البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

شبهة شكِّ النبيِّ في القرآن الكريم دراسة تحليليّة نقديّة

الباحث :  الشيخ محمد عباس دهيني
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  56
السنة :  السنة الرابعة عشر شتاء 1431هجـ 2010 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 20 / 2015
عدد زيارات البحث :  314
شبهة شكِّ النبيِّ في القرآن الكريم
دراسة تحليليّة نقديّة

الشيخ محمد عباس دهيني (*)

ـ تمهيد
يُلاحِظ المتأمِّل في بعض الآيات القرآنيّة أنّ في هذه الآيات مصطلحاتٌ وتعابيرُ قد تُفيد معانيَ تتعارض مع ما تسالم عليه المسلمون من العقائد، أو التشريعات. ومن هذه الآيات قوله تعالى، في سورة يونس (عليه ‏السلام): { فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاْسْأَلْ الَّذِينَ يَقْرَؤونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنْ المُمْتَرِينَ } (يونس: 94) .
ويتمحور الكلام في هذه الآية في مراده تعالى من قوله: { فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ } ، حيث قد يُتوهَّم معارضة هذه الفقرة لمَا تسالم عليه المسلمون من السنّة والشيعة ـ مع استثناء أهل الحديث من أهل السنّة، وسيأتي بيان ذلك ـ من أنّ النبيّ (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) لا يشكّ في ما يَنزل عليه من عند ربّه من الوحي؛ إذ لا يخلو هذا الشكّ من حالَيْن:
الحالة الأولى: إمّا أن يكون شكّاً في واقعيّة المخبَر به، مع علمه (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) بأنّه قد نزل من عند الله، وهذا باطلٌ؛ إذ هو يخالِف العصمة، وإذهاب الرجس عنه(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم)، كما نَصّت آية التطهير، وفي (الكافي) و(البصائر) مسنَداً عن أبي بصير عن أبي عبد الله(عليه ‏السلام) قال: الرجس هو الشكّ، ولا نشكّ في ديننا أبد (1) , وقال «العلاّمة الطباطبائيّ»:
________________________________________
(*) باحث في الحوزة العلميّة، من لبنان.
(1) نقلاً عن الميزان في تفسير القرآن 10: 130.

[الصفحة - 146]


«وليست الطهارة إلاّ زوال الرجس من القلب، وليس القلب من الإنسان إلا ما يُدرِك به ويريد به، فطهارةُ القلب طهارةُ نفس الإنسان في اعتقادها وإرادتها، وزوالُ الرجس عن هاتين الجهتين، ويرجع إلى ثبات القلب في ما اعتقده من المعارف الحقّة، من غير ميلان إلى الشكّ، ونوسان بين الحق والباطل، [والنبيُّ (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) من المطهَّرين، فلا مجال لحصول الشكّ في نفسه الشريفة]» (2) ؛ بل هو يُوجب الكفر، بإجماع المسلمين؛ لاستلزامه ـ والعياذ بالله ـ رمي الله بالكذب.
الحالة الثانية: وإمّا أن يكون شكّاً في واقعيّة المخبَر به؛ لاحتمال أن يكون هذا الذي وقع في نفسه (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) من تسويلات إبليس، ونتيجةَ تخيُّلاتٍ باطلةٍ في نفسه، لتبدو له بصورة وحيٍ، وهذا باطلٌ أيضاً؛ فـ «النبيُّ أكرم على الله من أن يدع للشيطان أن يستحوذ على مشاعر نبيّه الكريم: { وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ } (الطور: 48) (3) .
ورُوي عن الإمام الصادق (عليه ‏السلام): «أبى الله أن يُعرَف باطلٌ حقّاً، أبى الله أن يجعل الحقّ في قلب المؤمن باطلاً لا شكّ فيه، وأبى الله أن يجعل الباطل في قلب الكافر المخالِف حقّاً لا شكّ فيه، ولو لم يُجعَل هذا هكذا ما عُرِف حقٌّ من باطلٍ» (4) .
وقال «أبو عبيد الهرويّ»، في بحثه حول معنى كلمة (شكك): «وفي الحديث: "أنا أولى بالشكّ من إبراهيم"، تأويله: إنّه لمّا نزل عليه "وإذ قال إِبراهيمُ ربِّ أَرِني كيف تُحيِي الموتى قال أَوَلمْ تؤمِنْ قال بلى وَلكنْ ليطمئِنَّ قلبي"، قال قومٌ سمعوا الآية: شكّ إبراهيم ولم يشكّ نبيّنا، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، تواضعاً منه، وتقديماً لإبراهيم على نفسه: "أنا أحقّ بالشكّ من إبراهيم"، والمعنى، أنا لم أشكّ، وأنا دونه، فكيف يشكّ هو» (5) .
وقال «القاضي عيّاض»: «لا يصحّ أن يُتصوّر له الشيطان في صورة الملك، ويلبس عليه، لا في أوَّل الرسالة، ولا بعدها؛ والاعتماد في ذلك دليل المعجزة، بل لا يشكّ النبيّ أنّ ما يأتيه من الله الملك ورسوله حقيقةً؛ إمّا بعلمٍ ضروريٍّ يَخلقه الله له؛
________________________________________
(2) الطباطبائي، محمّد حسين: الميزان في تفسير القرآن 3: 55.
(3) معرفت، محمّد هادي: التمهيد في علوم القرآن 1: 47 ، 48.
(4) البرقيّ، أحمد بن محمد بن خالد: المحاسن 1: 277 ، الحديث 394.
(5) الهرويّ، أحمد بن محمّد: الغريبَيْن في القرآن والحديث 3: 1025. ومثله في "النهاية في غريب الحديث والأثر"، لابن الأثير 2: 495.

[الصفحة - 147]


أو ببرهانٍ يُظهره لديه، لتتمّ كلمة ربّك صدقاً وعدلاً لا مبدِّل لكلماته» (6) .
وقال «الألوسيّ»: «...إنّ الشكّ لا يتصـوّر منه عليـه الصلاة والسلام لانكشاف الغطاء له» (7) .
وقال «الزرقانيّ»: «...أمّا هو ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ فإنّه يسمع ويعي ما يُوحى إليه، ويعلم علماً ضروريّاً أنّ هذا هو وحي الله، من دون لبسٍ ولا خفاءٍ، ومن غير شكٍّ ولا ارتيابٍ» (8) .
وقال «الطبرسيّ»: «إنّ الله تعالى لا يُوحي إلى رسوله إلاّ بالبراهين النيِّرة، والآيات البيِّنة، الدالّة على أنّ ما يوحى إليه إنّما هو من الله تعالى، فلا يَحتاج إلى شيءٍ سواه» (9) .
وقال «السبحانيّ»: «وأمّا الوحي الذي يختصّ به الأنبياء فإنّه إدراكٌ خاصٌّ، متميِّزٌ عن سائر الإدراكات؛ فإنّه ليس نتاج الحسّ، ولا العقل، ولا الغريزة، وإنّما هو شعورٌ خاصٌّ لا نعرف حقيقته، يوجده الله سبحانه في الأنبياء، وهو شعورٌ يُغاير الشعور الفكريّ المشترك بين أفراد الإنسان عامّةً، لا يغلط معه النبيّ في إدراكه، ولا يشتبه، ولا يختلجه شكٌّ، ولا يعترضه ريبٌ في أنّ الذي يوحي إليه هو الله سبحانه من غير أن يحتاج إلى إعمال نظرٍ، أو التماس دليلٍ، أو إقامة حجّةٍ، ولو افتقر إلى شيءٍ من ذلك لكان اكتساباً عن طريق القوّة النظريّة، لا تلقّياً من الغيب من غير توسيط القوّة الفكريّة» (10) .
وقال «محمّد هادي معرفت»: «النبيّ (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) لا يُخطئ في ما يُوحـى إليه، ولا يلتـبس عليه الأمر قطّ. النبيّ كان عندما يُوحى إليه يُكشَف عن عينه الغطاء، فيَرى حقيقة الحقّ النازل عليه بشعورٍ واعٍ، وبصيرةٍ نافذةٍ، كمن يرى الشمس في وضح النهار، لا يحتمل خطأً في إبصاره، ولا التباساً في ما يعيه» (11) .
وقال أيضاً: «وأمّا احتمال تلبيس إبليس، ليتدخّل في ما يوحى إلى النبيّ (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم)، ويجعل من تسويلاته الشيطانيّة في صورة وحيٍ، ويلبسه على النبيّ (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) ليزعمه
________________________________________
(6) اليحصبيّ، عيّاض [المعروف بـ "القاضي عيّاض"]: الشفا بتعريف حقوق المصطفى 2: 120.
(7) الألوسيّ، محمود: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني 11: 251.
(8) الزرقانيّ، محمّد عبد العظيم: مناهل العرفان في علوم القرآن ص 41.
(9) الطبرسيّ، الفضل بن الحسن: مجمع البيان في تفسير القرآن 10: 174.
(10) جعفر السبحانيّ: الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل 3: 128 ، 129.
(11) معرفت، محمّد هادي: التمهيد في علوم القرآن 1: 56.

[الصفحة - 148]


وحياً من الله، فهو أمرٌ مستحيلٌ؛ لأنّ الشيطان لا يستطيع الاستحواذ على عقليّة رسل الله وعباده المكرَمين: "إنّ عبادي ليس لك عليهم سلطان"، نعم ذهب أصحاب الحديث من العامّة إلى إمكان استحواذ الشيطان على عقليّة الرسول (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم)، كما جاءت روايتُهم لقصّة الغرانيق» (12) .
فهل الآية معارِضةٌ للمسلَّمات حقيقةً ؟ وما معنى الشكّ في الآية ؟
هذا ما سنعرفه من خلال هذا البحث الذي يتركّز كلامنا فيه في نقطتين:
1 ـ معرفة معنى الشكّ في اللغة
2 ـ استعـراض آراء وأقـوال كبار المفسِّرين من السنّة والشيعة في تفسير الآية الكريمة.
1 ـ الشكّ في اللغة
لمّا كان القرآن الكريم قد نزل بلغة العرب: { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً } ، كان لا بدّ في فهم معاني ألفاظه من الرجوع إلى أصول معانيها في تلك اللغة.
ونحن، في هذه الآية ـ مورد البحث، مُلزَمون بالرجوع إلى كتب اللغة العربيّة؛ لمعرفة معنى (شكّ) فيها، لنرى بعد ذلك: هل في ظاهرِ هذه الآية ما يُخالف المسلَّمات العقائديّة لدى المسلمين، أم لا؟
قال «الخليل»: «الشكُّ نقيضُ اليقين» (13) .
وقال «ابن فارس»: «الشين والكاف أصلٌ واحدٌ، مشتقٌّ بعضه من بعضٍ، وهو يدلّ على التداخل، ومن هذا الباب الشكّ الذي هو خلاف اليقين، وإنّما سمّي بذلك؛ لأنّ الشاكّ كأنّه شُكّ له الأمران في مَشَكٍّ واحدٍ، وهو لا يتيقّن واحداً منهما، فمن ذلك اشتقاق الشكّ، تقول: شككتُ بين ورقتين، إذا أنت غرزتَ العود فيهما، فجمعتهم» (14) .
وقال «الراغب»: «الشكّ اعتدال النقيضين عند الإنسان وتساويهما، والشكّ ضربٌ من الجهل، وهو أخصّ منه؛ لأنّ الجهل قد يكون عدم العلم بالنقيضين رأساً،
________________________________________
(12) معرفت، محمّد هادي: التمهيد في علوم القرآن 1: 58 ، 59.
(13) الفراهيديّ، الخليل بن أحمد: ترتيب كتاب العين 2: 935.
(14) ابن فارس، أحمد: مقاييس اللغة ص 520.

[الصفحة - 149]


فكلُّ شكٍّ جهلٌ، وليس كلُّ جهلٍ شكّاً، قال [تعالى]: "لفي شكٍّ مريبٍ" ـ "بل هم في شكٍّ يلعبون" ـ "فإنْ كنت في شكٍّ "، واشتقاقُه إمّا من شككتُ الشيء، أي خرقتُه، فكأنّ الشكَّ الخرقُ في الشيء، وكونُه بحيث لا يجد الرأي مستقرّاً يثبت فيه، ويعتمد عليه؛ ويصحّ أن يكون مستعاراً من الشكّ، وهو لصوق العضد بالجنب، وذلك أن يتلاصق النقيضان فلا مدخل للفهم والرأي؛ لتخلُّل ما بينهم»(15) .
وقال «ابن منظور»: «الشكُّ نقيضُ اليقين، وجمعه شكوك، وشكّه بالرمح، والسهم، ونحوهما، يشكّه شكّاً: انتظمه» (16) .
وقال الفيّوميّ: «الشكّ الارتياب. قال أئمّة اللغة: الشكُّ خلافُ اليقين، فقولهم: خلاف اليقين هو التردُّد بين شيئين، سواء استوى طرفاه، أم رجح أحدهما على الآخر» (17) .
والمتحصَّلُ ممّا تقدّم أنّ الشكّ بمعنى الارتياب، أو خلاف اليقين، وهو التردُّد بين شيئين سواء استوى طرفاه أم لا، وخالف «الراغبُ الإصفهانيُّ»، فاشترط أن يكون الطرفان النقيضان متساويين، واعتبر الشكّ جهلاً مطلقاً، وذكر لذلك شواهد، منها الآيةُ ـ موردُ البحث، فكأنّه يرى أنّ الشكّ، في الآية، هو بمعنى الجهل، ولعلّه يرى أنّ معنى الآية: فإنْ كنتَ في جهلٍ ببعض التفاصيل، من القصص التي أخبرناك بها، فاسأل الذين يقرؤون الكتاب.
وهذا المعنى صحيحٌ، على القول بأنّ الله لم يُطلِع نبيّه على كامل تفاصيل القصص التي أنزلها عليه، وإنْ كان الذي ذُكر في القرآن هو الأحداث الهامّة منها فقط، ولكنّنا نجد في بعض الروايات أنّ النبيّ (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) كان يُسأل عن بعض التفاصيل الدقيقة جدّاً ـ كأسماء بعض الشخصيّات ـ فكان يجيب بالحقّ، الذي يعرفه أهل الكتاب، ويكون ذلك مدعاةً لإسلامهم (18) .
وعلى كلّ حال سيأتيك، في معرض ذكر التفاسير المختلفة لهذه الآية، أنّ النبيّ (ص) قال: «لا أشكّ ولا أسأل»، ولو فسّرنا الشكّ بالجهل فيكون المعنى: لا أجهل ولا
________________________________________
(15) الإصفهانيّ، الراغب: مفردات غريب القرآن ص 461.
(16) ابن منظور، محمّد بن مكرم: لسان العرب 8: 118.
(17) الفيّوميّ، أحمد بن محمّد: المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعيّ 1: 320. وذكر مثله الطريحيّ في مجمع البحرين 2: 536.
(18) يراجع في ذلك ما جاء من الروايات حول القصص القرآنيّة المختلفة، ومنها قصّة يوسف (ع)، وقصّة أهل الكهف، وغيرهما.

[الصفحة - 150]


أسأل، وبهذا يكون المعنى، المحتَمَلُ كونُه مراداً للراغب، باطلاً، فلا يعوَّل عليه.
وتحصَّل أيضاً أنّ الشكَّ مشتقٌّ من التداخل، فكأنّ الشاكّ قد تداخل عنده الحقّ والباطل فلا يَعرف أحدهما من الآخر؛ أو من الخرق، فكأنّ الشاكّ لا يمتلك أرضيّةً ثابتةً، سليمةً، يتّكئ عليها في معرفة الحقيقة، ولا يجد الرأيُ عنده مستقَرّاً يثبت فيه، ويعتمد عليه؛ أو من لصوق العضد بالجنب، فكأنّ النقيضان يتلاصقان، فلا مجال لتمييز أحدهما من الآخر.
هذا وقد ذكر جملةٌ من المفسِّرين أنّ لـ (الشكّ)، في أصل اللغة، معاني أُخرى، ومنها: الضمّ (19) ، وضيق الصدر (20) ، ولكنّهما يعودان إلى معنىً واحدٍ؛ فإنّ الشيء إذا ضُمَّت أطرافه إلى بعضها ضاق، فكذلك الهمـوم والأحزان تمـلأ الصدر فيضيق.
ويكون معنى الآية حينئذٍ: «إنْ ضقت ذَرْعاً بما تلقى من أذى قومك فاْسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك كيفَ صبر الأنبياء على أذى قومهم، واصبر كذلك» (21) .
أو «إنْ ضاق صدرك بكفر هؤلاء فاصبر، واْسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك، يخبروك بصبر الأنبياء، من قبلك، على أذى قومهم، وكيف كان عاقبة أمرهم» (22) .
ولكنّ «الألوسيّ» لم يرتضِ هذا التفسير، واعتبره خلاف الظاهر، بل وصفه بالبعيد جدّ (23) .
وقد لاحظنا عدم ذكر هذه المعاني في كتب اللغة، ولعلّ الذاكرين لها قد اعتمدوا على ما ذكره علماء اللغة من معاني الشكّ، ومنها: التداخل، والانتظام، يُقال: شككتُ الورقتين، إذا جمعتُهما إلى بعضهما، ونظمتُهما، بإبرةٍ ونحوها، وهذا يعني الضمّ، ويعني بالتالي تضييق مساحة حركتهما، فلا ينفصلان عن بعضهما إلاّ بمؤونةٍ.
وخلاصةُ الكلام: الشكُّ ـ لغةً ـ يعني الارتياب، وخلاف اليقين، وهو نوعٌ من الجهل.
________________________________________
(19) الطريحيّ: مجمع البحرين 2: 537 ،حيث يقول: وكلّ شيءٍ ضممتَه فقد شككتَه. الشوكانيّ، محمّد بن عليّ: فتح القدير الجامع بين الرواية والدراية من علم التفسير 2: 473 ، حيث يقول: الشكّ في أصل اللغة ضمّ الشيء بعضه إلى بعضٍ، ومنه: شكّ الجوهر في العقد، والشاكّ كأنّه يضمّ إلى ما يتوهّمه شيئاً آخر خلافه، فيتردّد، ويتحيّر. ويُفهم ذلك أيضاً من كلام القرطبيّ في الجامع لأحكام القرآن 8: 382 ، وسيأتي ذكر كلامه في الهامش التالي.
(20) الطبرسيّ، الفضل بن الحسن: مجمع البيان في تفسير القرآن 5: 227 ، منسوباً إلى "قيل"، حيث يقول: وقيل أيضاً: إنّ المراد بالشكّ الضيق والشدّة بما يعانيه من نعتهم وأذاهم. القرطبيّ، محمّد بن أحمد: الجامع لأحكام القرآن 8: 382 ، حيث يقول: والشكّ ـ في اللغة ـ أصلُه الضيق، يُقال: شكّ الثوب، أي ضمّه بخلالٍ حتّى يصير كالوعاء، وكذلك السفرة تُمدّ [أو تُشكّ] علائقُها حتّى تنقبض، فالشكّ يقبض الصدر، ويضمّه، حتّى يضيق ، وذكره أيضاً منسوباً إلى "قيل". الشوكانيّ، محمّد بن عليّ: فتح القدير الجامع بين الرواية والدراية من علم التفسير 2: 473 ، منسوباً إلى "قيل"، حيث يقول: وقيل: الشكُّ هو ضيقُ الصدر.
(21) الطبرسيّ، الفضل بن الحسن: مجمع البيان في تفسير القرآن 5: 227.
(22) القرطبيّ، محمّد بن أحمد: الجامع لأحكام القرآن 8: 382. الشوكانيّ، محمّد بن عليّ: فتح القدير الجامع بين الرواية والدراية من علم التفسير 2: 473.
(23) الألوسيّ، محمود: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني 11: 251.

[الصفحة - 151]


وقد استُعمل ـ في عدّة موارد من القرآن الكريم ـ في هذه المعاني أيضاً، ومن تلك الموارد الآيةُ ـ محلُّ البحث، فهل ارتاب النبيّ، أو جهل ؟ وإذا لم يرتَبْ ولم يجهَلْ، كما هو الصحيح، فما هو معنى قوله تعالى: { فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلْ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ } ؟
2 ـ آراء وأقوال كبار المفسِّرين في تفسير الآية ـ مورد البحث
قد عرفتَ فيما تقدَّم أنّ لا سبيل للشكّ إلى قلب النبيّ (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم)، ولا جهل لديه، حتّى بأدقّ التفاصيل المتعلِّقة بالأحداث التي وقعت في الأمم السابقة، سواء كانت قصص الطواغيت، وتجبّرهم وطغيانهم، أو قصص الأنبياء، وصبرهم وتحمّلهم لأذى قومهم.
وهنا نتساءل: إذاً ما المرادُ من قوله تعالى: «فإنْ كنتَ في شكٍّ ممّا أنزلنا إليك...»؟ ولمعرفة ذلك كان لزاماً علينا الرجوع إلى كتب التفسير، عند الفريقين، فماذا وجدنا فيها؟
ـ آراء وأقوال كبار علماء الشيعة في تفسير الآية
قال الطوسيّ (ت 460 هـ): «هذا خطابٌ من الله تعالى لنبيّه محمّدٍ (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم)، والشكُّ هو توقُّف النفس، في ما يخطر بالبال، عن اعتقاده على ما هو به، وعلى ما ليس به.
وقيل: إنّ هذا، وإنْ كان خطاباً للنبيّ (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم)، فإنّ المراد به الذين كانوا شاكّين في نبوّته.
وقال قومٌ: «إنّ معناه: فإنْ كنت أيّها السامع في شكٍّ ممّا أنزلنا على نبيّنا إليك، ومثلُه قولُ القائل لعبده: إنْ كنتَ مملوكي فانتبه إلى أمري».
وحكى الزجّاج وجهاً ثالثاً، وهو أن يكون معنى «إنْ" معنى "ما"، والتقدير: ما كنتَ في شكٍّ ممّا أنزلنا إليك فاْسأل الذين... ، أي لسنا نريد أمرك [بالسؤال] لأنّك شاكٌّ، لكن لتزداد بصيرةً، كما قال لإبراهيم: "أولم تؤمن قال بلى ولكنْ ليطمئنّ قلبي» (24) .
________________________________________
(24) البقرة / 260.

[الصفحة - 152]


ووجهٌ آخر، وهو أنّه إنّما أمره أن يسألهم إنْ كان شاكّاً، ولم يكن شاكّاً، فلا يجب عليه مسألتهم، وهذا معنى ما رُوي عنه صلّى الله عليه وآله أنّه قال: «ما شككتُ، ولا أنا شاكٌّ».
ويقوّيه أنّ الخطاب متوجِّهٌ إلى النبيّ (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم)، والمراد به غيره، قولُه بعد هذا: «قل يا أيّها الناس إنْ كنتم في شكٍّ » (25) .
وقال الطبرسيّ (ت 548 هـ): «اختلف المفسِّرون في معناه على أقوال:
أوّلها: قال الزجّاج: إنّ هذه الآية قد كثر سؤال الناس عنها، وخوضهم فيها، وفي السورة ما يدلّ على بيانها، فإنّ الله سبحانه يخاطب النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، وذلك الخطابُ شاملٌ للخلق، فالمعنى: فإنْ كنتم في شكٍّ، فاسألوا؛ والدليلُ عليه قولُه في آخر السورة: «يا أيّها الناس إنْ كنتم في شكٍّ من ديني...»، فأعلمَ الله سبحانه أنّ نبيَّه (عليه ‏السلام) ليس في شكٍّ، ومثلُ هذا قولُه: «يا أيّها النبيّ إذا طلّقتم النساء»، فقال طلّقتم، والخطابُ للنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وحده، وهذا مذهب الحسن، وابن عبّاس، وأكثر أهل التأويل.
وثانيها: إنّ الخطاب لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وإنْ لم يشكّ، وعلم الله سبحانه أنّه غيرُ شاكٍّ، ولكنّ الكلام خرج مخرج التقرير والإفهام، كما يقول القائلُ لولده: إنْ كنتَ ابني فبُرَّني، يريد بذلك المبالغة. وربما خرّجوا في المبالغة ما يستحيل، كقولهم: بكت السماء لموت فلانٍ، أي: لو كان تبكي سماءٌ على ميتٍ، لبكت عليه. وكذلك هاهنا يكون المعنى: لو كنتَ ممّنْ يشكُّ فشككتَ، فاْسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك، عن الفرّاء، وغيره.
وثالثها: إنّ المعنى: فإنْ كنتَ أيّها المخاطَب، أو أيّها السامع، في شكٍّ ممّا أنزلنا إليك على لسان نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم، فيكون الخطابُ لغيره.
ورابعها: ما ذكره الزجاج، أنّه يجوز أن يكون في معنى "ما"، فيكون المعنى: ما كنتَ في شكٍّ ممّا أنزلنا إليك، فاْسأل الذين يقرؤون الكتاب، أي: لسنا نريد بأمرك أن
________________________________________
(25) الطوسيّ، محمّد بن الحسن: التبيان في تفسير القرآن 5: 430 ـ 431.

[الصفحة - 153]


تسأل لأنّك شاكٌّ، ولكنْ لتزداد إيماناً، كما قال إبراهيم عليه السلام، حين قال له: "أو لم تؤمن": "قال بلى ولكنْ ليطمئنّ قلبي"، فالزيادة في التعريف ليست ممّا يبطل صحّة العقيدة "» (26) .
وقال الطباطبائيّ (ت 1402 هـ): «الشكُّ: الريب، والمعنى: فإنْ كنتَ أيُّها النبيّ في ريبٍ وشكٍّ ممّا أنزلنا إليك، من المعارف الراجعة إلى المبدأ والمعاد، وما قصصنا عليك إجمالاً من قصص الأنبياء، الحاكية لسنّة الله الجارية في خلقه، من الدعوة أوّلاً، ثمّ القضاء بالحقّ، فاْسأل أهل الكتاب، الذين لا يزالون يقرؤون جنس الكتاب، منزَّلاً من السماء، من قبلك.
وهذا لا يستلزم وجود ريبٍ في قلب النبيّ (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم)، ولا تحقّق شكٍّ منه، فإنّ هذا النوع من الخطاب، كما يصحّ أن يخاطَب [به] من يجوز عليه الريب والشكّ، كذلك يصحّ أن يخاطَب به من هو على يقينٍ من القول، وبيّنةٍ من الأمر، على نحو التكنية عن كون المعنى، الذي أخبر به المخبِر، ممّا تعاضدت عليه الحجج، وتجمّعت عليه الآيات، فإنْ فُرض من المخاطَب، أو السامِع، شكٌّ في واحدةٍ منها كان له أن يأخذ بالأخرى، وهذه طريقةٌ شائعةٌ في عرف التخاطب والتفاهم، يأخذ بها العقلاء فيما بينهم، جرياً على ما تدعوهم إليه قرائحهم، فترى الواحد منهم يقيم الحجّة على أمرٍ من الأمور، ثمّ يقول: فإنْ شككتَ في ذلك، أو سلّمنا أنّها لا توجب المطلوب، فهناك حجّةٌ أخرى على ذلك، وهى أنّ كذا كذا، وذلك كناية عن أنّ الحججَ متوفّرةٌ متعاضِدةٌ.
وأظنُّكَ إنْ أمعنتَ في تدبُّر الآية، وسائر الآيات التي تناسبها، ممّا يخاطِب النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بحقّيّة ما نزل إليه من ربه، ويتحدّى البشر بعجزهم عن الإتيان بمثله، وما يصف النبيّ (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) أنّه على بصيرةٍ من أمره، وأنّه على بيّنةٍ من ربّه، أقنعكَ ذلك فيما قدّمناه من المعنى، وأغناك عن التمحُّلات التي ارتكبوها في تفسير الآية، ممّا لا جدوى في نقلها، والبحث عنه» (27) .
________________________________________
(26) الطبرسيّ، الفضل بن الحسن: مجمع البيان في تفسير القرآن 5: 226 ـ 227.
(27) الطباطبائي، محمّد حسين: الميزان في تفسير القرآن 10: 122 ـ 123 ـ 124.

[الصفحة - 154]


وقال ناصر مكارم الشيرازيّ (حفظه الله): «لمّا كانت الآيات السابقة قد ذكرت جوانب من ماضي الأنبياء والأُمم السابقة، وكان من الممكن أن يشكّك بعض المشركين ومنكري دعوة النبيّ (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) في صحّة ذلك، فقد طلب القرآن من هؤلاء أن يراجعوا أهل الكتاب، للتأكّد، والعلم بصحّة هذه الأقوال، وليسألوهم عن ذلك؛ لأنّ كثيراً من هذه المسائل قد ورد في كتب هؤلاء، إلاّ أنّه بدل أن يوجّه الخطاب لهؤلاء، خاطب النبيّ (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم).
ويُحتمل أيضاً أنّ الآية تطرح بحثاً جديداً، ومستقلاً، في صدق دعوة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، وتعلّم المخالفين أنّهم إن كانوا في شكٍّ من أحقّيّته، فليسألوا أهل الكتاب عن علاماته، التي نزلت في الكتب السابقة، كالتوراة والإنجيل.
ونُقِل سببٌ آخرُ للنزول، في بعض التفاسير (28) ، يؤيِّد هذا المعنى، وهو أنّ جمعاً من كفّار قريش كانوا يقولون: إنّ هذا القرآن لم ينزِل من الله، بل إنّ الشيطان يُلقيه على محمّد، وقد سبَّب هذا الكلام أن يقع عدّة أشخاصٍ في وادي الشكّ والتردُّد، فأجابهم بهذه الآية.
ويُمكن أن يتراءى للنظر في البداية أنّ هذه الآيات تحكي عن أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم كان شاكّاً في صدق الآيات التي كانت تنزل عليه، وأنّ الله سبحانه قد أزال شكّه عن الطريق أعلاه، ولكنّ واقع الأمر أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم كان يتلقّى مسألة الوحي مع الشهود والمشاهدة ـ كما تحكي آيات القرآن هذا المعنى ـ ، ومعه لا يبقى أيّ معنىً للشكّ في هذا المورد، إضافةً إلى أنّ هذا الأُسلوب، من خطاب القريب من أجل تنبيه البعيد، رائجٌ في العرف، وهذا هو المراد من المَثَل المعروف: إيّاكِ أعني واسمعي يا جارة، وتأثيرُ مثل هذا الكلام أكبرُ من الخطاب الصريح في كثير من الموارد، إضافةً إلى أنّ ذكرَ الجملة الشرطيّة لايدلّ دائماً على احتمال وجود الشرط، بل هو للتأكيد على مسألةٍ ما أحياناً، أو لبيان قانونٍ كلّيٍّ عامٍّ، فنقرأ مثلاً في الآية (23) من سورة الإسراء:
{ وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا }
________________________________________
(28) تفسير أبي الفتوح الرازيّ، الجزء 6 ، ص 227 ، ذيل الآية ، نقلاً عن "الأمثل في تفسير كتاب الله المُنزَل" لناصر مكارم الشيرازيّ.

[الصفحة - 155]


{وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً } ، وينبغي الانتباه إلى أنّ المخاطب في الآية هو النبيّ ظاهراً، إلاّ أنّه لمّا كان النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم [قد] فقد أباه قبل ولادته، وأُمّه في طفولته، فإنّ من الواضح أنّ احترام الوالدين طُرح هنا كقانونٍ عامٍّ، بالرغم من أنّ المخاطَب ظاهراً هو النب(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم).
ويُلاحَظ نظير هذا الموضوع في الآيات المرتبطة بالمسيح، عندما يسأله الله يوم القيامة: { وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ... } (المائدة: 116).
ومن جملة القرائن التي تؤيّد أنّ المقصود الأساس، في الآية، هم المشركون والكافرون، الآياتُ التي تتلو هذه الآية، والتي تتحدّث عن كفر وجحود هؤلاء: { وَلاَ تَكُونَنَّ مِنْ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنْ الْخَاسِرِينَ } ، فإنّ هذه الآية قرينةٌ واضحةٌ على أنّ المقصودَ من الآية السابقة عمومُ الناس، بالرغم من أنّ الخطابَ موجَّهٌ إلى شخص النبيّ (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم)؛ لأنّ من البديهيّ أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لم يكن يكذّب الآيات الإلهيّة مطلقاً، بل كان المدافِعَ المستميتَ، الصَّلْبَ، عن دينه» (29) .
ـ روايات الخاصّة التي تعرّضت لتفسير هذه الآية
في علل الشرائع: عن أحدهما (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم), في قول الله عزّ وجلّ لنبيّه (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم): "فإنْ كنتَ في شكٍّ ممّا أنزلنا إليك فاْسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك"، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: لا أشكّ ولا أسأل (30) .
وفي تفسير العيّاشيّ: إنّ موسى بن محمّد بن الرضا (عليه ‏السلام) أخبر أنّ يحيى بن أكثم كتب إليه يسأله عن مسائل فيها: وأخبرني عن قول الله تبارك وتعالى: "فإنْ كنتَ في شكٍّ ممّا أنزلنا إليك فاْسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك"، مَنْ المخاطَب بالآية ؟ فإنْ كان المخاطَب فيها النبيّ (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) أليس قد شكّ فيما أنزل الله ؟ وإنْ كان المخاطَب به غيره فعلى غيره إذاً أُنزل الكتاب ؟ قال موسى: فسألتُ أخي عن ذلك،
________________________________________
(29) الشيرازيّ، ناصر مكارم: الأمثل في تفسير كتاب الله المُنزَل 6: 431 ـ 432 ـ 433.
(30) الصدوق، محمّد بن عليّ: علل الشرائع 1: 130.

[الصفحة - 156]


قال: فأمّا قوله: "فإنْ كنتَ في شكٍّ ممّا أنزلنا إليك فاْسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك"، فإنّ المخاطَب بذلك رسول الله (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم)، ولم يكُ في شكٍّ ممّا أنزل الله، ولكنْ قالت الجهلة: كيف لم يبعث إلينا نبيّاً من الملائكة ؟ إنّه لم يفرِّق بينه وبين غيره في الاستغناء عن المأكل والمشرب والمشي في الأسواق، فأوحى الله إلى نبيّه: "فاْسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك"، بمحضر الجهلة، هل بعث الله رسولاً قبلك إلاّ وهو يأكل الطعام ويشرب ويمشي في الأسواق، ولك بهم أسوةٌ، وإنّما قال: "فإنْ كنتَ في شكٍّ "، ولم يكن، ولكن ليتبعهم، كما قال له عليه السلام: "قل تعالوا ندعُ أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثمّ نبتهلْ فنجعلْ لعنة الله على الكاذبين"، ولو قال: تعالوا نبتهل فنجعل لعنة الله عليكم، لم يكونوا يجيئون للمباهلة، وقد عرف أنّ نبيّكم مؤدٍّ عنه رسالته، وما هو من الكاذبين، وكذلك عرف النبيّ عليه وآله السلام أنّه صادقٌ فيما يقول، ولكنْ أحبّ أن يُنصف من نفسه (31) .
وفي التبيان: رُوي عنه صلّى الله عليه وآله أنّه قال: ما شككتُ ولا أنا شاكٌّ.
وقال سعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، وأبو عبد الله (عليه ‏السلام): لم يسأل النب(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) (32) .
وفي مجمع البيان: رُوي عن الحسن، وقتادة، وسعيد بن جُبَيْر، أنّهم قالوا: إنّ النبيّ (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) لم يشكّ، ولم يسأل. وهو المرويُّ أيضاً عن أبي عبد الله (عليه ‏السلام) (33) .
ـ آراء وأقوال كبار علماء السنّة في تفسير الآية
قال ابن قُتيبة (ت 276 هـ): «وأمّا قوله سبحانه: "فإنْ كنت في شكٍّ ممّا أنزلنا إليك..."، ففيه تأويلان: أحدهما: أن تكون المخاطَبة لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، والمرادُ غيرُه من الشكّاك؛ لأنّ القرآن نزل عليه بمذاهب العرب كلّها، وهم قد يخاطبون الرجل بالشيء ويريدون غيره، ولذلك يقول متمثِّلهم: إيّاكِ أعني واسمعي يا جارة.
________________________________________
(31) العيّاشيّ، محمد بن مسعود: تفسير العيّاشيّ 2: 128. وذكر مثله الصدوق في "علل الشرائع" 1: 129 ، باب 107 الحديث 1.
(32) الطوسيّ، محمّد بن الحسن: التبيان في تفسير القرآن 5: 431.
(33) الطبرسيّ، الفضل بن الحسن: مجمع البيان في تفسير القرآن 5: 226. وذكر الطريحيّ مثله عن الصادق عليه السلام في "مجمع البحرين" 2: 536.

[الصفحة - 157]


والتأويل الآخر: أنّ الناس كانوا في عهد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أصنافاً؛ منهم كافرٌ به، مكذِّبٌ، لا يرى إلاّ أنّ ما جاء الباطل؛ وآخر مؤمِنٌ به، مصدِّقٌ، يعلم أنّ ما جاء به الحقّ؛ وشاكٌّ في الأمر، لا يدري كيف هو، فهو يقدّم رجلاً ويؤخِّر أخرى، فخاطب الله سبحانه هذا الصنف من الناس، فقال: فإنْ كنت أيّها الإنسان في شكٍّ ممّا أنزلنا إليك من الهدى على لسان محمّد صلّى الله عليه وسلّم، فسَلْ الأكابر من أهل الكتاب، والعلماء، الذين يقرؤون الكتاب من قبلك...» (34) .
وقال الطبريّ (ت 310 هـ): «يقول تعالى ذكره لنبيّه محمّد صلّى الله عليه وسلّم: فإنْ كنت، يا محمّد، في شكٍّ من حقيقة ما أخبرناك، وأنزل إليك، من أنّ بني إسرائيل لم يختلفوا في نبوّتك، قبل أن تبعث رسولاً إلى خلقه؛ لأنّهم يجدونك عندهم مكتوباً، ويعرفونك بالصفة التي أنت بها موصوفٌ في كتابهم، في التوراة والإنجيل.
فإنْ قال قائلٌ: أَوَكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في شكٍّ من خبر الله أنّه حقٌّ يقينٌ، حتّى قيل له: "فإنْ كنت في شك مما أنزلنا إليك..."؟
قيل: لا، وكذلك قال جماعةٌ من أهل العلم.
فإنْ قال: فوجهُ مخرج هذا الكلام إذاً إنْ كان الأمر على ما وصفت ؟
قيل: قد بيّنا، في غير موضعٍ من كتابنا هذا، استجازة العرب قول القائل منهم لمملوكه: إنْ كنتَ مملوكي فاْنتهِ إلى أمري، والعبدُ المأمورُ بذلك لا يشكّ سيّدُه، القائلُ لـه ذلك، أنّه عبده، وأنّ ذلك من كلامهم صحيحٌ مستفيضٌ فيهم، وذكرنا ذلك بشواهد، وأنّ منه قول الله تعالى: "وإذْ قال الله يا عيسى ابن مريم أَأَنتَ قلتَ للناس اتّخذوني وأمّي إلهين من دون الله"، وقد علم جلّ ثناؤه أنّ عيسى لم يقُل ذلك. وهذا من ذلك، لم يكن صلّى الله عليه وسلّم شاكّاً في حقيقة خبر الله وصحّته، والله تعالى بذلك من أمره كان عالماً، ولكنّه جلّ ثناؤه خاطبه خطاب قومه بعضهم بعضاً؛ إذ كان القرآن بلسانهم نزل.
________________________________________
(34) ابن قتيبة، عبد الله بن مسلم: تأويل مشكل القرآن ص 269 ـ 270 ـ 272.

[الصفحة - 158]