البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

المحدِّدات الاجتماعيَّة للمعرفة الوحيانيَّة نظريَّة العلامة الطباطبائيّ

الباحث :  حسين أجدري زاده
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  57
السنة :  السنة الخامسة عشر ربيع 1431هجـ 2010 م
تاريخ إضافة البحث :  June / 10 / 2015
عدد زيارات البحث :  259
المحدِّدات الاجتماعيَّة للمعرفة الوحيانيَّة
نظريَّة العلامة الطباطبائيّ

حسين أجدري زاده (*)

تمهيد
من الأسئلة الرئيسة في مجال المعرفة الوحيانيَّة مسألة تأثِّرها بالمحيط الاجتماعيّ، والتي يُطلق عليها المحدِّدَات الاجتماعيَّة للوحي.
وخلاصة ما يراه العلامة الطباطبائيّ هو أنَّ (الصورة) في المعرفة الوحيانيَّة تتأثَّر ببعض الظروف الاجتماعيَّة والإنسانيَّة المُحيطة نحو: (الظروف الزمانيَّة)، (الإنسان) و(المصالح) ويَعتقد العلامة الطباطبائيّ أنَّ تعدَّد الشرائع يرجع إلى هذا السبب، ولكن (مضمون) المعرفة الوحيانيّة وتبعاً له مضمون الشرائع لا يقبل التغيير.
ويطبّق العلامة الطباطبائيّ هذا المُعطى المذكور أعلاه على القرآن وعلى أحكام الإسلام، فيرى أنَّ القرآن الكريم في أصل نزوله كان يهدف للوصول إلى مستوى الفهم الإنسانيّ؛ وأنَّ النزول التدريجيّ كان لأسبابَ تتعلَّق بما يَحمله من هدفٍ تعليميّ، ولغةٍ تستخدم أسلوب الاحتجاج، ولضعف الثقافة العامَّة آنذاك؛ وأنَّ نزوله اللفظيِّ كان بغرض التمكّن من مخاطبة الناس، وأنَّ استخدامه للغة التمثيل كان بغرض التوسّل بأفضل طُرِق نقل المعاني؛ وأمَّا كونه عربيّاً فهو لِمَا امتازت به اللغة العربيَّة ولكون المخاطب الأساس فيه هم العرب في المراحل الأولى لنزوله، فهو بهذا كان متأثِّراً بالمجتمع. كما يرى أنَّ الإسلام دين اجتماعيّ
________________________________________
(*) باحث متخصّص في علم الاجتماع الديني، من إيران.

[الصفحة - 217]


ناظر إلى المجتمع الإنسانيّ وذلك لدعوته الجماعة إلى التفكير الجمعيّ ولكون أحكامه اجتماعيَّةً.
1ـ إشارة
يرى العلامة الطباطبائيّ أنَّ المعرفة الوحيانيَّة (Revealed Knowledge) هي نوع من أنواع المعرفة، وأنَّ مصدر هذه المعرفة هو (عالم الغيب)، وأنَّها كسائر المعارف تتقيَّد ببعض المحدِّدات الأرضيَّة، وأنَّها عند نزولها تتحدَّد ببعض المحدِّدات الاجتماعيَّة (Social determinations) وذلك نظراً لما تصطدم به من بعض المحدِّدات المرتبطة بالظروف الزمانيَّة والمكانيَّة.
وسوف نسعى في هذه الدِّراسة ـ واستنادا على ما تعرّض له العلامة الطباطبائي من أبحاث في تفسيره المعروف بـ : (الميزان في تفسير القرآن) والمتعلِّقة بالمعارف الوحيانيَّة وقيودها الأرضيَّة ـ للإضاءة على بعض المحدِّدات الاجتماعيَّة للوحي من وجهة نظره.
2ـ مباني نظريَّة المعرفة عند العلامة الطباطبائيّ
من أهمّ الأبحاث التي تعرَّض لها العلامة في تفسيره الميزان البحث عن نظريَّة المعرفة (Epistemology)، وحيث جعل العلامة المعرفة الوحيانيَّة (الوحي) من ضمن نظريَّة المعرفة، فلا بدَّ لنا قبل التعرّض بالحديث للمسائل المتعلِّقة بهذا النوع من المعرفة من التعرّض بالبحث لبعض آرائه المتعلِّقة بنظريَّة المعرفة والتي يُمكننا إيجازها بالنقاط التالية:
1ـ 2ـ يرى العلامة الطباطبائيّ أنَّ كافَّة أنواع المعرفة، حتَّى المعرفة الحسيَّة هي مجرّدة(1) ، وأنَّ القوانين الحاكمة على الموجودات الماديّة لا تَشملها ومن تلك الأحكام كونها قابلة للتبدّل والتغيّر الماهويّ والذَّاتيّ. ونظريَّة تجرّد المعرفة الحسيّة هي من النظريَّات التي اشتهرت بعد (الملا صدرا) ومنه استقى العلامة الطباطبائي هذا الأمر(2) .
________________________________________
(1)- الطباطبائي، السيّد محمّد حسين، الميزان في تفسير الميزان، ج 1، ص 51.
(2) - لطفى، حسين؛ ابصار از ديدگاه ملاصدرا؛ ملاصدرا و حكمت متعاليه؛ ص 281ـ 282؛ مجموعة مقالات المؤتمر العالمي للحكيم الملا صدرا، طهران، بنياد حكمت اسلامى صدرا، 1380هـ ، ش.

[الصفحة - 218]


2ـ 2ـ يَعتقِد العلامة أنَّ كافَّة أنواع المعرفة وإن كانت غير مشمولةٍ لهذا الحكم بالتغيير الماهويّ والذَّاتيّ، ولكنَّها تقبل أنواعاً أُخرى من التغيير والتبدّل وهو التغيير والتبدّل (المجازيّ) و(غير الذَّاتيّ)، كالتغيّر الكميّ، العمقيّ، الموضوعيّ، الحكميّ، والبطلان والإصلاح(3) .
3ـ 2ـ يرى العلامة الطباطبائيّ أنَّ المعرفة تنقسم إلى أقسام مختلفة، كالمعرفة الفطريَّة وغير الفطريَّة(4) ، البديهيَّة والنظريَّة (المعقَّدة)(5) ، النظريَّة والعمليَّة(6) ، الكليَّة والجزئيَّة(7) ، الوحيانيَّة وغير الوحيانيَّة.
4ـ 2ـ أدوات المعرفة من وجهة نظر العلامة الطباطبائيّ هي عبارة عن: الحس، العقل، القلب،والوحي(8) .
5ـ 2ـ مصادر المعرفة تتمثَّل في الإنسان، الطبيعة، المجتمع، التاريخ، العقل، القلب وعالم الغيب(9) .
6ـ 2ـ يرى العلامة الطباطبائيّ أنَّ خصوصيَّة الانطباق (Conformity) على الواقع في كافَّة المعارف هي معيار وملاك الصدق(10) ، وإن قَدَّم بعض المعايير الأُخرى كالانسجام والعمل كملاك لصدق المعرفة(11) .
7ـ 2ـ إنَّ أداة ومعيار تحديد صدق وكذب المعرفة البشريَّة هي المعرفة البديهيَّة (Evident Knoweledge) ، فالمعرفة البديهيَّة المتمثِّلة بـ (امتناع اجتماع النقيضين وامتناع ارتفاعهما) هي معيار صدق القضايا النظريَّة (Theeoretical theorem) ، والمعرفتان البديهيَّتان (حسن العدل) و(قبح الظلم) هي معيار صدق القضايا العمليَّة (Pragmatical theorem)(12) ، نعم يُدين العلامة الطباطبائيّ في كثيرٍ من أفكاره المتعلِّقة بالمعرفة العمليَّة لأستاذه آية الله محمَّد حسين الأصفهاني الكُمباني(13) .
8ـ 2ـ يرى العلامة الطباطبائيّ أنَّ المعرفة البديهيَّة هي ذات معيارٍ ذاتيّ،
________________________________________
(3) - الطباطبائي، السيد محمد حسين، الميزان، ج 5، ص 310، و ج 4، ص 118؛ وج 5، ص 9ـ 10، 79؛ و ج 2، ص 172ـ 173.
(4) - م. ن، ج 5، ص 312.
(5) - م. ن، ص 263.
(6) - م. ن، ج 2،ص 172 173.
(7) - م. ن، ج 5، ص 311.
(8) - م. ن، ج5، ص 262ـ 263؛ ج 10، ص 432ـ 433؛ و ج 20، ص 297؛ ج2، ص 229.
(9) - م. ن، ج 5، ص 311؛ ج 2، ص 171ـ 172؛ ج 5، ص 263؛ ج 10، ص 432 ـ 433.
(10) - م. ن، ج 19، ص 271.
(11) - Tavakol, M; Sociology of Knowledge; New Dolhim s, p,p, l, 1987
(12) - الطباطبائي، السيد محمد حسين، الميزان، ج1، ص 49؛ الطباطبايى، محمدحسين؛ نهاية الحكمة، ص 223ـ 224، قم، جماعة المدرسين بقم، مؤسسة النشر الاسلامى، دارالتبليغ الاسلامى، 1362هـ . ش.
(13) - الأصفهاني، الشيخ محمد حسين الكمباني، نهاية الدراية، ج 2، ص 103ـ 105، قم: آل البيت، 1414هـ.ق.

[الصفحة - 219]


ويَعتقد أنَّ هذا النوع من المعارف يَكتسب صدقه من بداهة العقل.
9ـ 2ـ يَعتقد العلامة الطباطبائيّ أنَّ ارتباط الأنبياء والأئمة المعصومين (عليهم ‏السلام) بالوحي، مضافاً إلى عصمتهم، هي الضامن لصحَّة قولهم، وفعلهم وفكرهم؛ ولذا يُمكننا أن نُضيف إلى المعرفة البديهيَّة قول المعصوم فعله وفكره كمعيارٍ ذاتيٍّ والتعامل مع قولهم وفعلهم وفكرهم كمعيارٍ لصدق قول وفعل وفكر غيرهم(14) .
10ـ 2ـ المعرفة الإنسانيَّة ولا سيَّما الاعتباريّ منها (Nominal Knowledge) تتأثَّر بأسباب مختلفة غيبيَّة، بيئيَّة، فرديَّة، اجتماعيَّة وثقافيَّة(15) ، ويقسّم العلامة الطباطبائي أنواع الإدراكات الاعتباريَّة إلى قسمين سابقٍ ولاحقٍ، أي ما قبل الاجتماعيّ وما بعد الاجتماعيّ(16) .
11ـ 2ـ ينفي العلامة الطباطبائي نسبيَّة المعرفة في المعارف العامَّة النظريَّة بشكلٍ مطلق، وفي المعارف العامّة العمليَّة بشكلٍ جزئيّ، وأمَّا في باب المعرفة الحسيَّة فيذهب إلى نسبيَّة التصديق بشكلٍ مطلَق، وأمّا فيما يتعلَّق بالمباني الأخلاقيَّة فيتبنّى أنَّ (الحسنَ والقبح) بلحاظ مفهوميّ هي قضايا مطلقة، وأمَّا في يتعلَّق بها بلحاظ مصداقيّ فيرى أنَّها نسبيَّة(17) .
هذه النقاط تشكِّل القسم الرئيس من آراء العلامة الطباطبائي في نظريَّة المعرفة في تفسيره الميزان، ونحن إنَّما تعرَّضنا لها بالمقدار الذي سوف نستخدمه في الموضوع الأساس وهو المعرفة الوحيانيَّة(18) .
3ـ المعرفة الوحيانيَّة، نظرة عامّة
يرى العلامة الطباطبائي أنَّ مصطلح الوحي (Revelation) هو من المفردات التي تُستخدم باستعمالات مختلفة. فقد يُستخدم أحياناً ويُراد منه (أداة المعرفة) وذلك إضافةً إلى الحسّ، العقل والقلب(19) ، وأُخرى يكون المقصود منه (نوع من أنواع المعرفة)(20)،كما يُستخدم أحياناً ويُراد منه (مصدر المعرفة الوحيانيَّة)
________________________________________
(14) - الطباطبائي، السيد محمد حسين، الميزان، ج 5، ص 80؛ ج 16، ص 312.
(15) - م. ن، ج3، ص 181ـ 182؛ أصول فلسفه وروش رئاليسم، ج 2، ص 217، الميزان، ج 4، ص 97؛ ج 14، ص 55؛ ج 19، ص 622؛ ج 9، ص 274ـ 275؛ ج 10، ص 560ـ 561؛ ج 6، ص 87؛ ج 13، ص 190؛ ج 11، ص 60؛ ج 2، ص 177؛ ج 13، ص 190؛ ج 4، ص 128؛ ج 13ـ ص 192.
(16) - الطباطبائي، السيد محمد حسين، أصول الفلسفة، ج2، ص 151ـ 180.
(17) - الطباطبائي، السيد محمد حسين، الميزان، ج 1، ص 563؛ ج 5، ص 10؛ ج 6، ص 256ـ 257؛ ج 4، ص 119ـ 120.
(18) - لمزيد تفصيلٍ حول هذا الموضوع راجع، أجدري زاده، حسين، (تعيّن اجتماعي معرفت در الميزان) مجموعة مقالات ملتقى علم اجتماع المعرفة، 1381هـ . ش.
(19) - الطباطبائي، السيد محمد حسن، الميزان، الميزان ج 5، ص 80 .
(20) - م. ن، ج 2، ص 229.

[الصفحة - 220]


أي (عالم الغيب). والمعنى الذي نُعالجه في هذه الدراسة هو المعنى الثاني أي الوحي كنوعٍ من المعرفة. وسوف نتعرَّض لبعض جوانب هذا المعنى.
1ـ 3ـ حقيقة الوحي: يرى العلامة الطباطبائي أنَّ الوحي هو من نوع العلم الحضوريّ(21) يمتاز بالعصمة(22) الشعور الرمزيِّ، الخارق للعادة، الذي لا يُغلب، الخفيّ عن الحواس، الرافع للاختلافات الاجتماعيَّة، القوَّة التي يتميّز بها الأنبياء عن غيرهم، وهو يَختلف عن النبوغ، العقل العمليّ، الفكريّ المتعارف لدى الناس(23) . ويرى أنَّه من الكشف والشهود وأنَّه لا يصل إليه أحدٌ غير أهل العصمة بشكلٍ مستقلّ(24) .
2ـ 3ـ طرق اكتساب الوحي: يعتقد العلامة الطباطبائي واستنادا منه على الآية الكريمة: { وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ الله إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ }(الشورى، 51) أنَّ الوحيَّ الإلهيّ يصل إلى الأنبياء من خلال طرقٍ ثلاث هي: الطريق المباشر من الله عزَّ وجل وبلا واسطة، حيث يُخاطَب به النبيّ؛ وعن طريق حجاب (كالرؤيا)؛ أو من خلال ملَك أو رسول كجبرائيل(25) ، ويرى العلامة أنَّ هذه الطرق الثلاثة لنزول الوحي هي نحو من التكليم والتكلّم ويكون المخاطب هو قلب النبيّ(26) .
3ـ 3ـ عصمة الوحي وحامليه: إنَّ الخصوصيَّة البارزة في المعرفة الوحيانيَّة وفي حامليها وأصحاب هذه المعرفة تتمثَّل في عصمتهم. ويرى العلامة الطباطبائي أنَّ هذه المعارف ونظراً لكونها من الله تعالى فهي محفوظة ومصونة، صادقة دائماً، وأنَّ حامليها نظراً لكونهم مؤيَّدين من الله عزَّ وجل في التلقِّي وفي التبليغ لا يَقعون في الخطأ، بل هم منزّهون عن الخطأ حتَّى في تصرّفاتهم الخاصَّة والشخصيَّة(27) ، ويرى العلامة أنَّ العصمة هي قوَّة تحفظ الأنبياء من ارتكاب ما لا يجوز من فعلٍ سواء أكان عن عمدٍ أو عن خطأ.
________________________________________
(21) - م. ن، ج 5، ص 79.
(22) - م. ن، ج 2، ص 233.
(23) - م. ن، ج 2، ص 229ـ 230؛ ج 5، ص 78ـ 79.
(24) - م. ن، ج 10، ص 432.
(25) - م. ن، ج 18، ص 107.
(26) - م. ن، ج 5، ص 80 .
(27) - م. ن، ج2، ص200.

[الصفحة - 221]


4ـ 3ـ ثبات المضمون: يرى العلامة الطباطبائي أنَّ المعرفة الوحيانيَّة مصونة من التغيّر والتبدّل، ولا تأثير للمتغيِّرات الجارية في عالم الطبيعة والمادَّة والاجتماع ونحو ذلك على ماهيَّة (Essence) الوحي(28) .
في المقابل، يَعتقد بعضهم أنَّ من الوحي كالشعور الفكري للإنسان ما يمكن أن يكون عُرضَةً للتغيّر والتبدّل المضمونيّ. ويرى هؤلاء أنَّ الشعور الفكريّ وإن كان أمرا غير ماديٍّ وقائمٍ بالنفس المجرّدة عن المادّة، إلا أنَّه وبسبب ارتباطه بالمادَّة يكون قابلا للشدّة والضعف، الثبات والبطلان. ويرى هؤلاء أنَّ الشعور المرموز للوحي وعلى الرغم من تجرّده فإنَّ من الممكن وبسبب تعلّقه بالبدن الماديّ للنبي(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) أن يكون عُرضَةً للتغيّر والفساد(29) .
ويُشير العلامة الطباطبائي في معرض ردّه على هذه الشبهة إلى أمرين هما:
أولا، إنَّ الوحي أمر تكوينيّ من صنع الله، ومن الواضح أنَّه لا مجال للخطأ في الأمور التكوينيَّة والخارجيّة (العيانيَّة)؛ وبعبارةٍ أُخرى، الوحي (الهداية وسوق النوع الإنساني إلى السعادة الحقيقيّة) هو من فعل الخالق، وهو فعل خارجيّ وليس فعلا عقليَّاً وفكريَّاً، ولا مجال فيه للخطأ بل هو محال.
ثانياً، لا صحَّة لقاعدة أنَّ كلَّ ما يتعلَّق بالبدن فهو في معرض التغيير. ومن الواضح أنَّ الشعور الفكريِّ يتميّز بهذه الخصوصيَّة، ولكن شعور النبوّة هو من نوعٍ آخر. ولو أردنا فإنَّ بإمكاننا تشبيه شعور النبوَّة بالعلم الحضوريِّ لدى الإنسان. فهذا العلم ونظراً لكونه علماً حضوريّاً، فهو لا يقبل الخطأ حتَّى لدى الأفراد العاديين، ونتيجة ذلك ثباته وعدم قابليَّته للزوال والتغيير.
5ـ 3ـ تغيّر الصورة: الشرائع (Religious Lows)، يرى العلامة الطباطبائي فيما يتعلَّق بماهيَّة الوحي ومحتواه أنَّ الوحي وبسبب الخصائص التي يَمتاز بها لا مجال فيه للتغيير، ويرى العلامة أنَّه على الرغم من ذلك فإنَّ الوحي يَقبل التغيير
________________________________________
(28) - م. ن، ص 233؛ نصر، نصر، حسين؛ معرفت و امر قدسى؛ ص 128ـ 131، طهران، الناشر فرزان، 1380هـ . ش؛ جوادي آملي، عبداللّه؛ شريعت در آيينه‏ى معرفت؛ص، 115ـ 122 قم، اسراء، 1377هـ . ش.
(29) - الطباطبائي، السيد محمد حسين، الميزان، ج 2، ص 233.

[الصفحة - 222]


والتبدّل من حيثيَّةٍ أُخرى. فهو يرى أنَّ الوحي يتَّصف بالثَبَات من حيث مضمونه ومحتواه ولكن بلحاظ صورته وشكله يقبل التغيير، وقد يأخذ أشكالا وقوالب مختلفة(30) ، ويرى العلامة أنَّ هذا هو السبب في ظهور الشرائع. فالدِّين والماهيَّة الحقيقيَّة للوحي على الرغم من وحدتها الماهويَّة ولكنَّها عندما تنزل على الإنسان الزمانيّ والمكانيّ (الماديّ) تتقيَّد بقيود ومحدِّدات (Determination)، فاختلاف الناس، المصلحة والظروف الزمانيَّة هي السبب في اختلاف الشرائع.
ويذكر العلامة الطباطبائي في ذيل الآية الشريفة: { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً } (المائدة، 48)أنَّ اختلاف الاستعدادات الإنسانيَّة والمصالح هي السبب في تنوّع الشرائع، فالله سبحانه لم يتعبَّد عباده إلا لدينٍ واحد وهو الإسلام له إلا أنَّه سلَك بهم لنيل ذلك مسالك مختلفة وسنَّ لهم سنناً متنوِّعة على حسب اختلاف استعداداتهم وتنوّعها، وهى شرائع نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمَّد (صلوات الله عليهم) كما أنَّه تعالى ربَّما نسخ في شريعةٍ واحدةٍ بعض الأحكام ببعض لانقضاء مصلحة الحكم المنسوخ وظهور مصلحة الحكم الناسخ(31) . وبعبارةٍ أُخرى يرى العلامة الطباطبائي أنَّ الأحكام من حيث الكمِّ والكيف ترتبط وإلى حدٍ ما بميزان الاستعدادات والعطاءات، فامتلاك الإنسان لهذا النوع من الاستعدادات يوفِّر للإنسان القدرَة على أداء التكاليف. فكلَّما زادت هذه القُدرَات والاستعدادات لدى الإنسان ـ بسبب هذه العطايا ـ كانت قدرته على أداء التكاليف المتنوِّعة والمتعدِّدة أكثر، وكلَّما ضعفت هذه الاستعدادات فإنَّ مساحة التكاليف الإلهيّة تكون محدودة أكثر. ولمَّا كانت العطايا الإلهيَّة لنوع الإنسان من الاستعداد والتهيؤ مختلفةً باختلاف الأزمان، وكانت الشريعة والسنَّة الإلهيَّة الواجب إجراؤها بينهم لتتميم سعادة حياتهم وهى الامتحانات الإلهيَّة تختلف لا محالة باختلاف مراتب الاستعدادات وتنوِّعها أنتج ذلك لزوم اختلاف الشرائع، ولذلك علَّل تعالى ما ذكره من اختلاف الشِرْعَة والمنهاج بأنَّ إرادته تعلَّقت ببلائكم وامتحانكم فيما
________________________________________
(30) - جوادي آملي، عبد الله، شريعت در آينه معرفة، ص 118ـ 122.
(31) - الطباطبائي، السيد محمد حسين، الميزان، ج 5، ص 135.

[الصفحة - 223]


أنعم عليكم فقال: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } (المائدة، 48)، فمعنى الآية ـ والله أعلم ـ لكلِّ أمَّة جعلنا منكم (جعلا تشريعيَّاً) شِرْعةً ومنهاجاً، ولو شاء الله لأخذكم أمَّةً واحدةً وشَرَع لكم شريعة واحدة، ولكن جعل لكم شرائع مختلفة ليمتحنكم فيما آتاكم من النِعَم المختلفة، واختلاف النِعَم كان يَستدعي اختلاف الامتحان الذي هو عنوان التكاليف والأحكام المجعولة فلا محالة ألقى الاختلاف بين الشرائع. ثمَّ يُضيف قائلا: «ولا محالة هذه العطايا المُشَار إليها في الآية مختلفة في الأُمَم، وليست هي الاختلافات بحسب المساكن والألسنة والألوان فإنَّ الله لم يُشرِّع شريعتين أو أكثر في زمانٍ واحدٍ قطّ، بل هي الاختلافات بحسب مرور الزمان، وارتقاء الإنسان في مدارج الاستعداد والتهيّؤ وليست التكاليف الإلهيّة والأحكام المشرَّعة إلا امتحاناً إلهيَّاً للإنسان في مختلف مواقف الحياة.
وعلى هذا الأساس فإنَّ معنى الآية المُشار إليها هو أنَّنا جعلنا لكلِّ أمَّةٍ شريعةً وطريقاً، ولو أراد الله لجعلكم أمَّةً واحدةً وشرَّع لكم شريعةً واحدة، ولكنَّه إنَّما شرَّع لكم شرائع مختلفة لكي يمتحنكم بنعمه المختلفة»(32) .
على الرغم من كلام العلامة هذا عن اختلاف الشرائع وتبدّل صوَر الوحي، ولكن لا ينبغي الشكّ في أنَّ رأيه فيما يتعلّق بماهيَّة الدِّين ومحتواه ومضمونه، يُخالف ذلك. فهو يَعتقد أنَّ ماهيَّة الدِّين والوحي أمر لا يقبل التبدّل والتغيير. وقد تعرّض العلامة لذلك في مواطنَ مختلفةٍ من الميزان. من ذلك كلامه في ذيل الآية الكريمة: { إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ الله الإِسْلاَمُ } (آل عمران، 18)، فهو يرى أنَّ الإسلام هو التسليم للبيان الصادر عن مقام الربوبيَّة في المعارف والأحكام وهو وإن اختلف كماً وكيفاً في شرائع أنبيائه ورسله على ما يَحكيه الله سبحانه في كتابه غير أنَّه ليس في الحقيقة إلا أمراً واحداً، وإنَّما اختلاف الشرائع بالكمال والنقص دون
________________________________________
(32) - م. ن، ج 5، ص 352ـ 353.

[الصفحة - 224]


التضادّ والتنافي والتفاضل بينها بالدَّرجات ويجمع الجميع أنَّها تسليم وإطاعة لله سبحانه فيما يُريده من عباده على لسان رسله(33) .
إنَّ خلاصة كلام العلامة في هذا المجال هو أنَّ الوحي بلحاظ محتواه ثابت وبلحاظ صورته مختلف، وهو متغيِّر بحسب استعدادات الناس ومقتضَيَات الزمان. ولتقديم صورةٍ واضحةٍ عن تأثّر شكل الوحي وصورته بعالم المادَّة والاجتماع، سوف نَلحظ ما تعرَّض له من أبحاث تتعلَّق بالقرآن الكريم خاصَّة، ومنه نصل إلى تحديد رأيه في هذا الخصوص. نعم نَلحظ أنَّ قسماً كبيراً من أبحاثه التي تعرَّض لها حول القرآن تتَّسم بالعموم، فهي تصدق على الصحف والشرائع السابقة أيضاً؛ ولذا كان البحث عن القرآن بخصوصه بمنزلة البحث عن كافَّة المعارف الوحيانيَّة المنزَلة من عند الله عزّ وجل.
4ـ المحدِّدات الاجتماعيَّة للنصِّ القرآنيّ (social determination of qran)
القرآن الكريم هو آخر وحي إلهيّ أُنزِلَ على خاتم النبيين محمَّد(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم)، وعلى أساس ما تقدّم ممَّا تعرَّضنا له سابقاً، فإنَّ هذا الكتاب هو محور شريعة الإسلام، وهو من حيث مضمونه ومحتواه ثابت لا يتبدَّل ولا يتغيّر، ولكنَّه من حيث صورته يَقبل التغيير والتبدّل بالنسبة إلى النصوص السابقة. ويُتابع العلامة الطباطبائي بحثه فيتعرَّض لمسألة تأثير المجتمع ـ بشكلٍ عام ـ والمجتمع الحجازيِّ ـ بشكلٍ خاص ـ على القرآن الكريم. وقد تعرَّض لهذا الموضوع بعض آخر من الباحثين(34) .
1ـ 4ـ النزول، نحو المحددات الاجتماعيَّة: إنَّ أصل النزول في الأجسام انتقال الجسم من مكانٍ عالٍ إلى ما هو دونه وفي غير الأجسام بما يُناسبه(35) .
إنَّ من الخصائص البارزة للقرآن الكريم كونه منزَلا، فالله عزَّ وجل وصَفَ في آياتٍ عديدةٍ من القرآن وبتعابيرَ مختلفة (نزل، أنزلنا، نزّلنا، تنزيل، و...) بالنزول(36) .
________________________________________
(33) - م .ن، ج 3، ص120ـ 121.
(34) - فراستخواه، مقصود؛ دين و جامعه؛ )مجموعة مقالات(، طهران، شركت سهامى انتشار، 1377هـ . ش؛ سروش، عبدالكريم؛ بسط تجربه دينى؛ طهران: مؤسسه‏ى فرهنگى صراط، 1378هـ . ش.
(35) - الراغب الأصفهاني، ابى‏القاسم؛ المفردات؛ طهران: المكتبة المرتضوية، ص 488ـ 490؛ الطباطبائي، السيد محمد حسين، الميزان، ج 15، ص 447.
(36) - راجع، الآيات التالية: الشعراء، 193، آل عمران، 3، البقرة 23، الإسراء، 106، البقرة، 198، النساء، 153، الإسراء، 82، المائدة، 101 وغيرها.

[الصفحة - 225]


ويعتقد العلامة الطباطبائي واعتماداً منه على هذه الآيات بأنَّ معنى القرآن وحقيقته قد أُنِزلَت ـ أي أنَّها تنزَّلت إلى حدِّ فهم وإدراك الناس. ويرى العلامة أنَّ هذا النزول كان على نحوين : الدفعيّ، أي (الإنزال) والتدريجيّ أي (التنزيل)(37) . ومحل نزوله هو قلب النبيِّ الأكرم(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم)(38) . وهذا التنزّل للمعنى والحقيقة كان في كلا نحوَيَّ النزول حتَّى الدفعيّ منه الذي كان المخاطَب به النبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) فقط.
2ـ 4ـ النزول التدريجيّ، مضافاً إلى التنزّل الذي يدلُّ على تأثير الإنسان والمجتمع الإنسانيّ على صورة الوحي، وذلك لأجل الوصول به إلى مستوى فهم الناس(39) ، فإنَّ التدريج في النزول والتنزّل (في النزول التدريجيّ) تأثَّر بذلك أيضاً، أي تأثَّر القرآن بعالم المادّة والمجتمع البشريّ. حيث يتحدّث العلامة الطباطبائي في ذيل الآية الكريمة: { كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً }(الفرقان، 32) عن ذلك فيُشير إلى العديد من الأمور:
الأمر الأوَّل، الأهداف التعليميَّة، يَعتقد العلامة أنَّ من أهمِّ أسباب النزول التدريجيِّ للقرآن هو القضايا التعليميَّة. فيرى أنَّ تعليم علمٍ من العلوم وخاصَّةً ما كان منها مرتبطاً بالعمل إنَّما يتمُّ بإلقاء المعلِّم مسائله واحدةً بعد واحدة إلى المتعلِّم حتَّى تتمُّ فصوله وأبوابه؛ لأنّ ذلك إنَّما يُفيد حصولا ما لصوَر مسائله عند المتعلِّم وكونها مذخورةً بوجهٍ ما عنده يراجعها عند مسيس الحاجة إليها، وأمَّا استقرارها في النفس بحيث تنمو النفس عليها وتترتَّب عليها آثارها المطلوبة منها فيحتاج إلى مسيس الحاجة والإشراف على العمل وحضور وقته. ولهذا السبب يرى العلامة الفرق بين أن يُلقي الطبيب المعلِّم مثلا مسألةً طبيَّةً إلى متعلِّم الطبِّ إلقاءً فحسب، وبين أن يُلقيها إليه وعنده مريضٌ مبتلَى بما يبحث عنه من الدَّاء وهو يعالجه فيُطابِق بين ما يقول وما يفعل.
من هنا يظهر أنَّ إلقاء أيّ نظرةٍ علميَّة عند مسيس الحاجة وحضور وقت العمل إلى من يُراد تعليمه وتربيته أثبَت في النفس وأوقع في القلب وأشدّ استقرارا
________________________________________
(37) - الطباطبائي، السيد محمد حسين، الميزان، ج 2، ص 18، و 15، ص 447.
(38) - م . ن، ج 15، ص 449.
(39) - م. ن، ج 2، ص 18.

[الصفحة - 226]


وأكمل رسوخاً في الذِّهن وخاصَّةً في المعارف التي تَهدي إليها الفطرة (The humen nature)، فإنَّ الفطرة إنَّما تَستعدُّ للقبول وتتهيَّأ للإذعان إذا أحسَّت بالحاجة. ثمَّ إنَّ المعارف التي تتضمَّنها الدعوة الإسلاميَّة الناطق بها القرآن إنَّما هي شرائع وأحكام عمليَّة وقوانين فرديَّة واجتماعيَّة تسعد الحياة الإنسانيَّة مبنيَّة على الأخلاق الفاضلة المرتبطة بالمعارف الكليَّة الإلهيَّة التي تَنتهي بالتحليل إلى التوحيد كما أنَّ التوحيد انتهى بالتركيب إليها، ثمَّ إلى الأخلاق والأحكام العمليَّة. فأحسن التعليم وأكمل التربية أن تُلقى هذه المعارف العالية بالتدريج(40) ، هذه سبيل البيانات القرآنيَّة المودَعة في آياته النازلة كما قال تعالى : { وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً } (الإسراء، 106)، وهذا هو المراد بقوله تعالى : { كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً }(الفرقان، 32)(41) .
الأمر الثاني: الاحتجاج، من الأسباب الأخرى التي ذكرها العلامة الطباطبائي لمسألة تدريجيَّة نزول الآيات القرآنيَّة (الاحتجاج) (Argumentation) وكون القرآن بياناً. وذلك لأنَّ القرآن وفي كثيرٍ من الموارد، أراد الاحتجاج والاستدلال لطائفتين من الناس على الأقل. الطائفة الأولى هم الناس الذين كان يَقعون في الشك والترديد الواقعيّ في بعض الموضوعات الدينيَّة، وكانوا يَبحثون عن جوابٍ صحيحٍ لرفع ما يواجهونه من شبهةٍ. والطائفة الثانية هم الذين لم يكونوا في صدَد البحث عن الواقع والحقيقة، وإنَّما لتشكيك المؤمنين من خلال بثِّ بعض الأسئلة. ويرى العلامة الطباطبائي أنَّ وظيفة الطائفة الأولى كانت هي التشكيك في الدِّين، وأمَّا الطائفة الثانية فكانت وظيفتها الاعتراض على الدِّين. وعلى أيٍّ لم يكن أيُّ معنىً للإجابة على الشبهات قبل طرحهم لها وبثِّهم لها بين الناس؛ ولذا يرى العلامة الطباطبائي أنَّ في نزوله العامّ اختص بالتدريج لكي يُراعي ما يتطلّبه الحقُّ فيما يرجع للإجابة عن الشبهات(42) .
الأمر الثالث: ضعف المستوى العامّ للناس، فإنَّ العلامة الطباطبائي يرى أنَّ
________________________________________
(40) - م. ن، ج 15، ص 210ـ 212.
(41) - م. ن، ص 212.
(42) - م. ن، ص 213ـ 215.

[الصفحة - 227]


الكثير من الناس لا يَملك القدرةَ على تلقِّي القرآن ومعارفه دفعةً واحدةً؛ وهذا هو السبب في النزول التدريجيّ للقرآن الكريم، وقد تعرَّض لهذا الأمر في ذيل الآية الكريمة: { وَلَوْ بَسَطَ الله الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ } (الشورى، 27)، فيرى أنَّ المعارف والأحكام لو نزّلت عن آخرها دفعةً واحدةً ـ على ما لها من الإحاطة والشمول لجميع شؤون الحياة الانسانيَّة ـ لشقَّت على الناس ولم يؤمن بها إلا الأوحديّ منهم، لكنَّ الله سبحانه أنزلها على رسوله(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) تدريجاً وعلى مُكث، وهيَّأ بذلك الناس بقبول بعضها لقبول بعض(43) .
3 ـ 4ـ كون القرآن كلاماً: يَظهر وبوضوحٍ بالرجوع إلى كثيرٍ من الآيات وكذلك من كلام العلامة الطباطبائي ما يدلُّ على أنَّ باطن القرآن أمرٌ رفيعٌ وملكوتيّ، وأنَّ أحداً ليس لديه القدرة على الوصول إلى باطنه(44) . والله عزَّ وجل لمَّا جعله هدايةً نوراً لعباده فقد منَّ عليهم بأنْ جعله قرآناً، أي مقروءا، ووضعه في قالب ألفاظ وكلمات (علماً أنّ العلامة الطباطبائي يرى أنَّ الكلام هو من جملة الاعتباريَّات)(45) . فقد أمكن من خلال ذلك من إدراك محتواه الأساسي عن قرب(46) .
ويذكر العلامة الطباطبائي في ذيل الآية المباركة : { إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } (الزخرف، 3) التالي:
«في ذلك دلالةٌ ما على أنَّ لألفاظ الكتاب العزيز من جهةِ تعيّنها بالاستناد إلى الوحي وكونها عربيَّةً دخلا في ضبط أسرار الآيات وحقائق المعارف، ولو أنَّه أُوحىَ إلى النبيِّ (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) بمعناه وكان اللفظ الحاكي له لفظه(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) كما في الأحاديث القدسيَّة مثلا أو تُرجِمَ إلى لغةٍ أُخرى خفيَ بعض أسرار آياته البيِّنات عن عقول الناس ولم تَنله أيدي تعقّلهم وفهمهم»(47) .
وعلى أيِّ حالٍ فإنَّ هذه الخصوصيَّة في القرآن أي كونه كلاماً ملفوظاً
________________________________________
(43) - م. ن، ج 18، ص 56؛ ج 13، ص 220.
(44) - م . ن، ج 11، ص 122ـ 123؛ وج 2، ص 18.
(45) - الطباطبائي، السيد محمد حسين، أصول الفلسفة، ج 2، ص 198ـ 199؛ الطباطبائي، السيد محمد حسين، الرسائل السبعة، ص 123، قم: چاپ حكمت، 1363.
(46) - الطباطبائي، السيد محمد حسين، الميزان، ج 19، ص 95؛ ج 2، ص 18.
(47) - م. ن، ج 11، ص 122ـ 123.

[الصفحة - 228]


وبلحاظِ أنَّ للّفظ والكلام حقيقته الاجتماعيَّة التامَّة، فإنَّ ذلك من المحدِّدات الاجتماعيَّة الواضحة جداً للقرآن. وهو يتضمّن في داخله عدداً كبيراً من المحدِّدات. وقبل الخوض في الحديث عن هذه المحدِّدات لا بدّ لنا من التعرَّض لكلام العلامة حول الفرق بين الكلام الإلهيّ والكلام البشريّ.
الأمر الأوَّل: اختلاف الكلام الإلهيّ عن الكلام البشريَّ؛ على الرغم من تصريح العلامة الطباطبائي بأنَّ الله عزَّ وجل ولبيان الحقيقة القدسيَّة في القرآن قد استخدم القوالب الاجتماعيَّة التي يَستخدمها الناس، ولكنَّه يُقرّ باختلافٍ نوعيٍّ بين الألفاظ التي استخدمها الله عزَّ وجل في كتابه وبين ما يَستخدمه الناس.
وهو: «أنَّا معاشر المتكلِّمين من البليغ وغيره إنَّما نبنى الكلام على أساس ما نعقله من المعاني، والمُدرَك لنا من المعاني إنَّما يُدرَك بفهمٍ مكتَسَبٍ من الحياة الاجتماعيَّة التي اختلقناها بفطرتنا الإنسانيَّة الاجتماعيَّة، ومن شأنها الحكم بالقياس، وعند ذلك يَنفتح باب المسامحة والمساهلة على أذهاننا فنأخذ الكثيرَ مكان الجميع، والغالب موضع الدَّائم، ونفرض كلَّ أمرٍ قياس أمراً مطلقاً، ونُلِحق كلَّ نادرٍ بالمعدوم، ونُجري كلَّ أمرٍ يسيرٍ مجرى ما ليس بموجودٍ يقول قائلنا: كذا حسنٌ أو قبيح، وكذا محبوب أو مبغوض، وكذا محمود أو مذموم، وكذا نافعٌ أو ضارّ، وفلان خيِّر أو شرير، إلى غير ذلك فنُطلق القوم في ذلك، وإنَّما هو كذلك في بعض حالاته وعلى بعض التقادير، وعند بعض الناس، وبالقياس إلى بعض الأشياء لا مطلقاً، لكن القائل إنَّما يُلِحقُ بعض التقادير المخالفة بالعدم تسامحاً في إدراكه وحُكمه، هذا فيما أدركه من جهات الواقع الخارج، وأمَّا ما يَغفل عنه لمحدوديَّة إدراكه من جهاتِ الكون المربوطة فهو أكثر، فما يُخبِر به الإنسان و يحدِّثه عن الخارج وخيِّلت له الإحاطة بالواقع إدراكاً وكشفاً فإنَّما هو مبنيٌ على التَّسامح في بعض الجهات، والجهل في بعضٍ آخر، وهو من الهزل إن قدرنا على أن نُحيط بالواقع ثمَّ نطبِّق كلامه عليه، فافهم ذلك. فهذا حال كلام الإنسان المبنيِّ على ما
________________________________________

[الصفحة - 229]


يَحصل عنده من العلم، وأمَّا كلام الله سبحانه فمن الواجب أن نجلِّه عن هذه النقيصة، وهو المحيط بكلِّ شيءٍ علماُ وقد قال تعالى في صِفَة كلامه: { إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ} (الطارق، 13ـ 14). وهذا من وجوه الأخذ بإطلاق كلامه تعالى فيما كان بظاهره مطلقاً لم يعقَّب بقيدٍ متَّصلٍ أو منفَصلٍ، ومن وجوه إشعار الوصف في كلامه بالعليَّة(48) .
الأمر الثاني: كون القرآن عربيَّاً؛ مع وصْف القرآن لنفسه بصفةِ أنَّه قرآن بمعنى المقروء، فقد ورَد في العديد من الآيات وصفه بأنّه عربيّ: { وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} (النحل، 103)، { بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ } (الشعراء، 195)، { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } (يوسف، 2)، { وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً }(الرعد، 37)، وغيرها من الآيات، ولا يَخفى أنَّ العربيَّة هي وصف خاصٌ للكلام، وهذا يعني أنَّ القرآن كما تحدَّد بكونه ملفوظاً ورد له وصف محدِّد آخر هو كونه عربيَّاً.
والسؤال المهمّ الذي ينبغي التعرّض له هنا هو أنَّ مسألة كون القرآن عربيَّاً، هل يرتبط بهدفٍ أو أهداف معيَّنةٍ؟ وهل لذلك علَّةٌ خاصَّة وسبَبٌ محدَّد؟ أو أنَّ كونه عربيَّاً كان لمجرَّد كون العربيَّة لغةً من اللغات؟
إنَّ كلام العلامة الطباطبائي في هذا المجال يَحتوي على موضوعات مهمة للغاية(49) ، ونتعرَّض هنا لبعض هذه الموضوعات:
الف ـ يَعتقد العلامة الطباطبائي أنَّ من أسباب اختيار اللغة العربيَّة كون هذه اللغة تمتلك خصوصيَّةً خاصَّة. فيرى العلامة الطباطبائي أنَّ الدِّقَة التي تمتلكها اللغة العربيَّة من حيث علم اللغة وقدرتها على إيصال المعاني الظريفة والدقيقة، هو أمرٌ تفتقده سائر الُّلغات(50) ، ويَذكر العلامة الطباطبائي في ذيل الآية { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } (يوسف، 2) التالي:
«معنى الآية ـ والله أعلم ـ إنَّا جعلنا هذا الكتاب المشتَمِل على الآيات في مرحلة النزول ملبَّساً بلباس اللفظ العربيّ محلَّىً بحِليَته ليقع في معرض التعقّل
________________________________________
(48) - م. ن، ج 5، ص 381ـ 382، وراجع أيضاً فيما يرجع إلى حجيَّة ظواهر القرآن، معرفت، محمدهادى؛ علوم قرآنى؛ ص 85، طهران: التمهيد و سمت، 1379.
(49) - فراستخواه، مقصود؛ دين وجامعة، ص 455ـ 470؛ بهشتى، محمدحسين؛ شناخت از ديدگاه قرآن؛ص 147ـ 187، طهران: بقعه، 1378هـ . ش.
(50) - بهشتى، محمدحسين؛ شناخت از ديدگاه قرآن، ص 174.

[الصفحة - 230]


منك ومن قومك أو أمَّتك، ولو لم يُقلَّب في وحيه في قالب اللفظ المقرو أو لم يُجعَل عربيَّاً مبيناً لم يَعقل قومك ما فيه من أسرار الآيات، بل اختصَّ فهمه بك لاختصاصك بوحيه وتعليمه. وفي ذلك دلالةٌ ما على أنَّ لألفاظ الكتاب العزيز من جهةِ تعيّنها بالاستناد إلى الوحي وكونها عربيَّةً دخلا في ضبط أسرار الآيات وحقائق المعارف(51) .
ومعنى هذا الكلام: «أنَّه أوحي إلى النبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) بمعناه وكان اللفظ الحاكي له لفظه(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) كما في الأحاديث القدسيَّة مثلا أو تُرجِمَ إلى لغةٍ أُخرى خفي بعض أسرار آياته البيِّنات عن عقول الناس ولم تَنله أيدي تعقّلهم وفهمهم. وعنايته تعالى فيما أوحى من كتابه باللفظ ممَّا لا يرتاب فيه المتدبِّر في كلامه»(52) .
ب ـ السبب الآخر لنزول القرآن باللغة العربيَّة هو أنَّ دين الإسلام لمَّا كان ديناً عالميَّاً، فقد كان في بدايته ديناً عربيَّاً كاملا وأمَّا مخاطبوه الأساسيِّون فهم العرب؛ وبعبارةٍ أُخرى، إنَّ ظهور دين الإسلام وانتشاره بعد ذلك لا بدَّ وأن يتمَّ بتنظيمٍ تدريجيّ، وكان على النبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) أن يقوم أولا بإبلاغ الرسالة لأقرب الناس إليه، ثمّ إلى قومه، ثمَّ إلى أهل الجزيرة العربيَّة، ثمَّ إلى كافَّة الناس. ولمَّا كان المخاطَبون الأوائل بهذا القرآن هم العرب، أُنزل القرآن بلغة العرب، وذلك ليَزيد من ذلك من دوافع دخولهم إلى الإسلام(53) .
ويذكر العلامة هذا السبب في ذيل تفسيره للآية الكريمة: { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لاَ رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ } (الشورى، 7). كما يَستند في ذلك أيضاً إلى آيات أُخرى. ويرى العلامة أنَّ المُراد من أمِّ القرى مكّة المكرّمة. كما أنَّ المُراد من قوله ومن حولها، سائر المناطق في الجزيرة العربيَّة، أي إلى من يَعيش خارج مكَّة. وما يُؤيِّد هذا المعنى هو قوله عربيَّاً؛ لأنَّ الله عزَّ وجل يقول أنزلناه قرآنا عربيا لتنذر أهل اللغة العربيَّة.
________________________________________
(51) - الطباطبائي، السيد محمد حسين،الميزان، ج 11، ص 75.
(52) - م. ن، ج 11، ص 75.
(53) - م. ن، ج 18، ص 20ـ 21.

[الصفحة - 231]


وفي معرَض إجابته عن السؤال حول مدى الانسجام بين كون الغرض من نزول القرآن إنذار العرب وبين كونه قرآناً عالميَّاً يقول: «ذلك أنَّ الدعوة النبويَّة كانت ذات مراتب في توسّعها فابتدأت الدعوة العلنيَّة بدعوة العشيرة الأقربين كما قال: { وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ } (الشعراء ، 214) ثمَّ توسَّعت فتعلَّقت بالعرب عامَّة كما قال: { قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } ( السجدة، 3)، ثمَّ بجميع النَّاس كما قال : { وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ } (الأنعام، 19). ومن الدَّليل على ما ذكرناه من الأمر بالتوسّع تدريجاً قوله تعالى: { قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنْ المُتَكَلِّفِينَ * إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ } (ص، 87)، فإنَّ الخطاب على ما يُعطيه سياق السورة لكفَّار قريش يقول سبحانه إنَّه ذكر للعالمين لا يختصّ ببعضٍ دون بعضٍ»(54) .
ويرى العلامة أنَّ مراحل الدّعوة خمسة هي: 1ـ دعوة الناس في مواسم الحج، 2ـ الدّعوة السريّة بعد ذلك 3ـ دعوة العشيرة والأقربين، 4ـ دعوة القوم كافّة، 5ـ دعوة الناس كافّة(55) .
ج ـ من الأسباب الأخرى لنزول القرآن عربيَّاً، وهو مستفادٌ أيضاً من الأسباب المتقدِّمة ومن الكلام المتقدِّم للعلامة هو عمليَّة تسهيل فهمه, وقد ذكر العلامة الطباطبائي ذلك في ذيل الآية الكريمة: { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ } (القمر، 22)، ويَذكر أنَّ معنى كلمة تيسير هو التسهيل، وتيسير القرآن للذكر هو بمعنى أنَّ القرآن أُلقيَ لكيّ يَفهم العالم والعاميّ مقاصده، وكذلك ليَفهم بنحوٍ بسيطٍ ومعمّق ودقيق، فكلٌّ يَستفيد منه بقدَر ما يمتلكه من قوى إدراك. ويرى العلامة أنَّ المُراد من التيسير هو إنزال تلك الحقائق العالية في القرآن، وإنزال تلك المضامين العالية إلى مرحلة الكلام العربيّ القابل للإدراك من قِبَل كافَّة الناس(56) .
الأمر الثالث: استخدام لغة التمثيل؛ يَعتقد العلامة الطباطبائي أنَّ لغة القرآن
________________________________________
(54) - م. ن، ج 18، ص 20ـ 21.
(55) - م. ن، ج 17، ص 544ـ 546.
(56) - م. ن، ج 19، ص 69.

[الصفحة - 232]


هي لغة التمثيل، ويَعتقد بأنّ كافَّة آيات القرآن الكريم سواء المحكم منها أو المتشابه يَشتمل على هذه الخصوصيَّة. فالآيات والبيانات القرآنيَّة هي تمثيل للمعارف وهذه المعارف هي في رتبة أعلى تمثيل للتأويل وللباطن القرآنيّ(57) ، وسوف نستعين لبيان ذلك من خلال التعرَّض لبعض المقدّمات التي تُثبِت ضرورة وجود لغة التمثيل في القرآن وبعض لوازم وجود ذلك، وذلك اعتمادا على كلام العلامة الطباطبائيّ.
ألف ـ إنّ للقرآن حقيقة وباطن، وهو الذي يُطلِق عليه العلامة مفردة (التأويل)(58) ؛ وهذا التأويل من وجهة نظره ليس من جنس المفاهيم اللفظيَّة، بل هو أمرٌ خارجيّ، نسبته إلى المعارف القرآنيَّة نسبة المَثل إلى الممثَّل؛ وكافَّة معارف القرآن، هي أمثال للدلالة على التأويل(59) .
ب ـ يرى العلامة أنَّ التأويل لا يَصل إليه إلا المطهَّرون أي المعصومون، فلا يَصل إليه أيٌّ من سائر الناس(60) .
ج ـ إنَّ الإنسان العاديّ يتمكَّن وبمقدارٍ من يتمتَّع به من طهارةٍ باطنيَّة من الاقتراب والدنوِّ من علم الكتاب والتأويل، وهذا يَرتبط باختلاف الناس في طبائعهم وأفهامهم(61) .
دـ إنَّ الطريق الوحيد لوصول الإنسان إلى هذه الغاية (أي الطهارة الباطنيّة، وتبعاً لذلك العلم بالكتاب) هو معرفة نفسه عن طريق الهداية والتربية الدينيَّة في جهتيَّ العلم والعمل. أمَّا في ناحية العلم فبتعليمه الحقائق المربوطة به من المبدأ والمعاد وما بينهما من حقائق العالم حتَّى يعرف نفسه بما ترتبط به من الواقعيَّات معرفةً حقيقيَّةً، وأمَّا في ناحية العمل فبتحميل قوانين اجتماعيَّة عليه بحيث تصلح شأن حياته الاجتماعيَّة، ولا تشغله عن التخلَّص إلى عالم العلم والعرفان ثمَّ بتحميل تكاليف عباديَّة يوجب العمل بها والمزاولة عليها توجّه نفسه وخلوص
________________________________________
(57) - م. ن، ج 3، ص 64.
(58) - م. ن، ج 3، ص 56.
(59) - م. ن، ص 64.
(60) - م. ن، ص 56.
(61) - م. ن، ، ص 56ـ 57.

[الصفحة - 233]


قلبه إلى المبدأ والمعاد وإشرافه على عالم المعنى والطهارة والتجنّب عن قذارة الماديَّات وثقله(62).
هـ ـ يَعتقد العلامة أنَّ الهداية الدينيَّة إنَّما بُنيت على نفي التقليد عن الناس وركوز العلم بينهم ما أستطيع فإنَّ ذلك هو الموافق لغايتها التي هي المعرفة(63) .
و ـ يرى العلامة أنَّه لمَّا كانت عامَّة الناس لا يَتجاوز فهمهم المحسوس ولا يرقى عقلهم إلى ما فوق عالم المادَّة والطبيعة وكان من ارتقى فهمه منهم بالارتياضات العلميَّة إلى الورود في إدراك المعاني وكليَّات القواعد والقوانين يَختلف أمره باختلاف الوسائل التي يسَّرت له الورود في عالم المعاني والكليَّات، كان ذلك موجباً لاختلاف الناس في فهم المعاني الخارجة عن الحسِّ والمحسوس اختلافاً شديداً ذا عرض عريض على مراتب مختلفة(64) .
ز ـ يرى العلامة أنَّه لا يُمكِن إلقاء معنىً من المعاني إلى إنسانٍ إلا من طريق معلوماته الذهنيَّة التي تهيَّأت عنده في خلال حياته وعيشته، فإن كان مأنوساً بالحسِّ فمن طريق المحسوسات على قدر ما رقى إليه من مدارج الحسّ، وإن كان نائلا للمعاني الكليَّة فبِمَا نال وعلى قدرٍ ما نال وهذا يَنال المعاني من البيان الحسيّ والعقليّ معاً بخلاف المأنوس بالحسّ(65) .
ح ـ إنَّ الهداية الدينيَّة لا تختصّ بطائفةٍ دون طائفةٍ من الناس بل تعمُّ جميع الطوائف وتشمل عامَّة الطبقات(66) .
ط ـ وبلحاظ ما تقدَّم يرى أنَّ اختلاف الأفهام وعموم أمر الهداية مع ما عرفت من وجود التأويل للقرآن هو الموجب أن يُساق البيانات مساق الأمثال، وهو أن يتَّخذ ما يعرفه الإنسان ويَعهده ذهنه من المعاني فيبين به ما لا يعرفه لمناسبةٍ ما بينهما نظير توزين المتاع بالمثاقيل ولا مسانخةَ بينهما في شكلٍ أو صورةٍ أو حجمٍ أو نوعٍ إلا ما بينهما من المناسبة وزن(67) .
________________________________________
(62) - م. ن، ج 3، ص 58ـ 59.
(63) - م. ن، ص 59ـ 60.
(64) - م. ن، ص 60.
(65) - م. ن، ص 63.
(66) - م. ن، ص 60.
(67) - م. ن، ص 64.

[الصفحة - 234]


ي ـ إنَّ البيانات اللفظيَّة القرآنيَّة أمثال للمعارف الحقَّة الإلهيَّة لأنَّ البيان نَزَل في هذه الآيات إلى سطح الأفهام العامَّة التي لا تُدرِك إلا الحسيَّات، ولا تَنَال المعاني الكليَّة إلا في قالب الجسمانيَّات ولَمَا استلزم ذلك في إلقاء المعاني الكليَّة المجرَّدة عن عوارض الأجسام والجسمانيَّات أحد محذورين:
1ـ إنَّ الأفهام في تلقِّيها المعارف المُرَادة منها إن جَمَدت في مرتبة الحسِّ والمحسوس انقلبت الأمثال بالنسبة إليها حقائق ممثلة وفيه بطلان الحقائق وفوت المُرادات والمقاصد.
2ـ وإن لم تَجمد وانتقلت إلى المعاني المجرَّدة بتجريد الأمثال عن الخصوصيَّات غير الدخيلة لم يؤمن من الزيادة والنقيصة(68) .
ك ـ يرى العلامة أنّه لا مخلَص عن هذين المحذورين إلا بتفريق المعاني الممثَّل لها إلى أمثال مختلفة وتقليبها في قوالبَ متنوِّعة حتَّى يُفسِّرَ بعضها بعضاً ويوضِحَ بعضها أمر بعض.
ل ـ يَذكر العلامة أنّه بعد العلم بأنَّها أمثال يعلم بذلك المقدار الذي يَجب طرحه من الخصوصيَّات المكتنِفة بالكلام وما يَجب حفظه منها للحصول على المرام، وإنَّما يَحصل ذلك بأنَّ هذا يتضمَّن نفي بعض الخصوصيَّات الموجودة في ذلك وذاك نفى بعض ما في هذا. وإيضاح المقاصد المبهَمة والمطالب الدقيقة بإيراد القصَص المتعدِّدة والأمثال والأمثلة الكثيرة المتنوِّعة أمر دائر في جميع الألسنة واللغات من غير اختصاصٍ بقومٍ دون قومٍ ولغةٍ دون لغةٍ(69) .
4ـ 4ـ كون شريعة الإسلام اجتماعيَّة (The social of islam). مضافاً إلى ما تقدّم من أمورٍ تعرَّضنا فيها لبعض الوجوه الاجتماعيَّة للنصِّ القرآنيّ، ثمَّة وجوهٍ اجتماعيَّة أُخرى ترتبط بالمحتوى (الشريعة) التي أوصى بها القرآن أي شريعة الإسلام. وتتمَّةً للبحث سوف نتعرَّض لبعض المباني المرتبطة بذلك وبعض الخصوصيَّات واللوزام المترتِّبة على ذلك.
________________________________________
(68) - م. ن، ص 63.
(69) - م. ن، لمزيد تفصيلٍ حول لغة القرآن والنظريات المعالجة في هذا المجال، راجع، سعيدى روشن، محمدباقر، (تحليل زبان قرآن و متدولوژى فهم آن)، ص، 269ـ 350؛ رسالة دكتوراة، قم: تربيت مدرس، 1381، هـ . ش، وكذلك يشابه هذا الرأي للعلامة الطباطبائي رأي كل من (بول تيليش) و (جورج سانتاياناست)، ففي اعتقادهما أن لغة الدين هي لغة رمزية (على‏زمانى، اميرعباس، زبان دين؛ قم، دفتر تبليغات، ص 35ـ 41، 1375هـ. ش. كما تشابه رأي العلامة هذا من جهات نظرية اللغة التمثيلية لتوماس آكويناس فيما يتعلق بالصفات الإلهيّة (المصدر نفسه، ص 197ـ 205)، ولكنّ الطباطبائي لا يرى اختصاص اللغة التثميليّة بالصِّفات الإلهيّة.

[الصفحة - 235]


الأمر الأول: الإنسان موجود اجتماعيّ؛ الإنسان مفطورٌ في وجوده على الاجتماع، فهو لا يَعيش وحده دون مجتمعٍ. ويَعتمد العلامة الطباطبائي في ذلك على العديد من الآيات. وبعض هذه الآيات هي عبارة عن الآيات التالية: الحجرات، 13؛ الزخرف، 32؛ آل عمران، 195؛ الفرقان: 54؛ ونموذج ذلك قوله تعالى: { وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا } (الحجرات، 13) (70) .
الأمر الثاني: الدِّين والمجتمع؛ يرى العلامة الطباطبائي أنَّ الإنسان كما أنّ خاصَّة الاجتماع بتمام أنواعها المنزليّ وغيره وإن لم تفارق الإنسانيَّة في هذه الأدوار ولو برهةً إلا أنَّها كانت غير مشعورٍ بها للإنسان تفصيلا، بل كانت تعيش وتنمو بتبعِ الخواصّ الأخرى المعنيّ بها للإنسان كالاستخدام والدِّفاع ونحو ذلك. والقرآن الكريم يُخبِر أنَّ أوَّل ما نبَّه الإنسان بالاجتماع تفصيلا واعتنى بحفظه استقلالا نبهَّته به النبوَّة قال تعالى: { وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا } (يونس، 19) وقال: { كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ الله النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ } (البقرة، 213) (71) .
الأمر الثالث: الإسلام والمجتمع؛ يرى العلامة الطباطبائي أنَّ الإسلام هو الدِّين الوحيد الذي أسَّسَ بُنيانه على الاجتماع صريحاً ولم يُهمل أمر الاجتماع في شأن من شؤونه؛ ولذا يرى العلامة أنَّ المجتمع وإن كان عبارةً عن جماعةٍ من الأفراد ويشكِّل كلَّ فردٍ منهم هويَّةً مستقلّة إلا أن بينهم رابطة وهذه الرابطة الحقيقيَّة بين الشخص والمجتمع لا محالة تؤدّي إلى كينونةٍ أُخرى في المجتمع حسب ما يمدُّه الأشخاص من وجودهم وقواهم وخواصّهم وآثارهم فيتكوّن في المجتمع سنخُ ما للفرد من الوجود وخواص الوجود وهو ظاهر مشهود، ولذلك اعتبر القرآن للأمَّة وجوداً وأجلا وكتاباً وشعوراً وفهماً وعملا وطاعةً ومعصيةً(72) .
الأمر الرابع: الشؤون الاجتماعيَّة للإسلام؛ يَعتقد العلامة الطباطبائي وبلحاظ الأهميَّة التي يُبديها الإسلام بمسألة المجتمع (نظراً لِمَا للمجتمع من خصوصيَّة) أنَّ
________________________________________
(70) - الطباطبائي، السيد محمد حسين، الميزان، ج 4، ص 92.
(71) - م. ن، ص 94.
(72) - م. ن، ص 96.

[الصفحة - 236]