعْدِ غَلَبِهم سَيَغْلِبون في بضع سنين.. } [الروم/2 - 4].
________________________________________

[الصفحة - 70]


لقد عبَّر الوحي القرآني عن تقديره واحترامه للحياة الروحية النقية منتقداً في الوقت نفسه الممارسات الخاطئة تحت ستار الرّهبانيَّة، وذلك في قوله تعالى: {ثمَّ قَفينا على آثَارهم بِرُسُلنا وقفينا بعيسَى‏بن مريم وآتيناه الإنجيلَ وجَعَلْنا في قلوب الذين اتبعُوهُ رأفةً ورحمةً ورَهْبَانيَّةً ابتدعُوها ما كَتَبْناها عليهم إلاَّ ابتغاءَ رِضوان اللَّه فما رَعَوْها حقَّ رعايتها فآتينا الذين آمنُوا منهم أجرَهم وكثيرٌ منهم فاسقون} [الحديد/27].
تتضمَّن الآية موقفاً إيجابياً من الحياة الرهبانية وتنتقد الانحرافات والزيادات التي دخلت في هذه الحياة في بعض المراحل التاريخية، حيث اتخذها بعض الممارسين لها ستاراً للتقرُّب من السلاطين ومن الظالمين،
ووسيلة لخداع الناس وغشهم في ما يمكن أن يكون من النوع الذي يصطلح عليه بين المسلمين ب «وعاظ السلاطين» بالنسبة إلى بعض علماء الدين الذين اتخذوه وسيلة للدنيا، إنَّ هؤلاء الرهبان استخدموا الحياة الرهبانية والشعار الرهباني لأجل الدنيا.
لقد عبر الوحي القرآني، في آية شهيرة، عن طبيعة العلاقات التي يطمح الإسلام إلى إنشائها مع المسيحية والمسيحيين، ومنها تتبيَّن صورة المسيحية في المفهوم الثقافي الإسلامي في العهد النبوي، وهي قوله تعالى:
{.. ولتجدَنَّ أقرَبَهُم مودَّةً للَّذين آمنُوا الذين قالُوا إنَّا نصارى ذلك بأنَّ منهم قسِّيسين ورُهْبَاناً وأنَّهم لا يستكبرون* وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسول ترى أعيُنَهم تفيضُ من الدَّمع ممَّا عرَفوا من الحقِّ يقولون ربَّنا آمنا فاكتُبْنا مع الشَّاهدين} [المائدة/82 و83].
إذن لقد أنتجت القرابة الروحية علاقة إنسانية سليمة - مع الإقرار بالاختلاف في العقيدة ذات الجذر الواحد وهو الإسلام - فالإسلام المحمدي يعترف لليهود والنصارى بأنهم ينتمون إلى إيمان إبراهيم كما ينتمي هو إلى هذا الإيمان.
ولكن الإسلام يقول إنّ هذا الإيمان، في صيغته المسيحية الفعلية وفي صيغته اليهودية الفعلية، دخلت عليه تغييرات أساسية لا يوافق عليها، ولكن كونه يحتفظ بالجذور الكبرى لهذا الإيمان الإبراهيمي فإن الإسلام اعتبره أساساً للقرابة الروحية.
________________________________________

[الصفحة - 71]


إنسانيَّة واحدةر مجتمع واحد
هذا الإيمان ذو الجذر الواحد والتعابير المختلفة اتَّخذه الإسلام مرتكزاً للانطلاق نحو بناء حياة إنسانية واحدة.
هذه الحياة الإنسانية الواحدة تقوم على العدل والصدق، وإيثار الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعاون على البر والتقوى.
هذه الرؤية الإيمانيَّة الإنسانيَّة للعلاقة مع الآخر وجدت أوَّل تعابيرها المؤسساتية في «صحيفة المدينة» التي أنشأ بها رسول اللَّه مجتمعاً واحداً ضمَّ المسلمين واليهود والمسيحيين، وهو يكشف عن النوايا الحقيقية للإسلام الذي أقدم لأول مرة في التاريخ على إنشاء مجتمع واحد مختلط، وحياة واحدة مشتركة يقوم فيها الناس بمسؤوليات واحدة في حياتهم الدنيا.
لقد أفسد اليهود هذه التجربة العظيمة الرائدة في التاريخ الإنساني مع الأسف، ومع ذلك أدمجتهم التجربة التاريخية الإسلامية في النشاط الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وكانوا جزءاً من المجتمعات الإسلامية حتى ظهور الحركة الصهيونية العنصرية التي أفسدت كل شي‏ء.
نلاحظ أن العقيدة هي شأن أخروي، وأن العلاقات الإنسانية المتصلة - بالعيش الدنيوي لا تتأثر بالاختلاف العقدي، وإنما تتبع القيم المشتركة للحياة الدنيا.
هذا الموقف ليس موقفاً آنياً وليس موقفاً ظرفياً.
نلاحظ أن بعض اللاهوتيين والمستشرقين يرون، انطلاقاً من فكرة خاطئة، أن موقف النبي، ومن ثم موقف الوحي، تلوَّن وتأثَّر في مراحل مختلفة بظروف العلاقات مع المسيحيين ومواقفهم من الإسلام ومن الدعوة النبوية، وأنه - بسبب اختلاف المواقف والظروف كان يسوء ويحسن ويتطرف ويعتدل.
هذا الرأي خطأ، لأنه ينطلق من رؤية لا يقرها واقع التاريخ ولا تؤيدها الدراسات المتخصصة الجادة. ولعله من المفيد هنا إيراد رأي متخصص في هذا الموضوع.
________________________________________

[الصفحة - 72]


يقول الدكتور أسد رستم، وقد حاز لقب مؤرِّخ الكرسي الأنطاكي على أعماله التاريخية، وهو في معرض تأريخه للروم ولكنيسة أنطاكية العظمى، في سيرة الرسول وموقفه من القتال: «... إن محمداً(صلي الله عليه و آل و سلم) لم يفكر في ملك ولا في مال ولا في تجارة، وإنما كان كل همه توفير الطمأنينة لمن يتبع رسالته وكفالة الحرية لهم في عقيدتهم ككفالتها لغيرهم في عقيدتهم. وهذه الوجهة في التفكير هي التي نزل بها الوحي على محمد(صلي الله عليه و آل و سلم) منذ الهجرة، وهي التي جعلته جنوحاً للسلم راغباً عن القتال، مقتصداً طول حياته أشد القصد فيه غير لاجى إليه إلا لضرورة تقتضيه دفاعاً عن الحرية والدين والعقيدة. ألم يقل له أهل يثرب ممن بايعوه في العقبة الثانية حين سمعوا المتجسس عليهم يصيح بقريش ينبهها لأمرهم: «واللَّه الذي بعثك بالحق إن شئت لنميلن على أهل منى غداً بأسيافنا. فكان جوابه (لم نؤمر بذلك)». ثم ألم تكن أول آية في القتال:{أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن اللَّه على نصرهم لقدير} والآية بعدها: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين للَّه} . فتفكير محمد(صلي الله عليه و آل و سلم) إذاً إنما كان متجهاً لغاية واحدة عليا هي كفالة حرية العقيدة والرأي كفالة في سبيلها وحدها أحل القتال، ودفاعاً عنها أبيح دفع المعتدي حتى لا يفتن أحد عن دينه، ولا يظلم أحد بسبب عقيدته أو رأيه) (1).
ونضيف أنه في بداية الإسلام، في العهد المكي، نزلت سورة «البروج» التي كرَّم اللَّه فيها «أصحاب الأخدود»، وسورة الروم التي عبَّر الإسلام فيها عن تعاطفه القوي مع المسيحيين، وكانت الهجرة إلى الحبشة، وغير ذلك من نصوص الوحي ووقائع السيرة، تكشف عن الموقف الودي من المسيحية. وفي العهد المدني تكشف عن ذلك آية المودة، [المائدة/82] وغيرها، وفي التطبيق الحياتي تكشف صحيفة المدينة عن الموقف الودي المنفتح على جميع أشكال التعاون على المستوى الوطني وعلى المستوى العالمي.
في المجال التشريعي العام، نلاحظ أن الإسلام يقيم علاقاته الإنسانية مع الآخر على مبدأ العدل، وعلى النهي عن الظلم والعدوان، وكما ثبت في الفقه وأصوله وفي علم الكلام (العقائد) فإن مبدأ العدل غير قابل للتخصيص، بأن يقال: «إعدلوا إلا في هذا الموقع» إنه من المبادى التشريعية غير القابلة للتخصيص والتقييد، وكذلك
________________________________________
(1)أسد رستم، كنيسة مدينة اللَّه أنطاكية العظمى، ج‏2، منشورات النور، لا.ت، ص 15 و16.

[الصفحة - 73]


تحريم العدوان والبغي هو غير قابل للتخصيص والتقييد، فلا يمكن أن يقال، بإدراك العقل، إن العدوان والبغي محرَّمان وقبيحان إلا في هذا المورد أو ذاك. فالعلاقة مع الآخر، ومن ضمنه المسيحي، قائمة على العدل غير القابل للتقييد والتخصيص، وقائمة على تحريم العدوان والبغي غير القابلين للتقييد والتخصيص.
إنَّ هذا مبدأ تشريعي ثابت إلى أبد الآبدين، لا يتأثر بأي اعتبار من الاعتبارات، وهو ما بيَّنه اللَّه سبحانه وتعالى «في سورة الممتحنة/8 و9»، حيث حدَّد، في الآيتين المذكورتين، الأساس السليم للعلاقة السلبيَّة والأساس السليم للعلاقة الإيجابيَّة.
قال اللَّه تعالى: {لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عن الذين لم يُقَاتِلوكم في الدِّين ولم يُخْرِجُوكم من دِيَاركم أن تَبَرُّوهم وتُقْسِطُوا إليهم إنَّ اللَّه يُحِبُّ المُقْسِطِين* إنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عن الذين قَاتَلُوكم في الدِّين وأخرجُوكم من دِيَاركم وظَاهَرُوا على إخْراجِكم أن تَوَلَّوهُم.. } .
ونلاحظ هنا أن العلاقة الإنسانية بين المسلمين وبين غيرهم، في نطاق الإيمان الإبراهيمي، لا تقوم على العدل الذي هو أساس في العلاقات الإنسانية في الإسلام، بل تقوم على ما هو أسمى من العدل وهو الأخلاق التي تعدّ مستوى سامياً أعلى من التشريع، حيث أن اللَّه عبر في القرآن بالبر والقسط، فقال: {.. أن تبروهم وتقسطوا إليهم} فقدم البر وهو مستوى الإحسان وهو المستوى الأخلاقي على العدل وهو القسط (مستوى الشريعة).
مصطلح أهل الذمَّة ودلالاته في التَّصوُّرين: المسيحي والإسلامي‏
في هذا النطاق، نطاق تنظيم العلاقة الإنسانية، يتوقف اللاهوتيون والمحاورون والسياسيون المسيحيون أمام مصطلح «أهل الذمة»، وهو المصطلح الفقهي الذي عبَّرت به السنة، وعبَّر به الفقهاء المسلمون عن اليهود والنصارى المسالمون للمسلمين في الداخل (المواطنون المسيحيون) وفي الخارج (المعاهدون).
إن هذا المصطلح مثار نقد في الأوساط المسيحية اللاَّهوتية والسِّياسية والفكرية منشؤه اعتبار هذا المصطلح معبِّراً عن كون المسيحي في نظر الإسلام إنساناً أو مواطناً من الدرجة الثانية.
________________________________________

[الصفحة - 74]


إن هذا الفهم خطأ، وقد نشأ - في ما يبدو - من أمرين:
الأمر الأوَّل: تعرُّض اليهود والنصارى في بعض المراحل لتصرُّفات لم ينتجها المعتقد الإسلامي، ولا التشريع الإسلامي في أصل وضعه، وإنما مارستها السلطة السياسية في تلك المراحل نتيجة للمناخ السياسي العام لعلاقات العداء التي كانت قائمة بين المجتمع الإسلامي وبين الدولة البيزنطية، وبعد ذلك تأثير التفاعلات التي تولَّدت من الحروب الصليبية، وتأثر بها الفكر الفقهي الذي تفاعل مع الواقع المعيش.
ولا أريد أن أبرِّىِّ القيمين على الشأن الإسلامي العام في العهدين: الأموي والعباسي من أنهم وقعوا في تجاوزات للشريعة الإسلامية في علاقتهم مع غير المسلمين عموماً ومنهم النصارى. وكان بعض ما وقعوا فيه ناشئاً من جهل وعن غير عمد، وبعضه كان عن عمد، ولا ريب في أن هذه التصرفات تركت ذكريات أليمة عند النصارى.
ولكن عندما نلاحظ النصوص الصادرة عن الكنيسة المسيحية الوطنية للمسيحيين المضطهدين في ذلك الحين من قبل الدولة البيزنطية، نجد أنَّ المسلمين كانوا محرِّرين للشعب المسيحي الذي وصلت إليه الفتوح الإسلامية.
فقد كانت الانقسامات المسيحية بين نساطرة ويعاقبة في المشرق العربي والتي تمثلت بالخلافات اللاهوتية بين القول بالطبيعة الواحدة والقول بالطبيعتين، ثم تدخل الأباطرة البيزنطيون، وأحدهم (هرقل)، لفرض القول بالمشيئة الواحدة. كانت هذه الانقسامات مصدر اضطهادات متبادلة واتهامات مشتركة بالهرطقة، وساحة خلافات للاستثمار السياسي من قبل الدولة البيزنطية.
فإذا قارنَّا هذا الواقع بما يقوله المؤرخون الثقات عن «احترام المسلمين حق النصارى في استعمال الكنائس القائمة في أكثر المدن والقرى، واحترام عقائدها»، كما ذكر أسد رستم‏ (2)، استنتجنا أن مجي‏ء الإسلام كان حلاً لمشكلة النزاعات الدينية - الدينية لدى المسيحيين المحلِّيين.
بل ظل الحكام البيزنطيون، بعد ذلك، يحاولون فرض عقيدة كنيسة القسطنطينية على كنيسة أنطاكية والقدس. ومن ذلك محاولة الإمبراطور (لاوون)
________________________________________
(2)المصدر نفسه.

[الصفحة - 75]


(717 - 740م) محاربة تكريم الأيقونات في ما سمي «حرب الأيقونات» في القرن الثامن الميلادي.
وممَّا يذكره المؤرِّخون المتخصِّصون في هذا الموضوع،أنَّ القديس يوحنا الدمشقي، ابن كنيسة أنطاكية والمقيم في دمشق، والمجادل اللاهوتي الجري‏ء مع المسلمين تكلم في هذا الموضوع باسم يوحنا الخامس بطريرك أورشليم وزعيم كنيستي أورشليم وأنطاكية آنئذ، وهدد «لاوون» باللعن، واعترض على تدخله في أمور العقيدة، وعدَّ البحث فيها من خصائص الكنيسة الجامعة وحدها(3).
أما الذاكرة المسيحية الغربية فإنها تحمل ذكريات العنف والقتال اللذين حصلا مع الدولة البيزنطية، وهي القوة المحتلة للمنطقة، ولا تدقِّق في تفاصيل التاريخ ومعطياته المعقدة.
هذا هو المنشأ الأوَّل للالتباس في المصطلح.
أمَّا المنشأ الآخر، في ما يبدو لي، فهو أن هذا الموقف الفكري الثقافي من مصطلح «أهل الذمة» لم ينشأ من قبل المسيحيين العرب، وإنما جاء من بعض دراسات المستشرقين والدارسين الغربيين اليهود والمسيحيين وتحليلاتهم (فرنسيون، إنجليز، ألمان، روس، وغيرهم) الذين أسقطوا على هذا المصطلح المضمون السيى‏ء لتكوين رأي عام غربي معاد للعرب والمسلمين، وإيجاد مسوِّغ أخلاقي للقوى الاستعمارية لتقوم بغزوها للعالم العربي والإسلامي.
لقد صيغت ترجمات هذا المصطلح بما يناسب أهداف القوى الاستعمارية والصهيونيَّة. وقد استغلَّت هذه القوى الأخطاء والتجاوزات التي ارتكبها الحكام الأمويون والعباسيون لتعزيز تزوير المضمون الذي يحمله مصطلح «أهل الذمة»، وأعيد تصدير الفكر المزوَّر الذي بني حوله إلى اللغة العربية وإلى المسيحيين العرب.
إذا فحصنا هذا الجذر (ذ.م.م)، في اللغة العربية، وفي تطبيقات هيئاته المتنوعة في مجال التعبير عن العلاقات في ما بين المسلمين أنفسهم، نجد أنه يدل على الكرامة العليا، إذ نقول عن أنفسنا: إننا في ذمة اللَّه، وإذ يقول الأخ لأخيه والقريب لقريبه: أنا في ذمتك، ويقول الناس لبعضهم إنهم في ذمَّة بعضهم بعضاً.
________________________________________
(3)المصدر نفسه، ص 88.

[الصفحة - 76]


إن هذا التعبير في الثقافة العربية الإسلامية يعني الرفعة والكرامة ولا يعني الدُّونية.
الدلالة المركبة (المزدوجة) لمصطلح: ذمِّي‏
نعم، حينما يطبَّق على غير المسلم فإنه يتضمَّن الإشارة إلى الفرق بين المسلم وغير المسلم في الانتماء الديني، كما أنه يؤكد في الوقت نفسه الانتماء المواطني.
إن هذا التعبير يتضمَّن مدلولين:
كونه «ذمياً» يعني أنه ليس مسلماً، يعني أنه يفترق في العقيدة عن المسلم. إذن هو مختلف عن المسلم من ناحية الانتماء الديني في المجتمع المدني، وكونه «ذمياً» في الاجتماع السياسي يعني أنه مواطن.
فهو يتضمَّن من جهة الدلالة على التمايز العقدي، وأن هذا الإنسان منتم إلى إطار ثقافي وعقدي مختلف. ويتضمّن - من جهة أخرى‏ - الدلالة على المضمون السياسي في مجال العلاقات الإنسانية، حيث يدلُّ على معنى المواطنة، فالمسيحي مواطن للمسلم في المجتمع السياسي، ويدلُّ على الوضع الذي يمكن أن تنشأ على أساسه علاقات التعاون بالنسبة إلى المسيحي الذي ينتمي إلى مجتمع ذمي آخر.
ونلاحظ أنّ التعبير الفقهي الشائع عن العلاقة الإنسانية على مستوى المواطنة بين المسلم وغير المسلم هو عبارة «لهم ما لنا وعليهم ما علينا»، أي أن أهل الذمة لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين في المجالين: الاجتماعي والسياسي في ميدان العلاقات الإنسانية.
الوضع الحقوقي للمواطن «الذمي» في المجتمع الإسلامي‏
ونلاحظ أنَّ المواطن غير المسلم، في الاجتماع الإسلامي، يتحمَّل واجبات أقل من واجبات المسلم، ويتمتع بالحقوق نفسها التي يتمتع بها المسلم.
مثلاً: مسؤوليات الحرب، مسؤوليات ضريبة الزكاة، ومسؤوليات أخرى لا تفرض على المواطن غير المسلم، إلا إذا شاء أن يتحملها. فيمكن أن يقال: إن «الذمي» في الاجتماع الإسلامي يتمتع بامتياز.
________________________________________

[الصفحة - 77]


طبعاً نحن نتحدَّث الآن عن الرؤية الفقهية السياسية الإسلامية، أنا لا أتحدث عن الواقع التاريخي، لأن هذه الرؤية - وليس ما حدث في التاريخ‏ - هي التي يمكن أن تكون صورة المسيحية والمسيحي في المفهوم الثقافي الإسلامي المعاصر.
نحن في تكوين هذا المفهوم الثقافي الإسلامي المعاصر نستعين بالعناصر الإيجابية في الرؤية الإسلامية، وليس بالعناصر السلبية في التاريخ الإسلامي الذي لا ينتمي بجميع أحداثه ووقائعه إلى الشريعة الإسلامية وإلى الرؤية الفكرية والثقافية الإسلامية. وتأسيساً على هذه الرؤية، يمكن ذكر لائحة واسعة من حقوق أهل الذمة.
في هذا الإطار، نلاحظ أن من الحقوق التي يتمتع بها «الذمِّيون» داخل المجتمع الإسلامي حق الحماية من العدوان الخارجي فيما لو استهدفوا دون المسلمين بعدوان خارجي. وهذا نتصوره فيما لو فرضنا أن الكيان السياسي كان قائماً على قاعدة الفدرالية مثلاً (الدولة الاتحادية) وكانت هناك منطقة مسيحية أو ذات غالبية مسيحية، واستهدفت - دون مناطق المسلمين‏ - بعدوان خارجي، فإن الموقف الفقهي الإسلامي العام على جميع المذاهب هو أنه يجب على المجتمع والدولة حمايتهم والدفاع عنهم.
أما إذا كان العدوان عليهم من الداخل، من مسلم أو من مسلمين، فإن السلامة الشخصية من الأذى ومن الموت ومن نهب الثروة وحفظ الكرامة، هذه من الأمور الأساسية في التشريع الإسلامي، وهي واجبة على المسلمين.
- إنهم يتمتعون بحماية أموالهم وممتلكاتهم، وبحقهم في ضمانة بيت المال لهم من العوز وفي حالة الشيخوخة.
- إذن هم يتمتعون بالحماية من العدوان الخارجي ويتمتعون بالحماية من العدوان الداخلي، ومن أن يكونوا ضحايا للجريمة.
- ويتمتعون بالحريات العامة، حرية المعتقد والعبادة وصون أماكن العبادة وممارسة الشعائر فيها.
- ويتمتعون بالحرية الثقافية، حق حفظ كيانهم الثقافي الخاص، لغتهم وعاداتهم وتقاليدهم وما إلى ذلك.
________________________________________

[الصفحة - 78]


- يتمتعون بحرية التنقل من دون أن تكون عليهم أية قيود أو أية حدود.
- يتمتعون بحق العمل والكسب وحرّية ذلك، ولهم الحق - كما ذهبنا نحن إلى ذلك وغيرنا من الفقهاء أيضاً - إلى أن لهم تولي مناصب الدولة سواء أكانت مناصب سياسية أم إدارية، ما لم تكن للمنصب خصوصية دينية تتصل بقضايا العقيدة من قبيل ولاية الخلافة أو ولاية القضاء وما أشبه ذلك؛ كما بيَّنا ذلك في كتابنا «نظام الحكم والإدارة في الإسلام» وغيره من كتبنا.
قد يقال: إن مبدأ المواطنة يستلزم أيضاً المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات بين المواطنين في الدولة الحديثة القائمة على القوانين والمؤسسات، ولا يجوز أن يكون الاختلاف الديني سبباً لأي تمييز أو تمايز في مجال الحقوق أو مجال الواجبات.
هذا قول صحيح وموقف سليم، بل حاجة ماسة وحيوية للمسلمين والمسيحيين معاً. إنها قضيتهم الأولى والأساس في بلدان العالم الإسلامي وفي كل بلدان العالم، قضية حقوق المواطن والمساواة.
ورأينا في هذه المسألة واضح وصريح: قلنا مراراً، في كتاباتنا ومداخلاتنا، إننا لا نرى أي مانع من تولِّي غير المسلم لأية وظيفة وتحمل أية مسؤولية في الدولة الحديثة، دولة المؤسسات التي تقوم على التمثيل البرلماني وتدار من قبل مؤسسات ومجالس شورى، تنظم عملها دساتير وقوانين مرعية تصدر عن إرادة الأمة والجماعة الوطنية.
الإسلام والحوار مع الآخر غير المسلم‏
إن الإسلام أسَّس للحوار وشرَّعه في القرآن مع أهل الكتاب في آيات كثيرة، منها قوله تعالى:
{قُلْ يا أهلَ الكِتَاب تَعَالَوا إلى كلمةٍ سواءٍ بَيْنَنَا وبينكم: ألاَّ نَعْبُدَ إلاَّ اللَّه، ولا يتَّخذَ بعضُنا بعضاً أرباباً من دون اللَّه} [آل عمران/64].
واعترف الإسلام بشرعيَّة التعدُّد في الأديان وتعايشها على أساس المسالمة والعدالة في العلاقات. أما في حالة عدوان أتباع أحد الأديان على المسلمين أو على غيرهم فإنَّ الإسلام يواجه حالة الفتنة والعدوان بما تقتضيه العدالة، ولا وجه
________________________________________

[الصفحة - 79]


للسكوت عن العدوان والخيانة بذريعة احترام التعدُّدية. إن حق التمايز إنما يقر التعدد في حالة الالتزام بالأمن والمسالمة أو المحايدة كما تدل على ذلك الآية التاسعة سورة الممتحنة المدنية.
إن الإسلام يدعو إلى ترسيخ علاقات المسالمة بين المجتمعات، في مجتمع دولي يقوم على التعاون واحترام الخصوصيات، وهذه الدعوة تنبثق من أصل تشريعي أساسي في الشريعة الإسلامية.
أمَّا الحوار فهو مهمة أساسية للمسلم بالنسبة إلى مواطنه غير المسلم في الداخل، وذلك لترسيخ العلاقات الإنسانية مع الآخر وتعميقها وتوسيعها، وكذلك الحوار على المستوى الدولي للارتفاع بالعلاقات الإنسانية إلى مستوى التعاون على البر والتقوى.
إذا نظرنا إلى الحركة الصهيونية التي تمارس أشنع ضروب العدوان في عصرنا ضد العرب والمسلمين، فلا يمكن أن تقوم حالة حوار سليمة معافاة منتجة في ظلِّ الفكر العنصري والاغتصاب والعدوان على العرب مسلمين ومسيحيين، وعلى اغتصاب ممتلكاتهم وإهانة مقدَّساتهم.
قضية الخلاص بين الإسلام والمسيحية
يرى اليهود - وكذلك النصارى‏ - أن عقيدتهم هي العقيدة الخلاصية الوحيدة، وأن لا خلاص خارجها، وقد حكى الإسلام في القرآن عنهم قولهم:
{وَقالُوا لَنْ يدخلَ الجنَّة إلاَّ من كان هُوْداً أو نَصَارى} [البقرة/111].
{وقَالَتِ اليَهُودُ ليْسَتِ النَّصارى على شي‏ء، وقَالَتِ النَّصارى ليْسَتِ اليهودُ على شي‏ءٍ} [البقرة/113].
وقولهم: {وَقَالُوا: كونُوا هُوْداً أو نصارى تَهْتَدُوا.. } [البقرة/135].
ويحمل الإسلام هذه العقيدة نفسها بطبيعة الحال، وقد عبَّر عنها الوحي القرآني في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} .
________________________________________

[الصفحة - 80]


وهنا نقطة يجب التمعُّن فيها لاستجلاء «صورة المسيحية في المفهوم الثقافي الإسلامي المعاصر»، وهي دلالة قوله تعالى: {وهو في الآخرة.. } أي أن عدم الإسلام يؤدي إلى الخسران في الآخرة، وهذا يحصر الوظيفة الخلاصية للعقيدة في إطارها المحدَّد، وهو الآخرة، ولم يرتب هذا على الموقف الدنيوي.
ولكن القرآن يحكي عن اليهود والنصارى موقفاً مخالفاً وهو أنهم «لا يقبلونر لا يرضون» غير اليهودي وغير النصراني {ولن تَرْضَى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى حتى تَتَّبعَ مِلَّتَهم} [البقرة/120]والقبول والرضا هنا يعنيان مجال العيش والحياة المشتركة.
ولعل هذا يفسر أنه حيثما حكمت المسيحية أو اليهودية، قبل العصور الحديثة، لم يوجد أتباع دين آخر، بخلاف الإسلام. والموقف اليهودي في هذا المجال أعنف من الموقف المسيحي، حيث حكى اللَّه عنهم قوله: {ولا تُؤمنوا إلا لمن تَبِعَ دينكم} [آل عمران/73].
إن الإسلام لا يحكم بصورة جازمة أن كل من لم يعتنق الإسلام هو هالك ولا نجاة له، بل يميِّز بين مستويين: مستوى القاصرين ومستوى المقصِّرين، مستوى من بلغته الدعوة الإسلامية وعقلها وجحدها، وهذا هو المقصر، وهذا محكوم عليه بالهلاك لأنه يجحد ما يؤمن به ويتبع ما لا يؤمن به، إذا كانت الدعوة قد بلغته وعقلها وجحدها فمعناه أنه يعتقد بحقانيتها ولا يعتقد بحقانية غيرها.
أمَّا من لم تبلغه الدعوة أو بلغته ولم يعقلها لا لتقصير منه، بل لسبب من الأسباب الأخرى (ضعف التبليغ، أو ضعف الإدراك، أو لظروف المحيط) فإن الإسلام لا يحكم بالهلاك الأبدي على هذا الإنسان، بل يرى أن إيمانه الخاص يمكن أن يكون سبباً لنجاته، وهذا الموقف يقرب من الموقف الفاتيكاني الجديد - الذي يجب الفحص عنه بدقة - في جعل الأديان الأخرى أيضاً طرقاً للخلاص.
إن القرآن يعد بالخلاص جميع الذين يؤمنون باللَّه واليوم الآخر ويعملون صالحاً.
(البقرة/25) - (طه/75 و76) (العنكبوت/58) - (الحج/17) :
{(إِنَّ الذين آمنُوا والَّذين هَادُوا والنَّصارى والصَّابئين من آمنَ باللَّه واليوم الآخر}
________________________________________

[الصفحة - 81]
{وعَمِلَ صالحاً فلَهُم أَجْرُهم عند ربِّهم ولا خوف عليهم ولا هم يَحْزَنُون)} [البقرة/62] {إنَّ الذينَ آمنُوا والذين هادُوا والصَّابئون والنَّصارى مَنْ آمنَ باللَّه واليومِ الآخرِ وعملَ صالحاً، فلا خوف عليهم ولا هم يَحْزَنُون}[المائدة/69].
هذا الخلاص هو لمن لم تبلغهم الدعوة، أو بلغتهم ولم يعقلوها. أما من بلغتهم الدعوة وعقلوها فخلاصهم محصور بالإسلام ولا خلاص لهم خارج الإسلام.
فالإسلام يعطي دوراً خلاصياً، ويقرّ بدور خلاصي للإيمان الذي يجزم به الإنسان وإن كان غير مسلم، وذلك بالنسبة لمن لم تبلغهم الدعوة الإسلامية أو بلغتهم ولم يعقلوها.
نلاحظ أن الموقف الأساسي للمسيحية واليهودية، كما يحكي القرآن، هو عدم إعطاء أي دور خلاصي لأي دين آخر، فاليهود يرون أن دينهم هو طريق الخلاص الوحيد.
والنصارى يرون أن دينهم هو طريق الخلاص الوحيد. وظاهر قوله تعالى: {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى} هو هذا الموقف، لأن «لن» للنفي الأبدي.
ولكن المسيحية الكاثوليكية أقرت أخيراً، بشكل ما من أشكال، الاعتراف بالقيمة الخلاصية للإسلام نتيجة لدراسة لاهوتية عبر عنها بيان المجمع المسكوني الثاني الذي صدر بعنوان: (بيان في عصرنا رقم 3) قال:
«تنظر الكنيسة باحترام إلى المسلمين الذين يعبدون اللَّه الواحد الحي القيوم الرحيم القادر على كل شي‏ء خالق السماء والأرض مكلم البشر، ويجتهدون في أن يخضعوا من صميم قلوبهم لأحكامه على غرار إبراهيم الذي يتخذه الإسلام مرجعاً لإيمانه،
والذي خضع هو أيضاً للَّه، ويجلّون يسوع نبياً وإن لم يعترفوا به إلهاً، كما يكلمون أمه العذراء مريم، وأحياناً يوجهون إليها الدعاء بتقوى، وعلاوة على ذلك فإنهم ينتظرون يوم الدين الذي سيحشر اللَّه فيه جميع الناس بعدما يقيمهم من الموت ليحاسبهم على أعمالهم، ويكنُّون عميق الاحترام للمثل الأخلاقية في الحياة، ويعبدون اللَّه لا سيما بالصلاة والزكاة والصوم».
________________________________________

[الصفحة - 82]


الذكريات السيئة
لقد تعرَّض المشروع الإسلامي والمجتمع الإسلامي للخطر في العهد النبوي حين تعرَّض للغزو من الدولة البيزنطية. وكانت غزوة «تبوك» الوقائية، التي لم يحصل فيها قتال، تعبيراً عن التصدي لمواجهة هذا الخطر، ثم حشد الروم قواتهم للغزو مرة ثانية فكانت معركة «مؤتة» التي تركت ذكريات أليمة في الذاكرة الإسلامية وفي الضمير الإسلامي بسبب الخسائر الفادحة التي حلَّت بالمسلمين فيها.
كان هذا أول اتصال على مستوى الأنظمة بين الإسلام وبين المسيحية ممثَّلة في نظام ودولة، وكان لقاء سلبياً أليماً خلَّف ذكريات سيئة بين الإسلام والمسيحية.
هنا نتساءل: هل كان قرار الغزو البيزنطي قراراً كنسياً دينياً أو أنه كان قراراً سياسياً علمانياً (إذا صح التعبير عن ذلك في ذلك العهد)؟ من الصَّعب التفريق بين الكنيسة والدولة (السلطة) في الامبراطورية، وقد كان الامبراطور يمثل رأس الكنيسة، ولكن قرار الحرب وتنفيذه كان قراراً سياسياً على الراجح تستَّر بالكنيسة.
ولكن هذا لا ينفي أن هذا القرار الذي لم يكن الإسلام مسؤولاً عنه، إنحرف بالعلاقات الإسلامية المسيحية في ذلك الحين إلى اتجاه خطر لم يكن الإسلام مهيأ له بحسب رؤيته الروحية والفكرية والحضارية للعلاقات مع الآخر ومع المسيحية بوجه خاص كما رأينا، وليس مهيأ له بحسب تشريعه لهذه العلاقات بما يؤول إلى تكوين مجتمع سياسي مدني متنوِّع الدين.
لقد كانت هذه الذكريات السيئة التي عززتها استعدادات بيزنطة لتكرار الغزو، وما ولَّده ذلك من مخاوف، هي التي هيأت مناخ اتخاذ قرار شن حروب الفتح الإسلامية مع الدولة البيزنطية التي استمرت طوال العصور الوسطى. ثم تجددت بعد ذلك في الحروب الصليبية تحت الشعار الصليبي الشهير: «تحرير القدس من الكفار» التي تركت أسوأ الآثار في الضمير المسلم، وكانت الحرب في هذه المرة قراراً دينياً كنسياً، وإذ سقطت الإمبراطورية البيزنطية أمام القوة الإسلامية الصاعدة، وفتح العثمانيون «القسطنطينية»، فقد تحفز الغرب المسيحي لهجوم جديد قادته هذه المرة قوة الدولة الحديثة الاستعمارية.
________________________________________

[الصفحة - 83]


لقد قال القائد البريطاني عند احتلال القدس: «الآن انتهت الحروب الصليبية». وقال القائد الفرنسي عند احتلال دمشق، وهو واقف على قبر صلاح الدين الأيوبي: «ها قد عدنا يا صلاح الدين». إن هذا يعطي للاستعمار الغربي معنى الامتداد الصليبي.
لقد استخدمت أجهزة الاستعمار الحديث، إلى جانب إيديولوجيتها العنصرية المتمثلة بشعار «التمدين» ورسالة الرجل الأبيض، شعارات ومهمات دينية حملتها لحركة التبشير وإرسالياتها، الأمر الذي خلق في المجتمعات الإسلامية وغير الإسلامية توتّرات اجتماعية وسياسية وثقافية، وحالات حروب أهلية لا تزال تحفر في الذاكرات الجماعية حتى اليوم. وجاء غرس المشروع الصهيوني بالقوة في سياق حركة الاستعمار الغربي ليزيد من حالة التفكك والتوتر والقلق وعدم الثقة.
بل إنَّ السياسات الغربية التي مورست في مرحلة الاستعمار ومرحلة حركات التحرر الوطني والاستقلالات الوطنية، والتي قامت على استثمار الاختلافات الدينية والعقديَّة في المجتمعات التعدُّدية أعاقت مشاريع النهضة في الكثير من بلدان العالمين العربي والإسلامي، كما أعاقت نمو دول حديثة ديمقراطية. علماً أن الديمقراطية وحقوق الإنسان التي تبرزها السياسات الغربية شعارات مناسبات اليوم، كانت ولا تزال ضحية لسياسات الحصار والقهر ومحاربة تجارب الحريات والحياة الدستورية والبرلمانية الناشئة.
وفي أيامنا، يرى المسلمون ويسمعون رئيس جمهورية فرنسياً سابقاً يثني على حكومة الاتحاد السوفييتي لأنها قمعت حركة تحررية في أذربيجان، ويعلل موقفه وتسويغه للقمع السوفييتي بأن الإسلام يشكل خطراً على المسيحية وعلى أوروبا. ويقول زعماء الصرب إنهم يقومون بمهمة تاريخية هي حماية أوروبا من الإسلام.
إنَّ ذاكرة المسلم لا تزال تختزن التجارب المرة التي تثير الشجن وتبعث على القلق وتبدِّد أسباب الثقة، لا تزال ذكريات الحروب الصليبية، وذكريات الاستعمار الأوروبي القديم بمختلف صيغه ومظاهره، وذكريات الامبريالية حيَّة في الذاكرة تغذيها سياسات الغرب المسيحي المعاصر، هذه السياسات التي يجسِّدها الواقع
________________________________________

[الصفحة - 84]


القائم في معاملة العالم الإسلامي بمعايير مختلفة لا تستند إلى فكرة العدالة والأخلاق وإنما تستند إلى المنافع والمصالح غير المشروعة في كثير من الحالات،
وهي تدفع أصحابها من قوى الغرب المسيحي إلى مواقف متناقضة، وإلى تدخلات في الشؤون الداخلية وفي أخصّ خصائص السيادة لهذه الدولة أو تلك من دول العالم الإسلامي، وإلى التحكم في ثرواتها وفي نظم معيشتها. كما نجد ذلك ماثلاً أيضاً في السياسات التي تدار بها القضايا العربية والإسلامية وفاقاً لمصالح الصهيونيَّة العالميَّة ومصالح القوى الغربيَّة.
مخاوف الغرب الوهميَّة من الإسلام‏
في المقابل بدأت تظهر في العالم الغربي مخاوف لا حقيقة لها، ولكن الغرب يدَّعيها ويغذِّيها بالإعلام الموجَّه لتكون ذريعة لتنفيذ السياسات الظالمة بحق العالم الإسلامي.
إنَّ قطاعاً واسعاً من الغرب يعبر عن الخوف ممَّا يسميه بالأصوليَّة الإسلاميَّة، ويصفها بالإرهابية، ويتحكَّم في سياسات كثير من الدول الإسلامية على ضوء علاقاتها مع هذه القوى، ويدفع تلك الدول إلى اتخاذ مواقف قمعية من هذه القوى التي تمثل عناصر أساسية في النسيج الاجتماعي، وهذا يزج بتلك الدول وشعوبها في صراعات داخلية تزيدها ضعفاً ووهناً أمام الإرادة الغربية.
هذا في حين أن بعض السياسات الغربية تقف موقفاً براغماتياً وانتهازياً من بعض الحركات الإسلامية «المتطرفة»، إذ تؤيدها وتمدها بالعون الضمني أو العلني لتستخدمها في استراتيجيات الصراعات الدولية أو الإقليمية في إطار ذهنية وظيفيَّة مدمِّرة للعالم وللعلاقات الدولية السليمة.
كما يعبّر الغرب عن الخوف من المهاجرين المسلمين إلى الدول الأوروبية، وقد تحوَّلت قضية هجرة المسلمين إلى الغرب إلى مشكلة تثير قلق الدول الأوروبية، وتدفع إلى وضع القيود على هذه الهجرة وإلى إغلاق المنافذ التي تمكن المسلمين من الهجرة.
نلاحظ أن هذه المخاوف المدَّعاة لا واقع لها، وإنما تتخذ ذريعة لإحكام
________________________________________

[الصفحة - 85]


الهيمنة على الدول الإسلامية وللاحتفاظ بالمجتمعات الأوروبية نقية وإغلاقها أمام الأجانب.
إن ذكريات الماضي ومعطيات الواقع الحي تتمثل الآن في سياسات الغرب تجاه العالم الإسلامي، وما يدَّعيه العالم الغربي من مخاوف من الإسلام والمسلمين يسهم بالمقابل في صنع النظرة التي ينظر بها المسلم إلى الغرب.
لقد كان موقف العدوان مسيحياً في جميع (معظم) المواجهات الكبرى، وكان موقف الإسلام دفاعياً في جميع (معظم) الحالات.
لقد تجمد المشروع الإسلامي للعيش المشترك بسبب هذه الهجمات، ولكنه لم يسقط، بقي الإسلام في داخل عالمه يتصرف وفاقاً لهذا المشروع، فاستمرت الكنيسة واستمرت المسيحية، واستمرت الثقافة واللغات والعادات والتقاليد المسيحية في عالم الإسلام، ولم تتعرض لأي قمع أو حصار، ووصلت المسيحية في عالم الإسلام إلى العصر الحديث، وهي أكثر ازدهاراً وحيويةً منها في أوطانها التقليدية في أوروبا.
محاولات التَّفاهم والمصالحة
لقد حاول الغرب من جهة، وحاول العالم العربي والإسلامي من جهة أخرى، عن طريق مؤسسات ثقافية وسياسية، إلى إنشاء علاقات ثقة وتفاهم وتواصل ثقافي بين الطرفين للتغلُّب على هذه المخاوف والأسباب الداعية إلى القلق،
ولهذه الغاية وضعت صيغ متعدِّدة للحوار الإسلامي المسيحي، والحوار العربي الأوروبي، وحوار الشمال والجنوب، ولم تحقق أية نتائج تذكر من جميع ذلك إلا بصورة محدودة في الحوار الإسلامي المسيحي الذي زاد من فرص تعرُّف كل طرف على الطرف الآخر.
ونلاحظ أن الحوارات التي قادتها دول ومؤسسات دولية قد أخفقت باستثناء الحوار الإسلامي المسيحي الذي قادته ومارسته قوى تنتمي إلى المجتمعات الأهلية وإلى مؤسسات هذه المجتمعات على مستوى المؤسسات الثقافية والعلمية؛ حيث بدا أنه أكثر نجاحاً وتوفيقاً في إحراز بعض التقدم في هذه الشؤون.
________________________________________

[الصفحة - 86]


إن خيبات الأمل لا يجوز أن تدفعنا إلى اليأس، ولا يجوز أن تثني عزائمنا عن المضيِّ قدماً في محاولة الحوار الصادق والمخلص، لأن التعاون بين الإسلام والمسيحية شرط أساس لإنقاذ عالمنا من الدمار والتردِّي في مخاطر الفساد والانحلال وما إليهما.
ولا بد من أن ينطلق الحوار ومحاولات الفهم من الاحترام المتبادل الذي يقرُّ لكل طرف بخصوصياته، وهنا ننبِّه إلى نقطة مهمة وهي أن الحوار والتعاون يقتضيان الاعتراف لكل طرف بخصوصياته، لأن لكل حضارة قيمها ولكل عالم ثقافي قيمه التي يستمد منها معناه ودوره في الحضارة الإنسانية، ولا يمكن حمل جميع البشر على مفاهيم وقيم ثقافية واحدة تنتمي إلى حضارة واحدة وإلى نظام أخلاقي محدد.
وهذا يتنافى مع ما يسعى إليه الغرب من تذويب المسلم، وتذويب حضارته، وتذويب إيمانه في الصيغ التي يعدّها ملائمة له ويعدّها صحيحة ومحقّة بالنسبة إليه.
وهنا لا بد من التنبيه إلى أنه من الأسباب التي تحمل المسلم على الريبة في نوايا الغرب وسياساته ما يحاول الغرب أن ينشى أطفاله عليه ويغرسه في نفوسهم بالنسبة إلى المسلم، حيث يدرس هؤلاء الأطفال ويقرأون الكتب التي تصف المسلمين بأسوأ الصفات، وتتحدث عنهم كأنهم كائنات متوحشة بدائية،
وكذلك الكتب الموضوعة للتاريخ حيث إنها تصوغ وقائع التاريخ على نحو يؤدي إلى ترسيخ الأحقاد وإلى تنمية روح الكراهية، وتساند صناعة السينما والتلفزيون هذا وذاك في خلق ثقافة العداء والكراهية والاحتقار للمسلم من خلال الأفلام الهادفة إلى تشويه صورة المسلم والعربي في ذهن الإنسان الغربي وتقديمه على أنه إنسان إرهابي مدمر للحضارة لا يمكن أن يطمأن إليه بوجه من الوجوه.
هذه الصورة للمسلم في ذهن الغربي لها وجهها الآخر، وهي صورة الغربي في ذهن المسلم، وعلينا أن نرى الأمور بواقعية، حينما يكتشف المسلم أن صورته عند الغربي هكذا فإن هذا سيجرح صورة الغربي عند المسلم ويشوّهها، ويجعل المسلم ينظر إليه من منطلق عدم الثقة، من منطلق الشك، من منطلق الاتهام بأنه لا يزال يتآمر عليه ويتربَّص به الدوائر.
________________________________________

[الصفحة - 87]


إن العلاقات المعافاة التي تبني الحضارة وتبني التقدم هي العلاقات التي تقوم على العدالة، على التكافؤ بين الأطراف، على الرؤية التي تحترم الطرف الآخر، تحترم ذاته وخصوصياته ومصالحه ودوره، لا العلاقات التي تكون بين تابع ومتبوع، وبين أول وثانٍ، وبين مركز وطرف.
فهل ينظر الغرب إلى العالم الإسلامي وإلى المسلم على هذا الأساس أو أنه ينظر إليه باعتباره تابعاً، وباعتباره طرفاً، وباعتباره سوقاً، وباعتباره مصدراً للمواد الخام، هو لا ينظر إليه باعتباره شريكاً في صنع الحضارة، وباعتباره شريكاً في الإنسانيَّة، وباعتباره شريكاً في المسؤوليَّة.
المسيحية في المفهوم الثقافي الإسلامي المعاصر
بعد هذا العرض، نأتي إلى تشخيص صورة المسيحية «والعالم المسيحي» في عقل المسلم المعاصر وفي المفهوم الثقافي الإسلامي المعاصر، فنلاحظ أننا لا يمكن أن نعطي صورة واحدة للمسيحية في المفهوم الثقافي الإسلامي المعاصر في جميع المجتمعات الإسلامية.
هناك أزمات تجتاح العلاقات الإسلامية المسيحية.
لقد تحسَّنت صورة المسيحي والمسيحية في المفهوم الثقافي الإسلامي في عصرنا تحسناً كبيراً، كان الفضل فيه لإعادة إحياء التعاليم القرآنية في هذا الشأن وتفعيلها. لقد أدَّى ذلك إلى جعل المسيحية مقبولة في العالم الإسلامي، وجعلت المسيحي مقبولاً سواء أكان مواطناً أم أجنبياً؛ وذلك على الرغم من النكبات والآلام التي أحدثها الاستعمار بجميع صيغه، وبخاصَّة الاستعمار الاستيطاني الصهيوني الذي لا يزال يتحرَّك ويفترس بضراوة ووحشيَّة.
ولكن لا يمكن أن نعطي تعميماً للعالم الإسلامي كله، فحيثما كانت هناك أزمات مع الغرب تتقنَّع بقناع المسيحية، كانت صورة المسيحي والمسيحية الغربية تتهشم وتتجرح في الذهن الإسلامي.
مثلاً: لا نستطيع أن نقول: إن صورة المسيحية في أندونيسيا هي كصورة المسيحية في لبنان، ولا نستطيع أن نقول: إن صورة المسيحية في السودان هي كصورة المسيحية في مصر مثلاً.
________________________________________

[الصفحة - 88]


إن الجماعة المسلمة هنا وهناك تواجه تحركاً مسيحياً يتكى على التبشير ويتكى على قوى الاستعمار القديم والجديد، فتتحول المسيحية إلى - عامل اضطهاد أو قناع لقوى الاضطهاد، وإلى قناع لقوى التمزيق والتفريق، كما يحدث في السودان، وكما يحدث في أندونيسيا، وكما يمكن أن يحدث في أماكن أخرى.
إن القوى المسيحية هنا تواجه امتحاناً عسيراً في الإلتزام الأخلاقي بالعدالة والوحدة، وقد يقال: إن الإسلام يواجه أيضاً الامتحان نفسه في مناطق أخرى، فأقول: نعم، على المسلمين أن يلتزموا مبدأ العدالة والإنصاف في علاقاتهم مع المسيحيين، ولا يمكن أن نوافق أبداً على أي انتهاك لمبادى العدالة والشراكة في الإنسانية في العلاقات مع المسيحيين.
ونلاحظ هنا أن العلاقات المتوترة، علاقات النبذ والاعتزال والعداء في قلب المسلم وعقله لا تنشأ من مجرَّد الاختلاف في الدين، فإنه مع الاختلاف في الدين، على المستوى العقدي، يمكن أن تبنى علاقات إنسانية، وهذا مبدأ أساس في التشريع الإسلامي كما ذكرنا.
إنَّ حالة العداء والنبذ تنشأ من حالة العداء والنبذ والعدوان المقابلة، وفي هذه الحالة لا يمكن أن تقوم حالة تعايش طبيعية ومنتجة.
وهنا نشير إلى موقف الغرب من المسلمين، وبخاصَّة في أوروبا، بعد نمو نفوذ اليمين الأوروبي، والموقف المتشدد من الهجرة.
وإحدى أعقد المشكلات المسببة لأزمة عميقة في العلاقات الإسلامية المسيحية في عصرنا هي موقف المسيحية العالمية، ولا سيما الأصولية الإنجيلية الأمريكية، من الحركة الصهيونية التي تعدّ حركة معادية للإسلام وللمسلمين وللعرب مسلمين ومسيحيين.
إن الأزمة الحقيقية تتمثل في هذا.
لقد مرَّت العلاقات الإسلامية المسيحية في العصر الحديث في أزمات متعددة:
كانت الأزمة في العلاقات تتمثل في تبنِّي المسيحية عن هجمة الاستعمار
________________________________________

[الصفحة - 89]


الغربي على العالم الإسلامي أو في سكوتها عنها، والعدوان عليه واستتباعه، وتحطيم حضارته، ومحاولة تحطيم ثقافته، وإلغاء دوره، ونهب ثرواته.
وتمظهرت هذه الأزمة أيضاً، وبعد انتهاء عصر الاستعمار القديم، بالاستعمار الجديد، ثم تمظهرت الآن بالحركة الصهيونية.
ويحاول العالم الغربي أن يسوِّي هذه الأزمة عن طريق فرض التسوية على العرب بالنسبة إلى فلسطين وما حولها. ولكننا نشكُّ في أن هذا يكفي لتصحيح العلاقة مع المسلمين ومع العرب.
في هذا السياق، نلاحظ أن المسيحية بمقدار ما تقترب من السياسات الغربية المؤيدة للصهيونية فإنها تفقد موقعها المقبول في عقول المسلمين وفي عقول العرب.
إنَّ أزمة العلاقات بين المسلمين والمسيحيين الناشئة من السياسات المسيحية الغربية المؤيدة للصهيونية، لا يمكن حلها إلا بتصحيح القيادات المسيحية في العالم الغربي - على مستوى الكنائس وعلى مستوى القيادات السياسية والفكرية - لعلاقاتها مع المسلمين والعالم الإسلامي، والتوقف عن دعم الصهيونية والتستر على جرائمها.
إن عقدة الغرب المسيحي تجاه اليهود من جراء عنصريتهم اللاسامية القديمة يجب ألا تحل على حساب العرب والمسلمين بتحويلهم إلى ضحايا جدد، وإلى الدرجة التي يسمح فيها للعسكريتاريا الإسرائيلية بأن ترتكب بحق العرب والمسلمين ما ارتكبته النازية بحق اليهود.
إن الصهيونية تستثمر «الهولوكوست»، وتمارس «هولوكوست» فعليّاً بحق العرب والمسلمين.
إن المسلمين يتوقون، في مجتمعاتهم الوطنية، وعلى مستوى العالم، إلى إنشاء أحسن العلاقات مع المسيحيين المشاركين في الوطن وفي الدولة أو على مستوى العالم.
ويحتل المسيحيون في وعي الإنسان المسلم، وفي تصوره للاجتماع البشري، في عصرنا، موقعاً متميِّزاً، وينظر المسلم بإيجابية ورغبة إلى بناء علاقات
________________________________________

[الصفحة - 90]


نشطة تعاونية على المستويات الوطنية وعلى المستوى العالمي، وهذا بالرغم من جميع المواقف النابذة والعدائية التي وقفها الغرب من العالم الإسلامي ومن شخصية الدول الإسلامية.
إنَّ بعض الحركات الإسلامية المتشددة تتخذ من المسيحيين مواقف متحفظة، حذرة، إنعزالية، ولكن هذه الحركات لا تمثل عالم الإسلام على مستوى الأمة، كما لا تمثل المجتمعات الإسلامية على المستويات الوطنية، إنها لا تمثل مجتمعاتها الوطنية، ومن ثم لا يجوز الحكم على موقف المسلم المعاصر من المسيحية والمسيحيين على أساس النظرة التي تؤخذ عن موقف بعض الحركات الإسلامية المتشددة.
إنَّ الرأي العام الإسلامي، على مستوى الأمة، وعلى المستويات الوطنيَّة، ينظر بإيجابية إلى الحوار مع المسيحيين ويعدّه أمراً مشروعاً، بل يعدّه أمراً ضرورياً في بعض المستويات. وهذه النظرة مستوحاة من توجيه القرآن الكريم.
وهذا الحوار لا يستهدف الدعوة إلى الدخول في الإسلام، إنه يستمد شرعيته من قوله تعالى: {ادعُ إلى سبيل ربِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَة الحَسَنَةِ} [النحل/125].
ويتوهَّم بعض الباحثين، من اللاهوتيين المسيحيين، أن نظرة المسلم إلى المسيحي هي نظرة تبشيرية بهدف إدخاله في الإسلام - وهذه هي نظرة كثير من المحاورين المسيحيين الكنسيين إلى المسلم - وهذا خطأ. إن المسلم يطمح من حواره إلى بناء علاقات إنسانية سليمة تمكن من العيش الواحد أو المشترك، وإلى التعاون القائم على مبادى الأخلاق، والتعاون على البر والتقوى، كما تعبر عن ذلك الآية التاسعة من سورة الممتحنة، ويعبر عنه قوله تعالى: {وقُوْلُوا للنَّاس حسَناً}[البقرة/83].
وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّه يأمُر بالعَدْل والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُرْبى، ويَنْهَى عن الفحْشَاء والمُنْكَر والبَغْي، يَعِظُكم لعلَّكم تذكرون} [النحل/90].
وقوله تعالى: {قُلْ يا أهلَ الكتابِ تَعَالَوا إلى كلمةٍ سواء بيننا وبينكُم ألاَّ نعبد إلاَّ اللَّه ولا نُشركَ به شيئاً، ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بعضاً أرباباً من دون اللَّه} [آل عمران/64]إلى غير ذلك من الآيات الداعية إلى الحوار والآمرة به.
________________________________________

[الصفحة - 91]


لقد كان المسلم يشعر دائماً بأن المسيحيين جزء من مجتمعه وجزء من قوميته وجزء من عالمه، وقد تكوَّن هذا الشعور من تربية القرآن والسنة والسيرة. وهذا الوعي بالمسيحي والمسيحية شجَّع وحفز على الحوار. ربما لم يكن هذا الشعور في الماضي قوياً على نحو ما هو عليه الآن، لقد ازداد اتساعاً وعمقاً في العصر الحاضر نتيجة لتطور نظام الاتصال والمواصلات والانفتاح الثقافي العالمي.
إن الخطاب الإلهي الداعي إلى التعارف والحوار والتعاون لم يوجه إلى المسلمين وحدهم، بل إلى النوع الإنساني كله {يا أَيُّها النَّاسُ إنَّا خَلَقْناكُم من ذكرٍ وأُنْثَى وجَعَلْنَاكُم شعوباً وقبائلَ لتعارفوا. إنَّ أكرَمكُم عند اللَّه أتقاكُم. إن اللَّه عليمٌ خبير} [الحجرات/13].
إنَّ المسؤولية التي نتحملها جميعاً في هذا المجال كبيرة، ويجب أن يبذل الجميع جهوداً مخلصة واعية، وأن يعبروا عن نيَّاتهم الحسنة في ترميم العلاقات المسيحية الإسلامية من أجل صلاح عالمنا ونجاته. إن خلاص العالم يتوقف على إيجاد علاقات إسلاميَّة مسيحيَّة معافاة وخالية من العقد.
وهنا نذكِّر بأن على المسيحي أن يعيد النظر في مواقفه من قضايا المسلمين:
الموقف من التزام المسلم بالإسلام، حيث إننا نلاحظ أن الغرب لا يعترف بالمسلم إلا بمقدار ما يتخلى عن إسلامه، وليس بمقدار ما يلتزم بإسلامه، وهنا نلاحظ أزمة الحجاب في فرنسا وغير أزمة الحجاب، نلاحظ هذا الإلحاح الشديد على تحويل المرأة المسلمة عن التزامها بالإسلام في السلوك والزي بهدف تحويلها إلى نسخة من المرأة الغربية.
نلاحظ الموقف من هجرة المسلمين إلى العالم الغربي والقيود التي توضع عليهم.
نلاحظ موقف الغرب - بوجهه المسيحي‏ - من القضية الفلسطينية وقضية القدس.
إن صورة المسيحي البهية المقبولة، في المفهوم الثقافي الإسلامي المعاصر، لا يمكن أن يصنعها المسلم وحده، بل يصنعها المسيحي أيضاً، حين يصوغ علاقاته مع المسلم على قاعدة الحقِّ والعدل، ويعبِّر عنها في سلوكه وسياساته. إنَّ المسلم يحمل من تعاليم الإسلام وهداه - في عقله وقلبه‏ - ما يجعله قادراً على الاشتراك مع المسيحي على بناء وطن مستقر مزدهر، وعلى بناء عالم مستقر، وعلى تكوين علاقات إنسانية تستمدُّ مقوماتها وطبيعتها من أخلاقيات الإيمان وروحانية الإسلام والمسيحية في الإيمان الإبراهيمي الجامع.
________________________________________

[الصفحة - 92]