البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

أزمة المعرفة، عندما يفتقر الغرب إلى فن العيش

الباحث :  إدغار موران EDGAR MORIN
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  1
السنة :  السنة الاولى - خريف 2015 م / 1436 هـ
تاريخ إضافة البحث :  January / 11 / 2016
عدد زيارات البحث :  1411
أزمة المعرفة
عندما يفتقر الغرب الى فن العيش

إدغار موران EDGAR MORIN
[1]

تتناول مقالة الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران أزمة المعرفة في الحضارة الغربية الراهنة، ولا سيما في حقل فهم تعقيدات العيش وأسبابها بعد ما سمي بثورة «الحداثة الفائقة»، وعلى عادته في الاستقراء النقدي مضى موران بعيداً في إجراءات التحرِّي الفكري للتعرّف على صورة الغرب وما تزخر به من عيوب على كل صعيد.
«المحرر»

يستوجب سؤال «كيف ننقل التعقيد؟» سؤالاً مسبقاً هو التالي: كيف نعرف التعقيد وندركه؟
أود التركيز في البداية على أنّ المعارف التي تتوفّر لنا عن طريق المعلومات أو وسائل الإعلام مثلها مثل تلك التي تُقدَّم لنا عن طريق التعليم، فهي لا تعدّنا بتاتاً لإدراك التعقيد.
لنأخذ أولاً كلمة «تعقيد»، إنها مشتقة من الكلمة اللاتينية «complexus» التي تعني ما هو منسوج مع بعضه البعض. إنّ أي أحداث ليست منعزلة، بل تقع ضمن سياقٍ ما يتواجد هو بدوره ضمن سياق أكبر، وهو ما يدل على الوجود الدائم لنسيج مشترك. كان لباسكال (Pascal) رؤية فَطِنَة في القرن السابع عشر. فقد اعتبر أنّه «نظراً لأنّ الأمور جميعها مسبَّبة ومسبِّبة، معانة ومعينة، غير مباشرة ومباشرة، وتتماسك برابط طبيعي وجامد يصل بين الأكثر بعداً والأكثر تنوعاً منها، فإن من المستحيل معرفة الأجزاء من دون معرفة الكل، ولا معرفة الكل من دون معرفة الأجزاء». وهنا يبرز التحدّي الهائل الذي نحن أمامه.
إن ما نسمّيه بالمعلومات المستقاة من وسائل الإعلام تدفعني إلى التفكير بجملة أخرى وثيقة الصلة بالموضوع، وهي للشاعر الكبير (T.S.Elliot): «ما هي المعرفة التي نفقدها في المعلومة؟ ما هي الحكمة التي نفقدها في المعرفة؟».
المعلومات المشتّتة تشبه المطر، السحابة، إذا لم يكن هناك من نظام معارف قادر على تنظيمها وإعطائها معنى. يستلزم هذا، أن يتمتّع النظام المنظِّم بحدٍ من الملاءمة وألا يحمل نوعاً من المانوية أو تشويهاً للواقع. فضلاً عن ذلك، تحدّث إليوت بتبصّر عن الحكمة، أي عن ضرورة دمج ما نعرفه في حياتنا وفي تصرّفاتنا. وهنا أيضاً ليست الحكمة ولا فن العيش ممكناً أمام معارف مموضعة على نحو محض.
قد تقولون لي إذاً: لحسن الحظ أننا نملك نظاماً تعليميّاً رائعاً يمكّننا من تنظيم المعارف. بيد أنّ هذا النظام يرتكز فعليّاً على فصل النسيج المشترك لكافة الأمور وتقسيمه وتفتيته. وقد كان هذا المبدأ في غاية الأهمية لتطوير المعارف انطلاقاً من طفرة العلوم الحديثة التي سرعان ما تحوّلت إلى مجالات واختصاصات، إلا أنّ انفصال هذه الأخيرة وانعزالها عن بعضها البعض راح يفضي إلى نشوء فراغات هائلة في ما بينها، هو ما أدى من ثمة الى حجبنا عن إدراك عدد من الوقائع والمشاكل الأساسية والحيوية، حيث يبدأ هذا النظام التعليمي في المرحلة الابتدائية ويستمر في المرحلة الثانوية ليبلغ ذروته في التعليم العالي. وفي النهاية، ترى جميع الوقائع وجميع المشاكل الكبيرة مفتّتة.

مسألة الإنسان
فلنأخذ هذه الحقيقة الأساسية التي تعني كلاًّ منّا: ماذا يعني أن تكون إنساناً؟ بالطبع، ثمة علومٌ إنسانية واجتماعية تتناول مواضيع الاقتصاد وعلم الاجتماع وعلم النفس وعلوم الأديان، غير أن التواصل شبه معدوم في ما بينها، ما يؤدي إلى إدراكها أجزاء محدودة من الحقائق. علاوةً على ذلك، توجد علوم أخرى غير العلوم الاجتماعية والإنسانية. فجزء كامل من الواقع الإنساني هو عبارة عن واقع بيولوجي. نحن كائنات حية. حتى دماغنا الذي لا يسعنا التفكير ولا اكتساب المعرفة من دونه هو عضو بيولوجي. لكن هذا الواقع البيولوجي منفصل انفصالاً تامّاً عن الواقع الإنساني الآخر. فإما أنّ البعض ينسى أننا كائنات حية ويختزل الإنساني بالثقافي والروحي، وإما أنّ البعض الآخر يختزل كل ما هو ثقافي أو روحي بالجينات، أو بسلوكيات موجودة أصلاً عند الحيوان. إننا نبدو غير قادرين على التفكير في هذا الواقع المزدوج. هذا ناهيك عن أننا حين نعرف اليوم أن الواقع البيولوجي مؤلف من جزيئات وذرّات موجودة في الطبيعة، ندرك أن علاقتنا بالعالم المادي هي أكثر عمقاً ممّا كنا نظن. فجسيماتنا ربما تشكّلت في الثواني الأولى من الكون، والذرّات الضرورية لحياتنا تكوّنت في شمسٍ سابقةٍ لشمسنا. باختصار، إننا جزءٌ من تاريخ كوني كامل، لكن هذا التاريخ يبقى مستتراً عندما تظل عناصره كلها منفصلة ومشتّتة.
لا بد أن أضيف أن الأدب والشعر هي كذلك وسائل لمعرفة ما هو إنساني، حتى أنه يمكنني القول إنها وسائل يدخل فيها ما ترى العلوم نفسها ملزمة بتدميره: أي الواقع الذاتي لكل فرد بما فيه من مشاعر وعواطف. هذا ما تظهره الرواية منذ بالزاك مروراً بدوستويفسكي وصولاً إلى بروست.. أما الشعر، فإنه ليس مجرد ترفٍ أدبي، بل إنه يفقّهنا أمراً أساسيّاً، هو الميزة الشاعرية للحياة التي نجد في مقابلها جانب الحياة المبتذل التافه القائم على فعل أشياء ضرورية، إجبارية أحياناً، لا غنى عنها لكسب لقمة العيش فيما يتجاهل التشارك والحب والنشوة. حينما نريد أن نعرف من نكون ومن أين نأتي، يسيطر الجهل التام فينجلي التفتّت!

العصر العالمي
«إلى أين نحن ذاهبون؟» هو السؤال الثاني الذي يمكن طرحه انطلاقاً من الفراغ الثاني الهائل في نظامنا التعليمي المتجسّد بالعولمة. هذه الأخيرة هي النتاج النهائي لمسار ظهرت بوادرهُ في نهاية القرن الخامس عشر، وظهر جليّاً بدءاً من القرن السادس عشر، من اكتشاف الأميركيتين والطواف البحري. وقد تطوّر العصر العالمي عبر السيطرة والاستعباد والقمع، غير أنّ من لاحظ ما كان يحصل في الغرب كانوا قلائل جدّاً. من ناحية، بارتولومي دي لاس كاساس يلزم الكنيسة على الاعتراف أنّ الهنود الحمر يملكون روحاً على الرغم من أن المسيح لم يكن سافر إلى أميركا. ومن ناحية أخرى، مونتين إذ يصرّح أنّ من نسمّيهم بالبربر ينتمون إلى حضارة أخرى ويستهلّ بذلك عملية الانتقاد الذاتي للغرب التي كانت لا تزال نادرة، ولكن ضرورية.
هوذا العصر العالمي يتطوّر اليوم مع انهيار الاقتصاديات الزاعمة أنها إشتراكية، مع تطوّر وسائل التواصل المباشر. لقد أدّى ذلك إلى نشوء اقتصاد عالمي، ولكن، لسوء الحظ، يفتقر إلى التنظيم.
من الأهمية بمكان التعرّف على سوابق هذا العصر العالمي وجوانبه المتناقضة، ذلك أنّ العولمة ليست واحدة، بل قد تكون متعدّدة. هي على الأقل اثنتين، فالثانية هي تلك التي بدأت مع مونتين وبارتولومي دي لاس كاساس واستمرت مع الإنسية الأوروبية، ومع الدولانية من بعدها ومع العولمة البديلة اليوم. هذه هي العولمة غير المنجزة لأفكار الديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق المرأة. تبرز إذاً تناقضات عظيمة. كان ماركس أصلاً يقول في القرن التاسع عشر أن الرأسمالية ستخلق ظروف نشأة أدبٍ عالميٍ حقيقي، ما يتحقّق فعلياً ليس فقط بالنسبة إلى نخب محدودة في دول مختلفة. وها نحن نشهد على ترجماتٍ لروايات صينية ويابانية وأميركية لاتينية وغيرها.

تشابك الحاضر، وغموض المستقبل
بغية فهم هذا العصر العالمي، من الضروري وجود تعليم أساسي حول الموضوع، مثلاً حول الحالة والهوية الإنسانية، بيد أنّ ذلك غائب تماماً عن بنى التعليم لدينا. هذا ناهيك عن أنّ هذه المعرفة صعبة. لماذا؟ أولاً، من الصعب جداً إدراك ما يحصل. كان الفيلسوف الإسباني خوسيه أورتيغا إي غاسيت يقول: «نحن لا نعرف ماذا يحصل، وهذا ما يحصل» في إشارة إلى جهلنا لما يحصل. فضلاً عن ذلك، إدراك ما يحصل يستغرق دوماً بعض الوقت. وبإمكاننا هنا أن نذكر فيلسوفاً آخر هو هيغل الذي كان يقول: « إنّ بوم منيرفا لا يبدأ بالطيران إلا في بداية الغسق»، أي أن «طير» العقلانية والحكمة والفهم يأتي دوماً متأخراً جداً.
من الصعب إذاً فهم ما يحصل، من الصعب فهم حاضرٍ متشابك. وهنا يكمن التعقيد. عند تبسيط الأمور، لا يرى البعض سوى العمليات الديمغرافية فيما لا يلحظ البعض الآخر إلا النزاعات بين الأديان، أو تيه الرأسمالية، إلخ. وتكمن المشكلة الكبرى في أنّ هذه العمليات تتداخل مع بعضها البعض في عقدة غورية لا يمكن فكّها. هذه المعرفة، لأنها صعبة، ضرورية وتستلزم نسقاً معرفيّاً معقّداً.
هذه هي إذاً مشكلة معرفة ما يحصل التي يُضاف إليها مشكلة المستقبل، إنما، كما كانت تقول السيدة ريفولت دالون (Revault Dallones)، الفلسفة التي تنبئنا أنّ المستقبل فعلاً في طريقه إلى التقدّم لم تعد موجودة. نحن لم نعد نؤمن أنّ قاطرة التاريخ تجرّ البشرية دائماً نحو الأفضل. فهذا الإيمان بالتقدّم وبأسطورة التاريخ الموجّه نحو مستقبل مشرق لم ينهار فحسب إنما بتنا نعرف أن المستقبل يلفّه الشك. لا أحد يستطيع توقّع الغد. فالحادي عشر من أيلول 2001 وانهيار الاتحاد السوفياتي حدثان لم يكونا متوقّعيْن من غالبية المراقبين. كما كان يوربيديس (Euripide) يقول قبل خمسة قرون من عصرنا: «ليس المتوقع هو ما يحدث، بل في غالب الأحيان، يحدث ما لم يكن متوقعاً»، غير أننا لسنا جاهزين لمجابهة هذا الأمر غير المتوقّع، ولا مستعدّين للتفكّر في العالم ورؤيته كما هو. بالتالي، لا يجري فقط تفكيك الحقائق بشكل كامل وإنما يجري أيضاً تجاهل المشاكل الكبرى.

ما المعرفة؟ ما الفهم؟
صحيح أننا نعلّم المعارف لكنّنا لا نعلّم أبداً ما هي المعرفة، هذا الأمر المعرّض دوماً للخطأ والوهم. فما نعرفه جميعاً من معارف كانت تبدو بائنة في الماضي أصبحت اليوم تبدو لنا طفولية وسخيفة وخاطئة. ومن يضمن لنا أن اعتقاداتنا اليوم ليس وضعها مماثلاً؟ منذ نحو عشر سنوات، كانت الليبرالية الاقتصادية بمثابة عقيدة، أما اليوم فقد باتت حالة إيديولوجية يزداد فيها الضعف والوهن. كذلك سادت أسطورة الشيوعية قبلها والكثير غيرها. إن كان ذلك يدل على شيء، فهو يدل على أننا نعيش في الوهم أن الحاضر واضح، الأخطاء حكر على الماضي، وهنا تكمن المشكلة: في معرفة المعرفة وأفخاخ المعرفة، الأفخاخ الموجودة في سيكولوجيا كل فرد، في الثقافة، في العلاقات البشرية. لذا، إنّ معرفة المعرفة، التي ليست إلا فصلاً صغيراً بالنسبة إلى اختصاصيّي الفلسفة، ينبغي أن تكون هي المشكلة المحورية التي تُدرَّس منذ الصغر.
لا بد كذلك من التساؤل حول الفهم: ما هو الفهم البشري؟ بمعنى العنصر الحيويّ ليس فقط لعلاقاتنا مع الأمم الأخرى والثقافات الأخرى إنما أيضاً لعلاقاتنا مع عالمنا وعائلاتنا وعلاقاتنا في العمل. طالما أنّ قدراتنا على الفهم لم تتطوّر، لن يحصل أي تقدّم في العلاقات بين البشر.
الواقع أننا لا نجد تعليماً لفهم العلاقات البشرية، ولا تعليماً لمجابهة الشكوك. وهنا أيضاً، نعلّم اليقين في حين أنّ العلوم الأكثر تقدّماً تواجه الشك والمخاطر. سواء كانت العلوم الإنسانية مثل التاريخ أو كانت الفيزياء المكروية أو علم الكون الذي لا يمكنه إطلاعنا إلي أين يتجه الكون. يبقى الغموض يلف الأصل والمستقبل. كلمة البينغ بانغ (Bing Bang) الانفجار الكونيّ الكبير ليست سوى مجازاً.
إذاً تتعلّم العلوم بشكل متزايد كيفية التعامل مع الشك غير أن تلك مشكلة يواجهها كل منا. فمنذ لحظة الولادة، لا يعرف أحد منّا كيف سيكون نموّه، أمراضه، ما اللقاءات التي سيجريها، هل سيعيش علاقة زوجية سعيدة، يوم مماتنا مجهول الموت يقين. ما يصح بالنسبة إلى مصير الأفراد هو صحيح بالنسبة إلى مصير المجتمعات وهو صحيح أيضاً بالنسبة لمصير الكوكب.

أزمة الوضوح، غياب المستقبل والمشروع
نستنتج مما سبق، أن المعارف الأساسية والرئيسية لا تُعلَّم. علاوة على ذلك، هناك أزمة وضوح، بل قل: أزمة ذكاء. فالذكاء الذي ينتصر، ذكاء الخبراء الذين يشغلون المكاتب الوزارية، إنما هو ذكاء الاختصاصيين الذين لا يعيشون سوى ضمن جدران اختصاصهم من دون رؤية ما يحصل من حولها، هو ذكاء أعمى، لأنه يقدّم رؤى أحادية الاتجاه أيّاً كان الحدث الذي نشاهده.
في هذا الغياب للمستقبل، ومن دون إمكانية وضع، لا برنامج، بل مسار لمجابهة شك المستقبل، نرى السياسات والأشخاص يعيشون كل يوم بيومه. وبالطبع، العائلات تعكس ذلك على أولادها وعلى ذريتها. يمكننا أيضاً أن نعيش كل يوم بيومه عبر مشاهدة التلفاز أو عبر التنزه في عطلة نهاية الأسبوع. لكن في غالبية مناطق العالم، العيش كل يوم بيومه يعني العيش في قلق وبؤس، إنّهُ ليس بؤساً ماديّاً فحسب، إنما بؤس الذل والخضوع. إذاً حين تعيش السياسة بحد ذاتها كل يوم بيومه وتُختزَل بالاقتصاد، وحين يعتمد الاقتصاد على الحساب بشكل حصري، وحين يتجاهل الحساب الحقائق البشرية والعواطف والمشاعر والحب والكره والمعاناة والذل، نصبح غير قادرين على الفهم. في كل مرة تبرز مشكلة ـ أكان فيضاناً في العالم الثالث، الإيدز في أفريقيا، أم أزمة الضواحي ـ نجد أن السبب هو نقص المال، ولا بد بالتالي من زيادة الوسائل المادية!
لا شك أن المال ضروري إلا أننا ننسى المشكلة الأهم والأكثر تجذراً، ألا وهي الإذلال والتمييز وكل هذه السلوكيات البشرية الفاسدة في رؤيةٍ الحسابُ فيها هو وحده سيّد الموقف.

مع فكرٍ جامع للاختصاصات
قد تقولون لي «نعم، يجب ربط المعارف وإصلاح الفكر وإصلاح المعرفة». لكنّ ذلك لا يمكن أن يحصل بمجرّد التمني ووضع مختلف الاختصاصات الواحد بجانب الآخر على أمل أن تترابط مع بعضها البعض بشكل طبيعي. كلا! لا يمكنها ذلك. فلكل واحد منها لغته الخاصة ونظامه الفكري الخاص. ما يلزم هو فكر قادر على خلق أدوات جامعة للاختصاصات تتمكّن من ربط المعارف الناشئة عن الاختصاصات المختلفة. ما أود قوله هو أنه يوجد طرق معيّنة للتصوّر تسمح بربط الأمور. فلنأخذ مثلاً المبدأ الهولوغرامي إنه يرتكز على تصوّر أنه ليس فقط أن الجزء يقع ضمن الكل بل أنّ الكل أيضاً داخلٌ في الجزء، وهي فكرة قد تبدو تناقضية تماماً غير أنه يتم التحقّق منها باستمرار على الأقل بيولوجيّاً. ففي كل خلية من الجسم، بما فيها خلايا البشرة، يوجد الإرث الجيني الكامل الخاص بكل شخص. بالطبع، نجد جزءاً واحداً معبَّراً عنه هو الذي يسمح بجعل البشرة ما هي عليه. إذاً الكل موجود في كل خلية من كل عضو معيّن . أما نحن، كأفراد، فيمكننا القول إنّ الكل الخاص بالمجتمع موجود فينا من خلال لغته وثقافته وأفكاره. كذلك، الكل الخاص بالجنس البشري كتنظيم جيني وكجهاز تناسلي موجود في كلٍ منّا. الكل هو إذاً موجود في الجزء الذي هو بدوره يقع في الكل.
مثال آخر: المبدأ التكراري المأخوذ من الرياضيات. إنه المبدأ القابل بأن المنتجات والآثار ضرورية لإنتاج نفسها في أي نظام. وقد يبدو ذلك متناقضاً تماماً، لكن فلنفكّر فيه قليلاً. نحن أفراد من البشر، نحن نتاج جهاز تناسلي بيولوجي، إلا أنّ هذا الجهاز لا يمكنه الاستمرار إلا بمساعدة من البشر إذا أراد هؤلاء أن يتزاوجوا، بانتظار أن يسير النظام ذاتيّاً عبر الاستنساخ أو المِحْضنة (الآلية). هذا يعني أننا في الوقت عينه منتجات ومنتجون. وينسحب الأمر كذلك على علاقاتنا مع المجتمع، فنحن نتاج المجتمع والثقافة وفي الوقت نفسه نحن منتجو هذا المجتمع وهذه الثقافة لأن التفاعلات المتواصلة بين الأفراد هي التي تنتج المجتمع. من هنا توجد ضرورة للتخلّي عن فكر خَطّي ذي بداية ونهاية. وهنا تتبيّن لنا فضيلة ما أسماه نوربيرت وينر (Norbert Wiener) بالتغذية المرتدة ـ خاصة التغذية المرتدة (Retroaction , Feedback) خاصة التغذية المرتدة السالبة التي تتحقّق في نظام تدفئة ينظّمه ترموستات (Thermostat). يوجد دورُ حيثُ يرتدُّ المنتجُ بالتأثير على السبب وينظّمه. النظام إذاً دائريٌّ لا خطيّ. هذا يسمح بمعرفة جوانب الحقيقة المعقّدة والمفكّكة وربطها ببعضها.
مثالٌ أخيرٌ من هذه الإلمامة السريعة: إنها الحواريّةُ وريثة جدليّة (Dialogique) هيغل (Hegel) وماركس (Marx). لا بد من وجود حالتين متعارضتَين ومتناقضتَين من أجل فهم ظاهرة معقّدة. إنهما مكمّلتان لبعضهما مع تعارضهما.
علينا إذاً أن نتمكّن من تغيير بنيات فكرنا، وهي مهمّة صعبة للغاية. إنّ العلاقات المنطقية الأساسية التي تتحّكم دون وعي بنمط معرفتنا ـ ما يمكن أن نسمّيه بالنموذج الإرشادي (Paradigme) هي ثمار تاريخٍ. يعيش العالم الغربي بالتالي تحت تأثير نموذج إرشاديّ يحتّم علينا أن نفصل ونفكّك ونختزل المعقّد بالبسيط كي نعرف أكثر. وحينما نمتثل لهذا المبدء، نقوم بإذابة التعقيد. فنفكّر أن لا أهمية ولا معنى لها وأنها مجرّد وهم أو مظهر. لكن علينا أن نعلم كيف نفصل ونعرف العناصر ومن ثم أن نكون قادرين على إعادة تركيبها. وهنا يبرز نقص في الفكر. إننا بحاجة إلى مبادئ لنقوم بالوصل وإعادة الربط.
مثال: كيف نفكّر في علاقتنا كبشر مع واقعنا الحيواني. حسب أحد النماذج الإرشاديّة، لفهم الجانب البشري، ينبغي التخلّص من الخاصية الحيوانية والتركيز فقط على ما هو روح وثقافة في صميمنا. وقد يعتبر نموذج آخر أنّه يجب على العكس اختزال البشر بالخاصية الحيوانية إذا ما أردنا أن نفهمهم. لكن ما يتعيّن وجدانه فعليّاً هو الرابط بين الاثنين أي أن نظهر أنّنا ربما 100% حيوانات 100% أمر آخر غير الحيوانات بفضل ضميرنا وروحنا وثقافتنا. نحن في الوقت نفسه أولاد هذا الكون خارج هذا الكون. كل ذلك يشكّل طريقة لفهم أنفسنا بشكل أفضل وفهم واقعنا وحقيقتنا على نحو أفضل.

إصلاحٌ ضروريّ لمصير البشرية
أصبح فهم التعقيدات المختلفة التي تنسج كوننا وإصلاح التعليم والمعرفة والفكر من الضروريات الحيوية للأفراد. كان جان جاك روسو يجعل المربّي في كتابه «إميل» (Emile) يقول: «أريد أن أعلّمه كيف يعيش». قد يكون من الطموح بعض الشيء القول أننا نريد أن نعلّم أحدهم كيف يعيش: فنحن نساعد أحدهم على مواجهة الحياة، على تعلّم الحياة من نفسه. غير أنّ العلم والمعرفة أمور حيويّة لكلٍ منّا كي يتمكّن من مواجهة عالمه ومصيره ومشاكله وتناقضاته.
ليس هذا الإصلاح ضروريّاً للأفراد فحسب إنما كذلك للمشاكل الاجتماعية والطريقة التي تتناول بها السياسات هذه المشاكل. إذا كنا نعيش هذا البؤس، هذا المستوى المنعدم من الفكر السياسي في فرنسا اليوم، فذلك لا يعود إلى حماقة ولا إلى خباثة البعض، بل إلى وجودهم داخل نظام من الفكر والمعارف لا يوجد فيه مداخل أخرى إلا عبر رؤية الأمور منفصلة أو مجزّأة أو مختزلة بالاقتصاد.

المشكلة مشكلة قومية، أوروبية.
إني على ثقة أننا نواصل السير على طريق ستؤدي إلى الكارثة. الطريق التي يسمّونها بالتنمية، التي ترد «مُرطَّبةً» بكلمة مستديمة، تؤدي إلى تدهور المحيط الحيوي الذي لا غنى لنا عنه. فكوكب الأرض يسيّره اليوم ثلاثة محرّكات جميعها خارجة عن السيطرة والإرشاد: العلم الذي ينتج أروع الأشياء ولكن أيضاً أسلحة الدمار والتلاعب؛ التكنولوجيا التي هي متناقضة في جوهرها؛ الاقتصاد المنذور حاليّاً للربح والذي لا يخضع لأي تنظيم من الهيئات العالمية. إن مصير البشرية على المحك اليوم.
آمل إذاً أن نتمكّن من وجدان مسارات جديدة. إنّ أعمالاً وأفكاراً عدّة، لكن لا تزال مبعثرة وغير مربوطة ببعضها البعض لتهيئتنا لسبر أغوار هذه المسارات. فالعجز عن الربط هو الذي يؤدي إلى العمى الحالي. إن قضيةً على هذا القدر من الأهمية والعالمية وتحريك المشاعر للبشرية جمعاء تتطّلب إذاً هذا الإصلاح للمعرفة. ما زلنا بعيدين كل البعد لكنّ ذلك ليس هو السبب في شعوري بالإحباط.

نقاش [2]
ـ أليست الأداة الفكرية الأساسية لتصوّر معرفة شاملة هي الرياضيات؟
* يجب أن نعرف في أي إطار نحن، إذ لا يمكننا الاكتفاء فقط بالرياضيات. أولاً، يوجد رياضيات مختلفة بحسب المشاهد المختلفة التي تُطَبَّق فيها. ثم، فلنأخذ مثال العلم الاجتماعي الأكثر تطوّراً في مجال الرياضيات، من جهة تقعيده، والذي يبدو، من هذا المنظار، الأشدّ ملاءمةً والأكثر فائدةً: علم الاقتصاد. يمكننا أن ندرك بسهولة أنّ معرفة من هذا القبيل لا تتبيّن أنّ الجانب الاقتصادي غير قابل للعزل عن المجتمع وعن الانفعال البشرية. المعرفة الملائمة ليست هي الأكثر تطوّراً بل هي تلك التي تسمح بتأطير معطياتها ومعلوماتها. إن القدرة على التأطير أهم بأشواط. لا شك أن الثقافة الرياضية مفيدة للغاية بيد أنّ الفكر نفسه يتخطى الرياضيات. الرياضيات مساعدة للفكر الذي عليه أن يتطوّر بنفسه على مستوى الأفكار والمفاهيم وغيرها. لا يجب وضع المحراث أمام الثورين.
ـ واقعيّاً، ما الأشكال التي على إصلاح المعرفة اتخاذها؟ وكيف تعتقد أنه يمكننا إدخال التعقيد إلى التعليم في فرنسا؟
* عبر تاريخ الفكر أو التاريخ البشري أو تاريخ التعليم، تظهر الإصلاحات دوماً بشكل منحرف وتحظى بدعم فرد واحد أو مجموعة صغيرة. وينطبق ذلك حتى على الديانات الكبرى التي أصبحت اليوم عالمية مثل المسيحية أو الإسلام. لا نَنْسَ أنّ محمّداً اضطر أن يلتجئ إلى المدينة بعد طرده من مكّة. إذا لم يتم سحق الانحراف، كما يحصل أحياناً، إذا نجح في خلق شبكات وأتباع له، يستحيل إلى نزعة، إلى قوة. وحين تستجيب هذه القوة لطموحات وتوقعات وحاجات، يمكنها أن تصبح فعالة ومؤثرة. لقد تحدّثتُ عن الأديان، لكن العلم الحديث كذلك نشأ عن انحرافات، حيث أنه بدأ في القرن السابع عشر مع عدد من الأفراد المنعزلين. وفي نهاية القرن السابع عشر، أنشئت أول «جمعية ملكية» تبعها ظهور الجمعيات العلمية في كل أمّة. في القرن التاسع عشر، ما إن حصل إصلاح الجامعات حتى دخلت العلوم إليها وما لبثت العلوم أن دخلت في قلب المجتمع والدول بعد ذاك، وها هي اليوم تغمر كل شيء. وهكذا نلحظ بوضوح السّيرورات.
والأمر نفسه ينطبق على التعليم. كيف انتقلنا من جامعة القرون الوسطى إلى الجامعة الحديثة؟ هنا أيضاً حصلت النشأة المنحرفة لبلد صغير هو بروسيا، ذلك أنّ مفكّراً مثل أ. فون همبولدت (A.Von Humboldt) خطرت له فكرة إنشاء جامعة مؤلفة من أقسام، لأن طاغيةً مستنيراً هو ملك بروسيا قرّر اتّباع هذا النموذج الذي ما لبث أن انتشر في كل مكان. ينبغي إذاً البدء من مكان ما بطريقة منحرفة غير مألوفة. لذا أقترح من ناحيتي إنشاء معاهد ثقافة في قلب الجامعات أو خارجها في كل مكان، تتوجّه إلى الجميع من كل الأعمار وتقدّم هذه المفاهيم الأساسية غير المعروفة: من نحن، نحن البشر؟ ما هو العصر العالمي؟ ما العقلانية؟ ما العِلْموية؟ كيف نواجه الشكوك؟ كيف نطوّر المعرفة؟ هذه الأسئلة التي لا تُدرَّس في أي مكان. ذلك طبعاً بانتظار حدوث هذا الإصلاح على مستوى الجامعة بكاملها، وعلى مستوى التعليم الثانوي والابتدائي بأكمله. لا بد من البدء بالصراخ في البرية. لقد اعتدتُ على ذلك، خاصة في الصحراء الفرنسية!
ـ أمام شكوك المستقبل، أليس هناك من عودة إلى الحِكَم الكبرى وتقاليد الماضي: البوذية، آباء الكنيسة...؟
* أعتقد أننا يجب أن نطمح إلى حضارة عالمية تدمج الأفضل من كل مساهمة. وإنني لأؤمن إيماناً عميقاً بأن إسهامات كبرى يمكن أن تأتي من البوذية، والحِكَم الشرقية، الهندية أو الصينية (الكونفوشيوسية، الطاوية)، ناهيك عن المعارف والحِكم وفن العيش المتواجدة في مجتمعات صغيرة. ينبغي إذاً التوجّه نحو ما أسماه سيزير (Césaire) أو سنغور (Senghor) بـ «تلاقي الإعطاء والأخذ»، لأن الغرب يمكنه المساهمة عبر مفاهيمه للديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق المرأة، غير أنه لا يملك الحكمة بكاملها. فنحن نفتقر إلى فن العيش. إننا منغمسون في مغامرة جعلتنا نعتقد أن الحلول المادية ستكون في الوقت نفسه حلولاً معنوية وروحية. بنظري، لا تكمن القضية في مساهمة حِكَم الماضي في الحاضر بل في دمج الحِكَم الآتية من أماكن أخرى، بما فيها الماضي، من أجل مواكبة إصلاحٍ حياتي يكون مكمّلاً لإصلاح الفكر والمعرفة.
ـ في زمنٍ نحتاج فيه إلى فكر يأخذ في الحسبان تعقيد العالم، كيف تفسّر الفكر الواحد المعبَّر عنه في وسائل الإعلام وعند السياسيين؟
* إن الأفكار الأحادية، المشوّهة، المبسِّطة، العقائدية (Dogmahqves) والمانوية (Manichéénnes) تواصل الازدهار اليوم لأننا بكل بساطة لم نخلق نظاماً تعليمياً قادراً على المواجهة. أنا لا أزعم أنه يمكننا إلغاؤها بشكل كامل لكن فقط محاربتها. في الواقع، تكمن المشكلة في أنّ كل شيء يعزّز حاليّاً هذه الأنظمة الفكرية والنزاعات الحالية جميعها لا يسعها سوى أن تعزّز الرؤى الأحادية الاتجاه. هل الماضي بائدٌ بالضرورة أم أنه واسطة للارتقاء نحو الحاضر والمستقبل؟
ـ هل قدر الماضي أن يُتجاوَزَ، أم أنه واسطة للحاضر والمستقبل؟
أليس تايلارد دي شاردان (Teilhard de Chardin) أحدَ آبائك في الفكر، نظراً إلى أنه قد استطاع إظهار حركية التعقيد الذي يسعى نحو وحدة الألفا (Alpha) والأوميغا (Omega)؟
* تايلارد مفكِّر عبقري كبير، أنا أختلف عنه من ناحية ما يملكه من رؤية تؤمن بالعناية الإلهية، فهو يعتقد بالمآل السعيد للنقطة أوميغا حيث كل شيء ينتهي على نحو جيّد، من ناحيتي، أتساءل عما إذا كان كل شيء سينتهي بشكل سيّئ ، بالرغم من كل شيء، أُوجِّه تحية إلى تايلارد الرائد والعبقري في ميادين عدّة.
تعود الرؤية المشوّهة التي نملكها عن الزمن إلى ما يُصطلَح على تسيمته بـ «مُعاصَرَويَّتنا»(Notre Contemporanéisme) ، التي تعتبر أن كافة الحقائق تحدث اليوم فتتجاهل الماضي والمستقبل. هناك حلقة عالقة بين الماضي والحاضر والمستقبل. فالماضي بحد ذاته ينتعش لأننا نرجع إليه للإجابة عن أسئلة الحاضر. وفي كل مرة، نغيّره. فتاريخ الثورة الفرنسية مثلاً يتعرّض للتعديل باستمرار وفقاً للتجارب المكتسبة أثناء الأحداث اللاحقة. لا يمكننا إذاً فصل الماضي عن الحاضر والمستقبل.
وما هو أهم من الماضي يوجد فعلياً في كلمة «العريق» (Arké) التي تعني الأساسي، والأول والأصلي. هي صيغة كان ماركس الشاب يسمّيها على طريقته في مخطوطه الاقتصادي الفلسفي «الإنسان الجنسي». (Lhomne Générique) والجنسي هنا بمعنى القوى الخلاقة والمنظّمة. أعتقد أنه من غير الممكن تصوّر أي مستقبل إلا عبر العودة نحو هذا العريق. إنّ الفكرة التي يتقدّم بها جان جاك روسو (Jean Jacques Rouseau) في أننا نفقد مع الحضارة التعبير عن الطاقات البشرية المتعدّدة هي فكرة عميقة للغاية. واليوم في حضارتنا، كثيرة هي الطاقات التي تراها متصلّبة ومتحجّرة. وتتبادر إلى ذهني هنا جملة سانتأكزوبيري (Saint Exupéry) في خواتيم كتابه «أرض البشر» (Terre des hommes) حين يرى أطفالاً لاجئين من إسبانيا على متن قطار: «الكثير من أمثال موزارت المقتولون». إني أرى أنّ يقظة الطاقات البشرية يمكن أن تخلق مستقبلاً. والجملة التي يقولها هايدغر (Heidegger) في هذا الصدد مهيبة حيث يعتبر أنّ: «الأصل ليس خلفنا بل أمامنا». إنها ربما قيامة قوانا الأصلية، العودة إلى هذه القوى الخلاقة التي هي اليوم مكبوحة، مجمّدة ومحجّرة. فكل بداية جديدة تستلزم عودةً إلى أمر مكبوح ومكبوت. لهذا السبب، لا ينبغي أن تتمزّق العلاقة بين الماضي والحاضر والمستقبل. فالمستقبل لن ينشأ إلا عن طريق العودة إلى مبادئنا الأصلية.
------------------------------------
[1] فيلسوف وعالم اجتماع فرنسي.
- تعريب: د. جاد مقدسي ـ أكاديمي عربي مقيم في بروكسل ـ بلجيكا.
ـ العنوان الأصلي للمقال :
Crise de la connaissance: comment faire face à la complexité du monde? Conférence donnée au cours de la session 2005 des semaines sociales de France.

[2] ترأس جلسة بعد الظهر جان كلود بتيه (Jean ـ Claude Petit)، الرئيس المدير العام دار مالشرب للنشر (Malesherbes) وإليزابيث مارشال (Elisabeth Marshall)، رئيسة تحرير مجلة «Prier»، وهما عضوان في لجنة الأسابيع الاجتماعية. أما الناطقون باسم المشاركين لطرح الأسئلة المكتوبة، فكانوا: برنار إيبال، نائب رئيس الأسابيع الاجتماعية في فرنسا، مونيك ميتراني (Monique Mitrani)، فرنسوا ديسوش (FranÇois Desouches) وفيرونيك باديتس (Véronique Badets)، وهم أعضاء في مجلس الأسابيع الاجتماعية في فرنسا.