ما وراء نظريّة المعرفة (البارادايم) بين الأسطورة والحقيقة
تأليف: د. محمد حسين زاده
تعریب: د. محمّد علي إسماعیلي
(1)بسم الله الرحمن الرحيم
(2)مقدّمة المركز5
مقدّمة المؤلِّف7
الفصل الأوّل
البارادایم: التحليل الدلالي، الأصل والتقويم11
الفصل الثاني
البارادايم أو الأساس: إمكانه وأنواعه ودوره في المعرفة71
الفصل الثالث
الأسس المعرفيّة لمنهج البحث
من وجهة النظر المختارة ونتائج المناهج المستمدَّة منها111
قائمة المصادر والمراجع180
حسين زاده، محمد، 1381 هجري - مؤلف.
ما وراء نظرية المعرفة : البارادايم بين الاسطورة والحقيقة / تأليف محمد حسين زاده : تعريب د. محمد علي اسماعيلي. - الطبعة الاولى - النجف العراق : العتبة العباسية المقدسة، المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية 2025.
186 صفحة : 20x12 سم. (سلسلة مصطلحات معاصرة : 47)
يتضمن إرجاعات ببليوجرافية : صفحة 180-186.
النص باللغة العربية مترجم من اللغة الفارسية.
ISBN: 9789922680446
1-البارادايم(نظريةالمعرفة).2.المعرفة--نظريات. أ. اسماعيلي، محمد علي، مترجم. ب. العنوان.
LCC: BD225.H87 2025
مركز الفهرسة ونظم المعلومات التابع لمكتبة ودار مخطوطات العتبة العباسية المقدسة
الفهرسة أثناء النشر
رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق ببغداد (616) لسنة (2025م)
ـ الكتاب: ما وراء نظرية المعرفة؛ البارادايم؛ بين الأسطورة والحقيقة.
ـ تأليف: د. محمد حسين زاده.
ـ تعريب: د. محمد علي إسماعيلي.
ـ الناشر: العتبة العبَّاسيّّة المقدَّسة، المركز الإسلاميّ للدراسات الاستراتيجيَّة.
ـ الطبعة: الأولى 2025م - 1446هـ.
Website: www.iicss.iq
E-Mail: islamic.css@gmail.com
Telegram: @iicss
(4)تدخل هذه السلسلة التي يصدرها المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيّة في سياق منظومة معرفيّة يعكف المركز على تظهيرها، وتهدف إلى بحث وتأصيل ونقد مفاهيم شكَّلت ولمّا تزل مرتكزاتٍ أساسيّةً في فضاء التفكير المعاصر.
وسعيًا إلى تحقيق هذا الهدف وضعت الهيئة المشرفة خارطةً شاملةً للعناية بالمصطلحات والمفاهيم الأكثر حضورًا وتداولًا وتأثيرًا في العلوم الإنسانيّة؛ ولا سيّما في حقول الفلسفة، وعلم الاجتماع، والفكر السياسي، وفلسفة الدين، والاقتصاد، وتاريخ الحضارات.
أمّا الغاية من هذا المشروع المعرفي، فيمكن إجمالها بالآتي:
أوّلًا: الوعي بالمفاهيم وأهميّتها المركزيّة في تشكيل المعارف والعلوم الإنسانيّة وتنميتها وإدراك مبانيها وغاياتها، وبالتالي التعامل معها كضرورةٍ للتواصل مع عالم الأفكار، والتعرُّف على النظريّات والمناهج التي تتشكّل منها الأنظمة الفكريّة المختلفة.
ثانيًا: إزالة الغموض حول الكثير من المصطلحات والمفاهيم التي غالبًا ما تُستعمل في غير موضعها، أو يجري تفسيرها على خلاف المراد منها؛ لا سيّما وأنّ كثيرًا من الإشكاليّات المعرفيّة ناتجة عن اضطراب الفهم في تحديد المفاهيم والوقوف على مقاصدها الحقيقيّة.
ثالثًا: بيان حقيقة ما يؤدّيه توظيف المفاهيم في ميادين الاحتدام الحضاري بين الشرق والغرب، وما يترتّب على هذا التوظيف من آثارٍ
(5)سلبيّةٍ بفعل العولمة الثقافيّة والقيميّة التي تتعرَّض لها المجتمعات العربية والإسلاميّة، وخصوصًا في الحقبة المعاصرة.
رابعًا: رفد المعاهد الجامعيّة ومراكز الأبحاث والمنتديات الفكريّة بعملٍ موسوعيٍ جديدٍ يحيط بنشأة المفهوم ومعناه ودلالاته الاصطلاحيّة، ومجال استخداماته العلميّة، فضلًا عن صِلاته وارتباطه بالعلوم والمعارف الأخرى.
وانطلاقًا من البعد العلمي والمنهجي والتحكيمي لهذا المشروع، فقد حرص المركز على أن يشارك في إنجازه نخبةٌ من كبار الأكاديميّين والباحثين والمفكّرين من العالمين العربي والإسلامي.
* * *
نواجه في ماوراء نظریّة المعرفة، والتي تمثّل مقدّمة لنظريّة المعرفة، العديدَ من القضايا المنهجيّة المتعلّقة بالبحث في مجال القضايا المعرفيّة، ومن أهم تلك المواضيع الرئیسة المنهجيّة التي لها علاقةٌ وثيقةٌ بنظريّة المعرفة، تلك المسائل المطروحة أو التي يمكن أن تُثار حول البارادایم. هل البارادایم أسطورة أم حقيقة؟ وهل للبارادایمات دورٌ في البحث وطریقة البحث والمعرفة والحصول علی الواقع؟ وهل یمکن البحث دون تحقيق البارادایمات والفرضیّات الذهنيّة، سواء في مجال العلوم الطبيعيّة أو العلوم الإنسانيّة، وحتى البحث في القضايا المعرفيّة؟ وهل يمكن تنظيم بحثٍ دونها؟
والحمد لله رب العالمين
المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيّة
(6)باسم الخالق الحكيم والربّ العليم، وله الحمد والشكر، وخیر الصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وخاتم الأنبياء الإلهيين محمّد وآله الخلفاء المعصومین، لا سیّما خاتم الأوصياء بقيّة الله الأعظم روحي لتراب مقدمه الفداء.
نواجه في ماوراء نظریّة المعرفة، والتي تمثّل مقدمة لنظريّة المعرفة، العديدَ من القضايا المنهجيّة المتعلّقة بالبحث في مجال القضايا المعرفيّة، ومن أهم تلك المواضيع الرئیسة المنهجيّة التي لها علاقةٌ وثيقةٌ بنظريّة المعرفة، تلك المسائل المطروحة أو التي يمكن أن تثار حول البارادایم. هل البارادایم أسطورة أم حقيقة؟ وهل للبارادایمات دورٌ في البحث وطریقة البحث والمعرفة والحصول علی الواقع؟ وهل یمکن البحث دون تحقيق البارادایمات والفرضيّات الذهنيّة، سواء في مجال العلوم الطبيعية أو العلوم الإنسانية، وحتى البحث في القضايا المعرفية؟ وهل يمكن تنظيم بحثٍ دونها؟ وأساسًا، ما هو معنى البارادایم؟ و...
إن أصبحت مفردة (البارادایم) محطّ الاهتمام في النصف الثاني من القرن العشرين في فلسفة العلم، وذلك مع نشر كتاب (بنية الثورات العلميّة) وهو من أعمال توماس كُون، ولم يستغرق نقلُها السریع إلى غيرها من مجالات المعرفة الإنسانية وقتًا طويلًا، ودارت على الألسنة في مجالات مثل فلسفة الدين، والفلسفة، ونظریّة المعرفة، والمنهجية، و...
(7)على الرغم من شيوع استخدام كلمة البارادايم، إلّا أنّ استعمالها يشوبه الكثير من الغموض والإبهام، وليس من الواضح ما إذا كان المؤلّفون يقصدون بهذه الكلمة المبادئَ الکلیة والعامّة أم النموذج والمثال. وبالإضافة إلى ذلك، فحتّى لو كان المقصود بالبارادایم في الكتب أو المقالات هو المعنى الأوّل، بناءً على بعض الأدلة والقرائن، ولکن مع ذلك ليس من الواضح أن المقصود هو البنية العقليّة أم الأساس؛ ولذلك فإنّنا نستعمل في الفصل الأوّل من هذا الکتاب، وقبل البحث في الأسئلة المذكورة أعلاه، على محاولة إيجاد حلّ لها؛ لذا سوف نقوم بتحليل دلالات كلمة (البارادایم)، وسنرى ما هو المعنى المقصود من هذه الكلمة الجديدة نسبيًّا، وما هو أصل ذلك المعنى أو المصطلح.
وفيما يلي، سوف نصل إلى نتيجةٍ مفادُها أن جذور البارادایم بمعنى الإطار العقلي، تمتدّ إلی وجهة نظر فيتغنشتاين وتنشأ من فلسفته اللاحقة، وقد واجه هذا الرأي الكثير من الإشكالات والنقد؛ ولذلك فإنّ الانتقادات التي يمكن توجيهها إلى فيتغنشتاين تشمل أيضًا جميع مؤيّدي البارادایم بمعنى الأطر العقلیّة.
ونستكشف في الفصل الثاني التمييزَ بين الإطار العقلي والأساس، ونبحث في إمكانيّة قبول البارادایمات بمعنى الأسس، ونبحث في مسألة تحدید الدور الذي تلعبه الأسسُ في المعرفة وتحقيق الواقع. وقد توصّلنا إلى نتيجةٍ مفادها أن البارادایم بمعنى (أساس الفكر) أمر حتميٌّ. ونجد علی ضوء الاستقراء أن كل مجموعة تتضمّن ما لا يقلّ عن ستّة فئات من الأسس، بینما أهمّها وأساسها هي الأسس المعرفيّة.
(8)وفي الفصل الثالث، وبعد التعرّف على حتميّة البارادایم بمعنى (أساس الفكر)، وبعد بيان الدور الذي لا يمكن إنكاره للأسس وخاصّة الأسس المعرفيّة في تنظيم البحث ومناهجه، فإنّنا نستكشف وندرس القضايا التالية: أوّلًا: ما هي الأسس المعرفية لمنهج البحث من وجهة نظر المنهج المختار؟ ثانيًا: ما هي طريقة أو طرق البحث التي يمكن الحصول عليها من خلال هذه الأسس؟ وهكذا نلقي في البداية نظرةً سريعة على أهم الأسس المعرفيّة لمنهج البحث من منظور المنهج المختار؛ أعني تلك المبادئ أو الأسس المعرفيّة التي هي نتيجة مجموعة أعمال وأبحاث المؤلف على مدى أكثر من ثلاثة عقود، وهي خلاصة منها. ثم نجيب على سؤالٍ مفاده أنّه ما هو طریق أو طرق البحث التي یمکن استنتاجها من المبادئ أو الأسس المعرفيّة المختارة؟
وأشعر في هذا الموقف، أنه من الضروري أن أعرب عن امتناني للمعلِّم الکبیر والحكيم حضرة آية الله مصباح اليزدي، الذي كنت دائمًا مدينًا له بلطفه وتوجيهاته. وأتوجّه بالشكر أيضًا إلى إخواني الأفاضل والعلماء الأستاذ عبد الرسول عبوديت وحجّة الإسلام والمسلمين الدكتور أحمد أبو ترابي اللّذين قَرَآ هذا الکتاب وذكّروني بنقاط مفيدة، كما أشكر كلّ من ساعدني في هذا الطريق. وأخص بالشكر المعاون المحترم لقسم الأبحاث في معهد الإمام الخمیني للتعلیم والبحث، والمدیر المحترم لقسم تحریر النصوص، وموظفي هذه الإدارة، المسؤولين في قسم النشر ورئیس قسم التحریر سماحة علي رضا تاجيك، الذي قام بتحرير هذا النص بدقّةٍ مثيرةٍ للإعجاب.
محمّد حسین زاده
1395/09/02هـ.ش
(9)لا بدّ قبل دراسة القضايا المعرفيّة من معالجة العديدَ من القضايا المنهجية في ماوراء نظریة المعرفة. إن من أهم تلك المواضيع الرئیسیة المنهجية التي لها علاقةٌ وثيقةٌ بنظريّة المعرفة، التعرُّف على دور البارادایمات في البحث وعلاقتها بطریقة البحث والمعرفة وتحقيق الواقع. وهل یمکن البحث دون تحقيق البارادایمات والفرضيّات الذهنيّة، سواء أكان في مجال العلوم الطبيعيّة أم العلوم الإنسانيّة، وحتى البحث في القضايا المعرفيّة؟ وهل يمكن تنظيم بحثٍ دونها؟ وإذا لم يمكن ذلك، فلماذا لا يكون البحث ممكنًا دونها؟ وإذا كان من الضروري استخدام الفرضیّات لإجراء البحوث، فما هي تلك الفرضیّات؟ وکیف هي؟ وما هو دورها؟ وهل لها دورٌ تمهیديٌّ في البحث؟ وبکلمة أكثر دقّة: هل لها دورٌ أَدَويٌّ أم دورٌ بنیويٌّ؟ هل هناك تفوّقٌ لبارادایمٍ علی بارادایماتٍ أخری، وبالتالي يمكن تفضيله على البارادایمات الأخرى على ضوء هذا التفوّق؟ وإذا كانت الإجابة بالإيجاب، فأيٌّ منها لديه أفضلية وأيّ البارادایمات أنقص من الأخری وفيها نقائص أكثر؟ وعلى افتراض تفضيل بارادایمٍ على بارادایمٍ آخر، فما هو معيار تفضيله على الآخر؟ وهل من الممكن تجاوز البارادایم والتفكير بحريّةٍ خارجَه؟ وهل
(13)المعرفة التي يتمّ الحصول عليها بهذه الطريقة صحيحةٌ ولها قیمةٌ؟ وهل الجمع بين البارادایمات منطقي؟ وهل يمكن الحصول على بارادایماتٍ مختلطةٍ من خلال مزجها؟
ومن ناحية أخرى، یمکن عند تقويم البارادایمات وفحصها أن نستنتج أن كل شخص يفهم العالَم بلغته وفهمه الخاص، ولا توجد لغةٌ وفهمٌ مشترك بين البشر؛ ولهذا السبب لا يمكن تفضيل رأي على آخر. أليس هذا الموقف موقف من یعتبر الإنسان وحیدًا؟
بالإضافة إلى ذلك، وانطلاقًا من فرضية وجود البارادایم وضرورة وجوده، هل يجب علی الفكر الإنساني أن يعتمد على بارادایمٍ واحد أم على عدّة بارادایماتٍ؟ وهل يجب أن یفكّر فرديًّا أم جماعيًّا؟
کما أنّه يوجد أمام هذا البحث الكثيرُ من البارادایمات والمناهج المختلفة، ألا يدلّ هذا التعدّد في مجال البارادایمات والمناهج على ارتباك الفکر الإنساني وفشله واكتئابه؟ وألا يدفعنا هذا إلى الشكّ في الواقع؟ ومن ناحية أخرى، لماذا يجب أن نشك في الواقع ولا نشكّ في قدرتنا؟ ألا يدفعنا هذا التعدّد في مجال البارادایمات إلى الشكّ في قدراتنا المعرفيّة؟ وأنّ لدينا غشاوة على أعيننا؟
قبل البحث في هذه الأسئلة وإيجاد حلٍّ لها، لا بدّ من استكشاف كلمة (البارادایم) ومعانيها اللغویّة والاصطلاحيّة وتحدید المعنى المقصود من هذه الكلمة الناشئة نسبيًّا، فهل المقصود منها هو المُنتَج المُسبَق أو المعلوم المُسبَق، أو الإطار العقلي أو الأساس؟
(14)وأخيرًا، ما هو أصل ذلك المعنى أو المصطلح؟ ولذلك فقد خُصّص الفصل الحالي لاستكشاف التحليل الدلالي للبارادایم وتحدید أصله وتقويمه.
تحدید معنی البارادایم
إن کلمة (paradigm) مشتقةٌ من الكلمة اليونانية (paradigma) والتي تعني المثال والنموذج والقُدوة أو الأطروحة. ولا يختلف استخدامها في الفلسفة المعاصرة عن معناها اللغوي، ففي الفلسفة المعاصرة يُستخدم المثال لأجل التحليل أو النقد. ومثل هذا التطبيق لا يتعارض مع المعنى اللغوي لهذه الكلمة، بل هو أحد مصادیق ذلك المعنى اللغوي ، فالمعنى اللغوي لهذه الكلمة هو النموذج أو المثال أو القدوة .
وبالإضافة إلى المعنى اللغوي، فإن للكلمة المذكورة استخدمین اصطلاحيَّین في الفلسفة:
1.استخدمه أفلاطونُ للإشارة إلى المُثُل (ideas or forms) من حیث إنها علائم تشیر إلی العالَم الخارجي؛
(15)2. وقد أطلقه توماس كُون على الأسس التي تُبنی عليها النظرياتُ العلميّة. وهو یری أن النظريّات العلمية تقوم على بارادایمات أساسية، وأن أيّ تغييرٍ في النظريات يتطلّب تغيير البارادایمات والحصول علی بارادایماتٍ جديدةٍ .
وبالطبع، فإنّ للكلمة المذكورة تطبيقًا اصطلاحيًّا في علم اللسانیّات أيضًا، وبناءً عليه فهي تعني الصيغ الصرفية .
أصبح مصطلح (البارادایم) محط الاهتمام في النصف الثاني من القرن العشرين في فلسفة العلم، وقد استخدمه توماس كُون في کتابه المشهور (بنية الثورات العلمية) . وبعد ذلك، تم استخدام البارادایم في فلسفة العلم على نطاق واسع، ولم يستغرق وقتًا طويلًا نقلُها السریع إلى غيرها من مجالات المعرفة الإنسانيّة ووقعت على
(16)الألسنة في مجالات مثل فلسفة الدين، والفلسفة ونظریة المعرفة، والمنهجيّة، و...
یکتنف استخدام كلمة البارادایم في العلوم المختلفة وحتى في العلم الواحد من الغموض والإبهام غالبًا. وليس من الواضح أن ما يقصده المؤلف بهذه الكلمة هو النموذج والقدوة أو الأطر العقلية أو الأساس أو غیرها؛ ولذلك فإن استخدام البارادایم في كتاب (بنية الثورات العلمية) كان نقطة انطلاقٍ لنقد توماس كُون. وقد ادّعى مَستِرمَن وهو أحد منتقديه، أن توماس كُون استخدم البارادایم في كتاب بنية الثورات العلمية في 22 بمعنى مختلفٍ ومتميّزٍ .
وأخيرًا، أصبحت انتقادات النُقّاد فعّالة ومؤثِّرة، واستخدم توماس كُون كلمتي (matrix) و(exemplar) بدلاً من كلمة (paradigm). ومن وجهة نظره فإنّ الكلمتين الأخيرتين تحملان المعنيين نفسهما اللّذين قصدهما بالبارادایم .
توضیح ذلك أن توماس كُون واجه انتقادات كثيرة بعد نشر كتاب
(17)(بنية الثورات العلميّة) . وقد أدرك أنّه يجب عليه توضيح البارادايم، وذلك عن طريق المادّة تقويم الانتقادات ومراجعتها؛ لأنّه رأی أنّ ثمّة بعض الصعوبات وسوء الفهم حصل من هذه الناحیة، وتوصَّل إلى أن البارادایم لا يُستخدم في الكتاب المذكور في أغلب الأحوال إلّا بمعنيين مختلفين، وذلك کالتالي:
ويتّضح من كلام كُون في التعلیقات أن المعنى الأول يمكن اعتباره معنی اجتماعيًّا، والمعنى الثاني، أي المثال والقدوة، يمكن اعتباره معنی فلسفيًّا. أمّا الخلافات وسوء الفهم التي أثارها كتاب (بنية الثورات العلميّة)، فإنها جاءت من المعنى الثاني .
وعلى أيّ حالٍ، بسبب هذه الصعوبات وسوء الفهم في فهم مصطلح البارادایم وجد كون أنّه من الراجح أن یستخدم مصطلح (مصفوفة
(18)السلسلة) بدلًا من ذلك. یشیر وصفُ المصفوفة بالسلسلة إلی الانتماء المشترك بين المتدربين في مجال خاص، کما أنّ المصفوفة أو الجهاز یشیر إلی أنه يتكوّن من عناصر منتظمة من أنواع مختلفة، كل منها يتطلّب وصفًا أكثر تفصيلًا .
یتکوّن المعنى الأوّل للبارادایم والكلمة البديلة له (مصفوفة السلسلة) من ستة مكوّنات من وجهة نظر كون، وهي:
1. المعادلات أو العلامات والتمثيلات الرمزيّة.
2. الأدوات.
3. معايير الصحة وإمكانية التكرّر التجريبي.
4. الفرضيّات الميتافيزيقيّة.
5. نطاق البحث.
6. الأمثلة والنماذج.
(19)المثال أو النموذج (exemplar) هو معنى آخر للبارادایم. یری توماس كُون أنه لا يمكن إنكار دور المثال والنموذج في البحث؛ ولذلك فإنّ من أهم عوامل تركيزه على النموذج أو المثال هو أن النماذج والأمثلة تعطي توجيهًا للبحث وتوجب تنظيمه
.نجد في بعض الأحيان أنه يتم تفسير جذور بعض الغموض في كتاب بنية الثورات العلميّة على النحو التالي: إن النموذج والمثال يمثّل أحد معاني البارادایم، لكنّه في الوقت نفسه يعدّ أحد مكوّنات المعنى الأوّل للبارادایم، وهو في الحقيقة مكوّنه السادس
.وعلى أيّة حالٍ، إذا استبدلنا المعنى الأوّل للبارادایم بمصطلح (مصفوفة السلسلة)، ومعناه الثاني بمصطلح المثال والنموذج (exemplar)، فهل سيقلّ الغموض وتزول الاعتراضات وتنتهي الانتقادات؟
البارادایم: الإطار أم الأساس؟
تم استخدام البارادایم في عدد كبير من الكتابات بعد توماس كُون. وتوجد العديد من المقالات التي تُعتبر هذه الكلمة جزءًا من موضوعها. ولا يقتصر استخدام البارادایم على فلسفة العلوم التجريبيّة التي تشكّل أصله الأساسي، بل استُخدم في كثير من العلوم، مثل فلسفة العلوم الاجتماعية، وفلسفة العلوم الإنسانية،
وفلسفة الدين، والإدارة، والعلوم السياسیة، وعلم الاجتماع، وما إلى ذلك...
والمهم في هذه الاستخدامات هو أن معنى هذه الكلمة يحيط به کثیرٌ من الغموض. وفي كثير من الأحيان، ليس من الواضح تحدید معناه؛ هل يعني المثال والنموذج والقدوة؟ أو بمعنى الإطار العقلي أو الأساس؟ ومن الواضح أن هناك فرقًا كبيرًا بين الأساس والإطار العقلي. فإن الإطار العقلي یشیر إلی أنّ ثمّة أُطُرًا تحكم وتهيمن على العقل والفكر، والتي لا يمكن تجاوزها، ولا يمكن للمرء أن يفكّر بحريةٍ دونها. بل الإنسان محاصَر بقيودها، ولا معنی للفكر دونها وبمعزل عنها. والإنسان ملزم بها، سواء أراد ذلك أم لا، ولا يستطيع اتخاذ قرارٍ دونها. ولقد اختار هذه النظریةَ النظامُ المعرفي لكانط وما بعد كانط والعديد من المدارس الأوروبيّة التي استلهمت من كانط، مثل الهرمنوطیقیا الفلسفيّة والبنيويّة
. ویستحیل من وجهة نظرهم، التحرّرُ من الإطار والذهاب خطوة إلى الأمام. ولا يمكن التفكير إلّا ضمن حدوده وبناءً على قواعده. إنّ ذاتيّة كانط، وتليها ذاتيّة فيتجنشتاين، توصّلتا إلى مثل هذه النتيجة ؛ وهي النتيجةالتي يصرّح بها فيتجنشتاين وأتباعه ويؤکّدون علیها. ولا بدّ هنا من تحليل مثل هذا الاستخدام وتقويمه معرفيًّا.
البارادایم کأساسٍ
یمکن أن يكون المعنى الآخر أو الاستخدام الآخر للبارادایم هو الأساس من دون الإطار العقلي. وبما أنّ هناك علاقات سببيّة ومنطقيّة بين بعض القضايا، فإن بعض القضايا قد تكون أسسًا لقضايا أخرى، وهي تعدّ البناء الفوقي لتلك القضايا. وهذه العلاقة هي علاقة وحدانیةٌ ولیست من الطرفین، فإنّ القضایا الفوقيّة مبنيّةٌ على القضایا التحتیّة الأساسيّة، وليس العكس.
وبالإضافة إلى ذلك، فإنه لا يمكن استنتاج أيّ نتيجةٍ من أيّ قضیةٍ، ولا يمكن التوصّل إلى أيّ نتيجةٍ من خلال أيّ قضیةٍ؛ بل إن بعض القضایا فقط لها عواقب ونتائج خاصة. فعلی سبیل المثال: إذا تمّ قبول المبادئ والأسس المعرفيّة للتجريبيّة والاعتماد عليها، فإنّ هناك نتائج ستُبنى عليها ولا تقوم على غيرها من المبادئ والأسس. کما أن الأسس المعرفيّة والأنثروبولوجيّة والأنطولوجیّة للحكمة الإسلاميّة لها نتائج لا يمكن أن نتوصّل إليها عن طريق المعرفة الفيزيائيّة والتجريبيّة وما إلى ذلك. ومثل هذه الظاهرة تختلف عن أسطورة الإطار. فإنّه وفقًا للإطار، یکون الذهن مقيّدًا ومحصورًا بالفرضيّات المسبقة، ولا يستطيع الهروب منها؛ لكن وفقًا للأساس، فإنّ الذهن لیس محصورًا بأيّ فرضيّة وإطارٍ مسبقٍ، وإنّما یحصره إطار القضایا ولیس إطار الذهن. وهناك فرقٌ كبيرٌ بين هذين:
(22)المحصوریّة بالإطار العقلي والمحصوریة بإطار القضایا. فإنّ وجهة النظر الثانية هي الواقعيّة ووجهة النظر الأولى هي النسبيّة. ووفقًا لوجهة النظر الثانية، فمن الممكن تجاوز قضیّةٍ وتقويم الخيارات الأخرى، لكن وفقاً لوجهة النظر الأولى فإنّ مثل هذا الأمر غير ممكن. وعلی ضوء ذلك فإن النتيجة الواضحة للتمييز بين هذين المصطلحين هي أنه بناءً على مصطلح البارادایم بمعنى الأساس، يمكن الاختيار بين الأسس واختيار الأسس التي تتوافق مع الواقع، على ضوء المعايير الصحیحة والحقة. ولكن انطلاقًا من مصطلح البارادایم بمعنى الإطار العقلي، فإنّه لا يمكن اختيار أساسٍ وتفضيل وجهة نظرٍ واحدةٍ على وجهات النظر الأخرى، وسيكون الإنسان مقيّدًا بإطاره الذهني الخاص ولا يستطيع الهروب من سياجها.
وعلى هذا، فإنّه انطلاقًا من استخدام البارادایم بمعنى الأساس، يمكن القول إنّه ممّا لا شكّ فيه أن النظريات في العلوم، وخاصّة العلوم الإنسانيّة، وحلولها تَقوم على مبادئ خاصّة، أهمّها الأسس المعرفيّة والأنطولوجيّة والأنثروبولوجيّة. وکل أساسٍ مقبولٍ في نظريّة المعرفة أو الأنطولوجيا أو الأنثروبولوجيا، فإنّ نتائجه تظهر في حلول ونظريات العلوم الإنسانيّة. وسنعود في الفصل التالي، إلى هذا الاستخدام أو المصطلح الأساسي ونناقشه بمزيدٍ من التفصيل.
ویتبیّن من خلال الأبحاث التي أجریناها
، ومن خلال وجهةالنظر المختارة التي سنتبعها في بقيّة الفصل أیضًا، أنّ البارادایم بمعنى الإطار العقلي، يمثّل وجهة نظر مستحيلة وغير مقبولة. وأمّا البارادایم بمعنی تأسيس النظريّات على الأسس والمبادئ، فهو وجهة نظر مقبولة، بل لا يمكن إنكارها. ومن أجل تجنّب سوء الفهم، ينبغي أن نتجنّب استخدام كلمة البارادایم والعمل على استخدم المعنى المناسب في كل مجالٍ: فإذا كان المقصود هو الأساس، فلا بدّ أن نستخدم الأساس بدلًا من البارادایم، وإذا كان المقصود هو الإطار متأثّرًا بآراء كانط وما بعد الكانطيّة، فينبغي التصریحُ بهذا المعنی واستخدامُ کلمة الإطار. وأخيرًا، إذا كان المقصود هو النموذج والمثال والقدوة، فلا بدّ أن نستخدمه، وبالتالي لا بدّ من تجنّب استخدام الكلمات المبهمة أو المشترکات اللفظیّة مثل البارادایم، أو على الأقلّ، لا بدّ عند استعمال کلمة البارادایم ونحو ذلك من الكلمات من تحديد المعنى المقصود، أو استخدام قرینةٍ واضحةٍ لتوضيح المعنى المقصود؛ لأنه يؤدي إلى سوء الفهم والخطأ والمغالطة. فإنّ من المغالطات، بل من أصعبها، غموضُ معنى الكلمة المستخدمة، حتّى لو لم يرغب المؤلّف في ذلك، فإنّ استخدام الكلمات الغامضة وعدم توضيح معناها يؤدّي إلى المغالطة.
البارادایم وکتاب بنية الثورات العلميّة
إنّ تفسير البارادایم بالأسس المعرفية والـ الأنطولوجية وما شابهها، أو تفسير البارادایم بالأطر المعرفيّة والوجوديّة وما شابهها، أمرٌ
(24)محتملٌ في حد ذاته وممكنٌ، بل يمكن القول بأن مثل هذا التفسیر قد تحقّق؛ ولكن إسناده إلى كتاب (بنية الثورات العلميّة) ومن تأثّر به يبدو مشكوكًا فيه، ويستحق بحثًا مستفيضًا، إذ من المؤسف أنّ استخدامات البارادایم في الكتاب المذكور غامضة مبهمةٌ، ولم يعط المؤلّف معنى واضحًا لهذه الكلمة في نصّ الكتاب. ولكنه كما تقدّم سابقًا، فإنّ الملحق الذي كتبه المؤلّف بعد سنوات قليلة وألحقه بالكتاب، يتضمّن توضيحًا للمقصود من البارادایم في هذا الكتاب معنيين فقط: المعنى العامّ الذي يمثّل مزيجًا کاملًا من المعتقدات والقيم والتقنيّات وما شابه ذلك، والمعنى الخاصّ الذي يمكن أن يكون حلًّا لبقية ألغاز العلم. وفي هذه المرحلة استبدله بكلمة النموذج والمثال (exemplar). ويعترف المؤلّف في الملحق المذكور، والذي يشير فيه إلى أقوال النُقّاد، بأن معظم الإشكاليات التي أوردت علی وجهة نظره إنّما جاءت من استخدام كلمة البارادایم وغموضها. ولذلك يحاول في هذا القسم إزالة غموض هذه الكلمة وتوضيح معناها من استعمالاتها
.ويمكن الحصول على شرح واضح للاستخدام أو المصطلح الأوّل من تصريحاته في شرح تقدّم العلم. وبناء على تلك الأقوال يمكن تفسير البارادایم بهذه الطريقة ويمكن تحديد نطاقه وحدوده: «يتكوّن البارادایم من الفرضيّات النظريّة العامّة وقواعد وتقنيّات تطبيقها، والتي تَشملها أعضاء مجتمع علمي معيّن. والباحثون
داخل البارادایم منخرطون فيما يسمّيه توماس كُون العلم العادي، سواء أكان ذلك ميكانيكا نيوتنیّة، أو علم البصريّات الموجيّة، أو الكيمياء التحليليّة، أو أيّ شيء آخر»
.وأخيرًا، استخدم كُون في ملحق كتاب بنية الثورات العلمية، مصطلح (مصفوفة السلسلة) بدلًا من مصطلح (البارادایم) العام. واعترف في ذلك الملحق بأنه يستخدم البارادایم -والذي هو الكلمة المفتاحية في هذا الکتاب- في معنيين: 1. مصفوفة السلسلة؛ 2. المثال أو النموذج. إن مصفوفة السلسلة هي إجابة على أسئلة مثل: «ما هو نوع الكائنات الموجودة في العالم؟ وكيف يتفاعلون مع بعضهم بعضًا ومع حواسنا؟ ما هي الأمور التي تعدّ کشواهد علی صدق نظریةٍ من النظریات؟ ما هي الأسئلة المركزية [في العلم]؟ ما هي الأمور التي تمثّل حلولًا للمشکلة؟ ما هو الذي يُعتبر تفسيرًا لظاهرة ما؟ وما شابه»
.إنّ مثل هذا التفسير للبارادیم أو مصفوفة السلسلة، بالإضافة إلى الإجابة على الأسئلة المذكورة أعلاه، يتضمّن تقنیّات وأساليب عمليّة أيضًا؛ ولذلك فإنّ مصفوفة السلسلة تتضمّن التقنیّات التي جَعلت العلماءَ قادرين على استخدام المعدات التقنيّة، ويمكنهم استخدام المعدات التقنيّة بمساعدتها؛ وهذه التقنیّات مثل القدرة على تغيير تكبير التلسكوب أو القدرة على بلورة الملح من خلال تفاعل كيميائي
.ومن الواضح أنه بناء على استخدام البارادایم في هذا المصطلح الذي أسماه توماس كُون مصفوفة السلسلة، فإنّه يقصد بالمبادئ العامة تلك المبادئ المقبولةَ في العلوم التجريبيّة وحتى المهارات التمكينية، دون المبادئ المعرفيّة، أو ما شابه ذلك، أو الأطر العقلیّة والمعرفيّة الشائعة بين الكثيرين الآن.
إنّ البارادایم بمعنى النموذج ليس له مثل هذا الاستخدام أیضًا. والبارادایم بهذا المعنى (النموذج) يقدّم نموذجًا مناسبًا لتعليم الباحثین. يلعب التدريس من خلال النماذج دورًا مهمًّا في التعليم. ويمكن للطلاب من خلال النماذج والأمثلة أن یتعلّموا كيفيّة استخدام تلك النماذج في الحالات الأخرى. فمثلًا فيزياء نيوتن هي مثالٌ أو نموذجٌ يتضمّن العديد من المبادئ، بما في ذلك تفضيل التفسيرات السببيّة والتنبّؤات الكمّية على النوعيّة والعامّة، وقوانين الحركة والجاذبية، والتقنيّات الرياضيّة التي تُستخدم لتطبيق القوانين المذكورة في حركات الكواكب والبندولات ونحوها. إن للبارادایم بمعنى النموذج العديد من الأمثلة الأخرى، بما في ذلك علم الفلك البطلمي، ونظريّة فلوجيستون حول الاحتراق، وعلم بصريات الجُسيمات، وتدفّق السوائل للكهرباء، الفيزياء النسبيّة، وفيزياء الكم (التي لها موجات كهرومغناطيسيّة ولها أحجامٌ منفصلة وليست متّصلة)
.وعلى هذا، فإنّ استخدام النموذج من وجهة نظر توماس كُون إنّما هو لشرح ماهية العلم التجريبي والتعبير عن خصائصه. وکان فلاسفة العلم قبل كُون، على الرغم من اختلاف آرائهم الكثيرة، قد ذکروا بعض خصائص العلم التجريبي وأوضحوا ماهیة العلم التجريبي على النحو التالي:
1. العلم التجريبي يتقدّم دائمًا، ويبني علماء اليوم نظرياتهم على إنجازات علماء الأمس.
2. العلوم التجريبيّة قابلة للتحويل إلى الفيزياء. وحتّى قوانين البيولوجيا یتمّ تحویلها إلى الفيزياء من خلال قوانين الكيمياء. وعلی هذا تُشتقّ قوانين البيولوجيا من قوانين الكيمياء، وأخيراً تُشتق قوانين الكيمياء من قوانين الفيزياء؛ ولذلك فإنّ العلوم الطبيعيّة والتجريبيّة يحكمها منهج واحد.
3. يختلف موقف الاكتشاف عن موقف التبرير والبرهان، وأحدهما لا یستلزم الآخر. إنّ مدى تقديم الملاحظات بوصفها دليلًا لصالح النظريّة المطروحة لا علاقة له بمن اقترح النظريّة ومتى اقترحها.
4. النظريّات العلميّة محايدة ومستقلّة عن مشاعر العلماء وآرائهم غير العلميّة. ومن ثَم، فمن الممكن تقويمها بشكل محايد، ويمكن
(28)للمرء أن يقوّمها دون الاهتمام بمصالحه الخاصّة.
5. ثمّة فرقٌ شاسعٌ بين معتقدات ونظريّات العلوم التجريبيّة وغيرها من المعتقدات والنظريات.
6. يمكن اختبار المعرفة والنظريّات العلميّة من خلال الملاحظة والتجارب العلميّة، وتُعتبر الملاحظة والاختبار، بالإضافة إلى قدرتهما على التقويم، محايدتین في هذا التقويم؛ ولهذا هناك تمييزٌ واضحٌ بين المفاهیم القابلة للملاحظة والمفاهیم النظريّة مثل الإلكترون و...، ونتيجة لذلك، ثمّة تمييزٌ واضحٌ بين القضایا القابلة للملاحظة والقضایا النظريّة التي تتکوّن من تلك المفاهیم.
7. للمفردات العلميّة معانٍ ثابتة.
اتّخذ توماس كُون موقفًا ضد وجهة النظر الشائعة المشهورة، وأنکر كلَّ الفوارق والخصائص المذكورة أعلاه. وقد استدل علی أن تاريخ العلم ليس تراكمًا للمعرفة، وأنّ التجارب والملاحظات العلميّة ليست محايدة، بل هي تحمل نظريّات. ولا يوجد منطق واحد لتقويم المعرفة والنظريّات العلميّة، بل إنّ آراء العلماء واهتماماتهم وقيمهم المقبولة لدیهم تلعب دورًا في التقويم والحكم. ولا توجد طريقة لجمع الملاحظات المحايدة والموضوعيّة. وفي نهاية المطاف، ليس للمفردات معنًى ثابتًا. وبذلك أنكر جميع السمات المذكورة أعلاه
،