البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

السيَّدة زينب (علیها السلام) قراءة في الدور والنتائج

الباحث :  السيد علي عبد المنعم مرتضى
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  55
السنة :  السنة الرابعة عشر خريف 1430هجـ 2009 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 20 / 2015
عدد زيارات البحث :  345
السيَّدة زينب (علیها السلام)
قراءة في الدور والنتائج

السيد علي عبد المنعم مرتضى (*)

لم تعش عقيلة الهاشميين (علیها السلام) بعد استشهاد أخيها الحسين (عليه ‏السلام) مدّة طويلة، ولكنّ حياتها القصيرة هذه كانت كافيةً لتبدّل مجرى التاريخ، ووافيةً باستكمال دورها، وتحمّل العبء المُلقى على كاهلها.
وكان ظنّ (بني أمية» ساذجاً عندما تخيّلوا أنّ مسيرة الحسين (عليه ‏السلام) بل ودين النبيّ (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) ينتهي بعد واقعة كربلاء، وما أبدعوا من أسلوب وحشيّ فيها، نعم لم يكن يُرجى أن تقوم لآل النبي (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) قائمةً بعد المجزرة التي لا مثيل لها عبر التاريخ، وبعد أن فنيَ الرجال ولم يبقَ غير الصِبيَة اليتامى والنسوة الثواكل، لولا زينب بنت علي، عقيلة الهاشميين، العالمة غير المعلّمة، الكاملة، الفاضلة، عابدة آل علي(عليهم ‏السلام) (1)، والتي خبُرت الحياة وجرّبتها وعاشت مأساة أمّها (علیها السلام) فواجهتها بصبر أبيها (عليه ‏السلام) وحكمـته ووعيه، فلم تدع فرصةً إلا واستغلتهـا لصالح الدِّين، ولم تترك مجالاً إلا وملأته بمزيدٍ من السمِّ الزُّعـاف في كؤوس الظافرين، فيا نشوة النصر التي لم تدم من الأيّام القليلة إلا عدداً، ويـا شمل الكفر الذي لم يجتمع إلا بدداً.
ولا شكّ في أن الباحث في سيرة السيدة زينب (علیها السلام) لا بد له وأن يُفرد بحثاً مستقلاً للحديث عن أدوارها (علیها السلام) سيّما بعد وقعة الطفِّ الفجيعة، ليجمعَ فيه مواقفها(علیها السلام) وبعض ما وصل من كلماتها، محاولاً فهم ما كانت ترنو إليه، ومركزاً
________________________________________
(*)باحث وكاتب من الحوزة العلمية، من لبنان.
(1)هذه ألقابها التي اشتهرت بها (عليها السلام).

[الصفحة - 68]


على ما يمكن استفادته من دور كانت تقوم به، مستفيداً ممّا كتبه الباحثين عن بطولتها وشجاعتها وبلاغتها أو من ترجمة لحياتها.
معرفتها(علیها السلام) بواقعة كربلاء:
وقبل الخوض في الحديث عن أدوارها (علیها السلام) لا أجد بدّاً من التمهيد إلى ذلك بما كانت تعرفه (علیها السلام) عن استشهاد أخيها الحسين (عليه ‏السلام) وما يجري عليه وعلى أهل بيته، ممّا جعلها تُقدِم على هذه المعركة عن كامل وعي وسابق تخطيط، كما وأخصّ الذكر ما يتعلّق بها (علیها السلام) دون ما يشمل النبيّ (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) وسائر الآل من العترة الطاهرة (عليهم ‏السلام)، فممّا لا شكَّ فيه أنّ النبيّ (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) كان يعلم بحصول واقعة الطفّ وما يجري على الحسين(عليه ‏السلام) وعلى زينب (علیها السلام)، وكذلك علي (عليه ‏السلام) وفاطمة (علیها السلام) والحسن والحسين(عليهما السلام) (2)، لكن ما يهمنّا في هذا البحث هو الإشارة إلى ما يتعلّق بزينب (علیها السلام)، وأنّها كانت تعرف بحصول هذه الواقعة، وبكثيرٍ من مجرياتها، ممّا جعلها تستعدّ لهذه المواقف الصعبة والأيام العسيرة، وتتأهّب لتتحمّل مسؤوليَّتها وتقوم بدورها في كربلاء وما بعدها، وهذا ما لا يقوم به أحدٌ غير زينب (علیها السلام)، وغير ربيبة البيت النبويّ، وربيبة علي (عليه ‏السلام)، الذي أعدّها وهيّأها لهذه المِحَن الصعبة.
ألف ـ رؤيا العقيلة(علیها السلام) :فقد أخرج الترمذيّ في صحيحه أنَّها رأت في منامها ما أفزعها وأذهلها، فأسرعت إلى جدّها تقصّها عليه، ولمّا مثلت بين يديه أجلسها في حجره ولاطفها ودلّلها وقبّلها، فقالت له: «يا جدّاه رأيت رؤيا البارحة».
ـ «قصيها عليّ».
ـ «رأيت ريحاً عاصفاً اسودّت الدنيا منه وأظلمت، ففزعت إلى شجرة عظيمة فتعلقت بها من شدّة العاصفة، فقلعتها الرياح وألقتها على الأرض، فتعلّقت بغصن قويّ من تلك الشجرة فقطعتها الرياح، فتعلّقت بفرع آخر فكسرته الرياح
________________________________________
(2)راجع كامل الزيارات / جعفر بن محمد بن قولويه: حول علم الأنبياء (عليهم ‏السلام) وإخبار الملائكة وعلم النبي (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) وأمير المؤمنين (عليه ‏السلام)/ مؤسسة نشر الفقاهة/ قم المقدسة. والروايات الدالة على العلم بهذه الواقعة قبل حصولها وما يجري فيها مستفيضة.

[الصفحة - 69]


أيضاً، وسارعت فتعلّقت بأحد فرعين من فروعهما فكسرته العاصفة أيضاً، ثم استيقظت من نومي».
فأجهش النبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) بالبكاء وفسّر لها رؤياها قائلاً:
«أمَّا الشجرة: فجدّك، وأمّا الفرع الأول: فأمُّك فاطمة، والثاني: أبوك علي، والفرعان الآخران هما: أخواك الحسن والحسين، تسودّ الدنيا لفقدهم وتلبسين لباس الحداد على رزيَّتهم» (3).
فالرسول (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) في هذه الرؤيا لم يفصّل لها كلَّ ما يجري عليها، فهي ما زالت طفلة تجلس في حجر جدها، لكنّه يُعدّها لتحمّل المصائب، فهو يُخبرها بأنَّها سوف تفقد جدَّها وأمَّها وأبيها وأخويها (عليهم جميعاً سلام الله)، سوف تفقدهم جميعاً، وسوف تسودّ الدنيا لفقدهم، فاستعدّي يا زينب للبس الحداد على رزيّتهم، والتعبير بالرزيّة يشعر بأنّ هناك مصاباً فوق الفقد والموت، هناك أذى وهناك مصيبة، فاستعدِّي لذلك يا زينب.
ب ـ حديث أمّ أيمن:وهو حديث طويل ذُكر في هامش كامل الزيارات عن تلميذ ابن قولويه عنه، وفيه دلالات كثيرةٌ ومعانٍ رفيعة يدلُّ صراحةً على أنَّ زينب (علیها السلام) كانت عالمةً بالمصائب التي تجري على العترة الطاهرة بعد النبيّ (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم)، وقد حدثتها أم أيمن بهذا الحديث، ثم عرضته (علیها السلام) على أمير المؤمنين (عليه ‏السلام) عندما قاربته المنيّة فأقرّه لها، وهي تخبر به الإمام زين العابدين (عليه ‏السلام) عندما وجدته يجود بنفسه على أجساد الشهداء، قبل الرحيل إلى الكوفة، ونحن ننقل بعضاً من كلام جبرائيل (عليه ‏السلام) للنبيّ الأكرم (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) تيمناً بالحديث وإشارة إلى المدعى:
«وإنّ سبطك هذا وأومى )جبرائيل (عليه ‏السلام) بيده إلى الحسين (عليه ‏السلام) مقتول في عصابة من ذريتك وأهل بيتك وأخيار من أمَّتك بضفةِ الفرات بأرضٍ يُقال لها كربلاء، من أجلها يكثر الكرب والبلاء على أعدائك وأعداء ذريّتك في اليوم الذي لا ينقضي كربه ولا تفنى حسرته، وهي أطيب بقاع الأرض وأعظمها حرمةً يُقتل
________________________________________
(3)صحيح الترمذي: 2 / 308 (نقلاً عن كتاب السيدة زينب (عليها السلام) رائدة الجهاد في الإسلام ص 68 ـ 69).

[الصفحة - 70]


فيها سبطك وأهله وإنَّها من بطحاء الجنة، فإذا كان اليوم الذي يُقتل فيه سبطك وأهله، وأحاطت به كتائب أهل الكفر واللعنة، تزعزعت الأرض من أقطارها، ومادت الجبال وكثر اضطرابها، واصطفقت البحار بأمواجها، وماجت السماوات بأهلها غضبا لك يا محمّد ولذريتك، واستهضاماً لما ينتهك من حرمتك ولشرِ ما تُكافى به في ذريّتك وعترتك، ولا يبقى شئ من ذلك إلا استأذن الله عز وجل في نُصرة أهلك المستضعفين المظلومين الذين هم حجة الله« (4).
فالحديث صريحٌ بكونها (علیها السلام) عالمةً بما يجري على أخيها الحسين (عليه ‏السلام)، وبعِظَم المصيبة المحدِقة به، وستأتي الإشارة إلى قسمٍ آخر من هذا الحديث، وقد علّق على الحديث جمعٌ من العلماء: «ولكنَّها (علیها السلام) سافرت هذه السفرة منقطعةً من علائق الدّنيا بأسرها في سبيل الله، قد أعرضت عن زهرة الحياة من المال والبيت والزوج والولد والخدم والحشم، وصحبت أخاها الحسين (عليه ‏السلام) ناصرةً لدين الله وباذلةً النفس والنفيس لإمامها ابن بنت رسول الله مع علمها بجميع ما يجري عليها من المصائب والنوائب والمِحَن، كما يدلُّ عليه الحديث المرويّ في كتاب كامل الزيارات« (5).
«ولكون زينب (علیها السلام) عالمةً بجميع ما يجري عليها من المصائب والنوائب والمحن وأنّها على بصيرة من أمرها قابلت تلك الرزايا والفوادح بجميل الصبر وعظيم الاتِّزان وقوّة الإيمان وكامل الإخلاص« (6).
ج ـ مواقف في الطريق:من البعيد جداً على العالمة غير المعلَّمة أن تجري الأحداث السياسيّة الحرجة وتبقى دون اطِّلاع عليها، وهي ربيبة علي (عليه ‏السلام) ذلك البيت الذي تحوم حوله كلُّ الأمور السياسيّة، وهو محطّ الأنظار، ومحلّ الآمال، ، هذا إن لم نقل أنَّها (علیها السلام) كانت تشارك الإمام الحسين (عليه ‏السلام) في همومه وآلامه، حتَّى لو كانت في بيت زوجها، ألا يحقّ لها أن تسأل لماذا يشترط ـ كما حكي ـ أمير المؤمنين (عليه ‏السلام) في عقد قرانها على زوجها عبد الله بن جعفر السماح لها بالسفر مع
________________________________________
(4)جعفر بن محمد بن قولويه القمي: كامل الزيارات/ ص 444 الباب 88 في فضل كربلاء وزيارة الحسين(عليه ‏السلام). وهذا الحديث وإن كان منقولا من رواية الشيخ أبى القاسم جعفر بن محمد بن قولويه مؤلف كتاب كامل الزيارات، إلا أنه ليس من أصل كتابه كامل الزيارات، وإنما أدرجه فيه بعض تلامذته الذي روى الكتاب ونسخه، وقد صرّح بذلك تلميذه في صدر الخبر: «وقد ذاكرت شيخنا ابن قولويه بهذا الحديث بعد فراغه من تصنيف هذا الكتاب ليدخله فيه فما قضى ذلك وعاجلته منيته رضي الله عنه وهذا الحديث داخل فيما أجاز لي شيخي - ره -»، ولكن ذهل عن ذلك صاحب البحار قدس سره وجامع الأحاديث وكثير من المؤلفين فأوردوا الحديث بحيث يظهر أنه من كتاب كامل الزيارات راجع المصدر ص 444 الباب 88 فضل كربلاء وزيارة الحسين عليه السلام، وهكذا نبّه على ذلك مفصلاً العلامة النوري في المستدرك ج 3 ص 522 فراجع.
(5)وفيات الأئمة: مراجع من علماء البحرين والقطيف/ الطبعة الأولى/ بيروت/ لبنان/ 1991/ ص 444 ـ 445. مع الإشارة إلى أن راوي الحديث ليس ابن قولويه بل تلميذه كما تقدم.
(6)م. ن. ص 448.

[الصفحة - 71]


أخيها الحسين(عليه ‏السلام) (7)؟ أليس لها أن تسأل عن الكثير من الأحداث التي تسارعت بعد موت معاوية؟ وعن المستجدِّات التي كانت تحدث وكيفيَّة تعاطي الحسين(عليه ‏السلام) معها؟ وبعد أن سارت القافلة بالهاشميين، ولا سيَّما بالنساء، ألم تتطَّلع على نيّة الإمام في وجهته، وفي سفره؟ وهو الذي لم يبخل بنيّته هذه على أحد، بل كان التصريح بها في كثيرٍ من المواضع وفي منازل الطريق سياسةً متَّبَعةً منه، ألم تتطَّلع على الكتاب الذي خطّه لبني هاشم؟ بعد كلِّ هذه التساؤلات وغيرها، نجد أنّ زينب (علیها السلام) كانت على معرفةٍ كاملةٍ بأهداف الحسين في مسيرته، وبالخصوص كانت تعرف نيّته من أخذ العيال معه في هذه المحنة الصعبة، وإليك بعض المواقف التي حصلت مع الحسين في مسيره:
1 ـ مع ابن الحنفيَّة: «فأتاه )ابن الحنفيّة( فأخذ زمام ناقته التي ركبها . فقال له: يا أخي ألم تعدني النظر فيما سألتك؟ قال (عليه ‏السلام) بلى، قال: فما حداك على الخروج عاجلا فقال (عليه ‏السلام): أتاني رسول الله (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) بعد ما فارقتك، فقال: يا حسين أخرج فإن الله قد شاء أن يراك قتيلا، فقال له ابن الحنفية: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، فما معنى حملك هؤلاء النساء معك وأنت تخرج على مثل هذه الحال؟ قال: فقال لـه: قد قال لي إن الله قد شاء أن يراهن سبايا، وسلَّم عليه ومضى« (8). فهل يُعقل أن لا تتطَّلع العقيلة على هذا الحوار؟ وهل يعقل أن لا يودّعها ابن الحنفية وداع مفارقٍ تشعر به؟
2 ـ ذكر محمَّد بن يعقوب الكلينيّ في كتاب الرسائل عن محمَّد بن يحيى عن محمَّد بن الحسين عن أيوب بن نوح عن صفوان عن مروان بن إسماعيل عن حمزة بن حمران عن أبي عبد الله (عليهم ‏السلام) قال ذكرنا خروج الحسين (عليه ‏السلام) وتخلَّف ابن الحنفيَّة عنه فقال أبو عبد الله (عليه ‏السلام) يا حمزة إنَّي سأحدّثك بحديثٍ لا تسأل عنه بعد مجلسنا هذا؛ إنَّ الحسين (عليه ‏السلام) لما فصل متوجهاً أمر بقرطاسٍ وكتب: بسم الله الرحمن الرحيم . من الحسين بن علي إلى بني هاشم. أمَّا بعد فإنَّه من لحِقَ بي منكم استشهد ومن تخلَّف عنى لم يبلغ الفتح والسلام« (9). فهل يعقل أيضاً أن لا
________________________________________
(7)(ذكر بعض حملة الآثار أن أمير المؤمنين (عليه ‏السلام) لما زوّج ابنته من ابن أخيه عبد الله بن جعفر اشترط عليه في ضمن العقد أن لا يمنعها متى أرادت السفر مع أخيها الحسين). وفيات الأئمة (عليهم ‏السلام) ص 433.
(8)ابن طاووس: اللهوف في قتلى الطفوف/ الطبعة الأولى 1417 هـ/ أنوار الهدى/ إيران ـ قم / ص 40.
(9)نقلاً عن المصدر السابق.

[الصفحة - 72]


تطَّلع العقيلة على هذا الكتاب؟ وأن لا يُخبرها به أحد؟
3 ـ ثمَّ سار حتَّى بلغ ذات عرق فلقيَ بشر بن غالب وارداً من العراق فسأله عن أهلها ، فقال: «خلفت القلوب معك والسيوف مع بني أمية»، فقال: «صدق أخو بني أسد إنَّ الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد« (10). والكلام في هذا الحديث عين الكلام عن سابقه.
4 ـ وما جرى بينه (عليه ‏السلام) وبين ابنه علي(عليه ‏السلام)، من البعيد أن لا تتطَّلع عليه العقيلة(علیها السلام): « ثمَّ سار حتَّى نزل الثعلبية وقت الظهيرة فوضع رأسه فرقد ثمَّ استيقظ فقال: قد رأيت هاتفاً يقول أنتم تسرعون والمنايا تُسرع بكم إلى الجنّة. فقال له ابنه علي يا أبَه أفلسنا على الحق؟ فقال: بلى يا بنيّ والله الذي إليه مرجع العباد فقال: يا أبه إذن لا نبالي بالموت، فقال الحسين (عليه ‏السلام) جزاك الله يا بني خير ما جزا ولداً عن والده« (11).
وكذلك ما جرى بينه وبين الشاعر الفرزدق في منزلة بستان بني عامر (12)، وحديثه عبد الله بن عمر في التنعيم (13)، فهذه شواهد قليلة وغيرها كاطِّلاعها على استشهاد سفير الحسين (عليه ‏السلام) مسلم بن عقيل في الطريق، وإخبار الإمام جميع من كان معه بالمصير الذي هو صائر إليه، وغيرها وغيرها دليلٌ قاطع على أنّها (علیها السلام) كانت تعرف حقَّ المعرفة المكان الذي تقصده، والهدف الذي يطمح إليه أخيها(عليه ‏السلام)، والمصير الذي ينتظره وينتظرها من بعده.
وبعد أن أصبح واضحاً أنّها (علیها السلام) مطّلعة على أهداف الحسين (عليه ‏السلام) من مسيرته هذه، فهي تُقدم على ثورةٍ تُدرك تماماً أبعادها ونتائجها، لا أنَّها ثورة حصلت صدفةً ومن دون سابقِ تخطيطٍ، أو أنّ الظروف والأقدار شاءت هذه الأسباب وهذه النتائج، كلا؛ إنّ التخطيط لهذه الثورة كان عميقاً جداً، وهي (علیها السلام) أحد أبرز المخطِّطين مع الحسين (عليه ‏السلام)؛ كيف وهي المسؤولة الأولى بعد أخيها الحسين (عليه ‏السلام)، وهي التي أُلقي على كاهلها الكثير من الأدوار كما سنُشير لبعضها،
________________________________________
(10)م. ن. ص 43. أحمد بن أعثم الكوفي: الفتوح/ الطبعة الأولى 1411هـ/ دار الأضواء/ لبنان ـ بيروت /ج 5 / ص 70.
(11)م.ن.
(12)المفيد: الإرشاد/ ص 67. عن مقتل أبي مخنف أن لقاءه به كان في الصفاح.
(13)الصدوق: الأمالي/ الطبعة الأولى 1417 هـ/ مؤسسة البعثة/ إيران ـ قم / المجلس 30 / ص 217.

[الصفحة - 73]


وهل يُعقل وهل يُتصوّر أنّ الإمام الحسين (عليه ‏السلام) ـ العارف بكل هذه الأمور ـ لم يجلس مع أخته في كلّ هذه الفترة ولو لدقائق قليلةٍ يخبرها بما سوف يَجري عليها، بل وبما ينبغي عليها فعله؟ وكيف تواجه الأمور، وهي العالمة والجديرة بتحمّل المسؤوليّات.
الشرارة الأولى:
نسعى في هذا البحث إلى تسليط الضوء على ما قامت به العقيلة (علیها السلام) من أدوارٍ سياسيةٍ حسّاسةٍ أثّرت على المسيرة والرسالة الإسلاميّة، ولذا نحن لا نتعرَّض لما حصل معها في الأيام التي كانت مدلّلة فيها بقرب أخيها الحسين(عليه ‏السلام)، ولا حتَّى باللحظات الأخيرة التي كان الدور الأكبر لم ينته بعد وهو دور الإمام(عليه ‏السلام) المختَصر بقوله: «شاء الله أن يراني قتيلاً»، فنحن لا نتعرّض لما جرى معها أو لمواقفها قبيل استشهاده (عليه ‏السلام)، وإنّما نبدأ بالحديث عن هذه الأدوار من لحظة استشهاده (عليه ‏السلام).
فبعد أن استُشهد الإمام الحسين (عليه ‏السلام) وبعد ما قام به أعداء الله من أمورٍ يعجز اللسان عن وصف بشاعتها، وما تختزنه من حقدٍ ولؤمٍ وخبثٍ وجشاعةٍ، كلّ ذلك كان سياسةً متعمّدة من ابن زياد ومن ورائه يزيد بن معاوية، تشفّياً كما يظهر من شعر يزيد المشهور «ليت أشياخي ببدر شهدوا ...»، ولأجل أن لا يقدر أحدٌ بعد الحسين (عليه ‏السلام) أن يقوم بهذا النهج ويُتابع المسيرة، سواء أكان من أهل بيته أم من غيرهم، فعندما يرى المرء بأمّ عينه أو يسمع بما جرى من أهوال ومصائب على الشيخ الكبير والطفل الصغير، وعلى النساء والمرضى والأطفال، وأثناء المعركة وبعد أن وضعت أوزارها، على حرم الله وأهل بيت النبوّة، لا تبقى عنده الجرأة لكي يفكِّر بأيّ نهضةٍ أو ثورةٍ ضدّ يزيد وأتباعه. بينما نجد السيدة زينب(عليهما السلام) تنفض عن أكتافها غبار الجولة الأولى، وتقف على الجسد الشريف لتُطلِقَ الرصاصة الأولى إعلاناً ببدء معركتها هي، تقف رغم كلِّ هذه الآلام التي
________________________________________

[الصفحة - 74]


جرت عليها لتدكَّ «حصون الظالمين، وتدمِّر جميع ما أحرزوه من الانتصارات في قتل أخيها، وتُلحق بهم الهزيمة والعار، وتملأ بيوتهم مأساةً وحزناً. لقد أقبلت قائدة المسيرة الحسينيَّة عقيلة الوحي زينب (علیها السلام) إلى ساحة المعركة وهي تشقُّ صفوف الجيش تفتِّش عن جثمان أخيها الإمام العظيم فلمّا وقفت عليه شخصت لها أبصار الجيش، واستحال إلى مستمع، فماذا تقول أمام هذه الخطوب المذهلة التي تواكبت عليها؟ إنَّها وقفت عليها غير مدهوشة، لم تذهلها الرزايا التي تميد منها الجبال، فشخصت ببصرها إلى السماء؟ وهي تقول بحماسة الإيمان وحرارة العقيدة قائلة: «اللهم تقبَّل منا هذا القربان». وأطلقت بذلك أوّل شرارةٍ للثورة على الحكم الأمويّ بعد أخيها، وودّ الجيش أن تسيخ به الأرض فقد استبان لـه عظَم ما اقترفه من الإثم وأنّه قد أباد عناصر الإسلام، ومراكز الوعي والإيمان« (14).
أدوار السيدة زينب (علیها السلام) بعد استشهاد الحسين(عليه ‏السلام)
نعم كانت الشرارة الأولى من ثورتها بتلك الصرخة الزينبيّة على الجسد المدويّة عبر العصور، ولكن لا يعني ذلك أنّه لم يكن لها أيّ دور قبل ذلك، وإنَّما من تلك اللحظة، لحظة استشهاد الحسين، بدأ دورها المستقلّ عن الحسين (عليه ‏السلام)، انتهى دور الحسين (عليه ‏السلام) حيث قدَّم أغلى ما عنده وبذل روحه في سبيل الله والعقيدة، وجاء دور زينب (علیها السلام) في الجولة الثانية من المعركة، وهي جولة الفكر وبيان الحقيقة، جولة الحفاظ على هذه الدماء التي بُذلت أن لا تذهب هدراً، جولة شحن النفوس، وإشعال الثورات، وقطف الثمار، وهذه وغيرها من أدوار أُلقيت على كاهل العقيلة، ونحن نحاول تسليط الضوء على بعضٍ من أدوارها (علیها السلام).
1 ـ بيان الحقيقة وعظيم الجريمة
ألف ـ الوقوف على أجساد الشهداء:عندما مرّوا بالركب على الشهداء وقفت زينب (علیها السلام) لتبيّن المصيبة التي ارتكبها هؤلاء القوم، وإن كان لكلِّ صاحب
________________________________________
(14)باقر شريف القرشي: حياة الإمام الحسين (عليه ‏السلام)/ الطبعة الأولى 1975/ مطبعة الآداب النجف الأشرف/ ج2 / ص 302 ـ 303.

[الصفحة - 75]


مصيبة في هكذا ظرف أن يصدر منه كلامٌ وأنينٌ ونياحةٌ وتفجعٌ، إلا أنَّها (علیها السلام) تستغلّ كلَّ المواقف لتُثير الأحزان، وتكشف الحقيقة، وتبيّن عظَم المصاب.
فعلى ما نقله ابن الأثير أنَّ عمر بن سعد « ... ارتحل إلى الكوفة، وحمل معه بنات الحسين وأخواته ومن كان معه من الصبيان، وعليّ بن الحسين مريض، فاجتازوا بهم على الحسين وأصحابه صرعى، فصاح النساء ولطمن خدودهن، وصاحت زينب أخته(علیها السلام): يا محمّداه، صلَّى عليك ملائكة السماء! هذا الحسين بالعراء، مرمّل بالدماء، مقطّع الأعضاء، وبناتك سبايا، وذريتك مقتَّلة تسفي عليها الصبا. فأبكت كل عدو وصديق» (15).
فهي تذكِّر جيش عمر بن سعد بالنبيّ (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم)، وتُشير إلى الحسين (عليه ‏السلام) وما جرى عليه من أهوال، وما فعل به هذا الجيش، ثمَّ تُخاطب النبي (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) بأنَّ بناتك سبايا وذريَّتك مقتَّلة، فيا أيَّها الجيش من فعل هذا؟ ألستم قريبي عهدٍ بالنبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم)؟ ألستم تعرفون جيداً حرمَة النبيّ وحرمة بناته وذريته؟ فهي تستثير الأحزان، وتحرّك النفوس الميَّتة المتعلِّقة بالدنيا، التي ليس لها غير البكاء على ما جنته أيديها، «فوجم القوم مبهوتين، وفاضت دموعهم، وبكى العدو والصديق، فقد استبان عظم الجريمة التي اقترفوها وودّوا أنّ الأرض قد خاست بهم« (16).
ب ـ مع أهل الكوفة:وتُظهر زينب (علیها السلام) لأهل الكوفة عظَم الجريمة التي ارتُكبت، وأنَّها قتل ابن بنت نبيّ الله (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) وهذه مصيبة عظيمة، وجريمة نكراء أليمة، ليس كمثلها في التاريخ، ولن يكون مثلها، تكاد السموات يتفطَّرن منه وتنشقُّ الأرض وتخرُّ الجبال هدّاً، وتُلقي الملامة الأولى على أهل الكوفة الذين دعوا الحسين (عليه ‏السلام) مستنصرين، فانقلبوا بغدرهم وخزيهم.
فمن كلام لها في خطبتها المشهورة في أهل الكوفة: «الحمد لله والصلاة على أبي رسول الله».
فهي تبدأ بالتعريف بنفسها لا لأنَّها مجهولة عند أهل الكوفة، بل تريد أن
________________________________________
(15)ابن الأثير: الكامل في التاريخ / طبعة 1966م. / دار صادر ـ بيروت/ ج 4 / ص 81.
(16)باقر شرف القرشي: السيدة زينب (عليها السلام) رائدة الجهاد في الإسلام/ الطبعة الأولى 2000م/ ص 273.

[الصفحة - 76]


تعرف بمكانتها في هذا الدِّين، وتريد أن تذكِّر أهل الكوفة بالنبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) الذي ينتمون إليه، فهي تنسب نفسها أنَّها ابنة رسول الله (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم)، يعني هي بنت فاطمة(علیها السلام) حليلة علي (عليه ‏السلام) إمامهم، وهي أخت الحسن (عليه ‏السلام) الذي كان بين ظهرانيهم، وهي أخت الحسين (عليه ‏السلام) الذي ينظرون إليه ولا يعون ولا يدركون ماذا صنعوا به، وماذا جنوا على هذا البيت الطاهر وعلى الدِّين الحنيف.
«أمَّا بعدُ يا أهل الكوفة (...) ألا وهل فيكم إلا الصلف النطف، والصدر الشنف؟ خوّارون في اللقاء، عاجزون عن الأعداء، ناكثون للبيعة، مضيِّعون للذمَّة، فبئس ما قدَّمت لكم أنفسكم أنْ سخطَ الله عليكم، وفي العذاب أنتم خالدون».
فهي سلام الله عليها تصف حال أهل الكوفة، وترميهم بسهام لا تُخطئ الفؤاد، وبألسنٍ حداد أهون منها سياط الجلاد، وهي (علیها السلام) تخبرهم بسخط الله عليهم، وأنَّهم في العذاب خالدون، فيا لهول المصيبة التي أَحدقت بهم، ويا لعظمة الرزيَّة التي كشفت النقاب عنها، وكأنّي بأهل الكوفة قد نكسوا الرؤوس، قد أسقط بهم، لا يدرون ما يصنعون، فلا يجدون إلا تأنيب الضمير والعويل والبكاء، فتقول(علیها السلام) لهم:
«أتبكون؟! إي والله فابكوا كثيراً، واضحكوا قليلاً، فلقد فزتم بعارها وشنارها، ولن تغسلوا دنسها عنكم أبداً. فسليل خاتم الرسالة، وسيّد شباب أهل الجنة، وملاذ خيرتكم، ومفزع نازلتكم، وأمارة محجتكم، ومدرجة حجَّتكم خذلتم، وله فتلتم؟! ألا ساء ما تزرون، فتعساً ونكساً، فلقد خاب السعي، وتربت الأيدي، وخسرت الصفقة، وبؤتم بغضب من الله، وضُربت عليكم الذلّة والمسكنة.
وها هي سلام الله عليها تؤكِّد فظيعة ما جنته أيدي أهل الكوفة، وأنَّهم قَتلوا سليل النبوّة، وسيّد شباب أهل الجنة، والملاذ والمفزع و...، لتقدّم لهم نتيجة هذه الصنيعة وهي التعس والنكس والخيبة والخسارة والذلّة والمسكنة وغضب الله. فهي إذن تبيّن عظم الفجيعة وخطر ما قدَّمت أيديهم، وفي نفس الوقت تعرض
________________________________________

[الصفحة - 77]


نتيجة هذه الأعمال، وعاقبة هذه الأوزار، ولم تشتفِ منهم عندما رأت هذه الكلمات تنفذ في قلوبهم، ولم تكف عنهم عندما سمعت بكاءهم على ما فرطوا في جنب الله، بل كرّت بشجاعةٍ وبلاغةٍ وفصاحةٍ تذكرهم بأبيها علي(عليه ‏السلام)، لتذكّرهم بالنبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) الذي ينتمون إليه،
ويلكم أتدرون أيّ كبدٍ لمحمّد فريتم، وأيّ دمٍ له سفكتم، وأيّ كريمةٍ له أصبتم؟ لقد جئتم شيئا إداً، تكاد السماوات يتفطَّرن منه وتنشقُّ الأرض وتخرُّ الجبال هداً، ولقد أتيتم بها خرقاء شوهاء طلاع الأرض والسماء» (17).
ج) مع ابن زياد:وكذلك يظهر من محاورتها (علیها السلام) مع ابن زياد اللعين في قصر الإمارة حينما قال لها: «الحمد لله الذي فضحكم وأكذب أحدوثتكم».
فهو يُريد أن يُظهِرَ للملأ أنَّه على حق، وأنَّه قد انتصر في هذه المعركة، وليس عليه أي ملامة، بل يدّعي أنّ الله قد فضح الحسين وأهل بيته (عليهم ‏السلام).
«فقالت (علیها السلام): الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه محمد (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) وطهّرنا من الرجس تطهيراً، وإنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر وهو غيرنا والحمد لله».
فبدأت بحمد الله على النعمة العظيمة التي أعطاها لأهل البيت (عليهم ‏السلام) أن أكرمهم بمحمّد (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم)، فأشارت بذلك إلى قربها ونسبتها إلى النبيّ (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم)، لتذكِّر الجميع أنَّها من هذا البيت الصادق المصدّق الأمين وأنَّهم طاهرون مطهَّرون بنصِّ الآية القرآنيَّة التي أوردتها، ثمَّ تابعت كلامها بصبّ أقصى التعابير وأشدِّها على رأس ابن زياد، وأمَّا تعبيرها (علیها السلام) «وهو غيرنا» فواضحٌ وجليٌ بمناسبات المقام وبأسلوب اللغة العربيّة أنَّها تعني هو أنت، أي أنَّها تقصد المخاطب نفسه، وأنَّه هو الفاجر الكاذب، والفاسق المفتضح، وبهذا تكون الصادقة الطاهرة قد تابعت مسيرتها الثورية، وأكملت خطتها في فضح ابن زياد، وأنّه فاسق فاجر كاذب، وبذلك تكون قد ردّت على دعواه وألقمته حجراً.
«فقال: كيف رأيت فعل الله بأهل بيتك؟»
________________________________________
(17)المفيد: الأمالي/ الطبعة الثانية 1414 هـ/ دار المفيد/ لبنان ـ بيروت/ ص 321 ـ 322. الطبرسي: الاحتجاج/ سنة الطبع 1966/ دار النعمان النجف الأشرف/ ص 31.

[الصفحة - 78]