البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

حكم المناظرة من كتاب اللّه وحديث العترة الطاهرة (1)

الباحث :  السيد محمد جواد الشبيري
اسم المجلة :  تراثنا
العدد :  30
السنة :  السنة الثامنة / رجب - ذوالحجة سنة 1413 هـ
تاريخ إضافة البحث :  January / 4 / 2015
عدد زيارات البحث :  1583
إنّ التأمّل في آيات القرآن الكريم يبين بوضوح مدى الاهمية البالغة التي تضطلع بها مسألة المناظرة والمجادلة في تثبيت وايضاح الكثير من الحقائق الفكرية والعقائدية بالتوسل بالادلة العلمية المرتكزة على اسس شرعية قويمة وراسخة.
وفي الدين الاسلامي ـ كما في جميع ما سبقه من الاديان السماوية الماضية ـ احتلت المجادلة جانباً حيوياً ووسيلة مؤثرة في ابطال ودفع الشبهات التي يثيرها ارباب ومتكلمي الافكار المنحرفة الاخرى، كما كان لهذهِ المجادلة الاثر الكبير في اقناع جمهور الناس ومفكريهم بحقّانية الشريعة المحمدية ووجوب الانقياد لها.
وهكذا فإنّ مجرد الاستعراض المختصر لبعض تلك الآيات المباركة يبين هذهِ الحقائق المهمة، والتي تدل بوضوح ان المجادلة ليست امراً دخيلاً على مجمل العقائد الاسلامية المختلفة، بل تعد من صلب اسس الدين الاسلامي الحنيف، حيث ان كتاب الله تعالى تناولها في اكثر من موضع مبيناً ابعادها
--------------------------------------
(1) هذا فصل من دراسة موسّعة اعددناها للحديث عن المناظرة عند الشيخ المفيد قدّس سره، نسأل الله التوفيق لاكماله.

(الصفحة 347)


واشكالها المتعددة.
قال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ)(1)وفي هذه الآية الكريمة اشارة واضحة الى نوع المجادلة التي يأمر بها الله تعالى عباده المؤمنين من خلال رسوله الكريم صلّى الله عليه وآله وسلّم، وهي المجادلة بالتي هي احسن.
وورد في التفسير المنسوب الى الإِمام العسكرى عليه السلام ـ بعد كلام مبسوط بشأن المناظرة وعدم النهي عنها مطلقاً، بل النهي عن الجدال بغير التي هي احسن ـ: وامّا الجدال بغير التي هي احسن فان تجحد حقاً لا يمكنك ان تفرّق بينه وبين باطل من تجادله، وانّما تدفعه عن باطله بان تجحد الحق، فهذا هو المحرّم لأنّك مثله، جحد هو حقّاً، وجحدت انت حقاً آخر (2).
وتُؤكّد الآيات الشريفة على المنع من الجدال بعد تبيّن الحق للعناد والاستعلاء، والآيات الناهية عن هذا النوع من الجدال كثيرة، نذكر منها:
1 ـ (ها انتم هؤلاء حاججتم في مالكم به علم فلم تحاجّون في ماليس لكم به علم) (3).
2 ـ (يجادلونك في الحقّ بعدما تبيّن) (4).
3 ـ (ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحقّ) (5).
4 ـ (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتّبع كلّ شيطان مريد)(6).
-----------------------------------------
(1)النحل: 125.
(2) التفسير المنسوب الى الامام العسكري عليه السلام، مدرسة الامام المهدي، قم، 1409، ص 529.
(3) آل عمران: 66.
(4) الانفال:6.
(5) الكهف: 56.
(6) الحج: 3.

(الصفحة 348)


5 ـ (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير) (1).
6 ـ (وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحقّ) (2).
7 ـ (ما ضربوه لك إلاّ جدلاً بل هم قوم خصمون) (3).
والآيات الكريمة تطلب من الكفار البرهان والدليل:
8 ـ (قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين) (4).
ولكن ينهي عن المجادلة مع الظالمين وللغلبة على الخصم لا لاحقاق الحقّ:
1 ـ (ولا تجادلوا اهل الكتاب الاّ بالتي هي احسن الاّ الذين ظلموا منهم) (5).
2 ـ (وان جادلوك فقل الله اعلم بما تعملون) (6).
بل قد ذمّ كتاب الاستعلاء والخصومة المودعتين في جبلّة الانسان:
(وكان الانسان اكثر شيء جدلاً) (7).
قال الشيخ المفيد في كتاب تصحيح الاعتقاد: الجدال على ضربين: احدهما بالحق، والاخر بالباطل، فالحقَّ منه مأمور به ومرغبّ فيه، والباطل منه منهي عنه ومزجور من استعماله ثم اورد جملة من الآيات الكريمة:
منها قوله تعالى لنبيّه: (وجادلهم بالتي هي احسن)(8).
---------------------------------
(1) الحج: 8.
(2) المؤمن: 5.
(3) الزخرف: 58.
(4) النمل: 64.
(5) العنكبوت: 46.
(6) الحج: 68.
(7) الكهف: 54.
(8) النحل: 125.

(الصفحة 349)


قال: فامر بجدال المخالفين وهو الحجاج لهم اذ كان جدال النبي حقاً.
ومنها قوله تعالى لكافة المسلمين: (ولا تجادلوا أهل الكتاب الاّ بالتي هي احسن) (1) فاطلق لهم جدال اهل الكتاب بالحسن ونهاهم عن جدالهم بالقبيح.
ومنها حكايته لقول اصحاب نوح عليه السلام بالاشارة الى مجادلته عليه السلام لهم، حيث قال تعالى سبحانه (قالوا يا نوح قد جادلتنا فاكثرت جدالنا) (2).
فلو كان الجدال كلّه باطلاً لما أمر الله تعالى نبيه به، ولا استعمله الانبياء من قبله، ولا اذن للمسلمين فيه.
واما الجدال بالباطل فقد بينه الله تبارك وتعالى في مواضع من كتابه منها:
(الم تر الى الذين يجادلون في آيات الله انّى يصرفون) (3).
فذمّ المجادلين في آيات الله لدفعها او قدحها وايقاع الشبهة في حقّها، وهذا النوع من المجادلة هو المنهي عنه في الشريعة الاسلامية.
كما ان القرآن الكريم ـ اورد عند ذكره للانبياء والرسل السابقين عليهم السلام ـ اشكالاً مختلفة من المحجات والمناظرات التي دارت بين اولئك الانبياء عليهم السلام وبين اُممهم، ومن ذلك قوله تعالى:
1 ـ (الم تر الى الذي حاجّ إبراهيم في ربّه) (4).
2 ـ وقال عز اسمه: (وتلك حجتنا آتيناها ابراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء)(5).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) العنكبوت: 49.
(2) هود: 32.
(3) المؤمن: 69.
(4) البقرة: 258.
(5) الانعام: 83.

(الصفحة 350)


3 ـ وقال سبحانه آمراً نبيه صلى الله عليه وآله وسلّم بمحاجّة مخالفيه: (قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا) (1).
4 ـ وقال تعالى بعد قوله: (كل الطعام كان حلاً لبني اسرائيل) ـ (فأتوا يالتوراة فاتلوها ان كنتم صادقين) (2).
5 ـ وقال لنبيه الكريم محمد صلى الله عليه وآله وسلّم: (فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع ابناءنا...) (3) الآية.
إذا عرفنا ذلك فلننظر إلى روايات العترة الطاهرة عليهم السلام لنرى ما موقفنا من مسألة المناظرة.
وقبل ذلك ينبغي الاشارة الى الفرق بين الكتاب والسنة في هذه المسألة، وهو انّ الآيات الشريفة تنظر غالباً الى مناظرة النبي صلى الله عليه وآله وسلّم مع الكفّار في التوحيد والنبوة، بخلاف الروايات فانّها ناظرة الى المناظرة مع المخالفين في مسألة الإمامة في الاكثر وان تتضمن احياناً ابحاثاً حول صفات الله وسائر البحوث الكلامية.
وعلى أيّة حال فنحن في مواجهة طائفتين من الروايات: طائفة تأمر المسلمين بالذبّ عن دين الله باللسان، وعلى جهود المدافعين عن حريم الولاية بنحو عام او مع ذكر اسمائهم، وطائفة اخرى: تنهي عن المناظرة.
ومن الطائفة الاولى نذكر روايتين كنموذج لها:
الـرواية الاولى: ما عن امالي المفيد بسنده عن جعفر بن محمد عليه السلام عن أبيه عليه السلام قال: «من اعاننا بلسانه على عدوّنا انطقه الله بحجّته يوم موقفه بين يديه عزّ وجلّ(4).
-------------------------------------
(1) الانعام: 148.
(2) آل عمران: 193.
(3) آل عمران: 61.
(4) امالي المفيد، تصحيح حسين استاد ولي وعلي اكبر غفاري، مؤسسة النشر الاسلامي، قم، 1403، ص 33 ح 7.

(الصفحة 351)


الرواية الثانية: عن أبي جعفر الاحول ـ المعروف باسم مؤمن الطاق ـ عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما فعل ابن الطيّار».
فقلت: توفّي، فقال: «رحمه الله، ادخل الله عليه الرحمة والنضرة، فانّه كان يخاصم عنّا اهل البيت» (1).
وهنـاك رواية اخـرى تشـابهها عن هشام بن الحكم عن الصادق عليه السلام اوردها المفيد في تصحيح الاعتقاد (2).
ومن جانب اخر كان للنبي والائمة المعصومين مناظرات كثيرة مع مخالفيهم جمعها الشيخ الطبرسي في كتابه القيّم «الاحتجاج»، وقد ناظر اصحاب الائمة بحضرتهم، بل يأمرهم، فقد كان أبو عبد الله عليه السلام يقول لعبد الرحمن بن الحجّاج: «يا عبد الرحمن كلّم اهل المدينة، فانّي احبّ ان يُرى في رجال الشيعة مثلك» (3).
وكان أبو الحسن الكاظم عليه السلام يأمر محمد بن حكيم ان يجالس اهل المدينة في مسجد رسول الله وان يكلّمهم ويخاصمهم، حتى كلّمهم في صاحب القبر، فكان اذا انصرف اليه، قال له: «ما قلت لهم؟ وما قالوا لك؟» ويرضى بذلك منه (4).
وروى الكليني في الكافي بسنده عن يونس بن يعقوب قال: كان عند أبي عبد الله عليه السلام جماعة من اجلّة اصحابه في الكلام، منهم: حمران بن اعين، ومحمد بن النعمان، وهشام بن سالم، والطيار وجماعة فيهم هشام بن الحكم وهو شاب.
فقال أبو عبد الله عليه السلام: «يا هشام! الا تخبرني كيف صنعت بعمرو
-----------------------------------
(1) اختيار معرفة الرجال، تصحيح حسن مصطفوي، كلية الالهيات والمعارف، جامعة مشهد، 1348 هـ ش، برقم 652.
(2) تصحيح الاعتقاد 27، رجال الكشي برقم 651.
(3) رجال الكشي برقم 830.
(4) رجال الكشي برقم 844.

(الصفحة 352)


ابن عبيد وكيف سألته؟».
فقال هشام يا ابن رسول الله: انّي اجلّك واستحييك ولا يعمل لساني بين يديك.
فقال أبو عبد الله عليه السلام: «اذا امرتكم بشيء فافعلوا».
فاخذ هشام يحدث عن مناظرته مع عمرو بن عبيد في مسجد البصرة وافحامه ايّاه.
وبعد نقل المناظرة ضحك أبو عبد الله عليه السلام: وقال: «يا هشام، من علّمك هذا؟».
قال: شيء اخذته منك وألفته.
فقال: «هذا والله مكتوب في صحف ابراهيم وموسى» (1).
ومع هذا كله فقد تخيل المخالفون انّ المناظرة كانت ممنوعة في مكتب اهل البيت وانّ ما يفعله الشيعة يخالف امر ائمتهم.
قال السيد المرتضى في الفصول المختارة: قلت للشيخ أبي عبدالله ]المفيد[ ادام الله عزّه: إنّ المعتزلة والحشوية يزعمون انّ الذي نستعمله من المناظرة شيء يخالف اصول الإمامية ويخرج عن اجماعهم، لانّ القوم لا يرون المناظرة ديناً وينهون عنها، ويروون عن ائمتهم تبديع فاعلها وذمّ مستعملها، فهل معك رواية عن اهل البيت عليهم السلام في صحّتها، ام تعتمد على حجج العقو ولا نلتفت الى من خالفها وان كان عليه اجماع العصابة؟
فقال: اخطأت المعتزلة والحشوية في ما ادّعوه علينا من خلاف جماعة اهل مذهبنا في استعمال المناظرة، واخطأ من ادّعى ذلك من الإمامية ايضاً وتجاهل، لانّ فقهاء الإمامية ورؤسائهم في علم الدين كانوا يستعملون المناظرة
------------------------------------
(1) الكافي، للكليني، تصحيح علي اكبر الغفاري، دار الكتب الاسلامية، طهران، 1375 هـ ش، ج1 / 169 ج3.

(الصفحة 353)


ويدينون بصحّتها وتلّقي ذلك عنهم الخلف ودانوا به، وقد اشبعت القول في هذا الباب وذكرت اسماء المعروفين بالنظر وكتبهم ومدائح الأئمة لهم في كتابي الكامل في علوم الدين وكتاب الاركان في دعائم الدين وانا اروي لك في هذا الوقت حديثاً من جملة ما اوردت في ذلك ان شاء الله.
اخبرني أبو الحسن احمد ن محمد بن الحسن بن الوليد، عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن احمد بن محمد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرحمان ـ مولى آل يقطين ـ عن أبي جعفر محمد بن النعمان، عن أبي عبد الله الصادق جعفر بن محمدعليه السلام قال: قال لي:
«خاصموهم وبيّنوا لهم الهدى الذي انتم عليه، وبيّنوا لهم ضلالهم وباهلوهم في علي عليه السلام»(1).
ولعل المقصود من ذكر السند هنا انّ الاكابر من علماء الشيعة يروون صحّة المناظرة كابن الوليد وسعد بن عبد الله واحمد بن محمد بن عيسى ويونس بن عبد الرحمان، ومعه كيف يتخيّل انّ علماء الإمامية يخالفون المناظرة وينكرونها.
وقد نقل المفيد ما سأله يحيى بن خالد البرمكي بحضرة الرشيد هشام بن الحكم رحمه الله، وهذه المناظرة مفيدة من جهة التعرُّف على منهج المناظرة ومن جهة المدح الذي قاله الصادق عليه السلام بشأن هشام، فلنقرأ المناظرة من الفصول المختارة:
قال يحيى لهشام: اخبرني يا هشام عن الحقّ هل يكون في جهتين مختلفتين؟
قال هشام: لا.
قال: فخبّرني عن نفسين اختصما في حكم في الدين وتنازعا واختلفا هل
---------------------------------
(1) الفصول المختارة، دار الاضواء، بيروت، 1405 «من طبعة النجف»، ص 284.

(الصفحة 354)


يخلوان من ان يكونا محقّين او مبطلين او يكون احدهما مبطلاً والآخر محقاً؟
فقال هشام: لا يخلوان من ذلك، وليس يجوز ان يكونا محقّين على ما قدّمت من الجواب.
قال له يحيى بن خالد: فخبّرني عن عليٍّ عليه السلام والعبّاس لما اختصما إلى أبي بكر في الميراث، أيهما كان المحقّ من المبطل اذ كنت لا تقول انّهما كانا محقّين ولا مبطلين؟
قال هشام: فنظرت فاذا أنني ان قلت بانّ علياً عليه السلام كان مبطلاً كفرت وخرجت عن مذهبي، وان قلت: إنّ العباس كان مبطلاً. ضرب الرشيد عنقي ووردت عليّ مسألة لم اكن سألت عنها قبل ذلك ولا اعددت لها جواباً، فذكرت قول أبي عبد الله عليه السلام وهو يقول لي: «يا هشام لا تزال مؤيّداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك» فعلمت أنّي لا اخذل وعنّ لي الجواب في الحال، فقلت له: لم يكن من احدهما خطأ وكانا جميعاً محقّين، ولهذا نظير قد نطق به القرآن في قصّة داود عليه السلام حيث يقول الله جلّ اسمه: ( ـ إلى قوله: ـ )(1) فأيّ الملكين كان مخطئاً وايهما كان مصيباً؟ ام تقول إنّهما كانا مخطئين؟ فجوابك في ذلك جوابي بعينه.
فقال يحيى: لست أقول: إنّ الملكين اخطئا، بل اقول إنّهما أصابا، وذلك أنّهما لم يختصما في الحقيقة ولا اختلفا في الحكم، وانّما اظهرا ذلك لينبّها داودعليه السلام على الخطيئة ويعرِّفاه الحكم ويوقفاه عليه.
فقال: فقلت له: كذلك عليّ عليه السلام والعباس لم يختلفا في الحكم ولا اختصما في الحقيقة، وانّما أظهرا الاختلاف والخصومة لينبها أبا بكر على غلطه ويقفاه على خطأه ويدلاّه على ظلمه لهما في الميراث، ولم يكونا في ريب
--------------------------------------
(1) سورة ص 38: 21 و22.

(الصفحة 355)


من امرهما، وانّما كان ذلك منهما على حد ما كان الملكين.
فلم يحر جواباً واستحسن ذلك الرشيد(1).
اذا عرفت هذا فلنتأمل في كتاب تصحيح الاعتقاد ونرى كلام المفيد حول المناظرة، فنقول: إنّه بعدما اورد الآيات الامرة بالجدال بالتي هي احسن، والآيات الاخرى الناهية عن الجدال بغير التي هي احسن، استدلّ بدليلين على صحّة المناظرة:
الاول: مازال الائمة عليهم السلام يناظرون في دين الله سبحانه ويحتجّون على اعداء الله تعالى.
الثاني: كان شيوخ اصحابهم ـ في كل عصر يستعملون النظر ويعتمدون الحجاج ـ وكان الأئمة يحمدونهم على ذلك ويثنون عليهم.
ثم اورد عدّة روايات لمدح الائمة للمتكلمين المناظرين.
منها ما ذكره الكليني في كتاب الكافي ـ وهو من اجلّ كتب الشيعة واكثرها فائدة ـ من حديث يونس بن يعقوب مع أبي عبد الله عليه السلام: «وددت انّك يا يونس تحسن الكلام».
فقال له يونس: جعلت فداك، سمعتك تنهى عن الكلام. وقد اجاب الإمام عن سؤاله بما سنذكره ان شاء الله، ثم دعا حمران بن اعين ومحمد بن الطيّار وهشام بن سالم وقيس الماصر فتكلّموا بحضرته وتكلّم هشام بعدهم فاثنى عليه ومدحه وقال له: مثلك من يكلّم الناس» (2)؟!
ثم روى المفيد عدّة احاديث نذكر جملة منها:
1 ـ قال أبو الحسن موسى بن جعفر عليه السلام لمحمد بن حكيم: «كلّم الناس وبين لهم الحقّ الذي انت عليه، وبيّن لهم الضلالة التي هم
--------------------------------------
(1) الفصول المختارة: 26.
(2) الكافي 1: 171 ح4، تصحيح الاعتقاد: 27.

(الصفحة 356)


عليها»(1).
2 ـ قال أبو عبد الله عليه السلام لبعض اصحابنا: «حاجّوا النّاس بكلامي فإنْ حجّوكم فأنا المحجوج» (2) .
2 ـ وقال لهشام بن الحكم وقد سأله عن اسماء الله تعالى واشتقاقها فاجابه عن ذلك ثم قال له بعد الجواب: «افهمت ياهشام فهماً تدفع به اعداءنا الملحدين في دين الله وتبطل شبهاتهم»؟
فقال هشام: «نعم».
فقال له: «وفّقك الله» (3).
ومن الطريف انّ بعض المتكلمين من اصحاب الصادق عليه السلام نقلوا
ما جرى لهم من المناظرة للصادق عليه السلام فارشدهم الى النهج الصواب، فقد روى الكشي عن اسماعيل بن عبد الخالق عن أبي عبدالله عليه السلام أنّه قال لمؤمن الطاق: «بما تخاصم الناس» ؟
قال فاخبره بما يخاصم الناس، ولم احفظ منه ذلك.
فقال أبو عبدالله عليه السلام: «خاصمهم بكذا وكذا» (4).
ومن طريف ما يرى في اصحاب أبي عبد الله الصادق عليه السلام ايضاً: المناظرات التخصصيّة، فقد حكى لنا عن ذلك الكشي في رجاله حيث اورد الرواية التالية:
عن يونس بن يعقوب، عن هشام بن سالم قال: كنّا عند أبي عبد الله عليه السلام ـ جماعة من اصحابه ـ فورد رجل من اهل الشام فاستأذن فأذن له، فلمّا دخل سلّم فامره أبو عبدالله عليه السلام بالجلوس، ثم قال له: «حاجتك ايها
-----------------------------------------
(1) تصحيح الاعتقاد: 27.
(2) تصحيح الاعتقاد: 27.
(3) تصحيح الاعتقاد: 27 ومع تفاوت يسير في الكافي 1 / 87 ح2.
(4) رجال الكشي رقم 328.

(الصفحة 357)


الرجل»؟
قال: بلغني انّك عالم بكلّ ما تسأل عنه، فصرت اليك لا ناظرك.
فقال أبو عبد الله عليه السلام: «في ماذا»؟
قال: في القرآن وقطعه واسكانه وخفضه ونصبه ورفعه.
فقال: أبو عبد الله عليه السلام: «يا حمران دونك الرجل».
فقال الرجل: انّما اريدك انت لا حمران.
فقال أبو عبد الله عليه السلام: «ان غلبت حمران فقد غلبتني».
فاقبل الشامي يسأل حمران حتى غرض (1) وحمران يجيبه.
فقال أبو عبد الله عليه السلام: «كيف رأيت يا شامي»؟
قال: رأيته حاذقاً، ما سألته عن شيء الاّ اجابني فيه.
فقال أبو عبد الله عليه السلام: «يا حمران سل الشامي» فما تركه يكشر(2).
فقال الشامي: اريد يا أباعبد الله اناظرك في العربية.
فالتفت أبو عبدالله عليه السلام فقال: «يا أبان بن تغلب ناظره».
فناظره فما ترك الشامي يكشر.
فقال: اريد ان اناظرك في الفقه!
فقال أبو عبد الله عليه السلام: «يا زرارة ناظره».
فناظره فما ترك الشامي يكشر.
قال: اريد ان اناظرك في الكلام.
قال: «يا مؤمن الطاق ناظره».
فناظره فسجل (3) الكلام بينهما، ثم تكلّم مؤمن الطاق بكلامه فغلبه به.
-------------------------------------
(1) غرض منه: أي ضجر وملّ.
(2) يكشر: أي يهرب.
(3) السجل والتسجيل: الرمي والتقرير والجريان.

(الصفحة 358)


فقال: اريد ان اناظرك في الاستطاعة.
فقال للطيّار: «كلّمه فيها!».
قال: فكلّمه فما تركه يكشر.
ثم قال: اريد اكلّمك في التوحيد.
فقال لهشام بن سالم: «كلّمه»، فسجل الكلام بينهما، ثم خصمه هشام.
فقال: اريد ان اتكلّم في الإمامة.
فقال لهشام بن الحكم: «كلّمه يا أبا الحكم».
فكلّمه فما تركه يرتم (1) ولا يحلي ولا يمري.
قال فبقي يضحك أبو عبدالله عليه السلام حتى بدت نواجذه.
فقال الشامي: كانّك اردت ان تخبرني انّ شيعتك مثل هؤلاء الرجال.
قال: «هو ذاك».
ثم قال: «يا اخا اهل الشام، اما حمران: فحرّفك فحرت له، فغلبك بلسانه وسألك عن حرف من الحق فلم تعرفه.
وامّا أبان بن تغلب: فمغث(2) حقاً بباطل فغلبك.
وأما الطيّار(3)، فكان كالطير يقع ويقوم وانت كالطير المقصوص لا نهوض لك.
---------------------------------------
(1) رتم يرتم أي: تكلّم وفي بعض النسخ يريم بفتح حرف المضارعة من الريم.
قال في المغرب: رام مكانه يريمه: زال منه وفارقه.
وفي القاموس: ما رمت المكان ما برحت منه، ومنه ريم به اذا قطع.
(2) مغث: أي خلط.
(3) لم يحدّث الإمام عليه السلام في تقييمه عن مؤمن الطاق فلا يبعد وقوع سقط في الخبر ولعلّ التشبيه بالطير كان له فانّه سجل الكلام بينه وبين الشامي لا الطيار الّذي ما تركه يكشر، كما في متن الحديث، وان كانت المناسبة بين لفظ الطيّار والطير ربّما تؤيد كون التشبيه للطيّار لكنّ الانسب رعاية متن الخبر.

(الصفحة 359)


واما هشام بن سالم: فاحسن ان يقع ويطير.
وامّا هشام بن الحكم: فتكلّم بالحقّ فما سوّغك بريقك.
يا اخا اهل الشام إنّ الله اخذ ضغثاً من الحقّ وضغثاً من الباطل فمغثهما ثم اخرجهما الى الناس، ثم بعث الانبياء يفرقون بينهما، ففرّقها الانبياء والاوصياء، وبعث الله الانبياء ليعرفوا ذلك، وجعل الانبياء قبل الاوصياء ليعلم الناس من يفضّل الله ومن يختصّ، ولو كان الحقّ على حدة والباطل على حدة، كل واحد منهما قائم بشأنه، ما احتاج الناس الى نبي ولا وصيّ، ولكنّ الله خلطهما وجعل تفريقهما الى الانبياء والأئمة من عباده».
فقال الشامي: قد افلح من جالسك.
فقال أبو عبد الله عليه السلام: «انّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم كان يجالسه جبرائيل وميكائيل واسرافيل يصعد الى السماء فيأتيه بالخبر من عند الجبّار، فان كان ذلك كذلك فهو كذلك».
فقال الشامي: اجعلني من شيعتك وعلّمني.
فقال أبو عبدالله عليه السلام: «يا هشام (1) علّمه فانّي احبّ ان يكون تلماذاً لك».
قال علي بن منصور وأبو مالك الحضري: رأينا الشامي عند هشام بعد موت أبي عبد الله عليه السلام، ويأتي الشاميّ بهدايا اهل الشام وهشام يزوّده هدايا اهل العراق.
قال علي بن منصور: وكان الشاميّ ذكيّ القلب(2).
وتترتب على هذه الرواية جملة من الملاحظات الهامة يمكن تثبيتها بما يلي:
------------------------------------
(1) المراد هو هشام بن الحكم.
(2) رجال الكشي رقم 494، وفي نسختنا: يرده، واثبتنا ما في طبعة مؤسسة آل البيت عليهم السلام / قم.

(الصفحة 360)


1 ـ تخصّص اصحاب الإمام الصادق عليه السلام كل واحد في حقل من حقول العلم.
2 ـ تقييم الإمام عليه السلام لمناظرة اصحابه وبيان خطأها عن صوابها.
3 ـ ارجاع الإمام مسألة التوحيد الى هشام بن سالم لا لهشام بن الحكم ربّما يومي الى انّ رأي هشام بن الحكم في تلك المسألة لم يكن مرضياً لديه عليه السلام(1).
4 ـ تقدير الإمام لهشام بن الحكم اكثر من سائر اصحابه، حيث ان الامام عليه السلام كنّى هشام بن الحكم ومنحه ارفع درجات التقييم، والظاهر انّه المأمور بتعليم الشاميّ، وهذا ممّا يكشف عن مدى اهمية مسألة الإمامة لدى الأئمة عليهم السلام.
هذا وقد روى هذه المناظرة يونس بن يعقوب عن هشام بن سالم، وقد روى يونس بن يعقوب مباشرة نظير هذه المناظرة على ما في الكافي، فيحتمل وحدة الروايتين في الاصل، ولكنّ الاظهر ـ بملاحظة كثرة فروق الخبرين ـ تعدد القضية، فيحسن بنا ان ننقل هذه الرواية ايضاً:
عن يونس بن يعقوب قال: كنت عند أبي عبدالله عليه السلام فورد عليه رجل من اهل الشام، فقال: إنّي رجلٌ صاحب كلام وفقه وفرائض وقد جئت لمناظرة اصحابك(2).
فقال أبو عبد الله عليه السلام: «كلامك من كلام رسول الله او من عندك»؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لاحظ رجال الكشي رقم 500 وما بعده.
(2) في النقل السابق جاء الرجل لمناظرة الإمام نفسه ولم يكن الإمام يتكلّم معه في اوّل الخبر، وهذان مع غيرهما من الفروق يدّل على ما استظهرناه من تعدد القضية.

(الصفحة 361)


قال: من كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم ومن عندي.
فقال أبو عبد الله عليه السلام: «فانت اذاً شريك رسول الله»؟!
قال: لا.
قال: «فسمعت الوحي عن الله عزّ وجلّ يخبرك»؟
قال: لا.
قال: «فتجب طاعتك كما تجب طاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم»؟
قال: لا.
فالتفت أبو عبد الله عليه السلام إليّ فقال: يا يونس بن يعقوب ; هذا قد خصم نفسه قبل ان يتكلم، ثم قال :يا يونس لو كنت تحسن الكلام كلّمته».
قال يونس: فيالها من حسرة، فقلت: جعلت فداك إنّي سمعتك تنهى عن الكلام وتقول: ويل لأصحاب الكلام...
وهنا كلام للإمام عليه السلام سنتحدث عنه لاحقاً.
ثم قال لي: «اخرج الى الباب فانظر من ترى من المتكلمين فأدخله».
قال: فادخلت حمران بن اعين ـ وكان يحسن الكلام ـ وادخلت الأحول(1) ـ وكان يحسن الكلام ـ وادخلت هشام بن سالم ـ وكان يحسن الكلام ـ وادخلت قيس بن الماصر ـ وكان عندي احسنهم كلاماً، وكان قد تعلّم الكلام من عليّ بن الحسين عليهما السلام ـ.
فلمّا استقّر بنا المجلس ـ وكان أبو عبد الله عليه السلام قبل الحج يستقر ايّاماً في جبل في طرف الحرم في فازة(2) له مضروبة ـ قال: فاخرج أبو عبد الله عليه السلام رأسه من فازته فاذا هو ببعير يخبّ(3).
-------------------------------------------
(1) هو أبو جعفر الأحول محمد بن النعمان المعروف بمؤمن الطاق والطاقي.
(2) الفازة: الخيمة الصغيرة.
(3) الخَبَب: ضرب من العدو.

(الصفحة 362)


فقال: «هشام(1) وربّ الكعبة».
قال: فظننّا أنّ هشاماً رجلٌ من ولد عقيل ـ كان شديد المحبة له ـ قال: فورد هشام بن الحكم وهو اوّل ما اختطت لحيته، وليس فينا الاّ من هو اكبر سنّاً منه.
قال: فوسّع له أبو عبد الله عليه السلام وقال: «ناصرنا بقلبه ولسانه ويده».
ثم قال: «يا حمران، كلّم الرجل» فكلّمه فظهر عليه حمران.
ثم قال: «يا طاقي، كلّمه»، فكلّمه فظهر عليه الاحول.
ثم قال: «يا هشام بن سالم كلّمه»، فتعارفا(2).
ثم قال أبو عبد الله عليه السلام لقيس الماصر: «كلّمه» فكلّمه.
فأقبل أبو عبد الله عليه السلام يضحك من كلامهما ممّا قد اصاب الشامي، فقال للشامي: «كلّم هذا الغلام».
يعني هشام بن الحكم.
فقال: نعم، فقال لهشام: سلني في امامة هذا.
فغضب هشام(3) حتى ارتعد ثم قال للشامي: يا هذا أربّك أنظر لخلقه أم خلقه لانفسهم؟
-----------------------------------
(1) يعني هذا الراكب هشام، فظننا انّ هشام رجلّ اي ظناّ أنّه يريد بقوله: هشام، ذاك الرجل «الوافي».
(2) فتعارفا: في اكثر النسخ بالعين والراء المهملتين والفاء اي تكلّما بما عرف كل منهما صاحبه وكلامه بلا غلبة لاحدهما على الاخر، وفي بعضها بالواو والقاف «تعاوقا» اي وقعا في العرق كناية عن طول المناظرة «مرآة العقول».
(3) كأنّه أساء الأدب في إشارته إلى الإمام عليه السلام، أو استهزأ بهشام ولهذا غضب.
أقول: لعلّ استهزاؤه بهشام من جهة خطابه بالغلام، فإنّ تعبير الإمام عن هشام بالغلام غير خطاب الرجل الشامي بذلك.
ومن جهة أُخرى: جعل الشامي هشاماً سائلاً يدلّ على عدم اعتنائه به، فإنّ موضع السائل في المناظرة أشدّ استحكاماً من موضع المجيب، فكأنّ الشامي يقول: إنّي أغلبك وإنْ كنت في الموضع المستحكم.

(الصفحة 363)


فقال الشامي: بل ربّي أنظر لخلقه.
قال: ففعل بنظره لهم ماذا؟
قال: اقام لهم حجّةً ودليلاً كيلا يتشتتوا أو يختلفوا، بتألّفهم ويقيم أودهم(1) ويخبرهم بفرض ربّهم.
قال: فمن هو؟
قال: رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.
قال هشام: فبعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم؟
قال: الكتاب والسنة.
قال هشام: فهل نفعنا الكتاب والسنّة في رفع الاختلاف عنّا؟
قال الشامي: نعم.
قال: فلم اختلفنا انا وانت وصرت الينا من الشام في مخالفتنا ايّاك.
قال: فسكت الشامي.
فقال أبو عبدالله عليه السلام للشامي: «ما لك لا تتكلّم؟!».
قال الشامي: ان قلت: لم تختلف كذبت، وان قلت: إنّ الكتاب والسنّة يرفعان عنّا الاختلاف ابطلت، لانّهما يحتملان الوجوه، وان قلت: قد اختلفنا وكلّ واحد منّا يدعي الحق فلم ينفعنا اذن الكتاب والسنّة إلاّ انّ لي عليه هذه الحجّة.
فقال أبو عبد الله عليه السلام: «سله تجده مَليّاً».
فقال الشامي: يا هذا! من انظر للخلق أربّهم أو انفسهم؟
فقال هشام: ربّهم انظر لهم منهم لانفسهم.
فقال الشامي: فهل اقام لهم من يجمع لهم كلمتهم ويقيم اودهم ويخبرهم بحقّهم من باطلهم؟
--------------------------------------
(1) أودهم: أي اعوجاجهم.

(الصفحة 364)


قال هشام: في وقت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم او الساعة؟
قال الشامي: في وقت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم والساعة من؟
فقال هشام: هذا القاعد الذي يشدّ اليه الرجال(1) ويخبرنا باخبار السماء والارض، وراثة عن أب عن جدٍّ.
قال الشامي: فكيف لي ان اعلم ذلك؟
قال هشام: سله عمّا بدا لك.
قال الشامي: قطعت عذري فعليَّ السؤال.
فقال أبو عبدالله عليه السلام: «يا شامي; اخبرك كيف كان سفرك وكيف كان طريقك؟ كان كذا وكذا».
فأقبل الشامي يقول: صدقت، اسلمت لله الساعة.
فقال أبو عبدالله عليه السلام: «بل آمنت بالله الساعة، إنّ الاسلام قبل الايمان وعليه يتوارثون ويتناكحون، والايمان عليه يثابون».
فقال الشامي: صدقت، فانا الساعة أشهد ان لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وأنّك وصيّ الأَوصياء.
وقبل ان نكمل قراءة الحديث نقف عند بابه رويداً ونقتبس منه اموراً:
1 ـ إنّ الإمام يحترم هشام بن الحكم ـ ذاك الشاب ـ احتراماً كبيراً، وهذا يدلّ على انّ عند العترة الطاهرة قيمة العلم اكبر من قيمة السنّ، والعالم الشاب افضل من الشيخ غير العالم، ونقل الراوي خصوص مناظرة هشام بن الحكم يدلّ على الجوّ الحاكم على تلك القضية حيث كانت الانظار متوجهة نحو هشام ابن الحكم فحسب.
2 ـ إنّ الرواية تتضمن مناظرة كاملة مشتملة على السؤال والجواب،
----------------------------------------
(1) كناية عن اتيان الناس اليه من كل فج واقبالهم عليه في مواسم الحج. والرحل ما يستصحبه المسافر من الاثاث.

(الصفحة 365)


والغرض منها هو الوصول الى الحق، والخصم ايضاً انّما يبحث عن ذاك الغرض، ولذلك تراجع عن رأيه عند ما ظهر له بطلانه.
3 ـ إنّ طلب الشامي من هشام ـ عند مناظرته له ـ ان يكون سائلاً استخفافاً به، بيد انه تراجع بعد ذلك عندما تبين قوة خصمه وكفاءته.
4 ـ تشتمل هذه المناظرة على شكلين من اشكال المناظرة، وترسمهما بدقة فائقة، وقد ظفر هشام في كلا المنهجين، وهذا ممّا يدلّ بوضوح على مقدرة هشام على المناظرة ومعرفته بقواعدها.
5 ـ إنّ الإمام عليه السلام اصرّ على ايقاف الشامي على عجزه حينما بيّن له جهله في التمييز بين الاسلام والايمان.
أقول: نعود الى متابعة الحديث:
ثم التفت أبو عبدالله عليه السلام الى حمران فقال: «تجري الكلام على الاثر فتصيب»(1).
والتفت الى هشام بن سالم فقال: «تريد الاثر ولا تعرفه»(2).
وثم التفت الى الاحول، فقال: قيّاس، روّاغ(3) تكسر باطلاً بباطل، إلاّ
--------------------------------------
(1) قال العلاّمة المجلسي في «مرآة العقول»: أي على الأخبار المأثورة عن النبيّ وأئمّة الهدى صلوات الله عليهم فنصيب الحقّ; ثم احتمل احتمالين آخرين:
2 ـ وقيل على حيث ما يقتضي كلامك السابق فلا يختلف كلامك بل يتعاضد.
3 ـ ويحتمل أن يكون المراد على أثر كلام الخصم، أي جوابك مطابق للسؤال. والأول أظهر.
أقول: ويؤيّده كلام الإمام عليه السلام لهشام بن سالم وقيس الماصر كما يأتي قريباً، وفي الاحتمالات الثلاثة إشارة إلى منهج خاصّ في المناظرة.
(2) اي تريد ان تبني كلامك على الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم ولا تعرفه لعدم التتبع في الاخبار او عدم القدرة على الاستنباط «المرآة».
(3) قيّاس على صيغة المبالغة، اي انت كثير القياس، وكذلك روّاغ «باهمال اوله واعجمام آخره» اي كثير الروغان، وهو ما يفعله الثعلب من المكر والحيل، ويقال للمصارعة ايضاً «الوافي».

(الصفحة 366)


انّ باطلك اظهر».
ثم التفت الى قيس الماصر فقال: «تتكلّم واقرب ماتكون من الخبر عن رسول الله أبعد ما تكون منه، تمزج الحقّ مع الباطل وقليل الحقّ يكفي عن كثير الباطل، انت والأحول قفّازان(1) حاذقان».
قال يونس: فظننت والله انّه يقول لهشام قريباً ممّا قال لهما.
ثم قال: يا هشام! «لا تكاد تقع، تلوي رجليك اذا هممت بالارض طرت(2)، مثلك فليكلّم الناس، فاتّق الزلة والشفاعة من ورائها ان شاء الله»(3).
هذه المناظرة تصور لنا تصويراً بديعاً عن مناهج المناظرات في زمن الإمام الصادق عليه السلام، فكل من اصحابه عليه السلام يأخذ بمنهج.
حمران بالمنهج الحديثي، ويصوبّه الإمام عليه السلام.
هشام بن سالم ايضاً يريد نفس المنهج، ولكن ا ينجح فيه.
الاحول وقيس الماصر يناظران بالمنهج القياسي، والإمام لا يرضى به لبطان القياس وهشام بن الحكم هو الذي يصيب في منهج المناظرة، فيتكلّ على البراهين العقلية ويعتمد على مقام الإمامة، والإمام يرضاه له ويأمره بالمناظرة دون الباقين.
فتحصل شرطان أساسيان للمناظرة:
الاول: المنهج الصحيح، سواء كان المنهج الحديثي او كان المنهج العقلي الحديثي.
-------------------------------------------
(1) بالقاف والفاء المشدّدة والزاء من القفز، وهو الوثوب، وفي بعض النسخ: «قفاران» «بالراء المهملة» من القفر، وهو المتابعة والاقفاء، وفي بعضها بتقديم الفاء على القاف «فقاران» من فقرت البئر اي حفرته «المرآة».
(2)اي انّك كلّما قربت من الارض وخفت الوقوع عليها لويت رجليك كما هو شأن الطير عند ارادة الطيران ثم طرت ولم تقع «المرآة».
(3) الكافي 1: 171 ـ 174.

(الصفحة 367)


الثاني: توفّر الاوصاف العلمية اللازمة للمناظرة.
وبعد هذا يسهل علينا تفسير الروايات المنانعة عن المناظرة وتبيين مفادها.
فنقول: وردت روايات كثيرة في ذم المناظرة عن ائمة اهل البيت عليهم السلام، فحصل تصوّر لدى البعض انّ المناظرة كانت على خلاف اصول الإمامية ـ لا للمعتزلة والحشوية فحسب ـ كما اشار الى ذلك الشيخ الطبرسي في مقدمة الاحتجاج.
والتدقيق في هذه الروايات يدلّ على انّ النهي فيها لم يكن مطلقاً بل لجهات خاصة، وقد استفدنا من الروايات عدة جهات للنهي هي:
1 ـ الجدال لغير الصالح الذي يتوفر له الشروط العلمية والموضوعية للمناظرة:
إن للمناظرة شروطاً خاصة، وصفات مخصوصة، لا تفيد المناظرة الاّ معها، وبدونها لا تكون نافعة بل ضارةً، ففي رواية عن جابر الجعفي قال سمعته يقول: «إنّ اناساً دخلوا على أبي رحمة الله عليه فذكروا له خصومتهم مع الناس، فقال لهم: هل تعرفون كتاب الله ما كان فيه ناسخ او منسوخ؟
قالوا: لا.
فقال لهم: وما حملكم على الخصومة، لعلكم تحلّون حراماً او تحرمون حلالاً ولا تدرون، انّما يتكلّم في كتاب الله من يعرف حلال الله وحرامه. الخبر(1).
وقد ذمّ أبو عبد الله عليه السلام ـ في رواية ـ المماري في ما لا علم له به(2).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بحار الانوار للعلامة المجلسي، دار الكتب الاسلامية، طهران، 1362 هـ ش، 2/139 ح59، والمعارف.
(2) الخصال، الشيخ الصدوق، تصحيح علي اكبر الغفاري، مؤسسة النشر الاسلامي، قم، 1403، ص409 ح9، البحار 2/129 ح12.

(الصفحة 368)


وفي رواية عن الطيّار قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: بلغني أنّك كرهت مناظرة الناس.
فقال: «امّا كلام مثلك فلا يكره، من اذا طار يحسن ان يقع، وان وقع يحسن أن يطير، فمن كان هكذا لا نكرهه».
ونظيرها رواية اخرى عن عبد الاعلى(1)
وفي حديث اخر عن أبي خالد الكابلي قال: رأيت أبا جعفر صاحب الطاق وهو قاعد في الروضة قد قطع اهل المدينة ازراره، وهو دائب يجيبهم ويسألونه، فدنوت منه فقلت: إن ابا عبد الله عليه السلام ينهانا عن الكلام.
فقال: امرك ان تقول لي؟
فقلت: لا والله، ولكن امرني ان لا اكلّم احداً.
قال: فاذهب فاطعه في ما امرك.
فدخلت على أبي عبد الله عليه السلام فاخبرته بقصّة صاحب الطاق وما قلت له وقوله لي: اذهب فاطعه في ما أمرك، فتبسم أبو عبد الله عليه السلام وقال: «يا أبا خالد إنّ صاحب الطاق يكلّم الناس فيطير وينقضّ، وأنت إن قصّوك لن تطير»(2).
وما ذكرناه هو الوجه في الرويات التي تقول مثلاً: اياكم والجدال فانّه يورث الشكّ في دين الله (3).
هذا وقد اشار الشيخ المفيد الى هذا الوجه في تصحيح الاعتقاد فقال: إنّ نهي الصادقين عن الكلام انّما كان لطائفة بعينا لا تحسنه ولا تهتدي إلى طرقه وكان الكلام يفسدها، والامر لطائفة اخرى لانّها تحسنه وتعرف طرقه
--------------------------------------
(1) رجال الكشي برقم 578 و 650، البحار 2 / 136 ح 38 و39.
(2) رجال الكشي برقم 327.
(3) البحار 2 / 138 ح49، بيروت، 1400، ص340 المجلس 65، ح2، كنز الفوائد للكراجكي ص127.

(الصفحة 369)


وسبله.
واستدل قدس سرّه على ذلك بما روي عن أبي عبد الله عليه السلام: أنّه نهي رجلاً عن الكلام وامر آخر به، فقال له بعض اصحابه: جعلت فداك، نهيت فلاناً عن الكلام وامرت هذا به!؟
فقال: هذا ابصر بالحجج وارفق منه (1).
2 ـ الجدال مع غير الصالح:
إنّ المناظرة يجب ان تكون غايتها الوصول الى معرفة الحق، فلذلك لا بد ان يرى المناظر في خصمه امكانية معرفة الحق وتقبله، فيلزم الاجتناب عن مناظرة الاحمق والجاهل، ففي رواية عن النبي الاعظم صلوات الله وسلامه عليه وآله: «اربع يمتن القلوب... ومماراة الاحمق تقول ويقول ولا يرجع الى خير»(2).
3 ـ الجدال بغير المنهج الصحيح:
قد عرفنا في ما سبق عند قراءة رواية هشام بن الحكم أنّ الصادق عليه السلام كان لا يرضى باستعمال القياس في المناظرة، وقد مرّ تفسير الجدال بغير التي هي احسن في الرواية المذكورة في التفسير المنسوب الى الإمام العسكري: بان تجحد حقاً لا يمكنك ان تفرّق بينه وبين باطل من تجادله، وانما تدفعه عن باطله بان تجحد الحقَّ(3). وفي ذلك اشارة واضحة الى النهي عن هذا النوع من الجدال والمناظرة، فراجع.
----------------------------------------
(1) تصحيح الاعتقاد: 27.
(2) الخصال: 228، البحار 2/128 ح10، وايضاً امالي الطوسي، ومكتبة الداوري، قم، «من طبعة المكتبة الحيدرية، النجف» ج1/7، البحار 2/129 ح14.
(3) التفسير المنسوب الى الإمام العكسري عليه السلام: 429.

(الصفحة 370)


4 ـ الجدال في زمن التقية:
إنّ الجدال في زمن التقية ربما يشكل خطراً بالغاً يتهدد حياة المناظرين أو حتى حياة الأئمة عليهم السلام آنذاك، فالمحافظة على كيان التشيع في تلك الأزمنة يحكم بلزوم الستر ورعاية منهج التقية، والاجتناب عن المناظرة في تلك الاجواء الخطيرة، وقد اشار الشيخ المفيد الى انّه قد يصح النهي عن المناظرة للتقية(1).
وقد روى الكشي باسناده، عن يونس قال: قلت لهشام: انّهم يزعمون أنّ أبا الحسن(2) بعث اليك عبد الرحمن بن الحجّاج يأمرك ان تسكت ولا تتكلّم، فأبيت ان تقبل رسالته، فاخبرني كيف هذا، وهل ارسل اليك ينهاك عن الكلام أو لا، وهل تكلّمت بعد نهيه ايّاك؟
فقال هشام: إنّه لمّا كان ايّام المهدي شدّد على اصحاب الاهواء، وكتب له ابن المفضّل صنوف الفرق صنفاً صنفاً، ثم قرأ الكتاب على الناس.
فقال يونس: قد سمعت الكتاب يقرأ على الناس على باب الذهب بالمدينة، ومرة اخرى بمدينة الوضّاح(3).
فقال: إنّ ابن المفضّل صنّف لهم صنوف الفرق فرقة فرقة، حتّى قال في كتابه: وفرقة يقال لهم الزرارية، وفرقة يقال لهم العمّارية ـ أصحاب عمّار الساباطي ـ وفرقة يقال هم اليعفورية، ]كأنّ المراد بهم اصحاب عبد الله بن أبي يعفور[، ومنهم فرقة اصحاب سليمان الاقطع، وفرقة يقال لهم الجواليقية
--------------------------------------------
(1) تصحيح الاعتقاد: 28.
(2) يعني الإمام الكاظم عليه السلام.
(3) الظاهر انّ المدينة اشارة الى المعهود اي بغداد، ومدينة وضّاح يراد بها قصر وضّاح في بغداد، وقد سكنها هشام بن الحكم في اخريات حياته، وفي نقل اخر للخبر: وقرأ ذلك الكتاب في الشرقية.

(الصفحة 371)


]اصحاب هشام بن سالم الجواليقي[(1).
قال يونس: ولم يذكر يومئذ هشام بن الحكم ولا اصحابه، فزعم هشام ليونس انً أبا الحسن عليه السلام، بعث اليه فقال له: «كفّ هذه الايّام عن الكلام فانّ الامر شديد».
قال هشام: فكففت عن الكلام حتّى مات المهدي وسكن الامر، فهذا الامر الذي كان من امره وانتهائي إلى قوله(2).
وفي جملة من الروايات ورد النهي عن المجادلة استدلالاً: بان الله اذا اراد بعبد خيراً نكت في قلبه(3).
والنكت هو ان تضرب في الارض بخشب فيؤثر فيها، والنقش في الارض، والمراد القاء الحق فيه واثباته بحيث تنتقش به وتقبله.
قال العلاّمة المجلسي ـ بعد تفسير النكت ـ: والظاهر أنّ الغرض من تلك الاخبار ترك مجادلة من لا يُؤثّر الحقّ فيه وتجب التقيّة منه، ولمّا كانوا في غاية الحرص على دخول الناس في الايمان كانوا يتعرضون للمهالك(4).
5 ـ الجدال الذي لا ينفع:
المجادلة كالامر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون مطلوباً مع احتمال التأثير، وامّا مع عدمه لا يكون مطلوباً، والجدال مع غير الصالح من مصاديق الجدال غير النافع، والجدال مع من لا يقبل الحق من مصاديقه ايضاً، ولهذه
-----------------------------------------
(1) اختلاق الفرق كان من دسائس الحكومة العباسيّة لبث الفرقة بين المسلمين واثارة الشبهات حول الشيعة وصولاً الى التضييق عليهم وقمعهم، لان ليس لهذا الفرق وجود اصلاً، بل ان لأصحاب الأئمة آراء خاصة بهم لا تجعل منهم فرقاً ابداً.
(2) رجال الكشي برقم 479 وأيضاً 485.
(3) المحاسن للبرقي، تصحيح المحدّث الارموي، دار الكتب الاسلامية، طهران، 1370، ج1 / 200 ح36، 201 ح38 و39 و40، 202 ح45.
(4) البحار 2 / 133 ذيل ح27.

(الصفحة 372)


الجهة ورد النهي في حديث العترة الطاهرة عليهم السلام عن كلام المسلم في ما لا يعنيه(1).
6 ـ الجدال لإظهار الكمال والفخر:
حثَ الأئمّة عليهم السلام على ترك الرجل المراء وان كان محقاً(2) في روايات كثيرة مثل ما روي عن الصادق عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلّم: «اورع الناس من ترك المراء وان كان محقاً».
وقد ذكر المحقق المجلسي في تفسيره: ويظهر من الاخبار انّ المذموم فيه ما كان الغرض فيه الغلبة واظهار الكمال والفخر، او التعصّب وترويج الباطل، وامّا ما كان لاظهار الحقّ ورفع الباطل، ودفع الشبه عن الدين وارشاد المضّلين، فهو من اعظم اركان الدين (3)... الى آخر كلامه الشريف.
والحث على ترك الرجل للمراء وان كان محقاً يحتمل ان يكون ناظراً الى المناظرة غير النافعة، لكنّ ما ذكره العلاّمة المجلسي هو الظاهر من بعض الروايات حيث جعل من التواضع ان يترك الرجل المراء وان كان محقاً(4)، فالمناسبة تقضي بكون المراد ما كان الاظهار الفضل، ولعلّه لهذه الجهة نهي عن المراء في حال الصيام(5).
------------------------------------------
(1) امالي المفيد 34 ح9، الخصال 290 ح50، 419، ح9، امالي الشيخ الطوسي 1 / 228، الكافي 2 / 240 ح34.
(2) الكافي 2 / 122 ح6; 144 ح2 ; 4 / 44 ح10، الخصال 144 ح170 ; 223 ح52، معاني الاخبار تصحيح علي اكبر الغفاري، مؤسسة النشر الاسلامي، قم، 1361 هـ ش، ص 195، ح1.
(3) البحار 2 / 127 ذيل ح3.
(4) معاني الاخبار: 381 ح9.
(5) الكافي 4 / 87 ح3.

(الصفحة 373)


7 ـ الجدال مع الخصومة والحقد:
قد نهي في جملة من الروايات عن المراء معطوفاً عليه الخصومة، فيظهر انّ المراد من المراء المنهي عنه ما كان مقترناً بالخصومة، وقد أفرد الكليني في الكافي باباً باسم: المراء والخصومة وملاحاة الرجال، واورد روايات عديدة فيه، منها ما رواه عن أبي عبدالله عليه السلام قال: «قال أمير المؤمنين عليه السلام: ايّاكم والمراء والخصومة، فانّهما يمرضان القلوب على الاخوان وينبت عليهما النفاق»(1).
8 ـ الجدال اتكاءاً على نتائج العقول واستغناء عن الرجوع الى آل الرسول عليهم السلام:
قد ذمّت روايات كثيرة الاعتماد الكامل على العقل وعدم الارتكاز على النصوص الواردة عن اهل البيت عليهم السلام، والظاهر أنّ بعض روايات المناظرة تصب في هذا المنحى ففي رواية عن الصادق عليه السلام: «يهلك اصحاب الكلام وينجوا المسلّمون، إنّ المسلّمين هم النجباء يقولون هذا ينقاد وهذا لا ينقاد»(2) الخبر.
قال العلامة المجلسي في بيانه: «يقولون» اي يقول المتكلّمون لما اسسّوه بعقولهم الناقصة، «هذا ينقاد» اي يستقيم على اصولنا، «وهذا لا ينقاد» على الاصول الكلامية، ويحتمل ان يكون اشارة الى ما يقوله اهل المناظرة في مجادلاتهم: سلّمنا هذا ولكن لا نسلّم ذلك، والاول اظهر(3).
---------------------------------------
(1) الكافي 2 / 300 ح1.
(2) بصائر الدرجات للصفّار، مكتبة آية الله المرعشي، قم، 1404 «من طبعة تبريز» ص 520 ح4 و5.
(3) البحار 2/132 ذيل ح23.

(الصفحة 374)


وقد اشارت الى ذلك رواية يونس بن يعقوب ـ المتضمنة لمناظرة هشام ابن الحكم مع الشامي، وقد مرّت ـ حيث قال له أبو عبد الله عليه السلام: «وددت أنّك يا يونس تحسن الكلام».
فقال له يونس: جعلت فداك سمعتك تنهى عن الكلام وتقول ويل لأهل الكلام يقولون هذا ينقاد وهذا لا ينقاد، وهذا ينساق وهذا لا ينساق، وهذا نعقله وهذا لا نعقله.
فقال أبو عبد الله عليه السلام: «إنّما قلت لهم إذا تركوا قولي وصاروا إلى خلافه»(1).
والمفيد أورد الخبر في تصحيح الاعتقاد لبيان الوجه في النهي عن المناظرة.
9 ـ آفات المناظرة:
نظراً إلى أنّ في المباحثة ميلاً وهوى إلى الغلبة والاستعلاء، ولو كان الانسان نفسه يناظر طلباً للوصول إلى الحق وهداية الناس، فالخصم قد يباحث لغرض فاسد، ولهذا وذاك فإنّ المناظرة تشتمل على آفات يلزم الاتّقاء من الوقوع فيها.
وإلى هذه المهالك تشير جملة من الروايات الناهية عن المناظرة دفعاً للمناظر عن التورط فيها. ومن آفات المناظرة: زوال التواضع وخشوع القلب وسلامة النفس، وايجاد الحقد والعداوة.
وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: «إنّ المخاصمة ممرضة للقلب»(2).
وعن عليه السلام: قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: «إياكم والمراء
---------------------------------------------
(1) الكافي 1/171 ح4، تصحيح الاعتقاد 27.
(2) المحاسن 2/201 ح38.

(الصفحة 375)


والخصومة فإنّهما يمرضان القلوب على الاخوان وينبت عليهما النفاق»(1).
وعنه عليه السلام: «إياكم والخصومة في الدين فإنّها تشغل القلب عن ذكر الله عزّ وجلّ، وتورث النفاق، وتكسب الضغائن، وتستجير الكذب»(2).
قال العلاّمة المجلسي في البحار: الضغائن: جمع الضغينة، وهي الحقد والعداوة والبغضاء، قوله (تستجير) في بعض النسخ بالزاء المعجمة، أي يضطّر في المجادلة إلى الكذب وقول الباطل فيظنّه جائزاً للضرورة بزعمه، وفي بعضها بالمهملة، أي يطلب الإجارة والأمان من الكذب ويلجأ إليه للتخلّص من غلبة الخصم(3).
فالمناظر يجب أن يكون على حذر من هذه المهالك الاخلاقية والروحية، ويستعيذ بالله من شرور النفس والشيطان.
10 ـ الجدال في ما كان هناك واجب أهمّ:
روي عن أبي عبيدة الحذّاء قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: «إيّاكم وأصحاب الخصومات، فإنّهم تركوا ما أمروا بعلمه وتكلّفوا ما لم يؤمروا بعلمه، حتى تكلّفوا علم السماء». الحديث(4).
وقد قال السيد ابن طاووس بعد ذكره رواية في ذمّ المتكلّمين: ويحتمل أن يكون المراد بهذا الحديث المتكلّمين الّذين يطلبون بكلامهم وعلمهم ما لا يرضاه الله عزّ جلاله، أو يكونون ممّن يشغلهم الاشتغال بعلم الكلام عمّا هو واجب عليهم من فرائض الله جلّ جلاله(5).
----------------------------------------
(1) الكافي 2/300 ح1.
(2) امالى الصدوق 340، مجلس 65 ح2 و4.
(3) بحار الانوار 2/128 ذيل ح6.
(4) البحار 2/139 ح58.
(5) بحار الأنوار 2/138 ذيل ح48.

(الصفحة 376)


فتحصّل من سرد الروايات والبحث في معناها: أنّ المناظرة إذا كانت للوصول إلى الحق بالاسلوب الصحيح مع رعاية الشرائط اللازمة والاجتناب عن ما يلازمها من الآفات، كانت مأموراً بها، وإنّ النهي عن المناظرة تكون لجهات خاصّة ولا تكون مطلقة.
والسلام عليهم ورحمة الله وبركاته
* * *

(الصفحة 377)