محمد شحرور، دراسةُ النظريات ونقدُها

محمد شحرور، دراسةُ النظريات ونقدُها

تأليف : 

مجموعة مؤلفين

 

مقدّمة المركز

الفكر المعاصر يعتبر مكوّناً أساسياً في المنظومة الفكرية الإسلامية، والتراث المعاصر لا يختصّ بطبيعة الحال بالعالم الإسلامي فحسب، وإنّما له ارتباطٌ بجميع الثقافات والكيانات الجماعية التي تضرب بجذورها في تاريخ البشرية.

يتبلور هذا الفكر على أرض الواقع حينما تشهد الساحة ظهور فكرٍ «آخر» بصفته ثقافةً وسلسلة مفاهيم دلالية منافسة، فالزمان والمكان إلى جانب المنافسة التي تحدث على ضوء مجموعةٍ من المفاهيم التي يطرحها «الآخرون»، كلّها أمورٌ تحفّز المدارس الفكرية والثقافات الأصيلة للعمل على التأقلم مع الظروف الجديدة، وفي الحين ذاته تحفّزها على السعي للحفاظ على حيويتها وخصوصياتها التي تميّزها عن «الآخر».

لو أنّ التاريخ شهد في بعض مراحله إقبال العلماء المسلمين على التراث الفلسفي الإغريقي باعتباره نطاقاً منسجماً من الناحية الدلالية وذا مضامين عميقة لدرجة أنّ بعض الفلاسفة من أمثال الفارابي وابن رشد ولجوا في فضائه الفكري وحاولوا اقامة تعريف معانيهم وروءاهم الدينية متلائما مع هذا الآخر الدخيل، ففي العصـر الراهن باتت الثقافة والحضارة الغربيتان الحديثتان المتقوّمتان على أسسٍ علمانيةٍ وتوسّعيةٍ، تمثّلان «الآخر» بالنسبة إلينا ولسائر الثقافات غير الغربية.

النظام الدلالي المنبثق من الفكر الغربي قد أسفر عن إيجاد تحدّياتٍ كبيرةٍ لـ «ذاتنا الإسلامية» بفضل تفوّقه سياسياً واقتصادياً، ونطاق هذا التحدّي يتّسع أكثر يوماً بعد يومٍ؛ لذلك طرحت العديد من الحلول لمواجهته؛ وقد استسلم بعضهم لواقع الأمور بعد أن شعروا بالخشية من الغرور الغربي، فراحوا يبحثون عن الحلّ في العالم الغربي نفسه، لذا دعوا بانفعالٍ إلى ضرورة ملائمة «ذاتنا» مع هذا «الآخر»؛ إلا أنّ آخرين سلكوا نهجاً مغايراً ودعوا إلى تفعيل تراث «ذاتنا» وأكّدوا على أنّ الحلّ لا يتبلور في ديار منافسنا، وإنّما هو كامنٌ في ديارنا. نعم، تراثنا المعاصر هو ثمرةٌ لكلّ حلٍّ يمكن أن يطرح في هذا المضمار.

المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية افتتح في مكتبه بمدينة قم المقدّسة فرع الفكر المعاصر بهدف تدوين دراساتٍ وبحوثٍ علميةٍ حول الإنجازات الفكرية التي تحقّقت على صعيد ما ذكر إلى جانب تقييمها، وفي هذا السياق بادر الباحثون فيه إلى استطلاع المشاريع الفكرية لأبرز العلماء والمفکّرين في العالم الإسلامي من الذين تنصبّ نشاطاتهم الفكرية في بوتقة الفكر المعاصر، وثمرة هذا النشاط تنشر في إطار دراسات تتضمّن بحوثاً تتطرّق إلى بيان واقع مسيرة إنتاجهم الفكري وكيفية تبلور آرائهم بصياغتها النهائية. في هذا النمط من الدراسات عادةً ما يتمّ تسليط الضوء على مسيرة الإنتاج الفكري الهادف إلى إيجاد خلفّياتٍ ومباني فكرية ونظرياتٍ تحت عنوان «المنهجیة التأسیسیة» ويقوم الباحث فيه بدراسة وتحليل مدى نجاح الفكر المعاصر أو إخفاقه بشكلٍ صريحٍ وشفّافٍ. يتضمَّن هذا الجزء مجموعة من مختلف الآثار والنظريَّات لعدد من المفكِّرين الذين يتبنَّون مشارب فكريَّة متنوِّعة، حيث تمحورت مساعيهم البحثيَّة حول بسط شتَّىٰ المسائل المرتبطة بالعلوم المعرفيَّة.

محمد شحرور من المؤلفين المكثرين، وأنه قد ألف الكثير من المؤلفات، وسنعمل في المقالة الأولی، من خلال فكرة المنهجية التأسیسيّة،‌ مسار تبلور المشـروع الفكري لمحمد شحرور، حيث نقوم بطرح خلفياته ومبانيه وآرائه ونظرياته. وفي المقالات الأخری بینّا القضايا التي طرحها في آرائه ونظرياته، وقمنا فيها على دراسات تحليلية ذات طابع نقدي بغية أن تتّضح لنا آفاق هذا المشروع ومدى نجاحه أو فشله في رحاب أسس الثقافة الإسلامية.

وفی الختام نتقدم بالشكر الجزيل إلى جميع الفضلاء الذين أسهموا بشكل وآخر في تحقيق هـذا العمل سیما الدکتور هادي بيكي ملك آباد مدیر ملف الفکر المعاصر فی المرکز والدکتور محمدعلي محيطي حیث اهتم باعداد ابحاث هذه المجموعة.

و آخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمین والصلاة والسلام علی رسوله الأمین واله المیامین.

ذوالحجة 1442