ـ «ترجمات المستشرقين للقرآن الكريم -مقاربة تقويميّة-» | 11
ـ المستشرقون الغربيّون وترجمة القرآن الكريم | 25
ـ أهداف المستشرقين في ترجمة القرآن | 77
ـ ترجمات القرآن الكريم إلى الفرنسيّة -قراءة في الآليّات والخلفيّات | 91
ـ القرآن الكريم في الدراسات الاستشراقيّة الفرنسيّة -مناولة بلاشير أنموذجًا- | 177
ـ ترجمات القرآن الكريم إلى اللغة الإنكليزيَّة -دراسة تطبيقيَّة مقارنة لسورة الإنسان- | 203
ـ المعادِلات الإنكليزيَّة لمفردات سورة الفاتحة -دراسة تطبيقيَّة لترجمات إنكليزيَّة- | 267
ـ ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة الألمانيّة -دراسة نقديّة- | 295
ـ الاستشراق الاسرائيليّ وأثره في ترجمات معاني القرآن الكريم إلى العبريّة | 321
ـ حركة الاستشراق الروسيّ وترجمة معاني ألفاظ القرآن الكريم | 351
ـ ترجمات القرآن إلى لغات البلقان -دراسة تحليليّة تاريخيّة- | 365
العتبة العباسية المقدسة
المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية
سلسلة القرآن في الدراسات الغربية
ترجمة القرآن عند المستشرقين
مقاربات نقدية
(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
(2)سلسلة القرآن في الدراسات القرآنية
ترجمة القرآن عند المستشرقين
مقاربات نقدية
مجموعة مؤلفين
(3)ترجمة القرآن عند المستشرقين : مقاربات نقدية / تأليف مجموعة باحثين . -الطبعة الاولى- النجف ، العراق : العتبة العباسية المقدسة ، المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية ، 1442 ه . = 2020 .
375 صفحة ، 24 سم -(سلسلة القرآن في الدراسات الغربية ، 2)
يتضمن ارجاعات ببليوجرافية
ردمك : 9789922625799
1. القرآن - ترجمة . 2. الاستشراق والمستشرقون . أ. العنوان
LCC;BP131.13.T37 2020
مركز الفهرسة ونظم المعلومات التابع لمكتبة ودار مخطوطات العتبة العباسية المقدسة
فهرسة اثناء النشر
(4)مقدِّمة المركز7
«ترجمات المستشرقين للقرآن الكريم -مقاربة تقويميّة-»11
الشيخ لبنان حسين الزين
المستشرقون الغربيّون وترجمة القرآن الكريم25
أ.د. جميل حمداوي
أهداف المستشرقين في ترجمة القرآن77
د. محمد حسن زماني- بختيار إسماعيلوف
ترجمات القرآن الكريم إلى الفرنسيّة -
قراءة في الآليّات والخلفيّات91
د. مكي سعد الله
ترجمات معاني القرآن الكريم إلى الفرنسيّة: الدوافع والأهداف والمغالطات
-ريجيس بلاشير وجاك بيرك أنموذجين- 133
د. وليد كاصد الزيدي
القرآن الكريم في الدراسات الاستشراقيّة الفرنسيّة
-مناولة بلاشير أنموذجًا-177
د. أنس الصنهاجي
ترجمات القرآن الكريم إلى اللغة الإنكليزيَّة
-دراسة تطبيقيَّة مقارنة لسورة الإنسان-203
محمود واعظي
تقنيَّات اختيار المعادِلات المناسبة للأسماء القرآنيَّة الخاصَّة
-دراسة توصيفيَّة لخمس ترجمات إنكليزيَّة- 241
د. السيِّد عبد المجيد طباطبائي لطفي
المعادِلات الإنكليزيَّة لمفردات سورة الفاتحة
-دراسة تطبيقيَّة لترجمات إنكليزيَّة-267
د. علي رضا أنوشيرواني
ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة الألمانيّة -دراسة نقديّة-295
د. الشيخ محمد علي الرضائي- إستيفان فريدريش شيفر
الاستشراق الاسرائيليّ وأثره في ترجمات
معاني القرآن الكريم إلى العبريّة321
م.م. محمد نجم حمزة فليح الرفيعي
حركة الاستشراق الروسيّ وترجمة
معاني ألفاظ القرآن الكريم351
م.م. محمد عبد علي حسين القزاز
ترجمات القرآن إلى لغات البلقان -دراسة تحليليّة تاريخيّة-365
د. حامد ناصر الظالمي
بسم الله الرحمن الرحيم
عمل المستشرقون الغربيّون مبكِّرًا على ترجمة القرآن الكريم إلى اللغات الأوروبيّة المختلفة؛ حيث ظهرت أوّل ترجمة للقرآن إلى اللغة اللاتينيّة ما بين 1136-1157م، ثمّ توالت من بعدها ترجمات أخرى إلى لغات أوروبيّة مختلفة؛ كالإنكليزيّة، والفرنسيّة، والألمانيّة، وغيرها...
وقد اشتملت أغلب هذه الترجمات -عن تعمّد أو عن غير قصد- على أخطاء فادحة ومغالطات خطيرة وموزّعة الموضوعات والدلالات، ومتنوِّعة الخلفيات، والأهداف. ومن الواضح بحسب التتبّع التاريخي أنّ دوافع ترجمة القرآن إلى اللغات الأخرى عند طائفة كبيرة من المستشرقين ترتبط بتعصّبهم ومحاربتهم للقرآن والإسلام، هذا فضلًا عن الأهداف المرتبطة بالتبشير، وتكريس بشريّة نص القرآن الكريم؛ هذا فضلًا عن أنّ ترجمات المستشرقين كانت قاصرة عن أداء معانيه، وأسلوبه المعجز... بل إنّ بعضهم تعمّد تحريف معاني القرآن، فتذكر بعض الدراسات أنّ غرض المستشرقين من الترجمة هو تحريف وتشويه معانيه، وتقبيحه في أعين عوامهم، خوفًا من أن يتأثّروا بالإسلام الذي كان ينتشر بسرعة في أوساط أهل الأديان...، وبالفعل فقد لقت هذه الترجمات المشوّهة للقرآن الكريم دورًا في زرع الحقد والكراهية على الإسلام ونبيّه وقرآنه... ما استدعى ردودًا من قِبَل علماء الإسلام في العقود المنصرمة، ويستدعي بذل الجهود المضاعفة في تقويمها ونقدها في الواقع الراهن.
هذا الكتاب «ترجمة القرآن عند المستشرقين- مقاربات نقدية»؛ عبارة
عن مجموعة من المقاربات النقديّة لأبرز الترجمات الأوروبيّة للقرآن الكريم، اشترك في تقديمها مجموعة من الباحثين المتخصّصين من العالمين العربيّ والإسلاميّ؛ بهدف بيان نقاط الضعف المضمونيّ والمنهجيّ والفنّي الذي اشتملت عليه هذه الترجمات، وتقديم توصيات لمعالجة الأخطاء والمغالطات التي أفرزتها، والتوصية بمقاربة ترجمة القرآن الكريم وفق مجموعة من الضوابط والشروط العلميّة والمنهجيّة التي تحافظ على قدسيّة القرآن الكريم وتراعي خصوصيّاته الوحيانيّة والإعجازيّة والرساليّة... وهذه المقاربات؛ هي:
- مدخل منهجيّ للكتاب: «ترجمات المستشرقين للقرآن الكريم -مقاربة تقويميّة-»/ الشيخ لبنان حسين الزين.
- المستشرقون الغربيّون وترجمة القرآن الكريم/ أ.د. جميل حمداوي.
- أهداف المستشرقين في ترجمة القرآن/ د. محمد حسن زماني؛ بختيار إسماعيلوف.
- ترجمات القرآن الكريم إلى الفرنسيّة -قراءة في الآليّات والخلفيّات/ د. مكي سعد الله.
- ترجمات معاني القرآن الكريم إلى الفرنسيّة: الدوافع والأهداف والمغالطات -ريجيس بلاشير وجاك بيرك أنموذجين-/ د. وليد كاصد الزيدي.
- القرآن الكريم في الدراسات الاستشراقيّة الفرنسيّة -مناولة بلاشير أنموذجًا-/ د. أنس الصنهاجي.
- ترجمات القرآن الكريم إلى اللغة الإنكليزيَّة -دراسة تطبيقيَّة مقارنة لسورة الإنسان- محمود واعظي.
- تقنيَّات اختيار المعادِلات المناسبة للأسماء القرآنيَّة الخاصَّة-دراسة توصيفيَّة لخمس ترجمات إنكليزيَّة- د. السيِّد عبد المجيد طباطبائي لطفي.
(8)- المعادِلات الإنكليزيَّة لمفردات سورة الفاتحة -دراسة تطبيقيَّة لترجمات إنكليزيَّة- د. علي رضا أنوشيرواني.
- ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة الألمانيّة -دراسة نقديّة-/ د. الشيخ محمد علي الرضائي؛ إستيفان فريدريش شيفر.
- الاستشراق الاسرائيليّ وأثره في ترجمات معاني القرآن الكريم إلى العبريّة/ م.م. محمد نجم حمزة فليح الرفيعي.
- حركة الاستشراق الروسيّ وترجمة معاني ألفاظ القرآن الكريم/ م.م. محمد عبد علي حسين القزاز.
- ترجمات القرآن إلى لغات البلقان -دراسة تحليليّة تاريخيّة-/ د. حامد ناصر الظالمي.
ولا يسعنا إلا أنْ نشكر الباحثين الأفاضل والمترجمين الذين ساهموا في مشروع هذا الكتاب، ولا سيما الشيخ لبنان الزين الذي أشرف على الإعداد، وقام بتحرير مضمونه، والفريق المساعد له في المركز. راجين من الله -تعالى- أنْ يتقبّل منّا ومنهم هذا العمل في طريق خدمة الدين الحنيف وكتابه الكريم.
(9)
الاستشراق (Orientalism) مصطلح تعدّدت دلالاته ودوافعه الفكريّة والأيديولوجيّة عبر التاريخ والواقع المعاصرَيْن، فتراوحت دلالته بين دراسةٍ لحضارة الشرق وثقافته وعاداته وتقاليده وأعرافه وأنماط معيشته...، ودراسةٍ للدين والإسلام والقرآن والسنّة والتاريخ الإسلاميّ ورموز المسلمين...
، وتجاذبت دوافعه بين دراسةٍ حرّضها التنصير والتبشير،ودراسةٍ ساقها الاستعمار الكولونياليّ لإخضاع البلاد والعباد، وأخرى حملها الخوف على الأنا (الغربيّة) من الاستلاب الحضاريّ والثقافيّ أمام انتشار تعاليم الإسلام، ورابعةٍ أخرى حفَّزها البحث عن الحقيقة وفهم الآخر الشرقيّ أو المسلم، وتحرّي هويّته من داخل بيئته الشرقيّة والإسلاميّة؛ تمهيدًا لمدّ جسور الحوار والتلاقي الحضاريّ بين الشرق والغرب، وبين أتباع الأديان، وقليل مَنْ هم كذلك!...
وبسبب دوافع التنصير والاستعمار الغالبة على حركة الاستشراق في التاريخ المعاصر، فقد اكتسب هذا المصطلح حمولة سلبيّة أعاقت عمل المستشرقين المعاصرين في دراستهم للشرق والإسلام؛ على اختلاف دوافعهم في الدراسة؛ ما حدا بهم إلى إلغائه في مؤتمر دولي عقدته الجمعيّة الدوليّة للمستشرقين عام 1973م، والتي أصبحت تسمّى في ما بعد بـ «الجمعيّة الدوليّة للدراسات الإنسانيّة حول آسيا وأفريقيا»، ثمّ عدّلت التسمية إلى «الجمعيّة الدوليّة للدراسات الآسيويّة والشمال-أفريقيّة»، كما ألغت الجامعات والمراكز البحثيّة الغربيّة اسم «الاستشراق» من أقسامها العلميّة والبحثيّة، وأطلقت عليها تسميات أخرى؛ من قبيل: «دراسات الشرق الأوسط»، و «دراسات الشرق الأدنى»، و«الدراسات الآسيويّة»، و«الدراسات الشمال-إفريقيّة»، و«معاهد دراسات الشرق الأوسط»، ... ولكنّ ذلك لم يُفلِح في تغيير الصورة النمطيّة التي حفرها الغرب -بممارساته- في أذهان العرب والمسلمين؛ عن مساعيه ودوافعه السلبيّة الكامنة وراء بحثه عن الشرق والإسلام، على الرغم من تأكيدات بعض أبرز المستشرقين المعاصرين لهذا الإلغاء المصطلحيّ؛ ومنهم: المستشرق البريطانيّ الأصل برنارد لويس (Bernard Lewis) (1916 - 2018م)؛ بقوله في أحد تعليقاته على نتائج المؤتمر الدولي للمستشرقين الذي عُقِدَ في باريس عام 1973م: «لقد ألقينا مصطلح «الاستشراق» في مزابل التاريخ»
، ولكن سرعانما عاد تداول هذا المصطلح بكثرة بين المفكّرين والباحثين، بُعيد هذا الإلغاء الشكليّ له من قِبَل الغرب، ولاسيّما بعد أنْ أصدر المفكِّر الفلسطينيّ إدوارد سعيد كتابه المشهور بعنوان «الاستشراق» عام 1976م، الذي تُرجِمَ إلى لغات أوروبيّة وشرقيّة عدّة، محدِّدًا فيه الاستشراق بأنّه مصطلح أكاديميّ صرف، وأنّ المستشرق هو كلّ مَنْ يدرس أو يكتب عن الشرق أو يبحث فيه، وكلّ ما يعمله هذا المستشرق يسمّى استشراقاً، وواصفًا إيّاه بأنّه تحيّز مستمرّ وماكر من دول مركز أوروبا تجاه الشعوب العربيّة الإسلاميّة، وبأنّه أسلوب غربيّ للهيمنة على الشرق، وإعادة صياغته وتشكيله وممارسة السلطة عليه
؛ ما أحدث ضجّة إعلاميّة كبيرة بين المفكّرين والأكاديميّين الغربيّين والعرب، وردّات فعل سجاليّة بينه وبين أبرز المستشرقين الغربيّين آنذاك؛ وعلى رأسهم: برنارد لويس.ومع التسليم جدلًا بانتهاء الصلاحيّة الفكريّة والبحثيّة لمصطلح «الاستشراق» في الفكر الغربيّ، فهل انقطعت صلاته الدوافعيّة والمصدريّة بالاستشراق القديم؟ الواقع يؤكِّد العكس تمامًا؛ إذ إنَّنا نجد أنَّ معظم مقولات المستشرقين الجدد ليست إلَّا اجترارًا لمقولات المستشرقين السابقين، ولاسيّما أمثال: سيلفستر دي ساسي (Silvester de Sacy) (ت: 1838م)، أرنست رينان (Ernest Renan) (ت: 1892م)، وإجنتس جولدتسيهر (Ignaz Goldziher) (ت:1921م)، وتيودور نولدكه (Theodor Noldke) (ت: 1930م)، وكارل بروكلمان (Carl Brockelmann) (ت: 1956م)، وآرثر جفري (Arthur Jeffery) (ت: 1959م)، ولويس ماسينيون (Louis Massingon) (ت: 1962م)، وريجيس بلاشير (Regis Blachere) (ت: 1973م)، وغيرهم!
وما زالت كُتُب أولئك المستشرقين إلى الآن تُعاد طباعتها، ويُبنى عليها البحث الغربيّ المعاصر والحديث عن الإسلام والعرب والمسلمين! بل أكثر من ذلك؛ فإنّنا نجد هذا المصطلح (الاستشراق) ما زال متداولًا بشكله المصطلحيّ -فضلًا عن حمولته الفكريّة والأيديولوجيّة- في أكثر الفعاليّات والمواقع العلميّة والبحثيّة والثقافيّة
الغربيّة، حتّى بعد الإلغاء الشكليّ للمصطلح في مؤتمر الجمعيّة الدوليّة للمستشرقين المنعقد عام 1973م
، وإلى يومنا هذا؛ ويكفي أنْ تضع كلمة (Orientalism) في محرّكات البحث المشهورة على الشبكة الإلكترونيّة؛ ليأخذك البحث إلى عشرات الآلاف من المواقع والمقالات والكتب والدراسات والفعّاليّات والأنشطة التي ورد في عنوانها مصطلح «الاستشراق»!وقد أَوْلى المستشرقون اهتمامًا بالقرآن الكريم نشأ في كثير من الأحيان من المخاوف التي استحوذت على عقليّة الإنسان الغربيّ ونظرته إلى الإسلام نظرة المنافس المهدِّد له باستلاب حضارته وثقافته، فظهر الجدل ضدّ القرآن الكريم مبكِّرًا، منذ القرون الوسطى في الغرب، في الخطاب الدينيّ اليهوديّ والمسيحيّ على لسان يوحنا الدمشقيّ (ت: 749م)، وموسى بن ميمون (ت: 1204م)، وتوما الأكويني (ت: 1274م)، ورئيس دير كلوني بطرس المبجَّل (ت: 1156م) الذي كان أوّل من شجّع على مشروع ترجمة القرآن الكريم إلى لغة غربيّة ودعمه، فظهرت أوّل ترجمة للقرآن إلى اللغة اللاتينيّة على يد البريطاني روبرت كيتون (Robert of Ketton) في الفترة الممتدة بين (1136-1157م)، ثمّ تتابعت من بعدها الترجمات إلى اللغات الأوروبيّة المختلفة؛ كالإنكليزيّة، والفرنسيّة، والألمانيّة، والإيطاليّة، والهولنديّة، ... ولم يقتصر عمل المستشرقين على هذا المجال بالنسبة للقرآن الكريم، بل اتّسعت جهودهم إلى مجالات أخرى تتعلّق بالقرآن الكريم؛ كعلوم القرآن والتفسير والدراسات القرآنيّة، فبرزت في هذا الصدد شخصيّات استشراقيّة عدّة تنتمي إلى مدارس استشراقيّة أوروبيّة؛ ألمانيّة، وبريطانيّة، وفرنسيّة، ومجريّة...؛ من قبيل: الألمانيّ تيودور نولدكه (Theodor Noldke) (ت: 1930م)، ومواطنه رودي باريت (Rudi Paret) (ت: 1983م)، والمجريّ إجنتس جولدتسيهر (Ignaz Goldziher) (ت: 1921م)، والبريطانيّ ريتشارد بيل (Richard Bell) (ت: 1952م)، والفرنسيّ ريجيس بلاشير (Regis Blachere) (ت: 1973م)، والأستراليّ آرثر جفري (Arthur Jeffery) (ت: 1959م)، ... وقد وصلت هذه الجهود الاستشراقيّة في
البحث القرآنيّ إلى مرحلة إصدار موسوعات قرآنيّة؛ كـ«موسوعة القرآن» التي صدرت ما بين 2000-2006م عن دار بريل الهولنديّة ضمن ستّ أجزاء ، ويجري العمل حاليًّا على مشروع الموسوعة القرآنيَّة الألمانيَّة (Corpus Coranicum) والمشروع الداعم له «كورانيكا (Coranica)» .
واستمدادًا من الاستشراق القديم، واستجرارًا لمقولاته، سار المستشرقون المعاصرون على خطى أسلافهم من المستشرقين المتقدِّمين، يلوكون أقوالهم، ويسترجعون مقولاتهم عن القرآن الكريم وعلومه وفهمه وتفسيره... مع إضافات -في أغلبها- شكليّة غير جوهريّة، وادّعاء إضافات لمقولات جديدة استدعتها نظرات وتحقيقات على مستوى دراسة المخطوطات القرآنيّة المكتشفة مؤخَّرًا عبر فحص الكربون المشعّ C14
؛ كمخطوطات صنعاء، ومخطوطة برمنغهام، ... وآخرها: المخطوط القرآنيّ المنسوخ على بقايا نصٍّ قبطيّ من الكتاب المقدَّس ... فبرز مستشرقون معاصرون اهتمّوا بالدراسات القرآنيّة وشاركوا في إصدار أعمال تأليفيّة موسوعيّة ومشاريع بحثيّة جامعة حول القرآن الكريم؛ منهم: كلود جيليو (Claude Gilliot)، وفرانسوا ديروش (François Déroche)، وأنجيليكا نويورت (Angelika Neuwirth)، وجين دمن مك أوليف (Jane Dammen McAuliffe)، وأوري روبين (Uri Rubin)، ومائير بار أشير (Meir Bar-Asher)، وأندريه ريببين (Rippin Andrew)، وأوليفر ليمان (Oliver Leaman)، ... (15)وأدّت هذه الجهود الاستشراقيّة في مجال ترجمة القرآن الكريم ودراسته في أغلب ما نتج عنها -عن تعمّد أو عن قلّة إطلاع وعلم ودراية- إلى الوقوع في أخطاء خطيرة وجسيمة لا تليق بالقرآن الكريم؛ وهو منزّه عنها؛ ما استدعى ذلك ردودًا من قِبَل العلماء والباحثين المسلمين على مدار العقود المنصرمة. كما ساهمت بعض الدراسات الاستشراقيّة للقرآن الكريم في تعزيز جوانب من الدراسات التفسيريّة للقرآن وعلوم القرآن والدراسات القرآنيّة.
تُعتبر الترجمة نقلًا لمعاني نصّ من لغة إلى لغة أخرى، وهي تعبِّر عن تفسير المترجم وفهمه للنصّ الأصلي وكتابته بلغته
. وتُعدّ الترجمة وسيطًا في نقل الفكر والثقافة والحضارة والعمران...وبخصوص النصّ القرآنيّ؛ فإنّ ترجمته غاية ما يمكن وصفها أنّها بمثابة تفسير له وبيان لمعانيه بلغة المترجِم؛ فمهما كان المترجم متقنًا في ترجمته، ومهما توافرت لغته على خصائص لغويّة ومعنائيّة وأسلوبيّة؛ فإنّه لن يستطيع أن يقدِّم ترجمة مطابقة للنصّ القرآنيّ تحكي عن ما يشتمل عليه من حقائق وتعاليم وخصائص لفظيّة ومعنائيّة وأسلوبيّة عالية وسامية؛ بفعل إعجاز القرآن الكريم.
وقد تنوَّعت ترجمات القرآن الكريم عند المستشرقين عبر التاريخ والواقع المعاصر، واختلفت دوافعها وأهدافها وغاياتها؛ بين ترجمات متحيّزة أيديولوجيًّا
؛مدفوعة بالتطرّف الكنسي أو بعقدة الأنا الغربيّة المستعلية، فشوّهت تعاليم القرآن وحرّفتها؛ من خلال الفعل الترجميّ نفسه، أو من خلال ما أوردته من تفسيرات وتأويلات وتعليقات في الهوامش والملاحق، وبين ترجمات أخرى افتقدت في أغلبها للمعايير المنهجيّة والمعرفيّة لدى المترجمين، مع كون نواياهم ودوافعهم غير مريبة وراء فعلهم الترجميّ.
ويمكن تقسيم الأعمال الترجميّة من قِبَل المستشرقين للقرآن الكريم بلحاظ وسائط الترجمة إلى ثلاثة أقسام:
ـ القسم الأوّل: ترجمات من اللغة الأمّ للقرآن الكريم (اللغة العربيّة) إلى اللغة اللاتينيّة؛ كترجمة روبرت دي كيتون، وترجمة مارك الطليطلي.
ـ القسم الثاني: ترجمات من اللغة اللاتينيّة إلى اللغات الأوروبيّة؛ كترجمة إريفابيني من اللاتينيّة إلى الإيطاليّة، أو من لغة أوروبيّة إلى لغة أوروبيّة أخرى؛ كترجمة سالمون شفايجر من الإيطاليّة إلى الألمانيّة، وترجمة ألكسندر روس من الفرنسيّة إلى الإنكليزيّة.
ـ القسم الثالث: ترجمة من اللغة الأمّ للقرآن الكريم (اللغة العربيّة) مباشرة إلى اللغات الأوروبيّة؛ كالترجمة الإنكليزيّة لآرثر آربري، والترجمة الفرنسيّة لريجيس بلاشير. وتجدر الإشارة إلى أنّ بعض هذه الترجمات قام بها مستشرقون مسلمون؛ كالترجمة الإنكليزيّة لمرمدوك.
وقد ناهزت الترجمات الاستشراقيّة للقرآن الكريم ثلاثة آلاف ترجمة بأكثر من خمس وستين لغة أوروبيّة
؛ ومن أبرزها؛ بحسب المدارس الاستشراقيّة:ـ الترجمات اللاتينيّة؛ كترجمة روبرت دي كيتون (Robert de Ketton) ما بين (1136-1157م)، وترجمة روبيرتوس كيتينيسيس (Robertus Ketenesis) ما بين أعوام (1141-1143م)، وترجمة مارك الطليطلي (Marc de Tolède) عام 1210م، وترجمة توماس هنيكلمان (Tomas Hinklemann) 1694م، وترجمة لودوفيكو ماراتشي (Ludovico Marracci) عام 1698م، وترجمة جوان فريدريكوس هيث (Joan Fredericus Hith) عام 1770م، وترجمة جو كونرادي شوارتز (Jo Conradi Schwartez) عام 1774م، ...
ـ الترجمات الإنجليزيّة؛ كترجمة ألكسندر روس(Alexander Ross) عام 1649م، وترجمة جورج سيل (G. Sale) عام 1734م، وترجمة جون رودويل (John Rodwell ) عام 1861م، وترجمة بالمر (E. H. Palmer) عام 1880م، وترجمة وليام موير (William Muir) عام 1880م، وترجمة مارمدوك بيكتايل(Mohammad Marmaduke Pickthail) عام 1930م، وترجمة ريشارد بيل (Richard Bill) ما بين أعوام 1937و1939م، وترجمة أرتور جون آربيري (Arthur John Arberry ) عام 1953م، وترجمة هنري ميرسيه (Henri Mercier) عام 1957م، وترجمة آرثر جفري (Arthur Jeffery) عام 1958م، وترجمة توماس بالنتين إريفينغ (Thomas Ballantine Irving) عام 1985م، ...
ـ الترجمات الفرنسيّة؛ كترجمة كلود إتين سافاري (Claude Etienne Savary) عام 1647م، وترجمة أنطوان غالان (Antoine Galland) عام 1710م، وقد اختفت هذه الترجمة ولم تنشر أبدًا، وترجمة أندريه دي ريور (André Sieur du Ryer) عام 1751م، وترجمة ألبن بيبرشتاين كازيميرسكي (Albin Biberstein Kazimirsky) عام 1840م، وترجمة لويس لابلواز (Louis Leblois) عام 1887م، وترجمة إدوارد مونتيه (Édouard Montiet) عام 1925م، وترجمة ريجيس بلاشير (Régis Blachère) عام 1951م، وترجمة هنري ميرسيه (Henri Mercier) عام 1956م، وترجمة كديرا (Ghedira) عام 1957م، وترجمة دينيز ماسون عام 1967م، وترجمة أندريه شوراكي عام 1990م، وترجمة كريستيان بونو (يحيى
العلوي) (Christian Bono) عام 2000م، وترجمة جاك بيرك (Jacques Berque) عام 2002م، وترجمة جان لوي ميشون (Jean-Louis Michon) عام 2014م، ...
الترجمات الألمانيّة؛ كترجمة سالومون شويغير(Salomon Schweigger) عام 1616م، وترجمة تيودور أرنولد (Theodor Arnold) عام 1746م، وترجمة دافيد فريدريك ميرجيرلاين (M.D.F.Mergerlein) عام 1772م، وترجمة فريدريك أبرهرد بويزنBoysen) F.E) عام 1773م، وترجمة صمويل فريدريك كونتر وال (Samuel Friedrich Günther Wahl) عام 1828م، وترجمة لودفيغ أولمان (Ludwig Ullmann) عام 1840م، وترجمة مارتن كلامروث (Martin Klamroth) عام 1890م، وترجمة يليام وارين (William Warren) عام 1899م، وترجمة تيودور جريجول (Th.F.Grigull) عام 1901م، وترجمة ماكس هنين (M.Henning) عام 1901م، وترجمة أريك بيشوف (Erich Bischof) عام 1904م، وترجمة لازاروس كولدشميت(Lazarus Goldschmidt) عام 1916م، وترجمة هوبرت جريم (Hubert Grimme) عام 1923م، وترجمة ريتشارد هارتمان (Richard Hartmann) عام 1944م، وترجمة رودي باريت (Rudi Paret) عام 1957م و 1963م، وترجمة هانز زيركر (Hans Zirker) عام 2003م، وترجمة هارتموت بوبزين (Hartmut Bobzin) عام 2010م، ...
الترجمات الإيطاليّة؛ كترجمة أندريا أريفابين (Andrea Arrivabene) عام 1547م، وترجمة لودوفيكو ماراتشي (Ludovico Marracci) عام 1698م، وترجمة كالزا (C.V.Calza) عام 1847م، وترجمة جيوفاني بانزيري (Giovanni Panzeri) عام 1882م، وترجمة آغويليو فراكاسي (AquilioFracassi) عام 1914م، وترجمة لويجي بونيلي (Luigi Bonelli) عام 1929و 1937 و1940م، وترجمة أليسادرو بوساني (Alessadro Bausani) عام 1955م، ...
الترجمات الإسبانيّة؛ كترجمة أندريس بوريغو (Andres Borrego) عام 1844م، وترجمة فيسنت أورتيز دي لابويبلا (V.O.De La Puebla) عام 1872م،
وترجمة خواكين غراسيا برافو (J.Gracia Bravo) عام 1907م، وترجمة هيرنانديس كاتا (A.Hernandez Cata) عام 1907م، وترجمة رافايل كانسينوس أسينس (R.Cansinos Assens) ما بين أعوام 1951و1954م، وترجمة خوان فيرنيت (Juan Vernet) عام 1953م، وترجمة أخرى له عام 1963م، وترجمة أنطونيو كافالدا (Antonio C. Gavalda) عام 1956م، ...
الترجمات الروسيّة؛ كترجمة ديمتريوس كانتمير (Demetrius Kantemir) سنة 1716م، وبوستنيكوف(Postnikov) عام 1647م، وترجمة فيريوفكين (Veryovkin) عام 1792م، وترجمة ألكساندر كولماكوف(Alexandre Kolmakov) عام 1792م، وترجمة نيكولاييف (Nikolayev) ما بين أعوام 1864 و1865 و1876و1901م، وترجمة جوردي سيميونوفيتش سابلوكوف (Gordi Semionovitch Sabloukov) عام 1898م، وترجمة أوغناطيوس كراتشكوفسكي (Kratchovski) عام 1937م، وترجمة فاليريا بوروخوفا (Valeria Borokhova) عام 1997م، ...
الترجمات السويديّة؛ كترجمة بيشوب يوهان آدم تنجستاديوس (Biskop Johan Adam Tingsatius) (1627- 1748م) لم تطبع وبقيت مخطوطة، وترجمة يوهان فريدرك سبستيان كروزينستولبه (Johan Fredrik Sebastian krusenstolpe) عام 1843م، وترجمة كارل يوهان تورنبيرغ (Carl Johan Tornberg) ما بين عامي (1873 ـ 1874م)، وترجمة كارل فلهلم زترستين (K.V. Zettersteens) عام 1917م، وترجمة محمد كنوت برنستروم (Muhammad Knut Bernstrom) عام 1999م، ...
الترجمات البلقانيّة؛ كالترجمات الألبانيّة لإيلو ميتكو كافزيزي (Ilo Mitko Qafzezi) عام 1921م، ولعلي كورتشا (Ali Korca) عام 1927م، ولإبراهيم داليو (Ibrahim Dalliu) عام 1929م، ولفاتي مهديو (Fati Mehdiu) عام 1985م، والترجمات الصربوكرواتيّة لميتشولوبيبراتيتش (Micholopybratich) عام 1895م، ولعلي رضا كارابك (Ali Reza Karabak) عام 1937م، والترجمات البوسنيّة لمحمد
سعيد سرادرفيتش (Mohammad Said Serdarevic) عام 1913م، ولمحمد بانجا(Mohammad Banga) وجمال الدين تشاو شيفيتش(Jamaluddin Zhao Shevic) عام 1927م، ولأنس كارتيش (Anas Kartish) عام 1995م، ولمصطفى مليفو (Mustafa Melifu) عام 1994م، ولأسعد دوراكوفيتش (Asad Durakovic) عام 2004م.
وغيرها ترجمات أوروبيّة كثيرة ؛ كاليونانيّة، والبرتغاليّة، والهولنديّة، ...
تُعدّ ترجمة القرآن الكريم، من لسانه الإلهيّ إلى لغات أخرى، من التحدّيات الكبرى التي تنطوي على إشكالات إيديولوجيّة ومعرفيّة ومنهجيّة؛ ذلك أنّ القرآن مُعجِزٌ بذاته؛ بخصوصيّاته اللغويّة والبيانيّة والبلاغيّة والمعنائيّة والحكائيّة و... التي تقصر عنها اللغات الأخرى؛ فضلًا عن المحكي من اللسان العربيّ من قِبَل الناس؛ فلا يمكن الإتيان بترجمة تحافظ على هذه الخصوصيّات الإعجازيّة الكامنة في النصّ القرآنيّ.
وقد اعترف المستشرقون بذلك
، وواجهتهم صعوبات ومعيقات جمّة؛ أبرزها:ـ اختلاف اللغة العربيّة عن لغاتهم بوفرة معاني ألفاظها وخصائص صيغها التعبيريّة؛ كالتذكير، والتأنيث، والتثنية، والإضمار، والإيجاز، وتبعيّة الصفة للموصوف، ودلالات صِيَغ الأفعال (دلالة المضي على التحقّق والوقوع/ دلالة المضارع على الاستمرار/ ...)، ودلالات اشتقاقات الألفاظ وصِيَغها الصرفيّة (دلالة صيغة الصفة المشبّهة على الثبات والدوام/ دلالة صيغة المبالغة على الكثرة/ ...)، ودلالات الالتفات (في الخطاب/ في الزمان/ ...)، ...
ـ ترجمة معنى اسم الجلالة ومعاني أسماء الله الحسنى، ومعاني صفاته...
ـ استخدام القرآن الكريم لكثير من التعبيرات المجازيّة بهدف إيصال تعاليم دينيّة أو حقائق غيبيّة؛ ما يؤدّي بترجمتها الحرفيّة إلى الإخلال بالمراد الإلهيّ، فضلًا عن أنّ بعض هذه التعبيرات المجازيّة تراعي البيئة الثقافيّة لنزول القرآن وعاداتها وتقاليدها وأمثالها... وهذا ما غفل عنه أكثر المستشرقين الذين حاولوا ترجمتها.
ـ ترجمة الآيات التي تتحدّث عن حقائق الغيب والآخرة ومنازلها ومواقفها ومشاهدها والجنّة والنار و...
ـ ترجمة معاني الكلمات التي لا مرادف لها في لغاتهم.
ـ ترجمة الأسماء التي ذُكِرَت مرّة واحدة في القرآن الكريم أو الألفاظ الغريبة؛ مثل: (زمهرير)، (زنجبيل)، (بابل)، ...
ـ ترجمة معاني الآيات المتشابهة والمحكمة.
ـ ترجمة معاني الحروف المقطّعة في أوائل السور.
حفلت ترجمات المستشرقين للقرآن الكريم بمغالطات وأخطاء فادحة؛ مضمونيًّا ومنهجيًّا وفنّيًّا، انطوت على دوافع وأهداف دينيّة، وثقافيّة، وسياسيّة، واقتصاديّة، وعلميّة، ومهنيّة، ...، وقد تناول الباحثون نماذج كثيرة لهذه الترجمات وما فيها من تشويه ومغالطات وأخطاء
؛ أبرزها:ـ تعمّد تسمية الترجمات بما يوحي بعدم إلهيّة مصدر القرآن؛ من أجل رفع
القداسة عنه؛ كما فعل المستشرق الفرنسي دي ريير (De Ryer)، حيث عنون ترجمته ﺑـ«قرآن محمّد».
ـ اعتماد منهج الترجمة الحرّة، والابتعاد عن الترجمة العلميّة للقرآن؛ كما تقتضيه آياته وألفاظه.
ـ الاعتماد على الترجمة النصّيّة وليس المعنائيّة؛ بما لا ينسجم مع حقيقة القرآن الإعجازيّة؛ فإنّ عجز اللغة العربيّة مع ثرائها اللغويّ والأدبيّ والبلاغيّ عن المجيء بمثل سورة أو حديث من القرآن؛ يستلزم عجز غيرها من اللغات من باب أولى.
ـ إغفال النصّ العربيّ في الترجمة؛ حيث نجد بعض الترجمات لم تكنْ من اللغة العربيّة مباشرة، بل تمّت عبر ترجمة أجنبيّة أو أكثر أدّت دور الوسيط الترجميّ لها.
ـ جهل أغلب المستشرقين المترجمين باللغة العربيّة وخصائصها اللفظيّة والأسلوبيّة والمعنائيّة...
ـ التقديم والتأخير والحذف والإضافة في كلمات القرآن وعباراته.
ـ تعمّد تغيير موضع الآيات القرآنيّة عن مكانها التوقيفيّ؛ لتضليل القارئ وإبعاده عن الإحاطة بحقيقة النصّ القرآنيّ.
ـ الإضافة الشخصيّة على النصّ القرآنيّ؛ استحسانًا من المترجم أو من نصوص التوارة؛ وهذا خلاف الأمانة العلميّة.
ـ التصرّف غير الموضوعي في سور القرآن بالتقديم والتأخير؛ وفق لحاظات متعدّدة اعتمدوا فيها على نصوص تاريخيّة وأخبار ظنّيّة واستحسانات ذوقيّة؛ كما في محاولة ترتيبهم سور القرآن وفق ترتيب المصحف المأثور، أو ترتيب أسباب النزول، أو الترتيب التاريخيّ للدعوة (مكّيّ/ مدنيّ)، أو بحسب حجم السور (قصيرة/ طويلة)، ...
(23)ـ زيادة عدد سور القرآن في بعض الترجمات عن مئة وأربع عشرة سورة؛ بسبب استحسان المترجم لتقسيم السور بلحاظ ما؛ كما فعل ريجيس بلاشير في تقسيمه لسور القرآن؛ حيث جعلها مئة وستّ عشرة سورة؛ بالاعتماد على خصوصيّة مراحل الدعوة، فقسّم سورتي العلق والمدثّر إلى أربع سور، بدلًا من سورتين؛ وهذا خلاف ما يعهده المسلمون من عدد سور القرآن ومحتوياتها، وهو لا ينسجم مع المصحف الحالي، بل حتى مع ما نُقل عن مصاحف الصحابة.
ـ وضع مقدّمات وملاحق مضلِّلة ومُغرِضَة إلى جانب ترجمتهم للقرآن.
لمّا كانت رسالة القرآن الكريم رسالة عالميّة وكونيّة، فقد مسّت الحاجة لنقل تعاليمه إلى الناس على اختلاف ألسنتهم، وباتت الترجمة ضرورة رساليّة ودعويّة، لا بدّ من الاضطلاع بها؛ وفق رؤية شاملة محكومة بأطر معرفيّة ومنهجيّة تنظر إلى القرآن الكريم؛ بوصفه كتابًا معجزًا له خصائصه ومميّزاته، لا كما يريد المترجم أن يقدِّمه! وتتجنّب تشويه تعاليمه ومفاهيمه وحَرْفِها عن مقصدها الرساليّ.
وهذا العمل يحتاج إلى جهد مؤسّساتيّ وعمل جماعيّ، ضمن لجان علميّة وبحثيّة متخصّصة، بحيث يقدِّم ترجمات جديدة للقرآن الكريم تتلافى ثغرات الترجمات السابقة، وتعالج شبهات الترجمات المشبوهة وتصوِّب انحرافاتها، وتضع الفعل الترجميّ في دوره الحضاريّ والثقافيّ؛ بوصفه وسيطًا بين الأمم والشعوب، تتجاوز مهمّته نقل المعنى بين لغتين مختلفتين، إلى استكشاف حضارة الآخر وثقافته، وتحقيق حوار حضاريّ قوامه احترام الهويّات والخصوصيّات الحضاريّة والثقافيّة للأمم والشعوب.
(24)
الاستشراق (Orientalism) هو دراسة الشرق العربيّ، والبحث في ما خلَّفه المسلمون من حضارة وثقافة من جهة أولى، ودراسة الدين الإسلاميّ ومنظومته الأخلاقيّة من جهة ثانية، ونقد القرآن الكريم بمقارنته بباقي الكتب السماويّة الأخرى من جهة ثالثة.
لقد انكبّ المستشرقون الغربيّون كثيرًا على دراسة القرآن الكريم، من حيث تاريخه، وترجمته، وبنيته، ومضامينه، وأسلوبه، ولغته، واتّساقه، وانسجامه، وترتيب سوره، وبيان مختلف تقنيّات قرائته، وتفسيره، وتأويله، واختلفوا في ذلك بين باحث موضوعيّ، وآخر جاحد منكر يخدم الأغراض الدينيّة، والتبشيريّة، والاستعماريّة. ومن هنا، فما خلّفه المستشرقون من ترجمات قرآنيّة هي -في الحقيقة- عبارة عن تفسيرات وتأويلات وشروح لمعاني القرآن الكريم، وليست ترجمات حقيقيّة لهذا الكتاب؛ لأنّه من الصعب الحديث عن ترجمة مثاليّة أمينة وصادقة للقرآن الكريم.
أضف إلى ذلك، أنّ القرآن الكريم كتاب معجز بلفظه، ومعناه، ومقاصده التشريعيّة. لذا، يستحيل ترجمة القرآن الكريم وفق المعنى دون اللفظ؛ لأنّ الإعجاز البيانيّ القرآنيّ يكمن في حرفه، وصوته، ومقطعه، وكلمته، ونظمه، وتركيبه، وإيقاعه، وتنغيمه، ومقاصده، ومعانيه. فتبقى ترجمات المستشرقين نسبيّة، وناقصة، وعاجزة عن المماثلة الكلّيّة للنصّ الأصليّ. وعليه، من الصعب بمكان الحديث عن ترجمات وفيّة وأمينة للنصّ المقدّس؛ بقدر ما يمكن الحديث عن تفسيرات، وتأويلات مبتسرة خضعت لمقصّ التصرّف، والحذف، والنقص، والزيادة، والتغيير، والتلخيص، والتحشية، والتقديم، والتعليق. ومن ثمّ، يمكن الحديث عن تفسيرات معنويّة شائبة، ومغرضة، ومضلِّلة. بيد أنّ هناك تفسيرات معنويّة موضوعيّة لبعض المستشرقين الذين ترجموا القرآن الكريم إلى لغات أجنبيّة معيّنة، ولكنْ تبقى تلك
(26)الترجمات غير كافية للإحاطة ببلاغة القرآن الكريم ونظمه، والتعبير عن جماليّاته الفنّيّة والبيانيّة من خلال التأثير في المتلقّي؛ بغية إثارته وإبهاره وإدهاشه.
وعلى الرغم من تأليف دراسات كثيرة
تناولت موضوع ترجمة القرآن الكريم بصفة عامّة، وترجمات المستشرقين بصفة خاصّة؛ بحيث أضافت إضافات مهمّة في مجال ترجمة القرآن الكريم من قِبَل المستشرقين، ولكنْ بقيت جوانب مهمّة على مستوى تقويم ومناقشة ونقد هذه الدراسات لم تأخذ حقّها في البحث. ولذلك جاءت هذه لتقوِّم تلك الترجمة إيجابًا وسلبًا، من خلال الانطلاق من فرضيّة رئيسة تتمثّل في أنّ المستشرقين الغربيّين قد ترجموا القرآن ترجمات عدّة من أجل التعرّف إلى الدين الإسلامي من جهة، وتشويه الإسلام والمسلمين من جهة أخرى. بيد أنّ تلك الترجمات لم تصل إلى مرتبة الترجمة الأصليّة والحقيقيّة والوفيّة والأمينة بالمفهوم العلميّ؛ لأنّها مجرّد تفسيرات وشروح وتأويلات لمعاني القرآن الكريم لها ما لها، وعليها ما عليها.يُقصد بالاستشراق (Orientalism/Orientalisme) دراسة الشرق أو المشرق. وهو عبارة عن حركة أدبيّة وفنيّة مولعة بسحر الشرق، ظهرت في الغرب إبان القرن التاسع عشر الميلادي. وقد ارتبط الاستشراق بالبحث عن الغرابة والنبالة، والتشبّع بالقيم البورجوازيّة، والانسياق وراء العوالم الشرقيّة الغريبة، والرغبة في الانصهار في
الحياة التي عبّرت عنها نصوص ألف ليلة وليلة، والتعطّش إلى جمال الصحراء ورونقها وفيافيها المثيرة، والانبهار بلوحاتها الفنيّة المتميّزة، والانتشاء بزرابيّ فارس، والإعجاب برجولة الإنسان الشرقيّ وفروسيّته وكرمه، والتغنّي بجواري القصور والمجالس، والبحث عن أسرار حريم السلاطين، والرغبة العارمة في الاطّلاع على نوادي الموسيقا، والغناء، والشعر، والأدب التي انتشرت كثيرًا في الشرق العربيّ والإسلاميّ، والتعبير عن ذلك كلّه بواسطة اللوحات التشكيليّة التي تتغنّى بسحر الشرق وجماله المعتق، والتقاط معالم الحضارة الشرقيّة في مختلف تجلّيّاتها، ومجالاتها، وميادينها المتنوّعة.
وبناء على ما تقدّم، فإنّ الاستشراق هو دراسة الغرب للشرق؛ بغية فهمه وتفسير أحواله، والاهتمام بمعارفه وعلومه، وحضارته، وخدمة تراثه؛ لجعله رافعة انطلاق الغرب وازدهاره. ولا يعني الشرق -هنا- الشرق العربيّ والإسلاميّ فحسب، بل يندرج ضمنه ما يسمّى بشمال أفريقيا الذي كان تابعا للدولة العثمانيّة.
أمّا المستشرق (Orientaliste)، فهو الذي أتقن لغات الشرق، وأعدّ شهادات عليا في موضوع من المواضيع التي تتعلّق بالشرق، وانكب على معالجة الظواهر والقضايا التي أفرزها هذا الشرق؛ بغية فهمه وتفسير أحواله وتأويلها. وبمعنى آخر، تشتقّ لفظة المستشرق من طلب دراسة الشرق، والمستشرقون «هم الذين يتعلّمون لغة الشرق، ويدرسون علومه وحضارته، ليكون لهم علم تامّ بأحواله الاجتماعيّة، والسياسيّة والعقليّة، يطلبون بذلك أنْ يندمجوا فيه كلّ الاندماج؛ ليكون فهمهم له، وحديثهم عنه، وحكمهم عليه، خاليًا من التخيّل؛ بعيدًا عن التوهّم، أو بمنأى عن التزيّد، والمبالغة»
.ثمّة أسباب ودوافع أساسيّة عدّة كانت وراء بروز حركة الاستشراق في البلدان الغربيّة؛ من أهمّها: الدوافع الدينيّة، والحركة الصليبيّة، والإصلاح الدينيّ، والرغبة في فهم الشرق بصفة عامّة، وفهم الإسلام والمسلمين وحضارتهم بصفة خاصّة. ناهيك عمّا يرتبط بالتبشير والتنصير، وما يتعلّق بخدمة الاستعمار؛ بغية السيطرة والهيمنة على العالم الإسلاميّ. علاوة على الأهداف السياسيّة، والدبلوماسيّة، والاقتصاديّة، والاجتماعيّة، والعلميّة، وما يرتبط بالعوامل الشخصيّة والاقتناعات الذاتيّة التي تتمثّل في «أسباب شخصيّة مزاجيّة عند بعض الناس الذين تهيّأ لهم الفراغ والمال، واتّخذوا الاستشراق وسيلة لإشباع رغباتهم الخاصّة في السفر، أو في الاطّلاع على ثقافات العالم القديم، ويبدو أنّ فريقًا من الناس دخلوا ميدان الاستشراق من باب البحث عن الرزق عندما ضاقت بهم سبل العيش العاديّة، أو دخلوه هاربين عندما قعدت بهم إمكانيّاتهم الفكريّة عن الوصول إلى مستوى العلماء في العلوم الأخرى، أو دخلوه تخلّصًا من مسؤوليّاتهم الدينيّة المباشرة في مجتمعاتهم المسيحيّة. فأقبل هؤلاء على الاستشراق؛ تبرئة لذمّتهم الدينيّة أمام إخوانهم في الدين، وتغطية لعجزهم الفكريّ، وأخيرًا بحثًا عن لقمة العيش؛ إذ إنّ التنافس في هذا المجال أقلّ منه في غيره من أبواب الرزق»
.وعلى الرغم من هذه الدوافع العديدة، تظلّ الأهداف الدينيّة التنصّيريّة التبشيريّة، والاستعماريّة هي الأساس.
ويُعدّ المستشرقون اليهود - الذين يحملون جنسيّات غربيّة متعدّدة ومتنوّعة ومختلفة- أكثر خطورة في ميدان الاستشراق؛ لأنّهم ينطلقون من أهداف دينيّة وعقديّة محضة لتشويه صورة الإسلام والمسلمين، والتشكيك في معتقداتهم الدينيّة،
والحطّ من حضارتهم الزاهية. وقد كانت النزعة الصهيونيّة واضحة وجليّة في كتاباتهم العدوانيّة تجاه الإسلام بصفة خاصّة. وفي هذا الصدد، يقول المفكّر المصري محمد البهي: «وهناك ملاحظة لبعض الباحثين تتعلّق بالمستشرقين اليهود خاصّة. فالظاهر، أنّ هؤلاء أقبلوا على الاستشراق لأسباب دينيّة-؛ وهي محاولة إضعاف الإسلام والتشكيك في قيمه، بإثبات فضل اليهوديّة على الإسلام، بادّعاء أنّ اليهوديّة - في نظرهم - هي مصدر الإسلام الأوّل، ولأسباب سياسيّة تتّصل بخدمة الصهيونيّة: فكرة أولًا، ثمّ دولة ثانيًا، هذه وجهة نظر ربّما لا تجد مرجعًا مكتوبًا يؤيّدها غير أنّ الظروف العامّة، والظواهر المترادفة في كتابات هؤلاء المستشرقين تعزّز وجهة النظر هذه، وتخلع عليها بعض خصائص الاستنتاج العلميّ»
.إذن، فالسبب الرئيس المباشر الذي دعا الأوروبيّين إلى الاستشراق هو سبب دينيّ محض؛ «فلقد تركت الحرب الصليبيّة في نفوس الأوروبيّين ما تركت من آثار مرّة عميقة. وجاءت حركة الإصلاح الدينيّ المسيحيّ، فشعر المسيحيّون: بروتستانت وكاثوليك، بحاجات ضاغطة لإعادة النظر في شروح كتبهم الدينيّة، ولمحاولة فهمها على أساس التطوّرات الجديدة التي تمخّضت عنها حركة الإصلاح. ومن هنا، اتّجهوا إلى الدراسات العبرانيّة، وهذه أدّت بهم إلى الدراسات العربيّة، فالإسلاميّة؛ لأنّ الأخيرة كانت ضروريّة لفهم الأولى، وخاصّة ما كان منها متعلّقًا بالجانب اللغويّ. وبمرور الزمن اتّسع نطاق الدراسات الاستشراقيّة حتّى شملت أديانًا، ولغات، وثقافات غير الإسلام وغير العربيّة»
.ومن جهة أخرى، كان التبشير والتنصير من أهمّ العوامل الأخرى التي دفعت الباحثين الغربيّين للاهتمام بالشرق. «فلقد رغب المسيحيّون في التبشير بدينهم بين المسلمين، فأقبلوا على الاستشراق؛ ليتسنّى لهم تجهيز الدعاة، وإرسالهم إلى العالم الإسلاميّ. والتقت مصلحة المبشّرين مع أهداف الاستعمار، فمكّن لهم واعتمد عليهم في بسط نفوذه في الشرق. وأقنع المبشّرون زعماء الاستعمار أنّ المسيحيّة
ستكون قاعدة الاستعمار الغربيّ في الشرق. وبذلك سهّل الاستعمار للمبشّرين مهمّتهم وبسط عليهم حمايته، وزوّدهم بالمال والسلطان، وهذ هو السبب في أنّ الاستشراق قام في أوّل أمره على أكتاف المبشّرين والرهبان، ثمّ اتّصل بالاستعمار»
.وبهذا، تكون دوافع الاستشراق دينيّة تبشيريّة وتنصيريّة واستعماريّة، قبل أنْ تكون دوافع علميّة وفكريّة وبحثيّة. وفي هذا، يقول محمد البهي: «ينطوي عمل الدارسين للإسلام من المستشرقين على نزعتين رئيسيتين:
- النزعة الأولى: تمكين الاستعمار الغربيّ في البلاد الإسلاميّة، وتمهيد النفوس بين سكّان هذه البلاد لقبول النفوذ الأوروبيّ والرضا بولايته.
- النزعة الثانيّة: الروح الصليبيّة في دراسة الإسلام، تلك النزعة التي لبست ثوب البحث العلميّ، وخدمة الغاية الإنسانيّة المشتركة» .
يمكن الحديث عن أنواع من الاستشراق على النحو الآتي:
1. الاستشراق الكلاسيكيّ:
واكتشاف سحر الشرق مع الرحلات الأوروبيّة، والاهتمام بالاستكشافات الجغرافيّة التي استهدفت الانفتاح على طرق الحرير والتوابل. ومن جهة أخرى، فقد ارتبط ارتباطًا وثيقًا بالحروب الصليبيّة التي كان الهدف منها هو تحرير فلسطين المسيحيّة، وطرد المسلمين منها.
2. الاستشراق الحديث:
وقد تشكّلت معالمه الأولى في القرن التاسع عشر الميلاديّ، وكان الغرض منه فهم الشرق، ولا سيّما العربيّ والإسلاميّ منه؛ بغية الاهتمام بتراثه وحضارته وعلومه، ودراسته؛ وفق مناهج العلم الحديثة.
3. الاستشراق الجديد:
وهو يُعنى بدراسة القضايا المعاصرة الراهنة، ولا سيّما علاقة الغرب بالشرق، والحديث عن الصراع العربيّ الإسرائيليّ، أو الصراع العربيّ الغربيّ، أو التنافس الأمريكيّ والصينيّ، والاهتمام بقضايا التطرّف، والإرهاب، والأصوليّة، والاستعمار الجديد، والحديث عن صراع الأديان وفلسفة القيم الكونيّة... كما يظهر ذلك جيّدًا عند كلّ من الأمريكي برنارد لويس، والأمريكي صمويل هنتنغتون، والبريطاني فيديار سوراجبراساد نيبول، والإسبانيّة ماريا مينوكال (María Rosa Menocal)، في كتابها (زينة العالم: كيف صنع المسلمون واليهود والمسيحيّون ثقافة التسامح في إسبانيا العصر الوسيط)
...ومن ناحية أخرى، يمكن الحديث عن استشراق معادٍ للإسلام والمسلمين، كما يتّضح ذلك بنحو بيِّن عند كلّ من: إرنست رينان، وكازانوفا ، وكارل بروكلمان، وإجناتس جولدزيهر، وغوستاف فون غرونباوم، وهنري لامانس...
بيد أنّ هناك استشراقًا علميًّا موضوعيًّا كان الغرض منه دراسة حضارة الشرق دراسة موضوعيّة، باتّباع مناهج العلم المحايدة، وإنصاف الإسلام، وتسفيه أحكام الغرب الباطلة تجاه الإسلام والمسلمين. وقد اعترف هذا الاستشراق بحضارة المسلمين، واعتبرها حضارة شرعيّة بامتياز، ساهمت في بناء الحضارة الغربيّة المادّيّة، كما نجد ذلك واضحًا عند المستشرقة الألمانيّة فيزيغريد هونكه في كتابها «شمس العرب تسطع على الغرب»
.فلم يكنْ الاستشراق الغربيّ كلّه سلبيًّا، بل كانت هناك دراسات استشراقيّة علميّة موضوعيّة أنصفت العرب والمسلمين على حدّ سواء، وقد تضمّنت كثيرًا من الفضائل الإيجابيّة التي كان يتميّز بها الإنسان العربيّ المسلم. كما رصدت مختلف
الآثار التي بصمت بها الحضارة العربيّة الإسلاميّة نظيراتها من الحضارات الأخرى، بما فيها الحضارة الغربيّة نفسها.
يشكّل القرآن الكريم، بالنسبة إلى المسلمين، عماد الدين، ومنبع القيم والأخلاق، وأساس التشريع، والمصدر الأوّل الذي يُرجع إليه لاستنباط الأحكام الأصليّة والفرعيّة، وهو دستور المسلمين في الدنيا والآخرة. وقد وصل إلينا محفوظًا بحفظ إلهيّ: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)
وتتمثّل وظيفة القرآن الكريم في هداية الناس كافّة، وبيان شريعة الله، وإخراج الناس من الوثنيّة والضلال إلى الإيمان والتوحيد: (إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) ،(وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ) .
ويتميّز القرآن الكريم بأنّه كتاب متّسق ومنسجم لا تجد فيه اختلافًا، أو تناقضًا، أو كلامًا باطلًا: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) ، (لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) .
ويمثّل القرآن الكريم حداثة حقيقيّة بقيمه النبيلة، ومثله العليا، وفضائله السامية. وقد جاء هذا الكتاب ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ويخلّصهم من الوثنيّة، والجهل، والعصبيّة، نحو الهداية والنور والتسامح. ومن ثمّ، يتضمّن الوحي الإسلاميّ في طيّاته، مبادئ كونيّة، وعلميّة، ومعرفيّة، وأخلاقيّة، ويحوي أسس
الحداثة الدينيّة، والأخلاقيّة، والعلميّة، والمعرفيّة، ويحثّ على استخدام العقل لاستكشاف الطبيعة؛ فهمًا، وتفسيرًا، وتنبؤًا، ويسمو بالإنسان ويكرّمه، ويدعو إلى المساواة، والعدالة، والحرّيّة، ويحثّ على العمل والكسب الشريف، ويحرّم الربا والموبقات والمفاسد. كما يحثّ على التعاون والتضامن والتآزر بين أفراد المجتمع الإنسانيّ. ويدعو كذلك إلى التفاهم والتسامح والتعايش، ونبذ الفرقة والحروب والعداوة.
ومن هنا، ينبغي التمييز بين الكتاب وسلوك المسلمين، فالوحي حداثة قيميّة وروحيّة مطلقة ومثاليّة، وأمّا حداثة المسلمين، فهي حداثة بشريّة نسبيّة قد تشوبها بعض الأخطاء. بيد أنّ هذه الحداثة البشريّة، مع مرور الزمان، قد أصابها النكوص والتراجع والخذلان؛ بسبب ميل الناس إلى اللهو، والمجون، والتقاعس، والفساد، والفرقة، والانحراف عن مبادئ الشرع الإسلاميّ.
وعليه، يُعدّ القرآن الكريم كتابًا مقدّسًا طاهرًا معصومًا من الشوائب، وخاليًا من الأخطاء مهما كان نوعها، ومنزّهًا عن التناقض والاختلاف والاضطراب المنطقيّ، فهو كتاب محكم وفق منهج ربّانيّ أصيل. فضلًا عن كونه كتابًا معجزًا بنظمه، وبلاغته، وسياقه، وتشريعه، وعالميّته، وأخلاقيّاته الرفيعة...
ولقد اعتنى العلماء المسلمون بتفسير القرآن وتأويله؛ وفق أسباب النزول من جهة، ووفق مقاصد الشريعة الإسلاميّة من جهة أخرى. كما انكبّوا على دراسة لغته؛ نحوًا، وصرفًا، وفقهًا، ولسانًا، وإعرابًا، ومعجمًا، وتصويتًا، وبلاغة، وتداولًا. وقد ارتأوا أنّ فهم اللغة العربيّة هو الذي سيساعدهم على فهم القرآن وتفسيره وتأويله وترجمته إلى الآخرين، بتوضيح معاني الكتاب، وبيان محتوياته، واستجلاء مقاصده القريبة والبعيدة، واستكشاف بناه التشريعيّة والدينيّة والعلميّة والثقافيّة. لذا، كانت علوم الآلة وعلوم العربيّة في خدمة تفسير القرآن وتأويله.
ومن جهة أخرى، سارع المستشرقون الغربيّون إلى ترجمة معاني القرآن الكريم للتعرّف إلى هذا الكتاب، وفهم شرائعه وقوانينه، واستكشاف عظمة الدين الإسلاميّ
(34)بعد انتشاره في الأندلس بصفة خاصّة، وقد تأرجحت ترجماتهم لمعاني القرآن الكريم بين أعمال مشوّهة وضيعة ومُغرِضة بنوايا دينيّة صليبيّة من جهة، وأعمال تفسيريّة وتأويليّة تبحث عن الحقيقة العلميّة من جهة أخرى.
تعني الترجمة (Translation/Traduction): نقل النصّ من ثقافة إلى أخرى، بمراعاة مجموعة من القواعد اللسانيّة. وغالبًا، ما يكون النقل من النصّ المصدر، أو النصّ المنطلق إلى النصّ الهدف، أو النصّ الوصول، عبر مجموعة من الوسائط الأساسيّة؛ مثل: الوسيط اللسانيّ، والوسيط الثقافيّ، والوسيط النسقيّ، والوسيط التقنيّ الإلكترونيّ أو الرقميّ، والوسيط السياقيّ التفاعليّ، والوسيط المرجعيّ... والهدف من ذلك كلّه هو تحقيق التكامل الثقافيّ، أو تجسيد فعل المثاقفة ميدانيًّا وحضاريًّا ومجتمعيًّا، أو خلق علاقة بين لغتين، أو ثقافتين، أو فترتين زمنيّتين معيّنتين.
وتقوم الترجمة على المماثلة بين نصّين متقابلين، أو تقريب نصّ المصدر من قراء ثقافة الهدف. والشرط الأساس لهذه الترجمة، أنْ تكون المماثلة بين النصّين صادقة ووفيّة وأمينة؛ فقد قيل: إنّ الترجمة خيانة. ومن ثمّ، تستوجب الترجمة أنْ يكون المترجم عارفًا بنحو لغة النصّ المصدر، ومنفتحًا على سياقها الثقافيّ، وملمًّا بأنساقها السوسيولوجيّة، والتاريخيّة، والاقتصاديّة، والدينيّة، والحضاريّة. وبالتالي، يكون ملمًّا بمجمل نظريّات الترجمة وتصوّراتها الإجرائيّة، عارفًا بتقنيّاتها وآليّاتها التطبيقيّة المختلفة. ويعني هذا، أنْ يكون مزوّدًا بمجموعة من الكفايات الأساسيّة والضروريّة التي تتمثّل في كفايات عدّة؛ منها: اللسانيّة، والمعرفيّة، والثقافيّة، والكتابة، والترجمة، والتداوليّة، وتحليل النصّوص، والتقنيّة، والتفاعليّة، والمهنيّة...
وإذا كانت الترجمة فعلًا إنسانيًّا يمارسه الإنسان، فإنّ هناك - اليوم- الترجمة اليدويّة أو الإعلاميّة التي يمارسها الحاسوب. ومن ثمّ، فهدف الترجمة هو التثاقف
(35)الحيّ المفيد والمثمر، وتبادل الأفكار والمعارف والتقنيّات والقيم، والتعرّف إلى الثقافات الأجنبيّة الأخرى، والانفتاح على الحداثة وما بعد الحداثة، والاستفادة من تجارب الآخرين في الحياة، والاطّلاع على المستجدّات من الأفكار والتصوّرات، والتقنيّات، والمخترعات، والنظريّات، والاكتشافات...
وثمّة مجموعة من النظريّات الخاصّة بالترجمة التي ينبغي للمترجم أو القارئ الاطّلاع عليها لاستيعاب فعل الترجمة؛ فهمًا، وتفسيرًا، وتأويلًا. ومن أبرز هذه النظريّات: نظريّات الترجمة النظريّة النسقيّة، والنظريّة السيميوطيقيّة؛ التي تبحث في العلامات أو الإشارت والرموز اللغويّة وغير اللغويّة، والنظريّة التواصليّة أو التفاعليّة، والنظريّة الأدبيّة، والنظريّة اللسانيّة، والنظريّة السوسيولسانيّة؛ التي تبحث عن الكيفية التي تتفاعل بها اللغة مع المجتمع، والنظريّة الفلسفيّة والتأويليّة...
وتنبني الترجمة -سيميائيًّا- على مجموعة من المرتكزات المنهجيّة؛ وهي: النصّ، والعلامة، واللغة، والمعرفة، والتواصل. وهذا يعني أنّ الترجمة عبارة عن علامات لغويّة وسيميائيّة تشكّل نصًّا متّسقًا ومنسجمًا، يحمل في طيّاته رسائل ثقافيّة، ومعرفيّة، وعلميّة، متنوّعة، يكون الغرض منها التواصل، والتبادل، والإعلام، والتبليغ، والتثاقف...
مضافًا إلى أنّ الترجمة تستند إلى ثلاث مراحل أساسيّة؛ هي: فهم النصّ المنطلق، وتفكيك الشفرة الأصليّة، وإعادة التعبير في ضوء شفرة النصّ الهدف.
وعلى العموم، تستوجب الترجمة معرفة السياق اللغويّ والثقافيّ والحضاريّ والمرجعيّ، والتمكّن من آليّات الميتاترجمة (Metatraduction)، والتمييز بين الإيحاء والتعيين، أو بين الحرفيّ والمعنويّ...
وعليه، فمن الصعب الحصول على ترجمة صادقة، وأمينة، ومماثلة بشكل
مطلق، بل يصعب الوصول إلى ترجمة مثاليّة عندما يتعلّق الأمر بالإبداع، والشعر، والإيقاع، والتعبير عن المشاعر والأحاسيس. وفي هذا، يقول الجاحظ في كتابه (الحيوان): «ثمّ قال بعض من ينصّر الشعر ويحوطه ويحتجّ له: إنّ الترجمان لا يؤدّي أبدًا ما قاله الحكيم، على خصائص معانيه، وحقائق مذاهبه، ودقائق اختصاراته، وخفيّات حدوده، ولا يقدر أنْ يوفيها حقوقها، ويؤدّي الأمانة فيها، ويقوم بما يلزم الوكيل، ويجب على الجري، وكيف يقدر على أدائها وتسليم معانيها والإخبار عنها على حقّها وصدقها، إلا أنْ يكون في العلم بمعانيها، واستعمال تصاريف ألفاظها، وتأويلات مخارجها؛ مثل مؤلّف الكتاب وواضعه... ولا بدّ للترجمان من أنْ يكون بيانه في نفس الترجمة، في وزن علمه في نفس المعرفة، وينبغي أنْ يكون أعلم الناس باللغة المنقولة والمنقول إليها، حتّى يكون فيهما سواء وغاية، ومتى وجدناه أيضًا قد تكلم بلسانين، علمنا أنّه قد أدخل الضيم عليهما؛ لأنّ كلّ واحدة من اللغتين تجذب الأخرى وتأخذ منها، وتعترض عليها، وكيف يكون تمكّن اللسان منهما مجتمعين فيه، كتمكّنه إذا انفرد بالواحدة، وإنّما له قوّة واحدة، فإنْ تكلّم بلغة واحدة استفرغت تلك القوّة عليهما، وكذلك إنْ تكلم بأكثر من لغتين، على حساب ذلك تكون الترجمة لجميع اللغات. وكلّما كان الباب من العلم أعسر وأضيق، والعلماء به أقلّ، كان أشدّ على المترجم، وأجدر أنْ يخطئ فيه. ولنْ تجد البتّة مترجمًا يفي بواحد من هؤلاء العلماء. هذا قولنا في كتب الهندسة، والتنجيم، والحساب، واللحون، فكيف لو كانت هذه الكتب كتب دين وإخبار عن الله -عزّ وجل- بما يجوز عليه ممّا لا يجوز عليه، حتّى يريد أنْ يتكلّم على تصحيح المعاني في الطبائع، ويكون ذلك معقودًا بالتوحيد، ويتكلّم في وجوه الإخبار واحتمالاته للوجوه، ويكون ذلك متضمّنًا بما يجوز على الله – تعالى -، ممّا لا يجوز، وبما لا يجوز على الناس ممّا لا يجوز، وحتّى يعلم مستقّر العامّ والخاصّ، والمقابلات التي تلقى الأخبار العامّيّة المخرج فيجعلها خاصّيّة؛ وحتّى يعرف من الخبر ما يخصّه الخبر الذي هو أثر، ممّا يخصّه الخبر الذي هو قرآن، وما يخصّه العقل ممّا تخصّه العادة أو الحال الرادّة له عن العموم؛ وحتّى يعرف ما يكون من الخبر صدقًا أو
(37)كذبًا، وما لا يجوز أنْ يسمّى بصدق ولا كذب؛ وحتّى يعرف اسم الصدق والكذب، وعلى كم معنى يشتمل ويجتمع، وعند فقد أيّ معنى ينقلب ذلك الاسم، وكذلك معرفة المحال من الصحيح، وأيّ شيء تأويل المحال، وهل يسمّى المحال كذبًا أم لا يجوز ذلك، وأيّ القولين أفحش: المحال أم الكذب، وفي أيّ موضع يكون المحال أفظع، والكذب أشنع؛ وحتّى يعرف المثل والبديع، والوحي والكناية، وفصل ما بين الخطل والهدر. والمقصور والمبسوط والاختصار؛ وحتّى يعرف أبنية الكلام، وعادات القوم، وأسباب تفاهمهم، والذي ذكرنا قليل من كثير. ومتى لم يعرف ذلك المترجم أخطأ في تأويل كلام الدين. والخطأ في الدين أضرّ من الخطأ في الرياضة والصناعة، والفلسفة والكيمياء...»
.وينطبق هذا الكلام على ترجمة القرآن الكريم، على أساس أنّ القرآن الكريم كلام معجز، ويتجلّى إعجازه في لغته العربيّة التي تحدّت الشعراء العرب أنْ يأتوا بمثلها. وعندما يُترجَم القرآن إلى اللغات الأجنبيّة يفتقد لذّته الفنّيّة والجماليّة، وينعدم تأثيره البيانيّ الساحر المبهر، ويغيب إعجازه الحقيقيّ، ويصير مجرّد كلام طبيعيّ يحمل إخبارًا وتشريعًا وتنبيهًا.
ومن هنا، يرفض كثير من العلماء والمثقّفون المسلمون أنْ يترجم القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبيّة؛ لارتباط الألفاظ بالمعاني ارتباطًا وثيقًا، فلا يمكن أنْ تكون الترجمة بالمعاني دون الألفاظ؛ لأنّ الألفاظ والكلمات القرآنيّة لها معانٍ عدّة تختلف من سياق إلى آخر. وقد نترجم بعض معاني الآيات الواضحة والمحكمة والظاهرة الدلالة، ولكنْ نفشل في ترجمة معاني الآيات المتشابهة. وعلى الرغم من ذلك، يمكن أنْ نترجم معاني القرآن من أجل تقريبه من الأعاجم لهدايتهم، والتعريف بالإسلام، بشرط أنْ تحترم الترجمة المعنويّة تركيب اللغة العربيّة، ونظمها، وحقائق الشريعة الإسلاميّة، ومقاصدها.
ولقد وقف المسلمون من ترجمة القرآن الكريم مواقف مختلفة. فأجمع
المالكيّة والحنابلة والشافعيّة والظاهريّة على منع قراءة القرآن في الصلاة بغير اللغة العربيّة؛ أي لم يجيزوا قراءة القرآن في الصلاة باللغات الأجنبيّة، وجعلوها باللغة العربيّة فقط. وفي هذا السياق، يقول ابن حزم: «ومن قرأ القرآن أو شيئًا منها مترجمًا، أو شيئًا من القرآن في صلاته مترجمًا بغير العربيّة، أو بألفاظ عربيّة غير الألفاظ التي أنزل الله -تعالى-، عامدًا لذلك، أو قدّم كلمة أو أخّرها، عامدًا لذلك، بطلت صلاته، وهو فاسق، لأنّ الله – تعالى - قال: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) ، وغير العربيّ ليس عربيًّا، فليس قرآنًا، وإحالة رتبة القرآن تحريف كلام الله تعالى» .
ويحرّم السيوطي قراءة القرآن باللغة الأعجميّة أو ترجمته. وفي هذا، يقول: «تحرم قراءته بالعجميّة؛ أي باللسان غير العربي؛ لأنّه يذهب إعجازه الذي أنزل له، ولهذا يترجم العاجز عن الأذكار في الصلاة، ولا يترجم عن القرآن، بل ينتقل إلى البدل. وتحرم بالمعنى قراءته، وإنْ جازت رواية الحديث بالمعنى؛ لفوات الإعجاز المقصود من القرآن»
.لكنّ الغرض -هنا- ليس أداء الصلاة باللغات الأجنبيّة والأعجميّة، بل تقريب معاني القرآن الكريم وتفهيمها للذين لا يعرفون اللغة العربيّة، وهذا جائز؛ ما دام المقصد التشريعيّ هو نشر الإسلام، وتعميمه على البشريّة كافّة، وتوضيح رسالة النبي محمد صلىاللهعليهوآله، وإلا سنفرض على جميع الأمم أنْ يتعلّموا اللغة العربيّة؛ وهذا محال؛ لأنّ الله جعل الناس شعوبًا وقبائل مختلفة الألسن ليتعارفوا، ولو أراد أنْ يوحّدهم على لسان واحد لاستطاع ذلك.
ويذهب الحنفيّة مذهب الجواز، فقد نقل عن السرخسي في كتابه (المبسوط) «أنّ الإمام أبا حنيفة أجاز ترجمة الفاتحة لأهل فارس؛ لأنّه رآهم يدخلون في دين الله أفواجًا، فرخّص لهم حتّى يطوع لسانهم النطق بالعربيّة من غير رطانة، وقد
استند أبو حنيفة في ذلك إلى بعض الآثار التي نقلت ما جاء عن سلمان الفارسي أنّه كتب الفاتحة للفرس بلغتهم بدءًا بسم الله الرحمن الرحيم كتبها: «بنام خداكي بخشانده مهربان»، وعرضها على النبي صلىاللهعليهوآله فلم ينكر عليه، وبعث سلمان بها إليهم، وهذا الخبر نقله الإمام النووي في (المجموع شرح المهذب) وغيره» .
ويرى محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي أنّ ترجمة معاني القرآن الكريم ممكنة. وفي هذا، يقول: «زعم أنّ الإسلام ألزم الناس العربيّة وتعلّمها، ونبذ ألسنتهم، ومنعهم من ترجمة القرآن العظيم، وهذه الشيعة تكفل بردّها والتشنيع بها كتابي (جواز ترجمة القرآن). فقد بُرهن فيه على أنّ الدين لا يلزم الأمم التي دخلت في الإسلام التكلّم بالعربيّة، بدليل بقائها إلى الآن متكلّمة بألسنتها. وما منع ترجمة القرآن أصلًا، ولا ورد المنع في كتاب، ولا سنّة، ولا إجماع، ولا قياس. وأبرهن على أنّه قد ترجم بالفعل، ولا زال يترجم إلى الآن، غير أنّا لا نسمّي الترجمة قرآنًا؛ إذ لا نأمن معها عدم الوفاء بالمقصود من اللفظ المنزل»
.وفي مكان آخر، يجيز الحجوي ترجمة القرآن لمن كان متمكّنا منها بقوله: «إنّ ترجمة القرآن العظيم إلى لغات أخرى غير العربيّة للعارف الماهر في العربيّة وفي اللغة الأخرى التي يريد الترجمة إليها؛ بحيث يكون عارفًا بالعربيّة: النحو، والصرف، والبيان بفنونه، والأصول مع أسباب النزول، وكل الآليّات التي توصل لذلك. ويكون عارفًا بما يناسب ذلك من اللغة الأخرى التي يريد الترجمة إليها، أمر جائز لا بأس به؛ كما تقتضيه الأدلّة الشرعيّة»
.وأكثر من ذلك، فإنّ ترجمته «من الأمور المرغب فيها، بل يصحّ لنا أنّ نقول: إنّها من فروض الكفاية التي يجب على الأمّة القيام بها. فإذا قام بها البعض سقط عن
الباقين، وإنْ لم يقم بها أحد أثم الكلّ. برهان ذلك أنّه تبليغ عن رسول صلىاللهعليهوآله الذي قال: «فبلغ الشاهد الغائب». وقال: «بلغوا عنّي ولو آية». وقد أوجب الله على رسوله التبليغ فقال:(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ)، فهو بلغ للعرب بلسانهم: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ)، ويجب على العرب أن ينوبوا عنه ويبلِّغوا لغيرهم من الأمم. فلذا، قال لهم: «بلغوا عنّي ولو آية»، ولا يمكن التبليغ لجميع الأمم إلا بالترجم إلى لسانهم... ومن الواجب ترجمة القرآن العظيم لجميع اللغات ترجمة موفّقة بقدر الإمكان...» .
وهذا يعني أنّ ترجمة القرآن الكريم، بمعناها التماثليّ الحقيقيّ، مستحيلة وغير ممكنة. بيد أنّ تقريب معاني القرآن إلى الأجانب، فحكم ذلك هو الجواز والإمكان؛ كما ذهب إلى ذلك الحنفيّة والحجوي الثعالبي؛ لأنّ القرآن معجز لفظًا، ومعنى، ومقصديّة، وإيقاعًا، وتنغيمًا، ونظمًا. وبذلك، فمن المستحيل ترجمة هذه الظواهر النظميّة والبلاغيّة والتداوليّة إلى اللغات الأجنبيّة بشكلها الأصلي. لذا، يُكتفى -في الغالب- بتفسير معاني القرآن التي تصبح تقريبيّة ليس إلا.
يمكن الحديث عن أنواع من الترجمة القرآنيّة عند المستشرقين الغربيّين، ويمكن بالآتي:
1. الترجمة الحرفيّة:
تهدف هذه الترجمة القرآنيّة عند المستشرقين وغيرهم إلى المقابلة الحرفيّة بين النصّ الأصلي والنصّ المنقول إليه. وتتحقّق هذه الترجمة بالمماثلة بين الحروف
والكلمات والمعاني؛ من خلال المحاكاة، والتقليد، والمماثلة الحرفيّة للتراكيب والتعابير، وبمقابلة المعاجم والقواميس؛ لتكون منسجمة في ما بينها.
بيد أنّ هذه الترجمة مقبولة في المجالات العلميّة والإخباريّة، وغير مقبولة في مجال الشعر والقرآن الكريم؛ حيث إنّ ترجمة القرآن الكريم ترجمة حرفيّة ولفظيّة مستحيلة؛ لأنّ كلمات القرآن لها مدلولات خاصّة في سياقات ثقافيّة عربيّة موغلة في القِدَم، تحتاج إلى كثير من التأنّي والترّوي والتعمّق؛ بسبب غياب الترادف، ووجود اللفظ المشترك، وما تحمله الكلمة القرآنيّة من معانٍ مختلفة من سياق إلى آخر. لذا، يستحيل الحديث عن ترجمة حرفيّة للقرآن الكريم التي تصبح عند المستشرقين مجرّد ترجمة لمعاني القرآن، وتبقى تلك الترجمة تقريبيّة، ونسبيّة، ومغرضة، ومشوَّهة في كثير من الأحيان.
2. الترجمة القاموسيّة أو المعجميّة:
غالبًا، ما يعتمد بعض المستشرقين التقابل المعجميّ في عمليّة الترجمة؛ أي يترجمون القرآن الكريم بترجمة كلمة بكلمة، أو جملة بجملة، أو عبارة بعبارة؛ بمعنى أنّ المعجم التقابلي حاضر في عمليّة الترجمة. ولكنّ هذه الترجمة المعجميّة هي ترجمة حرفيّة وقاموسيّة للمعاني، وليست ترجمة للصور البلاغيّة، أو ترجمة للنظم التأليفيّ والتعبيريّ. وبالتالي، لا تُعنى بالمواقف التأثيريّة، والإبهاريّة، والإدهاشيّة، والفنّيّة، والجماليّة، والبيانيّة، والحجاجيّة في القرآن الكريم، وهي سرّ إعجازه الخارق. ومن ثمّ، لا بد من أنْ نميّز بين الحقول الدلاليّة والحقول المعجميّة، فالأولى تدرس الكلمة وفق سياقها الدلالي في النصّ، بينما الثانية تدرس الكلمة في سياقها النصّيّ والخطابيّ. وغالبًا، ما تكون ترجمة معاني القرآن عند المستشرقين بالمقابلة القاموسيّة الحرفيّة ليس إلا. وفي هذا الصدد، يشير الحجوي الثعالبي إلى هذا النوع من الترجمة المعجميّة الاستبداليّة بقوله: «ولا نريد بالترجمة إبدال كلّ لفظ بما يرادفه أو يقاربه في اللغة الأخرى، فهذا تبديل، وربّما يقال عنه تحريف؛ لأنّ ما يظنّ من الترادف أو التقارب قد لا يكون. فإنّا نرى كثيرًا من الألفاظ في
(42)لغتنا يظنّ ظانّون أنّها مترادفة، فإذا هي متخالفة. وأمّا المراد ترجمة المعنى الأصلي من كلّ جملة مع ما يتبعه من المعاني التي تقتضيها دقائق اللغة وبلاغتها بقدر الإمكان، وإنْ لم تكنْ الإحاطة بكلّ المعاني العظيمة التي احتوى عليها اللفظ المنزل من حكيم حميد، كما لا يمكن له الإتيان بما يشمل عليه من طرق الإعجاز الراجعة لفصاحته وطلاوة لفظه، ومتانة أسلوبه، ولطائف إشارته، وغير ذلك ممّا هو مقرّر في وجوه إعجازه. كلّ ذلك لا تفي به ترجمة كائن، ولا تطمح في الوفاء به؛ لمكان الإعجاز الذي ينقضي الدهر ولا تنقضي عجائبه وغرائبه»
.ويعني هذا أنّ الترجمة المعجميّة القائمة على الاستبدال والترادف والتضاد قد تكون غير صالحة لتقريب معاني القرآن الكريم؛ لأنّ هذه العمليّة غير ناجعة في كثير من الأحيان؛ لانعدام الترادف في اللغة العربيّة.
3. الترجمة المعنويّة:
تتميّز ترجمات المستشرقين للقرآن الكريم بتقريب معاني الكتاب المقدّس وتأويلها وفق منطلقات خاصّة ذاتيّة؛ بالتركيز على معاني القرآن الكريم، وتفسيرها، وشرحها، وتقريبها للمتلقّي الأعجمي، من دون الاهتمام باللفظ، والمقصديّة، والسياق، والإيقاع القرآنيّ المعجز. وهذا يعني غياب حقيقيّ للترجمة بمفهومها العلميّ الحقيقيّ، ناهيك عن كون أغلب المستشرقين لا يتقنون اللغة العربيّة بشكل جيّد، ولا يعرفون الإطار الحضاريّ للإسلام؛ من عادات، وأعراف، وتقاليد، وقيم، ومثل، وآداب، وطقوس. ومن ثمّ، فترجمة المستشرق مجرّد قراءة شخصيّة لمعاني القرآن من وجهة نظر غربيّة لاهوتيّة، أو وفق رؤيّة علميّة ممنهجة، لا علاقة لها البتّة بالقرآن الكريم؛ بوصفه كتابًا معصومًا ومعجزًا، ولا صلة لها بالقرآن الكريم الذي يترجم بلفظه الفصيح، ومعناه البليغ، ومقاصده المباشرة وغير المباشرة، وإيقاعه التنغيمي الساحر، وآثاره البيانيّة والبلاغيّة المبهرة.
4. الترجمة التفسيريّة:
تستند هذه الترجمة القرآنيّة إلى عمليّة الفهم والتفسير؛ بمعنى أنّ المستشرق يترجم معاني القرآن الكريم بتفسير الآيات والسور تفسيرًا؛ إمّا ذاتيًّا، وإمّا موضوعيًّا، بتقريب معاني القرآن وشرحها والتعليق عليها. وغالبًا، ما يخضع هذا التفسير للتصرّف، والإضافة، والنقص، والتحوير، والتشويه، والاختصار، والاقتضاب، والابتسار، والحذف، والتحشيّة، بحسب الأغراض والنوايا التي يصدر عنها المستشرق. ومن هنا، فليست هذه الترجمة التفسيريّة ترجمة حقيقيّة وأمينة للقرآن، بل تكتفي بترجمة المعاني المجملة أو الجزئيّة بتفسيرها وشرحها وفق المقاصد والأغراض والسياقات التداوليّة.
5. الترجمة التأويليّة:
تتعدّى الترجمة التأويليّة الترجمة التفسيريّة المعنويّة الظاهريّة، بالوقوف عند أبعاد النصّ ودلالاته المفهومة والمعقولة، من خلال استكشاف الباطن، واستجلاء المخفي، والبحث عن المعاني العميقة التي يزخر بها النصّ أو الخطاب القرآني في علاقته بالسياق، والمرجع، والإحالة، والمقصديّة.
ومن هنا، فالترجمة التأويليّة هي قراءة منسجمة أو غير منسجمة للنصّ القرآنيّ، تخضع لثقافة المترجم وتجربة المؤوِّل على حدّ سواء. وتستند الترجمة التأويليّة إلى الدائرة التأويليّة التي تتكوّن من مرحلة ما قبل الفهم، ومرحلة الفهم، ومرحلة التأويل التي تستحضر الذات، والإحالة، والسياق. وهكذا، تكون القراءة التأويليّة مرتبطة أشدّ الارتباط بخاصيّة التأويل الذاتيّ والسياقيّ.
وهذا يعني أنّ الترجمة التأويليّة للقرآن هي ترجمة لمعاني القرآن، وهي ترجمة مغرضة ومضلِّلة، إذا كان المستشرق ينطلق من نوايا لاهوتيّة ودينيّة وصليبيّة. ويكون تأويلها مقبولًا إلى حدّ ما، إذا كانت ترجمته لمعاني القرآن الكريم ترجمة علميّة موضوعيّة، أساسها الاعتراف، والوفاء، والالتزام بالمنهج الأكاديميّ الصحيح.
(44)6. الترجمة القرآنيّة المغرضة:
يقصد بها ترجمة معاني القرآني الكريم؛ بغرض التشكيك والمسّ بالإسلام والمسلمين، والطعن في القرآن الكريم. ومن ثمّ، فهي ترجمة مضلِّلة، ومنحرفة، ومبتدعة تخرج عن ضوابط المنهج العلميّ الصحيح، ويكون المستشرق في خدمة الكنيسة، واللاهوت، والاستعمار، والتبشير على حدّ سواء. وينطبق هذا الحكم على الترجمات اللاتينيّة الأولى للقرآن الكريم التي كانت بطلب الفاتيكان، وهي ترجمات مدسوسة ومبيّتة ومسمومة بالنوايا السيّئة؛ حيث تنسب القرآن إلى محمد، وتعتبر القرآن مجرّد كتاب بشريّ ينسخ ما يوجد في التوراة والإنجيل؛ لوجود مضامين ومحتويات متشابهة. وبالتالي، فالقرآن يعيق التقدّم والازدهار، وهو لا يعرف شيئًا عن المسيحيّة، وما كتب في القرآن عن المسيح هو منقول عن الراهب النصّراني المرتدّ «بحيرا» الذي لقي الرسول صلىاللهعليهوآله في الشام. أمّا القصص التي تضمّنها القرآن، فهي منقولة عن الأحبار اليهود في المدينة. لذا، تتّسم هذه الترجمات الاستشراقيّة اللاتينيّة للقرآن الكريم بكونها ترجمات مضلِّلة ومغرضة تصدر عن نفوس حاقدة عدوانيّة وكارهة للقرآن وللنبي محمد صلىاللهعليهوآله؛ بسبب ما حقّقه الإسلام من منجزات وتقدّم، وازدهار؛ شرقًا وغربًا، وكذلك بسبب انتشاره بسرعة، ومنافسته الشديدة للمسيحيّة التي بدأت تتراجع بشكل تدريجيّ.
وتمتاز هذه الترجمة الاستشراقيّة الحقودة لمعاني القرآن الكريم بتكريس النزعة الاستعماريّة، ومعاداة العقليّة الساميّة، والغضّ من قيمتها على المستوى المعرفيّ والعلميّ، وترجيح كفّة العقليّة الآريّة. ويتجلّى هذا واضحًا في عدم اعتراف بعض المستشرقين بالفلسفة الإسلاميّة، والانتقاص من علم الكلام والتصوّف الإسلاميّ، على أساس أنّ العقليّة الساميّة غير قادرة على التجريد والتركيب، وبناء الأنساق الفلسفيّة الكبرى؛ وجودًا ومعرفةً وأخلاقًا، كما يذهب إلى ذلك المستشرق الألماني رينان. ومن جهة أخرى، تمسّك المستشرقون الغربيّون، منذ القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، بالدفاع عن المركزيّة الأوروبيّة، باعتبارها أنموذجًا يُحتذى للمعرفة والعلم
(45)والحقيقة. وقد انطلق هؤلاء الدارسون من مناهج فيلولوجيّة أو تاريخيّة أو ذاتيّة
.وعليه، فالمستشرق الغربيّ حينما يطبّق المنهج الذاتويّ في ترجمته لمعاني القرآن الكريم، أو في أثناء تعامله مع التراث العربيّ الإسلاميّ، فإنّه ينطلق من رؤيّة لاهوتيّة مسيحيّة محرَّفة، أو من رؤيّة رومانسيّة ساذجة ومثاليّة قائمة على الانبهار بسحر الشرق، والاندهاش بعجائبه الخارقة، كما تتعشعش في مخيّلته الإثنوغرافيّة عن أصل أعراق الشرقيّين وسلالاتهم، أو (الفانطاستيكيّة) التي يتداخل فيها الواقع والخيال؛ إنْ تعجيبًا لروعته وخروجه عن المألوف، وإنْ تغريبًا لما يبثّه في النفس من قلق وشذوذ.
وهكذا، نجد المستشرق الإنجليزي جورج سيل (George Sale) الذي ترجم القرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزيّة يقول: «أمّا محمّد كان في الحقيقة مؤلّف القرآن والمخترع الرئيس له، أمر لا يقبل الجدل»
.إذًا، ينطلق هذا المستشرق من نزعة دينيّة عرقيّة صليبيّة ولاهوتيّة لتشويه الإسلام والمسلمين، بالطعن في القرآن الكريم، ونسبة القرآن إلى محمد، على أساس أنّه كتاب بشريّ، وليس كتابًا منزلًا.
ويرى ريجيس بلاشير (R.Blachère)، في مقدّمة كتابه عن القرآن، أنّ الترجمة كانت بدافع الحقد الصليبي: «من المرجّح أنّ بطرس الموقّر - الذي رحل إلى إسبانيا بين 1141 و1143م- هو الذي فكّر -بتأثير من روما ومن البابا - في ترجمة القرآن إلى اللاتينيّة، فأوعز بذلك إلى روبيرد ريتين (R.de Tetines) الذي تولّى عمل الترجمة بمساعدة بعض الرهبان، وقد جاءت هذه البادرة بدافع من روح صليبيّة تدلّ على ذلك رسالة بطرس الموقّر الموجّهة إلى (القديس برنار) مع نسخة من الترجمة
المنجزة، كما كان الداعي إلى هذا العمل الحاجة إلى محو أثر الإيمان من نفوس معتنقي الإيمان»
.وهذا يعني أنّ الترجمة اللاتينيّة لمعاني القرآن الكريم كانت بدافع لاهوتي كنسيّ؛ من أجل تفريق المسلمين، والطعن في دينهم وعقيدتهم وكتابهم المقدّس، باسم البابويّة الحقودة التي غرضها طمس الحقيقة عن الإنسان الأوروبيّ، وتقييده بترّهات الرهبان الذين حرّفوا الإنجيل؛ من أجل خدمة أهوائهم ومصالحهم الشخصيّة.
وعليه، تتّسم الترجمة الاستشراقيّة المغرضة بالتشكيك، والتشويه، والتبشير، والأدلجة، والتفكيك الهدّام، والتطرّف، وإثارة ما يسمّى بالصراع الدينيّ والحضاريّ.
7. الترجمة السياقيّة:
وهي ترجمة معاني القرآن الكريم؛ وفق السياق الداخليّ والتداوليّ للنصّ القرآنيّ، أو وفق سياقه المرجعيّ الخارجيّ: الجغرافيّ، والسياسيّ، والاجتماعيّ، والاقتصاديّ، والتربويّ، والتعليميّ، والقانونيّ، والتاريخيّ، والأنتروبولوجيّ، والنفسيّ، والدينيّ، والفكريّ، والثقافيّ، والحضاريّ. ويعني السياق ما يسمّى بالمقام (Situationality)، أو المحيط المرجعيّ، أو الإطار النفسيّ، أو الثقافيّ الذي يطوّق النصّ من جميع جوانبه الخارجيّة. إنّه النطاق المادّيّ الذي يحيل عليه النصّ. و«ترتبط المقاميّة برعاية الموقف أو المقام الذي أنشىء من أجله النصّ، وتتضمّن العوامل التي تجعل النصّ مرتبطًا بموقف سائد يمكن استرجاعه»
.ويذهب كلّ من براون ويول، في كتابهما (تحليل الخطاب)، إلى أنّ محلّل النصّ ومؤوله عليه أنْ يراعي مجموعة من العناصر المهمّة في عمليّة التداول، هي: المتكلّم، والمخاطب، والسياق الذي تبلور فيه النصّ بمعرفة الزمان والمكان،
وقد يؤدّي القول الذي قيل في سياقين مختلفين إلى تأويلين مختلفين. وهذا يعني أنّ السياق يتحكّم في بنية التأويل الخطابيّ. ويرى هايمس أنّ السياق له وظيفة مزدوجة تتمثّل في تقييد مجال التأويل، ودعم التأويل المقصود.كما صنّف هايمس السياق إلى العناصر الآتية: المرسل، والمتلقّي، والحضور (المستمعون الآخرون)، والموضوع، والمقام (زمان الحدث التواصلي ومكانه)، والقناة، والنظام (اللغة أو اللهجة...)، وشكل الرسالة، والمفتاح (هل كانت الرسالة موعظة حسنة أم شرحًا مثيرًا للعواطف أم ...؟)، والغرض.
أمّا ليفيس، فيحصر السياق في العناصر الآتية: العالم الممكن، والزمان، والمكان، والحضور، والشيء المشار إليه، والخطاب السابق، والتخصيص
.إذًا، يقوم السياق بدور مهمّ في فهم النصّ وتأويله، وترجمة معانيه الظاهرة والخفيّة، وتحقيق اتّساق النصّ وانسجامه. وفي هذا الصدد، يقول محمد خطابي: «إنّ الخطاب القابل للفهم والتأويل هو الخطاب القابل لأنْ يُوضع في سياقه، بالمعنى المحدّد سلفًا؛ إذ كثيرًا ما يكون المتلقّي أمام خطاب بسيط للغاية -من حيث لغته-، ولكنّه قد يتضمّن قرائن -ضمائر أو ظرفًا- تجعله غامضًا غير مفهوم بدون الإحاطة بسياقه. ومن ثمّ، فإنّ للسياق دورًا فعّالًا في تواصليّة الخطاب وفي انسجامه بالأساس. وما كان ممكنًا أنْ يكون للخطاب معنى لولا الإلمام بسياقه»
.وعليه، فإنّ النصّ القرآنيّ لا يمكن أنْ يبقى منغلقًا على ذاته، منطويًا على بنياته السيميائيّة أو الصوريّة المجرّدة، بل عليه أنْ ينفتح على العوالم السياقيّة متعدّدة الدلالات؛ بمعنى أنّ النصّ لا بدّ أنْ يخضع لمبدأ التأويل السياقيّ، بالانفتاح على السياق النصّيّ الداخليّ، والسياق الخارجيّ متعدّد الأبعاد. وعلى المؤوِّل أو المترجم لمعاني القرآن، أنْ يبيّن الأنواع السياقيّة التي تتحدّد - حسب باريت(Parret)- في السياق النصّي (تجاوز الجملة إلى سياق الخطاب)، والسياق الوجوديّ (الإشارة
إلى أشياء العالم الخارجيّ)، والسياق المقامي (مجموعة من السياقيات الموقفيّة والاجتماعيّة والزمانيّة والمكانيّة والمؤسّساتيّة)، وسياق الفعل (سياق نظريّة الأفعال اللغويّة)، والسياق النفسيّ (إدماج الحالات الذهنيّة والنفسيّة).
ولا يكتفي المستشرق السياقيّ بهذا، بل لا بدّ من إبراز عناصر السياق التي تتمثّل في: المرسِل، والمرسَل إليه، والعناصر المشتركة بينهما من معرفة مشتركة (معرفة عامّة بالعالم، ومعرفة بنظام اللغة، ومعرفة بالزمان والمكان...)، وعلاقة اجتماعيّة تفاعليّة، سواء أكانت علاقة حميمة أم رسميّة (علاقة سلطة). ولا ننسى تحديد إستراتيجيّات الخطاب التي تربط الخطاب بالمقام السياقيّ.
وعليه، فثمّة مستشرقين غربيّين قد قاربوا معاني القرآن الكريم وترجموها وفق مقاربة تداوليّة سياقيّة، فلم يكتفوا بالترجمة الحرفيّة، واللفظيّة، والتفسيريّة، والتأويليّة للخطاب القرآنيّ، بل ربطوا ذلك بتفكيك القرآن وفق منهجيّة سياقيّة تداوليّة لتفسير القرآن، واستيعاب دلالاته؛ بغية ضربه من الداخل والخارج، وتشويه الدين الذي يعبّر عنه هذا النصّ؛ باختلاق أحداث غير صحيحة، واستعراض معلومات تاريخيّة مزيّفة وشائبة، والانطلاق من دوافع ومعطيات لاهوتيّة مسيحيّة أو يهوديّة محضة.
8. الترجمة اللاهوتيّة:
تهدف الترجمة اللاهوتيّة إلى تقريب معاني القرآن الكريم في ضوء التصوّر المسيحيّ الكنسيّ والكاثوليكيّ الذي تتزعّمه الفاتيكان والبابويّة التبشيريّة. ومن ثمّ، فلقد كانت الترجمات اللاتينيّة المبكرة لمعاني القرآن الكريم، منذ القرن الثاني عشر الميلاديّ، تنجز باسم الكنيسة لأغراض دينيّة صليبيّة، ونوايا لاهوتيّة سيّئة، الهدف منها هو تشكيك المسلمين في دينهم الإسلاميّ، بالطعن في القرآن الكريم، وأنّه منسوب إلى محمّد الذي نقله عن الأحبار اليهود والرهبان المسيحيّين، وأنّه مجرّد قانون بشريّ وضعي نقله محمّد من القانون الروماني. وهذا يعني، أنّ القرآن الكريم لم يأتِ بشيء جديد، وأنّ الإنجيل أفضل منه. بيد أنّ السبب الحقيقيّ الذي دفعهم إلى هذه
(49)الترجمات اللاهوتيّة المضلِّلة يتمثّل في أنّ القرآن قد فضح الرهبانيّة المسيحيّة، وفضح تحريف الإنجيل الذي اتّخذ من قِبَل الرهبان وسيلة للاسترزاق. فضلًا عن بشريّة عيسى المسيح، وأنّه مجرّد رسول؛ كباقي الرسل والأنبياء الذين جاؤوا من أجل نشر رسالة التوحيد. لذا، منعت الكنيسة نشر القرآن الكريم بعد ترجمة معانيه؛ لأنّ ذلك يخدم الإسلام ولا يضرّه في شيء، فتركته حبيس الأديرة والكنائس.
9. الترجمة العلميّة الممنهجة:
يقصد بالترجمة العلميّة الممنهجة، تلك الترجمة التي تبنّاها المستشرقون المعاصرون في قراءة القرآن الكريم وترجمة معانيه؛ حيث اعتمدوا على مناهج لسانيّة وخطابيّة معاصرة في تحليل النصّ القرآنيّ، وترجمة معانيه، بتوظيف المناهج المعاصرة؛ كالمنهج البنيويّ اللسانيّ، والمنهج السيميائيّ، والمنهج الأنتروبولوجيّ، والمنهج السيكولوجيّ، والمنهج السوسيولوجيّ، والمنهج الثقافيّ، والمنهج التاريخيّ الجديد، والمنهج التفكيكيّ، والمنهج الفلسفيّ، …
وتبقى هذه الترجمات الاستشراقيّة للقرآن الكريم معنويّة، وتفسيريّة، وتحليليّة، وتأويليّة لمعاني القرآن الكريم، وليست ترجمات حقيقيّة له، على الرغم من حيادها العلميّ، وادّعائها الموضوعيّة المنهجيّة والأكاديميّة. بيد أنّ هذه الموضوعيّة ليست مطلقة، بل هي نسبيّة تعنى بتوصيف المعاني وقراءتها وترجمتها وفق السياق المنهجيّ العلميّ الجديد. لذا، تظلّ هذه الترجمات، في الواقع الموضوعيّ، مجرّد قراءات تحليليّة وتأويليّة للقرآن الكريم، على حدّ تعبير الباحث الجزائري محمد أركون
.10. الترجمة المنصفة:
تتقابل الترجمة المنصفة مع الترجمة المغرضة والمضلِّلة الخاضعة للأهواء والسموم والدسائس اللاهوتيّة. فهناك بعض المستشرقين الذين كانوا يترجمون معاني القرآن الكريم ويقاربونها بطريقة موضوعيّة معتدلة ومنصفة، أساسها
الاعتراف بفضل القرآن الكريم على الإنسانيّة، وأنّ القرآن وحي من الله، وأنّ محمدًا رسول الله، وأنّ الكتاب شريعة الله، وأنهّا مكمِّلة لباقي الشرائع السماويّة السابقة.
ومن هنا، فلقد فنّد المستشرق الألماني رودي باريت
(Rudi Paret)، في مقدّمة ترجمته للقرآن، نوايا المستشرقين اللاهوتيّين الذين كانوا يشكّون في كلّ شيء، بتتبّع كلّ آية آية بالنقد والدحض والتشويه بقوله: «ليس لدينا أيّ سبب يحملنا على الاعتقاد بأنّ هناك أيّة آية في القرآن كلّه لم ترد عن محمد» .ويقول الباحث الإيطالي جابر دللي معلّقًا على ترجمات المستشرقين للقرآن الكريم: «الأقوال غير المسؤولة من بعض المستشرقين بأنّ محمدًا مؤلّف القرآن، باطلة لا صحّة لها، وهي محاولات فاشلة للنيل من هذا الدّين ومن نبيّه»
.فهذا نوع من الاعتراف المعتدل النسبيّ بفضح ترجمات المستشرقين الغربيّين التي كانت عنصريّة ولاهوتيّة وصليبيّة محضة، هدفها تشكيك المسلمين في كتابهم ونبيّهم ودينهم، بدافع كنسي مبيّت ومغرض، أساسه العداوة والحقد والكراهية للإسلام الحنيف. ويبقى هذا الإنصاف إمّا إنصافًا جزئيًّا، وإمّا إنصافًا كلّيًّا حسب شخصيّة كلّ مستشرق على حدة.
11 - الترجمة المقارنة:
تهدف هذه الترجمة الاستشراقيّة إلى المقارنة بين معاني القرآن الكريم والمعاني التي تتضمّنها الكتب السماويّة السابقة؛ كما في التوراة والإنجيل. فالمستشرقون كانوا يقارنون بين معاني القرآن وما يوجد لدى اليهود والنصارى، بالتوقّف عند المتشابه والمختلف. بيد أنّ هذه المقارنة مضلِّلة ومنحرفة ومشوِّهة. إذ كيف نقارن نصًّا سليمًا؛ من حيث الصحّة بالتواتر والحفظ الربّانيّ، بنصوص وكتب دينيّة نالها
التحريف والتزوير والتزييف: (وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) .
ويعدّ المستشرق الإسباني خوان فرنيت (Juan Vernet) من بين هؤلاء المترجمين الغربيّين الذين كانوا يقارنون بين مجموعة من الأحداث والوقائع التي وردت في القرآن الكريم، بأحداث متشابهة أو مخالفة وردت في التوراة والإنجيل، حيث كان يربط النصوص القرآنيّة وبعض التكاليف الشرعيّة بالأحداث والوقائع والتشريعات ذات المصدر المسيحيّ أو اليهوديّ. وتتّسم هذه المقارنة بمغالطات كثيرة تسيء إلى هذه الترجمة السياقيّة الخارجيّة.
ويرى خوان فرنيت أنّ ما تلقّاه محمّد من وحي ربّانيّ هو بسبب التأثيرات التي نفذت إليه من الديانتين اليهوديّة والنصّرانيّة، فتمثّلها بطريقة لاشعوريّة من جهة، وبإرادة إلهيّة من جهة أخرى
. علاوة على ذلك، كان يملأ ترجمته لمعاني القرآن الكريم بالحواشي التي نجد فيها مقارنات كثيرة بين الآيات القرآنيّة وما جاء في الأسفار والكتب المقدّسة السابقة. والغرض من هذا كلّه، هو أنّ القرآن الكريم كان ينقل مضامين الكتب السماويّة السابقة بصورة مشوّهة، وكان في ذلك مجرّد ناقل، وناسخ، ومقلّد، لا يحسن استثمار المصادر المسيحيّة واليهوديّة بشكل جيّد.ومن هنا، تعمد الترجمة المقارنة إلى المماثلة بين معاني القرآن الكريم ومعاني الكتب السماويّة السابقة؛ بغية إظهار أنّ القرآن لم يأتِ بشيء جديد، بل كان يعيد شرائع الكتب المقدّسة النصرانيّة واليهوديّة بصورة معيبة، ومغرضة، ومشوّهة.
لقد ترجم المستشرقون كثيرًا من كتب العرب المسلمين إلى لغات أوروبيّة مختلفة، في مجالات وميادين علميّة متنوّعة؛ بما فيها كتب الأدب، والعلم، والفلسفة، والدين. وقد حقّقوا مجموعة من المصنّفات القديمة ووثّقوها وفق المناهج العلميّة المستعملة في علم التحقيق والكوديكولوجيا
. بيد أنّهم قد أعطوا أهمّيّة كبرى لترجمة معاني القرآن الكريم؛ باعتباره دستور المسلمين، وأساس تقدّمهم وحضارتهم ومدنيّتهم. لذا، ترجم القرآن الكريم إلى لغات أجنبيّة وعالميّة عدّة منذ القرن الثاني عشر الميلادي ، وكان الغرض منها هو معرفة حقائق الإسلام من خلال الكتاب المقدّس. و«قد قام المستشرقون منذ ذلك الوقت وحتّى الآن بإعداد العديد من ترجمات القرآن إلى اللغات الأوروبيّة كافّة، وقد مهّدوا لترجماتهم بمقدّمات وضعوا فيها تصوّراتهم عن الإسلام، وبذلك أعطوا للقارئ من بادئ الأمر تصوّرهم الذي لا يتّفق في معظم الأحيان مع حقائق الإسلام، بل قد يصطدم مع هذه الحقائق اصطدامًا جوهريًّا» .وثمّة أسباب عدّة وراء إقبال الغربيّين على ترجمة القرآن الكريم؛ منها: انتشار الإسلام بسرعة في مختلف أنحاء العالم، واكتساحه بشكل تدريجيّ لربوع المجتمعات المسيحيّة والوثنيّة، وترابط الأمّة الإسلاميّة، وتحقيق التقدّم والازدهار بفضل القرآن الكريم، والرغبة في اكتشاف المجتمع الإسلاميّ
، والتطلّع إلى فهم اللغة العربيّة، والسعي الحثيث من أجل فهم الإسلام، والدفاع عن الكاثوليكيّة المسيحيّة ضدّ أخطار الإسلام، وحماية المسيحيّين من هيمنة الدين الجديد .ناهيك عمّا ترتّب على «الحملات الإرهابيّة» التي تعرّضت لها الولايات المتّحدة وكندا وأوروبا الغربيّة من فضول للتعرّف إلى الإسلام، بالاطّلاع على القرآن الكريم عبر مختلف ترجماته الغربيّة والعربيّة والإسلاميّة.
ولم تقتصر الترجمة القرآنيّة على رجال الكنيسة فحسب، بل قام بها المثقّفون، ورجال العلم، والمفكّرون، والساسة المستعمرون، والمبشّرون، والمستشرقون، والمستعربونمصر الحديثة) الذي نشره عام 1908م: «إنّ القرآن هو المسؤول عن تأخّر مصر من مضمار الحضارة الحديثة»، وقال: «لنْ يفلح الشرق ما لم يرفع الحجاب عن وجه المرأة ويغطى به القرآن» .
؛ سواء أكانوا مهتمّين باللغة العربيّة والثقافة العربيّة، أم يتبنّون العروبة الثقافيّة أو الأيديولوجيّة أو الهويّاتيّة. وقام بها المستمزغون أيضًا، وهم، وإنْ لم يكونوا من السكان الأصليّين للمغرب العربيّ وشمال أفريقيا، لكنّهم مهتمّون بلغتهم وثقافتهم وأيديولوجيّتهم، وربّما تبنّوها. وفي هذا، التوجّه يقول اللورد كرومر في كتابه (وكذلك يصرّح المستشرق الفرنسي ريجيس بلاشير؛ وهو من بين المترجمين للقرآن الكريم بأنّه: «قلّما وجدنا بين الكتب الشرقيّة كتابًا بلبل بقراءته دأبنا الفكريّ؛ أكثر ممّا فعله القرآن»
.ومن هنا، فلقد «دخلت حركة ترجمة القرآن ضمن المخطط الغربي الذي يهدف إلى ترجمة الجوانب التي يراها مشرقة في تراثنا الفكري والعقدي والحضاري، وذلك
باسم المنهج العلمي وخدمة الحقيقة العلميّة، ولكنّ هذا الاتّصال العلميّ العميق بالإسلام حضارة وعقيدة وشريعة وتراثًا لم يكنْ له تأثير عميق في تغيير النظرة الغربيّة للصورة العقديّة أو الإلهيّة أو التاريخيّة للإسلام، بل على العكس من ذلك زاد هذا الاتّصال في تعميق كراهة وسخط الغرب عن الإسلام، فتفنّنوا في ابتداع الوسائل والإمكانيّات لمحاربته، وكأنّما تلك الدراسات للإسلام وضعت لخدمة تلك الإمكانيات والوسائل»
.وعليه، لم يكنْ الهدف المبتغى والرئيس من ترجمة معاني القرآن الكريم عند المستشرقين -دائمًا- هدفًا علميًّا ومنهجيًّا وأكاديميًّا ومعرفيًّا وثقافيًّا فحسب، بل كانت هناك أهداف دينيّة، ولاهوتيّة، وتبشيريّة، وتنصيريّة، واستعماريّة، وبرجماتيّة.
كانت أوّل ترجمة للقرآن الكريم قد تولّاها سلمان الفارسي الذي ترجم سورة الفاتحة إلى اللغة الفارسيّة في القرن الثامن الميلاديّصلىاللهعليهوآله فلم ينكر عليه ذلك. وبعث سلمان بها إلى أهل فارس. وقد نقل هذا الخبر الإمام النووي في (المجموع شرح المهذب) وغيره .
، وقد عرضها على النبيوكانت الترجمة الثانية لمعاني القرآن الكريم إلى اللغة اليونانيّة من قِبَل عالم القسطنطينيّة نيسيتاس البيزنطي (Nicetas Byzantius) ما بين 855م و870م . وترجمت معاني القرآن الكريم -أيضًا- إلى اللغة الأورديّة من قِبَل الملك وليّ الله، أو
من قِبَل ولديه شاه رفيع الدين، أو شاه عبد القادر. في حين، انتقلت ترجمة معاني القرآن الكريم من اللغات الأوروبيّة إلى اللغة الهنديّة سنة 1641م .
ترجم القرآن إلى اللغة اللاتينيّة في وقت مبكر من قِبَل روبيرتوس كيتينيسيس (Robertus Ketenesis) سنة 1143م بعنوان (قانون محمد النبي الزائف/ Lex Mahumet pseudoprophete)، وقد أنجزت هذه الترجمة بإشراف قسيس فرنسي في دير كلوني (Cluny)، ويسمّى بيير دو مونت بواسيي (Pierre de Montboissier) المعروف ببيير الموقّر (Pierre le Vénérable)، وما زالت النسخة المترجمة محفوظة في مكتبة أرسنال (Arsenal) في باريس .
ولقد «سعت الكنيسة من خلال هذه الترجمة إلى الإساءة إلى الإسلام، ولكنّ الدائرة كانت عليها، بل سرعان ما استدركت أنّها تساهم بفعلها ذاك في التبشير بالإسلام عوض المسيحيّة، فقامت بفرض حظر على هذه الترجمة التي ظلّت مخطوطة في نسخ عدّة تتداول في الأديرة فقط لمدّة أربعة قرون، إلى أنْ طُبعت في مدينة بال (Bâle) في سويسرا في 11يناير1543م، وهذه الترجمة لا تمثّل الحدّ الأدنى لحقيقة القرآن الكريم، وهي بعيدة كلّ البعد عن الحقيقة العلميّة التي تتوخّاها التراجم عادة؛ إذ شهد على فساد هذه الترجمة المستشرق الفرنسي بلاشير، وجورج سيل؛ حيث أكّد جورج سيل أنّها لا تستحقّ اسم ترجمة؛ لما تحتوي عليه من الأخطاء اللانهائيّة والحذف والإضافة والتصرّف بحرّيّة شديدة في مواضع عدّة، يصعب حصرها، يجعلها لا تشتمل على أيّ تشابه مع الأصل. أمّا بلاشير، فيرى أنّ هذه الترجمة لا تبدو بأيّ وجه من الوجوه ترجمة أمينة وكاملة للنصّ» .
ومن هنا، بدأ الفاتيكان يهتمّ بترجمة القرآن الكريم، ويشجّع الدراسات القرآنيّة
(56)المغرضة؛ كالتي كتبها كلّ من الإنجليزي روبيرت دو كيتون (Robert Ketton) والألماني هيرمان ديلماش (Hermann Delmach)، بعد التقدّم الذي حقّقه المسلمون في الأندلس بفضل القرآن الكريم.
أضف إلى ذلك، فلقد أُنجزت ترجمة ثانية للقرآن الكريم إلى اللغة اللاتينيّة من قِبَل لودوفيكو ماراشي (Ludovico Marracci) سنة 1698م؛ بغية خدمة أهداف البابا الحادي عشرالردّ على القرآن) . وتتّسم هذه المقدّمة الانتقاديّة بالطابع السلبيّ؛ حيث كان الغرض منها هو تشويه القرآن الكريم من جهة، والإساءة إلى الإسلام والمسلمين من جهة أخرى .
. وقد خصّ هذه الترجمة بمقدّمة نقديّة بعنوان (وعليه، يمكن الحديث عن سبع ترجمات للقرآن الكريم باللغة اللاتينيّة؛ أهمّها ترجمة روبيرتوس كيتينيسيس (Robertus Ketenesis)، وترجمة بيير الموقّر (Pierre le Vénérable)، وترجمة روبير دو كيتون (Robert de Ketton)، وترجمة مارك الطليطلي (Marc de Tolède)، وترجمة جان سيغوبيا (Jean de Segobia)، وترجمة لودوفيكو ماراشي (Ludovico Marracci)، وترجمة هيرمان ديلماش (Hermann Delmach)
...وتتّسم هذه الترجمات اللاتينيّة بكونها ترجمات مضلِّلة ومحرِّفة، تخدم اللاهوت الكنسي، من خلال تشويه تعاليم الإسلام القرآنيّة، وتشكيك المسلمين في حقيقة أنّ القرآن منزل من عند الله، وإنّما هو من اختلاق محمّد، وتكرار لما جاء في العهدين القديم والجديد.
ترجم القرآن الكريم إلى اللغة الإيطاليّة سنة 1530م، وكان ذلك في مدينة البندقيّة، ثمّ خاف البابا من انتشار الإسلام، فأتلف جميع نسخ القرآن سنة 1547م. وظهرت ترجمة قرآنيّة أخرى سنة 1574م قام بها المستشرق أندريا أريفابين (Andrea Arrivabene) بعنوان (قرآن محمد). وظهرت ترجمة قرآنيّة من العربيّة نحو اللاتينيّة قام بها لودوفيكو ماراشي (Ludovico Marracci) سنة 1698م؛ بغية خدمة أهداف البابا الحادي عشر .
وثمّة ترجمات إيطاليّة أخرى لمعاني القرآن الكريم؛ كترجمة كالزا (C.V.Calza) سنة 1847م، وترجمة بانزيري (G.Panziri) سنة 1882، و1812، و1913م. علاوة على ترجمة فراكاسي (A.Fracassi) سنة 1914م، وترجمة لويجي بونيلي (Luigi Bonelli) سنة 1929و1937، و1940م، وترجمة أليسادرو بوساني (Alessadro Bausani) سنة 1955م.
وتوجد أكثر من عشرة ترجمات للقرآن الكريم في اللغة الإيطاليّة، وأغلبها ترجمات مغرضة ومحرَّفة ومضلِّلة ومبتدِعَة.
ساهم المستشرقون الألمان في ترجمة القرآن الكريم خدمةً للواجب اللاهوتيّ الكنسيّ، فلقد كان الألماني هيرمان ديلماش (Hermann Delmach) من بين الذين ترجموا القرآن إلى اللغة اللاتينيّة لإرضاء الفاتيكان، وتحقيق أهدافها التبشيريّة والاستشراقيّة، وربّما تكون تلك الترجمة قد أنجزت سنة 1516م.
ولقد اعتنى الألمان بترجمة القرآن الكريم إلى اللغة الألمانيّة منذ سنة 1616م من قِبَل سالومون شفايغير(Salomon Schweigger) الذي نقل ترجمته عن التركيّة،
إلى جانب ترجمة تيودور أرنولد (Theodor Arnold) لمعاني القرآن الكريم سنة 1746م.
وساهم دافيد فريدريك ميرجيرلاين (M.D.F.Mergerlein) بدوره في ترجمة القرآن من اللغة التركيّة إلى اللغة الألمانيّة سنة 1772م، وترجمها على النحو التالي: (الكتاب المقدّس التركيّ الإسلاميّ أو القرآن)، وهي الترجمة التي أعجب بها الشاعر الرومانسي جوته؛ وجعلته يهتمّ بالدين الإسلاميّ اهتمامًا كبيرًا
.وفي سنة 1773م، ظهرت ترجمة أخرى لمعاني القرآن الكريم من قِبَل فريدريك أبرهرد بويزنBoysen (F.E) بعنوان: (القرآن أو التشريع عند المسلمين لمحمد بن عبد الله مع بعض الدعوات القرآنيّة الاحتفاليّة) .
هذا فضلًا عن ترجمات قرآنيّة أخرى، قام بها كلّ من: صمويل فريدريك كونتر وال (Samuel Friedrich Günther Wahl) سنة 1828م
، وترجمة لودفيغ أولمان (Ludwig Ullmann) التي كانت في سنة 1840م ، وترجمة نيريتر (Nerreter) ، وترجمة لانج (Lange). ولقد ترجم الشاعر روكرت (F.Ruckert) مقاطع من القرآن الكريم إلى اللغة الألمانيّة سنة 1888م، على الرغم من كونه بعيدًا عن عالم الاستشراق . وهناك ترجمات أخرى لتيودور جريجول (Th.F.Grigull) سنة 1901م، وترجمة لماكس هنين (M.Henning) سنة 1901م، وترجمة لبيشوف (E.Bischof) سنة 1904م، وترجمة لجريم (H.Grimme) سنة 1923م، وترجمة للازاروس كولدشميت (Lazarus Goldschmidt) سنة 1916م...وهناك ترجمة أخرى لرودي باريت
(Rudi Paret) الذي أثبت، في مقدّمة ترجمته للقرآن، مدحضًا آراء المستشرقين الذين يشكّكون في جميع آيات القرآن بقوله: «ليس لدينا أيّ سبب يحملنا على الاعتقاد بأنّ هناك أيّة آية في القرآن كلّه لم تَرِد عن محمد» .وهذا يعني أنّ باريت يدحض المنهج الذاتوي الذي اعتمده زملاؤه من المستشرقين الغربيّين الذين كانوا يتتبّعون كلّ آية آية بالنقد والدحض والاعتراض؛ من أجل أن يبيّنوا أنّ محمّدًا هو مؤلِّف القرآن، ومن أجل أنْ يشكِّكوا في الإسلام؛ باعتباره دينًا عالميًّا. بيد أنّ هذه المنهجيّة خاطئة، لا تخدم العلم في شيء. وبالتالي، تسيء إلى اللاهوت الغربيّ من صميمه؛ لأنّه مبني على الحقد من بداية الأمر.
وعليه، يمكن الحديث عن أكثر من عشرين ترجمة للقرآن الكريم في اللغة الألمانيّة.
اهتمّ الفرنسيّون بترجمة القرآن الكريم منذ القرن السابع عشر الميلادي
، بعد أنْ كانت هناك ترجمات لاتينيّة محدودة لهذا الكتاب المقدّس في الأديرة والكنائس المسيحيّة .ومن هنا، تُعدّ ترجمة كلود إتيان سافاري (Savary) للقرآن الكريم أُولى ترجمة فرنسيّة حديثة للقرآن الكريم، وقد ظهرت سنة 1647م، وكانت تنطلق من أهداف لاهوتيّة وكنسيّة، ومن نوايا عدائيّة حاقدة ومبيَّتة .
وبعد ذلك، أعقبتها ترجمة فرنسيّة أخرى من قِبَل أندري دو رير (André du Ryer)قرآن محمد/L’Alcoran de Mahomet translaté d’arabe en françois) ؛ حيث نسب -من خلال عنوان الترجمة- القرآن إلى محمد، على أساس أنّ هذا الكتاب ليس وحيًا منزلًا، بل هو من اختلاق نبيّ مزيَّفٍ ومدَّعٍ. وقد اعتمد في ترجمته على النسخة اللاتينيّة لروبير دو كيتون (Ketton).
سنة 1775م بعنوان: (وترجم أنطوان جالان (Antoine Galland) القرآن الكريم إلى اللغة الفرنسيّة في القرن الثامن عشر الميلادي
. كما شارك كازيميرسكي (Kazimirski)، بدوره، سنة 1840م، في عمليّة ترجمة القرآن الكريم ، فاستهلّ ترجمته بمقدّمة حاقدة مضلِّلة، انتقد فيها معاني القرآن الكريم انتقادًا معوجًّا، فتعسّف في تفسيره وتأويله اللاهوتي المغرض.وفي الفترة المعاصرة، يمكن الحديث عن ترجمات فرنسيّة أخرى للقرآن الكريم قام بها مجموعة من المستشرقين الفرنسيّين؛ أمثال: إدوار مونتي (Édouard Montet) الذي ترجم القرآن الكريم سنة 1925م
، ولايميش (Laïmèche) الذي ترجم القرآن سنة 1931م، وبيسلي وتيدجاني (Pesle et Tidjani) اللذان ترجما القرآن سنة 1936م، وريجيس بلاشير (Règes Blmachère) الذي أصدر ترجمته سنة 1949 و1950و1966م، ورجب الله (Rajabalee) من جزيرة موريسالذي ترجم القرآن سنة 1949م، وميرسيي (Mercier) الذي ترجم القرآن سنة 1956م، وكديرا (Ghedira) الذي ترجم القرآن سنة 1957م، وجاك بيرك (Jacques Perque) الذي ترجم القرآن الكريم سنة 2002م
. دون أن ننسى ترجمات فرنسيّة أخرى للقرآن الكريم؛ مثل: ترجمة محمد حميد الله (Hamidullah) (1959)، وترجمة دونيس ماسون (Masson) (1967)، وترجمة مازيغ (Mazigh) (1979)، وترجمة الشيخ سي حمزة بوبكر (1979م)، وترجمة جان كروجان (Grosjean) (1979)، وترجمة كيشريد (kechrid) (1990)، وترجمة أندري شوراقي (André Chouraqui) (1990م)، وترجمة محمد شياظمي (2008م)، وترجمة زينب عبد العزيز (2009م)، وترجمة مالك شبل(Malek Chebel) (2009م)، وترجمة جان لوي ميشون (Jean-Louis Michon) (2014م)...وعليه، يمكن الحديث عن أكثر من عشرين ترجمة للقرآن الكريم باللغة الفرنسيّة.
ساهم الإنجليز في ترجمة القرآن الكريم؛ من أجل تشويه صورته عند الأوروبيّين والمسلمين على حدّ سواء
، ومن بين هؤلاء روبيرت كيتون (Robert Ketton) الذي ترجم القرآن إلى اللغة اللاتينيّة لخدمة نوايا الفاتيكان، وألكسندر روس(Alexander Ross) الذي ترجم القرآن الكريم سنة 1649م، وجورج سيل (G. Sale) الذي أصدر ترجمة مغرضة للقرآنالكريم سنة 1734م ، ونقلها مباشرة عن اللغة العربيّة، وقال في مقدّمة الترجمة: «أمّا أنّ محمّدًا كان في الحقيقة مؤلّف القرآن، والمخترع الرئيس له، فأمر لا يقبل الجدل، وإنْ كان من المرجَّح -مع ذلك- أنّ المعاونة التي حصل عليها من غيره في خطّته هذه لم تكن معاونة يسيرة. وهذا واضح في أنّ مواطنيه لم يتركوا الاعتراض عليه بذلك» .
وغاب عنه أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله كان نبيًّا أمّيًّا باعتراف الجميع، لم يتلقَّ تعليمًا أو تدريسًا، ولا يستطيع النبيّ الأمّيّ أنْ يكون قادرًا على كتابة القرآن بمختلف حقائقه العلميّة والتشريعيّة المهمّة التي لم يثبت صحّتها إلى أنْ جاء العلم المعاصر في القرن العشرين. ثمّ كان هناك اعتراض على القرآن من قِبَل قريش، فلقد حاول الشعراء تحدّيه، ولم يستطيعوا ذلك، وسورة الشعراء خير دليل على ذلك.
وكان جورج سيل ممّن لهم اهتمام بالغ بالإسلام، لدرجة وصفه بأنّه نصف مسلم. وقد صادفت المقدّمة التمهيديّة للترجمة التي جزم فيها بتأليف محمّد للقرآن نجاحًا عظيمًا في أوروبا، الأمر الذي أدّى بمستشرق آخر هو كاسميركي أنْ يجعل من مقدّمة سيل مقدّمة لترجمته الفرنسيّة لمعاني القرآن التي صدرت عام 1841م. وقد استطاعت هذه المقدّمة أن تثبت وجودها زمنًا طويلًا جدًّا؛ كمصدرٍ علميّ موثوق به لدى المستشرقين، من حيث اشتمالها على عرش شامل للدين الإسلاميّ
.وهناك ترجمات إنجليزيّة أخرى مغرضة؛ كالترجمة التي قام بها جون رودويل (John Rodwell) سنة 1861م، وبالمر (E. H. Palmer) التي أنجزها سنة 1880م. وتتميّز هاتان الترجمتان بكثرة الأخطاء في الترجمة، والتأويل المضلِّل والمغرض البعيد عن العلميّة الموضوعيّة
.وساهم ريشارد بيل (Richard Bill) بدوره، في ترجمة القرآن الكريم ودراسته ما بين 1937و1939م. بيد أنّ ترجمته كانت مضلِّلة ومغرضة؛ كباقي المستشرقين الإنجليز الآخرين؛ حيث كتب في مقدّمة ترجمته «إنّ النبيّ قد اعتمد في كتابته للقرآن على الكتاب المقدّس، وخاصّة على العهد القديم في قسم القصص. فبعض قصص العقاب؛ كقصص عاد وثمود، مستمدّ من مصادر عربيّة، ولكنّ الجانب الأكبر من المادّة التي استعملها محمّد ليفسّر تعالميه ويدعمها قد استمدّه من مصادر يهوديّة ونصرانيّة. وقد كانت فرصته في المدينة للتعرّف على ما في العهد القديم أفضل من وضعه السابق في مكة، حيث كان على اتّصال بالجاليات اليهوديّة في المدينة، وعن طريقها حصل على قسط غير قليل من المعرفة بكتب موسى على الأقل»
.وتتّسم هذه المقدّمة بالتغريض والتضليل؛ فثمّة قصص ذكرها القرآن لم يأتِ على ذكرها، لا العهد القديم ولا العهد الجديد، ووجود قصص قرآنيّة متشابهة مع ما سبق من الكتب السماويّة، لا يفيد أنّ القرآن أو النبي محمّد صلىاللهعليهوآله قد أخذ عن رهبان النصارى وأحبار اليهود تلك القصص، وإنّما أقصى ما يفيد هذا التشابه هو جامعيّة القرآن لما سلف من الكتب المنزلة.
وأكثر من هذا، فلقد كان اليهود يسألون النبي صلىاللهعليهوآله في مجموعة من المسائل والقضايا التاريخيّة والدينيّة والتشريعيّة، وكان النبي صلىاللهعليهوآله يتريّث في ذلك حتّى ينزل عليه الوحي، فيخبرهم بالجواب الشافي، وكان اليهود يصدّقونه في ذلك، على الرغم من عدم إيمانهم به؛ حقدًا، وعصبيّة، وكراهيّة.
وبعد ترجمة ريشارد بيل سنة 1937م، يمكن الحديث عن ترجمة إنجليزيّة معاصرة أخرى للقرآن الكريم هي ترجمة أرتور جون آربيري (Arthur John Arberry) سنة 1950م، وترجمة داود (N. J. Dawood) سنة 1956م. وتُعدّ الترجمتان معًا من أهمّ التراجم المعتبرة في أوروبا، بل تعتبر ترجمة أرتور آربيري هي الترجمة المعتمدة علميًّا عند الكثير من المتخصّصين في الدراسات القرآنيّة، كما يبدو
ذلك في (القرآن المؤوّل من قِبَل آربيري/ The Koran Interpreted d’Arberry). ويندرج هذا النوع من الترجمة ضمن الترجمة التأويليّة القائمة على تفسير المعاني وشرحها وتأويلها؛ وفق رؤية المترجم ونواياه الدينيّة.
وظهرت ترجمة إنجليزيّة معاصرة للقرآن الكريم سنة 1910م لميرزا أبو الفضل (Mirzâ Abolfazl) بعنوان: (The Qur’an)، وهي ترجمة جديدة وجيّدة.
ومن جهة أخرى، ساهم كثير من المترجمين العرب، بعد هجرتهم إلى الدول الأنجلوسكسونيّة، في نشر ترجمات إنجليزيّة للقرآن الكريم؛ فقد ظهرت سنة 1917م ترجمة أحمدي مولانا محمد علي، ونشرت الثانية سنة 1930م من قبل الإنجليزي الشهير باسم محمد مارمدوك بيكتايل (Mohammad Marmaduke Pickthail)، وهي ترجمة أمينة وصادقة. ولقد انتهى عبد الله يوسف علي سنة 1934 من ترجمة للقرآن باللغة الإنجليزيّة، وكانت تتميّز بكثرة الشروح؛ ما جعلها ترجمة مشهورة في الأوساط الإنجليزيّة، ولقد أقبل عليها الناشرون بنهم كبير، بإعادة طباعتها مرّات عدّة، وتلخيص شروحها واختصارها.
وهناك ترجمة أخرى لمعاني القرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزيّة قام بها عبد اللطيف السيد (Seyed ’Abdol Latif) سنة 1967م.
وبعد ذلك، ظهرت ترجمات ودراسات عدّة للقرآن الكريم في الولايات المتّحدة الأمريكيّة وكندا قام بها كلّ من: هاشم أمير علي (1974م)، ومحمد أسد(1980م)، وأحمد علي (1984م)، والمسلم الكندي إريفينغ (T. B. Irving) (1985م) ، ومحمد خليل الرحمن (1990م)، وهلالي خان (1996م) ، والمترجم الإيراني- الأمريكي لاليه باختيار (Lâleh Bakhtiâr)...
ساهم المستشرقون الروس، بدورهم، في عمليّة ترجمة معاني القرآن الكريم على غرار الأوروبيّين. ومن بين هؤلاء كانتمير (D.Kantemir) سنة 1716م،
وبوستنيكوف (Postnikov) الذي أنجز ترجمة لمعاني القرآن الكريم سنة 1647م، وفيريوفكين (Veryovkin) الذي أنجز ترجمة أخرى لمعاني القرآن الكريم إلى اللغة الروسيّة سنة1790م، وكولماكوف(A.Kolmakov) الذي ترجم معاني القرآن الكريم سنة 1792م، ونيكولاييف(Nikolayev) الذي ترجم معاني القرآني الكريم بموسكو ما بين 1864 و1865 و1876و1901م.
وكذلك ترجم سابلوكوف (Gordi Semionovitch Sabloukov) معاني القرآن الكريم مباشرة من اللغة العربيّة، ولم ينته من الترجمة حتّى سنة 1897م، ثمّ أوغناطيوس كراتشكوفسكي (Kratchovski)، ثمّ كاشتاليفا (K.S.Kashtaleva)... وثمّة أكثر من عشر ترجمات للقرآن الكريم باللغة الروسيّة.
تُعدّ مدرسة طليطلة (Tolède)، في القرن الثاني عشر الميلادي، من أهمّ المدارس الأندلسيّة المتخصّصة في الترجمة من العربيّة إلى الإسبانيّة، وكانت تشبه بيت الحكمة التي بناها المأمون في بغداد في العصر العبّاسي، وأشرف على هذه المدرسة الأندلسيّة رجال الدين والمستعربون الإسبان. وقامت هذه المدرسة بترجمة مؤلّفات عربيّة كثيرة إلى اللغة الإسبانيّة، واللغات الأوروبيّة الأخرى المتفرّعة عن اللغة اللاتينيّة الأمّ.
أمّا عن الترجمات الإسبانيّة للقرآن الكريم، فيمكن الحديث عن ترجمة دي لابويبلا (V.O.De La Puebla) سنة 1872م، وترجمة مورغيوندو وأوغراطوندو (Dr.J.B de Murguiondo y Ugratondo) ، وترجمة غراسيا برافو (J.Gracia Bravo) سنة 1907م، وترجمة هيرنانديس كاتا (A.Hernandez Cata) سنة 1907م، وترجمة كانسينوس أسينس (R.Cansinos Assens) سنة 1951و1954.
ومضافًا إلى ترجمات استشراقيّة إسبانيّة عدّة للقرآن الكريم؛ منها: ترجمة خوان فيرني (Juan Vernet) التي صدرت سنة 1953م
، وأخرى سنة 1963م،وقد اعتمدت ترجمته على اللغة العربيّة مباشرة، من دون الاستعانة بالترجمات الأوروبيّة المغايرة؛ ما أهّل فرنيت إلى أنْ يحتل مكانة مميّزة بين المستعربين الإسبان المهتمّين بالدراسات الإسلاميّة
.فضلًا عن ترجمات معاصرة لمعاني القرآن الكريم؛ كما هو الحال عند خوليو كورتيس (Julio Cortes) الذي اعتمد في ترجمته على النسخ المنتشرة والرائجة في أمريكا الشماليّة. وكذلك ترجمة أحمد عبّود ورفاييل كاستايانوس (Rafael Castallanos) اللذين نشرا كتابهما (القرآن المقدس) في بوينس أيريس في الأرجنتين سنة 1953م. وبعد ذلك، ظهرت ترجمة كمال مصطفى حلاق، وترجمة عبد الغاني ميلارى نابيو (Abdel Ghani Melara Navio) التي نشرت سنة 1979م، وترجمة عمر قدورة (Omar Kaddoura) وعيسى عامر كيبيدو (Isa Amer Quevedo) سنة 1997م.
وعلى العموم، فلقد ترجم القرآن الكريم إلى أكثر من مائة وإحدى وعشرين لغة في أنحاء العالم كافّة، بما فيها الهولنديّة
، والبرتغاليّة، والهنغاريّة، واليونانيّة ، وتتزايد الترجمات القرآنيّة من فترة إلى أخرى؛ نظرًا لتعطّش العالم إلى معرفة الدين الإسلاميّ، والرغبة العارمة إلى الاطّلاع على القرآن الكريم، واستكشاف ما يحمله من تشريع فذّ، وقيم نبيلة، وأخلاق مثلى، وعقائد سليمة، وعبادات هادية.
كان المستشرقون الغربيّون يرون في ترجمة معاني القرآن الكريم، وسيلة إجرائيّة مهمّة للتعرّف على الإسلام والمسلمين، بعدما انتشر الإسلام في معظم بيئات العالم؛ بما فيها البلدان الأوروبيّة؛ كإسبانيا في مرحلة الدولة الأندلسيّة، ودول البلقان في عهد
الدولة العثمانيّة. وقد تأكّد لديهم أنّ القرآن الكريم هو مصدر وحدتهم، ونهضتهم، وتقدّمهم، وازدهارهم؛ والسبب في توسّعهم وانتشارهم في العالم. وبذلك، يهدّد المدّ الإسلاميّ التوسّع المسيحيّ، بل يهدّد المسيحيّة حتّى في عقر دارها. لذا، شمّر المستشرقون الغربيّون عن سواعدهم للوقوف في وجه الإسلام، بالتشكيك في القرآن، والتشكيك في نبوّة محمد صلىاللهعليهوآله، وتشويه كلّ ما يتعلّق بالقرآن الكريم من قريب أو من بعيد، باختلاق الأخبار، أو مقارنة القرآن بالمصادر اليهوديّة والمسيحيّة، أو مقارنة التشريع القرآنيّ بالقوانين الرومانيّة.
ولقد تكلّفت الكنيسة والأديرة الكاثوليكيّة بمهمّة ترجمة معاني القرآن الكريم، وساعدها في ذلك مستشرقون يهود من جهة، ومستشرقون نصارى، بل حتّى بعض المستغربين والمسيحيّين العرب، وكان دافعهم في ذلك هو خدمة اللاهوت والاستعمار والتبشير؛ من أجل القضاء على وحدة العرب، وتمزيق لحمة الأمّة، واستغلال ثروات المسلمين، وتعريضهم للجوع والفقر والاضطهاد.
ومن هنا، بدأ المستشرقون في ترجمة معاني القرآن الكريم بالمماثلة والتقريب تارةً، وبتشويهها والطعن فيها تارةً أخرى. وكانت أغراضهم في ذلك مسيئة ومعيبة ومضلِّلة ومغرضة، تحرِّكهم الأهواء الصليبيّة الحاقدة، وكراهيّتهم للإسلام والمسلمين؛ ما جعلهم يتعمّدون منهجيّة استشراقيّة ذاتيّة تدّعي الموضوعيّة العلميّة، واعتماد المناهج المعاصرة في التحليل والتفكيك.
ويبدو أنّ الكتب التي نشرها المستشرقون الغربيّون بعنوان: (Le Coran/Le koran) ليست بترجمات حقيقيّة، بل هي تأويلات وتفسيرات وتعليقات وانتقادات مغرضة لمعاني القرآن الكريم؛ بمعنى أنّها ليست ترجمات أمينة ومماثلة للنصّ الأصلي؛ لأنّ القرآن الكريم لفظ ومعنى، ولا يمكن ترجمته إطلاقًا إلى اللغات الأجنبيّة بإجماع العلماء المسلمين؛ لأنّ القرآن الكريم لفظ، ومعنى، ومقصديّة، وإيقاع، وتأثير، وبيان، وإعجاز. لذلك، يكتفي المستشرقون بترجمة المعاني دون الألفاظ، ويفسّرونها ويؤوّلونها حسب أهوائهم، ومصالحهم، وأغراضهم الشخصيّة، والدينيّة،
(68)واللاهوتيّة، والإيديولوجيّة، والمذهبيّة. وبذلك، تكون تلك الترجمات القرآنيّة قاصرة عن الترجمة المثاليّة؛ في حين تكتفي أغلب الترجمات بالمعنى الذي يريده المستشرق (Orientalist)، أو المستعرب (Arabismo)، أو المستمزغ (Berbériste)؛ أي: إنّها ترجمة حرفية من جهة، وترجمة معنويّة تأويليّة من جهة أخرى. وهنا، يصعب الحديث عن إعجاز القرآن الكريم، إذا كنّا نركِّز على المعنى دون الصياغة اللفظيّة والبلاغيّة والبيانيّة. وعليه، فعناوين تلك الترجمات مغالطة كبيرة، وبعيدة كلّ البعد عن ترجمة القرآن الكريم. وفي هذا، يقول محمد خروبات: «فمن جهة البحث العلميّ يكون ذلك العمل من قبيل التصرّف في المعاني التي جاء بها القرآن الكريم، خاصّة وأنّ الترجمة لا تراعي شيئًا سوى المعنى، وحين يستحضر هذا المعنى بطرق معيّنة يتمّ البحث في لغة من اللغات عن الألفاظ التي تتحمّل ذلك المعنى. إلى هنا نستنتج استنتاجًا أوّليًّا هو أنّ هذه الأعمال هي تصرّف في معاني القرآن الكريم باسم الترجمة، وأنّ الترجمة في النهاية هي ترجمة لمعاني القرآن وليست ترجمة للقرآن، إذا سلّمنا مبدئيًّا بأنّ هذه الظاهرة التي تزعمها المستشرقون ترجمة لمعاني القرآن وليست هي القرآن، فإنّ هذا يتنافى مع البحث العلميّ الدقيق؛ ذلك أنّ محاولات التصرّف في معاني قرآن المسلمين قد قيِّد بضوابط وقواعد من قِبَل علماء المسلمين حتّى يكون التصرّف في معنى القرآن مضبوطًا؛ لأنّ الإخلال بهذه الوسائل من شأنه أن يسيء إلى هذه المعاني؛ بدلًا من خدمتها، وقد سبقت تجارب متعدّدة من قِبَل أهل الأهواء والمذاهب والتيّارات والفرق المشبوهة والمنحرفة، كلّها تصرّفت في المعنى، واستعملت وسائل تتماشى مع أهدافها وغاياتها في الوجود؛ كانت كلّها محاولات للهدم، ولم تستطع أنْ تؤثِّر في القرآن الكريم، لا من قريب، ولا من بعيد؛ لأنّ المسلمين تعاملوا مع هذا الإنتاج بمنطق الرفض والردّ، وصنّفوه ضمن خانة جاهزة في علم التفسير وهي خانة (التفسير العقليّ غير المقبول)» .
وعليه، فإنّ ترجمات المستشرقين للقرآن الكريم ليست ترجمات بالمعنى الحقيقيّ لكلمة الترجمة؛ لأنّها مجرّد تصرّف في المعاني، وليست بالأحرى ترجمة
حرفيّة أو لفظيّة؛ بمعنى أنّها مقاربات أو قراءات تأويليّة لمعاني القرآن الكريم، تنطلق من ذات المستشرق التي تخضع، بدورها، للأهواء والاقتناعات والاعتقادات التي تشبّع بها المستشرق الغربيّ جزئيًّا أو كلّيًّا. لذلك، نجد بعض المستشرقين يكتفون ببعض السور، فيقومون بقراءتها وتأويلها بمناهج مختلفة؛ أنتروبولوجيّة، ونقديّة، وسوسيولوجيّة، وسيميائيّة، وموضوعاتيّة، ولاهوتيّة، ويرتّبونها حسب أهوائهم ترتيبًا؛ موضوعيًّا، أو تاريخيًّا، أو نزوليًّا، وليس كالترتيب الذي يوجد في القرآن الكريم، وهدفهم من ذلك هو زعزعة المسلمين. بيد أنّ تلك المقاربات التأويليّة ليست بترجمات للقرآن الكريم، ما دام التصرّف في المعنى مقيّدًا بشروط محدّدة عند المسلمين؛ كأنْ لا يتعارض ذلك التصرّف والاجتهاد مع مقاصد الشرع الربّاني، وألا يخلّ بالمعنى الكلّي للآية أو السورة أو الهدف الكلّيّ للشريعة الربّانيّة.
وغالبًا، ما يرتبط الكتاب المترجم بعنوان مضلِّل رئيس، هو (قرآن محمد)؛ كما في الترجمات اللاتينيّة الأولى؛ بمعنى أنّ القرآن مختلق ومصطنع كَتَبه محمد، وليس وحيًا ربّانيًّا منزَلًا على نبيٍّ أو رسول. وبالتالي، لم يأتِ هذا الكتاب -برأي بعض المترجمين المغرضين - بشيء جديد، بل يعبّر عن البداوة وثقافة الصحراء، يستمدّ مضامينه وقصصه من المصادر النصّرانيّة واليهوديّة، بطريقة مشوَّهة ومحرَّفة. ثمّ، إنّ ترتيب القرآن وسوره لم يكنْ وفق نسق صحيح وسليم؛ والدليل على ذلك اختلاف العلماء المسلمين على ذلك. ناهيك عن عناوينه، وحروفه، وقراءاته، وجمع مصاحفه، فلقد أثار هذا كلّه جدلًا كبيرًا بين المسلمين، فاستغلّه المستشرقون من أجل دسّ سمومهم الفكريّة التغريضيّة؛ وهذا ما يثير الشكّ - حسب تصوّرهم- في أنْ يكون القرآن الكريم كتاب وحي، بل هو كتاب مصطنع، كتبه محمد، بعد أنْ التقى بالراهب المرتدّ بحيرا، وبمجموعة من الأحبار اليهود في المدينة وخيبر. بيد أنّ الدافع الحقيقيّ الذي دفع المستشرقين إلى الافتراء، وتزييف الأخبار والحقائق، هو انتشار الإسلام بسرعة في العالم، ولا سيّما في داخل أوروبا المسيحيّة؛ فضلًا عن كونه قد قدّم صورة واضحة وصحيحة عن المسيح عليهالسلام بأنّه نبي؛ّ كباقي الأنبياء عليهمالسلام؛ كما انتقد
(70)تصرّفات الرهبان المريبة، بفضح استغلالهم البشع، وتزييفهم للكتاب المقدس؛ كما فضح اليهود بشكل كبير.
إذًا، لم تكنْ الترجمات الاستشراقيّة للقرآن الكريم ترجمات، بل هي تقريب لمعاني القرآن؛ إمّا بطريقة مختصرة ومبتسرة، وإمّا بطريقة التحشية، والإسهاب، والتعليق، عن طريق المقارنات التي ترجّح كفّة اللاهوت على القرآن، بتزييف الحقائق المعطاة، وتشويه صورة الإسلام، والحكم على القرآن؛ انطلاقًا من المصادر المسيحيّة واليهوديّة المحرَّفة.
أضف إلى ذلك، أنّ هذه الترجمات لمعاني الكتاب لا تكشف - في الواقع - حقيقة الإعجاز القرآنيّ الذي يتمثّل في بيانه، وبلاغته، وتداوليّته، وإيقاعه، وتنغيمه، وتأثيره المدهش بخطاب الترغيب والترهيب. بل تكتفي الترجمة الاستشراقيّة، بإيراد المعنى الحقيقيّ للقرآن دون المعنى المجازيّ، بعزله عن سياقه المرجعيّ، وفصله عن سبب نزوله، وتجريده من مقامه التشريعيّ الكلّيّ. ومن ثمّ، لم تخرج الترجمة الاستشراقيّة عن الترجمات الحرفيّة واللفظيّة والقاموسيّة والتفسيريّة التي تقف عند ظواهر النصوص والآيات والسور، دون أن تتعمّق في أبعادها الإيمانيّة والأخلاقيّة.
(71)لقد عمل المستشرقون الغربيّون على ترجمة القرآن الكريم منذ القرن الثاني عشر الميلاديّ، وكانت نواياهم ودوافعهم في ذلك سيِّئة ومُغرِضة ومعيبة؛ خدمة لللاهوت الكنسيّ من جهة، ودعمًا للاستعمار والتبشير من جهة أخرى، وانبروا على ترجمة القرآن ترجمة حرفيّة ولفظيّة وتفسيريّة ومعنويّة وقاموسيّة لمعانيه، بهدف أنْ يحطّوا من شأن كتاب الله، ويشوّهوا صورة نبيّه الأكرم صلىاللهعليهوآله.
بيد أنّ هذه الترجمات الاستشراقيّة لمعاني القرآن الكريم لم تكنْ ترجمات أمينة ومماثلة وصادقة للنصّ الأصليّ؛ لاستحالة ترجمة القرآن إلى أيّ لغة عالميّة؛ مهما كانت طبيعتها وقوّتها اللسانيّة والاستيعابيّة. فالقرآن الكريم كتاب معجز ببيانه؛ لفظًا، ومعنى، ومقصديّة، ونظمًا، وبلاغةً، وبيانًا، وترغيبًا، وترهيبًا، وحجاجًا. لذا، يصعب ترجمة القرآن إلى اللغات الأجنبيّة -مهما فعلنا- ترجمة علميّة دقيقة وحقيقيّة؛ لأنّ معاني القرآن الكريم مجازيّة، ودعويّة، وقصصيّة، وتشريعيّة، ونصائح، وأوامر، ونواه، ووصايا، في شكل أحكام شرعيّة، وتعاليم، وقيم، ومثل عليا، موجّهة إلى البشر كافّة دون استثناء. ويراد منها إرشاد الناس وتوجيههم إلى طريق السلام، وتوحيد الله، وعدم الإشراك به، وأنّ محمدًا صلىاللهعليهوآله هو خاتم الأنبياء، وأنّ الدين الإسلاميّ هو الدين البديل، وهو آخر الأديان السماويّة الذي ينسخ جميع الأديان السابقة.
ومن هنا، تتنوّع ترجمات القرآن عند المستشرقين، فهي ترجمات حرفيّة، ولفظيّة، وتفسيريّة، وتأويليّة، وسياقيّة، ومقارنة، ومضلِّلة، وممنهجة، ومتحاملة وغير منصفة؛ إلا في أحيان قليلة.
لذلك، لا بدّ من ذِكْر مجموعة من الاقتراحات التي تخصّ ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبيّة على النحو الآتي:
1. ليست ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبيّة حرامًا، أو فعلًا،
(72)مكروهًا، أو ممنوعًا، بل هي جائزة وفرض كفاية، إذا قام به البعض، سقط ذلك الفعل عن الآخر ، ولا سيّما إذا كان الهدف من الترجمة هو التبليغ والدعوة إلى التوحيد، وتقريب معاني القرآن لغير المسلمين؛ من أجل نشر الإسلام بين الأعاجم.
2. بناء مؤسّسات الأمّة الساهرة على ترجمة معاني القرآن الكريم من قِبَل العلماء المسلمين المتمكّنين من اللغات الأجنبيّة.
3. أنْ تكون ترجمات معاني القرآن الكريم ترجمات جماعيّة في شكل فرق، يشارك فيها فريق من العلماء والمفسّرين والمترجمين الأكفّاء، ولو من البلدان الأجنبيّة.
4. تصحيح ترجمات معاني القرآن الزائفة في أثناء كلّ طبعة، والتوقّف عند أخطائها وهفواتها وهنّاتها وعيوبها.
5. إلحاق كلّ ترجمة قرآنيّة بتفاسيرها اليقينيّة والصائبة والصحيحة، بإبعاد التفسيرات الإسرائيليّة والنصّرانيّة.
6. تخصيص ترجمات لمعاني القرآن مبسَّطة، ومختصرة، وموجزة، ومفهومة، وموجَّهة إلى أطفال العالم بمختلف اللغات الأجنبيّة.
7. يجوز أنْ نأخذ بالمناهج العلميّة المعاصرة في قراءة القرآن الكريم وترجمة معانيها؛ بشرط أنْ تنضبط بضوابط الشرع الإسلاميّ، وتوخي تحريف المعاني بصورة مشوِّهة؛ خدمةً لأغراض لاهوتيّة، أو استعماريّة مغرضة.
8. كتابة أبحاث ودراسات نقديّة لمختلف ترجمات معاني القرآن الكريم؛ من أجل فضحها، ودحضها بمختلف اللغات الأجنبيّة من قِبَل علماء مسلمين أكفّاء، غيورين على الدين الإسلاميّ.
9. أنْ تكون هناك صحف، ومجلّات، ودوريّات، ومراكز علميّة أكاديميّة لدراسة الاستشراق، والاستعراب والاستمزاغ، والاستغراب من وجهة علميّة، كما هو شأن المركز الإسلاميّ للدراسات الاستراتيجيّة في لبنان؛ فضلًا عن مجلة القرآن والاستشراق المعاصر، ومجلة دراسات استشراقيّة، ومجلة الاستغراب، ومجلة التفاهم، ومجلات إسلاميّة أخرى تعنى بمحور الاستشراق والقرآن الكريم...
10. تخصيص جوائز ومكافآت مادّيّة ومعنويّة لمن يخدم ترجمة معاني القرآن الكريم، في ضوء رؤية علميّة أكاديميّة معاصرة، باستخدام الوسيط الورقيّ أو الوسيط الإلكترونيّ؛ بغية تقريب كتاب الله - عزّ وجلّ - من باقي البشر.
(77)
كانت الترجمة منذ القدم إحدى طرق نقل المعرفة والثقافة من شعب لآخر. وتعتبر الترجمة في عصرنا الحالي من العلوم ذات القواعد والأصول الخاصّة بها.
والمترجم الناجح هو مَنْ يتمتّع بالإحاطة التامّة بكلّ مِنْ لُغتَي المبدأ والمقصد، ويمتاز بالقدرة اللازمة على التعبير عن المصطلحات والأمثلة المتداولة والغنيّة معنىً في اللغة الأصل، إلى اللغة المُتَرجم إليها على أحسن وجه.
وللترجمة بدورها أشكال مختلفة، ولكلّ منه أسلوبه الخاصّ به في نقل مستوى معيّن من المعاني. ومع ذلك، يمكن القول بجرأة إنّه لا يمكن ترجمة بعض النصوص بدقّة. ولا شكّ أنّ القرآن الكريم من هذا القبيل؛ لغناه بالمضامين العميقة، وتنوّع مفرداته وتراكيبه الصرفيّة والنحويّة والبلاغيّة و...
ولم تكنْ تلك الحقيقة رائجةً في أوساط العلماء المسلمين فحسب، بل اعترف بها العلماء واللغويّون من غير المسلمين ممّن قاموا بدراسات إسلاميّة كثيرة؛ إذ ما قدّمه المستشرقون من ترجمات قرآنيّة متعدّدة إلى مختلف اللغات الأوروبيّة والأفريقيّة والهنديّة وغيرها، لم يمنعهم من التصريح بقصور ترجماتهم عن نقل المعنى الدقيق من لغة القرآن إلى اللغة الهدف.
وتأتي هذه الدراسة محاولة استعراض آراء بعض المترجمين حول ترجمة القرآن، ومناقشتها.
لم يدّعي مترجم -حتّى الآن- تمكّنه من نقل القرآن الكريم إلى لغة أخرى؛ كما هو، دون نقصٍ! بل ظهر لكبار المترجمين عجزهم المتزايد في ذلك خلال مسار الترجمة، الأمر الذي دعاهم إلى الاعتراف بعظمة القرآن غناه؛ بما يجعله عصيًّا على
(78)الترجمة بشكل كامل، ليصار إلى وصف ترجمتهم أنّها محاولة للتعبير عن مدى فهمهم لمعاني كلام الله ومفاهيمه اللامتناهية، مطلقين على عملهم ترجمة نسبيّة. وفي ما يلي نستعرض آراء بعضٍ منهم في هذا الخصوص:
1. محمد مار كادوك پيكتال:
وهو باحث في الدراسات الإسلاميّة ومترجم القرآن الذي قدِّم بوصفه أحد أفضل ترجمات القرآن إلى اللغة الإنجليزيّة. وعلى الرغم من كونه مسلمًا من أصول إنجليزيّة وكاتبًا قديرًا متقنًا للّغة العربيّة وآدابها؛ حيث أمضى سنوات في الدول الإسلاميّة معايشًا للمسلمين هناك ومتواصلًا مع علماء الأزهر بمصر، إلا أنّه كان يعتقد بعدم إمكانيّة ترجمة القرآن الكريم إلى لغة أخرى؛ ما دعاه لإطلاق (معنى القرآن المجيد) على كتابه «the meaning of the glorious quran»؛ بدل استعماله لفظ «الترجمة».
وكان يعتبر القرآن إحدى عجائب الدنيا؛ فلا كتاب آخر في العالم -برأيه- قادر على أن يضاهيه
. وقد كتب في مقدّمته: «لا يمكن ترجمة القرآن، وهذا ما يعتقد به العلماء والفقهاء السالفون والمؤلّفون المعاصرون على السواء. هذا الكتاب ترجمة حرفيّة تقريبًا، ومحاولة قصوى لإخراجها في قالب لغوي فصيح. وعلى الرغم من كلّ ذلك الجهد المبذول، فإنّ هذا العمل ليس هو القرآن المجيد البتّة؛ فالسيمفونيّة الفريدة والموسيقى الهادئة التي تخلق في الإنسان حالة التحوّل؛ خشوعًا ودموعًا، أو وجدًا وشوقًا، لا يمكن نقلها عبر ترجمة القرآن. وليس هذا الكتاب سوى مجرّد جهد لتقديم مفهوم القرآن الكريم وربّما بعض ما أوحي فيه من خلال اللغة الإنجليزيّة. لذلك يستحيل أنْ يكون هذا الكتاب بديلًا عن القرآن العربيّ؛ كما لم نقصد ذلك بتاتًا» .2. البروفيسور آربري:
يرى البروفيسور آربري، وهو أحد أبرز مترجمي القرآن إلى اللغة الإنكليزيّة، أنّه: «لمّا كان القرآن الكريم عين كلام الله لدى كلّ مسلم مؤمن، فقد ساد الاعتقاد منذ القِدَم باستحالة ترجمته، واعتباره معجزة كلاميّة، يجعل من كلّ عمل لتقليده كفرًا. وعلى كلّ مؤمن تعلّمه بلغته الأصليّة؛ بغية فهم معناه»
.وبعد نقل آربري نظريّة پيكتال وتبنّي رأيه باستحالة ترجمة القرآن، يذهب إلى ما ذهب إليه المسلمون بعدم إمكانيّة ترجمة القرآن الكريم
. كما تجنّب تسمية كتابه ترجمة القرآن؛ مكتفيًا بعنوان (مفاد القرآن).3. البروفيسور أيزوتسو:
البروفيسور توشيهيكو أيزوتسو، مترجم القرآن الكريم إلى اللغة اليابانيّة. وقد دفعته إحاطته الواسعة باللغة العربيّة وآدابها إلى تأليف كتاب من مجلّدين عن المفردات الأكثر أهمّيّةً والمصطلحات المستعملة في القرآن ذات الصلة بـ«الله والإنسان والمفاهيم الأخلاقيّة»؛ ليثبت استحالة ترجمة أكثر ألفاظ القرآن، فضلًا عن عدم إمكانيّة تقديم شيء؛ كالقرآن، بأيّ لغة؛ فهو يرى أنّ: «الألفاظ والجمل المُترجَمة لا تتكافأ في أحسن الأحوال إلا جزئيًّا؛ فلا فائدة لها سوى اتّخاذها كعلامات موضوعة لأولى الخطوات المتعثّرة، وإلا فهي غيرُ قادرة أبدًا على تقديم مادّة موثوق بها لدراسة بنية النّظرة الأخلاقيّة إلى العالَم لدى شعب من الشّعوب. بل إنّنا حتّى عندما نقرأ فعليًّا نصًّا من النصوص في أصله نميل على نحو غير واعٍ تقريبًا إلى أنْ نقرأ في هذا النصّ مفهوماتنا الخاصّة التي غذّتها لغتُنا الأمّ، وهكذا إلى أن نُحوِّل كثيرًا من تعابيره المفتاحيّة، إنْ لم نحوِّلها جميعًا، إلى تعابير مرادفة يمكن الحصولُ عليها في لغتنا الأمّ»
.4.سانت هيلر:
بارتلمي سانت هيلر مستشرق فرنسيّ ومترجم أعمال أرسطو. نشر في العام 1865م ترجمة للقرآن وألّف كتاب «محمّد والقرآن». وبعد أنْ عبّر عن انبهاره بالسبك القرآنّي وإعجازه البيانيّ، كتب عن ترجمة القرآن ما يلي: «لم يمنع تعصّب نصارى العرب الشديد من الاعتراف بمدى تأثير ذلك الكتاب العظيم في قلوب السامعين. فإنْ تُرجِم القرآن، ذهب جلّ ملاحة كلامه وقدرته الخاصّة في التأثير برودًا في موسيقاه الدافئة وكلامه الموزون. ومع ذلك، يبقى أفق تلك الشعلة الخالدة متّقدة ساطعة، تخترق غيوم الترجمة الكالحة»
.5. الدكتور ماردريس:
مستشرق فرنسي، كلّفته وزارتا الخارجيّة والثقافة الفرنسيّتان لدولته ترجمة 64 سورة من السور الطوال، فأمضى اثني عشر عامًا من العمل الدؤوب لأداء المهمّة. يعتبر الأسلوب القرآنيّ أسلوب الخالق جلّ وعلا؛ كما يذكر في مقدّمة ترجمته التي صدرت سنة 1926م، ويرى «أنّ سلطانه على ملايين المسلمين المنتشرين على سطح المعمورة بلغ حدًّا جعل المبشّرين المسيحيّين يعترفون بالإجماع بعدم إمكان إثبات حادثة واحدة محقّقة ارتدّ فيها أحد المسلمين عن دينه حتّى الآ؛. ذلك أنّ هذا الأسلوب الذي طرق في أوّل عهده آذان العرب الأوائل كان نثرًا فريدًا يفيض جزالةً في اتّساق نسق، متجانسًا مسجّعًا، لفعله أثرًا عميقًا في نفس كلّ سامع يفقه العربيّة. لذلك كان من الجهد الضائع غير المثمر أن يحاول الإنسان أداء تأثير هذا النثر البديع الذي لم يسمع بمثله بلغة أخرى، وخاصّة اللغة الفرنسيّة الضيّقة (التي لا سعة فيها للتعبير عن الشعور) المرثّة التي لا تتنازل عن حقوقها والقاسية. وزد على ذلك أنّ اللغة الفرنسيّة؛ ومثلها جميع اللغات العصريّة ليست لغة دينيّة، وما استعملت قطّ للتعبير عن الألوهيّة»
.ثمّ يشير إلى عنايته مدّة تسع سنوات متتالية لمحاولة نقل شيء من القرآن إلى اللغة الفرنسيّة بشرط المحافظة على بلاغة الأصل، وتساءل هل أمكنه التغلّب على هذه الصعوبة أم لا؟!
6. البروفيسور آ. غيوم:
العالم الأوروبي البروفيسور آ.غيوم (A. Gullaume) صاحب الدراسات الكثيرة عن القرآن والإسلام. عني، خلافًا لسائر المستشرقين، بترابط الآيات. ذكر في كتابه الموجز باسم الإسلام أنّه يعتبر القرآن من كتب العالم الكلاسيكيّة، والذي يستعصي على الترجمة، دون أن يصاب بالنقص والعيب. ويضيف أنّ القرآن يتميّز بإيقاع جميل خاصّ يضفي عليه موسيقى جذّابة تستمتع بها الأذان. وقد أسهب كثير من المسيحيّين العرب في الثناء على أسلوب القرآن، بينما انبهر العارفون باللغة العربيّة وآدابها من المستشرقين بفصاحة القرآن وبلاغته ولطافة السبك القرآنيّ.
ويرى غيوم أنّه «لا كتاب في الأدب العربيّ الغنيّ؛ شعرًا ونثرًا، يضاهي القرآن؛ فصاحةً وبلاغةً ورفعةً؛ فلا يقاس به أثر. ولا تتلى آيات القرآن العربيّة على أحد؛ سواء أكان عربيًّا أم أعجميًّا، إلا غاص في نشوة روحيّة من غير إرادته»
.7.الدكتور الحاج تعليم علي:
الدكتور الحاج (تعليم علي)، رئيس قسم العلوم والفنون الإسلاميّة في المعهد الأميركي في شيكاغو، والأستاذ البارز في جامعة (تنسي)، والمتخصّص في اللّسانيّات. كان مسيحيًّا باسم «توماس بالنتين إيرفينج» (T.B. irving) قبل اعتناقه الإسلام.
وبعد أكثر من عقدين من الجهود التي بذلها لترجمة القرآن التفسيريّة إلى اللغة الإنجليزيّة – الأمريكيّة على معانٍ جديدة وأساليب مبتكرة للترجمة أو التعبير عنه»
.في أعقاب انتصار الثورة الإسلاميّة في إيران، أُنجزِتَ ترجمات أكثر دقّةً للقرآن، فضلًا عن الدراسات والأبحاث النقديّة حول الترجمات السابقة؛ ما يشير إلى مدى التنامي الواسع في عدد المترجمين الناطقين بالفارسيّة للقرآن. وقد بلغ ذلك التطوّر حدًّا زاد من مستوى استيعاب الكثيرين لعظمة القرآن أكثر من قبل، ليخلصوا إلى أنّ تحقيق ترجمة القرآن من دون خطأ ليس سوى حلم بعيد المنال
؛ فلا أحد قادر لوحده على التصدّي لترجمة القرآن؛ الأمر الذي دعاهم إلى طرح فكرة ترجمة القرآن أكاديميًّا . وهم يرون أنّ ترجمة القرآن بحاجة لعشرين نوعًا من العلوم والصناعات على الأقلّ؛ لا يمكن أن ينوء فرد بحمل كلّ واحد منها؛ الأمر الذي يستدعي تشكيل مجموعات من ثلاثة إلى خمسة أفراد يتمتّعون بالاختصاصات التالية:1) مجموعة الإشراف
2) المجموعة الاستشاريّة
3) مجموعة علوم القرآن وتخصّصاته
4) مجموعة تاريخ صدر الإسلام
5) مجموعة الصرف والنحو والاشتقاق
6) مجموعة المعاجم والمفردات القرآنيّة
7) مجموعة المراجع القرآنيّة
8) مجموعة الحديث الاختصاصيّة
9) مجموعة مختصّة باللغة العربيّة وآدابها
10) مجموعة مختصّة باللغة الفارسيّة وآدابها
11) مجموعة مختصّة بالترجمة وعلم اللغة
12) مجموعة مختصّة بفقه المذاهب الإسلاميّة
13) مجموعة مختصّة بعلم الكلام
14) مجموعة مختصّة بالتفسير
15) مجموعة مختصّة بالكتاب المقدّس
16) مجموعة مختصّة بتحرير ترجمات القرآن الكريم
17) مجموعة مختصّة بمقابلة الترجمات المنتخبة
18) مجموعة مختصّة بالإعداد والصياغة
19) مجموعة مختصّة بإعداد الترجمة النهائيّة للطبع
20) المجموعات المختصّة بالعلوم الطبيعيّة، والطبّ القرآنيّ، وطبّ القرآن الروحانيّ، وعلم الآثار القرآنيّ، وعلم الاجتماع في القرآن الكريم، والسنن التاريخيّة في القرآن الكريم، والجغرافيا التاريخيّة للقرآن الكريم، ودراسة الأساليب القرآنيّة، و...
ولعلّ السرّ الكامن وراء العجز عن الإتيان بترجمة وافية لقرآن الكريم، أنّه مهما حاول الإنسان الالتفات إلى مختلف النقاط والجوانب المتفاوتة، يبقى ذهنه وفكره محدودًا بالتركيز على موضوع واحد أو مواضيع عدّة، من دون أنْ يتمكّن من أنْ يعكس الجهات والأبعاد كافّة؛ ما يجعل من المستحيل الإتيان بترجمة وافية للقرآن!
ولد الأب (بطرس المبجّل) في فرنسا (نحو 1092 - 1156م). درس علوم الدين منذ طفولته بتوصية من أبيه، ثمّ التحق بسلك الرهبنة في السابعة عشر من عمره على يد القديس (هوكس). بعد سنوات من النشاط الدينيّ، أصبح في الثلاثين من عمره رئيس دير كلوني شرقي فرنسا
.بادر بطرس لإنجاز أول ترجمة للقرآن إلى اللاتينية سنة 1343م.
خلص بطرس من حصيلة سفرتين له إلى بلاد الأندلس الإسلاميّة وما عاين من تأثّر المسيحيّين بثقافة المسلمين ومعرفتهم هناك، أنّه لا يمكن وقف تقدّم دين محمّد صلىاللهعليهوآله بعنف السلاح الأعمى، وإنّما بقوّة الكلمة؛ عبر اتّخاذ سبيل الحكمة والمعرفة والمنطق المحكم، فضلًا عن عنصر المحبّة في الدين المسيحيّ، ووجد أنّ خوض هذه المعركة العلميّة بنجاح رهنٌ بتعميق المعرفة بأفكار العدوّ أولًا. فكلّف راهبين؛ أحدهما: إنجليزي يدعى (روبرتوس كتي نسيس) أو (روبرت كتون) (Robert Ketton) الذي أَوكَل إليه مهمّة ترجمة القرآن كاملًا، والآخر: يدعى (هيرمان دالماني – دالماشي) الذي عهد إليه مسؤوليّة إعداد ترجمة القرآن الكريم. وقد موّل بطرس ذلك المشروع بميزانيّة ضخمة متّخذًا من مناطق شبه الجزيرة الإيبيرية مقرًّا له. كما استعان في الترجمة بآخر عربيّ مسلم، لا توجد معلومات عنه سوى ما يبدو أنّ اسمه كان محمّدًا .
ويذكر بطرس دافعه الأساس لترجمة القرآن؛ بقوله: «إنّ الجرم الذي ارتكبه محمّد لا يُطلَق عليه سوى تسمية الهرطقة أو الوثنيّة. وعليه ينبغي العمل ضدّ ذلك الأمر، ولكنّ اللاتين لا يعرفون سوى لغاتهم؛ ولهذا لا يستطيعون التعرّف على حجم هذا الخطأ، ولا يستطيعون إغلاق الطريق أمام هذه الهرطقة؛ لهذا كلّه
اشتعل قلبي وفكري وأسخطني رؤية اللاتين وهم غير مدركين دوافع هذا الخطر وتجاهلهم إيّاه يضعف مقاومتهم أمامه، ولا أحد يستطيع الردّ، لذلك ذهبت أبحث عن متخصّصين في اللغة العربيّة، وعن طريق التوسّل والنقود جعلت أولئك المتخصّصين يقومون بترجمة تاريخ ديانة هذا المسكين وأسسها وكتابه الذي يُسمّى القرآن، وقد سلّمت المترجمين المسيحيّين واحدًا من السراسين (المسلمين)؛ كي تكون الترجمة مطابقة تمامًا حتّى لا يكون هناك خطأ يلوّث أفكارنا...»
.لقد شكَّلت هذه الترجمة النواةَ الأولى لباقي الترجمات الأوروبيّة الأخرى للقرآن الكريم؛ وهي عبارة عن:
ـ ترجمة (إريفابيني) سنة 1547م من اللاتينيّة إلى الإيطاليّة
ـ ترجمة (سالمون شفايجر) سنة 1616م من الإيطاليّة إلى الألمانيّة
ـ ترجمة القرآن سنة 1641م من الألمانيّة إلى الهولنديّة
2. «أندريه دو رير» (Andre du Ryer) الذي ترجم القرآن سنة 1674م من العربيّة إلى الفرنسيّة مباشرة.
3. «ماراجي» (Marachi) الذي نشر ترجمة كاملة للقرآن باللاتينيّة سنة 1698م؛ وذلك بعنوان (refutation alcorani).
4. ترجمة «سيل» (Sale) الإنكليزيّة للقرآن الكريم سنة 1734م، والتي تعرّضت لانتقادات شديدة. وقد اعتبر المسلمون، الذين ترجموا القرآن إلى الإنجليزيّة، «سيل» محتالًا وكاذبًا.
5. ترجمة (رادويل) (Radwell) إلى اللغة الإنكليزيّة سنة 1861م.
6. ترجمة (آندريه شورَكي) اليهودي المعروف، والمتخصّص في ترجمة الكتب الدينيّة، والذي ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة الفرنسيّة سنة 1991م.
قدّم المستشرقون ترجمات عدّة للقرآن الكريم باللغات الأوروبيّة والأفريقيّة؛ وحتّى الهنديّة، إلا أنّهم لم يكونوا مدفوعين لتحقيق هدف واحد من وراء عملهم في الترجمة؛ إذ كان منهم مغرضون، يتوخّون المسّ بالقرآن الكريم وإبطاله، فوضعوا ترجمات غير معتبرة ومليئة بالافتراء والكذب؛ الأمر الذي دعا المختصّين المسلمين في هذا المجال لإبداء ثلاثة آراء في مقاربة أهداف المستشرقين في هذا الخصوص؛ فاتّخذ البعض جانب حسن الظنّ آخذين إيّاهم على محمل الخدمة، في ما ذهب البعض الآخر إلى سوء الظنّ معتبرين هدفهم التسلّط والخيانة، بينما ترى مجموعة أخرى من ذوي الرأي المسلِّمِين بضرورة تجنّب تعميم إدانتهم جميعًا ووضعهم في خانة واحدة، على الرغم من ارتكاب بعض المستشرقين والباحثين الغربيّين جريمة خيانة القرآن الكريم؛ نشرًا وترجمةً، فضلًا عن حالة التحوّل التي اعترت بعضًا من أولئك المستشرقين؛ نتيجة اطّلاعهم على حقائق الإسلام، وإعجاز القرآن الكريم وعظمته، فأذعنوا له، وآمنوا به، واعتنقوا الإسلام، بعد أنْ كان الحقد يملأ قلوبهم تجاهه، والبغض تجاهه يحدوهم في عملهم. بل لم يحُل عدم تقبّل البعض الآخر للإسلام دون اعتبار القرآن إحدى عجائب العالم التي سبقت باقي الكتب السماويّة كمالًا وخلوًّا من كلّ نقصان وعيب.
ولذا نجد أنّ المستشرقين قد ترجموا القرآن الكريم وفق مقاربات مختلفة، إلا أنّ ما اللافت للنظر اعتراف الباحثين والمترجمين المنصفين منهم والذين لا أهداف مغرضة لهم، بعجز الترجمة عن عكس أوجه الجمال القرآني؛ معنىً وأدبًا وبلاغةً...؛ ما دعاهم إلى تجنّب إطلاق عنوان الترجمة على أعمالهم. في ما دفعت المضامين القرآنيّة الراقية بعضًا من أولئك العلماء والمفكّرين إلى الإيمان بالقرآن، ليتراجعوا كلّيًّا عن أفكارهم المسبقة عن القرآن؛ باعتباره كتابًا مختلقًا من ذهن محمّد صلىاللهعليهوآله ، ويؤمنوا بصدقه.
(87)
AZƏRBAYCAN DİLİNDƏ OLAN MƏNBƏLƏR
1. Kitabın adı:................... Quranın tilavət qaydaları.
Müəllif:......................Əbulfəzl Əllami.
Tərcümə edən:...................... Azər Turan.
Nəşr :....................... Darul-huda.
Çap tarixi:.................... 2005.
Çap növbəsi:................... Birinci.
2. Kitabın adı:................... Quran təhrif olunmayıb.
Müəllif:............................ Şeyx Məhəmmədcavad Fazil Lənkərani.
Tərcümə edən:........................ Maqsud Sayıl.
Nəşr edən:......................... Moce-elm.
Çap növbəsi:........................ Birinci.
3. Kitabın adı:....................... Surələr gülüstanı.
Müəllif:......................... Ustad Məhəmmədhüseyn Cəfəri.
Tərcümə edən:....................... Məhəmməd zər.
Nəşr edən:............................ Faiz.
Çap tarixi:......................... 2006.
Çap növbəsi:..................................... Birinci.
4. Kitabın adı:........................ Əlifba fitnəsi.
Müəllif:................... Əsğər Fərdi.
Nəşr edən:......................... Aran mədəniyyət mərkəzi\ Təbriz.
Çap tarixi:................................... 2002.
5. Kitabın adı:............... Mister Hemferin xatirələri (ingilis casusunun etirafları).
Müəllif:....................................... Mister Hemfer.
Nəşr edən:......................... Slavyanskiy dom kniqi.
Çap tarixi:............................. Moskva 2003.
(88)РУС
1. Новый завет господа нашего Иисуса христа.
зао: The gibeonc international.
2. Чингисхан неизвестная Азия.
«Поскреби русского и найдешь татарина»
Александр Бушков.
Зао: «олма медиа групп» Москва.
Год: 2007.
BIBLIOGRAPHY
1. The Meaning of the Glorious Qur’an, by Muhammad M. Pickthall, Muslim World League Rabita, 977, p. iii.
2. The Koran cannot be translated… The inimtabe symphony, The very sounds of which move men to moan and ectasy… It is only an attempt to present the meaning of the Koran… in English…"
3. Muhammad Marmaduke picthall, The Glorious Qur’an، Pub : Muslim World League Rabita, New York, 1977.
4. Barthellemy Saint Hilaire: Mohammat et Le Koran paris, 1865.
5. Arberry : The Koran interpreted . v .2 .
6. The.Quran The First Americah Version Translation and commentary by T.B. Irving (AI .Haji Taelim Ali) Brattle boro, Vermont، Amana Books، 1985, xliiit 401 PD.
7. Ismet Binark _ Hallt Eren, World Bibliography of Translation of The Meanings of The Holy Quran, Istanbul, 1406 / 1986, P880
(89)
(91)
بدأ الجدل حول القرآن الكريم في العالم غير الإسلاميّ منذ بدايات الوحي، بعد الاطّلاع الأوّلي على محتوياته التشريعيّة وتعاليمه الإنسانيّة التي تبني الإنسان في عقيدته؛ من خلال نفي التبعيّة البشريّة في العبادة والتوحيد، والدعوة إلى الوحدانيّة بتجاوز عبادة المشابه والنظير، والارتقاء بالذات والروح والعقل من مدارج الدونيّة إلى عوالم الروحانيّة، في تجلّيات للعقيدة الصحيحة التي تربط المخلوق بالخالق، دون وسائط وقرابين، والتحليق بالعبادة في آفاق تتّصل بما بعد الموت.
وقد افتقدت المنظومات الغربيّة عامّة، والفرنسيّة خاصّة؛ لروح الدين وقيمته، وملذات العبادة وجوهرها، بعد سيطرة الفكر المتطرّف المنحرف من العقائد والملل والنحل الوضعيّة التي أنهكت كاهل العُبَّاد والمريدين بالقرابين والطقوس الفاسدة والعبادات الساذجة؛ ما ولَّد موجات وحركات نقديّة تحثُّ على التمرُّد والتحرُّر من هيمنة السلطة الدينيّة.
وكان هذا الوضع وهذا المناخ أرضيّة ودافعًا وحافزًا ودعوةً للمنظومة الاستشراقيّة الفرنسيّة للسعي نحو استكشاف نصّ مقدّس ظهر عند المسلمين، يزخر بقيم التسامح والعلم والأخوّة، وينبذ التطرّف والإكراه. وتحت أقنعة الفضول المعرفيّ والعداوة، وتحصين «الذات» و«الدين»، انطلقت عمليّات التواصل والاتّصال بالنصّ القرآنيّ؛ ابتداءً من محاولات يوحنا الدمشقي (Jean Damascène) (676م-749م)، و(موسى بن ميمون) (Moïse Maïmonide) (1138-1204)، وتوما الإكويني (Thomas d’Aquin) (5221م- 1274م)، وبطرس المبجَّل (Pierre le Vénérable) (1092-1056) الذي كان أوّل مَنْ شجّع مشروع ترجمة القرآن إلى لغة غربيّة، فظهرت أوّل ترجمة للقرآن الكريم إلى اللغة اللاتينيّة على يد البريطاني روبرت كيتون (Robert Ketton) (1110م- 1160م) في الفترة ما بين (1136م- 1157م)، ثمّ تتابعت الترجمات، وتوسَّعت الدراسات الاستشراقيّة المتعلّقة بالقرآن ومعانيه.
لم يترجم هؤلاء المستشرقين القرآن الكريم، بل حاولوا الردّ عليه من خلال الملاحظات المدوّنة في الهوامش، والإضافات الدلاليّة لألفاظه، وإثارة الشبهات؛ عبر الاستعانة بالأساطير؛ لتعزيز المواقف المتحيّزة التي غالبًا ما تفتقد إلى الاعتدال والعلميّة والموضوعيّة التي أشاروا إليها في مقدّمات ترجماتهم، في محاولة لإثارة نظريّة سياقيّة متوارثة تعتقد بأنّ الحضارة الغربيّة وريثة الحضارة اليونانيّة هي حضارة «عقل»، في حين أنّ الحضارة العربيّة هي حضارة «نصّ»؛ لذلك تفتقر إلى التأويل والتفسير، وهي الرؤية والمنظور الذي تبنَّاه بعض دارسي القرآن الكريم؛ ومنهم: نصر حامد أبو زيد، حيث يقول: «القرآن نصّ لغويّ يمكن أن نصفه بأنّه يمثّل في تاريخ الثقافة العربيّة نصًّا محوريًّا. وليس من قبيل التبسيط أنْ نصف الحضارة العربيّة الإسلاميّة بأنّها حضارة ((النصّ))؛ بمعنى أنّها حضارة انبنت أسسها وقامت علومها وثقافتها على أساس لا يمكن تجاهل مركز ((النصّ)) فيه»
.لقد ذابت القيمة المعرفيّة للقرآن المترجَم ضمن فضاء المرجعيّات المبتذلة والسطحيّة بتطبيقاتها لمعايير التفوّق المركزيّ الأوروبيّ، المؤسَّس على فلسفات الإقصاء لـ«لآخر» ولكلّ ثقافات الاختلاف.
ووفق جدليّة التبنّي والتجّني، تتقاطع الترجمات الفرنسيّة للقرآن منهجًا وهدفًا، منتجة أنساقًا وظيفيّة وإجرائيّة، تتجلَّى وتتجسَّد في تقديم القرآن الكريم منتجًا ثقافيًّا بشريًّا مؤسَّسًا على الأساطير وتعاليم دينيّة مستقاة من الكتب السماويّة السابقة، بدقة وذكاء من محمّد صلىاللهعليهوآله . فتحوَّلت الترجمة في هذا الظرف المعرفيّ إلى آليّة لصناعة معادل موضوعيّ يُعادي النصّ المُقدَّس ويُناهضه وينتقده؛ عوض تقديم معانيه في جماليّات أدبيّة ولغويّة وفكريّة.
وقد مكَّنت المناهج النسقيّة النقديّة المعاصرة من تفكيك بنية الترجمات الفرنسيّة للقرآن، فبتوظيف منهجَي المقارنة والنقد الثقافيّ، والاستعانة بمنهج العلوم البينيّة (المنهج التكامليّ) تمّ اكتشاف التشابه الكبير في التوجّهات والرسالة،
فاتّضحت استراتيجيّات التحيُّز والتشويه، وتمظهرت في إخراج النصّ المقدّس، من أبعاده الروحيّة والتشريعيّة، وإقحامه -تصنيفًا- ضمن الخطابات اللغويّة محدودة الدلالة المعجميّة، المنفتحة دون قيود وضوابط على التأويل، الذي أفقدها الجوهر والروح.
فكانت الترجمة القرآنيّة؛ وفق هذا المنظور، آلة جبّارة ووسيط تسلّطي، صنع وهمًا متخيَّلًا عن المنظومة القرآنيّة بتشريعاتها وأحكامها، خوفًا من انتشارها، فتكون بديلًا عن الكتب السماويّة المحرَّفة والملل والنحل الوضعيّة، فتوحَّدت وظيفتها في صناعة صورة نمطيّة، مشوَّهة ومُرعبة عن القرآن، باستغلال صعوبات إيجاد مرادفات وبدائل لغويّة للعديد من الألفاظ والمصطلحات الشرعيّة؛ ما أفسح المجال للتأويل والتوظيف الأيديولوجيّ الذي يتناسق ويتوافق مع مرجعيّات المركزيّة الأوروبيّة.
ويحاول البحث تتبُّع مسار الترجمة الفرنسيّة للقرآن الكريم، متّخذًا مبدأ الترجمة بوصفها اجتهادًا فكريًّا يكشف عن رؤى «الغيريّة» في تصوّراتها وتلقِّيها المُنجز الحضاريّ والعقديّ لــ«الأنا» في ظلّ هويّته وخصوصيّاته الثقافيّة.
فقد كان القرآن المعجز ببيانه وصوره وتراكيبه فتحًا جديدًا أمام اللغات العالميّة لتدرك مدى عجز معجمها اللغويّ على احتواء الأفكار وتفسيرها، وتذوُّق جماليّات الصورة البيانيّة؛ بالإضافة إلى هذا العجز تعرض إشكاليّة التحيُّزات المعرفيّة الموصوفة بعدوانيّة مبيّنة، وتدليس مقصود في اختيار الألفاظ والتعابير والتراكيب، وفي تفسير الآيات والمشاهد والأحداث التاريخية التي تجلَّت أكثر في المقدّمات والحواشي التوضيحيّة.
ونظرًا لاتّساع فضاءات الاهتمام بترجمات القرآن الكريم في المنظومة الفرنسيّة؛ قديمًا وحديثًا، فإنّ هذه الدراسة ستكتفي بعرض الترجمات الأكثر شهرة ورواجًا وحضورًا متميِّزًا في الأوساط الأكاديميّة، والتي شكَّلت بمضامينها مادّة علميّة للاقتباس والتوثيق في الدراسات والأبحاث العلميّة المُحكَّمة
، في محاولة لتفكيك بعض (94)المغالطات والشبهات التي شاعت؛ بحكم كثرة التداول الإرادي والقسري، من خلال الاقتران بثنائيّة القصديّة في التزوير والتشويه، أو بغياب سلطة معرفيّة بديلة تدحض الشبهات وتصوِّب الخطأ والمغالطة، دون تَحيُّز واندفاع في تكرار الأحكام الجاهزة والصور النمطيّة، وتلتزم الموضوعيّة في التقويم؛ بعيدًا عن سلطة المرجعيّات الإقصائيّة.
هذا وتسعى الدراسة إلى تقديم رؤية استعراضيّة لمواقف المنظومة الفرنسيّة في الترجمة القرآنيّة، بالاعتماد على معايير النقد الثقافيّ وأسسه وآليّاته في تفكيك الأنساق المضمرة والدوافع المسكوت عنها تحت سلطة المرجعيّات وهيمنة ثقافة التحيّز واللاموضوعيّة، بالإضافة إلى الكشف عن الدوافع والخلفيّات الثقافيّة التي أنتجت تحيُّزات معرفيّة ومغالطات لغويّة مقصودة لتشويه المعاني والدلالات وغير مقصودة تعود لخصوصيّات بُنية اللغة العربيّة ومميِّزاتها التركيبيّة عامّة، والبيان الإعجازيّ للخطاب القرآنيّ خاصّة.
إنّ رسالة الإسلام الإنسانيّة تقتضي الترجمة بوصفها وسيلةً علميًّة للوصول إلى «الآخر» وإدراك ثقافة الاختلاف، ولذلك ففعل النقل يحتوي مضامين وإشكالات تتعلّق بالمنهج والآليّة والمعجم؛ وهي عوامل تؤثِّر؛ سلبًا وإيجابًا، في النصّ المنقول؛ ما يستدعي اتّباع استراتيجيّات مميَّزة تحدِّد العلاقة بين الناقل والمنقول عنه، وبين الناظر والمنظور إليه؛ بمراعاة المقدّسات، واحترام الخصوصيّات الثقافيّة، تجاوزًا لكلّ صدام حضاريّ وفكريّ.
فرهانات المثاقفة تقتضي تنمية الوسائط وتطويرها، والترجمة فعل ثقافيّ ووسيط مركزيّ في عمليّات التقارب والتواصل والحوار، وتقليص المسافات، وامتصاص التوترات بين الملقِي والمتلقِّي، وتجاوز الاختلافات الأيديولوجيّة التي تولِّد وتُثير أفكار الإقصاء، وتعمّق ثقافات العداوة والعنصريّة.
(95)تطرح مسألة ترجمة القرآن الكريم ونقله من حاضنته البيانيّة ومهده اللسانيّ العربيّ المبين، إشكالات متنوّعة ومتعدّدة، تتجانس وتتناغم في أبعادها المنهجيّة والعلميّة، فآفاق النقل ترتبط بسياقات لغويّة وثقافيّة وحضاريّة، تُعيق الترجمة وتُعرقلها؛ ذلك أنّ لغة النصّ الأصليّة (اللغة المترجَم منها) ترتبط بإعجاز ذاتيّ وشخصيّ يُميِّزها عن غيرها من اللغات العالميّة، من حيث البناء الاشتقاقيّ، والثراء المعجميّ؛ كمًا وكيفًا؛ ما يصعب على المترجم الأجنبي إيجاد مرادفات وبدائل لغويّة متنوّعة، بالإضافة إلى اختلاف ألوان البيان والبديع؛ وهي المحسنات والمجازات التي تصنع الصور الذهنيّة والجماليّة والبلاغيّة التي تُشكِّل هويّة خاصّة.
وعطفًا على ذلك، تضاف قضيّة ثانية متعلّقة بعلم المصطلح أو المصطلحيّة؛ ذلك أنّ ألفاظ القرآن الكريم في أغلبها مصطلحات مقاصديّة، وتشريعيّة، وعباديّة، وحدود لا معادل لسانيّ لها في اللغة المترجَم إليها؛ نظرًا لاختلاف الحضارات والثقافات وتباينها؛ ما يُنتج صعوبات ومُعوِّقات تحول دون نقل المعاني بدقّة وموضوعيّة، ودون اجتهاد لغويّ لتوليد الدلالة، وتدفع هذه الإشكاليّة إلى إثارة ضرورة وحتميّة وجود معجم لفظيّ يُنظِّم معاني المصطلحات الشرعيّة ودلالاتها ويُحدِّدها، وهو العمل الذي يتجاوز الاجتهاد الفرديّ إلى العمل الجماعيّ الموسوعيّ الذي تتبنَّاه المؤسّسات الشرعيّة والمجامع اللغويّة التي تُحظى بالشرعيّة والمصداقيّة والموثوقيّة؛ لأنّ تحديد المصطلح بدقّة يغني عن الحشو والتأويل والغلط، بالإضافة إلى سدّ الذرائع أمام التحيُّزات المعرفيّة والأيديولوجيّات الفكريّة من الولوج إلى اللفظ بالتحريف والتدليس، فالمصطلحات «رحيق العلوم... وخلاصات معرفيّة يفترض فيها أنْ تمثّل صورًا مصغّرة وافية للمفاهيم التي تعبِّر عنها؛ حيث تنوب الكلمة الاصطلاحيّة الواحدة
(96)عن عشرات الكلمات اللغويّة الغائبة التي من شأنها أن تعرف المفهوم المعرفيّ المرجوّ تقديمه»
.وهنا تأتي إشكاليّة تداوليّة ترفعها الآية الكريمة وتعرضها القراءات الإعجازيّة لمضمونها، قال -تعالى-: (وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) ، ولعلّ روح التحدّي والإعجاز يتَّسع لاحتواء اختلاف الزمان والمكان الذي يقتضي بالضرورة اختلاف الأجناس والأعراق وتباين الألسنة، وفي ظلّ اختلاف اللغات وضمن مناخه وفضائه يكمن التحدّي في إيجاد بلاغة وبيان القرآن العربيّ.
وتفرز هذه المقاربة رؤية جديدة وتطرح فلسفة جماليّة متعلّقة بإمكانات النقل وأضربه من ترجمة المعاني واحتوائها، وتفسير مواقف ومشاهد؛ وفق منهجٍ جديدٍ يحفظ نقلًا أمينًا للمعاني والأفكار بآليّات لسانيّة ولغويّة حضاريّة تضمن المعاني والمباني، وتحافظ عليها، دون هدم لهياكلها الدلاليّة والبيانيّة، ودون تحريف لمصطلحاتها.
وإذا كان أغلب المترجمين الغربيّين للنصّ القرآنيّ من المستشرقين الذين خبروا ثقافات الشرق ودياناته وآدابه، فإنّ المنهج العلميّ يقتضي عدم الخلط بين المجهودات الاجتهاديّة في فهم المعنى، ثمّ نقله الذي يحتمل النقص والضعف والخطأ، واتّهام الجميع ورميهم بالتواطؤ وتشويه الحقائق والخيانة العلميّة؛ بالإضافة إلى التدليس والتحريف تحت سيطرة الأيديولوجيا والعقيدة والانتماء الفكريّ. وقد «توالت الترجمات بعد ذلك، بعد أن تأكّد للغربيّين أنّ القرآن الكريم هو سرُّ قوّة المسلمين، وهو جامع شملهم، فعمدوا إلى تشويه صورة الإسلام؛ بما أدخلوه في هذه الترجمات من تحريف وحذف، وتغيير وتبديل، وتقديم وتأخير، وتلاعب بالألفاظ والمعاني»
،ويكاد يقع الإجماع حول فساد نيّات المستشرقين في الترجمة القرآنيّة، مع التركيز على الأهداف الدافعة للترجمة والغايات منها، والتي تظهر بارزة من فعل النقل. «وإذا كان كثير من المستشرقين يعترفون بصعوبة ترجمة القرآن الكريم، إلا أنّهم خاضوا التجربة تحت ضغط أهدافهم. فالعيوب التي تسجّل عليها كثيرة؛ كالنقص، أو الإضافة، أو التقديم، أو التأخير، أو التحريف، أو التشويه»
.كما لا يمكن -أيضًا- نفي تهمة التحيّز المعرفيّ المقصود الذي فرضته المركزيّة الثقافيّة الغربيّة وروح اللاَّهوت المسيحيّ/اليهوديّ، وفلسفة المرويّات الكبرى، وأطروحات الأيديولوجيّات بمختلف تيّاراتها ومدارسها. «كما سطا الأوربيّون على العقيدة النصرانيّة بمفاسدهم البولصيَّة (نسبة إلى بولص)، التي استحوذت على الفكر النصرانيّ، ونقلت الكنيسة إلى أوربا، لتجد فيها بعد عقيدة مبتدعة مغايرة عن العقيدة النصرانيّة، ومن ثمّ صارت لتعاير الكنائس الشرقيّة على أنّها الكنائس البدائيّة؛ اليوم جاء هذا البحث ليسلّط الضوء على مشروع مماثل لإيجاد إسلام جديد، عن طريق ترجمة مفاهيم القرآن الكريم، والدسْ فيها بتغيير المفاهيم الإسلاميّة، وتجويف الإسلام من إسلام عربيّ إلى إسلام معاصر»
.وتتنوّع آليّات التشويه؛ من التفسير المؤدلج، إلى توظيف المناهج والمقاربات المشبوهة التي تنتج الرؤى المزيفة. و«لقد تميَّز سلوك أغلب المستشرقين عند دراسة النصّ القرآنيّ من أنّه سلوك منحاز؛ فهو مرّة يكون باتّجاه الغضّ من قيمة التراث الإسلاميّ وإظهاره مشوّهًا، وأخرى باتّجاه الطعن بالقرآن وبوسائل متعدّدة، ففي الأولى كانوا يحاولون من خلاله إظهار الفكر الإسلاميّ بأنّه فكر متناقض من داخله؛ وذلك بتقديمه تقديمًا سطحيًّا للمتلقّي الغربيّ أو المستغربين من العرب والمسلمين الدارسين بجامعتهم»
.أصَّلت الترجمة؛ باعتبارها نسق فكريّ ومعرفيّ بين الأنا والآخر لثقافة التواصل، وتحطيم الحدود بين الأمم والشعوب، وتقليص المسافات بين الملقِي والمتلقِّي، بالإضافة إلى تبنّيها للتعدّدية والتنوّع بوصفها رهانات واستراتيجيّات للتقارب، وتنمية الفعل الثقافيّ الموصوف بالإبداع والمقترن بالمتسامح؛ لإيمانها باستحالة العزلة الثقافيّة، فهي آليّة ومنهج وإرادة تفتح آفاقًا لتلاقح الأفكار والتواصل الإنسانيّ. فقد فكّكت الترجمة مقولة الشاعر الإنجليزي روديارد كبلنغ (1865– 1936) (Rudyard Kipling) حين قال: «الشرق شرق والغرب غرب.. ولن يلتقيا!» بدعوتها إلى الفكر العالميّ، والمعرفة الكوسموبوليتيّة، والانفتاح على الغيريّة؛ باعتبارها مرآة للذات في منجزها ووجودها وكينونتها.
فالترجمة انعكاس «الذات» في مرآة غيريّة الاختلاف، ومقارنة للمنجز المحلّيّ بالمنتج العالميّ، وتمييز المحلّيّ من الوافد، لممارسة النقد الذاتيّ، ثمّ الاندفاع والانطلاق نحو الإبداع والتميّز، ونحو الممانعة والتحصين من استراتيجيّات الاستلاب والاغتراب والغزو الفكريّ والمعرفيّ. وهي -كذلك- وسيط ثقافيّ، مُنتج للمعرفة الجديدة، واكتشاف الآخر في تمظهراته وتجلّياته الإيجابيّة والسلبيّة، فهي تتجاوز حدود العلاقة الجدليّة بين لغتين مختلفتين؛ مبنى ومعنى، هيكل وبنية، إلى رهانات عالميّة وعولميّة تساهم في تقليص الفجوات المعرفيّة بين المركز والهامش، وصناعة مثاقفة ندّيَّة تتأسّس على مبادئ احترام الهويّات والخصوصيّات الثقافيّة، ضمن فضاء التدافع الحضاريّ الطبيعيّ.
إنّ ما يميّز القرآن الكريم هو ربّانيّة مصدره؛ وهي الصفة التي تمنحه القداسة والحماية، ولكنْ في الآن نفسه تُحمِّله رسالة العالميّة والكونيّة وتجعل خطابه، خطابًا عامًّا موجّهًا إلى البشريّة جمعاء؛ بمختلف إثنيّاتها وأعراقها وسلالاتها، وتزخر آيات القرآن بدلالات التوجيه الكونيّ والمقصديّة الشموليّة والدعوة العامّة، وقد أحصى
الباحثون في الحقل القرآنيّ ما يقارب الثلاثمائة وخمسين (350) آية تحثُّ وتُؤكِّد وتُدلُّ في سياقاتها على عالميّة النصّ القرآنيّ الإلهيّ، ومحاورته للبشريّة جمعاء، ودعوتها إلى التوحيد، قال تعالى:(تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) ، وقال -أيضًا-: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) . ومن دلالات العموم -أيضًا- الحضور الكثيف لمصطلحي (الإنسان) و(الناس) بالصيغ الإعرابيّة المختلفة والبنيات الصرفيّة المتنوّعة، فقد ورد مصطلح (الإنسان) خمسة وستين (65) مرّة ، بينما ورد مصطلح (الناس) مئتان وواحد وأربعين (241) مرّة ، وتُفيد (أل) الاستغراق والعموم والحصر.
ذكر الخليل بن أحمد الفراهيدي في كتابه العين، وابن منظور في لسان العرب، والجواهري في (الصحاح) أنّ لفظ (الإنسان) لفظ عامّ يطلق على المذكَّر والمؤنث
، للدلالة على العموم بعالميّة الرسالة القرآنيّة وشموليّتها للجنسين المرأة والرجل، وقد يدلّ في حالات نادرة على نبي الله (آدم) أبو البشريّة ليوحي بتحمّله مع نسله بجميع اختلافاتهم اللسانيّة والعرقيّة رسالة التوحيد، في حين أنّ اللفظ في بقيّة الآيات الأخرى يحضر عامًا دون تخصيص شخص بعينه مباشرة عن طريق التحديد الهويّاتي أو بطريقة غير مباشرة عن طريق الصفات والنعوت التي توحي بالتحديد والتعيين.في حين أنّ لفظ (الناس) اسم جنس يطلق على السلالة الآدميّة بصفة عامّة؛ وهو المعنى الذي اتّفق عليه علماء المعجميّة العربيّة، ويحمل دلالات الاتّساع والانتشار واللانهائيّ من البشر. والإنسانيّات، جمع إنسان، مشتقّ من إنس؛ أي «البشر»؛ بمعنى «إنثروبوس»، ويقصد ﺑـ «الجنس البشريّ» المتباين والمختلف
عن «فصيلة الحيوان» أو «الفوطبيعي» (surnaturel). وإنسانيّات هي مجموع السمات المميّزة للإنسان بصفته إنسانًا.
وقد استدعت الضرورة المعرفيّة والحتميّة العقديّة نقل معاني القرآن الكريم وأحكامه وترجمة مضامينه إلى الشعوب والأمم غير الناطقة باللغة العربيّة، فتحمّلت اللغات العالميّة عبئ البحث عن معجم يناسب اللفظ القرآنيّ ويلائمه ويحتويه، أو على الأقلّ يقترب منه دون تشويه أو تزييف أو تحريف أو تحيُّز، ولكنّ الترجمة، كما عرَّفها اللغويّون والمترجمون هي كما جاء في لسان العرب «الترجمان بالضمّ والفتح، هو الذي يترجم الكلام؛ أي ينقله من لغة إلى أخرى»
، وفي تاج العروس «نقله من لغة إلى لغة أخرى» ، وقال محمد حسين الذهبي: «الترجمة تطلق في اللغة على معنيين، الأوّل: نقل الكلام من لغة إلى أخرى بدون بيان لمعنى الأصل المترجم؛ وذلك كوضع رديف مكان رديف من لغة واحدة، والثاني تفسير الكلام وبيان معناه بلغة أخرى» ، أمّا الترجمة في المصباح المنير فيقول: «ترجم الكلام، إذا بيَّنه وأوضحه، ويقال ترجم كلامه، إذا فسَّره بلسان غيره، وترجم كلام غيره وعنه، نقله من لغة إلى أخرى، ومنه الترجمان» .
استندت بعض الترجمات الغربيّة للقرآن الكريم على فتاوى مؤسّسات شرعيّة إسلاميّة، فاستفادت من الشرعيّة الفقهيّة للزيادة والتحريف والتزوير والتدليس
والافتراء، فقد أوصى مجمع البحوث الإسلاميّة بعدم جواز ترجمة القرآن الكريم
، كما منع الأزهر الشريف ترجمة القرآن الكريم لفظًا، وأجاز ترجمة تفسيره. والتفسير اجتهاد فكريّ وإدراك معرفيّ يرتكز على مرجعيّات متعدّدة الروافد والأصول والمنابع؛ ما يسمح بهيمنة الذاتيّة والنمطيّة والأيديولوجيا.ولعلّ تتبّع مقاربة اللامترجم (L’Intraduisible) في ضبط النصّ القرآنيّ ومصطلحاته والإقرار باستحالة إيجاد معادل لغويّ وفكريّ يفتح آفاق التأويل الخطابيّ، ويسمح للمترجم الخائن بالتعبير الإيطالي «المترجم خائن» (Traduttore, traditore) ومطابقة للحكمة القائلة بأنّ الترجمة هي «فنّ الخيانة»؛ بالتلاعب والتأويل والتحويل والتحوير والتحيّز والأدلجة، وخاصّة أنّه تحصَّل على مشروعيّة الفعل التزييفي والتحريفي من سلطة الفقيه الإسلاميّ الذي أعلن عن عدم إمكانيّة ترجمة القرآن. «إنّ أيّة محاولة لوضع فعل التكافؤ بين لغة الوحي ولغات الشعوب غير المؤمنة يُعدُّ أمرًا لا مُفكَّر فيه وممنوع، وتقف التقاليد الدينيّة عائقًا أمام ترجمة الكتاب اللامحاكى، ولكنّ الفتوحات الإسلاميّة غيَّرت ذلك بافتتاحها لآفاق جديدة بين المبادئ (تحريم الترجمة)، والتطبيقات (ضرورة تعريف الأمم الأعجميّة بالقرآن الكريم)»
.وجاءت ترجمات القرآن الكريم ضمن سياقات وأنساق ثقافيّة بعينها، فرضتها ملابسات التواصل والمثاقفة وفلسفة الشرق العجائبي؛ بالإضافة إلى فوبيا الإسلام
وبارانويا (paranoia) الفتوحات الإسلاميّة؛ وهي حالات الشعور بالاضطهاد الوهمي التي سيطرت على المُتخيَّل الغربيّ خلال مرحلة الانتشار الإسلاميّ، وهي ظواهر ما زالت مستمرّة إلى غاية اليوم تحت مظاهر وأقنعة جديدة؛ كالحروب الصليبيّة، والإرهاب، والإسلاموفوبيا.
ولا يمكن أكاديميًّا وموضوعيًا تعميم مفهوم ثقافة المؤامرة على جميع المترجمين الذين تناولوا النصّ القرآنيّ بالترجمة واتّهامهم بالتدليس، فبعضهم سعى إلى أغراض علميّة صرفة للكشف عن مضامين كتاب إلهيّ توحيديّ، غيَّر مسار الإنسانيّة بتعاليمه وتشريعاته ومبادئه، وأنتج اجتهاده تجاوزات لغويّة فرضتها طبيعة اللغة المترجَم منها؛ ببيانها وخصوصيّاتها، فتبنَّى لغة توافقيّة، وهو المبدأ الذي يلتجأ إليه المترجمون في التعامل مع النصوص غير القابلة للترجمة (Traduire l’intraduisible : négocier un compromis)، حيث «تتحوَّل الترجمة إلى عمليّة تواصل ووسيط، يسمح بإمكانيّة الحوار بين اللغات والثقافات، ففي كلّ حوار لا بدَّ من أرضيّة مشتركة للتفاهم والتفاعل، وفي الحوار الثقافيّ يجب تحقيق عوامل مشتركة تكون مرجعًا ضامنًا لإقامة الفعل التواصلي»
.فقد يتجاوز المترجم الغربيّ إدراك بعض المضامين والمحمولات الدلاليّة والمفاهيم والصور البلاغيّة المتعلّقة بخصوصيّات اللغة العربيّة وجماليّاتها الفنّيّة، وهي اللمسات البيانيّة التي ما زال يلهث وراءها البلاغيّون لإدراك كنهها والتلذّذ ببيانها وبديعها، و«معلوم أنّ النصوص المقدّسة تشكِّل دائمًا تحدّيًا للمترجمين، فهذه النصوص تتّصف بكثافة سيميائيّة تسمح بتعدّديّة تأويليّة مفتوحة»
. (103)وقع الاهتمام على الترجمات الفرنسيّة لاتّساع فضائها وانتشارها جغرافيًّا في المستعمرات الفرنسيّة (شمال إفريقيّا خاصّة)، وفي العديد من الأقاليم الفرانكوفونيّة (أفريقيا عامّة). وتعاني دول الشمال الإفريقيّ من نخبة فرانكوفونيّة قويّة وامتداد وتغلغل عميق وكبير للثقافة الفرنسيّة، في حين تعاني دول إفريقيا عامّة من قوّة حركات التبشير التي تتّخذ أقنعة كثيرة ومزيّفة؛ ومنها بالتحديد: المنظّمات ذي الطابع الإنسانيّ والدعوات الفكريّة والسياسيّة التي تسعى إلى تقويض انتشار الإسلام تحت شعارات محاربة الإرهاب والإسلام السياسيّ الأصوليّ.
أمّا من الناحية المنهجيّة، فالمقاربة اتّجهت نحو الترجمات الفرنسيّة؛ لأسباب علميّة وموضوعيّة؛ منها:
العدد الهائل من المستشرقين الفرنسيّين الذين اهتمّوا بالقرآن؛ ترجمة ودراسة، مع إدراك حجم التحيُّز المعرفيّ للمنظومة الفكريّة الفرنسيّة وتمركزها حول محور العقلانيّة الأوروبيّة التي ترفض الاختلاف والتعدّد، وتؤمن بالتفاوت الإثنيّ والمعرفيّ بين الأجناس والأعراق.
كانت الترجمات الفرنسيّة منطلقًا للعديد من الترجمات الأوروبيّة؛ ما أنتج توسّعًا في تعميم الأخطاء بالحذف والزيادة والتأويل الفاسد والتفسير السطحيّ.
تتّحد رسالة الكشف عن شبهات الترجمات الفرنسيّة للقرآن في حماية المسلمين/الفرنسيّين؛ سواء الذين انحدروا من الهجرات أو من معتنقي الإسلام الفرنسيّين، من التشويه الفاضح لأصول الشريعة وكتابها المقدَّس، الذي قدّم رؤية معاكسة للمفاهيم والتشريعات والقيم السامية الواردة في القرآن، بالتحريف تارة، والتزييف التفسيريّ تارة أخرى. فالمنظومة الثقافيّة الفرنسيّة تخشى عودة
(104)المسلمين الفرنسيّين إلى الأصول الحقيقيّة للإسلام واستلهام قيمه السامية؛ ما يُؤِّثر سلبًا -حسب اعتقادها- على عمليّات التكيُّف والاندماج الاجتماعيّ.
لا تدخر الفرانكوفونيّة جهدًا في البحث عن الانتشار والرواج والشيوع، وقد اتّخذت من القرآن الكريم؛ لمكانته وقيمته وقداسته، أرضيّة للتمظهر والبروز وإعادة التموقع في المشهد الفكريّ الغربيّ، وبخاصّة بعد الامتدادات الكبيرة لدراسات التابع (les subalterns studies) التي قابلت شقيقتها دراسات ما بعد الكولونياليّة (Postcolonialisme).
كرونولوجيا الترجمات الفرنسيّة للقرآن:
يرتبط تاريخ ظهور أوّل الترجمات الفرنسيّة للقرآن الكريم، بالترجمات اللاتينيّة؛ باعتبارها نواة ومؤشّرًا لانطلاق اكتشاف النصّ القرآنيّ، بأبعاده الروحيّة وآفاقه لعوالم ما بعد الموت، وتصوّراته لأنظمة الحياة المختلفة ومواقفه من الديانات السماويّة وأنبياء الله ورسله إلى مختلف الأمم والشعوب.
فتأسَّست على ترجمة الراهب اللاهوتي بطرس المبجّل (Pierre le Vénérable) (1092-1156) رئيس دير كلوني (Cluny) في جنوب فرنسا، ترجمات ودراسات ومقاربات تهدف إلى تحقيق رهانات معرفيّة وأيديولوجيّة، فتجلَّت الأبعاد المعرفيّة في الاجتهادات المتعلّقة بالاكتشاف والتطلّع إلى جديد الرسالة الإسلاميّة، بينما تجسَّدت الآثار الأيديولوجيّة في التعليقات والتعقيبات والردود، بالزيادة والحذف والتحليل والمقارنة والتحوير؛ ما أبعد الترجمات عن وظيفتها النقليّة للمعاني إلى إنتاج سياقات معرفيّة خاصّة.
وقد أحصت "الببليوغرافيا العالميّة لترجمات معاني القرآن" (world bibliography of traslations of the Meaning of the Qur’ân) سنة 1986م ما يُقارب 2668 ترجمة للقرآن الكريم، ليصل إلى زهاء خمسة وستين لغة (65)، ودافع الترجمة هو «أنّ التعدّديّة اللغويّة والدينيّة لمختلف المجتمعات كانت سببًا مباشرًا للشعوب التي لا تتقن العربيّة في الاهتمام بالقرآن وإيلائه العناية البالغة»
.وتعود الترجمة الفرنسيّة الأولى للقرآن الكريم إلى أندريه دي ريير (André du Ryer) (1580-1660) حين قدّم ترجمته الخاصّة للقرآن الكريم، بعنوان «قرآن محمّد منقول من العربيّة إلى الفرنسيّة» (L’Alcoran de Mahomet translaté d’arabe en François) سنة 1647م، وكانت هذه الترجمة استجابة لدعوات «المدرسة التاريخيّة النقديّة» (l’école historico-critique) التي طالبت بالانفتاح على المغايرة التاريخيّة بالنقد والتحليل، فاستجاب الألماني تيودور نولدكه (Theodor Nöldeke) (1836-1930) بمصنّفه «تاريخ القرآن» (Geschichte des Korâns) (1860).
وأعقبت ترجمة دي ريير (du Ryer) ترجمتين متميّزتين كانتا لبِنتين مركزيّتين للترجمة الفرنسيّة للقرآن الكريم، الأولى لـ «صافاري» (Claude-Étienne Savary) (1750-1788) بعنوان «القرآن، منقول من العربيّة مع ملاحظات ومقدّمة مختصرة لحياة محمد» (Le Coran, traduit de l’arabe, accompagné de notes, et précédé d’un abrégé de la vie de Mahomet) سنة 1782-1783، ثمّ ترجمة المستشرق الفرنسيّ ذي الأصول البولونيّة ألبير كازيميرسكي (Albert Kazimirski) (1808-1887) «القرآن» (Koran) سنة 1869م، وقد كانت الترجمتان أقلّ حجمًا من ترجمة المستشرق السويسريّ تيودور بيبلياندر (Theodor Bibliander) (1504-1564) التي قدّمها سنة 1543م عن الترجمة اللاتينيّة للقرآن من قبل روبير دي كيتون (Robert de Ketton).
وبعد اختفاء ترجمة أنطوان غالان (Antoine Galland) (1717-1646) التي أشار في مذكراته أنّها استغرقت ستّة عشر شهرًا (16)، تعدّدت الترجمات بعد جملة الأعمال المركزيّة التي هيَّأت مناخات وأرضيّات الانفتاح على النصّ المقدّس، فجاءت ترجمة ريجيس بلاشير (Régis Blachère)(1900-1973) سنة 1966م، ثمّ ترجمة سيّدة مراكش (Denise Masson)(1901-1994) سنة 1967م؛ وهي أوّل ترجمة للقرآن تنجزها امرأة، وتلتها ترجمة جون غروجون (Jean Grosjean) (1912-2006) سنة 1979م، بالإضافة إلى ترجمتين لمستشرقين فرنسيّين من أصول جزائريّة
المولد؛ وهما: أندريه شوراكي (André Chouraqui) (1917-2007) سنة 1990م، وجاك بيرك (Jacques Berque) (1910-1995) سنة 2002م. وعلى الرغم من التطوّرات الكبيرة في حقل المعجميّة والمناهج النقديّة؛ إلا أنّ الترجمات الفرنسيّة بقيت وفيّة للمصادر الأولى «اتّجه تاريخ ترجمة القرآن في فرنسا حتّى منتصف القرن التاسع عشر إلى الدقّة، وهي الخطوة التي دعا إليها جميع المترجمين، ولكنّهم ما زالوا يعتمدون في ترجماتهم على المصادر القديمة في ترجمة النصّ القرآنيّ»
.ويعتبر البحث في الترجمات الفرنسيّة جميعها مدوّنة واحدة ونواة مركزيّة تشكِّل كتلة واحدة؛ لأنّها على الرغم من تنوُّعها؛ من حيث المترجم، واختلاف الزمان والمكان؛ إلا أنّ ملامح الوحدة والإجمال سمة مركزيّة مشتركة بينهم، فانطلاقًا من آثار دي ريير(Du Ryer) إلى ترجمة غالان(A.Galland)، ومرورًا بترجمة صافاري (Savary)، ووصولًا إلى المعاصرين؛ أمثال: جاك بيرك، وغيره، نجد أنّهم يقرُّون باستحالة ترجمة القرآن ومعانيه؛ ليبرِّروا انحرافاتهم وانزلاقات المعاني من خلال الملاحظات والتدوينات الهامشيّة التي غالبًا ما تُعبِّر عن وجهة النظر الأيديولوجيّة أو المركزيّة الأورو- مسيحيّة، أو اليهود- مسيحيّة في التفسير والتأويل.
لقد ترجم القرآن الكريم إلى اللغة الفرنسيّة نخبة مستشرقة، تفنَّنت في إتقان اللغة العربيّة وعلومها، فارتحلت إلى الشرق للاطّلاع على قرآن محمد صلىاللهعليهوآله وآداب أقوامه، فجمعت المعلومات وراكمت عندها المصادر والمراجع، ولكنّها لم تتمكّن في معظمها من التحرّر من سلطة الكنيسة والدراسات البابويّة (إيطاليا خاصّة)، ومن هيمنة المرجعيّات باختلاف أطيافها؛ وخاصّة تلك الأيديولوجيّات المؤمنة بنظريّات التفاوت بين الأعراق والحضارات التي حرصت على تقديم القرآن الكريم؛ بوصفه أنموذجًا للتشريعات العدوانيّة العنصريّة التي لا يمكنها التفاعل والتكيّف مع ثقافات الاختلاف والغيريّة.
وقد أنتجت المنظومة الفكريّة والأدبيّة والدينيّة الفرنسيّة ترجمات كثيرة، متّفقة
مضمونًا من حيث التحيّز والتحريف والتأويل، وتكرار الصور النمطيّة المتوارثة عن مرويّات القرون الوسطى وفترة الحروب الصليبيّة. وهذا ما صرّح به الباحث الفرنسي رينو نيرم (Renaud Terme) في ختام أطروحته للدكتوراه، المناقشة علنًا في جامعة بوردو (Bordeaux) الفرنسيّة سنة 1916م، الموسومة بـ «تلقّي النخبة الفرنسيّة للإسلام بين 1830 و 1914»، حيث قال: «لم يتمكّن الفرنسيّون أبدًا من إخفاء رؤية الإسلام التي غرسها فيهم مسيحيّو العصور الوسطى، ما بين 1100 و 1140، فالقصص والتعليقات عن الإسلام ومحمّد، متخيَّلة، مستمدّة من الأساطير الشعبيّة الفولكلوريّة والنصوص البيزنطيّة، هي قصص كراهية أنتجها مسيحيّو الشرق، جاعلين من محمّد كائنًا مُهدِّمًا ولا أخلاقيّ»
.وتقويمًا عامًّا للترجمات الفرنسيّة؛ باستثناء ترجمة أنطوان غالان (Antoine Galland) (1646- 1715) التي اختفت عند تقديمها للمكتبة الملكيّة ولم تنشر أبدًاصلىاللهعليهوآله وتأويل سيرته، وتجسَّدت الأيديولوجيا السياسيّة والثقافيّة للمركزيّة الغربيّة في انتقاد أحكام الشريعة وتعاليمها وتسفيه معتنقي الإسلام «المحمّديّين».
؛ فإنّ استعراض مضامين الترجمات الفرنسيّة ومحتوياتها؛ ابتداءً من ترجمة دي ريير (De Ryer) «قرآن محمد» (L’Alcoran de Mahomet)، ووصولًا إلى آن- سيلفي بواسيلفو (Anne-Sylvie Boisliveau) «القرآن بنفسه» (Le Coran par lui-même) يكشف عن تحوّلات كبيرة في المعنى وتغييرات فاضحة في الدلالة، ترجع لأسباب موضوعيّة ودوافع ذاتيّة، فقد ظهرت وبشكل جليّ سلطة المرجعيّة الدينيّة اليهوديّة والمسيحيّة على مستوى تفسير آيات القرآن وتوضيح رسالة محمدوساهم ضعف المؤهّلات اللغويّة والعجز في فهم رسالة القرآن الروحيّة في انزلاق المعنى وانتقاله من الدلالة المعقولة والمنطقيّة إلى المعنى السطحي السخيف المختلط بالثقافات المحلّيّة والأساطير العامّة؛ ما أنتج أحكامًا ومواقف نمطيّة تجعل من المسلم أنموذجًا للوحشيّة والتخلّف، يضيع معها قداسة النصّ القرآنيّ، ورقيّه الروحيّ في العبادة، وإنسانيّته في التشريع.
ومن الصعوبات المنهجيّة حصر جميع المغالطات وتعدادها في الترجمات الفرنسيّة لمعاني القرآن الكريم، لذلك اكتفى البحث بعرض نماذج لعيّنات محدّدة؛ بهدف التنبيه والتحذير والدعوة إلى إعادة القراءة والتصويب والتقويم. قال -تعالى-: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) .
وقد تجسّدت الانحرافات والشبهات في الترجمات الفرنسيّة للقرآن الكريم في محاور ومعالم يمكن حصرها في ما يلي:
يُثير إصرار المستشرقين المترجمين للقرآن الكريم على نسبة القرآن إلى النبي محمّد صلىاللهعليهوآله أسئلة منهجيّة وعلميّة وعقديّة، فمن الناحية المنهجيّة العلميّة، لم يثبت عن الرسول صلىاللهعليهوآله، ولا عن غيره من المسلمين؛ صحابة وتابعين، نسبة القرآن إلى نفسه، والادّعاء ببنائه وتشكيله، مضافًا إلى طبيعة الخطاب الإلهيّ الذي يتحدّى البلاغة العربيّة بلمساته البيانيّة، وطبيعة بناء الجملة العربيّة وتراكيبها وهياكلها الإعرابيّة وموازينها الصرفيّة.
ويفرِّق علماء الإسلام بين القرآن والحديث الشريف والحديث القدسي، ويحرّمون نسبة القرآن إلى غير الله: (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ﴿٤﴾ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ) ، ويمنعون على غيرهم هذه النسبة؛ لعدم ثبوت الأدلّة القطعيّة والحجّة البيّنة والبرهان العقليّ.
على الرغم من ذلك، نجد المستشرقين يقعون في التناقض حين يؤرّخون لسيرة الرسول صلىاللهعليهوآله ؛ فهم يؤمنون بأُمّيَّته وعدم قدرته على القراءة والكتابة؛ فيقولون: «هو نبي أُميِّ (Illettré) مُرسَل إلى الأمّيّين، ليُبيِّن لهم ربّما أخلاقه؛ كرجل مُلهَم من أعلى» ، فهم يؤمنون أنّه من الناحية المعرفيّة غير قادر على التأليف وسنِّ القوانين والتشريعات، وعاجز عن القراءة والكتابة؛ كما تُورِد أغلب كتب السيرة، ولكنّهم يتجاهلون إراديًّا ذلك؛ فينسبون القرآن إليه، وينفون عنه روح القداسة والتنزيه الإلهيّ، فيرون أنّ «القرآن هو القانون والتعاليم والتشريعات التي وضعها محمّد للعرب؛ بصفته القائد الأعلى للدين وسيِّده» .
ويُرجِع بعضهم إطلاق «الأمّيين» على «عامّة الناس»، أمّا «الأُمّيُّ (Ommi) (Illittré)؛ فهي تطلق دون إكراه على محمّد نفسه»
.ويرى جيرارد جينات (Gérard Genette) (1930-1-2018) في كتابه عتبات (Seuils)
أنّ مقدّمات الترجمات تُشكِّل نصًّا موازيًا أو نصًّا مصاحبًا (Para Texte)؛ وهي رسالات مقصودة لتثبيت الأفكار، وإثارة الاهتمام، وتلخيص الرؤية، وبيان المواقف؛ لذلك جاءت الملاحظات الببليوغرافيّة (Notice Bibliographique) المتموضعة في مقدّمات الترجمة، عبارة عن رسالتين: الأولى ذات وظيفة إغرائيّة (Fonction deductive)، والثانية تحتوي وظيفة دلاليّة (Fonction connotative).ولذلك ركّز المترجمون على طرح أفكارهم لتشويه صورة القرآن، من خلال إضافات وتأويلات لا تتّصل بالنصّ القرآنيّ ولا بسيرة الرسول صلىاللهعليهوآله ، فقد ربط صافاري (Savary) بين الرسول صلىاللهعليهوآله واستشراف المستقبل وعلوم الغيب؛ ليمنحه ملكة علم الغيب ومعرفة المستقبل؛ وهي الصفة التي تؤهِّله لكتابة النصّ القرآنيّ، وتأليف قصصه ومضامينه. فهم يرون أنّ «اعتراف محمّد بضعف تعليمه وجهله بالغيب،
لم يمنع أصحابه والأجيال المتعاقبة من تمكينه من كرامة قراءة الغيب والمستقبل وصناعة المعجزات»
.وتعود مصادر صافاري (Savary) في التأريخ لحياة الرسول صلىاللهعليهوآله إلى كتاب (حياة محمّد) الذي ألَّفه جون غانيي (Jean Gagnier) (1670-1740) ، وهو يشتمل على العديد من المغالطات التاريخيّة والعقديّة التي تشوّه صورة الرسول محمّد صلىاللهعليهوآله ورسالته، وقد أعلن في المقدّمة بأنّه مسيحيّ ولنْ يتخلَّى عن رؤيته الدينيّة الخاصّة في مقاربة دين محمّد الجديد . وقد عدَّ كثير من الباحثين مقدّمة صافاري المُدرجة في ترجمته للقرآن الكريم عن حياة الرسول صلىاللهعليهوآله نسخًا حرفيًّا لكتاب جون غانيي.
ومن المؤشّرات العقديّة الأشدُّ خطورة: تحميل القرآن الكريم صفة الكتاب المنسوخ من الكتب السماويّة السابقة، مع احتواء مضامينه على قصص مصدرها خرافيّ وعجائبيّ، تعود أصولها الأولى إلى أساطير الحضارات الغابرة، مع صبغها وتلوينها ببعض العادات والتقاليد والآداب العربيّة القديمة، لتتلاءم وتتماشى مع ذهنيّات نخبة شبة الجزيرة العربيّة، وتَلقَى قابليّة الرواج والشياع عند العامّة؛ فـ«القرآن (بحسب زعمهم) تجميع شكليّ، غير مترابط لتعاليم أخلاقيّة ودينيّة ومدنيّة وسياسيّة، ممتزجة بوعود وتهديدات متعلّقة بالحياة المستقبليّة، يحتوي على نصوص مستعارة بنقل غير أمين، من الأناجيل القديمة، والعادات العربيّة، ومن تاريخ القرون الأولى للمسيحيّة أيضًا»
.ويُعدّ إنكار «التشريع» ونفيه عن الذات الإلهيّة وعن النصّ القرآنيّ، من الإشكالات العظيمة التي أثارها المترجمون؛ لإثبات صفة البشريّة للنصّ القرآنيّ، فقد أشاروا إلى أنسنة الخطاب القرآنيّ، وبشريّة تشريعاته، مدّعين أنّ محمّدًا صلىاللهعليهوآله شرَّعها لبيئة عربيّة خاصّة متميِّزة بخصوصياتها الثقافيّة؛ ليكون بذلك زعيمها وقائدها. وهذا ما يؤكِّده
صافاري بقوله: «إنَّ مختصر حياة محمّد الوارد في مقدّمة الكتاب، مستخلص من المؤلّفين العرب الأكثر ثقة، لتكوين صورة حقيقيّة عن هذا الرجل الخارق، الذي صوّره كتّاب اليونان والرومان بأنّه وحش، بينما صوّره أتباعه من المحمّديّين بعظيم الأنبياء، حافظت على تحيُّز هؤلاء وحماسة الآخرين؛ لإعطاء القارئ فرصة التعرّف بحكمة على مُشرِّع شبه الجزيرة العربيّة، بعيدًا عن المُعجزات السخيفة التي يردِّدها أنصاره المتطرّفين»
.وتتواصل عمليّات تشويه القرآن الكريم ورسوله صلىاللهعليهوآله مع ترجمة الفرنسيّ أندريه دي ريير (André Du Ryer) (1580- 1660) سنة 1647، وهي أوّل ترجمة فرنسيّة للنصّ المقدَّس، وقد استلهم المترجم مصادره المعرفيّة واللغويّة من رحلاته، ومن تخصّصه في الثقافة التركيّة التي وضع لها مُصنَّفًا نحويًّا (النحو التركي) (Grammaire turque)؛ بالإضافة إلى ترجمة ديوان سعدي شيرازي (روضة الأزهار) (Gulistan ou l’Empire des roses)؛ لذلك فهو يستخدم مصطلح «الترك» و«الأتراك»؛ لتحديد المسلمين، واختزال رسالة الإسلام في عرق بعينه؛ ليزيل عنه صفة الإنسانيّة والتشريع العالميّ الذي يتجاوز الفضاءين المكانيّ والزمانيّ، بمكوّناتهما الثقافيّة والعرقيّة والأنثربولوجيّة، وينفي عنه سمو تعاليمه وتشريعاته إلى الكونيّة والكوسموبوليتيّة. يقول دي ريير في هذا الصدد: «يؤمن الأتراك بإله واحد، وبشخص واحد، خالق السماء والأرض، مصلح الخير، ومعاقب الأشرار، الذي خلق الجنّة لمكافأة الطيّبين، والجحيم كعقوبة للمجرمين. إنّهم يعتقدون أنّ محمّدًا نبيّْ عظيم، أرسله الله إلى العالم لتعليم الناس الطريق القويم» .
وضمن ملاحظاته للقرّاء وتحذيراته المقدَّمة في قالب نصائح توجيهيّة قبل ممارسة فعل القراءة للنصّ القرآنيّ، يعتقد دي ريير أنّ الكتاب المقدَّس هو عبارة
عن «محاضرات طويلة عن الله والملائكة ومحمّد، ابتدعها محمّد النبي المزيّف، مدّعيًا أنّ الله يكلِّمه (يوحي إليه) ويعلِّمه القوانين بواسطة ملك...»
.فلم يكنْ الغرض والهدف من وضع مقدّمة للترجمة توجيه للقارئ نحو أهمّيّة القرآن وضرورة الاطّلاع على مضمون آياته؛ باعتباره كتابًا إنسانيًّا يسعى لتخليص البشريّة من قيود الشرك والعبوديّة إلى عوالم الوحدانيّة والروحانيّات النقيّة والصافيّة، من خلال قرائن عقليّة وحجج موضوعيّة وأدلّة علميّة لإدراك جوهره وكنهه؛ بقدر ما كانت تحذيرات حاقدة ومرتجلة لم تتأسَّس على آليّات موضوعيّة؛ من مناهج، ونقد، ومقاربات، فجاءت في أشكال عشوائيّة وهياكل جامدة؛ هدفها تشويه الحقائق، وتحجيم لقداسة القرآن؛ بجدولته وهيكلته ضمن المؤلّفات البشريّة التي تخضع للإبداع الفردي والمتخيَّل الأدبيّ، فالقرآن -بنظره- «أفكار سخيفة متخيَّلة، ابتدعها محمّد لجمهوره؛ لاحتوائه بالإغراء. إنّها أفكار بسيطة، تُفرح المُبتذل الجاهل، ولكنّها لا تؤثّر على الخلق الكونيّ»
.وعلى الرغم من وضوح تعاليم الشريعة الإسلاميّة لجهة حفظ النفس، وحرّيّة المعتقد، وإعطاء أهل الذمّة حقوقًا تُمكِّنهم من ممارسة عباداتهم وطقوسهم الدينيّة بحرّيّة؛ مقابل جزية معلومة تتماشى مع الإمكانات المادّيّة للأقلّيّات الإثنيّة؛ مصداقًا لقوله -تعالى-: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) ، دون ترويع أو تهديد أو نفي أو إقصاء، ولكنْ في الترجمة الفرنسيّة تُحجب الفكرة الإنسانيّة السامية؛ لتقديم القرآن تشريعًا عنيفًا يحثُّ على الإرهاب، ويرفض الاختلاف؛ فـ«الذين لا يعتنقون مذهب رسولهم، فعليهم اللعنة وغضب الله وانتقامه، ومن واجبات المحمّديّين مقابلتهم بحقد واشمئزاز» .
حريم قتل النفس، واتّساع فضاء التسامح العقديّ؛ فحافظت الديانات على تعاليمها، ومارس مُريدوها عباداتهم في مناخات هادئة ومتسامحة؛ كما سارت حياتهم الاجتماعيّة والمهنيّة بسيرورة طبيعيّة، لم يشعروا فيها بالتمييز والإقصاء.
في حين يرى دي ريير (Du Ryer) عكس ذلك، مُحرِّفًا القرآن والتاريخ معًا؛ حيث يقول: «لقد وجد اليهود والنصارى الذين يعيشون بينهم (المسلمين) حماية قوية في حبِّهم للذَّهب، فقد كوَّنوا كنزًا لا يفنى في الدولة؛ ليكون مصدرًا تمويليًّا لاحتياجات التجَّار الخواص، وللرجال الأقوياء والنافذين»
.واتّجهت منظومة التشويه والتحريف نحو الرفع من درجات التحيُّز والاختزال لمضامين القرآن الكريم، لتقديم مادّة معرفيّة مزوَّرة ومركَّزة على شبهات محدّدة، تتعلّق بقيم وتشريعات تناهض القوانين الوضعيّة الغربيّة وتتناقض معها، أو تدحض أفكار وسلوكيّات وعقائد الجاهليّة التي تُفكِّك المجتمعات وتُهدِّد الوجود البشريّ وتُكرِّس الاستبداد والعبوديّة.
وتُدرك مؤسّسة الترجمة المتحيّزة القيمة البيانيّة الفائقة لآيات القرآن، ومدى تأثيرها على المتلقّي، ولذلك سعت إلى التقليل من إعجازه البيانيّ؛ بمقارنته مع نصوص الأدب الجاهليّ عامّة والمعلّقات خاصّة. لذا، يعتقد صافاري (Savary) أنّ هذه النصوص تُشكٍّل المرجعيّة البيانيّة والبلاغيّة، ويقع القرآن أدنى منها وأضعف قيمة فنيَّة منها؛ فـ«بقراءة ترجمته؛ فإنّه لا يمكن أنْ نتخيَّل بأنّ القرآن تحفة اللغة العربيّة... فالقصائد المُعلَّقة على معبد (الكعبة) مكّة تفوقه وتفوز بالسعفة»
.إنّ الأحكام الصادرة على بلاغة القرآن الكريم تعتبر تقويضًا لبيانه وتأثيره على القارئ والسامع، فهي ليست انزياحًا ولا عدولًا؛ بقدر ما هو تحريف وانحراف يهدف إلى التقليل والتقليص من فعل الكلم وجماليّات الصياغة اللغويّة والبيانيّة.
وفي نسبة القرآن تأليفًا للرسول صلىاللهعليهوآله إنزالٌ وإسقاطٌ ودعوةٌ لممارسة منهج المقارنة غير العقلانيّة بين القدسيّ والبشريّ، وبين الإلهيّ والإنسانيّ، وبين التوقيفيّ والوضعيّ. وهذا منهج مخالف لكلّ أصول البحث العلميّ وأسسه.
تنطلق رحلة المغالطات المعرفيّة من عناوين الترجمات، حيث تشكِّل العتبات انعطافة خطيرة نحو تحريف النصّ المقدّس، ويلزم التنبيه إلى أنّ الانحرافات؛ بأشكالها وتمظهراتها، مرتبطة ارتباطًا كلّيًّا بعضها ببعض، وتسعى لتحقيق غاية جوهريّة ومركزيّة تتمثّل بتشويه صورة القران الكريم ومحتوياته الفكريّة والعقديّة وأسلوبه البيانيّ البليغ.
ويُعدَّ الفصل بين الانحراف اللغويّ والمعرفيّ والتاريخيّ والعقديّ ضربًا من الجدل الإشكاليّ؛ باعتبار وحدانيّة النتائج وتمحورها حول هدف وغاية محدّدة بعينها وذاتها، وتحرص مؤسّسة الترجمة على الوصول إليها وتحقيقها؛ موظِّفة كلّ الأساليب، ومُكرِّسة جميع الآليّات.
فقد تتعدَّد المناهج والآليّات والمقاربات، ولكنْ يبقى الرهان المركزيّ مسطَّرًا وفق رؤية واستراتيجيّة جليَّة؛ هي تشويه كتاب الله المُقدَّس، ورسوله والمسلمين عامّة.
ولعلّ أوّل الانزلاقات تكمن في عناوين الترجمات التي تنسب جميعها القرآن لمصنِّفه محمّد صلىاللهعليهوآله ؛ تأليفًا، ونسخًا، وصياغةً، ورفع صفة الإلهيّة والقداسة عنه، فقد وسم دي ريير (De Ryer) ترجمته ﺑــ «قرآن محمّد» (L’ALCORAN De Mahomet)، وسلك صافاري (Savary) المنهج عينه؛ ليُعنْوِن ترجمته ﺑــ «محمد، القرآن» (Mahomet, Le Coran)؛ جاعلًا من الرسول مؤلِّفًا وكاتبًا ومُصنِّفًا وجامعًا للأحكام والقصص والتعاليم من الديانتين المسيحيّة واليهوديّة.
وضمن استراتيجيّة عامّة، ومنهجيّة موحَّدة، سار كازيمرسكي (Kazimirski)
على درب أقرانه، فوسم ترجمته ﺑــ«القرآن وفق النصّ العربيّ» (Le Coran, faite sur le texte Arabe)؛ ليبعد عن نفسه شبهة إتّباع الترجمات غير الفرنسيّة التي وصفتها الدوائر والأوساط الأكاديميّة وعلماء التيولوجيا والترجمة، بالأعمال غير الأمينة، وبالتقصير في التعريف بالنصّ الأصليّ للقرآن، بعد هيمنة سلطتي الكنيسة والأيديولوجيا.
ترجم كازيمرسكي مصطلح «القرآن»، ولم يعرِّبه؛ كسابِقِيه، لكنّه بدأ ملاحظاته التحذيريّة في المقدّمة؛ بالإشارة إلى أنّ هذا القرآن تجميع من محمّد صلىاللهعليهوآله لثقافات وتشريعات وقوانين مستقاة من حضارات وثقافات مختلفة، فهو حصيلة فهم مبدع ومشرِف وموجِّه.
وقد أجمعت المرجعيّات الفكريّة والأيديولوجيّة لأغلب المترجمين الفرنسيّين على أنّ القرآن الكريم، في مضامينه ومحتوياته، عبارة عن خبرات ذاتيّة وثقافة شخصيّة تراكميّة مكّنت محمّدًا صلىاللهعليهوآله من التأليف والإنتاج والاجتهاد. وتتجلّى التهمة والافتراء بعلنيّة وتصريح عامّ، وقد تُضمَر وتظهر وتبرز بشكل تلميح؛ كما في إشارة ريجيس بلاشير (Régis Blachère) (1900-1973) في إحدى حواشي ترجمته للقرآن الكريم، عند توضيحه لتغيير القبلة من القدس إلى البيت الحرام، دون تعليل قرآنيّ: (قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) ؛ ما يسمح للمتلقّي الغربيّ بتخيُّل إمكانيّة الإضافة والحذف في النصّ المقدّس من قِبَل الرسول .
وتبقى الهوامش التوضيحيّة والتفسيريّة مصادر للكشف عن التحريف المقصود للنصوص القرآنيّة، فانتقاء الصور والمشاهد والمواقف والسور والآيات، وربطها بتناصٍّ تاريخيّ مع مظاهر الحياة الاجتماعيّة في الجاهليّة، أو مع قصص
واردة في الكتب السماويّة القديمة، يفتح التأويل أمام المتلقّي الأوروبيّ على الاعتقاد بموثوقيّة استقاء القرآن الكريم لأفكاره من منابع كلاسيكيّة متعدّدة؛ كما هو الشأن في تفسير بلاشير للإبقاء على دية القتيل من الجاهليّة(أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) .
، متناسيًا تحذير القرآن من اعتماد قوانين الجاهليّة:ومن المفارقات المتكرّرة في الترجمات الفرنسيّة القديمة: ظاهرة الشخصنة؛ وذلك بربط المسلمين ﺑــ «محمّد» بشخصه؛ بوصفه مؤسّسًا لمذهب جديد (وليس دينًا)، وتضمر هذه النسبة إلى الهويّة الشخصيّة، فلسفة عميقة الدلالة تجعل من الرسالة الإسلاميّة مجرّد توجّه دينيّ، وتيّار فكريّ، ورؤية سياسيّة تسعى للهيمنة على الوجود؛ بالترغيب والترهيب.
وترمي فلسفة تفكيك الأنموذج (البراديغم) (pradigme) إلى إنهاء قيمة القيادة، ضمن أفكار النهايات (نهاية التاريخ، الأيديولوجيا، الجغرافيا عند «فوكوياما» و«فيريليو»، وموت الإله والإنسان عند «نيتشه» و«فوكو») التي سادت في مرحلة الحداثة وما بعدها، فيتحوَّل الرسول الأعظم صلىاللهعليهوآله من قائدٍ ونبيٍّ مُصطفى ومُختار إلهيَّا لقيادة سفينة النجاة، إلى فيلسوف بشريِّ، يُنظِّر لمبادئ منظومة أدبيّة وفكريّة وتشريعيّة، على غرار فلاسفة المِلل والنِحل، الذين وضعوا أصول ديانات وضعيّة؛ ومنها: الزرادشتيّة (Zoroastrisme)، والمانويّة (manichéisme)، والبوذيّة (Bouddhisme).
وتعتمد الترجمات تجريد الرسول محمّد صلىاللهعليهوآله من صفة النبوة، فيرد اسمه خاليًا وعاريًا من دلالات الرسالة الإلهيّة والتبشير بدين يحمل مبادئ تخليص البشريّة من سلطة المادّة إلى رحابة الروح، ومن سجن الدنيا إلى حرّيّة الوساطة في جميع مفاصل الحياة، ومن ضِيق العِرق والدين واللون إلى آفاق الإنسانيّة.
واستكمالًا لتجريد الرسول صلىاللهعليهوآله من النبوّة والرسالة، يتمُّ إعفاء المسلمين من
صفتي المؤمنين/المسلمين ومن أتباع الدين الجديد، ويكتفي المترجمون بمصطلح «المحمّديّين»؛ لإضفاء صفات الانتماء العرقيّ والقبليّ على الدين الجديد، فيتحوَّل الاعتقاد بالقرآن إلى مجرّد انتماء سطحيّ يستجيب لأبعاد بشريّة ضيّقة المفهوم، لا تتجاوز الرغبة في الزعامة والموالاة القبليّة والانتماءات الثأريّة المتمثِّلة في صراع المركز والهامش وغيرها من الأهداف والغايات الدنيويّة. فآسيا زوجة فرعون هي في اعتقاد المحمّديّين من أفضل أربعة نساء في العالم، و«يكرّر محمّد دائمًا أنّ هناك أربعة نسوة فضليات ومثاليّات؛ هنّ: آسيا زوجة فرعون، ومريم أمّ عيسى، وخديجة زوجته الأولى، وفاطمة ابنته؛ زوجة علي»
.كما أنّ جمال نبيّ الله يوسف وصف لأتباع «محمّد» من المحمّديّين؛ فـ«يوسف هو نموذج الجمال عند المحمّديّين، ويعتبرون بيعه بثمن بخس، مقايضة للكنز الذي لا يقدَّر بثمن، بالمادّة التي لا قيمة لها، وهو مثلٌ يردّدونه في مضرب مُشابهٍ»عليهالسلام)حقيقة إلهيّة وقرآنيّة: (فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ) .
. والحقيقة أنّ جمال يوسفهذا، ولم يؤرِّخ تاريخ الأديان لحادثة مفردة أو جماعيّة لاضطهاد أهل الكتاب في صدر الإسلام، فقد حثَّ القرآن الكريم ودعا إلى التسامح وعدم الإكراه في الدين، كما حذَّر الرسول الأعظم صلىاللهعليهوآله من التطرّف والانتقام، فكانت دعواته صريحة إلى إقامة مجتمع متعدِّد ومُنفتح تُمارس فيه المعتقدات الدينيّة بكلّ حرّيّة وتحت حماية السلطة المركزيّة.
ولكنْ يبدو أنّ التطرّف الأيديولوجيّ قد حجب هذه الحقائق، فتجاهلتها كتب المؤرّخين وعلماء الدين؛ فضلُّوا وأضلُّوا القرّاء بأفكار عنصريّة لا يمكن العثور عليها؛ إلاَّ في بيبليوغرافيّاتهم المتطرّفة؛ ومنها: أنْ «لا دين مسموح به ومباح في شبه الجزيرة العربيّة؛ إلاَّ دين المحمّديّة (أي الإسلام)»
.وبحسب زعمهم، يمتاز المحمّديّون ويتّصفون بالحماقة والسذاجة؛ لدرجة إيمانهم أنّ القرآن قد «كُتِب في السماء على طاولة محروسة، وأنّ جبريل نقله إلى محمّد في شكل آيات»
. ورواية كتابة القرآن في السماء ثمّ إنزاله إلى الأرض، تفتقد إلى الموضوعيّة والموثوقيّة؛ ذلك أنّ حضورها في كتب التاريخ وأصول الدين وكتب النزول نادرة وغائبة؛ جملةً وتفصيلًا، وهي فكرة متخيَّلة، تدخل في المُتخيَّل العجائبيّ والغرائبيّ.ويُنكر صافاري (Savary) نبوءة الرسول صلىاللهعليهوآله حول انتصار الروم وهزيمة الفرس؛ وهي المعجزة الواردة في سورة الروم، ويعتبرها حجّة واهية لا يمكنها إثبات الرسالة الإلهيّة، على الرغم من التصديق التاريخيّ للحادثة؛ حيث «يستنبط المحمّديّون من هذه الحادثة أدلّة كبيرة على إثبات نبوءة محمّد، ولكنْ من السهل استنتاج أدلّة عقيمة من نبوءة واسعة، لرجل يعرف جيِّدًا دولة الإمبراطوريّة الرومانيّة (التي يترجمها إلى اليونانيّين، Les Grecs)، وكذلك دولة الفرس، فبالضرورة تكون أحكامه صادقة» .
كانت فكرة التنقّل والتطلّع على الغير؛ باعتباره مرآة للذات، تعكس طموحاتها ومشاريعها وقيمتها من خلال عمليّات المقارنة والموازنة، وبالخضوع لمعايير التقويم التي تنتجها «الأنا» في مواجهة «الآخر» تحت أقنعة التواصل المختلفة؛ ابتداءً من المثاقفة الندّيّة، ووصولًا إلى الصدام والمواجهة.
وقد كانت الترجمة وسيلة وآليّة لاكتشاف الاختلاف، حيث ساهمت في فكِّ العزلة الثقافيّة بتجاوز الحدود التاريخيّة والجغرافيّة، وفتحت أمام اللغات المحلّيّة أفاقًا كبيرة للاشتقاق المعجميّ والثراء اللفظيّ؛ بدفعها إلى البحث عن بدائل لغويّة ووسائط بيانيّة تعرض المُنجز الحضاريّ للآخر/المختلف بصدق وموضوعيّة.
ولكنْ تبقى عمليّة النقل محفوفة بالمخاطر العلميّة والذاتيّة، فالذاتيّة تنحصر
في أيديولوجيّة المترجِم ودوافعه والحوافز التي تؤرّقه للوصول إلى هدف وغاية ونتيجة معلومة سلفًا، تتمثّل في تسفيه ثقافة الآخر وتقزيمها، ووصفها بالدونيّة، ونعتها بالوحشية وبعدم القابليّة للتمدُّن والتحضُّر، وتتجلّى المعوقات العلميّة في الخصوصيّة التركيبيّة والبنيويّة للغات المحلّيّة التي تنحت الألفاظ والمصطلحات بالتوازي مع مرجعيّاتها الثقافيّة والدينيّة والحضاريّة؛ ما يمنع من إيجاد معادل لفظيّ للمصطلحات المرغوب في ترجمتها، فيلجأ المُترجم إلى الاجتهاد الاشتقاقيّ أو التأويل الدلاليّ والتفسيريّ الذي يحرِّف المعنى ويخترق الدلالة؛ ليحوِّلها إلى تحيُّز معرفيّ مُخالف ومُغاير للأصل.
وتُشكِّل المصطلحات الحضاريّة صعوبة منهجيّة ومعرفيّة بالنسبة للمترجم؛ لارتباطها بالخصوصيّة الثقافيّة وببيئة سوسيو-ثقافيّة تتميّز بهويّة خاصّة؛ بمكوّناتها ومرجعيّاتها، حيث تحُول هذه المكوِّنات دون إيجاد بدائل ومعادلات موضوعيّة تقابل اللفظ الأصليّ، وتضمن ارتحاله المعرفيّ بصدق وأمانة من بيئته الحضاريّة واللغويّة إلى فضائه المعرفيّ الجديد.
ويندفع الاجتهاد في الفعل الترجميّ في هذه الوضعيّة الإشكاليّة إلى الاشتقاق والنحت والبحث عن المرادفات من لغته؛ مفاهيم، ومصطلحات تعويضيّة وتقريبيّة؛ لتحلّ محلّ المصطلحات المرتحلة والمهاجرة؛ طوعًا وقسرًا، من البيئة/الأمّ، إلى البيئة/الثقافيّة الجديدة، التي تتهيّأ للاستقبال والتلقّي؛ وفق معجمها وثقافتها ومرجعيّاتها ورؤى مترجميها؛ باعتبارهم مصادر عالمة وعارفة بالنصّ الأصلي.
وعلى الرغم من الوظيفة التواصليّة للترجمة ودورها في إرساء المثاقفة ومدُّ جسور التفاعل بين الثقافات والحضارات، فإن ّهذه الروافد تقف عاجزة أمام ترجمة المصطلح القرآنيّ؛ لأسباب موضوعيّة تعود إلى خصائص لغة القرآن وبيانه وإعجازه الأسلوبيّ والبنيويّ، مع ضعف اللغات المترجَم إليها واختلافها من الناحية المعجميّة والتركيبيّة، وحتّى السيميائيّة؛ ذلك أنّ مشاهد القرآن وتصويرها الفنّيّ يتجاوز الإبداع البلاغيّ والبيانيّ البشريّ.
(120)لقد أنتجت هذه الخصوصيّات اللغويّة والحضاريّة ترجمات تشويهيّة وتحريفيّة لألفاظ القرآن، فامتدّت أخطاء الترجمة إلى تقديم مادّة علميّة غريبة وخطيرة تتعلّق بالعقيدة والثقافة والتاريخ.
فتحوّلت رحلة الإسراء والمعراج من معجزة عقديّة، إلى رحلة ليليّة (Voyage Nocturne) عند صافاري (Savary)
؛ أفقد المعجزة روحها الدينيّة وبعدها الإيمانيّ؛ بانتقالها من الفضاء الإعجازيّ إلى المدلول السطحيّ لمجرّد رحلة ليليّة من مكّة إلى بيت المقدس، على الرغم من إيمان المركزيّة الغربيّة ومنظوماتها الأدبيّة والفكريّة بالرحلات الخياليّة التي تزخر بها الميثولوجيا الإغريقيّة.إنّ مصطلح (L’isra أو isra) (الإسراء) المنقول صوتيًّا إلى اللغة الفرنسيّة يؤدّي وظيفة بلاغيّة ودلاليّة وإعجازيّة أكثر دقّة ومصداقيّة من تركيب (رحلة ليليّة) الذي يبتعد دلاليًا عن القصديّة اللغويّة والدينيّة.
وينحرف المعنى ويتحوّل إلى إنتاج دلالة معاكسة؛ بمجرّد ترجمة لفظة ترجمة غير دقيقة، حيث يترجم أندريه شوراكي (André Chouraqui) (1917-2007) لفظة (اذكروا) في قوله -تعالى-: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) إلى الفرنسيّة بمصطلح (commémorez) الذي يدلُّ على «الاحتفال»؛ بدل «الإقرار» (Remerciements)، أو «الاعتراف» (reconnaissance).
وتختلف الرواية القرآنيّة في رصد أحداث قصّة نبي الله يوسف صلىاللهعليهوآله وسردها، عن المضمون الديني ّالوارد في النصوص التوراتيّة؛ ذلك أنّ النصّ القرآنيّ اعتمد الوضوح واستند إلى القرائن الحجاجيّة والتدرّج الموضوعيّ في الأحداث؛ عرضًا، وبناءً، وتركيبًا، فخالف بذلك الخرافات والأساطير والتأويلات الحاضرة في النصوص اليهوديّة القديمة.
وبعيدًا عن إثارة الجدل في المقارنات بين الروايتين القرآنيّة والتوراتيّة، فإنّ الترجمة الفرنسيّة قد حوَّرت الدلالة في العديد من الآيات وغيَّرتها؛ ما أدَّى إلى تقريبها من المصدر التوراتّي، فقد جاءت المصطلحات والألفاظ مشحونة بالأبعاد المعرفيّة والدينيّة ذات الصلة المباشرة بالروايات اليهوديّة/المسيحيّة، أكثر منها وفاء للنصّ القرآنيّ، واضح الدلالة والمعنى.
فكانت الآية الثلاثين من سورة يوسف بداية التشويه الدلاليّ. قال -تعالى-: (وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ).
فترجم صافاري (Savary) الفعل «تراود» إلى «Jouir»
، وتذهب الدلالة المعجميّة الفرنسيّة إلى أنّ هذا الفعل يفيد المتعة واللذّة، في حين أنّ «تراود»؛ من الناحية اللغويّة، توحي بالرغبة والتحرُّش والنيَّة في الفعل، دون الوصول إليه، فدلالة اللفظ الفرنسيّ تؤكّد ارتكاب الفعل والاستمتاع بالنتيجة؛ وهو الأمر المُحرَّف والمُنحرف عن القصد الأصيل للفعل «راود».أمّا لفظة «فتاها»، فقد ترجمها إلى «esclave». وهذا المصطلح يعين «العبد» الذي يُشتَرَى لممارسة أعمال وأشغال بعينها، وغالبًا ما تتعلَّق بالأعمال الشاقّة، أمّا «يوسف»، فدخل قصر العزيز، عاملًا بالبيت؛ فهو من خدم البيوت، المعروفون في المنظومة الاجتماعيّة الفرنسية بلفظ (Les Domestiques)، وقد تحوَّل إلى مهمّات أخرى بعد اكتشاف قدراته وإمكاناته.
وترى الأكاديميّة الفرنسيّة في شرحها لمصطلح (Seigneur) أنّه يقصد به عمومًا «السيِّد، أو مالك دولة أو أرض، ولكنّ أغلب توظيفاتها اللغويّة أنّها تعني «الربّ»»
. وهو اللفظ الفرنسي الذي تبنّاه معظم المترجمين؛ ليخرجوالملكيّة من أدبيّاتها الدينيّة إلى مفهوم الربوبيّة؛ كما يأتي ويحضر في التعاليم المسيحيّة.
وتاريخيًا، فإنّ «بوتيفار»، أو «قوطيفار»؛ هو أحد ملوك مصر، الذي تقلَّد مسؤوليّة تسييرها، فترة وجود يوسف عليهالسلام في بلاطه وقصره، وقد ترجم صافاري (Savary) زوجة حاكم مصر بـ(La femme du seigneur)؛ بمعنى «امرأة السيّد أو الربّ»، والربوبيّة والتوحيد من المسائل العقديّة والإيمانيّة التي تتباين حولها الديانتين الإسلاميّة والمسيحيّة.
وتداول المعجميّون العرب مصطلح «الخبيث»؛ بصيغه المختلفة؛ بالشرح والتحليل، خاصّة بعد ورودها في العديد من السور والآيات (بمجموع إحدى عشرة مرّة)، في سياقات متعدّدة، فالخبيث لغةً؛ من الجذر اللغويّ «خَبُث»، ويعني «ضدّ الطيّب من الرزق، والولد، والناس»
. وقد يأتي بمعنى «كلّ شيء فاسد؛ سواء كان من الطعم، أو اللون، أو الفعل» .وفي أمّا اصطلاحًا؛ فقد وردت هذه المفردة؛ بمعنى الرداءة والقبح والمكر. جاء في المعجم الإسلاميّ أنّ «الخبيث ما يكره رداءة وخساسةً؛ محسوسًا كان أو معقولًا؛ وذلك يتناول الباطل في الاعتقاد، والكذب في المقال، والقبيح في الفعال»
.وترجم صافاري (Savary) لفظة «الخبيثون» و«الخبيثات» الواردة في قوله -تعالى-: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ ۖ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ۚ أُولَٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ ۖ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) ؛ ﺑــ«النسوة المرتشيات»، و«الرجال المرتشون» (Les Femmes corrompues et les hommes corrompus) ، وباستعراض معاني الفعل (corrompre) في المعجميّة الفرنسيّة نعثر
على معاني متعدّدة تدور حول «التدمير والفساد في القرن الثاني عشر؛ ليتطوّر المعنى للدلالة على التعفّن والتلوّث في الموادّ والبيئة وغيرها»
.فمعنى «الارتشاء» بالمال والمناصب والهبات، يجانب الدلالة القرآنيّة في الإيمان بأنّ «الخبيث» هو عكس الطيِّب؛ فعلًا وقولًا، فالخلق القرآنيّ ثقافة لا تتجزّأ وسلوك عقديّ عامّ وشامل.
ويبدو أنّ كازيمرسكي كان أقرب إلى المعنى حين ترجم «الخبيثات» (Impudiques)
؛ ليشحنها بدلالات العفّة والاحتشام، حتّى وإنْ كانت معاني «الخبث» تتجاوز الصفة السلبيّة الواحدة، لتجمع في وعائها كلّ ما هو قبيح وغير طيّب من الأفعال والأقوال.ويفضي التفحّص الدقيق للترجمات الفرنسيّة للقرآن الكريم عن مغالطات كثيرة، وأخطاء متعدّدة ومتنوّعة؛ بقصد أو بغيره، أفسدت المعنى، وغيَّرت الدلالة والمعنى، فأصبحت بعض الكلمات تَرِد خارج السياق، لا تربطها صلة اشتقاقيّة أو دلاليّة؛ وحتّى سياقيّة؛ بالمعنى الأصليّ، فأندري شوراكي(André chouraqui)(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ۗ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) إلى (Sois notre berger)؛ أي كنْ راعينا أو حارسنا من «الرعي»، في حين أنّ لفظة «راعنا» في الآية الكريمة، تعبِّر عن الْمُرَاعَاةِ؛ بمعنى الإصغاء وإعارة السمع؛ وهو التفسير المشترك بين مختلف التفسيرات.
، يترجم لفظة «راعنا» في قوله -تعالى-:وتتقمّص الإضافة أحيانًا معنى التحريف والتشويه؛ كإضافة صافاري (Savary) تعريفًا هويّاتيًّا لأخ يوسف عليهالسلام عند ترجمته للآية الكريمة: (فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ
لَسَارِقُونَ) «Il fit mettre un vase dans le sac de Benjamin» ، في حين تجاهل القرآن الكريم التخصيص بالاسم؛ للتأكيد على صفة البلاغة بالحذف التي يتميّز بها الأسلوب القرآنيّ.
كما تجاوزت اللغة العربيّة في مفهومها للسقاية؛ وحدة للكيل، وقياس الحبوب ومحاصيلها، معنى المزهريّة (vase)؛ وبخاصّة أنّ الحضارات القديمة كانت تستخدم العديد من وحدات القياس؛ ومنها: (Boisseau) الوحدة القياسيّة الاسطوانيّة للحبوب والفواكه الجافّة.
ويحمِّل كازيمرسكي في ترجمته لمصطلح «خاشعين» دلالات مزيّفة، تتجافى عن تنسيق الحقيقة، وعن بناء تصوّرات معرفيّة حول القيمة الإيمانيّة لفعل يُبرِز وحدانيّة الله وتخصيصه بالعبادة دون سواه، فالخشوع لله يحمل روح التسليم الكلّيّ للخالق واللِين له، ويبتعد عن المحوّلات الدلاليّة البشريّة التي تتّجه نحو الإخضاع والخنوع والإذلال؛ وهي الرؤى التي تبنَّاها المترجم في نقله لقوله -تعالى-: (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۗ أُولَٰئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) ، حيث يترجم «خاشعين» بـ «Humilent» الذي يحمل معاني الإهانة والإذلال والخزي وغيرها من القيم التي توحي بإهانة الإنسان وامتهان كرامته.
والنشوز -أيضًا- من حالات النفور والتمرّد الذي يقع داخل الخليّة الأسريّة، وقد وضع القرآن آليّات للتفاهم والصلح وبيّنها، ولكنّ المصطلح أخذ بعدًا مختلفًا في ترجمة جاك بيرك (Jacques Berque)(1910-1995) حيث وضع مقابلًا له في قوله -تعالى-: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا ۚ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ۗ وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ ۚ وَإِن تُحْسِنُوا
وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) ، فترجم مصطلح «النشوز» بـ «Celles de qui vous craignez l’insoumission» .
ومصطلح (insoumission) يدلّ على العصيان والعناد المنتج للعنف والقساوة والفراق النهائيّ، في حين أنّ المصطلح القرآنيّ يفتح الأبواب للصلح والإصلاح والعودة بالمعروف؛ لما ما في العلاقة الزوجيّة من مودّة ورحمة، ولذلك تصبح الترجمة خائنة للدلالة الأصليّة، ويصبح مصطلح (désobéissance) الدالّ على عدم الطاعة والخضوع أكثر إيحاءً وتحقيقًا للمعنى؛ وهو المصطلح الذي اعتمده كلّ من صافاري (Savary)، وكازيمرسكي (Kasimirski).
كما جانبه الصواب -أيضًا- في ترجمته لمصطلح (صبغة الله) الواردة في قوله -تعالى-: (صِبْغَةَ اللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ۖ وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ) ، حيث ترجمها إلى «Une teinture de Dieu ! Mais qui peut mieux teindre que dieu» ، فتحوَّلت الصبغة من الدلالة عن الفطرة والجبلة والسجية، إلى فعل الصبغ الذي يعني تبديل اللون بالطلاء وغيره من مواد تحويل الألوان، فمصطلح (L’instint) أكثر دلالة على الطبيعة البشريّة (La Nature Humaine) في عذريّتها، من دون تكلّف أو تصنّع.
وغيرها مغالطات كثيرة لا يمكن حصرها وعدّها في دراسة محدودة الحجم، فهناك مجالات كثيرة وأفكار عديدة تستوجب التصويب، وتتطلّب التوضيح؛ ومنها: الادّعاء بأنّ جبريل عليهالسلام نفخ في ثدي مريم عليهاالسلام لتنجب السيّد المسيح عليهالسلام ؛ علمًا أنّ الحادثة لم يثبت ورودها في كتب السِيَر الدينيّة؛ بالإضافة إلى أنّ القرآن الكريم لم يذكر ولم يحدّد اسم الملك الذي تجسّد للعذراء عليهاالسلام .
وتكثر في الترجمات الفرنسيّة -عمومًا- عمليّات خلط معرفيّة، تجمع بين العادات والثقافات العربيّة القديمة والأساطير الخرافيّة السائدة في الثقافات الشعبيّة، وتؤمن بانتمائها للإسلام؛ بوصفها حقائق دينيّة ثابتة؛ ومنها: أنّ المحمَّديّين (المسلمين من أتباع محمّد صلىاللهعليهوآله يؤمنون ويعتقدون بأنّ الكعبة التي تعني البيت المُربَّع أنزلها الملائكة من السماء، وكانت تمارس فيها عباداتهم قبل ألفي سنة من ميلاد نبي الله آدم عليهالسلام .
وقد انحرفت بعض الأفكار نحو إثارة النعرات العنصريّة ومعاداة الأديان السماويّة القديمة، ودفع معتنقيها إلى محاربة القرآن وآياته؛ باعتباره دينًا عنصريًّا، يميِّز بين الأعراق؛ من ذلك: ما ذكره كازيميرسكي (KASIMIRSKI) من أنّ اليهود يأتون يوم القيامة وأيديهم مربوطة لأعناقهم؛ لقولهم «يد الله مغلولة»؛ وهي الحادثة التي تنفيها كتب السيرة والتفسير
.وعلى الرغم من أنّ الإسلام رسالةٌ سماويّةٌ إلهيّةٌ، تنأى بنفسها؛ تشريعًا، وأحكامًا، وتعاليم عن الانتماءات العرقيّة والجغرافيّة، ولكنّ الترجمات الفرنسيّة القديمة في معظمها، جعلت من القرآن نصًّا مخصَّصًا لفئة بعينها من الأعراق؛ وهم العرب الذين عبَّرت عنهم بمصطلح الأتراك (Les Turcs).
تنوَّعت المقاربات في ترجمة القرآن الكريم، وازدادت معها الرهانات والأهداف والغايات، فإذا كانت الترجمات الأولى قد أبانت صراحة عن خبث معرفيّ وتحيّز أيديولوجيّ في تنميط أفكار القرآن وآياته وأحكامه؛ سواء أثناء ممارسة الفعل الترجميّ، أو من خلال التفسيرات والتعقيبات والإشارات في الهوامش والملاحق، فقد اتّجهت الترجمات الأولى إلى التحريف بالزيادة والحذف والتأويل تحت سلطة العقيدة البابويّة التي تبنَّت الترجمات، وكلَّفت كهنة مترجمين بتحمُّل مسؤوليّة التشويه والخلط بين العادات والثقافات والمعتقدات العربيّة والفارسيّة والتركيّة، وبين سور القرآن وقصصه وتشريعاته.
وقد سيطر الارتجال والتسرّع في ترجمة المصطلح القرآنيّ على ترجمات المرحلة الثانية التي تولّى الاستشراق عبء ترجمتها، حيث هيمنت روح المركزيّة الغربيّة وثقافة التفوّق العرقيّ والعقليّ، فغدت الترجمات صور متوهَّمة ومتخيَّلة لأفكار مسبقة وتصوّرات وتمثُّلات أيديولوجيّة، ترجِّح تعالي المركز على الهامش، وتجعل من الكتاب المقدّس، نصًّا بشريًّا وأثرًا أدبيًّا مفتوحًا يقبل التأويل والنقد؛ وفق مناهج النقد والتحليل الأدبيّ، ففقد النصّ والخطاب بهذه الآليّة روح الإعجاز والمصدر الإلهيّ والرسالة الإنسانيّة الخالدة؛ بوصفه سفينةً للنجاة من الشرك والعبوديّة وسلطة الاستبداد؛ بمختلف تمظهراته.
وتجلَّت التحيُّزات في تحوير المصطلحات وتحريف المفاهيم، وفي الإضاءات والتفسيرات والتعقيبات الواردة في المقدّمات الترجميّة؛ خصوصًا، وفي هوامشها؛ بوصفها إضاءات معرفيّة، ولكنّها واقعًا وحقيقةً، رؤى ذاتيّة ومعتقدات فرديّة وأيديولوجيّات سياسيّة وعقديّة، تطرح نفسها وتقدِّم أفكارها ومقارباتها بدائلَ لتصوّرات بعينها، وغالبًا ما يتحوَّل النقد وينحرف من بُعده الموضوعيّ إلى بوح أيديولوجيّ وتبشير دينيّ لعقيدة أو مِلَّة ونحلة.
(128)ويقترح البحث ويوصي بما يلي:
1- تفعيل عمل المؤسّسات الترجميّة والعمل الجماعيّ في النقل.
2- دعوة المستشرقين المعاصرين إلى المشاركة في الترجمة، وتعديل الترجمات القديمة؛ بتجاوز صراعات المرجعيّات وصدام الحضارات والثقافات.
3- مراجعة الترجمات المشبوهة؛ عبر تصويب الانحرافات وتعديلها بموضوعيّة وعلميّة، وباتّباع المناهج النقديّة السياقيّة التي تنفتح على الغيريّة والمثاقفة، دون إقصاء، وبتجرّد عن عقدة التعالي.
4- إضافة ملاحق للتقويم تستند على الحقائق التاريخيّة، وتتجاوز الحوادث والأحداث الفرديّة والاستثنائيّة التي لا تشكّل تمثيلًا دقيقًا لصورة المسلم والإسلام.
5- نقد الترجمات القديمة، والتمييز بين مفاهيم القرآن ونصوصه، والثقافات العربيّة السائدة في شبه الجزيرة العربيّة، وثقافات وتشريعات الأمم المعتنقة للإسلام؛ من فرس، وأتراك، وغيرهما من الأمم التي دخلت الإسلام، وحافظت على هويّاتها وخصوصيّاتها الثقافيّة والحضاريّة.
6- اعتماد مجمع لغويّ، يؤسّس لمعجم قرآنيّ، تتحدّد فيه أهمَّ المصطلحات ذات الصبغة الإشكاليّة المتعلّقة والمرتبطة بالعقيدة، مع الإبقاء على المصطلح فونولوجيًّا صوتيًّا في لغته الأصليّة في حالة استحالة إيجاد معادل لغويّ موضوعيّ، يُعوِّض اللفظ الأصليّ، مع الإشارة إلى الدلالات المستقاة، من الأثر المقدّس.
7- تشجيع المبادرات الشخصيّة في الترجمة؛ كمبادرة الباحثة الفرنسيّة في جامع ستراسبورغ (Strasbourg) آن سيلفي بوليفو (Anne-Sylvie Boisliveau) التي دعت إلى ترجمة القرآن؛ بمفاهيمه الخاصّة ومرجعيّاته الذاتيّة، دون اللجوء إلى الترجمات المقترنة بالتاريخ والتأويل والقراءات
الأيديولوجيّة، من خلال كتابها (القرآن بنفسه) (Le Coran par lui-même).
التحذير من دعوات ترجمات المثاقفة؛ وهي ترجمات ظهرت مؤخّرًا، وتدعو وتتبنَّى رؤية تجزيئيّة للقرآن الكريم، وتطالب بحذف آيات وسور تتعلَّق باليهود والمشركين؛ لإرضاء عرقيّات وعقائد سياسيّة أكثر ممَّا هي دينيّة، فالقرآن كلٌّ في بيانه وتشريعه وفكره ونظرته للكون والإنسان: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) ؛ فهو رسالة عالميّة، تخاطب القلب والوجدان، دون إكراه أو إهانة للذات البشريّة.
المراجع باللغة العربية
1- إسماعيل بن حماد الجوهري، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، تحقيق أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين،1990، بيروت
2- يوسف وغليسي، إشكالية المصطلح في الخطاب النقدي العربي الجديد،ط1، منشورات الاختلاف (الجزائر)، الدار العربية للعلوم ناشرون (بيروت) 1429ھ/2008م.
3- محمد بن عبد الرزاق المرتضى الزبيدي، تاج العروس، تحقيق مجموعة من المحققين، (د ت).
4- محمد بن محمد بن الحسين الزبيدي،تاج العروس، ج8، دار العلم للملايين، 1988، بيروت.
5- محمد بن مكرم، ابن منظور الإفريقي، لسان العرب، ط1، دار إحياء التراث العربي، 1988، بيروت.
6- محمد حسين أبو الفتوح، قائمة معجمية بألفاظ القرآن الكريم درجات تكرارها، مكتبة لبنان،1410ھ/1990م، بيروت.
7- محمد حسين الذهبي، التفسير والمفسرون، ج1، دار الأرقم، بيروت (د ت).
8- محمد الفيومي، المصباح المنير، ج1، ط1، مطبعة التقدم العلمية، 1322ھ، مصر.
9-سامر الناصر، تراجيديا الترجمة والاستشراق، فتنة تفسير معاني القرآن وترجمته للغة الاسبانية، أصوات للدراسات والنشر،2018 ، اسطنبول، تركيا.
10- نصر حامد أبو زيد، مفهوم النص، دراسة في علوم القرآن، ط1، المركز الثقافي العربي، 2014، الدار البيضاء.
11- عبد الله خضر حمد، القرآن الكريم وشبهات المستشرقين، قراءة نقدية، دارالكتب العلمية، 1440ھ/2018م، بيروت.
12- عادل عباس النصراوي، إشكالية فهم النص القرآني عند المستشرقين، ط1، دار الرافدين، 2016، بيروت/كندا.
13- قعدان زيدان عبد الفتاح، المعجم الإسلامي، دار أسامة للنشر والتوزيع، 2011،عمان
رمضان حينوني، المستشرقون وبنية النص القرآني، ط1، دار اليازوري العلمية، عمان، 2013.
مدونة البحث
1- André Chouraqui, Le coran, L’appel , Robert laffont, Paris, 1990.
2- André Du Ryer, L’ALCORAN De Mahomet, Tome Premier, A.AMESTERDAM, ARKSTEE & MERKUS, MDCCLXXV.
3- Denise Masson, Le Coran, Bibliothèque de la Pléiade, Paris.
4- Jacques BERQUE, Le Coran, Essai de Traduction, Albin Michel, paris, 1995.
5- M.KASIMIRSKI, Le KORAN, CHARPENTIER, Libraire - Editeur, Paris,1865.
6- M. SAVARY, Le KORAN, Garnier Frères, Libraires-Editeurs, Paris.
7- Régis Blachère, Le Coran, G-P.MAISSONNEUVE & LAROSE, Editeurs, Paris.
المراجع باللغة الفرنسية
1- Académie Française, Dictionnaire de L’ACADEMIE Française, Tome Second, Bossange ET Masson, Imprimeurs-Libraires,1814.
2- Christine Durieux, Traduire l’intraduisible : négocier un compromis, revue Meta, Les Presses de l’Université de Montréal, Volume 55, Numéro 1, mars 2010.
3- Gérard Genette, Seuils, Editions Seuil, Paris,2002.
4- Jean Gagnier, La Vie de Mahomet, A.AMESTERDAM, Les Westeins & Smith, MDCCXXXII.
5- Jean Delisle, Judith Woodsworth, Les traducteurs dans l’histoire, Les Presses de L’Universite d’Ottawa, Editions UNESCO,1995.
6- Naima Dib, D’un Islam textuel vers un Islam contexuel, Presses de l’Université d’Otaawa, 2009, Introduction.
7- Pierre Lassave, Traduire l’intraduisible , Revue Archives de sciences sociales des religions, juillet- septembre, 2009.
8- Jean Delisle, Judith Woodsworth, Les traducteurs dans l’histoire, Les Presses de L’Universite d’Ottawa,Editions UNESCO,1995.
(132)
تتناول هذه الدراسة بالبحث ترجمات معاني القرآن الكريم إلى اللّغة الفرنسيّة، وتتّخذ من ترجمَتَي المستشرقَيْن الفرنسِيّيْن «ريجيس بلاشير» و«جاك بيرك» أنموذجين.
وتكمن أهمّيّة هذه الدراسة في أنّها تكشف الأخطاء والأغلاط التي وقع فيها المترجمون عامّة، وبلاشير وبيرك خاصّة، فضلًا عن الوقوف عند التشكيك المتعمّد في نصوص القرآن لديهم. كما أنّها تبحث في التفرقة بين عددٍ من المستشرقين/المترجمين الذين تعمّدوا الإساءة إلى القرآن الكريم بانحرافهم عن الترجمة الصحيحة لمعانيه، بعد أن وقعوا ضحيّة سوء فهم معنى النصّ أو عدم إتقان اللّغة العربيّة. وتسعى الدراسة -أيضًا- إلى بيان تداعيات سوء ترجمة النصّ القرآنيّ بعد نشره، وتأثيراتها السلبيّة على العقيدة والفكر الإسلاميّين؛ وبالتالي، فهي تكشف عن أسباب ضعف الترجمات الفرنسيّة لمعاني القرآن الكريم بشكلٍ خاصٍّ، وتقدّم المقترحات لمعالجتها.
ومن أجل الوصول إلى الهدف المذكور، اتّبعت الدراسة منهجيّة تعريف المصطلحات والتتبّع التاريخيّ لترجمة معاني القرآن الكريم، ومن ثمّ تحليل ترجمتَي بلاشير وبيرك والانتقادات الموجّهة إليهما من خلال دراسة الحالتين. فيكون بذلك «المنهج التأريخيّ الوصفيّ التحليليّ في دراسة الحالة» هو المتّبع في هذه الدراسة.
وفي ما يخصّ المصادر، فقد حرصت الدراسة على الرجوع إلى معظم الدراسات السابقة في ترجمات معاني القرآن الكريم بالفرنسيّة، ولا سيّما نصوص الترجمة إلى الفرنسية التي قام بها كلٌّ من:
- «ريجيس بلاشير» (Régis Blachère) بعنوان:
«Introduction au Coran, Paris: Maisonneuve, 1977».
- «جاك بيرك» (Berque Jacques) بعنوان:
"Le Coran, Essai de traduction de l’arabe annoté et suivi d’une étude exégétique, Paris : éd Sindibad ,1990".
-كتاب «موريس بوكاي» (Maurice Bucaille) بعنوان:
«La Bible, le Coran et la science: Les écritures saintes examinées à la lumière des connaissances modernes».
فضلًا عن الرجوع إلى أهمّ الدّراسات في هذا المجال، وفي مقدّمها بحث لــ «الفريد لويس» بعنوان:
«Réflexions impromptues sur la nouvelle traduction du Coran de Jacques Berque».
ومن الدراسات العربيّة السابقة، اعتمدنا على دراسات عدّة؛ من قبيل: دراسة الدكتورة زينب عبد العزيز: «ترجمات القرآن إلى أين: وجهان لجاك بيرك»؛ ودراسة محمد صالح البنداق «المستشرقون وترجمة القرآن الكريم»؛ فضلًا عن دراسة محمد حسين الصغير «المستشرقون والدراسات القرآنية»؛ وبحث حسن عزوزي «مناهج المستشرقين البحثيّة في دراسة القرآن الكريم»؛ وآخر لخضر بن بو زيد «الدّراسات الاستشراقيّة وخطرها على العقيدة والفكر الإسلاميّ»، وغيرها من الدّراسات المهمّة.
لقد توزّعت الدراسة على خمسة مباحث، تناول الأوّل: تعريفات لمصطلحي الترجمة القرآنيّة والاستشراق، لغةً واصطلاحًا، ومن ثمّ بيان مفهومهما، كما جرى التطرّق إلى دوافع المستشرقين الفرنسيّين وأهدافهم في ترجماتهم لمعاني القرآن الكريم، وأمّا المبحث الثاني فيعالج البدايات الأولى لترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللّغات الأجنبيّة، وترجمات معاني القرآن الكريم إلى اللّغة الفرنسيّة بشكل خاصّ، ومن ثمّ الترجمات الفرنسيّة الأولى، دون إغفال التطرّق إلى أبرز الترجمات الحديثة.
وفي المبحث الثالث، جرى التركيز على الإشكاليّات والأخطاء في الترجمات الفرنسيّة لمعاني القرآن؛ مثل: سوء تفسير النصّ القرآني وفهمه، وإشكاليّة عدم
اتقان اللّغة العربيّة، وتمّ تناول أسباب الخلل في الترجمات؛ كالأخطاء المعجميّة، وأخرى ترجع إلى الجهل ببلاغة القرآن الكريم، فضلًا عن فقدان المنهج العلميّ وضوابط الترجمة، وفي آخر المبحث تمّ التّطرّق إلى الترجمات الإيجابيّة لمعاني القرآن وتوجّهاتها المنصفة لكتاب المسلمين المقدّس.
وأمّا المبحث الرابع، فقد خُصِّصَ لمسألة تشكيك ترجمة «ريجيس بلاشير» في أصالة النصّ القرآنيّ، مع تناولها بالتحليل والنقد. وخُصِّصَ المبحث الخامس لترجمة «جاك بيرك»، التي ورد فيها كثير من الأخطاء والمغالطات، وقدِّمت بعض الأمثلة على ذلك.
أ. الترجمة لغةً واصطلاحًا:
- لغةً: ترجم: الترجمان؛ والترجمان: المفسّر للّسان. وفي حديث هرقل: قال لترجمانه، الترجمان، بالضم والفتح: هو الذي يترجم الكلام؛ أي ينقله من لغة إلى لغة أخرى، والجمع «تراجم»، والتاء والنون زائدتان، وقد ترجمه وترجم عنه
.والترجمة في اللّغة الفرنسيّة (Traduction): «نقل النصّ من لغة إلى أخرى، والترجمة في عصرنا، هي فرع مهمّ للنّشاط الفكريّ
. والترجمة باللّغة الإنكليزيّة (Translation) هي عمليّة نقل الكلام أو تفسيره بلغة ثانية . أو هي: «نشاط أو عمليّة تغيير كلمات إحدى اللّغات إلى كلمات بلغة أخرى لها المعنى نفسه» .- اصطلاحًا: الترجمة هي عمليّة تحويل نصٍّ أصليٍّ مكتوب (ويسمّى النصّ المصدر) من اللّغة الأصليّة إلى نصّ مكتوب (النصّ الهدف) في اللّغة المنقول إليها. وتُعدّ الترجمة نقلًا للحضارة والثقافة والفكر واللّغة .
ويصطلح على الترجمة -أيضًا- أنّها: «نقل الكلام المعبَّر عنه بلغة ما إلى لغة مطلوب فهم هذا الكلام بها، سواء أكان شفهيًّا أو مكتوبًا"
.والترجمة في قاموس المعاني
؛ هي: «نقْل نصّ إلى لُغَة أَجْنَبِيَّة مِنْ اللُّغَة الْأُمّ(traduction d’un texte en langue étrangère dans sa propre langue)
ب. مفهوم ترجمة معاني القرآن:
تعني ترجمة معاني القرآن تفسيره وبيان معانيه، وترجمان القرآن: أي تفسيره، وقد سمّى به السيوطي تفسيرًا مطوّلًا اختصره في «الدرّ المنثور في التفسير المأثور»
. وترجمان القرآن: أي مفسّره، وربّما البارع في تفسيره وتأويله، وقد اشتهر به ابن عباس رضي الله عنه؛ قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «نعم ترجمان القرآن ابن عباس». ومن هنا ندرك أنّ المقصد من الترجمة لغةً هو التبيان والتوضيح للكلام؛ حتى لا يصبح فيه شبهة تأويل أو قراءة خاطئة لدى المخاطَب به، أو تحتمل أوجهًا عديدة .وممّا تقدّم، نرى أنّ ترجمة معاني القرآن ما كانت ولن تكون قرآنًا؛ وذلك لعدم إمكانيّتها أنْ تصل إلى مستوى النصّ القرآنيّ -مهما بلغت من إتقان-
حتّى وإنْ ترجمها مسلم عربي من أبناء لغة الضّادّ يتقن اللّغة الأجنبيّة المُترجَم إليها.
كانت الترجمة -وما زالت- مصاحبةً للظاهرة الاستشراقيّة؛ من ترجمة القرآن، إلى ترجمة المؤلّفات الأدبيّة والتاريخيّة والعلميّة، وترجمة الموسوعات والمدوّنات الفقهيّة والفلسفيّة واللّغويّة
.ولدى الحديث عن العلاقة بين الاستشراق ودراسة الإسلام، هناك من يرى أنّ الاستعمار ورجال الكنيسة كانوا يُشجّعون المستشرقين ويدفعونهم لدراسة القرآن والحديث والفقه؛ موفّرين لهم المساعدات المادّيّة والمعنويّة كلّها
، ولعلّ هذا الدعم والإسناد لم يكن اعتباطيًّا وبدون أهداف وأغراض، وإنّما كان لمحاربة الإسلام وتشويه نصوص القرآن الكريم لدى المتلقّي الأوروبيّ عامّة والفرنسي خاصّة.وكان من دوافع ترجمة القرآن الكريم إلى اللّغات الأجنبيّة، وفي مقدّمتها اللاتينيّة، أن ظهرت في الوسط الكنسي الأوروبي آراءٌ تدعو إلى معرفة تاریخ الإسلام وعقیدته؛ وبتأثیر من الفرنسي الأب «بطرس المبجّل» (
venerable le Pierre)، حيث وضع «روبرت أون كیتون» أوّل ترجمة للقرآن الكریم سنة 538هـ .ق/ 1143م في محاولةٍ للردّ على المسلمین بنقض عقائدهم ، وكانت الترجمات في مراحلها الأولى متمثّلةً بترجمة (دير كلوني)؛ فقد شرعَ «بطرس» إلى إطلاق مشروعه في ترجمة القرآن الكريم إلى اللّغة اللاتينيّة للمرّة الأولى ، وبطبيعة الحال كانتهناك ترجماتٌ أخرى للقرآن احتوت الكثير من الإشكاليّات والنوايا المغرضة، سنتطرق إليها في موضع آخر من هذه الدراسة.
لقد أفنى «بطرس» عمرًا في دراسة العلوم العربيّة والإسلامية؛ لإنتاج الأفكار، وتجييش الحملات، وإحكام الخطط التي من شأنها هدم الإسلام والقضاء على مصادر قوّته، وهذا ما أكّده «بوسكي»
بالقول: «منذ سنة 1141م، اجتمع رجال الدّين بإيعاز من «بطرس المبجّل» رئيس دير كلوني لترجمة القرآن إلى اللاتينيّة، قصدَ محاربة الإسلام . في حين وصف المستشرق الانكليزي «أرثر جون أربري» (Arthur John Arberry) هذه الترجمة بأنّها مليئةٌ بالأكاذيب وسوء الفهم، وقد كانت الأساس الذي قامت عليه الترجمات الأوربيّة المبكّرة معتمدةً الأسلوب الّذي استخدمته، وقد ظلّت ترجمة «بطرس» مصدرًا لتحقيق الأغراض المتعدّدة ومرجعًا لبثّ الرّوح الصليبيّة، وشحذ الهمم لمحاربة الإسلام .وفي مجال المؤلّفات الاستشراقيّة الفرنسيّة، التي كانت غايتها محاربة الإسلام؛ وتزامنت مع ترجمات معاني القرآن الكريم، نذكر كتاب: «القرآن» للمستشرق الفرنسيّ «إدوارد مونتيه» (Édouard Montet 1800– 1883م)
. وبعنوان القرآن، وردت أبحاثٍ وكتبٍ كثيرة لعددٍ من المستشرقين؛ منهم: فلهاوزن، وياكوب بارت، وكاله، وآرثر جفري، ويبقى الأكثر شيوعًا كتاب المستشرق الفرنسي «ريجيس بلاشير» (R. Blachère) «تأريخ القرآن، ونزوله، وتدوينه، وترجمته» .إنّ قراءة ترجمة القرآن ممارسةٌ شائعةٌ، ظاهرُها تعبُّديٌّ محض، وعمقها ثقافيٌّ، فيه مسحة من إشكالٍ وتعقيدٍ، وهي من الأنشطة التي يُقبل عليها مسلمو العالم، من غير الناطقين بالعربيّة. وقد يتلون القرآن منقولًا في الحرف اللّاتيني، بطريقة «صوتيّة» (phonétique)؛ أي برسم الكلمات العربيّة صوتيًّا برموزٍ لغات أجنبيّة. كما تشيع ترجماتٌ، بعضها جديد، للقرآن بلغة «موليير»، تتّسم عمومًا بصرامة أقلّ من تلك التي ميّزت ترجمات أنجزها مستشرقون فرنسيّون في القرن الماضي؛ مثل: البير كازيمرسكي
(Kasimirski 1808-1887م)، وقد ساعدَه فيها إدراكه لأسرار العربيّة الفصحى ودقائقها، وهو الذي صاغ أحدث قاموس مزدوج للغة الضّاد .ومن الكتب والأبحاث المتعلّقة بالقصص القرآنيّ، التي تُركّز على الطعن في ربّانيّة كتاب الله تعالى، وترديد مزاعمهم بالأثر اليهوديّ في القصص القرآني: كتاب (مصادر القصص الإسلاميّة في القرآن وقصص الأنبياء، لسايدر سكاي، باريس، 1932)، و(قصّة أهل الكهف، عام 1907م)، و(القصص الكتابي في القرآن، لسباير جريفنا، 1939)
. وللمستشرق الفرنسيّ «هنري كوربان» عناية خاصّة بتفسير الفرق الباطنيّة. والمتتبّع لإنتاج المستشرقين في هذا المجال يجدهم يُعلُون من شأن التفسير الشاذّ الخاصّ بالفرق المنتسبة للإسلام .ويرى «إدوارد سعيد» أنّ المستشرقين الفرنسيّين «لويس ماسينيون» و«مكسسيم رودنسون» قد أساءا إلى الإسلام في الغرب من خلال مؤلّفاتهم ودراساتهم الواسعة الانتشار
، حيث إنّ هذه الدراسات والبحوث والمقالات كانت لها دوافع وأهداف عدائيّة للإسلام والمسلمين.لقد انساق المستشرقون المعاصرون بشكلٍ عامّ والفرنسيّون بشكلٍ خاصّ مع أسلافهم في اتّباع منهج الشكّ والمبالغة في إثارة الشكوك حول الوقائع التاريخيّة الثابتة، والروايات الصحيحة المرتبطة بتاريخ القرآن وعلومه، واعتمدوا في ذلك على عمليّة الانتقاء بطريقةٍ مغرضةٍ وهادفةٍ إلى ما يصبون إليه من نتائج عكسيّةٍ؛ كما أنّ عدم ثقتهم في صحّة النصّ القرآنيّ دفعهم إلى الشكّ في أمانة نقله وسلامة تبليغه، فضلًا عن الشكّ في جمعه وترتيبه -وهو ما نجده بوضوح لدى بلاشير-، وهكذا يدّعي كثير من المستشرقين أنّ النصّ القرآنيّ جاء به النبي محمد صلىاللهعليهوآله وقد نالته -بعد إفضائه به إلى الناس- تعديلاتٌ بالزيادة والنقصان، لا سيّما في صورته المكتوبة؛ بحسب ادعاءاتهم .
وعلى الرغم من أنّ المتحدّثين باللّغة الإنكليزيّة قاموا بإعادة النظر في الترجمات الإنكليزيّة المعدّة؛ وفقًا لترجمة «دي ريير» (Du Ryer’s) الفرنسيّة أو الترجمات اللاتينيّة القديمة، وجرى تصحيح الكثير من الأخطاء، لكنّ النصّ يبقى يُظهر عدم الثّقة بالإسلام واستمرار معاداة الساميّة في أوروبا، واستنكار مبادئ الإسلامويّة، مخالفة للمبادئ المنبثقة عن التنوير؛ بسبب الأعمال المختلفة المتعلّقة بالعادات والقوانين المتّبعة في الدول الإسلاميّة، حسب ما تقدّم له تلك الترجمات
.وقد يهدف المستشرق من وراء ما يكتب ويترجم إلى افتعال نوع من التشويش والبلبلة في الأذهان؛ كما فعل الفرنسيّ «بلاشير» في معرض حديثه عن عدد السور المكّيّة والمدنيّة؛ حيث أحال في أحد الحواشي على كتاب «الإتقان»، ثم قال بعد ذلك: «حسب رواية قدّمها ابن النديم في كتابه (الفهرست)، فإنّ عددَ السّور المكّيّة 85 وعدد السّور المدنيّة 28، «ويلاحظ أنّ المجموع يكون 113 سورة !!»
، وهنا نجد الرّجل الذي عُرِفَ بمنهجه الصّارم وحسّه النّقديّ في البحث لم يجرؤ على أنْيقول: «ربّما وقع سهو في كلام ابن النديم، أو أنّ العدد 86 تحّولَ إلى 85 خطأً أثناء النسخ، أو شيء من هذا القبيل؛ ما دام إجماع الأمّة الإسلاميّة، وكذا ما تنطق به الملايين من المصاحف المطبوعة على أنّ عدد سور القرآن 114 سورة».
وترى الباحثة «ريتا فرج»
، أنّ خُلاصات المستشرقين الكلاسيكيّين تمّ التعامل معها من قِبَل الباحثين والأكاديميّين العرب؛ وفقًا لثلاثة ردود: الأوّل، هجوميٌّ؛ كونها تناقض القراءات التراثيّة؛ والثاني، تقريظيٌّ؛ إذا تواءمت معها؛ والثالث، علميٌّ؛ يسعى إلى قراءة الأدبيّات الاستشراقيّة برؤيةٍ نقديّةٍ هادئةٍ والبناء عليها والإفادة من مناهجها.وهكذا يتبيّن لنا أنّ أغلب ترجمات معاني القرآن الكريم باللّغات الأجنبيّة بشكلٍ عامّ، والفرنسيّة بشكلٍ خاصٍّ كانت واضحة الدوافع والتوجّهات في تعمّدها محاربة الإسلام عن طريق التفسيرات الخاطئة لمعاني القرآن الكريم، وترسيخ الشكوك والريبة في آياته ونصوصه بالنسبة للمتلقّي الأجنبيّ، الذي لا يُجيد اللّغة العربيّة، ولا سيّما الترجمات الفرنسيّة التي تقع في صلب موضوع هذه الدراسة، وحيث من المفترض أن تكون دوافع ترجمة معاني القرآن استجابةً موضوعيّة وواقعيّة لاحتياجات المسلمين من الذين لا يُجيدون اللّغة العربيّة، وتلبيةً لانتشار الإسلام في بقاع الأرض، ورغبة المستشرقين في دراسة الظاهرة القرآنيّة، إلا أنّ ذلك لم يحدث في معظم الترجمات التي أُنجزت من المستشرقين بحسن نيّة.
وقبل التطرّق إلى تاريخ ترجمة معاني القرآن الكريم في المبحث القادم، لا بدّ لنا أن نذكِّر بأنّ عددًا من وجهات النّظر والرؤى قد وردت في دراسات ظهرت في العصر الحديث، تناولت مسألة تحريم ترجمة القرآن الكريم، ومن هذه الدراسات: دراسة للشيخ (محمد رشيد رضا) بعنوان «ترجمة القرآن وما فيها من المفاسد ومنافاة الإسلام»، أقام فيها البراهين على حرمة ترجمة القرآن في الإسلام، وعلى عدم إمكان العمل بها، وعلى سوء أغراض بعض الجانحين إلى هذا العمل من الترك وغيرهم.
وكذلك نشر «محمد سعيد الباني» دراسةً في هذا السياق بعنوان «الفرقدان النيّران في بعض المباحث المتعلّقة بالقرآن»، حيث ضمّنها البراهين على حظر ترجمة القرآن، كما أصدر الشيخ «محمد سليمان القاضي» في المحكمة الشرعيّة العُليا في مصر كتابًا بعنوان «حادث الأحداث في الإقدام على ترجمة القرآن»، وأصدر الشيخ «محمد مصطفى الشاطر»، القاضي في المحكمة الشرعيّة لشبين الكوم سنة1936 م كتابًا بعنوان «القول السديد في حكم ترجمة القرآن المجيد»
.مع بدء حركة ترجمة العلوم العربيّة ونقلها في الغرب، كانت ترجمة معاني القرآن الكريم أهمّ الأعمال الترجميّة التي خصّص لها الغربيّون وقتًا وجهدًا
. وهناك شبه إجماع على أنّ أوّل ترجمة للقرآن الكريم كانت باللغة اللاتينيّة سنة 1143م، إذ تمّت هذه الترجمة على يد راهبين؛ هما: الإنجليزيّ «روبرت الرتيني» (Retina de Robert)، والألماني «هرمان» (Hermann)، وأشرف على هذه الترجمة الراهب «بطرس» رئيس دير كلوني في جنوب فرنسا، كما سبقت الإشارة إليه آنفًا، وقد أصبحت أساسًا في الترجمة إلى عددٍ من اللّغات الأوروبيّة، وهناك من يقول إنّ هذه لم تكنْ أوّل ترجمةٍ للقرآن، حيث لا يعرف على وجه التحديد مَنْ هو أوّل مترجم للقرآن الكريم؟ ومتى كان ذلك؟ وأين؟ويُذكَر أنّ «بطرس» الذي أتمّ مشروع ترجمة القرآن الكريم تحت إشرافه، كان قد أوكل تنفيذه إلى «هرمان الدماشي» و«روبرت كيت» مقابل مبلغٍ مغرٍ من
المال؛ بمساعدة عربيّ مسلم يُدعى محمّد
، فأتمّوا المهمّة سنة 1143م، وقد تكفّل «روبرت» في هذا المشروع بترجمة القرآن، في حين قام «هرمن» بترجمة النبذة المختصرة. وفي خطابٍ أرسله «بطرس»، إلى القدّيس «برنار» قال فيه: «قابلت روبرت وصديقه هرمان عام 1141م، بالقرب من «الأبر» في إسبانيا، وقد أقنعتهما بتحويل اهتمامهما من دراسة علم الفلك إلى ترجمة القرآن باللاتينيّة، فأتمّاها سنة 1143م»، وكانت أوّل ترجمة للقرآن بالاستعانة باثنين من العرب؛ أحدهما: مغربي مسلم مُلمّ بالقرآن واللّغة العربيّة، وبعد مراجعتها باللاتينيّة من قِبَل «بيير بواتييه»، تمّ إرسالها إلى رئيس دير كلوني العامّ «برندوس» مشفوعةً بخطابٍ من بطرس يُنوّه فيها بتوجّهات رجال الكنيسة ضدّ سائر أشكال الإلحاد .وهناك من يُؤرّخ أنّها بقيت ضمن مخطوطات دير«كلوني»، وهي مخطوطةٌ في نسخ عدّة، تُتَدَاول في الأديرة طيلة مدّة أربعة قرون، ولم تصدر إلّا في سنة 1543م، مع ذلك، قيل إنّها أُحرقتْ خشية تأثّر اللاتينيّين بها، ولكنّ المنقول أنّها بقيت محفوظة في «دير كلوني» حتّى نُشرت في أوروبا عام 1543م؛ أي بعد أربعمئة عام من إنجازها، ثمّ تتابعت الترجمات بعد ذلك باللّغات الأوروبيّة المختلفة
، حيث قام بطبعها ونشرها اللاهوتيّ السويسريّ «ثيو دور بييلياندر» في ثلاثة مجلّدات، وكانت الترجمة رديئةً وكثيرةَ الأخطاء .أُنجِزَت الترجمة الأولى إلى اللغة الإنكليزيّة من قِبَل «ألكسندر روس» عام 1688م، الذي نقل عمل المستشرق الفرنسي «أندريه دي ريور» من الفرنسيّة. وعُدّ عمله هذا أوّل نسخةٍ إنكليزيّةٍ مترجمة لمعاني القرآن الكريم.
وقد توالت الترجمات القرآنيّة إلى اللّغات الأوروبيّة في الظهور بعد ذلك، إذ كان لهذه الترجمة صدىً كبيرًا لمدّةٍ طويلةٍ من الزمن، حيث أُعيد طبعها مرّات عدّة، وتُرجمت إلى مختلف اللّغات الأوروبيّة، إذ يُؤكِّد (J.D Pearson) بأنّ ترجمة «أندريه ريور» هي الترجمة الفرنسيّة الأقدم، وقد طُبعت كثيرًا بين الأعوام 1647 و1775م، ونتج عن هذا العمل أوّل ترجمة للقرآن إلى الإنكليزيّة بوساطة «ألكسندر روس»، وكانت للأب (Le Pere) -أيضًا- ترجماتٌ أخرى إلى الهولنديّة بوساطة «جلازماخر»، وإلى الألمانيّة بوساطة «لانج»، وإلى الروسيّة بوساطة بستنكوف وفريفكين
.انتشرت هذه الترجمة انتشارًا واسعًا في مختلف كنائس أوروبا، وباتت هي الأرضيّة والبوصلة التي تُوجّه أغلب الترجمات الأوروبيّة الحديثة، وعلى الرغم من اشتمال هذه الترجمة شتّى أنواع الزيف والتزوير لحقائق العقيدة الإسلاميّة وشرائعها، فإنّ الكاتدرائيّات والمؤسّسات الدينيّة المسيحيّة منعت ظهورها وانتشارها بين العامّة؛ إذ توجّست من تحقيقها عكس الهدف المرجوّ، وهو التعريف بالإسلام. وزيادةً في الحرص أشاعت الكنيسة أنّ من يطبع القرآن أو يحاول طبعه فإنّه سيموت قبل أن يحلّ أجله الطبيعيّ! وقد خلت هذه الترجمة من الأمانة العلميّة، وعجّت بالبهتان والتضليل؛ إذ تعدّدت فيها هنات الإضافة والحذف، وأغفلت العديد من المفردات، كما لم تتقيّد بأصل السياق، ولم تُقم وزنًا لخصوصيّة الأسلوب
، وهذا ما عبّرَ عنه «عبد الرحمن بدوي» حين اعتبر هذه الترجمة أقرب إلى التلخيص الموسّع منها إلى الترجمة، فهي لا تلتزم بالنصّ الحرفيّ، ولا تنضبط لترتيب الجمل في الأصل العربيّ، وإنّما تؤوّل المعنى العامّ في أجزاء السورة الواحدة، ثمّ تُعّبر عن هذا بترتيب من لدن المترجم . وقد وضعها تحت تصرّف رجال الكنيسة ليستفيدوا منها في استكمال دراساتهم اللاهوتيّة أو للقيام بأعمال التبشير، وكان ظهور هذه الترجمة بعد الحملة الصليبيّة بأربع سنوات .أ. الترجمات الأولى:
كانت أوّل ترجمة لمعاني القرآن الكريم إلى اللاتينيّة -كما سبقت الإشارة- حيث أُنجزت في القرن الثاني عشر، وعلى الرغم من الهدف المُعلن من ترجمتها، فإنّها تبقى ذات قيمةٍ معرفيّةٍ وتاريخيّةٍ بالخصوص، ومنها تُرجمَ إلى الفرنسيّة وغيرها من اللّغات، وسنتتبّع أوّل أربع ترجمات أُنجزت إلى الفرنسيّة، وفق الآتي:
- الترجمة الفرنسيّة الأولى:
صدرت أوّل ترجمة لمعاني القرآن إلى الفرنسيّة سنة 1647م، على يد المستشرق الفرنسيّ «أندريه دي ريور»
(André Sieur du Ryer)، وسُمّيت: «قرآن محمد» (L’Alcoran De Mohamet)، وكانت هذه بالفعل هي المرّة الأولى التي تصدر فيها ترجمة أصليّة إلى لغةٍ أوروبيّة، ولم يكنْ «دو رييه» لاهوتيًّا؛ ولذلك توجّه بترجمته هذه لجمهور القرّاء الفرنسيّين، وكان أوّل المترجمين الذين كانت لهم معرفةٌ مباشرةٌ ومطوّلةٌ بالشّرق المسلم، حيث كان موظّفًا دبلوماسيًّا في القسطنطينيّة وقنصلًا لفرنسا في الإسكندريّة، وقد عكف طويلًا في إقطاعيّته على إعداد هذه الترجمة .- الترجمة الفرنسيّة الثانية: أنجز المستشرق الفرنسيّ «كلود إتين سافاري» (Claude Etienne Savary) ترجمةً مباشرةً إلى الفرنسيّة سنة 1751م، حظيت
بشرف نشرها في مكّةصلىاللهعليهوآله ، وقد صدرت هذه الترجمة في باريس في جزأين عام 1783م، ونشرت في فرنسا طيلة قرنين كاملين، وبقيت على رفوف المكتبات حتّى عام 1970م، وكان من أسباب شعبيّتها مقاربتُها العقلانيّة للإسلام، وهي التي وصفها «إدوارد مونتيه» بأنّها على الرغم من طباعتها مرّات عدّة، وكونها أنيقة جدًّا، لكنّ دقّتها نسبيّة . وكانت هنالك ترجمة فرنسيّة للقرآن الكريم أتمّها «أنطوان غالان» (Antoine Galland) في عام 1710م، وقد اختفت هذه الترجمة عند تقديمها للمكتبة الملكيّة ولم تنشر أبدًا، ولكنّ مراسلات غالان ومذكّراته تقدّم معلوماتٍ كافيةً حول هذا الموضوع؛ لتقويم أعمال هذا المستشرق، وتشكّلت في بلاد الشرق، حيث قضى أنطوان غالان ما يقرب من خمسة عشرة عامًا في بلاد الشّرق ما بين عامي 1670 و 1688م؛ سكرتيرًا في السفارة الفرنسيّة في إسطنبول، وجامعَ تحفٍ، وهناك أتقن التركيّة والعربيّة والفارسيّة وتشبّع بثقافة الشّرق، وفي نهاية حياته عكف على ترجمة القرآن بطلب من رئيس الدير «جان بول بينيون» (L’abbe Jean Paul Bibgnon) (يوميّات 20 يوليو/ تموز 1709)، وكان لديه تصوّر واضح تمامًا عن هذا العمل الذي أنجزه وفق طريقة دقيقة .
- الترجمة الفرنسية الثالثة: ترجمة «ألبن بيبرشتاين كازيميرسكي» (Albin Biberstein Kazimirsky) الذي قدّم أوّل ترجمةٍ فرنسيّةٍ مقبولةٍ في عام 1840م، ثمّ راجعها وصحّحها مرّتين في عامي 1841 و1852م. وعلى الرغم من أنّه استند إلى ترجمة «سيل» (Sale) واستفاد منها كثيرًا، فقد صنع ترجمته من النصّ العربيّ نفسه، وأنجز للمرّة الأولى ترجمةً فرنسيّةً مقبولةً وموثوقًا بها نسبيًّا للنصّ القرآنيّ، وصحّح على نطاقٍ واسعٍ الأخطاء الواردة في ترجمة «سافاري»، وكانت كتابته أنيقةً مع التصاقها بالنصّ القرآنيّ. ومع ذلك، لم تكن ترجمته خاليةً من الأخطاء؛ كما افتقدت أدواته النقديّة إلى العمق، وقد برّر ذلك بأنّه يكتب للجمهور الواسع،
وحاول؛ كسابقيه، أن يُسهّل على القُرّاء مقاربة النصّ القرآنيّ بمقدّمةٍ تنويريّةٍ عن الإسلام. واحتوت طبعة 1841م نبذةً مختصرةً عن سيرة الرسول محمّد صلىاللهعليهوآله، اعتمد فيها على دراسة «كوسان ده بارسفال» (Caussin de Parceval) بعنوان «تاريخ العرب قبل الإسلام وفي عهد محمّد وإلى أن أسلمت جميع قبائل العرب» .
وتُعدّ ترجمة «كازيمرسكي» مقارنةً مع ترجمة «سافاري» أكثر أهمّيّةً وتداولًا، على الرغم من أنّها تفتقد إلى الأمانة العلميّة وفهم البلاغة العربيّة، التي وصفها «مونتيه» بالقول: «... لا يسعنا إلّا الثناء عليها، فهي منتشرةٌ كثيرًا في الدول الناطقة بالفرنسيّة»
.ولعلّ الترجمات الشهيرة إلى الفرنسيّة، ولا سيّما ترجمة «كازيميرسكي»، و«بلاشير» 1947م، قد حملت أخطاءً لغويّةً وشبهاتٍ استشراقيّةً وطعونًا أشار إليها عددٌ ممّن حصر ترجمات المستشرقين لمعاني القرآن الكريم
. وفي المجال نفسه، يبرز عمل المستشرق الفرنسيّ «جول لابوم» في كتابه: «تفصيل آيات القرآن الكريم»، مع ما في هذا العمل من أخطاءٍ لغويّةٍ ومنهجيّةٍ أيضًا .ب. أبرز الترجمات الفرنسيّة الحديثة:
لعلّ الأعداد الهائلة من المخطوطات العربيّة والمنجزات الحضاريّة العربيّة المختلفة، التي عرفتها فرنسا منذ أكثر من ألف عامّ والتي لم تتوقّف عن النّموّ والتّراكم، قد جذبت طبقةً من الدارسين والباحثين المهتمّين باللّغة العربيّة وآدابها، والذين شكّلوا في معظمهم رجالات الاستعراب أو الاستشراق بوجه عامّ، وقد واكب عمليّات الجمع هذه دراساتٌ علميّةٌ «للمستشرقين الفرنسيّين عن علوم المخطوطات العربيّة؛ ومن أشهرها: كتاب ريجيس بلاشير وجان سوفاجيه «قواعد
تحقيق المخطوطات العربية وترجمتها» (Règles Pour Editions Des Textes Arabes Et Traductions)»
.وفي العصر الحديث، وتحديدًا سنة 1925م صدرت الترجمة الفرنسيّة للمستشرق «إدوارد مونتيه» (Édouard Montet)، التي امتازت بالضّبط والدقّة، حيث وُصفت بأنّها أدقّ الترجمات التي ظهرت حتّى الآن
.وهناك أكثر من (170) ترجمة للقرآن الكريم إلى الفرنسيّة. والقليل من هذه الترجمات أنجزها مسلمون، ولكنْ حتّى لو سعت هذه الترجمات إلى الاقتراب من روح النصّ الأصليّ وجماله، لكنّها لم تنجح في ترجمة المتن والإيقاع، أو في تقديم النصّ الأصليّ بشكلٍ أفضل باللّغة العربيّة
.ولعلّ الترجمات الفرنسيّة الحديثة لمعاني القرآن الكريم لمسلمين وغير مسلمين بلغت حدًّا من الكثرة؛ أبرزها الترجمات الآتية:
ترجمة «ريجيس بلاشير»
عام 1950م، التي تعيد تنظيم القرآن وفقًا للترتيب الزمنيّ لآياته بحسب الظّهور، ويقدّم فيها بلاشير ملاحظات وفيرة للقارىء.ترجمة «دينيز ماسون» عام 1967م، التي تتمتّع بميزة محاولة خدمة غير المسلم؛ بقدر ما هي تخدم المسلم المؤمن.
ترجمة «أندريه شوراكي»
، ظهرت في ديسمبر 1990م باتّباع تفسيرات التوراة، من خلال طريقة محدّدة لاستخلاص تعدّد حواس الكلمة من جذرها (triconsonant) ومن التقليب في الحروف. وقد أدّى هذا المنهجإلى بعض الجدل؛ لأنّه غالبًا ما يُفضي إلى اختياراتٍ تبدو مفاجئةً لأولئك الذين يعرفون القرآن بلغته العربيّة.
ترجمة «جاك بيرك» (القرآن)
، أُنجزت عام 1990م، وقد ركّزَ جهوده في محاولة إعادة إنتاج بعض الإيقاعات والأسلوب والشعر باللّغة العربيّة، فضلًا عن ترجمة رينيه خوام في العامّ نفسه، إلّا أنّ الاهتمام بترجمة بيرك كان أكثر من غيرها.ولا يمكن إغفال ما أنتجه عددٌ من المسلمين من ترجماتٍ إلى الفرنسيّة، نفذوا من خلالها إلى شيءٍ من أسرار الوحي؛ كونهم استفادوا من تراث التفسير، ووظّفوا ثَرواتِه في اختيارات المعجم وتصاريف التركيب، فتلافوا أخطاء النّقل الحَرْفيّ، وكلّهم وفّق بين مقتضيات الإيمان وإكراهات الترجمة. وإنَّها لَمن عسير المُعادلات!
. ومن بين هذه الترجمات، نجد تلك العائدة للباحث «محمد حميد الله» (1908-2002)، التي نشرها مترجمة إلى الفرنسيّة عام 1959م، وحصلت على موافقة السّلطات الدينيّة واحترام المسلمين. وكذلك ترجمة «الصادق مازيغ» (1906-1990م)، و«سي حمزة بوبكر» (1912-1995م)؛ المدير السابق للمسجد الكبير في باريس؛ وقد خلفه ولده في إدارة المسجد، إذ نُشرت عام 1990م، وبعد خمس وعشرون عامًا من بدء هذه الاعمال قام «أ. بينوت» عام 2004م بالتوّجه لترجمة معاني القرآن، ووفّرها للجميع باللّغة الفرنسيّة، دون الابتعاد عن النّص الأصليّ. ويبدو أنّ العديد من المسلمين الناطقين بالفرنسيّة لديهم تقديرٌ إيجابيٌّ للغاية لترجمة (M. Chiadmi)المنجزة عام 2004م أيضًا، وهي الترجمة التي تستحقّ التقدير بفضل الإقبال الواسع عليها. هذا فضلًا عن جهود «ي. علوي» (Y. lawi)، و«جي حديدي» (J. Hadidi)، واثنين من المترجمين الشيعة الذين لم يدّخروا جهدًا بوصف منهجيّتهم والأساس المنطقي بشكلٍ مفصّلٍ
، على الرغم من أنّ ترجمتهم لم تكتمل، حيث تمّ إنجاز مجلّد واحدٍ فقط من ترجمتهم حتّى عام 2000م، إذ احتاج المترجمان إلى مجلّد كامل، يضمّ أكثر من 600 صفحة، لتقديم ترجمةٍ مشروحةٍ لأوّل سورتين فقط .وبالرجوع إلى تأريخ الترجمات الفرنسيّة للقرآن الكريم التي تطرّقنا إليها في ما تقدّم، نجد أنّ فرنسا -كما مرّ ذكره آنفًا- كانت قد احتضنت أوّل ترجمة لمعاني القرآن الكريم، وظهرت فيها تسع ترجمات للقرآن الكريم، ويتّضح لنا أنّ تاريخ الترجمات الفرنسيّة للقرآن الكريم قد مرّت بثلاث مراحل رئيسة؛ هي:
- المرحلة الأولى: بدأت بالترجمة من اللاتينيّة إلى اللّغة الفرنسيّة.
- المرحلة الثانية: تطوّرت بالترجمة من اللّغة العربيّة إلى اللّغة الفرنسيّة مباشرةً. وهذا مسلك نهجه كثيرٌ من المستشرقين الفرنسيّين في ترجماتهم للقرآن في القرن العشرين؛ أمثال: «إدوارد مونتيه»، و«ريجيس بلاشير»، و«جاك بيرك».
- المرحلة الثالثة: تمثّلت بدخول المسلمين ميدان ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللّغة الفرنسيّة؛ مثل: ترجمة الجزائري «لايمش» و«ابن داود»، الّتي امتدحها «بوسكي» (Bousquet) بأنّها ترجمة لها أسلوب بليغ وعجيب، فضلًا عن ترجمة «أحمد تيحاني» سنة 1936م، وترجمة «حميد الله» سنة 1959م، وترجمة الدكتور «صبحي الصالح» سنة 1979م .
أ. إشكاليّة تفسير النّص القرآنيّ وفهمه:
لعلّ المهمّة الأولى للمترجم هي تحديد التفسيرات المتعدّدة المُعتدّ بها للقرآن الكريم، وأبرز التفسيرات المعتمدة في كلّ آية وسورة، والعلم بشروط الوحي فيها كلّها. ولعلّ المساهمة المعرفيّة في تفسير القرآن تُعدّ ضروريّة في أيّ محاولة للترجمة، مع ذلك هناك من المترجمين ممّن لم يطّلعوا بشكلٍ كافٍ على التفسير القرآنيّ، أو لأنّهم أقنعوا أنفسهم بما يُسمّى بالتفسير «الضعيف»، وهذا هو القول النادر غير المعتمد من معظم المفسّرين الكبار، أو لأنّهم لا يملكون الكفاءة اللّغويّة العربيّة أو المعرفة المطلوبة باللّغة الفرنسيّة؛ ما يجعل الترجمات تكتنفها أخطاء من نوعين: «أحدها شخصيّة، وأخرى ذات طابع عامّ»
.وبالنظر إلى أبرز ما تمّ رصده من أخطاءٍ لترجمات القرآن الكريم إلى الفرنسيّة نجد ما تقدّم من أخطاء قد تكرّسَ في جهود كلّ من «زينب عبد العزيز» في كتابها «ترجمات القرآن إلى أين؟ وجهان لجاك بيرك»
، والفرنسي «موريس بوكاي» في كتابه «الأفكار الخاطئة التي ينشرها المستشرقون من خلال ترجماتهم» .إنّ إشكاليّة نقل المعنى في ترجمات القرآن ارتطمت على صخرة الإشكال اللّسانيّ المرتبط بالمثبّطات المعجميّة والدلاليّة والتركيبيّة أو الأسلوبيّة المُشكِّلة لأساس الإعجاز القرآنيّ
. وهو ما يُؤكِّده الباحث «عبد ربّ النبي» بالإشارة إلى ضعف الترجمات الاستشراقيّة في البرهنة أو الإثبات، فكلّ ترجمة استشراقيّة جديدة هي الدليل المُتجدّد على ضعف سابقاتها، بل تستمدّ من هذا الضعف مسوّغًا لوجودها، ولن يقتصر الأمر على الترجمات الجديدة، بل إنّ الترجمة الواحدة تتعرّض للتنقيح مرّاتٍ عدّة؛ بسبب ضعفها الواضح منذ ولادتها، وتُعدّ ترجمة «أندريه دوريه» الفرنسيّة أبرز الأمثلة على ذلك .ويُشير عدد من الباحثين؛ ومن بينهم: «Asmaa Godin» إلى «أنّ العقيدة الشخصيّة الفذّة للقرآن، متأتّية من كونها نسخة مكتوبة عن الكلمة الإلهيّة، وقد استخدمت منذ زمن طويل لمعارضة الترجمات، وتدّعي بعض التيّارات المحافظة للإسلام أنّ القرآن لا يُمكن أن يُوجد إلّا باللّغة العربيّة، وأنّه لا يمكن ولا ينبغي ترجمته». وترى أنّه غالبًا ما كان هذا التصوّر يُوحي بالرغبة في التعريب لدى السّكان غير الناطقين بالعربيّة، ومهما يكن الأمر، فإنّ ترجمة القرآن الكريم تبقى تحمل تحدّيات لغويّة وسياسيّة على حدٍّ سواء (التعريب، وغيره)، ومن هنا يولي الإسلام أهمّيّة بالغةً للّغة العربيّة
. وباعتراف بعض الغربيّين، فإنّه على الرغم من أنّ ترجمة القرآن تعتبر إشكاليّة؛ مثل أيّ ترجمة أخرى، ويمكن أن تُرفَض من قِبَل بعض التيّارات المحافظة، فإنّ القرآن كان يُترجم ولا يزال إلى عددٍ كبيرٍ من اللّغات .ب. إشكاليّة عدم إتقان اللّغة العربيّة:
لم تكنْ اللّغة العربيّة في فرنسا، التي انتقلت إليها الريادة في حقل الاستشراق،
أفضل حالًا من بقيّة اللّغات الأوروبيّة، فالمستشرق «دي ساسي»، بعد أنْ ترجم معاني بعض أجزاء القرآن الكريم مع تفسير البيضاوي، بعث برسالة إلى أحد أصدقائه يعتذر فيها عن عدم إتقانه العربيّة قائلًا: «... أنا لا أستطيع أن أحفظ بالعربيّة شيئًا، ولا أفهم ما يُقال بها؛ إذ لم تتح لي في شبابي أيّ فرصة لممارسة الكلام أو الاستماع للأحاديث بالعربيّة، أي أقرّ بأنّني آسف كوني لم أرحل في شبابي إلى مصر أو الشام، وبأنّني بعيد جدًّا عن الحصول على معرفة تامّة بهذه اللّغة»
.وقد أشار بعض مترجمي معاني القرآن الكريم من المستشرقين، ومن بينهم: «جاك بيرك»، إلى عدم قدرة اللّغات المترجَم إليها على نقل طبقات المعاني الكثيرة التي تشتمل عليها كلّ ومضة قرآنيّة، كما أنّ تلك اللّغات ليست في ثراء العربيّة بالمفردات
. ويذهب «جاك بيرك» صاحب واحدة من أحدث ترجمات معاني القرآن إلى الفرنسيّة إلى أبعد من ذلك، فيرى أنّ الترجمات الفرنسيّة التي سبقت ترجمته قد قام بها مترجمون لا يُحسنون الفرنسيّة نفسها أكثر من العربيّة والعكس صحيح .فعلى سبيل المثال، احتاجت «دينيز ماسون»
إلى العيش في مراكش في المغرب، وسط المدينة، سنوات عدّة؛ من أجل التواصل اليوميّ المألوف مع السكّان المسلمين حتّى سُمّيت «سيدة مراكش» قبل أنْ تبدأ بالتّأمّل في النصّ القرآنيّ، ومن ثمّ ترجمته؛ وهو ما سمح لها باختراق النّفس، وامتصاص مناخها الروحيّ إلى حدّ إعادة التفكير فيه بشكلٍ حدسيٍّ تقريبًا، وكأنّه نوعٌ من التّناضح بلغته الأمّ؛ لأنّها ترجمت أقلّ ممّا شعرت به باللّغة الفرنسيّة. وهذا ما يُميّز نسختها عن تلك التي كانت مستوحاة حصريًّا من أهداف نقيّة للتعلّم العلميّ .وترى المؤرّخة «سيلفيا نايف» التي تقوم بتدريس تاريخ الحضارة العربيّة الإسلاميّة في جامعة جنيف، أنّ القرآن كان قد كُتب في نصٍّ مختصرٍ باللّغة العربيّة (حروف العلّة القصيرة والعلامات التشكيليّة) بنقاطٍ تهدف إلى منع الالتباس بين الكلمات التي لها الهجاء نفسه، إذ لم تتمّ إضافتها إلى النصّ حتّى القرن الثامن الميلاديّ، وبالتالي تحديد المعنى النهائيّ للنصّ
.ولعلّ هذا الاستنتاج غير الموفَّق، يدلّ على فهمٍ خاطىءٍ، ويُؤشّر إلى جانبٍ من إخفاقات المستشرقين من المترجمين؛ بسبب عدم إتقانهم للّغة العربيّة جيّدًا، فوضعوا تبريراتٍ غيرَ صحيحةٍ أو غير منطقيّة.
ويرى معظم المفكّرين الغربيّين أنّ اللاهوتيّين المسلمين كانوا قد ناقشوا مسألة علامات التشكيل مطلع القرن الحادي عشر الميلادي، حيث يعتبر البعض هذه الإضافة بمثابة سرٍّ مقدٍّس، في حين يخشى آخرون من أنْ يقع المؤمنون في خطأ يتعلّق بالمعنى؛ إذا لم تتمّ إضافته
.لذا نجد «صلاح الدين كرشيد» يرى وجود صعوباتٍ جمّة في ترجمة بعض الكلمات القرآنيّة؛ مثل: (الأمّة، الحقّ، الفاسقون، اللّطيف، البرّ، المعروف، المنكر، وحزب)؛ لِمَا لها من معانٍ مختلفة. وعلى الرغم من حرصه الشديد على ذِكْر كلّ التأويلات الممكنة للآية الواحدة، فهو يرى أنّه لا يمكن للنصّ الفرنسيّ أن يلمّ بكلّ المعاني التي توحي بها الآية القرآنيّة. ولكنّ الترجمة تمثّل ما توصَّل إليه اجتهاد المترجم نفسه وفهمه الخاصّ؛ ما يُقرّب معاني القرآن من عقل القارئ بالفرنسيّة
. وهكذا كان «كرشيد» يجد نفسه في حيرة لدى ترجمة عددٍ من المفردات من العربيّة إلى الفرنسيّة، فكيف بمَنْ لا يُتقِن العربيّة من المترجمين الفرنسيّين، وهو ما نجده لدى «بلاشير» مثلًا. كماأنّ لجوء المستشرقين إلى الإحالة على كتب زملائهم السابقين، ثمّ الإشارة بعد ذلك إلى المصادر العربيّة الأصيلة أمر يكاد يكون مطّردًا، وقد أوقعهم في أخطاءٍ كبيرةٍ. فضلًا عن أنّ ترجمة القرآن الكريم إلى لغة أخرى تذهب بإعجازه، ويصبح شأنه شأن أيّ كتاب عاديّ؛ مهما اشتمل على بلاغة النصّ وعذوبته
.أ. أخطاء معجميّة:
في معرض الكلام عن الميّزات البلاغيّة للقرآن الكريم، فإنّ نقل الخواصّ البلاغيّة العربيّة إلى ما يقابلها في اللّغات الأخرى -على فرض العثور عليه كلّه- لا يستتبع الدّرجة البلاغيّة في تلك اللّغة، وإنّ التصرّف باختيار الأساليب البلاغيّة المناسبة للّغة الأخرى بما يصل إلى نوع من البلاغة، لا تخرج النصّ عن نسبته إلى صائغ الترجمة، وتبقي هذه الصياغة من صنع البشر! إذًا يكون الإعجاز الذي جاء به القرآن مفقودًا لا محالة في الترجمة!
.وإذا ما رجعنا إلى سبب أخطاء الكثير من الترجمات، نجدها تُعزى إلى أنّ المترجمين المحدثين يستخدمون في أحيانٍ كثيرة، دون روح نقديّة، تفسيرات لمعلّقين قُدامى، وقد كان لهؤلاء في عصرهم عذر إعطاء تعريف غير دقيق لكلمةٍ أو جملة قد تكون متعدّدة المعاني، لم يكنْ باستطاعتهم فهم معناها الفعليّ، فهناك من المعاني ما لم يظهر إلّا في أيّامنا فقط؛ بفضل تطوّر المعارف العلميّة. بمعنًى آخر: يُسبّب هذا الطرح مشكلةً تستوجب ضرورة مراجعة الترجمات والتعليقات التي لم يكونوا قادرين على إنجازها بشكلٍ ملائمٍ في عصرها الحالي، ولا سيّما أنّها تمتلك الآن
العناصر التي تستطيع أن تعطي الكلمات والجمل معانيها الحقيقيّة
.ب. الجهل ببلاغة القرآن:
وقع عددٌ من المترجمين الفرنسيّين في أخطاءٍ غير متعمّدة أحيانًا، ومتعمّدة في أحيانٍ أخرى؛ بسبب جهلهم ببلاغة اللّغة العربيّة التي بلغ القرآن فيها ذروة الإعجاز في أسلوبه ونظمه، وهي من بين أسباب توارد الأخطاء في تفسير معاني القرآن الكريم لدى أغلب المترجمين الغربيّين
.وتأييدًا لذلك، نجد المستشرقة الفرنسيّة «سيلفيت لارزول» (Sylvette Larzul)
تصف باختصار ترجمة القرآن بكلمتين: «ترجمة ما لا يُترجَم»، ومن هذا المنطلق انكبّت على بحثها المسمّى: «ترجمة ما لا يُترجَم»، أوائل الترجمات الفرنسيّة للقرآن الكريم بين القرنين السابع عشر والتاسع عشر، مع أنّ هذه المستشرقة غير معروفة في عالمنا الإسلاميّ كثيرًا، حيث لم يُسلّط الضوء على دراساتها.ومن أمثلة ذلك:
- ترجمة عبارة (إلّا ما قد سلف) من قوله -تعالى-: (وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۚ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا) ، فقد ترجمها «سافاري» Savary بقوله:
Le Seigneur est indulgent et miséricordieux si le crime est commis
ومعنى ترجمته: إذا كانت الجريمة قد ارتكبت فالمولى متسامح كريم!
في حين أنّ تفسير الآية يعود إلى سبب نزولها، حيث كان أهل الجاهليّة يُحرِّمون ما يَحْرُم؛ إلا امرأة الأب، والجمع بين الأختين
.وكذلك ترجمة قوله -تعالى-:(هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ) ، فقد ترجمها سافاري -أيضًا-، بقوله:
Elles sont votre vêtement, et vous êtes le leur
حيث اتّجه إلى ترجمة حرفيّة أبعدته عن بلوغ المعنى الحقيقيّ للآية في القرآن الكريم، إذ ترجم كلمة (لباس) إلى (vêtement) التي تعني بالفرنسيّة (ملابس)، ولم يعطِ التفسير والمعنى الصحيح للمفردة، في حين أنّ مغزى الآية الصحيح؛ كما جاء في تفسير الزمخشري، هو: «لمّا كان الرجل والمرأة يتعانقان ويشتمل كلّ واحد منهما على صاحبه في عناقه، شبّه باللّباس المشتمل عليه، وهو استئناف؛ كالبيان لسبب الإحلال، وهو أنّه إذا كانت بينكم وبينهنّ مثل هذه المخالطة والملابسة قلّ صبركم عنهنّ وصعب عليكم اجتنابهنّ، فلذلك رخّص لكم في مباشرتهنّ: ﴿تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ تظلمونها وتنقصونها حظّها من الخير» .
وهو ما يشير إليه «بلاشير» أيضًا: «الترجمة يجب أن تنجز على أساس الاكتفاء بنفسها، ولا ينبغي أن تكون شرحًا ساذجًا للنّصّ، ولا ترجمة حرفيّة له» .
وحري بالقول إنّ ترجمات القرآن التي يعتمد عليها المستشرقون فى فهم القرآن أغلبها قاصرة على أداء معانيه، التي تُؤدّيها عباراته البليغة وأسلوبه المعجز للبشر؛ وهي إنّما تؤدّي بعض ما يفهمه المُترجم منه؛ إنْ كان يريد بيان ما يفهمه، وإنّه لمن
المؤكَّد أنّ بعضهم تعمّدوا تحريف كَلِمه عن مواضعه، على أنّه قلّما يكون فهمهم تامًّا صحيحًا، ويكثر هذا في من لم يكنْ مؤمنًا به، بل يجتمع لكلٍّ منهم قصوران: قصور فهمه، وقصور لغته
.وعلى الرغم من وجود آراء لعددٍ من المستشرقين يرون أنّ النظرة إلى القرآن في الدين الإسلاميّ نظرة مثاليّة، (كونه إلهيّ)، وبالتالي فهو لا يُقدَّر بثمن في معناه؛ كما في شكله، فهي ترجع إلى إعجاز القرآن
.ج. افتقاد المنهج العلميّ وضوابط التّرجمة:
بفعل انتشار الإسلام ودعوته اقتضت الضرورات الرساليّة والدعويّة إيجاد فضاءاتٍ جديدةٍ ومحاولات مبتكرة لخدمة كتاب الله تتّفق مع متطلّبات الدعوة ومقتضياتها الحديثة، فمن الجهود المعتبرة والمتميّزة في هذا المجال: الترجمة القرآنيّة. ولخصوصيّة كلام الله وكتابه من حيث المبنى والمعنى، كانت المهمّة صعبةً وشاقّةً، وقد تكفّل بها جيلٌ من الصادقين من دعاة الإسلام، وكذلك كثير من المحقّقين المستشرقين، ولكنْ للأسف وقعت الترجمة القرآنيّة -في بعض الأحيان- في العمل العشوائيّ، وأصبح كلّ شخصٍ يرغب بالتعامل مع المسألة القرآنيّة دون منهجٍ علميٍّ واضحٍ ودون ضوابط وقواعد تحكم الترجمة. ولهذا ظهرت ترجماتٍ عدّة للقرآن الكريم، إلى لغاتٍ شتّى؛ وهي مليئة بالأغلاط والأخطاء الفاحشة، ولعلّ من أهمّها: (الإنجليزية، والفرنسيّة، والألمانيّة، والإيطاليّة، والتركيّة، والأرديّة، والهنديّة، والفارسيّة، والبشتو، وغيرها)
.وفضلًا عمّا تقدّم، يُعزى سبب هذه الأغلاط والأخطاء إلى ما يلي:
- سوء فهم النصّ العربيّ القرآنيّ في سياقه.
- اقتحام ميدان الترجمة من غير المتخصّصين والعارفين بعلوم القرآن.
- سوء فهم حال المخاطبين ومستوياتهم .
هذا وبالمقابل، ثمّة بعض النّزعات الاستشراقيّة، وحتّى الاستعماريّة، أساءت عمدًا أو جهلًا إلى معاني النصّ القرآني؛ بما يخدم الموقف الرافض للإسلام، واعتباره من انتحال التاريخ وكَتَبَتِه، فجَرى تمرير هذه الإيديولوجيّة، على ما فيها من استعلاء، في اختيار مقابلات فرنسيّة، ومن أشهرها: تلك التي جَسَّدها أندريه شوراكي (1917-2007) في مؤلَّفه عن القرآن
. وغير ذلك من أعمال لا يتّسع المجال للخوض فيها في هذه الدراسة الموجزة.ومن جهةٍ أخرى، فإنّ عدم المعرفة بالطبيعة الجغرافيّة لشبه الجزيرة العربيّة، قد أوقع المستشرقين ممّن ترجموا معاني القرآن الكريم إلى الدخول في خلافاتٍ حول أماكن ومسمّيات وردت في القرآن الكريم؛ ومثال على ذلك: الاختلاف حول اسم المكان الذي رست فيه «سفينة نوح»، إذ يقول «موريس بوكاي»: «جاء في الكتاب المقدّس هو (جبال أرارات)؛ كما جاء في (تكوين 8، 4)، وفي القرآن، جبل «الجودي»؛ كما جاء في (سورة هود، الآية 44). ويُقال إنّ هذا الجبل هو أعلى نقطة في جبال أرارات في أرمينيا. ويؤكّد المستشرق «بلاشير» ذلك بقوله: «هناك كتلة صخريّة تُسمّى «جودي» في الجزيرة العربيّة، وحيث إنّ مطابقة الأسماء يمكن أن تكون مصطنعة»
.وعليه، فإنّ سوء فهم النّصوص القرآنيّة يجعل من ترجمة معانيه غاية في الصعوبة، ومن ثمّ الإساءة إلى مضمون آيات القرآن الكريم وغاية نزوله من الله سبحانه وتعالى على نبيّه الأكرم صلىاللهعليهوآله .
مثلما تكلّمنا عن مستشرقين غربيّين أساءوا إلى الإسلام، ولم ينصفوا القرآن في ترجمتهم لمعانيه، لا بدّ لنا من أن نذكر مَنْ كانوا على النقيض من ذلك، فهناك من المستشرقين مَنْ أدّى به البحث المخلص إلى الاهتداء إلى الإسلام؛ كما فعل المستشرق
الفرنسيّ «إتيان ديني» (Alphonse-Étienne Dinet)، الذي عاش في الجزائر وأُعجب بالإسلام؛ فأسلم، وسُمّي بــ«ناصر الدين دينيه»، وألّفَ كتابًا عن سيرة الرسول صلىاللهعليهوآله ، وكتب أخرى حول الإسلام ، فضلًا عن آخرين؛ منهم: «موريس بوكاي».
وقد توصّل هؤلاء المستشرقون المعتدلون في تفكيرهم، والموضوعيّون في رؤاهم، إلى أنّ لغة القرآن تسمو عن لغة الشعراء ولغة الكهّان والمنجّمين، ويظهر ذلك جليًّا في موسوعة الإسلام، حيث جاء فيها: «يُقال دائمًا إنّ جميع القرآن مسجّع بالطريقة نفسها الموجودة في التعبير الإيقاعيّ والمقفّى للكهّان، إلّا أنّ القرآن لا يعرف أحدًا معيّنًا أو إيقاعًا، بحصر المعنى، ومن ثمّ بتركيز عن النثر والشعر»
.ومن بين المفكّرين الغربيّين المنصفين للإسلام عامّة؛ والقرآن والرسول الأكرم صلىاللهعليهوآله خاصّة، نجد «موريس بوكاي» يردّ على المفترين في قضيّة نزول الوحي على النبي محمّدصلىاللهعليهوآله، بقوله: إنّنا لا نشعر بالحرج بأيّ شكلٍ من الأشكال، في بُلداننا الغربيّة، لتوجيه الانتقاد إلى محمد صلىاللهعليهوآله من خلال الإشارة إلى أنّه يدّعي نزول الوحي عليه. ولكنْ أين الدليل على استنساخ محمد صلىاللهعليهوآله في القرآن الكريم لِمَا علمه من الحاخامات أو أملوه عليه؟ ليس لدى من يتقوّل ذلك أيّ دليل؛ سوى التأكيد على أنّ راهبًا مسيحيًّا قد أعطاه دروسًا دينيّةً مركّزة. دعونا نعيد قراءة ما قاله «بلاشير» حول هذه «الخرافة» في كتابه «مشكلة محمّد».
وقد ألّف مكسيم رودنسون «اليهوديّ الماركسيّ» كتابًا باللغة الفرنسيّة عن النبي محمّد صلىاللهعليهوآله ، وهو مليء بالافتراءات على شخصيّته ورسالته. وكثيرٌ من هذه الافتراءات مستمدّةٌ من التفسير المادّيّ (الاقتصاديّ) للتاريخ عند «كارل ماركس»، ومن التحليل النفسيّ (الجنسيّ) للإنسان عند سيجموند فرويد، وكلّها افتراءات لا تستحقّ الوقوف عندها والرّدّ عليها .
ولعلّ هناك العديد من الردود العلميّة على المادّيّين الملحدين من المستشرقين الذين يُنكرون ظاهرة الوحي ويردّون القرآن إلى (عبقريّة) النبي صلىاللهعليهوآله ، ولا سيّما تفنيد أنّه لو كان القرآن والحديث من كلام النبي، فبِمَ يمكن تفسير الفرق الكبير والبون الشاسع بين حديث النبي ونصوص القرآن؛ سواء في أسلوب العرض وطريقة الأداء، أو في منهج التعبير .
ولعلّ أحد هذه الردود الاستشراقيّة جاء بوضوح في ترجمة المستشرقة الفرنسيّة «دينيز ماسون»
الصادرة عام 1967م، وهي من المراجع المهمّة في المكتبة الفرنسيّة، حيث ضمّنت مقدّمتها أنّ الوحي القرآنيّ تُسيطر عليه تصوّرات أخرويّة بحتة ؛ وهو يعني إبعاده عن كونه نصوصًا دنيويّة؛ كما يدّعي عددٌ كبير من المستشرقين ممّن ترجموا معاني القرآن الكريم.ومثالًا على ما أورده «موريس بوكاي» في انتقاده لإحدى ترجمات معاني القرآن إلى الفرنسيّة، التي يصفها بأنّها مليئة بالأخطاء، قوله: «إنّ كلمة «يسبحون» وردت مرّتين في القرآن الكريم في سورتي «الأنبياء»، الآية 33، و«يس»، الآية 40، فبالنسبة للآية الأخيرة، جاءت كلمة «يسبح» في الآية: (وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)، والمقصود هو حركات الشّمس والقمر في الفضاء (...) لم أجد فيما أملكه من الترجمات الفرنسيّة العديدة لكلمة «سبح» إلّا معنى اندفع فوق الماء، أو عامَ أو أبحرَ أو تحرّكَ» .
ويرى «إدوار مونتيه»؛ وهو أحد المستشرقين الفرنسيّين الذين تعمّقوا في الدّين الإسلاميّ -أيضًا- أنّ الدّين الإسلاميّ عبارة عن مجموعة من العقائد تقوم على
أساس المنطق والعقل، معتبرًا أنّ بساطة هذه التعاليم ووضوحها تظهر القُوى الفعّالة في الدين الإسلاميّ ونشاط الدّعوة إليه. كما دافع «مونتيه» عن النبي محمّد صلىاللهعليهوآله أمام افتراءات بعض المستشرقين، حين اعترف به نبيًّا بالمعنى الذي يعرفه العبرانيّون القدماء، صادقًا يدافع عن عقيدة خالصة، يُؤتَى رؤيا ويُوحَى إليه؛ كما كان أنبياء بني إسرائيل في العهد القديم .
وهناك عددٌ من المستشرقين ممّن ترجموا معاني القرآن الكريم، اعتبروا النّصّ القرآني كلامًا أوحى به الله سبحانه وتعالى إلى نبيّه، وقد وجدوا ذلك بعلوّ بلاغته وفصاحته، بل وإعجازه العظيم، الذي يدلّ على ذلك دون أدنى شكّ.
عُرِفَ عن «بلاشير» إعجابه الشديد بالشّرق وتراثه، ووضعه قواعد خاصّة لترجمة أدب العرب وتراثهم؛ شعرًا ونثرًا إلى لغته الفرنسيّة، وكذلك وضعه قواعد لترجمة القرآن الكريم والآثار الأدبيّة للشّخصيّات المبدعة
.وبالرجوع إلى بدايات توجّهات «بلاشير» في ترجمة معاني القرآن الكريم، نجد أنّ المستعربين الفرنسيّين قد بذلوا جهودًا كبيرةً في تعليم اللّغة العربيّة لأبناء جلدتهم؛ ومن بينهم: «بلاشير» الذي وضع؛ بالتعاون مع كودفروي ديممبينيس (M Gaudefroy- Demombynes)، كتاب «نحو العربيّة الفصحى» (Grammaire de l’arabe classique) سنة 1952م، وهو يُعتبر إلى يومنا هذا من أهمّ المراجع
المعتمدة لدى المستشرقين الفرنسيّين
، فضلًا عن محاولاته الأولى في تأليف العديد من المؤلّفات بالعربيّة؛ من بينها: كتاب: «شاعر عربيّ من القرن الرابع الهجريّ: أبو الطّيب المتنبّي»، وترجمة فرنسيّة لكتاب «طبقات الأمم» لصاعد الأندلسيّ، و«تاريخ الأدب العربيّ» (Histoire de la Littérature Arabe)، الذي بحث فيه عن نشأة التدوين التاريخيّ في الإسلام حتّى نهاية القرن الخامس عشر، وقد توفي دون أن يتمَّه؛ إذ ظهر منه ثلاثة أجزاء تنتهي عند 125هـ.ق/ 724م . وهو ما يُعطينا فكرةً أوّليّةً عن مدى معرفة «بلاشير» باللّغة العربيّة وثقافتها؛ ما ساعده في ترجمته لمعاني القرآن الكريم.ولا شكّ أنّ ما كتبه «بلاشير» في مؤلَّفه «تأريخ القرآن، بنيته وتكوينه، ورسالته في مكّة ورسالته في المدينة والواقعة القرآنيّة وعلوم القرآن» يعتبر من أبرز الجهود الاستشراقيّة بعد جهود نولدكه، وقد أفاد منه كثيرًا، وخصوصًا في تقيّده بالمرحلة الزمنيّة لتأريخ نزول السور القرآنيّة، وقد كانت الذائقة العلميّة رصينة قيّمة عند «بلاشير»، ولا سيّما في اعترافه بِحيرة غير العربيّ في فهم القرآن
.ويرى «بلاشير» أنّه بفضل «نولدكه» ومدرسته أصبح ممكنًا من الآن فصاعدًا أن نُوضّح للقارئ غير المطّلع ما يجب أن يعرفه عن القرآن؛ ليفهمه بوعي، وليتخطّى القلق الذي ينتابه في اطّلاعه على نصّ يغلب عليه الغموض
.وكما سبق الإشارة إليه، فقد أدرك جملةٌ من المستشرقين موقع البلاغة من القرآن، وأكّدوا عليها؛ وأبرزهم: «بلاشير»؛ عندما اعتبر علم البيان العربيّ منطلقًا من القرآن، وركّزَ في فصل من كتابه «القرآن» على الإعجاز القرآنيّ، فضلًا عن قناعة علماء البيان بأنّ القرآن يحتوي على جميع الموادّ الضروريّة لهذا العلم
.ولعلّ أكثر المستشرقين تأثّرًا ببلاشير هو: المستشرق الفرنسي «جاك بيرك»؛ الذي أعقبه في ترجمة معاني القرآن الكريم، فهو يمتدح «بلاشير» كثيرًا، ويعترف بأنّه تلميذه وصديقه، ويصفه بأنّه أستاذٌ عظيمٌ فذٌّ، ولكنّه يرى في ترجمته بعض الهفوات؛ حيث يقول: «...كان لي أستاذًا وصديقًا كبيرًا، ولكنّنا لو تكلّمنا كعلماء بعيدًا عن العلاقات الخاصّة، فإنّني أقول إنّ ترجمته للقرآن، على الرغم من مزاياها، فإنّ لها هفواتها، ولكنّها تبقى من أفضل الترجمات الفرنسية للقرآن»
؛ معتبرًا أنّ «بلاشير» يمتلك أسلوبًا في الترجمة أكثر حرفيّة من تلك الّتي لدى «صلاح الدين كرشيد» (Kechrid) .لقد ترك منهج «بلاشير» تأثيرًا في الدّراسات القرآنيّة لدى المتخصّصين في علم الإسلاميّات، وفي مقدّمتهم المفكّر «محمّد أركون»، وإنْ تجاوزه لاحقًا باتّجاه «المنهجيّة التعدّديّة». ومع ذلك تُسجَّل عليه مغالطات عدّة، من دون التقليل من جهوده في ترجمة القرآن ودراسة الشّعر العربيّ ونثره، إذ استند «بلاشير» إلى المنهج التاريخيّ في دراساته للقرآن؛ وهذا المنهج يعتبر تفسير النّصّ مرهونًا بتاريخه، فلا يُمكن فصل أيّ نصٍّ عن تاريخه.
وفي العام 1949م، ظهرت ترجمة «بلاشير»، التي رتّبَ فيها السّور حسب التسلسل التاريخيّ، وبشأن الآراء حول دقّتها وموضوعيّتها، يرى «صبحي الصالح» أنّ ترجمة بلاشير للقرآن تبقى أدقّ التّرجمات، لا يغضّ من قيمتها إلا الترتيب الزمنيّ للسّور القرآنيّة، وأهمّ ما يُميّز هذه الترجمة استخدام «بلاشير» أساليب طباعيّة مناسبة، وإرفاق نصّ الترجمة ببعض التعليقات والبيانات، وكثيرًا ما يُورد للآية الواحدة ترجمتين يُبيّن في إحداهنّ المعنى الرمزيّ، وفي الثانية المعنى الإيحائيّ، وغالبًا ما يميل إلى المعنى الإيحائيّ، وهذا ما جعلها أكثر الترجمات الفرنسيّة انتشارًا وطلبًا
.وكما هو حال المترجمين، ومن بينهم المشهورين، من عادةٍ قديمةٍ متمثّلةً بوضع نصوصٍ بالعربيّة غير موجودة أصلًا في النّصّ القرآنيّ المترجَم، وإضافة عناوين غير موجودة في النصّ الأصليّ، وهذه الإضافة تُعدّل المعنى العامّ بصفة كلّيّة. ومثال ذلك: ما أدرجه «بلاشير»
، من عنوان غير موجود في القرآن؛ وهو: «التزامات الحرب المقدّسة»، ومن ثمّ، فإنّ القارئ الذي لا يستطيع الوصول إلى القرآن إلّا من خلال الترجمة، سوف يكون مقتنعًا بأنّ المسلم عليه واجب شنّ حرب مقدّسة! .يزعم بلاشير أنّ القرآن يقف حاجزًا أمام المدّ الفكريّ والثقافيّ للغرب، وهو من أبرز الذين أطلقوا هذا الوصف، عندما قال: «نادرًا ما وجدنا بين كتب الشرق كتابًا شوّشَ أفكارنا لدى قراءته أكثر ممّا فعله القرآن»
.وفي إطار محاولات «بلاشير» إبعاد القرآن عن مصدره الإلهيّ لدى تعرّضه للغة القرآن، فقد اتّجه إلى إسنادها إلى الأدب القديم، وذهب إلى البحث عن إيجاد تشابه بين لغة القرآن وما يكتبه البشر، ولا سيّما الأدباء والشعراء، وخرج بأنّ لغة القرآن تشبه إلى حدٍّ بعيد لغة الشّعر العربيّ القديم؛ في إيقاعه، ووزنه، وقافيته. وفي هذا السياق يُعلن بأنّ لغة القرآن تظهر بحقّ أنّها شبيهة بالشعر الأصيل؛ وذلك بفضل الأحكام الموسيقيّة للمقاطع اللّفظيّة، وبغنى النّغم بالحركات، واستعمال القوافي المنظومة أو المسجّعة
.وقد سار «بلاشير» على خطى «إدوارد مونتيه» وتوجّهاته بشأن نصوص القرآن الكريم؛ إذ نجد ذلك في وصفه لإسلوب القرآن أنّه شعريّ مقفّى، وأنّ هذا الأسلوب الشعريّ ينحصر في السّور المكّيّة، ولا سيّما القديمة جدًّا منها، دون السّور المدنيّة، مع اعتراف «مونتيه» بأنّ أسلوب القرآن شعريّ، وطغيانه على نصوص القرآن، وملاحظته أنّه ليس شعرًا بالمعنى الدقيق للكلمة
.من جانبٍ آخر، يرى «بلاشير» في القرآن معجزة وتحفة أدبيّة رائعة تسمو على جميع ما أنتجته الإنسانيّة؛ وذلك لما يحويه من نثر موزون مقفّى، يُؤثّر بسحره العجيب على المتلقّي، وهذا ما اعتبره شبيهًا بترانيم المنجّمين والسحرة وتفنّن الشعراء! وفي هذا الصدد يرى أنّه قد نشأ من هذا النّثر انفعالٌ إجماليٌّ مؤثّر، ثمّ إنّ لهذه الميزة تأثيرًا على السامع الذي لا ينطق بالضّاد، وهذا شبيه بغرابة تنبّؤات المنجّمين، وهدر الشعراء، وقول السّحرة
.وقد ساير المستشرق الفرنسيّ «مكسيم رودنسون» توجّهات «بلاشير»؛ باعتقاده أنّ ما يراه ويسمعه الرسول صلىاللهعليهوآله هو نتيجة وصوله إلى إحدى درجات التصوّف الّتي لم تصل إلى الاتّحاد بالله .
وقد ذكر «بلاشير» أقوالًا عدّة في أوّل جمع للقرآن، إذ زعم أنّ الجمع بدأ في عهد أبي بكر، وتمّ في عهد عمر، بل قال: إنّ أوّل جامع للقرآن هو عمر نفسه، ولديه قولٌ آخر بأنّ أوّل من جمعه هو علي بن أبي طالب عليهالسلام، في حين أورد «كازانوفا» أنّ الجمع تمّ في عهد الحجّاج، كما أطلق «بلاشير» على عمليّة جمع القرآن الكريم «تنقيحًا»؛ وجاء ذلك في كتابه «مدخل للقرآن» .
ومن أمثلة المنهج الإسقاطيّ لدى المستشرقين: ما أورده «بلاشير»، في سياق البحث عن أسباب عدم جمع القرآن في مصحف في عهد النّبي صلىاللهعليهوآله وأصحابه، عندما قال: «إنّ ميل الرسول وأصحابه إلى ترك الأمور على ما هي عليه يُؤيّده ما اشتهر به العرب في أنّهم لا يفكّرون إلّا في الحاضر، ولا يُهمّهم المستقبل، وهذا الميل يقف وراء عزوف المسلمين عن جمع القرآن في عهده» .
وفي السياق نفسه، اتّجه «بلاشير» إلى تكذيب القرآن؛ باعتباره وحيًا إلهيًّا، فحاول
إثبات وجود تعارضٍ في بعض الآيات القرآنيّة؛ وهي من مزاعمه الّتي اختلقها للطعن بكتاب الله.
ويرى «ألفريد لويس» (Alfred-Louis) أنّ هذه الترجمة هي بلا شكّ تتضمّن عددًا معيّنًا من الأنماط الأسلوبيّة أو الكلمات، وهي تُفسّر أكثر من مرّة «اهتزاز الأصل»، مع ألغازها، وتداخلاتها، وعلاماتها الإقصائيّة وأسئلتها، وصورها، وتأكيداتها القطعيّة، وتهديداتها ومكافآتها، وجدلها، وتأمّلاتها ورحلاتها، واعتراضاتها، وأمثالها وغيرها من التراكيب النحويّة لعددٍ مُعيّن من المقاطع أو المصطلحات، التي يتمّ إدراكها بشكلٍ أفضل، أو ترجمتها بشكلٍ أكثر بساطة، أو بدون الكثير من الحرفة الجماليّة، من قِبَلْ سابقتيها، ولا سيّما لدى «بلاشير» و«كازيمرسكي»، فعلى سبيل المثال: تُرجمت كلمتَي (zulman wa zûran) في السورة 25: الآية 3، واللّتان تعنيان «ظلم وزيف» إلى «عدوان وافتراء»؟ في حين تمّ العثور على كلمة (zûr) في مكان آخر مترجمة إلى «محتال» أو «هراء» أو «خطأ»
.وإذا ما أخذنا ترجمة الآية: (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ) ، لدى «بلاشير» وقارنّاها بما ترجمها «بيرك»، نجد ترجمتها لدى الأوّل على الشكل التالي:
Sa lumière est la ressemblance d’une riche ou se trouve une lampe
أمّا «بيرك»، فقد ترجمها؛ بالتالي:
Semblance de sa lumière: une riche où brûle une lampe
كما يترجم «بلاشير» الآية: (يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ) ؛ بالتالي:
Elle (la lampe) est allumée grâce à un arbre béni
ويختلف معه «بيرك»، بترجمتها بالتالي:
Elle (la lampe) tire son aliment d’un arbre bénédiction
ولعلّ تأثّر «بيرك» بـ«بلاشير»، يبدو واضحًا في ترجمتي هاتين الآيتين، كما هو في ترجمة بقيّة معاني القرآن، مع أنّ «بلاشير» ذَكر في ترجمة الآية (حيث يوجد مصباح)، في حين ترجمها بيرك (حيث يوقد مصباح). وفي الآية الثانية ترجم بلاشير: («المصباح» مضاء بفضل شجرة مباركة)، في حين ترجمها بيرك: («المصباح» يحصل على قوّته من شجرة نعمة)، ولعلّ ترجمة «بلاشير» أكثر وضوحًا من ترجمة «بيرك»؛ إذا ما رجعنا إلى النّصّ القرآنيّ من جهة وإلى مدى قبولها وفهمها لدى المتلقّي من القرّاء الذين لا يُجيدون اللّغة العربيّة من جهةٍ أخرى.
تعتبر ترجمة «جاك بيرك»
لمعاني القرآن الكريم واحدةً من أهمّ الترجمات الحديثة، ولعلّ من المشاهد التي شهدتها ترجمة معاني القرآن الكريم في النّصف الأوّل من التسعينيّات صدور هذه الترجمة بطبعتين، حيث لاقى المترجم على أثر صدور الطبعة الأولى هجومًا عنيفًا واتّهامات طالت (نيّته) وسوء (الطوية)، دون مناقشة هادئة أو إعطاء فرصة للمترجم ليناقش منهجه في الترجمة، خاصّة وأنّ «بيرك» ظلّ وللفترة الأخيرة قبل رحيله يُبدي احترامًا شديدًا للجهات الدينيّة في مصر ويطلب لقاءً علميًّا للمناقشة والإفادة. والملاحظ أنّ هذا الهجوم العنيف تبنّته مجلّات عدّة، وقد مثّلَ المؤسّسة الدينيّة في مصر في ذلك الوقت مجمعُ البحوث الإسلاميّة -التابع للأزهر- فتشكّلت لجنة من الذين تعاملوا مع النصّ المترجَم تعاملًا منتقدًا، وأكثرهم كانوا يمارسون مثل هذا العمل خارج الأزهر ، وبعد فترةٍ صدر تقرير بديباجة يسجّلتوصيات في الجوانب والتوجّهات التي تحتاج إلى ردّ وتصويب أو تعقيب، لتكون هذه الانطباعات ماثلة أمام من سوف يُكلَّف بالرّد
.وأبرز ما تمّ رصده من أخطاء لترجمات القرآن الكريم إلى الفرنسيّة نجده قد تكرّسَ في جهود «زينب عبد العزيز» في كتابها «ترجمات القرآن إلى أين؟ وجهان لجاك بيرك»، حيث كشفت الباحثة والأكاديميّة حقيقة هذه الترجمة وبيّنت زيفها وتهافتها، بل وخبثها؛ فأفردت لها هذا العمل. وكان هدفها من هذا العمل أن يتعرّف كلّ مسلم على وجه الأرض حقيقة جميع ترجمات القرآن الكريم التي قام بها المستشرقون، والتي أدّت دورها كما يجب في تشويه ذات الله وصفاته وما يليق به سبحانه، وتشويه الإسلام، وصنع صورة مشوّهة عن رسول الله محمد صلىاللهعليهوآله ، على الرغم من أنّه يذكر في مقدّمة ترجمته، تعمّقه بدراساته المتواصلة والمستمرّة للقرآن؛ ليكون بمستوى ترجمة النّص، ولكي لا يحدث أيّ تقصير في النّص الفرنسيّ المُترجم، الذي يتوخّى تقديم القرآن الكريم بكلّ أبعاده اللّغويّة والروحيّة إلى لغة أخرى .
وقد اعترف «بـيرك» بأنّ الترجمة الحقيقيّة للنّص القرآنيّ مستحيلة، فألفاظ القرآن الكريم وعباراته لهـا مـدلولات ومـؤشّرات عميقة لا تستطيع اللّغة (الناقلة) أن تفي بكلّ ما تحتويه من معانٍ ظاهرة وخافية
، ويذهب «بيرك» إلى أبعد من ذلك، فيرى أنّ الترجمات الفرنسيّة التي سبقت ترجمته قد قام بها مترجمون لا يُحسنون الفرنسّية نفسها أكثر من العربيّة، والعكس صحيح .لقد ساير «بيرك» أستاذه «بلاشير» في رؤاه الواردة في ترجمته، بل ويشيد بها ويثني عليها؛ إذ يرى فيها أنّها ترجمة ذات مزايا، كما يعدّه من أفضل المستشرقين الأوروبيّين اطّلاعًا وضلاعًة في قواعد اللّغة العربيّة وآدابها، ولكن من نواقصه أنّه كان علمانيًّا، لذا لم يكنْ قادرًا على تذوّق المضمون الروحيّ للقرآن وأبعاده الصوفيّة
. وهو يعترف بأنّ ترجمـته للقـرآن الكريم ليست سوى محاولة لتفسير معاني القرآن الكريم؛ لأنّ الترجمـة الحقيقيّـة للـنّص القرآنيّ مستحيلة . ولدى الرجوع إلى ترجمته، نجد أنّ كلامه صحيحٌ، ويعدّ اعترافًا واضحًا بصعوبة ترجمة معاني القرآن الكريم إلى الفرنسيّة بإتقانٍ كافٍ.ومن إسقاطات «بيرك» في ترجمته، أنّه قد خضع لعقيدة «التجسيد» وأسقط مفهومها على قوله -تعالى-: (ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) ، مفسّرًا إيّاها: (فالله هو الذي تاب بدلًا منكم لأنْ يميل إلى التوبة) . في حين جاء في تفسير الجلالين: «فسّر أبو العالية، وسعيد بن جبير، والربيع بن أنس: فتوبوا إلى بارئكم) أي إلى خالقكم). وفي قوله ها هنا: إلى بارئكم (تنبيه على عظم جرمهم؛ أي: فتوبوا إلى الذي خلقكم وقد عبدتم معه غيره) .
كما ترجم «بيرك» كلمة (المسجد)؛ حيثما وردت في القرآن الكريم بكلمتي ((Sanctuaire و((Oratoire، وتعني الكلمة الأولى: «المعبد الكنسيّ»، وأمّا الثانية، فتعني: «المصلّى في كنيسة صغيرة»؛ وفي ذلك إسقاط لمفهوم نصرانيّ لمكان العبادة، على مفهوم إسلاميّ؛ هو كلمة (المسجد)، وهما يختلفان من وجوه عدّة معلومة، والأمر الذي يزيدنا يقينًا من معرفة المستشرق للفروق
بين المسجد والكنيسة هو أنّه عندما يأتي إلى قوله -تعالى-: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) ، نجده يترجم كلمة «المساجد» بــ (Mosques)؛ وهي الكلمة المعروفة لدى الفرنسيّين عن المسجد، وكان ينبغي استخدامها في كلّ مكان، ولكنّ المستشرق لم يستخدمها في هذا الموضع؛ عندما خشي التباس المساجد بالصوامع والبيَع .
ويدافع «بيرك» عن ترجمته بإشارته إلى أنّ الثلاث سنوات التي أعقبت الترجمة التي وُجّهت إليها العديد من الانتقادات، لم تكن كافيةً لتفهّم النّص كاملًا ودراسته؛ لكي يُقدّم نقدًا علميًّا كافيًا إزاءه
.وعلى الرغم من الانتقادات الموجّهة من عددٍ من المفكّرين والكُتّاب المسلمين إلى ترجمة «بيرك»، وفي مقدّمتها الدراسة القيّمة للدكتورة «زينب عبد العزيز»، فإنّ هناك من يُثني عليها ويمتدحها، كما هو شأن الكاتب الجزائري «محمد سنكير» الذي يصفها بأنّها تتميّز، قبل كلّ شيء، بسهولة قراءتها وفهمها، إذ يجد فيها بأنّها ليست ترجمة إلى اللّغة الفرنسيّة، بل إنّها لو جاز قبول هذا التعبير تمثّل «القرآن باللّغة الفرنسيّة»، كما ويُعدّها ليست فقط خدمة تُؤدّى إلى اللّغة الفرنسيّة، بل هي هديّة مهداة إلى المسلمين وإلى المثقّفين الذين يعجزون عن قراءة النّص العربيّ بلغته الأصليّة
.وتبقى ترجمة «بيرك» -من وجهة نظرنا- ضمن الترجمات التي وردت فيها ثغرات وهنات، بل ومغالطات كثيرة، شأنها شأن أغلب الترجمات الأجنبيّة، ولا سيّما الفرنسيّة منها، بل إنّها تُظهر تعصّبًا وتحاملًا غير مبرّرين على الإسلام والقرآن الكريم، وهو ما أفضى إلى توجيه الانتقادات لترجمته المغرضة المليئة بالفريات، ولا
سيّما بعد صدور دراسة الدكتورة «زينب عبد العزيز» التي أشرنا إليها آنفًا. ما حدا به إلى استعداده لتقديم الاعتذار، وطلب العفو، عمّا ورد في ترجمته، وتصويب ما جاء فيها من أخطاء وتدارك الأغلاط والتوجّهات التي صنّفها المسلمون بأنّها «عدائيّة ومتطرّفة»، إذ جاء ذلك على لسان أحد طلبته على هامش مؤتمر أقيم في القاهرة سنة 1992م؛ بعنوان «نحو مشروع حضاريّ جديد» .
وفي ختام هذه الدراسة المتعلّقة بترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللّغة الفرنسيّة، التي درسنا فيها بشكلٍ مقتضبٍ أنموذجين من ترجمات المستشرقين لمعاني القرآن، يعودان لـ «ريجيس بلاشير» و«جاك بيرك»، فوجدناهما لم يُقدّما ترجمةً وافيةً إلى الفرنسيّة؛ سواء في تفسير النصوص، أو في دقّة الترجمة اللّغويّة؛ ما يُدلّ على عدم توفّر النيّة الصادقة لديهما، وبخاصّة أنّهما يفتقران إلى المعرفة التامّة بنصوص القرآن الكريم، ولا يتقنان اللّغة العربيّة. ويظهر ذلك جليًّا من خلال ترجمتهما المليئة بالمغالطات والتشويه المتعمّد لنصوص القرآن، والتي تجسّدت في الانحراف عن المعاني الصحيحة للآيات القرآنيّة؛ ما جعل الصورة مشوّشة، بل ومشوّهة لدى القارىء الأجنبيّ الذي يقرأ بالفرنسيّة. وهذا ما عمل عليه -للأسف- أغلب المستشرقين ممّن ترجم معاني القرآن الكريم بمقاصد سيّئة واضحة الأهداف والأغراض.
لقد سار «بيرك» في المسار نفسه الذي اتّبعه «بلاشير»، وذُكِرَ السبب في نصّ الدراسة؛ بأنّه يعود إلى تأثّر «بيرك» بـ«بلاشير» في ترجمته لمعاني القرآن الكريم التي سبقت ترجمته، بل وبمعظم مؤلّفاته الأدبيّة ومنهجيّته العلميّة وتوجّهاته تجاه الإسلام عامّةً؛ والقرآن خاصّةً.
ولعلّ هاتين الترجمتين بقيتا متأثّرتين –في المقاصد والتوجّهات- بأوّل ترجمة ظهرت في أوروبا من قِبَل «بطرس المبجّل»، بعد حوالي خمسة قرون من ظهور الإسلام، وكانت توجّهاتها تنصبّ على إدانة الإسلام وتشويه القرآن، وقد امتدّت لقرون حتّى يومنا هذا، وهو ما كشفه «بلاشير» في مقدّمة كتابه «القرآن»، بالإشارة إلى أنّ ترجمة «بطرس المبجّل» كانت بطلبٍ من البابا؛ من أجل «إدامة روح الحروب الصليبيّة».
ومن جانبٍ آخر، لا بدّ لنا من الوقوف على جوانبَ عدّة نعتقد بأهمّيّتها البالغة
(174)في هذا الخصوص؛ من أجل تشذيب الترجمات الأجنبيّة لمعاني القرآن وتهذيبها وتنقيتها، وفي مقدّمها أنْ يمتلك المترجم الأجنبيّ درايةً كافيةً باللّغة العربيّة؛ بأن يكون قد سبح في بحورها وغاص في أعماقها، فضلًا عن الإلمام الكافي بتفسير الآيات المترجمة إلى اللّغة الأجنبية؛ لكي يواكب عظمة القرآن الكريم في روعة أسلوبه وإعجازه وبلاغته.
وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار أهمّيّة الترجمة التي يقوم بها مترجمون عرب مسلمون إلى اللّغات الأجنبيّة، والتي تكتسب أهمّيّتها من إتقانهم للّغة العربيّة (الأمّ)؛ أكثر بكثير ممّا يتقنها المترجمون الأجانب بكلّ تأكيد، فضلًا عن معرفتهم الدقيقة بتفسير آيات القرآن ومقاصد نصوصه، فهي بذلك تعدّ ميزةً أخرى تدعم نوعيّة الترجمة وتجعل منها أكثر موثوقيّةً ومصداقيّةً، ولا سيّما مع ما يحمله المترجم العربيّ/المسلم من حسن النيّة وسمة الإخلاص ونقاء الدافع، التي تفوق كثيرًا ما يتّسم به المستشرقون/المترجمون الأجانب. وهو ما وجدناه في أغلب الترجمات الفرنسيّة التي تناولتها الدراسة، وكيف أنّها كانت مليئةً بالمغالطات والافتراءات؛ سواء ما يتعلّق بحقيقة نزول القرآن على الرّسول الأكرم صلىاللهعليهوآله من خلال الوحي، أو في تفسير نصوص القرآن، وحيث إنّ ذلك يشوّش على المتلقّي الأجنبي ويخلق لديه سوء فهم تصوّرات مغلوطة وسلبيّة حول حقيقة القرآن المُنّزلْ من الله سبحانه وتعالى ودور النبي الأعظم؛ بصفته رسولًا مرسلًا من الخالق جلّ وعلا؛ لينشر هذا الدين ويبلّغ القرآن للناس أجمعين.
وإذا ما توفّرت عناصر حسن النيّة والإخلاص لدى المترجم، كما أشرنا إليه آنفًا، فإنّني أعتقد أنّ ترجمة يشترك فيها مترجمون عرب/ مسلمون يمتلكون دراية كافية بتفسير الآيات القرآنية؛ فضلًا عن إتقان كبير للّغة العربيّة، وآخرون أجانب لديهم معرفة كافية باللّغة العربيّة وإتقان عالي المستوى باللّغة المُترجم إليها -وكما حصل في أوّل ترجمة لمعاني القرآن؛ بإشراف الراهب بطرس المبجّل، التي شارك فيها مترجمون مسلمون/عرب، ولم تكن مقاصدها والنيّة من ورائها حسنة فجاءت عدائيّة مغرضة- فإنّ
(175)ذلك سيفضي إلى ترجمة ذات نوعيّة عالية لمعاني القرآن الكريم، والتي ستُوفّر إمكانيّة التعرّف على عذوبة الأسلوب، ودقّة التفسيرات، وجمال الجرس الموسيقي للقرآن الكريم.
وهكذا يتبيّن لنا أنّ أغلب المستشرقين الذين ترجموا معاني القرآن الكريم قد أساؤوا فهم نصوص القرآن الكريم وتفسيرها من جهة، وتعمّدوا الإساءة إليه من جهةٍ أخرى، فظهرت ترجماتهم مشوّشةً؛ لتضلّل من يقرأها من المتلقّين، فباتت مثيرةً للبلبلة واللّبس، ولعلّ ذلك هو غرضهم ومقصدهم الرئيس.
(176)
ظَلّ الغرب المسيحيّ حتّى منتصف القرن السادس عشر الميلاديّ مؤمنًا بوحي إنجيله ومبعثه السماويّ. وبعد الاكتشافات العلميّة التي توصّل إليها بعض العلماء الأوروبيّين المخالفة للحقائق التي جاءت بها الكنيسة، طفقت الظنون والريبة تلفّ حقيقة المصدر الإلهيّ لكتابهم المقدّس، وانسابت الدعوة إلى القطع مع الكنيسة وهرطقتها. وفي غمرة ذلك ظهرت مدارس فلسفيّة (لائكيّة) حاولت إعطاء تفسير للظاهرة الدينيّة؛ باعتبارها ضربًا من ضروب الجهل والخوف والضعف الكامن في وعي الإنسان و«لاوعيه»؛ إذ زعمت المدرسة الماركسيّة أنّ الظاهرة الدينيّة هي انعكاس لتفوّق الطبيعة في ذهن الإنسان البدائيّ؛ كونها في تمثّله ووجدانه تملك من القدرة ما تستطيع به تحديد حياته، فإغداقها الخير أو سومها بالشرّ، ومسالمتها واستجداء رضاها؛ إنّما يأتي عبر التزلّف بعبادتها وتذكية الأضاحي والقرابين لها. هذا الاعتقاد نفسه روّجت له المدرسة النفسيّة، التي صوّرت في سياق تحليلها لنشأة الظاهرة أنّ ضعف الإنسان وتوجّسه من الطبيعة هي التربة التي استنبتت المعتقد الدينيّ والأطراف المؤسِّسة له. وفي خضمّ هذه التصوّرات الجديدة للظاهرة الدينيّة، وفي حمأة تدافع الحضارات وصراع الأيديولوجيّات، شكَّل القرآن الكريم محورًا مركزيًّا لجملة من الدراسات الاستشراقيّة، التي تبتغي جلّها نسف حقيقة سماويّة الدين الإسلاميّ المنزَّه عن التحريف والتأليف؛ وذلك من خلال أرجفة مصدره والطعن في نصوصه ومناهج حفظه وجمعه وتدوينه. وقد جاء هذا الاهتمام في سياق المشروع الأمبريالي العلماني الطامح إلى محق كلّ الأسس الدينيّة، ودحر قيمها؛ تمهيدًا لإرساء قيم جديدة تذلِّل سبل السيطرة على الشعوب وتوجيهها؛ خدمةً لمصالح الأوليغارشيّات الرأسماليّة الجديدة، ومن جوقة المستشرقين الذين سلكوا هذا المضمار وتخندقوا في التيّار نفسه: المستشرق الفرنسيّ «ريجي بلاشير»، الذي انطلق في دراسته للقرآن الكريم من مسلَّمة تقول بتأليف القرآن وزيف قدسيّته، فخصّ لذلك ترجمتين ومؤلَّفين، حيث حاول في المؤلَّف الأوّل المعنون بـ«المدخل إلى
(178)القرآن» إثارة كلّ ما يتعلق بمسائل كتابة القرآن ورسمه وقراءته بالمعنى، في حين قدّم في المؤلَّف الثاني الموسوم بـ«القرآن» حصيلة دراسته للقرآن الكريم.
وبالعودة إلى تاريخ الترجمات الفرنسيّة للقرآن الكريم، يتّضح لنا أنّها مرّت بثلاث مراحل رئيسة
؛
يُعدّ موضوع ترجمة القرآن الكريم المعجز بمعناه ومغزاه من المناولات الهامّة في «الدراسات القرآنيّة»، والمعلوم أنّ فكرة ترجمة القرآن الكريم في أوروبا في مراحله الأولى قد نضجت في أحضان المبشِّرين المسيحيّين بدافع تشويه الإسلام والطعن في أسسه ومصادر تشريعه، فرصدت لذلك كلّ ما من شأوه إنجاح هذا المخطَّط الجهنّميّ، ولعلّ من أهمّ الوسائل التي وظّفتها لبلوغ الغاية: الاشتغال على ترجمة القرآن ترجمة بنَفَس يحكمه التأويل بالهوى، ومنهج يحرِّف القصد عن حقيقته؛ بوعي وبغير وعي، مدعوم بديباجات وتدبيجات وهوامش تُصرّ، بأحكام جاهزة دون دليل، على التشكيك في مصدر القرآن الكريم ووحيه وكتابته...، فالمترجمون لم يتجشَّموا عناء استيعاب النصّ القرآنيّ ومعانيّ الألفاظ ودلالاتها، ولم يهتمّوا بأسباب النزول وحيثيّاته، وقواعد الأحكام الفقهيّة وأصول الدين وغيرها من الأحكام والضوابط، ولم يكونوا من الملمِّين بتفاصيل علم النحو وجزئيّاته الدقيقة وعلم البلاغة والبيان. هذه الهجمة المسيحيّة الحاقدة المرتَّب لها بمكر، استهلّها القساوسة عقب نشوب الحروب الصليبيّة؛ بهدف تحميس الجنود على قتال المسلمين، وتبشيع الصورة الإيجابيّة التي رسمها المحاربون المسيحيّون العائدون من الشرق عن سماحة الإسلام وزيف ادّعاءات رجال الدين عن المسلمين. ويعتبر الفرنسيّ «بيتر المحترم» أوّل من أجرى مشروع ترجمة القرآن الكريم تحت إشرافه
؛ إذأوكل تنفيذه إلى «بيتر الطليطلي» و«هرمن الدماشي»
و«روبرت كيت» مقابل مبلغ مغرٍ من المال بمساعدة عربي مسلم يدعى محمد ، فأتمّوا المهمّة سنة 1143م ، وقد تكفّل روبرت في هذا المشروع بترجمة القرآن، في حين قام «هرمن» بترجمة النبذة المختصرة ، وفي خطاب أرسله «بيتر المحترم» إلى القديس «برنار» قال ما يلي: «قابلت روبرت وصديقه هرمان عام 1141م، بالقرب من «الأبر» في إسبانيا، وقد أقنعتهما بتحويل اهتمامهما من دراسة علم الفلك إلى ترجمة القرآن باللاتينيّة، فأتمّاها سنة 1143م».وكانت أوّل ترجمة للقرآن باستعانة اثنين من العرب
؛ أحدهما: مغربي مسلم ملمّ بالقرآن واللغة العربيّة . وبعد مراجعتها باللاتينيّة من قبل «بيير دي بواتييه»، تمّ إرسالها إلى رئيس دير «كلوني» العامّ «برندوس» مشفوعة بخطاب من بطرس ينوّه فيه بنضالات رجال الكنيسة ضدّ سائر أشكال الإلحاد ، فوضعها إثر ذلك تحت تصرّف رجال الكنيسة ليستفيدوا منها في استكمال دراساتهم اللاهوتيّة أو للقيام بأعمال التبشير، وكان ظهور هذه الترجمة بعد الحملة الصليبيّة بأربع سنوات.وقد أفنى «بيتر المحترم» عمرًا في دراسة العلوم العربيّة والإسلاميّة، لإنتاج الأفكار وتجييش الحملات وإحكام الخطط التي من شأنها هدم الإسلام والقضاء على مصادر قوّته، وهذا ما أكّده «بوسكي» بالقول: «منذ سنة 1141م، اجتمع رجال الدين بإيعاز
من بيتر المحترم رئيس دير كلوني لترجمة القرآن إلى اللاتينيّة، قصد محاربة الإسلام»
.وقد خلت هذه الترجمة من الأمانة العلميّة، وعجّت بالبهتان والتضليل؛ إذ تعدّدت فيها هنات الإضافة والحذف، وأغفلت العديد من المفردات، كما لم تتقيّد بأصل السياق، ولم تُقم وزنًا لخصوصيّة الأسلوب
، وهذا ما عبّر عنه عبد الرحمن بدوي حين اعتبر هذه الترجمة أقرب إلى التلخيص الموسَّع منها إلى الترجمة؛ فهي لا تلتزم بالنصّ الحرفيّ، ولا تنضبط لترتيب الجمل في الأصل العربيّ؛ وإنّما تؤوّل المعنى العامّ في أجزاء السورة الواحدة، ثمّ تعبّر عن هذا بترتيب من عند المترجم . وفي هذا الصدد علّق المستشرق آربري على هذه الترجمة بالقول: «على الرغم من امتلاء هذه الترجمة بالأكاذيب وسوء الفهم، فقد كانت الأساس الذي قامت عليه الترجمات الأوروبيّة المبكرة في الأسلوب الذي استخدمته» .وقد ظلّت ترجمة «بطرس المحترم» مصدرًا لتحقيق الأغراض المتعدِّدة، ومرجعًا لبثّ الروح الصليبيّة، وشحذ الهمم لمحاربة الإسلام
، وقد انتشرت هذه الترجمة انتشارًا واسعًا في مختلف كنائس أوروبا، وباتت هي الأرضيّة والبوصلة التي توجِّه أغلب الترجمات الأوروبيّة الحديثة. وعلى الرغم من اشتمال هذه الترجمة على كّل ذلك الزيف والتزوير لحقائق العقيدة الإسلاميّة وشرائعها، فقد منعت الكاتدرائيّات والمؤسَّسات الدينيّة المسيحيّة ظهورها وانتشارها بين العامّة؛ إذ توجَّست من تحقيقها لعكس الهدف المرجوّ؛ وهو التعريف بالإسلام. وزيادةً في الحرص، أشاعت الكنيسة أنّ مَنْ يطبع القرآن أو يحاول طبعه سيموت قبل أنْ يحلّ أجله الطبيعيّ .وبالفعل، فقد ظلَّت الترجمة المذكورة ضمن مخطوطات دير «كولوني»، وظلَّت مخطوطة في نسخ عدّة، تُتَدَاول في الأديرة مدّة أربعة قرون، ولم تصدر إلا في سنة 1543م؛ أي بعد أربعمئة عام من صدورها، حيث قام بطبعها ونشرها اللاهوتي السويسري «ثيو دور بييلياندر» في ثلاثة مجلّدات
اشتملت على مقدّمة لـمارتن لوثر وفيليب ميلانختون، بيد أنّ «جورج سال» اعتبر أنّ ما نشره «بيبلياندر» باللاتينيّة ليس ترجمة للقرآن؛ فالأخطاء اللانهائيّة والحذف والإضافة والتصرّف بحرّيّة شديدة في مواضع عدّة يصعب حصرها جعلت الترجمة عارية عن أيّ تشابه مع الأصل . وعلى الرغم من ما انطوت عليه هذه الترجمة من تدليس وافتراء وتشويه، فقد أمر البابا «بولس الثالث» بُعيد صدور طبعة منها بإتلافها، ولم تسمح الكنيسة بطبع الترجمة باللاتينيّة؛ إلا على عهد البابا ألكسندر السابع «1555-1568م» .وفي سنة 1647م ظهرت أوّل ترجمة للقرآن الكريم باللغة الفرنسيّة على يد «أندري ديريو» الذي ظلّت ترجمته ردحًا من الزمن محطّ اهتمام ودراسة، ومرجعًا في الترجمات إلى لغات أُخر. وفي هذا الشأن يقول «جون برسون»: «إنّ الترجمة الفرنسيّة القديمة جدًّا هي ترجمة «أندري ديريور»، طبعت كثيرًا بين الأعوام 1647م و1775م؛ إذ احتوت كلّها على مختصر لديانة الأتراك وبعض المستندات، وقد نتج عن هذا العمل أوّل ترجمة للقرآن إلى الإنجليزية بوساطة «ألكسندر روس»، كما كان للأب -أيضًا- ترجمات أُخر إلى الهولنديّة بواسطة «جلازماخر»، وإلى الألمانيّة بواسطة «لانج»، وإلى الروسيّة بواسطة «بستنكوف وفريفكين»»
.وبعد ظهور ترجمة الإيطالي «ولودفيك مراكي» سنة 1698م، باتت هذه الأخيرة عمدة في الترجمات إلى اليوم؛ بسبب ترجمتها القرآن الكريم من العربيّة إلى
الإيطاليّة، معزّزًا بالنصّ الأصلي للقرآن الكريم وترجمة لاتينيّة وجيزة جدًّا له، مضافًا إلى بعض التعليقات. وقد عكف المترجم على دراسة القرآن الكريم ومؤلّفات أشهر المفسّرين المسلمين ما ينيف عن أربعين سنة. واعتبر «هنري لامنز» هذه الترجمة أكثر الترجمات إنصافًا للقرآن الكريم، وهي مرجع كثير من المترجمين الأوروبيّين، غير أنّهم لا يشيرون إليها في معظم الأحيان؛ بسبب موضوعيّتها
.وبعد الربع الأوّل من القرن الثامن عشر، ترادفت الترجمات الأوروبيّة المعتمدة على النصّ العربيّ للقرآن الكريم، فاشتهر في هذا الصدد الترجمة الإنجليزيّة لـ«جورج سال» سنة 1734م، التي جزم في مقدّمتها أنّ القرآن من تأليف محمد، واعتبر ذلك مسلّمة لا تقبل الجدل
، وفي سنة 1751م نشر الفرنسيّ «سافاري» ترجمة مباشرة إلى الفرنسيّة سنة 1751م ، وصفها «إدوارد مونتيه» بالترجمة العارية عن الدقّة ، ولكنّه في المقابل أثنى على ترجمة «كزيمرسكي» التي أصدرها سنة 1840م واعتبرها أكثر رصانة وشيوعًا في فرنسا؛ على الرغم من ضعف معارفه في علوم اللغة العربيّة، وغياب الأمانة العلميّة في دراستها . بيد أنّه جاء في سنة 1925م بترجمة اعتبرها شكيب أرسلان أفضل الترجمات الأوروبيّة وأكثرها دقّة، وقد ذيّلها المترجم بفهرس لموادّ القرآن الكريم المفصّل بعناية .وبعد أربعة وعشرين سنة من ترجمة «مونتيه»، ظهرت ترجمة «بلاشير»
سنة 1949م المتّسمة بترتيب السور حسب التسلسل التاريخيّ لنزولها، التي قال عنها الدكتور صبحي «تظلّ ترجمة «بلاشير» للقرآن في نظرنا أدقّ الترجمات للروح العلميّة التي تسودها ولا يغضّ من قيمتها إلا الترتيب الزمني للسور القرآنيّة»
. وأمّا ما عابه جاك بيرك على «بلاشير» فهو علمانيّته التي حجبت عنه القدرة على اكتناه العمق الروحيّ للقرآن الكريم، وفي هذا المعنى، يقول: «لا شكّ في أنّ «بلاشير» هو أستاذ عظيم فذّ، فقد كان أستاذًا لي وصديقًا كبيرًا، ولكنّنا لو تكلّمنا كعلماء بعيدًا عن العلاقات الخاصّة، فإنّني أقول إنّ ترجمته للقرآن -على الرغم من مزاياها- لها نواقص، ولكنّها تبقى من أفضل الترجمات الفرنسيّة للقرآن» .اللافت في هذه الترجمة إيراده للآية الواحدة بترجمتين؛ إذ يبرز في إحداهما المعنى الرمزيّ، وفي الأخرى المعنى الإيحائيّ الذي يغلّبه في كثير من الأحيان، كما لم يفته تدبيج نصّ الترجمة ببعض التعليقات والبيانات. وفي سنة 1966م، ظهرت ترجمة المستشرق الألماني «رودي بارت»، التي عُدَّت في ذلك الوقت أحسن ترجمة للقرآن الكريم باللغة الألمانيّة؛ بل في اللغات الأوروبيّة عمومًا. وقد حرص صاحبها على أنْ تكون دراسته منضبطة -قدر الإمكان- بالدقّة والأمانة في نقل المعاني القرآنيّة من العربيّة إلى الألمانيّة، وحيث قابلته عبارة يصعب فهمها وترجمتها إلى اللغة الألمانيّة لم يتوانَ في إدراجها بعبارتها الأصليّة؛ كما وردت في الآية الكريمة
.وقد كثرت بعد ذلك إصدارات الترجمات القرآنيّة الفرنسيّة، لكنّها لم تأتِ بجديد
يذكر
، حتّى أصدر «جاك بيرك» سنة 1990م مناولة جديدة في ترجمة القرآن الكريم استغرق إنجازها ثماني سنوات من العمل، استعان فيها بعشرة تفاسير تنوّعت بين القديمة والحديثة. والحقّ أنّ الترجمة تميّزت بمقدّمة تناولت بالتحليل النصّ القرآنيّ ومميّزاته ومضامينه والخصوصيّات التي يحظى بها، لكنْ على الرغم من الإطراء الذي حفّ هذا العمل؛ فقد اعتبره المترجم عملًا عاريًا عن الكمال، ورأى أنّ الفئة المستهدفة منه هم المسلمون المتمكّنون من اللغة الفرنسيّة غير الناطقين باللغة العربيّة .
هدف «بلاشير» وأمثاله من ترجماتهم لمعاني القرآن الكريم إلى إيهام القرّاء بتناقضاته، وإضفاء صفة النحل والحبكة والتأليف البشريّ عليه؛ وذلك بما يبثّون في مقدّماتهم وحواشيهم من أكاذيب وافتراءات؛ لاعتقادهم الجازم بأنّ ذلك يصيب الإسلام في الصميم.
وتقع مقدّمة الطبعة الأولى لترجمة «بلاشير» في 310 صفحة ضمّنها موضوعات عدّة؛ منها:
- تدوين القرآن الكريم.
- وصف المصحف العثمانيّ.
- انتقادات مثارة من خلال النصّ القرآنيّ.
- الترجمات الأوروبيّة
.أمّا طبعة سنة 1980 للترجمة المذكورة
، فلم تتجاوز مقدّمتها عشرة صفحات، تناول فيها المترجم فترة النبوّة التي قسّمها إلى أربع مراحل، وضمّنها تحليلات وتعليقات مزيّفة تهيّئ ذهن القارئ لقبول ما يختلقه في ترجمته من افتراءات للنيل من القرآن الكريم، وهذا يدلّ على ما بذله «بلاشير» من مجهودات جهيدة لتحقيق الهدف الاستشراقيّ المنشود.رتّب «بلاشير» سور القرآن الكريم وترجم معانيه الجليلة في الطبعة الأولى سنة 1949م وفق نزولها، مقتديًا بنهج بعض المترجمين البريطانيّين؛ وذلك بقصد تفسير التشريع على ضوء الوقائع التاريخيّة، وقد أصبح القرآن وفق هذا الترتيب 116 سورة؛ بدلًا من 114؛ إذ قسّم سورتي العلق والمدّثّر إلى أربع سور، وهو ما لا يعرفه المسلمون وما لا يعرفه المصحف الشريف منذ حضور زيد بن ثابت العرضة الأخيرة للقرآن الكريم من النبي صلىاللهعليهوآله على جبريل حتّى اليوم . ثمّ إنّه عفا عن ذلك في الطبعات التالية.
ويستهلّ «بلاشير» دائمًا مقدّمة كلّ سورة كريمة بذكر مصدر اسمها
وآراء المفسّرين المسلمين وغير المسلمين في مكّيّتها أو مدنيّتها؛ جزئيًّا أو كلّيًّا، لكنّه في أغلب الأحيان يرجِّح آراء غير المسلمين، وقد يقحم معلومات أُخر عن السورة، والآية يترجم بعضها مرتين أو أكثر، وإذا رأى أنّ للآية أكثر من معنى؛ فإنّه يضع في ترجمته للآية رقمين: الرقم الأوّل هو رقمها حسب طبعة «فلوجل» للمصحف، الذي اعتمد في عدِّ آياته على ترقيم خاصّ به مخالف لما عليه علماء الأمّة، والرقم الثاني هو رقمها حسب طبعة القاهرة، وقد أشار إلى ذلك في «التنبيه الذي كتبـه قبل مقدّمـة ترجمته» . كما ادّعى أنّه اعتمد على أربعة تفاسير؛ وهي: الطبري، البيضاوي، النسفي، والرازي، ولكنّ الملاحَظ عند قراءة ترجمته أنّه يرجِّح دائمًا آراء المستشرقين على ما جاء في هذهالكتب. ومن آرائه أنّه يرى أنّ بعض الآيات إلحاقيّة نزلت متأخّرة عن الآية السابقة لها، ويشير إلى هذه الآيات التي يراها متأخّرة بطباعتها بطريقة خاصّة تميّزها عن الآيات الأُخر؛ وذلك إمّا بطباعتها في الجانب الأيمن من الصفحة، وإمّا بطباعتها بحرف مائل
، ومثال ذلك: الآية 129 في سورة النساء. ثمّ إنّه يدَّعي في بعض المواضع أنّ الآيات ناقصة، فيأتي بعبارات من التوراة؛ ليستكمل بها هذا النقص المزعوم، كما لم يتورّع عن نقل بعض الآيات من أماكنها .
حاول «بلاشير» إثبات التعارض في بعض الآيات القرآنيّة، وفي هذا الشأن ساق مثالًا في العدل الإلهيّ في قوله تعالى: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٢٦﴾ تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ۖ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ۖ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) ، حيث علَّق بأنّ هذه الآية تُخبِر بسلطة الله المطلقة في أحكامه وقراراته وتقديره للأمور، بيد أنّ الآيتين التاليتين تثبتان خلاف ذلك في قوله تعالى: (مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا ﴿١٥﴾ وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) ، حيث إنّها تعطي -حسب قوله- الحرّيّة للإنسان في اختيار مصيره .
ولم يقف تجاسره عند هذا الحدّ؛ بل طفق يقدّم الآيات القرآنيّة ويؤخّرها عن مواضعها في المصحف الشريف حسب هواه؛ من قبيل: إيراده للآية الحادية عشرة من سورة النساء في الآية الثانية عشرة، وتنكيس الآيات 62-63-64 من سورة طه، وإقحامها في الآية 60 وما بعدها. أمّا الآيتان 16 و 17 من سورة لقمان فقد رأى أنّهما تعترضان وصايا لقمان لابنه، الأمر الذي يستوجب إعادتهما إلى ماقبل الوصايا؛ لاستقامة المعنى. كما وصل به الأمر إلى إضافة ما ليس في القرآن؛ مثل فعله في الآية 52 من صورة الزخرف، إذ أضاف كلمة (antérieurement) (قبلًا) بعد قوله تعالى: (مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ) ؛ بحجّة أنّ معنى الآية غير واضح .
وقد ختم «بلاشير» ديباجة ترجمته بخاتمة أكّد فيها بجزم أنّ القرآن ليس كتاب عقيدة وشريعة، بل لا يعدو أنْ يكون مجرّد رسالة جهاد وتحريم، وبهذا المعنى يقول: «نشدنا أنْ نجمع ما لا يجوز جهله في رسالة قيل إنّها عقيدة وشريعة... وإذا ربطنا النصوص القرآنيّة بعضها ببعض يتّضح ويتحدّد خطوط القوّة فيها؛ إذ هي رسالة جهاد وتحريم أكثر من أيّة رسالة أخرى»صلىاللهعليهوآله في المدينة المنوّرة، على أنّ هذه الحاجة للتدوين لم تظهر -حسب استنتاجه- إلا بين الحين والآخر؛ أي إنّ الجزء الذي يكتب من الوحي هو الجزء الذي كان يرى فيه النبي الكريم خدمة وإفادة لمصلحة متوخّاة في سياق معيّن، وقد شغلت الأدعية والأحكام الشرعيّة معظم حيّز هذا الجزء، وبذلك يقسّم بلاشير القرآن الكريم إلى مهمّ وغير مهمّ . وفي سياق حديثه عن مسألة جمع القرآن ومراحل تدوينه، خرج بقناعة؛ مفادها: أنّ التدوين لم يكنْ صحيحًا تمامًا، فسقطت آيات كثيرة منه، كما
. وعن مسألة الوحي، زعم بلاشير أنّ الوحي المنزَل في مكّة لم يُكتَب، بل كان يُخزَّن في الذاكرة، وأنّ فكرة تدوين مقاطع الوحي الهامّة التي نزلت في السنوات السالفة على موادّ خشنة من الجلود واللخاف، لم تنشأ إلا بعد إقامة محمدأنّ أدوات الكتابة وما كان يكتب عليها، قد تمّ دون ضبط، أو نظام، ما عرَّض بعضه للضياع. كما أنّ الجمع في المرحلة الثانية لتدوين القرآن بعد وفاة الرسول لم يتجاوز ما كان في صدور الحفَّاظ، وبمبادرة شخصيّة من بعض الصحابة، وهذا ما يؤشِّر إلى أنّ جمع القرآن وتدوينه لم يتمّ بطريقة علميّة صحيحة حتّى عهد الخليفة الثالث عثمان. كما اعتبر «بلاشير» أنّ قراءة القرآن الكريم قراءة خاطئة لا تنضبط بالتسلسل الزمني لتواتر السور، وفي هذا الصدد قال: «إنّ السور على النظام المعاكس للتاريخ الذي نزل فيه الوحي؛ إنّنا نقرأ القرآن معكوسًا. ومن جهة أخرى، فالسور بعيدة عن تكوين مجموعات متجانسة». وعليه؛ نصح بضرورة البحث عن ترتيب زمني للسور؛ طالما أنّ الترتيب الذي عليه القرآن حاليًّا ترتيب مصطنع يشي عن الروح الفوضويّة التي كان عليها العرب في ذلك الوقت، الأمر الذي استدعى -حسب زعمه- هجر هذا الترتيب، والبحث عن آخر ينضبط للتسلسل التاريخيّ في النزول، وفي هذا الشأن، قال: «من أجل فهم الكتاب المقدّس للمسلمين تاريخيًّا، يمكن الرجوع إلى التسلسل الزمنيّ... من أجل مساعدة القارئ»
.وقد قسَّم بلاشير سور القرآن الكريم إلى أربع مراحل، فاصلًا بين هذه المراحل الأربع؛ بما تتميّز به كلّ مرحلة عن الأخرى من سمات، والذي يبدو أنّها مأخوذة من المستشرق الألماني «نولدكه» في معالجته لهذا الموضوع؛ باعتبارها الطريقة المثلى -في نظر بلاشير- التي يجب التقيّد بها، وفي هذا يقول: «أثبتت التجربة أنّ التقيّد بالمراحل الزمنيّة للترتيب الذي اقترحه «نولدكه» وأخذ به بعض المترجمين، يجعل قراءة المصحف سهلة، بل ممتعة»
. وفي معرض حديثه عن المرحلة الأخيرة في تدوين القرآن ورسمه ونقطه التي تمّت في العهد الأموي، أكّد أنّها المرحلة التي تمّ فيها حذف بعض الآيات التي تمجِّد عليًّا وأهل البيت لأسباب سياسيّة .أمّا على المستوى الفنّيّ، فقد اعترف «بلاشير» بأنّ القرآن معجزة وتحفة أدبيّة رائعة تسمو على جميع ما أنتجته الإنسانيّة وبجّلته من الصحف
؛ وذلك لما يحويه من نثر موزون مقفّى يؤثِّر بسحره العجيب على المتلقّي، وهذا ما اعتبره شبيهًا بترانيم المنجّمين والسحرة وتفنّن الشعراء، وفي هذا الصدد يقول: «ولقد نشأ من هذا النثر انفعال إجماليّ أثّر في الأعداء أنفسهم...، ثم إنّ لهذه الميزة تأثيرًا على السامع الذي لا ينطق بالضادّ... وهذا شبيه بغرابة تنبّؤات المنجّمين، وهدر الشعراء، وقول السحرة» . إذًا، فقد ظلّت لغة القرآن -في نظره- شبيهةً بالشعر القديم؛ وذلك بفضل الأحكام الموسيقيّة للمقاطع اللفظيّة، وغنى النغم في الحركات، والقوافي المنظومة أو المسجّعة .إنّ منهج النفي الذي اتّبعه «بلاشير» كان الغرض منه نفي الحقائق والوقائع المرتبطة بنزول القرآن الكريم؛ وذلك من خلال إثارة الشكوك إلى الحدّ الذي يجعلك تشكِّك في حقيقة النصّ القرآنيّ المتداول!.
ادّعى «بلاشير» أنّ القرآن الكريم قد ألّفه محمد وجمعه من مختلف المصادر، زاعمًا أنّه قد تلقّى تعاليمه ومادّته العضويّة من راهب نصرانيّ أريوسيّ اسمه «سيرجيون بحيرى» الذي كان خارجًا عن العقيدة القويمة
. أمّا القصص الواردة في القرآن، فقد استقاها محمد من التوراة، وقصص الغابرين، وحكايات سوق عكاظ، وخطب قس بن ساعدة وأشعاره، الذي أخذ عنه بعض القضايا الدينيّة، ولا سيّما ما تعلّق منها بالبعث والنشور والحساب ، ثمّ أضفى عليها -بذكاء- الرواية والأسلوبالعربيّ الفصيح الذي اتّسم بالإيحاء أكثر منه بالوصف(أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ) ، فقد اعتبرها «بلاشير» آية مطابقة للأسطورة المنتشرة بكثرة في الشرق، وفي الثقافة اليهوديّة النصرانيّة . وكذلك زعمه في مقدّمة سورة إبراهيم أنّ الآيات الخاصّة بهذا الرسول الكريم (أي من الآية 38 إلى 42) هي نصوص قديمة تمَّ تنقيحها بالمدينة المنورة، واستدلاله بالطول النسبي للآية الثالثة من سورة العصر على أنّها أُدرجت منذ زمن قريب . وكذا جزمه بالنسبة إلى وجود آيات هامّة في مقدّمة سورة الأنعام بأنّها أدخلت عليها تعديلات بعد الهجرة إلى المدينة المنورة بزمن وجيز . كما لم يتورّع عن وصف محمد صلىاللهعليهوآله بالزعيم الداهية الذي يتقلّب بتقلّب المصالح وتحوّل موازين القوى. وفي هذا التفسير ادّعى أنّه سعى إلى تحسين علاقته مع اليهود؛ بانتمائه إلى الإبراهيميّة بعدما أدرك مكانتهم ونفوذهم في المدينة وقوّة حلفائهم، وحينما قويت شوكته وانقطع حبل الودّ بينه وبينهم، مال إلى النصارى؛ بعدما استشعر جأشهم إثر هزيمته في معركة مؤتة ، وهو يؤوّل ذلك من قوله تعالى: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ) .
. ومثال ذلك: ما ذكره في قوله تعالى:وفي السياق ذاته ذيّل الصفحة الثامنة والأربعين من كتابه معلّقًا على الآية الكريمة: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ۚ قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) بالعبارات التالية:
«بقت [أي القدس] قبلة المسلمين ما يربو عن 16 أو 17 شهرًا؛ أي حتّى يئس محمد من ولاء إسرائيل، ثمّ تحوّل إلى الكعبة»
.لقد ظلّ السواد الأعظم من المستشرقين -وعلى رأسهم «بلاشير»- ينطلقون عند دراستهم للوحي من ثوابت معرفيّة ذي صلة بديانتهم التي ترى أنّ آخر تجلّيات الوحي قد انتهت مع موسى وعيسى عليهما السلام، وبالتالي، فالنبوّة يستحيل ظهورها في أحد بعدهما، ومن هذه الفرضيّة يتعاملون مع القرآن على أنّه حديث بشري محض، فهو إمّا عمليّة انتقائيّة اعتمدت على الكتب السماويّة الأُخر، وإمّا إنتاج ومزج بين عناصر الديانات الوثنيّة التي كانت سائدة في القرن السابع الميلاديّ
.
اجتمع المسلمون على أنّ القرآن الكريم هو كلام الله المنزَل بالوحي على رسوله الكريم صلىاللهعليهوآله ، فالله -تعالى- بذاته الجليلة هو المتكلِّم به والمُنشِئ له، وميزته عن سائر الكتب السماويّة أنّه إلهيّ في لفظه ومعناه . أمّا «بلاشير» فقد أثار -في إطار سعيه الحثيث والدؤوب نحو صرف القرآن الكريم عن مصدره الإلهيّ- نقاط عدّة للدفاع عن أطروحته، غير أنّ مجموعة من المتخصّصين أدحضوا الدلائل الواهية التي بنى عليها تصوّره؛ وذلك من خلال النقاط التالية:
التقى النبي صلىاللهعليهوآله الراهب بحيرى؛ وهو في ربيعه التاسع، أي في مرحلة لا تؤهِّله تمامًا لتلقّي أيّ شيء أو استيعابه! وفي هذا الصدد قال عبد الودود شلبي: «هل يُتصوّر بشرٌ أنّ طفلًا لا يزيد سنّه عن تسع سنوات أو اثنتي عشرة سنة
يلتقي برجل فيتعلّم منه لغته... ثمّ يلقّنه أصول عقيدة ديانته، وكلّ ذلك في بضع ساعات؟ هل يتصوَّر ذلك بشر؟!»صلىاللهعليهوآله حين لقائه بالراهب كان معه رفقة، ولم يكنْ وحده، ولم يدم اللقاء سوى فترة تناول الطعام، ثمّ إنّ موضوع اللقاء؛ كما بيّنته الرواية يدور فحواه عن علامات النبوّة، لِمَا كان عند بحيرى من ذِكْر ونعت عن النبي المنتظر، فأخبر بذلك أهله وأمرهم بحفظه من اليهود، زد على ذلك أنّ الذي دعا إليه صلىاللهعليهوآله يخالف إلى حدٍّ بعيد ما كان يعتقده بحيرى. هذا مضافًا إلى أنّ قومه المعادين لرسالته هم أحرص الناس على القدح في نبوّته، فلو علموا بذلك -ولو بقيد أنملة- لاستغلّوا الأمر ولكانت لهم حجّة في إنكار بعثه .
. هذا، كما أنّهذكر ابن كثير في هذا الشأن أنّ الرسول الكريم سمع ابن ساعدة يومًا إبان فترة الجاهليّة في عكاظ على جمل، ولم يعِ من كلامه إلا ألفاظًا مبهمة، ولمّا قدم وفد إياد على النبي صلىاللهعليهوآله لمبايعته، قال: «يا معشر وفد إياد ما فعل قس بن ساعدة الإيادي؟»، قالوا: «هلك يا رسول الله»، قال: «لقد شهدته يومًا بسوق عكاظ على جمل يتكلّم بكلام معجب مونق لا أجدني أحفظه»، فقال له أعرابي من أقاصي القوم: «أنا أحفظه يا رسول الله»، قال: «فسر»، قال: «يا معشر الناس اجتمعوا فكلّ من فات فات، وكلّ شيء آت آت، ليل داج وسماء ذات أبراج، وبحر عجاج، ونجوم تزهر، وجبال مرسيّة، يذهبون فلا يرجعون، أرَضوا بالإقامة فأقاموا، أم تُركوا فناموا؟ أقسم قس بالله قسمًا لا ريب فيه أنّ لله دينًا هو أرضى من دينكم هذا»، ثمّ أنشأ يقول خمس أبيات شعريّة يفصِّل القول فيهن ، فقال الرسول صلىاللهعليهوآله : «رحم الله قسًّا، وإنّي لأرجو الله أنْ يبعثه أمّة وحده» . إذًا، فالرسول صلىاللهعليهوآله كان قد سمع مرّة من ابن ساعدة قولًا أُشكِل عليه فهمه،
ووقوفه لسماعه؛ إنّما كان من باب شهرته بفصاحته وبيانه وحكمته التي أطبقت الآفاق، فكيف لرجل أمّي سمع من آخر كلامًا راطنًا بالنسبة إليه، أن يحوِّله إلى قرآن أعجز العالم بمعجزاته اللغويّة والتاريخيّة والعلميّة...؟
صرّح «بلاشير» في كثيرٍ من الآيات القرآنيّة التي تروي قصص العهود الغابرة، أنّها مأخوذة من الأخبار التي جاءت بها الكتب السماويّة؛ ومن أمثلة ذلك: قصّة موسى عليهالسلام التي سنسوقها على سبيل الذكر لا الحصر؛ إذ ذكر القرآن أنّ التي كفلت موسى عليهالسلام هي امرأة فرعون؛ مصداقًا لقوله تعالى: (وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ ۖ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) ، في حين أنّ سفر الخروج من التوراة يؤكّد أنّ التي كفلته هي ابنة فرعون؛ حيث قال: «فنزلت ابنة فرعون إلى النهر لتغتسل وكانت جواريها ماشيات على جانب النهر، فرأت السفط بين الحلفاء، فأرسلت أَمتها وأخذته، ولمّا فتحت رأت الولد وإذا هو صبي يبكي، فرقّت له وقالت: «هذا من أولاد العبرانيّين»، فقالت أخته لابنة فرعون: «هل أذهب وأدعو لك امرأة مرضعة من العبرانيّين لترضع لك ولدك؟ «فقالت لها ابنة فرعون: اذهبي...» .
كما يذكر القرآن غرق فرعون بشكل دقيق، ولا يتجاهل حتّى مسألة نجاة بدنه من الغرق مع موته: (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ۚ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ) . هذا في حين أنّنا نجد التوراة تشير إلى غرق فرعون بشكل مبهم فقط، فتقول في سفر الخروج: «فقال الربّ لموسى مدّ يدك على البحر ليرجع الماء على المصريّين على مركبهم وفرسانهم...فلم يبقَ منهم ولا واحد» .
4. مسألة زعامة الرسول صلىاللهعليهوآله :
وصف «بلاشير» الآيات القرآنيّة التي تعرّضت للعقيدة المسيحيّة بأنّها تكتيك زعيم سياسيّ محنّك يخطب ودّ المسيحيّين بعدما أوقعوا به هزيمة نكراء في معركة مؤتة.
واقع الأمر أنّ جهله بتفاسير القرآن وأسباب النزول وأحكام اللغة، وحقده على الإسلام؛ جعلاه ينحى هذا المنحى، فالآيات التي جاءت في النصارى ليست عامّة فيهم، بل محدّدة في فئة من النصارى الذين لا يستكبرون على الحقّ، مصداقًا لقوله تعالى: (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) . ثمّ إنّ الآية لم تقل: «ولتجدنّ أقربهم مودة النصارى»؛ مقابل اليهود والذين أشركوا أشدّ الناس عداوة للذين آمنوا؛ بل أوردت الآية «من» التبعيضيّة في سياق ينطق بأنّهم جماعة من النصارى وليسوا كلّ النصارى؛ بدليل قوله تعالى:(ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ)، وهذه الفئة المخصّصة قد حدّدتها روايات سبقت في سبب نزول الآية، وهناك من المفسّرين من ذكر أنّها نزلت في النجاشي ملك الحبشة وأصحابه، أثناء تلاوة جعفر بن أبي طالب على مسامعهم سورة مريم، وهناك من ذكر أنّها نزلت في الأحباش الذين قدموا مع المسلمين وهم سبعون رجلًا، اثنتان وستون من الحبشة وثمانية من أهل الشام؛ منهم بحيرى الراهب.
إنّ المنطلق الخطأ الذي ينطلق منه «بلاشير» هو إنكار الوحي أساسًا، وهذا الموقف له ما يبرّره؛ وهو أنّ شرذمة كثيرة منهم لم يفهموا حقيقة الوحي والنبوّة، ولم يعرفوا العلاقة التي تربطهما، ومن ثمّ راحوا يُخضعون في دراستهم للوحي مقاييس العلوم التجريبيّة التي أثبتت الدراسة والبحث عجزهما التامّ عن تقديم أيّ تفسير صحيح للوحي، بحيث وقفت عند حدود ظواهر الأشياء، ولم تستشفّ
ما وراء هذه الظواهر، ولم تصل إلى كنه الأمور. ونحن إذا تتبّعنا جزئيّات تفسيراته للوحي القرآنيّ نجدها ترتكز على مرتكزين اثنين:
ـ المرتكز الأوّل: الظروف التي تلقّى فيها الرسول الكريم أوّل بلاغ إلهيّ:
حيث يرى «بلاشير» أنّ ظهور دعوة الربّ تمّت على مرحلتين: في البداية عن طريق التفكير، وبعد ذلك عن طريق الرؤية
. ولو كان ذلك ما كان له أنْ يشعر بالرعب والخوف حينما رأى جبريل وسمع صوته، حتى إنّه قطع خلوته في الغار وعاد إلى بيته مسرعًا.وتروي أحاديث بدء الوحي أنّه صلىاللهعليهوآله خاف على نفسه لمّا رأى الملك أوّل مرّة، وهذا ليس شأن من يفكّر ويبحث عن الوحي، ولم يتّفق أبدًا أنّه سعى إلى أنْ يكون رسولًا، ولو كان الوحي يأتي بطريقة الوهم لما كان له فيه نصيب، فلقد سبقه إلى التفكير والعزلة خلق كثير أجهدوا أنفسهم وسعوا حثيثًا إلى النبوّة وتلقّي الوحي لمّا سمعوا عن قرب ظهور نبي ذلك الزمان، ولكنّهم ما أصابوا شيئًا ولا نالوا مطلبهم .
ـ المرتكز الثاني: فتور الوحي:
تحدّث «بلاشير» عن الكرب الجسيم الذي عذّب محمد صلىاللهعليهوآله إثر انقطاع نزول الوحي عليه؛ إذ طفق يشكّ في حقيقة بعثه ، وهذا دليل على أنّ الوحي كان ينزل حين يشاء الله ويحبس حين يريد، ولا دخل للرسول الكريم فيه، والشواهد على ذلك أكثر من أنْ تحصى؛ منها على سبيل المثال: حادثة الإفك، حيث أبطأ الوحي شهرًا كاملا لردّ الريبة التي كادت أن تعصف بقلب الرسول صلىاللهعليهوآله .
في إطار السعي الحثيث والدؤوب لصرف القرآن الكريم عن مصدره الإلهيّ،
حاول «بلاشير» عند تعرّضه للغة القرآن أنْ يصوّرها بصورة الأدب القديم، واجتهد في التنقيب عن مواطن التشابه والمماثلة بين لغة القرآن ولغة البشر، وخرج بأنّ لغة القرآن تشبه إلى حدٍّ بعيد لغة الشعر العربيّ القديم في إيقاعه ووزنه وقافيته. وفي هذا السياق يقول: «إنّ لغة القرآن تظهر لنا بحقّ شبهه بالشعر الأصيل؛ وذلك بفضل الأحكام الموسيقيّة للمقاطع اللفظيّة، ولِغنى النغم في الحركات، واستعمال القوافي المنظومة أو المسجَّعة»
. وفي سياق آخر يقول: «إنّ أسلوب خطابات القرآن يذكّرنا بغرابة المنجّمين وقول السحرة» ، معبّرًا في الوقت نفسه بأنّ أسلوب القرآن يشبه الأسلوب السجعيّ الذي عُرفت به الكهانة في شبه الجزيرة العربيّة، غير أنّه اعتبر القرآن الكريم أقوى منه تعبيرًا وبلاغة .والحقيقة أنّنا حينما نسمع القرآن الكريم، لا يمكننا تصنيفه في نثر أو شعر، على الرغم من أنّ أيّ نصٍّ مقروء أو مكتوب في اللغة العربيّة ينتمي إلى أحدهما، ولكنّنا عند تلاوته والتأمّل في لغته نجد أنفسنا أمام جنسٍ أدبيٍّ متفرّد في أشكاله البلاغيّة وأدواته الفنّيّة التصويريّة، وبهذا المعنى يقول الماوردي: «يُصنَّف الكلام -عمومًا- في ثلاث مراتب: إمّا منثور يدخل في قدرة الخلق، وإمّا شعر؛ وهو أعلى منه بقدر؛ يقدر عليه فريق ويعجز عنه آخر، وقرآن؛ وهو أعلى من جميعهما وأفضل من سائرها، تتجاوز رتبته النوعين لخروجه عن قدرة الفريقين»
.لقد أحدث القرآن بجنسه اللغويّ الفريد طفرةً هامّةً في اللغة العربيّة؛ إذ نقلها من المرحلة اللهجيّة الجاهليّة إلى لغة منظّمة فنّيًّا
. وأمّا قوله إنّ لغة القرآن تشبه لغة الكهّان والمنجّمين وأسلوبهم، فقد أكّد ألدّ أعداء الإسلام والمسلمين أنّه عارٍ عن ذلك، حيث قال المغيرة في ذلك: «...لا والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهّان، فماهو بزمزمة الكهّان ولا سجعه...»، فقالوا: «نقول ساحر»، قال: «ما هو بساحر، لقد رأينا السحّار وسحرهم، فما هو بنفثهم ولا عقدهم...»
.وقد أكّدت المستشرقة الإيطاليّة «لورا فيشيا» بالقول: «ليس ثمّة أيّما نمط لهذا الأسلوب في الأدب العربيّ... والأثر الذي يحدثه في النفس البشريّة؛ إنّما يتمّ من غير أيّما عون عرضيّ أو إضافيّ من خلال سموّه السليقيّ. إنّ آياته كلّها على مستوى واحد من البلاغة»
.في حديث طويل عن التدوين والقراءات، ذكر «بلاشير» دعاوى عريضة متهافتة، تعتمد على روايات شاذّة، فتقحم مواقف طوائف غلاة من القرآن، وتطلق أحكامًا على عواهنها لا سند لها حول حذف بعض الآيات أو السور من القرآن، وهو افتراء القصد من إثارته تدعيم أطروحته الجاهزة في تأليف القرآن الكريم، بشواهد مذاهب آمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعضه
. وفي دأبه هذا، لخّص في كلمتين أنّ رسالة الإسلام يمكن اختزالها في أوامر للجهاد ونواهٍ عن المحرّمات، غافلًا عن القاعدة الأصوليّة التي تقول إنّ الأصل في الأشياء هو الإباحة، باعتبار أنّ دائرة الحلال والإباحة في شريعة الإسلام أوسع من دائرة التحريم .أ. في ما يخصّ ترتيب القرآن:
خلال مناولته لمسألة ترتيب القرآن الكريم، خطّأ «بلاشير» النهج الذي تمّ به ترتيب آياته وسوره، واعتبره فوضويًّا وطريقه لا تستقيم مع الضبط والتسلسل التاريخيّ؛ وذلك في إطار محاولته إظهار التناقض في القرآن -سواء من حيث الأسلوب أو الموضوع- وبيانه أنّه مفكّك الأجزاء غير متّصل الحلقات، وأنّه خضع في عمليّة
تأليفه لظروف مختلفة، وتأثّر مؤلّفه وجُمّاعه بعوامل متباينة تركت بصماتها على نمط تفكيرهم وفي طريقة كلامهم، وما دام الأمر كذلك فهذا الكتاب -يقينًا- كلام بشر، وليس كلام إله، غير أنّ هذا اللبس الذي وقع فيه «بلاشير» عائدٌ إلى اختلاف لغته ومباينة فطرته لفطرة الذوق العربيّ والأساليب الكتابيّة والبيانيّة، وعدم إلمامه إلمامًا كافيًا بأحوال العرب في الجاهليّة، وظروف تنزيل القرآن على الرسول صلىاللهعليهوآله في مكّة والمدينة، وتشعّب الحوادث والواقعات العامّة والخاصّة، وعدم معرفته بأصول المسائل وملابسات الأحوال التي تناولها القرآن منذ أربعمئة وألف سنة .
ب. في ما يخصّ الوحي القرآنيّ:
ادّعى «بلاشير» في مسألة كتابة الوحي القرآنيّ أنّها قُرّرت بعد استقرار الرسول صلىاللهعليهوآله في المدينة، وأنّها لم تظهر إلا حسب الحاجة، وبطريقة انتقائيّة لبعض النصوص التي تخصّ الأدعية والتشريع . هذا البهتان المبين مردود؛ لأنّ كتابة القرآن بدأت قبل هجرته صلىاللهعليهوآله؛ حيث يروي أبو داود السجستاني عن خارجة بن زيد أنّه قال: «دخل نفر على زيد بن ثابت، فقالوا: «حدّثنا عن بعض حديث رسول الله»، فقال: «ماذا أحدّثكم؟ كنت جار رسول الله، فكان إذا نزل الوحي أرسل إليّ فكتبت الوحي» . وذكر فضل بن عباس أنّ النبي صلىاللهعليهوآله حينما كان ينتهي الوحي من رسالته كان يقوم بأمرين اثنين: الأمر الأوّل أنّه يتلو ما أنزل عليه على الصحابة رضوان الله عليهم. والأمر الثاني يملي على كتبة الوحي ما نزل عليه. وبهذا كانت الكتابة مصاحبة للتلاوة في كلّ مرة تنزل آية أو سورة على الرسول الكريم، وحتى لا يلتبس شيء بالفرقان المبين نهى رسول الله صلىاللهعليهوآله عن الكتابة عنه سوى القرآن الكريم، حيث قال في رواية لأبي سعيد الخدري: «لا تكتبوا عنّي، ومن كتب عنّي غير القرآن فليمحه» ، كما أكّد أبو عبد الله الزنجاني ذلك
بقوله: «كان للنبي كتّاب يكتبون الوحي بالخطّ المقرّر وهو النسخي، وهم ثلاثة وأربعون». وقد عكف هؤلاء الكتبة على تدوين ما يملى عليهم من القرآن أولًا بأوّل، حتّى أتمّوا كتابته كلّه على عهد الرسول صلىاللهعليهوآله ، وقد كان القرآن كلّه مكتوبًا في عهده صلىاللهعليهوآله ، لكنّه غير مجموع في موضع واحد ولا مرتّب السور . وفي هذا السياق يقول صادق الرفاعي: «قُبض رسول الله والقرآن في الصدور وفي ما كتبوه عليه» .
ج. في ما يخصّ جمع القرآن:
في معرض حديث «بلاشير» عن ملابسات جمع القرآن الكريم على عهد عثمان بن عفان، اتّهم الخليفة بأنّ الهدف من ورائه كان براغماتيًّا؛ فاللجنة المشرفة على جمعه تجمعهم بعثمان صلات المصاهرة والقبليّة ومصالح مشتركة، كما إنّ اللجنة عملت على إقصاء بعض الشخصيّات التي لها وزنها وشأنها الكبير؛ مثل: علي بن أبي طالب وأُبي رضي الله عنهما، وعملت اللجنة على محو بعض الآيات التي لا توافق مصالحها وهواها.
إنّ هذا التجريح في المعهود إليهم كتابة القرآن، ونزع ثوب الثقّة والورع عنهم
؛ إنّما هو للتدليل على بشريّة القرآن المكتوب لخدمة مصالح شخصيّة وفئويّة، لكنْ هل كان يمكن للصحابة رضوان الله عليهم أنْ يسمحوا بتحريف القرآن والقيام بعمليّات الحذف والتدليس، على مسمع ومرأى من المسلمين، من دون معارضة منهم؟!ليس بمستغرب تلك الحملات والانتهاكات والدعوات المسعورة القديمة الجديدة المتجدّدة للنيل من القرآن الكريم؛ حرقًا، أو تدنيسًا، أو تكذيبًا، أو تشويهًا، أو تحريفًا، أو تسفيهًا، أو تشكيكًا…، وما انفكّ منذ نزوله يشكِّل قلقًا للغربيّين، وحيرة وبلبلة لأفكارهم، وتاريخ تعاملهم معه حافل بالمتناقضات، وفي هذا الصدد يقول المستشرق الفرنسي «ريجي بلاشير»: «قلّما وجدنا من بين الكتب الدينيّة الشرقيّة كتابًا بلبل بقراءته دأبنا الفكريّ؛ كما فعل القرآن»
.هذا، وتمثّل الدوافع الاستشراقيّة وراء ترجمة القرآن الكريم أحد أهمّ أسباب فساد الترجمة
، بل يمكن القول إنّنا إذا بحثنا عن السبب في فساد الترجمة وجدناه راجعًا إلى الدافع الاستشراقيّ؛ أكثر ممّا يُعزى إلى الضعف في معرفة اللغة العربيّة وقواعدها. وعلى هذا الأساس، تعامل «بلاشير» مع القرآن؛ باعتباره عملًا بشريًّا محضًا يجري عليه ما يجري على العمل الإنسانيّ من ممارسات نقديّة، وعقد مقارنات بينه وبين الأدبيّات التي كانت منتشرة في زمان الرسالة؛ إذ لم يترك منفذًا للطعن إلا ولجه، ولا موضعًا للعورات إلا تصيّده، فأنكر المصدر الإلهيّ للقرآن، واعتبره من تأليف محمد الذي نقله من الكتب السماويّة وقصص الغابرين، ورأى أنّه لا يتجاوز كونه مجموعة من الأحداث التاريخيّة والوقائع الاجتماعيّة، فمفهوم الوحي عنده لا يعدو أنْ يكون عمليّة تفاعل الرسول الكريم مع الواقع الذي عاشه، ومرضًا نفسيًّا يظهر وهم الوحي فيه في ذروة الحالة، غير أنّه في الأخير فشل في إثبات ادّعائه، ولم يستطع تأكيد فكرة قويمة عن مصدر القرآن ولا عن الوحي. وعلاوة على ذلك، فقد كان أكثر كلامه عن الوحي معطّلًا عن الأدلّة الموضوعيّة.
يمتاز القرآن الكريم -من بين الكتب السماويَّة الدينيَّة- بأعلى درجات الصحَّة والمصداقيَّة، والبلاغة والفصاحة، فضلًا عن الجاذبيَّة والروعة والعقلانيَّة، وذلك باعتراف كبار الباحثين والمفكّرين كافَّة؛ إذ لم يزده التاريخ إلَّا عمقًا ورسوخًا.
وقد أذعن الباحثون القرآنيُّون -الذين أمضوا أغلى سنوات عمرهم في الحقل القرآنيّ- بمزيدٍ من العجز عن فهم دقائق بلاغته وفصاحته، ويشهد تاريخ الإسلام منذ ظهوره حتّى الآن على صدق تلك الاعترافات؛ إذ يستوي المنكرون المعاندون والمؤمنون الوالهون بالقرآن الكريم في ذلك
؛ فهذا الوليد بن المغيرة -أحد رؤوس المشركين في مكّة- قد اعترف بذلك حين قال: «والله إنَّ له لحلاوة، وإنَّ عليه لطلاوة، وإنَّ أعلاه لَمُثمِر، وإنَّ أسفَلهُ لَمُغدِق، وإنّه يعلو ولا يُعلَى عليه».تلك العظمة القرآنيَّة التي فرضت نفسها على الجميع، دفعت المؤمنين إلى مزيدٍ من التمسُّك بالقرآن والدفاع عنه، كما أدَّت من ناحية أخرى إلى تحوُّل قضيَّة ترجمته للُّغات الأخرى إلى ميدانٍ لتضارب الآراء والاختلافات العميقة، وهو ما شغل حيِّزًا مهمًّا من الدراسات القرآنيَّة على امتداد أربعة عشر قرنًا.
في ضوء نظرةٍ كلِّيَّة إلى الترجمة القرآنيّة وتاريخ ظهورها وبيان أفضل أساليبها على أساس الأدلَّة، يحاول كاتب هذه السطور دراسة سورة قرآنيَّة بشكلٍ مقارن بين عددٍ من الترجمات الإنكليزيَّة.
في رسالته لهداية البشريَّة وفلاحها، لا يعرف الإسلام حدودًا جغرافيَّةصلىاللهعليهوآله الخارجيَّة؛ إذ لم تكن شعوب ذلك العصر جميعها محيطةً باللغة العربيَّة كي تفهم لغة سفراء الإسلام ومبعوثيه، ما جعلها بعيدةً عن فهم آيات الهداية النورانيَّة الجذَّابة.
؛ ولذا فقد رفع شعاره بعيدًا عن القيود القوميَّة، وجعل من دعوته شاملةً عامّةً ، فخاطب الأقوام كافَّةً، الأمر الذي يمكن ربط بدء ظهور ترجمته بدعوات الرسول الأكرمهذا، ونجد في التاريخ أقوامًا ومللًا كثيرة اعتنقت الإسلام في أوائل عهد الخلافة الإسلاميَّة، منجذبين إلى القرآن ومدرسته، وبهذا فلم يبقَ سبيلٌ لدعوة غير العرب إلى اختيار الدين الحنيف سوى تبليغ ترجمة المفاهيم القرآنيَّة لهم. وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى سلمان الفارسيّ بصفته أوّل مسلم غير عربيّ أطلق حركة الترجمة القرآنيّة بإذنٍ من الرسول صلىاللهعليهوآله، حيث ترجم سورة الفاتحة إلى الفارسيّة؛ كي يتمكّن الناطقون بها من قراءتها في صلواتهم؛ وهو ما وصلَنا قسمٌ منه .
من بين التعاريف التي قدَّمها متخصِّصو علم الترجمة من أمثال سي روبين، آمبارو هورتا دوالبير، يوجين نايدا وآخرين؛ يعتبر تعريف السيِّد نايدا -المشرف على مؤسَّسة ترجمة الكتاب المقدّس إلى لغات العالم- هو الأنسب والأدقّ؛ حيث يقول: «الترجمة عبارة عن أقرب معادل للّغة المطلوب ترجمتها، وذلك من حيث المفهوم ومن ثمّ من حيث الصياغة»
.ثمّ يرى أنّ الترجمة علم، لا كما يعتبر بعضهم أنّها فنٌّ فحسب؛ إذ عدّهم ممّن لم يدركوا عمق القضايا اللغويّة، وبالتالي تخلّوا عن الأصول العلميّة في مقاربة الموضوع
.هذا، في حين أنّ متخصّصين آخرين اعتبروا الترجمة تركيبًا من العلم والمهارة والفنّ، معتقدين بأنّ الترجمة علمٌ يحتاج إلى التعليم والتأهيل والبحث، تمامًا كما هي مهارةٌ تستلزم التمرين والممارسة والأداء المستمرّ، وكما هي فنٌّ يفتقر إلى الذوق والعاطفة، وإلَّا لما تعدّى كونها عملًا خامًا
.كذلك اعتبر بعض متخصّصي العلوم القرآنيّة، كالزرقانيّ في «مناهل العرفان»، وأبي عبد الله الزنجانيّ في «تاريخ القرآن»، وريجيه بلاشير في «في رحاب القرآن»؛ اعتبروا ترجمة القرآن من جملة علومه؛ لأنَّها تتحمّل مسؤوليّة إثبات استحالة الإتيان بمثل القرآن بأيّ لغةٍ من اللغات، وبالتالي يمكن لترجمته أن تكون من علوم التفسير أيضًا؛ لأنّ الترجمة، عند بعضهم، بمختلف أنواعها الحرفيّة والحرّة والتفسيريّة، هي نمطٌ من التفسير بمعنى الكشف وبيان المفاهيم القرآنيّة
.
أرجع بعض اللغويِّين جذر الترجمة العربيَّة إلى مصدرَي «ترجم» و«رجم»
، بينما ذهب آخرون إلى اعتبارها أعجميّة مشتقّة إمّا من: «ترزقان» أو «ترزبان» الفارسيّتين، أو «درگمان» الفرنسيَّة، أو «TARGMANA» السريانيَّة .وقد استُعملت مفردة الترجمة في معانٍ عدَّة؛ منها:
بيان سيرة الأشخاص وأخلاقهم: كتاب التراجم
مقدّمة الكتاب التي تحمل تعريفًا به وتوصيفًا له: ترجمة الكتاب
إبلاغ الكلام لمن لم يسمعه
؛ ويطلق الترجمان في الصوفيَّة التركيَّة على من يُلقي مبادئ الصوفيَّة على المبتدئينالرمز واللغز
؛ كما ورد في «إسكندرنامه» [كتاب الإسكندر]: «كتب أرسطو الحكيم رسالة بخطّ يده لترجمة جرت بينه وبين الإسكندر، ولم يتمكّن من قراءتها سوى الملك والحكيم وحدهما فقط».تفسير الكلام وشرحه باللغة الأصليَّة؛ ولذا دُعي ابن عباس بـ«ترجمان القرآن»
، وأُطلق على المفسّرين عنوان «تراجمة القرآن»التفسير والتقرير بلسانٍ آخر؛ كما وصف أمير المؤمنين عليهالسلام أئمَّة الضلال والعصيان بقوله: «اتّخذهم إبليس مطايا ضلال، وجندًا بهم يصول على الناس، وتراجمة ينطق على ألسنتهم، استراقًا لعقولكم ودخولًا في عيونكم، ونفثًا في أسماعكم»
بيان الكلمات من خلال الأمثلة والنماذج الإنسانيَّة
وأمَّا أشهر معاني الترجمة فهو نقل مفهمومٍ ما من لغةٍ إلى أخرى، كما في حديث
هرقل: «ودعا بترجمانه... ثم قال لترجمانه قل لهم...»
. وهذا المعنى هو أكثر معاني هذه المفردة تداولًا وشهرة. ويكتب ابن منظور: «الترجمان، بالضم والفتح: هو الذي يترجم الكلام؛ أي ينقله من لغةٍ إلى لغة أخرى...» .
قدّم منظِّرو الترجمة نظريّات حول كيفيّة تقديمها، اعتقادًا منهم بإمكانيّة قيام أمر الترجمة على مقابلة لغةٍ بأخرى. وعلى الرغم من إمكانيّة استعراض أنواع الترجمة في ضوء تعدّد الرؤى والآراء، فقد أفرز مرور الزمان حتى الآن ثلاثة أساليب للترجمة:
الترجمة الحرفيّة: تقتصر فيها الترجمة على مقابلة العناصر النحويّة والبنائيّة بين اللغتين؛ حيث يسعى المترجم إلى إيجاد ما يعادل كلّ لفظةٍ من ألفاظ نصّ المبدأ.
الترجمة المعنويّة: في ضوء الإشكالات التي أفرزتها الترجمة الحرفيَّة، طُرِحَت الترجمة المفهوميَّة من النصّ الأصلي إلى اللّغة المقصد؛ حيث يقوم المترجم في هذا النوع من الترجمة بتحليل لغتَي المبدأ والمقصد بنيويًّا كي يترجم مفهوم النصّ الأصليّ ضمن قوالب بنيويّة مناسبة. هذا، وقد فرضت القيود الموجودة في الترجمة المعنويّة على المترجم أن ينحو باتّجاه النصّ الأصليّ أكثر منه باتّجاه فهم القارئ وإدراكه للنصّ باللغة المقصد. في هذا النوع من الترجمة، يُقدَّم النص بصفته نتاج عمل المؤلّف وتكون الجملة هي وحدة القياس في الترجمة؛ ولذلك يبقى ذلك القسم من معاني النصّ الذي يرتبط بالانسجام البنيويّ للنصّ وبالجوانب ما بعد اللغويّة؛ يبقى محجوبًا عن نظر المترجم.
الترجمة الرساليّة: وفيها يهتمّ المترجم بمقصود نصّ المبدأ ورسالته؛ فيسعى إلى بلوغ التأثير نفسه الذي يتركه نصّ المبدأ على القارئ، الأمر الذي يجعل المترجم في هذا النمط من العمل أكثر وفاءً للنصّ المترجم، حيث يجد مجموعة من العوامل المؤثّرة في هذه الترجمة؛ منها: سمات الكاتب، الخلفيَّات الفكريّة، المعلومات العامّة، الموقع الاجتماعيّ، نمط الصلات والروابط الحاكمة على المخاطبين، العقود الاجتماعيّة-الثقافيّة المؤثّرة في الموقع التواصليّ، تصوّرات الكاتب المسبقة، نسيج النصّ زمانيًّا ومكانيًّا، الموقع التواصليّ وسياق الكلام.
إنَّ الدين -بوصفه مجموعةً من الأوامر والنواهي والمُثُل الأخلاقيّة التوجيهيّة- رهنٌ -قبل أيّ شيء- بالتأثيرات والتأثّرات والصلات والمألوفات القلبيّة المتقابلة؛ بمعنى أنّ رسالة الأنبياء تتحقّق بالإبلاغ الذي يشمل تقديم مجموعة من حالات الإنذار والوعيد. وفي هذا السياق يشكّل نقل المفاهيم الوحيانيَّة أو إيصالها إلى المخاطبين النسبة الأكبر في هذه العمليَّة. وما يلعب الدور الأساس في هذا الإبلاغ، هو آليّة المعالجة التي يقوم بها رسل تلك المدرسة على تلك المفاهيم والمواضيع عند نقل الرسالة ونمط هذه المعالجة. ومن هنا، يبدو أنّ ما يروي غليل المهتمّين ويؤدّي إلى خلق حالة من التحوّل الروحيّ لدى المخاطبين، لا يقتصر على مجرّد ألفاظ النصّ المقدّس أو مفاهيم جمله؛ لمحدوديّة تأثير كلٍّ منهما، وإنّما ثمّة عشرات العوامل الأخرى الدخيلة -أيضًا- في أمر الانتقال والمقابلة.
إنّ الأمر الذي يمكنه -هنا- أن يخلق صلة ناجحة، ويُسهم في نقل مفاهيم الدين السامية إلى الأذن الواعية لدى المهتمّين؛ إنّما هو الرسائل، وروح الكلمات الوحيانيّة على أساس متطلّبات الزمان والمكان، والعناصر الاجتماعيّة النفسيّة للمخاطبين والمخاطِب؛ وبناءً عليه؛ فالترجمة الرساليّة التي تأخذ بعين الاعتبار كُلًّا من المخاطِب والمخاطَب تعتبر أفضل أنواع الترجمة عند التعامل مع النصوص الدينيّة.
(209)عدَّد الباحثون حتَّى أواسط الثمانينيَّات ما يربو على 295 ترجمة إنكليزيَّة كاملة للقرآن الكريم، فضلًا عن 131 ترجمة ناقصة أو مقتطفة له
. كما صدر العديد من الترجمات المتنوِّعة الأخرى خلال العقود الأخيرة، والتي قام بها باحثون ومترجمون كبار، لكن لا يوجد لدينا إحصاء رسميّ عنها .وقد صدرت أوَّل ترجمة قرآنيَّة إنكليزيَّة غير رسميّة في العام 1515م، وقام الإسكتلنديّ «ألكسندر راس» بإصدار أوَّل ترجمة إنكليزيَّة كاملة؛ حيث قامت تلك الترجمة على ترجمة «أندريه دوريد» الفرنسيّة في العام 1949م، وطُبعت في لندن تحت عنوان «قرآن محمّد»
. وقد بيَّن المترجم -الذي يعدُّ من المبشّرين المسيحيّين- هدفه من ترجمة القرآن من خلال الآتي: «لمواجهة الأعداء والتعامل معهم علينا استكشافهم شخصيًّا...»؛ ليضيف في تعبير معادٍ للإسلام: «وهو إنذارٌ بالخطر لمن يريدون قراءة القرآن كي يدركوا حجم الأخطار الموجَّهة إليهم...».أمّا الترجمات المعروفة التي صدرت لاحقًا حول العالم؛ فهي عبارة عن: ترجمة جورج سيل
التي صدرت في العام 1734م كترجمة جيِّدة للقرآن؛ حيث أعيد طبعها 105 مرَّات حتَّى العام 1908م. وحاولت تلك الترجمة -خلافًا للترجمات السابقة- كشف الوجه الحقيقيّ المُغرِض للمترجمين السابقين، مع التأكيد على تعهُّده والتزامه بتقديم ترجمة مطلوبة للتعابير القرآنيَّة .ثمّ تأتي ترجمة رادويل
التي صدرت في العام 1861م، ليعاد طبعها أكثر من 32 مرَّة حتَّى العام 1978م، وذلك في مدن لندن، نيويورك، وتورنتو. واشتهرت تلك الترجمة بكثرة أخطائها في ترجمة العبارات والمفردات .وكذلك ثمّة ترجمة محمّد مارمادوك بيكتال
، وهي من الترجمات الأخرى التي طُبعت أوَّل مرَّة في لندن عام 1930م، وقد نال عمله درجةً عاليةً من المصداقيَّة أكثر من الترجمات الأخرى؛ لكون المترجم إنكليزيّ الأصل، فضلًا عن أسلوبه في الترجمة واعتناقه الإسلام عام 1917م.ثمّ تأتي ترجمة وتفسير عبد الله يوسف علي؛ حيث صدرت الطبعة الأولى في لاهور عام 1943م، وأعيد طبعه أكثر من 40 مرَّة حتى الآن. وممَّا امتازت به تلك الترجمة: غناها بالملاحظات والهوامش التوضيحيَّة، والتي تعكس سعة اطِّلاع المترجِم، فضلًا عن أسلوبه البليغ في الترجمة
.ومن مترجِمي القرآن الآخرين: السيِّد مير أحمد علي الذي يعدّ نفسه من سلالة الإمام زين العابدين، وقد أضفى على ترجمته ملاحظات توضيحيَّة موجزة استنادًا إلى تفسير الأئمّة المعصومين عليهمالسلام ، وقد طُبعت الترجمة في نيويورك عام 1988م.
كما أصدر الدكتور توماس بالنتين إيرفينج
أوَّل ترجمة إنكليزيَّة أمريكيَّة للقرآن بنثرٍ جديد، وبعد جهدٍ طال ما يربو على العقدين من الزمن، وكان قد اعتنق الإسلام ليصبح اسمه «حاج تعليم علي». وفي سبيل التعرّف على القرآن، قضى 23 عامًا وهو يتلو القرآن فجرًا متدبِّرًا في معانيه .وأصدر السيِّد محمَّد شاكر
ترجمته في كراتشي عام 1968م التي امتازت بالدقّة في الترجمة والفهارس الموضوعيّة اللازمة، ما دعا إلى إعادة طبعها مرّات ومرّات في مختلف الدول.ومن بين الترجمات الإسرائيليَّة يمكن الإشارة إلى ترجمة «ن.ج. داوود»؛ حيث أصدر أوّل ترجمة للقرآن عام 1936م، ليعاد طبعها أكثر من 11 مرَّة حتَّى العام 1974مصلىاللهعليهوآله .
. والمترجم يهوديّ عراقيّ، كان يهدف من عمله بيان مدى تأثير الدينين اليهوديّ والمسيحيّ في النبيّ محمدثمَّ صدرت ترجمة أكثر اعتدالًا في إسرائيل على يد السيّد هارون بن شمس، وذلك عام 1979م.
في هذا السياق، جديرٌ بالذكر أنَّ أفضل الترجمات الإسرائيليّة هي ترجمة محمّد أسد الذي بادر إلى ترجمة القرآن التفسيريّة بعد اعتناقه الإسلام، حيث حمل اسم محمّد أسد بعد أن كان مترجِمًا يهوديًّا قبل ذلك. وقد نشر عمله في 1005 صفحات، في جبل طارق، بعنوان: «رسالة القرآن».
هذا، وثمّة ترجمة البروفيسور آربري
، وهو من كبار مترجمي القرآن، وكان يعتقد باستحالة ترجمة ذلك الكتاب الإلهيّ لإيمان المسلمين بإعجازه البيانيّ واعتبارهم تقليده كفرًا. وقد جرى مجرى مارمادوك بيكتال في إطلاق عنوان «معنى القرآن» على ترجمته .على الرغم من أنّ ترجمة القرآن إلى اللغات الأجنبيّة لها تاريخٌ طويل، والترجمات التي أُنجِزت في غاية التنوّع؛ حيث صدرت أوّل ترجمة قرآنيّة إلى اللاتينيّة في القرن الثاني عشر الميلاديّ
، فإنَّ ثمّة عوامل عديدة لعبت دورًا في بروز إشكالات متنوّعة في تلك الترجمات بحيث يحتاج كلّ واحدٍ منها إلى الدراسة والتقصّي. ومن جملة تلك العوامل: الترجمة من النصّ غير العربيّ، عدم إتقان المترجمين للعربيّة، الجهل بالمفاهيم القرآنيّة والتفسيريّة ومستوياتها، عدم الاهتمام بحزمة العناصر الزمانيّة والمكانيّة في نصّ اللغة المقصد، وغيرها...وقد تناولت هذه الدراسة بالتقويم والتحليل نماذج أربعة من ترجمات إنكليزيَّة لسورة الإنسان؛ وهي عبارة عن:
1. ترجمة «محمّد مارمادوك ويليام بيكتال» التي أعيد طبعها حوالى 30 مرَّة إلى ما قبل عقد الثمانينيّات.
2. ترجمة «آرثر آربري» التي أعيد طبعها ما يربو على 12 مرَّة.
3. ترجمة «محمَّد شاكر» التي يعتبر 90% منها مجرَّد نسخة حرفيّة لترجمة محمَّد علي اللاهوري. وقد أعيد طبعها مرّات ومرّات.
4. ترجمة «يوسف عبد الله علي» التي أعيد طبعها أكثر من 40 مرَّة.
ولمّا كان هدف دراسة هذه الترجمات تحليل ونقد المفردات المستخدمة لترجمة ألفاظ القرآن وآليّة انتقاء معادلاتها الإنكليزيَّة، فقد وضعنا المصادر الآتية كمصادر تمهيديّة ورئيسة لفهم جذورها بشكل صحيح:
ـ المفردات في غريب القرآن، للراغب الأصفهانيّ.
ـ معجم مقاييس اللغة، لابن فارس.
ـ تفسير مجمع البيان، للعلّامة الطبرسيّ.
ـ تفسير الميزان، للعلّامة الطباطبائيّ.
ـ ترجمة الأستاذ فولادوند.
وبناءً عليه، فقد جرى الاستناد إلى تسعة مصادر لدراسة الألفاظ المستعملة في الترجمة؛ خمسة منها تُعدّ أساسًا لتقويم المعادِلات المستعملة في الترجمات الإنكليزيَّة. ومع وجود حالات عجزت فيها هيكليّات الجمل عن نقل المعنى الظاهريّ للآيات، ما فتح المجال للنقاش؛ فقد طُرحت مباحث وآراء مناسبة في هذا الخصوص.
1. اسم السورة: الإنسان، الدهر والأبرار .
2. عدد الآيات: 31 آية.
3. مكان النزول: اختلفت الأقوال، لكنَّ الأصحّ ما ورد في روايات أهل البيت عليهمالسلام ، وفي كثيرٍ من روايات أهل السنّة من دلالتها على مدنيَّة السورة؛ حيث تشير إلى مدنيّة جميع آياتها أو مدنيّة أوّل اثنتي وعشرين آيةٍ منها ومكّيّة الآيات التسع الأخيرة .
4. شأن النزول: نقل علماء الخاصَّة والعامَّة أنّ الآيات من (إِنَّ الْأَبْرَارَ...) حتى (وكَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا) نزلت في عليٍّ وفاطمة والحسن والحسين عليهمالسلام وخادمتهم فضّة .
5. خلاصة السورة: تبدأ سورة الإنسان المباركة بخلق الإنسان حين لم يكن شيئًا، ثم تُعرّج على عمليّة هدايته، وتستمرّ بذكر النعم الإلهيّة على غير الشاكرين وبيان لطفه ونعمته على المحسنين؛ لتؤكّد على تنزيل القرآن من الله سبحانه، داعيةً الرسول صلىاللهعليهوآله إلى الصبر والتحمّل وعدم الانسياق وراء أهواء الناس، والمواظبة على ذكر الله ليلًا نهارًا، وعدم الغفلة عن السجود لله، وأداء الصلاة له في الليالي الطوال.
6. ترجمة اسمها: اختار مختلف المترجمين لاسم السورة المعادِل الإنكليزيّ «AL-INSAN». أمَّا المعادل الآخر الذي اختاره كلٌّ من يوسف علي وشاكر في ترجمتيهما فكان «AL-DAHR».
في ما يأتي عرض لآيات سورة الإنسان وبيان معاني مفرداتها بحسب كتب اللغة والتفاسير التي تقدَّم ذكرها، وبيان المعادِلات الإنكليزيَّة التي اختارها المترجمون في ترجماتهم موضع الدراسة، والمقارنة بينها، واختيار المعادِل الأنسب.
1. (هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ) :
من جمال التعبير البلاغيّ القرآنيّ بدء موضوع خلق الإنسان بصيغة السؤال؛ إذ يذكر الأستاذ فولادوند في ترجمة الآية الأولى: «هل مرّ زمن طويل على الإنسان حين كان شيئًا لا يُذكر؟» واتّفق المفسرِّون عمومًا على أنّ الاستفهام للتقرير، فيفيد ثبوت معنى الجملة وتحقّقه؛ أي «قد أتى على الإنسان...»، ولعلّ هذا مراد من قال من قدماء المفسّرين: إنّ «هَلْ» في الآية بمعنى «قد»
. وقد أكّد صاحب «مجمع البيان» ذلك المعنى في تفسيره، كما أورده في تفسيره المختصر «جوامعالجامع»؛ إذ يقول: (هَلْ أَتَىٰ) معناه قد أتى (عَلَى الْإِنسَانِ) أي ألم يأتِ على الإنسان (حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ) وقد كان شيئًا إلا أنّه (لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا) لأنّه كان ترابًا وطينًا، إلى أن نفخ فيه الروح؛ عن الزجّاج. وعلى هذا فـ«هل» هنا استفهام يراد به التقرير. قال الجبائيّ: وهو تقرير على ألطف الوجوه، وتقديره: أيّها المنكر للصانع وقدرته، أليس قد أتى عليك دهور لم تكن شيئًا مذكورًا، ثم ذُكرت، وكلّ أحد يعلم من نفسه أنّه لم يكن موجودًا ثم وُجد، فإذا تفكّر في ذلك علم أنّ له صانعًا صنعه، ومحدثًا أحدثه...» .
يكتب آرثر آربري:
»Has there come on man a while of time when he was a thing unremembered?«
ويقول مارمادوك بيكتال:
«Hath there come upon man (ever) any period of time in which he was a thing unremembered?»
صحيحٌ أنّ هاتين الترجمتين تنقلان أسلوب الكلام في لغة المبدأ وصيغته السؤاليّة لتعكس أسلوب الفعل في الآية؛ ولكنّهما لم تنقلا إلى اللغة المقصد توازن الكلام في الانسجام الفعليّ.
وقد ترجم محمد شاكر تلك العبارة بالآتي:
«There surely came over man a period of time when he was a thing not worth mentioning.»
ويتبيّن أن السيّد شاكر أخذ بعين الاعتبار تلك النقطة؛ فنقل رسالة الآية بشكل جليّ ببدء الجملة تأكيدًا وتقريرًا، مع المحافظة قدر الإمكان على الأسلوب السرديّ في الوقت نفسه.
2. (..... لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا) :
يقول العلّامة الطباطبائيّ: (شَيْئًا مَّذْكُورًا) أي شيئًا يُذكَر باسمه في المذكورات؛ أي كان يذكر مثلًا الأرض والسماء والبرّ والبحر وغير ذلك، ولا يذكر الإنسان؛ لأنَّه لم يوجد بعد حتَّى وجد» .
وجاء في مجمع البيان: «وقد كان شيئًا، إلا أنَّه (لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا) . ويضيف العلَّامة الطباطبائي: «فكونه مذكورًا كناية عن كونه موجودًا بالفعل، فالنفي في قوله: (لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا) متوجِّهٌ إلى كونه شيئًا مذكورًا لا إلى أصل كونه شيئًا... والآية وما يتلوها من الآيات واقعة في سياق الاحتجاج...» .
والآن فلنلاحظ الترجمات ومدى التفاتها إلى نقل تلك الدقائق:
بيكتال جعل الفعل في ترجمته مثبتًا وجعل «مذكورًا» هو المنفي:
«... in which he was a thing unremembered.»
وكذلك آرثر آربري فهم الأمر بالشكل نفسه؛ إذ يقول:
«... when he was a thing unremembered.»
وأمّا يوسف علي، فقال:
«... when he was nothing – (not even) mentioned?»
ويبدو أنّ مضمون الآية لم يتمّ إيصاله بوضوح في أيٍّ من الترجمات المذكورة؛ وذلك لأنّ «شيئًا» قد وُصفت بالنفي، وقارئ هذه الترجمة لا يلتفت إلى هذه المسألة في ظلّ غياب أيّ نحوٍ من التوضيح.
ويظهر أنّ محمد شاكر كان أنجح في إيصال الرسالة من خلال ترجمته على أساس تفسير العلّامة، حيث قال:
«... when he was a thing not worth mentioning.»
إنّ اعتماده على مفردتي «not worth» و«mention» قد جعله يبيِّن بشكلٍ أفضل المفهوم الذي مفاده أنّ الإنسان لم يكن في ذلك الزمن المتقدّم شيئًا ذا قيمة وجديرًا بالذكر حتى يورد اسمه في عداد سائر الموجودات.
3. (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ...) :
يقول ابن فارس في المقاييس: «النون والطاء والفاء أَصلان أحدُهما جنسٌ من الحَلْي والآخر نُدُوّةٌ وبَلَل، ثمّ يستعار ويُتوسّع فيه. وأصل النطفة الماء الصافي...»
.وأمّا الطبرسيّ فيقول في المجمع: «أي أخلاط من ماء الرجل وماء المرأة في الرحم»
.ويقول الراغب في المفردات: «النطفة الماء الصافي، ويُعبَّر بها عن ماء الرجل»
.وقد ارتضى الأستاذ فولادوند في الترجمة بالرجوع إلى المشابه العربيّ
.هذا، وقد تُرجمت هذه المفردة بأشكال عدَّة في الترجمات الإنكليزيَّة؛
فهذا مارمادوك بيكتال يقول:
«We create man from a drop of thickened fluid…»
إنَّ مفردة «fluid» تعني الموجود المائع، ومفردة «thicken» تعني الغليظ والمخلوط والمتشابك.
وذكر آرثر آربري الآتي:
«We created man of a sperm-drop, a mingling...»
«Mingle» تعني الممزوج، المخلوط، والمحكم بنفسه.
يقول محمَّد شاكر:
«Surly we have created man from a mall life –germ uniting (itself)...»
فيما يقول يوسف علي:
«Verily we created man from a drop of mingled sperm.»
ومع الالتفات إلى كلام العلّامة الطباطبائيّ، قد يمكن تقويم هذه الترجمات الثلاث المذكورة؛ حيث يقول العلّامة: «النطفة في الأصل بمعنی المـاء القليل، غلب استعماله في ماء الذکور من الحيوان الذي يکون منه مثلـه. وأَمشـاج: جمـع مشيج أو المَشَج أو المَشِج؛ بمعنی المختلط الممتزج. ووُصفت بها النطفة باعتبـار أجزائهـا المختلفة أو اختلاط ماء الذکور والإناث»
. فإنّ مفردتَي «drop» و«fluid» اللتين أوردهما بيكتال متناسبتان مع جذور لغة المبدأ، ولكنّ مفردة «thicken» مضافًا إلى دلالتها على الاختلاط والامتزاج بين الأجزاء، يتبادر منها -أيضًا- الغلظة والشدَّة؛ ولذا فلا يمكنها أن تكون معادِلًا مناسبًا.أمَّا ترجمتا آربري وشاكر اللتان استعملتا مفردتَي «mingle» و«unite»، فهما أبلغ وأقرب إلى النصّ الأصليّ.
4 . (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ...) :
يوضِّح الراغب في مفرداته كلمة «السبيل» بالشكل الآتي: «الطريق الـذي فيـه سُـهولَة، وجمعه سُبل»
.ويقول ابن فارس: «السين والباء واللام أصل واحد يَدلّ علی إرسال شيء من علوٍّ إلی سُفل، وعلی امتداد شيء؛ فالأوّل من قولك أسبلت السّتر وأسبلت السحابة ماءهـا وبمائهـا.... والممتد طولًا السبيل؛ وهو الطريق، سُمِّي بذلك لامتداده، والسـابلة المختلفة في السـبل جاثيةً وذاهبة، وسُمّي السنبل سنبلًا لامتداده...»
.يظهر أنّ الأقوال في ترجمة كلمة «سبيل» مشتركة، وأنَّ المراد منها هو الطريق والجادّة، حتى إنَّها قد استعملت في الغالب مع كلمة «الصراط» بالمعنى نفسه، كما لا نجد شواهد عديدة للتوضيح التأسيسيّ الذي ذكره المرحوم الطبرسيّ، حيث قال: «الصراط الطريق الواسع». ولذا فقد ورد «السبيل» في جميع الترجمات الإنكليزيَّة بكلمة «way»، على الرغم من أنّه قد استُعمل في الإنكليزيَّة مفردتا «path» و«way» أيضًا، نتيجة للدقائق المذكورة بين الصراط والسبيل.
أمّا آرثر آربري، فيقول:
«Surely we guided him upon the way...»
فيما يذكر محمّد بيكتال الآتي:
«Lo! We have shown him the way...»
ويقول محمّد شاكر:
«Surely we have shown him the way…»
وأمّا عبد الله يوسف، فكانت عبارته الآتية:
«We showed him the way»
5. (....إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) :
يقول صاحب مقاييس اللغة: «الشين والکاف والراء أصول أربعة متباينة بعيدة القياس، فالأوَّل الشکر الثناء على الإنسان بمعروف يوليکَهُ، وقيل إنّ حقيقة الشکر الرضا باليسير؛ يقولون: فرس شکور إذا کفاه يسمُنه العلفُ القليل...»
.أمّا الراغب فقد اعتبر في المفردات أنَّ الشكر عبارة عن «تصوّر النعمة وإظهارها»
، وينقل في هذا المجال قولين اثنين:قيل هو مقلوب عن الکَشر؛ أي الکشف، ويضادّه الکفر؛ وهو نسيان النعمة وسترها.
وقيل أصله من «عين شَکری» أي ممتلئة، فالشکر علی هذا هو الامتلاء من ذکر المنعم عليه
.ثمّ يذكر في توضيح مفردة الكفر فيقول: «كفر النعمة وكفرانها سترها بترك أداء شكرها»
.وكذلك الأستاذ فولادوند في ترجمة هذه الآية الشريفة يذكر ما يؤيّد هذا المعنى
.وبناءً عليه:
الشكر هو إظهار الثناء والحمد في مقابل النعمة أو المعروف
الشكر والكفر يقع كلٌّ منهما في مقابل الآخر؛ «إظهار النعمة ونسيان النعمة أو ستر النعمة». فالكفر في هذه الآية ليس في مقابل الإيمان
أحدهم طرحه بصيغة اسم الفاعل، فيما طرحه آخر بصيغة صفة المبالغة، وهو ما يتضمّن -بحسب تعبير المفسّرين- نكتة لطيفة؛ وهي أنّ تعبير «الكفور» يكشف عن أنّ الكفران والجحود موجودٌ بكثرة (وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) .
أمَّا الآن، فلننظر إلى الترجمات الإنكليزيَّة:
يقول مارمادوك بيكتال:
«whether he be grateful or disbelieving.»
إنّ الإشکال الأساس في ترجمة بيکتال هو أنّه فهم من «كفور» اللاتديّن، وعدم الاعتقاد الدينيّ؛ ولذا فقد جاءت ترجمته غير معادِلة للأصل.
أمّا آرثر آربري، فقد قال:
«whether he be thankful or unthankful.»
وبدوره يقول محمَّد شاکر أيضًا:
«he may be thankful or unthankful.»
فيما قال يوسف علي:
«whether he be grateful or ungrateful.»
على الرغم من أنَّ الدقائق الموجودة في مفردتي «شاكر» و«كفور» لم ترد في الترجمات المذكورة، ولكن يظهر أنّ الترجمات الأخيرة منها أبلغ وأدقّ إلى حدٍّ ما.
6. (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ) :
حول جذر كلمة «سلاسل» يذكر ابن فارس الآتي: «السينُ واللام أصل واحـد، وهـو مـدّ الشيء في رفقٍ وخفاء... ثم يُحمَل عليه... والسلّة والإسلال السرقة....
سُمِّيت سلسلة لأنّها ممتدّةٌ في الاتّصال. قال بعض أهل اللغة: السلسلة اتّصال الشيء بالشيء»
.ويقول الراغب في المفردات: «تَسلَسل الشيء اضطربَ كأنّه تُصُوِّرَ منه تَسَلُّلٌ متردّدٌ فردّد لفظه تنبيهًا على تردّد معناه، ومنه السلسلة والسلاسل... سلّ الشـيء مـن الشـيء نزْعُـه کَسلّ السيف من الغِمَد...»
.أمّا الأستاذ فولادوند، فقد تلقّى من هذه الكلمة معنى «الزنجير» وأدرجها في عبارته الفارسية
.وقد أورد محمَّد شاکر في ترجمته قائلًا:
«Surely we have prepared for the disbelievers chains....»
وكذلك آرثر آربري استعمل المفردة نفسها:
«Surely we have prepared for the unbelievers chains...»
في حين أنّ بيكتال لم يستعمل هذه المفردة، بل قال:
«Lo! We have prepared for disbelievers manacles and...»
يبدو أنّ مفردة «chain» تتناسب أكثر مع الأصل الذي ذكره ابن فارس، في حين أنَّ مفردة «manacle» تتناسب أكثر مع القيد والوصف والمعنى المتعارف.
7. (...وَسَعِيرًا) :
يقول ابن فارس: «السين والعين والراء أصـل واحـد يـدلّ على اشتعال الشيء واتّقاده وارتفاعه»
.ويقول الراغب: «السعر التهاب النار»
. كما فسّره العلَّامة الطبرسي في ذيل الآية بـ«النار الموقدة»، واقترب من هذا المعنى الأستاذ فولادوند في ترجمته الفارسيَّة .إنّ المقدار المسلّم هو أنّ مفردة السعير لها أكثر من معنى:
ـ النار
ـ المصحوبة بالاشتعال
ـ الحرق البالغ والفائق.
والآن، فلننظر في الترجمات الإنكليزيَّة كيف تُرجمت هذه الكلمة:
يقول بيكتال:
«... and a raging fire.»
ويقول آربري في ترجمتها:
«... and a Blaze.»
أمّا شاکر، فقد قال:
«... and a burning fire.»
وقال يوسف علي:
«... and a Blazing fire.»
وأمّا معجم أوكسفورد (Oxford)، فقد ترجم مفردة «Rage/ reidg» بالآتي:
«Violent anger, of storms, fires, battles etc. continue violently.»
وحول كلمة «blaze» يقول:
شعلة النار المتوقِّدة bright flame or fire
في حال اعتبرنا أنَّ العناصر الأساس في كلمة «سعير» هي «النار»، «الشعلة القويّة» و«الإحراق بشكلٍ خاصّ»، فإنّ كلمة بيكتال لا توصِل إلَّا معنى النار والإحراق الخاصّ، في حين أنّ كلمة شاكر لا توصل إلَّا معنى النار والإحراق. ويبدو أنّ مفردة «Blaze» التي كُتبت بحرف «B» كبيرة في ترجمة آربري هي الكلمة الأنسب والأدقّ في الترجمة.
8. (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ...) :
يقول ابن فارس في شرحه لمفردة «بر»: «الباء والراء في المضاعف أربعة أصول: الصدق، وحکاية الصوت، وخلاف البحر، ونَبتٌ. فأمّا الصدق فقولهم صدق فلانٌ وَ بَر، وَبَرَّتْ يمينه صَدقت، وأَبرّها أمضاها علی الصدق».
ويقول الراغب: «التوسُّع في فعل الخير»
.ويقول مارمادوك بيکتال في ترجمته:
«Lo! The righteous shall drink...»
وكذلك قال محمّد شاکر:
«Surely the righteous shall drink of...»
أمَّا آرثر آربري، فقد جاء بكلمةٍ أخرى، قائلًا:
«Surely the pious shall drink of....»
وحيث إنّ معجم أوكسفورد ذكر في معنى كلمة «pious / paios» الآتي:
«or having religion to devotion deep a showing».
لذا فإنّ معناها الأصليّ هو التعهّد والتعبّد، ولكنّ كلمة «right» تعني الصدق والصواب، وصفتها أقرب إلى معنى «الصدوق»؛ ولذا فإنَّ قول بيكتال وشاكر أكثر
تناسبًا مع قول ابن فارس، ولعلّ بالإمكان اعتبار توضيح الراغب من لوازم الصدق والصواب.
9. (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ...) :
عُرِّف النذر في عبارة الراغب بالآتي: «النذر أن توجب علی نفسك ما لـيسَ بواجبٍ لحُدوث أمرٍ»
. ويقول ابن فارس: «النون والذال والراء کلمة تدلّ علی تخويف أو تخوّف منه الإنذار... والنذر أيضًا ما يجب کأنّه نُذر أي اُوجِبَ...» . ويقول المرحوم الطبرسي: «والنَّذر: عقد عمليّ، فعل برّ يُوجِبُه الإنسان علی نفسه...» .أمّا لماذا ترجم الأستاذ فولادوند زمان الحال إلى الماضي الاستمراريّعليهالسلام والزهراء عليهاالسلام والحسنين عليهمالسلام ، وبدون تغيير الزمان يمكن للآيتين الأوليين أيضًا أن ينطبقا على ذلك.
، فهذا ما ليس مفهومًا عندنا، ولا يمكن أن نجد في الآية دلالةً على زمان الماضي الاستمراريّ. ومضافًا إلى ذلك، فالأستاذ نفسه في هذه المجموعة من الآيات التي تتّحد جميعها في السياق الواحد والمداليل نفسها، يخصِّص الآيتين 7 و8 بتغيير زمانهما عن زمان سائر الآيات. إذا ما لوحظ شأن النزول، فإنَّ مجموعة الآيات من بداية ﱫ ﮪ ﮫﱪ إلى الآية 22 جاءت في شأن عليٍّأمّا في الترجمات الإنكليزيَّة فلا يُلحَظ إشكالٌ من هذه الناحية، ولكن يمكننا أن نجد إشكالًا آخر في اختيار المفردة المناسبة، حيث جاءت عباراتهم وفق الآتي:
محمَّد شاكر:
«They fulfill vows and fear a day...»
آرثر آربري:
«They fulfill their vows, and...»
مارمادوك بيكتال:
«(Because) they perform the vow and...»
يظهر أنّ مضمون الآية هو الوفاء بالنذر، أي الالتزام والتعهّد الفرديّ بامتثال الفعل أو النذر، مثل الوفاء بالعهد الذي هو من خصائص المؤمنين
. وهذا المعنى ينسجم مع عبارات «...fulfill» أكثر منه مع غيرها. وقد اتّجه الأستاذ بيكتال في ترجمته إلى أداء النذر لا إلى الوفاء به؛ وبعبارةٍ أخرى: لم يجعل التعهّد والالتزام في أداء النذر مركز توجّهه، مع أنّ النتيجة وحاصل الترجمة هو أنّهم يوفون بالنذر، ويبدو أنّ مجرّد النذر لا يُعدّ بحدّ ذاته فضيلة، ولذا فكلمة «perform» في هذا السياق ليست مناسبة.10. (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) :
يقول بيكتال في ترجمته للآية:
«And feed with food the needy wretch, the orphan and the prisoner, for love of Him.»
وكذلك محمّد شاكر أورد وفق الترجمات المذكورة الآتي:
«And they give food out of love for Him to the poor and the orphan and the captive.»
وبالمضامين نفسها صرّح آرثر آربري:
«They give food, for the love of Him, to the needy, the orphan, the captive.»
هذا، وفي الترجمات المذكورة نكات جديرة بالدراسة، نذكرها في ما يأتي:
أ. يذهب أكثر المفسّرين والباحثين القرآنيّين إلى أنَّ ضمير «الهاء» في «على حبّه» يرجع إلى الطعام، وقد ذكروا أنّ الدليل على ذلك هو ظاهر الكلام مضافًا إلى الآية التي تليها. ويقول المرحوم العلاّمة الطباطبائيّ في تفسيره القيِّم الميزان: «ضمير علی حبّه للطعام علی ما هو الظـاهر، والمراد بحبّه توقان النفس إليه لشدّة الحاجة، ويؤيّد هـذا المعنـی قولـه تعـالی: (لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) » . ثمّ ينقل قولًا مفاده أنّ الضمير يرجع إلى الله ، ويردّ عليه بقوله: «ويَدفعه أنّ قوله -تعالی- حکاية منهم (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّه) يُغني عنه» .
وكذلك يؤيّد الطبرسيّ في المجمع الكلام نفسه، ويقول: «(علی حبّـه) أي علـی حبّ الطعام، والمعنی: يطعمون الطعام أشدّ ما تکون حاجتهم إليه؛ وصفهم الله سبحانه بـالأثرة علی أنفسهم...» .
وبناءً عليه، فمجموع الترجمات المذكورة قد ترجمت من هذه الجهة خلافًا للظاهر وخلافًا لرأي المفسِّرين الممتازين، وأرجعوا الضمير في «Him» إلى الله تعالى.
ب. مع الالتفات إلى أهمّيّة الإشارات والدلالات التي تُفهَم من مجموع البيان والكلام، يبدو أنّ ترجمة الأستاذ فولادوند هي –أيضًا- قد ابتعدت من هذه الجهة عن النصّ المبدأ؛ وذلك لأنّ (على حبّه) في الآية الشريفة قد وقعت بعد المفعول، ولا نرى أيّ حصرٍ أو اختصاص لتقديمه المعنويّ من الناحية البلاغيَّة؛ ولذا فما ذُكر في ترجمة الأستاذ فولادوند من تقديم «على حبّ الله» ليس له أيّ وجه. هذا الإشكال يظهر –أيضًا- في ترجمة بيكتال وإنْ كان بشكلٍ آخر؛
وذلك لأنّه قد أورد «على حبّه» في آخر الكلام. وفي هذا المجال نجد شاكر يقدِّم -لنا- الترجمة الأنسب.
ج. كلمة «مسكين» قد تُرجمت في الترجمات الإنكليزيَّة بأشكالٍ مختلفة. وقبل أن نبدي رأينا حولها نبحث أصل جذرها من المصادر المعتبرة.
يرى ابن فارس أنّ جذر السين والكاف والنون صحيحٌ ويدلّ على «خلاف الاضطراب والحركة»
.ويقول الراغب: «السکون ثبوت الشيء بعد تحرّك... والمسکين قيل هو الذي لا شيء لـه، وهو أبلغ من الفقير»
. واعتبرت مصادر أخرى -أيضًا- المسكينَ أسوأ حالًا من الفقير .وقد ترجمه محمّد شاكر بـ «the poor»، وهو ما يظهر أنّه معادِل المحتاج والفقير.
كما أورد آربري «the needy» معادِلًا لها، وهو ما يقرب من المعادِل السابق.
أمّا بيكتال فقد أرجعها مع مزيدٍ من التوضيح إلى «the needy wretch». وعلى الرغم من أنَّه قد استخدم مفرداتٍ أكثر، ولكن يبدو أنّ بإمكانها أن تقدّم معنى المسكين بشكلٍ أفضل.
11. (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ...) :
يقول صاحب مجمع المقاييس: «الواو والجيم والهاء أصـلٌ واحـد يـدلّ علـی مقابلة الشيء والوجه مستقبل لکل شيء... والجاه مقلوب...»
.ويقول صاحب المفـردات: «وجه الله، ذات الله». فيما يقول المرحوم العلّامة في الميزان: «وجه الشيء هو ما يستقبل به غيره، ووجهه -تعالی- صفاته الفعليَّة الکريمة التي يفيض بها الخير علی خلقه من الخلق والتدبير والرزق...».
وقد أورد الأستاذ فولادوند في ترجمته ما يؤيّد هذا المعنى
. كما أورد بيكتال وشاكر معنًى مشتركًا لوجه الله، والمعنى الذي ذكروه هو لازمة هذه المفردة، ويبدو أنّها ترجمة مناسبة.يقول شاكر:
«We only feed you for Allah’s sake...»
فيما قال بيكتال:
«(saying) we feed you, for the sake of Allah only...»
أمّا آربري فقد توجّه نحو المعنى الحرفيّ الذي نرى أنَّه مضلِّلٌ تمامًا؛ إذ جاءت ترجمته وفق الآتي:
«We feed you only for the face of God...»
إنّ الإتيان بترجمة بهذا الشكل، وبخاصَّة أنَّها لم تتضمّن أيّ نحوٍ من التوضيح والتفسير، يثبت -بحدّ ذاته- صفات المخلوق للخالق، وهذا ما ينكره علم كلام الإماميَّة بشكلٍ كامل.
12. (إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا) :
يوضِّح ابن فارس كلمة «قمطرير» بالآتي: «القاف والميم والطاء أصلٌ يـدلّ علی جمع وتجمّع. من ذلك القمط: شَدّ أعصاب الصبيّ بقَماطه»
.وكذلك يقول في المجمع: «قمطريرًا أي الشديد في الشرّ، وقد اقمطرّ اليوم اقِمطرارًا ويوم قمطرير وقَماطر کأنّه قد التفّ شَرّه بعضه علی بعض»
.وبدوره قال الراغب: «قمطريرًا أي شديدًا».
وقد استعمل بيكتال في ترجمته مفردة «fate of»، قائلًا:
«Lo! we fear our Lord a day of frowning and of fate.»
وقد نجح في اختياره الكلمة التي تعادِل «عبوسًا» أكثر من نجاحه في معادل «قمطريرًا»؛ وذلك لأنّ أيًّا من المصادر المذكورة لم يذكر علاقةً بين كلمة «قمطرير» والمصير. إنّ العنصر المعنويّ الأساس هو المشقّة، الصعوبة، والانزعاج؛ وهو ما لا توصله كلمة «of fate».
وقد اختار آربري كلمة «inauspicious» حيث يقول في ترجمته للآية الكريمة:
«…for we fear from our Lord a frowning day, inauspicious.»
إنَّ المعادل الذي اختاره الأستاذ آربري هو بدوره لم يكن على أساس معجميٍّ دقيق؛ وذلك لأنّ الشدّة والصعوبة لا يُفهَمان من هذه الكلمة، وإنْ كان ثمّة قربٌ إذا ما لاحظنا دائرة معنائيّة أوسع، وهو ما يكمن في الانزعاج وعدم الملاءمة.
ويقول الأستاذ محمّد شاكر في ترجمته لهذه الآية:
«surely we fear from our Lord a stern distressful day.»
ويبدو أنّ ترجمة شاكر تمتاز من جهاتٍ عدّة:
أ. جعلت مفردة «stern»، والتي تعني الصلابة والشدّة، معادِلًا لكلمة «قمطرير»
ب. استعملت في تركيبة الجملة الحدّ الأقصى من الدقّة بلحاظ المقارنة مع نصّ الآية والنَفَس الكلاميّ (صفتان + موصوف)
ج. استفادت في إيصال المعنى من ألفاظ أقلّ وأكثر إفادة بالمقارنة مع الترجمتين السابقتين.
وهنا لا يمكننا أن نغفل -أيضًا- عن الدقّة التي اعتمدها الأستاذ آربري في ترجمة الآية؛ حيث يقول المفسّرون إنّ الآية في مقام تعليل الآية السابقة، أي هي دليلٌ وعلّة لـ (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ...) ، وهذا ما لحظه آربري في الترجمة، فجعل في صدر الآية كلمة «for» التي هي بمعنى «because».
13. (لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا) :
يوضِّح ابن فارس معنى كلمة «زمهرير» بـقوله: «فـالبرد ممکـن أن يکـون وضع وضعًا وممکن أن يکون ممّا مضى ذکره مـن قـولهم ازمهـرّت الکواکـب، وذلك أنّـه إذا اشتدّ البرد زهرت إذًا [و] أضائَت، وهذا ممّا زيدت فيه المـيم لأنّـه مـن زهـر الشـيء إذا أضاءَ...»
.ويقول صاحب المجمع: «الزمهرير أشدّ ما يکون من البَرد»
.على أنّ هذه النكتة لم يغفل عنها المترجمون إلى الإنكليزيَّة، بل استعملوها في عبارتين:
يقول آربري:
«...they shall see neither sun nor bitter cold.»
أمَّا بيكتال، فيقول:
«…they will find there neither (heat of) a sun nor bitter cold.»
وبدوره أوصل محمّد شاکر -أيضًا- المضمون نفسه بعباراتٍ أخرى؛ إذ يقول:
«...they shall find therein neither (the sever heat of) the sun nor intense cold.»
أمّا الجدير بالتأمّل فهو إيصال معنى الآية الشريفة أو عدم إيصالها، فقد أورد آربري معادِلًا وكأنّه ليس فيه ثمّة خبرٌ عن الشمس وأنّ الشمس مصدرٌ للشرّ والإزعاج. أمّا بيكتال فقد اهتمّ -إلى حدٍّ ما- بالتوازن
في الجملة، وأورد في مقابل كلمة «bitter» مفردة «heat of» بين مزدوجين، في حين قدَّم شاكر توضيحًا أكمل وأبلغ وفيه دقّة أكثر؛ وذلك لأنّه من خلال إيراده لكلمة «sever» قبل «heat» أوجد توازنًا نسبيًّا بين البرد الشديد والحرّ الشديد. هذا، وقد وقع الأستاذ فولادوند في الإشكال نفسه الذي وقع فيه آربري ؛ وذلك للأسباب الآتية:البرودة لا تقع في مقابل الشمس
ترجمة تصوّر أنّ الشمس مصدرٌ للإزعاج، في حين أنّها في أذهان كثيرٍ من الشعوب محلّ رغبة ومحبّة
البرودة لا تعادل الزمهرير.
14. (قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا) :
من جملة المباحث المهمّة في الترجمة إيجاد المعادل البنيويّ، بحيث تنعكس في لغة المقصد مضامينُ لغة المبدأ. وفي الحقيقة فإنّ فنّ المترجِم يكمن في أن يطبِّق الفنون الموجودة في لغة المبدأ على ما يعادلها في لغة المقصد؛ حتى تصبّ في إيصال المعنى المطلوب، ولكنّ هذا الأمر يبقى مشروعًا ما لم يؤدِّ إلى الإضرار بمضمون الكلام وروحه. وأحد الصيغ الموجودة في اللغة العربيَّة والتي لها تطبيقاتٌ كثيرة، هي صيغة المفعول المطلق التي قد وردت في الآيات الكريمة كثيرًا. ويستعمل العرب هذه الصيغة في أدبيّاتهم في غايات ثلاث:
أ. للتأكيد على عامل الفعل؛ مثل: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا)
ب. من أجل تبيين النوع؛ مثل قولهم: «لا تخبط خبط عشواء»، أو: «التفتَ التفاتَ الأسد»
ج. من أجل تبيين العدد؛ مثل: «تدور الأرض دورةً واحدة كلّ يوم»، (فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) .
هذه الصيغة ليس لها معادِلٌ في اللغة الإنكليزيَّة على حدّ اطِّلاع كاتب هذه السطور، وهذا ما يزيد من صعوبة انتقال المعنى إلى اللغة المقصد؛ بمعنى أنَّ على المترجم أن يحدِّد نوع استعمال هذه الصيغة على ضوء معرفته بها وبما تقتضيه بلاغة الجملة وفصاحتها، ومن ثمّ يقوم بنقلها في قالب ألفاظٍ وبنيةٍ مناسبة. في هذا المجال نجد بعض المترجمين قاموا بنقل هذه الصيغة بعينها إلى اللغة المقصد؛ على سبيل المثال أورد بيكتال قائلًا:
«(Bright as) glass but (made) of silver, which they (themselves) have measured to measure (of their deeds).»
وكذلك سعى شاكر إلى الحفاظ على البنية قدر الإمكان، وإنْ أدّى ذلك إلى انخفاض مستوى سلاسة العبارة ومرونتها؛ إذ قال:
«(Transparent as) glass, made of silver; they have measured them according to a measure.»
وأمّا آربري فقد سعى إلى إيصال المضمون تاركًا الالتزام بالصيغة:
«Crystal of silver that they have measured very exactly.»
وهذا هو تمامًا ما قام به الأستاذ فولادوند في ترجمته الفارسيَّة
.وكذلك أورد الأستاذ يوسف علي قائلًا:
«Crystal - Clear made of silver, they will determine the measure thereof (According to their wishes).»
ولكن يبدو أنّ هذه الترجمات المذكورة تشترك في إشكال؛ وهو الإشكال الذي قُدّم في كتابة الأستاذ فولادوند بشكلٍ أوضح. يقول العلّامة الطباطبائي: «وضـمير الفاعل في (قدّروها) للأبرار، والمراد بتقديرهم الآنية والأکواب کونها علی ما شاؤوا من القدر ترويهم بحيث لا تزيد ولا تنقص، کما قال -تعالی-: (لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا) ، وقـد قـال تعالی قبل: (يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا) » .
والمقصود هو أنّ هذه الأكواب البلّورية توضع بين يدي الأبرار بقدر ما تشتهيه أنفسهم؛ توضع وتُهيّأ لكلّ من يرغب في الظرف والمظروف وفق رغبته تمامًا. ولكنّ الأستاذ فولادوند له رأي في صِنعة الأكواب؛ حيث يذكر عبارة «با كمال ظرافت» أي بمنتهى الدقّة والرقّة. ولكن يظهر أنّ الآية ليست بصدد تبيين الأكواب بلحاظ الحجم؛ وإنّما هي بصدد بيان الإمكانات التي توضع بين أيدي الأبرار وعيشتهم الهنيّة التي على أساسها تُوضع بين أيديهم الأكواب «على قدر ما اشتهت أنفسهم».
بناءً عليه، وكما هو ملاحظ، فترجمة الأستاذ يوسف علي هي الأقرب إلى هذا المعنى من بين الترجمات.
15. (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلًا) :
اكتفى بعض المترجمين بنمذجة صيغة المفعول المطلق دون دراستها وتحديد معناها في سياق الآية. ومن ذلك مثلًا بيكتال، حيث يقول:
«Lo! we, even we, have revealed unto thee the Quran, a revelation.»
ولكن ما هو المعنى الذي يمكننا أن نفهمه من هذه الجملة في الحقيقة؟
يقول آرثر آربري:
«Surely we have sent down the Koran on thee, ascending down.»
ما قام به الأستاذ آربري هنا هو عينه أسلوب بيكتال في الترجمة؛ إذ سعى إلى نقل المفردات والتراكيب إلى اللغة المقصد وليس أكثر، وتصوّرهما هو أنّنا إذا استطعنا أن نجد في اللغة المقصد المعادِل البنيويّ واستطعنا أن نشكّل جملة مشابهة فهذا بذاته إنجاز، هذا في حين أنّ الأَوْلى بنقله إلى المخاطب روحُ الجملة ومضمونها ومحتواها، وهذه الأمور ينبغي أن تُقدَّم في اللغة المقصد من خلال اختيار الشكل والبنية اللذين أكثر رواجًا وفهمًا [في اللغة المقصد].
وفي هذا المجال نجد الأستاذ شاكر قد بذل دقَّة خاصَّة؛ إذ يقول:
«Surely we Ourselves have revealed the Quran to you, revealing (it) in Portions»
فقد ترجم الآية بشكلٍ أوضح من خلال بيانه للمراد من صيغة المفعول المُطلَق، حيث اعتبر أنّ الغاية من المفعول المطلق في هذه الآية هو بيان النوع، فيقول إنّنا قد نزّلنا القرآن منجّمًا وبالتدريج. وهذا الأمر نلحظه أيضًا في ترجمة الأستاذ فولادوند
.وهذا ما أورده الأستاذ يوسف علي كذلك، كما قام في الحاشية بتوضيح کلمة «stages» وتفسيرها:
«It is we who have sent down the Quran to thee by stages.»
16. (وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا) :
يقول الراغب في مفرداته توضيحًا لمعنى كلمة التسبيح: «السبح المَرّ السريع فـي المـاء وفي الهواء... والتسبيح تنزيه الله تعالی، وأصله المرّ السريع في عبادة الله، وجُعل ذلك في فعل الخير کما جُعل الإبعاد في الشرّ فقيل: أبعد الله»
.أمّا ابن فارس، فيرى أنَّ لهذه الكلمة أصلين وجذرين، حيث يقول: «السين والباء والحاء أصلان أحدهما جنسٌ من العبادة، والآخر مِنَ السعي؛ فالأوّل السبحة وهي الصلاة، ويخـتصّ بذلك ما کان نفلًا غير فرض. يقول الفقهاء: يجمع المسافر بين الصلاتين ولا يسبح بينهما؛ أی: لا ينتفل بينهما بصلاة. ومن الباب التسبيح، وهو تنزيه الله جلّ ثنـاؤه مـن کـلّ سـوء، والتنزيـه التبعيد.... والأصل الآخر السبح والسباحة العومُ في الماء، والسابح من الخَيل الحسن مدّ اليـدين في الجري...»
.ويذكر بيكتال عبارة «to glorify» معادِلًا للتسبيح، ويقول في ترجمة الآية المذكورة:
«And worship Him (a portion) of the night. And glorify Him through the live long night.»
وكذلك اختار شاكر هذه الكلمة، ولكنّه استعملها بصيغة اسميَّة:
«And during part of the night adore Him and give glory to Him (a) long (part of the) night.»
أمّا آربري فقد استخدم معادِلًا آخر في ترجمته؛ إذ يقول:
«And part of the night bow down before Him and magnify Him through the long night.»
وحول كلمة «magnify» يقول معجم أوكسفورد:
«make sth. appear, as a lens or microscope dose, exaggerate, give praise to (God) (arch).»
أمّا حول كلمة «glorify»، فيقول:
«make (sth / sb ordinary or bad) appear better or more noble than it / he really is. (a) (arch) praise (sb / sth) highly , glorious. (b) To (Bible) worship (sb) glorify God.»
وكما يُلاحَظ في النصوص القديمة، فقد جاءت كلمة «magnify» بمعنى الحمد والثناء، كما استُعملت كلمة «glorify» في النصوص الدينيَّة بمعنى العبادة والتقدير، على أنّ العناصر المعنويّة الأساس في كلٍّ من المفردتين هو التعظيم ونوعٌ من التمجيد والتقدير، في حين أنّ كلمة التسبيح، كما هو مستفادٌ من كلام الراغب وابن فارس، بمعنى التنزيه والتبعيد (البعد عن كلّ سوء وعن ما لا يليق). وفي الحقيقة، فالعنصر الأساس في كلمة التسبيح هو حذف الصفات التي لا تليق بمحضر الحقّ -تعالى- ونفيها عنه جلّ وعلا. ومن هنا، فاختيار الكلمتين الإنكليزيَّتين المتقدِّمتين لا يمكنه أن يوصل المعنى القرآنيّ، بل يجعلهما من سنخٍ آخر مغاير لسنخ المعنى القرآنيّ.
وأمّا حول كلمة «transcend»، فجاء في معجم أوكسفورد:
«be or go beyond the range of (human experience, belief, powers of description etc.) Such matters transcend mans knowledge i.e. we can not know about them. a) be much better or greater than sb / sth.»
وفي توضيحه لكلمة «transcendent»، يقول:
«Extremely great supreme…»
ومع الالتفات إلى التوضيحات المذكورة، يبدو أنّ الكلمة الأخيرة، بلحاظ العناصر المعنويَّة الرئيسة، تعدّ معادِلًا أفضل من الكلمات الأخرى المستعملة في الترجمات الإنكليزيَّة المذكورة.
(238)مع دراسة الترجمات المطروحة للآيات المذكورة من سورة الإنسان المباركة، يُلاحَظ أنّ نوع الإشكالات المطروحة هو من جنس عدم الدقّة في المعنى والتفسير، أو في البنية، أو في عدم ملاحظة معاني الكلمات؛ كما يذكر المرحوم آية الله الخوئيّ، فيقول: «ولا بدّ في ترجمة القرآن من فهمه، وينحصر فهمه في أمورٍ ثلاثة:
1. الظهور اللفظيّ الذي تفهمه العرب الفصحى
2. حكم العقل الفطريّ السليم
3. ما جاء من المعصوم في تفسيره»
.ومن المناسب -هنا- ذكر أهمّ النكات المفتاحيّة والعمليّة للترجمة الصحيحة من وجهة نظر الأستاذ المرحوم آية الله معرفة، حيث يقول:
«... وبالجملة، فالواجب على المترجم -ترجمة معنويَّة صحيحة- أن يتَّبع الخطوات التالية:
1. فهم المعنى الجمليّ فهمًا جيِّدًا دقيقًا، والتأكُّد من ذلك
2. تحليل جملة ألفاظ الأصل إلى كلماتها وروابطها الموجودة، وفصل بعضها عن بعض؛ ليعرف ما لكلٍّ من معنى ومفاد استقلاليّ أو رابطيّ في لغة الأصل، والتدقيق فيما إذا كان للوضع التركيبيّ الخاصّ معنى زائد على ما للألفاظ من معانٍ، ويتأكَّد ذلك عن إمعان.
3. التحرِّي لكلمات وروابط من اللغة المترجم إليها، تشاكل الكلمات والروابط في الأصل، تشاكلًا في الإفادة والمعاني، إنْ حقيقةً أو مجازًا.
4. تركيب هذه الكلمات والألفاظ تركيبًا صحيحًا يتوافق مع أدب اللغة المترجَم إليها، أدبًا عاليًا، ومراعيًا ترتيب الأصل مهما أمكن.
5. إفراز الألفاظ والكلمات الزائدة التي لا تقابلها كلمات وألفاظ في الأصل، وإنَّما زيدت في الترجمة لغرض الإيفاء بتمام المعنى، فيضعها -مثلًا- بين قوسين. لكن يمسك عن تكرار ذلك كثيرًا في كلام واحد؛ لأنَّه يملّ، وقد يسبِّب تشويش فهم المعاني.
6. أن يترك الألفاظ المتشابهة كما هي، ويكتفي بتبديلها إلى مرادفاتها من تلك اللغة، فلا يتعرّض لشرحها وبسط معانيها، فإنَّ هذا الأخير من مهمَّة التفسير فقط.
7. أن يترك فواتح السور على حالها، لأنَّها رموز يجب أن تبقى بألفاظها من غير تبديلٍ ولا تفسير.
8. أن يترك استعمال المصطلحات العلميَّة أو الفنِّيَّة في الترجمة؛ لأنَّ مهمّة المترجم إفراغ المعاني المستفادة إفراغةً لغويَّةً بحتة.
9. أن لا يتعرَّض للآراء والنظريّات العلميّة، فلا يترجم الكلمات الواردة في القرآن بمعاني اكتشفها العلم، بل يترجمها حسب الاستفادة اللغويّة؛ لتكون التأدية لغويَّةً بحتة.
10. أن تقوم هيئة أو لجنة متشكِّلة من علماء صالحين لذلك، ومعروفين بسلامة الفكر والنظر والاجتهاد؛ لأنَّ الترجمة الفرديَّة، كالتفاسير الفرديَّة غير مأمونة عن الخطأ والاشتباه كثيرًا، وعلى الأقلّ يكون العمل الجماعيّ أبعد من الزلل ممّا يكون عملًا فرديًّا؛ ولذلك يكون آمن وأحوط بالنسبة إلى كتاب اللّه العزيز الحميد.
11. أن توضع الترجمة مع الأصل، مصحوبًا معها، فلا يقدّم إلى مختلف الأقوام والملل، تراجم مجرّدة عن النصّ العربيّ الأصل»
.
يصف «كراسوفيتش»
أسماء الأعلام والأماكن الواردة في الإنجيل بأبرز الشواهد اللغويَّة والثقافيَّة على حقيقة سرعة تحوُّل الإنجيل لأهمّ المراجع في الحضارة الأوروبيَّة، ومن ثَمَّ ثقافات العالم. فقد غذَّت نصوص الإنجيل –سواء المكتوبة أم المنقولة عبر الصدور- الحياة الدينيَّة والتقاليد الثقافيَّة؛ إذ انتقلت الأسماء الخاصَّة فيه لهذه الحاضنة الثقافيَّة من جيلٍ إلى آخر عن طريق ترجمات الإنجيل، والأدبيَّات الشعبيَّة، فضلًا عن أبرز الآثار الأدبيَّة والدراسات اللغويَّة الألسنيَّة؛ ما ساهم في المحافظة على الصيغة الإنجيليَّة الكلِّيَّة للأسماء الخاصَّة، فضلًا عن تكريس أهمِّيَّتها؛ بوصفها أحد المنابع الأصيلة لتقوية عمليَّة التحوُّل اللفظيَّة والمعنويَّة على أساس قواعد الاستحالة في العبريَّة، والعربيَّة، واليونانيَّة، واللاتينيَّة، وباقي اللغات الأوروبيَّة.ويصدق الأمر نفسه على القرآن الكريم الذي يشكِّل أساس الحضارة الإسلاميَّة؛ إذ لا يخفى تأثيره على مختلف المستويات الثقافيَّة في الدول الإسلاميَّة كافَّة، وغير الإسلاميَّة أيضًا. ويمكن ملاحظة القسم الأكبر من ذلك التأثير في المعلومات اللغويَّة الغنيَّة التي يعكسها ذلك الكتاب السماويّ في الآثار الأدبيَّة والعلميَّة، فضلًا عن ترجماته. وفي هذا السياق، تحظى الأسماء القرآنيَّة الخاصَّة بمكانة مميَّزة من بين تلك المعطيات؛ إذ يمكن من خلال دراستها وتحليلها تسليط الضوء على زوايا تاريخيَّة مهمَّة من الثقافة والحضارة الإسلاميَّة.
وقد أُفرِدَ لترجمة الأسماء الخاصَّة بحثٌ مستقلٌّ في دراسات الترجمة؛ حيث بُذلت محاولات جادَّة في هذا الخصوص من قِبَل منظِّرين وباحثين؛ من أمثال: «جون نيومارك» (1988م)، و«هارفي» (Hervey)، و«هيجنز» (Higgins) (2002م)
،و«فيرمز» (Vermes) (2003م)
، فضلًا عن دراساتٍ أخرى في ترجمة الأسماء الخاصَّة قام بها باحثون إيرانيّون .وعلى الرغم من أهمِّيَّة الموضوع قرآنيًّا، لم تحظَ دراسة اختيار معادلاتٍ للأسماء القرآنيَّة الخاصَّة بما يناسبها من اهتمام. وتأتي هذه المقالة محاولةً لدراسة التقنيَّات التي اعتُمِدت لاختيار المعادِلات الإنكليزيَّة الملائمة للأسماء القرآنيَّة الخاصَّة من قِبَل كبار المترجمين الذين عملوا على ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة الإنكليزيّة؛ من قبيل: «جورج سيل» (George Sale)، و«جان ميدوز رادويل» (John Medows Rodwell)، و«محمَّد مارمادوك بيكتال» (Mohammed Marmaduke Pickthall)، و«آرثر جان آربري» (Arthur John Arberry)، و«عبد الله يوسف علي» (Abdullah Yusuf Ali).
واعتمدت هذه الدراسة التوصيفيَّة على المعيار الذي اعتمده «فان كويلي» في تقنيَّات اختيار المعادلات الملائمة لتلك الأسماء
.
هناك بعدان يجب أخذهما بعين الاعتبار في تعريف الأسماء الخاصَّة؛ هما: الاسم (noun)، والتركيب الاسميّ (noun phrase)؛ إذ يجب التنبُّه إلى الدور النحويّ القائم على التمييز بين الاسم والتركيب الاسميّ
. فقد عرَّف "لنجندونك"الاسم الخاصّ بالآتي: "هو الاسم الذي يشير إلى ظاهرةٍ فريدةٍ على مستوى التقليد اللسانيّ المتعارف؛ ما يميِّزه عن غيره في تركيب معيَّن، فإنْ أفاد معنىً معيَّنًا، فلا يصل الدور إلى معناه الحرفيّ".
وصنَّف «لنجندونك» الأسماء الخاصَّة في مجموعات؛ شملت الأولى أسماء الأعلام، والحيوانات، والأماكن، وعددًا من الأسماء الأخرى، بينما جمع أنواعًا أخرى من الأسماء؛ كالألقاب في مجموعاتٍ أخرى. أمَّا نيومارك
؛ فقد قسَّمها إلى مجموعات ثلاث تشمل: الأعلام، والأشياء، والمناطق الجغرافيَّة.
قبل الخوض في موضوع قابليَّة الأسماء الخاصَّة للترجمة من عدمها، ينبغي استعراض الآراء الفلسفيَّة ذات الصلة بطبيعة تلك الأسماء. وفي ما يأتي عدد منها:
يقول «جون استيوارت ميل» في تعريفه الكلاسيكيّ للأسماء الخاصَّة: «تشير الأسماء الخاصَّة إلى أفرادٍ يُدعَون بها، دون وجود علامة تشير لانتساب تلك الأسماء إليهم»
.أمَّا «غوتلاب فِرِغِه» فيأخذ بعين الاعتبار المعنى (sense)؛ فضلًا عن الإشارة (reference) في تعريف الاسم الخاصّ
؛ إذ يرى أنَّ الاسم الخاصّ مفهومٌ يُبدي للوهلة الأولى قربًا من المعنى الحرفيّ، لكنَّه ينتهي بنوعٍ من الإبهام في المعنى المتداعي. ليصار من مجموع آراء «ميل» و«فرغه» إلى أنَّ للاسم الخاصّ وظيفةً تفكيكيَّة (denotation)، من دون أنْ يكون له أيّ وظيفة في الدلالة التضمُّنيَّة (connotation).ويختار «برتراند راسل» نظريّة «فرغه»، متبنِّيًا القول بالفرق بين الأسماء الخاصَّة الأصيلة وغير الأصيلة؛ إذ يعدّ ضمائر الإشارة من الأولى، بينما ينسب بعض أسماء العلم للثانية. وتصبح تلك الأسماء مجرَّد توصيفيَّة، حين تفقد أصالة ما وضُعِتَ له.
في حين يرى «لودفيغ فينجشتاين» أنَّ معنى الاسم الخاصّ لا يتشكَّل من الاسم نفسه، بل من التوصيف الذي يلحق به
.إذًا، يمكن تقسيم الآراء الفلسفيَّة حول الأسماء الخاصَّة إلى مجموعتين: الأولى تكتفي بمنح الدور الإشاريّ للاسم الخاصّ الذي يعادل الاسم المُشار إليه، والثانية تضيف دورًا آخر للاسم الخاصّ أبعد من مجرَّد الاكتفاء بالإشارة إلى ظاهرة معيَّنة، دورًا يتمثَّل بالدلالات المعنويَّة الضمنيَّة. وقد تبنّت هذه الدراسة المجموعة الثانية في منهج التحقيق.
يرى «بيكر» أنَّ عدم وجود معادِلات مناسبة بين لغتين يستدعي البحث عن تقنيَّاتٍ في الترجمة؛ بعضها سهلة، والأخرى صعبة
.وقد قدَّم الباحثون نماذج متعدِّدة لطريقة ترجمة الأسماء الخاصَّة
. وفي هذه المقالة اعتُمِدَ أنموذج «فان كويلي».الجدول الأوَّل: أنموذج «فان كويلي» (2006) المتضمِّن لـ 10 تقنيَّات لترجمة الأسماء الخاصَّة:
يمكن تقسيم الأسماء الخاصَّة المذكورة في القرآن إلى مجموعاتٍ عدَّة. وقد وزَّعتها موسوعة القرآن الكريم في 21 مجموعة
. والتقسيم الآتي اقتباس من الأنموذج السابق:تدرس المقالة ترجمات خمسة مترجمين للقرآن، لناحية عملهم على الأسماء الخاصَّة. وقد اختيرت هذه الترجمات من قرونٍ ثلاثةٍ مختلفة؛ بهدف مقارنتها، ومقاربة مسار تحوُّل تقنيَّات ترجمة الأسماء القرآنيَّة الخاصَّة.
والترجمات المختارة هي لكلٍّ من: «سيل» (1734م)، «رادويل» (1861م)، «بيكتال» (1930م)، «أربري» (1955م)، و«عبد الله يوسف علي» (1938م).
وبالنظر إلى هذه الترجمات، نجد أنّ «جورج سيل» قد ترجم القرآن إلى اللغة الإنكليزيَّة من النصِّ العربيّ مباشرة. أمَّا الباحث في الدراسات الإسلاميّة «جان ميدوز رادويل» فقد أصدر ترجمته الإنكليزيَّة للقرآن عام 1861م. في ما يعدُّ «محمَّد مارمادوك بيكتال» أوَّل إنكليزيٍّ مسلم يترجم القرآن إلى اللغة الإنكليزيَّة، وقد صدرت ترجمته التي حملت عنوان «معنى القرآن المجيد» (THE MEANING OF THE GLORIOUS KORAN) في لندن عام 1930م، بينما صدرت الطبعة الأولى لترجمة «أربري» للقرآن عام 1955م. أمَّا «عبد الله يوسف علي»، فهو باحثٌ بريطانيٌّ من أصل هنديّ
، وقد اعتمدت المؤسَّسة الرسميَّة السعوديَّة ترجمته الإنكليزيَّة للقرآن عام 1980م، قبل أن تتبنَّى طباعتها بعد تنقيحها عام 1985م .اعتمدت المقالة منهج التحقيق التوصيفيّ؛ حيث جرى استخراج ترجمات الأسماء القرآنيَّة الخاصَّة ودراستها من النصِّ الإنكليزيّ للقرآن. وأمَّا معيار اختيار الأسماء الخاصَّة، فكان على أساس تقسيم موسوعة القرآن الكريم
. وقد اختير لكلِّ موضوع عشرة أسماء على الأكثر بشكلٍ موجَّه، بحيث يمكن توزيعها في الأنموذج المنتخب؛ ليصار إلى دراستها وتحليلها في ترجمات المترجمِين الخمسة. وأمَّا معيار تحديد تقنيَّات ترجمة الأسماء الخاصَّة وتسميتها فهو على أساس أنموذج «فان كويلي» (2006) الذي تقدَّم في الجدول الأوَّل. وأمَّا تحليل المعطيات، فكان بشكلٍ كيفيٍّ وكمِّيٍّ معًا، باستخدام برنامج (SPSS) لحساب التكرار ومتوسّط استخدام كلِّ معادِل.
في البداية، جرى توزيع المخرجات الخاصَّة في 67 اسمًا خاصًّا وترتيبها في 9 جداول مستقلَّة، حسب نوع الاسم الخاصّ، ومن ثَمَّ استعراض المخرَجات الإحصائيَّة.
كلُّ واحد من الجداول؛ من الجدول الثاني إلى الجدول العاشر يتضمَّن أعمدة ستَّة؛ بحيث يتضمَّن العمود الأوَّل الاسم الخاصّ ذا الصلة، بينما تتضمَّن الأعمدة التالية معادِلات المترجمِين. وأمَّا العدد الذي يظهر على الجهة اليمنى لكلِّ معادِلٍ إنكليزيٍّ، فيشير إلى التقنيَّة المعتمدة في عمليَّة المعادَلَة؛ وذلك على أساس الجدول الأوَّل.
الجدول الثاني: المعادِلات الإنكليزيّة لأسماء الأعلام من قِبَل المترجمِين الخمسة:
الجدول الثالث: المعادِلات الإنكليزيَّة لأسماء الملائكة، الجنّ، والشياطين من قِبَل المترجمين الخمسة:
الجدول الرابع: المعادِلات الإنكليزيَّة لأسماء القبائل، الأقوام، والجماعات من قِبَل المترجمِين الخمسة:
الجدول الخامس: المعادِلات الإنكليزيَّة لأسماء الحيوانات، النباتات، والأطعمة من قِبَل المترجمين الخمسة:
الجدول السادس: المعادِلات الإنكليزيَّة لأسماء الأشياء من قِبَل المترجمين الخمسة:
الجدول السابع: المعادِلات الإنكليزيَّة للأسماء الجغرافيَّة من قِبَل المترجِمِين الخمسة:
الجدول الثامن: المعادِلات الإنكليزيَّة لأسماء أنواع العذاب من قِبَل المترجِمِين الخمسة:
الجدول العاشر: المعادِلات الإنكليزيَّة للأسماء الأخرويَّة من قِبَل المترجِمِين الخمسة:
وتتضمَّن الجداول من الجدول الحادي عشر حتّى الجدول السابع عشر المعطيات الإحصائيّة؛ وهي عبارة عن مجموع مرَّات الاستعمال، ومتوسِّط استخدام المترجِمِين لتقنيَّةٍ ما. كما جرى استعراض عدد مرَّات استخدام كلّ تقنيَّة من قِبَل المترجِمِين، وذلك في أشكال بيانيَّة.
الجدول الحادي عشر: المعطيات الإحصائيَّة الخاصَّة بالتقنيَّة الأولى: عدم الترجمة، إعادة الخلق والنسخ:
الشكل البيانيّ الأوَّل: عدد مرَّات استخدام المترجِم للتقنيَّة الأولى:
الجدول الثاني عشر: المعطيات الخاصَّة بالتقنيَّة الثانية: عدم الترجمة مع إضافة توضيحٍ في النصّ أو في الهامش:
الشكل البيانيّ الثاني: عدد مرَّات استخدام المترجِم للتقنيَّة الثانية:
الجدول الثالث عشر: المعطيات الإحصائيَّة الخاصَّة بالتقنيَّة الثالثة: استبدال الاسم الخاصّ باسمٍ متعارفٍ يشترك معه في أحد أوجه التسمية:
الشكل البيانيّ الثالث: عدد مرَّات استخدام المترجِم للتقنيَّة الثالثة:
الجدول الرابع عشر: المعطيات الإحصائيَّة الخاصَّة بالتقنيَّة الرابعة: التطابق صوتيًّا أو لفظيًّا في لغة المقصد:
(258)
الشكل البيانيّ الرابع: عدد مرَّات استخدام المترجِم للتقنيَّة الرابعة:
الجدول الخامس عشر: المعطيات الخاصَّة بالتقنيَّة الخامسة: الاستبدال بمعادل في لغة المقصد:
الشكل البيانيّ الخامس: عدد مرَّات استخدام المترجِم للتقنيَّة الخامسة:
الجدول السادس عشر: المعطيات الإحصائيَّة الخاصَّة بالتقنيَّة السادسة: الاستبدال باسم أكثر تداولًا من ثقافة المبدأ، أو باسم دوليّ متعارف ذي وظيفة مشابهة:
الشكل البيانيّ السادس: عدد مرَّات استخدام المترجِم للتقنيَّة السادسة:
الجدول السابع عشر: المعطيات الإحصائيَّة الخاصَّة بالتقنيَّة الثامنة: ترجمة الأسماء ذات المعنى الضمنيّ الخاصّ:
الشكل البيانيّ السابع: عدد مرَّات استخدام المترجِم للتقنيَّة السابعة:
الجدول الثامن عشر: المعطيات الخاصَّة بالتقنيَّة العاشرة: الحذف:
الشكل البيانيّ الثامن: عدد مرَّات استخدام المترجِم للتقنيَّة الثامنة:
الجدول التاسع عشر: خلاصة معطيات الاستخدام التوصيفيَّة لتقنيَّات معادلة الأسماء الخاصَّة:
تكتسب الأسماء الخاصّة -كما تقدَّم- أهمِّيَّة مميَّزة في كلِّ نصٍّ؛ لما تعكسه من عناصر ثقافيَّة مهمَّة. ويتَّفق كثير من الباحثين على اعتبار إيجاد المعادلات للمفاهيم الثقافيَّة من أصعب التحدِّيات التي يواجهها مترجمو النصوص الدينيَّة. ويؤكّد كلٌّ من «باسنت»
، و«لارسون» على أنَّ ترجمة المفردات ذات الصلة بالمفاهيم الدينيَّة في كلِّ ثقافة من أشقّ مهامّ المترجم. ويعود السبب في ذلك إلى جهل القارئ بتعدُّد وجوه المعاني ذات العلاقة بها ، وهو ما يمكن لمسه في القرآن بشكل كامل.ويتّضح من دراسة المعطيات في الدراسة ومقارنتها أنَّ التقنيَّات المستفادة في التعامل مع ترجمة الأسماء الخاصَّة تظهر وفق الترتيب الآتي:
(263)أمَّا التقنيَّتان السابعة والتاسعة فلم يستخدما قطّ. وتلاحظ النسبة الضعيفة لاستخدام التقنيَّة العاشرة.
وعليه، هناك سبع تقنيَّات عمليًّا، علمًا أنَّ التقنيَّتَيْن الأولى والرابعة يمكن دمجهما مع التقنيَّتين الثالثة والسادسة لتشابههما؛ ما يسمح بترتيب التقنيَّات في الترجمات الإنكليزيَّة؛ كما يظهر في الجدول الآتي:
الخطّ البيانيّ التاسع: ترتيب تقنيَّات اختيار معادِلات للأسماء القرآنيَّة الخاصَّة في الترجمات الإنكليزيَّة:
هذا ويشترك القرآن؛ بوصفه نصًّا دينيًّا مع النصوص الدينيَّة الأخرى؛ كالتوراة والإنجيل في كثيرٍ من النقاط، ولا سيَّما في مجال الأسماء الخاصَّة في ثقافة لغة المقصد؛ الأمر الذي يبرِّر كثرة استخدام تقنيَّة «الاستبدال بمعادِل في لغة المقصد»؛ مثل «ABRAHAM» لـ«إبراهيم».
ثمَّ إنَّ الأمر ينطبق على التقنيَّة الثانية أيضًا؛ وذلك أنَّ كثيرًا من الأسماء الخاصَّة التي جرت مقاربتها قابلةٌ للترجمة؛ بغضِّ النظر عن دورها الإشاريّ لشخصٍ أو موجودٍ معيَّن؛ مثل: «ملك الموت» الذي تُرجم إلى «THE ANGEL OF DEATH».
وأمّا إعادة الخلق (الابتكار الصوتيّ)، فيستخدم غالبًا عندما لا يتوفَّر للمترجم معادِل ثقافيّ للاسم الخاصّ، فضلًا عن الدور الإشاريّ البحت للاسم الخاصّ، وعدم إمكانيَّة معادلته بما يناسب عناصره المعنويَّة؛ مثل: كلمة «سلسبيل».
وأمَّا تقنيَّة عدم الترجمة وإضافة توضيحٍ في النصّ أو في الهامش، فيبدو أنَّها
(264)تتشكَّل من مرحلتين: الأولى تشبة التقنيَّتَيْن الأولى والرابعة (إعادة الخلق الصوتيّ) وفي المرحلة الثانية تشبه إلى حدٍّ ما التقنيَّة الخامسة.
وأمَّا التقنيَّة الأخيرة من خلال الاستبدال باسمٍ أكثر تداولًا؛ فهي آخر ملجأ للمترجمين، وهو ما يعكس تمسُّكهم بأمانة التعامل مع النصّ، حتَّى جعلوا تلك التقنيَّة آخر خيارٍ لهم.
وأخيرًا، يُلاحظ من خلال مقاربة ترجمة الأسماء القرآنيَّة الخاصَّة من القرن الثامن عشر حتَّى القرن العشرين أنَّ هناك عوامل أدَّت إلى ظهور اختلافات في المعادلة، ومن هذه العوامل: توسُّع الدراسات، والتبادل الثقافيّ، وتطوُّر معرفة المترجِمِين بالقرآن، نهجران بعض المعادِلات وبروز أخرى. وكلّ ذلك لا يعني تبلور تقنيَّات جديدة، بل يحكي تغييرًا في نسبة التوجُّه إلى إحدى التقنيَّات.
إنَّ النتائج التي تلخَّصت في الشكل البيانيّ التاسع يمكن أن تكون مفيدة في تدقيق نظريَّات الترجمة، كما يمكن لها أن تكون معيارًا لتقويم ترجمة الأسماء الخاصَّة في النصوص المقدَّسة ودراسة أساليب المعادلة؛ لاستخدامها في التعامل مع النصوص المقدَّسة الأخرى. كما يمكن لهذه الدراسة أن تُستخدم في النصوص الدراسيَّة وصفوف تعليم فنّ الترجمة.
(265)
(267)
تبيّن الدراسات المورديَّة لترجمات سورة الفاتحة الإنكليزية مدى التعقيدات الخاصَّة التي تكتنف عمليَّة العثور على معادِلاتٍ لفظيَّةٍ في ترجمة النصوص الدينيَّة
؛ وذلك للاختلافات الثقافيَّة بين لغتي المبدأ والمقصد. وقد اختار مترجمو سورة الفاتحة تقنيَّاتهم الخاصَّة لبلوغ التعادل اللفظيّ؛ على أساس أصول الترجمة النظريَّة.وتُمثِّل هذه الدراسة دراسةً تطبيقيَّةً لثلاث وستين ترجمة إنكليزيَّة لسورة الفاتحة؛ وذلك بهدف بيان الطرق التي اعتمدها المترجمون الإنكليز في حلّ مشكلة التوازن اللفظيّ؛ بوصفه جزءًا من عمليَّة التعادل في الترجمة، ولا سيّما في النصوص الدينيّة.
وتُخضِع هذه الدراسة التطبيقيَّة للبحثِ والتحليلِ الأساليبَ والحلولَ التي لجأ إليها المترجمون الإنكليز في ترجماتهم للقرآن الكريم في سبيل حلّ مشكلة العثور على معادِلاتٍ لفظيَّةٍ لدى ترجمتهم لسورة الفاتحة؛ وذلك بهدف تقديم توصيات عمليَّة لمترجمي النصوص الدينيَّة.
وقد جرى العمل على هذه الدراسة ضمن مراحل، يمكن حصرها بالنقاط الآتية:
جمع 63 ترجمة إنكليزيَّة لسورة الفاتحة لمترجمين إنكليز أو عرب.
تحديد نطاق معاني مفردات سورة الفاتحة استنادًا إلى أهمّ المصادر العلميَّة المعتمدة.
استخراج الكلمات الإنكليزيّة المعادلِة لمفردات سورة الفاتحة، وتحديد التوزيع التكراريّ لكلِّ واحدة منها.
تحديد النطاق المعنويّ لكلِّ كلمة إنكليزيَّة معادِلة.
مقارنة الطبقات المعنويَّة للكلمات الإنكليزيَّة المستعملة في الترجمة، وإجراء دراسة تطبيقيَّة لنطاقاتها المعنويَّة، ومقارنتها مع النطاقات المعنويَّة لما يقابلها في لغة المبدأ العربيَّة.
استخلاص النتائج وتقديم الحلول العمليَّة.
وهذا ما ستعالجه هذه الدراسة ضمن النقاط الآتية.
نظرًا إلى أنَّ لكلِّ سورة اسمًا خاصًّا بها، لجأ كثير من المترجمين الإنكليز إلى طريقتين في نقلها: إمَّا من خلال كتابتها؛ كما هي بالعربيَّة ولكنْ بأحرفٍ إنكليزيَّة، وإمّا بإضافة معناها بين قوسين.
ويشير الجدول الآتي إلى أنَّ حوالي خمسين في المئة (50 %) من المترجمين اتَّبعوا الطريقة الثانية، باعتبارها أكثر تداولًا كما يرون
، وليتعرَّف القارئ الإنكليزيّ على اسمها الخاصّ في لغة المبدأ؛ فضلًا عن الإحاطة بمعناها في لغة المقصد.بينما يشير الجدول رقم (2) إلى أنَّ حوالي ثمانين في المئة 80 % من المترجمين البالغ عددهم 45 فضَّلوا استعمال كلمة OPENING لترجمة السورة. علمًا أن
جذر «فتح» معناه واضح1995م) فقد شرح معنى كلمة OPENING بالآتي:
و«الفاتحة» شروع كلّ شيء . أمَّا قاموس أكسفورد OED (O-pen-ing, n.1. the act of beginning; start. 2. The first part or initial stage of anything. 3. A. the formal or official beginning of an activity, event, presentation, etc.
إذًا، في ضوء النطاق المعنويّ لمفردة الفاتحة، فإنَّ أفضل معادل إنكليزيّ لها هو(THE OPENING).
(270)اتَّفق المترجمون على ترجمتها بـ (NAME)؛ ما يشير إلى استعمالها بالمعنى نفسه في لغَتَي المبدأ والمقصد.
يشير الجدول رقم (4) إلى أنَّ مفردة (ALLAH) استعملت بنسبة 61 %، بينما استعملت كلمة (GOD) بنسبة 39 %.
وقد اتّفق اللغويّون كافَّةً على أنَّ «الله» اسم لذات واجب الوجود الجامع لكافَّة صفات الكمال
؛ لتندرج بذلك جميع الأسماء والصفات الحسنى ضمن لفظ الجلالة؛ ما جعل بعضهم يعدّه من الاسم الأعظم .أمَّا كلمة (GOD) الإنكليزيَّة فلا يمكنها تغطية جميع مستويات معنى كلمة «الله» القرآنيَّة
، وإنْ كانت أسهل وأيسر فهمًا للقارئ الإنكليزيّ. هذا، مضافًا إلى أنَّ لفظة (ALLAH) صارت مألوفة في اللغة الإنكليزيَّة منذ سنوات؛ بوصفها اسمًا خاصًّا مقبولًا، حتَّى دخلت القواميس الإنكليزيَّة.«الرحمن» و«الرحيم» مفردتان مشتقَّتان من الرحمة، و«الرحمن، فعلان صيغة مبالغة تدلّ على الكثرة، والرحيم فعيل صفة مشبَّهة تدلّ على الثبات والبقاء؛ ولذلك ناسب الرحمن أنْ يدلّ على الرحمة الكثيرة المُفَاضَة على المؤمن والكافر؛ وهي الرحمة العامَّة... ولذلك -أيضًا- ناسب الرحيم أن يدلّ على النعمة الدائمة والرحمة الثابتة الباقية التي تُفَاضُ على المؤمن... ولذلك قيل: إنَّ الرحمن عامٌّ للمؤمن والكافر، والرحيم خاصٌّ بالمؤمن»
.أمَّا الرحمة التي اشتُقَّت منها الصفتان، فقد عُرِّفَت بالآتي:
«الرحمة فيه -تعالى- ليس بمعنى رقَّة القلب والإشفاق والتأثُّر الباطنيّ؛ فإنَّها تستلزم المادَّة -تعالى عن ذلك- بل معناها العطيَّة والإفاضة لما يناسب الاستعداد التامّ الحاصل في القابل، فإنَّ المُستَعِدَّ بالاستعداد التامّ الشديد يحبّ ما يستعدّ له ويطلبه ويسأله بلسان استعداده، فيُفَاضُ عليه ما يطلبه ويسأله»
.وجاء في توضيح «الرحمن» أنَّه كلَّما ذُكرت تلك الصفة، جاز استبدالها بلفظ الجلالة، وكذلك العكس؛ خلافًا لباقي أسماء الله... كما يجوز استبدال لفظ الجلالة بـ «الرحمن» أيضًا... وهذا يدلّ على أنَّ «الرحمن» مساوٍ لله معنىً، لا أنَّ «الرحمن» صفة من صفات الله... ومن جهة أخرى، فقد وردت كلمة «الرحمن» -كما الله- في كلِّ المواضع، لا موضع الرحمة فحسب، علمًا أنَّ «الرحيم» -مثلًا- استعملت دائمًا في موارد الرحمة فقط، بينما استعملت «الرحمن» –كـ الله- في موارد الرحمة والعذاب والقدرة وغيرها...
.وعُلِّل تقدُّم «الرحمن» على «الرحيم» في تفسير مجمع البيان بالآتي:
«... وإنَّما قدّم الرحمن على الرحيم؛ لأنَّ الرحمن بمنزلة الاسم العلم، من حيث لا يوصف به إلَّا الله تعالى؛ فوجب لذلك تقديمه على الرحيم؛ لأنَّه يُطلق عليه وعلى غيره»
.والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: كيف يمكن لمترجمٍ أن يراعي جميع الشروط الحاكمة على التوازن اللفظيّ في ترجمة الكلمتين؟
إنَّ أوَّل مشكلة يواجهها المترجم تعود إلى البنية المتفاوتة بين اللغتين؛ فعلى سبيل المثال، لا توجد في قواعد اللغة الإنكليزيَّة صِيَغ مبالغة وصفات مشبَّهة، وكما يتبيَّن من الجدولين (5) و(6) فإنَّ المترجِمِين استعملوا كلمات من قبيل: (ENTIRELY)، (MOST)، (ALL) التي تنقل جزءًا من المعنى إلى القارئ الإنكليزيّ، لكنَّها جميعًا لا تتضمَّن فرادة الصفة الإلهيَّة الكامنة في العربيَّة.
لا ريب أنَّ معنى الكلمتين بالعربيَّة يرتكز على خلفيَّة عقديَّة وثقافيَّة وقيميَّة قائمة على الفكر الإسلاميّ، وهو ما تفتقده اللغة الإنكليزيَّة؛ لذا يُلاحظ من الجدولين تفضيل أحد المترجِمِين استعمال الكلمتين العربيَّتين، كما هما؛ بكتابة إنكليزيَّة.
أمَّا بالرجوع إلى قاموس أكسفورد (1995م)، فيُلاحظ أهمّ معادِلَين مستعملَين للكلمتين، وتعريفهما، والأمثلة عليهما:
compassionate, adj. having a disposition to pity; full of compassion; inclined to show mercy or pity; sympathetic.
There never was a heart truly great and generous, that was not also tender and compassionate. – south
Syn. –merciful, tender, soft, indulgent, kind, clement, gracious.
Lord may have compassion on Deut. 13:17
Return and have compassion on.jer: 12:15
Beneficent, adj. bringing about or doing acts of kindness and charity, doing good.
Grace, n. in theology, (a) the free unmerited love and favor of God; (b) divine influence acting in man to restrain him from sin; (c) a state of reconciliation to God; (d) spiritual instruction, improvement, and edification.
Esther obtained grace in Esth 2:17.
(275)Grace is poured into lips Ps 45:2.
Lord is a sun, he will give grace Pr. 1:9.
My grace is sufficient for thee. -- 2 Cor. Xii.9.
Gracious, adj. merciful; compassionate.
Syn. –benignant, kind, merciful, mild, compassionate, tender.
Merciful, adj. having, feeling, or exercising mercy; compassionate; tender; unwilling to punish for injuries; exhibiting mercy.
The free mercy of God, or the enjoyment of his favour, Rom 1:6.
وعلى الرغم من أنَّ التوزيع التكراريّ في هذه الدراسة يشير إلى استعمال مصطلح (THE MOST GRACIOUS) بشكلٍ أقلّ من (THE MOST COMPASSIONATE)، لكنَّها أقرب معنىً لمفردة «الرحمن» من غيرها. والأمر نفسه ينطبق على عبارة (THE MOST MERCIFUL) بالنسبة إلى مفردة «الرحيم». ويبدو أنَّ المترجم مضطرٌ مع ذلك كلِّه لتقديم ملاحظات توضيحيَّة على الهامش؛ رعايةً للاختلافات الثقافيَّة والفكريَّة
.
من المستحسن رعاية ألف لام الاستغراق (ال) في «الحمد»، باستعمال كلمة (ALL) قبل (PRAISE)، كما يظهر ذلك من الجدول رقم (7)؛ كي تشير إلى أنَّ كلَّ ثناءٍ جميلٍ ووصفٍ جليلٍ من الأزل إلى الأبد لله وحده .
(276)Praise, v.t.; extol in words or in song; to magnify; to glorify.
Praise him, all his angles Praise ye him, all his hosts _ Ps. Cxlviii. 2.
Yea, I will sing praise to God. 27: 6
Let them sing praise to him. 149: 3
تطلق كلمة «ربّ» بمعنى التربية
، وعندما تستعمل في وصف الله -تعالى- يُراد بها تربية الموجودات كافَّة . ثمَّ إنَّ الكلمة وردت بمعنى الملك والصاحب ، والكبير الجليل .وفي ضوء مستويات معاني الكلمة، يبدو من الجدول رقم (8) أنَّ أفضل معادِل
(277)لها هو (LORD)، على الرغم من أنَّ بعض المترجمين اهتمُّوا أكثر بمعنى التربية في الكلمة، فاستعملوا كلمَتَي (CHERISHER AND SUSTAINER) في أنموذجٍ على كيفيَّة سيرورة مفردةٍ ما في عمليَّة الانتقال من لغة المبدأ إلى لغة المقصد.
Lord, n. 1. A person having great power and authority; ruler; master.
2. (L-) (a) God (with the except in direct address); (b) Jesus Christ (often with our).
All the lord said to Moses Josh 11: 23
Cherish, v.t. to treat with tenderness and affection; to take care of; to foster; to nurture.
Cherisher, n. one who cherishes; a supporter.
Sustain, v.t. to maintain; keep in existence; keep going; prolong.
(278)في ضوء مستويات معاني تلك الكلمة يبدو من المستحسن استعمال كلمة (THE WORLDS)، مع أنَّ البعض استعملوا كلمة (ALL BEINGS)
.World, n 1. Humankind; the human race; humanity. 2. The public generally: The whole world knows it. 3. Any sphere, realm, or domain, with all pertaining to it: the world of dreams. 4. Everything that exists; the universe; the macrocosm.
(279)المالك: اسم فاعل؛ بمعنى صاحب المال والحكم
، وتلفّظ بها البعض «مَلِك» (بفتح الميم وكسر اللام)؛ بمعنى الحاكم والسلطان .وفي ضوء معنى تلك الكلمة؛ فضلًا عن معنى «ملِك» التي قد يُتلفَّظُ بها في السورة (كما يظهر من الجدول رقم (10))، نجد أنَّ حوالي أربعة وخمسين في المئة (54 %) من المترجمين قرؤوا الكلمة (مَلِكَ)؛ ليترجموها (KING AND MASTER)، بينما قرأها حوالي عشرة في المئة (10 %) منهم مالكاً وعرضوا كلمة (OWNER) معادِلًا لها. ويمكن اعتبار سائر المعادِلات الأخرى من معاني كلمة (MASTER).
Master, n. (ME. Maister, meister; OFr. Maistre, master, from L. magister, master, chief, head, from root of magnus, great).
A man who rules others or has control, authority, or power over something; specifically, (a) a man who is head of a household or institution; (b) (M-) Christ (with our, the, etc).
لعلَّ المعادِل الطبيعيّ لتلك العبارة -كما يتبيَّن من الجدول- هي عبارة (THE DAY OF JUDGEMENT)؛ إذ استعملت من قِبَل حوالي 76 % من المترجِمِين.
Gudgment Day, in theology, the last day when final judgment will be pronounced by God on all people; the end of the world.
(281)لفظة «نعبد»: من مصدر العبادة؛ بمعنى إطاعة أوامر الله واتِّباعها80 %، و(serve) بنسبة 17 % تقريبًا، ولعلَّ باقي المعاني الخاصَّة بالعبادة تتطابق أكثر مع المعادِل الثاني.
. ويظهر من الجدول غلبة استعمال معادِلَيْن لمصطلح العبادة، وهما: (WORSHIP) بنسبة
Worship, v.t. to adore or pay divine honors to as a deity; to reverence with supreme respect and veneration; as, to worship God.
Serve, v.t. served, pt., pp.; serving.; ppr (Fr, Server, from L. servire, to serve, from servus, a seveant, a slave, or serf).
To work for; to be a servant to.
(a) to do services or duties for; to give service to; to aid; to assist; to help; as, he served his country as great stateman; (b) to give obedience and reverent honor as God.
(282)
الفعل «نستعين»: من مصدر الاستعانة؛ بمعنى طلب العون
. ويظهر الجدول رقم (13) أنَّ كلمة (help) بشكلها التركيبيّ هي أنسب المعادِلات وأكثرها تداولًا.الفعل «اِهْدِ»: مشتق من مصدر «هَدَيَ»؛ بمعنى الإرشاد والتوجيه لطفًا وطلبًا للخير14) أنَّ كلمة (GUIDE) هي الأنسب معنىً، مع أنَّ ثمَّة مترجمين آخرين ركَّزوا على مستوى معنويّ آخر للكلمة؛ من خلال التركيز على معنى الإظهار، فاستعملوا كلمة (SHOW) معادِلًاٍ لها.
. ويُظهر الجدول رقم (Guide, v.t. to point out the way for; direct on a course; conduct; lead I will teach and guide thee with Ps. 32:8
The Lord shall guide thee Isa 58:11
(284)
لفظة «الصراط»؛ بمعنى السبيل والطريق15) أنَّ كلمَتَي (PATH) و(way) هما الأنسب ترجمةً للفظة «الصراط». بينما استعمال كلمة (ROAD) لا يبدو مناسبًا على الإطلاق لمعناها مفردةً؛ كونه يستعمل للطريق المادّيّ، كما أنَّها لا تبدو تركيبًا مناسبًا ومعادِلًا لعبارة «الطريق القويم».
، ويتبيَّن من الجدول رقم (
Path, n. 1. A track or way by footsteps; a trail.
2.a walk or way for the use of people on foot, as in a park or garden.
3.a line of movement; a course taken; as, the path of the meteor.
4.a course or manner of conduct or procedure.ا
يتبيَّن من الجدول رقم (16) أنَّ أنسب معادل لكلمة «مستقيم» هي كلمة (STRAIGHT) وكلمة (RIGHT). وطبعًا الكلمة الأولى هي أكثر شمولًا، وتغطِّي سائر المعادِلات المعنويَّة المقترحة.
(285)Straight, adj. 1. Having the same direction throughout its length; having no curvature or angularity; as a straight line.
2.direct; undeviating; continuous; uninterrupted, etc.; as, a straight course.
Rights, adj. in accordance with justice, law, morality, etc.; upright; virtuous; as, rght conduct.
Led me in the right way, Gen. 24:48
The good and right way Sam 12:23
في ضوء مستويات معنى كلمة «أنعمت» التي تشمل كلّ ما يهبه الله من نعمٍ دنيويَّةٍ وأخرويَّةٍ17) وجود ثلاث معادِلات مع تراكيبها الخاصَّة بها: (FAVOUR)، (GRACE)، و(BLESS)...
، يُلاحظ في الجدول رقم (وكلمة (BLESS) هي الأنسب لمعناها الجامع وتركيبها مع لفظ الجلالة؛ لتشمل النعم الدنيويَّة والأخرويَّة.
(286)Favour, v.t. to regard with kindness; to countenance; to befriend; to encourage.
Which shall not shew favour. Deut. 28:50
God gave Moses favour in sight of Acts 7:10
Goseph was well favoured Gen 39:6
Bless, v.t.; (ME. Blessen; AS. Bletsian, bledsian, to bless, from, from blod, blood; from the consecration by sprinkling the altar with blood).
(287)1.to set apart or consecrate to holy purposes; to make and pronounce holy.
2.to make happy; to make successful; to make prosperous in temporal concerns; as, he blesses us with his leadership.
God blesses. (1) by giving riches and prosperity, Gen 30:27; 39:5. (2) By giving spiritual and temporal good things, Ps 29:11; Eph 1:3. (3) By consecrating or hallowing, Gen 2:3; Ex 20:11
لفظة «المغضوب»: مشتقَّة من الغضب
.واستعمال كلمة (WRATH) أقرب إلى معنى الغضب؛ لشدَّة الكلمة مقارنةً مع كلمة (anger)؛ إذ يُلاحظُ استعمالها من قِبَل أكثر المترجمين.
Wrath, n. violent anger; vehement exasperation; indignation; fury Wrathful, adj. very angry; greatly incensed.
Syn. _ exasperated
An-ger, n., "-gered, -ger-ing "n.1. a strong feeling of displeasure and belligerence aroused by a real or supposed wrong; wrath.
«الضالّ»: اسم فاعل من فعل «ضلّ»؛ بمعنى المنحرف عن الحقّ
.ويتبيَّن من الجدول رقم (19) أنَّ تركيبة (TO GO STRAY) أفضل من غيرها من المعادِلات المقترَحة.
Astray, adv. And adj. (ME. Astraei; Ofr. Estraye, from estraier, to strary; Pr. Estraguar, L. xtravagare; extra, out, and vagare, to wnader.) off the right way or path, away from the proper path.
(290)بناءً على الدراسة التطبيقيَّة للترجمات الإنكليزيَّة لسورة الفاتحة، يمكن تقسيم المفردات الدينيَّة من حيث التعادُل اللفظيّ إلى فئات ثلاث؛ هي:
المفردات ذات المعنى المرجعيّ الملموس والمجسَّم، وغالبًا ما تتَّفق مع معادِلاتها الإنكليزيّة؛ لاتِّحادها مرجعيًّا في كلا اللغتين، من قبيل كلمات: الفاتحة، الحمد، العالمين، يوم الدين، الصراط والمستقيم، ولتوافر مفاهيمها في ثقافتَي اللغتين؛ ما يوفِّر عناء البحث عن معادِلٍ يعكس المستويات المعنويَّة.
المفردات التي تتوافر مفاهيمها الكلِّيَّة في لغة المقصد، ولكنْ ليس لها معادِلات أحاديَّة اللفظ تغطِّي مستوياتها المعنويَّة كافَّة. وهنا يُستعان بنظريَّة بيكر
من خلال إضافة كلمة في الترجمة؛ إكمالًا للمعنى، كما حصل ذلك في ترجمة لفظة «الحمد»؛ بإضافة (ALL) إلى كلمة (PRAISE).لعلَّ أعقد عمليَّة في الترجمة هي عدم العثور على معادِلٍ في لغة المقصد لمفهوم خاصّ، كما في لفظ الجلالة «الله»؛ إذ تبيَّن أنَّ الأفضل نقلها كما هي إلى اللغة الإنكليزيَّة (ALLAH).
هذه الطريقة -طبعًا- ليست عمليَّة في كلِّ الحالات؛ إذ قد تجعل القارئ حائرًا وعاجزًا عن إدراك المعنى المتوخَّى. وعندها يمكن دمج أساليب مختلفة؛ لاستخلاص طريقة جديدة في الترجمة، والتي أطلق عليها البعض اسم الترجمة التشريحيَّة
، وفيها يكون كلٌّ من الصورة والمعنى أقرب حدّ الإمكان من النصِّ الأصليّ، ويُؤتَى بباقي المعلومات والمفاهيم الثقافيَّة بشكل كامل في الهامش؛ لملء الفجوات الثقافيَّة، وجعل القارئ في صورة النصِّ الأصليّ ، وذلك كما في ترجمة مفردَتَي «الرحمن» و«الرحيم».ولكن لا بدَّ من التأكيد على أنَّ التعامل مع نصٍّ مقدَّسٍ على مستوى القرآن يفرض الاهتمام بالصورة والمعنى معًا، وتجنُّب أيّ تغيير أو تحوير خلال الترجمة. أمَّا النمط المتَّبع في الطريقة الأخيرة فيقوم على إضافة التوضيحات ذات الكلمة والكلمتين بين قوسين، أمَّا ما زاد عليها فيضاف في الهامش أسفل الصفحة؛ لتكون بمثابة ترجمة تفسيريَّة أو ترجمة تواصليَّة؛ بهدف استحضار الخلفيَّات الثقافيَّة المسبقة اللازمة؛ كي يعيش القارئ الإنكليزيّ أجواء الكلمة القرآنيَّة.
وأخيرًا، يجب أن يُعلم بأنَّ أعقد أنواع الترجمات هي ترجمة النصوص الدينيَّة المقدَّسة؛ نتيجة ارتباطها بالبنى العقديَّة والفكريَّة، ولا يمكن لأيِّ ترجمة أن تفي النصّ الأصليّ حقَّه؛ لأنَّ الفرق بين الأصل والترجمة انعكاسٌ للاختلاف بين البنى اللغويَّة والخطابات الثقافيَّة الفكريَّة بينهما، وكلَّما قلَّ الاختلاف بينهما كلّما اقتربت الترجمة من الأصل.
(292)تجدر الإشارة إلى أنَّه في حال كان المترجم قد عدَّل في ترجمته في الطبعات اللاحقة، فقد جرى اعتبار الترجمة المعدَّلة ترجمة مستقلَّة.
1- Abu’l-fazl, M., The Koran; A New Translation. Bombay: Reform Society, 1955.
2- Ahmed, A., S.V. Mir. The Holy Qur’an, Karachi: The Sterling Printing & Publishing Company, 1964.
3- Ali, Ahmad, Al-qur’an. Delhi: Oxford University Press, 1987.
4- Al-hayek, Sheikh Izzidin, The Honourable Qur’an In the English Language. Damascus: Dar Al-fikr, 1995.
5- Ali Shah, Sirdar Ikbal, Selections from the Koran. Tehran: Alhoda Publications, 1980.
6- Allahdin, Abdullah (n.d). Extracts from the Holy Qur’an and Saying of the Holy Prophet Mohammad. Secunderabad: Ahmadia Press.
7- Amir-Ali, Hashim, The Message of the Qur’an. Rutland & Tokyo: Charles E. Tuttle Company, 1974.
8- ---------------, The Student’s Qur’an. Bombay: Asia Publishing House, 1961.
9- Arberry, Arthur J. The Koran Interpreted. New York: Macmillan Publishing Company, 1955.
10- Bell, Richard, The Qur’an.- Edinburgh: T.&T. Clark, 1937.
11- Borghey, Seyed R.&M. Bahonar, M. (n.d). The Teachings of the Holy Qur’an.
12- Tehran: Office for Diffusion of Islamic Culture.
13- Daryadari, Mulana Abdul Majid, Tafsir-Al-Qur’an. Lucknow: Academy of Islamic Research and Publicatins, 1981.
14- -------------------, Tafsir-Al-Qur’an. Lucknow: Academy of Islamic Research and Publications, 1985.
15- Dawood, N.J, The Koran. New Delhi: penguin Books, 1990.
16- Ghai, O.P, Selections from the Qur’an. Sterling Publishers Private Ltd, 1992.
17- Golshani, M. and M.J Khalili, The Holy Qur’an. Tehran: Islamic Propagation Organization, 1992.
18- Hairat, Mirza. (n.d). The Koran. Delhi: I. M.H. Press.
19- Husain, A.F. Badash. The Holy Qur’an: A Translation with Commentary According to Shia’ Traditions and Principles. Lucknow: The Muslim Press, 1931.
20- Jullundri, Ali Ahmad Khan. The Glorious Holy Qur’an. Lahore: Ripon Press, 1962.
(293)21- Khalifa, Rashad. (n.d). Qur’an the Final Testament. N.p.: Islamic Productions.
22- Kassab, Rashid Said. Translation of the Meanings of the Glorious Qur’an, 1987.
23- Lane, Edward W. (n.d). The Koran. New York: Mount Vernon.
24- Latif, Seyed Abdul. Al-Qur’an. Hydarabad: The Academy of Islamic Studies, 1969.
25- Maududi, Maulana Seyed Abdul a’la. The Meaning of the Qur’an. Delhi: the Board of Islamic Publications, 1973.
26- Mir Ahmad Ali, S.V. English Translation of Qur’an-e-Majeed. Karachi: Peermahomed Ebrahim Trust, 1975.
27- Muhammad Ali, Maulana, The Holy Qur’an Lahore: Ahmadiyyah Anjuman Ishaat Islam, 1951.
28- Muller, F. Max. (n.d) The Sacred Books of the East. N.p.
29- Pickthall, Marmaduke. The Glorious Qur’an. Tehran: Salehi: Publications, 1951.
30- ------------------, The Glorious Koran. Tehran: Salehi Publications, 1976.
31- ------------------, The Meanings of the Glorious Qur’an. Cairo: Daral-Kitab Al- Masri, 1981.
32- ------------------, The Meanings of the Glorious Qur’an. New Delhi: kitab Bhavan, 1996.
33- Pursafavi, Yusof. (n.d). The Holy Koran. Tehran: Ziba Press.
34- Rodwell, J.M. The Koran. London: Everyman’s Library, 1974.
35- Saheeh International. Juz’u Amma. Jeddah: Abdul Qasim Publishing House, 1995.
36- Sale, George. (n.d) The Koran. London: Frederick Warne And Co. Ltd. And New York.
37- Shakir, M.H. (n.d). The Holy Qur’an. Tehran: Esmailian Publications.
38- The Presidency of Islamic Researches, IFTA, Call and Guidance. (n.d). The Holy Qur’an. Saudi Arabia: king Fahd Holy Qur’an Printing Complex.
39- Torres-Al Honnef, Iman. The Qur’an in Plain English. Leicester: Islamic Foundation Trust, 1997.
40- Wilarry, E.M. The Qur’an. Allah-Abad: R.S. Publishing House, 1979.
41- Yusuf Ali, Abdullah. The Holy Qur’an: Text, Translation and Commentary. New York: Hafnet Publisging Company, 1964.
42- ----------------, The Holy Qur’an. New York: American Trust Publications, 1977.
43- ----------------, The Illustrious Qur’an. New Delhi: Kitab bhavan, 1982.
44- ---------------, The Meanings of the Holy Qur’an. Maryland: Amana Corporation, 1992.
45- ---------------. The Meanings of the Holy Qur’an. New Delhi: kitabb-havan, 1996.
46- Zafrulla khan, Muhammad, The Qur’an. New York: Olive Branch Press, 1991.
47- Zayid, Mahmud Y., The Qur’an. Beirut: Dar Al-Chours, 1980.
(294)
عند ترجمة قصةً ما لا يتوجَّب على المٌترجم نقل الكلمات بكثير من الدقّة؛ فيكفي إيصال معناها بلغة المقصد (اللغة المُتَرجَم إليها)؛ كما هي عليه في لغة الأصل.
ولكنّ الأمر مختلف تمامًا عند ترجمة القصيدة؛ إذ يلزم نقل نصّها ومفهومها؛ فضلًا عن نظمها الشعريّ؛ سواء على مستوى قصد الشاعر من استعمال كلمات بعينها أو معانيها أو قوافيها؛ الأمر الذي يجعل من ترجمة هذا النمط الأدبيّ أصعب بكثير من ترجمة القصّة؛ ما يدعو المترجم لبذل الجهد المضني في نقل الفكرة، مع الالتزام بانتقاء كلمات موزونة في لغة المقصد.
وفي ترجمة القرآن الكريم، فإنّنا نتعامل مع معجزة كبرى، تتطلّب منّا التزام منتهى الدقّة في انطباق المعاني على الآيات، مع المحافظة على الجوانب الإعجازيّة فيها؛ ما يجعل من العمل غايةً في المشقّة؛ إذ كثيرًا ما تخفى علينا مفاهيم الآيات العميقة، فضلًا عن عجز الترجمة عن تضمين البلاغة الإعجازيّة فيها.
ولذا، لا يمكن لترجمة القرآن أنْ تكون بالجودة المطلوبة؛ إلا إذا اشتملت على عناصر التفسير العلميّ والتأويل المعنويّ، مع إبراز جمال الكلام الإلهيّ.
ويعدّ تفسير المترجم نفسه للآيات من العوامل المباشرة المؤثّرة في مستوى ترجمة القرآن الكريم؛ فقد يكون مغلوطًا بصورة متعمّدة؛ نتيجة التعصّب لمذهب أو دين معيّن، أو بشكل غير مقصود؛ لفقدان المؤهّلات العلميّة والمنهجيّة اللازمة. وفي كلا الحالتين، فإنّ الترجمة هي الضحيّة لقصورها عن إيصال المقاصد الإلهيّة والمفاهيم العميقة التي يحفل بها الكتاب الإلهيّ.
ومن منطلق كون الإسلام دين عالميّ ورسالته خالدة موجَّهة إلى الناس جميعًا في كلّ زمان ومكان، على اختلاف ألسنتهم ولغاتهم، فقد باتت الحاجة ماسّة وضروريّة
(296)لترجمة القرآن الكريم إلى لغات الشعوب غير الناطقة بالعربيّة، ومن بينها الناطقين باللغة الألمانيّة؛ حيث إنّ النسبة الغالبة من الشعب الألماني لا تعرف اللغة العربيّة؛ ما يستدعي تبليغهم رسالة القرآن بطريقةٍ ما، وهو ما لا يتحقّق إلا بترجمة ذلك الكتاب السماويّ العظيم إلى لغتهم.
وتجدر الإشارة إلى أنّ أولى ترجمات القرآن إلى اللغة الألمانيّة غير متاحة لدينا حاليًا؛ ما يحول دون تقويمها، غير أنّ ما ورد من معلومات حولها، تشير أنّ تلك الترجمة لم تتمّ من القرآن مباشرةً، بل عبر لغتين وسيطتين. ولمّا كانت الترجمات القرآنيّة لا تخلو من نقص، فلا بدّ أن ينطبق ذلك عليها أيضًا.
ومنذ نشر تلك الترجمة حتّى الآن، انبرى مترجمون من مختلف الجنسيّات والأديان لإصدار العديد من ترجمات القرآن إلى اللغة الألمانيّة، تفاوتت من حيث المستوى؛ فمنها غير مقبول بتاتًا؛ كترجمة مولانا صدر الدين الضعيفة جدًّا نتيجة عدم إحاطته وزميله باللّغة الألمانيّة؛ ما جعلهما يغفلان عن ترجمة المفاهيم العميقة للقرآن الكريم.
ومع كلّ الترجمات التي صدرت، يمكن القول: إنّه لم يُنجَز عمل استوعب كافّة رموز القرآن وأسراره اللغويّة وإشاراته العرفانيّة. ولعلّ من المستحيل تصدّي أيّ لغة لتقديم ترجمة صحيحة وواقعيّة للقرآن، ولا تشذّ اللغة الألمانيّة عن تلك القاعدة.
ظلّت الترجمة اللاتينيّة للقرآن حكرًا على حلقة ضيّقة من الأفراد، إلى أنْ تدخَّل بعض رجال الدين؛ وعلى رأسهم المصلح الدينيّ المسيحيّ ومؤسّس المذهب البروتستانتيّ؛ مارتن لوثر، كي ترى الترجمة النور في مدينة بازل السويسرية سنة 1543م، بعد أنْ بقيت حبيسة الأدراج مدّة أربعة قرون. وصارت حجر الأساس لترجمات أخرى باللغات الإيطاليّة، الهنديّة، الفرنسيّة، الإنجليزيّة، والألمانيّة.
وتعتبر اللغة الألمانيّة اللغة الغالبة في كلٍّ من ألمانيا، والنمسا، وقسم كبير من سويسرا، وبلد صغير باسم ليختنشتاين، بحيث يتحدّث بها حوالي مائة مليون نسمة. وتكمن أهمّيّة ألمانيا بالنسبة إلى العالم الإسلاميّ كونها مهد أوائل الباحثين الأوروبيّين في الدراسات الإسلاميّة.
وأمّا المسلمون، فقد بدؤوا الترجمة إلى اللغة الألمانيّة منذ أواسط القرن العشرين؛ ما يجعل من المتعذّر العثور على عدد معتدّ به من المقالات أو المصادر العلميّة في حقل النصوص الدينيّة والإسلاميّة.
وفي ما يلي أبرز ترجمات القرآن إلى اللغة الألمانيّة؛ وهي:
1- ترجمة سالمون شوايكر (salomon schweigger):
وهي أوّل ترجمة ألمانيّة للقرآن الكريم في القرن السابع عشر؛ وقد صدرت على يد سالمون شوايكر سنة 1616م. وقامت ترجمته على ترجمتين سابقتين؛ هما: ترجمة إيطاليّة لأندريا أريفاييمي(andrea arrivabeme) سنة 1547م، وترجمة لاتينيّة لروبرت فون كتون.
2 - ترجمة فريدريش روكرت (friedrich ruckert):
وهي للشاعر واللغويّ والمستشرق الألمانيّ فريدريش روكرت في القرن التاسع عشر. وتعدّ تحفةً في اللغة الألمانيّة؛ جماليّةً ولغويًّا؛ إذ على الرغم من افتقارها للدقّة وعدم مطابقتها للنصّ الأصليّ؛ فقد عكست للمرّة الأولى جمال الأسلوب القرآنيّ وروعته للقارئ الألمانيّ الذي انبهر به أيّما انبهار.
وكان روكرت نابغة في تعلّم اللّغات حتى بلغت شهرته الآفاق؛ فقد كان متقنًا للّغات اليونانيّة القديمة، واللاتينيّة، والسنسكريتيّة، الفارسيّة، والعربيّة، والتركيّة، وسرعان ما دعاه ذلك إلى خوض ترجمة آيات من القرآن والأنس به، لينشر الدفعة الأولى من ترجماته الشعريّة لآيات من القرآن الكريم سنة 1824م.
ومنذ بدء روكرت عمله، لم يكنْ بصدد ترجمة النصّ القرآني كاملًا؛ ما جعل بعض
الآيات وحتّى السور غائبةً -للأسف- عن مخطوطاته التي تركها بعد رحيله.
ولم تجد تلك المخطوطات طريقها للطبع إلا سنة 1888م؛ بمسعى من المستشرق الألمانيّ أوغوست مولر؛ بمناسبة مرور مائة عامّ على ميلاده؛ تلبية لطلب من أسرة الراحل. وظلّت تلك الترجمة الفريدة منذ ذلك الحين مهجورة وقابعة في زوايا النسيان، إلى أنْ طُبِعَت من جديد بعد مرور أكثر من قرن على الطبعة الأولى؛ وذلك بأبهى حلّة بإشراف هارتمت بوبتسين، وتعليقات وولف ديتريش القيّمة.
3- ترجمة لودفيك أولمن (Ludwig ullmann):
كان الدافع وراء ترجمته القرآن سنة 1840 م، إثبات تلقّي الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآله ذلك الكتاب من اليهود. ومن الأخطاء الواردة فيه، على سبيل المثال لا الحصر:
ـ ترجمة الآية (وما أنزل من قبلك) بـ(وما أنزل عليك).
ـ استخدام كلمات لا تنقل المعنى الدقيق في ترجمة أسلوب التأكيد (إنّما) في بعض الآيات؛ كما في آية التطهير؛ إذ ترجم (إنّما) -الذي يلعب دور الرابط بين جملتين- بما يفيد انحصار مصداق أهل البيت عليهمالسلام بأزواج الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآله فحسب.
4- ترجمة رودي باريت (rudi paret):
وهي ترجمة مهمّة باللغة الألمانيّة. نُشرت سنة 1966 م. وتتضمّن ترجمة الآيات، وشرح الترجمة، وفهرس للمفردات القرآنيّة. كان الشهيد آية الله بهشتي أوّل من عرَّف بها للإيرانيّين. وقد أمضى رودي باريت حوالي ثلاثة عقود من عمره لإنجاز هذا العمل. ولا أدلَّ على مدى الجهد الكبير الذي بذله في الترجمة سوى شرحه لترجمة البسملة في خمس عشرة صفحة؛ توخّيًا للدقّة والصحّة.
5 - ترجمة عادل تيودور خوري (adel theodor khoury):
وهي من الترجمات الجيّدة التي تستحقّ التقدير. فبعد سنوات عدّة من نشرها
سنة 1987 م، صدر لخوري كتاب من 12 جزءًا يتضمّن تفسير آيات القرآن، فضلًا عن ترجمتها إلى الألمانيّة. ويتوقّف في تفسيره عند بعض الآيات؛ مستعرضًا أوجه التشابه بين القرآن والإنجيل والتوراة.
وغاية الكاتب من نشر الكتاب خلق حالة من الاتّحاد بين المسلمين والمسيحيّين. وقد فرضت غلبة عدد مسلمي السنّة على الشيعة، نفسها على كتابه الذي غلب عليه الاستناد إلى أمّهات مصادر أهل السنّة التفسيريّة. ويُعدّ مستوى ترجمة الكتاب جيّد بشكل عامّ، مع أنّه كان بإمكان المؤلِّف استعمال مفردات ألمانيّة أكثر ملاءمة.
6 - ترجمة أحمد دنفر (ahmed von denffer) ويوسف كون (yusuf Kuhn):
وقد قامت هذه الترجمة على ترجمة إنجليزيّة للقرآن، لا على القرآن العربيّ مباشرةً، ونُشِرَت سنة 2009م.
لا ريب أنّ هناك أوجه تفاوت واختلاف بين اللغتين الألمانيّة والعربية، تؤثِّر بدورها على ترجمة القرآن. وفي ما يلي أهمّها:
1. في العربية، لا فعل في الجمل الاسميّة سوى ما استتر من فعل «كان». بينما يجب أنْ تحتوي الجملة في اللغة الألمانيّة؛ كالفارسيّة، على فعل يربط المبتدأ بالخبر؛ ما يستدعي التزام الدقّة الكاملة لدى ترجمة الجملة الاسميّة الفاقدة للفعل، من اللغة العربيّة إلى اللغة الألمانيّة.
2. في اللغة الألمانيّة ثلاثة أجناس: المؤنّث، والمذكّر، والخنثى؛ بينما لا توجد في العربيّة إلا الأوّل والثاني؛ الأمر الذي يفرض على المُترجِم مراعاة مزيد من الانتباه لدى التعامل مع المذكَّر والمؤنَّث المجازيَّين؛ لاختلافهما بين اللغتين.
3. في العربيّة، تختلف صيغة المخاطب؛ تبعًا للجنس؛ ذكرًا أو أنثى؛ بينما لا
تمييز بينهما في الألمانيّة. فعلى المترجِم الألمانيّ بيان ذلك في العبارات القرآنيّة التي يهمّها إبراز جنس المخاطب؛ توخّيًا للدقّة.
4. لا صيغة تثنية في اللغة الألمانيّة، ويمكن التمييز باستخدام كلمة (beide)؛ بمعنى(كليهما)، والتي عادةً ما تُستخدَم للدلالة على الزوجيّة؛ ما يضفي على النصّ جمالًا وسلاسةً.
5. في اللغة العربيّة، تتبع الصفة الموصوف، على عكس اللغة الألمانيّة التي تسبق فيها الصفة الموصوف؛ لذلك يجب الانتباه إلى الصفة والموصوف في الترجمة.
6. في العربيّة، غالبًا ما تستعمل صيغة الماضي للتعبير عن الآخرة والمعاد، مع أنّ موضوع دلالتها خبر في المستقبل، فيترجم هذا النوع من الجمل في اللغة الألمانيّة بثلاثة أشكال؛ وهي:
أ. استخدام صيغة الماضي، وترك الأمر لسياق العبارة للدلالة على المستقبل.
ب. استخدام زمان المستقبل.
ج. في اللغة الألمانيّة زمان من نوع المستقبل يقع فعله في الماضي نوعًا ما (أي تبيّن أنّه في الجنّة أو النار وكان يوم القيامة). طبعًا هذه الدقّة في الزمان؛ بمعنى مستقبليّة جملة الفعل الماضي، لا توجد في الجمل العربيّة دون قرينة.
7. هنالك مفردات عربيّة، لا ترجمة مباشرة لها في اللغة الألمانيّة.
8. يمكن استخدام أنواع التأكيدات في اللغة العربيّة؛ كالإتيان بتأكيدات عدّة على موضوع واحد في جملة واحدة. وهذا الأسلوب موجود في اللغة الألمانيّة، لكنّه يستلزم مراعاة الدقّة اللازمة عند الترجمة.
هناك ترجمات متعدّدة للقرآن الكريم إلى اللغة الألمانيّة. وفي ما يلي قائمة بها في الجدول التالي:
جدول الترجمات إلى اللغة الألمانيّة
هناك عنصران يلعبان دورًا حاسمًا في تحديد نوعية ترجمة القرآن؛ هما:
- الأوّل: مذهب المترجِم ودينه.
- الثاني: مواكبة المترجِم للتقدّم العلميّ في عصره.
وسوف نقسِّم تصنيف الترجمات وفق ذلك؛ في ما يلي:
1. الترجمات تبعًا لدين المترجم ومذهبه:
يؤدّي دين المترجم ومذهبه دورًا مؤثِّرًا في تصنيف الترجمات القرآنيّة، ويمكن تقسيمها، بناءً على ذلك، إلى ثلاث مجموعات؛ هي:
(306)- ترجمات غير المسلمين وأهل الكتاب
- ترجمات أهل السنّة
- ترجمات الشيعة
وقبل الخوض في دراسة الترجمات الألمانيّة للقرآن، ينبغي تسليط الضوء على العلاقة التي تربط إحاطة المترجم باللّغة العربيّة بمستوى ترجمته للقرآن؛ إذ تحدّد جودة العمل بشكل كبير. وبناءً عليه، تقسَّم ترجمات القرآن الكريم إلى أربع مجموعات؛ هي:
- ترجمات لمترجمين لغتهم الأمّ هي العربيّة.
- ترجمات لمترجمين لغتهم الأمّ غير عربيّة، لكنّهم يتمتّعون بإحاطة جيّدة باللغة العربيّة.
- ترجمات لمترجمين إحاطتهم باللغة العربيّة ضعيفة.
- ترجمات لمترجمين جاهلين باللغة العربيّة؛ استعانوا بإحدى الترجمات باللغة التي يتقنونها. ويمكن تقسيم هذا النمط من الترجمات إلى ثلاث مجموعات أيضًا؛ هي:
- الترجمة المباشرة من العربيّة إلى الألمانيّة: يلزم في هذه الحالة الاستعانة بشخص يملك الإحاطة التامّة باللغة العربيّة في الترجمة.
- الترجمة عبر لغة وسيطة واحدة: الاعتماد في هذه الحالة على ترجمة للقرآن الكريم بلغة أخرى؛ كي يترجم القرآن إلى اللغة المقصَد.
- الترجمة عبر لغات عدّة وسيطة: يلجأ المترجم في هذه الطريقة إلى قرآن مترجَم عبر لغة وسيطة؛ لترجمته إلى اللغة المقصَد. ومن البديهي، أنْ يكون هذا النمط من الترجمة عرضةً للأخطاء الكثيرة؛ لاستعاضتها ترجمة الكتاب الأصلي بترجمة له، وهي بدورها ترجمة لترجمة أخرى...
(307)
نماذج من ترجمات القرآن على أساس دين المترجِم ومذهبه:
أ. مذهب المترجم أحمدي - مولانا صدر الدين:
بعد أنْ أسّس أوّل مسجد في مدينة برلين، قرَّر أنْ يترجم القرآن الكريم إلى اللغة الألمانيّة، واستعاض عن ضعفه في الألمانيّة، بالاستعانة بزميل له متمكّن فيها بشكل كامل، غير أنّه لم يكنْ يفقه من العربيّة شيئًا، فخرجت الترجمة التي صدرت سنة 1964م في غاية الضعف. وفي ما يلي نستعرض نماذج من تلك الترجمة لعدد من الآيات:
- الآية 33 من سورة الأحزاب:
قوله -تعالى-: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ ۖ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) .
Und haltet euch auch in auren Hausern,und zeigt auren Schmuck nicht wie in der vegangenen Heidenzeit ferner verrichtet das Gebet und entrichtet die Armensteuer, und gehorcht Gott und seinem Abgesandtem. Gott trachtet nur danach da Er den Schmutz von euch fernhalte, Hsusgenossinnen des Propheten. Ond euch vollig in Reinheit bringe.
فتكون الترجمة بذلك؛ معناها: وابقوا في بيوتكم ولا تظهروا مجوهراتكم؛ كالجاهليّة. قوموا بالصلاة وأعطوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله. إنّ الله يريد فقط أن يبعد القذارة عنكم، أهل بيت الرسول (المخاطَب مؤنث)، ويطهّركم تمامًا.
وممّا يُؤخَذ على تلك الترجمة هو: الترجمة المغلوطة لأداة التأكيد «إنّما»، والخلط بين التذكير والتأنيث؛ إذ أتت بكافّة كلمات الآية مذكَّرةً سوى عبارة «أهل البيت» التي تُرجِمَت مؤنّثةً؛ ما جعلها تترجَم بنساء النبيّ فحسب، فضلًا عن ارتكاب الأخطاء في مواضع علامات الترقيم في الترجمة.
وأحد أهداف مولانا صدر الدين من الترجمة تعريف الشعب الألمانيّ بالإسلام. كما علّق فيها على كلّ آية تفسيرًا لها. وكان أحمديّ المذهب، يعتقد خلافًا للمسلمين بصلب المسيح؛ إلا أنّه لم يقض نتيجة ذلك، بل أكمل حياته.
- الآية 157 من سورة النساء:
قوله -تعالى-: (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا) .
Und wegen ihrer Rede:Wir haben ja Messias, Jesus, Sohn der Maria, den Gesandten Gottes, ermordet, doch konnten sie ihn ja nicht toten, noch am Kreuz sterben lassen sondern es erschien ihnen blob so und diejenigen die das Gwgenteil in dieser Sache behaupten sind ja selber im Zweifel daruber sie haben daruber sie haben daruber keine Sicherheit sondern folgen einer Vermutung da sie ihn ja nicht fur sicher getotet hatten.
فقد تُرجِمَت كلمة (قتل) «(ermorden (A»، مع وجود العديد من المفردات الألمانيّة المشتقّة من معنى (القتل)، والتي يمكن الاستعاضة بها؛ من قبيل:
toten, umbringen, ermorden, morden
إلا أنّ لها معاني إضافيّة -أيضًا- تختلف؛ تبعًا للموضوع المقارن لها؛ ما ينبغي التنبّه له عند الترجمة. ولا ريب أنّ قول اليهود هو الموضوع المقارن لكلمة (القتل). الأمر الذي يجعل من الخطأ ضمّ معنى إضافيّ للقتل؛ كجملة (عمدًا من غير أن يكون الحقّ عليهم)، لتصبح الترجمة (فحُكِم على عيسى وقُتِل تنفيذًا للحكم). كما نبغي الالتفات أنّه أي معنى هو المراد من كلمة (القتل) في الآية، فكان من الأفضل استعمال كلمة (toten) التي تحمل معنى عامًّا.
وقد اكتنف الترجمة كثير من الأخطاء؛ ما عقّد فهم الآيات كثيرًا. ولعلّ مولانا
صدر الدين كان يكتفي باستعراض الكلمات الأساسيّة للآية لزميله، ثمّ يشرح له موضوعها، ليصار إلى ترجمتها إلى اللغة الألمانيّة من قِبَله؛ بناءً على ذلك.
ب. مذهب المترجم أحمدي: ميرزا أحمد:
تكشف هذه الترجمة التي صدرت عام 2005م عن حسن إلمام المترجِم باللغة الألمانيّة. وفي ما يلي أنموذجًا من ترجمته:
الآية 157 من سورة النساء:
قوله -تعالى-: (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا) .
Wegen ihrer Rede Wir haen den Messias Sohn der Maria den Gesandten Allahs getotet wahrend sie ihn doch wedeer erschlugen noch den Kreuzestod erleiden lieben sondern er erschien ihnen nur gleich einem Gekreuzigten und jene in dieser Sache uneins sind sind wahrlich im Zweifel daruber sie haben keine bestimmte Kunde davon sondern folgen blob einer Vermutung und sie haben darubev keine Gewibheit
حيث استخدم في ترجمة الآية الفعل المبني للمجهول مع فاعلٍ مجازيّ في اللغة الألمانيّة؛ للتعبير عن قتل المسيح وصلبه. غير أنّ هذا النوع من الصياغة لا يصحّ للتعبير عن مفهوم الآية الحقيقيّ؛ إذ تركت أثرًا سلبيًّا عليه، فحرَفت التركيز عن الموضوع المقصود في الآية نحو (عيسى)؛ نتيجة تحوير الصيغة من المعلوم إلى المجهول. ويعود سبب لجوء المترجِم لهذا الأسلوب؛ في سعيه لنقل عقيدة المذهب الأحمدي الذي يقول بصلب المسيح دون قتله نتيجة ذلك؛ إذ تؤوّل الترجمة لبقاء عيسى على قيد الحياة بعد فصله عن الصليب.
ج. المترجم المسيحيّ: فريدريش أبرهارد بويسين:
صدرت ترجمته عام 1773م. وفي ما يلي أنموذجًا لنقدها:
الآية 33 من سورة الأحزاب:
قوله -تعالى-: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ ۖ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) .
Seid hauslich und putzt euch nicht in dem Geschmacke der vorigen Zeit der Unwissenheit Beobachtet das bestimmte Gebet gebt den Armen und gehorcht Gott und dem Gesandten DennGott will dab ihr euch nicht mit Unanstandigkeit beflecken sollt da ihr Hausgenssen des Propheten seid haltet euch daher mi taller nur moglichen rein.
أبرز ما يُؤخَذ على الترجمة الألمانيّة للآية، عدم انطباق ترجمة الآية على معناها؛ إذ تُرجِمَت أداة التأكيد (إنّما)؛ بمعنى (لأنّ)؛ ما يجعل التطهير هو السبب الذي يدعو زوجات الرسول إلى أداء الواجبات. كما تبعث هذه الترجمة على خلق انطباع بأنّ الآية تدلّ على قيام زوجات الرسول بتطهير أنفسهنّ؛ والحال أنّ الله هو المتكفِّل بذلك.
وأمّا المشكلة الأخرى في هذه الترجمة، فتتمثّل في عدم ترجمة الضمير المتّصل في (رسوله)؛ لتترجِم مجرّد (رسول) فحسب.
د. المترجم المسيحيّ: رودي پارت:
صدرت ترجمته عام 1966م. وفي ما يلي نقد لأنموذجٍ مترجَم فيها:
الآية 33 من سورة الأحزاب:
قوله -تعالى-: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ
وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) .
Und bleibt in eurem Haus (Variante: benehmt euch in eurem Haus mit Würde (und Anstand)), putzt euch nicht heraus, wie man das früher im Heidentum zu tun pflegte, verrichtet das Gebet, gebt die Almosensteuer und gehorchet Gott und seinem Gesandten! Gott will (damit, daß er solche Gebote und Verbote erläßt) die (heidnische) Unreinheit von euch entfernen, ihr Leute des Hauses, und euch wirklich rein machen.
(Mit den Leuten des Hauses’ sind entweder die Angehörigen der Familie Mohammeds gemeint, oder die Leute des Gotteshauses’, d.h. die Anhänger des in der Ka’ba symbolisierten reinen Gottesglaubens.)
الترجمة صحيحة، لكنّها تقدِّم توضيحات حول مَنْ هم أهل البيت، فتطرح احتمالين: الأوّل: أسرة الرسول صلىاللهعليهوآله ، والثاني: المسلمون.
هـ. المترجم المسيحيّ: عادل تيودور خوري:
صدرت هذه الترجمة عام 1987م. وفي ما يلي أنموذج نقديّ لها:
الآية 33 من سورة الأحزاب:
قوله -تعالى-: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ ۖ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) .
Haltet euch in euren Häusern auf. Und stellt nicht euren Schmuck zur Schau wie in der Zeit der früheren Unwissenheit. Verrichtet das Gebet und entrichtet die Abgabe und gehorcht Gott und seinem Gesandten. Gott will
(312)die Unreinheit von euch entfernen, ihr Leute des Hauses, und euch völlig rein machen.
فالترجمة جيّدة، لكنّها تستعمل كلمة (unreinheit)؛ بوصفه معنى مجازيًّا لوصم قبائح الأعمال.
و. المترجم اليهودي: الدكتور لودفيك آلمن:
صدرت هذه الترجمة عام 1840م. وفي ما يلي أنموذج نقديّ لها:
الآية 4 من سورة البقرة:
قوله -تعالى-: (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) .
Und da glauben an das was wir dir offenbart und an den jungsten Tag
الترجمة في قسم منها جيّدة؛ إذ يُؤخَذ عليها تعمّد إهمال ترجمة (وما أنزل من قبلك)؛ لاعتقاد المترجم القائم على أخذ النبي محمد صلىاللهعليهوآله القرآن من الإنجيل والتوراة.
ز. المترجم السنّيّ: بوبن هايم:
صدرت ترجمته عام 2002م. وفي ما يلي أنموذج نقديّ لها:
الآية 6 من سورة المائدة:
قوله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) .
(313)O die ihr glaubt wenn ihr euch zum Gebet aufstellt dann wascht euch das Gesicht und die Hande bis zu den Ellbogen und streicht euch uber den Kopf und wascht euch die Fube bia zu den Knocheln
الترجمة دقيقة؛ إذ سعى المترجم لترجمة كافّة كلمات الآية بدقّة، غير أنّ مذهبه السنّيّ دعاه للإشارة إلى وجوب غسل القدمين عند الوضوء بإضافة كلمة «wascht euch» بين قوسين.
ح. المترجم السنّيّ: أمير زيدان:
صدرت ترجمته عام 2000م. وفي ما يلي أنموذج نقديّ لها:
الآية 6 من سورة المائدة:
قوله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) .
(6) Ihr, die den Iman verinnerlicht habt! Wenn ihr zum rituellen Gebet aufstehen wollt, dann wascht (vorher) eure Gesichter, eure Hände und Arme bis zu den Ellenbogen, benetzt eure Köpfe und (wascht) eure Füße bis zu den Knöcheln...
قدّم المترجِم التوضيحات اللازمة لكلّ كلمة بين قوسين. ويُؤخَذ عليها ترجمة الآية بوجوب غسل القدمين في الوضوء؛ نتيجة مذهب المترجِم السنّيّ؛ كسابقه.
(314)ط. المترجم السنّيّ: محمد رسول:
صدرت ترجمته عام 1986م. وفي ما يلي أنموذج نقديّ لها:
الآية 6 من سورة المائدة:
قوله -تعالى-:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) .
O ihr, die ihr glaubt! Wenn ihr euch zum Gebet begebt, so wascht euer Gesicht und eure Hände bis zu den Ellenbogen und streicht über euren Kopf und wascht eure Füße bis zu den Knöcheln. ....
هنا -أيضًا- تُرجِمَت الآية بما يُوحي بغسل القدمين في الوضوء؛ نتيجة مذهب المترجِم السنّيّ؛ إلا أنّ اللافت للنظر في هذه الحالة استعمال المترجم كلمة wascht مباشرةً، دون وضعها بين معقوفتين؛ خلافًا لغيره من مترجِمي أهل السنّة الذي درجوا على ذلك للدلالة على أنّ الكلمة غير موجودة في النصّ الأصليّ.
ي. مترجم مجهول المذهب: تيودور فريدريش غريغول:
صدرت ترجمته عام 1901م. وفي ما يلي أنموذج نقديّ لها:
الآية 33 من سورة الأحزاب:
قوله -تعالى-: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ ۖ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) .
Bleibt still in euren Häusern und zeigt euch nicht in der Öffentlichkeit wie zur Zeit der Unwissenheit. Verrichtet treulich euer Gebet und spendet Almosen und gehorcht Gott und seinem Gesandten. Fürwahr, Gott verlangt nur von euch, dass die Sünde von euch bleibe, da ihr zum Haushalte (seines Gesandten) gehört, und dass ihr euch rein von Frevel haltet.
فالترجمة التزمت بنقل معنى (إنّما) بشكل صحيح، غير أنّها أضافت أنّ الله يأمر أهل البيت بالابتعاد عن القبائح؛ لأنّهم من أسرة النبيّ.
ذكرنا أنّ تقديم ترجمة دقيقة وصحيحة لآيةٍ ما رهنٌ بفهم معناها بشكل كامل؛ إذ كم من آية استعصت على الفهم في الماضي؛ لعدم اكتشاف موضوعها العلميّ؛ ما يجعل من الصعوبة وحتّى من المستحيل ترجمة مثل تلك الآيات بشكل صحيح في زمنٍ لم يُكتَشَف موضوعها بعد. وسنتناول بالنقد أنموذجًا لترجمة آية علميّة.
اكتشف العلماء المعاصرون أنّ الكون في حالة توسّع دائم، وأثبتوا هذا الأمر عبر الصور التي التقطتها أجهزة تصوير خاصّة؛ فضلًا عن الاستعانة بوسائل علميّة أخرى.
ومن دلائل الإعجاز العلميّ للقرآن ذِكْر تلك الحقيقة في الآية 47 من سورة الذاريات: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ).
ولترجمة تلك الحقيقة العلميّة، ينبغي ضمان منتهى الدقّة في ترجمة هذه الآية، ولا سيّما كلمة (موسعون) فيها. فما هي الترجمة الصحيحة لهذه الآية؟
وقبل الإجابة عن هذا السؤال، ينبغي أخذ أمور ثلاثة بعين الاعتبار فيها؛ وهي:
- وجود ثلاث صِيَغ تأكيد في الآية: «إنّ»، لام التأكيد، والجملة الاسميّة.
- معنى كلمة (موسعون).
(316)- كلمة (السماء) التي جاءت بصيغة المفرد، مع أنّ الغالب استعمالها في القرآن بصورة الجمع (سماوات)؛ فضلًا عن أنّ الجملة في الآية جاءت غير مقيّدة بزمان؛ ما يشير إلى أنّ توسّع السماء ما زال جاريًا.
وفي ما يلي نستعرض نماذج مختلفة لترجمة الآية بلحاظ هذا المعطى العلميّ.
أ. ترجمة عادل تيودور خوري:
Und den Himmel haben Wir mit Kraft aufgebaut. Und Wir verfügen über breite Möglichkeiten.
الترجمة جيّدة نوعًا ما، ولكنّه ترجم كلمة (موسعون)؛ بمعنى (ذو قدرات وسيعة).
ب. ترجمة أمير زيدان:
Und den Himmel errichteten WIR mit Kraft, und gewiß, WIR sind doch Ausdehnende.
الترجمة صحيحة من حيث المعنى؛ حيث حُدِّد فاعل الجملة بشكل صحيح، وتُرجِمت كلمة (موسعون) بمعنى «مَن يوسّعون».
ج. ترجمة محمد رسول:
Und den Himmel haben Wir mit (Unserer) Kraft erbaut; und siehe, wie Wir ihn reichlich geweitet haben.
ترجمت كلمة (موسعون) بصيغة الفعل الماضي؛ بمعنى (وسّعنا)؛ ما يعني تثبيت توسّع السماء.
د. ترجمة بوبن هايم:
Und den Himmel haben Wir mit Kraft aufgebaut, und Wir weiten (ihn) wahrlich (noch) aus
(317)هذه الترجمة صحيحة؛ إذ جيء بكلمة (موسعون) بصيغة فعل مضارع مستمرّ؛ بمعنى (نوسّع). واستخدم المترجم كلمة (noch) للتأكيد على استمرار عمليّة التوسّع.
هـ. ترجمة رودي بارت:
Und den Himmel haben wir mit Kraft aufgebaut. Uns ist alles möglich.
الترجمة خاطئة بالكامل؛ إذ ترجمت كلمة (موسعون) بـ (إمكان عمل كلّ شيء).
و. ترجمة ميرزا مسرور شامد:
Und den Himmel haben Wir erbaut mit (unseren) Kräften, und Unsere Kräfte sind wahrlich gewaltig
ترجم كلمة (موسعون)؛ بمعنى (طاقتنا عظيمة).
ز. ترجمة صدر الدين:
Und den Himmel, Wir erbauten ihn mit Macht; denn wahrlich, wir sind machtvoll.
ترجم كلمة (موسعون)؛ بمعنى (مقتدرون).
ح. ترجمة فريدريش أبرهارد بويسن:
Mit unendlicher Kraft haben wir den Himmel gebaut, und ihm einen weiten Umfang gegeben.
ترجم كلمة (موسعون)؛ بمعنى (وسّعنا النطاق)؛ بصيغة الماضي.
ط. ترجمة غريغول:
Den Himmel haben wir mit Kraft gebaut und siehe, wir haben ihn weit ausgedehnt;
ترجم كلمة (موسعون)؛ بمعنى (وسّعنا بعيدًا)؛ بصيغة الماضي.
(318)بناءً على ما تقدَّم في هذه الدراسة، يمكن القول إنّه لا تخلو أيّ ترجمة من أخطاء ومآخذ، لذا، لا بدّ من فرزها لتمييز المقبول من المقبول فيها. ومن أبرز الإشكالات التي تَرِد على الترجمات الألمانيّة، والتي نوصي بضرورة تلافيها في الترجمات اللاحقة؛ هي:
1. الأخطاء الناشئة نتيجة عدم الإلمام بالألمانيّة. وهي ليست -بالضرورة- مقصودةً ولا مغرضة؛ إذ من الطبيعيّ وقوع المترجِم فيها في حال عدم معرفة اللغة الهدف كما ينبغي؛ ما يجعل من عمله غير مقبول!
2. اتّخاذ المترجِم غير المسلم عمله الترجميّ للقرآن وسيلةً لإثبات دينه ومذهبه! وتكمن خطورة مثل هذه الخطوة أنّ المترجِم يدسّ السمّ في العسل، من خلال إنجاز ترجمة في غاية الدقّة؛ إلا في المواضع التي تخالف عقيدته، فيترجمها ناقصةً أو حتّى كاذبة! ويمكن الإشارة في هذا الصدد إلى ترجمة لودفيك آلمن الذي تعمّد عدم ترجمة عبارة (وما أنزل من قبلك) لمخالفتها لعقيدته!
3. لم تنقل أغلب الترجمات القديمة معاني الآيات بشكل صحيح، فترجمت الجمل المعلومة بصيغة المجهولة؛ فضلًا عن إضفاء معانٍ مستقلّة على أدوات التأكيد؛ ما أوقعها في أخطاء كثيرة.
الترجمات الألمانيّة:
1. Boysen, Friedrich Eberhard;Der Koran oder das Gesetz für Muselmänner; 1775; Bebauer; Halle.
2. Bubenheim Frank und Eliyas Nadeem;Der Coran;2002;König Fahd Komplex; Medina – Saudi Arabien.
3. Denffer, Ahmed v.; Der Koran; 1996; Islam. Zentrum München; München – Pakistan.
4. Grigull, Theodor Friedrich; Der Koran; 1950,. 2. Druck; Otto Hendel; Münster.
5. Khoury, Adel Theodor und M.S. Abdullah; Der Koran; 2001; Gütersloher Verlagshaus Mohn; Gütersloh.
6. Megerlein, Prof. Dr. David Friedrich; Die türkische Bibel oder des Korans allererste teutsche ebersetzung aus der arabischen Urschrift; 1772; 1. Druck; bei Johann Gottlieb Gar; Frankfurt am Main.
7. Mirza, T. Ahmed; Der heilige Qu-an; 1954; Ahmadijja; Rabu – Pakistan.
8. Paret, Rudi; Der Koran; 1966; Kohlhammer; Stuttgart.
9. Rassoul, Muhammad Ahmad; Die ungefähre Bedeutung des Qur‘an Karim in deutscher Sprache; 1986; Islam. Bibliothek; Köln.
10. Sadr Ud-Din, Maulana; Der heilige Koran; 1964, 3. Druck;
Muslimische Revue; Berlin.
11. UllmannDr., Ludwig;DerKoran; 1840, Funcksche Buchhandlung; Krefeld.
12. Zaidan, muh
المصادر والمراجع الفارسيّة:
13. رضايي إصفهاني، محمد علي: منطق ترجمه قرآن [منطق ترجمة القرآن]، قم، مركز علوم اسلامي، 1385هـ.ش.
14. شفر، إستفان فريدريش: بررسى آيات علمى قرآن در پدیده فیزیکی (با تاکید بر تفسیر نمونه) [دراسة آيات القرآن العلميّة حول الظاهرة الفيزيائيّة (تفسير الأمثل أنموذجًا)]، قم، مجتمع آموزشى عالى امام خميني ره، 1393هـ.ش.
مصادر ومراجع على شبكة الإنترنت:
15. http://www.eslam.de/begriffe/q/quranuebersetzungen.ht; 1393/11/23.
16. http://www.thekeytoislam.com/de/scientific-explanations-quran- expansion-universe.aspx; 1394/5/4.
17. http://erschaffungdesuniversums.com/de/works/28275/Die- expansion-des-universums; 1394/5/4.
(320)
أرسل الله -تعالى- الرسل بالكتب السماويّة والبشرى بخاتم الرسل أجمعين سيّدنا محمّد صلىاللهعليهوآله ووردت إليهم أسمائه وصفاته؛ فهم يجدونها مكتوبة عندهم في التوراة والانجيل: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) .
وقد كان اليهود يستفتحون على الناس جميعًا بمقدَم النبي صلىاللهعليهوآله ويعدّون العدّة لاستقباله؛ ولكنّهم حينما بُعِثَ أنكروا عليه ولم يؤمنوا بما جاء به. يذكر ابن إسحاق أنّ اليهود كانوا يقولون للأوس والخزرج: إنّه قد تقارب زمان نبي يُبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلمّا بُعِثَ رسول الله صلىاللهعليهوآله أجابه الأنصار وأسلموا، وكفر به اليهود .
وفي وثيقة المدينة الشهيرة أقرّ رسولُ الله صلىاللهعليهوآله اليهودَ على دينهم وأموالهم؛ في حين أنّهم أظهروا العداوة له، وكشفوا عن حقدهم الدفين، ونقضوا عهود رسول الله صلىاللهعليهوآله . يقول الشيخ محمد الغزالي في كتابه «فقه السيرة»: «ومسلك بني إسرائيل بإزاء المعاهدات التي أمضوها؛ قديمًا وحديثًا، يجعلنا نجزم بأنّ القوم لا يدعون خسّتهم أبدًا، وأنّهم يرعون المواثيق ما بقيت هذه المواثيق متمشّية مع أطماعهم ومكاسبهم وشهواتهم، فإذا وقفت تطلّعهم الحرام نبذوها نبذ النواة، ولو تركت الحمير نهيقها، والأفاعي لدغها؛ لترك اليهود نقضهم للعهود!» .
فهم أصحاب غدرٍ وعنادٍ ومكرٍ، ويتحالفون مع كلّ قوّة تعمل ضدّ الإسلام؛ ولو كان ذلك التحالف على حساب الدين والعقيدة الصحيحة؛ مثل قولهم لعبدة الأصنام أنتم أهدى سبيلًا من الذين آمنوا، بل إنّهم أرادوا إحداث فتنة بين الأنصار، وقد غاظهم اجتماع كلمة الأوس والخزرج، وكادت الفتنة تقع، وقد أسرع الجمع للسلاح؛ لولا إسراع النبي صلىاللهعليهوآله بتذكيرهم بفضل الله عليهم؛ إذ ألّف بين قلوبهم، وجعلهم إخوانًا متحابّين، وما زال يذكِّرهم حتّى بكى القوم وعانق بعضهم بعضًا. يقول الدكتور محمد حسنين هيكل في كتابه «حياة محمد»: «لم يكتفِ اليهود بالوقيعة بين المهاجرين والأنصار، وبين الأوس والخزرج، ولم يكفِهم فتنة المسلمين عن دينهم ومحاولة ردّهم إلى الشرك، دون محاولة تهويدهم، بل زادوا على ذلك أنْ حاولوا فتنة محمّد صلىاللهعليهوآله نفسه؛ ذلك أنّ أحبارهم وأشرافهم وسادتهم ذهبوا إليه وقالوا: إنّك قد عرفت أمرنا ومنزلتنا، وإنّا إنْ اتّبعناك اتّبعك اليهود ولم يخالفونا، وإنّ بيننا وبين بعض قومنا خصومة، فنحتكم إليك، فتقضي لنا، فنتّبعك ونؤمن بك، فنزل فيهم قول الله -تعالى-:(وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ ﴿٤٩﴾ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) .
بل إنّ الناظر في الغزوات والحروب التي كانت بين المسلمين وبين عدوّهم يجد أنّه ما من حرب نشبت، ولا نار اشتعلت، ولا خلافة سقطت؛ إلا ولليهود فيها يد؛ مضافًا إلى مكرهم وغدرهم بالنبي صلىاللهعليهوآله ، فانتهى أمرهم إلى هزيمتهم وجلائهم عن الجزيرة العربيّة، ومن بقي منهم لبس عباءة النفاق وأخذ يدسّ للمسلمين بشتّى الطرق والأساليب حّتى سقوط آخر خلافة إسلاميّة في إسطنبول. ذكر الدكتور عبد الحليم عويس في كتابه «دراسة لسقوط ثلاثين دولة إسلاميّة»: «هجم اليهود من الداخل على الدولة العثمانيّة بواسطة الأسلحة نفسها التي استعملوها في كلّ بلدان العالم الإسلاميّ؛ وهي: أسلحة العنصريّة، والتحضّريّة، والحرّيّة، والإخاء، والمساواة.
وفعلًا، تداعت تركيا وسقطت، وتداعى بعدها العالم الإسلاميّ؛ بلدًا بلدًا، وفكّت أواصر الحبّ والوحدة، ونال العرب حظّهم من كلّ ما أصاب العالم الإسلاميّ. ولعل الأقدار قد لقّنتهم أقسى الدروس، حين زرعت في قلبهم شوكة الصهيونيّة؛ تؤرّق مضجعهم، وتنتقم للخلافة الإسلاميّة وتطلّعهم بجلاء على حقيقة كمال أتاتورك، وحقيقة مخطّطاته، وأيضًا على حقيقة الذين ساروا على هدى أتاتورك؛ وفق شعارات يقف وراءها اليهود؛ مثل: الشيوعيّة أو الحرّيّة أو القوميّة؛ ليزرعوا في القلب العربيّ أشواكًا أخرى»
.ولأنّ حركة الاستشراق هي في الغالب كانت حركة فكريّة لردّ المسلمين عن دينهم، وقد ظهرت بعد الحروب الصليبيّة، فكان لا بدّ لليهود من أنْ يشاركوا في هذه الحركة، ويمارسوا نشاطهم بأسلوب مغلَّف بالمكْرِ تحت مختلف الشعارات.
ومع أنّ هذه الدراسة تُعنى بفكر استشراقيّ هو الاستشراق الإسرائيليّ؛ إلا أنّه لا توجد مدرسة خاصّة بالاستشراق اليهوديّ أو الإسرائيليّ؛ أي أنّه ى يتوافر له كيان ولغة ومدرسة وسمات تميّزه عن باقي المدارس الاستشراقيّة؛ كالمدارس الاستشراقيّة الإنكليزيّة أو الفرنسيّة أو الألمانيّة أو الأمريكيّة أو الهولنديّة...؛ ذلك أنّهم كانوا يمارسون سحرهم ومكرهم من داخل هذه المدارس الاستشراقيّة، فنحن لا يمكننا مثلًا أنْ نكتب عن جولدتسيهر
؛ بصفته مستشرقًا يهوديًّا خارجًا عن مدرسة الاستشراق المجريّ، أو نتعرّض لبرنارد لويس ؛ بصفته مستشرقًا يهوديًّا بعيدًا عن المدرسة الاستشراقيّة الأمريكيّة، وكذلك الأمر بالنسبة للمستشرق اليهوديّ الفرنسيّمكسيم رودنسون
؛ فلا يمكن أنْ نذكر المستشرقين اليهود خارج الإطار الجغرافيّ الخاصّ بدوَلهم الساكنين فيها، أو خارج لغة الكتابة التي نَقلت مؤلّفاتهم إلى العالم. ومن هنا، نرى صعوبة تحديد ملامح خاصّة بهذه المدرسة الإستشراقيّة؛ خصوصًا، وأنّ ما كُتِبَ خلال قرن من الزمان -فقط- آلاف الكتب والمصنّفات والمؤتمرات والندوات الاستشراقيّة؛ فضلًا عمّا كُتِبَ في صدر الزمان الأوّل من كُتب كثيرة.ولذا نرى لزامًا دراسة الحركة الاستشراقيّة الإسرائيليّة؛ بوصفها مدرسة لها خصائصها ومميّزاتها؛ وهو ما تتوخّى هذه الدراسة العمل عليه، وإنْ كان هناك من صنَّف المستشرقين الإسرائيليّين إلى طبقات حسب الزمن؛ من أمثال: دورياك، والقدّيس توماس الأكويني، وطبقة المستشرقين الإسرائيليّين الحديثة؛ من: أمثال جولدتسيهر.
من خلال استعراض أدوار الاستشراق التاريخيّة، نرى بروز الدور اليهوديّ في ظاهرة الاستشراق؛ نظرًا لأنّهم يتمتّعون بمزايا لا تتوافر لغيرهم؛ فهم يحملون دوافع التاريخ المتمثّلة بمجاورة مهد رسالة الإسلام، ويعرفون عادات العرب وتقاليدهم أكثر من الغرب؛ كما أنّ لغتهم قريبة من اللغة العربيّة، وهم يحملون حقدًا كبيرًا اتجاه المسلمين العرب متمثِّلًا في إرث قديم يبدأ من تهجير بني قينقاع، وقتل بنو قريضة، وفتح خيبر، إلى غير ذلك من لعن القرآن لهم، وفضح حبائلهم ومكائدهم. ولكي نستطيع فهم عمل المستشرقين الإسرائيليّين اليوم، لا بدّ لنا من العودة إلى كتابات اليهود ودراساتهم من قبل، فكُتَّاب اليوم هم تلامذة مدارس الأمس، وكتاباتهم لم تأتِ من فراغ؛ وإنّما هي ثمرة تلك الشجرة التي تضرب بجذورها في التاريخ.
وكما هو معلوم، فإنّ الكثير ممّن يكتبون في الاستشراق يغفلون عن الدور اليهوديّ في الكتابات الاستشراقيّة القديمة؛ والسبب يعود إلى أنّ اليهود قد دخلوا
باب الاستشراق من أبوابه الغربيّة؛ فهم دخلوا تحت مسمّيات المدارس أو الدول الأوروبيّة التي اهتمّت بالاستشراق. يقول الأستاذ أنور الجدي في كتابه «الإسلام في وجه التغريب»: «منذ وقت بعيد جرت المحاولة على ظهور استشراق يهوديّ يتّفق مع الاستشراق الغربيّ المسيحيّ في الوجهة العامّة من الهجوم على الإسلام، ولكنّه يختلف في التماس جوانب معيّنة تخدم قضيّة الصهيونيّة، ويستهدف القضاء على الوجود العربيّ في فلسطين وما جاورها، ويعمل على تزييف الحقائق الخاصّة بالأصول العامّة للحنفيّة السمحاء التي حمل لواءها إبراهيم عليهالسلام » .
فلم يدخل المستشرقون اليهود من باب الديانة اليهوديّة؛ إذ إنّ اليهود في أوروبا معزولون؛ بصفتهم الدينيّة، فدخلوا إلى الاستشراق؛ بصفتهم الغربيّة الأوروبيّة، «فمن الصعب أنْ تجد في الدراسات المختلفة ما يشير إلى يهوديّة المجريّ جولدتسيهر؛ وهو زعيم علماء الإسلاميّات في أوروبا، ولا إلى يهوديّة الفرنسيّ سولومون مونك، ولا إلى يهوديّة البريطانيّ ريتشارد جونهيل، وغيرهم»
.ولم يكنْ اليهود ليتركوا بابًا من أبواب محاربة الإسلام وأهله، فكان لا بدّ لهم من المشاركة، وأنْ يكون لهم قصب السبق فيه: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ) .
ولو وجدنا في المدارس الاستشراقيّة بعض المستشرقين المنصفين ممّن حاولوا دراسة الإسلام والتأريخ الإسلاميّ بحياديّة، وكان هدفهم البحث العلميّ المجرّد؛ إلا أنّنا لا نجد المستشرقين اليهود من بينهم؛ فالاستشراق اليهوديّ دخل في كل المدارس الاستشراقيّة؛ إلا أنّه كان له هدف واحد -فقط-؛ وهو الهدف الدينيّ.
يقول الدكتور محمود حمدي زقزوق: «لم يُرد اليهود أنْ يعملوا داخل الحركة الاستشراقيّة؛ بوصفهم مستشرقين يهود؛ حتّى لا يعزلوا أنفسه؛ وبالتالي يقلّ تأثيرهم. ولهذا عملوا؛ بوصفهم مستشرقين أوروبيّين؛ وبذلك كسبوا مرّتين: كسبوا أولًا فرض أنفسهم على الحركة الاستشراقيّة كلّها، وكسبوا ثانيًا تحقيق أهدافهم في النيل من الإسلام؛ وهي أهداف تلتقي مع أهداف غالبيّة المستشرقين النصارى»
.فدخول اليهود في مجال الاستشراق كان محاولةً للنيل من الإسلام وتشويهه، وخدمةً للأهداف الصهيونيّة العالميّة، واستمرارًا للنهج اليهوديّ القديم في محاولة هدم دين المسلمين. يذكر الدكتور أحمد سمايلوفتش في كتابه «فلسفة الاستشراق»: «ونعتقد من جانبنا أنّه لا سبيل إلى التحفّظ إطلاقًا فيما يتعلّق بخدمة المستشرقين اليهود للصهيونيّة العالميّة؛ لأنّ هذه الظاهرة تبدو بارزة تمامًا؛ وخاصّة في البحوث التي تتناول الإسلام والمسلمين عامّة؛ والعرب خاصّة»
.وغالبًا ما كانت تتركّز اهتمامات المستشرقين اليهود على محاولة إثبات أنّ مصدر التشريع الإسلاميّ هو تأثّر النبي صلىاللهعليهوآله بالتوراة؛ وبالدين اليهوديّ، من خلال الاستماع أو التأثّر باليهود الذين كانوا يجاورونه في المدينة المنورة. ومنشأ هذه العداوة التي ركّزت على مصدر التشريع الإسلاميّ؛ وهو القرآن الكريم أنّه يهدم عنصريّتهم اليهوديّة وفكرة شعب الله المختار التي يؤمنون بها: (وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً ۚ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ ۖ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) . وأمّا عداؤهم لدين الإسلام؛ فلأنّه فضح فسادهم وانحراف عقيدتهم وتغييرهم لكلام الله في التوراة؛ بما كتبوه بأنفسهم: (إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴿٧٦﴾ وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ) ، (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ
عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴿٧٨﴾ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴿٧٩﴾ تَرَىٰ كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ) .
لقد استطاع اليهود الدخول إلى حلبة الاستشراق؛ وبخاصّة في أعقاب تحرير يهود أوروبا الوسطى والغربيّة، ثمّ دخولهم إلى الجامعات، حيث «وجدت الحركة الاستشراقيّة فيهم ما لم تجده في سائر المستشرقين؛ إذ هم أكثر فهمًا للتراث الإسلاميّ والعربيّ من غيرهم من الأوروبيّين؛ وذلك لتقارب اللغة العربيّة مع لغة ديانتهم العبريّة»
.ومع أنّ المستشرقين اليهود كانوا يعملون في مدارس استشراقيّة غربيّة مختلفة في الأسلوب والمنهج؛ ولكنْ دائمًا نجد أنّهم كانوا من أكابر باحثي هذه المدارس وأساتذتها المسيطرين بأفكارهم عليها؛ فمثلًا: أغلب أكابر المستشرقين الروس كانوا يهود الأصل
.ومن المعلوم أنّ اليهود يستثمرون كلّ شيء من أجل مصالحهم الاقتصاديّة أولًا، وقد ساعد على ذلك ظهور أوائل الاهتمامات الصهيونيّة بفلسطين وطنًا لليهود، وما دام الرأي والتفسير اليهوديّ هو المسيطر على تفسيرات الاستشراق الغربيّ عمومًا؛ فلا بأس من توجيه أغلب الجهود الاستشراقيّة نحو هدف اليهود واستثمار المدّ الاستشراقيّ في دراسة مهد الكتاب المقدّس في الشرق العربيّ ودراسة فلسطين؛ أرضًا، وشعبًا، وتاريخًا، وتراثًا، وعادات، وجغرافيا؛ للتمهيد لوطن يجمع شتات اليهود من كلّ الأرض. وساهم في ذلك -أيضًا- أدب الرحلات الأوروبيّة، من خلال تقديم صورة كاملة عن فلسطين. ويمكن القول: إنّ ازدهار الحياة الدينيّة والثقافيّة في المجال
اليهوديّ - العبريّ؛ مضافًا إلى ازدهار النشاط الاستشراقيّ المرتبط بهما، يشكِّلان معًا إرهاصة من إرهاصات استفادة المشروع الصهيونيّ من الاستشراق الأوروبيّ
.ومن الأمثلة على استفادة اليهود من المدّ الاستشراقيّ الغربيّ: قيام المستشرق اليهوديّ سولومون مونك
بدراسة فلسطين دراسة علميّة شاملة وتأليفه كتابًا في ذلك، اعتمدت عليه الصهيونيّة في معرفة هذه البلاد .وفي عام 1864م قام بعض المستشرقين اليهود الروس بالذهاب إلى فلسطين سرًّا، وأقاموا ملاجئ ومصحّات ومستشفيات ودور للزوّار اليهود الذين يصلون إلى القدس لزيارة بيت المقدس من مختلف أنحاء العالم. وقد ذكر ذلك المستشرق الروسي س.ل.تيخفسكي في كلمة له في مركز الدراسات الشرقيّة التابع لأكاديميّة العلوم في موسكو، حيث قال: «إنّ جمعيّة الاستشراق الروسيّ قد ساهمت مساهمة فعّالة في إنجاز وتحقيق الوطن القوميّ اليهوديّ في فلسطين»
.ومن أبرز أقطاب المستشرقين اليهود:
- المستشرق المجري «إجنتس جولد تسيهر» 1850-1921م:
وهو علم من أعلام الاستشراق الغربيّ، وقد زار مصر وأقام فيها فترة من الزمن، ثمّ انتقل إلى سوريا وفلسطين، وعمل أستاذًا في جامعة بودابست، وانتخب مراسلًا، ثم عاملًا في الأكاديميّة المجريّة، ورئيسًا لأحد أقسامها. وتشير فهارس مؤلّفاته إلى 592 بحثًا مختلفًا جزء كبير منها حول المذاهب والفرق، وجزء آخر حول الحديث النبويّ
.وفي دراسته للحديث النبوي الشريف كان يحاول تطويع النصوص؛ وفق أحكامه الخاصّة المسبقة، ويهمل دراسة حاضر العالم الإسلاميّ. ويؤخّذ عليه عدم دقّته في نقل النصوص وتحريفها
.- المستشرق الألمانيّ «ابراهام جايجر» (1810-1874م):
وهو حَبْر يهوديّ ألماني تناول بالدراسة المشابِه بين القرآن والكتب المقدّسة عند اليهود؛ وله كتاب معروف بعنوان «ماذا اقتبس محمّد صلىاللهعليهوآله من اليهوديّة». وقد ركّز فيه على أنّ محمّدًا صلىاللهعليهوآله اقتبس كثيرًا من تعاليمه ومفاهيمه وآراءه من الديانة اليهوديّة ووضعها في قرآنه؛ بما يناسب التصوّرات التي كانت سائدة في عصره. وإنّ قصص العهد القديم الذي يحتلّ الجانب الأكبر من القرآن أكبر شاهد على هذا الاقتباس! .
- المستشرق الأمريكيّ «برنارد لويس» 1916-2018م:
وُلِد في لندن، ودرس في جامعاتها، وتولّى أستاذيّة تاريخ الشرق الأوسط والأدنى في جامعة لندن. عمل أستاذًا زائرًا في جامعات كاليفورنيا، وكولومبيا، وإنديانا. وشغل منصب أستاذ الدراسات الشرق أوسطيّة في جامعة برنستون. ويمتاز هذا المستشرق بأنّه قد جمع إلى يهوديّته، ميله الشديد إلى الصهيونيّة، وتسخير نفسه وأبحاثه لخدمتها. وهذا ما أكّده فرانسوا دي بلوا
.- المستشرق الهنغاري «وارمينوس فامبري» 1832-1913م:
اعتنق خمسة أديان، وخدم في ديانتين منها؛ بصفة رجل دين.
وغيرهم من المستشرقين؛ كالمستشرق الألمانيّ «يعقوب بارت» 1851-1914م. والمستشرق الإنكليزي «ريتشارد جوتهيل» 1863-1936م. والمستشرق الألماني
«جوزيف هور فيتش» 1874-1931م. والمستشرق الألماني «ماكس مايرهوف» 1874-1945م. والمستشرق البولندي دافيد بانت 1897-..، والمستشرق النمساوي «بأول كراوس» 1904-1944م، وغيرهم
.وعند جميع هؤلاء المستشرقين وغيرهم من اليهود الذين تناولوا التراث الإسلاميّ والعربيّ بالبحث والدراسة، كانت التربيّة الأيديولوجيّة والنزعة اليهوديّة العنصريّة مسيطرة على كتاباتهم ونقدهم وما سطّروه من كتابات، وكان الموروث الثقافيّ اليهوديّ واضحًا وجليًّا؛ كما في اجترارهم لاتّهامات أسلافهم لسيّدنا رسول الله صلىاللهعليهوآله وإعادة تدويرها لتشكِّل نتاجًا ثقافيًّا حديثًا ضمن إطار الثقافة الاستشراقيّة الحديثة. يذكر الدكتور محمد السيّد الجليند في كتابه «الاستشراق والتبشير»: «إنّ معظم المشتغلين بعلوم الشرق؛ قديمًا وحديثًا، معظمهم من رجال الكهنوت المسيحيّ واليهوديّ، ولا يمكن أنْ نتصوّر هؤلاء مجرّدين من عواطفهم الدينيّة، بل إنّهم كانوا مدفوعين إلى هذا اللون من الدراسات بدافع الانتصار لدينهم. إنّ هذه النوايا التي عبّرت عنها نصوص أصحابها تجعلنا نثق في صدق سيطرة السبب الدينّي وهيمنته على الأسباب الأخرى. ومن هنا، فقد تنوّعت الدراسات الإسلاميّة عند المستشرقين، وتعدّدت اهتماماتهم بالإسلام وحضارته؛ فمن دَارِس للعقيدة وأصولها، وللفقه وأصوله، والتاريخ والحضارة، وللقرآن وعلومه، وللحديث ورجاله، واللغة وآدابها، والرسول صلىاللهعليهوآله وغزواته...» .
ومن نماذج هذا التكرار والاجترار لمقولات الأسلاف: التشكيك بصحّة رسالة النبي محمّد صلىاللهعليهوآله ومصدر التشريع الإلهيّ. يقول المستشرق اليهوديّ «نولدكه»: «إنّ الوحي ظاهرة مرضيَّة، وإنّ النبي كان مُصابًا بالصرع» .
هذا، ولم يسلم القرآن من شبهاتهم، فقد أنكروا أنْ يكون القرآن الكريم هو تنزيل من الله العظيم. يقول المستشرق اليهودي «رودولف»: «إنّ القرآن ليس
كلام الله؛ كما يعتقد المسلمون، ولكنّه كلام محمّد صلىاللهعليهوآله ، وأنّ محمّدًا قد كتبه متأثّرًا بالبيئة التي نشأ فيها؛ وهي مكّة، وأنّ اليهوديّة والمسيحيّة لم تكونا مجهولتين في بلاد العرب، وأنّ محمّدًا قد نقل بعضًا من كتب اليهوديّة والنصرانيّة» .
ولم تسلم منهم السنّة النبويّة المطهّرة والأحاديث النبويّة الشريفة كذلك. يقول المستشرق اليهودي المجري «جولد تسيهر»: «إنّ القسم الأكبر من الحديث ليس إلا نتيجة للتطوّر الدينيّ والسياسيّ والاجتماعيّ للإسلام في القرنين الأوّل والثاني»
.أي أنّه يزعم أنّ أغلب الأحاديث النبويّة هي من نسج الصحابة والتابعين في القرنين الأوّل والثاني، بل إنّه يؤكِّد أنّ العلماء كانوا يخترعون الأحاديث للدفاع عن الدين، حين لا يسعفهم ما يجدون من أحاديث في تحقيق أغراضهم، فيقول: «في العصر الأوّل اشتدّت الخصومة بين الأمويّين والعلماء الأتقياء الذين أخذوا يشتغلون بجمع الحديث والسنّة. ونظرًا لأنّ ما وقع في أيديهم من ذلك لم يكنْ ليسعفهم في تحقيق أغراضهم أخذوا يخترعون من عندهم أحاديث رأوها مرغوبًا فيها، ولا تتنافى والروح الإسلاميّة، وبرّروا ذلك أمام ضمائرهم بأنّهم إنّما يفعلون هذا في سبيل محاربة الطغيان والإلحاد والبعد عن سنن الدين»
.وقد ظلّت هذه الاتّهامات والأباطيل متداولة على ألسن المستشرقين الإسرائيليّين المعاصرين؛ فعلى سبيل المثال، تقول المستشرقة «حافا لازروس يافا»: «يمكن القول إنّه من المؤكَّد أنّه كانت في شبه الجزيرة العربيّة يهوديّة مبدعة عشيّة ظهور الإسلام، وينبغي أنْ نسلّم بأنّها قد أثّرت على العالم الروحانيّ لمحمّد»
. وتضيف أيضًا: «ويبدو أنّ قريب زوج محمّد -خديجة- كان معلّمه في هذا الشأن، وأنّه أفهمه سرّ الباحثين عن الإيمان بإله واحد» .ومثال آخر: المستشرق الإسرائيليّ شالوم زاوي، حيث يقول: «يقول معلّمنا أ.كاتش كان هناك حاخامات مثقّفون أثّروا على محمّد الذي تهوّد تقريبًا»
.فهم في هذا يردّدون أقوال أسلافهم من المستشرقين؛ من أمثال: «جولدتسيهر»، و«جب»، و«ابراهام كانش»، و«جوستاف لوبون»، وغيرهم من اليهود
.بل هي المزاعم نفسها التي ردّدها أسلافهم من اليهود الذين كفانا الله -تعالى- بقرآنه الكريم مؤنة الردّ عليهم وردّ كيدهم في نحورهم: (الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ ۗ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) [3]، (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا ۚ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۚ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ۚ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) ، (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ) .
وواقع البحث العلميّ والتاريخيّ يثبت عدم وجود جماعة يهوديّة مبدعة في الجزيرة العربيّة آنذاك، ولا يوجد أيّ وثيقة تثبت أنّ سيّدنا محمّدًا صلىاللهعليهوآله التقى حبرًا من أحبارهم وتعلّم عنده أو جلس إليه قبل الهجرة أو بعدها، ولم يثبت تاريخيًّا؛ ولو بوثيقة واحدة، أنّ اليهود قد سكنوا مكّة أو دخلوها بصناعةٍ أو تجارةٍ؛ إنّما كانت تجارتهم إلى الشام، وكانت المدينة مركز استراحة بين الشام ومكّة لتجّار مكّة المشركين قبل البعثة. ولو أنّ محمّدًا صلىاللهعليهوآله تعلّم من أحبارهم ونقل منهم؛ فلماذا نرى
القرآن يلعنهم في كثير من النصوص! وأين قصص عاد وثمود في التوراة والإنجيل؟ وأين نجد التشريع الرائع في مختلف مجالات الحياة في التوراة والإنجيل! ولو أنّهم هم مَنْ علّموا محمّدًا صلىاللهعليهوآله أما كان الأَولى بهم أنْ يكونوا هم الأنبياء وينسبوا النبوّة لأنفسهم، ولماذا لا يأتون؛ ولو ببضع سورة من سور القرآن؛ إذا كانوا هم مَنْ علَّم محمّدًا صلىاللهعليهوآله؟!
وبعد هذا الاستعراض التاريخيّ للدور اليهوديّ في حركة الاستشراق، نفهم أنّ الاستشراق الإسرائيليّ يمثّل المرحلة الأخيرة من تغلغل اليهود في الدراسات الاستشراقيّة التي بدأت مع بدايات القرن الثاني عشر، حيث بدأت حركة الترجمة للمصادر العربيّة في الأندلس، فاحتضنت مملكة قشتالة مجموعة من اليهود، وهيّأت لهم الأسباب والوسائل لترجمة المراجع العربيّة؛ خصوصًا وأنّ اليهود كانوا يعملون مساعدين وكَتَبة مع العرب؛ ومنهم من ترقّى ووصل إلى بلاط الخلفاء، الشيء الذي لم يتيسَّر للنصارى؛ إذ كانت أوروبا تحت جهل تامّ بالعلم واللغات؛ إلا بعض الرهبان النصارى الذين ارتحلوا إلى الأندلس وأخذوا من علومها وآدابها. وقد تاجر اليهود بعلمهم بلغة العرب، وعرضوا خدماتهم لمن يدفع لهم. يقول الدكتور «محمد علي مكّي»: «فكما كانوا سماسرة في التجارة؛ فإنّهم سماسرة في الثقافة... كانوا قنطرة تصل ما بين الثقافة العربيّة الإسلاميّة والثقافة الإسبانيّة المسيحيّة... كانوا ينقلون الكتب العربيّة في العلوم والفلك والطب والفلسفة وسواها إلى الإسبانيّة، ولم تكنْ هناك لغة إسبانيّة في ذلك الوقت؛ وإنّما كانت هناك لغة يسمّونها «الرومانتي»؛ أي اللغة اللاتينيّة الدارجة التي أصبحت اللغة الإسبانيّة في ما بعد. وكلّ هذا جعل اللغة القشتاليّة أو الإسبانيّة تصبح لغة رسميّة للدولة. وهذا كان بناءً على ما تلقّاه الإسبان من الثقافة العربيّة، وكان لليهود دور كبير في هذه الجهة»
.لقد برز دور الصهيونيّة العالميّة في القرن الثامن عشر الميلاديّ. وتحت مسمّى الدراسات الغربيّة، دخل تحتها اليهود؛ بصفتهم الغربيّة البريطانيّة أو الفرنسيّة أو
...، أو أيّ مسمّى آخر، وبرزوا في هذه الدراسات، ونالوا مكانة عالية فيها لغاية سنة 1896م، ثمّ في هذه السنة شهدنا تبلور مفاهيم الحركة الصهيونيّة على يد ثيودور هيرتزل مؤسّس الحركة الصهيونيّة، فتحوَّلت الأيادي الاستشراقيّة اليهوديّة إلى نصرة هذه الحركة؛ بمؤلّفاتهم وتفاسيرهم للتراث العربيّ والإسلاميّ، وبدأت ملامح الاستشراق الصهيونيّ تتبلور وتتميّز عن الاستشراق الغربيّ، فأصبحت تخدم فكرة الصهيونيّة، وتعمل على لَي النصوص؛ لتأصيل الكيان الصهيونيّ على أرض فلسطين وتثبيته، ثمّ بعد عام 1948م واحتلال فلسطين تحوّلت الأيادي الاستشراقيّة الصهيونيّة إلى أيادي استشراقيّة إسرائيليّة تمجِّد الكيان الإسرائيليّ الناشئ، وتغيّرت عندها أنماط الكتابة والخطّ؛ وبدأت تكتب باللغة العبريّة، وتغيّر أسلوب الكتابة الاستشراقيّة؛ من مظلوميّة اليهود إلى لغة القوّة الغاشمة، ومحاولة إثبات أنّ التوراة هي أمّ الأديان كلّها، وأنّ اليهود هم أهل الثقافة والرقي؛ خلافًا للوقائع التاريخيّة. وهذا ما يُطلَق عليه حديثًا بالاستشراق الإسرائيليّ.
وعليه، فمِن خلال تَتَبع الأدوار التاريخيّة للاستشراق اليهوديّ نستكشف أنّهم دخلوا الاستشراق من باب الهوية الأوروبيّة، لا الهويّة اليهوديّة، ثمّ بعد عام 1948م بدأت تتبلور لدى اليهود أفكار استشراقيّة جديدة؛ بحكم حصولهم على كيان هجينٍ وسط القلب الإسلاميّ فلسطين، فدخل الاستشراق اليهوديّ مرحلةً جديدة «تميّزت بالنشاطِ والفعّاليّةِ، مع بروز الحركة الصهيونيّة في القرن الماضي؛ إذ كانت فلسطين موضعَ اهتمامٍ خاصٍّ من قِبَل المستشرقين الأوروبيّين بوجهٍ عامّ؛ لارتباطها بالكتاب المقدّس، ومن ثمّ حظيت بدراسات مختلفة حول تاريخها وجغرافيّتها وجيولوجيّتها. وقد كانت عونًا كبيرًا للحركة الصهيونيّة، حيث وفّرت لها كلّ المعلومات اللازمة لتسهيل مهمّة الاستيطان اليهوديّ في فلسطين»
.اجتمعت لدى اليهود دوافع واتّجاهات عدّة في دراسات الاستشراق؛ من أجل هدفٍ واحدٍ؛ وهو تقديم كلّ العون لاستيطان اليهود في فلسطين. وهذا الهدف يوفّر الكثير من الفوائد القديمةِ والجديدةِ لليهود؛ منها: تحقيق الهدف الاستشراقيّ الأوّل؛ وهو التبشير، وصرف المسلمين عن دينهم؛ أملًا في القضاء على الدين الإسلاميّ؛ وهي فرصة سانحة من أجل إيجاد قاعدة استعماريّة للانطلاق نحو الوطن الإسلاميّ كلّه؛ إضافة إلى تحقيق الحلم الصهيونيّ بإقامةِ وطنٍ قوميٍ لليهودِ في أرض فلسطين. ولأجل تحقيق هذا الهدف اشترك اليهود مع النصارى في الترجمات القرآنيّة لمعاني القرآن، حيث كانت في أغلبها ذات أهدافٍ تحريفيّةٍ، وغايتها التشكيك في مصدر القرآن الإلهيّ.
وقد حاز القرآن الكريم مكانةً مهمّةً بين الدراسات الاستشراقيّة اليهوديّة؛ وهو ما ظهر في إعداد ترجمات عبريّة مطبوعة وكاملة لمعاني القرآن صدرت في «إسرائيل»؛ إضافةً إلى إعداد مقالات حول القرآن الكريم والكثير من الأبحاث والكتب والدراسات والمقرّرات الدراسيّة في المناهج التعليميّة الإسرائيليّة. وبصدد بيان دور اليهود في الترجمات الاستشراقيّة ذكر الدكتور «محمد صالح البنداق»: «أنّ أوّل ترجمة موضوعة من قِبَل البطرس عام 1143م، فقد كلّف روبرت أوف تشتر وهرمان دلماتا، وقام الأوّل بوضع ترجمة للقرآن الكريم، وقام الثاني بكتابة مقدّمة حول الرسول صلىاللهعليهوآله ومبادئ الإسلام... ولم يكنْ من قبيل الصدفة أنّ النسخة الأولى من هذه الترجمة طبعت بمدينة بازل لصاحب مطبعة ودارِ نشر يهوديّ عام 1550م. وبعد ذلك أخذت الترجمات تتوالى بالعديد من اللغات؛ ومنها: العبريّة التي وضعها حاخام جزيرة رانتي «يعقوب بن إسرائيل» عام 1634م نقلًا عن الترجمة اللاتينيّة» .
ولم يكنْ لليهود أنْ يتركوا هذا المجال المناسب لأهدافهم؛ طعنًا في دين الإسلام، وتشتيتًا للمسلمين، فشاركوا في مجال الترجمات الاستشراقيّة لمعاني القرآن؛ بالكذب، والتحريف، والافتراء؛ مستهدفين التقليل من عظمة القرآن الكريم. يقول المستشرق اليهوديّ المجريّ «جولدتسيهر»؛ وهو يطعن في التفسيرات الإسلاميّة التي شكّلت المرجع الأساس للترجمات القرآنيّة، محاولًا التقليل من أهمّيّتها، ومشكّكًا في موضوعيّتها: «لقد أعطى المفسّرون النصّ القرآنيّ أكثر ممّا أعطاهم»
.إنّ تكثيف الدراسات الاستشراقيّة اليهوديّة يهدف إلى الطعن والتشويه في المصادر الأساس للإسلام؛ وهي: القرآن الكريم، والسنّة النبويّة المطهّرة. ومن أبرز الوسائل التي استخدمها المستشرقون الإسرائيليّون؛ هي: إعداد ترجمات عبريّة مشوّهة، أو غير دقيقة لمعاني القرآن الكريم، وتزويدها بحواشٍ وهوامشٍ تردّ المادّة القرآنيّة إلى مصادر غير أصليّة يهوديّة، ومسيحيّة، ووثنيّة. وقد تمّت الترجمة العبريّة الأولى لأجزاء من القرآن الكريم في الأندلس، على يد الأحبار اليهود الذين عاشوا في كنف الدولة الإسلاميّة. وتذكر المصادر اليهوديّة أنّ المخطوط الخاصّ بنصّ هذه الترجمة فُقِدَ، وقد وردت الإشارة إلى هذه الترجمة ضمن ترجمات عبريّة أخرى قام بها المترجمون اليهود من اللغة العربيّة إلى اللغة العبريّة، وشملت بعض أعمال الفلاسفة والمفسّرين والأدباء المسلمين. ويبدو أنّ هذه الترجمات قد فُقِدَت
.والملاحظ أنّ الاستشراق اليهوديّ يحاول التقليل من مكانة القرآن الكريم وشأنه، ورفع مكانة العهد القديم؛ فهم يتعاملون مع القرآن الكريم؛ بوصفه نصًّا عاديًّا من تراثِ العرب القديم، مدّعين أنّه مأخوذ باللفظ والمعنى من كتبِ اليهود. فهذا المستشرق «إبراهام جايجر» اليهوديّ -مثلًا- يحاول أنْ يثبت أنّ النبي صلىاللهعليهوآله اطّلع على كتبِ اليهود بلغاتها المختلفة؛ التوراة، والمكتوبات، والأنبياء، والمشنا، والجمارا، والتلمود، والمدراس، والترجوم، وغير ذلك . فهو يؤكِّد أنّ الرسول صلىاللهعليهوآله قد
أقتبس الكثير من التعاليم والمفاهيم والآراء منذ زمنٍ بعيد ضَمَّنها قرآنه؛ بما يناسب التصوّرات التي كانت سائدة في عصره، وأنّ قَصص العهد القديم تحتل الجانب الأكبر من القرآن!صلىاللهعليهوآله قد أفاد من تاريخ العهد القديم، وكان ذلك في أكثر الأحيان عن طريق قصص الأنبياء .
. ثمّ يعود ويجزم أنّ النبي محمّدًالذا كان هذا اليهوديّ يرى أنّ محمّدًا صلىاللهعليهوآله لا يتعدّى كونه مصلحًا للشعب العربيّ فقط، من الوجهة التاريخيّة! .
أمّا «مارجليوث» Margoliouth؛ وهو من يهودِ الشام الذين هاجروا إلى إنجلترا، فقد نشر مختاراته القرآنيّة مع الترجمة عام 1920م-1339هـ. وطبعت في لندن، وقد نال درجة أستاذ كرسي في اللغات الشرقيّة في أكسفورد، وترجم سورة آل عمران من تفسير "أنوار التنزيل" للبيضاوي؛ وهي ترجمة ركيكة، وحواشيه عليها تكشف عن حقد صاحبها على الإسلام وعلى رسول الله صلىاللهعليهوآله .
وممّن اشتهر بدراسة القرآن وعلومه من المستشرقين اليهود "نولدكه" Noeldek، و"بلاشير" Blachere ، و"جيفري" Jeffry ، و"جولدتسيهر" Goldziher ؛ كلّهم أصحاب مؤلّفات معروفة، وكانوا جاهلين جهلًا مطبقًا بالدين
.ومثال على عدم الموضوعيّة التي اتّسم بها المستشرقون اليهود، يقول المستشرق اليهوديّ الألمانيّ "زالمان ريكندورف"؛ أستاذ الدراسات السامية في جامعة هايدلبرغ الألمانيّة، في مقدمةِ ترجمتهِ لمعاني القرآن إلى العبريّة؛ وهي الترجمة الثانية: "ويمكنني الآن أنْ أتوقّف عن الكتابة، وأطلب من الله العفو عن ذنبي الذي ارتكبته حيث دنَّسْتُ لغتنا المقدّسة، ونقلت إليها أحاديثَ الإفكِ والبهتانِ. وهناك
ثلاثة مبرّرات جعلتني أُقدم على ترجمة القرآن الكريم إلى العبريّة؛ وهي: الأوّل: أنّ هذه اللغة أقدر من غيرها على نقل مضمون القرآن كلمة كلمة، فالعبريّة هي أخت العربيّة التي كُتِبَ بها القرآن. الثاني: أنّ العبريّةَ مفهومةُ لكلّ حكماء شعبنا. الثالث: وهو السببُ الأساسي؛ ويتمثَّل في أنّه حينما يقرأ المرء شرائعَ توراتنا المقدّسة وشرائعَ القرآن، والقصصَ الجميلة، والجملَ البلاغيّة السامية الواردة في قَصص العهد القديم، ويقارنها بالأباطيل الواردة في القرآن، فسوف يدرك ويميّز بين ما هو مقدّس وما هو غير ذلك، وبين ما هو طاهر وما هو دنس، وسترتفع في عينيه مكانة إيماننا الطاهر؛ إذ أنّ قيمة الخير والحقيقة لا تدرك إلا من خلال معرفة الكذب
.ومن كلام هذا المستشرق اليهوديّ نعرف عدم نزاهته وعدم تمتّعه باستقلاليّة الباحث العلميّ ونزاهته وصدقه، ويتبيّن لنا عدم دقّة ترجمته المزعومة للقرآن الكريم!
وأمّا المستشرقة اليهوديّة "حافا لازروس يافا"؛ فهي تتعمد ذِكْر الترتيب القرآنيّ الزمانيّ للسور؛ لإثبات تأثّر الرسول صلىاللهعليهوآله بالتوراة، فتقول: "يرتّب القرآن زمنيًّا ترتيبًا عكسيًّا؛ فالسورة القصيرة التي في نهايته هي السورة السابقة التي ترجع إلى فترة وجود محمّد صلىاللهعليهوآله في مكّة، والطويلة التي في بداية القرآن من عصر المدينة الترتيب حسب الطول هو أمر شائع وموجود في المشنا" .
ولو أنّ المستشرقة اليهوديّة نظرت في القرآن الكريم؛ لعلمت أنّه لا توجد علاقة زمنّية بترتيب السور القرآنيّة، ولا توجد أيضًا علاقة بين طولِ السورةِ أو قصرها؛ فسورة الفاتحة؛ هي أوّلُ سورِ القرآن الكريم؛ وهي مكّيّةُ النزول، وليست أطولَ سورة في القرآن، وسورةُ البقرة نزولها مدني؛ وهي أطولُ سور القرآن، بل إنّ من السور المدنيّة ما وُضِعَ في الأجزاء الأخيرة من القرآن؛ مثل: سورة الأحزاب؛ وهي في
الجزء الحادي والعشرين والثاني والعشرين من القرآن، وسورتا الزلزلة والبيّنة؛ وهما في الجزء الثلاثين من القرآن، ولم توضع في بداية القرآن؛ كما تزعم هذه المستشرقة!
وأمّا المستشرق اليهوديّ "زاوي"، فيرى أنّ ترتيب السور القرآنيّة يأتي حسب حجم كلّ سورة، ولم يتمّ في عصر النبي صلىاللهعليهوآله ؛ وإنّما في نهاية القرن الثامن؛ أي بعد موت النبي صلىاللهعليهوآله بحوالي مائة وخمسين عامًا .
وهذا كلامٌ كاذبٌ يدحضه فعلُ الصحابة؛ من خلال حفظهم للقرآن في الصدور وفي السطور، واجتماع الأمّة على هذا القرآن، وتوزيع الخليفة الثالث للمصاحف بعد أنْ جمع الناس عليها بقراءة واحدة. فالمسلمون مجمعون على هذا من بعثة النبي صلىاللهعليهوآله إلى يومنا هذا، "وترتيب القرآن الكريم أمر توقيفيّ من الرسول صلىاللهعليهوآله، وحسبما تلاه على جبريل في آخر لقاء له معه" .
كما ترجم "زاوي" مصطلح "اللوح المحفوظ" إلى المصطلح العبري "هاشولحان هاشامور"؛ وتعني في اللغة العبرية المنضدة، أو المائدة، أو السفرة
. وهذا يؤكِّد عدم فهم "زاوي" للعربيّة ومصطلحاتها تمامًا!كما غيَّر "زاوي" في ترجمته العبريّة مفهوم الاستواء على العرش؛ بكلمة "ياشاف" العبريّة؛ وتعني الراحة والركون بكامل الجسد؛ كما تفيد المكث مؤقّتًا أو دائمًا
!وفي ترجمته لكلمة "الكتاب"، فقد ترجمه إلى "المقرا"؛ لتؤدّي معنى الكتاب؛ للإيحاء بأنّ المقصود في الآية؛ هو تعليم التوراة؛ اذ أنّ "المقرا" هو المصطلح الشائع بين اليهود لكتابهم المقدَّس
!ويزعم -أيضًا- أنّ كلمة "ربّ" أصلها "ربون" التلموديّة والتوراتيّة، ولم يعلم بأنّها كلمة عربّية قديمة كان العرب يعرفونها قبل الإسلام، واستخدموها في أشعارهم وأمثالهم وأحاديثهم
!وأمّا المستشرق اليهودي "ريفيلين"، فترجم القرآن إلى العبريّة، وترجم كلمة "إمامًا" في قوله -تعالى-: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا) إلى "كوهين"؛ أي "كاهنًا" !
وهناك صنفان من الترجمات العبريّة: ترجمات عبريّة غير منشورة لمعاني القرآن، وترجمات عبريّة منشورة. وبالنسبة للترجمات العبريّة غير المنشورة لمعاني القرآن الكريم، فهناك العديد منها في المتاحف والمكتبات الأوروبيّة والأمريكيّة؛ منها: ترجمات في المتحف البريطانيّ اختلف الباحثون في تحديد تاريخ إنجازها؛ فمنهم من يقول إنّها تمّت في القرن السادس عشر، والبعض الآخر في القرن السابع عشر، مع اتّفاقهم على أنّ مترجمها هو "إسحاق بن يعقوب هاليفي". وهذه الترجمة ليست منقولة مباشرة من النصّ العربيّ، بل نقلها المترجم اليهوديّ عن الترجمة الأولى لمعاني القرآن الكريم باللغة الإيطاليّة، والتي قام بها أندريه أريفابيني، وصدرت في فينيسيا عام 1547م
. والنصّ الإيطاليّ منقول بدوره عن النصّ اللاتينيّ، ولم تحدّد المصادر المختلفة زمن إنجاز هذه الترجمة .وهناك ترجمة أخرى محفوظة في مكتبة الكونجرس الأمريكيّ بواشنطن، وقد تمّت بتصرّف عن ترجمة هولنديّة لمعاني القرآن الكريم، وأيضًا دون تحديد زمن إنجازها
.وأمّا الترجمات الكاملة المطبوعة لمعاني القرآن الكريم إلى اللغة العبريّة؛ فهي
أربعُ ترجماتٍ، وترتيبها حسب تاريخ صدورها؛ وفق التالي:
1. ترجمة الحاخام "تسفي حاييم هيرمان ريكندورف" Hermann Reckendorf
: هذه الترجمة تمّت في القرن التاسع عشر، ونُشرت عام 1857م، في مدينة ليبزج الألمانيّة، وهي الترجمةُ العبريّةُ الأولى التي نُقِلَت مباشرة عن العربيّة؛ وهي ترجمة نادرة، ولم يبقَ منها سوى ثلاث نسخ .ويصف الباحثون هذه الترجمة بأنّها غيرُ دقيقة،ٍ وصعبةُ الفهم؛ لاستعمال الكاتب اللغة التوراتيّة القديمة. ولهذا لم يُكتَب لها الانتشار الواسع، ونُسخِها غيرُ متوفّرة
.وقد تأثّر "ريكندورف" بعقيدته اليهوديّة في ترجمته لمعاني القرآن الكريم، حيث أضاف زيادات لا وجود لها في النصّ القرآنيّ، وحرّف بعض النصوص القرآنيّة لتتّفق مع بعض معطيات العقائد اليهوديّة؛ كما أنّه أسمى ترجمته "القرآن والمقرا"
.ويلاحظ أنّ محاولة إرجاع نصوص القرآن إلى المصادر اليهوديّة أو النصرانيّة هي الغالبة في كتابات المستشرقين؛ وهي دعوة باطلة تعود إلى بدء الدعوة الإسلاميّة، وقد ردّ الله -تعالى- عليها في كتابه المجيد: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ) .
2. ترجمة «يوسف يوئيل ريفيلين» Joseph Riveline: وهي الترجمة الثانية المطبوعة والمنشورة لمعاني القرآن الكريم. صدرت في فلسطين سنة 1936م، وهي مترجمة عن النصّ العربيّ مباشرة، وقد نشرتها دار ديفير في تل أبيب، وصدرت
بعنوان "القرآن - ترجمة عن اللغة العبريّة". حاول "ريفيلين" تفادي الأخطاء التي وقع فيها "ريكندورف"؛ كما حاول صياغتها بلغةٍ أكثرَ قبولًا من جانب القارئ العبريّ
.وتعتبر ترجمة "ريفيلين" الترجمة الوحيدة بين الترجمات العبريّة الأربع التي صدرت بتشكيلٍ كاملٍ للنصّ. أمّا الترجمات الأخرى، فقد صدرت بدون تشكيل؛ إلا في بعض الكلمات التي يختلف معناها بالتشكيل
.ومن الأخطاء المنهجيّة لترجمة "ريفيلين" أنّه لم يلتزم بتقسيم سور القرآن الكريم إلى آيات، فقد قام بتقسيم كلّ سورة إلى فقرات حسب موضوعاتها، وليس حسب الآيات. وقد اتّبع في ذلك منهج المستشرق الألمانيّ "نولدكه" في كتابه "تاريخ القرآن"؛ وفي هذا خروج صريح عن المنهج الذي أجمع عليه المسلمون في ترتيب القرآن الكريم، وتقسيم الآيات في السور القرآنيّة
.ثمّ شهدت مرحلة الاستشراق الإسرائيليّ 1948م وما بعدها صدور ترجمتين عن النصّ العربيّ للقرآن الكريم مباشرة؛ وهما الترجمتان التاليتان.
3. ترجمة "بن شميش" 1971-1978م: وهي ثالث الترجمات العبريّة الحديثة لمعاني القرآن. قام بهذه الترجمة الدكتور الإسرائيليّ "أهارون بن شميش"
. صدرت الطبعة الأولى منها سنة 1971م بعنوان القرآن المقدّس.. ترجمة حرّة. أمّا الطبعة الثانية، فصدرت عام 1978م بعنوان القرآن كتاب الإسلام الأوّل.. ترجمة من العربيّة. يقول عنها الدكتور "أحمد هيكل الشحّات": "تختلف ترجمة بن شميش عن الترجمات السابقة لها في عدم تقيّد المترجم بالتقسيم المعروف لآيات القرآن الكريم، بل قام بترجمة كلّ خمسِ آياتٍ مجتمعة، ويجيء الترقيم في نهاية كلّ خمسِ آياتٍ، وليس في نهاية كلِّ آية؛ كما أغفلَ في بعض الأحيان ذِكْر بعض فواتحالسور المكوّنة من حروف منفصلة؛ معتقدًا أنّ هذه الحروف اختصارات لأسماء من أسماهم "حفظة المخطوطات الأصليّة للقرآن"؛ كما أنّ الترجمة بشكل عامّ تغلب عليها الانطباعات الشخصيّة"
.ويلاحظ أنّ أسلوب ترجمة الآيات القرآنيّة كلّ خمس آيات لم ينفرد به "بن شميش"؛ فقد استخدم هذا الأسلوب البرفسور "ج. أرثر. آربري" في ترجمته للقرآن الكريم الصادرة سنة 1956م. وبهذا يكون آربري قد سبق "بن شميش" في هذا الأسلوب، أو أنّ "بن شميش" اتّبع أسلوب البرفسور آربري في ترجمة القرآن الكريم.
كما يذكر الدكتور "أحمد هيكل الشحّات" عن ترجمة "بن شيمش" أنّه "انتهج "بن شميش" أسلوبَ ترجمةٍ خاصٍ به يختلف عن أسلوب الترجمات السابقة واللاحقة؛ حيث أجرى مقارنات عديدة بين النصوص اليهوديّة والعربيّة والآراميّة؛ كما ضمَّن ترجمته حواشٍ عديدة فيها فقراتٍ توراتيّةٍ، وعباراتٍ من المشنا والتلمود يرى أنّها تشابه ما ورد في القرآن الكريم"
.وتحمل ترجمة "أهارون بن شميش" الكثير من الرؤى الاستشراقيّة المعادية للإسلام، فالمترجم ذاته يؤكِّد في مقدِّمته أنّ الإسلام لم يأتِ بجديد؛ فهو الديانة اليهوديّة بالعربيّة، فالقرآن ما هو إلا التوراة باللغة العربيّة للعربصلىاللهعليهوآله إنّما جاء لنشر اليهودّية الأصليّة القائمة على توحيد الله -تعالى-؛ إذ يقول: "والنبي محمّد صلىاللهعليهوآله هو خاتم الأنبياء لنشر اليهوديّة الأصلية التي توحِّد الله، والتي يصفها بأنّها ملّة إبراهيم" .
. ويرى أنّ محمّدًاوقد تأثّر "أهارون بن شيمش" في ترجمته للقرآن الكريم بكتابات المستشرقين
اليهود الذين كتبوا في الدراسات الإسلاميّة والدراسات القرآنيّة؛ أمثال: "أبراهام جايجر"، و"فلهاون"، و"جولدتسيهر"؛ إضافة إلى الإرث العقديّ اليهوديّ المعروف وخلفيّته الدينيّة، فخرجت الترجمة؛ وهي محمَّلة بالأفكار الاستشراقيّة القديمة؛ وما فيها من حقد وكراهية للإسلام.
4. ترجمة "روبين"
2005م: وتُعدّ هذه الترجمة من أحدث الترجمات العبريّة للقرآن الكريم، وقد أصدرتها جامعة تل أبيب في شهر مارس 2005م. وقام بهذه الترجمة البرفسور أوري روبين .وتكمن أهمّيّة ترجمة "أوري روبين" في أنّها أوّلُ دراسةٍ إسرائيليّةٍ موسّعةٍ للقرآن الكريم، فقد احتوت هذه الترجمة "على كمٍّ كبيرٍ من التعليقات والهوامش؛ بالإضافة إلى ملحقين؛ تحتوي جميعها على نقد وتعليقات على الآيات القرآنيّة، شملت جميع سور القرآن الكريم؛ إلا سورتي "الضحى والعصر". وبلغ عدد صفحاتها 543 صفحة. لذلك فنحن أمام مجلّدين عن القرآن الكريم؛ أحدهما: ترجمة لمعانيه إلى العبريّة، والآخر: نقد لآياته من وجهة نظر استشراقيّة إسرائيليّة"
.وتأتي أهمّيّة هذه الترجمة في أنّها صدرت بعد أحداث 11سبتمبر، ورافقت الحراك الفكريّ والسياسيّ والعقديّ الدوليّ المتعلّق بأحوال المسلمين، وتغيّر صورة المسلمين في العالم، وبروز النظريّات الفكريّة والسياسيّة التي تتحدّث عن صراع الحضارات وصراع الأديان.
وقد أشار «أوري روبين» إلى الدوافع التي حرّكته لترجمة معاني القرآن الكريم؛ ومن أبرزها: تفادي الأخطاء التي وقع فيها من سبقه من المترجمين، وتقديم صياغة عبريّة يمكنها استيعاب مختلف التفاسير المتعارف عليها بين المسلمين لمعاني القرآن الكريم
.والتزم «روبين» نهجًا خاصًّا به يقوم على عدم الالتزام بالترقيم الذي تحمله كلّ آية من آيات الذِكْر الحكيم في آخره، وقد وضع الترقيم في بداية الآية؛ وهو مالم يفعله المترجمون السابقون له لمعاني القرآن الكريم، كما أنّ ترجمته غير مشكَّلة؛ شأنها شأن ترجمة «روكندوف»، و«أهارون بن شميش»، واختلف عن النهج الذي طبقه «ريفيلين» الذي تمسّك بتشكيل النصّ المترجم على يديه، وقد طالب بعضُ الدارسين اليهود روبين؛ بمراعاة تشكيل ترجمته لمعاني القرآن الكريم عند إعادة طبعها
.وحملت التعليقات التي أضافها روبين على الآيات القرآنيّة الإرث اليهوديّ القديم نفسه، من الأحقاد على الإسلام والمسلمين؛ ففي قوله -تعالى- في الآية الأولى من سورة الإسراء: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ )، يؤكِّد روبين أنّ هذه الآية أكبر دليل على عدم تقديس المسلمين للقدس والأقصى .
كما أضفى أبعادًا سياسيّة على العديد من المصطلحات والمفاهيم الدينيّة؛ وبخاصّة المصطلحات ذات البعد الإسلاميّ؛ مثل: «المجاهدون»، و«الشهداء»، وفعل ذلك -أيضًا- عند ترجمته لأسماء بعض السور القرآنيّة
.وصدور الترجمة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م جعل الكاتب ينساق في ترجمته للتأثيرات السياسيّة والإقليميّة التي كانت تعصف بالعالم في ذلك الوقت؛ خصوصًا أنّ الكيان الإسرائيليّ كان يعيش في حالة خوف شديد من الانتفاضة الكبيرة للشعب الفلسطينيّ؛ فقد كان لانتفاضة الأقصى التي اندلعت عام 2000م تأثيرات كبيرة على الشرق الأوسط؛ فضلًا عن التأثيرات الكبيرة داخل فلسطين والكيان الغاصب لها؛ من ركود للاقتصاد الإسرائيليّ، والممارسات العنيفة اللاأخلاقيّة ضدّ الفلسطينيّين، وأيضًا التأثير الكبير لأحداث 11 سبتمبر من غزو أفغانستان 2001م، ثمّ غزو العراق 2003م... كلّ ذلك ساعد في إمداد الهجمة العالميّة على الإسلام وتوسيعها، ومحاولة تشويهه؛ بتحميل الإسلام مسؤوليّة أفعال الإرهاب، وربط المسلمين بهذا المصطلح... كلّ ذلك جعل الكثير من الكتابات الحاقدة والمغرضة تظهر للعلن وبقوّة، مستفيدة من المدّ الإعلاميّ الذي رافق تلك الأيام.
هذا آخر ما استقصيته من الترجمات الإسرائيليّة لمعاني القرآن الكريم الصادرة باللغة العبريّة.
بناءً على ما تقدّم في هذه الدراسة، نخلص إلى تقديم النتائج التي توصّلت إليها الدراسة، والتوصيات المنبثقة عنها:
1. النتائج:
- أنّ عداوة اليهود للمسلمين متجذّرة في التاريخ
- لا توجد مدرسة خاصّة بالاستشراق اليهوديّ أو الإسرائيليّ؛ أي أنّه لا يتوافر له كيان ولغة ومدرسة وسمات تميّزه عن باقي المدارس الاستشراقيّة
- أنّ اليهود دخلوا في دراسة الاستشراق بصفتهم مواطنين من جنسيّات مختلفة أوروبيّة، لا بوصفهم مستشرقين يهود، وذلك محاولة منهم للنيل من الدين الإسلاميّ.
- برز اليهود في الدراسات الاستشراقيّة لكون اللغة العبريّة قريبة من اللغة العربيّة، وكونهم لهم مع العرب تاريخ قديم يمتدّ إلى ما قبل الرسالة المحمّديّة
- استثمر اليهود دراسات الاستشراق للتمهيد لكيان يجمع اليهود من كلّ الأرض.
- أنّ تكثيف الدراسات الاستشراقيّة اليهوديّة يهدف إلى الطعن والتشويه في المصادر الأساس للإسلام؛ وهي: القرآن الكريم، والسنّة النبويّة المطهّرة؛ وذلك واضح وجلي في دراساتهم؛ كما في تأكيدهم على أنّ النبي محمّد صلىاللهعليهوآله قد أخذ من تعاليم اليهود ومن توراتهم.
- أنّ الترجمات اليهوديّة لمعاني القرآن الكريم تهدف إلى تشويه صورة الإسلام، وادّعاء أنّه صورة من التوراة مقتبسة من قِبَل النبي محمّد صلىاللهعليهوآله
2. التوصيات:
- الاهتمام بقراءة كتابات اليهود الاستشراقيّة والردّ عليها
- إنشاء أقسام مختصّة بالاستشراق الإسرائيليّ في الكلّيّات، يشرف عليها أساتذة متخصّصون
- إنشاء مواقع إلكترونيّة لدحض شبهات المستشرقين الإسرائيليّين وبيان بطلان منهجهم في دراسة التراث الإسلاميّ
- ردّ الهجمة الاستشراقيّة بنحو عامّ، والإسرائيليّة بنحو خاصّ، والدخول إلى عالم الكتابات الاستشراقيّة من وجهة نظر عربيّة إسلاميّة، وبيان أنّ دين الإسلام دين العلم ورسالته سماويّة
- إقامة المؤتمرات الإسلاميّة في نقد الدراسات الاستشراقيّة بنحو عامّ، والإسرائيليّة بنحو خاصّ، واستضافة أهمّ المستشرقين العالميّين المنصفين ومحاورتهم وإطلاعهم على جوهر دين الإسلام ورسالته وخصائص مجتمع المسلمين.
تُعدّ ترجمة معاني القرآن الكريم من أصعب المحاولات التي تمّت في مجال الترجمة على الإطلاق؛ وذلك لأنّ نقل معاني الآيات القدسيّة المعجزة إلى لغة أخرى غير العربيّة ليس أمرًا سهلًا، إلى جانب عجز لغة الترجمة عن نقل التركيب البلاغيّ للآيات، بما يحمله من معانٍ ومدلولات، لا تظهرها إلا لغةُ القرآن التي نزل بها.
وقد اهتمّ المستشرقون قديمًا وحديثًا بترجمة معاني القرآن إلى اللغات الغربيّة والأوروبيّة المختلفة، ومن بين هذه الترجمات ما قدّمه الباحثون الروس في هذا الصدد.
وعلى الرغم من أنّ معظم الدراسات في علوم القرآن الكريم في روسيا حاليًّا، متأثّرة بتقاليد مدرسة الاستشراق إلى حدّ بعيد، إلّا أنّ النشاط الدعويّ التعليميّ للعلماء المسلمين أجبر المستشرقين على الاهتمام بكتب الحديث والتاريخ، والامتناع عن التأويلات الفاسدة لنصوص القرآن الكريم؛ ولو أحيانًا.
وترجع حركة الترجمة الروسيّة لمعاني القرآن الكريم إلى ما قبل قرنين من الزمان تقريبًا؛ حيث ظهرت أولى الترجمات على يد (بيتر بوستينكوف) عام 1716م، وتتابعت بعدها ترجمات أخرى؛ كترجمات (فيريو فكين)، و(كولماكوف)، و(نيقولاييف)، و(سابلوكوف)، و(بوكوسلافسكي)، و(كراتشكوفسكي)...
لذا، كان من المهمّ الوقوف عند عمل المستشرقين الروس على ترجمة القرآن؛ من خلال دراسة تاريخ تطوّر هذه الترجمات، وتتبّع جهود المستشرقين الروس ورصد آثارهم في مجال ترجمة معاني ألفاظ القرآن الكريم، ومن ثمّ تقويمها.
وتتأكّد أهمّيّة البحث إذا أخذنا بعين الاعتبار محدوديّة انتشار الاستشراق الروسيّ خارج حدوده، وكذلك جِدَتَه؛ وذلك بسبب عوامل عدّة حدَّت من انتشاره، فلم تكنْ ثمّة دراسات كثيرة في هذا الصدد.
(352)تعتبر اللغة الروسيّة واحدة من اللغات الحيّة التي تُرجِم إليها القرآن الكريم، حيث ارتبط تطوّر مراحل ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة الروسيّة بتطوّر مراحل الاستشراق الروسيّ، ولعب الإسلام والمسلمون دورًا كبيرًا وبالغًا في تاريخ روسيا، وذلك منذ نشأتها؛ مرورًا بالإمارات السلافيّة الأولى، ثمّ بالإمبراطوريّة الروسيّة والاتّحاد السوفيتيّ، مضافًا إلى المؤثّرات الحضاريّة العربيّة الإسلاميّة الأولى على حياة الروس.
بدأ الاستشراق الروسيّ في الربع الأوّل من القرن الثامن عشر الميلاديّ في عهد (بطرس الأوّل) (1725م) وعهد (كاترين الثانية)، وهو العهد الذي عرف بداية الاهتمام الفعليّ بالثقافة العربيّة، حيث ظهرت العديد من المجلّات الثقافيّة الروسيّة التي تتضمّن أخبار العلوم والفلسفة والحِكَم والطرائف العربيّة والقواميس اللغويّة، وأُدرجت اللغة العربيّة ضمن اللغات الرئيسة، إلى جانب الفرنسيّة والإنجليزيّة والألمانيّة في روسيا. وهذا النوع من الاهتمام الاستشراقيّ لـ(بطرس) نابع من سياسته الشرقيّة، مضافًا إلى ما اقتضته مصالح روسيا وحاجاتها المتزايدة إلى التعرّف على جيرانها الذين دخلت معهم في صراعات مريرة
.وتذكر المصادر التاريخيّة أنّه بعد قرن كامل من ظهور الإمارات الروسيّة في النصف الأخير من القرن العاشر الميلاديّ، بدأت هذه الدولة الجديدة تبحث لنفسها عن دين من بين الديانات السماويّة التي اعتنقتها جلّ الشعوب المجاورة، فطلب أميرها فلاديمير (Vladimir) من ملوك عدد من البلدان وأمرائها أنْ يبعثوا إليه برسل ليحدّثوه عن دينهم؛ وذلك كي يتمكّن مع باقي الأمراء الروس من اختيار أحد هذه الأديان؛ ليتخذه دينًا رسميًّا للبلاد؛ وذلك بغية توحيدها وتعزيز شرعيّة الحكم فيها، إلاّ أنّ الروس
والسلافيّين الشرقيّين عمومًا لم يكونوا يجهلون تمامًا أهمّ تعاليم هذه الديانات، فهم كانوا على اتّصال متواصل مع الخزر اليهود، كما أنّهم كانوا على اطّلاع على مضمون الدين المسيحيّ الأرثودوكسيّ في بيزنطة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى المذهب الكاثوليكيّ عند جيرانهم في الغرب. أمّا الدين الإسلاميّ، فقد تعرّفوا بعض تعاليمه، وربّما سمعوا بكتاب يسمّى (القرآن) عن طريق البلغار المسلمين الذين كانوا يقطنون الأراضي الممتدّة على طول ضفّتي نهر (الفولكا) (Volga)، وهي تشكّل حاليًّا موطن أحفادهم التتار المعروف اليوم باسم (جمهوريّة تتارستان) التي تتمتّع بالاستقلال الذاتيّ في الجمهوريّة الفيدراليّة الروسيّة
.ولفهم جوهر التصوّر العامّ السائد عن الإسلام عند الروس آنذاك، فإنّ ثمّة مصدرًا أساسيًّا مدوّنًا كان الروس يستقون منه معلوماتهم، وهو المراجع التاريخيّة واللاهوتيّة اليونانيّة والبيزنطيّة التي بدأت تظهر في روسيا منذ القرن الحادي عشر. وهكذا تكوّنت عند الروس صورة خياليّة عن الإسلام والمسلمين لا علاقة لها بالواقع، وهي الصورة المشوّهة نفسها التي نجدها عند باقي الشعوب المسيحيّة في بلدان أوروبّا الغربيّة في ذلك العصر
.ويجب الاعتراف بأنّه ظهر في مرحلة لاحقة نوع آخر من الكتابات التي حاولت الاقتراب قليلًا من الحقيقة، وسَعَت إلى تغليب المنطق في تناولها لهذه الموضوعات، وكان بعض مؤلِّفيها ينتمون إلى فئة قليلة من المفكّرين الروس الذين سبق لهم أنْ عاشوا فترة من الزمن في العالم الإسلاميّ، ونذكر من بين هؤلاء المفكّرين: (بيريسفييتوف) (Ivachko Peresvetov)، وكذلك (كوسوي) (Feodosi Kosoy) الذي عاش في القرن السادس عشر، ودافع في كتاباته عن المساواة بين جميع الناس وبين جميع الديانات واللغات، ولقد لقيَت أفكاره إقبالًا في بعض الأوساط الروسيّة المثقّفة.
وبعد حوالي مئة سنة تقريبًا، أي في القرن السابع عشر، كتب (بوسوشكوف) (Posochkov) مؤلَّفه (الفقر والثراء) الذي سار فيه على نهج (بيريسفييتوف)، وأوصى بأن يؤخذ من التشريع الإسلاميّ ما قد يفيد المجتمع الروسيّ. وللمفكّر (أندري كوربسكي) (Andriey Kurbskiy) مكانة خاصّة في معالجة هذه المواضيع، فعلى الرغم من معارضته للإسلام، نجده يضع عددًا من تعاليمه في مرتبة أعلى من كثير من تعاليم المسيحيّة
.وقد اشتدّ الاهتمام بالاستشراق في روسيا في بداية القرن التاسع عشر، وذلك حين أنشأت بعض الجامعات الروسيّة كرّاسًا باللغة العربيّة عن الإسلام، ومن هذه الجامعات: جامعة قازان، وجامعة موسكو، وجامعة بطرسبرغ، وكلّيّة لازاريف، وغيرها، حيث شجّعت الحكومات الروسيّة في العهود المختلفة دراسة التراث العربيّ الإسلاميّ، وخاصّة ذلك الذي يتعلّق بالأقاليم الإسلاميّة الواقعة تحت سيطرة روسيا؛ بغية توسيع المعرفة بالشعوب الإسلاميّة.
انطلق العمل الرسميّ والمنظّم في الدراسات الاستشراقيّة العربيّة الإسلاميّة مع عهد القيصر بطرس الأكبر، عندما تمّ الانتهاء من أوّل ترجمة للقرآن الكريم عام 1716م إلى اللغة الروسيّة، وقد قام بها الدكتور (بيتر بوستينكوف) عن الترجمة الفرنسيّة للمستشرق الفرنسيّ (ديوري) عام 1643م، تلا ذلك ترجمة أخرى عام 1776م، ولكنّ أوّل ترجمة للقرآن من اللغة العربيّة إلى اللغة الروسيّة مباشرة كانت في العام 1878م، وهي التي قام بها المستعرب (سابلوكوف) 1854م -1880م، الذي كان يتقن العربيّة إتقانًا جيّدًا، وقد تكرّرت طباعة هذه الترجمة في أعوام 1879م-1898م. وقام المستعرب (موخلينسكي) 1808م - 1877م بتفسير القرآن
وترجمته إلى اللغة البيلاروسيّة والبولنديّة؛ من أجل التتار المسلمين الذين كانوا على حدود بيلاروسيا وبولندا وليتوانيا. ومع نهاية القرن الثامن عشر، شجّعت (كاترين الثانية) على ترجمة القرآن؛ بدافع نشر القرآن الكريم بين السكّان المسلمين في روسيا، والاعتماد عليه في أهدافها السياسيّة وحروبها ضدّ تركيا. ومن المعلوم أنّه عندما تتدخّل مصالح الدولة في شأن الترجمة، وفي مجال الاستشراق، تصبح التوجّهات والأهداف والنتائج منوطة بالسياسيّين لا بالمترجمين أو المستشرقين
.وفي عام 1778م تمّ إدخال الحرف العربيّ في الطباعة بشكل واسع. وطُبع في العاصمة (سان بيترسبورغ) المصحف الكريم بحروف عربيّة جميلة في السنة نفسها، ويقول (كراتشكوفسكي) إنّ هذه الحروف انتقلت في ما بعد إلى مدينة قازان التتاريّة، ثمّ إلى القرم، وتركيا، فمصر، ويحتمل أن تكون بعض النسخ من هذه الطبعة قد دخلت إلى المغرب، ونعتمد في هذا الافتراض على العلاقات الجيّدة التي كانت تربط السلطان (سيدي محمد بن عبدالله) بالإمبراطورة (كاترين الثانية)، فمن المعلوم أنّهما تبادلا هدايا ورسائل ودّيّة جدًّا، وأيّ هديّة أثمن من الطبعة الروسيّة للقرآن الكريم تهديها الإمبراطورة للسلطان المغربيّ المسلم
.ومن ثمّ أُعيد طبع المصحف الكريم بهذه الحروف خمس مرّات في الفترة الممتدّة ما بين 1789م و1798م، وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى الدور الكبير الذي لعبته في ما بعد مطبعة (قازان) الإسلاميّة التي أحدثت عام 1802م، وطبعت في القرن التاسع عشر عشرات الآلاف من نسخ القرآن، وعددًا كبيرًا من المؤلَّفات الإسلاميّة الأخرى
.وقد صدرت ترجمتان اثنتان للمصحف الكريم إلى اللغة الروسيّة، تُرجمتا من الفرنسيّة والإنكليزيّة، قام بالأولى (فيريو فكين) (Veryovkin) سنة 1790م عن الترجمة
الفرنسيّة القديمة لـ (دي رييي) (A. Du Ruyer)، وأنجز الثانية سنة 1792م (كولماكوف) (Kolmakov. Sal) عن ترجمة (سالي) (G e) الإنكليزيّة. وكانت هاتان الترجمتان في مستوى حسن مقارنةً بالترجمات السابقة عليها، وألهمت إحداهما في ما بعد أمير الشعر الروسيّ (بوشكن (A. puchkin) لنظم سلّة قصائده المشهورة (قبسات من القرآن) التي عالج فيها شعريًّا نصوصًا مقتبسة من ثلاث وثلاثين سورة قرآنيّة، ويعترف الشاعر «بأنّ القرآن كان الكتاب الدينيّ الأوّل الذي أذهل مخيّلته، وقد أفلح (بوشكن) في إعطاء صورة دقيقة المعالم عن مضمون القرآن الفلسفيّ والدينيّ، كما أنّ هذه القصائد أعطت لأوّل مرّة في الأدب الروسي مفتاح الفهم الصحيح للقرآن الكريم، وساعدت إلى درجة كبيرة على استمرار نموّ الاهتمام به عند أوسع أوساط القرّاء الروس»
.إنّ اهتمام الشاعر الروسي الكبير (بوشكن) بالإسلام وبالقرآن الكريم، لم ينبع من «فراغ أو كنتيجة لشطحات الخيال الإبداعيّة؛ بل أتى كثمرة لقراءاته المتعمّقة في تاريخ الشرق العربي وحضارته وآثاره الأدبية والقرآنيّة، فضلًا عن الجذور الشرقيّة الإسلاميّة التي ربطت بين الشاعر والشرق الإسلاميّ. تجدر الإشارة إلى أنّ أحد أجداد (بوشكن) لأمّه، وهو إبراهيم (المشهور) في مختلف الكتابات الأدبيّة الروسيّة، كان ينتمي إلى أسرة إفريقيّة مسلمة. هذا ما جعل الشاعر يبحث عن جذوره المسلمة، ويحاول التعمّق في معرفة دين أجداده وكتابهم المقدّس القرآن الكريم»
.لقد مثّلت الترجمة أهمّ جسور تواصل الاستشراق الروسيّ، وتصدّرت ترجمة معاني القرآن الكريم سائر أنواع الترجمات الروسيّة، وكانت الترجمات الأوّليّة لمعاني القرآن الكريم تتمّ من خلال لغات أوروبيّة وسيطة، ومن ثمّ أمكن ترجمة معانيه من الأصل العربيّ بعد تدريب مترجمين روس درسوا العربية، فأصبح القرآن الكريم عاملًا حيويًا مهمًّا لفَهْم مراحل العلاقات بين روسيا والإتّحاد السوفيتيّ وبين العالم الإسلاميّ
.ظهرت ترجمتان جديدتان لمعاني القرآن الكريم بالروسيّة، حازتا تقدير (كراتشكوفسكي) الذي رأى فيهما حدثًا تاريخيًّا بالغ الأهمّيّة في تاريخ الثقافة الروسيّة، ومستوى أعلى من الترجمات السابقة. وقد حفّزت الترجمات الروسيّة لمعاني القرآن الكريم صدورَ مؤلّفات تتناول شرح القرآن الكريم؛ ومن أبرزها: كتاب المترجم (بوجدانيفيتش) بعنوان (محمد والقرآن)، الذي لاقى نجاحًا كبيرًا، وأعيد طبعه مرّات عدّة
.ويُعدّ (كراتشكوفسكي) (1883م - 1951م) شيخ المستشرقين الروس طوال النصف الأوّل من القرن العشرين؛ نظرًا للجهود التي بذلها في ميداني التعليم والبحث العلميّ، فامتازت كتاباته بالموضوعيّة والإنصاف في دراسته لشخصيّة الرسول محمّد صلىاللهعليهوآله والإسلام والقرآن الكريم.
هذا ويعكس (كراتشكوفسكي) صورة الشرق المعاصر المهتمّ بالفكر والأدب والثقافة اهتمامًا رسميًّا ودينيًّا وشخصيًّا، وصورة الشرقيّ المنفتح على الآخر، وصاحب الاهتمامات العلميّة، بقوله: «إنّ النهضة الحديثة للشرق العربيّ المسلم تظهر بوادرها في كلّ مكان، وفي الصيف عندما غادرت بيروت ورحلت إلى أماكن أخرى، فهناك كان معلّمو القرى وصحفيّو المدن الصغيرة، ومراسلو الجرائد، وأطبّاء القرى، كلّ هؤلاء قابلوني هناك بودّ وترحاب، وكان الحوار بيننا يستغرق عدّة ساعات بعد أوّل لقاء بهم، وكانوا جميعًا يتأجّجون والثورة تتّقد في نفوسهم، وفي خيالهم حلم بالتحرّر الوطنيّ»
.وفي سنة (1859م) ظهر له كتاب بعنوان: (الفهرس الكامل للقرآن أو مدخل إلى كلماته وعباراته)، وهو عبارة عن دليل لدراسة مبادئ القرآن الكريم الدينيّة
والشرعيّة والتاريخيّة والأدبيّة. وكان من أبرز عيوبه أنّه لم يعتمد نصّ القرآن الكريم، بل اعتمد على مصحف المستشرق الألمانيّ (جوستاف فلوجل).
وعودًا على الترجمات الروسيّة، فقد أشرف المترجم (نيقولاييف) عام 1864م على ترجمة معاني القرآن، وكانت مأخوذة عن الترجمة الفرنسيّة للمستشرق (بيبيرشتين كازميرسكي). وتكرّرت طباعة ترجمة (نيقولاييف) في موسكو خمس مرّات، وفي سنة 2001م أعيدت طباعتها في دار (إليبرون كلاسيكس). ويعتقد بعض النقّاد أنّ وضع النقد الترجميّ سيّئ، ولا سيّما إذا عرفنا أنّه لا يوجد اتّفاق مشترك عامّ على معايير النقد الترجميّ والتقويم، وأنّ للنقد الترجميّ علاقة واضحة بالأدب
.هذا وانتقد كثير من المختصّين والمستشرقين الروس منـهجَ (سابلوكوف) وترجمته لمعاني القرآن، فقد أشار المستشرق (كريمسكي) في كتابه (تاريخ الإسلام) إلى أنّ ترجمة (سابلوكوف) هي ترجمة حرفيّة ميّتة، ولا يمكن فهمها في كثير من المواضع؛ إلا بعد الرجوع إلى الأصل العربيّ، فضلًا عن أنّها تحتوي على عدد كبير من الأخطاء التي لا مراء فيها. كما انتقد المستشرقان (بيلايف) و(جريزنيفيتش) هذه الترجمة أيضًا، ومع مرور الزمن ظهرت سلبيّات هذه الترجمة لكلّ من يرجع إليها، فالمستشرق المتخصّص في اللغة العربيّة سيجد فيها أخطاء كثيرة، وأمّا غير المتخصّص فلن يفهم أحيانًا خصائص نصّ الترجمة المليئة بالكلمات القديمة والعبارات المبهمة التي منعت من فهم المعنى الظاهر لها. كما وُجِدت في ترجمته كلمات خاصّة تستخدم عند ترجمة التوراة والإنجيل إلى اللغة الروسيّة، وبسبب هذه الكلمات يكون القارئ العامّي قد أخذ فكرة خاطئة عن العقيدة الإسلاميّة وعن المعنى الحقيقيّ لهذا الأثر.
وعلى الرغم من ذلك، فقد أشبعت ترجمة (سابلوكوف) لمعاني القرآن حاجة كثير من الباحثين والمهتمّين في المجتمع الروسيّ على مدى مئة عام، وعُدّت من أهمّ المراجع المرتبطة بالدين الإسلاميّ. واستحقّ صاحبها مدح كثيرين؛ منهم (كراتشكوفسكي)، حيث يقول: «لم يتمكّن أحد في أكاديميّة قازان من تأسيس
منهج للاستعراب ودراسة الإسلام إلّا (جوردي سابلوكوف)». هذا وتعود بدايات الترجمة إلى العصر البابليّ القديم، حيث كان لديهم جهاز مركزيّ مثابر من النُسَّاخ المتخصّصين بعدد من اللغات الذين يبثّون الرسائل الرسميّة المبلّغة على الرقع الطينيّة، بخطوط مسماريّة إلى الأرجاء البعيدة من المملكة
.وتجدر الإشارة إلى أنّ الأخطاء في ترجمة المعاني لدى (سابلكوف) أقلّ مما في التراجم المذكورة، بالإضافة إلى دقّة الترجمة وسلاسة اللغة، التي تقرّب المعنى إلى القارئ غير المسلم. وفي عام 1879م أصدر (سابلوكوف) ملاحق للترجمة، وأعقبها بإصدار دراستين كبيرتين بعنوان: (معلومات حول القرآن الكريم 1884م). كما أصدر دراسة بعنوان: (مقارنة أسماء الله الحسنى في الإسلام وفي الديانة المسيحيّة) 1873م. وكان الهدف من الترجمة والدراسات أكاديميًّا محضًا، ولم يتطرّق المؤلّف إلى الجوانب العقديّة في الإسلام.
وكانت آخر ترجمة روسيّة لمعاني القرآن تُنجز عن طريق لغة وسيطة هي ترجمة (نيكولاييف)، حيث بدأ المستعربون الروس يعدّون لنقل المصحف الكريم مباشرة من الأصل العربيّ، وهكذا أُنجزت في الوقت نفسه تقريبًا ترجمتان؛ كانت الأولى عام 1871م للجنرال (بوكوسلافسكي) (D.N. Boguslavski) الذي نال تحصيلًا جيّدًا في علم الاستعراب في الكلّيّة الشرقيّة في جامعة بطرسبرغ، وقضى سنوات طويلة في العمل مترجمًا للسفارة الروسيّة في الآستانة، وكانت ترجمته التي أتمّها خلال فترة مكوثه في الشرق تمتاز بالدقّة العالية وبالمزايا الأدبيّة الفريدة؛ ما جعلها وقتذاك تحظى بتقدير مجموعة من النقّاد المرهفي الحسّ والقلم؛ أمثال: (روزين) و(كراتشكوفسكي)، لكنّ هذه الترجمة بقيت مجرّد مخطوطة؛ لأنّه عندما رجع صاحبها من الشرق علم بصدور ترجمة أخرى نُقلت عن النصّ العربيّ؛ كذلك في مدينة (قازان)، فتخلّى (بوكوسلافيسكي) عن طبع عمله
.وبعد الازدهار الكبير الذي عرفته الدراسات الاستعرابيّة في بداية القرن العشرين، لم تعد ترجمة (سابلوكوف) تتجاوب مع متطلّبات العلوم العصريّة؛ لذا بدأ التفكير في إنجاز عمل جديد يكون في مستوى طموحات المدرسة الاستشراقيّة الروسيّة الجديدة، فقام العالم الأوكرانيّ (كريمسكي) (Krymski) في مطلع القرن بإصدار ترجمة لعدد من السور القرآنيّة مصحوبة بالشروح ضمن سلسلته المشهورة (محاضرات حول القرآن)، إلّا أنّ هذه المحاولة توقّفت ولم يتمّم صاحبها مشروعه هذا، فأخذ العالم (كراتشكوفسكي) على عاتقه هذه المهمّة التي تطلّبت منه وقتًا طويلًا وجهدًا جبّارًا. وبما أنّنا نعتبر أنّ مستوى العمل الذي قام به هذا العالم الكبير يفوق جميع الترجمات الروسيّة من جهة، والعديد من الترجمات الأوروبيّة من جهة أخرى، فإنّنا سوف نتوقّف قليلًا عند مميّزات هذا العمل، وعند بعض المراحل التي مرّ منها، فيمكن القول: إنّ اهتمام (كراتشكوفسكي) بهذا الموضوع ظهر مع بداية خطواته الأولى في عالم الاستشراق، ولم ينصرف عنه طوال حياته كلّها. غير أنّه لم يتمكّن من رؤية عمله مطبوعًا؛ إذ توفي عام 1951م، ولم تصدر ترجمته إلّا سنة 1963م. ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ هذا العمل الذي استغرق أربعين سنة كاملة، مرّ بمراحل عدّة، فقد تمّ إنجاز هذا العمل تدريجيًّا
.أدرك (كراتشكوفسكي)، وهو العالم المتمكّن من اللغة العربيّة، والعارف بأسرارها وكنوزها، منذ شروعه في عمله أنّ أسلوب القرآن الكريم هو أسلوب خاصّ فريد من نوعه، ولا نجد له مثيلًا في الكتابات العربيّة الأخرى؛ لذلك حاول قدرَ المستطاع الاقتراب من هذا الأسلوب العربيّ في النص الروسيّ لترجمته؛ حتى يمكّن القارئ من الاقتراب أكثر من كتاب الله شكلًا ومضمونًا. وقد جاء أسلوبه سهلًا قريبًا من متناول مختلف شرائح القرّاء، لكنّ بعض النقّاد لم يفهموا مغزى هذه المقاربة، واعتقدوا أنّه اعتمد النقل الحرفيّ في عمله.
ويعلم المختصّون في فنون الترجمة أنّ نقل المعنى والأسلوب معًا إلى لغة أخرى
يشكّل المبتغى الأسمى لكلّ مترجم، إلّا أنّ مثل هذا الإنجاز لا يتأتّى إلا نادرًا، ولا ينجح في تحقيقه إلاّ ذووا الباع الطويل في علوم اللغة وفنونها من جهة، وعلوم الترجمة من جهة أخرى. ويمكن القول: إنّ (كراتشكوفسكي) قد وُفّق في مهمّته إلى حدّ بعيد، كما أنّ عمله يعتبر حاليًّا أجود ترجمة روسيّة لمعاني القرآن الكريم، بل يعتبر أجود الترجمات العالميّة، وبالرغم من هذا كلّه، فإنّ عمله لا يخلو من الهفوات المتفاوتة
.وقد بحثت السيّدة الروسيّة (السفيراتشكو فسكايا) 1884م، زوجة المستشرق الروسيّ (كراتشكوفسكي)، عن نوادر مخطوطات القرآن من القرن السادس عشر، وكتب الأستاذ (أمين الخولي) عن هذا الجهد، فقال: «قدّمت السيدة (كراتشكوفسكي) بحثًا عن نوادر مخطوطات القرآن الكريم في القرن السادس عشر الميلاديّ، وإنّي أشكّ في أنّ كثيرين من أئمّة المسلمين يعرفون شيئًا عن هذه المخطوطات، وأظنّ أنّ هذه مسألة لا يمكن التساهل في تقديرها»
.وبعد زوال الدولة السوفيتيّة، زاد الاهتمام بشكل كبير بموضوع ترجمة معاني القرآن الكريم من قِبَل جمهوريّات الاتّحاد السوفيتيّ عمومًا، وجمهورية روسيا الفدرالية خصوصًا. وقد أدّى هذا الإقبال الكبير على قراءة كتاب الله والتأمّل في معانيه إلى إعادة طبع ترجمة كلّ من (سابلوكوف) و(كراتشكوفسكي) مرّات عدّة، كما طبعت ترجمة (بوكوسلافسكي) التي سبق أنْ أشرنا إليها، حيث بقيت مخطوطة حتّى هذا العهد. وظهرت في السنوات القليلة الأخيرة بعد 1991م ترجمتان جديدتان: الأولى للأستاذة (بوروخافو) (V.OPorokhova)، والثانية للأستاذ (عصمانوف) المعروف في ساحة الدراسات الشرقيّة بصفته متخصّصًا في اللغة الفارسيّة
.ويمكن القول: إنّ ترجمة معاني القرآن الكريم علم قائم بذاته، له قواعده وأحكامه، وهو يستوجب من المترجم الصدق والأمانة والإلمام الواسع بلغتين على الأقلّ - المترجَم منها، والمترجَم إليها - ويُفضَّل أنْ تكون له دراية بلغات أخرى وعلومها حتّى يتمكّن من الاستفادة من ترجمات أخرى ليقارن عمله بها. وعلى المترجم، إذا تعلّق الأمر بالقرآن الكريم، أنْ يكون مطلعًا على علوم القرآن والحديث، وأنْ يكون على صلة مستمرّة بعلماء الدين على اختلاف مذاهبهم؛ بقصد استشارتهم والاستفادة من عملهم، ومضافًا إلى ذلك، فهو ملزم بأنْ يكون على علم كامل بالأخطاء الواردة في الترجمات السابقة؛ لتجنّب الوقوع فيها من جديد.
(363)بعد هذه الدراسة لتطوّر ترجمة معاني القرآن الكريم في روسيا، يمكن استنتاج الآتي:
إنّ الترجمات الأوروبيّة للقرآن الكريم؛ سواء أكانت روسيّة أم من غيرها من اللغات كُتبت بيد مترجمين لا يحسنون اللغة التي ترجموا إليها؛ ولذلك كانت تلك الترجمات الأوروبيّة معرَّضة للخلل والنواقص الكثيرة.
على المترجم إذا تعلّق الأمر بالقرآن الكريم، أن يكون مطّلعًا على علوم القرآن والحديث، وأن يكون على صلة مستمرّة بعلماء الدين على اختلاف مشاربهم؛ وذلك بغية استشارتهم والاستفادة من عملهم، مضافًا إلى أنّه ملزم بأنْ يكون على علم كامل بالأخطاء الواردة في الترجمات السابقة؛ لتجنّب الوقوع فيها من جديد.
إنّ ترجمة القرآن من اللغة العربيّة إلى الروسيّة ترجمة حرفيّة هي مهمّة مستحيلة؛ حيث يستحيل أن يترجم القرآن بألفاظ أخرى غير عربيّة تقوم مقام ألفاظه، وتعبّر عن معانيه ومقاصده نفسها.
(364)
تعتبر مسألة ترجمة القرآن الكريم إلى غير اللغة العربيّة من أبرز المشاكل التي عاناها المسلمون وغيرهم ممّن لا يعرف اللغة العربيّة ويرغب بالاطّلاع عليه، وقد وجد بعضهم أنّ ترجمته في غاية العسر؛ ويعدو ذلك إلى سببين أساسيّين:
أوّلهما: اشتمال اللغة العربيّة على المشتركات اللفظيّة التي يختلف معناها باختلاف موقعها في الجملة، وعدم قابليّة اللغات الأخرى استيعاب جميع هذه المعاني.
ثانيهما: نزول القرآن الكريم باللغة العربيّة على نحو الإعجاز، مع ما يشتمل عليه القرآن الكريم من إعجاز في فصاحته، وبلاغته في مفرداته وتراكيبه ومعانيه وأسلوبه.
وصحيح أنّه بالإمكان ترجمة مفردات القرآن الكريم حرفيًّا، لكنْ من الصعب جدًّا ترجمة ما تحمله هذه الكلمات من معاني؛ حيث إنّ البيان المعجز يتلاشى حتّى في أكثر الترجمات دقّة.
إضافة إلى أنّ ترجمة القرآن الكريم تحتاج إلى معرفة المترجم باللغة العربيّة وأسرارها والبيئة التي نزل فيها واللغة التي يريد ترجمته إليها. ومن هذه اللغات التي عُمل على ترجمة القرآن الكريم إليها هي لغات البلقان.
يُطلق على مَنْ يحفظ القرآن في اللغة الألبانيّة كلمة (hafiz) -وهي الكلمة العربيّة نفسها-، كما يُطلق على ختم القرآن كلمة (hatme)، ويحظى حافظ القرآن بمكانة مهمّة في المجتمع المحلّيّ الألبانيّ
. وعلى الرغم من تلكالمكانة والمنزلة المهمّة للحافظ لديهم؛ فإنّ المسلمين الألبان -الذين يشكّلون الغالبيّة من الشعب الألباني بنسبة 85 %- ظلّوا «دون ترجمة ألبانيّة للقرآن الكريم حتّى نهاية الحكم العثمانيّ -الذي امتدّ حوالي خمسة قرون-، وفي تلك الفترة فقد اعتاد الألبان على تعلّم القرآن الكريم وقراءته من اللغة العربية؛ ظنًّا منهم باستحالة ترجمته»
.لكنْ بعد نهاية الحكم العثمانيّ و«استقلال ألبانيا خلال (1912-1913م) ضمن حدودها الحالية، وخاصّة بعد استقرارها كدولة بعد الحرب العالميّة الأولى، ظهرت أوّل محاولة لترجمة القرآن الكريم إلى اللغة الألبانيّة في سنة (1912م)، علمًا أنّ الترجمة لم تكنْ من العربيّة، بل من الإنكليزيّة، لمترجم مسيحي اسمه (جورج سيل)، وقد كانت هذه الترجمة بدوافع سياسيّة قوميّة»
. وقد اعتقد الألبانيّون بذلك، أي أنّ ترجمة القرآن الكريم إلى لغتهم هي جزء من الثقافة القوميّة الألبانيّة ومن التراث الألبانيّ.ويشهد لذلك أنّ «المترجم اريلوميتكو تشافزيزي، -وهو من الكُتّاب الألبان المعروفين من ذوي النزعة القوميّة الألبانيّة في النصف الأوّل من القرن العشرين-، من الذين سعوا إلى تعزيز الروح القوميّة الألبانيّة، من خلال الثقافة الواحدة التي تستوعب المسلمين والمسيحيّين، ولذلك أقدم تشافزيزي على ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة الألبانيّة؛ لأنّه كان يعتقد أنّ القرآن الكريم لا يخصّ المسلمين فقط (وهم الغالبيّة العظمى) في ألبانيا، بل يخصّ الثقافة القوميّة الألبانيّة؛ باعتباره الكتاب المقدّس لغالبيّة الأمّة الألبانيّة»
.من المعروف أنّ اللغة الألبانيّة هي جزء من لغات البلقان، يتَحدَّث بها الألبانيّون والكـوسوفيّون، ولكـنّ هناك لغـة مهمّة أخـرى، هي اللغـة الصربوكرواتيّة، التي يتَحدّث بها الصرب والكروات، تُرجم إليها القرآن كذلك، وقد تعرَّفت «الأوساط العالميّة على القرآن في نهاية القرن التاسع عشر حين صدرت ترجمة ميتشولوبيبراتيتش
سنة (1895م)، ومع أنّ هذه الترجمة لم تبقَ الوحيدة؛ إلا أنّها دون شكّ الأولى من نوعها، وقد أُنجزت حتّى الآن عدّة ترجمات للقرآن في اللغة الصربوكرواتيّة، إلاّ أنّ نصفها تقريبًا لا يزال مخطوطًا» . وعلى الرغم من ذلك، فإنّ ترجمات عدّة ظهرت قبل هذه الترجمة، تُرجم بعضها مباشرةً من العربية، وبعضها الآخر من لغات أخرى؛ كالفرنسيّة، والتركيّة، والروسيّة، والألمانيّة، والإنكليزيّة . كما أنّ هذه الترجمات بعضها كاملة، وأخرى هي ترجمات لأجزاء من القرآن، إضافة إلى أنّ النشر لم يطلها كلّها، إذ بقي بعضها دون نشر.وتُعدّ سنة 1895م؛ مفصلًا تاريخيًّا مهمًّا وحدثًا ثقافيًا يوغسلافيًّا؛ إذ إنّها شهدت صدور الترجمة الأولى الكاملة للقرآن الكريم إلى اللغة الصربوكرواتيّة، وهي ترجمة ميتشولوبيبراتيتش الذي تُوفّي سنة (1889م) وصدرت ترجمته بعد وفاته عام (1895م)
. «وتقع هذه الترجمة بـ467 صفحة، بالإضافة إلى ثلاث صفحات خُصّصت لمعجم خاصّ بالأسماء التي ذُكِرت في القرآن ومكان ورودها...، وعِوضًا عن كلمة «سورة» يذكر المترجم كلمة «رأس»، وبعد ذلك تأتي الآيات مُرقّمة، وكلّ آية تبدأ دائمًا من أوّل السطر» .وفي بدايات القرن العشرين، وفي البوسنة والهرسك تحديدًا، «قام محمد سعيد سرادرفيتش (1882-1918م) بترجمة بعض سور القرآن الكريم مع تفسيرها في سنة (1913م)، ونشرها في مجلّة المصباح؛ بينما قام شكري الآغيتش (1881- 1936م) بترجمة تفسير المنار لمحمد رشيد رضا، ونشر جزأين منه في سراييفو عاصمة البوسنة خلال عام (1927م)»
.
1. ترجمة القرآن من العربيّة إلى الألبانيّة:
في الربع الأوّل من القرن العشرين، وفي ألبانيا تحديدًا، قام أحد علماء الألبان المسلمين بترجمة القرآن من العربيّة إلى الألبانيّة مباشرةً، خلافًا للترجمة الألبانيّة السابقة المعتمدة على الترجمة الإنكليزيّة لـ (جورج سيل). وقد تميّز هذا المترجم «بنتاجه التأليفيّ الكبير في عدّة مجالات تجمع ما بين اللغة والأدب والترجمة والإسلاميّات، فقد نشر سنة (1900م) ملحمة التأريخ المقدّس والخلفاء الأربعة في 75 ألف بيت من الشعر، وأصدر في عامي (1914م) و(1916م) كتابين لتعليم اللغة العربيّة موجَّهة إلى الألبان. وكان أوّل مَنْ بدأ بترجمة القرآن من العربيّة إلى الألبانيّة ما بين عامي (1923–1926م)، وترجم عيون الأدب الفارسي كـ (غلستان) السعدي ورباعيّات الخيّام وغيرها»
. وقد اشتهر بلقب «حافظ»؛ لأنّه حفظ القرآن الكريم. ومترجمنا هذا من منطقة كورتشا ، التي أنجبت مترجمًا آخر هو «العالم المسلم علي كورتشا (الألباني) الذي قام منذ سنة (1924م) بنشر ترجمة سور القرآن على حلقات في مجلّةالصوت المسلم. كما صدرت ترجمة أخرى في سنة (1929م) لعالمٍ مسلم (ألبانيّ) هو الحافظ إبراهيم داليو»
.2. ترجمة القرآن من العربيّة إلى البوسنيّة:
وعند عودتنا إلى البوسنة والهرسك، وتحديدًا إلى سنة (1927م)، نجد أنّ ترجمةً ثانية قد صدرت «لاثنين من علماء المسلمين المعروفين؛ هما: محمد بانجا، وجمال الدين تشاو شيفيتش، وقد صدرت في سراييفو، بعنوان: القرآن الكريم ترجمة وتفسير، فبعد مقدّمة المترجم تأتي الصفحات التي تحمل الأعداد الرومانية Vll-LxVlll لتعرّف ببعض الأمور من تاريخ القرآن؛ وذلك ضمن عناوين منفصلة، وهي كالآتي: ما القرآن؟ ترتيب القرآن وتقسيمه، جمع القرآن، توزيع القرآن الكريم، القرآن والكتب المقدّسة، حفظ القرآن الكريم. وفي القسم الثاني لدينا عناوين أخرى؛ وهي: الوحدة الإلهيّة، الآخرة، العالم الخالد، الجنّة والجحيم، الوحي الإلهيّ، حياة محمد. وبعد هذه الإيضاحات العامّة تأتي ترجمة القرآن من الصفحة رقم1 إلى الصفحة رقم957، وهنا تتّضح لدينا فروق بارزة بين هذه الترجمة وبين ترجمة لوبيبراتيتش؛ سواء أكانت تتعلّق بالأسلوب أم بالمضمون، ففي بداية كلّ سورة نجد ملخّصًا لمضمونها ومكان نزولها وعدد آياتها. وفي هذه الترجمة ترد السورة مرقّمة بالأرقام العربيّة، وتحمل كلّ سورة عنوانها الأصيل في العربيّة»
.وهناك ملاحظات حول هذه الترجمة ثبّتها الدارسون، وأكثرها يتعلّق بطريقة تقسيم السور أو بالجانب الفنّيّ والطباعيّ وتسلسل السور والآيات، فالسور الطويلة «كانت تُقسّم إلى أجزاء؛ كسورة البقرة التي قُسّمت إلى 40 جزءًا وسورة الهجرة إلى ستّة أجزاء ...، وتأتي عبارة بسم الله الرحمن الرحيم مرّةً في اللغة الأصليّة، ومرّةً مترجمة إلى الصربوكرواتيّة، وفي نهاية الطبعة -وبالتحديد ما بين صفحتي 958 و976- يوجد فهرس وكاشف للآيات والكلمات، كما يوجد في الصفحة 977 توضيح على آيات السجدة ... ومن الملاحظات على هذه الترجمة -أيضًا- أنّ كلّ آية منها تبدأ من أوّل
السطر، وليست متعاقبة، ونجد أنّ السورة قد قُسِّمت إلى أجزاء حسب مضمونها وطولها؛ بحيث يحمل كلّ جزء عنوانًا خاصًّا، فمثلًا: نجد أنّ سورة النازعات قد قُسِّمت إلى جزأين مع 64 آية: الجزء الأوّل منها يحمل عنوان: «الزلزلة الكبيرة»، بينما يحمل الجزء الثاني عنوان: «الكارثة الكبرى»، وتجدر الإشارة -هنا- إلى أنّ بعض الآيات قُسِّمت إلى عشرة أجزاء أو أكثر؛ بينما لم يشمل التقسيم بعض الآيات الأخرى»
.3. ترجمة القرآن من العربيّة إلى الصوبوكرواتيّة:
أمّا الترجمة الثالثة والمهمّة؛ وهي من العربيّة إلى اللغة الصربوكراوتيّة، فقد ظهرت مباشرةً بعد الترجمة الثانية، ففي «سنة (1937م) وبعد عدّة شهور -فقط- من صدور ترجمة بانجا وتشاوشفيتش صدرت ترجمة أخرى للقرآن دون تفسير للحاج علي رضا كارابك؛ بخمسة آلاف نسخة، ومع أنّ المترجم قد ذكر أنّه قد ترجم القرآن من العربيّة، إلا أنّ هذه الترجمة تكاد تكون تقليدًا لترجمة لوبيبراتيتش، ولذلك فقد اعتبرت مجرّد تبديل سطحيّ لترجمة لوبيبراتيتش ... كما أنّ ترتيب السور عند كارابك مُرقّم بالأرقام الرومانيّة، وهو يسمّي السورة رأسًا؛ كما عند لوبيبراتيتش، إلا أنّه يختلف عنه بوضع التسمية العربيّة (سورة) بين قوسين»
.
بعد تطوّر الترجمات في اللغة الألبانيّة واللغة الصربوكرواتية، توالت «الترجمات البوسنية للقرآن الكريم (...) بعد أنْ نضجت الظروف أكثر، بعد الحرب العالميّة الثانية؛ أي عند تأسيس فرع ومعهد الاستشراق سنة (1950م)»
. وقد أنجز بسيم كركوت (1904-1975م) -المولود في سراييفو والمتخرّج من الأزهر، والذي عمل في معهد الاستشراق في سراييفو- ترجمة متميّزة للقرآن الكريم من العربيّة إلى البوسنية مباشرة .وفي إقليم كوسوفو التابع ليوغسلافيا السابقة -الذي يتمّتع بأغلبيّة ألبانيّة مسلمة- تأسّس فرع الاستشراق في جامعة بريشتينا عام (1973م)، فازداد التواصل مع العالم العربيّ والإسلاميّ، حتّى صدرت في عام (1985م) ترجمة القرآن الكريم للمستشرق الدكتور فتحي مهدي -وهو رئيس فرع الاستشراق المذكور-، ثمّ ترجمة أخرى للحافظ حسن ناهي في سنة (1988م)، وأخيرًا ترجمة الحافظ شريف أحمدي في سنة (1988م) أيضًا
.ولم تنقطع ترجمات القرآن البوسنيّة ولم تتوقّف بعد ترجمة بسيم كركوت، إذ صدرت ترجمةٌ جديدة للباحث الدكتور أنس كارتيش عميد الدراسات الإسلاميّة في سراييفو، وهي (ترجمة لمعاني القرآن) عام (1995م)، والدكتور كارتيش من مواليد البوسنة سنة (1958م)
. كما أصدر مصطفى مليفو في سنة (1994م) في البوسنة ترجمةً آخرى للقرآن .تأتي هذه الترجمات في الوقت الذي كانت البوسنة تعيش مجزرة كبرى قام بها الصرب لم تشهدها المنطقة من قبل، هدفها إزاحة الوجود الإسلاميّ فيها، ما بين (1992- 1995م)، غير أنّ الترجمات البوسنيّة استمرّت لتعبّر عن الروح الإسلاميّة وقوّة الشخصيّة البوسنيّة، إذ «صدرت في سراييفو في أيلول سنة (2004م) ترجمةٌ جديدة للقرآن الكريم أنجزها الدكتور أسعد دوراكوفيتش - رئيس قسم الاستشراق في جامعة سراييفو وعضو مجمع اللغـة العربيّـة بدمشق- والتـي عُـدَّت حـدثًا ثقافيًّا بوسنيًّا إسلاميًّا»
. والدكتور أسعد دوراكوفيتش -كما وصفه الدكتور الأرناؤوط في معرض حديثه عن ترجمته- «قـد خصَّص بوعي حياتَه لخدمـة اللغـة العربيّة والثقافة العربيّة الإسلاميّة، ومع أنّه لم يكنْ في ذهنه سابقًا مشروع ترجمة القرآن، ولكنْ بعد إصداره للعديد من الترجمات من الأدب العربيّ القديم والحديث، والتي أثبت فيها قدرةوجدارة على نقل أصعب ما في الأدب العربيّ (المعلَّقات) إلى اللغة البوسنيّة؛ بأسلوب شاعريّ يسمح لهم بتذوّق مثل هذا الأدب، قرّر دوراكوفيتش المضيّ في أهم تحدٍّ؛ وهو إنجاز ترجمة جديدة مختلفة للقرآن الكريم ...، مع تميّزه عن غيره بتمكّنه من اللغة البوسنيّة وتقاليدها الأدبيّة، علمًا أنّ الترجمات السابقة ركّزت على نقل المعنى الدينيّ المقدّس، ولم تهتم كثيرًا باللغة البوسنيّة التي يُنقل إليها المعنى. ويرى دوراكوفيتش أنّ هذا التركيز على نقل المعنى الدينيّ المقدّس جاء نتيجة أمرين: الأول؛ وهو أنّ الذين أنجزوا الترجمات السابقة كانوا في تكوينهم علماء دين، ولذلك انعكست طبيعة دراستهم على ترجماتهم في التركيز على ما هو دينيّ على حساب ما هو لغويّ أدبيّ جماليّ. والثاني؛ هو اقتناع هؤلاء بأنّ أسلوب القرآن في العربيّة معجز غير قابل للنقل إلى لغة أخرى، ولذلك اكتفوا بالتركيز على نقل معانيه. وهو يعتقد أنّه أفاد من دراساته وترجماته السابقة في إثبات تفوّقه واستخدام لغة بوسنيّة شاعريّة جميلة، وأنّ القرآن كلمة الله يستحقّ أن يصل إلى القارئ البوسني وغيره في أفضل أسلوب، وفي لغة شاعريّة تؤثّر عليه بجماليّتها... ولأجل ذلك فقد اعتمد دوراكوفيتش الترجمة الشاعريّة، وجعل بعض السور بوزنٍ واحد، وبعض السور بأوزان عدّة، واعتمد ترتيب آية مقابل آية، وصفحة مقابل صفحـة، ولم يقـم بالشرح كثيرًا، ولم يضع هوامش، لا في يمين الصفحة، ولا في أسفلها؛ إلا في بعض المواضع التي رآها ضروريّة، وصنع أرقامًا صغيرة أحال معها القارئ إلى ملحق صغير في الصفحات الواقعة ما بين (312- 613) لتوضيح بعض الأمور وشرحها»
.لقد تأرجحت مشاريع ترجمات القرآن إلى لغات البلقان بين التطوّر والركود؛ حيث إنّه توجد فجوة في إصدار الترجمات ما بين سنة (1937م) وحتّى أوساط سبعينات القرن المنصرم -وهي فترة حكم الأحزاب الشيوعية في البلقان-، فقد ضعفت الترجمة، وقلّ عددها، ولكنّها عادت تدريجيًّا حتّى ازدادت في بداية تسعينات القرن المنصرم -أي بعد زوال تلك الأحزاب عن السلطة-. ونجد أنّ أكثر الترجمات كانت في البوسنة، إذ جاءت للتعبير عن إثبات الذات الإسلاميّة والهويّة البوسنيّة في أصعب الظروف.
ويمكن إيجاز ما تقدّم في هذه الدراسة من نتائج ضمن نقاط؛ أبرزها:
1. إنّ ترجمة القرآن إلى غير اللغة العربيّة تعتبر في غاية العسر؛ لكون إعجازه يكمن في فصاحته وبلاغته.
2. كان أهل هذه المنطقة يقرأون القرآن باللغة العربيّة؛ ظنًّا منهم باستحالة ترجمته.
3. كانت بداية ترجمته إلى اللغة الألبانيّة على يد مترجم مسيحيّ؛ لاعتقاده بأنّ القرآن الكريم يخصّ الثقافة القوميّة الألبانيّة.
4. توالت ترجمة القرآن الكريم إلى العديد من لغات البلقان، حيث تمّت ترجمته إلى اللغة الصربوكرواتيّة والبوسنيّة، من أصل غير عربيّ؛ كحال باقي الترجمات.
5. في بداية الربع الأوّل من القرن العشرين بدأت تظهر ترجمة القرآن الكريم من اللغة العربيّة مباشرة، فكانت أوّل الترجمات إلى اللغة الألبانيّة، ومن ثمّ البوسنيّة، فالصربوكرواتيّة؛ التي كانت أهمّها.
6. بدأ تطوّر هذه الترجمات ونضجها عند تأسيس معهد الاستشراق على يد
بعض العلماء البوسنيّين، وبعد ازدياد التواصل مع العالمين العربيّ والإسلاميّ، حيث توالت الترجمات من اللغة العربيّة إلى اللغة البوسنيّة، التي كانت أكثر دقّة، لتعبّر عن إثبات الذات الإسلاميّة والهوية البوسنيّة.
(375)