البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

السلفية الدينية والفتنة الطائفية دراسة في المنطلقات والدوافع

الباحث :  أ. مجيد محمد علي
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  46
السنة :  السنة الثانية عشر صيف 1428هجـ 2007 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 20 / 2015
عدد زيارات البحث :  271
السلفية الدينية والفتنة الطائفية
دراسة في المنطلقات والدوافع

أ. مجيد محمد علي (*)

يمكن القول إن هناك عشرات الأسباب التي تقود إلى الطائفية والنزاع الطائفي، ولا يمكن استعراضها في مثل هذا البحث الموجز. ولكننا سوف نقتصر على مناقشة سبب واحد، وواحد فقط ربما يعتبره البعض الأهم؛ لأنه يتفاعل مع ضمير ملايين الناس ويستفز مشاعرهم. وربما تأتي أهميته أيضاً لكونه عنصراً تعبوياً وتجييشياً قد يوظفه السياسيون لدى الشباب ويدفعونهم ـ بسببه ـ نحو الانتحار أو الاستشهاد. ولذلك، يمكن اعتباره من أهم الأسباب التي يُفترض مناقشتها والتركيز عليها قبل غيرها.
هذا من جانب، ومن جانب آخر، يمكن القول أيضاً إن الطائفية موضوع شائك ومعقّد، ولعله يمتد في طول العالمين العربي والإسلامي وعرضهما تأريخاً وجغرافية، عمقاً وسطحاً.
صحيح أن السياسيين المحترفين استطاعوا توظيف موضوع الطائفية واستغلاله، كما استغل غيرهم الدين والمذهب لمصالح وأهواء فئوية وآنية. لكنه في الحقيقة، فإن مشكلة ستبقى قائمة ما دامت هناك مصالح وصراعات، ربما تستعصي على المحاولات التمويهية التي دفعت وحرضت على إثارته ونقله من الحالة الفكرية والعقائدية للمفكرين ورجال الثقافة، إلى نعرة مريضة تمّ توظيفها سياسياً وفكرياً لدى بسطاء الناس وعوامّهم، وأدخلوها إلى عمق المجتمع؛ لتنخره وتأكله كالنار تأكل بعضها إنْ لم تجد ما تأكله.
وكما أن مصيبة الدين في جميع العصور فئتان: فئة أساءت استخدامه؛ وفئة
________________________________________
(*) باحث إسلامي، من تونس.

[الصفحة - 315]


أتقنت استغلاله، فالتي أساءت استخدامه ضللت المؤمنين به، والتي أتقنت استغلاله أعطت الجاحدين حجة عليه، فإن مصيبة المذهب هي الأُخرى فئتان: فئة مصلحية جاهلة، أدركت عمق المذهب في نفوس منتسبيه فحوّلته إلى طائفية بغيضة، يرى المنتمي فيها القشّة في عيون غيره ولا يرى الخشبة في عينيه؛ وفئة مجنّدة مرتزقة تتصيد كلّ اختلاف في وجهات النظر لتحوّله إلى معارك دامية تُستخدم فيها كل أنواع الأسلحة، وليس فيها شرف الحروب، ولا قيم النزال المعروفة في عوالم المعارك والصراعات.
ولا نريد أن نستغرق في مقدمة قد تطول وتعرض حول الفَرْق بين المذهبية والطائفية، ولكننا نقول باختصار: إن الأُولى ـ في تعريفنا ـ انتماءٌ فقهيّ، وتعني ترجيح هذا المسلم أو ذاك لفقه مذهب من المذاهب الإسلامية والانتساب إليه في عملٍ التزامي معين، أو إنها (أي المذهبية) انتساب خاص إلى مدرسة خاصة من المدارس الفقهية التي ظهرت في تأريخ المسلمين بسبب تعدّد الاجتهادات والقراءات للروايات والأدلّة على مستوى التقليد أو الاتّباع أو الاجتهاد.
أما الطائفية فإنها انغلاق أبناء الطائفة الإسلامية الواحدة أو طائفة إسلامية واحدة على أنفسهم والسعي لاستئثارهم بالسلطة والحكم، بصرف النظر عن نوع هذا الحكم جاهلياً كان أم إسلامياً، مستبداً أم ديمقراطياً، علمانياً أم ليبرالياً، واتّهام الآخرين من أصحاب المذاهب الإسلامية الأُخرى بالكفر والضلال.
وهذا هو الجاري أو الذي يُراد له أن يجري في العراق اليوم من الأسف الشديد. حيث تندفع الأوضاع في هذا البلد نحو التشرذم الطائفي والإثني، ولم يعُد أمام المكونات الاجتماعية والسياسية في هذا البلد ـ أو هكذا الصورة الظاهرة للعيان ـ إلاّ المساومات السياسية بين اُمراء الطوائف والقادة المحليين لإطلاق كيانية محلية، أو مشروع لكيانية ضيقة، وبتراتبية عمودية تكاد تلغي مشروع المواطنة بشكل مباشر أو غير مباشر.
ولا اُريد في هذا البحث الموجز، أيضاً، المرور على كل الأسباب التي أدّت الى هذا الانجرار الطائفي؛ لأنها عديدة ومتشعبة، ولها فروع وامتدادات، ولا يتّسع له بحث أو بحثان ولا مؤتمر أو مؤتمران. وحتى إذا أردنا تعداد الأسباب فقط، فقد يأتي
________________________________________

[الصفحة - 316]


التعداد مبتسراً ومتعسفاً، ربما يُساء فهمه هو الآخر وربما يُشارك في تعميق المشكلة بدل أن يحلها.
أما خلاصة ما يمكن قوله إذا كان لا بد من المرور على بعض الأسباب، وليس كلها، فيمكن، وباختصار شديد، القول: بأن العراق منقسم مذهبياً إلى قسمين، وأن الأكثرية المذهبية فيه لا يمكن أن تتحوّل إلى أقلّية، ما دامت المسألة في عمق المجتمع ولها جذورها التأريخية الممتدة في عمق الزمن، ولكن المشكلة بدأت حينما تحكّمت الأقلية، أو قل حكمت العراق سياسياً عقوداً طويلة، ويُراد اليوم للأكثرية أن تتحكم على الأساس الطائفي أو المذهبي (لا فرق)، وليس على أساس برنامج سياسي واضح المعالم والحدود.
وهذا يعني، عدم السعي إلى تحويل الأكثرية المذهبية إلى أكثرية سياسية، وإبقاء أو محاولة إبقاء كل شيء على حاله، أي منع تبلور أكثرية أو أقلية سياسية بمعزل عن الأكثرية أو الأقلية الطائفية والقومية، بمعنى محاولة إبقاء أو إذكاء الخلاف المذهبي، وإبعاد أي تحرك سياسي جمعي يسعى للتقريب والتسوية، وفي توجّه مقصود يُراد منه أو من خلاله إبقاء الهيمنة السياسية والاقتصادية والاجتماعية لأُمراء الطوائف والجماعات القومية والإثنية، والحيلولة دون قيام اصطفاف سياسي للأكثرية على المستوى الوطني.
وهذا يعني في نهاية المطاف، تغذية المشاعر الطائفية والقومية الانعزالية، وتشويه الوعي الوطني والطبقي للأكثرية المغلوبة على أمرها، وربما بسبب هذا التوجّه لهؤلاء الأُمراء ومن يمشي خلفهم، أو بسبب الأجندات السياسية الدولية والإقليمية التي باتت تأخذ العراق طولاً وعرضاً ولأهداف باتت معروفة للقريب والبعيد.
أقول مرة اُخرى: لا اُريد أن اُعدّد أسباب هذا الانجرار؛ لأن فيه ما ينكئ الجروح، كما أتصور، ولعلي (نكأت جرحاً) في التصوير أو التوصيف الذي قدّمته آنفاً حول الأكثرية، وربما أنكؤه أكثر إذا تكلمت عن الفساد المالي والإداري، مثلاً، كسبب آخر غذّى ويغذي نيران الطائفية، والذي أعتبره، بل يعتبره الكثيرون حاضنة الإرهاب وأساس الشرّ ووقود الطائفية، وكيف أن بعض السياسيين في العراق
________________________________________

[الصفحة - 317]


أصبحوا يصنفون، مع الأسف، على أنّ نسبتهم في هذا البلد صارت الأكثر في كل العالم، وأن الجماعة لم يتفقوا على شيء كما اتفقوا على مناقشة حقوقهم المالية، لا سيما حين منحوا أنفسهم رواتب لم يُمنحها أي سياسي في العالم أيضاً، بل واشترعوا لذلك قانوناً كان، مع الأسف، نسفاً واضحاً وصريحاً للمادة الثانية للمبادئ الأساسية من الدستور العراقي الجديد التي تقول بالحرف الواحد: «لا يجوز سنّ قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام». في وقت يمكن القول إن قانون الرواتب الذي صوّتوا عليه في البرلمان العراقي اليوم يُعتبر خرقاً فاضحاً لأبسط ثوابت أحكام الإسلام.
أقول: إن هذا التشريع لهذا القانون ربما جرّ البعض من العوام أو جرّأهم على خلق قوانين خاصة بهم، تجوّز لهم قتل كل من يتصورونه ـ حسب فهمهم ـ مشاركاً في هذا الفساد، أو هذه (اللصوصية المشترعة)، وبالتالي إضفاء صبغة قانونية على عملهم، باعتبار الجميع أي (جميع المحاصصين) من أعضاء البرلمان قد تخندقوا في قوائمهم الانتخابية، ولما استطاعوا الفوز لولا تلك التخندقات المذهبية إنْ لم نقل الطائفية.
أقول مرّة اُخرى: إن هناك أكثر من عشرة أسباب للطائفية، لعلّ أولها الطائفية السياسية التي أغرقت العراق في بحر من الدماء، رافقها الفساد المالي الذي استخدمه أعداء العراق وسيلة تجييش للإجهاز على العملية السياسية برمتها. مضافاً إلى هذين السببين، سوء فهم مقصود أو غير مقصود لمسألة المحاصصة التي رأى البعض لابديّتها في المراحل الأُولى للعملية السياسية، وهكذا المقاومة (الشرعية) التي لا يمكن فهم (شرعيتها) في ظل حكومة شرعية منتخبة، وإن كانت مشروعة.
وهناك أسباب اُخرى للفتنة الطائفية، ولعلّ الأهم منها القراءة المنغلقة للإسلام التي ينظّر لها أنصار (القاعدة) ومن يلف لفّهم، وهكذا (الوهابيون) والنواصب وعداؤهم التأريخي المعروف لمذهب أهل البيت، ومعهم الصداميين المجرمين الذين أدمنوا على الحكم لعقود طويلة، فقادوا العراق أو جرّوه إلى معادلة ظالمة ما تصوروا يوماً أن القدر سيغيّرها، وكذلك التكفيريين المغفّلين الذين اعتبروا الشيعة كفاراً (روافض)، والسنّة المتعاونين معهم مرتدين، والأكراد خونة.. وهكذا، ناهيك
________________________________________

[الصفحة - 318]


عن سبب آخر يمكن أن ننسبه للمحتلين وأخطائهم الكثيرة المقصودة وغير المقصودة في إذكاء نيران الطائفية.
إذن، لو ناقشنا جميع هذه الأسباب وغيرها لأخذنا المقام بعيداً، وبعيداً جداً عن الموضوع الذي أردنا التركيز عليه، ولكننا تركنا كل ذلك، لرجال الفكر والثقافة والسياسة والدين، ليدلوا كل بدلوه لمعالجة هذه الأسباب وإنقاذ العراق من شرور هذه الفتنة وتداعياتها على راهن العراق ومستقبلة.
أقول: أترك كل هذه الأسباب، وأبتعد عن كل ما من شأنه زيادة الهوة بين (المتواجهين)، متحاشياً الانجرار إلى مشروع القرصنة السياسية الذي يعرف رجاله قبل غيرهم ما يفعلونه في الواقع الديني والسياسي العراقي، وأتوقف عند سببٍ واحد، وواحد فقط، لم يشأ المتناحرون التوقف عنده إما جهلاً أو تعمية... لأضع على بعض حروفه بعض النقاط، لعلّ ذلك يساهم في إطفاء بعض الحرائق المشتعلة في العراق، أو حقن محجمة دم من أنهار الدماء التي تجري في هذا البلد المعذّب المنكوب.
هذا السبب، وبكل صراحة ووضوح، وضعته تحت عنوان (سبّ الصحابة بين الموجبة الجزيئة والسالبة الكلية)، وفيما يلي عرض موجز له.
سبب من عشرة أسباب
سب الصحابة بين الموجبة الجزئية والسالبة الكلية
لم يؤكّد الإسلام على شيء أكثر من تأكيده على الحبّ في الله والبغض في الله، حتى جاء في المأثور: وهل الدين إلاّ الحبّ؟! وهل الجنة إلاّ الحبّ؟! ولعلّ أوّل مظهر من مظاهر الحبّ هو الوئام والمودّة والرحمة بين المتحابّين، والدعوة إلى التعايش والانسجام بين المختلفين، باعتبار الاختلاف الايجابي مسألة لا بدّ منها بين بني البشر، أي لا بدّ من إقرارها والاعتراف بها.
{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (*) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} (هود: 118ـ 119).
{وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} ( النحل: 9؛ وانظر أيضاً الأنعام: 149).
{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً} (يونس: 99).
________________________________________

[الصفحة - 319]


{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ} (المائدة: 48).
ولما كان هذا الاختلاف هو الثابت الذي لا بدّ منه في الصراع البشري، وهو السلّم الذي لا بدّ من ارتقائه نحو الرشد والتكامل، يأتي العقل والدين فيفتَرضان ضرورة التعاطي مع هذا النوع من الاختلاف واحتوائه واستيعابه، والحيلولة دون تحوّله إلى عنف وعنف مضاد، أو إرهاب وإرهاب مضاد.
ويأتي الاختلاف بين السنّة والشيعة في هذا الإطار، فضلاً عن كونه باباً من أبواب التكامل والرشد والمذكورين، أوجدته السنّة الإلهية لتحميص الناس واختبارهم {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} (الأنفال:42).
ويأتي رجال الفكر والدين المتنوّرون اليوم ليؤكدوا على إقرار هذا الاختلاف، واحترام الآخر المغاير، وعدم مصادرته أو حذفه أو إقصائه انطلاقاً من إقرار هذه السنّة، وأن الناس مختلفون متباينون {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى} (الأنعام: 35).
{فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} (الكهف: 29).
نعم، شاءت إرادته وحكمته جلّ وعلا أن يجعل الناس متباينين، وأنه سبحانه وتعالى هو القائل:{وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (الحجرات: 13).
{لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} (المائدة: 48).
ومن نِعم الله تعالى على المسلمين أن اختلافاتهم جميعهاً في الفروع وليست في الأُصول، وأنها لا تمسّ جوهر الإسلام بشيء، فالربّ واحد، والكتاب واحد، والنبي واحد، والقبلة واحدة، والصلاة واحدة، وهكذا الصيام والحج والزكاة وكل فروع الدين وحدوده المثبّتة في كتاب الله العزيز وسنّة نبيّه الكريم، ما عدا اجتهاد هنا واجتهاد هناك، ينال المصيب فيه أجرين، والمخطئ أجراً واحداً.
وبعد إقرار هذه السنّة، أي هذا الاختلاف، يأتي التقريب بين هذه الاجتهادات أو وجهات النظر مقدمة تمهيدية اُولى لتوحيد الأُمّة الإسلامية على القواعد التي أرساها نبي الإسلام محمد(صلي الله عليه و آله و سلم) في المجتمع المدني في المدينة المنوّرة، وبعدها في مكة المكرمة. وقد أكّد القرآن الكريم على أن الأُمّة الإسلامية اُمّة واحدة مقابل الأُمم
________________________________________

[الصفحة - 320]


والشعوب الأُخرى، وأن الإسلام يحترم كل أصحاب الديانات والمذاهب، ويسميهم (أهل الكتاب) إذ لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، ودعاهم إلى ( كلمة سواء) {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ} (سبأ: 24).
إلاّ أن الساسة المسلمين ـ مع الأسف الشديد ـ هم الذين عمّقوا الخلافات الطبيعية بين أبناء شعوبهم، وسعّروا نيرانها وحوّلوها إلى طائفية ومذهبية تلفّعت بعباءات دينية أحياناً، وأردية مقدسة أحياناً اُخرى، وكلها تحمل في نسيجها دسائس اُموية وعباسية، ثم عثمانية وصفوية، لم تقتصر على اللعب بعواطف عوام الناس وبسطائهم، بل شملت العلماء والفقهاء وأصحاب الفكر والقلم.
أما ما يقال عن الإمامة والخلافة التي هي أساس الاختلافات بين الطائفتين الإسلاميتين الرئيستين السنّة والشيعة، فإننا لا نقول كما قال الإمام الخميني(رحمه الله): «دعوا بحث خلافة أمير المؤمنين جانباً، فهو بحث قد انقضى زمانه» (1)، وإنّما ندعو إلى دراسة ذلك باُسلوب علمي جادّ، بعيداً عن كل الأحكام القبْلية الجاهزة أو التعصّب الطائفي المقيت، تماماً كما ندعو إلى بحث ثورة الإمام الحسين(عليه السلام)، والتأمل فيها، وعدم القفز على أسبابها ونتائجها، الأمر الذي قد يحرمنا الاستفادة من عطائها الثرّ في التصدّي للمتلفّعين بالشرعية المزيّفة أو بالأردية المقدسة، وهكذا مواضيع الاختلاف الأُخرى التي يُفترض بالمسلمين، بعد مرور قرون عديدة، أن يعيدوا قراءتها بعقول واعية وبقلوب منفتحة، لعلهم بذلك يكتشفوا بعض أسباب تخلّفهم أو هزيمتهم التي أصبح الاعتراف بها شجاعة لا بدّ أن يصحر بها المسلمون لاستئناف مسيرتهم الأُولى، واستعادة مجدهم التليد.
ولعلّ أكثر ما أثار ويثير الجدل اليوم بين هاتين الطائفتين الإسلاميتين هو الموقف من الصحابة، وتحديداً الصحابة الثلاثة الأوائل أبو بكر وعمر وعثمان، والقراءة المتباينة لهم أو لبعض مواقفهم من قِبل العديد من الكتاب والمفكّرين والمؤرخين الإسلاميين المعاصرين.
أما الموضوع (سبّ الصحابة)، أو هكذا سُمّي تعسّفاً، فهو العنوان الأكثر إثارةً للجدل فعلاً، والذي ارتأينا هنا التوقف قليلاً عنده ومحاكمته منهجياً على لسان أبرز من كتب حول هذا الموضوع من إخواننا أهل السنة في السنين المتأخرة، وكشْف بعض معالم المعركة المفتعلة التي صيّرها البعض ركناً من أركان
________________________________________
(1)راجع كرّاس «نظرات في التقريب بين المذاهب الإسلامية» حوار مع آية الله واعظ زاده خراساني، وكذلك مجلة «هفت آسمان» التخصصيّة في الأديان والمذاهب ـ العدد 9 و 10 لسنة1380 هـ . ش، ص 18.

[الصفحة - 321]


الدين أو أصلاً من اُصوله، فيما لا نراها تستحق أكثر من وقفة حوار أخوي، أو مراجعة علمية هادئة.
ونقول: منهجياً؛ لأننا آثرنا محاكمة المنهج وليس الأفكار التي وردت وترد على ألسنة العديد من إخواننا أهل السنة وأقلامهم، فإن هدفنا هو تصحيح المنهج الذي لا بدّ منه لتصحيح الأفكار، أو هو المقدمة لذلك بالتأكيد، وخاصة في مسألة لا يُفترض بأي حال من الأحوال أن يضع أصحابها الصحابة بين خيارين لا ثالث لهما، كأن يقولوا إنهم إما (صحابيّ جليل) أو (كافر مرتد)، فيما هم ليسوا جميعاً كذلك، بل فيهم من هو بين بين، أي صحابي ليس بجليل، وآخر ليس بكافر ولا مرتد.
ولا نرى ضرورة لأنْ تأخذ الأحكام الإطلاقية دورها غير المحمود في حفر الأخاديد أو تعميق الشروخ في أوساط المؤمنين.
نأمل أن يكون أساس منهجنا في الوقوف بين الطائفتين هو إيجاد حوار شفاف بينهما، لعلّه يُساهم في إيجاد منهج جديد يقوم على أساس الاستماع للآخر، بل احترامه والإصغاء له قبل مسائلته أو محاكمته أو اتهامه، وبعيداً عن الأحكام الجزمية الجاهزة، أو نظارات الدوغماتية القطعية التي تخدش اُنس المتحاورين وتنكئ من الجورح أكثر مما تداوي، أو تبعّد أكثر مما تقرّب.
بكلمة اُخرى نقول:
إن (السبّ) مصطلح فضفاض يتداخل مع مصطلح (اللعن) ولا يكاد القارئ المسلم البسيط يميّز بينهما بيسر وسهولة. وتأتي عبارة (سبّ الصحابة) شعاراً استفزازياً صارخاً لم يسمع به المسلمون في ماضيهم، ولا ينسجم مع حال المسلمين في حاضرهم أو واقعهم.
فالمؤمن كما يقول الحديث الشريف ـ ليس بطعّان ولا لعّان ولا فاحش ولا بذيء ـ رغم أن القرآن الكريم يتسخدم كلمة (اللعن في العديد من آيات الله البيّنات، خاصّاً بها أعداء الدين من الكافرين والملحدين والمنافقين.
نعم، إن عبارة (سبّ الصحابة) عبارة تضليلية تستخدم للإساءة إلى الآخر، وقد وظّفها البعض توظيفاً سياسياً لئيماً لتمرير مشاريع خاصة، معتبراً (الصحابة) جميعهم وبدون استثناء «كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» دون تفريق بين صحابي
________________________________________

[الصفحة - 322]


جليل محترم، وصحابي فاسق مرتدّ كالحكم بن أبي العاص، والوليد بن عقبة، وعبد الله بن أُبيّ، ومسلم أو (مسرف) بن عقبة وغيرهم ممن غضب على بعضهم رسول الله(صلي الله عليه و آله و سلم)، ولعن القرآن الكريم بعضهم الآخر ونعتهم نعوتاً يستحقّونها.
أما ما يُشاع عن سبّ الشيعة للصحابة الثلاثة الأوائل أبي بكر وعمر وعثمان، فإنما هي تهمة ظالمة نسبها بعض المؤرخين المعاصرين إلى الشيعة عن قصد أو غير قصد؛ لإتمام المهمة السياسية المذكورة في تمزيق الصف الإسلامي، وتفتيت وحدة المسلمين، ناسبين ذلك السبّ إلى متطرّف شيعي هنا أو مغال ملعون هناك، دون تمييز بين (السبّ) و(التخطئة) أو بين (اللعن) و(العتاب) أو(الشتيمة) و(الإدانة)، فصارت كل تخطئة سبّاً، وكل عتاب لعنة، وكل إدانة أو ملاحظة شتيمة أو قذفاً أو طعناً.
الذي نريده أولاً هو الاتفاق على تعريف (السبّ)، وتعريف (الصحابة)، ومن ثم المرور على تقييمهم فرداً فرداً، وعدم الانجرار إلى فهمهم فهماً انفعالياً يقودنا بالتأكيد إلى وصفهم وصفاً إطلاقياً، ووضعهم على درجات السلّم الذي تصنعه مذاقاتنا وأهواؤنا، فننتهي إلى أن أحدهم إما ( صحابيّ جليل ) أو ( كافر مرتدّ ) ـ كما قلنا ـ ، فيما هم جميعاً ليسوا كذلك، بل فيهم من هو صحابي ليس بجليل، وآخر ليس بكافر ولا مرتد، كما أكّدنا ونؤكّد.
أما مسألة تخطئة هذا ومعاتبة ذاك في هذا النقطة أو تلك ، فإنه سيقودنا إلى استيعاب الاختلاف وفهمه فهماً إيجابياً يؤدّي بنا أو بمناهجنا إلى التكامل والرشد، وليس إلى التقاطع والتدابر والتكامن.
هذا الاختلاف الإيجابي يقودنا بالتأكيد إلى إعادة قراءة التأريخ أو مراجعة فهمه، والاستفادة من أخطاء الماضين، والثناء على مواقفهم الحميدة وصولاً لترجيح الأفضل وترويج الأحسن، لا سيما وإن ديننا العزيز يدعونا إلى استماع القول واتّباع أحسنه {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} (الزمر: 18).
ولا يفوتنا في هذه التوطئة أيضاً أنْ نناشد أصحاب الرأي والقرار من إخواننا الدعاة والمبلّغين في الصفّ الشيعي أنْ يُثقّفوا عوام شيعتهم للكفّ عن سبّ الصحابة
________________________________________

[الصفحة - 323]


الثلاثة الأوائل، وأن يترفّعوا عن ثقافة اللعن البغيضة هذه، ويضعوا حدّاً لهذا الإسفين الذي استنزف من الطائفتين الإسلاميتين جهوداً كبيرة، واستهلك طاقات وإمكانات ما كان ينبغي استنزافها أو استهلاكها في مثل هذه الثقافة العتيقة البائسة.
في صلب الموضوع
الاختلاف في الرواية المنقولة
اعتمد المسلمون في العصور الأُولى معياراً مهماً هو الرجوع إلى الرواية المنقولة بتواتر معتَبر يستحيل معه إجماع رواتها على التحريف أو الكذب . وقد اعتُمد هذا المعيار حتى لو لم يرد في ذلك نص من القرآن، كما هو الحال في عدد الصلوات اليومية وتعداد ركعاتها مثلاً، وهو ما أطلق عليه المتكلمون الأوائل اسم «خبر مجمع عليه»(2)، ثم أطلق عليه بعد ذلك أحد علماء الشيعة اسم «سنّة الرسول المتواترة المتّفق عليها»(3).
وقال بعض المسلمين الأوائل: إن أحكام الدين تُعرف ـ بعد النبي ـ عن طريق الإجماع فقط، ولا تُقبل أخبار الآحاد، وأنّ من المستحيل عقلاً أن يجعل الله لخبر الواحد حجّية، إلا لنبيّ مع معجزته.
وهكذا صنّفوا مصادر المعارف الدينية إلى أربعة أصناف: القرآن، السنّة المجمع عليها (التواتر)، الإجماع والعقل. وقد اختلفت بعض تعريفات هذه الأصناف، فصارت السنّة المجمع عليها مثلاً «السنّة المقطوع بها» (4)، وانخفض التواتر بشدّة حتى عدّ رواة الحديث كلّ حديث يرويه اثنان أو ثلاثة متواتراً، وتغيّر تبعاً لذلك مفهوم (الخبر الواحد) وإن كانوا اتفقوا أن الكثير من أخبار الآحاد موضوعة، وأن الناس في حال تصديقها سيقعون بالضرورة في مفسدة مخالفة الواقع.. وهكذا تغيّر مفهوم الإجماع أيضاً كقولهم: «سنّة مجمع عليها لا اختلاف فيها، أو قياس تعرف العقول عدله ولا يسع خاصة الأمة وعامتها الشد فيه والإنكار له» (5).
ولعلّ أكثر ما ابتُلي به المسلمون عموماً، والشيعة على وجه التحديد، في العصور المتأخرة هو التشويش المتعمّد أو غير المتعمّد على تأريخهم أو مصادرهم، وتشابُك الخبر الموضوع مع الخبر الصحيح المتواتر، وتداخل أو إدخال الأُصول مع
________________________________________
(2) راجع الأوائل لأبي هلال العسكري 2: 119.
(3) ابن إدريس في السرائر 1: 46؛ وانظر أيضاً رسالة الجبر والتفويض المنسوبة للإمام الهادي في تحف العقول: 329؛ والاحتجاج للطبرسي 2: 251.
(4) جوابات المسائل الموصليات الثالثة للشريف المرتضى: 209 و 210.
(5) تحف العقول: 300؛ الاختصاص: 52. والمقصود بالقياس هنا الاستدلال العقلي الذي كان هو معنى الكلمة في الأصل.

[الصفحة - 324]


الفروع، واختلاط القطعي مع الظنّي والغثّ مع السمين، حتى غلبَ الغثّ سمينه، وزاد المضاف على المضاف إليه أصلاً، والأصل إلى المنسوب، وبالعكس، ولم يبقَ أمام المسلمين لتوحيد كلمتهم وحفظ تأريخهم إلاّ أن يعودوا إلى أصل اُصولهم، وهو القرآن الكريم أولاً ويتفقوا على نصّه قبلَ كلّ شيء، وهم متفقون بحمد الله، دون تأويله أو تفسيره، وبعدها فليختلفوا على التأويل والتفسير وأسباب التنزيل، وفي إطار ما يمكن أن يتفقوا عليه من اُسس ومعايير ثابتة، تحفظ لهم وحدتهم واُصول عقيدتهم، ودون قطعية أو جزمية أو بتّية.
أما ما جاء عن الرسول الأكرم(صلي الله عليه و آله و سلم) من حديث أو سنّة فالأفضل للجميع تثبيت الثابت من حديث النبي وسنّته بين جميع مذاهب المسلمين (السنّة المجمع عليها) وبعدها فليختلفوا على قول القائل: «كل متنٍ يُباين المعقول أو يُخالف المنقول، أو يناقض الأُصول، فاعلموا أنه موضوع على الرسول» (6).
أما أن تستمر السجالات لتفرّخ سجالات جديدة، ويستمر كتّاب المناظرات والمراجعات والمؤرّخون يردّون بعضهم على بعض، ويُكذّب بعضهم بعضاً، فهذه مسألة لا تنتهي، وحكاية لا حدود لها ولا شواطئ ولا أعماق، وخاصة بعد أن غَرقَ أو اُغرق هذا التأريخ بركام هائل من الموضوعات والزيادات والتأويلات، دخل فيها من هبّ ودبّ من المحققين والمؤرخين والوضّاعين فضلاً عن هوس الغلاة، وهرطقات المحرّفين، وتخليط المخرّفين والجهلة والنواصب، يدعمهم بالتأكيد طابور كبير من المنتفعين والمندسّين وأعداء الأُمّة والدين.
الجدل حول سب الصحابة
ولعل أكثر ما أثار ويثير حفيظة المسلمين في تأريخهم المدوّن اليوم هو مسألة (سبّ الصحابة) وتكفيرهم من قبل الشيعة أو قل بعض الشيعة على الأصح، كما يتّهمهم إخوانهم أبناء السنّة، وطغيان لهجة الحماس والعواطف على لهجة العقل والبحث العلمي ومنطق الحق الذي ينشده الطرفان بالتأكيد. ولعلّ الأهم أيضاً قبل الدخول في هذا الخانق المؤسف الذي وجد المسلمون سنّة وشيعة أنفسهم فيه، هو تعريف كلمة (السبّ) وكلمة (الصحابة)، وهل الشيعة (يسبّون) الصحابة
________________________________________
(6) عن ابن الجوزي، الموضوعات 1: 106.

[الصفحة - 325]


فعلاً كلّ الصحابة؟ أم أنهم (يلعنون) بعض الصحابة وبعضهم القليل فقط، وهنا يصح القول: «إن الموجبة الجزئية نقيض السالبة الكلية). وإذا كان الملعون يوسم بـ (الكافر)، فهذا غير صحيح؛ لأن كل كافر ملعون، ولكن ليس كلُّ ملعونٍ كافراً، وإذا كان اللعن هو غير السبّ فقد ورد اللعن في العديد من آيات الكتاب الكريم، وخاصة لعن الكافرين والمنافقين وأعداء الدين.
{إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً} (الأحزاب: 57).
{أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} (محمد: 23).
{وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً} (الفتح: 6).
{رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنْ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً} (الأحزاب: 68).
{إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَة وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌِ} (النور: 23).
{فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} (الأعراف: 44).
{وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ} (النور: 7).
{أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ} (البقرة: 159).
وعشرات مثلها في آيات الذكر الحكيم.
بل، إن هناك سورة كاملة في كتاب الله العزيز تلعن المنافقين وتُعرّض بهم:
{إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}(المنافقون: 1).
{اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (المنافقون: 2).
{وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمْ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} (المنافقون: 4).
{أَاسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} (المنافقون: 6).
________________________________________

[الصفحة - 326]


وهكذا في عموم هذه السورة المباركة وآياتها البيّنات، وفيهم بل، معظمهم من (الصحابة) بمن فيهم مثلاً عبد الله بن اُبيّ كبير المنافقين، وإن كان الأكثر ملازمة للنبي ورؤية له من غيره، والحكم بن أبي العاص المعروف بـ (طريد رسول الله)، والوليد ابن عقبة شارب الخمرة الفاسق المعروف، ومثلهم مسرف بن عقبة (أو مسلم بن عقبة) الذي استباح مدينة النبي(صلي الله عليه و آله و سلم) ثلاثة أيام بلياليها، وعلى شاكلته بسر بن أبي أرطاة، وغيرهم مما يتفق على فسقهم ولعنهم ونفاقهم الطرفان من المسلمين، مع أنهم تنطبق عليهم كملة (صحابة) أو (أصحاب) في تعريف من سنتحدث عنهم لاحقاً، وخاصة حين وصل أو أوصل أصحابنا رقم الصحابة إلى4000 أو 5000 صحابي وصحابية كما سنقرأ.
فهل الصحبة هي مجرّد رؤية النبي وطول الملازمة وحضور المسجد والجماعة والمعاشرة مثلاً، أم هي الاستقامة وحسن الصحبة والثبات على الكتاب والسنّة...؟
وهل يصحّ أن نقول إن بني إسرائيل هم أفضل العالمين، وإلى أبد الآبدين ـ كما نصّ على ذلك القرآن الكريم (7)ـ ، أم نقول إنهم غيّروا وبدّلوا بعد نبيّهم، فاستحقوا التنديد والتعريض بنصّ القرآن الكريم أيضاً، فأصبحوا أو {وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الْمَسْكَنَةُ} (آل عمران: 112)، بل الذلة والمسكنة (8)؟
ثمّ هل يصحّ تحميل الآيات القرآنية ما لا تتحمله، فنسوق ثناء الله عزّ وجلّ على السابقين السابقين من المهاجرين والأنصار، دون أن نستثني منهم من غيّر وبدّل، وظلم وكذبَ، وانحرفَ وفسقَ، مثل الأشخاص الذين ذُكروا الآن، ومن سنمرّ على ذكرهم في ثنايا البحث؟
نعم، إن الورع في عدم ذكر الماضين بسوء مطلوب.. ولكنّ بعض الورع في تبرئة السيئين منهم قد يُغيّر الحقيقة، ويسيء إلى دراسة التأريخ ودارسيه. ولقد أجاد الأُستاذ حسن بن فرحان المالكي في حديثه عن (الصحبة والصحابة)، وردّه على الشيخ عبد الله السعد في سلسلة كتاب (إنقاذ التأريخ) المعروفة ـ حين أضاف متسائلاً أو ساخراً ـ : «هل يجوز أن يفتخر عبد الله بن اُبيّ بأنه رأى النبي، وأنه دُفن بقميصه، وأن منخريه امتلآ بغبار الغزوات (وبالتالي) فإنّ هذا الغبار لا يجتمع مع نار جهنّم؟!» (9).
________________________________________
(7) وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (البقرة: 47، 122).
(8) وذلك قوله تعالى: وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ (البقرة: 61).

[الصفحة - 327]


وبعد ذلك، هل يصحّ أن نؤاخذ إخواننا أهل السنة وكتّابهم المعاصرين حين يرون أو يقرؤون في بعض كتبنا المعتبرة ما لم يتم تنقيحه أو تطهيرها منه لحدّ الآن، من لعنٍ للخلفاء الراشدين الثلاثة وتكفيرهم، بل إفراد أبواب كاملة في بعض هذه الكتب تحت عنوان (باب تكفير الثلاثة) (10) أو (باب كفر الثلاثة ونفاقهم وفضائح أعمالهم) (11)، ولحدّ القول: «اللهم إنهم لم يكونوا إلاّ غاصبين جائرين مرتدّين عن الدين لعنة الله عليهم وعلى من اتّبعهم في ظلم أهل البيت من الأولين والآخرين» (12)؟
وإذا كانوا غاصبين أو جائرين أو ظالمين، هل هم مرتدون أو كافرون يجوز قتلهم وقتالهم وبالتالي لعنهم؟ وهو شيء لم يقله إمام من أئمة أهل البيت، ولم يفعله أو يقله أبو الأئمة جميعاً عليّ(عليه السلام)! وإنما التمس لبعضهم العذر، وعاتب بعضهم، وخطّأ آخر أو لامه أو زجره أو حاسبه، ولم يقل عنه أنه كافر مرتد لعنة الله عليه، اللهمّ إلاّ من ارتدّ فعلاً وثبّته التاريخ وحشره مع المرتدين كمسيلمة الكذّاب وسجاح وأضرابهما ممن قاتلهم الإمام عليّ(عليه السلام) أو شارك في قتالهم، أو دعا المسلمين لقتالهم.
وهل يصحّ أن نلوم إخواننا من أبناء السنّة على لومهم لنا لاستمرار بعضنا يؤكّد: «كل راية تُرفع قبل راية القائم(عجل الله تعالی فرجه الشريف) صاحبها طاغوت). بل، يضيف آخرون: «وإن كان رافعها يدعو إلى الحق» (13)، ويحكم آخرون على هذه الرواية بالصحة (14).
ثمّ هل يصحّ أن يجعل البعض الولاية أو الإمامة كالتوحيد، بل أهم منه، ولحدّ القول: «ولو سجد حتى ينقطع عنقه ما قبل الله منه إلاّ بولايتنا أهل البيت» (15).
وإن «ولايتنا ولاية الله التي لم يبعث نبياً قط إلاّ بها» (16).
و «لو أن عبداً جاء يوم القيامة بعمل سبعين نبياً ما قبل الله ذلك منه حتى يلقاه بولايتي وولاية أهل بيتي» (17).
أو «نحن والله الأسماء الحسنى التي لا يقبل الله من العباد عملاً إلاّ بمعرفتنا» (18).
وأكثر من ذلك تفضيل الأئمة على الأنبياء والرسل، وأنّ الله عزّ وجلّ عرض ولايتنا على السماوات والأرض والجبال والأمصار... وأنها مكتوبة في جميع صحف الأنبياء (19)، علماً بأن الأئمة (عليهم السلام) أنفسهم لا يرون ذلك، إذ يُنسب للإمام العسكري(عليه السلام)
________________________________________
(9) راجع الكتاب المذكور المطبوع سنة 2002 في مركز الدراسات التأريخية في المملكة الأردنية الهاشمية، وهو تحت عنوان (مع الشيخ عبد الله السعد في الصحبة والصحابة)، وهو نفس ما وقع فيه غلاة الشيعة الذين حسبوا أن النار لا تحرق من ذرفت عينه دمعة واحدة على الحسين بن علي(عليه السلام)، حتى لو كان سارقاً أو قاتلاً وظالماً لزوار الحسين(عليه السلام)، وقالوا في ذلك شعراً: وإنّ النار ليس تمسُّ جسماً عليــه غبــارُ زوّار الحسين
(10) بحار الأنوار، المجلسي: المجلد 30، الباب العشرون، ولعل الشيخ المجلسي هنا ارتكب خطأ فادحاً حين وضع هذا الباب ومن صفحة 146 إلى ص 402 تحت عنوان صارخ فاقع وهو: «كفر الثلاثة ونفاقهم وفضائح أعمالهم وقبائح آثارهم وفضل التبري منهم ولعنهم»، وأضاف نقلاً عن البصائر: أن الاثنين «ماتا والله كافرين مشركين بالله العظيم» ووضع رأس الصفحة في كل من هذه الصفحات تحت عنوان مشابه هو «كفر الثلاثة وفضل لعنهم». ولئن كنّا تسامحنا مع الشيخ المجلسي في ما سمّاه (مطاعن أبي بكر)، و (مثالب عمر وعثمان)، أي أخطاؤهم، وكل الناس خطاؤون بطبيعة الحال، فإنه من غير المسموح به إطلاقاً تكفير الجماعة ولعنهم واتهامهم بالشرك، وهم الذين أيّدهم الإمام عليّ (عليه السلام) ولم يكفّرهم ولم يلعنهم رغم تسجيل بعض الأخطاء عليهم، ومحاسبتهم على بعض الممارسات إبان فترة حكمهم ومسيرتهم، وخاصة الخليفة الثالث، وما جرّته مجاراته ومداراته لأبناء عشيرته وانحيازه لهم من جريرة أو جرائر على مستقبل الإسلام والمسلمين. راجع كذلك مستدرك الوسائل للشيخ النوري الطبرسي 1: 342.
(11) بحار الأنوار 8: 208 ـ 252 من الطبعة الحجرية ص 878 عن كتاب (اُصول مذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية، للدكتور ناصر بن عبد الله القفاري).
(12) بحار الأنوار، المجلسي 4: 385.
(13) بحار الأنوار 25: 113؛ شرح اُصول الكافي، المازندراني 12: 410.
(14) مرآة العقول 4: 378.
(15) الخصال 1: 41؛ المحاسن: 224؛ بحار الأنوار 27: 167، 168.
(16) اُصول الكافي 1: 437، ح 3.
(17) بحار الأنوار 27: 172.
(18) اُصول الكافي، الكليني 1: 143 ـ 144، ح4.
(19) اُصول الكافي 1: 437.

[الصفحة - 328]