البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الإسرائيليَّات النشأة والجذور

الباحث :  الأستاذ محمد كاظم شاكر
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  65
السنة :  السنة السابعة عشر شتاء 1433 هجـ 2012 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 21 / 2015
عدد زيارات البحث :  1435
الإسرائيليَّات النشأة والجذور

الأستاذ محمد كاظم شاكر(*)

تمهيد
تضمنّت بعض المصادر التفسيريّة الشيعيّة والسنيّة، لا سيَّما التفاسير الروائيّة منها، مرويَّات تاريخيَّة ترتبط بتاريخ أنبياء الله عزَّ وجل وسيرتهم، وبعض الاعتقادات والمعارف الدينيّة التي لا تخلو من ملاحظات وإشكالات. ومصدر نفوذ غالب هذه الحكايات والروايات إلى الثقافة الإسلاميّة هو علماء أهل الكتاب لا سيَّما اليهود منهم. وهذه المرويَّات هي التي يُطلق عليها في الاصطلاح (الإسرائيليّات). ويرى الذهبي أنّ المتقدِّمين لم يتعرَّضوا للحديث عن الإسرائيليات(1)، مع أنّ ابن تيميّة (م 728 ق)، خصَّص فصلاً من كتابه لهذا البحث(2)، كما نجد هذا المصطلح مستخدَماً من قبل ابن كثير (م 774 ق) في تفسيره(3)، وكذلك ابن خلدون (م 806 أو 808 ق) في مقدِّمة العِبَر. ويذكر ابن خلدون أنَّ أوَّل من نَظَرَ إلى الإسرائيليات بعين النقد، المفسِّر الأندلسيّ عبد الحقّ بن عطية (م 542 ق)(4). ولا بدَّ لنا، عند استعراض تاريخ المسألة، من أن نشهد بأنَّ الكتب والدِّراسات المتوافرة تدلّ على أنَّ موضوع الإسرائيليات هذا كان محل اهتمام بالبحث والتمحيص عنه من قِبَل العلماء والباحثين من أهل السنة(5). وما تجده لدى الباحثين من الشيعة لا يعدو بعض المقالات المحدودة والموزَّعة، ولم يصدر عن أحد منهم مصنّفٌ مستقلٌّ يتناول هذا الموضوع.
________________________________________
(*)أستاذ وباحث في جامعة قم، من إيران.
(1)- محمد حسين الذهبي، التفسير و المفسّرون، القاهرة، دارالكتب الحديثة، 1381ق، ج8 ، ص165.
(2)- تقي‌الدين بن تيمية، مقدّمة في أصول التفسير، بيروت، دارالقرآن الكريم، 1391ق، ص56 ـ 58.
(3)- سماعيل بن كثير الدمشقي، تفسير القرآن الكريم، بيروت، دارالمعرفة، 1407 ق، ج1، ص80 .
(4)- عبدالرحمن بن خلدون، مقدمة ابن خلدون، ترجمة محمد پروين گنابادي، طهران، انتشارات علمي وفرهنگي، 1366ش، ج2، ص140.
(5)- أهم المؤلّفات في هذا المجال الآتي: ـ الإسرائيليّات وأثرها في كتب التفسير، رمزي نعناعة. ـ الإسرائيليّات في التفسير والحديث، محمد حسين الذهبي. ـ الإسرائيليّات والموضوعات في كتب التفسير، محمد بن محمد أبو شهبه. ـ الإسرائيليّات في التراث الإسلامي، مصطفي حسين. ـ البدايات الأولى للإسرائيليّات في الإسلام، حسن يوسف الأطير. ـ السيادة العربيّة والشيعة والإسرائيليّات في عهد بني أميّة، فان فلوتن ـ أضواء على السنة المحمديّة، محمود أبو ريّة.

[الصفحة - 265]


النقطة الأولى: الإسرائيليَّات، المعنى اللغويّ والاصطلاحيّ
إسرائيليات» جمع ومفرده إسرائيليّة، وقد يُطلق في الاصطلاح أحياناً بمعنًى خاص على تلك الطائفة من الروايات ذات الصبغة اليهوديّة(6). وقد يُطلق أحياناً بمعنًى أوسع فيُطلق على الروايات اليهوديّة والمسيحيّة. وقد يتّسع ثالثةً أكثر فيشمل الموردين السابقين، يُضاف إليهما كلُّ روايةٍ أو حكايةٍ نَفَذَت إلى المصادر الإسلاميّة ولم يكن مصدرها إسلاميّاً(7). وقد تُطلق مفردة إسرائيليَّات ويُراد منها الأخبار والوقائع التي جرت مع اليهود وبني إسرائيل، كما تعرَّض لذلك كتاب إسرائيليّات القرآن(8)حيث عالج الحوادث التاريخيّة التي جرت مع اليهود وتعرّض فيه لتاريخهم.
النقطة الثانية: الإسرائيليّات وبداية نفوذها إلى عالم التفسير
يرى بعض الباحثين أنَّ عهد الصحابة هو عهد بداية نفوذ الإسرائيليّات إلى تفسير النصّ القرآني، فقد عدَّ أهل الكتاب واحداً من المصادر التفسيريّة. ويذكر الذهبي الآتي: «... الصحابة كانوا يسألون علماء اليهود الذين اعتنقوا الإسلام... عن تفاصيل لبعض القصص والأخبار الماضية»(9).
والذي يبدو لنا أنَّه وبسبب نهي النبي (ص) نهياً واضحاً عن الرجوع إلى أهل الكتاب واستنساخ شيءٍ من كتبهم، فإنَّ أحداً من الصحابة لم يُجِز لنفسه أن يرجع في زمان حياة رسول الله (ص) إلى أهل الكتاب ليقتبس منهم شيئاً أو ينقل عنهم رأياً(10). وإن كان رأي غالب المؤرِّخين والمفسِّرين أنَّ عصر الصحابة هو عصر ظهور الإسرائيليّات ونفوذها في التفسير والحديث، لا سيما في التاريخ، بل كانت التوراة وأخبار أهل الكتاب المرجع الأساس، بل الوحيد لدى العرب في ذلك الزمان لمعرفة أحوال الأمم السابقة وأنبياء الله. ولكنَّ هذا الرأي ليس صحيحاً، وذلك لأنَّ من كان يرجع من الصحابة إلى أهل الكتاب إنَّما الضعيف منهم الذي لا
________________________________________
(6)- راجع، دائرة المعارف بزرگ اسلامي (دائرة المعارف الإسلامية الكبرى)، بإشراف كاظم موسوي بجنوردي، الطبعة الثانية، طهران، مركز نشر دائرة المعارف بزرگ اسلامي، 1369ش، ج11، ص135.
(7)- راجع، محمد حسين الذهبي: مصدر سابق، ج11، ص165؛ دائرةالمعارف تشيّع (دائرة المعارف الشيعيّة)، بإشراف أحمد صدر حاج سيد جوادي، كامران فاني و بهاء الدين خرمشاهي، الطبعة الثانية، طهران، بنياد خيريه‌و فرهنگي شطّ، 1372ش، ج2، ص139.
(8)- محمد جواد مغنية، الإسرائيليّات والقرآن. بيروت، دارالجواد، 1404.
(9)- الذهبي، مصدر سابق، ج1. ص61-62.
(10)ـ راجع، محمد تقي دياري، پژوهشي در باب إسرائيليات در تفاسير قرآن (دراسة عن الإسرائيليات في التفاسير). دفتر پژوهش و نشر سهروردي. 1379ش. ص155ـ 176.

[الصفحة - 266]


يملك إلا بضاعةً قليلةً من العلم، فقد كان يتأثّر بهم من كان كذلك وينخدع بحديثهم. ويذكر العلامة السيد مرتضى العسكري كلاماً حول تميم الداري ورواياته الموضوعة فيقول: إنّ أفراداً من الصحابة ممّن لا يملك الكثير من المعرفة بهذا الدين كأبي هريرة وأنس وعبد الله بن عمر وكذلك من التابعين أرادوا أن يتعلَّموا الإسلام من لسان تميم، فأخذوا من حديث هذا الراهب النصرانيّ الحديث العهد بالإسلام، روايةً تُنقل للأجيال القادمة، وبهذا وجِدَ في الحديث سلسلةٌ من الروايات عُرِفَت في ما بعد باسم الإسرائيليّات. أي قصص بني إسرائيل وما في التوارة والإنجيل المحرَّفين من العهد العتيق. وبقي ذلك التراث يحمل عنوان التفسير والحديث والتاريخ الإسلاميّ(11).
وممّن وقف من الصحابة في مواجهة ذلك الغزو الثقافيّ والفكريّ أمير المؤمنين علي (ع)وابن مسعود وأبو ذر الغفاريّ وحذيفة بن اليمان والخبّاب(12).
ويذكر الذهبيّ أنَّ من جملة خصائص التفسير في عهد الصحابة أنَّ بعضهم استند في تفسيره إلى علوم أهل الكتاب، كما تعرّض ـ وإلى حدٍّ ما ـ إلى العامل النفسيّ والاجتماعيّ الذي دفع الناس إلى الأخذ والاقتباس من علماء اليهود والنصارى، وإلى تقييم أهميّة التعاليم التي كانوا يبثّونها، ولكنه ختاماً، سعى لتبرئة ساحة الصحابة من اتِّهامهم بالتأثّر بالأفكار المنحرفة لأهل الكتاب(13). وفي موضعٍ آخر من كتابه وعندما تعرَّض للحديث عن خصائص تفسير عهد التابعين، يعترف صراحةً بأنَّ هذه المرحلة شهدت نفوذاً واسعاً للإسرائيليّات والنصرانيّات في ساحة التفسير، ويُرجِعُ ذلك إلى سببٍ خارجيّ هو كثرة من دخل من أهل الكتاب في الإسلام(14).
ويذكر الدكتور رمزي نعناعة ضمن بيانه لخصائص تفسير عهد التابعين: «خُلط التفسير بالإسرائيليّات، وذلك لكثرة من دخل من أهل الكتاب في الإسلام، وكان لا يزال عـالقاً بأذهانهم من الأخبـار ما لا يتَّصل بالأحكام الشرعيّة، كأخبار
________________________________________
(11)ـ السيد مرتضى العسكري: نقش أئمه دراحياي دين (دور الأئمة في إحياء الدين), تنظيم محمد علي جاويدان, طهران, موسسة أهل البيت. 1361ش, ج6, ص98.
(12)- را، محمد تقي دياري، مصدر سابق, ص 186ـ194.
(13)- راجع، محمد حسين الذهبي، المصدر السابق، ج1, ص61ـ 62.
(14)- المصدر نفسه، ج1, ص130.

[الصفحة - 267]


بدء الخليقة، وأسرار الوجود، وبدء الكائنات، وكثيرٍ من القصص، وكانت النفوس ميّالة إلى سماع التفاصيل عمّا يُشير إليه القرآن من أحداث يهوديّة أو نصرانيّة، فتساهل التابعون، فزجّـوا في التفسير بكثيرٍ من الإسرائيليّات بدون تحرٍّ ونقد، وأكثر من رُوي عنه في ذلك من مسلمي أهل الكتاب كعب الأحبار، ووهب بن منبه»(15).
وذكر العلامة الطباطبائي في مقدِّمة تفسيره الميزان مبيّناً خصائص التفسير في عهد التابعين، ما يأتي: «فإنّهم )التابعين( لم يزيدوا على طريقة سلفهم من مفسِّري الصحابة شيئاً غير أنَّهم زادوا من التفسير بالروايات، (وبينها روايات دسّها اليهود أو غيرهم)، فأوردوها في القصص والمعارف الراجعة إلى الخلقة كابتداء السماوات وتكوين الأرض والبحار وإرم شداد وعثرات الأنبياء وتحريف الكتاب وأشياء أخر من هذا النوع ، وقد كان يوجد بعض ذلك في المأثور عن الصحابة من التفسير»(16).
النقطة الثالثة: أسباب وظروف ظهور الإسرائيليَّات وانتشارها
ثمَّة أسباب وعوامل عديدة لظهور الإسرائيليّات وانتشارها، وقد تنوَّعت الأسباب التي ذكرها الباحثون، ومن البديهيِّ أن لا يكون تأثير هذه الأسباب ودورها وأهميّتها بمستوًى واحد، ومن هذه الأسباب: هجرة اليهود والنصارى إلى جزيرة العرب وارتباطهم بالمسلمين بحكم المجاورة؛ التاريخ العريق للمعتقدات اليهوديّة والهيمنة العلميّة لأهل الكتاب على العرب؛ الجهل والأميَّة وعدم الاطِّلاع الذي كان حاكماً على المجتمع العربيِّ آنذاك حيث كانت البداوة غالبةً على حياتهم، ولم يكونوا بمستوًى يمكِّنُهم من الوقوف أمام أهل الكتاب؛ التداخل الواسع للنصوص اليهوديّة مع التعاليم الإسلاميّة؛ إيجاز واختصار القَصص القرآنيّ والإطناب والتطويل في قصص أهل الكتاب؛ حرص المسلمين وولعهم بسماع خرافات اليهود بما كانوا يتَّصفون به من تكبّر ونظرة استعلاء إلى أنفسهم على أنَّهم أفضل
________________________________________
(15)- رمزي نعناعة، الإسرائيليات وأثرها في كتب التفسير, دمشق, دارالقلم, بلا تاريخ , ص18.
(16)- محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن, بيروت, مؤسسة الأعلمي, 1393ق, ج1, ص4ـ 5.

[الصفحة - 268]


من العرب؛ ميل العوام إلى القصص العجيبة وفضولهم وحرصهم على معرفة تفاصيل القصص والحوادث التاريخيّة؛ بساطة بعض رواة الحديث وحسن ظنّ بعض العلماء بأهل الكتاب؛ التساهل وعدم الدقّة وعدم الاحتياط في أسناد الروايات التفسيريّة؛ افتقاد حلقة التواصل مع مركز العالم الإسلاميّ؛ تظاهر بعض الرواة بالإسلام مع ما هم عليه من سوء النيّة والمقاصد الشيطانيّة؛ منع تدوين الحديث والسنة النبويّة والانغلاق الثقافيّ وممارسة الضغط على المجتمع من قِبَل حكَّام ذلك الزمان؛ فتح المجال من قِبَل الخلفاء، لا سيَّما من معاوية، أمام نشر الإسرائيليّات خصوصاً في ظلِّ الحكومة الأمويّة بغرض إلهاء الناس عن القضايا المهمّة السياسيّة والاجتماعيّة ومَلْء أذهانهم بالإسرائيليّات؛ عدم امتلاك الصحابة القدرة على الإجابة عن أسئلة الناس التي يحتاجون إليها؛ نفوذ النصرانيَّة في جهاز الخلافة الأمويّة وسعيهم لمحاصرة أهل بيت النبي (ص) وعزلهم وإبعادهم عن الساحة السياسيَّة وما كانوا يتصدّون له من مواجهة أهل الكتاب وثقافتهم المنحرفة. وسوف نتعرَّض في هذه الدراسة لأهمِّ الأسباب الموجبة لهذا الانتشار الواسع للإسرائيليّات.
من بين الأسباب المتقدِّمة الذكر، يمكننا أن نحدِّد ثمانيةً من هذه الأسباب ذات دور أساسٍ ومهمٍّ في ظهور الإسرائيليّات وانتشارها، وهذه الأسباب الثمانية هي التي سنتعرض لها بالحديث:
1ـ العلاقة بين المسلمين وأهل الكتاب
شكَّلت هجرة اليهود والنصارى إلى جزيرة العرب وإقامتهم إلى جوار المسلمين في المدينة بيئةً لظهور الإسرائيليَّات ونفوذها، وكذلك نفوذ أفكار أهل الكتاب، لا سيَّما اليهود منهم، في المجتمع الإسلاميِّ وفي الثقافة الإسلاميّة. لقد مرَّ اليهود قبل هجرتهم إلى المدينة، بتاريخٍ من المصاعب والمشاقّ وصعوبات الحياة والظلم وحالة التشرّد والعبوديّة. ففي ما يتعلّق بتاريخ اليهود، ورد في سورة يوسف
________________________________________

[الصفحة - 269]


ذكر بداياتهم مع هجرتهم في عهد النبيّ يعقوب (ع)إلى مصر حيث كان يوسف(ع)عزيزاً لمصر آنذاك(17)، وقد أعطى ملك مصر لبني إسرائيل أرضاً وافرة النعم إكراماً منه ليوسف، وقد أقام نسل يعقوب هناك لمدّةٍ طويلة، ولكنّ الفراعنة بعد ذلك مارسوا عليهم الظلم والاستبداد وألحقوا بهم الأذى، وأساؤوا معاملتهم، فقتلوا أبناءهم واستحيَوْا نساءهم، إلى أن بعث الله عزّ وجل إليهم نبيَّه موسى (ع)من بينهم لكي يخلِّصهم ممّا هم فيه من الظلم والعبوديّة ويُعيدهم إلى بلادهم أي إلى فلسطين، وقد أمرهم بقتال عدوهم وتحرير أرضهم ووعدهم بأن يكون النصر من عند الله عزّ وجل حليفاً لهم، ولكنّهم آثروا القعود على القتال خوفاً منهم وحرصاً على حياتهم، فحكم عليهم الله عزّ وجل بالتيه في الصحراء أربعين عاماً، عقوبةً لهم لتخلُّفهم عن الامتثال لأمر نبيهم ورسول الله عزّ وجل إليهم. وفي فترة التيه هذه توفّي هارون ثمّ من بعده توفي موسى وورث موسى وصيُّه وابن أخته يوشع بن نون. وقد تمكَّن في القرن الثالث عشر قبل الميلاد من استعادة فلسطين بعد حرب خاضها فهجَّر من كان فيها أو استرقّهم، وبهذا عاد بنو إسرائيل إلى فلسطين(18). وقد واتر الله عزّ وجل إليهم رسله وأنبياءه، وفي عام 596 قبل الميلاد هاجم ملك بابل بختنصر بلاد فلسطين وتمكَّن من احتلالها بعد أن قتل كثيراً من أهلها واسترقَّ الكثير منهم أيضاً. واستمرَّ حكم بختنصر عليهم حتَّى عام 538 قبل الميلاد إلى أن انتصر ملك الفرس على بختنصر وتمكَّن اليهود من أن يعيشوا حالةً من الاستقرار، واستمرَّ حكم الفرس عليهم لمائتي عام. ثمَّ خضعوا لحكم خلفاء الإسكندر الكبير ثمَّ الروم. وفي سنة 135 قبل الميلاد ثار اليهود على الروم ولكن ثورتهم هذه باءت بالفشل، وتمكَّن الروم من إحباط ثورتهم، ثمَّ قاموا بإخراجهم من فلسطين، وبهذا تشتَّت اليهود في مختلف البلاد من الشرق والغرب... فجماعةٌ منهم لجأوا إلى مصر، وجماعةٌ إلى لبنان وسوريا، وجماعةٌ هاجروا إلى العراق، واختار جماعةٌ منهم الحجاز مكاناً لإقامتهم. وأمَّا بلاد اليمن فقد كانت محلَّ أنسهم
________________________________________
(17)- يوسف, 99 وما بعدها، وراجع أيضاً، جان بي ناس، تاريخ جامع أديان, ترجمه علي أصغر حكمت, الطبعة الخامسة، طهران انتشارات و آموزش انقلاب اسلامي, 1372ش, ص 488.
(18)- جان.بي. ناس: پيشين, ص 499 وجريدة يوشع، باب 19.

[الصفحة - 270]


وذلك لأنَّهم كانوا يألفون السفر إليها في عهد النبيّ سليمان (ع)للتجارة(19). وهجرة اليهود إلى جزيرة العرب بدأت في العام سبعين بعد الميلاد بسبب ما لحقهم من الأذى من ملك الروم تيتوس(20)، وبهجرتهم هذه فُتح الباب أمام نفوذ ثقافة اليهود في بلاد الجزيرة العربيّة. كما أنَّ سفر العرب في زمان الجاهليّة في رحلتين ـ هما رحلة الشتاء إلى بلاد اليمن ورحلة الصيف إلى بلاد الشام ـ واجتماعهم في أسفارهم هذه مع أهل الكتاب (اليهود) في الشام واليمن، شكل بيئة مساعدة للتأثير الثقافي من قبلهم.
كانت المدينة في صدر الإسلام عاصمة الإسلام، وكان المسلمون يجتمعون برسول الله (ص) في مسجد المدينة ويتلقَّون منه تعاليم الإسلام، فيما كانت قبائل اليهود تُقيم في الأطراف كبني قينقاع، وبني قريظة، وبني النضير، ويهود خيبر، وتيماء وفدك. وهذه الجيرة في الإقامة وفي السكن ترافقت مع تبادل العلم والمعرفة. وكان النبيّ (ص) يجتمع باليهود، بل كانوا يختارونه حكماً في بعض نزاعاتهم، كما كانوا يوجِّهون إليه أسئلتهم، ويطالبونه بالدليل على صدق رسالته. وقد تعرَّض القرآن الكريم للكثير من أسئلتهم التي كانوا يُثيرونها بوجه النبي(ص)(21). وقد اعتنق الكثير من علماء اليهود الإسلام، كعبد الله بن سلام، وعبد الله بن صوريا، وكعب الأحبار وغيرهم من ذوي الثقافة اليهوديّة الواسعة. وقد تمكَّن هؤلاء من أن ينالوا مكانةً بين المسلمين، وبهذا قامت حالة من الترابط الواسع المدى بين التعاليم الإسلاميّة والتعاليم اليهوديّة(22).
ويذكر الأستاذ أحمد أمين ذلك موضحاً هذا الارتباط بين العرب وجيرانهم وبين سائر الناس: (من عوامل نشر الثقافة الأجنبيّة في جزيرة العرب انتشار اليهوديّة والنصرانية... كان في القرون الأولى للميلاد مستعمرات يهوديّة: في تيماء، وفي فدك، وفي خيبر، وفي وادي القرى، وفي يثرب وهي أهمّها. وكان يهود يثرب ثلاث قبائل: بني النضير، وبني قينقاع، وبني قريظة. وقد اشتهر اليهود في جزيرة
________________________________________
(19)- محمد جواد مغنية, مصدر سابق، ص41 و 42.
(20)- جان ناس، مصدر سابق، ص 554.
(21)- ابن هشام، مصدر سابق, ج1, ص300 وما بعدها، و ج2, ص543 و 549 وما بعدها.
(22)- محمد حسين الذهبي، الإسرائيليات في التفسير والحديث, ص 22ـ25.

[الصفحة - 271]


العرب، حيث حلّوا، بمهارتهم في الزراعة، كما اشتهروا في يثرب أيضاً بصناعاتهم المعدنيّة كالحدادة والصياغة وصناعة الأسلحة... عمل اليهود على نشر ديانتهم جنوبي الجزيرة، حيث تهوّد كثيرٌ من قبائل اليمن... نشر اليهود في البلاد التي نزلوها في جزيرة العرب تعاليم التوراة وما جاء فيها: من تاريخ خلق الدنيا، ومن بعثٍ وحسابٍ وميزانٍ، ونشروا تفاسير المفسِّرين للتوراة وما أحاط بها من أساطير وخرافات كالتي أدخلها ـ بعدُ ـ من أسلم من اليهود، مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه وأضرابهما. وكذلك كان لليهود أثر كبير في اللغة العربيّة، فقد أدخلوا عليها كلمات كثيرة لم يكن يعرفها العرب، ومصطلحات دينيّة لم يكن لهم بها علم، مثل جهنم والشيطان وإبليس ونحو ذلك»(23).
2ـ الهيمنة العلميّة لأهل الكتاب على العرب
لقد كان العرب ينظرون إلى اليهود والنصارى (أهل الكتاب)(24)بعين العظمة، وكان لهم مهابة في نفوس العرب بسبب المخزون العلميّ والثقافيّ الذي كان متوافراً لدى أهل الكتاب، ومفقوداً لدى عرب الجاهليّة. فالاطِّلاع الواسع لليهود والنصارى على التاريخ، وإحاطتهم بالقصص العجيبة كانا سببين مهمَّين في ما كانوا يرونه من فضلٍ لهم قياساً على عرب الجاهليّة(25). ويذكر ابن خلدون عند بيانه للسبب الذي أدّى إلى نقل الإسرائيليّات ونفوذها في الثقافة الإسلاميّة: «والسبب في ذلك أنَّ العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم وإنّما غلبت عليهم البداوة والأميّة، وإذا تشوّقوا إلى معرفة شيء ممَّا تتشوّق إليه النفوس البشريّة في أسباب المكوّنات وبدء الخليقة وأسرار الوجود، فإنَّما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم ويستفيدونه منهم، وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذٍ باديةٌ مثلهم، ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامّة من أهل الكتاب، ومعظمهم من حِمْيَر الذين أخذوا بدين اليهودية فلمَّا أسلموا بقوا على ما كان عندهم ممَّا لا تعلُّق له بالأحكام الشرعيّة التي يحتاطون لها، مثل أخبار بدء
________________________________________
(23)- أحمد أمين، فجر الإسلام, الطبعة العاشرة, بيروت, دارالكتاب العربي, 1944م, ص23.
(24)- عبَّر القرآن الكريم عن اليهود والنصارى بأهل الكتاب، وتكرر ذلك في 31 موضعاً.
(25)- رسول جعفريان، مصدر سابق، ج1, ص150.

[الصفحة - 272]


الخليقة وما يرجع إلى الحدثان والملاحم»(26).
وقال الأستاذ محمود أبو رية: «واليهود بما لهم من كتاب، وما فيهم من علماء، كانوا يُعتبرون أساتذة العرب فيما يجهلون من أمور الأديان السابقة»(27).
ويقول السيد جعفر مرتضى: «وكانوا يعتمدون في معارفهم ولا سيما فيما يرتبط بالنبوّات، والأنبياء وتواريخهم، وتواريخ الأمم، على أهل الكتاب بصورة رئيسيّة، وكانوا مبهورين بالأحبار والرهبان بصورةٍ قويَّة وظاهرة، ويعتبرونهم أهمّ مصدر للمعرفة لهم. بل هم ينظرون إليهم نظر التلميذ إلى معلِّمه بكلِّ ما لهذه الكلمة من معنى. وقد رأينا: أنَّ قريشاً ترسل رسولاً إلى أحبار يهود المدينة، للسؤال عن أمـر النبي (ص)، باعتبار أنّهم أهل الكتاب الأوّل، وعندهم من علم الأنبياء ما ليس عند قريش»(28).
وفي السنة الخامسة من الهجرة بعد أن أخرج النبي (ص) يهود بني النضير من المدينة، لجأوا إلى خيبر، وقد اجتمعوا إلى قريش وحثّوها على محاربة النبي(ص) ووعدوهم بتقديم العون والنصرة لهم، وروي أنَّ قريشاً قالت لبعض يهود بني النضير، وهم: سلام بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب وكنانة بن الربيع، حين ذهبوا إلى مكّة ليحرِّضوا الأحزاب على حرب المسلمين، قالت لهم قريش: يا معشر يهود، إنّكم أهل الكتاب الأوّل، والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمّد، أفديننا خير أم دينه؟ قالوا: بل دينكم خيرٌ من دينه، وأنتم أولى بالحقّ منه، فلمَّا قالوا ذلك لقريش سرَّهم، ونشطوا لما دعوهم إليه(29).
وبملاحظة غلبة الأميّة على عرب الجاهليّة(30)، بل ما كانوا يرونه من كون القراءة والكتابة عيباً(31)، فقد كان لليهود والنصارى الهيمنة الفكريّة والعلميّة على عرب الجاهليَّة في ذلك الزمان، ولذا كان سعي قريش للاستفادة من نفوذ اليهود وما لهم من منزلةٍ علميّةٍ خاصّة لما فيه نفعها والوصول إلى مآربه(32). وقد استمرَّت هذه الهيمنة بعد ذلك، وتجلَّت برجوعهم إلى اليهود والنصارى للاستماع
________________________________________
(26)- ابن خلدون، مقدّمة العِبَر, ص439 و 440؛ عمر لطفي العالم: المستشرقون والقرآن, مركز دارسات العالم الإسلاميّ, ص108 و 109.
(27)- محمود أبورية، أضواء على السنّة المحمدية, الطبعة الثانية، مصر, دارالمعارف (أفست قم, دارالكتب العلمية), ص 146.
(28)- جعفر مرتضى العاملي، مصدر سابق، ج1, ص175.
(29)- ابن هشام, مصدر سابق، ج3, ص225 و جعفر مرتضى العاملي، مصدر سابق، ص176.
(30)- الشهيد مرتضى مطهري، پيامبر امي (النبي الأمي), قم, دفتر انتشارات اسلامي, ص 51 و 52.
(31)- ابن قتيبه الدينوري، الشعر و الشعراء (طبقات الشعراء), لَيدن, 1902 م, ص234 و جعفر مرتضى العاملي، مصدر سابق, ج1, ص49.
(32)- ابن هشام، مصدر سابق، ج1, ص300.

[الصفحة - 273]


إلى قصص التوراة والإنجيل. وقد ورد أنَّ بعض المسلمين كان يقوم بتدوين بعض ما يسمعه من اليهود، حتَّى قال لهم النبي (ص): إنَّ أحمق الحمق وأضلّ الضلالة قوم رغبوا عمّا جاء به نبيهم (ص) إلى نبيٍّ غير نبيِّهم وإلى أمّةٍ غير أمَّتهم(33). ثمَّ نزلت الآية: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (العنكبوت، 51).
3ـ وجوه الاشتراك بين النصوص الدينيّة اليهوديّة والقرآن الكريم
من الممكن أن تكون وجوه الاشتراك بين النصوص الدينيَّة وبين القرآن الكريم، سبباً واضحاً لقيام بيئةٍ موجبةٍ لرجوع المسلمين إلى أهل الكتاب. فقد تعرَّض القرآن الكريم ـ كما هو الحال في التوراة ـ للكثير من تاريخ الأنبياء والأمم السابقة. كما نجد مشابهةً في موارد بين القرآن والإنجيل لا سيما في ما يرتبط بالنبيّ عيسى (ع)، ولكن الأسلوب القرآنيّ بُني على استنطاق القصص ونقل التاريخ بدون تعرّض لتفاصيل الأحداث، والاكتفاء بالتعرّض لما يرتبط بالهدف المقصود، ولذا يذكر الذهبيّ عند بيانه للمصدر الرابع من مصادر التفسير التالي: «إنّ القرآن الكريم يتّفق مع التوراة في بعض المسائل... غير أنَّ القرآن الكريم اتّخذ منهجاً يُخالف منهج التوراة والإنجيل، فلم يتعرَّض لتفاصيل جزئيَّات المسائل، ولم يستوفِ القصَّة من جميع نواحيها، بل اقتصر من ذلك على موضع العبرة»(34).
ويرى غولدتسيهر في هذا الأمر علّةً وسبباً لميل المسلمين إلى القصص والخرافات في تفسير القرآن فيقول: «وفي تفسير القرآن بدا هذا النزوع إلى القصص والأساطير في دائرة خاصة. كان هناك ما ورد في الكتب السابقة من مختلف القصص، التي أجملها محمّد (ص) نفسه بمنتهى الإيجاز، وأحياناً على وجه متداخل»(35).
ويذكر العلامة الطباطبائي، في ذيل قصَّة أصحاب الكهف، عند بيانه للسبب الأساس في تنوّع الأحاديث، مضافاً إلى مسألة الوضع والدسّ في الحديث، أمرين:
________________________________________
(33)- رسول جعفريان, مصدر سابق، ج1, ص151؛ الواحدي النيشابوري وجلال الدين سيوطي, شأن نزول آيات, ترجمة دكتر محمد جعفر إسلامي, الطبعة الثانية, جام, 1371ش, ص434.
(34)- محمد حسين الذهبي، التفسير والمفسرون, ج1, ص169.
(35)- جولد تسيهر، مذاهب التفسير الإسلامي, ترجمة عبدالحليم النجار, القاهرة, مكتبه الخانجي, 1376ق, ص75 .

[الصفحة - 274]


أحدهما: أنّ القصة ممّا اعتنى به أهل الكتاب كما يُستفاد من رواياتهم أنّ قريشاً تلقَّتها عنهم... ثمّ إنَّ المسلمين بالغوا في أخذ الرواية وضبطها، وتوسَّعوا فيه وأخذوا ما عند غيرهم كما أخذوا ما عند أنفسهم، خاصة وقد اختلط بهم قوم من علماء أهل الكتاب دخلوا في الإسلام كوهب بن منبّه وكعب الأحبار، وأخذ عنهم الصحابة والتابعون كثيراً من أخبار السابقين، ثمّ أخذ الخلف عن السلف وتعاملوا مع رواياتهم معاملة الأخبار الموقوفة عن النبي (ص) فكانت بلوى.
وثانيهما: أنَّ دأب كلامه تعالى في ما يورده من القصص أن يقتصر على مختارات من نكاتها المهمّة المؤثّرة في إيفاء الغرض، من غير أن يبسط القول بذكر متنها بالاستيفاء والتعرّض لجميع جهاتها والأوضاع والأحوال المقارنة لها، فما كتاب الله بكتاب تاريخٍ وإنَّما هو كتاب هدى... ثمَّ إنَّ المفسِّرين من السلف، لمَّا أخذوا في البحث عن آيات القصص راموا بيان اتِّصال الآيات بضمِّ المتروك من أطراف القصص إلى المختار المأخوذ منها، لتُصاغ بذلك قصةً كاملةَ الأجزاء مستوفاةَ الأطراف، فأدَّى اختلاف أنظارهم إلى اختلافٍ يُشابه اختلاف النقل فآل الأمر إلى ما نشاهده(36).
4ـ النزعة الأسطوريّة وحسُّ الفضول عند المسلمين
وكما تقدّم مكرّراً، فإنّ رغبة العرب بمعرفة علل الظواهر الكونيّة وسرِّ الوجود والخليقة وحلّ مبهمات القرآن الكريم، شكَّل بيئةً مناسبةً لعلماء أهل الكتاب لبثّ الكثير من أساطيرهم وخرافاتهم وأفكارهم الباطلة التي لا أساس لها في أذهان البسطاء من الناس. ولذا ذكر بعض الباحثين أنَّ أحد أسباب نفوذ الإسرائيليّات في الثقافة الإسلاميَّة، هو تلك البيئة المتوافرة في أذهان المسلمين لسماع تلك الخرافات والأساطير من اليهود(37).
ويذكر أحمد أمين في بيانه لسبب انتشار حجم الإسرائيليّات واتّساعها في عهد التابعين، ما يأتي: «وفي هذا العصر ـ أعني عصر التابعين ـ تضخَّم التفسير
________________________________________
(36)- محمد حسين الطباطبائي، مصدر سابق، ج12, ص291 و 292 بتلخيص.
(37)- سيد علي كمالي دزفولي، قانون تفسير, طهران, كتابخاني صدر, 1396 ق, ص466 ومحمد واعظ زاده خراساني، مكاتب وروشهاي تفسيري (جزوة تدريسيّة, محفوظة في مكتبة تخصصي مركز فرهنگ و معارف قرآن قم). ص37 و 38 وابن خلدون، مصدر سابق, ص439.

[الصفحة - 275]


بالإسرائيليّات، والنصرانيّات لكثرة من دخل منهم في الإسلام، وميل النفوس لسماع التفاصيل عمّا يُشير إليه القرآن من أحداث يهوديّة ونصرانيّة»(38).
وكمثالٍ على ذلك، نتعرَّض لإحدى الخرافات التي نقلها البخاريّ ومسلم عن أبي هريرة بأنّ الله أرسل ملك الموت إلى موسى عليهما السلام، فلما جاءه صكَّه فرجع إلى ربّه فقال أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، فردَّ الله عزَّ وجل عليه عينه، وقال: ارجع فقل له يضع يده على متن ثور فله بكلِّ ما غطَّت به يده بكلِّ شعرةٍ سنةً، قال: أي ربِّ ثمَّ ماذا؟ قال: ثم الموت، قال: فالآن. فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدّسة رمية بحجر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلو كنت ثمّ لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر(39).
وكما هو ملاحظٌ بوضوح فإنَّ هذا الحديث يمثِّل خرافةً قديمةً ومن الكذب الذي كان معروفاً بين الناس، ولا يتوقّف إبطاله على دليل، ومتن الحديث فيه دليل واضح على كونه موضوعاً.
5ـ حذف أسناد الروايات وحسن الظنّ بأهل الكتاب
يُطلق اصطلاح الحديث في علم الحديث والدراية، على السند والمتن. ولذا عند البحث عن صحّة حديثٍ ما أو سقمه لا بدّ، مضافاً إلى البحث عن مضمون الحديث ضمن معايير فقه الحديث، من البحث في سند الحديث ومدى اعتباره ووثاقة رواته بشكلٍ دقيق. ومن الواضح والبديهيّ أنَّه لا يصحُّ التسامح في أيِّ شيءٍ من القسمين، وكم هي النتائج السلبيّة المترتبة على الغفلة أو التسامح في ذلك. والجهد الذي بذله المحدّثون والفقهاء في نقل الروايات وذكر سلسلة السند بتمامها إنّما كان لأجل المنع من وقوع الجعل والتحريف في النصوص الدينيّة. وفي رواية عن الامام الصادق (ع)أنَّ أمير المؤمنين (ع)قال: « إذا حُدِّثتم بحديثٍ فأسندوه إلى الذي حدَّثكم، فإن كان حقاً فلكم، وإن كان كذباً فعليه»(40).
________________________________________
(38)- أحمد أمين، مصدر سابق، ص 205 ومحمد حسين الذهبي، الإسرائيليات, ص 24.
(39)- محمد بن إسماعيل البخاري، صحيح البخاري, دارالفكر (أفست دارالطباعة العامرة باسطنبول)، ج2, ص92.
(40)- محمد بن يعقب الكليني، الأصول من الكافي, تصحيح وتعليق علي أكبر غفاري, الطبعة الخامسة، طهران, دارالكتب الاسلامية, 1363 ش, ج1, ص52.

[الصفحة - 276]


ويذكر ابن خلدون، ضمن حديثه عن آفات التفسير النقليّ ونقاط الضعف فيه، مسألة نفوذ الروايات الإسرائيليَّة في التفاسير، فيذكر أنّ ما نُقِلَ عن اليهود وأهل الكتاب حديثي الإسلام لمَّا لم يكن ممَّا يرتبط بالأحكام الشرعيَّة ممّا يحتاطون به فعمدوا إلى التسامح في نقل ذلك في كتبهم التفسيريّة(41).
ويعلّق الذهبيّ بعد نقله لكلام ابن خلدون هذا بقوله: «ومن هذه المقالة يتَّضح لنا أنّ ابن خلدون أرجع الأمر إلى اعتبارات اجتماعيَّة وأخرى دينيّة، فعدَّ من الاعتبارات الاجتماعيَّة، غلبة البداوة والأميَّة على العرب، وتشوّقهم لمعرفة ما تتشوّق إليه النفوس البشريّة من أسباب المكوِّنات وبدء الخليقة، وأسرار الوجود، وهم إنَّما يسألون في ذلك أهل الكتاب قبلهم. وعدّ من الاعتبارات الدينيّة التي سوّغت لهم تلقِّي المرويَّات في تساهل وعدم تحرٍّ للصحّة: أنَّ مثل هذه المنقولات ليست ممَّا يُرجع إلى الأحكام فيُتحرَّى فيها الصحّة التي يجب بها العمل»(42).
كما يذكر عند تعرُّضه بالحديث لخصائص الروايات التفسيريّة في عهد ما بعد الصحابة والتابعين، ما يأتي: «دخل في هذا النوع من التفسير كثيرٌ من القصص الخياليِّ المخترَع... وذهبوا بكثيرٍ من الأخبار الصحيحة بجانب ما رووه من قصص مكذوبٍ وأخبار لا تصحّ»(43).
وينقل الذهبيُّ روايةً من مقدِّمة صحيح مسلم عن ابن سيرين قال: لم يكونوا يسألون )في عصر الصحابة( عن الأسناد، فلمَّا وقعت الفتنة، قالوا: سمُّوا لنا رجالكم(44).
ويذكر الدكتور أحمد خليل في هذا المجال، أنَّ إكثار المفسّرين من الاعتماد على نقل الروايات، مع عدم إخضاعها للنقد والتقييم، كان له تأثيره الكبير في نفوذ الروايات الصحيحة وغير الصحيحة. وأوَّل حركةٍ باتِّجاه تفسير القرآن الكريم كانت تعتمد على النقل فقط، ولم يكن يُبذَل فيه جهد في البحث عنها نفياً أو إثباتاً، بل كان يرجع الأمر في التفسير إلى الرواية فقط(45).
________________________________________
(41)- ابن خلدون, مصدر سابق، ص439 و 440.
(42)- محمد حسين الذهبي، مصدر سابق,ج, ص108 ومحمد حسين الذهبي، الإسرائيليات, ص32 و 33.
(43)- محمد حسين الذهبي، التفسير والمفسّرون ج1, ص202.
(44)- الذهبي، الإسرائيليات, ص27 نقلاً عن صحيح مسلم, ج1, ص112.
(45)- أحمد خليل، نشأة التفسير في الكتب المقدَّسة والقرآن, ص35.

[الصفحة - 277]


ويقول جلال الدّين السيوطي في هذا الصدد أيضاً: «ثمَّ ألّف في التفسير خلائق فاختصروا الأسانيد ونقلوا الأقوال بتراً فدخل من هنا الدخيل والتبس الصحيح بالعليل»(46).
وذكر العلامة الطباطبائي عند بيانه للمنهج التفسيريِّ لدى أهل السنّة حول جماعةٍ من مفسِّريهم، الآتي: «الطبقة الخامسة، المفسِّرون الذين نقلوا الأحاديث في تفاسيرهم بحذف الأسانيد واكتفوا بنقل الأقوال والآراء. قال السيوطي: فدخل من هنا الدخيل والتبس الصحيح بالعليل. إلا أنَّ المتدبِّر في الأحاديث المسنَدة يرى أيضاً كثيراً من الوضع والدسِّ، ويُشاهد الأقوال المتناقضة تُنسب إلى صحابيٍّ واحدٍ»(47).
ويرى أنَّ من عِلَل انتشار الروايات الإسرائيليّة التساهل وعدم الدقَّة من قِبَل بعض المفسّرين، والاعتماد كثيراً على الروايات والقبول بها بدون معيار، ولذا كانت الدعوة إلى الجميع للتأمّل في مضامين الروايات وعرضها على الفكر الخالص والكتاب الإلهيّ(48).
من أهمِّ الآثار السلبيَّة التي ترتَّبت على حذف الأسانيد وإسقاطها، أنَّ باب البحث في مصدر هذه المنقولات قد انسدَّ(49). وقد ذكر الكبار من أهل السنة توجيهاً منهم لعمل الصحابة والتابعين هذا، بأنَّ تلك الروايات التي أخذوها من علماء اليهود لم تكن ترتبط بالأحكام الشرعيَّة فلم يلجأوا إلى الاحتياط فيه(50). وفي هذا غفلةٌ عن أنَّ التسامح الدينيِّ قد ألحق الضرر الكبير بالتعاليم الإسلاميّة ولا زال كذلك. كما يُلحَظ في كلامهم هذا اعترافٌ ضمنيٌّ بتساهل بعض الرواة وأهل التفسير وحسن ظنِّهم وبساطتهم(51).
إنَّ المهمّ في هذا المجال هو ضرورة التدقيق في النصِّ القرآنيِّ قبل الرجوع إلى هذه المرويَّات المنقولة، وقبول ما كان منسجماً منها مع الآيات مع الاحتياط التام، وردِّ المخالف منها للآيات. وهذه قاعدة عامَّة وردت عن أهل البيت (عليهم ‏السلام)
________________________________________
(46)- جلال الدين السيوطي، الإتقان في علوم القرآن, تحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم, قم, منشورات الشريف الرضي, ج4,ص242.
(47)- محمد حسين الطباطبائي، قرآن در اسلام, الطبعة الخامسة, قم, دفتر انتشارات اسلامي, 1372ش, ص55.
(48)- محمد حسين الطباطبائي، الميزان, ج19, ص133 و134.
(49)- محمد واعظ زاده الخراساني، مصدر سابق، ص38.
(50)- ورد ذلك في كلمات ابن تيمية، ابن خلدون، الذهبي وغيرهم، وأصل هذا الكلام يرجع إلى ابن خلدون.
(51)- ابن خلدون، مصدر سابق، ص439 وأحمد أمين، مصدر سابق، ص201.

[الصفحة - 278]


لبيان كيفيّة معرفة الحديث الصحيح من السقيم. ولا فرق في هذا بين الروايات الواردة عن الصحابة أو التابعين، أو روايات الكتب المعتبَرة(52). والاعتراض على كبار المفسِّرين ليس في عدم إعمالهم للبحث السنديّ في بعض الروايات التفسيريّة أو حذفهم لأسنادها بل إلى اعتمادهم عليها بشكل يفوق الحدّ وعدم قيامهم بتقييمها لجهة انسجامها مع آيات كتاب الله عزَّ وجل، أو مخالفتها لها، ولا مع دليل العقل؛ لأنَّ قيمة (الأخبار والآحاد) التفسيريّة والتاريخيّة واعتبارها هما بلحاظ مضمونها لا سندها؛ ولا معنى للتعبّد في التفسير والتاريخ، وذلك خلافاً لما في الفقه، لأنَّ الهدف من هذه الروايات تحصيل العلم والمعرفة، وهو لا يتحقَّق بخبر الواحد. ويذكر الشيخ محمد هادي معرفة ذلك فيقول: «قيمة الخبر الواحد في باب التفسير والتاريخ إنَّما هي بملاحظة المتن الوارد فيه، دون مجرَّد السند. فإن كان مضمون الخبر ـ وهو محتوى الحديث الوارد ـ ما يُعالج دفع مشكلة إبهامٍ في الأمر، فنفس المتن شاهد على صدقه، وإلا فلا دليل على التعبّد به»(53).
6ـ حقد اليهود وخبث أهدافهم
يُمكننا أن نتّهم كافَّة علماء أهل الكتاب ورواة الروايات الإسرائيليّة ممن التحق بالإسلام، بالكذب وسوء النيّة والدسيسة على الإسلام، ولكن يمكن لنا أن نجد من بين صفحات التاريخ، العديد من القرائن والشواهد على عداوة بعضهم للإسلام. وقد وصف القرآن الكريم اليهود بأنَّهم أشدُّ الناس عداوةً للذين آمنوا، كما حذَّر المؤمنين من الوقوع في حبالهم وشركهم ومكرهم: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} (المائدة، 82). مضافاً إلى ما تقدّم، لا بدّ من أن نذكر كيف كان لليهود قبل ظهور الإسلام مكانةٌ في المدينة والدور الاجتماعيّ والاقتصادي الذي يقومون به، وكيف شعر هؤلاء بالخطر بعد هجرة النبيّ (ص) إلى المدينة وإقامته فيها، فقد فقدوا الدور الذي كان لهم. وهذا هو سبب سعيهم للمكر بالمسلمين والتآمر عليهم، وقد أقاموا حلفاً مع المشركين في
________________________________________
(52)- نقلاً عن محمد واعظ زاده خراساني، المصدر السابق، ص40.
(53)- محمد هادي معرفت، التفسير و المفسرون في ثوبه القشيب, ط1, مشهد, الجامعه الرضوية للعلوم الإسلامية, 1419ق, ج2, ص32.

[الصفحة - 279]


سبيل ذلك(54). ولذا كانت حالة المسلمين على الدوام الحذر والترقّب اتجاههم، إذ في كلِّ آن من الماضي وإلى الآن نجد أنّهم يحيكون المؤامرات. ويرى الأستاذ محمود أبو رية أنّ أحد الأسباب الأساس لظهور الإسرائيليّات يعود إلى مكر اليهود وتآمر علماء اليهود والنصارى وتظاهرهم بالإسلام، يقول: «لمَّا كان أشدُّ الناس عداوةً للذين آمنوا اليهود؛ لأنّهم بزعمهم شعب الله المختار، فلا يعترفون لأحدٍ غيرهم بفضل، ولا يقرّون لنبيٍّ بعد موسى برسالةٍ، فإنّ رهبانهم وأحبارهم لم يجدوا بدّاً ـ وبخاصَّة بعد أن غُلِبوا على أمرهم وأُخرِجوا من ديارهم ـ من أن يستعينوا بالمكر، ويتوسَّلوا بالدهاء، لكي يصلوا إلى ما يبتغون، فهداهم المكر اليهوديّ إلى أن يتظاهروا بالإسلام ويطووا نفوسهم على دينهم، حتَّى يخفى كيدهم، ويجوز على المسلمين مكرهم، وقد كان أقوى هؤلاء الكهَّان دهاءً وأشدَّهم مكراً، كعب الأحبار ووهب بن منبِّه، وعبد الله بن سلام. ولمَّا وجدوا أنَّ حيلهم قد راجت بما أظهروه من كاذب الورع والتقوى، وأنّ المسلمين قد سكنوا إليهم، واغترّوا بهم، جعلوا أوَّل همِّهم أن يضربوا المسلمين في صميم دينهم، وذلك بأن يدسّوا إلى أصوله التي قام عليها ما يريدون من أساطير وخرافات، وأوهام وترّهات لكي تهيئ هذه الأصول وتضعف»(55).
وضمن هذه الرؤية التي يتبنَّاها محمّد رشيد رضا يوجِّه نقده لابن تيميّة وموقفه من نقل الروايات الإسرائيليّة وقبوله بها فيقول: «وصرّح )ابن تيمية( في هذا المقام بروايات كعب الأحبار ووهب بن منبّه مع أنّ قدماء رجال الجرح والتعديل اغتروا بهما فكيف لو تبين له ما تبيّن لنا من كذب كعب ووهب»(56).
بعد أن يقوم الأستاذ مصطفى حسين باستعراض كلام ابن خلدون حول سبب ظهور الإسرائيليّات ونفوذها إلى الثقافة الدينيّة للمسلمين، يقول عن كعب الأحبار وأمثاله: إنَّ نقل الإسرائيليَّات من هؤلاء لم يصدر عن سوء نيَّة، بل كان أمراً مبنيًّا على أسئلةٍ كانت توجَّه إليهم وإرضاءً لذلك الدَّافع الطبيعيِّ لدى العرب في سماع
________________________________________
(54)- محمد جواد مغنية، المصدر السابق، ص42 و 43 و محمد عزه دروزه، المصدر السابق, ص455.
(55)- محمود أبو رية، المصدر السابق، ص145.
(56)- محمد رشيد رضا: تفسير المنار (تفسير القرآن الحكيم), الطبعة الثانية، بيروت, دارالمعرفة, بلا تاريخ, ج1, ص9.

[الصفحة - 280]


القصص. ثمّ يُضيف إلى ذلك أنّه لا يُستفاد من كلام ابن خلدون، على ما يَظهر، أيُّ اتِّهام بسوء النية لمن أسلم من أهل الكتاب؛ وإن ذهب غالب الباحثين المعاصرين إلى اتِّهامهم بسوء النيّة، وعدّوا الإسرائيليّات من جملة دسائس اليهود على الإسلام. ومن هؤلاء الباحثين يمكن ذكر الأسماء الآتية: جواد علي، رشيد رضا، أحمد أمين ومحمد أبو رية؛ وبناءً عليه فقد كان المسلمون من أهل الكتاب محلَّ اعتمادٍ لدى القدماء، وإن أمكن أن نتّهمهم بالغفلة(57). ولكنّنا لا يمكننا اتِّهامهم بالعمد وسوء النيّة إلا من قِبَل بعض المعاصرين(58).
كما أنَّ الذهبيَّ وبعد أن استعرض كلام أحمد أمين ومحمد رشيد رضا ومحمود أبو رية الذين وجّهوا فيه أسهم الاتّهام إلى كعب الأحبار بالتآمر والكذب، فإنَّه يسعى، وبتكلَّفٍ واضحٍ وبأيِّ وسيلةٍ ممكنةٍ، لكي يبرِّئ ساحة كعب الأحبار(59).
وكما نلاحظ هنا فإنّ بعضهم، وفي مقام تبرئة علماء أهل الكتاب الحديثي الإسلام وتسويغ عمله، يسعى لتطهير ساحتهم من سوء النيّة والكذب العمديّ؛ على الرغم من أنَّ بعضاً وافراً من الروايات في مورد كعب الأحبار، لا أقلّ، تتَّهمه بالكذب صراحةً أو تلميحاً. فإنَّ الذي يبدو من كلام ابن عباس، والإمام علي (ع)، والإمام الصادق(ع)، والإمام الباقر(ع)، وأبي ذر الغفاري وغيرهم أنَّ ما كان ينقله كعب الأحبار من قَصَص وأحاديث موضوعة من قِبَل بعض أهل الكتاب، كان عن سوء نيّةٍ وخبث سريرةٍ، وكمثالٍ على ذلك نلحظ الموارد الآتية:
1ـ سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس: إنّ نوفاً يزعم أنّ الخضر ليس بصاحب موسى، فقال: كذب عدو الله(60).
2ـ ينقل ابن جرير الطبري روايةً حول كون إسماعيل هو الذبيح، عن ابن عباس، ومضمون الرواية اتِّهام اليهود بالكذب في هذه الرواية(61).
3ـ عِكرمة قال: بينا ابن عباس ذات يوم جالس إذ جاءه رجل فقال يا ابن
________________________________________
(57)- يصف ابن كثير بعض من أسلم من أهل الكتاب بالجهل، راجع، ابن كثير، المصدر السابق، ج 2، ص 32.
(58)- مصطفي حسين، الاسرائيليّات في الثراث الاسلاميّ, ص96ـ98.
(59)- محمد حسين الذهبي، التفسير و المفسرون, ج1, ص189ـ194 وله أيضا: الإسرائيليات,ص 65ـ104.
(60)- محمد بن جرير الطبري، جامع البيان عن تاويل آي القرآن (تفسير الطبري), الطبعة الأولى, بيروت, دارالكتب العلمية, 1412ق, ج23, ص53 نقلاً عن محمد حسين الذهبي، الإسرائيليات, ص100.
(61)- محمد بن جرير الطبري: تاريخ الامم و الملوك, تحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم, الطبعة الثانية, بيروت, 1387ق, ج1, ص268، والسيد جعفر مرتضى العاملي، الإسرائيليات در تاريخ طبري, مجلة كيهان انديشه (نشريهيا موسسهيا كيهان درقم), العدد 25.

[الصفحة - 281]


عباس، سمعت العجَب من كعب الحبر يذكر في الشمس والقمر، قال: وكان متكئاً فاحتفز، ثمَّ قال وما ذاك؟ قال: زعم أنّه يُجاء بالشمس و القمر يوم القيامة كأنَّهما ثوران عقيران فيُقذفان في جهنم، قال عكرمة فطارت من ابن عباس شفة ووقعت أُخرى غضباً، ثمَّ قال: كذب كعب كذب كعب كذب كعب، ثلاث مرات، بل هذه يهوديّة يُريد إدخالها في الإسلام(62).
4ـ ورد أنّه حضر في مجلس عمر بن الخطاب يوماً وعنده كعب الأحبار، إذ قال عمر: يا كعب أحافظٌ أنت للتوراة؟ فقال كعب: إنّي لأحفظ منها كثيراً. فقال رجل من جنبه في المجلس: يا أمير المؤمنين، سله أين كان الله جلَّ جلاله قبل أن يخلق عرشه، ومِمَّ خلق الماء الذي جعل عرشه عليه؟ فقال عمر: يا كعب هل عندك من هذا علم؟ فقال كعب: نعم يا أمير المؤمنين، نجد في الأصل الحكيم أنَّ الله تبارك وتعالى كان قديماً قبل خلق العرش، وكان على صخرة بيت المقدس في الهواء، فلمَّا أراد أن يخلق عرشه تفل تفلةً كانت منها البحار الغامرة واللجج الدائرة، فهناك خلق عرشه من بعض الصخرة التي كانت تحته، وأخَّر ما بقي منها لمسجد قدسِه. قال ابن عباس: وكان علي بن أبي طالب (ع)حاضراً فعظَّم عليٌّ ربَّه وقام على قدميه ونفض ثيابه، فأقسم عمر عليه لمَا عاد إلى مجلسه ففعل. قال عمر: غص علينا يا غوّاص ما يقول أبو الحسن؟ فما علمتك إلا مفرِّجاً للغمّ. فالتفت علي (ع)إلى كعب فقال: غلط أصحابك وحرَّفوا كتب الله وفتحوا الفِرية عليه، يا كعب ويحك إنّ الصخرة التي زعمت لا تحوي جلاله ولا تسع عظمته، والهواء الذي ذكرت لا يحوز أقطاره(63).
5ـ عن الإمام الصادق (ع): «من العلماء من يطلب أحاديث اليهود والنصارى ليغزر به ويُكثر به حديثه فذاك في الدرك الخامس من النار»(64).
6ـ ورد في روايةٍ عن زرارة قال: كنت قاعداً إلى جنب أبي جعفر (ع)وهو محتبٍ مستقبل الكعبة، فقال: أما إنَّ النظر إليها عبادة، فجاءه رجل من بجيلة يقال
________________________________________
(62)- محمد بن جرير الطبري، تاريخ الأمم والملوك, ج1, ص65 ولمزيد تفصيل حول كذب كعب راجع، محمود أبو رية، المصدر السابق، ص158, 160. 164, 165, 174؛ ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة, تحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم, قم, منشورات مكتبه آية الله العظمى المرعشي النجفي, 1404ق, ج4, ص77.
(63)- السيد مرتضى العسكري، المصدر السابق، ج4, ص239.
(64)- الشيخ الصدوق، كتاب الخصال, تصحيح علي أكبر غفاري, قم, مؤسسة النشر الإسلامي, 1402ق, ج1, ص352, باب السبعة, حديث 33.

[الصفحة - 282]


له عاصم بن عمر، فقال لأبي جعفر (ع): إنَّ كعب الأحبار كان يقول: إنّ الكعبة تسجد لبيت المقدس في كلِّ غداةٍ، فقال أبو جعفر (ع): فما تقول في ما قال كعب؟ فقال: صدق، القول ما قال كعب. فقال أبو جعفر (ع): كذبت وكذب كعب الأحبار معك، وغضب(65).
7ـ ورد أنّ عثمان قال يوماً: أيجوز للإمام أن يأخذ من المال، فإذا أيسر قضى؟ فقال كعب الأحبار: لا بأس بذلك، فقال له أبو ذر: يا بن اليهوديّيَن، أتعلِّمَنا ديننا! فقال عثمان: قد كثر أذاك لي وتولّعك بأصحابي، إلحق بالشام . فأخرجه إليه(66).
7ـ المنع من تدوين الحديث وروايته
من الأحداث الأليمة التي وقعت في صدر الإسلام المنع من تدوين الحديث ومن الرواية عن النبيِّ الأكرم (ص) وهو ما قام به الخلفاء لا سيما الخليفة الثاني. وقد أدَّى هذا المنع من تدوين الحديث إلى فتح الباب واسعاً أمام الإسرائيليّات للانتشار، وليختلط الصحيح من الحديث بالموضوع والمكذوب. وبمرور الأيَّام أصبح الفصل بين الحديث الصحيح والسقيم في غاية الإشكال. وقد تعرَّض الأستاذ أبو رية تفصيلاً للبحث في هذا الموضوع وأبان عن المخاطر والمضارِّ التي نجمت عن نفوذ الفكر اليهوديّ إلى الثقافة الإسلاميّة(67). وذكر السيّد مرتضى العسكري أنّ: « مدرسة الخلفاء حين أغلقت على المسلمين باب التحديث عن رسول الله (ص) كما أشرنا إليه في ما مضى، فتحت لهم باب الأحاديث الإسرائيليّة على مصراعيه. وذلك بالسماح لأمثال تميم الدّاري الراهب النصرانيّ، وكعب أحبار اليهود، وكانا قد أظهرا الإسلام بعد انتشار الإسلام، وتقرَّبا إلى الخلفاء بعد الرسول، ففسحت مدرسة الخلفاء لهما ولأمثالهما المجال أن يبُثُّوا الأحاديث الإسرائيليّة بين المسلمين كما يشاؤون»(68).
________________________________________
(65)- محمد بن يعقوب الكليني، المصدر السابق، ج3, ص54.
(66)- ابن أبي الحديد، المصدر السابق، ج3, ص54.
(67)- المصدر نفسه, ص145ـ147.
(68)- السيد مرتضى العسكري، معالم المدرستين, ط6, قم, كلية أصول الدين و المجمع العلمي الإسلامي, 1416ق, ج2, ص 57.

[الصفحة - 283]


كما يذكر الشيخ جعفر السبحاني: «إنَّ الرزية الكبرى أن يُمنَع التحدُّث بحديث رسوله وكتابته وتدوينه ويحلّ محلّه التحدّث عن العهد القديم والجديد وعن الأحاديث الإسرائيليّة والمسيحيّة والمجوسيّة، فتمتلئ الأذهان والصدور بالقصَص الخرافيّة التي لا تمتّ إلى الإسلام بصلة ولا يصدِّقها العقل والمنطق، كما سيمرّ عليك شرح تلك الفاجعة العظمى التي ألمَّت بالإسلام والمسلمين(69).
وذكر بعض الباحثين أنَّ قرار الخليفة الثاني بالمنع من تدوين حديث رسول الله (ص) كان اتِّباعاً منه لأهل الكتاب(70). وورد عن عروة بن الزبير أنّ عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن فاستشار في ذلك أصحاب رسول الله (ص) فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير الله فيها شهراً، ثمّ أصبح يوماً وقد عزم الله له، فقال: إنّي كنت أردت أن أكتب السنن، وإنّي ذكَرت قوماً كانوا قبلكم، كتبوا كتباً، فأكبّوا عليها وتركوا كتاب الله، وإنّي والله لا أُلبِسُ كتاب الله بشيء أبداً(71).
وفي روايةٍ أخرى أنّ عمر بن الخطاب بلغه أنَّه قد ظهر في أيدي الناس كتب فاستنكرها وكرهها، وقال: أيُّها الناس إنّه قد بلغني أنَّه قد ظهرت في أيديكم كتب، فأحبُّها أعدلها وأقومها، فلا يُبقينَّ أحدٌ عنده كتاباً إلا أتاني به، فأرى فيه رأيي، قال: فظنّوا أنّه يريد أن ينظر فيها ويقوِّمها على أمرٍ لا يكون فيه اختلاف، فأتوه بكتبهم فأحرقها بالنار، ثمَّ قال: أمنيةٌ كأمنية أهل الكتاب (وفي الطبقات: لا مثناة كمثناة أهل الكتاب)(72).
وعلى الرغم من المنع الرسميِّ من تدوين الحديث فإنّ الكثير من علماء أهل الكتاب (الأحبار والرهبان) كانوا مأذونين من قِبَل الخليفة بنقل الإسرائيليّات وروايتها، فكانوا ينشرون مكذوباتهم وموضوعاتهم(73).
8 ـ جهاز الخلافة والقصَّاصون
من الأسباب الأساس والعوامل الرئيسة في انتشار الإسرائيليات، والأحاديث
________________________________________
(69)- جعفر السبحاني، بحوث في الملل و النحل, الطبعة الثانية, قم, مركز مديريت حوزه علميه, 1408ق, ج1, ص65.
(70)- السيد مهدي الحسيني الروحاني، بحوث مع أهل السنة و السلفية, الطبعة الأولى، قم, المكتبة الإسلامية, 1399ق, ص97.
(71)- الخطيب البغدادي، تقييد العلم, تعليق يوسف الغش, ط2, دار إحياء السنة النبوية, 1974م, ص50.
(72)- الأمنية هي التمني والخيال، وهو الكتاب الذي جعله أهل الكتاب بعد موسى إلى جانب التوراة، راجع، ابن الأثير،، النهاية في غريب الحديث و الأثر, الطبعة الرابعة، قم, اسماعيليان, 1364ش, ج5, ص255؛ الخطيب البغدادي، ص 52؛ محمود أبورية، المصدر السابق, ص47.
(73)- رسول جعفريان، المصدر السابق، ج2, ص97.

[الصفحة - 284]


الموضوعة بين الناس، انتشار القصص بين الناس، وحريّة القصَّاصين في العمل في جهاز الخلافة، لا سيَّما في الدولة الأموية. فقد كانت الحريّة متاحةً للقصّاصين في الوقت الذي كان المنع قائماً أمام رواية الحديث وسنة النبي (ص) من قِبَل الخلفاء لا سيما بعد قرار المنع الرسميِّ من قِبَل الخليفة الثاني. ففي عهد الصحابة والتابعين وما بعدهما كان الناقل لحوادث التاريخ وقصص الأنبياء وبدء الخليقة ونحوها يوردها بدون أن يُسنِدَها إلى النبيّ الأكرم (ص)، وكانت هذه الأحاديث تتشابه مع القصَص القرآنيِّ ظاهراً وقد اشتهر هؤلاء بالقُصّاص(74). والمصدر الأساس لهؤلاء القُصّاص كان التوراة والنقل الشَّفويّ المنتشر بين علماء اليهود والنصارى. ولجأ أصحاب القصص إلى سرد قصصهم على الناس في أوقات الصلاة. وقد قيل إنّ القَصص لم يكن معروفاً في زمان رسول الله (ص) وفي زمان الخليفة الأوّل، ولكنَّ ذلك بدأ في زمن الخليفة الثاني بعد أن أذِنَ بذلك(75). واستمرَّ الأمر تدريجيّاً. لقد راج أمر القصص في الوقت الذي كان يَنظر فيه القصّاصون إلى الدين وإلى التعاليم الدينية على أنَّها رأسمال تجارتهم، فكان الحديث وسيلةً لكسب عيشهم، وإنفاذاً لإرادة السلطة، ولذا قاموا بنقل الكثير من الأساطير والخرافات التي كانت في الأمم السابقة لا سيَّما القصص التاريخيّة الدينيّة لليهود، على أنّها من تفسير القرآن. وبغرض تحريف عقائد الناس قاموا ببثِّ أخبارهم هذه ضمن التعاليم الإسلاميّة وفي التفاسير القرآنيّة. وقد اتَّسعت حركة القصاصين بمرور الأيَّام واستخدمهم أصحاب السلطة وسيلةً لترويج ما يريدونه. وذكر بعضهم أنّ من هؤلاء القصاصين الأوائل: عبد الله بن رواحة، وذكر بعضهم الآخر اسم تميم الداري، وذكر بعضهم اسم عبيد بن عمير؛ ولكنّ أشهرهم على الإطلاق هو تميم بن أوس الداري(76). وقد أجاز الخليفة الثاني له أن يتحدّث إلى الناس قبل أن يخطب فيهم الجمعة، كما أجاز له عثمان ذلك في يومين من كلِّ أسبوع(77). كما أنّ عبيد بن عمير كان مأذوناً له من قبل عمر بذكر القصص للناس.
________________________________________
(74)- السيد مرتضى العسكري، نقش أئمة در احياي دين, ج60, ص83.
(75)- رسول جعفريان، المصدر السابق، ج2, ص98؛ عبدالرحمن بن الجوزي، القصاص والمذكرون, تحقيق أبي هاجر محمد سعيد زغلول, الطبعة الأولى، بيروت, دارالكتب العلمية, 1406 ق, ص20.
(76)- عبدالرحمن بن الجوزي، المصدر السابق، ص20 و 21.
(77)- عبدالرزاق، المصنف, ج3, ص219.

[الصفحة - 285]


وقد ذكروا أنَّ الكثير من القضاة كانوا يعملون بأمرٍ من السلطة على تحديث الناس بالقصَص، مضافاً إلى اشتغالهم بمنصب القضاء. وأوَّل من باشر في مصر بتحديث الناس بالقصص سليمان بن عتر التجيبي وذلك سنة 38 هجرية. وكان معاوية قد جعله قاضياً ومحدِّثاً للناس بالقصص، ثمَّ عزله عن القضاء وجعله موظفاً في تحديث الناس بالقصص فقط(78). وبهذا يبدو بوضوح كيف أنّ مسألة قصّ الأحاديث على الناس كان أمراً مخطَّطاً له من السلطة وكان الخليفة يستخدم لذلك من يراه مناسب(79).
وأوّل من استخدم القصص للوصول إلى أهدافه السياسيّة كان معاوية بن أبي سفيان. فقد أمر معاوية أن يقوم الرجل في المصلِّين بعد صلاة الصبح ويحدِّثهم بالقصص، فكان هذا الرجل يقف كلَّ يومٍ فيذكر الله عزَّ وجل ويُثني على رسول الله (ص) ثمَّ يدعو للخليفة وللأسرة الحاكمة وللجيش وللأعوان والوزراء والأتباع ويلعن أعداء الخليفة(80). وقد كان كلٌّ من عبد الله بن سلام، وكعب الأحبار ووهب ابن منبه من الذين قاموا بدورٍ مهمٍّ في تحديث الناس بقصَص الأنبياء وأساطير الأمم السالفة، وشيئاً فشيئاً بدأت تظهر آثار ذلك في الروايات التفسيريّة. ويذكر ابن كثيرٍ في حديثه عن كعب الأحبار، الآتي: «إنّه لمَّا أسلمَ في الدولة العمريّة جعل يحدِّث عمر عن كتبه قديماً فربما استمع له عمر عنه فترخَّص الناس في استماع ما عنده ونقلوا ما عنده عنه غثّها وسمينها وليس لهذه الأمّة والله أعلم حاجة إلى حرفٍ واحدٍ ممَّا عنده» (81).
ويبدو ممَّا تقدَّم أنَّ الخليفة الثاني ومعاوية بن أبي سفيان هما أكثر من مال إلى الاستماع لكلام أهل الكتاب حديثي الإسلام، وقد تركا لهؤلاء حريَّة نقل القصص التاريخيّة في التوارة والأساطير التي لديهم؛ بل في زمن معاوية كان جعل الحديث في فضل الحكَّام أكثر شيءٍ انتشاراً فيما منع الحديث إذا كان في فضل أهل بيت النبيّ الأكرم (ص)، بل إنَّ وسيلة الحكم الأمويِّ في صرف الناس
________________________________________
(78)- أحمد أمين، المصدر السابق، ص160.
(79)- عبدالرحمن بن الجوزي، المصدر السابق، ص25.
(80)- عبدالرزاق، المصدر السابق، ج3, ص219.
(81)- ابن كثير، تفسير ابن كثير, ج4,ص18 وجعفر السبحاني، المصدر السابق، ج1, ص74.

[الصفحة - 286]


عن الاهتمام بالقضايا السياسيّة كانت مَلْء أذهانهم بهذه القصص والأساطير الموضوعة من علماء اليهود والنصارى. ونشير هنا، لأجل إيضاح حقيقة ما جرى، إلى أمرين:
الأوّل: رجوع الخليفة الثاني إلى المصادر الدينيّة لدى أهل الكتاب: فقد تقدَّمت الإشارة إلى أنّ أهل الكتاب كانوا يفترقون عن مشركي الجزيرة بما لديهم من كتبٍ وتاريخٍ قديم، وهذا هو السبب في نظرة التقدير والاحترام من قِبَل مشركي العرب إليهم، بل كانوا يرجعون إليهم في معرفة بعض مسائل دينهم. وهذه الهيمنة الكاذبة لم يقتصر تأثيرها على عوامّ الناس، في صدر الإسلام، بل كان لها تأثيرها في بعض الخواصّ منهم(82).
الثاني: انتشار مسألة وضع الحديث في أيَّام معاوية، فوضع الحديث وإن كان يرجع تاريخه إلى حياة رسول الله (ص) وقد صرَّح (ص) بهذه الحقيقة المرّة(83)، ولكن غالب الروايات الموضوعة ترجع إلى عهد معاوية، يقول أبو رية: «علا موج هذا الوضع السياسي وطغى ماؤه في عهد معاوية الذي أعان عليه وساعده بنفوذه وماله»(84).
وقد كثرت في زمن معاوية تلك الروايات التي تمدح الشام وبيت المقدس مقابل مكّة والمدينة، وهي من موضوعات كعب الأحبار. وينقل ابن عساكر في تاريخه عن كعب الأحبار أنَّه قال: أحبُّ البلاد إلى الله تعالى الشام، وأحبُّ الشام إلى الله تعالى القدس (85). كما أنّه كان يحدِّث تزلفاً منه لمعاوية بأنَّ الشام هي عاصمة دولة النبيّ (ص)(86)؛ لأنّ معاوية وفَّر كافّة وسائل السلطة في الشام. وهذا المضمون ورد في حديث أبي هريرة: (الخلافة بالمدينة والملك بالشام)(87). والشام قبل زمن معاوية كانت عاصمةَ الروم النصارى وهي ذات حضارة قديمةٍ(88). ولم تكن رواسب المسيحيّة قد زالت تماماً من تلك المنطقة. كما يُنقَل عن كعب الأحبار قوله: إنّ الكعبة تسجد لبيت المقدس في كلِّ صباح(89). وعن كعب
________________________________________
(82)- ابن حجر العسقلاني، الإصابة في تمييز الصحابة, تحقيق علي محمد بجاوي, الطبعة الأولى، بيروت, دارالجيل, 1412ق, ج3, ص437؛ محمود أبورية، المصدر السابق، ص152.
(83)- محمد بن يعقوب الكليني، المصدر السابق، ج1, ص50.
(84)- محمود أبورية، المصدر السابق، ص126.
(85)- تاريخ مدينة دمشق, ج1, ص110 نقلاً عن السيد مرتضى العسكري؛ نقش ائمه در احياي دين, ج6, ص105.
(86)- جعفر السبحاني، المصدر السابق، ج, ص77.
(87)- المتقي الهندي، المصدر السابق, ج6, ص88 .
(88)- السيد مرتضى العسكري، معالم المدرستين, ج2, ص60.
(89)- محمد بن يعقوب الكليني، المصدر السابق، ج4.ص240.

[الصفحة - 287]


الأحبار: لا تقوم الساعة حتّى يُزفَّ البيت الحرام إلى بيت المقدس، فينقادا إلى الجنّة وفيهما أهلهما والعرض والحساب ببيت المقدس(90). ويظهر كيف كانت هذه الروايات تهدفُ إلى جعل تعاليم الإسلام ومقدَّساته في درجة الخضوع لتعاليم اليهود ومقدّساتهم(91).
________________________________________
(90)- جلال الدين السيوطي، الدر المنثور, ج1, ص329.
(91)- السيد مرتضى العسكري، نقش ائمه دراحياي دين, ج6, ص107 و 108. عن زرارة قال : كنت قاعداً إلى جنب أبي جعفر ( عليه السلام ) وهو محتبٍ مستقبل الكعبة ، فقال : أما إن النظر إليها عبادة فجاءه رجل من بجيلة يقال له : عاصم بن عمر فقال لأبي جعفر ( عليه السلام ) : إن كعب الأحبار كان يقول : إنّ الكعبة تسجد لبيت المقدس في كل غداة ، فقال أبو جعفر ( عليه السلام ) : فما تقول في ما قال كعب؟ فقال : صدق، القول ما قال كعب فقال أبو جعفر (عليه السلام) : كذبت وكذب كعب الأحبار معك وغضب ; قال زرارة ما رأيته استقبل أحداً بقول كذبت غيره ثم قال : ما خلق الله عز وجل بقعة في الأرض أحب إليه منها ثم أومأ بيده نحو الكعبة ولا أكرم على الله عز وجل منها.

[الصفحة - 288]