البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

اندهاشات المسلمين المعاصرين، تحديات العقلنة وغواية المكننة

الباحث :  خليل احمد خليل
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  1
السنة :  السنة الاولى - خريف 2015 م / 1436 هـ
تاريخ إضافة البحث :  January / 11 / 2016
عدد زيارات البحث :  1438
اندهاشات المسلمين المعاصرين
تحديات العقلنة وغواية المكننة

خليل أحمد خليل [1]

تسعى هذه المقالة للبروفسور الدكتور خليل أحمد خليل إلى الإضاءة على أصلٍ تأسيسي من أصول الاستغراب المذموم الذي وقعت به شرائح واسعة من نخب العالمين العربي والإسلامي منذ نهاية القرن التاسع عشر، يعرض الكاتب إلى ظاهرة الدهشة التي عصفت بالعقل المسلم وهو يتلقى حداثة الغرب بجناحيها العقلي والتكنولوجي، ثم ليبين الأسباب التي أفضت إلى ذلك، والنتائج المعرفية والسوسيولوجية المترتبة عليها.
«المحرر»

وصف هيغل الإسلام بأنه «ثورة الشرق».[2] وفي أيامنا الحاضرة وصف تييري كوفيل ثورة 1979 المسلمة في إيران بأنها «ثورة خفيّة»[3] بمعنى أنها ستكون ذات تأثيرات زلزالية في إيران ومحيطها أشدَّ وأعمق مما كان للثورة الفرنسية (1789) في أوروبا وعالمها. ومن المفيد التشديد تكراراً على أن الإسلام القرآني، عقلٌ أرفع يدعو إلى إعمال العقل في كل أمر، فهو كلام الله الرابط بالوحي الهابط بين القدسي والمقدّس، والرابط بالعلم الصاعد بين المقدس النبوي والمعصوم (المأموم) وبين الناس كافة. لكنه ليس، كما يُخال، كتاباً علميّاً متخصصاً، تفتح آياتُه بـ «سحْرٍ مستمر» كلَّ الأسماء (العلوم، في تأويلنا): وإن كان ينوي على «سِحْرٍ»، فهذا يُقال على معنى الاختراع، الابتكار والإدهاش المعرفي؛ لا على معنى الشعوذة و«النفْث في العُقَد» المنقود في القرآن ذاته ﭐﵛﭐﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨﵚ[4].
في عصرنا تبّنى عبد الله العلايلي (1914ـ1996): «توسيع هوية الإنسان وتضييق هوة الأديان» [5] بنقد الخطإ بالعقل العلمي: «ليس محافظةً التقليدُ مع الخطإ؛ وليس خروجاً التصحيحُ الذي يُحقق المعرفة». لقد أدرك باكراً «ما وراء هذا التنوع (في الإسلام) من القوة التوحيدية الناظمة لمعنى الأنسنة وقيم الإنسانية[...]: «الطائفية مولود غير شرعي من انزواج [زواج داخلي: Endogamie] طوطمي بين التعصب الديني والتصلّب الفقهي والتخشب الرؤيوي». وباسترجاع العرفاني الشهير نجم الدين كبرى (1145ـ1221م) القائل «الطرائق بعدد أنفاس الخلائق»، يعلن العلايلي أن الإسلام دين الإدهاش، أي دين الكشف أو الاكتشاف العلمي لكونه دين الفطرة والفكرة، وليس دين الدوغماتية (الوثوقية) والأيديولوجية (الفكروية) المأزومة.
نشأ جيلنا وتكوّن علميّاً على ثقافة القرآن؛ وحين هاجرت إلى فرنسا (1962ـ1968) في غُربة علمية أو استفهامية، استغربتُ، بداهةً، اهتمامَ الجامعات هناك بما أسموه «علم الإسلام» (Islamologie) الذي لا مثيل له حتى الآن في مدارسنا ومعاهدنا وحتى في جامعاتنا. وبعد الاستغراب جاءني إيحاء المستشرق روجيه آرنالدز (له: ابن حزم الأندلسي، وثلاثة رُسُل لإله واحد، معرب، بيروت) بدرس «التعليم الديني في لبنان»، فاعتنيت شخصيّاً بوجهه الإسلامي (واعتنى سواي بالوجه النصراني). في افتتاح أطروحتي (التعليم الديني الإسلامي في لبنان، دوره التربوي والاجتماعي والسياسي) وهي مخطوطة (صُور)، استشهدت بحديث نبوي «بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً، فطوبى للغرباء» وتساءلت من حينه حتى اليوم عما إذا كان العلماء الصراطيّون هم غرباء الإسلام؟ وسألتني ابنتي البكر، لينا: «من هُم الشيعةُ يا أبي»؟ وما انفك السؤال على محك العقل. خلصت إلى أن التعليم الديني الإسلامي، بالمعنى الدقيق، لا يشكل أكثر من 5% من تعليمنا الحديث، ولاحظتُ من تجارب المتدّينين أن «العبادات» لا تستغرق أكثر من ذلك الوقت، بالمقارنة مع «المعاملات»، فاكتشفت مغزى الحديث «معاملة الأبدان خير من معاملة الأديان» على معانٍ منها: إعمالُ الصدق في الإيمان حتى يصحّ وصف المسلم بأنه مؤمن، طالما أن الله هو المؤمِّن (Le Garant)؛ وإعمال العقل أوالعلم في استكشاف العالم المخلوق (المادة الحيّة بطاقاتها) واستثماره، لتحويل الطبيعة إلى ثقافة و/ أو حضارة؛ وتالياً، لا بدّ من توظيف العلم لتحصين الإيمان (وهذا خارج العقل العملي، طالما أنه ينمُّ، عندنا، عن سموّ الجسد إلى معنى الروح، وعن سموّ «أمر ربي» ـ الروح ـ إلى جسد حيّ، مُصَوَّر ومقوَّم في «أحسن تقويم»)، وفي حصن العقل صدى للروح، ولكن إن لم يُستعملْ فلسوف يصدأ... وقد يتحول التوحيد، بدون تجديد أنواعه، إلى توّحد (وهو مَرَض عُصَابي).
إلى ذلك، ميّزتُ خطأَ إعمال العقل العلمي (عند عتبة 5%) الذي يُصحَّح بنقد من العقل العلمي عينه، وأن هذا ـ إن لم يُصحَّح من خلال أطوار التكوين العلمي ـ فإنه آيلٌ لا محالة إلى خَلَلٍ، ثم إلى شرْخ في المدار الحضاري والأنظمة السياسية؛ ورأيتُ أن الذنب (أو الخطيئة) بالمعنى الإسلامي لا يُصحَّح إلا بوعي روحي، بإصلاح السلوك، وخصوصاً بالتوبة والمغفرة والرحمة. ثم أدركت خطورة التخليط العقلي بين التكوين العلمي للمسلم وبين تكوّنه الإيماني، الناشئ عن إعمال العلم التقني في مجال الإيمان الديني، أو بالعكس،ما يعني طغيان آليات (ميكانيزمات) التكنولوجيات على قيم إيديولوجيات الهُوية، وتالياً تضييق الهُوية الإنسانية، لصالح ما يُسمَّى حالياًّ الإنسان الكوانتي (Homo Qunticus)، المجزّإ فيزيائيّاً بلا ميتافيزيقا روحيّة، أو ما يسمى «القرآن الصاعد»، من الإنسان إلى الله بالدعاء والصلاة والتأمل الكشفي (Extatique). وخلصت إلى ان سِحْر الآلات لا يرقى إلى إدهاش الإسلام، الغريب، هنا، بمعنى هجرة المسلمين المؤمنين، المتعلمين وغير المتعلمين، في فضاء المعرفة الإلهية. وتساءلتُ: هل «الهُجرة في الله» غُربة؟
2ـ الأطوارُ و «لقاءُ الله»
* المسلم مهدوف، بكليتّه، عن «قوسِ السماء» أي أن هدفه الأخير من هجرته أو رحلته العقلية الروحية هو «لقاءُ الله»، رؤيته، معرفته، أي العودة بالنفس المطمئنة إلى السكينة الإلهية (روح القدس، قرآنيّاً؛ و«ذرّة الله» فيزيائيّاً). لكنه، عليه أن يعملَ لدنياه كأنه «اشتغال أبدي»، أي كعقلٍ دائم، يُمارس التكنولوجيا في مجال، والأيديولوجيا في مجال آخر، بدعوى أن التكنولوجيا قمينةٌ بحفظ الأيديولوجيا، وإنما بلا عكس (كما يحدثُ في فتاوى مضادة لعقل القرآن وعقلانية المسلمين)[6].
يؤشّر القرآن على عقل التطوُّر واتجاهاته بالمعاني الاسلامية: الأطوار هي حالات مختلفة (Phases) (71/4)؛ وهي تحولات متعاقبة/متراكبة
(Etapes، Transformations successivers).
*ﭐﭐ الانشقاق: ١٩ ـ الطبق هنا بمعنى الحال: من طبق إلى طبق، من حال إلى حال، أي أن الحياة تطوُّر، تحوُّل أو تغيّر، وكلما تغيّرت الحال، لا بد من إعمال العقل لاستكشاف المحال[7]، وإلاّ أطبق الجهل على نُور العلم (نور الله والعقل)، وساد التوهّمُ بأن «الحال من المُحال». هنا يبرز المُدَّعُون «فقهاءُ المحال» كمزوّرين أو ملفّقين لمفاهيم الأطوار ولفلسفة التطور، يدّعون أن «الأحوال متطابقة» وينبغي تكرارها، إذْ هي بنظرهم المُعِتم «أطوار متساوقة»، «متوازية» بلا قطع معرفي. وهذا من ثقافة الظلام أو الجهل، وليس من ثقافة النور (الله نور العالم)[8]، أو العلم المبين، المقوّي للإيمان وقيمه.
والحال، ما هي فلسفة الأطوار؟ وهل هناك مفهوم إسلامي خاص للتطوّر؟
ينبّه القرآن إلى أن الله يخاطبُ عقل الإنسان وهو مضغة في رحم، وأنه يرّكبه في أي صورة شاء ـ وهذه بنظر هنري كوربان صورة داخلية(Imaginal) وليست صورة خارجية (Imaginaire)، كما في تخيل ملاكين على كتفي طفل أو سواه[9]، وعندنا أن الصورة (Imago) هي بُنية مقدمة على هيئة ظاهرة خفية (منزلة، درجة، رتبة أو مرتبة...)، وأن منها معنى الصيرورة (Devenir) أي التحول من صورة إلى صورة أخرى، أي من عصر إلى آخر ﭐ العصر: ١ ـ ٢.
بمعنى ما أنه يخسر إذا انحجب بعقله عن تحولات عصره، وهرب منها هنالك حيث ينبغي عليه أن يواجه تحدياتها ـ وإلا «فالويل لمن صار غدُه مثل أمسه»، طالما أن «أجمل التاريخ ما كان غداً» [10] وكانت تقوده «نخبة الغد».
قرآنيّاً، الله هو الصّوّار، المُصوِّر، الخالق، البارئ، الفاطر..(59/24). (3/6) (3/64؛ 40/64 و82/8). يبقى أن نشدِّد على أن الصَّوَّار هو الذي يُجيب إذا دُعي. وهذا من الإيمان، لا من العلم السحري أو التقني.
تطوّريّاً، الإنسان هو المُصوَّر في بَدَنٍ، جسد أو جسم، ولكنه مُصوَّر على أطوار، أبرزها:
Iـ طور الحَيْوَنة:
الحياوة (Biologie) بمعنى أنه خالَ نفسَه جسداً آكلاً، حيواناً ـ حيّاً (Vivant)، يتماهى بما يأكل، ويتخوف مما يقتله أو يأكله، بدوره، من حيوان مُفترس (Prédateur). فهو «حيّ» ولكنه ليس، بعد، «ابن يقظان» في وعيه، أي أنه لم يعِ نفساً، روحاً، عقلاً مدبِّراً لجسده، كما سيحدث له في طور لاحق، حسب جدلية الأكوار والأدوار (Cycles et Ryhmes) والطوطميَّات.
IIـ طور الروحنة:
روحانية الجسد أو المادة، حين اكتشف الإنسان ان لجسده نفساً / روحاً / عقلاً يقوده، كأنه «النار» الخفية أو الطاقة التي تقود كل شيء (هيراقليطس، مأثورات Fragments)، ولكن بمقاربة قوامها أن الحيوان أو الكائن الناطق (Parlêtre) يموت بجسده ويحيا (بلا موت) بنفسه، فصار يقال إن الانسان جسد وروح (أو نفس، أو ذات، أو عقل Logos)، منه نشأ العلاج بالقول أو الكلمة (Logothérapie)، فتماهى الانسان بصورتين متعاكستين: صورة الله (فيه) على ما يشبه الألهنة (Divinisation)، أو صورة الشيطان (المنعكسة عليه من عتمة لا وعيه)، على ما يشبه الشيطنة (Diabolisation)ـ ألهنة الذات أو الغير، وشيطنة الغير أو الذات. المفيد أنه في هذا الطور المستمر جرى اكتشاف الموت نقيضاً للحياة؛ وفيه ظهرت ديانات البقاء، ومنها ديانات الخلاص (من الموت) والتوحيدـ وختامها الإسلام القرآني، أي حدُّها الميتاتاريخي في تطور التاريخ الإنساني (الطوطمية، الأرواحية، اليهودية، النصرانية، الإسلام، را. يوسف شلحت، بنى المقدس عند العرب، تعريبنا). لاحقاً، سيرمز صدر المتألهين [11] إلى «ذبح الموت»، تأويلا لأمر الله بافتداء إسماعيل (سامع الله) «بكبش عظيم»، ولكن في القيامة، سيأمر الله بـ «ذبح الموت» كفكرة، افتداء للجنس المخلوق (هنا جنس في تأويلنا ينطوي على مجازين الجنّ والإنس، أي الكائن الخفي والمتجسد معاً. المفيد أكثر هو اكتشاف الانسان لتلازم جسده وروحه وماعونه معاً.
IIIـ طور الماعون
* يُنبه القرآن (سورة الماعون) إلى ضرورات الحياة (Les Choses Nécessaires)، أي كل ما يعين الإنسان، جسداً وروحاً، على البقاء حيّاً، فوّاراً، متألقاً في دنياه. والماعون، بتأويلنا، يعادل مفهوم تقنة (Techmé) في الحكمة اليونانية؛ ولكنْ لم يطوِّر المسلمون هذا اللفظ إلى «ماعونية» أو تكنولوجيا ـ على ما نعلم؛ بل ذهب بعضهم إلى تزوير معنى الآلة المستعان بها (Mécanique) واعتبارها من فنون الحِيل أو السحر، فآثروا سِحْر الألفاظ على ضرورة الآلات، واعتبروا «علم الكلام» فوق علم المكْزَمان [12] مُغَلِّبين «معاملة الأديان» اللفظية على «معاملة الأبدان» الماعونية. وهكذا، جرى أخذ عقل الدين إلى السحر اللفظي، فيما هو مدعوٌّ، قرآنياًّ، إلى عقل العلم الماعوني أو التقني. وهكذا، أيضاً، اختصروا الإنسان إلى جسد وروح (مع أنه لا جسد بلا روح أو عقل مدبِّرٍ، ولا روح مدبِّراً بلا جسد يأكل ويلبس ويستعين بآلات عصره)، إلى أن أعلن مونتاني [13] أن الإنسان، الكائن الحيواني، هو «جسد ونفْس ولباس»، ورأى أن على الإنسان أن يمارس «فن الحياة» بحكمة حصيفة مستوحاة من الفطرة والتسامح.
IVـ طور الأنسنة
* في الأطوار السابقة بدا الإنسان وحشاً آكلاً، قاتلاً (Homicide)، عارياً (را. كلود ليفي ـ ستروس (L’Homme Nu، Paris، Plon 1970)، لابساً، وماهراً (HomoHabilis). وهذه الأطوار السابقة لطور الروحنة، ثم الأنسنة، تساوقت عند بعض الشعوب، وتعاقبت عند شعوب أخرى ـ كان المسلمون منها لمرحلة، ثم التبس عليهم مجرى التطور (التكوير) القرآني، وخلطوا مشاهد الآخرة بمشهد دنياهم (را. ابن ميمون، دلالة الحائرين، بيروت، دار الجمل، 2012) و(قارنْ تفسيره (Zohaî) بمفهوم الهداية إلى الصراط المستقيم). وإنما في هذا الطور من ألهنة القيم الإنسانية نزل القرآن للفصلِ بين التوحيد أو الإخلاص لله وبين الشرك، وذلك بتأسيس «دين جديد» يشكّل ثورةً في عالم الإنسانية القديمة. فصارت أفعال الإنسان تُعزى إلى تدبير عقله ولكن بأمرٍ حاضر ودائم من ربه. وكان ماعون العصْرِ في مكة والمدينة وفي محيطاتهما يقوم على الاستعانة بالحيوان / الآلة الناقلة والغاذية معاً / وببعض الأدوات الحربية (السيف، الرمح، القوس والسهم الخ) والزراعية، الرعوية... الحاصل أنَّ الشعوب التي تملك وسائل نقل أسرع (الخيل والإبل) ووسائل قتال أفعل مع عديد من المقاتلين، ستكون هي الأقدر على ممارسة الغزو أو الفتح، وتالياً الأقوى على تجميع الثروات أو الأموال (الغنائم أو الأنفال، ثم الصدقات والزكوات أو الضرائب)، لتكوين اقتصاد ريعي و «جنين دولة» في مدينة رسول الله. وبما أن التلابس مستمر بين قيم الله وخلقه وقيم الإنسان وماعونه، فإنه الإنسان نفسه أشكل على الإنسان، حتى تكونت «كبكوبة عُقَد» في لاوعي الجماعات، وقام وعيُ الوحي النبوي (والإمامي) بمحاولات كدْحِيّة «علمية» تعليمية، لفكِّها بتشريعات مستفادة من أدب القرآن والرسول (مدينة العلم) وبابها (عليّ) كما جاء في حديث. وبالعودة إلى «جدلية القرآن» (1973) ألاحظ مجَّدداً أن القرآن حاول عقلنة الإنسان بأنسنة سلوكه، المعزوّ لأمر إلهي، ورأيت أن أسلمة السلوك الإنساني تقوم على قُطبين، الله والإنسان، بمعنى أن إبليس أو الشيطان ليس شخصاً مركزيّاً مقابل الإنسان المسلم / المؤمن (أي الذي يعقل إسلامه بوعي وفهم)، وبمعنى ان عالم الغيب هو فوق علم الإنسان ـ وإن كدحَ إلى ربّه كدحاً للقائهـ، فيما عالم الطبيعة أو الشهادة (عالم الأبدان) هو في متناول الباحثين عن الحقائق التاريخية، فيما الحقائق الاعتقادية، الميتاتاريخية هي حقائق ميتاعقلية أو ميتاعلمية. هذا الفصل، في طور الأنسنة، أسّس للفصل بين علم الله وعلم الإنسان، ولا واصل بينهما إلا بوحي. ولكن في تاريخية المسلمين، جرى الخلط بين العادات والعبادات، بين المهجة (Habitus) والبهجة (lexus)، فكانت تشابكات بين ألهنة القيم وأنسنتها، وكانت اندهاشات عند معظم المسلمين، ما زالت تَتْرى حتى عصرنا.
Vـ طور المكننة
نقصد بالمكننة تحويل التقنية الماعونية التقليدية إلى صناعة آلية، إلى نظام آلي، جعل شعوب العالم، منذ القرن الثامن عشر، تنشرخ حضاريّاً إلى شعوب بلا آلات متقنة (HD) وشعوب ذوات آلات متقنة، بحيث إن الإنسان العالِم /العالم (HSS) الذي ظهر منذ مليوني سنة، ككائن أعلى يجدد حياته ويمدّدها بعلم تقني محدود. الواقع أن الغزو التقني للعالم بدأ منذ 1492 ـ تاريخ غزو أوروبا لأميركا وطرد آخر عربي مسلم أو يهودي أو نصراني من غرناطة ـ وأنه اتخذ أشكال استعمار تقليدي، استيطاني وامبراطوري في كل حال، خصوصاً في آسيا وأفريقيا حيث عالم المسلمين أو المدار الحضاري العربي ـ الإسلامي [14].
إن المكننة مكنّت بلداناً أوروبية صغيرة أو صُغرى (البرتغال هولندا) إلى جانب بلدان أمبراطورّية كبرى (بريطانيا، فرنسا، إيطاليا...) من الهيمنة بالعلم التقني على ساحات هائلة من بلدان شعوب بلا آلات حديثة، وإن عالم المسلمين كان في ظل العثمانيين عُرضة لأخطار طور المكننة أو «الثورة العلمية» في الغرب (أو المغارب)، وغزواتها لأجزاء من أمبراطورية «الرجل المريض» (مصر، الجزائر، تونس، المغرب، فلسطين، لبنان، سورية، العراق، الخليج، السودان الخ) [15]. وبعد وفاة «الرجل المريض» هذا، صار عالم العرب والمسلمين ضحية كبرى للمكننة، بقدر ما باتتْ أنسنةُ قيمه وروحنة أخلاقياته (عاداته وعباداته) أو أسلمة حضارته وثقافاته. أما سؤال عصرنا: «لماذا تأخر المسلمون وتقدم الأوروبيون؟» فلا يزال حتى اليوم في مهبِّ الكدْح العلمي؛ وهنا مساهمة متواضعة في الإجابة الفلسفية العلمية.
3ـ الأيديولوجيا والتكنولوجيا: تلازم التدبير وتساوق الأطوار
أ) قراءتان وأصلان
Iـ قرأ المسلمون عموماً ما حدث في الغرب من «ثورة حداثية» امتدت منذ 1750 حتى 1970، على أنه مرحلة استعمارية ـ وهو كذلك ـ لكنه كان أكثر من ذلك، بنظر صانعيه ومُروِّجِيه. فكان على المسلمين أن يقاوموا ذلك الاستعمار بما لديهم من أيديولوجيا الهوية العظمى (Mégaidentité)، وتحديدا بالإسلام ولغاتهم القومية، مقابل ما لديه من تكنولوجيات الامبراطوريات الكبرى. وهكذا، وُضِعت الأيديولوجيا مقابل التكنولوجيا، بقدر ما رفض المسلمون ما ادّعاه ابن خلدون(المقدمة) من «تماهي المغلوب مع الغالب»، فجعلوا عيونهم في مواجهة «المخارز» ومانعوا وقاوموا وقدموا ملايين القتلى/ الشهداء. رأى المسلمون أن ذلك «الغرب» المستكبر هو «حرب على الإسلام» ـ خلافاً لما ادعاه أوليفيه كاري في كتابه «الإسلام حرب على الغرب» [16] ـ وأن حفظ الإسلام (حفظ الدين) هو واجب ديني مقدس، فوق حفظ الأبدان أو الأوطان، فقدموا مهجة البقاء الهويتي، الموروثة من طور الألهنة، على متعة «العيش ولو تحت حافر حمار»ـ كما جاء في ثقافة الحال العربية ـ الموروثة من طور الحيونة. إلا أن ما حدث، هو ان الغرب (أو المغارب، مقابل الشرق أو المشارق، قرآنيّاً) دأب على اعتماد «الهيمنة على العالم بعلم»، وهو يخال أنه يُعَصْرِن أو يُحَدْثِن مدارات حضارية أخرى، يسودها مبدأ «الهيمنة على العالم بوهم أي بأيديولوجيا»، مراهنا على غلبة التكنولوجيا في أرض الإسلام (تجربة «إسرائيل» في فلسطين، كدولة نووية، متفوقة تكنولوجيّاً على محيطها المسلح بالأيديولوجيا الإسلامية المُمانعة والمقاومة). وبطبيعة الحال، مازالت الرهانات الكبرى مفتوحةً، وانتصارات المتغالبين في الأفق الأعلى».
IIـ بعد 1970، وعولمـة «الامبراطوريـة الأميركية»، قرأ المسلمون ما بعد الحداثة (ما فوق الحداثـة، بتعريب محمد أركـون، فيلسوف التفكيـك الإسلامي (باريس 1928ـ2010) بتأويل ميتاعقلي: Post ـ modernisme= Métaـmodernisme) بمنظار ما بعد الاستعمار؛ لكنهم رأوا بعين الواقع كيف ينطوي هذا الطور من عولمة الاستثمار (أو التجارة الحرّة) على الشكل الجديد للاستعمار التقني، التكنولوجي(مع ظهور نظرية الإنسان الكوانتي في الفيزياء، المقرونة بسؤال إيديولوجي خطير على الهوية الدينية: «هل للإنسان نَفْس؟» المتهدِّد مداورةً لروح الإسلام، ومباشرة لأرض المسلمين. هذه الحال، جعلت المنصف المرزوقي يميز الاستعمار الخارجي (الاحتلال) من الاستعمار الداخلي (احتلال الروح) [17]، أو ما عُرف بمسميات أيديولوجية أخرى: الاستعمار والاستحمار.
لكن ما أصل هذا الانفراق بين الأيديولوجي والتكنولوجي؟
نخاله مأصولاً على فرعين، من أصل واحد (السحر) ختم عليه القرآن بخاتم الإسلام معلناً الدّين القيّم، فوق السحر والشعر والكهانة، ومشدداً على الأنسنة بالعقلنة أو الروحنة (أمر الله وعقل الإنسان). فمن ذلك الأصل السحري المشترك، انفرق العلمُ والوهمُ، الدين والخرافة، إنما ذلك «السحر المستمرّ» كان على طوقين أو طاقتين (Deux énergies، 2sources) أو مصدرين للدين والأخلاق (رأ.هـ. برغسون)؛ دعا القرآنُ إلى إعمال أحدهما (قوة العقل) والى نبذ ثانيهما (قوة اللاعقل، الخيال أو الجنون). مع ذلك، استمر تشابك السحري والديني، ليس عند المسلمين فحسب، بل أيضاً عند معظم سكان الكوكب الأزرق: 10.000 جماعة إثنية، 6000 لغة، 4000 ثقافة (را. Larouse،2014). يشكل المسلمون اليوم أقل من ربع سكان العالم، لكن على مساحات هائلة، وبدول تعادل ثلث دول الأمم المتحدة. وهم بذلك مشروع لأكبر امبراطورية محتملة في عصور مقبلة، وهي مؤجلة طالما أن الأيديولوجيات المسلمة (نعني عقائد المسلمين التاريخية، السياسية) لا تتحصن في إيديولوجية إسلامية (قرآنية) موحدة، ما جعلها «حصنَ أصداء» لتغالب التكنولوجيا والأيديولوجيا في مسرح العولمة، بكل قُواه ودُماه. يفتقر عالم المسلمين إلى الصوت الموحد، «الصوت الخلاق الذي يوقظ العالم» ـ كما خاله الشاعر الألماني هولدرلين (1770ـ 1843) وهو يرقى بالمقدس نحو الغنائية الرومانسية.
المؤسف هو أن القفا الأيديولوجي للسحر طغى عند معظم المسلمين على وجهه التكنولوجي، فأعملوا عقولهم في مجالات الإيهام السحري أو الاستبهام الميتاتاريخي، وأهملوا ـ بل أسقط بعضُهم ـ تدبير العقل، حتى خالوا «دينهم» سحراً، وتداولوه بسذاجة كعملة زائفة، بوعي زائف، متغرب عن أصله العقلي، ومستغرب مما يحدث حوله من ثورات علمية ـ تكنولوجية، فلا يحظى منها إلا بأصداء يحاكيها، بعدما كان «الطائر المحكي» في دينه وحضوره الحضاري، ولو شعراً (المتنبي، مثلاً). فهل جاءهم «صوت خلاّق» من الشرق (إيران) كما توقع كمال جنبلاط «تسمعون خفق النعال آتيا من الشرق» [18]، واكتشفه ميشيل فوكو [19] حين زار إيران وأدرك لغز «ثورتها الخفية» التي حولت قوة الجماهير الايديولوجية، إلى طاقة ثورية، ستسعى إلى صون الايديولوجيا أو الهوية الكبرى بالتكنولوجيا؟
ـ لئن جاء القرآن الهابط، وحياً، من الأعلى إلى الأدنى، فاصلاً الإيمان عن السحر عند بعض الشعوب، فإن العلم الوحياني سيكون بمثابة «قرآن صاعد» من اختبار العقل للموجودات والكائنات على مدى تحولاتها وأطوارها، ومنفصل بدوره عن السحر اللفظي، أو الوعي الزائف، فمُركِّزٍ أكثر فأكثر على تقنيات السحر المادية، إلى أن حصل سحر التكنولوجيا، تارة خادماً للإيمان (الكنيسة والعلوم الحديثة) وتارة مستقلاًّ عن كل دين أو إيمان، محايداً، صالحاً لكل الاستعمالات (الدينية وغير الدينية،وحتى المعادية للأديان). فماذا حصل في المدار الحضاري العربي ـ الإسلامي؟
ب) تلازم التدبير وتساوق الأطوار
ما حصل هو أن الفتح القرآني كان فتحاً عقليّاً، معزَّزاً بفتوحات إلهية/إنسانية، إيمانية/عقلانية، هدفها الأخير إعلام الناس كافة بأن إلهَهم واحد، وتالياً، أن عقلهم المدبِّر لا بد له من أن يتوحد حول فكرة مركزية كبرى ومطلقة: تأسيس دين. فتوسلوا ما توافر لهم من ماعون عصرهم (حيوانات مدجّنة، أدوات وآلات معيشة وقتال)، وبذلك اقترن جواد العقل الإسلامي بجواد العقل الماعوني (التقني) وأنتج اقترانُهما تدبيراً تطوريّاً، متلازماً مع تساوق الأطوار. للمثال، سنذكر هنا رواية جاك ريسلر، الأكاديمي السويسري (الحائز على جائزة الأكاديمية الفرنسية) عن تدبير الفتح: «حين وصل فاتحون مسلمون إلى مشارف سمرقند، وعسكروا خارجها كعادتهم، خرج إليهم أعيان سمرقند، عارضين عليهم ما كان يسحرهم من زخارف ذلك العصر ـ أموال، جواهر، نساء، وغلال أخرى ـ فما كان من قائد الحملة إلا أن طلب منهم تزويده بكميات من الورق السمرقندي المشهور، لإرساله إلى علماء الإسلام في حواضرهم. وخلص أهل سمرقند إلى أنهم يواجهون، هناك وآنذاك، فاتحين رساليين، مرشحين لحكم العالم بالإيمان وبالعلم معاً».(الحضارة العربية.م.س؛ للمزيد/ را. خليل، التراث العربي من التراب إلى ناطحات السحاب، بيروت، م.ث.ف. 2011). وعليه، قامت حضارة عربية ـ مسلمة (أي صنعها مسلمون) وإسلامية (بقوة الإسلام وتدبيره العقلي)، وتعاقبت أطوار «الامبراطوريات» على إيقاع سلالات متغالبة (بعد مقتل الإمام علي، وهو أول عقل مدبِّر يُغتال في الإسلام الخليفي، على خلفية فتنة كبرى) جعلت مراكزَ الحضارة تنتقل بموجب تغيّر السلالات، لا بمقتضى تدبير سياسي عقلاني متساوق مع الأطوار: دمشق وغلبة الأمويين بالدم؛ بغداد (نيويورك العصر) وغلبة العباسيين بالانقلاب على أبناء عمومتهم الطالبيّين/ العلويين، وغلبة الفاطميين بالدعوة الجديدة وبالعنوة وإنشاء القاهرة بكل مرتكزاتها الدينية والعلمية (الأزهر، دار العلوم والحكمة...) إلى أن نبا سيف العقل وكبا جواد العلم، لصالح الانكسار التطوري في مساقات النُّظُم المسلمة. فهل تعب حقا جواد العقل الاسلامي، وأخذ يرتاح على «مدائن» لا عاصم لها من أدائها سوى الديِّن؟ والتكنولوجيا؟ الواقع أن استراحة العقل الاسلامي المجاهد قد طالت كثيراً، وتمادت في انحطاطاتها وانحلالاتها، حتى فقد المسلمون مفهوم التطور ذاته، وتحديداً معنى التقدم، والتبس على عقلياتهم الفرق بين التأخر والتجدد ـ إلى ان قام بينهم من دعا إلى اسقاط التدبير (ابن الصلاح الشهرزوري، الإسكندري...) مدّعيا أن «إسقاط العقل» هو «ميزان العقل» أو عينه؛ وعمت الفوضى وانتشرت حَوْكَماتُ اللاعقول أو حكومات الطغيان والاستبداد الثوريتية.
إلى ذلك، شاع وباء الجهل، العدو الاول للعلم؛ فصار يقدم التقليد، بلا تدبير تساوقي للتطور، كأنه هو التجديد بعينه، الحافظ لبيضة الإسلام بالعودة إلى أبجد الدين، أي الآباء والجدود. فكانت العاقبة حتى عصرنا: خروج أكثر المسلمين من عصرهم بقوة الجهالة والتجهيل، هناك حيث يلزم العلم والتعليم (معدل الأمية نحو 70% في عالم المسلمين الراهن)، ومحاربة المتعلمين منهم، أكانوا علماء دين أو علماء دنيا أو الإثنين معاً ـ ما جعل القرآن كتابا أو مصحفاً يُعاذ به على رفّ الذاكرة الهذائية، ولا يستفاد منه في رسالتيه: دعوة الناس إلى إله واحد، ودعوة العقول إلى الاستنارة والتنوير، بدلاً من هذا الاستغراب الطفولي. بدون هاتين الدعوتين معاً، تنكسر سلسلة التطور الحضاري، وإن تعاقبت أجيال (أكثر من 50 جيلاً منذ انتصار الإسلام المحمدي في المدينة، 630م، حتى اليوم)، وتجددت تكنولوجيات، وتغيرت معالم كوكبنا... وبدلاً من تجديد الحضارة المسلمة، حضارة المسلمين، بالثبات على الايمان التوحيدي وبالسحر أو الإبداع التكنولوجي، جرى التمديد لانحطاط التدبير، أولاً باستعارة عقول أمم متقدمة تكنولوجيّاً؛ ثانيا باستثمار عقول المسلمين في أدلجة ألفاظ (منها فتاوى الترهات، على أكثر من 700 قناة فضائية، لتحريض المسلمين على الفتنة (الهَرَج والمَرَج) بتكفيرهم لبعضهم تمهيداً لتعنيفهم واقتتالهم، أي لتدمير الإسلام من داخله)، بدلاً من اعتماد المكننة كوسيلة فعالة للتمكّن من الهيمنة على عالم المسلمين بعلومهم هم، لا بعلوم سواهم، والحال، حين لم يعد الإبداع العقلي يجمع المسلمين المعاصرين، أخذ الاستتباع التكنولوجي يفرّقهم، متأسراً «عقولهم» كبراكين مطفأة، مستلحقاً بلدانهم ومواردهم وثرواتهم بالعقل العلمي المعولم غرباً (هنا روسيا، الصين، اليابان... غرب أيضاً). فما حيلة «عقل أسير»، «مستقيل» من الإعمال التطوري، أمام عقلٍ حرٍّ، سيّدٍ في مجاله وعالمه؟
ج) «الثورة الخفّية»
بالعودة إلى أطروحة كوفيل عن «الثورة الخفية» نستغرب كيف أن مسارات الثورة الإيرانية لم تُقرأ عند المسلمين العلماء وكأنها ثورة في ثورة الإسلام (العقلي) والمسلمين المعاصرين (المُستعَمرين من الداخل والخارج معاً)، بل قُرِئَت في استيهام الأيديولوجيات الغربية، الاستعمارية الاستثمارية بلا هوادة، وعُكِست في مرايا الإعلام السياسي العربي أو المسلم، كما لو أنها «ثورة مذهبية» (شيعية) مضادة للسنية المهيمنة على المشهد الآفرو ـ آسيوي لعوالم المسلمين المستلحقة بأكابر المستكبرين الامبراطوريين (الإمبرياليين، في المصطلح الماركسي ـ اللينيني)، وفوق ذلك، صنفت أيديولوجيّاً على أنها «فارسية» معادية للعروبة أو الجامعة العربية (Panarabisme)، فكانت حرب الغرب (صدام وحكام الخليج، بتأييد من أميركا وإسرائيل) على الثورة الخفية، مقترنة بحرب تكفيرية، تدّعي أن المسلمين الشيعة يشكلون «ديانة مستقلة» (را.هـ. جعيط، الفتنة، م.س.، وم.ع. الجابري، تكوين العقل العربي، أعمال، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، وهفوة «العقل المستقيل»)، وأن عقلهم مأسور، مقال أومستقيل من صنع التاريخي... وعندنا أن هذا الإرهاب الإعلامي المؤدلج بفتاوى وكاريكاتورات وافتراءات هو الذي أسس لهذه «الحروب التي تخاض باسم «اللاعقل: ضد العقل في الإسلام، ضد اقتران الإيمان بالعلم، وترابط الأيديولوجيا الدينية بالتكنولوجيا المستقلة. في ثورتها الخفية، كما في «الحروب» المفروضة على إيران، أدركت الجمهورية الإسلامية أهمية إرصان العقيدة وتحصينها بعلوم العصر. فثّمرت في محيطها، كما في داخلها، وحددت «أميركا وإسرائيل»: كعدوّين محرِّكين للصراع على الشرق الأوسط، وعملت على عقلنة السياسة، رغم مخاطر الرهانات على مستقبل المسلمين المنشطرين بين ضفتي الإسلام (السنة والشيعة) وغير المتنبهين إلى أن «نهر الدم» المراق على الأيديولوجيات السحرية السياسية، المستقلة بوهم فتاوى تُرَّهية (را. خليل، جدليات الفتاوى والسلطة، بيروت، دار الطليعة، 2014).
إن الجمهورية الإسلامية، المقامة على تدبير العقل وتساوق الأطوار، هي المستهدفة، المهدوفة عن أقواس الحروب الراهنة ونشّاباتها (أفغانستان، العراق، سورية، اليمن، الصومال، ليبيا... بعيدا من المستعمرة النووية «الإسرائيلية» المقامة غربيّاً في فلسطين) وليست التسمية هي المستهدفة (فجمهورية موريتانيا الإسلامية، مثلاً، لا تدخل في حُسبان الصراع التطوري؛ ومشروع تسمية اتحاد ليبيا وتونس (جمهورية إسلامية)، أيام بورقيبة والقذافي، ليس هو الذي أجهض الوحدة هناك). ما حدث منذ 1979 في إيران حتى اليوم، هو التخويف الأيديولوجي من تكنولوجيا الثورة العلميّة المسلمة، واعتبار طهران، هذه الهضبة الحضارية التي أسهمت مع العرب وسواهم في تكوين الحضارة المسلمة، بمثابة النواة المركزية الصلبة لقيام امبراطورية إسلامية متجددة، قوة عظمى لهوية عليا، ببنية عملاقة، لا مذهبية، لا سنية ولا شيعية، لا غربية ولا شرقية، مستقلة بقدر ما هي مستقيلة أو متحررة من الأسر الدوغماتيكي في الداخل، ومن الأسر التكنولوجي في الخارج. إن إنصاف ثورة العقل الجمهوري لن يأتي، إذن، من خارج الصراع التاريخي، مهما حاول اللاعقل الميتاتاريخي توشيم الواقع بأوشام تُرَّهيّة لا تَثبت أمام ثورة إيران التكنولوجية،التي كسبت حتى الآن حقها في البقاء كقوة نواتية (نووي) لثورات شعوب المسلمين على ما يفرض فوقهم من حكام طغاة ـ يعطلون ويؤجلون بالأموال مسارات التطور التي لا ترد في آخر المآل. هنا نلفت إلى أن ثورات الأمم الكبرى، كالأمم المسلمة (ومنها العربية والإيرانية والتركيّة...) تستغرق عقودا، بل قروناً، وكي تكمل دورات «ثورتها الخفية» ـ الإيمان مع العلم التكنولوجي، أو ثبات القرآن ومتغيرات المكزمان.
4ـ قوة التطور الخلاّق
تشي خرافة «الفوضى الخلاّقة» بما يستبطن عقلُ الغرب التكنولوجي من مشاريع لتدمير نُوى التقدم لدى أمم ـ منها الأمم المسلمة أو الأمة الاسلامية ـ كانت حتى عهد قريب خارج المدار الحضاري العلمي ـ التقني، أي أنها كانت تحفظ أنسنتها وقيمها بقوة الوهم، لا بقوة العلم (انظر، خليل، عقل العلم وعقل الوهم، بيروت، دار الطليعة 2015، تحت الطبع)، فإذا بثورة جيل مسلم تنهض من الخفاء إلى العلن، وتشهر سلاح التقدم بقوة الإيمان والعلم التقني والإنساني معاً.
أ) تعاقب الأجيال
* كان ابن خلدون (المقدمة) في القرن الرابع عشر الميلادي قد أثار من زاوية (العمران) مسائل تعاقب الأجيال، ولكنه لم يعقب على بداوات عصره، وتالياً لم يكتشفْ ما أسميناه البدوقراطية (را. خليل،لماذا يخاف العرب الحداثة؟ م.س) فاكتفى بتقديم جيليٌ للتعاقب (انظر، سيار الجميل، المُجايلة، بيروت، المؤسسة العربية، 1998): جيل يبني، جيل يرث، وجيل يهدم ما ورث. وعندنا أن هذا التقويم قد ينطبق على المدار البدوي للتطور العربي، فيما كان تعاقب الأجيال على ضفاف أوروبا المتوسطية الجنوبية ينم عن تقدّمٍ ما في مسارات التطور (مولد الفرد، حرية العقل حوجيتو: أنا أفكرـ وفيديو: أنا أرى؛ تصنيع العلوم وتراكم النهضات، على ايقاع حروب استعمراية هائلة). لم يختلف ابنُ خلدون عن سابقيه ممن فقدوا مفهوم التقدم وتقلدوا المحافظة على التقليد» بلا تجديد أو نقد. فالأطوار، كما الأجيال، تحدث، بامتدادات وانقطاعات، بتعاقب قطعي أو بتساوق وتراكب (juxtaposition). حتى إن ابن خلدون خال ان الرياستين الدينية والعلمية لا تجتمعان لأحد عند العرب (بوهم عدم اجتماع سيفين في غمد واحد أو ذكرين على أنثى، هكذا!) وفاته الأنموذج المحمدي في المدينة (تأسيس دين وجنين دولة معاً)، فلم يلتفت إلى ما نسميه هنا «انقلاب السقيفة» باستبعاد علي، المرشح لمتابعة أنموذج أخيه وابن عمه ومثاله؛ ولم يقرأ في مشهد «يوم الدم» معنى رأس الحسين مقابل رأس السلطة... فرأى أن معاوية فقط، هو الذي قلب الخلافة مُلْكاً...
ما الجديد في خفاء الثورة الجمهورية المسلمة؟
* هو أن تعاقب الأجيال الذي أجّل وأحبط تحقق الأنموذج المحمدي /العلوي أو الصراطي (عند الامام الصادق الذي دعا الآباء إلى فك أبنائهم من أسر أبوتهم، وحذر من أن يكون غد الأبناء مثل أس الآباء والاكتفاء بتقليدٍ بلا تجديد. را. علي زيعور، الإمام الصادق، بيروت، منشورات عز الدين: 1992).
* هو أن الأجيال المتعاقبة، تاليها أفضل من سابقها، وأنها أجدى من أجيالٍ أولى، في تلبية دعوة أوامر «شديد القوى» الذي علم محمداً كيف يقوي الإسلام على مناوئيه، بقوة تكاثر المسلمين وانتشارهم في الأرض (جماهير مليونية أو مليارديرية في عصر الثورة المسلمة بتدبير العقول الدينية/العلمية معاً).
* هو أن التقدم ممكن في تسلسل الأطوار المتراكبة، المتوازية والمتقاطعة أيضاً.
ب) التطور الخلاٌّق
ـ يُعزى مصطلح التطور الخلاّق إلى هنري برغسون (باريس 1859ـ1941)، الفيلسوف الفرنسي اليهودي، الذي رفض اعتناق المسيحية وسواها، حتى لا يُقال: إنه تخلى عن أقلية مُضطَهدة في أوروبا لصالح أكثرية مهيمنة مع أنه بدا في أعماله الفلسفية، لا سيما كتابه «مصدرا الدين والأخلاق» مسيحيّاً أكثر منه يهوديّاً. وفي قراءتنا لهذا المفهوم من خلال «ثورة العقل المسلم» الخفية، نرى أن التطور الخلاّق في حكمة الخميني تجلى في الثبات على موقف قرآني صراطي وحيوي، قوامه «تهافت» أربعة عشر قرناً من البناء الامبراطوري الزائف، وابتناء أمبراطورية إسلامية، مؤجلة منذ السقيفة وصفين وكربلاء حتى عهد الشاه. هذا الفهم الجديد للتطور الخلاّق من أنه سد الطريق على مشاريع أميركا وإسرائيل في هذه المنطقة الحيوية جدّاً من العالم. وهذا بالتحديد ما جعلها ثورةً هادفة ومهدوفة في آن.
والحال/ ما هي وجهة مسارات تطورها اليوم، وغداً؟
ـ اليوم، ما بعد الاستعمار أو ما بعد الحداثة يجعل مسلمي «الأنظمة القلِقة» يغرقون في مستنقعات «حروب أهلية» لا بد من انتهائها بتسويات كبرى، كما هي حال ظاهرة الحرب في التاريخ؛ فيما مسلمو «الأنظمة القارة» نسبياً (الخليج، إيران، تركيا) يراهنون على تسويات أولى مع الغرب (5+1)، وقد تليها تسويات إقليمية ومحلية، لكن «بعد خراب المنطقة» وليس البصرة فقط، كما كان يُقال.
ـ وحدها البلدان المسلمة التي تقرن الايديولوجيا بالتكنولوجيا ستتمكنُ إذن من استدخال عقل العلم في السياسة، في انتظار «ثورة علمية» مصنوعة محليّاً، مستقلة في مصادرها وأهدافها الكبرى: التقدم مع التطور، فك الاشتباك بين الأطوار والأجيال، والانتقال من الاقتصاد الريعي (الإمارة تجارة) إلى الاقتصاد التكنولوجي (التدبير ماعون أو تقنيات).
ما يحدث في الشرق الأوسط من تدمير لبنى الحكم البدوقراطي، قد يستمر عوداً، ولكنه سيضع المسلمين في أفق البحث عن أنموذج سياسي مركب من الفدرالية المركزية والديموقراطية الشاملة (اقتصادية، اجتماعية، علمية وسياسية). وهنا دور خاص للنُخب العلمية الملتزمة التي تواكبُ تحولات الأمة المسلمة، في منعرجاتها ما فوق المذهبية، الطائفية، بعد انقلاب البنى البدوقراطية إلى بُنى بروتوديموقراطية، تمهيداً لقيام بنى ديموقراطية تقطع مع أطوار ما قبل الأنسنة، بعقلنة جديدة في تقنياتها ووسائل تداول السلطة داخل الجماعات المَعنيّة بالتغيّر [20].
أمبراطورية العقل: اختلال أم خطأ؟
* ليس لنا أن نحدد، منذ الآن، مآلات الحروب المندلعة «حرائق» في مكونات الأمم المسلمة، فهذا من شأن الايديولوجيا التي لا ترى اتجاهات التطور إلا بعينها الصقلوبية، العُوارية (هنا العين لا تعود كاميرا تصور الواقع ولا يعود الدماغ حاسوباً يخّزن الصور/الأفكار ويحللها، بل تبدو وكمرآة مشدخة، يُرَى فيها الأنا النرجسي، ولا يُرى الآخر، الموصوف عموماً بأنه «أعور»). فعين العقل، ميزان العلم، تجعلنا نكتفي بالتساؤل عما إذا كان ما يحدث هو «تطوّر خلاّق» أم هو تدمير فوضوي لا يخلقُ سوى الحرائق والكوارث المصطنعة،والمصنفة أيضاً ولو من بعيد.
وبعد، كم من الأجيال العربية والمسلمة سيلزم لاختراق «حصن الأعداء» والتوصل إلى ينابيع الحضارات العقلانية؟ لقد تعاقبت حروب وأجيالٌ، ولم يحدث القطع المنطقي بين أطوار ما قبل العقلنة وما بعدها. في عصره الاول، قدم الإسلام رسالته، عبر القرآن والقراء (أول حزب سياسي متشدد في الإسلام، را. هـ. جعيط، الفتنة، م.س). وأفضى التطور الصراعي على الملك إلى قيام «امبراطوريات» أموية، عباسية، فاطمية، عثمانية تركية...) خالها بعضهم «عروبية» وبعضهم الآخر «إسلامجية». وبقي السؤال: بأي عقل يُرتجى تحويل الدين إلى علم، وتحرير الفقه السياسي من السحر الأيديولوجي، وجمع المسلمين كافة في «أمبراطورية عظمى»، من ماليزيا وأندونيسيا حتى نيجيريا...؟ لقد طغى سحر الدم والقتل على عقل «البقية» والحوار.؟ وكلما انقطع الحوار بين المسلمين، تعرضت البقية للمخاطر الكبرى (للإبادة والافتراض). وان ما دار حتى الآن من أحداث قاتلة في المجال الإسلامي المنشطر (أنا سنية، أنت شيعي، تقول الكاتبة السعودية سارة مطر) وتقول القنوات الفضائية أكثر من ذلك؛ ولكن ما يحدث في ميادين «القتال» أدهى من كل قول.
والحال، أَلاَ يلعبُ «مسلمون» ألعاب التفكيك لدولهم الوطنية وفقا لإرادة الساحر التكنولوجي الغربي والاستغرابي، فيخالون أنهم «ينصرون» أيديولوجيا على أخرى، فيما هم يدمرون امبراطورية العقل «الخفي» في الإسلام؟
أرى ان ما يحدث هو أكثر من اختلال في البنية العقلية «المسلمة». أنّه خطأ، عمره أكثر من 14 قرناً: خطأ قلب الإسلام، على نقيض القرآن، إلى سياسة قَبَلية، فيما هو أصلاً وفصلاً، وحياً وعقلاً: دين. وليس خطاً الفصل بين الإسلام والسياسة، وتحديداً بين «رجال الدين» و«رجال الدولة»؛ بل الخطأ هو الفصل بين الإسلام والعقل، وتقديم إيمان المسلمين كأنه «خرافة» أو «وهم» قابل للتوظيف السياسي. أو كأن المسلمين «تجارة في إمارة».
وتبقى دعوة القرآن قائمة لتجاوز الاختلال وتصحيح الخطأ، وتبقى مغامرات العقل في الإسلام ممكنة ومثمرة، إذا سعى المسلمون المستقبليّون إلى تحقيق أنسنتهم الأخرى بقيم عقلانية، علمية، تتوسّل المكننة، وليس فقط الأدلجة للانتقال من الحكم بوهم، إلى الحكم والحوْكمة عالَميّاً بعلم. وإن ألفباء «حلّ العقد» تبدأ بنبذ «عقدة الجاهل» الذي يُرسِّم نفسه في «عقدة العالم». أما ياءُ هذه المغامرة فلا مجال لبلوغها قريبا، وبدون تفكيكٍ وتركيبٍ متوازيين ومتكاملين لأطوار التطور، واعتماد العقل الحرّ، المستقل والفعال الخلاّق في صمته وسكينته.
------------------------------------
[1] عالم اجتماع، وأستاذ سابق في الجامعة اللبنانية.
[2] G.W.F. HEGEl، Leçons sur l’histoire de la philosophie، tr.fr، Paris، 1970 .
محاضرات في تاريخ الفلسفة، تعريبنا؛ بيروت، مجد، 1986
[3] Thiery Coville، Iran، la Révolution invisible، Paris، la Découverte، 2007 .
إيران، الثورة الخفية، تعريبنا؛ بيروت، دار الفارابي، 2008.
[4] القرآن، 113/4. النفاثات هنا تُقال على النافخات الساحرات؛ وهي معاكسة لمفهوم النّفخ الروحي (21/91؛ 32/9؛ 15/29؛ 38/72) الذي يدل على الخلق الإلهي البديع. للمزيد، را. خليل أحمد خليل، معجم دلالات القرآن الكريم(عربي/فرنسي/انكليزي)، مخطوط، 1998.
[5] عبد الرحمن الحلو، عبد الله العلايلي، العلامة الرؤيوي والإمام الحداثوي، بيروت، مركز بيروت للدراسات والتوثيق، 2014، صص 20ـ21. را. العلايلي: ا. سمو المعنى في سمو الذات أو أشعة من حياة الحسين؛ 2. تاريخ الحسين؛ 3. أيام الحسين (أعمال/ دار الجديد، بيروت 1994ـ1996).
[6] خليل، العقل في الإسلام، بيروت، دار الطليعة، 1993، ط2، 2010، انظر، خليل، عقل العلم وعقل الوهم، ن.ن. 2015.
[7] L’Impensable، l’Absurde ou le Politique
[8] البابا بنديكتوس السادس عشر، نورُ العالم، بيروت، دار الفارابي، 2013، (العقل هو مسيح كل الأمم، عند الموّحدين الدروز، رسال الحكمة).
[9] هنري كوربان، تاريخ الفلسفة الإسلامية، تقديم موسى الصدر، تعريب، نصير مروّة؛ بيروت، دار عويدات، 1965.
[10] سعيد عقل، شعرُه والنثر، 7 مجلدات، بيروت، نوبليس، 1992.
[11] السجّادي، جعفر: قاموس المصطلحات الفلسفية عند صدر المتألهين؛ بيروت، دار المعارف الحكمية، 2006.
[12] يُقال خطأ «زمكان»، مع أن أمر المكان (كُنْ) سابق لحركة الزمان ولو بمليونيم او مليارديم من الثانية الضوئية(أو الإلهية)، وأن أمر الإنسان هو من إمكانات المكزمان، فتأملوا. كما يقال خطأً «أهل الحل والعقد»، مع أن العقد سابق للحل؛ ناهيك عن خلافات «فقهاء المُحال» حول طور العقد وطور الحلّ، في مغامراتهم الفاشلة لإلغاء «العقل في الإسلام».
[13] MONTAIGNE، Essais، 1533ـ1592.
[14] رولان برتون، جغرافيا الحضارات؛ وجاك ريسلر، الحضارة العربية (والإسلام الحديث)، تعريبنا، بيروت، دار عويدات 2000.
[15]Henry LAURENS، L’Orient arabe، Arabisme et islamique de 1798 à 1945. Paris، Armaud Colin، 2002 ـ المشرق العربي، تعريبنا (مخطوط، 2013).
[16] Olivier CARRE (et Claire BRIERE)، L’Islam، guerre à L’Occident، Paris، 1984.
[17] المنصف المرزوقي، طغاة مؤجلون (Dictatures en sursis)، تعريبنا؛ بيروت، دار التوفيق، 2013.
[18] خليل،مع كمال جنبلاط، بيروت، المركز الثقافي العربي،2012 [ورا. ثورة الأمير الحديث 1984].
[19] الذواوي باغوره، فلسفة ميشيل فوكو/وتعريب، تأويل الذات/ بيروت، دار الطليعة، 2014.
[20] خليل، إشكاليات الشيعية السياسية: هلال شيعي في بدر سني؛ مركز المسبار للدراسات والبحوث، الكتاب 80، أغسطس/آب 2013، ص 41ـ59.