البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

نهج الإمام علي (عليه السلام) في الحكم ودوره في تشكيل مسار الخلافة الرَّاشدة

الباحث :  أ. د. عبد المجيد زراقط
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  32
السنة :  السنة الثامنة شتاء 1424هجـ 2004 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 16 / 2015
عدد زيارات البحث :  1214
نهج الإمام علي (عليه السلام) في الحكم
ودوره في تشكيل مسار الخلافة الرَّاشدة

أ. د. عبد المجيد زراقط(*)

السُّؤال: لم كانت «قريش» (1) معاديةً للإمام علي (عليه السلام) !؟
ثمَّة سؤال طُرح من قبل، ولا يزال يُطرح اليوم، من دون أن يلقى إجابةً حاسمة، وهو: لماذا وقف القرشيّون بخاصَّة، ومالكو الثَّروة بعامَّة، موقفاً معادياً للإمام علي (عليه السلام) ، وعملوا جهدهم من أجل الحيلولة دون تولِّيه الخلافة، على الرّغم من معرفتهم بموقعه من النَّبي (صلي الله عليه و آله و سلم) ودوره في التَّاريخ الإسلامي، وبأهليّته لها وصيَّةً وكفاءة؟
أثيرت هذه المسألة في زمن معاصريها، فعجب المقداد بن الأسود ممَّا أوتيه أهل البيت، فقال: «ما رأيت مثل ما أوتي إلى أهل هذا البيت بعد نبيِّهم! إنِّي لأعجب من قريش أنَّهم تركوا رجلًا ما أقول أن أحداً أعلم ولا أقضى منه بالعدل!»، وتمنَّى أن يجد أعواناً، فأضاف: «أما، والله، لو أجد عليه أعواناً!» (2).
وتثار حديثاً، فقد لاحظ المستشرق نيكيتيا أليسييف أن القرشيِّين كانوا مصرِّين على تقليد الخلافة لواحدٍ منهم على أن يكون الأكثر حزماً في مواجهة أسرة النبي (علي وذويه)» (3).
وفي ما يأتي نحاول أن نتلمَّس إجابةً من خلال استقراء الوقائع التَّاريخيَّة.
________________________________________
(*)قاص، أستاذ في الجامعة اللبنانيَّة
(1)تعني «قريش»، هنا، ذلك الملأ منها الذي يعنيه الخليفة عمر بن الخطاب بقوله: «والله لا تجتمع عليه قريش أبداً».
(2)أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، تاريخ الأمم والملوك، القاهرة: المطبعة الحسنيَّة المصريَّة، ط1، مجلد2، ج5، ص 37 و38.
(3)نيكيتيا أليسييف، الشرق الإسلامي في العصر الوسيط، ترجمة منصور أبو الحسن، بيروت: الكتاب الحديث، 1986، ص 93.

[الصفحة - 86]


معرفة «قريش» حقّ الإمام علي (عليه السلام)
تفيد هذه الوقائع أن القرشيِّين كانوا يعرفون حق الإمام علي كما يعرفه المقداد، فنقرأ في هذه الوقائع أن عبد الرحمن بن عوف قال للإمام علي (عليه السلام) ، في أثناء مداولات «شورى الستّة»: «إنَّك تقول: إني أحقُّ من حَضَر بالأمر لقرابتك وسابقتك وحسن أثرك في الدِّين، ولم تُبْعِد» (4).
وتفيد هذه الوقائع، أيضاً، أنّهم كانوا يعرفون طبيعة ما يفعلونه، وهو «ابتزاز الحق»، على حدّ تعبير معاوية بن أبي سفيان، في رسالته لمحمد بن أبي بكر عندما كتب إلى هذا الأخير، فقال: «... وقد كنَّا، وأبوك معنا، في حياة من نبيِّنا (صلي الله عليه و آله و سلم) ، نرى حقّ ابن أبي طالب لازماً لنا، وفضله مبرِّزاً علينا، فلما اختار الله لنبيِّه (صلي الله عليه و آله و سلم) ما عنده، وأتمَّ له ما وعده، وأظهر دعوته، وأفلج حجَّته، قبضه الله إليه، فكان أبوك وفاروقه أوَّل من ابتزّه وخالفه. على ذلك اتَّفقا واتَّسقا... فإن يكن ما نحن فيه صواباً فأبوك أوَّله، وإن يك جَوراً فأبوك أسَّسه، ونحن شركاؤه، وبهديه أخذنا، وبفعله اقتدينا...» (5).
يقرّ معاوية بـ «أنَّنا كنَّا نرى أنَّ حق ابن أبي طالب لازم لنا وفضله مبرِّزاً علينا..»، فما هو هذا الحق؟ نرى أنه كان يشير، من دون أن يصرِّح، إلى النّصوص النبويَّة التي تقرّ هذا الحق، وهي الأحاديث النبويَّة المعروفة: «من كنت مولاه فعليٌّ مولاه»؛ «إنَّ عليّاً منِّي وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي»؛ «إن هذا أخي ووصيِّي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا»؛ «حديث الثقلين»؛ «أنت منِّي بمنزلة هارون من موسى»؛ «يكون بعدي اثنا عشر خليفة كلهم من قريش» (6).
وإن كان معاوية لم يصرِّح بطبيعة هذا الحق وأصوله، فإن الخليفة عمر بن الخطاب قد أشار في حديث له مع عبد الله بن عباس إلى ذلك عندما قال مرّةً: «لقد كان في رسول الله من أمره ذروٌ (طرف) من قول...»، ومرَّة أخرى: «لقد كان النبي يربع في أمره وقتاً ما، ولقد أراد في مرضه أن يصرِّح باسمه، فمنعت من ذلك، إشفاقاً وحيطةً على الإسلام! ورب هذه البنيَّة لا تجتمع عليه قريش أبداً (7).
________________________________________
(4)الطبري، م.س، 5/36.
(5)نصر بن مزاحم المنقري، وقعة صفين، تحقيق وشرح: عبد السلام هارون، قم: مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي، ط2، 1382هـ، ص 120.
(6)راجع: صائب عبد الحميد، مسار الإسلام بعد الرسول...، تأريخ الإسلام الثقافي والسياسي، بيروت: الغدير، ص 164 ـ 174، وفيه نص الأحاديث وتوثيق لها.
(7)ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة: دار إحياء الكتب العربيَّة، 12/21.

[الصفحة - 87]


وفي حوار السيِّدة أم سَلَمة والسيِّدة عائشة، تقرّ الثانية أن النبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم) أجابها عندما سألته: من كنت مستخلفاً عليهم؟
ـ «خاصف النَّعل»،
فنظرت فلم تر سوى عليّ بن أبي طالب، فقال لها الرسول: «هو ذاك» (8).
وأقرَّ سعد بن عبادة، فذكر نصّاً يوجب ولاية الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، فقال له ابنه قيس: «أنت سمعت رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) يقول هذا الكلام في علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، ثم تطلب الخلافة، ويقول أصحابك: منّا أمير ومنكم أمير!؟ لا كلمتك والله من رأسي بعد هذا كلمة أبداً» (9).
وهكذا نرى أن القرشيِّين والمسلمين الآخرين كانوا يعرفون حق عليٍّ (عليه السلام) وفضله، لكنَّ القرشيّين ابتزُّوا هذا الحق، وسوَّغ الخليفة عمر ذلك بقوله: «إشفاقاً وحيطةً على الإسلام!»، لأن قريشاً لا تجتمع عليه أبداً. فقريش إذاً هي صاحبة القرار، وقد قرَّر الخليفة أبو بكر ذلك، فقال في اجتماع السقيفة: «إن العرب لا تعرف هذا الأمر إلَّا لهذا الحيِّ من قريش» (10)، وهي لا تجتمع على عليِّ (عليه السلام) ، فلم كان هذان الأمران؟
أسباب لها نصيبٌ من الصحَّة
في حديث دار بين ابن عباس والخليفة عمر بن الخطاب قال الخليفة: «ما أظنهم منعهم عنه إلَّا أنَّه استصغره قومه»، فقال ابن عباس: «والله ما استصغره الله حين أمره أن يأخذ براءة من صاحبك»(11)! وفي قول آخر جاء: «إن ولي عليكم بنو هاشم لم تخرج منهم أبداً، وما كانت في غيرهم من قريش تداولتموها بينكم» (12). وفي قول ثالث جاء: إنَّه وتر القرشيين، وفي قول رابع جاء في حديث بين الخليفة عمر بن الخطاب وابن عباس ما يأتي: قال الخليفة: «كرهوا [قومكم] أن يجمعوا لكم النبوَّة والخلافة فَتَبْجَحُوا على قومكم بَجْحاً بَجْحاً، فاختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفِّقت». فقال ابن عباس: «أمَّا قولك، يا أمير المؤمنين، اختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفّقت، فلو أن قريشاً اختارت لأنفسها حيث اختار الله عز وجل
________________________________________
(8)م.ن.، 6/217 و218، ابن أعثم الكوفي، الفتوح، بيروت: دار الكتب العلميَّة، 1406هـ، 1/456. عمر رضا كحالة، أعلام النساء في عالمي العرب والإسلام، مؤسسة الرسالة، 1991م، 3/38.
(9)شرح نهج البلاغة، م.س، 6/44.
(10)الطبري، بيروت: دار الأعلمي، 2/446.
(11)شرح نهج البلاغة، م.س، 6/45، 12/46.
(12)الطبري، المطبعة الحسنيَّة، م.س.، 5/38.

[الصفحة - 88]


لها لكان الصَّواب بيدها غير مردود ولا محسود، وأما قولك إنهم كرهوا أن تكون لنا النبوَّة والخلافة، فإن الله عز وجل وصف قوماً بالكراهية فقال: {ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم}[محمد/9]». فقال الخليفة: «بلغني أنك تقول: إنما صرفوها عنَّا حسداً وظلماً». فقال ابن عبَّاس: أمّا قولك، يا أمير المؤمنين ظلماً فقد تبيَّن للجاهل والحليم، وأما قولك حسداً فإن إبليس حسد آدم فنحن ولده». فقال الخليفة: «هيهات أبت، والله، قلوبكم يا بني هاشم إلَّا حسداً ما يحول وغشاً وضغناً ما يزول»، فقال ابن عباس: «مهلًا، يا أمير المؤمنين، لا تصب قلوب قومٍ أذهب الله عنهم الرِّجس وطهَّرهم تطهيراً...» (13).
في سبيل البحث عن العامل الأساس
قد يكون، في هذه الأسباب: حداثة السنّ ووتر القرشيِّين والرَّغبة عن أن تجتمع النبوَّة والخلافة في بني هاشم، والخوف من استئثار بني هاشم بالخلافة إن صارت إليهم، نصيب من الصحَّة، ولكنَّ أيّاً منها لا يرقى لأن يمثل عاملًا أساساً في تشكيل المسار التَّاريخي للمرحلة التأسيسيَّة في التاريخ الإسلامي، ما يقتضي أن نبحث في الوقائع عن العامل الأساس الذي حكم تَشَكُّلها في مسارها المعروف.
في ما سبق تبيَّن لنا أن قريشاً كانت صاحبة القرار، وأنَّ الخليفة عمر أقسم أنها لا تجتمع على علي (عليه السلام) ، وإشفاقاً وحيطةً منه على الإسلام، كما قال، منع أن يصرِّح النبيِّ (صلي الله عليه و آله و سلم) باسمه، في إشارة منه إلى ما سمَّاه ابن عباس «يوم الرزيَّة» عندما قال: «الرزيَّة كل الرزيّة ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب»، فقد قال النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) ، في مرضه قبيل وفاته: «ائتوني أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا به بعدي أبداً»، فقال الخليفة عمر: «إن رسول الله قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله!» (14)، فما الذي يجعل من قريش صاحبة القرار؟ ولم كان قرارها عدم الاجتماع على علي (عليه السلام) ؟ ولم كان قرارها دافعاً إلى إشفاق الخليفة عمر على الإسلام فبادر إلى منع التصريح بالاسم، ثم أكمل مبادرته فأسهم هو وآخرون، منهم أبو بكر وأبو عبيدة بن الجراح، في عدم سير جيش أسامة إلى تنفيذ المهمَّة التي كلَّفه بها النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) ، وفي إتمام بيعة السقيفة؟
________________________________________
(13)م.ن.، 5/31 و32.
(14)م.ن.، دار الأعلمي، 2/64، ابن الأثير، الكامل في التاريخ، بيروت: دار صادر، 1982، 2/32.

[الصفحة - 89]


تقتضي الإجابة عن هذه الأسئلة معرفة أمرين: أوَّلهما موقع قريش في النِّظام الاجتماعي ورؤيتها إلى ما ينبغي أن يكون عليه حكمه، وثانيهما نهج الإمام علي (عليه السلام) في بناء هذا النِّظام وحكمه ومعرفة أي ثنائيّةٍ يشكل هذان الأمران، أي معرفة طبيعة العلاقة التي نشأت بينهما.
في سبيل بيان الأمرين والعلاقة التي نشأت بينهما يمكن القول، وبإيجاز:
موقع قريش في النظام الاجتماعي ورؤيتها..
تفيد المعطيات التَّاريخيَّة أن قريشاً تجمّع من خمسة وعشرين بطناً (15) ورث عرب المحطَّات التجاريَّة المقضيّ عليها كالبتراء وتدمر، وورث الخطَّ النبطي الذي استخدم في الكتابة؛ الأمر الذي ساعد على نموّ التجارة وتطوّر اللغة وتوحيدها، وورث نظام آلهةٍ ومهارة تجاريَّة...، إضافةً إلى موقع حصين لا يمكن أن يحدث له ما حدث للمحطَّات التجارية التي سبقته... هذه العوامل مجتمعة مكَّنت القرشيِّين من احتكار التجارة البرِّيَّة ومن إقامة علاقات تجاريَّة بحرية مع الحبشة، وأكثر ما استفادوا منه، واستغلّوه لدرجة أنهم كانوا يربحون للدينار ديناراً حاجة الرّوم الماسَّة إلى تجارتهم. وقد تمكَّنوا، وبخاصَّة بعد أن عقدوا معاهدات مع مختلف القوى السِّياسيَّة التي كانت قائمة آنذاك، بما في ذلك القبائل العربيَّة القادرة على تهديد طريق القوافل، من تنظيم تجارتهم بشكل ممتاز، فمثَّلوا دور الوسيط التجاري بين عالمين: الأوروبي والآسيوي ـ الأفريقي، وهو وسيطٌ ماهر قدَّم له الروم أسواقاً تجاريَّة كالقلزم في مصر وغزة في فلسطين وبصرى في الشام، كما أنَّهم اتفقوا مع القبائل العربيَّة الأخرى على أشهر يُحرَّم فيها القتال، وتقام فيها الأسواق التجاريَّة والأدبيَّة في مناطق عديدة من شبه الجزيرة العربيَّة، مثل دومة الجندل وهجر وعمان وحضرموت فعدن وصنعاء، وكانوا ينتهون من هذه الأسواق إلى عكاظ في الأشهر الحرم (16).
وكان الحجّ إلى مكة مصدراً آخر للرزق وفرض السيادة؛ إذ كسبوا به اعتراف العرب بمكة عاصمة دينيَّة لهم إضافة إلى كونها عاصمة اقتصاديَّة.
وقد فرض هذا سيادة التجار الأغنياء من قريش، مالكي الثروة والعبيد وزمام
________________________________________
(15)راجع لمعرفة هذه البطون: المسعودي، مروج الذهب ومعادن الجوهر، بيروت: الجامعة اللبنانية، 1970، 3/8.
(16)راجع: جرجي زيدان، تاريخ التمدن الإسلامي، 3/33.

[الصفحة - 90]


تسويق البضائع، وأوصل مجتمع مكَّة إلى مستوى من الغنى والترف في جانب، ومن الفقر والتقشُّف في جانب آخر، يعبِّر عنهما الخبر الذي يفيد أن عبد الله بن جدعان أرسل ألفي بعير لتجلب له البرّ والسَّمن للفقراء.
فهذا الخبر يدل، من نحو أوَّل، على مستوى من الثراء يتيح لثري واحد أن يتصدَّق بحمولة ألفي بعير من البرّ والسمن، ومن نحوٍ ثانٍ على وجود عدد كبير من الفقراء يحتاج إلى مثل هذه الحمولة، ومن نحوٍ ثالث على وصول التفاوت الطبقي إلى درجة من الحدَّة اضطرَّت هذا الثري إلى إجراء ما يحول دون تطور الأمور إلى صراعٍ يحول دون استمرار النِّظام الاجتماعي القائم وتطوّره.
وبغية توفير شروط الاستقرار والتطوّر عرفت مكَّة ما سمِّي «دار النَّدوة»، وكانت كما يقول المسعودي «للحلّ والعقد»، وإذ بدا أنَّ فئةً من القرشيِّين تعتدي عقدت فئة أخرى ما سمِّي «حلف الفضول»، وهدفه إنصاف المظلوم من الظَّالم، وكان الدَّاعي إليه الزبير بن عبد المطلب بن هاشم، وكان المعتدي العاص بن وائل السَّهمي حليف الأمويين، ووالد عمرو بن العاص، والبطون التي عقدت هذا الحلف هي: بنو هاشم والمطَّلب وزُهرة وتيم والحارث (17). ويرى السيِّد جعفر مرتضى أن هذا الحلف إنَّما كان ضدّ «الأحلاف» الذين أبوا معونة المعتدى عليه: الزّبيدي، والأحلاف هم بنو عبد الدَّار ومخزوم وجمح وسهم وعدي بن كعب (18).
وفي الدَّلالة على طبيعة هذا الحلف، يروى أن النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) أبدى في ما بعد رضاه عنه، وأن الإمام الحسين (عليه السلام) ، عندما ظُلم في عهد معاوية هدَّد بالدَّعوة إلى «حلف الفضول».
نهجان متضادَّان
وهكذا، كما يبدو، كان المجتمع المكِّي في أمسِّ الحاجة إلى نظام مجتمعي، وقد تبلورت فيه فئتان أساسيتان: أولاهما مالكو الثروة والعبيد، وهؤلاء توزَّعوا في اتجاهين رئيسيَّين، أوَّلهما الممثَّل بالعاص بن وائل السهمي، حليف الأمويين، الظالم المعتدي، وثانيهما الممثَّل بالزبير بن عبد المطلب الدَّاعي إلى إنصاف المظلوم ورد الاعتداء، وبعبد الله بن جدعان الذي أطعم الفقراء وكانت داره مكان
________________________________________
(17)المسعودي، م.س.، 1970، 3/9.
(18)السيد جعفر مرتضى، الصحيح من سيرة الأعظم، قم، 1400هـ، 1/97 ـ 108.

[الصفحة - 91]


عقد «حلف الفضول»، وثانيتها الأعبد والحلفاء، وهؤلاء كانوا فقراء مضطهدين يبحثون عن خلاص.
في هذا الواقع جاء النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) يدعو إلى الإسلام وليقيم مجتمع العدالة، فكان الصِّراع مع القرشيِّين، وبخاصَّة أصحاب الاتجاه الأوَّل مريراً. وفي سبيل بيان جانب من جوانب هذا الصِّراع نعود إلى بعض الوقائع ذات الدلالة:
ـ جاء رؤساء قريش إلى النَّبي (صلي الله عليه و آله و سلم) يقولون: «فإن كنت إنما جئت تطلب بهذا الحديث مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت إنما تطلب به الشَّرف فينا فنحن نسوِّدك علينا، وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا...»، فقال لهم: «ما جئت لما ذكرتم...، ولكن الله بعثني إليكم رسولًا، وأنزل عليَّ كتاباً، وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً فبلّغتكم رسالات ربِّي...» (19).
ـ مشى عتبة وشيبة ابنا ربيعة وآخرون من رجالات قريش إلى أبي طالب، وقالوا له: «لو أن ابن أخيك طرد عنا هؤلاء الأعبد والحلفاء كان أعظم له في صدورنا وأطوع له عندنا وأدنى لاتِّباعنا إيَّاه وتصديقه. فذكر ذلك أبو طالب للنبي (صلي الله عليه و آله و سلم) ، فأنزل تعالى الآية الكريمة: {وأنذر به الذين يخافون أن يُحشروا إلى ربِّهم ليس لهم من دونه وليٌّ ولا شفيعٌ لعلهم يتَّقون * ولا تطرد الذين يَدْعُون ربهم بالغَدْوة والعَشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيءٍ وما من حسابك عليهم من شيءٍ فتطردَهُم فتكونَ من الظّالمين} [الأنعام/51 و52] (20) .
ويقول العلَّامة الطباطبائي في تفسير الآية 52: «ظاهر السياق، على ما يؤيِّده ما في الآية التالية:{وكذلك فتنَّا بعضهم ببعض} الخ، أن المشركين من قومه (صلي الله عليه و آله و سلم) اقترحوا عليه أن يطرد عن نفسه الضعفاء المؤمنين به، فنهاه الله تعالى في هذه الآية عن ذلك» (21).
ـ جاء القرشيون إلى العباس عم النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) ، وقالوا له، بلسان صفوان بن أميَّة والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو، أنَّهم يريدون طرد من أطلقوا عليهم اسم «السَّفلة» من صفوف المسلمين، لكن النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) ، أفهمهم حقيقة موقفه من هذا الأمر، وهو موقف الإسلام الذي لا يميِّز بين مسلم وآخر إلَّا بالتَّقوى.
________________________________________
(19)ابن هشام، السيرة النبويَّة، بيروت: دار الكتب العلميَّة، 1/295 و296.
(20)أمالي اليزيدي، 1/93 عن كتاب «روح المعاني».
(21)العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، قم: جماعة المدرِّسين في الحوزة العلمية، المجلد الرابع، ص 99.

[الصفحة - 92]


تفيد هذه الأخبار، من نحوٍ أوَّل، أن أرستقراطيَّة تكوَّنت في مكّة يمثل الأمويون وأحلافهم نواتها وقادتها، كانت تريد أن تقيم ملكاً يحقّق مصالحها، من دون أن يكون فيه للأعبد والحلفاء، أو لمن أطلقت عليهم اسم «السَّفلة»، موقع ودور ومصالح، ولم يكن ليضيرها أن يكون النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) الملك، شريطة أن يتخلَّى عن أمرين: أولهما رسالته وتعاليمها، وثانيهما المؤمنون به من الأعبد والحلفاء، ومن نحوٍ ثانٍ أن النبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم) بيَّن لهؤلاء الفرق بين الملك والنبوَّة المؤدِّية رسالة الله سبحانه وتعالى، وأكَّد لهم أن هذه الرِّسالة تتضمَّن تعاليم منها عدم التمييز بين مسلم وآخر إلا بالتقوى.
ويفهم من الآية القرآنيَّة أنَّ الناس في مكّة كانوا فئتين: أولاهما «الذين يخافون أن يحشروا إلى ربِّهم» وثانيتهما «الذين يدعون ربَّهم بالغَدوة والعشي يريدون وجهه، والأولى تريد من النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) أن يطرد الثانية، فكان حكم الله سبحانه، أن ينذر النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) هذه الفئة الظَّالمة. وهذان هما النهجان المتضادّان.
استمرار الصراع بين النهجين في الإسلام
استمرَّ الصِّراع بين هذين النهجين إلى أن جاء نصر الله، فالتحق القرشيون طلقاء ومؤلَّفةً قلوبهم بالإسلام منتظرين الفرصة المناسبة لتحقيق أهدافهم.
ويبدو أن مسألة خلافة النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) قد أثيرت عمليّاً، على الأقل، منذ يوم الغدير؛ حيث أعلن النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) وصيّته في هذا الشأن، فبدا أن تلك الفئة من قريش لا تجتمع على الإمام علي (عليه السلام) ، وهذا ما صرَّح به الخليفة عمر بن الخطاب في ما بعد، كما مرَّ بنا، وسوَّغ به تصرُّفه في ذلك اليوم الذي سمَّاه عبد الله بن عباس «يوم الرَّزيَّة». وقد يكون تدبير النَّبي (صلي الله عليه و آله و سلم) المتمثلان بتجهيز جيش أسامة والأمر بتسييره والإصرار على ذلك، ومحاولة كتابة عهد لا يضل المسلمون بعده أبداً معالجةً لهذا الموقف الذي كان واضحاً له، لكن هذين التدبيرين لم يتمَّا لأن تكتُّلًا قام وقرَّر المبادرة لحسم الأمر، وسوَّغ الخليفة عمر بن بن الخطاب ذلك في ما بعد بأنه «إشفاق وحيطة على الإسلام»، وتمَّت بيعة السقيفة استناداً إلى حجَّتين هما: الشورى والقربى، وقد قال فيهما الإمام علي (عليه السلام) :
________________________________________

[الصفحة - 93]


فإن كنتَ بالشُّورى ملكت قلوبهم فكيف بهذا، والمشيرون غُيَّب!؟
وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم فغيرك أولى بالنَّبي وأقرب! (22)
وقد أدرك الإمام علي (عليه السلام) الخطر المحدق بالإسلام، فقال، بعد أن «نظرت قريش لنفسها فاختارت» سواه ثلاث مرات: «بايع الناس لأبي بكر، وأنا والله أولى بالأمر منه، وأحق به منه، فسمعت وأطعت مخافة أن يرجع الناس كفَّاراً يضرب بعضهم رقاب بعض بالسَّيف، ثم بايع الناس عمر وأنا والله أولى بالأمر منه، وأحق به منه، فسمعت وأطعت مخافة أن يرجع الناس كفَّاراً يضرب بعضهم رقاب بعض بالسيف، ثم أنتم تريدون أن تبايعوا عثمان! إذاً أسمع وأطيع» (23)وقال أيضاً: «لقد علمتم أني أحق بها من غيري، ووالله لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين، ولم يكن فيها جور إلَّا علي خاصَّة...» (24).
وتوجَّه إلى الله سبحانه وتعالى فقال: «اللهم، إنِّي أستعديك على قريش ومن أعانهم، فإنهم قطعوا رحمي، وصغّروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي أمراً هو لي...» (25).
طبيعة الصِّراع: قريش تعادي منهجاً وليس شخصاً
إن ذلك الملأ من قريش لم يكن يعادي شخصاً فحسب، وإنَّما كان يعادي نهجاً، فعلى أهميَّة دور موقفهم الشَّخصي من الإمام علي (عليه السلام) بخاصَّة ومن بني هاشم بعامَّة في القيام بما قاموا به، فإنَّهم كانوا يعادون نهجاً، ويعملون على إقصائه عن الحكم، ودليلنا على ذلك أمران:
أوَّلهما اغتيال الخليفة عمر بن الخطَّاب، وثانيهما محاولة الوصول إلى تسوية مع الإمام علي (عليه السلام) بعد أن بويع له بالخلافة تذكِّر بالتسوية التي حاول أسلافهم الوصول إليها مع النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) .
ففي صدد الأمر الأول يمكن القول: إن اغتيال الخليفة الرَّاشدي الثاني قرار/ إجراء سياسي وليس عملًا انتقامياً فردياً كما يفهم من ظاهر الروايات (26)، والأدلَّة على ذلك هي: 1 ـ إن المغيرة بن شعبة هو الذي طلب من الخليفة أن يسمح بدخول
________________________________________
(22)نهج البلاغة، محمد عبده، 3/195.
(23)تاريخ الإسلام الثقافي والسياسي، م.س.، ص 191.
(24)نهج البلاغة، الخطبة 74.
(25)م.ن.، الخطبة 162.
(26)الطبري، المطبعة الحسنيَّة، م.س.، 5/12.

[الصفحة - 94]


غلامه أبي لؤلؤة إلى المدينة، وكان الخليفة لا يسمح بدخول غير المسلمين إليها، 2 ـ إن كعب الأحبار أنذر الخليفة بأنه سيموت قبل ثلاثة أيام من حدوث عملية الاغتيال، وكان في كل يوم يأتيه ليطلب منه أن يعهد بالخلافة، ومعرفة كعب ليست من الكتب كما ادَّعى، فهذا الادّعاء غير مقبول عقلًا، وقد شك فيه الخليفة نفسه، ولا ننسى هنا الموقع الذي اتخذه كعب في ما بعد لدى الخليفة الثالث والدور الذي أدَّاه في الخلاف مع أبي ذر حول مال المسلمين. 3 ـ لم يحقِّق أحد في الجريمة في ما بعد، وخصوصاً بعد أن قتل عبيد الله بن عمر المتهمين. 4 ـ المسؤول المباشر عمَّا احتج عليه أبو لؤلؤة سيِّده المغيرة وليس الخليفة، وكان الأولى، إن كان دافعه الانتقام من ظالمه، أن يقتل الظَّالم نفسه وليس الخليفة. 5 ـ تمَّ قتل الخليفة بعد أن عرف عهده ظاهرة سياسيَّة مفادها الاقتراب من الإمام علي (عليه السلام) ، وبعد أن أعلن أنه سيتبع نهج الإسوة في العطاء، إذ يروى أنه قال: «لئن عشت إلى العام المقبل لألحقن آخر الناس بأوَّلهم حتى يكونوا بياناً واحداً»، أو «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لأخذت فضول أموال الأغنياء، فقسمتها على فقراء المهاجرين» (27).
ويرى السيد هاشم معروف الحسني أن تقريب الإمام علي (عليه السلام) من عمر بن الخطاب مثَّل ظاهرة في سياسته، أدت إلى اغتياله بتدبير من بني أميَّة وتواطؤ المغيرة بن شعبة وكعب الأحبار؛ إذ ظنّوا أنه سيعهد بالخلافة إلى علي (عليه السلام) (28) ، ويروي الطبري ما يدل على صحَّة هذا الظنّ، فقد قال عمر قبل أن ينص على الشورى: «قد كنت أجمعت بعد مقالتي لكم أن أنظر فأولِّي رجلًا أمركم هو أحراكم أن يحملكم على الحق»، وأشار إلى علي، ثم قال: إنَّ غشيةً رهقَتْه، وإنه لا يريد أن يتحمَّلها حيَّاً وميتاً، وعليكم هؤلاء الرّهط، وسمَّى رجال الشورى وحدَّد شروطها (29).
وثانيهما أنَّ قريشاً، وكانت ثروات أبنائها، وبخاصَّة الأمويون منهم، قد عظمت (30)، مشت إلى الإمام علي (عليه السلام) بعدما بويع له بالخلافة في حركةٍ شعبيَّة، تقول: أنت ابن عمِّنا وأولى الناس بالأمر، وإنَّنا نسامحك بالوتر الذي أصابنا منك آنفاً، ويقصدون ما حدث في بدر وسواها، لكنَّنا نريد أن تترك لنا ما أصبنا من ثروة ومناصب، وأن تدع تنفيذ الإسوة في العطاء، هذا إضافةً إلى أن طلحة والزبير طلبا أن يولِّيهما البصرة والكوفة (31). وقد أجاب الإمام علي المتحدِّثين إليه بقوله: أيما
________________________________________
(27)م.ن.، 5/33، أبو عبيد القاسم بن سلام، الأموال، تحقيق محمد هراس، بيروت: دار الفكر، 1988، ص336، ج/651.
(28)هاشم معروف الحسني، سيرة الأئمة الاثني عشر، بيروت: دار التعارف 1986، 1/347.
(29)الطبري، المطبعة الحسنيَّة، م.س.، 5/34.
(30)راجع لمعرفة حجم هذه الثروات: المسعودي، م.س.،
(31)الطبري، المطبعة الحسنيَّة، م.س، 5/153.

[الصفحة - 95]


رجل استجاب لله ورسوله، ودخل في ديننا، واستقبل قبلتنا فقد استوجب حقوق الإسلام وحدوده، فأنتم عبيد الله مثلكم مثل بقيَّة المسلمين. وكان قد اشترط على الذين أصرُّوا على مبايعته: «إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم»، وهم جمهور المسلمين الشاكون مما ابتلوا به من ظلم ذوي القربى(32).
يعيد هذا الموقف موقف النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) من القرشيّين من قبل، وهو موقف/ نهج يمليه الإسلام، وقد حدَّد الإمام علي (عليه السلام) هذا النهج، فقال:
«ألا لا يقولنّ رجال منكم غداً قد غمرتهم الدنيا فاتخذوا العقار وفجَّروا الأنهار وركبوا الخيول الفارهة، واتخذوا الوصائف الروقة، فصار ذلك عليهم عاراً وشناراً إذا ما منعتهم ما كانوا يخوضون فيه، وأصَرْتهم إلى حقوقهم التي يعلمون، فينقمون ذلك ويستنكرون ويقولون: حرمنا ابن أبي طالب حقوقنا» (33).
ثم، في الغد، اعتمد الإسوة في توزيع العطاء، فنقم رجال منهم طلحة والزبير وعبد الله بن عمر وسعيد بن العاص ومروان بن الحكم، فذكَّرهم بكتاب الله وحكمه وبسنَّة رسوله (صلي الله عليه و آله و سلم) ، وأعاد التَّذكير نفسه عندما قال له طلحة والزبير: «إنك جعلت حقَّنا كحقّ غيرنا وسوَّيت بيننا وبين من لا يماثلنا في ما أفاء الله علينا بأسيافنا ورماحنا...» (34).
وقد أدرك أنصار الإمام علي حقيقة هذا النهج، وكانوا يقاتلون وهم يعون تماماً ما يفعلون، فقال عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي: لكن القوم إنما يقاتلون فراراً من الإسوة وحباً للأثرة وظناً بسلطانهم وكرهاً لفراق دنياهم» التي في أيديهم وعلى إحنٍ في أنفسهم» (35). وكان مقاتلو معاوية، أو قادة هؤلاء المقاتلين يعون تماماً ما يفعلون، فقد قال مالك بن هبيرة السكوني: «ليس نقاتل إلا عن عَرَض الدُّنيا»، وقال النعمان بن جبلة التَّنوخي لمعاوية: «... ما وفِّقت لرشدي حين أقاتل على ملكك ابن عم رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) وأوَّل مؤمن به ومهاجر معه...سنقاتل عن تين الغوطة وزيتونها إذ حرمنا أثمار الجنَّة وأنهارها» (36). وقد اختار عمرو بن العاص ما هو خير له في دنياه واعياً ذلك تمام الوعي (37).
وفي بيان نهج الإمام علي (عليه السلام) يقول محمد عمارة: «إن الملأ من قريش
________________________________________
(32)م.ن.، 5/156.
(33)شرح نهج البلاغة، م.س.، 7/37.
(34)م.ن، 7/41 و42.
(35)صفين، م.س، ص 102.
(36)المسعودي، م.س، 3/132.
(37)راجع في تفصيل اتخاذ قراره: صفين، م.س، 35.

[الصفحة - 96]


الذين مالوا بالخلافة عن علي بن أبي طالب كانوا يخشون من عليٍّ نهجاً اجتماعيَّاً ثوريَّاً ومتقدِّماً...» (38).
وعياً من هذا «الملأ» لنهج الإمام علي مال عنه، ووعياً من الفقراء وعشاق العدالة له أيضاً مالوا إليه، فكان الإمام علي (عليه السلام) ، كما يقول محمد عمارة، هو الذي انعقدت عليه آمال الفقراء وأنصار العدل في «استمرار النهج الاجتماعي الذي شهدته شبه الجزيرة العربيَّة على يد دعاة الإسلام، وأيضاً الضمانة الأساسيَّة كي لا يعود ملأ قريش وأغنياؤها للإمساك بالسلطة والسلطان من جديد تحت رايات الدين الجديد وأعلامه» (39).
سعي قريش للإمساك بالسلطان تحت رايات الدين الجديد
يميِّز محمَّد عمارة بين فريقين: أوَّلهما الملأ من قريش وثانيهما الفقراء وأنصار العدل، وقد بقي الفريق الأوَّل، الملأ من قريش، يرى الرؤية نفسها التي سبق بيانها إلى السلطان، وسعى إلى الإمساك به تحت رايات الدِّين الجديد، وقد أتيح لممثليه أن يغدو أصحاب القرار في آونةٍ قصيرة، فقبل بيعة عثمان تولى يزيد بن أبي سفيان قيادة الجيش المتوجِّه إلى دمشق، ثم اءُمِدّ بأخيه معاوية الذي ما لبث أن تفرَّد بالشام، وتولَّى عمرو بن العاص فلسطين ثم مصر، وعتبة بن أبي سفيان كنانة والوليد بن عقبة بن أبي معيط الجزيرة، وذلك في الوقت الذي لم يولَّ فيه أحد من بني هاشم على ولاية، ثم وعندما تولَّى عثمان الخلافة مارس سياسةً مكَّنت الأمويين من الإمساك بحبال السلطان وخزائن الثروات جميعها.
نصٌّ يمثل الواقع السياسي
ويمكن أن نلمس الواقع السِّياسي فضاءً وخطاباً واتجاهات في نص للطَّبري غنيٍّ بدلالاته:
يروي الطبري أن حواراً دار بين عبد الرحمن بن عوف وبين جماعة من المسلمين في أثناء المداولات التي كان يجريها لاختيار خليفة من رجال الشورى الذين عيَّنهم عمر بن الخطاب: «... فقال عمار: إن أردت أن لا يختلف المسلمون
________________________________________
(38)تاريخ الإسلام السياسي والثقافي، م.س، ص 419. ومحمد عمارة، الفكر الاجتماعي لعلي بن أبي طالب، ص 12 و26.
(39)م.ن.

[الصفحة - 97]


فبايع علياً، فقال المقداد بن الأسود: صدق عمَّار، إن بايعت علياً قلنا: سمعنا وأطعنا. قال ابن أبي سرح: إن أردت ألَّا تختلف قريش فبايع عثمان، فقال عبد الله بن أبي ربيعة: صدق، إن بايعت عثمان قلنا سمعنا وأطعنا... فقال عمار: أيها الناس، إن الله عز وجل أكرمنا بنبيِّه وأعزَّنا بدينه فأنى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيِّكم، فقال رجل من بني مخزوم: لقد عَدَوْتَ طورك يا ابن سميَّة، وما أنت وتأمير قريش لأنفسها...»، ثم وخوفاً من أن «يفتتن الناس»، كما قال سعد بن أبي وقاص، بايع عبد الرحمن لعثمان الذي رضي أن يعمل بسيرة الخليفتين مضافةً إلى كتاب الله وسنَّة رسوله، في حين قال علي إنّه يرجو أن يعمل بكتاب الله وسنَّة رسوله بمبلغ علمه وطاقته، ولمَّا بايع عبد الرحمن عثمان قال الإمام علي (عليه السلام) : «حبوته حبو دهر، ليس هذا أوَّل يوم تظاهرتم فيه علينا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون...». فقال المقداد: «أما والله لقد تركته من الذين يقضون بالحق وبه يعدلون...»، وإذ اعتذر عبد الرحمن بأنه اجتهد للمسلمين، أضاف المقداد: «ما رأيت مثل ما أوتي إلى أهل هذا البيت بعد نبيِّهم... أما والله، لو أجد عليه أعواناً»، فقال عبد الرحمن: «يا مقداد، اتق الله فإني خائف عليك الفتنة» (40). ويضيف المسعودي إلى ما سبق أن قاله المقداد قوله: «... أعجب من قريش، وإنَّما تطوّلهم على الناس بفضل أهل هذا البيت، وقد اتفقوا على نزع سلطان رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) بعده من أيديهم، وأيم الله يا عبد الرحمن، لو أجد على قريش أنصاراً لقاتلتهم كقتالي إيَّاهم مع رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) يوم بدر (41).
هذا النَّص، كما قلنا، غنيٌّ بدلالاته، ومنها:
أوَّلًا ـ إن الحوار يدور في فضاء قوامه الخوف من «الفتنة»، كما سُمِّيت، أو في فضاء الصراع الحاد المنذر بأن يغدو قتالًا في حال توافر شروط هذا القتال: الأعوان. ثانياً ـ يدور في هذا الفضاء سؤال يثير العجب والمرارة والأسى عن إصرار قريش على صرف الخلافة عن أهل البيت (عليهم السلام) وتماديها في التظاهر عليهم، على الرغم من تطوّلها على الناس بهم، وفيهم من يقضي بالحق وبه يعدل، وقد بدا لنا أن هذا هو السبب الرئيس في ذلك الإصرار والتمادي. ثالثاً ـ الفريقان واضحان: أوَّلهما قريش التي لا تختلف إن بويع عثمان، وثانيهما جمهور المسلمين الذين لا يختلفون
________________________________________
(40)الطبري، المطبعة الحسنيَّة، م.س، 5/37.
(41)المسعودي، م.س، 3/86 و87.

[الصفحة - 98]


إن بويع علي، رابعاً ـ الفريق الثاني يفتقر إلى الأعوان، ما يعني أنَّ مراكز القوَّة ليست في يده، ولو توافرت لما رضي بما يُفْرَضُ عليه. خامساً ـ يبدو الصراع للطرف الثاني استمراراً للصِّراع بين المسلمين والقرشيين في أيام الإسلام الأولى ـ بدر، وخطاب المخزومي لعمار يكاد يعيد خطاب أسلافه له في بدايات الإسلام في مكّة، سادساً ـ إن الطَّرف الأول (قريش) يرى أن لا علاقة للطرف الثاني (جمهور المسلمين) بمسألة الخلافة، إذ إنها، كما يبدو له، مسألة تأمير قريش لأنفسها، وليست خلافة المسلمين، سابعاً ـ إضافة مصدر آخر إلى مصدري الإسلام، وهما الكتاب والسنَّة، وهو سيرة الخليفتين، وهو ما رفضه الإمام علي (عليه السلام) ؛ إذ ليس من تعاليم الإسلام أن يكون اجتهاد الخليفة سنَّة يشترط اتباعها، وقد كان واضحاً لعبد الرحمن بن عوف أن الإمام عليّاً (عليه السلام) سيرفض الشرط الأخير، ولعلَّه بسبب معرفته هذه اشترطه ليجعل الرَّفض صادراً عن الإمام علي (عليه السلام) . وتفيد بعض الروايات أنَّ عمرو بن العاص قام بدور على صعيد تأكيد ذلك لابن عوف، وقد وصف الإمام علي (عليه السلام) هذا الدور بقوله: «خدعة وأيّما خدعة» (42).
الصِّراع المسلَّح
ولم تلبث سياسة الخليفة عثمان أن هيَّأت شروط الصِّراع المسلَّح وأنضجت ظروفه، فالخليفة الذي تولَّى هذا المنصب بموجب عقد يشترط عليه الالتزام بكتاب الله سبحانه وسنَّة نبيّه (صلي الله عليه و آله و سلم) وسيرة الخليفتين: الأول والثاني غدا يرى أنَّ الخلافة سربال سربله إياه الله (43)، سبحانه، ولذا فهو حرٌّ في تصريف شؤونها وأموالها وولاياتها، فحدث الصدام بينه وبين كثير من المسلمين كأبي ذر وعبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر. وعلى هذا النحو، مضى رجال خلافته وولاته، وكانوا في معظمهم من أقربائه، ومن الطّلقاء أو المؤلَّفة قلوبهم، ورأوا أن الخلافة ملك أفاءه الله سبحانه عليهم، فهذا أبو سفيان يقول: على أثر تولّي قريبه الخلافة: «يا بني أمية، تلقَّفوها تلقف الكرة؛ والذي يحلف به أبو سفيان ما زلت أرجوها لكم ولتصيرَنَّ إلى صبيانكم وراثة» (44)، وهذا معاوية يخاطب من نقموا على الخليفة عثمان سياسته: «وقد بلغني أنكم نقمتم قريشاً، وإن قريشاً لو لم تكن عدتم أذلَّة كما كنتم... والله لتنتهن أو ليبتلينكم الله بمن يسومكم ثم لا يحمدكم على الصَّبر...»، ثم أضاف في حديثه عن
________________________________________
(42)راجع: الطبري، مؤسسة الأعلمي، م.س، 3/302.
(43)ابن الأثير، م.س، 4/371.
(44)المسعودي، م.س، 3/86.

[الصفحة - 99]


قريش: «ثمّ بنى هذا الملك عليهم وجعل هذه الخلافة فيهم» (45). ورأى سعيد بن العاص، والي الكوفة، أن سواد العراق بستان لقريش أو قطين لها، فردَّ عليه مالك بن الحارث النخعي: «أتجعل ما أفاء الله علينا بظلال سيوفنا ومراكز أرماحنا بستاناً لك ولقومك!؟» (46).
وخاطب مروان بن الحكم الوافدين إلى المدينة من الأمصار: «جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا».
وهكذا تبلورت معالم سياسة مفادها: الملك لنا بستانٌ وقد سربلنا إيَّاه الله، ومن يعترض يبتلى بمن يسومه فلا يحمد على الصَّبر.
وقد توقّع الخليفة عمر بن الخطاب أمراً قاله للمغيرة بن شعبة في لجة تنمّ عن تأنيب وتحذير: «يا مغيرة، هل أبصرت بهذه عينك العوراء منذ اءُصيبت؟ أما والله ليعورن بنو أميَّة الإسلام كما أعوِرت عينك هذه، ثم ليعمينَّه حتى لا يدري أين يذهب ولا أين يجيء» (47) .
ويروي الطبري أن الخليفة عمر قال: «ألا وإن قريشاً يريدون أن يتخذوا مال الله معونات دون عباده» (48) «ولم تمض سنة من إمارة عثمان حتى اتخذ رجال من قريش أموالًا في الأمصار وانقطع الناس إليهم» (49) .
وإذ وجد المعترضون أعواناً جاؤوا من الأمصار يحاورون الخليفة، ومن نماذج هذا الحوار ما دار بين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) الذي اجتمع إليه الناس وطلبوا منه أن يتدخَّل، وبين الخليفة عثمان، قال الإمام علي (عليه السلام) : «ضعفت ورفقت على أقاربك! قال الخليفة: هم أقرباؤك أيضاً! قال الإمام علي (عليه السلام) : لعمري إن رحمهم لقريبة، ولكن الفضل في غيرهم...»، فتدخَّل مروان بن الحكم، الرّجل الأقوى في دار الخلافة: «إن شئتم حكَّمنا، والله، بيننا وبينكم السيوف» (50).
وهكذا حُكِّمت السيوف بين الاتجاهين، غير أن معاوية الذي قال للخليفة: «لتُغْتالَنّ أو لتُغْزَين»(51)، ومنَّاه بالنَّجدة، لم يلبِّ دعوته في الوقت المناسب. قال الطبري: «أرسل عثمان إلى معاوية أن ابعث إليّ من قبلك من مقاتلة أهل الشام، فلما جاء الكتاب معاوية تربّص» (52)، وقد قال له محمد بن مسلمة في ما بعد: «أما
________________________________________
(45)الطبري، المطبعة الحسنيَّة، م.س، 5/86.
(46)المسعودي، م.س، 3/80.
(47)شرح نهج البلاغة، م.س، 12/86.
(48)الطبري، المطبعة الحسنيَّة، م.س، 5/134.
(49)م.ن.
(50)راجع تفاصيل الحوار في: م.ن، 5/96 ـ 98.
(51)نفسه، 5/101.
(52)نفسه، 5/115.

[الصفحة - 100]


أنت فلعمري ما طلبت إلَّا الدنيا، ولا اتبعت إلَّا الهوى، فإن تنصر عثمان ميتاً فقد خذلته حيّاً»(53). وقد تربّص معاوية إلى أن يعرف نتيجة الصِّراع في المدينة فخذل الخليفة. وقد أسهم خذلانه هذا في إيصال الأمور إلى ما صارت عليه، وهدفه من ذلك الدُّنيا كما قال ابن مسلمة، والطمع في الملك كما يروي الطبري في وقائع المؤتمر الذي عقده عثمان لعمَّاله سنة 35هـ، فعلى أثر انتهاء المؤتمر رجز الحادي:
«قد علمت ضوامر المطي/ وضُمّرات عوّج القسي/ أنَّ الأمير بعده علي/ وفي الزبير خلف رضي/ وطلحة الحامي لها ولي، فقال كعب، وهو يسير خلف عثمان، الأمير، والله، بعده صاحب البغلة، وأشار إلى معاوية».
ويضيف الطبري في رواية أخرى أن معاوية ما زال «يطمع فيها بعد مقدمه على عثمان حين جمعهم فاجتمعوا إليه في الموسم...» (54).
من التنزيل إلى التأويل
وهكذا كان قتل الخليفة الثالث قتلًا سياسياً أفاد منه معاوية والأمويون وذلك الملأ من قريش، في خروجهم على الخليفة الرابع الذي تمت له بيعة شعبية عامَّة وكان الصراع بين الاتجاهين/ النهجين امتداداً للصراع الذي خاضه رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) ، فهو صراع على التأويل، إذ كان ذلك صراعاً على التنزيل. وتمت نبوءة النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) إذ يروى أنه قال لأصحابه: «إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله، فيتمنى كل منهم أن يكون ذلك الرجل، لكن النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) يقول: لكنّه علي» (55).
كان المقداد قد رأى أن الصراع هو امتداد لمعارك الإسلام الأولى، كما في بدر، كما مرَّ بنا، وها هو عمار بن ياسر يقول في صفين عن راية معاوية: «إن هذه الرَّاية قاتلتها ثلاث عركات، ما هذه بأرشدهن» (56) ويروي المسعودي أن عماراً قال: «أيها الناس، هل من رائحٍ إلى الله تحت العوالي؟ والذي نفسي بيده لنقاتلنّهم على تأويله كما قاتلناهم على تنزيله، وتقدّم يرتجز:
نحن ضربناكم على تنزيله فاليوم نضربكم على تأويله
________________________________________
(53)صفين، م.س، ص 77.
(54)الطبري، المطبعة الحسنيَّة، م.س، 5/100.
(55)فضائل الخمسة من الصحاح والستّة، 2/389، باب إن علياً (عليه السلام) يقاتل على التأويل. وراجع: التاريخ السياسي والثقافي، م.س، ص 179، نقلًا عن مسند أحمد، 3/82، صحيح ابن حبان، 9/46 ح6898، المصنف، ابن أبي شيبة، فضائل علي، ج19، البداية والنهاية، 7/398.
(56)صفين، م.س، ص 340.

[الصفحة - 101]


ضرباً يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله
أو يرجع الحق إلى سبيله(57)
وهكذا تبدو حقيقة هذا النهج جليَّة، فهو نهج الإسلام الممتد من التنزيل إلى التأويل، إلى جعل الحقّ يمضي في سبيله في كل مكانٍ وحين.
وإن يكن البحث عن العامل الأساس في تشكيل المسار التاريخي للمرحلة التأسيسية في التاريخ الإسلامي، قد أفاد، من طريق استقراء الوقائع التاريخية، أنه نهج الإمام علي في الحكم، فمن الطبيعي أن نحاول تبيُّن معالم هذا النهج في ما يأتي:
نهج الإمام علي (عليه السلام) في الحكم
مشروعيته
يتبيَّن ممَّا سبق أنَّ المسلمين كانوا يعلمون حقَّ الإمام علي (عليه السلام) في الخلافة ومشروعيَّة هذا الحقّ: وصيَّة وكفاءة، فعلاوة على ما سبق ذكره مما تضمّنه حديث الخليفة عمر بن الخطاب لعبد الله بن العباس ورسالة معاوية لمحمد بن أبي بكر... يصرِّح الإمام علي نفسه بذلك فيقول، على سبيل المثال في نصٍّ: «أما، والله، لقد تقمَّصها فلان، وإنّه ليعلم أن محلِّي منها محلّ القطب من الرَّحى...» (58)، وفي نصٍّ آخر: «فوالله ما زلت مدفوعاً عن حقِّي، مستأثراً علي منذ قبض الله نبيِّه (صلي الله عليه و آله و سلم) حتى يوم النَّاس هذا» (59). وقد رأى أن الصَّبر على «الطخية العمياء»، وهو يرى «تراثه نهباً»، أحجى من أن يصول «بيد جذَّاء» (60) لسببين أساسيين: أوَّلهما ـ مواجهة الخطر الذي يهدِّد الإسلام، وثانيهما عدم وجود النَّاصر، وإذ توفَّر هذا، واقتضت مصلحة الإسلام أن ينهض فعل ذلك، وممَّا قاله، في هذا الصدد، نذكر على سبيل المثال: «أما والذي فلق الحبَّة وبرأ النَّسمة، لولا حضور الحاضر وقيام الحجّة بوجود النَّاصر، وما أخذ الله على العلماء أن لا يقارُّوا على كظَّة ظالم ولا سغب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أوَّلها، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز» (61) .
________________________________________
(57)المسعودي، م.س، 3/128 و129.
(58)الإمام علي بن أبي طالب، نهج البلاغة، بيروت: مؤسسة الأعلمي، 1413هـ، 1993م، 1/51.
(59)م.ن.، 1/62.
(60)م.ن.، 1/51، طخية: ظلمة وهي مجاز عقلي يفيد أن القائمين بها لا يهتدون إلى الحق، جذَّاء: مقطوعة، وهي مجاز يفيد الافتقار إلى الأعوان.
(61)م.ن.، 1/56، كظّة: التخمة، السغب: شدَّة الجوع. الغارب: الكاهل، عفطة: ما تنشره من أنفها.

[الصفحة - 102]


وكانت قريش تنقم أصل هذه المشروعية، وهو «اختيار الله»، وتحول دون تحققها، وفي إشارة إلى ذلك يقول الإمام علي (عليه السلام) : «والله، ما تنقم منا قريش إلَّا أن الله اختارنا عليهم فأدخلناهم في حيِّزنا...» (62).
طبيعتــه
ويتبيَّن ممَّا سبق أن الإسلام عرف، في أيَّام النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) ، وبخاصَّة بعد فتح مكّة، حيث كثر «الطّلقاء» و «المؤلّفة قلوبهم»، اتجاهين أساسيَّين، متضادّين يمثِّل أوَّلهما القرشيّون ومالكو الثروة وكثير من شيوخ القبائل، ويمثل ثانيهما المسلمون الأتقياء، وكان الصّراع بينهما، قبل فتح مكّة، على التَّنزيل، وبعده على التَّأويل... وإن يكن التكتُّل الذي قاده الخليفة عمر بن الخطاب قد أجَّل الصِّراع المسلَّح «حيطةً وإشفاقاً» على الإسلام، كما قال، فإنَّه مهَّد لأن يصبح الاتجاه الأوَّل أكثر قدرة على إدارة الصراع وحسمه لصالحه، إذ إن ممثِّليه تولَّوا معظم مراكز القرار ومصادر الثروة في دولة الخلافة في حين حُرم ممثلو الاتجاه الثاني، وبخاصَّة أهل بيت النبوَّة (عليه السلام) ، من أي مصدر من مصادر القوَّة: ولاية وقيادة جيش وثروة...
وقد تحدَّث الإمام علي (عليه السلام) عن هذين الاتجاهين، فقال: «والذي فلق الحبّة وبرأ النَّسمة ما أسلموا، ولكن استسلموا، وأسرُّوا الكفر، فلمَّا وجدوا أعواناً أظهروه... رجعوا إلى عداواتهم منّا إلَّا أنهم لم يدعوا الصلاة» (63)، وهذا يفيد وجود اتجاهين: أولهما الإيمان بالإسلام وثانيهما الاستسلام الذي يُظْهر الإسلام ويسرّ الكفر، ويخرج على الإسلام عندما يجد أعواناً، وقد كان هذا واضحاً لأنصار الإمام علي، فقال عمّار بن ياسر: «فإن مراكزنا على مراكز رايات رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) يوم بدر ويوم اءُحد ويوم حنين، وإن هؤلاء على مراكز رايات المشركين من الأحزاب» (64).
وللإمام علي (عليه السلام) غير قول في غير موضع يوضح طبيعة نهجه وتضادّه مع نهج الذين عملوا دون وصوله إلى الخلافة، وعلى تشكيل مسار الخلافة، ومن هذه الأقوال نذكر: «مالي ولقريش! والله لقد قاتلتهم كافرين، ولأقاتلنَّهم مفتونين، وإنِّي لصاحبهم بالأمس كما أنا صاحبهم اليوم» (65)، وهو في نهجه على بيِّنة من ربّه
________________________________________
(62)م.ن.، 1/104.
(63)نصر بن مزاحم المنقري، وقعة صفّين، م.س، ص 215.
(64)م.ن.، ص 321.
(65)نهج البلاغة، م.س، 1/104 + 346 + 452.

[الصفحة - 103]


ومنهاج من النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) ، فقد قال: «وإني لعلى بيِّنةٍ من ربِّي ومنهاج من نبيِّي، وإني لعلى الطريق الواضح، ألقطه لقطاً» (66). وهذا المنهاج الذي يمضي فيه تركه ممثلو الاتجاه الثاني طائعين، إذ إنهم كانوا قد دخلوه مكرهين، ففي خطاب له لمعاوية جاء: «وإني لعلى المنهاج الذي تركتموه طائعين ودخلتم فيه مكرهين» (67).
مصدر أحكامه
مصدر الأحكام في هذا المنهاج، القرآن الكريم وسنَّة النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) ، وقد كان الإمام علي واضحاً في تأكيد ذلك عندما أجاب عبد الرحمن بن عوف في مداولات شورى الستَّة كما مرَّ بنا، ونجد، في غير موضع من خطابه، هذا التأكيد، فقد تحدَّث عن اختلاف القضاة في الفتيا، وعن تصويب الإمام الذي يستقضيهم آراءهم جميعاً، ويعجب من هذا الاختلاف «وإلههم واحد ونبيّهم واحد وكتابهم واحد»، ثم يتساءل عما إذا كان الله سبحانه وتعالى أنزل ديناً ناقصاً فاستعان بهم على إتمامه، أم كانوا شركاء له، أم أنزل الله سبحانه ديناً تاماً فقصر الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) عن تبليغه وأدائه، والله سبحانه يقول: {ما فرَّطنا في الكتاب من شيء} ، وقال: «فيه تبيان كلِّ شيء»، وذكر أن الكتاب يصدِّق بعضه بعضاً، وأنه لا اختلاف فيه، فقال سبحانه:{ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً} ، ثم يقرر: «وإن القرآن ظاهره أنيق، وباطنه عميق، لا تفنى عجائبه، ولا تنقضي غرائبه، ولا تكشف الظلمات إلا به» (68).
وقد خاطب المسلمين عند مسير أصحاب الجمل إلى البصرة: «ولكم علينا العمل بكتاب الله تعالى وسيرة رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) والقيام بحقِّه والتسنن لسننه» (69) . وكان قبل ذلك خاطب طلحة والزبير بعد بيعته بالخلافة، وقد عتبا عليه أن ترك مشورتهما، بقوله: نظرتُ إلى كتاب الله، وما وضح لنا وأمرنا بالحكم به، فاتّبعته، وما استسن النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) فاقتديته، فلم أحتج في ذلك إلى رأيكما ولا رأي غيركما...» (70). وقد أوصى قبيل وفاته: «أما وصيتي، فالله لا تشركوا به شيئاً، ومحمد (صلي الله عليه و آله و سلم) فلا تضيِّعوا سنَّته...»(71)، والنَّهي عن تضييع السنَّة ذو دلالة بالغة على ما كانت عليه حالها وما آلت إليه في ما بعد ممَّا لا نحتاج إلى تفصيله (72).
________________________________________
(66)م.ن.، 2/217.
(67)م.ن.، 3/500.
(68)م.ن.، 1/75 و76، وراجع: م.ن.، 2/280 و281.
(69)م.ن.، 3/344.
(70)م.ن.، 3/436.
(71)م.ن.، 3/298.
(72)راجع في تفصيل هذه المسألة: مصطفى خميس، لا تضيِّعوا السنة، بيروت: مركز الغدير للدّراسات الإسلاميَّة.

[الصفحة - 104]


وظيفتـــه
تحدَّث الإمام علي (عليه السلام) ، في غير موضع، عن وظيفة الحكم في نهجه، وقد مرَّ بنا شيء من هذا لدى الحديث عن المشروعيَّة وفي ما يأتي نقدِّم نماذج من أقوال الإمام (عليه السلام) تحدِّد هذه الوظيفة:
ـ «اللهم إنك تعلم أنَّه لم يكن الذي منَّا منافسة في سلطان، ولا التماس شيء من فضول الحطام، ولكن لنرد المعالم من دينك، ونظهر الإصلاح في بلادك، فيأمن المظلومون من عبادك، وتقام المعطّلة من حدودك» (73).
ـ «أيّها الناس، أعينوني على أنفسكم، وأيم الله لأنصفن المظلوم من ظالمه، ولأقودن الظالم بخزامته، حتى أورده منهل الحق، وإن كان كارهاً» (74).
ـ «وأيّم الله لأبقرن الباطل حتى أخرج الحقّ من خاصرته» (75).
وهكذا يبدو جليّاً أن وظيفة الحكم في نهج الإمام علي (عليه السلام) أن يورد الناس منهل الحق.. والعدل على محضه (76) وإن كان الظالم لذلك كارهاً، فالمقياس في التمييز بين الذليل والعزيز والقوي والضعيف هو «الحق»: «الذليل عندي عزيز حتى آخذ الحق له، والقوي عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه» (77).
وكان متشدِّداً في نهجه هذا لا يصغي إلى قول القائل وعتب العاتب (78) وعندما تولى الخلافة ردَّ ما أقطعه عثمان لعدد من أقاربه، وقال: «والله لو وجدته قد تُزوِّج به النساء ومُلك به الإماء لرددته، فإن في العدل سَعَة ومن ضاق عليه العدل، فالجور عليه أضيق» (79). وهو في ذلك إنَّما يطيع الله زاهداً في الدنيا: «والله لو اءُعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت، وإن دنياكم عندي لأهون من ورقةٍ في فم جرادةٍ تقضمها، ما لعليٍّ ولنعيم يفنى ولذَّة لا تبقى!». وقال لابن عباس عن نعله وقد رآه يخصفها: «والله لهي أحب إلي من إمرتكم إلى أن أقيم حقاً أو أدفع باطلًا» (80).
والمضي في هذا النهج إنما هو سفر في سبيل رضى الله سبحانه وتعالى: ومن أقواله في هذا الصدد: «... فإنه من يعمل لغير الله يكله الله إلى من عمل له. نسأل
________________________________________
(73)م.ن.، ص 278.
(74)م.ن.، ص 284.
(75)م.ن.، ص 227.
(76)م.ن.، ص 327.
(77)م.ن.، ص 111 وراجع: م.ن، ص 331، 467.
(78)م.ن.، ص 209.
(79)م.ن.، ص 67.
(80)م.ن.، ص 469 و103.

[الصفحة - 105]


الله منازل الشهداء، ومعايشة السعداء، ومرافقة الأنبياء» (81)، وإنَّما طلب للآخرة بعمل الدنيا، فاليوم عملٌ ولا حساب وغداً حساب ولا عمل (82) وقد كان الإمام علي (عليه السلام) يمتلك البصيرة النافذة إلى منهل الحق والعدل، وأكد ذلك غير مرَّة، فقال على سبيل المثال: «ما شككت في الحق مذ أريته» «من وثق بماءٍ لم يظمأ»، و «إن معي لبصيرتي ما لبّست على نفسي، ولا لُبِّس علي» (83).
أحكام أساسيَّة منه
ومن أحكام هذا النهج الأساسيَّة التي يقتضى المقام التحدث عنها:
الإسوة: المساواة بين المسلمين
تحدَّث الإمام علي لمَّا عوتب على التسوية في العطاء، بوصفها عاملًا يعوِّق النّصر، فقال: «أتأمروني أن أطلب النَّصر بالجور في من وُلّيت عليه، والله ما أطور به ما سمر سمير وما أمَّ نجم في السماء نجماً، لو كان المال لي لسوِّيت بينهم، فكيف وإنما المال مال الله...» (84)، وقال لطلحة والزبير عندما أغضبتهما السّويَّة بين المسلمين في قسمة الأموال: «وأما ما ذكرتما من أمر الإسوة، فإن ذلك أمر لم أحكم أنا فيه برأيي ولا وليته هوى منِّي، بل وجدت أنا وأنتما ما جاء به رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) قد فُرغ منه» (85). وإذ تبيَّن لأعيان القوم وأصحاب الثروات أنَّ الناس عند الإمام، في الحق، أسوة هربوا إلى الأثرة (86).
الجنى ملك من يجنيه، فيء المسلمين لهم
قال سعيد بن العاص لفرسان المسلمين: إن سواد العراق، أي أرض العراق الخصبة، بستان لقريش، وقال الإمام علي لرجل من شيعته جاء يطلب نصيباً في الفيء: «إن هذا المال ليس لي ولا لك، وإنما هو فيء المسلمين وجلب أسيافهم، فإن شركتهم في حربهم كان لك مثل حظهم، وإن مجناة أيديهم لا تكون لغير أفواههم» (87) وأرسل إلى عامله مصقله الشيباني بعد أن بلغه عنه ما يريبه في قسمة الفيء: «ألا وإن حقَّ من قبلك وقبلنا من المسلمين في قسمة هذا الفيء سواء، يردون عندي عليه ويصدرون عنه» (88).
________________________________________
(81)م.ن.، ص 82.
(82)راجع في تفصيل ذلك، على سبيل المثال، م.ن.، ص 100 و116 و119 و135 و219 و243.
(83)م.ن.، ص 59 و60 و64 و285.
(84)م.ن.، ص 271 و272.
(85)م.ن.، ص 437.
(86)م.ن.، ص 617.
(87)م.ن.، ص 477.
(88)م.ن.، ص 556.

[الصفحة - 106]


عمارة الأرض
إن الله سبحانه وتعالى أرسل رسوله (صلي الله عليه و آله و سلم) هادياً ولم يرسله جابياً، كما أن مهمَّة ولاة الأمر من المسلمين عمارة الأرض كما نصَّ القرآن الكريم: {هو أنشأ لكم من الأرض واستعمركم فيها..} [هود/61]، وهذا ما أكد عليه الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، في غير موضع، ومن نماذج ذلك:
ما جاء في عهده لمالك الأشتر: «وتفقّد أمر الخراج بما يصلح أهله، فإنَّ في صلاحه وصلاحهم صلاحاً لمن سواهم... وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج»(89).
وما جاء في كتابه لعمال الخراج بعد أن وصفهم بـ «وكلاء الأمَّة وسفراء الأئمة»: «لا تحسموا أحداً عن حاجته، ولا تحبسوه عن طلبته، ولا تبيعُنّ للناس في الخراج كسوة شتاء ولا صيف، ولا دابَّة يعتملون عليها، ولا عبداً، ولا تضربن أحداً سوطاً والمكان درهم، ولا تمسَّن مال أحد من الناس، مصلٍّ ولا معاهد إلَّا أن تجدوا فرساً أو سلاحاً يُغدَى له على أهل الإسلام...» (90).
عمارة الإنسان
كان الإمام علي يدارس أصحابه ويحاججهم، ويعرِّفهم حقوقهم وواجباتهم وحقوق الوالي وواجباته في سعيٍ واضح إلى تنشئة مسلمين حقيقيين يمتلكون المعرفة والوعي، وهذا من النادر أن يفعله أي صاحب سلطان، فهذا يريد السّمع والطاعة من رعيَّةٍ يحكمها وفاقاً لما تقتضيه مصالحه، أما الإمام فيريد للأمة التي وصفت بأنها «خير أمَّة» أن تخرج إلى الناس لتهديهم إلى الدِّين الحنيف، ومن النماذج الدالَّة في هذا الصَّدد:
ـ خاطب الإمام علي (عليه السلام) أصحابه: «... دارستكم الكتاب، وفاتحتكم الحجاج، وعرّفتكم ما أنكرتم وسوَّغتكم ما لججتم...» (91).
ـ تحدث غير مرَّة إلى أصحابه عن حقه عليهم وحقهم عليه ومن نماذج ذلك:
________________________________________
(89)م.ن.، ص 584.
(90)م.ن.، ص 569 و570.
(91)م.ن.، ص 362.

[الصفحة - 107]


«... فقد جعل الله لي عليكم حقاً بولاية أمركم، ولكم عليّ من الحق مثل الذي لي عليكم...»، ثم فصَّل في ذلك (92) .
وقد أثمر هذا النهج في التنشئة، فقد بدا واضحاً لمعاوية، في ما بعد، أن أنصار الإمام علي (عليه السلام) كانوا يمتلكون، في ما يمتلكون من إمكانات، القدرة على أمرين: أوّلهما رؤية الحق ومعرفته وثانيهما الجرأة في قوله والسعي إلى جعله واقعاً. ولهذا كان يقول، وهو يستجوب بعضهم بعد أن تولَّى الخلافة: «هيهات لمّظكم [أي علَّمكم وذوَّقكم] ابن أبي طالب الجرأة»، ويعيد القول: «يا أهل العراق، نبَّهكم علي بن أبي طالب فلم تطاقوا»، وكان يعجب لوفاء هؤلاء الأنصار فيكرر قوله: «والله لوفاؤكم له بعد موته أعجب من حبكم له في حياته» (93).
كان معاوية يعجب من جرأة أنصار الإمام علي (عليه السلام) ومن بقائهم أوفياء له بعد وفاته، وهم في الحقيقة كانوا يتبعون منهجاً أرسى أسسه الإسلام، وكان هو يضيق بهذا النَّهج، وطالما سعى هو وأضرابه إلى الحيلولة دون وصول ممثله إلى الحكم، ولما وصل خرج عليه وحاربه. وإذ صارت إليه أمور الخلافة صمَّم على القضاء عليه وعلى أنصاره، وبدأ ذلك السَّيل الجارف من الطغيان، وبدأت مقاومته أيضاً، وهذا الصراع بين هذين النهجين استمرَّ طوال التاريخ الإسلامي، ما حكم تشكيل مسار هذا التاريخ.
في الختــام
وفي الختام يمكن القول: إن السعي إلى معرفة نهج الإمام علي (عليه السلام) في الحكم ودوره في تشكيل مسار الخلافة الراشدة، اقتضى إثارة السؤال عن أسباب معارضة قريش ومالكي الثروة لوصول الإمام علي إلى الحكم على الرغم من معرفتهم لحقه: وصيةً وكفاءة؟ أشرنا إلى غير إجابة، ورأينا أنها غير كافية، وبحثنا عن العامل الأساس، ما اقتضى البحث في موقع قريش ودورها في النظام الاجتماعي الذي كان قائماً آنذاك ورؤيتها، في تمثيلها نهجاً معيَّناً اتخذ حتى فتح مكة موقفاً معادياً للإسلام، وإذ اضطرَّت لقبول الإسلام، استمر الصِّراع بين نهجها والنهج الإسلامي، وقد بدا واضحاً أن قريش كانت تعادي نهجاً وليس شخصاً، وبيَّنا ذلك في نصٍّ من
________________________________________
(92)م.ن.، ص 453، وراجع: م.ن.، ص 568 و569.
(93)ابن عبد ربه الأندلسي، العقد الفريد، بيروت: دار مكتبة الهلال، ط1، 1986، ص 219 و220 و222.

[الصفحة - 108]


تاريخ الطبري يمثل الواقع السياسي الذي تطوَّر، بعد مرحلة أتيح فيها للقرشيين امتلاك القدرة، إلى صراع مسلَّح رأى فيه كثير من المسلمين صراعاً على التَّأويل، وامتداداً للصِّراع الذي خاضه النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) على التَّنزيل، ما يعني أن صراع القرشيِّين كان للحيلولة دون وصول الإمام علي (عليه السلام) ، بوصفه ممثل نهج في الحكم إلى الخلافة، ما اقتضى أن نتبين معالم هذا النهج من حيث مشروعيته وطبيعته ووظيفته ومصدر أحكامه وأحكام أساسيَّة منه.
________________________________________

[الصفحة - 109]