البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

المواطنيَّة الشِّيعيَّة في البلاد الإسلاميَّة أو فضل الشِّيعة على مصر

الباحث :  أ. صالح الورداني
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  33
السنة :  السنة التاسعة ربيع 1425هجـ 2004 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 16 / 2015
عدد زيارات البحث :  936
المواطنيَّة الشِّيعيَّة في البلاد الإسلاميَّة
أو فضل الشِّيعة على مصر

أ. صالح الورداني (*)

مصر خزانة الخلافة
منذ أن دخلت مصر، في الإسلام، وهي تابعة للمركز بوصفها ولاية من الولايات..
منذ البداية كانت تابعة للمدينة..، ثم صارت تابعة لدمشق.. ثم إلى بغداد.. إلَّا أنه مع بداية منتصف القرن الرَّابع ووصول الفاطميين إلى مصر، تحوَّلت إلى متبوعة، وأصبحت لها قوة ووزن، وغدت عاصمة للمرَّة الأولى في تاريخ الإسلام..
وبعد سقوط الفاطميين على يد الأيوبيين، عادت مصر لتكون تابعة من جديد لدمشق. واستمرَّت تبعيتها من بعد الأيوبيين على يد المماليك لدمشق أيضاً.
ثم جاء العثمانيُّون، واستولوا على مصر، وجعلوها تابعة لعاصمتهم الآستانة، ومنذ ذلك الحين تقلَّص دورها، ولم تستطع إحياء دورها الإسلامي إلا بفضل الأزهر أحد إنجازات الفاطميين..
حين تسلَّم الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) زمام الحكم عام 36هـ، كان أوَّل قرار أصدره هو عزل ولاة الأمصار المعيَّنين من قبل عثمان بن عفان..
________________________________________
(*)باحث من مصر

[الصفحة - 153]


وفي مقدمة الولاة الذين عزلهم الإمام عبد الله بن سعد بن أبي سرح (ت 37هـ ـ 657م) الذي كان يلي أمر مصر في تلك الآونة..
وكان ابن أبي سرح ومن سبقه إلى ولاية مصر عمرو بن العاص (ت 43هـ ـ 664م) يرتعان في هذه البلاد الغنيَّة من دون حسيب أو رقيب، ولهذا لم يتوان عمرو بن العاص عن التحالف مع معاوية ضد الإمام من أجل أن يعود إلى مصر كنزه.
وكانت تلك أولى بركات آل البيت على مصر أن أراحوها إلَّا أن مصر كانت سيئة الحظ؛ إذ أدَّت التطوّرات التَّاريخيَّة إلى عودة عمرو بن العاص إلى حكم مصر من جديد (1).
ومنذ ذلك الحين، وحتى العصر الأخشيدي، دخلت مصر دوَّامة الاستنزاف؛ حيث أصبحت ثرواتها ومقدّراتها تذهب إلى خزائن الخلفاء في المدينة ودمشق وبغداد، بالإضافة إلى خزائن ولاتها..
روي: جبى عمرو بن العاص مصر، لعمر بن الخطاب، اثني عشر ألف ألف دينار، فصرفه عثمان وقلَّدها عبد الله بن أبي سرح، فجباها أربعة عشر ألف ألف.
فقال عثمان لعمرو: يا أبا عبد الله، أعلمت أن اللقحة بعدك درَّت؟
فقال: نعم. ولكنها أجاعت أولادها.. (2).
وقال محمد بن زياد الحارثي يصف مصر: ومصر خزانة أمير المؤمنين التي يحمل عليها حمل مؤونة ثغوره وأطرافه ويقوت بها عامة جنده ورعيته.. (3).
وقد اهتمَّت الدَّولة الأموية بجمع المال، وكان المصدر الرئيسي لها هو مصر. فمن ثم زادت الضغوط على المصريين من أجل جباية الأموال حتى أنه كان يحال بينهم وبين الدخول في الإسلام حتى لا يتأثر الخراج.. (4).
وجاء الخليفة عمر بن عبد العزيز، فرفع عن المصريين هذه الضغوط، رافعاً شعاره الشهير: إن الله إنما بعث محمَّداً (صلي الله عليه و آله و سلم) هادياً ولم يبعثه جابياً.. (5).
وازدادت هذه الحال سوءاً في ظل الحكم العباسي، وضوعف الخراج وكثرت المظالم وتفجَّرت الثورات. (6).
________________________________________
(1)عقد عمرو بن العاص مع معاوية اتفاقاً مفاده أن يعود ابن العاص إلى حكم مصر مقابل نصرته والتآمر معه على علي. انظر تفاصيل وقعة صفين عام 37هـ في كتب التاريخ.
(2)معجم البلدان لياقوت الحموي، ص 5 باب الميم. ترجمة مصر..
(3)المرجع نفسه.
(4)انظر: خطط المقريزي، ح1/128، والولاة والقضاة للكندي. وانظر: كتب التاريخ، المرحلة الأموية.
(5)انظر: سيرة عمر بن عبد العزيز في كتب التاريخ، وانظر المقريزي.
(6)انظر الخطط وكتب التاريخ مرحلة الحكم العباسي.

[الصفحة - 154]


ولقد حاول أحمد بن طولون، الوالي التركي لمصر من قبل الخليفة العباسي المعتمد على الله، الاستقلال بمصر، وفرض نفسه حاكماً عليها، وتسلَّم الحكم من بعده ولده خمارويه وزوج ابنته للخليفة المعتضد بالله في بغداد.. (7).
وظهر، من بعد الطولونيين، حاكم قوي هو الإخشيد الذي حاول أن يتَّبع سنة ابن طولون ويستقل بمصر عن العباسيين الضِّعاف من المشرق، إلَّا أنه ما لبث أن ظهر له خصم قوي من المغرب أخذ يتجه ببصره نحو مصر، وهو الفاطميّون..
الفاطميون ومصر
لم يصمد الإخشيديون كثيراً في مواجهة الفاطميين، فقد كانت الأوضاع في مصر غير مستقرَّة. وضعفت البلاد من كثرة تقلُّبها بين الدول والولاة..، من هنا كانت مصر مهيَّأة لاستقبال الفاطميين الذين دخلوها وسط احتفال شعبي كبير، ليتّخذوها قاعدة ومقرَّاً لهم، ولتبدأ مصر في البروز على الساحة الدولية دولةً ذات وزن ودور ونفوذ..
وهذا هو أوَّل المكاسب التي حققتها مصر بفضل الفاطميين الشيعة..، وقام الفاطميون ببناء مدينة القاهرة، لتكون عاصمة لهم، وبذلك تحقق لمصر الاستقلال والسيادة. وهذا هو ثاني المكاسب..
وتمكّن الفاطميون من السيطرة على الشام وضمِّها إلى مصر لتصبح تابعة لها.. وهذا ثالث المكاسب..
وأصبح لمصر جيش قوي شارك فيه الكثير من أبنائها.. وهذا رابع المكاسب.
وشارك المصريون في الحكم والإدارة، لأوَّل مرة منذ الفتح العربي..، وهذا خامس المكاسب..
لقد عاشت مصر أزهر عصورها في ظل الفاطميين، اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً، وعاش المسيحيون في جوٍّ من التسامح والحريات الدينية، وقد تحرروا من الضغوط وصور التضييق التي كانت تلاحقهم طوال العصرين: الأموي والعباسي..
________________________________________
(7)أقام خمارويه لابنته قطر الندى حفلًا أسطورياً، تحدثت عنه كتب التاريخ، ومنح المعتضد حكم مصر والشام لخمارويه مدة ثلاثين عاماً، وقد قتل خمارويه مسموماً على يد جاريته، ووقع الاضطراب بمصر، وقام العباسيون بغزو مصر وهدم القطائع عاصمة الطولونيين وتدميرها، وأعادوا مصر إلى دائرة نفوذهم مرة أخرى.

[الصفحة - 155]


وعاش أصحاب المذاهب الأخرى، من أهل السنَّة، في سعة وحرية..، وعاش أفراد الشعب في سعة من العيش وعزة وكرامة، لم ينالوها في ظل حكم الولاة السابقين ولا حكم الأيوبيين والمماليك والعثمانيين اللاحقين..
وتشهد المصادر التاريخية أن مصر كانت، في ظل الفاطميين، في عزة وقوة ومكانة لم تتحقق لها في أي مرحلةً من مراحل التاريخ الإسلامي أو التاريخ القديم..
يقول الدكتور عبد المنعم ماجد: «كانت الخلافة الفاطمية تستهدف الاهتمام بالتجارة والصناعة، وكان مجهودها في هذا المجال كبيراً، مما يدل على فهم واسع لمسائل الاقتصاد في عصرها. كما كان لبناء عاصمة جديدة، وهي القاهرة، بجوار مصر، أو الفسطاط العاصمة القديمة، أثره في نهضة البلاد الاقتصادية في أيام الفاطميين، ونمت المدينتان معاً وأصبحتا مركزاً اقتصادياً لامبراطورية واسعة، يشهد بذلك الرحالون وقتئذ: فيروي ناصر خسرو أن القاهرة كانت مدينة كبيرة قلَّ نظيرها في المدن، فكان فيها أكثر من عشرين ألف، وكان ملكاً خاصاً للخليفة كل منها يؤجر بعشرة دنانير وليس فيها من تقل أجرته عن دينارين. ويشير خسرو إلى مصر والفسطاط وتميزها بتوافر جميع وسائل الحياة فيها وجميع ما هو جيد وجميل، وأن أسواقها مملوءة بكل ما في العالم من المنتجات حتى النادرة منها والثمينة، فهي تفيض بالبضائع التي تأتيها من جميع أنحاء العالم..» (8).
الأزهـــر
وضع حجر الأساس لجامع الأزهر، في الرابع والعشرين من جمادى الأولى سنة 359هـ، وأقيمت أول صلاة فيه في رمضان عام 361هـ. وقد اختلف في سبب تسميته بالأزهر.. (9).
وكان الهدف من إنشاء هذا الجامع هو أن يكون مركزاً لبث علوم آل البيت وإعداد الدعاة، ولم يكن في القاهرة يومئذ مسجد سواه.. (10).
واتسع نشاط الأزهر، في عصر الخلفاء الفاطميين، وجذب نحوه الكثير من طلاب العلم من مختلف أقطار المسلمين. وتم تزويده بجميع الكتب والموارد التي تعينه على أداء رسالته..
________________________________________
(8)ظهور خلافة الفاطميين وسقوطها في مصر ط القاهرة. وقال أيضاً: «إن مصر، في ظل حكمهم، أخذت تتبوأ مكانتها المرموقة في الشرق الإسلامي. فلأول مرة منذ الفتح العربي، بل منذ حكم الفراعنة، أصبحت مصر مركزاً لامبراطورية كبرى، بعد أن كانت مجرد ولاية تابعة للخلفاء في الحجاز أو الشام أو العراق، ومن قبل جزءاً من امبراطورية اليونان أو الرومان أو الروم، وكان ظهور مصر القوية المستقلة على المسرح الدولي بفضل الفاطميين، معناه، كما هي الحال في معظم أدوار تاريخها، تميزها وزعامتها لجيرانها. وقد بقيت مصر حتى بعد سقوط الفاطميين المحرك للسياسة الإسلامية إلى وقت مجيء الأتراك العثمانيين، فالخلافة الفاطمية نبهت إلى مركز مصر المرموق في العالم الإسلامي». انظر: مقدمة المرجع نفسه. وانظر: مؤلفات الدكتور ماجد الخاصة بالفاطميين طبع القاهرة.
(9)كان يطلق على هذا المسجد الجديد، بداية، جامع القاهرة، ثم أطلق عليه اسم الجامع الأزهر. وقيل: سمِّي بالأزهر لأنه كان محاطاً بقصور زاهرة، ولأنه كان فخماً. والراجح أن أصل التسمية يعود إلى السيدة فاطمة الزهراء.
(10)كان في خارج حدود القاهرة من الجهة الجنوبية المسجد العتيق الذي أطلق عليه جامع الفسطاط، وقد أقيم في الموضع الذي نزل فيه عمرو بن العاص حين دخل مصر.

[الصفحة - 156]


وأصبح الأزهر علامة من علامات مصر غير المسبوقة ورمزاً من رموزها البارزة في ميدان الدين والدعوة، بدايةً من العصر الفاطمي وحتى اليوم.. وهذا من فضل الشيعة على مصر أن أوجدوا هذه المنارة التي كانت، ولا تزال، تعكس وجه مصر الإسلامي، وتعلي مقامها بين العباد..، وليس من الممكن تصور مدى الخسارة الكبيرة التي كانت سوف تخسرها مصر، على المستوى الإسلامي، لو لم يكن للأزهر وجود على ساحتها.. إن الدول السّنية المتعصِّبة التي حكمت مصر، بعد إسقاط الفاطميين، وجعلت منها دولة تابعة بعد أن كانت في ظل الشيعة متبوعة، هذه الدول لم تستطع أن تعوض مصر عن فقدان الأزهر أو توجد بديلًا له.. (11).
وبداية، من العصر المملوكي، أصبح الأزهر مركزاً للمذاهب الأربعة، واستقطب طلاب العلم من التُّرك والهنود والكرد والشوام والعرب وغيرهم.. ومع العصر التركي العثماني، ظهرت فكرة شيخ الإسلام الذي تولى أمر تعيينه الوالي العثماني المعيَّن من قبل الخليفة في الآستانة.
وكانت تحدث، على الدوام، صراعات وحوادث واضطرابات داخل الأزهر بين أتباع المذاهب الأربعة بسبب التنافس على منصب المشيخة الذي كان لنفوذ الباشوات أثر كبير في الحصول عليه..
وكان منصب المشيخة يتقلَّب عادة بين أصحاب المذاهب الأربعة..
وأوَّل من تسلم مشيخة الأزهر كان مالكياً، وهو الشيخ محمد الخرش (ت 1101هـ/ 1690م). ثم تلاه الشيخ ابراهيم البرقاوي الشافعي، من عام 1101هـ إلى عام 1106هـ، وتلاه الشيخ محمد النشري المالكي من عام 1106هـ إلى 1120هـ..
واستمر منصب المشيخة في قبضة المالكية حتى عام 1137هـ؛ حيث تولَّى أمر المشيخة الشيخ عبد الله الشبراوي الشافعي، واستمرت في قبضة الشافعية حتى عام 1190هـ، وهو العام الذي عُطلت فيه المشيخة بسبب الصدام الذي وقع بين الأحناف والشافعية. وعادت مرة أخرى إلى الشافعية بعد عامين، واستمرت معهم حتى عام 1263هـ؛ حيث حدثت اضطرابات أخرى، فتعطل أمر التعيين وبقي الأزهر بلا شيخ.. ثم عادت المشيخة للأحناف حتى عام 1317هـ. ورُدَّت إلى
________________________________________
(11)أغلق الجامع الأزهر بعد سقوط الفاطميين لمدة قرن من الزمان، ولم يفتح إلا في عصر الظاهر بيبرس المملوكي. وقيل: إنّه تم إحراق عدد من علماء الشيعة في صحنه على يد الأيوبيين. انظر: تاريخ الأزهر، وأتلف ما فيه من الكتب. ويذكر أن فقهاء المذاهب اختلفوا في صحة إقامة الصلاة فيه.

[الصفحة - 157]


المالكية في العام نفسه، ثم استمرت المشيخة تتقلب بين أصحاب المذاهب حتى عصرنا الحاضر..
وقد انقطعت علاقة الأزهر بالشيعة بعد سقوط الدولة الفاطمية، وفرضت المذاهب التي هيمنت عليه حالة من التعصُّب انعكست على موقفه تجاه الشيعة طوال العصرين: المملوكي والعثماني..
وحين وصل السيد جمال الدين الأفغاني إلى مصر احتفل به عدد من رجال الأزهر وتلاميذه؛ فبثَّ فيهم روح الوعي والنهضة والإصلاح..
وقاد تلميذه محمد عبده حركة الإصلاح التي بعثت الأزهر من مرقده، وأسهمت في تطويره.
المراقـــد
جذبت مصر الكثير من الرموز الشيعية، من أبناء الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) ، وغيرهم، بدايةً من عهد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) .
وأصبحت لهذه الرموز مراقد شهيرة في مصر، تهفو إليها قلوب المصريين في كل مكان، وتعكف من حولها جموع الشعب وتحيي ذكراها..
ولقد أسهمت هذه المراقد، بدور كبير، في تحقيق السكينة والطمأنينة والاستقرار العقدي للواقع المصري؛ ذلك الاستقرار الذي شكل حصانة لأفراد الشعب ضد الأفكار والعقائد الضالة الزائغة التي تحاول اختراق مصر.. (12).
ومن جهة أخرى، أسهمت هذه المراقد في تحقيق حركة انتعاش اقتصادي لأفراد الشعب؛ حيث أقيمت أحياء وأسواق ومنافع للناس دائمة ببركات هذه المراقد التي لا تنقطع على المستويين الروحي والمادي..
إن هذه المراقد هي التي حفظت قيمة آل البيت ومكانتهم في نفوس المصريين، وحالت دون انحرافهم عن حبِّهم وموالاتهم، وأفشلت مؤامرات الأيوبيين وغيرهم التي حاولت طمس صورة آل البيت وعزل الناس عنهم.
________________________________________
(12)انظر: الحركة الإسلامية في مصر. وانظر فصل أعيان الشيعة في كتاب الشيعة في مصر.

[الصفحة - 158]


وليس بعد هذا الفضل من فضل على مصر وأهلها..
ويعدّ حي الحسين، في القاهرة، والذي قام واتسع وأخذ قيمة معنوية واجتماعية واقتصادية كبيرة بفضل وجود رأس الإمام الحسين (عليه السلام) ، من أشهر أحياء القاهرة وأشدها جذباً للمصريين من جميع المحافظات. فلا يوجد فرد من أفراد الشعب تطأ قدمه أرض القاهرة إلا ويهرع نحو الحسين، ليزور مرقده ملتمساً بركته، مستأنساً به.
وفي مواجهة حي الحسين، يوجد حي الأزهر الذي قام ونهض على أساس الجامع الأزهر، واكتسب قيمة اقتصادية كبيرة بفضل حي الحسين.. ثم حي السيدة زينب الذي نشأ حول مرقدها، وتضخم واتسع واكتسب أيضاً قيمة اقتصادية كبيرة لا تقل عن حي الأزهر، لكنها تقل عن حي الحسين الذي أصبح الحي السياحي الأول في القاهرة الذي يجد المصريون متعة كبيرة في السياحة فيه والسمر في ظلاله والاستئناس إلى جواره..
ويلي هذه الأحياء حي السيدة نفيسة وحي السيدة سكينة، ثم حي زينهم المنسوب لزين العابدين، والذي يحوي رأس زيد بن علي..
وهذه الأحياء المتجاورة تشكِّل أساس القاهرة، وجميع الأحياء الأخرى هي طارئة عليها، فالقاهرة شيعية الأساس والمنبع والروح. وهذه الأحياء التي تحقق المنافع للناس اليوم إنما تدل على أن فضل الشيعة على مصر قائم وموصول بلا انقطاع..
وإذا ما نظرنا إلى هذه القرية الصغيرة المغمورة، في وسط الدلتا، بشمال مصر، التي لم يكن لها ذكر، ورأينا كيف أصبحت بعد استقرار السيد البدوي الحسيني فيها، لتبيِّن لنا أنها تحولت إلى محافظة كبيرة، اسمها الغربية عاصمتها مدينة طنطا التي تحوي مرقده، وتحولت إلى مركز الدلتا وقاعدتها الاقتصادية..
وكذلك تحولت الكثير من مدن مصر وقراها اجتماعياً واقتصادياً بسبب ارتباطها برموز الشيعة من أبناء الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) .. (13).
________________________________________
(13)مثل ابراهيم الدسوقي الذي قامت به مدينة دسوق عاصمة محافظة كفر الشيخ. وعبد الرحيم القناوي بمدينة قنا بصعيد مصر والتي تحولت إلى محافظة والمرسي أبو العباس بالاسكندرية وغيرهم كثير.

[الصفحة - 159]


الشَّافعـــي
وصل الشافعي إلى مصر في عام 199هـ، واستقر فيها حتى وفاته عام 204هـ. وكان، طوال هذه المدَّة، على صلة وثيقة بالسيدة نفيسة، ينهل من علمها ويلتمس بركتها وقبولها، حتى أنه حين وفاته جاؤوا بجثمانه إليها لتصلي عليه قبل أن يواروه التراب.. (14).
وقد نقل الشافعي مصر نقلة كبيرة، في عالم الفقه والرواية، ولم يسبقه إلى ذلك أحد من الساحة المصرية؛ وذلك لما كان يتمتع به من عقل وعلم وخلق ونسب أيضاً.. (15).
وأصبحت مصر، على يد الشافعي، قبلة الفقهاء وطلَّاب العلم في زمانه؛ حيث بلغت شهرته الآفاق، وقصده طلَّاب العلم من اليمن والشام والعراق وغيرها من أقطار المسلمين.. وطوال مسيرة الشافعي العلمية، تعرَّض لعدة مؤامرات.
روي، في أحداث عام 184هـ، أنَّ الشافعي حُمِل إلى بغداد مكبَّلًا بالأغلال مع تسعة من العلويين اتُّهموا بالتشيع، وحكم الرشيد بقتلهم جميعاً عدا الشافعي الذي ناظر الرشيد وتمكَّن من إقناعه بدفع التهمة عنه.. (16).
ويعدّ أصحاب السِّيَر الشَّافعي من أقارب الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) ويصفونه بابن عم الرسول، فهو هاشمي مطَّلبي قرشي، ونسبه كاملًا هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف.. (17).
وتهمة التشيُّع التصقت بالشافعي طوال مسيرته، وكانت مسوِّغاً لخصومه والمتربِّصين به لمحاولة النيل منه وضربه عن طريق الإيقاع بينه وبين الحكَّام..
من هنا رُمي الشافعي بالرفض، وردَّ على ذلك شعراً بقوله:
إن كان رفضاً حبُّ آل محمد فليشهد الثقلان أنِّي رافضي(18)
وقال الشافعي في الإمام علي (عليه السلام) : كان فيه أربع خصال، لا تكون خصلة واحدة للإنسان إلا يحق له ألَّا يبالي بأحدٍ:
________________________________________
(14)أقام الشافعي في مصر قرابة الخمس سنوات من عام 199هـ إلى عام 204هـ. وقد ظل مذهب الشافعي مزدهراً في مصر حتى العصر الفاطمي، والتصاق الشافعي بالسيدة نفيسة دليل على موالاته لآل البيت.
(15)أسس الشافعي في مصر مذهبه الجديد وأملى على تلاميذه فيها كتابه الأم.
(16)انظر: كتب التاريخ أحداث عام 184هـ. وانظر الشافعي لأبي زهرة وعبد الحليم الجندي طبع القاهرة. وانظر وفيات الأعيان لابن خلكان، ح1/566. وصفة الصفوة لابن الجوزي، حـ2/142، ومناقب الشافعي للرازي.
(17)انظر: المراجع السابقة.
(18)انظر: المراجع السابقة. وانظر: ديوان الشافعي، والثقلان أي الإنس والجن. والرافضة اسم التصق بالشيعة، وهو، في الأصل، اسم لفرقة رفضت بعض ما ذهب إليه زيد بن علي عندما ثار على الأمويِّين.

[الصفحة - 160]


إنه كان زاهداً، والزاهد لا يبالي بالدنيا وأهلها.
وكان عالماً، والعالم لا يبالي بأحد..
وكان شجاعاً، والشجاع لا يبالي بأحد..
وكان شريفاً، والشريف لا يبالي بأحد.. (19).
جمال الدين الأفغاني
ومن فضل الشِّيعة على مصر أن تشرَّفت بزيارة السيد الأفغاني وإقامته فيها مدَّةً من الزمن، وهو رمز من رموز الشيعة في عصره.. (20).
ولقد أدَّى الأفغاني دوراً بالغ الأهمية في الواقع المصري آنذاك، كانت له آثاره الواقعية والمستقبلية على جميع المستويات..، على المستوى الثقافي..، وعلى المستوى الاجتماعي..، وعلى المستوى السياسي..
إن المتأمِّل، في حركة الأفغاني، يكتشف الدّور العظيم الذي أدَّاه وآثاره على مصر والمصريين، فقد بعث العقل الإسلامي من رقدته، وأحيا الأمل في النفوس بعد أن سيطر اليأس على الجميع، وتمكَّن من خلق كثير من الرموز التي أسهمت في نهضة مصر وتطورها على المستوى الثقافي والاجتماعي والسياسي، الأمر الذي دفع بالسلطة وأصحاب النفوذ والمصالح، من المصريين والأجانب، إلى أن يقرِّروا إبعاده عن مصر.. (21) وعلى رأس تلاميذ الأفغاني والرموز الكبرى التي تأثَّرت بحركته الشيخ محمد عبده، أحد كبار رجال الإصلاح والتجديد في مصر.. (22).
إن كثيراً مما تتمتع به مصر، من قيمة ووزن ودور، ولا تزال تتمتع به، إنَّما هو من بركات الشيعة عليها.
قاتل الله السياسة التي دفعت بالحكَّام إلى محاربة الشيعة واستئصالهم من مصر، وهم أهل فضل لا ينكر.
________________________________________
(19)انظر: المراجع الخاصة بسيرة الشافعي.
(20)أقام الأفغاني، في مصر، في الفترة ما بين عام 1871م وعام 1879م.
(21)اجتمع مجلس الوزراء آنذاك في عهد الخديوي توفيق وقرر إبعاد الأفغاني من مصر.
(22)قام الشيخ محمد عبده بدور كبير في إصلاح الأزهر ونهوضه، ودفع بالحكومة إلى الاهتمام به ورعايته، وكان قبل ذلك مهملًا بلا إدارة أو ميزانية ثابتة. وكان الأفغاني قد أسس حزباً في مصر اسمه «الحزب الوطني الحر» كان على صلة به محمد توفيق ابن الخديوي اسماعيل، وكان له دوره في إقالة الخديوي إسماعيل وتعيين ولده توفيق مكانه. قال الشيخ محمد عبده: أخذ الشيخ جمال الدين في حمل من يحضر مجلسه، من أهل العلم وأرباب الأقلام، على التحرير وإنشاء الفصول الأدبية والعلمية في موضوعات مختلفة لا تخرج جامعتها عن إصلاح الأفكار وتهذيب الأخلاق.. فتسابق إلى ذلك الكتاب، وتبارت الأقلام، وأخذت الحرية الفكرية تظهر في الجرائد إلى درجة يظن الناظر فيها أنه في عالم الخيال. أو في أرض غير هذه الأرض، ومن يطلع على أعداد جريدة مصر وجريدة التجارة وجريدة مرآة الشرق والأهرام وصداها يعرف حقيقة ما ذكرنا. انظر: مذكرات الإمام محمد عبده، طبع دار الهلال، القاهرة، وزعماء الإصلاح في العصر الحديث لأحمد أمين.

[الصفحة - 161]