البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

قراءة في كتاب: «الإمام المهدي المنتظر(ع)وأدعياء البابيَّة والمهدويَّة بین النظرية والواقع»

الباحث :  الأستاذ محمد دكير
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  12
السنة :  السنة الثالثة شتاء 1419 هجـ 1999 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 14 / 2015
عدد زيارات البحث :  830
قراءة في كتاب:
«الإمام المهدي المنتظر(ع)وأدعياء البابيَّة والمهدويَّة بین النظرية والواقع»

الأستاذ محمد دكير (*)

«.. امرأة متسربلة بالشمس والقمر، تحت رجليها وعلى رأسها إكليل من اثني عشر كوكباً.. ولدت ابناً ذكراً عتيداً، إنه يرعى جميع الأمم بعصا من حديد..»
الكتاب المقدس، سفر الرؤيا، 16/12
الحديث عن الإمام المهدي المنتظر مشوق، ومحفوف بالغرابة والتساؤلات الكثيرة، لأنه حديث عن المستقبل، عن يوم أو زمن تنتظره البشرية جمعاء. فقد بشرت به جميع الأديان السماوية، فاليهود ينتظرون المسيح (أو المسيخ) الدجال الذي «سيتوِّجونه ملكاً على العالم»، والنَّصارى ينتظرون مجي‏ء عيسى بن مريم (عليهما السلام) «ليرفعهم فوق السحاب». أما المسلمون فينتظرون الإمام المهدي (عليه السلام) الذي سيملأ الدنيا حقاً وعدلاً، بعدما ملئت ظلماً وجوراً.
والإيمان بمجي‏ء المهدي، عند المسلمين، لا ينفصل عن الإيمان بنزول المسيح وظهور الدجَّال. وهذه الرموز، أو العلامات المنتظرة، وما سيواكبها من أحداث، ليست وليدة التخمين أو التنجيم، أو الرجم بالغيب واختلاق الأساطير والخرافات، وإنما ينطلق الإيمان بها من أحاديث نبوية صحيحة ومتواترة وآيات قرآنية لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها. وقد بيَّنت هذه النصوص المقدَّسة، أن مجي‏ء الإمام المهدي أو ظهوره سيرتبط بمقدمات أو ظواهر وأحداث سياسية واقتصادية وحضارية شاملة، مع تحولات في المناخ والطبيعة. لكن أهم هذه الأحداث التي سيكون لها الأثر الكبير على الواقع والمجتمع الإنساني برمته،
________________________________________
(*)کاتب من المغرب.

[صفحة - 265]


هو انفجار الحروب المدمرة التي ستأتي على ثلثي البشرية، إضافة إلى الكوارث الطبيعية التي ستعرفها الكرة الأرضية.
وإذا رجعنا إلى التراث الإسلامي، سنجد أن الحديث عن الإمام المهدي، أو «قديم الأيام»، كما تسمّيه الأناجيل، ليس جديداً أو عابراً، بل ألِّفت فيه الكثير من الكتب، واعتنى بجمع أحاديثه ورواياته وأخباره مجموعة من كبار رجال الحديث والعلماء. فالموسوعات الحديثية لا تكاد تخلو من أبواب خاصة بأشراط الساعة والفتن وعلامات ظهور المهدي. كما اهتم عدد من المعاصرين، من مفكرين وفقهاء، بالتأليف في هذا الموضوع وجمع أحاديثه وتبويبها، واستشراف المستقبل من خلال هذه الروايات والأخبار المروية عن الرسول (صلي الله عليه و آله) والأئمة من أهل البيت (علیهم السلام) . ونذكر من هذه المؤلفات موسوعة محمد الصدر التي تناولت حياة الإمام المهدي في غيبتيه وظهوره وما بعد ظهوره، وكذا العمل الموسوعي الذي قام به جمع من الفضلاء المتخصصين، الذين جمعوا كل ما قيل عن الإمام المهدي من روايات وأحاديث وبوَّبوها وأصدروها في عدة أجزاء.
أمَّا الكتاب الذي بين أيدينا، والذي سنقوم بعرضه، فهو ليس جديداً من حيث موضوعه كما أسلفنا، لكن الجهد الذي بذله فيه مؤلفه السيد عدنان السيد علي البكاء الموسوي، عميد كلية الفقه (جامعة الكوفة) سابقاً، والمدرس في الحوزة العلمية في النجف حالياً، جعله تأليفاً متميزاً، تحققت فيه شروط البحث الأكاديمي، من إحاطة وشمولية، ومعالجة علمية موضوعية، مع توثيق للنصوص والأحاديث والروايات المأخوذة من مراجعها ومصادرها القديمة والحديثة.
أمَّا اللغة فهي غاية في السلاسة والمتانة، وقد ساعد استيعاب المؤلف لمادة الموضوع بشكل كبير وعميق، على قوة السرد التاريخي المتناسق والمسترسل، مع مناقشة لكل الإشكالات الكثيرة التي يطرحها موضوع المهدي والمهدوية.
لذلك يمكن اعتبار الكتاب موسوعة مصغَّرة وشاملة لما قيل أو كتب في هذا الموضوع. وفي ما يلي جولة في فصول الكتاب ومباحثه، للاطلاع من خلال شرفات بحوثه على آفاق المستقبل الذي تنتظره البشرية بتوجّس وحيرة وأمل.
________________________________________

[صفحة - 266]


الإمام المهدي عقيدة إسلامية
قد يظن بعضٌ ممّن لا اطلاع لهم على تراث الإسلام وموسوعات الحديث، أن الاعتقاد بظهور المهدي في المستقبل منحصر بطائفة أو فرقة إسلامية بعينها، ونقصد الشيعة الإمامية، لأن الإمام المهدي هو الإمام الثاني عشر في سلسلة الأئمة، ابتداء من الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ثم الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام) ، وبعدهما تسعة من الأئمة من ولد الحسين بن علي (عليه السلام) وصولاً إلى آخرهم الإمام محمد بن الحسن (علیهم السلام) ، أي المهدي المنتظر، لكن المتصفح لكتب الحديث وموسوعاته المعتمدة لدى أهل السنة والسلفية، يجد أن أخبار المهدي والأحاديث التي تتحدث عن ظهوره في آخر الزمان، موجودة بكثرة ضمن أبواب خاصة لهذا الموضوع، أي أبواب الفتن وأشراط الساعة وظهور المهدي ونزول المسيح وخروج الدجال.
وهي من الكثرة في درجة جعلت العلماء ورجال الحديث يعدُّونها من الأحاديث المتواترة. فالشوكاني، في كتابه «التوضيح»، عدّ الأحاديث الواردة في المهدي متواترة، وأيده الكتاني الذي اعترف بتواترها. كما أعلن الإمام الشافعي، كما نقل عنه الكتاني في النظم المتناثر، أن أخبار المهدي (عليه السلام) متواترة وأنه من هذه الأمة، وأن عيسى (عليه السلام) بعد نزوله سيصلي خلفه. وقام جلال الدين السيوطي بجمع جزء من الأخبار الواردة في المهدي وضمنها كتابه «الحاوي للفتاوى». وأكد ابن قيِّم الجوزية ظهوره في آخر الزمان بناء على كثرة الأحاديث النبوية الواردة في حقه.
أما من روى هذه الأحاديث، وقال بصدقها من علماء الحديث، فكثيرون نذكر منهم الترمذي في صحيحه والنسائي في سننه وابن ماجه وأبا داود كذلك. ورواها أحمد بن حنبل في مسنده والطبراني في المعجم والحاكم النيسابوري في المستدرك، إضافة إلى ابن حبان والبيهقي. وبالجملة لا تخلو باقي المسانيد من ذكر المهدي وأخباره. كما ذكرها أصحاب التواريخ والسير، مثل أبي نعيم الأصفهاني في حلية الأولياء والقاضي عياض في كتابه الشفاء. كما ذكرها ابن عساكر في
________________________________________

[صفحة - 267]


تاريخه وابن الجوزي والقرطبي وابن تيمية في منهاجه، وابن كثير في تفسيره وفي الفتن والملامح، وغيرهم كثير.
وهناك من كتب تأليفاً خص به موضوع المهدي فقط، وقد ذكر المؤلف جملة من هذه المؤلفات. هذا من دون ما جاء عن أئمة أهل البيت (علیهم السلام) ، ودوَّنه علماؤهم في كتب الحديث لديهم، وهي أكثر من أن تحصى. وقد اعتمدها المؤلف في بيان بعض التفاصيل المتعلقة بظهوره وعلامات خروجه، وما يكون قبل خروجه وعنده وبعده. لأن الأحاديث المروية عن الرسول (صلي الله عليه و آله) جاءت مجملة، بخلاف أحاديث الأئمة فإنها فصلت في الموضوع بشكل كبير، ورسمت صورة تكاد تكون واضحة المعالم لمستقبل البشرية عند ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) وقبيل ظهوره.
وعليه فالاعتقاد بظهور المهدي وخروجه وانتصاره على أعدائه، وملئه الدنيا حقاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً، كما نصت عليه أحاديث الرسول (صلي الله عليه و آله) ، عقيدة إسلامية صريحة وواضحة، لا تخص فرقة إسلامية دون أخرى، إلا إذا رفض بعضهم هذه الأحاديث الكثيرة، وهذا متعذر ومستحيل، ويفتح الباب لرفض الإسلام ككل. لذلك فقد نقل المؤلف عن محمد السفاريني الحنبلي قوله في كتابه لوامع الأنوار البهية (ج‏2، ص 84): «وقد كثرت الروايات بخروجه ـ أي المهدي ـ حتى بلغت حد التواتر المعنوي، فالإيمان بخروج المهدي واجب كما هو مقرر عند أهل العلم ومدوَّن في عقائد أهل السنة والجماعة».
الكلام نفسه أكده الفقيه محمد البرزنجي (المتوفى سنة 1103هـ)، الذي قال في كتابه أشراط الساعة (ص 112): «وقد علمت أن أحاديث المهدي وخروجه آخر الزمان وأنه من عترة رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله) من ولد فاطمة (عليها السلام)، بلغت حد التواتر المعنوي فلا معنى لإنكارها».
أما بالنسبة للشيعة الإمامية فيقول المؤلف: إن القضية لديهم، من حيث الموقع العقائدي، ومن حيث الأحاديث الواردة فيها، تتجاوز ذلك، فهي من حيث الموقع تتصل بأصل من أصول الإيمان لديهم وهو «الإمامة». أما الأحاديث الواردة فيه فتتواصل رواياتها عن النبي (صلي الله عليه و آله) والأئمة الاثني عشر (عليهم السلام) من أهل البيت، عدا
________________________________________

[صفحة - 268]


ما ورد عن الصحابة (رضوان اللَّه عليهم). في ما يتصل به اسماً وصفة ودوراً وآباء وأما وعلامات ودلائل إمامة، حتى نصل إلى الآلاف. وقد أحصى العلامة الباحث المحقق الشيخ لطف اللَّه الصافي في كل باب ورد في الفصول: الأول والثاني والثالث والرابع من كتابه «منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر» عدد ما أورده فيه من الأحاديث، وقد جمعت ما أشار إليه ـ يقول المؤلف ـ في هذه الأبواب في الفصلين الأول والثاني والأبواب الثلاثة من الفصل الثالث، فكان مجموع الأحاديث المنتخبة مما رواه السنة والشيعة في ذلك (5303) خمسة آلاف وثلاثمئة وثلاثة أحاديث...
إذن لم يعد هناك أي شك في أن قضية المهدي عقيدة إسلامية جاءت بها الأحاديث النبوية وأشارت إليها الآيات القرآنية. أما القدر المتفق عليه في تفاصيل أمر المهدي بين السنة والشيعة فهو:
1 ـ كونه من ذرية الإمام علي وفاطمة بنت الرسول، فهو علوي فاطمي.
2 ـ يخرج آخر الزمان ليملأ الدنيا حقاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً.
3 ـ ينزل المسيح (عليه السلام) في زمنه ويصلِّي وراءه ويقاتل معه الدجال.
4 ـ اسمه اسم النبي ويشبهه خلقاً.
5 ـ يكون منتصراً بالغيب وتدعمه الملائكة.
6 ـ الاتفاق على عدد كبير من العلامات الواقعة قبل خروجه.
شبهات وردود
أما الاختلاف الذي وقع بين الفريقين، أو لنكون أكثر دقة نقول: الاختلاف مع بعض العلماء من أهل السنة والسلفية، لأن عدداً كبيراً من أهل السنة والسلفية والمتصوفة موافقون لجميع ما يقوله الإمامية. من هذه الاختلافات قول بعضهم اعتماداً على بعض الروايات الضعيفة، إن المهدي من نسل الحسن بن علي، بدل الحسين، ومسألة ولادته. فهو عند الإمامية ولد يوم الجمعة منتصف شعبان سنة (255هـ) ثم اختفى عن الأنظار في غيبتين صغرى وكبرى، الأولى امتداد من سنة 260ه إلى 329هـ، والثانية من هذه السنة إلى يومنا هذا.
________________________________________

[صفحة - 269]


بينما توقف بعضهم في قضية مولده. وذهب بعضهم الآخر، من أهل السنة خصوصاً، إلى أنه لم يولد بعد، وأن اللَّه سيخلقه متى شاء، وهذا القول ينسجم مع رأيهم في الخلافة، على اعتبار أن المهدي هو الإمام الثاني عشر من أئمة الشيعة.
ناقش المؤلف الآراء المخالفة لما عليه الإمامية وفندها، فالروايات الثلاث التي اعتمدها القائلون بأنه من ذرية الحسن، ضعيفة ومطعون في سندها ورواتها. إضافة إلى تعارضها مع الروايات الصحيحة الكثيرة عن أئمة أهل البيت الذين هم من ولد الحسين لأن تسلسل الأئمة التسعة لم يكن من صلب الحسن. وهذا دليل واقعي وتاريخي لا يمكن الطعن فيه، لأنه من المسلمات. إضافة إلى روايات أخرى عن الرسول (صلي الله عليه و آله) والإمام علي (عليه السلام) تؤكد ذلك.
وأشار المؤلف إلى الخلفيات السياسية وراء هذه الروايات الثلاث، لأن عدداً من الثوار من بني الحسن وبني العباس، كانت تروج بينهم فكرة المهدوية وقد ادعاها بعضهم أو ادعيت له. لذلك لا يستبعد ـ إذا لم نقل بالتحريف في الإسم ـ أن تكون هذه الروايات، قد وضعت لهذا الغرض، وقد روي فعلاً، كما نقل المتقي الهندي في كتابه «البرهان»، حديث ضعيف يقول: إن المهدي من ولد العباس.
لكن هذه الادعاءات كلها لا تقف أمام البحث العلمي، ولا يعضدها الواقع بالإضافة إلى دليل آخر هو أقوى الأدلة ويحسم به الخلاف، وهو ما يعتقده الإمامية من ولادة الإمام المهدي من أبيه الإمام الحسن العسكري سليل الأئمة الحسينيين. وأن الإمام الحسن العسكري صرح بذلك للمقرَّبين من أفاضل شيعته، وأن عدداً من الشيعة رأوه. كما أن النواب الأربعة استمروا على اتصال به مدة طويلة من الزمن، وقد صدرت عنه مراسلات عديدة وأحاديث جمعت ونسبت إليه (عليه السلام) ، وهذا من المسلمات عند علماء الحديث الإمامية ومؤرخيهم، ويوافقهم في ذلك عدد كبير من المؤرخين ورجال الحديث وأهل الكشف من الصوفية، وسنورد بعض أقوالهم بعد قليل.
وبعد تفنيد هذه الادعاءات والشكوك، يصل المؤلف إلى تقرير الحقيقة أو المسلمة العقائدية الإمامية التي ترى وتؤكد بالأدلة العقلية والنقلية، تدعمها وقائع التاريخ الإسلامي المدونة، بأن الإمام المهدي هو محمد بن الحسن العسكري،
________________________________________

[صفحة - 270]


الإمام الثاني عشر في سلسلة الأئمة الذين نص الحديث النبوي الذي رواه مسلم في صحيحه على وجودهم وكونهم خلفاء الرسول من بعده.
أما بالنسبة للإشكالات التي طرحت وما زالت تثار حول القول بولادته سنة 255ه وغيبتيه، وكيف يعيش إلى الآن وأين؟ فقد بسط المؤلف القول فيها وناقشها من عدة جوانب يمكن تلخيصها في الآتي:
1 ـ إن غيبة المهدي من القضايا التي أخبر بها الرسول (صلي الله عليه و آله) وجميع الأئمة قبل غيبته، وهناك عشرات الأحاديث أوردها المؤلف تؤكد ذلك. وأن حكمة اللَّه اقتضت ذلك. من هذه الأحاديث عن جابر بن عبداللَّه الأنصاري قال: قال رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله) : «المهدي من ولدي، اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، أشبه الناس بي خلقاً وخلقا. تكون له غيبة وحيرة تضل فيها الأمم، ثم يقبل كالشهاب الثاقب يملأها عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً». وروي عن الإمام علي (عليه السلام) قوله مخاطباً ابنه الإمام الحسين. قال: «التاسع من ولدك، يا حسين، هو القائم بالحق والمظهر للدين والباسط للعدل. قال الحسين (عليه السلام) : قلت له: يا أمير المؤمنين وإن ذلك لكائن؟ فقال: أي والذي بعث محمداً بالنبوة، واصطفاه على جميع البرية. ولكن بعد غيبة وحيرة فلا يثبت على دينه إلا المخلصون المباشرون لروح اليقين، الذين أخذ اللَّه عز وجل ميثاقهم بولايتنا، وكتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه».
أما سبب اختفائه وخفاء مولده، فخوفاً عليه من القتل، وقد تحدث الأئمة من قبل أن في الإمام المهدي بعضاً من سنن الأنبياء والأولياء السابقين. مثل سنة موسى من خفاء مولده ودوام خوفه من فرعون الذي قتل آلاف الأطفال بحثاً عنه، وهذا ما أراد فعله بنو العباس لعلمهم أن زوال ملكهم يكون على يديه إذا ولد وتهيأت له الظروف المناسبة للخروج وإعلان دعوته، وسنة إبراهيم ويوسف ونوح والخضر (عليهم السلام).
أما قضية طول عمره، وبقائه حياً من يوم ولادته وغيبته إلى الآن، فيقول المؤلف: إن هذه المسألة لا تثير إشكالاً إلا حين ينظر إليها بالقياسات الطبيعية والاعتيادية، لا في إطار المشيئة والقدرة الإلهية التي لا تحكمها قوانين هي في
________________________________________

[صفحة - 271]


الأصل لا تقوم إلا بها. وكما تفرق القوانين في معاجز الأنبياء (عليهم السلام) بوصفها برهاناً على سفارتهم عن اللَّه. وفي معاجز الأئمة بوصفها دليلاً على كونهم امتداداً عن الرسول (صلي الله عليه و آله) ، فإنها يمكن أن تخرق هنا بعد أن قامت الأدلة الثابتة على كون الإمام المهدي (عليه السلام) هو عين الإمام الثاني عشر، وتحدثت عن غيبته هذه... وهذا ما أكدته أحاديث الأئمة قبل المهدي، وأشارت إليه بضرب الأمثلة للمقارنة ورفع الالتباس الذي يمكن أن يحصل ويشوش على الذهن.
روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) ، سادس الأئمة، وهو يتحدث عن المهدي المنتظر قال: «قدر مولده تقدير موسى، وقدر غيبته تقدير غيبة عيسى، وقدر إبطائه إبطاء نوح (يعني من حيث النصر والفرج) وجعل له من العمر بعد ذلك عمر العبد الصالح أعني الخضر (عليه السلام)». وهذه الوقائع بالنسبة للأنبياء هي من المسلمات لدى المسلمين، لذلك فتكرارها مع الإمام المهدي ليس بالأمر المستغرب، ما دام الإمام نفسه يعدّ امتداداً لهؤلاء الأنبياء، لأنه وصي النبي الخاتم. وهو الذي سينصر اللَّه على يده الإسلام والمسلمين، وينشر الحق والإيمان في ربوع الكون حتى لا يبقى كافر أو مشرك إلا آمن برسالة الإسلام الخاتمة، وهذا لم يتحقق من قبل، وعلى يده سيتحقق وعد اللَّه المؤمنين بوراثة الأرض قال تعالى في سورة الأنبياء، الآية (105): { ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} .
وقد عالج هذه القضية عدد من علماء أهل السنة ممن يؤمنون بأن المهدي هو الإمام الثاني عشر، أي محمد بن الحسن العسكري (عليهما السلام) . ولم يجدوا غرابة في القول بطول عمره بناء على كثرة المعمرين. فقد ساق سبط ابن الجوزي الحنفي ما ذكر في التوراة وما رواه محمد بن إسحاق ممن عمَّروا أسماء طويلة. وإلى ذلك ذهب الحافظ محمد بن يوسف الكنجي الشافعي الذي أكد: «أنه لا امتناع في بقائه بدليل بقاء عيسى والياس والخضر من أولياء اللَّه تعالى. وبقاء الدجال وإبليس الملعونين، قال: وهؤلاء قد ثبت بقاؤهم بالكتاب والسنة».
لقد ساق المؤلف الأدلة الكثيرة حول هذه القضية وناقش مجمل الاعتراضات وفندها، ومن أراد الاستزادة فعليه بالكتاب. لأن هذا العرض المقتضب لا يسمح
________________________________________

[صفحة - 272]


بالإطالة والمزيد من الشرح وإيراد حجج المؤلف وما قدمه من أدلة عقلية ونقلية، وهو يعالج هذه القضية التي أثارت في الماضي والحاضر بعض التساؤلات والشكوك.
قلنا سابقاً إن عدداً كبيراً من المتصوفة وأهل الكشف وافقوا الإماميَّة في القول بكون المهدي هو محمد بن الحسن العسكري وأنه ولد ثم غاب عن الأنظار، وسيخرج في يوم مقدر عند اللَّه، سبحانه وتعالى، ليملأ الدنيا حقاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً، وهذه الموافقة لم تكن نتيجة الاطلاع أو الإيمان بأحاديث الرسول (صلي الله عليه و آله) والأئمة (عليهم السلام) حول المهدي وأوصافه. بل ادعاء كثير منهم لقاءه ومشاهدته وبيعته. سنذكر بعضاً ممن ذكرهم المؤلف.
المتصوِّفة وأهل الكشف يبايعون المهدي (عليه السلام)
ذكر الشعراني، في كتابه «اليواقيت والجواهر، (ج‏2 ص 145)، أن جماعة من أهل الكشف رأوا المهدي وبايعوه، ومنهم الشيخ حسن العراقي، ونقل الشيخ سليمان القندوزي الحنفي النقشبندي، في كتابه: «الأنوار القدسية»، أن بعض مشايخ النقشبندية قالوا: «نحن بايعنا المهدي (عليه السلام) بدمشق الشام وكنا عنده سبعة أيام». كما ادعى بعض شيوخ الطريقة القادرية في مصر بيعة الإمام المهدي (عليه السلام) . بل لقد ذكر العلماء والمحدثون، ومنهم الشيخ المجلسي والشيخ الحر العاملي والشيخ النوري الذي ألف كتاباً خاصاً أسماه «جنة المأوى» في من فاز بلقاء الإمام الحجة (عليه السلام)، أو معجزته في الغيبة الكبرى، أسماء عدد من العلماء والصلحاء الذين تشرفوا بلقائه (عليه السلام) .
ومن صرح منهم باسمه، نذكر الشيخ سعد الدين محمد بن المؤيد المعروف بسعد الدين الحموي، وهو من كبار رجالات الصوفية، وكان معاصراً لابن عربي وابن الفارض. ومنهم سيدي علي الخواص والحافظ محمد بن محمد المعروف بخواجه بارسا من أكابر مشايخ النقشبندية، والشاعر الصوفي نور الدين عبد الرحمان الجامي الحنفي. والقاضي شهاب الدين بن شمس الدين الملقب بملك العلماء، والشيخ العارف عبد الرحمن من مشايخ الصوفية كذلك وغيرهم كثير لا يمكن إحصاء أسمائهم في هذه العجالة، وقد ذكر المؤلف طائفة منهم فقط. لكن لا
________________________________________

[صفحة - 273]


يفوتنا هنا أن نورد ما قاله الشيخ ابن عربي في «الفتوحات المكية» لأنه جامع شامل، وهو مذهب غالبية من عرف عنهم انتسابهم للتصوف وطرقه التعبدية، ولمكانة ابن عربي في هذا التيار، فهو شيخهم من دون منازع.
يقول ابن عربي: «اعلم أنه لا بد من خروج المهدي (عليه السلام) ، لكن لا يخرج حتى تمتلى‏ء الأرض جوراً وظلماً فيملأها قسطاً وعدلاً، ولو لم يكن من الدنيا إلا يوم واحد طول اللَّه تعالى ذلك اليوم حتى يلي ذلك الخليفة، وهو من عترة رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله) من ولد فاطمة (رضي اللَّه عنها)، جده الحسين بن علي بن أبي طالب، والده حسن العسكري.. يواطى‏ء اسمه اسم رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله) »، إلى أن يقول: «أسعد الناس به أهل الكوفة. يبيد الظلم وأهله ويقيم الدين، وينفخ الروح في الإسلام، يعز اللَّه به الإسلام بعد ذله، ويحييه بعد موته، يضع الجزية ويدعو إلى اللَّه بالسيف، فمن أبى قُتل ومن نازعه خذل، يظهر من الدين ما هو عليه في نفسه حتى لو كان رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله) حياً لحكم به، فلا يبقى في زمانه إلا الدين الخالص من الرأي..».
علامات ظهوره وكذب الوقَّاتون‏
الأحاديث التي وردت عن الرسول (صلي الله عليه و آله) والأئمة (عليهم السلام)، لم تذكر وقتاً بعينه ولم تحدد تاريخاً لظهور المهدي أو خروجه، لقد أغلق الأئمة ـ كما يقول المؤلف ـ الباب على الإجابة عن السؤال: متى وكيف؟؟ لأن القوانين التي تحكم التقدير ترفض بطبيعتها التوقيت، كما أن من أسرار الغيبة انتظار الملائم للظهور، حيث يتأهل العالم لقبول الرسالة الإسلامية، كما أن تقدير الظرف ليس جبرياً بمعنى أنه ليس مفروضاً خارج الأسباب والقوانين المتصلة بها في هذا العالم. وإنما يتم بهذه الأسباب والقوانين نفسها. لذلك فقد رفض الأئمة التوقيت وكذبوا من نقله عنهم. لكنهم تحدثوا بشكل مفصل عن علامات تميز عصر ظهوره وتكون سابقة له ومؤشرة على قرب خروجه، وهذه العلامات خاصة وعامة.
العلامات العامة هي انتشار الظلم وغياب العدل داخل المجتمعات الإنسانية، أما الخاصة فترتبط بظواهر وأحداث كونية بارزة، من حيث الحضارة والتقدم العلمي والعسكري الذي ستصل إليه البشرية. ومن الأحاديث التي تحدثت عن هذه
________________________________________

[صفحة - 274]


العلامات نذكر طائفة مروية عن الرسول والأئمة، ومن أراد الاستزادة فعليه بالرجوع إلى الكتاب ففيه ما يشفي غليله ويروي عطشه المعرفي.
فعن الرسول (صلي الله عليه و آله) قوله، في حديث طويل، وهو يحدث الزهراء قبل وفاته: «والذي بعثني بالحق أن منهما مهدي هذه الأمة، إذا صارت الدنيا هرجاً ومرجاً، وتظاهرت الفتن، وتقطعت السبل، وأغار بعضهم على بعض، فلا كبير يرحم صغيراً، ولا صغير يوقر كبيراً، فيبعث اللَّه عز وجل عند ذلك منهما من يفتح حصون الضلالة وقلوباً غلفا، يقوم بالدين في آخر الزمان كما قمت به أول الزمان».
وفي حديث قدسي عن ابن عباس عن الرسول (صلي الله عليه و آله) : «إذا رفع العلم، وظهر الجهل، وكثر القرَّاء، وقل العمل، وكثر الفتك، وقل الفقهاء الهادون، وكثر فقهاء الضلالة الخونة، وكثر الشعراء، واتخذت أمتك قبورهم مساجد، وحليت المصاحف وزخرفت المساجد، وكثر الجور والفساد، وظهر المنكر، وأمرت أمتك به، ونهوا عن المعروف»، إلى أن قال (صلي الله عليه و آله) : «وصارت الأمراء كفرة وأولياؤهم فجرة، وأعوانهم ظلمة، وذوو الرأي منهم فسقة».
ومنها ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) عن الرسول (صلي الله عليه و آله) : «لا يبقى من القرآن إلا رسمه ولا من الإسلام إلا اسمه، فقهاء ذلك الزمان شر فقهاء تحت ظل السماء، منهم خرجت الفتنة وإليهم تعود..» وعن الإمام علي (عليه السلام) : «إذا أمات الناس الصلاة، وأضاعوا الأمانة، واستحلوا الكذب، وأكلوا الربا وأخذوا الرشا، وشيدوا البنيان وباعوا الدين بالدنيا، واستعملوا السفهاء، وشاوروا النساء، وقطعوا الأرحام واتبعوا الأهواء، واستخفوا بالدماء، وكان الحلم ضعفاً، والظلم فخراً، وكانت الأمراء فجرة والوزراء ظلمة، والعرفان خونة، والقراء فسقة، وظهرت شهادات الزور، واستعلن الفجور وقول البهتان والإثم والطغيان».
وهذه الظواهر والعلامات العامة نجدها قد تحققت في التاريخ الإسلامي بدءاً من العهد الأموي، لكن وكما يقول المؤلف، التفاوت إنما هو في مدى انتشار هذه الظواهر وحجمها بالنسبة للمجتمع. وبالتالي فذكرها بوصفها علامات إنما لاستشرائها وانتشارها بصورة أكثر مما سبق. أما العلامات الخاصة فنذكر منها:
________________________________________

[صفحة - 275]


1 ـ تطاول رعاة الإبل بالبنيان، ورعاة الإبل هم الأعراب أو العرب بشكل عام في جزيرة العرب. جاء ذلك في حديث طويل رواه البخاري عن أبي هريرة عن الرسول (صلي الله عليه و آله) قال فيه: «.. وإذا تطاول رعاة الإبل البهم في البنيان».
2 ـ اتصال الكوفة بالنجف والحيرة ثم كربلاء، فعن حبة العرني قال: خرج أمير المؤمنين علي (عليه السلام) إلى الحيرة فقال: «لتتصلن هذه بهذه، وأومأ بيده إلى الكوفة والحيرة حتى يباع الذراع في ما بينهما بدنانير». والكوفة والحيرة لم تكونا متصلتين على عهد الإمام علي (عليه السلام) ولا من بعده، ولم تتصلا إلا في العقود الثلاثة الأخيرة حيث اتصلت الكوفة بالنجف وامتد البناء نحو الحيرة ونحو كربلاء.
3 ـ يرى من في الشرق من في المغرب وبالعكس. وهذه إشارة إلى تطور تقني في وسائل الاتصال، وقد تحقق ذلك الآن عبر الاتصال الفضائي التلفزي. فعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «إن المؤمن في زمان القائم المهدي، وهو بالمشرق، ليرى أخاه الذي في المغرب، وكذا الذي في المغرب يرى أخاه الذي في المشرق». وغيرها مثل ركوب أصحابه السَّحاب وصولهم إليه في ساعة في إشارة إلى استخدام الجو والطيران، والحرب المدمرة التي يذهب فيها ثلثا الناس أو تسعة أعشارهم، وطلوع الشمس من مغربها، وتفرق الأمة وتقسيمها من طرف الدول المستعمرة وحصار العراق. فقد روي عن الرسول (صلي الله عليه و آله) قوله: «يوشك أهل العراق أن لا يجبى إليهم قفيز ولا درهم. قيل: من أين؟ قال: من قبل العجم يمنعون ذلك»، وغيرها من العلامات الكثيرة. فليرجع إلى الكتاب للاستزادة من التفاصيل.
ما العمل في عصر الغيبة؟
وقد خص المؤلف البحث الثالث، من الفصل الرابع، لمعالجة قضية مهمة وهي: ما العمل في عصر الغيبة؟ وكيف يكون الانتظار إيجابياً؟ فعرض مجموعة من الأحاديث تظهر أهمية انتظار الفرج، لكن بالعمل بالورع ومحاسن الأخلاق، كما جاء في حديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) ، وكذا الاستعانة بالدّعاء بتعجيل الفرج والإكثار منه، فالانتظار لا يعني ترك العمل، بل على العكس يعني الاستعداد عقائدياً وروحياً وأخلاقياً لاستقباله والكون في خدمته على مستوى النصرة.
________________________________________

[صفحة - 276]


عصر ما بعد الظهور
الفصل الأخير، من الكتاب، تحدث فيه المؤلف عن عصر ما بعد الظهور، وكيف سينتصر الإمام المهدي على أعدائه وماذا سيفعل بعد انتصاره. مؤكداً على أنَّ عصره سيكون عصر الإيمان والعبادة وانتشار العدل والغنى بصورة شاملة، تعم الكون بأسره، وبذلك يتحقق وعد اللَّه للمؤمنين كما نصت عليه الآية الكريمة في سورة الأنبياء الآية (105): { ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون } .
بقي أن نشير إلى أن المؤلف لم يتحدث بالتفصيل عن أدعياء البابية والمهدوية لأنه وعد بأن يعالج هذا الموضوع الشائك في الجزء الثاني من مؤلفه هذا، لكنه أشار في المقدمة إلى ما يمكن أن يعد ملخصاً لبحوث أدعياء المهدوية، عندما رأى أن بيان كذب المدعين للمهدوية متيسر انطلاقاً من الأحاديث النبوية وروايات الأئمة التي حددت أوصاف الإمام المهدي المنتظر وكونه الإمام الثَّاني عشر، أي محمد بن الحسن العسكري (عليه السلام) وأن لظهوره علامات ذكرنا بعضها. وأنه سينتصر وسيعم على يديه انتشار الإسلام والحق والعدل. وهذا ما لم يتحقق مع كل من ادعى المهدوية من قبل، وبالتالي فكل من يدعي مستقبلاً أنه المهدي تصدقه أو تكذبه العلامات التي ذكرتها أحاديث الرسول (صلي الله عليه و آله) والأئمة من أهل بيته (علیهم السلام) .
________________________________________

[صفحة - 277]