فهرس المحتويات

رؤى نقدية معاصرة 2 العتبة العباسية المقدسة المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية نصر حامد أبو زيد دراسة النظريات ونقدها مجموعة مؤلفين
(4)

كلمة المركز7

المحرر9

الفصل الأول:

المنهجية التأسيسيّة: المشروع الفكري لنصر حامد أبو زيد

مسلم طاهري کل‌کشوندي12

الفصل الثاني:

دراسةُ نظریات نصر حامد أبو زيد، ونقدُها

القسم الأول: منهجية نصر حامد أبو زید في فهم النصوص الدینية

ـ الموضوعية والأصالة التاريخية في فهم القرآن الكريم

الدكتور الشيخ محمد جعفر عِلمي141

ـ هرمنيوطيقا وتأويل النصّ القرآني

محمّد رضا حاجي إسماعيلي - علي بنائيان الأصفهاني165

القسم الثاني: نصر حامد أبو زید وبعض نظریاته حول ماهیة   النصوص الدینية

ـ نصر حامد أبو زيد وتاريخية القرآن الكريم

أحمد واعظي199

ـ ماهیة الوحي والقرآن الکریم

عبد الله نصري233

القسم الثالث: أبو زید وتأويل خطاب المرأة

ـ دراسة ونقد  کتاب دوائر الخوف لنصر حامد أبو‌ زید

مرتضى رستگار283

(5)
(6)

مقدمة المركز 

يمثّل الفكر المعاصر واحدًا من التيارات المهمّة في المنظومة الفكرية للعالم الإسلامي. إنّ التراث المعاصر لا يختص بعالم الإسلام فقط، بل هو مرتبطٌ بجميع الثقافات والهويات العامّة المتجذّرة في العمق التاريخي. إنّ هذا التفكير إنما يكون منتجًا عند التلاقي والتلاقح مع الآخر بوصفه ثقافةً ومنظومةً منافسةً. إنّ عامل الزمان والمكان إلى جانب التنافس مع المنظومة المفهومية للآخرين، يدعو كلَّ فكرٍ وثقافةٍ متجذِّرةٍ إلى المعترك، كي يعمل على التماهي والتطابق مع الظروف الملحقة، ويعمل في الوقت نفسه على تفعيل وتمييز مدخراته في مواجهة الآخر أيضًا.

إذا كان التراث الفلسفي الإغريقي اليوناني ـ بوصفه مساحةً مفهوميةً متناغمةً وقابلةً للتفكير والتأمّل ـ يدفع المفكرين المسلمين إلى التعريف بدينهم وتعاليمهم ومفاهيمهم في ضوء التماهي معه، وقد دفع بفلاسفةٍ من أمثال الفارابي وابن رشد إلى بذل الجهود في هذا السياق، فاليوم حلّت محله الحضارة والثقافة الغربية الحديثة ذات النفَس العَلماني التوسّعي في الاستحواذ علينا نحن وسائر الثقافات غير المتغرّبة. لقد فرضت هذه المنظومة المفهومية من خلال تفوّقها السياسي والاقتصادي على نطاقٍ واسعٍ علينا نحن المسلمين تحديًّا، وهي تعمل على توسيع دائرة هذا التحدي يومًا بعد يومٍ. واستجابة لهذا التحدي نشهد مختلف الحلول التي وضعت والتي يتمّ وضعها في هذا الشأن. وهناك من استحوذت عليه السطوة الغربية وانهار أمامها بحيث لم يجد الحل إلّا في الارتماء في أحضان هذا الغرب بشكلٍ منفعلٍ والدعوة إلى التماهي بهذا الآخر. وهناك بطبيعة الحال من فكّر في

(7)

تفعيل تراثنا، ولم يرَ الحل في ساحة الخصم، وإنما رأى أنّ الحلول موجودةٌ لدينا في الداخل. وإن التراث المعاصر إنّما هو حصيلة هذه المنظومة من الحلول.

لقد بدأ قسم الفكر المعاصرـ في فرعه المركزي بقم ـ نشاطه في إطار التحقيق والتأمّل في هذه المعطيات الفكرية وتقييمها. وفي هذا السياق تم الاهتمام بمناقشة المشاريع الفكرية للمفكرين البارزين في العالم الإسلامي الواردة آراؤهم في إطار المعاصرة. ويتم نشر نتاج هذه الجهود في سلسلةٍ تضمّ دراسة وتحليل آثارهم ضمن بيان مسارهم الفكري. إن هذه الطريقة في القراءة تهتم بمسار إنتاج التفكير القائم على طرح الأرضيات والمباني والنظريات تحت عنوان المنهجية التأسيسية، وتسعى إلى دراسة مدى نجاح وإخفاق الأفكار المعاصرة بشفافيةٍ.

وختامًا أتقدّم بالشكر الجزيل لكل من ساهم في إنجاز هذا العمل وأخصُّ بالذكر منهم سماحة السيد محسن الموسوي والدكتور هادي بيكي، حيث قاما بالإشراف على هذا العمل وكذلك الدكتور مسلم طاهري حيث قام بالمتابعة والإعداد والتحرير. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلّى الله على رسوله محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله وآله الطاهرين.

 

السيد هاشم الميلاني
المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية
النجف الأشرف ـ محرّم 1441 هـ
(8)

المقدمة

إن بيان الآفاق المعرفية وهوية العلم الديني بوصفه النموذج الأسمى للإنسان المعاصر وحياته الاجتماعية من جهةٍ، والعقبات الماثلة أمامه من جهةٍ أخرى، تمثّل هاجسًا يشغل في الوقت الراهن اهتمام المجال الفكري للبلدان الإسلامية. إنّ من بين أبعاد التوصّل إلى هذا النموذج دراسةَ التحديات النظرية والمعرفية القائمة في العالم الإسلامي، والتي تبلورت في إطار المواجهة مع العالم الغربي المعاصر. كما أنّ تحليل أصداء السنن الفكرية ـ التاريخية للإسلام وتأثير الحقول المعرفية الحديثة على المفكرين البارزين من المسلمين المعاصرين سوف يكون ناجعًا في هذا المسار. على الرغم من اعتبار أبو زيد من المؤلفين المكثرين إلّا أنّنا سنقتصر في الفصل الأول ـ من خلال فكرة المنهجية التأسیسيّة ـ مسار تبلور المشروع الفكري لأبي زيد، سنقتصر على طرح خلفياته ومبانيه وآرائه ونظرياته. وفي الفصل الثاني تطرّقنا إلى بيان شتّى القضايا التي طرحها في آرائه ونظرياته، وذلك في إطار مقالاتٍ تَقوَّم البحث فيها على دراساتٍ تحليليةٍ ذاتِ طابعٍ نقديٍّ بغية أنْ تتّضح لنا آفاق هذا المشروع ومدى نجاحه أو إخفاقه في رحاب أسس الثقافة الإسلامية والأحكام الشرعية. وفي الختام أتقدم بالشكر الجزيل إلى جميع الفضلاء الذين أسهموا بشكلٍ وبآخرَ في تحقيق هذا العمل. وأقدم شكري الخاص إلى سماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد هاشم الميلاني رئيس المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية الذي حمل على عاتقه أعباء التمهيد لإنتاج مثل هذا الأثر القائم على

(9)

المنهجية التأسیسيّة، وعمد إلى التعريف بهذه المجموعة في هذا المركز، وأشكر سماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد محسن الموسوي الإصفهاني رئيس شعبة قم المقدسة في هذا المركز، وکذلک سماحة الأستاذ هادي بيكي ملك آباد مدير مجموعة الفكر المعاصر في هذا المرکز.

 

المحرر
(10)

 

 

 

 

 

 

الفصل الأول

المنهجية التأسيسيّة:

المشروع الفكري لنصر حامد أبو زيد

(11)

المنهجية التأسيسيّة:

المشروع الفكري لنصر حامد أبو زيد

مسلم طاهري کل‌کشوندي

 

المقدمة

نتعرّض في هذا الفصل إلى المنهجية التأسیسيّة في المشروع الفكري للمفكر المصري المعاصر نصر حامد أبو زيد. تسعى المنهجية التأسیسيّة إلى فهم الخلفيات والجذور المعرفية وغير المعرفية المؤثرة في بلورة فكر المفكر، والتي يمكن على أساسها دراسة مشروعه الفكري والتأمل في دلالات ومعطيات نظرياته.

ومن هنا سوف نبحث قبل كل شيءٍ في العناصر الرئيسة المؤثرة في الفضاء العلمي والفكري للمجتمع المصري، لننتقل بعد ذلك إلى الخلفيات الخاصة التي عمل نصر حامد أبو زيد على توجيه أفكاره بتأثير منها، لنشير بعد ذلك إلى المباني الأنطولوجية والأنثروبولوجية والأبستيمولوجية لنصر حامد أبو زيد، وننتقل بعدها إلى بيان المنظومة النظرية له. ومن خلال إضافة هذا القسم يتمّ التمهيد لإجراء مقارنةٍ ونسبةٍ بين مباني أبو زيد ونظرياته.

(12)

العناصر غير المعرفية المؤثرة في بلورة المشروع الفكري لأبو زيد

قال نصر حامد أبو زيد: أنا مصريٌّ، وكما هو معروفٌ فإنّ المصريين سُنّةٌ من حيث الانتماءُ المذهبي، وشِيعةٌ من حيث الهويةُ والانتماء العاطفي[1]. وعلى الرغم من محاكمته وصدور الحكم عليه بالارتداد عن الإسلام، ولكنه يصرّ على التعريف بنفسه بوصفه مسلمًا، ويؤكد على أنه نشأ وترعرع مسلمًا، وأنه لا يزال يواصل حياته على الطريقة الإسلامية، ويتمنى أن يموت على ملة الإسلام[2]. ويرى في الوقت نفسه أن القول بالفرْق بين التجارب المعنوية والمباني العقلانية التي تظهر في عقيدته ودينه بالتدريج في غاية الصعوبة، ولذلك يمكن لنا أن نرصد تعارضات هذا الجدال في جوانب وتضاعيف مؤلفات أبي زيد. وفي ما يلي نستعرض أهم العناصر الماهوية والتربوية التي شكلت الخلفية العامة لتفكير نصر حامد أبو زيد.

العناصر الفردية

تعود العناصر الفردية لتكوين تفكير أيِّ مفكِّرٍ إلى الخلفيات الشخصية له بوصفه صاحبَ مشروعٍ فكريٍّ: إنّ النبوغ، والدوافع الشخصية، والخلفية الأسرية، والتجارب الحياتية، والخصائص النفسية، تعدّ من بين العناصر الفردية في هذا الشأن[3].

وقد ذهب أبو زيد إلى الاعتقاد بأنّ كلَّ شخصٍ يتأثر في تفكيره بالتجارب التي

(13)

يخوضها في حياته، وقال بشأن تجربته الخاصة:

«بحثي العلمي جاء للحياة من خلال تجاربي الشخصية. لم يأتِ شغفي للبحث عن العدالة من فراغ، لقد كنت أبحث عن إجاباتٍ لأسئلةٍ، أسئلةٍ نبعت بالأساس من الصعوبات التي واجهتها في مشوار رعايتي لعائلتي. في البداية كان اهتمامي مُنصبًّا على عائلتي لا يتعدى حدودها، ثم تمدد هذا الاهتمام بالتدريج ليشمل مصر، ثم العالم العربي والإسلامي»[1].

إنّ التصوّف العملي من أبرز السمات التي نشاهدها في نسيج الحياة الدينية اليومية في القرى والأرياف المصرية[2]. لقد بدأت تجربة الحياة بالنسبة إلى نصر حامد أبو زيد في أسرةٍ فقيرةٍ في واحدةٍ من القرى المصرية. وقد تحدّث عن ذلك بنفسه قائلًا: لقد كان لحياتي في أسرةٍ فقيرةٍ الأثر البالغ في اهتمامي بمفهوم العدل. وقد تواصل هذا الهاجس في الحياة العلمية لأبو زيد، حتى أخذ يكرّس جميع مسائله حول هذا المفهوم، بيد أنّ اتجاه أبو زيد إلى بحث العدل وآلياته الاجتماعية، لم يكن ناشئًا من مجرد الحياة بين هذه الأسرة الفقيرة[3].

كان التقليد الشائع في القرى المصرية عندما يبدأ الطفل بالنطق يقوم على بداية تعريفه بالتعاليم الدينية من خلال حفظ القرآن والذهاب إلى المساجد لأداء الصلاة. حيث كانت هناك جماعةٌ تقيم حلقات الذكر بعد صلاة العشاء، وكان يُطلق على هذه الحلقات الصوفية مصطلح الحضرات، حيث يقف الكبار على شكل حلقاتٍ دائريةٍ، ويتابعون شيخ الحضرة في حركاته المتمايلة بشكلٍ منتظمٍ

(14)

إلى اليسار واليمين وهم ينشدون بعض الأشعار. يقول أبو زيد أنّه ترعرع ضمن هذه الأجواء بشكلٍ هادئٍ حيث كان يختزن العلم والمعرفة، بيد أنّ جذور تجارب الطفولة تبقى هي المركوزة في التفكير. ويرى أبو زيد أن اختياره لحقل الدراسات الإسلامية كان بتأثيرٍ من التربية التي تلقّاها في صغره ضمن هذه البيئة[1]. لقد فَقَد أبو زيد والده في بداية شبابه؛ الأمر الذي اضطره إلى إعالة أسرته وقال في ذلك: إن تجارب الحياة والانشغال في الدراسة قد أبعدته عن التصوّف، على الرغم من احتفاظه بالشوق والوفاء له.

وباختصارٍ يمكن القول: لقد عمل أبو زيد على ترسيخ مسلكه الصوفي في أفكاره العلمية، وقد أبرز ذلك في الكثير من أعماله، كما نرى ذلك ـ مثلًا ـ في فلسفة التأويل: دراسة في تأويل القرآن عند ابن عربي أو هكذا تكلم ابن عربي. ويأتي موقفه السلبي من التيار الفقهي المعاصر في مصر من قراءته الصوفية والروحية للدين الإسلامي.

وقد شكل طرد نصر حامد أبو زيد من جامعة القاهرة ـ بسبب كتاباته الزاخرة بنقد الأجواء الفكرية لمصر ـ منعطفًا أدّى إلى تغيير مصيره العلمي. لم تقتصر هذه الحادثة على إخراج أبي زيد من جامعة القاهرة فقط، بل تمّ نفيه من مصر، حيث اضطر إلى قضاء شطرٍ من عمره خارج الأراضي المصرية. إنّ هذه الحادثة والقضايا التي كانت قبلها والتي حدثت بعدها، تشكّل بداية التغيير الجوهري الذي طرأ على تفكيره.

بعد صدور حكم المحكمة المصرية على نصر حامد أبو زيد بالردّة، وطرده من

(15)

جامعة القاهرة، غادر مصر متوجّهًا إلى أوروبا حيث استقرّ في هولندا. وبالالتفات إلى الدراسات الاستشراقية الموسّعة هناك حول الإسلام، وجد أبو زيد الأرضية الخصبة لتجديد أفكاره وإعادة النظر فيها. وقد أضحى نشاطه الفكري في هذه المرحلة من خلال توظيف الأدوات التحليلية الحديثة ـ من قبيل: تحليل الاعتقاد، وتحليل المحتوى اللغوي، والمفهوم الدلالي وما إلى ذلك ـ في مواجهة النصوص الدينية، منشأً لتبلور الكثير من الأبحاث في هذا الخصوص.

العناصر الاجتماعية

إن هذه المجموعة من العناصر ـ التي تؤثر بدورها على العوامل الوجودية والفردية ـ تنقسم إلى أقسامٍ، من قبيل: العوامل الاقتصادية والسياسية والعسكرية والإيديولوجية وما إلى ذلك من العوامل الأخرى. وإنّ من بين الحقائق الاجتماعية في مصر ـ كما هو الحال في سائر المجتمعات الأخرى ـ وجود التيارات الفكرية المتنوعة والمتعارضة أحيانًا. وإنّ الذي يميّز مصر من سائر البلدان الأخرى، هو نوع التفكير الديني والتيار التنويري الذي تبلور طبقًا للمقتضيات المكانية والوطنية لهذا المجتمع. إنّ التعاليم الفقهية والكلامية الرسمية والمقبولة في مصر متأثرةٌ في الغالب بالمذهب الشافعي والأشعري، وكان هناك في قبال هذا الوضع على الدوام تياراتٌ هامشيةٌ من قبيل التيارات التنويرية في المجتمع المصري أيضًا. وقد تأثّر نصر حامد أبو زيد في تفكيره بكِلا التيارين في مصر، أي: الأشعرية والتنويرية، وبعبارةٍ أخرى: إنّ أبو زيد قد تأثّر بالتيار التنويري في نقده للأفكار التفسيرية والكلامية والفقهية القائمة على الاتجاهين الأشعري والشافعي.

لقد اشتهر التيار التنويري باتخاذ المنهج العقلاني في مواجهة الأمور العقائدية

(16)

والإيمانية. وقد ظهر تأثّر أبو زيد بهذا التيار واضحًا في التعاطي مع النصوص الدينية ولا سيما في أطروحته العلمية على مستوى الماجستير. فقد عمد أبو زيد من خلال التركيز على عنوان رسالته دراسة في قضية المجاز في القرآن عند المعتزلة والتي طُبعت لاحقًا تحت عنوان الاتجاه العقلي في التفسير، إلى التعريف بنفسه في هذا الاتجاه. وعليه فمن الضروري، في إطار تحليل المشروع الفكري لنصر حامد أبو زيد، أنْ نأخذ التقاليد الفكرية السائدة في البلدان الإسلامية بشكلٍ عامٍّ ولا سيما التيارات الفكرية في مصر بنظر الاعتبار.

كانت الأوضاع الاجتماعية في مصر في فترة نصر حامد أبو زيد قد شهدت الكثير من الأحداث والمنعطفات الصاخبة. فقد ولد في ذروة الحرب العالمية الثانية. حيث شغلت هذه الحرب مصر لعدة سنواتٍ. وفي عام 1952 م ـ حيث كان نصر حامد أبو زيد في التاسعة من عمره ـ شهدت مصر انقلابًا عسكريّا ضد الحكم الملكي، حيث قاد الانقلاب مجموعةٌ من الضّباط في الجيش المصري في ما عُرف بحركة الضبّاط الأحرار بقيادة محمد نجيب وجمال عبد الناصر، وقد نجح الانقلاب في الإطاحة بالملك فاروق، وتنصيب نجله الملك فؤاد بدلًا منه. وبعد فترةٍ وجيزةٍ تمّ خلع الملك فؤاد الثاني وإلغاء النظام الملكي وإحلال النظام الجمهوري محله. وقد وضع هذا الانقلاب العسكري حدًّا للتواجد البريطاني العسكري في مصر. وقد تبنّت الحكومة المصرية الجديدة التي أعقبت الانقلاب سياسةً قوميةً مناوِئةً للإمبريالية ومناصرةً للقومية العربية. وقد تحدّث أبو زيد عن تجربته في هذا الشأن قائلًا:

«أحببت محمد نجيب .. وبالقدر نفسه أحببت جمال عبد الناصر، ولم يكن

(17)

يعنيني آنذاك ما حدث في مدينة كفر الدوار[1] من قتلٍ للعمال وإعدامِ كلٍّ من خميس والبقري[2]، ولا كيف تم استبعاد محمد نجيب وحبسه في بيته. كل تلك التفاصيل قرأت عنها وعرفتها بعد أن كبرت. لكني أذكر جيّدًا فرحة الناس في قريتي ومعهم أبي لطرد الملك فاروق من البلاد يوم 26 يوليو، ثم فرحتهم العارمة بإلغاء الملكية وإعلان الجمهورية. لا أظن أن أهل قريتي شغلتهم كثيرًا الصراعات التي دارت على مستوى مجلس قيادة الثورة بين عبد الناصر ومحمد نجيب، ولا أظنهم اهتموا كثيرًا بقرار حلّ الأحزاب ولا بأزمة مارس 1954 م ... لقد كانت فرحة الناس غامرةً ... كانوا يتابعون مفاوضات الجلاء وسعدوا بالاتفاق، ولم يهتموا كثيرًا بالتفاصيل التي كان يناقشها رجال السياسة من أبناء العهد البائد. كان الفرح بـ العهد الجديد وبرجاله قادرًا على تصنيف كل العهود التي سبقت لحظة ميلاد العهد الجديد»[3].

لقد اقترن النشاط الحزبي والتنظيمي لنصر حامد أبو زيد بجماعة الإخوان المسلمين. ففي القرية التي كان يسكنها أبو زيد ـ كما في سائر القرى المصرية الأخرى ـ هناك فروعٌ وشُعَبٌ للإخوان المسلمين، وكان الناس على صلةٍ بالإخوان، ولم تكن هذه العلاقة بطبيعة الحال حزبيةً بالمعنى السياسي، وإنما هي في الغالب تأتي على شكل تعاونٍ في المجالات الدينية والثقافية والخيرية وتقديم المساعدات

(18)

للفقراء في مختلف المناسبات، وكان هذا الأمر هو الذي يرفع من رصيد الإخوان بين الناس ويوثّق العلاقة العاطفية وانجذاب الناس إليهم.

يدّعي أبو زيد أنّ علاقته بجماعة الإخوان المسلمين كانت مثل علاقة معظم الصبية في قريته في ذلك الوقت، مع فارق أنه كان يمتاز منهم بحفظ القرآن الكريم. ثم استطرد أبو زيد قائلًا: تطوّرت علاقتي بالشعبة والإخوان عقب الزيارة التي قام بها المستشار حسن الهضيبي لمحافظة الغربية بعد اختياره مرشدًا عامًّا [للإخوان]. في هذه المناسبة عقد الإخوان مؤتمرًا كبيرًا في نادي طنطا الرياضي ... بدأ المؤتمر باستعراضٍ رياضيٍّ كبيرٍ يتقدّمه الأشبال، وفي مقدمة العرض تم اختياري لأكون قائد الهتاف ... وحين مرّت مقدّمة طابور العرض أمام المنصّة رفعني بعضهم وأوقفني أمام فضيلة المرشد العام الذي صافحني بحفاوةٍ شديدةٍ وأهداني بوصلةً. ومن فرط سعادتي لم أنم طيلة الليل انتظارًا للصباح، حيث ذهبت إلى الشعبة وطلبت من الأخ إبراهيم رجب ـ رئيس الشعبة آنذاك ـ أن يرقيني من درجة شبل إلى درجة عضوٍ ... كان الارتباط الجاد بين نصر حامد أبو زيد وجماعة الإخوان المسلمين قد بدأ عندما كان له من العمر أحد عشر عامًا، بيد أنّ هذا الارتباط لم يكن على وتيرةٍ واحدةٍ .. وقد رأى أن محاولة الإخوان إغتيال جمال عبد الناصر قد أدّت إلى اعتقال عددٍ من الإخوان وهو ما ترك تأثيرًا بالغًا على نفسيته. وقد شكل موت إبراهيم رجب مسؤول شعبة الإخوان في طنطا التي بدأ أبو زيد نشاطه مع الإخوان فيها الحدث الأول الذي أسهم في تبلور تفكيره ضمن المناخ السياسي والاجتماعي في مصر[1].

(19)

التيارات المؤثرة في المسار الفكري لنصر حامد أبو زيد

لمعرفة المشروع الفكري لكلِّ مفكِّرٍ يجب البحث في التيارات المؤثرة في فضائه الفكري. يرى نصر حامد أبو زيد أنّ دراسة الآثار والأفكار في حقل الأدب قد شكّلت مدخلًا له إلى عالم الثقافة والفكر[1]. وفي مرحلةٍ مبكرة من حياته بدأ قراءة ترجمات مصطفى لطفي المنفلوطي لبعض عيون الأدب الفرنسي. يليه في الترتيب روايات جرجي زيدان التاريخية التعليمية، ثم انتقل من المنفلوطي وزيدان إلى يوسف السباعي وإحسان عبد القدوس، ثم نجيب محفوظ الذي قال عنه بالحرف الواحد إنه: «فتح عوالمَ جديدةً لوعيي برواياته التاريخية»[2]. واصل أبو زيد نشاطه في حقل كتابة القصة والشعر حتى سن السابعة والعشرين، وكانت حصيلة ذلك النشاط حصده للكثير من الجوائز في حقل الشعر والقصة.

ثم واصل نصر حامد أبو زيد مشواره من خلال قراءة كتابات نظمي لوقا وخالد محمد خالد التي كانت في حينها تثير الكثير من النقاش والاختلاف. وقد رأى أبو زيد في مواجهة الشيخ محمد الغزالي لهذه الكتابات بدايةً لاهتمامه بالفكر الديني؛ حيث بدأ قراءة كتابات سيد قطب ومحمد قطب، من قبيل: العدالة الاجتماعية في الإسلام، ومعركة الإسلام والرأسمالية لسيد قطب. كان الخطاب الديني في ذلك الوقت جزءًا من مجمل الخطاب الوطني المتبلور في العالم العربي الباحث عن التحرر الوطني والعدل الاجتماعي من جهة، ومواجهة أشكال الحكم السائدة في المجتمعات البشرية من جهةٍ أخرى. وشاهدُ نصر حامد أبو زيد على هذا الادعاء، كتاب مصطفى السباعي ـ القيادي الإخواني السوري البارز ـ تحت عنوان “اشتراكية الإسلام”.

(20)

كما رأى نصر حامد أبو زيد تجاوبًا مع اهتماماته الأدبية في منهج التحليل الأدبي للقرآن في كتاب مشاهد القيامة في القرآن، والتصوير الفني في القرآن لسيد قطب، وكذلك منهج الفن الإسلامي لمحمد قطب، قبل دخول الجامعة.

يرى أبو زيد أنّ النظرية الغالبة في المحافل الجامعية في تحليل القرآن الكريم في تلك الحقبة من مصر منهجًا من إبداع الشيخ أمين الخولي، وقد بحث نصر حامد أبو زيد عن جذور منهج الخولي في كتب محمد عبده وتعديلات طه حسين، وقال:

«إنّ بالإمكان تتبّع منهج الخولي في أعمال تلاميذه، من أمثال: شكري محمد عياد في يوم الدين والحساب في القرآن. ومحمد أحمد خلف الله في الفن القصصي في القرآن الكريم.»

وبعد انتسابه إلى الجامعة واصل نصر حامد أبو زيد مشواره العلمي على مستوى البكلوريوس والماجستير والدكتوراه في حقل العلوم الأدبية والدراسات الإسلامية، من خلال تركيزه على التراث المعتزلي. وكانت أطروحته على مستوى الماجستير تحت عنوان قضية المجاز في القرآن عند المعتزلة، تحت إشراف الدكتور عبد العزيز الأهواني، وأطروحته على مستوى الدكتوراه تحت عنوان فلسفة التأويل: دراسة في تأويل القرآن عند ابن عربي.

الدراسات الفلسفية

يتعرّض نصر حامد أبو زيد في تضاعيف كتبه إلى ذكر أسماء المفكرين الذين تأثّر بهم، حيث يرى أنه قد تأثّر في آرائه الفلسفية بمفكرين من أمثال: حسن حنفي، وعباس محمود العقاد، وطه حسين، وسلامة موسى، وعبد العزيز الأهواني،

(21)

وشبلي شميل. وإن كنت ترى في الوقت نفسه في بعض مؤلفاته مسحة من الفلسفات الحديثة أيضًا.

دراسات العلوم القرآنية والأدبية

إنّ أهم قراءات نصر حامد أبو زيد تعود إلى حقل علوم القرآن والحقول الأدبية. وبعبارةٍ أخرى: إنّ الشاخص الفكري لنصر حامد أبو زيد يقوم على الدراسات القرآنية والآداب العربية. وقد تعرّض إلى أهم الشخصيات الفكرية التي أعدّت له الأرضية إلى الدخول في هذا المعترك، ورأى أنّه قد تأثّر في هذا الشأن بمفكرين من العالمين العربي والغربي، من أمثال: الشيخ أمين الخولي، ومحمد أحمد خلف الله، وزكي نجيب محفوظ، وإبراهيم ناجي، وعلي محمود طه، وجبران خليل جبران، وأبو القاسم الشابي، والبارودي، وصلاح عبد الصبور، وأحمد عبد المعطي حجازي، وتوفيق الحكيم، وأحمد شوقي، وشوقي ضيف، وعبد القاهر الجرجاني، وحميد الدين الكرماني، والمدرسة الأدبية الروسية وأقطابها من أمثال: يوري لوتمان المختص في علم الدلالات أو السيميوطيقا[1]، والعالم اللغوي والاجتماعي ميخائيل باختين[2]، وهرمنيوطيقا هانس غادامير، ورومان إنجاردن المختص في علم الظاهريات، ومدرسة كونستانس الألمانية، وهيرش، وبول ريكور، وميشال فوكو، وإرنستو لاكلو، وموفيه، ولويس ألتوسير، وتوشيهيكو إيزوتسو، والعالم اللغوي رومان جاكوبسون،

(22)

وما بعد دو سوسور، حيث يشير في مختلف أعماله إلى آثار هؤلاء العلماء من العرب والغربيين باستمرار.

الدراسات السياسية

بالإضافة إلى الدراسات الأدبية واللغوية، كانت الدراسات السياسية والاجتماعية تشكّل هاجسًا شخصيًّا لدى نصر حامد أبو زيد، حيث كان لها بطبيعة الحال تأثیرٌ ثانويٌّ في مشروعه الفكري، إذ كان لهذه الرؤية إلى المسائل السياسية والاجتماعية حضورٌ في العالم العربي، بيد أنّ نصر حامد أبو زيد قال بأنّه قد تأثّر في هذا المجال بمفكرين من أمثال: سيد قطب، ومحمد عبده، وخالد محمد خالد، وجان بول سارتر، وبيرغسون، وإقبال اللاهوري.

العناصر المعرفية المؤثرة في بلورة المشروع الفكري لأبو زيد

يجب اعتبار المباني الأنطولوجية والأنثروبولوجية والأبستيمولوجية من أهم أسس العلوم والمعارف البشرية. وفي هذا القسم سوف نعمل ـ في إطار توضيح مباني المشروع الفكري لنصر حامد أبو زيد ـ على دراسة أبحاثه الأنطولوجية والأنثروبولوجية والأبستيمولوجية.

الأنطولوجيا

إنّ  من بين الأركان الرئيسة في تفكير كلِّ مفكِّرٍ نوعَ رؤيته إلى الوجود. إنّ هذا الركن من المباني الفكرية لكلِّ مفكِّرِ يمثّل جانبًا من الأرضية المعرفية التي تتبلور النظرية في أحضانها. إنّ الوجود بالنسبة إلى البعض وإنْ كان مشتملًا على الحدوث المادي، ولكنه يرى وجود تدخّلٍ روحانيٍّ في بقائه، وإنّ مساحة معرفته لا تنخفض

(23)

بالضرورة إلى حدود أفق هذا العالم. ولكن هناك في المقابل من يخفض الوجود وكل ما يتعلق به إلى مستوى أفق العالم المادي، ويقوم بخفض المحسوسات الموجودة في هذا العالم في أكثر حالاته الذهنية إلى مستوى الثقافة، وفي أكثر تجسيدات أبعاده إلى مستوى الأدوات والتمظهرات المدنية والحضارية. يرى القائلون بهذا الاتجاه أنّ الأبعاد الطبيعية وهذا العالم والحياة الإنسانية منزّهةٌ عن التعلقات الماورائية والغيبية. إنّ الدخول في أودية التشكيك ونسبية الفهم يؤدي إلى قتل جذور اليقين ويقطع طريق الوصول إلى حقيقة الوجود، ويترك الإنسان وحيدًا في قفصٍ حديديٍّ من مادية الوجود، وتتفاقم في كلِّ يومٍ من الأزمة المتعلقة بهويته.

ماهية الوجود

لقد تعرّض أبو زيد إلى بحث الوجود والماهية ومختلف أبعادهما عند المذاهب الفكرية المتنوّعة في العالم الإسلام، مع بيان رأيه في هذا الشأن أيضًا[1]. وقد اتّخذ نصر حامد  أبو زيد ـ في هذا الإطار ـ اتجاهًا ظاهراتيًّا لتشريح مختلف المقولات، مثل: القرآن والإنسان والتاريخ والتراث مما تحقق ويتحقق ضمن مكانٍ وزمانٍ خاصَّيْن، مستفيدًا في ذلك من مفهوم الباطن والظاهر؛ حيث يميّز بين البُعدين الظاهري والباطني عند دراسة كلِّ واحدٍ منهما في سياق النشاط الإبستيمولوجي. من ذلك أنه ـ على سبيل المثال ـ يعتبر باطن الإنسان من الحقائق الإلهيّة وظاهره من الحقائق الكونية. كما أنه يميّز بين ثنائية الوجود الأنطولوجي والوجود الإبستيمولوجي، إذ يرى للوجود الأنطولوجي استقلالًا ذاتيًّا عن الشخص المعرِّف، إلا أنه بالنسبة إلى الوجود بمعناه الإبستيمولوجي لا يأخذ بنظر الاعتبار وجودًا

(24)

مستقلًّا عن الشخص المعرِّف[1]. بعبارةٍ أخرى: إنّ الوجود في معناه الإبستيمولوجي يُناط عنده بوجود المعرِّف ومختلف أبعاد الحقيقة. فهو يرى أنّ الماضي يعمل على بلورة الحاضر بشكلٍ متواصلٍ وفعّالٍ. وعلى هذا الأساس تكون العلاقة القائمة بين الماضي والحاضر علاقةً ديالكتيكيةً بين التراث والباحث فيه. ومع افتراض قيام الوجود الحقيقي عند نصر حامد أبو زيد، فإنّه يذهب إلى القول بأن الاستفهام عن الحقيقة في دائرة مسائل من قبيل الإيمان، يختلف عن الاستفهام عن الحقيقة في دائرة علم الفلك أو علم التاريخ. فهو يرى أنّنا نتعاطى في الدائرة الدينية مع حقيقةٍ نسبيةٍ، وأنّ الأصول الاعتقادية بالنسبة إلى المؤمنين تمثّل أمورًا حقيقيةً[2].

من ذلك أنّ مكة المكرّمة تمثّل بالنسبة إلى المسلمين مكانًا مقدَّسًا له ثقله المعنوي الكبير، في حين أنّها لا تعني شيئًا بالنسبة إلى غير المسلمين[3]. ويذهب أبو زيد إلى الاعتقاد بأنّ لهذا النوع من الحقيقة دورَ المقوّم بالنسبة إلى الدين[4].

يذهب نصر حامد أبو زيد إلى الادعاء بأن الأشياء في حدّ ذاتها لا تمثّل مظاهرَ إلهيةً بالنسبة إلى المؤمنين، وإنما ارتباط الشخص بالشيء هو الذي يُعطيه معنًى إلهيًّا. فالألوهية لا تكمن في موضعٍ خارجٍ عنا، ولا تكمن في أعماق وجودنا، وإنما هي تكمن في هذا النمط من العلاقة والارتباط[5]. يرى أبو زيد أنّ الحقيقة في الدين هي في الحدّ الأدنى بحيث يُسهم الإنسان في ظهورها. وبذلك يذهب التصوّر

(25)

بنصر حامد أبو زيد إلى القول بأنّ أصولنا الاعتقادية إنّما هي حقيقيةٌ بالنسبة لنا فقط[1].

النسبة بين الوجود واللغة

تعود جذور البحث عن نسبية الوجود واللغة عند نصر حامد أبو زيد إلى تأملاته في آراء الصوفية والمعتزلة من جهةٍ، وإلى قربه الفكري من بعض المدارس من قبيل المدرسة الظاهراتية من جهةٍ أخرى. وهذا ما تعرّض إلى ذكره في بعض مؤلفاته[2]. فهو يرى أنّ اللغة لا تمثل انعكاسًا أو صدًى للعالم الخارجي والمستقلّ[3]. يذهب أبو زيد إلى الاعتقاد بأنّ إدراك كلِّ شخصٍ عن الوجود وحقيقته إنما يمثّل تمظهرًا لجانبٍ من الحقيقة الأنطولوجية المتأثرة بالمجال المعرفي، والمرتبة الإدراكية لشخص المدرِك[4]. وفي هذا الإطار وبالالتفات إلى تركيزه على مفهوم النص في القرآن الكريم، وحضور الوحي في مرآة اللغة والذي تحقق في ظرفيْن زمانيٍّ ومكانيٍّ خاصَّيْن. فهو يدّعي ـ مثلًا ـ أن تجسيد القرآن لبعض الظواهر، من قبيل: الجنة والنار والملائكة والشياطين والسحر، لا يُعدُّ توصيفًا مطابِقًا للواقع بالضرورة، وإنّما هو مجردُ خيالٍ تمّ نَسْجه بما يتناسب والفضاءَ الثقافيَّ لعصر النزول[5]. فهو يدّعي بأن هذه الألفاظ تعود إلى البنية والتركيبة الذهنية الخاصة بمرحلةٍ زمنيةٍ معيّنةٍ

(26)

في المسار التكاملي للإدراك البشري[1]. وبشكلٍ عامٍّ فإنّ النسبة بين اللغة البشرية واللغة الإلهية ـ من وجهة نظر نصر حامد أبو زيد ـ كالنسبة بين الظاهر المادي الحسّي والباطن المعنوي المتعالي[2].

يرى نصر حامد أبو زيد أنّ النص منذ اللحظة الأولى لنزوله، أي قراءة النبي له في لحظة نزول الوحي، تحوّل من نصٍّ إلهيٍّ إلى نصٍّ بشريٍّ؛ لأنه دخل بذلك مرحلة فهمه بواسطة الإنسان، وانتقل من مرحلة التنزيل إلى مرحلة التأويل. يذهب نصر حامد أبو زيد إلى القول بأنه لا ينبغي الظن ـ كما في الخطاب الديني ـ أنّ فهم النبي للنص متطابقٌ مع المعنى الذاتي للنص ـ على فرض وجود مثل هذه الدلالة ـ لأن هذا النوع من الظن يؤدي إلى نوع من الشرك؛ إذْ يعتبر القصد الإلهي والفهم الإنساني لهذا القصد واحدًا، ويضع المطلق والنسبي والثابت والمتغيّر في كفةٍ واحدةٍ، وهذا التصور ينتهي إلى تأليه النبي، وبعد هذا التقديس والتأليه يتم تجاهل حقيقة بشرية النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله[3].

تقييم المباني الأنطولوجية لنصر حامد أبو زيد

لقد ذهب نصر حامد أبو زيد ـ في ضوء الآراء العرفانية لابن عربي ـ إلى اعتبار الكلام الإلهي منشأً لظهور عالم الوجود، وقال بأنّ عالم الوجود هو عين كلام الله سبحانه وتعالى، ورأى في الحقيقة أّن الوجود شأنٌ من شؤون عِلّته، أي إنّه عمد إلى تعريف الله تعالى في إطار عبارة “كُن” الوجودية. ومن هنا لم يكن بصدد نفي منشئية الله تعالى في خلق العالم. طبقًا لهذه الرؤية، قال أبو زيد بأنّ القرآن

(27)

الكريم بدوره يمثل ظهورًا من ظهورات الكلام الإلهي، بيد أن ظاهرة وجودية مثل القرآن الذي تجلى ـ من وجهة نظره ـ على شكل لغةٍ بشريةٍ، یُعتبر نصًّا بشريًّا يُظهر مجموعةً من الحوارات المتفرّقة للنبي مع الأشخاص المعاصرين لنزول الوحي على أمد ثلاثة وعشرين سنةً من عمر الرسالة. إنّ هذا الكتاب يحمل الأفق المفهومي والمعرفي لذلك العصر، وإنّ ما وصل إلى الأجيال اللاحقة بوصفه مصحفًا يفتقر في مجموعه إلى الحجية المعرفية.

إنّ خطأ نصر حامد أبو زيد يكمن في تقليل القرآن الكريم بوصفه ظاهرةً وجوديةً ووحيانيةً ـ على ما كان يقول به ـ إلى دلالةٍ لغويةٍ. وقد أدّى هذا التقليل به من خلال نفي المرجعية المعرفية للقرآن الكريم إلى حمل جميع الاحتمالات التي يمكن حمل الظاهرة اللغوية عليها، ثمّ سرعان ما تخلى عن الناحية الوحيانية والإلهية للقرآن.

طبقًا لآيات القرآن الكريم والكثير من الروايات، فإنّ أهم وظيفةٍ وآلية للقرآن الكريم تتمثّل في الهداية الشاملة لجميع المخاطَبين من البشر، سواءً في ذلك المتواجدون في عصر النزول وغيرهم. ومن هنا فإنّ ماهية القرآن تأبى أنْ يتم التعامل معه بوصفه نصًّا لغويًّا مثل سائر النصوص المتعارفة. فإنّ القرآن الكريم يتحدث عن نفسه صراحةً، ويرى أنّه متحررٌ من قيود الزمان والمكان وحصار اللغة والآفاق المعرفية لعصر النزول. وقال العلامة الطباطبائي في هذا الشأن:

“قوله: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)[1] ذكروا أنه استئنافٌ يصف القرآن بكرائم صفاته، فصفته العامة أنه تبيانٌ لكلِّ شيءٍ، والتبيان والبيان واحد - كما قيل - وإذ كان كتاب هداية لعامة الناس وذلك

(28)

شأنه، كان الظاهر أنّ المراد بكلِّ شيءٍ كل ما يرجع إلى أمر الهداية ممّا يحتاج إليه الناس في اهتدائهم من المعارف الحقيقية المتعلقة بالمبدأ والمعاد والأخلاق الفاضلة والشرائع الإلهية والقصص والمواعظ فهو تبيان لذلك كله لا أنه تبيان لجميع العلوم. وقد توصّل القرآن الكريم إلى هذه المهمة من خلال توظيفه للغة العربية وبواسطة الكلام والدلالات اللفظية”[1].

وقال الأستاذ جوادي آملي في شرح هذه المسألة:

«إن كمال الإسلام وخلوده يقتضي أنْ يعمل القرآن الكريم ـ طبقًا لمقتضى رسالته ـ على تلبية جميع حاجات البشر. إنّ تعاليم وأحكام الإسلام لا تقتصر على بضعة أحكامٍ فقهيةٍ وأخلاقيةٍ، ولا يحتاج في تلبية الحاجات الإنسانية إلى حكمٍ من خارجه، وهذا هو معنى كون القرآن تبيانًا لكلِّ شيءٍ. بمعنى أنّ القرآن كتابٌ سماويٌّ، وأنه قدّم الأصول العامة التي تلّبي الحاجات المادية والمعنوية وكذلك الإطار الرئيس لضمانها في ضوء الاستفادة من قوّة التعقّل»[2].

الأنثروبولوجيا

كان تصوير منزلة الإنسان عند مختلف المفكرين الإسلاميين يشكّل على الدوام أولويةً بالنسبة إلى نصر حامد أبو زيد[3]. يرى أبو زيد أنّ الإنسان في

(29)

التصور الإسلامي الغالب كائٌن مكلَّفٌ، وأنّه مسؤولٌ بوصفه خليفةَ الله في عمارة الأرض. ومن تبعات هذا التصور أنّ هذا الكائن المكلف سيعمل على توظيف جميع إمكاناته وطاقاته من أجل تحقيق هذه المسؤولية، وفي ظلّ هذه الظروف يرى نصر حامد أبو زيد أن العقل لن يمتلك القدرة على التعاطي الفاعل[1]. يذهب أبو زيد إلى الاعتقاد بأنّ التاريخ الفكري للمواجهة مع الإنسان في الحضارة الإسلامية قابلٌ للاستثناءات، ويدّعي أنّ من بين أبرز تجليات النزعة الإنسانية والأنثروبولوجية بين التيارات والمدارس الإسلامية هي تلك التي تجلّت في المعتزلة. وهذا الادعاء يستند إلى توظيف العقل للمواجهة مع الإنسان وظرفياته من قبل المعتزلة.

يرى أبو زيد وجود معضلةً في الدائرة الإبستيمولوجية تظهر بشكلٍ خاصٍّ في الدائرة الأنثروبولوجية، فهو من جهةٍ حيث ينظر إلى باطنه ويسعى إلى معرفة ذاته، يجد نفسه مخلوقًا على صفةٍ إلهيةٍ، ويرى ظاهره المادي والطبيعي تبعيًّا ولا يراه أصيلًا. وهذا الأمر هو الذي يدفعه إلى التفاخر على سائر الكائنات الأخرى في عالم الوجود إلى الحدّ الذي يدعي معه الألوهية. ومن جهةٍ أخرى عندما ينظر إلى ناحيته المادية والطبيعية، يدرك أنه بالقياس إلى الله سبحانه وتعالى كائنٌ جاهلٌ وغارقٌ في الحاجات المادية والمنحطّة، وأنّه أدنى من الحيوانات والجمادات[2]. كما يذهب نصر حامد أبو زيد إلى الاعتقاد بأن القرآن الكريم يلعب دورًا بارزًا في مجال التعرّف على الإنسان بشكلٍ صحيحٍ. إنّ توجيه القرآن خطابه إلى الإنسان يأتي من جهة وجود العقل في الحياة الإنسانية.

(30)

يتحدّث القرآن الكريم عن تسبيح جميع الكائنات بحمده. لا شكّ في أن المراد من هذا التسبيح ليس قرارًا إنسانيًّا منفصلًا عن عبادة الله، بل العالم بأسره منشغل في مناسك عبادية خاصة[1].

يرى أبو زيد أن الادعاء القائل بأنّ الإنسان يمثّل جزءًا من كلِّ كبيرٍ، رؤيةٍ تغييريةٍ، بمعنى أنّها تغيّر من نظرة الإنسان إلى نفسه. وفي هذا الإطار يرى أنّ زيادة معلومات الإنسان حول بيئته في العقود الأخيرة تمثل شكلًا حداثويًّا عن هذه الرؤية، وأنّ الإنسان من خلال استهلاكه لجميع المصادر والثروات الطبيعية يلحق ضررًا بمستقبله، وأنّ إساءة استغلال المصادر والثروات الطبيعية يهدد وجودنا في نهاية المطاف، وهذا أمرٌ نعلمه جميعًا. وخلافًا لما كانت عليه فلسفة العصور الوسطى المسيحية والإسلامية من محاولة إقناعنا بأنّنا أسياد العالم، إلّا أنّنا لم نعد كذلك، وإنّما نحن جزءٌ منه لا أكثر[2]. يذهب أبو زيد إلى الاعتقاد بأنّ رسالة القرآن الكريم والشريعة الإسلامية في هذا الشأن تقوم على ضرورة أنْ يفهم الإنسان نفسه بوصفه جزءًا من الكائنات، ويعمل بما يتناسب مع هذا الفهم، لا أنْ يعزل نفسه عن سائر المخلوقات أو يرى نفسه أسمى من سائر الكائنات[3].

يذهب نصر حامد أبو زيد ـ طبقًا للقرآن الكريم ـ إلى الاعتقاد بأنّ الإنسان والحيوانات الأخرى يسهمون في ما بينهم في النسبة إلى الألوهية. فهو يرى أنّ مضمون الصور المنعكسة عن الجنّة تمثّل نموذجًا مثاليًّا عن علاقة الإنسان

(31)

بالطبيعة، والتي تظهر نفسها في المرحلة المعاصرة في الارتباط الشديد للإنسان المعاصر مع البيئة والطبيعة المحيطة به. وبعبارةٍ أخرى: إنه يعتقد أنّ الجنة هي الطبيعة البكر أو غير المحطمة في الحدّ الأدنى[1].

يذهب نصر حامد أبو زيد إلى الاعتقاد بأنّ القرآن الكريم بشكلٍ عامٍّ يؤكّد على أنّ الناس يمتلكون الظرفيات السلبية والإيجابية على السواء[2]. إنّ هذه الظرفيات تنشأ من فوارقَ إبستيمولوجيةٍ لا انطولوجيّةٍ. يرى أبو زيد أن الاختلاف بين الإنسان الكامل والإنسان غير الكامل لا يكمن في المسألة الأنطولوجية، وإنّما تكمن جذوره في الاختلافات الإبستيمولوجية. وعلى هذا الأساس يكون الكمال الإنساني أمراً متاحاً ومفتوحاً لكافة البشر[3]. إن وجود الظرفيات الإنسانية والمعرفية يمثل شرطًا لازمًا للكمال، ولكنه ليس شرطًا كافيًا، بل إنّ الاهتمام بالأبعاد الحيوانية لهذا الوجود المادي بدوره يبلغ بشروط الكمال الإنساني إلى حدّ الكفاية[4]. وإنّ اتخاذ هؤلاء القرار بفعل الخير أو الشر أمرٌ يعود إليهم، وإنهم سيخضعون في الآخرة للمحاكمة على أساس أعمالهم الصالحة والطالحة[5].

تقييم الرؤية الأنثروبولوجية لنصر حامد أبو زيد

يمكن نقد الرؤية الأنثروبولوجية لنصر حامد أبو زيد من الزاوية الدينية أو من

(32)

الزاوية غير الدينية. ومن هنا نتابع هذا الأمر من خلال السؤال الآتي:

بالالتفات إلى الخصائص والظرفيات التي يذكرها نصر حامد أبو زيد للإنسان، هل يُعَدّ هذا الإنسان في التعاطي مع الدين المقبول لله، شارعًا أو فقيهًا؟

في معرض الجواب عن هذا السؤال، يمكن للفصل بين الشريعة بوصفها طريقًا وأسلوبًا لتنظيم الحياة الاجتماعية في المجتمعات البشرية، وبين التفقّه بوصفه أداةً لفهم وكشف إطار هذا الأسلوب أن يكون ناجعًا. لذلك يمكن على أساس هذا الفصل أنْ نرى فرقًا للإنسان في البحث الديني بين مقام التشريع والفقاهة أيضًا. وعلى هذا الأساس فإنّ مقام التشريع ـ لمكان أهميته ـ يحتاج إلى عصمةٍ قائمةٍ على العلم الشامل، وإنّ الله سبحانه وتعالى هو وحده اللائق بهذا المقام. ومن هنا فإنّ الأنبياء وأصحاب الرسالات السماوية ـ بوصفهم أناسًا كاملين ـ هم وحدهم الذين يمتلكون مقام تشريع منهجٍ للحياة الاجتماعية بمعنى حجية أقوالهم وأفعالهم، وأما سائر الناس إذا امتلكوا ناصية القوى الإنسانية، فلهم ظرفية مقام التفقه في الدين والشريعة. وبذلك يكون الفقيه أدنى رتبةً من الله ومن الأنبياء؛ فهو إنسانٌ يمارس الاجتهاد لفهم الشريعة، ومن هنا فليس هناك منهجٌ أو تيارٌ في علم الأصول يعتبر الله فقيهًا، فالفقاهة صفةٌ لا تُنسب إلى الله تعالى؛ لأنّ هذه الخصيصة صفةٌ لظرفيةٍ إنسانيةٍ.

يرى أبو زيد أنّ الفارق بين الإنسان الكامل والإنسان غير الكامل ليس فارقًا وجوديًّا، وإنما هو فارقٌ معرفيٌّ[1]. إنّ غضَّ الطرف عن الإرادة التكوينية والأنطولوجية لله تعالى، القائم على عصمة الأنبياء وخفائهم، أمرٌ يسقط في حبائله تحليل أبو زيد المتمحور حول الإنسان. وبعبارةٍ أخرى: إنّ مستوى تحليل نصر

(33)

حامد أبو زيد يقف عند الإنسان المتوسط الذي نرى فيه مائزًا بين الإنسان النبي المعصوم والإنسان غير النبي الخطّاء في جهوده الاكتسابية للحصول على المعرفة، والمعيار في تقييمه هو المقدورات الإنسانية، دون المقدورات الإلهية والسماوية.

إنّ الكمال الإنساني ـ من وجهة نظر أبو زيد ـ وإن كان أمرًا متاحًا ومفتوحًا لكافة البشر، بيد أن وجود الظرفيات الإنسانية والمعرفية وحدها إلى جانب الاهتمام بالأبعاد الحيوانية لهذا الوجود المادي وحدها هي الضامنة للكمال الإنساني، وفي هذه الحالة فإنّ دعوى حاجة الإنسان إلى المصادر المعرفية الأخرى، مثل: الوحي وبقاء الطريق مفتوحًا أمام تدخّل هذا العنصر في تشكيل وبلورة الحياة الاجتماعية، تُعدُّ نوعًا من الانحراف والخطأ.

الإبستيمولوجيا

يرفض نصر حامد أبو زيد النسبية المطلقة، كما يرفض الذاتیه المطلقة. وهو على الرغم من اعتباره نفيَ الموضوعیه إثباتًا للذاتیه، ولكنه يرى في الوقت نفسه أنّ صدى العالم الخارجي والعيني ليس مستقلًّا[1]. كما يذهب أبو زيد إلى الاعتقاد بأن الموضوعیه المطلقة بدورها ليست سوى وهمٍ، ويعتبرها من مبتدعات الغرب الاستعماري[2]. كما تنتفي القراءة الموضوعیه للعالم من وجهة نظره أيضًا[3]. يُحيل نصر حامد أبو زيد الاعتقاد باجتماعية اللغة وعدم وجود ارتباطٍ حتميٍّ وعينيٍّ للتعاطي بين العالم

(34)

الخارجي واللغة إلى طائفةٍ من علماء اللغة ونحاة العرب[1]. كما تعرّض من جهةٍ أخرى إلى تلك المجموعة من المفكرين المسلمين الذين يرون وجود علاقةٍ أنطولوجيةٍ بين اللغة والوجود[2]. ولذلك فإن أبو زيد لا ينكر حقيقة الذات بوصفها باطنًا، ولا يقول بقدرة اللغة على بيان الإدراك المتطابق مع الواقع من التجليات الظاهرية. وفي مثل هذه الظروف لا يوجد لدينا طريقٌ إلى ذات عالم الوجود والطبيعة والمادة أبدًا.

وفي هذا الإطار يرى نصر حامد أبو زيد أنّ طريق الوصول إلى الحقائق منحصرٌ بالتأويل[3]. إنّه ينظر إلى مسار كشف الحقيقة في صلب التعاطي الاجتماعي والسياسي القائم في المجتمعات، ويرى خصوصية صناعية للمعرفة. ويرى لكشف الحقيقة من قِبل المثقفين مسارًا دائميًّا، ولكنه يُخضع معطيات هذا المسعى في نسبته إلى السلطة والسياسة. كما أنه يذهب إلى الاعتقاد بأنّ السلطة والحاكمية تحتاج أبدًا إلى الاستقرار والنَّظْم في المجتمع، بيد أنّ المعطيات المعرفية قد تصطحب معها الإبداع والتجديد الذي يقف في مواجهة متطلبات السلطة الحاكمة. وبعبارةٍ أخرى: إنّ مفهوم الحقيقة عند المثقف الحقيقي يتعارض مع المفهوم نفسه عند رجل السلطة والسياسة[4].

وفي ما يلي نشير إلى الأسس الإبستيمولوجية لدى نصر حامد أبو زيد من وجهة نظر جابر عصفور:

ـ إنّ لدى الإنسان القدرة على تحصيل المعرفة وأدواتها.

(35)

ـ إنّ المعرفة أمرٌ نسبيٌّ؛ لأنّها من جهةٍ بشريةٌ، ومن جهةٍ أخرى مقيَّدةٌ ومحدودةٌ بأدواتٍ هي الأخرى متحوِّلةٌ ومتغيّرةٌ. وهذا الأصل هو الذي يبرر تكامل وتقدّم البشر في آراء المتقدمين.

ـ حيث تكون المعرفة أمرًا نسبيًّا، وتتحوّل وتتكامل، يجب استخدام نوعٍ من الشك النقدي كي يغدو بالإمكان التعرّف على مواضع الخلل والنقص في أفكار المتقدمين، والتقدم بمسار المعرفة الإنسانية[1].

يذهب نصر حامد أبو زيد إلى الاعتقاد بأن مفهوم المجاز مستعملٌ عند تياراتٍ مختلفةٍ[2]. فقد استعمله المعتزلة بوصفه أداةً لغويةً لتأويل الآيات المتشابهة[3]. كما كان المجاز آليةً لغويةً للتأويل على مبنى فلسفة المعتزلة بشأن الأمر المتعالي[4]. فحيثما تناغمت الآيات مع مبانيهم اعتبروها من المحكمات، وأخذوا بها دون إجراء أيِّ تأويلٍ على ظاهرها. وأما إذا لم تتناغم مع مبانيهم الفلسفية، أدرجوها ضمن المتشابهات التي تحتاج إلى تأويلٍ بأداة المجاز.

التقييم الإبستيمولوجي لنصر حامد أبو زيد

يمكن تبويب مجموع المُدَّعَيات المعرفية والإبستيمولوجية لنصر حامد أبو زيد ضمن النقاط الآتية:

1 ـ من خلال الاتجاه الظاهراتي على الرغم من أنّ الإنسان يحمل الظرفيات

(36)

العقلانية للحصول على المعرفة، بيد أن المعرفة الإنسانية لا يمكن أنْ تكون انعكاسًا للواقع.

2 ـ لا وجود لقراءةٍ خلّبيةٍ في البين أبدًا.

3 ـ لا وجود للحقائق المجرّدة، ومن هنا لا نواجه حقيقةً ثابتةً وغيرَ متعددةٍ يمكن الوصول إليها.

في ظل هذه الظروف يجب أن يحلّ الظن محل اليقين في الحجية، وأنْ تشكل النسبية في الفهم والتشكيك المنهجي أبجديةً لتحصيل المعرفة الإنسانية. يمكن القول إجمالًا: إن هذا الاتجاه من النظرة إلى المفهوم والنص لا جذور له في تاريخ الحضارة والثقافة الإسلامية، وإنّ الأخذ به يؤدّي إلى خروج جزءٍ كبيرٍ من مصادر حجية المعرفة في هذه الدائرة المعرفية. يُضاف إلى ذلك أنّ الرؤية التعددية إلى المعرفة والحقيقة التي حظيت باستقبالٍ بعض المفكرين ولا سيما المتأخرين منهم، تحمل تناقضاتٍ هامةً تمّ التعرّض لها في النصوص المتعلقة بنقد التيارات التعددية وتيارات ما بعد الحداثة، بيد أنّنا نحجم عن الدخول في تفاصيلها هنا تجنُّبًا للإطالة[1].

مناقشة ونقد أهم نظريات نصر حامد أبو زيد

من خلال التأمّل في تراث نصر حامد أبو زيد، يمكن ملاحظة أهمّ نظرياته حول الموضوعات الثلاثة الآتية، وهي: القرآن الكريم، والسنة، ومنهجية تأويل النصوص الدينية.

(37)

القرآن الكريم

يمكن تقسيم آراء المفكرين في ما يتعلق بمسألة الوحي إلى قسمين. القسم الأول في البحث عن الصفات الإلهية على هامش صفة التكلّم الإلهي، والقسم الآخر في مباحث النبوّة وضرورة إرسال الرسل. وفي ما يتعلق بالبحث الفلسفي حول مقولة الوحي، يتم النظر قبل كلِّ شيءٍ إلى كيفية تلقي الوحي من قبل الأنبياء، في حين يبحث المتكلمون في كيفية كلام الله ومعنى التكلّم. إنّ أحد أهم الأبعاد الفكرية لنصر حامد أبو زيد هي تلك التي تدور حول محور القرآن الكريم. يخطو أبو زيد ـ معتمدًا على الاتجاه الكلامي ـ الخطوة الأولى في فهم وتفسير القرآن، بغية العثور على الإجابة الصحيحة عن السؤال القائل: ما هي طبيعة أو ماهية كلام الله تعالى؟[1]. يمكن متابعة جواب نصر حامد أبو زيد عن هذا السؤال ضمن المحاور الأربعة الآتية:

1 ـ ماهية التجربة الوحيانية.

2 ـ دور السياق والنزول التدريجي في تبلور القرآن الكريم.

3 ـ التعاطي بين النص والواقع في القرآن الكريم.

4 ـ ماهية وخصائص نصّ القرآن الكريم.

إنّ المحاور الثلاثة الأولى، أي الخوض في ماهية التجربة الوحيانية، ودور السياق والنزول التدريجي في بلورة القرآن، ثم تعاطي النصوص الدينية مع الواقع في نهاية المطاف، تلعب دورًا هامًّا في نظرية نصر حامد أبو زيد حول ماهية نصّ القرآن الكريم. وبعبارةٍ أخرى: إنّ نصر حامد أبو زيد ـ من خلال مناقشة الآراء الكلامية والفقهية والتفسيرية والتاريخية الموجودة في العالم الإسلامي التي اكتسبت أسسها

(38)

بشكلٍ رئيسٍ من القرآن ـ يسعى إلى تقديم نظريةٍ عَلمانيةٍ  في باب القرآن الكريم لا تؤدي بالضرورة إلى محاربة القرآن، وإنّما تمهد الأرضية للخروج عن تناغم القرآن الكريم وإسقاطه عن الكلية والتعميم. ومن هنا فإنّ القرآن الكريم ـ في المنظومة الفكرية لنصر حامد أبو زيد ـ مثل سائر عناصر السنة إذا أراد الاستمرار وجب عليه الحضور في الدائرة الشخصية من حياة المسلمين، وعلى شرط عدم الاستناد إليه، بحيث يؤدي إلى انتهاك الحقوق الفردية للآخرين، وأما إذا أدّى إلى نمذجة أساليب الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فإنّ هذا سيشكّل ـ بزعم نصر حامد أبو زيد ـ دليلًا على انحراف المسلمين عن القرآن الكريم، ويجب الحيلولة دون ذلك بشتى السبل. وفي ما يلي نستعرض أدلة نصر حامد أبو زيد حول كلِّ واحدٍ من المحاور الأربعة أعلاه، مع مناقشتها ونقدها.

ماهية التجربة الوحيانية

إنّ المسألة الأولى التي يتعيّن على الباحث أنْ يحدّد نسبته إليها في حقل الدراسات القرآنية، هي التأمّل في مقولة الوحي وماهيته. هناك من يعتقد أنّ هذه المسألة البحثية في المرحلة الحديثة على الرغم من جميع التغيّرات المستحدثة وغلبة الأساليب والمناهج الفلسفية واللغوية الحديثة، لم تؤدِّ إلى فقدان النصّ القرآني لمرجعيته في المنظومة الثقافية العربية[1]. يعتبر الوحي من وجهة نظر نصر حامد أبو زيد نوعًا من التجربة المعنوية. وعلى هذا الأساس تحظى عنده دراسة التجارب المعنوية الثابتة في التاريخ الإنساني بأهميةٍ بالغةٍ[2].

(39)

يُعدّ الوحي من وجهة نظر نصر حامد أبو زيد تجلّيًّا لمرتبةٍ من الوجود[1]، وهو حصيلةُ تجربةٍ وحيانيةٍ، لتنظیم جانبٍ من تعامل النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم  مع أبناء عصره. يذهب نصر حامد أبو زيد ـ طبقًا لآراء ابن عربي ـ أنّ النزول الوحياني للقرآن لم يكن نزولًا واحدًا وإلى الأبد، بل هو نزولٌ متواصلٌ ومستمرٌّ على قلوب أمّة النبي الخاتم إلى يوم القيامة[2]، وهو النزول الذي أعد الأرضية إلى الارتباط بالمستوى الباطني للقرآن منذ بداية الوحي القرآني[3]. وبعبارةٍ أخرى: إنّ هذا القرآن بوصفه ظاهرَ الكلام الإلهي، يُعدّ بعد نزوله في التاريخ والثقافة الإنسانية الوسيلة الوحيدة المتوفرة في أيدينا للوصول إلى مستوى باطن الكلام الإلهي؛ لاحتوائه على الأدلة القرآنية وعلى الحقائق الإلهية[4]. يرى أبو زيد أنّ هذه التجربة محصورةٌ من جهةٍ بثقافة عصرها، ومن جهةٍ أخرى فإنّها بعد تبلورها ضمن الكتاب الموجود قد تركت آثارها على الحضارة الإسلامية[5]. إنّ إمكانَ وقوع التجربة الوحيانية من وجهة نظر نصر حامد أبو زيد ـ بالنظر إلى الظرفيات الإدراكية والمعنوية للإنسان ـ أمرٌ قطعيٌّ، وفي الوقت نفسه فإنّ النصوص الدينية عند نصر حامد أبو زيد نصوص بشريةٌ، ويرى ـ بزعمه ـ أنّ اعتبار المصدرية الإلهية لهذه النصوص يُخرجها عن سيطرة القوانين الثابتة والحاكمة على مسار أنسنة الظواهر.

يرى نصر حامد أبو زيد أنه منذ أن تجسَّد الوحي الإلهي في قالب النص الإنساني بدأ مسار أنسنته في التاريخ واللغة، وتركيز الأنظار على المنطوق ومداليل

(40)

المفاهيم المستعملة فيه. ومن أعراض هذا المسار على النصوص الدينية، ديالكتيك الإخفاء والكشف، وهو ليس أمرًا وجوديًّا من سنخ النزول الابتدائي للوحي القرآني، بل يستمرّ في دائرة المعرفة الإنسانية. وبعبارةٍ أخرى: إنّ معنى وباطن القرآن من وجهة نظر نصر حامد أبو زيد هو غير هذه المفاهيم التي تشكّل القرآن، بيد أنّ تاريخية هذه المفاهيم يؤدي إلى خفاء المعنى الحقيقي المراد من هذا القرآن، الأمر الذي يستدعي ضرورةَ الكشف المتجدد له في كل عصرٍ وزمانٍ[1]. إنّ تعاطي نصر حامد أبو زيد بشأن ماهية التجربة الوحيانية والتي من خلالها يقدم صورةً مختلفةً عن الوحي والقرآن الكريم يشكّل الأساس لمشروعه.

إنّ الخطوة الأولى لنصر حامد أبو زيد في تنظيره حول القرآن ذاتُ صبغةٍ كلاميةٍ[2]. والمراد من الكلام هنا هو العلم الذي يتكفل في الحضارة الإسلامية بمهمة الدفاع عن الأصول والعقائد الإسلامية. وبعبارةٍ أخرى: إنّ نصر حامد أبو زيد يبحث عن أرضيةٍ كلاميةٍ لنظرياته، ويعترف بأنّه من دون الخوض في هذه المسألة لن يتمّ حمل آرائه على محمل الجدّ. إنّه من منطلق الزاوية الأنثروبولوجية والإبستيمولوجية الخاصة، لا يرى القرآن الكريم مجردَ كتابٍ[3]، بل يراه حصيلةَ إلهامٍ هو وليدُ الحوار بين الأمر الإلهي والأمر الإنساني[4].

ومن هنا يتعرّض نصر حامد أبو زيد إلى ماهية الكلام الإلهي ونسبة الإنسان إليه[5]. يمكن اعتبار النظرة الشاملة للوحي من خصائص نظرية نصر حامد أبو

(41)

زيد. إنّه لم يجعل نقطة انطلاقته من الوحي وملَك الوحي مما هو مرتبطٌ بعالم الغيب، وإنما المخاطَب بالوحي الذي هو الإنسان بجميع خصائصه الاجتماعية والتاريخية. وعليه فإنّ المخاطَب بالوحي إمْا هو النبيُّ الأكرمُ بوصفه المتلقيَ المباشرَ للوحي، أو العربُ المعاصرون لنزول الوحي من الذين تُشكّل الثقافة العربية ذاكرتهم وبيئتهم الذهنية. وفي هذه الظروف فإنّ الفارق المفهومي الوحيد بين النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم والمعاصرين لنزول الوحي، يكمن في أنّ النبي يعيش التجربة الوحيانية مباشرةً، أما المعاصرون له فيرتبطون بتلك التجربة من خلاله. يُعدّ القرآن الكريم بالنسبة إلى نصر حامد أبو زيد نتاجًا للتجربة الوحيانية لهذه العيّنة من الناس في تلك المرحلة الزمانية والمكانية الخاصة. لذلك يذهب نصر حامد أبو زيد ـ على منوال ابن عربي ـ إلى اعتبار أنّ النبي هو خاتم الأنبياء، ولكنه لا يراه خاتمًا للولاية بوصفها مسارًا إنسانيًّا في فهم التجليات الإلهية في عالم الطبيعة، وادعى أنّ على الإنسان في كلٍّ عصرٍ أنْ يسعى إلى الارتباط المباشر بعالم الغيب؛ وعليه فلا ينبغي التقيّد بتصوير القرآن الكريم لحقائق عالم الغيب، ويجب التحفّظ على ظاهر هذه الآيات، إذْ إن الثقافة البشرية واللغة الإنسانية لا تسمح بتجاوز الآفاق المفهومية المقصورة على المجتمعات.

ومن هنا فإنّ نصر حامد أبو زيد يفسّر الوحي بحيث تكون نتيجته نوعًا من مناغمة الوحي مع التجربة الدينية. وبذلك فإنه يقول:

لقد تصور المفسرون أن الآية القائلة: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ) [1]

(42)

تتحدّث عن الوحي، في حين أن هذه الآية تتحدّث عن الكلام، وكلام الله يختلف عن الوحي. فالوحي في هذه الآية بمعناه اللغوي أو ما يُصطلح عليه بالإلهام.

وعلى هذا الأساس ينقسم الكلام إلى ثلاثة أقسام: التكلم من وراء حجاب، وقد تحقق مصداقه الوحيد في قصة موسى عليه السلام، والوحي بمعنى الإلهام، والقسم الثالث والأخير إرسال رسولٍ أو ملَكٍ ليُلهم النبي بأمرٍ بإذنِ الله. وهذا القسم الثالث هو الوحي المعهود[1]. طبقًا لهذا التفصيل يتّضح أنّ جبرائيل لم يُبلّغ النبيَّ كلماتٍ، وإنما ألهمها وأوحاها له. ومن هنا يمكن أنْ نعتبر القرآن وحيًا إلهيًّا، وأنّ كلامه ملفوظٌ من قِبل النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم[2].

التعددية في القول بالتجارب المعنوية

يرى نصر حامد أبو زيد أنّ التجربة الروحية والإيمان بالشرائع السماوية أو العمل بها يختلفان في شيءٍ واحدٍ، فإنّ التجربة الروحية مشتركةٌ بين جميع الناس، فهم متّحدون فيها، في حين أنّ الشرائع السماوية تحكي عن نوعٍ من التعدّدية[3]. يزعم نصر حامد أبو زيد أنّ صاحب التجربة يمكن أن يكون مسلمًا أو بوذيًّا أو زرادشتيًّا[4]. يرى أبو زيد أن بعض هؤلاء الأشخاص قد بلغ مقامًا وحالةً بحيث

(43)

وصل إلى عمقٍ عظيمٍ من الروحانية دون أنْ ينتميَ إلى دينٍ بعينه. إنّ هؤلاء الأشخاص قد اكتسبوا لبيان التجربة لغاتٍ وطرقًا متنوّعةً للغاية، وليس هناك من دليلٍ يدفعنا إلى الإصرار على أنّ الذين خاضوا تجاربَ روحيةً كانوا من العاملين بتعاليمِ دينٍ بعينه أو طريقةٍ بعينها[1]. يرى أبو زيد أنّ الفهم التنويري للوحي عقيدةٌ. لا ترى هذه المقولةُ الوحيَ حادثةً تكررت في الماضي عدّةَ مرّاتٍ ثمّ توقفت وتركت البشرية لحالها، وإنما ترى الوحي عنوانًا يُطلق على نشاطٍ داخليٍّ خاصٍّ للإنسان في كلِّ زمانٍ ومكانٍ[2].

وعلى الرغم من ذهاب نصر حامد أبو زيد إلى التفريق بين التجربة النبوية في الحصول على الوحي وسائر التجارب الأخرى[3]، ولكنه يزعم أنّ جميع الأشخاص يتمتّعون بقابلية النبوّة والتعرّض ليكونوا مخاطبين بالكلام الإلهي؛ لأنّ دائرة الكلام الإلهي أوسعُ وأعمُّ من الوحي الإلهي[4]. وعلى هذا الأساس فإنّ الكلمات الإلهية يتمّ إرسالها إلى جميع الكائنات في العالم وعرضها عليهم. وبعبارةٍ أخرى: من خلال الاتجاه الظاهراتي، تمثّل الطبيعة مجموعةً من كلمات الله سبحانه وتعالى يمكن لكلِّ شخصٍ أنْ يقرأها وأنْ يبنيَ تجربته الروحية على أساسها. وبهذا المعنى يرى أبو زيد أنّ جميعَ الأديان هي بنحوٍ من الأنحاء من صنع البشر، وهو يخطّئ كلّ مسعًى لفصل الدين بوصفه حقيقةً خالصةً، ويدّعي أنّ تاريخ البشر لم يشهد الدين في واقع الأمر.

(44)

نقد ومناقشة نظرية التجربة الوحيانية لنصر حامد أبو زيد

إنّ القول بالتساوي بين التجربة الوحيانية للأنبياء والتجربة الروحية الإنسانية ليس أمرًا بديعًا قام بها أبو زيد، فهي واحدةٌ من بين النظريات التي تبنّاها واختارها لنفسه. إنّ نظرية التجربة الدينية[1] حول الوحي أو النظرية غير الربانية هي النظرية الغالبة بين المتكلمين المسيحيين؛ حيث تعود بجذورها إلى أفكار المصلحين الدينيين في القرن السادس عشر للميلاد، من أمثال: لوثر وكالون، وهي اليوم شائعةٌ في المسيحية البروتستانتية على نطاقٍ واسعٍ[2]. لقد تبلور هذا النوع من النظر إلى الوحي في ضوء العلل والعوامل الخاصة من قبيل: إخفاق اللاهوت الطبيعي/ العقلي، وانتقاد الكِتاب المقدّس، والتعارض بين العلم والدين بغية الخلاص والتحرّر من الحصارات المعرفية والتحديات التي تَحيق بالدين المسيحي المحرَّف، بشكلٍ مدوَّنٍ ومتناغمٍ في الإلهيات الليبرالية[3].

ويبدو أنّ أوّل من تحدّث في حقل التفكير الإسلامي عن إحالة الوحي إلى التجربة الدينية هو محمد إقبال اللاهوري[4]. فقد تحدّث إقبال في بعض المواضع من كتابه إحياء الفكر الديني في الإسلام عن التجربة الدينية. كما أشار في معرض الحديث عن الفرق بين النبي والعارف إلى التجربة الدينية للنبي أيضًا، ومال إلى الاعتقاد بأنّ الرجل الباطني العارف عندما يتّحد بالتجربة لا يروم العودة إلى

(45)

الحياة في هذا العالم، وإذا عاد مضطَرًّا، لن يكون في عودته كبيرُ نفعٍ على جميع البشر، في حين أنّ عودة النبي تحمل معها الكثير من الإبداع والثمر. إنّ تفجُّر الطاقات الداخلية لدى النبي تثير هزّةً في العالم وتكون من الدقة والتنظيم بحيث تغيّر العالم البشري بأسره[1]، ومن هنا فإنّه عندما يتم النظر إلى الوحي بوصفه تجربةً دينيةً، فمن الواضح أنّه لا يمكن نقلها إلى الغير. فالحالات الباطنية أشبهُ بالحالات العاطفية منها إلى الحالات الذهنية والفكرية. إنّ التفسير الذي يقدّمه العارف أو النبي عن محتوى وعيه الذاتي الديني قد يمكن بيانه ونقله إلى الآخرين عبر الكلمات والعبارات، إلّا أنّ نفس المحتوى لا يقبل النقل[2].

وقد ذهب بعض الكُتّاب المعاصرين إلى الاعتقاد بضرورة التخلي عن النماذج التقليدية، والنظر إلى ظواهر من قبيل الوحي من زاوية التجربة الدينية: على طول التاريخ عندما كان أتباع الأديان يرومون التعرّف إلى ماهية الوحي، كانوا يعمدون إلى تفسيره بواسطة الأدوات المعرفية المتاحة لهم. واليوم إذا تمّ الاعتراف بنموذجٍ معرفيٍّ آخرَ من قبيل التجربة الدينية، وجب الاقتراب من الوحي عبر هذه القناة، والنظر إلى جميع المسائل من هذه الزاوية[3].

هذا وقد عبّر كاتبٌ آخرُ عن الوحي بالتجربة الدينية، قائلًا:

«ولذلك فقد استند كبار علمائنا إلى التجربة الدينية والتجربة الوحيانية للنبي، واعتبروا النبي هو الذي يحصل على معلومات خاصة

(46)

من قنوات خاصة لا يمكن للآخرين أن يحصلوا عليها. وعليه فإن مفهوم شخصية ونبوّة الأنبياء ورصيدهم الوحيد هو الوحي أو ما يُصطلح عليه حاليًّا بـ(التجربة الدينية)[1]».

وفي هذا التعريف للوحي والذي يعبّر عنه صراحةً بالتجربة الدينية، يرى النبي وكأنه يظن أو يتخيّل أو يتصوّر أو ... أنّ شخصًا يقترب منه ويهمس في أذنه أو يلقي في روعه ببعض التعاليم والأوامر. وعلى هذا الأساس فإنّ القرآن الذي هو تجربةٌ نبويةٌ، إنّما ينبثق من ذاته، فهو في الواقع ترجمانٌ لتجربة الوحي، وليس هو الوحيَ نفسَه! وبعبارةٍ أخرى: إنّ القرآن الكريم ينبع من الضمير اللاواعي للنبي، حتى يبلغ شخصيته الواعية.

وقد كان نصر حامد أبو زيد من بين الذين قالوا بالتجربة الدينية في تفسير الوحي. بيد أن تفسير الوحي بوصفه تجربةً معنويةً لا ينسجم مع بيان الوحي التشريعي والقرآني؛ وذلك لأنّ لتفسير وكلام وتدخّل النبي تأثيرًا في التجربة الدينية، وإنّ هذا النوع من الوحي لا يكون وحيًا خالصًا ومن دون شائبةٍ، وهو مخالفٌ لصريح مدلول الآيات القرآنية. ويمكن الإشارة في هذا الشأن إلى مثل قوله تعالى:  (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ )[2]. وعلى افتراض القبول بتفسير الوحي على أساس التجربة الدينية، يجب اعتبار التجربة الوحيانية للنبي الأكرم مؤثرةً وناجعةً في حدود نظرية الإصلاح الاجتماعي في مجتمع عصر النزول، وأنّ النبي الأكرم هو مجردُ مصلحٍ في مجتمعه[3].

(47)

ربما أمكن لنا إحالة السبب الأهم في إصرار نصر حامد أبو زيد على إمكان خوض التجربة الدينية لكلِّ شخصٍ في كلِّ مكانٍ وزمانٍ، إلى اتجاهه في الروحانية الصوفية التي يعتبرها حلالة لمشاكل المجتمع البشري الراهن[1]؛ لأنّه يذهب من خلال قراءته لآراء أمثال محيي الدين بن عربي إلى الاعتقاد بأنّ الأصل الأهم في جميع الأديان والمذاهب هو أصل العلاقة القائمة بين الخالق والمخلوق على أساس المحبة. وهو الأصل الذي سبق لابن عربي أنِ اعتبره مبلورًا لتصوُّره عن كيفية الوصول إلى الحقيقة. وفي هذا السياق عمد نصر حامد أبو زيد إلى التمييز بين الدين الإلهي الواحد وبين الأديان التشريعية المتعددة، واعتبر أنّ التجربة الروحية تمثل نقطة الاشتراك بين الأديان المختلفة. وفي هذا المجال رأى أنّ التفكير السلفي والتفكير الغربي بشأن التعارض بين الإسلام والحداثة من أكبر الموانع في طريق العثور على التجربة الروحية في العالم المعاصر.

إنّ توظيف نصر حامد أبو زيد لهذه النظرية يشتمل على عدّة وجوهٍ: فهو يزعم أنّه من خلال إحياء هذه النظرية يسعى إلى كسر حاجز المرجعية التاريخية للقرآن الكريم في حقل العقلانية الفقهية في التيارات الإسلامية. إنّ رفض القرآن الكريم والتخلي عنه بوصفه جامعًا خالدًا وعالميًّا، كان من التبعات الرئيسة لهذه النظرية التي تُخرجه من الساحة المعرفية للمسلمين، وطبقًا لهذه النظرية يفقد القرآن الكريم حجيته المعرفية في مختلف الحقول ولا سيما في الحقل العملي. طبقًا لهذا المبنى سيكون هذا الكتابُ نتاجَ تجربةٍ شخصيةٍ عاشت في فترةٍ زمانيةٍ ودائرةٍ مكانيةٍ محدودةٍ، وليس له أيُّ مشروعيةٍ ومرجعيةٍ بالنسبة إلى الأجيال القادمة إلا بمقدار ما له من الواقعية التاريخية. وفي قبال هذه الرؤية تذهب

(48)

الرؤية الغالبة إلى الاعتقاد بأنّ الله سبحانه وتعالى قد أنزل على النبي في هذا الكتاب جميع الحقائق والأحكام والتعاليم والأخلاق وكل ما هو ضروريٌّ للإنسان في الوصول إلى الكمال والحياة المعقولة. وفي ما يلي نشير إلى بعض الانتقادات على رؤية نصر حامد أبو زيد في اعتبار الوحي النازل على النبي الأكرم مجردَ تجربةٍ، وإبقاءِ الباب في هذه التجربة مفتوحًا أمام كلِّ من هبَّ ودبَّ.

إشكالات نظرية فتح باب التجربة الوحيانية لجميع الناس

تَرِد على النظرية القائلة بأنّ الوحي يندرج في إطار التجربة والمكاشفة النفسانية والإلهام العرفاني، إشكالاتٌ متعددةٌ:

1 ـ إنّ هذا الموضوع يمثّل حُكمًا غيَر مبرَّرٍ، حيث نعمل على تسرية الحدود والشرائط الحاكمة على علاقاتنا العلمية في حقل العلوم البشرية إلى حقل معرفة الوحي التشريعي للأنبياء الذي له ماهيةٌ لا يمكن لنا الإحاطة بها أبدًا. إنّنا نعرف الوحي من خلال آثاره، وهذه الآثار تعبّر عن هذا المعنى وهو أنّ ظاهرة الوحي لا تدخل في مدار وأفق العلوم العامّة للبشر، ولا يقبل قوانينها. إن الوحي بحسب المفهوم الذي يصوّره القرآن الكريم على هذه الشكلة: اللفظ والمعنى من الله، وليس للنبي غير دور المتلقي والحافظ والمبلّغ، ومن هنا لا يمكن للقوى البشرية أنْ تترك تأثيرها على الوحي، وإلّا لما وصل خطاب الله الحقيقي إلى الناس، وبالتالي سيكون الهدف من الوحي والبعث لغوًا، وهذا أكبرُ نقصٍ للوحي. يُشار إلى أنّ هذا النوع من الرؤية القرآنية إلى الوحي يخضع للبحث العقلي المستدَلّ في باب التوحيد والمعاد من قِبل العلماء المسلمين، وليس هو مجردُ دعوًى من دون دليلٍ، حيث تتضح هذه الحقيقة من خلال نظرةٍ إجماليةٍ نُلقيها على كتب الفلسفة والكلام الإسلامي.

(49)

2 ـ إنّ الوحي هو ذلك السنخ من الوعي والإدراك الفجائي وغير المتوقع بالنسبة إلى موضوعٍ لا يخضع للتفكير ولا يقبل الاكتساب؛ إذْ ينشأ من إفاضة المبدأ الغيبي، دون أن يكون للمتلقي النبي تدخُّلٌ أو تأثيرٌ فيه سوى القبول المطلق، في حين أنّ موضوع الإلهام والكشف العرفاني قابلٌ لإجالة الفكر أو البحث بطريق السلوك العلمي والرياضات المعقولة أو غير المعقولة، وكل مراد أهل الطريقة هو الدعوة إلى اكتساب هذه المقدمات.

3 ـ قد يكون الإلهام حصيلة الإلقاءات والوساوس الشيطانية، أما الوحي الإلهي فهو ـ بالالتفات إلى مبادئه المستدَلَّة ـ مَصُونٌ من تدخَّل الشياطين والظنون والأوهام الباطلة، وإنّ الله قد تكفّل بجميع الضمانات اللازمة والضرورية لحفظه. وعليه فإنّه بالالتفات إلى الاختلافات بين الوحي والإلهام والمكاشفة العرفانية وإلى أنّ معاني وألفاظ القرآن من الله سبحانه وتعالى، لا يمكن للوحي أنْ يكون أمرًا تجريبيًّا وبلا واسطة ومفتوحاً على الجميع. وبعبارةٍ أخرى: إنّ من بين خصائص الأنبياء ـ عليهم السلام ـ التي تميّزهم من سائر المصلحين والمفكّرين والمنظّرين في حقل الاجتماع، أنهم يحصلون على تعاليمهم وبرامجهم من عالم الغيب وما وراء الطبيعة، وأنّ أوامرهم ليست وليدة أفكارهم وأذهانهم، بل إنّ كلّ ما يقولونه صادرٌ من جهةٍ عليا، حيث تنزل على قلوبهم.

هناك في العالم نوعان من المصلحين، النوع الأول: هم المصلحون الذين ينسبون برنامجهم الإلهي إلى العالم الأعلى، والنوع الآخر: هم الذين يقولون بأنّ برنامجهم الإصلاحي منبثقٌ من بنات أفكارهم. أما المجموعة الأولى فتسعى إلى تطبيق برنامجها من خلال الإيمان بالله والعالم الآخر والوعود الإلهية، في حين أنّ المجموعة الأخرى تروم بلوغ أهدافها وغاياتها من طريقٍ آخرَ. فإذا كان الوحي وليد النبوغ، فلِمَ تنسبه

(50)

المجموعة الأولى إلى عالم الغيب؟ إنّ تصوّر أنّ هؤلاء الأشخاص إنما نسبوا نتاج نبوغهم إلى عالم الغيب عن توافقٍ وتواطؤٍ سابقٍ لا يعدو أنْ يكون مجردَ توهُّمٍ لا يقوم على أساسٍ متينٍ؛ إذ كيف يمكن لعدّة آلاف من الأشخاص ينتمون إلى مناطقَ مختلفةٍ ومتباعدةٍ وعلى أمد أزمنةٍ مختلفةٍ أن يُجمعوا على أمرٍ واحدٍ، ويرفعون شعارًا واحدًا، ويدّعون أنهم رسل الله إلى الناس قائلين: (إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ)[1].

إنّ نظرية التجربة الدينية ليست شيئًا بديعًا، إنّما سبق لها أنْ طُرحت في العصر الجاهلي بشكلٍ من الأشكال أيضًا. غاية ما هنالك أنّها كانت تُطرح سابقًا في إطارٍ علميٍّ في ظاهره. فقد نسب عرب الجاهلية قدرة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله في حقل الفصاحة والبلاغة إلى التجربة الشعرية والقريحة البديعة للنبي وقالوا بأنّه شاعرٌ. وقد نقل الله ذلك عنهم، وردّ عليهم بأنّ القرآن أسمى وأرفع من أن يكون نتاجَ قريحةٍ شعريةٍ، أو أن يكون مقام النبي على مستوى مقام الشاعر؛ إذ يقول سبحانه وتعالى:  (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ)[2]، وقال أيضًا:  (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ)[3].

لا يمكن للنوابغ أنْ يخبروا عن المستقبل بضرسٍ قاطعٍ أبدًا، وإن أخبروا عنه فإنهم يقرنون إخبارهم بعباراتٍ من قبيل: ربما أو يبدو أو نحتمل وما إلى ذلك من عبارات الشك والترديد. في حين أنّ الأنبياء ـ عليهم السلام ـ يُخبرون عن مستقبل أمّتهم بشكلٍ قاطعٍ لا يَقبل الشك والتردّد، كما في قوله تعالى حكاية عن نبيه صالحٍ عليه السلام: (تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ) [4].

(51)

لا يمكن لأيِّ نابغةٍ أنْ يُخبر بهذه الصيغة القاطعة عن جماعةٍ وعلى هذا النحو الذي يبين فيه حتى الوقت والمدّة الزمنية الدقيقة، وكذلك بالنسبة إلى إخبار النبي الأكرم صلى الله عليه وآله عن انتصار الروم في فترةٍ قريبةٍ. إنّ هذا النوع من الإخبار القطعي من خصائص أنبياء الله حيث يميطون اللثام عن واقع الأحداث في ضوء ارتباطهم بمبدأ العالم، وإنّ مصدر هذا الإخبار الغيبي ليس شيئًا آخرَ غير الوحي الإلهي. وعلى كلِّ حالٍ فإنّ الوحي من وجهة نظر القرآن الكريم طريقٍ خاصٍّ لإلقاء الخطاب الإلهي إلى الأنبياء حيث يكون اللفظ والمعنى كلاهما من قِبل الله سبحانه وتعالى.

رفض لا واقعية الوحي في دائرته اللغوية

إنّ نقطة بيان الوحي عند نصر حامد أبو زيد لا تبدأ بماهية الوحي ولا بمساره، بل بمتلقِّيه الذي هو الإنسان النبي. وقد تعرّض أبو زيد في هذا السياق إلى ردّ واقعية الوحي في الدائرة اللغوية، في حين أنّ واقعية الوحي في الدائرة اللغوية ليس من صلاحية متلقِّي الوحي أو ظرفياته، بل إنّ البحث فيه يرتبط بإرادة مرسِل الوحي وكيفية ترتيب مساره الذي ينتهي إلى ظهور كتابٍ مثل القرآن الكريم. وعلى الرغم من وضع نصر حامد أبو زيد للبحث عن المراحل السابقة لهذا المسار ـ ونعني به الإرادة الإلهية وإنزال الوحي ووسيلة إرساله وما إلى ذلك ـ بين قوسين، دون أنْ يكون له تعرّض إلى ذلك، إلّا أن التداعي المنطقي لنسبة خلق الألفاظ الإنسانية من قِبل النبي للمعاني الإلهية التي تمّ وحيها، يُعدُّ تعرُّضًا واعتداءً واضحًا على الإرادة الإلهية القائمة على عصمة الوحي إلى جانب معاني القرآن الكريم.

خلافًا لنظرية المعتزلة القائلة بحدوث القرآن الكريم، والتي حاولت المعتزلة

(52)

من خلالها فتح طريقٍ أمام إحالة المرجعية المعرفية لألفاظ القرآن الكريم إلی طريق ظاهر الألفاظ التي تمّ وحيها في القرآن الكريم، فإنّ اتخاذ اللاواقعية في المرجعية المعرفية لألفاظ القرآن الكريم من قِبل نصر حامد أبو زيد، سيؤدي إلى ظهور نظريةٍ حديثةٍ عن ماهية الكلام الإلهي القائم على نظرية الأشاعرة “الكلام الأنفسي الإلهي”، سيتم فيه تحويل الوحي من ظاهرةٍ معرفيةٍ وحيويةٍ وناظرةٍ إلى الحياة الإنسانية إلى ظاهرةٍ غيرِ معرفيةٍ تفوق الزمان والمكان، ولا يوجد أيُّ طريقٍ إلى معرفتها.

إنّ هذه الرؤية إلى القرآن ليست مستحدثةً؛ لأنّ أصحاب الظاهر والأشاعرة بين أهل السنة والأخباريين من الشيعة، كانوا يرون قداسةً لوجود القرآن، حتى أنهم لم يكونوا يرون ألفاظ القرآن كافيةً لفهم معانيه، بل كانوا يعتبرونها في الأساس خارج دائرة الفهم البشري؛ لأنّهم يرون أنّ المعنى الحقيقي لها هو من سنخ وجودٍ ثابتٍ في اللوح المحفوظ فقط، وهذه الألفاظ يستحيل أنْ يصل الإنسان من خلالها إلى تلك الحقيقة الوجودية المتعالية. إنّه على أساس الهواجس العاطفية والنفسية وحدها يمكن التمسّك بالفلسفة الإسمانية[1] البسيطة تجاه ظواهر الآيات، وهي الآيات ذات المعاني المتعالية الملغزة وغير القابلة للفهم. والذي يثير العجب هنا أنّه على الرغم من تعرُّض نصر حامد أبو زيد إلى نقد الاتجاه الأنطولوجي الأشعري والظاهري في ما يتعلق بالنصوص الدينية، إلّا أنه في ما يتعلق بفهم معنى النص يقع في ذات الخطأ الإبستيمولوجي الأشعري والظاهري أيضًا، وخلافًا للمعتزلة ـ من أمثال القاضي عبد الجبار الأسدآبادي ـ فإنّه لا يرى للنصوص الدينية حجيةً

(53)

معرفيةً، ومن خلال تكراره لمعطيات أصحاب الظاهر واجترارها بلغةٍ عصريةٍ يعمل على إخراجها من دائرة الفهم البشري!

وفي ما يلي ـ وفي إطار البحث عن دلالات التجربة الدينية ـ يتمّ طرح هذا السؤال القائل: هل يمكن اعتبار جميع الناس من النوع المتوسط حاملين للوحي بمعناه الخاص؟ وأن الله تعالى لم ينزل الحقائق الواقعية وحيًا إلى الإنسان ضمن قوالبَ لفظيةٍ؟ وهل يجب النظر إلى القضايا الوحيانية مثل تلك الموجودة في القرآن الكريم بوصفها مجردَ توصيفٍ بشريٍّ زاخرٍ بالآثار الثقافية لأمّةٍ بعينها، وقد تم كشفها في إطار التجربة؟

يبدو أنّ القول باعتبار مبدأ الوحي والتجربة شيئًا واحدًا يمهّد الأرضية إلى القول باتحاد هذين المفهومين. في حين أنّ اعتبار وحدة مبدأ هذين النوعين من التجربة يجب أنْ يؤدّيَ ـ بالإضافة إلى ملاحظة المراتب المتنوّعة لارتباط الإنسان بالله تعالى ـ إلى التأمّل في ارتباط ونسبة هذه المراتب أيضًا، كي لا ينتهي الأمر إلى حذف أو تفوّق أحدهما على الآخر، ويواصل كلُّ واحدٍ منهما دوره وأداءه في الحياة البشرية. إنّ الوحي الذي يؤدّي إلى الكتاب من جهةٍ، والإلهام غير التشريعي لله سبحانه وتعالى من جهةٍ أخرى والذي ينزل من عالم الغيب، مقولتان يمكن تمييزهما وفصلهما عن بعضهما. ومن هذه الناحية حيث يتم بيان هذين المفهومين في إدارك الظواهر الطبيعية، يجب عدم الاكتفاء بطريقة التشبيه البحت.

يرى صدر المتألهين أنّ بيان الوحي في الرؤية السائدة يعاني من هذا الخلل الجاد، حيث يتم تشبيهه إمّا بالحوار بين أفراد البشر، فيتمّ تجاهل ناحيته الميتافيزيقية بالكامل، أو على العكس إذ يتم توصيفه بشكلٍ تنزيهيٍّ بحتٍ يقتصر على ظهور

(54)

الحقائق الوحيانية في مرتبة عقل النبي[1]. يُضاف إلى ذلك أنّ الرؤية الخاصة لصدر المتألهين حول دور الإنسان الكامل في انكشاف مراتب الوحي الإلهي يُشير إلى الاهتمام ببُعدٍ آخرَ من الوحي. إنّ مسار تلقّي الإنسان الكامل للوحي وسماع الكلام الإلهي من ملَك الوحي، يختلف كليًّا عن تلقّي غيره من الناس[2]، وهذا الاختلاف يؤدّي إلى عدم تحديد هذا الحوار وقَصْره على مرتبة الألفاظ والعبارات فقط. وفي الوقت نفسه يذهب صدر المتألهين إلى القول بأنّ أحد أهم الفروق بين الأنبياء والأولياء في مشاهدة وإدراك الحقائق الملكوتية يكمن في ظهور وانكشاف هذه الحقائق على أنفس الأنبياء في مرتبة الألفاظ والعبارات، على الرغم من قوله ـ في الوقت نفسه ـ بأنّ مشاهدة الحقائق الملكوتية في الرؤى الصادقة ـ التي هي واحدةٌ من أجزاء النبوّة ـ ثابتةٌ لنفوس الصالحين والأولياء أيضًا. إلا أنّ تجسُّد الحقائق الملكوتية في مرتبة الخيال وعلى شكل ملَك الوحي ولا سيما في الألفاظ والعبارات، هو من مختصات الأنبياء فقط[3].

دور السياق والنزول التدريجي في تبلور القرآن الكريم

بعد أن بحث نصر حامد أبو زيد وناقش في معطيات علم الكلام الإسلامي في دائرة الوحي والكلام الإلهي، عمد إلى بيان اتجاهه بشكلٍ أكثرَ تحديدًا. على الرغم من أنّ الكلام الإسلامي كان يحمل الهاجس الأكبر في الدفاع عن التعاليم العقائدية للإسلام، إلّا أنّ تنظيم الحياة الاجتماعية للمسلين وأساليب حياتهم كان يقع على عاتق العلوم النقلية ولا سيما علم الفقه على وجه التحديد.

(55)

لقد عمد الفقهاء ـ انطلاقًا من منظومة القضايا القرآنية والروائية واعتبار الشريعة الإسلامية ـ إلى المشاركة بشكلٍ متواصلٍ في تنظيم حياة المجتمع في إطار بنائه. إنّ خوض نصر حامد أبو زيد في دور السياق والنزول التدريجي لآيات القرآن الكريم يُشير إلى أنّ هذه المسألة قد لعبت دورًا بارزًا في الحضارة الإسلامية، وأنّها حريةٌ من وجهة نظر أبو زيد بأن تخضع للنقد والدراسة؛ إذْ إن من بين الأسباب التي جعلت قياس الغائب على الشاهد أمرًا مستدلًّا عند الفقهاء، هو هذه المرجعية[1] التي منحها الفقهاء لألفاظ آيات القرآن الكريم، وهي الآيات التي يزعم نصر حامد أبو زيد أنها ذاتُ صلاحيةٍ محدودةٍ للاستهلاك تنقضي بانقضائها.

وعلى هذا الأساس فإنّ من بين النقاط المحورية في دراسة نصر حامد أبو زيد للقرآن، سعيه إلى فتح الفضاء والظروف التي دخل الوحي من خلالها إلى دائرة التاريخ الإنساني[2]، بمعنى بداية حركة الوحي من الله تعالى إلى الإنسان، دون الحركة العكسية لدى نصر حامد أبو زيد، والتي تبدأ من الإنسان بهدف فهم النص القرآني، لتنتهي إلى مجموعةٍ من التفاسير المختلفة لهذا النص[3].

هناك أقسامٌ متنوّعةٌ للسياق، وقد تناول نصر حامد أبو زيد من بينها دراسة السياقات المشتركة والعامة، من قبيل: السياق الثقافي والاجتماعي، والسياق الخارجي “سياق التخاطب”، والسياق الداخلي “ترابط” الأجزاء، والسياق اللغوي “تركيب الجملة وارتباط العبارات ببعضها”، وسياق القراءة أو التأويل[4]. وقد عمد

(56)

نصر حامد أبو زيد إلى دراسة السياقات المشتركة والعامة من خلال بحث المسائل الثلاث الآتية: الآيات المكية والمدنية، وأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ في آيات القرآن الكريم[1].

السياق التاريخي لتبلور الوحي

لقد ذهب نصر حامد أبو زيد إلى القول بأنّ أهمية البحث عن السياق تنشأ من تجاهله من قبل التيار الفقهي في تعاطيه مع القرآن الكريم، حيث يرى أنّ المهم بالنسبة إلى التيار الفقهي هو مجرد أسباب نزول الآيات دون الالتفات إلى سياقها التاريخي، ومن هنا يذهب أبو زيد إلى الاعتقاد بأن الاهتمام بالسياق التاريخي للآيات من قِبل المتعاطين مع القرآن يضطرهم إلى الاهتمام بأسباب النزول أيضًا[2]. ينقسم البحث في السياق عند نصر حامد أبو زيد إلى مستويَيْن عامَّيْن، وهو يسعى من خلالهما في المجموع إلى إظهار السياق التاريخي للنص القرآني من خلال شخصية النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، وتعامله مع مجتمع وثقافة عصر النزول[3]. وإليك بيان هذين المستويين:

1 ـ يعمد أبو زيد في البداية إلى بحث السياق العام والكلي لنزول القرآن الكريم وتبلور النصوص الدينية التي تحتل مكانةً مميّزةً في دراسة القرآن. والمراد من هذا المستوى هو أخذ الظروف الدينية والثقافية لشبه الجزيرة العربية في القرن الميلادي السابع وقبل وبعد ظهور الإسلام بنظر الاعتبار، وهي أعم من الظروف والشروط

(57)

الداخلية من قبيل: أهمية التجارة في مكة، ووجود أتباع الديانات الإبراهيمية فيها، ومكانة قريش في الإدارة الدينية والاقتصادية لمدينة مكة، والصراع بين بني هاشم وبني أمية في هذه المدينة وما إلى ذلك من الأمور الأخرى، أو الظروف الخارجية من قبيل: موقع شبه الجزيرة العربية من الصراع بين الإمبراطوريتين الكبريين الرومانية والفارسية، وأهمية التعامل التجاري مع الشام واليمن، وما إلى ذلك.

2 ـ أما المستوى الثاني من معرفة سياق نص القرآن الكريم والسنة النبوية في رؤية نصر حامد أبو زيد، فهو مستوى النزول التدريجي لآيات القرآن الكريم، وهو المستوى الناظر إلى المنشأ التاريخي لتبلور القرآن الكريم والذي ينطوي في الغالب على هواجسَ منهجيةٍ. إنّ الاختلاف بين المكي والمدني يمثّل اختلافًا لمرحلتين محوريتين في تاريخ تبلوُر النص القرآني[1]. إنّ التأثير والتأثّر المتبادل بين النص القرآني وبين الواقع مشهودٌ في الآيات المكية والمدنية. ويرى نصر حامد أبو زيد أنّ هذا يدل على التعاطي المتواصل والمستمر بين الوحي والتاريخ، ومن هنا فإنّه ينتقد آراء جميع المفكرين والعلماء المختصين في العلوم القرآنية، ويقول: إنّ جميع هذه التقسيمات الجزئية تقوم على أساس المعيار المكاني، في حين أنّ مكان النزول في حدّ ذاته لا يؤثّر في المحتوى والمضمون أبدًا. إنّ معيار التقسيم المكي والمدني يجب أن يستند من جهةٍ إلى التاريخ، ومن جهةٍ أخرى إلى النص القرآني.

إنّ مراحل دعوة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله في مكة المكرمة نادرًا ما كانت تنتقل من الإنذار إلى الرسالة، ولكن بعد هجرته من مكة إلى المدينة، تحوّلت الدعوة إلى رسالةٍ بشكلٍ كاملٍ. إنّ الاختلاف بين الإنذار والرسالة يكمن في أنّ الإنذار يحمل مواجهةً للمفاهيم الفكرية القديمة والبالية، ودعوةً إلى المفاهيم

(58)

الفكرية الجديدة، وتنبيهَ المجتمع إلى الفساد القائم، وبذلك يتم حثّ المجتمع إلى تغيير هذا الواقع. يرى أبو زيد أنّ قِصَر الآيات وقوّة آياتها مع رعاية الفواصل تمثل معيارًا في معرفة الآيات المكية[1]. أما الرسالة فتعني بناءَ منظومةٍ للمجتمع الجديد.

لم يكن من الممكن الانتقال فجأةً من مرحلة الإنذار إلى مرحلة الرسالة. لقد بدأت الرسالة بعد الهجرة الأولى للمسلمين إلى الحبشة، وعرض النبي الأكرم صلى الله عليه وآله كلمته على المندوبين عن أهل يثرب المدينة المنورة في موسم الحج. فقد شكل اعتناق أهل يثرب للإسلام، وبيعتهم للنبي ومعاهدته بفرض الحماية لهم على نحو ما يحمون أهلهم وأولادهم، إعلانًا عن تحوُّلٍ جديدٍ في تاريخ دعوة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، وفي حركة النصّ القرآني أيضًا[2]. يذهب نصر حامد أبو زيد في دراسة الآيات وتقسمها إلى آياتٍ مكيةٍ ومدنيةٍ إلى الاعتقاد بأنّ هذا التقسيم لم يكن مجردَ تقسيمٍ مكانيٍّ، وإنّما هو تقسيمٌ زمنيٌّ ناظرٌ إلى مرحلتين تاريخيتين في تكوّن الدين الإسلامي والقرآن الكريم.

جدوائية أسباب النزول في فهم تبلور القرآن الكريم

زعم نصر حامد أبو زيد أنّ النصوص الدينية غيرُ منفصلةٍ عن البنية الثقافية المكوّنة لها. إنّ هذه الرؤية قبل أنْ تبحث عن ماهية وأسباب وكيفية تبلور القرآن الكريم، تسعى إلى العثور على حل لأساليب التعاطي مع النصوص في أزمنةٍ مغايرةٍ لعصر تبلوُر النص. ومن هنا فإنّ هاجس الاهتمام بسياق الآيات، يعني

(59)

إظهار السياق المعرفي لعصر النزول وسلب الاعتبار عن مثل هذا السياق في فهم وتفسير الأجيال اللاحقة للنصوص الدينية. يؤيّد هذه النظرة أنّ نصر حامد أبو زيد يرى ضرورة الالتفات إلى البنية الثقافية وسياق تكوين القرآن، ويدّعي أنّ المفسرين قد تجاهلوا ذلك على طول التاريخ، وأنّ هذا التجاهل للسياق، يشكّل مانعًا أساسيًّا يحول دون فهم النص طوال التاريخ[1]. ومن هنا فإنّه يرى أنّ على المفسّر أنْ يُحيط علمًا بأحداث أسباب نزول الآيات لفهم معاني القرآن الكريم[2]. يدّعي نصر حامد أبو زيد أنّ الخطاب الديني يستند في ترسيخ سلطة النصوص الدينية إلى ثلاث آياتٍ في سورة المائدة؛ ليقول أنّ سيطرة النصوص كامنةٌ في جوهر الإسلام، وهذه الآيات الثلاثة هي كالآتي: الآية الرابعة والأربعون، والآية الخامسة والأربعون، والآية السابعة والأربعون.

ذهب نصر حامد أبو زيد في نقد هذه الاستفادة من آيات القرآن إلى الاعتقاد بأنّ الاستدلال بهذه الآيات بشأن سيادة القانون الإلهي في نظام الحياة، يعني فصل هذه الآيات عن آياتٍ أخرى مرتبطةٍ بها وتنتظم معها في سياقٍ واحدٍ. فإن السياق الداخلي للآيات من الآية الحادية والأربعين إلى الآية الخمسين يُثبت أنّها متصلةٌ بعضها ببعض في سياقٍ واحدٍ. ومن خلال تأويل هذه الآيات وحملها على سيطرة النص، ينفرط عقد وحدة السياق القائم بين هذه الآيات، من قبيل فصل قوله تعالى: (لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ) [3] عن الآيات الأخرى المتصلة بها. يزعم نصر حامد أبو زيد أنّ ترسيخ دعائم سلطة النص والتأسيس لأساليب الحياة على أساس معطيات النص، يمثّل الدليل الأول للاتجاه التقليدي لتجاهل السياق في الاستدلال بهذه الآيات.

(60)

كما ذهب نصر حامد أبو زيد ـ في مناقشة الرؤية الفقهية لآيات القرآن الكريم ـ إلى الادعاء بأنّ الاتجاه الفقهي في الاستدلال بآيات الفعل يحكم الخاص بالحكم بين الطرفين المتخاصمين في باب القضاء فقط، وتعميمه بحيث يشمل الحكم السياسي أيضًا، ناشئٌ بدوره من تجاهل السياق من قِبل الفقهاء والمفسِّرين للقرآن أيضًا.

الناسخ والمنسوخ في بعض آيات القرآن الكريم

يرى نصر حامد أبو زيد أنّ الاختلاف حول تحديد الآيات الناسخة والمنسوخة يشكّل دليلًا آخرَ على أهمية السياق وضرورة أخذه بنظر الاعتبار. وهو يقول بأنّ هذه المسألة تنشأ من طبيعة النزول التدريجي لآيات القرآن الكريم، ويدّعي أنّ على الباحث أنْ يلتفت إلى أنّ الترتيب الراهن في النص القرآني الموجود بين أيدينا، هو مجرّدُ ترتيبٍ في التلاوة[1]. وعليه فإنّه من الممكن أنْ تختفي الكثير من السياقات الجزئية والداخلية لنص القرآن، ولذلك من الضروري للباحث أن يتناول الروايات والنصوص المرتبطة بأسباب النزول والناسخ والمنسوخ، وإعادة قراءتها برؤيةٍ تاريخيةٍ ناقدةٍ.

إنما يرى نصر حامد أبو زيد ضرورة الاستناد إلى مقولة الناسخ والمنسوخ عندما يقف الفقهاء والمفسرون للقرآن موقف الحيرة أمام حلّ التناقض الوهمي بين الآيات. وبعبارةٍ أخرى: إنّ هؤلاء العلماء والمفسرين لم يلتفتوا إلى هذه النقطة البسيطة والواضحة، وهي أنّ الترتيب الراهن لآيات القرآن الكريم إنما هو ترتيبٌ للتلاوة فقط، ولا يبيّن السياق الرئيس للآيات، ومن هنا نشأ وهم التناقض. في حين أنّ العودة إلى السياق التاريخي لأسباب النزول، يزيل هذا التناقض الوهمي. ويرى

(61)

نصر حامد أبو زيد أنّ إبدال آيةٍ مكان آيةٍ أخرى، وإبطال حكمٍ بحكمٍ آخرَ، في إطار ظاهرة النّسخ، تمثل أوضح دليلٍ على وجود التعاطي بين النصّ والواقع[1].

نقد ومناقشة نظرية دور السياق والنزول التدريجي

يذهب نصر حامد أبو زيد إلى استحالة التوصّل إلى نظريةٍ جامعةٍ في حقل أسلوب التفسير دون دراسة ارتباط النص بالسياق[2]، إلّا أنّ أهمية هذا الجانب في نظريته من الوضوح والظهور بحيث يمكن تسمية آرائه حولها بوصفها واحدةً من النظريات المعرفية لنصر حامد أبو زيد في ما يتعلق بالقرآن الكريم. لقد عمد الكثير من منتقدي نصر حامد أبو زيد في ما يتعلق بمسألة دور السياق والنزول التدريجي للقرآن الكريم، إلى تركيز انتقاداتهم على الاتجاهات الإبستيمولوجية والمعرفية لنصر حامد أبو زيد وتوظيفاته المنهجية لهذه النظرية[3].

إنّ أهم دليل يستند إليه نصر حامد أبو زيد في إبراز دور السياق التاريخي على حساب أسباب النزول في تبلور نصّ القرآن، تأكيده المتكرر لادعاء المستشرقين من أمثال جاك بيرك، حيث زعم ـ بعد ترجمته للقرآن الكريم إلى اللغة الفرنسية ـ أنّ القرآن الراهن عبارةٌ عن مجموعةٍ من الآيات والسور غير المتجانسة أو من الأجزاء المتفرقة، وقد أطلق على هذه الظاهرة مصطلح انعدام التجانس. وذهب نصر حامد أبو زيد إلى هذا الادعاء، قائلًا بصيغةٍ أخرى: لقد سعى العلماء بشكلٍ حثيثٍ إلى إثبات وجود تجانسٍ وانسجامٍ بين آيات وسور القرآن الكريم، وأنه لا يوجد أدنى

(62)

تعارضٍ بين السياق الداخلي للنص وبين السياق الخارجي الحاكم عليه[1]. وفي ما يتعلق بنقد دلالة مكية ومدنية القرآن الكريم على وجود مرحلتين في تاريخ تكوين الإسلام من جهةٍ، والسعي إلى اختلاق ثنائيةٍ كاذبةٍ من قبيل: القرآن المكي والقرآن المدني من جهةٍ أخری، لإثبات تدخّل الشرائط والظروف التاريخية على تبلور القرآن الكريم، يجب القول: إن تقسيم القرآن على أساس هذه الثنائية، يدفع المخاطب إلى تقسيم الآيات وإدراجها ضمن الآيات المكية أو الآيات المدنية. وحيث يذهب نصر حامد أبو زيد إلى الاعتقاد بأنّ المعيار الأسلوبي هو الأساس في التقسيم، فإننا نجد أسلوب الآيات المدنية في بعض الآيات المكية، والعكس صحيح أيضًا.

على الرغم من أنّ الكثير من الأحكام الإلهية في القرآن الكريم ذاتُ صلةٍ بثقافة عصر النزول، إلّا أن هذه الأحكام لا تقف عند ثقافة العصر الجاهلي، بل تذهب إلى أبعدَ من دائرة ذلك العصر. إنّ الثقافة الجاهلية ذاتُ خصائصَ متمیزةٍ بها، وإنّ بعض الآيات القرآنية ترتبط بهذه الثقافة تبعًا لذلك، بيد أنّ ارتباط القرآن بهذه الثقافة ليس صدًى للظرفيات الواقعية لهذه الثقافة، وإنما هو تابعٌ لخصائص تلك الثقافة، وعليه كلما تجددت هذه الخصائص، عادت الحياة إلى تلك الأحكام أيضًا. وبعبارةٍ أخرى: إنّ هذه الخصائص ليست لزمنٍ دون زمنٍ، وإنّما هي قابلٌة للتكرار في كلِّ مجتمعٍ وفي كلِّ عصرٍ. وما دام هناك كائنٌ اسمه الإنسان، صانع المجتمعات البشرية، يمكن لمثل هذه الخصائص أنْ تظهر في كلِّ مجتمعٍ حتى وإنْ كان مدنيًّا. والمهمّ في البيْن هو اكتشاف توفّر هذه الخصائص في مجتمعٍ، حيث يجب الحيلولة دون تدخُّلٍ ما يعمل على تخريبها، بواسطة الطرق الوحيانية والعقلانية.

وبعبارةٍ أخرى: على الرغم من أن تأييد أو ردّ الأساليب الاجتماعية والاقتصادية

(63)

والثقافية لمجتمع عصر النزول من قِبل الله تعالى على ما هو موجودٌ في القرآن الكريم، يمثّل مرآةً لثقافة ذلك العصر، إلّا أنّ هذه الرواية لا تعني تأثّر القرآن بثقافة ذلك العصر، بل إنها تعبّر عن قوّة تأثير هذا النص المقدّس في تغيير الثقافة الجاهلية في عصر النزول.

إنّ رواية القرآن عن مختلف المجتمعات البشرية ابتداءً من مجتمع سيدنا آدم عليه السلام إلى أحداث عصر النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، تشير إلى أنّ الشارع المقدس في الإسلام إنما يهتم بنموذجٍ خاصٍّ من الحياة الاجتماعية، إن تم جعله معيارًا سوف يعمل على تخطئة مجتمع عصر النبي آدم، وانتقاد بعض سلوكية المنافقين والمشركين والكافرين في عصر خاتم الأنبياء. إنّ هذه الحقائق التاريخية المسجّلة في القرآن ليست ذاتَ قيمةٍ تاريخيةٍ فحسب، بل هي تثبت أيضًا أنّه ما دام للإنسان حياةٌ اجتماعيةٌ في الوجود، فمن الممكن أنْ ینحرف عن أسلوب الحياة المطلوبة والذي من شأنه أنْ يؤدي إلى سعادته وكماله. وعليه كلما تكرّر هذا الانحراف في كلِّ عصرٍ ومِصرٍ آخرَ غيرِ عصرِ ومكانِ النزول، يكون للحكم الموجود في القرآن الكريم مرجعيةٌ معرفيةٌ وإصلاحيةٌ، وإنّ تعهّد المؤمنين بالنسبة إلى القرآن يحكي عن أنّ لآيات القرآن أساسًا معرفيًّا.

الجزء الثاني من النظرية يتمحور حول الاهتمام بالسياق على أساس فكرة أسباب النزول. إنّ المراد من سبب النزول أنْ تقع حادثةٌ في عصر النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلّم أو يُطرح عليه سؤال؛ فتنزل آيةٌ بشأن تلك الحادثة أو جوابًا عن ذلك السؤال؛ وعليه تكون تلك الحادثة أو هذا الجواب سببًا لنزول هذه الآية. إنّ غاية نصر حامد أبو زيد من الخوض في هذه المسألة، هي مواصلة

(64)

التقليد السائد في فقه أهل السنة، في سعيٍ منهم إلى اكتشاف مقاصد الشريعة[1]. بيد أن الاتجاه الراديكالي والعقلي قد أدى إلى جنوح البحث عن أسباب النزول إلى الاعتقاد بتاريخية ومرحلية آيات القرآن الكريم، واهتمام أمثال نصر حامد أبو زيد في مقام جاعل المقصد بجعل مقاصد الشريعة. ولكن من الواضح أنّ هذا لا يشمل جميع الآيات، وأنّ معرفة أسباب النزول إنما تجعل الإنسان عالمًا ـ إلى حدٍّ ما ـ بمورد النزول والمضمون الذي نزلت الآية بشأنه[2].

يذهب العلامة الطباطبائي إلى التأكيد بأن عدد روايات أسباب النزول في مصادر أهل السنة تصل إلى عدّة آلاف روايةٍ، في حين أنّها في مصادر الشيعة أقل من مئةِ روايةٍ. إنّ هذا الاختلاف الملحوظ في حجم روايات أسباب النزول عند أهل السنة دفع نصر حامد أبو زيد إلى الادعاء بأنه قلما يمكن العثور على آيةٍ نزلت ابتداءً ومن دون سببٍ خارجيٍّ[3]. وبطبيعة الحال فإنّ هذا الكلام منه لا ينسجم ـ في الحدّ الأدنى ـ مع المبنى المعرفي للقرآن عند الشيعة.

وفي ضوء ما تقدم يمكن تقسيم آيات القرآن بالنظر إلى أسباب النزول إلى قسمين: الآيات النازلة ابتداءً دون أن يكون لها ارتباطٌ بسببٍ خاصٍّ، والآيات الأخرى التي تنزل تبعًا لسببٍ أو أسبابٍ خاصةٍ. إنّ الكثير من الآيات هي من القسم الأول، بمعنى أنها لم تنزل بوصفها جوابًا عن سؤالٍ، ولا صدى لحادثةٍ خاصّةٍ، بل من أجل البيان الابتدائي المستقل للعقائد الأصلية أو لهداية الناس بشكلٍ عامٍّ. وعليه فلا يمكن تعميم البحث عن أسباب النزول إلى جميع آيات القرآن. إلّا

(65)

أنّ نصر حامد أبو زيد حيث يتبنّى منهجًا خاصًّا في ما يتعلّق بهذا البحث، نجد منه إصرارًا على اعتبار تاريخية جميع آيات القرآن الكريم في ارتباطها بأحداث عصر النزول، والقول بقصْر مرجعيتها على عصر النزول، منتقدًا اعتبار ذلك مبنًى من قِبل الفقهاء في العثور على نموذجٍ للحياة الاجتماعية، تحت ذريعة الأصولية والتقليدية والحوار الديني وما إلى ذلك.

الأمر الثالث بالنسبة إلى نصر حامد أبو زيد في الاهتمام بسياق النص، هو الخوض في ثنائية الناسخ والمنسوخ. إنّ تداعيات الاعتقاد بتاريخية نص القرآن، وتأثّره بثقافة وظروف عصر النزول، والجدل المتواصل بين النص والواقع، والاستجابة الانفعالية من قِبل النص إلى مصالح الأفراد المتعاطين معه في عصر النزول، أدى إلى تحوّل ظاهرة النسخ عند نصر حامد أبو زيد إلى أداة لإثبات التمايز الأنطولوجي بين الآيات المكية والآيات المدنية. وهو التمايز الذي شكّل بالنسبة له مؤيِّدًا لتعارض وعدم انسجام الآيات والسور في هذا الكتاب، حيث يذهب نصر حامد أبو زيد إلى الاعتقاد باستحالة فهم المعنى الحقيقي لظاهرة النسخ دون ملاحظة أسباب النزول وأخذ السياق التاريخي لتبلور النصّ بنظر الاعتبار[1]. إنّ هذه المسألة تعبّر عن عجزه عن الجمع بين الاعتقاد بوجود النص القرآني على كيفيته الراهنة في اللوح المحفوظ، والاعتقاد بنسخ بعض آيات القرآن الكريم[2]. لقد اعتبر نصر حامد أبو زيد أن النسخ من لوازم التغيّر والتحوّل في أوضاع المجتمع وتأثر النص الديني بتلك الأوضاع، ومن هنا ذهب إلى ادعاء تاريخية ومرحلية آيات القرآن الكريم. يزعم نصر حامد أبو زيد أنّ هذه الظاهرة تمثّل سؤالًا جوهريًّا

(66)

برسم الخطاب الديني السائد، وهو ما يتم التهرّب من الإجابة عنه. كيف يمكن الجمع بين ظاهرة نسخ وتغيير وتعديل النص القرآني وبين الاعتقاد السائد والحاكم الذي يعتقد بالوجود الأزلي للقرآن في اللوح المحفوظ؟

إن للغفلة غير المقصودة المتعمّدة لنصر حامد أبو زيد وجهين؛ حيث يعتقد في البداية أن نسخ الحكم يعني مرحلية آيات الأحكام، وأن جدوائيتها مقيدة بتلك الشرائط التاريخية والظاهرة المتحققة في عصر النزول، ولا ينبغي اعتبار آيات الأحكام أساسًا للأحكام الاجتماعية ـ السياسية دائمًا وفي جميع الظروف والشرائط الزمانية والمكانية. إنّ هذا النوع من الاستدلال يذكّرنا بالإشكال الذي طرحه الغزالي على ابن سينا في بيان العلم الإلهي الكلي والجزئي، ونسبة علم الأنبياء له في مسائل العالم، وهو الإشكال الذي قال الغزالي في هامشه:

إنّ أحداث وحقائق العالم لا متناهيةٌ، فلو أنّ الأنبياء كانوا بتأثيرٍ من النفس الفلكية عالِمين بجميع تلك الأحداث التي وقعت في الماضي وتلك التي تحدث في الحاضر والمستقبل، سَيَرِد إشكال اجتماع الأمور المتناهية والأمور اللامتناهية بالفعل، وإذا لم يكونوا عالمين بها، فإنّ علم الأنبياء بأحداث الماضي والمستقبل لن يكون مأخوذًا من النفس الفلكية[1].

ولذلك يتماهى نصر حامد أبو زيد مع الغزالي ـ ولكن بصيغةٍ أخرى ـ بعد ردّه هذا النوع من الاجتماع، ويقول بأنّ علم النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ـ سواءً في المسائل الكلية أو المسائل الجزئية ـ محدودٌ بالشرائط الزمانية والمكانية لعصره، وأنّ ظاهرة النسخ تمثّل بدورها شاهدًا على هذا المدّعى أيضًا.

(67)

أما الوجه الثاني في تناول نصر حامد أبو زيد لظاهرة النسخ فهو ناظر إلى المفسرين وتاريخ تفسير القرآن الكريم[1]. يزعم نصر حامد أبو زيد أن ظاهرة النسخ وتبلور الأدبيات حولها، إنما هو ناشئٌ عن سعي المفسرين القائم على إخفاء التناقضات الموجودة في الآيات والسور القرآنية؛ حيث ادّعى هذا التيار ـ بعد تحوّل الوحي إلى نصٍّ مكتوبٍ ـ استحالة التناقض في القرآن، ويجب أن يكون النص القرآني خاليًا من التناقض. فإذا كان هذا جائزًا في حق الإنسان، فإنه لا يجوز في حق الله تعالى الذي يتصف بالعلم المطلق، بل إن الذي يُسمّى في القرآن منسوخًا يعني انتهاء فترة الحكم، ولكننا حيث تصورنا منذ البداية أنه حكمٌ دائمُ، نعتبره بعد التغيير منسوخًا، وكذلك الأمر بالنسبة إلى النسخ بمعنى البداء والخطأ والندم، فهو بدوره باطلٌ ومستحيلٌ على الله سبحانه وتعالى.

التعاطي بين النص والواقع

بعد دراسة بحث التجربة الوحيانية ودور السياق في تبلور آيات القرآن الكريم، سوف تتحقق الخطوة الثالثة لمعالم نظرية نصر حامد أبو زيد في باب ماهية القرآن الكريم، من خلال الخوض في أهمية التعاطي بين النص والواقع. وفي ما يلي ندخل في بيان أهم أدلة نصر حامد أبو زيد في هذا الشأن.

تاريخية القرآن: نموذج التعاطي بين النص والواقع

يذهب نصر حامد أبو زيد إلى القول بأنّ جوهر دعوة الإسلام يقوم على السعي إلى تأسيس مجتمعٍ يقوم على أساس العقل في الدائرة الفكرية، والعدالة في حقل السلوك الاجتماعي. إنّ فاعلية وحضور العقل والعدل

(68)

في المجتمع يقع على طرف نقيض الجهل والظلم. يذهب نصر حامد أبو زيد إلى الاعتقاد بأن الوحي الإلهي في عصر النزول يتكفّل ببيان انتقال المجتمع من الجهل والظلم إلى المستوى المطلوب من العقل والعدل.

يرى أبو زيد أن الآفة إنما تظهر عندما يعتقد تيارٌ بمطلوبية آلياته وأدواته في الأزمنة والأمكنة الأخرى. وقد اصطلح على هذا التيار بـ الخطاب الديني، ورأى أنّ حصيلة هذا التيار هي الحرص على نفي أيِّ تعارضٍ يمكن أنْ ينشأ بحكم حركة الواقع المستمر وثبات النصوص[1]. لقد عمد نصر حامد أبو زيد إلى دراسة هذه المسألة في إطار الجدل الكلامي الدائر بين التيارات الكلامية حول مسألة حدوث أو قِدم القرآن الكريم. وقد ذهب نصر حامد أبو زيد إلى الاعتقاد بأنّ التيار المسمّى بالخطاب الديني هو حصيلةُ رؤيةٍ في الحضارة الإسلامية تعتبر اللغة هبةً إلهيةً، ويرى أنّ الظاهر والقالب الإنساني للوحي المتمثل باللغة لا يحتوي إلا على القدر القليل من الأهمية[2]. بيد أن فكرة تاريخية نصّ القرآن الكريم في البين تعتبر واحدةً من أهم مدّعيات الخطاب المؤيد للتجديد في الفكر الإسلامي.

إنّ تاريخية النصر لا تقتصر عند نصر حامد أبو زيد على معنى العلم بأسباب النزول أو علم الناسخ والمنسوخ أو سائر العلوم القرآنية[3]. بل إنّ تاريخية نص القرآن الكريم من وجهة نظر نصر حامد أبو زيد تعني تاريخية العرض المفهومي الذي تعمل النصوص الدينية على بيان محتوياتها ومضامينها من خلاله. إنّ هذه المسألة تمثل نتاجاً طبيعياً لتاريخية اللغة التي تبلورت النصوص الدينية

(69)

على أساسها[1]. يرى نصر حامد أبو زيد أن المفسّر مضطر إلى التعرّف على الواقع المحيط بعصر تبلور النص إذا أراد أن يفهم الدلالات الموجودة في النص[2].

العلاقة بين النص والثقافة بمثابة الظرف والمظروف

من خلال اتخاذ المنهج البنيوي في اللغة، تخضع النصوص اللغوية لإحاطة البنية الاجتماعية للمجتمع[3]. لقد أدّت هذه الرؤية بنصر حامد أبو زيد إلى اعتبار حصرية إمكان دراسة النص من خلال لغة الثقافة بوصفها أمرًا علميًّا ومعقولًا، واعتبار سائر أساليب الدراسة الأخرى غيرَ علميةٍ ولا معقولةٍ[4]. وفي هذه الحالة يجب اعتماد مدخل الثقافة لفهم محتوى النص، ومنح الحق لجميع الأجيال في الارتباط به. وفي هذه الحالة يغدو الكشف عن باطن النص أهم من الكشف عن ظاهره، وهذا بدوره إنّما يكتسب الموضوعية بما يتناسب مع المتغيرات في كلِّ جيلٍ وتظهير دور العقل أيضًا.

نقد ودراسة نظرية التعاطي بين النص والواقع

إنّ أهمّ إشكالٍ أسلوبيٍّ يرد على نصر حامد أبو زيد في دراسة التعاطي بين النص والواقع، يكمن في أنه في البداية يعمد إلى تقليل أسلوب الدراسة العلمية لنص القرآن إلى الدراسات الأدبية واللغوية[5]، وبعد ذلك لا يحدّد معيارًا أسلوبيًّا لتعيين حجم التأثير والتأثر بين النص والواقع. إنّ التعاطي مع الواقع المحيط بالنص إلى جانب الكثير من العناصر الأخرى لفهم النص بحثٌ، واعتبارَ الثقافة

(70)

والواقع المحيط بوصفه المدخلَ الوحيدَ لفهم النص بحثٌ آخرُ. حيث يذهب نصر حامد أبو زيد، من خلال تبنّي أساليب النقد الأدبي الموجودة، إذْ يقول في الأساس بعدم واقعية اللغة الوحيانية، إلى رفض عرض مفهومية القرآن الكريم بالنسبة إلى مقولاتٍ من سنخ عالم الغيب، من قبيل: الجنة والجحيم والجن وما إلى ذلك، واعتبر تصوير هذا النوع من المفاهيم في القرآن الكريم بدايةَ مسارٍ يجب تسميته أسلمة الثقافة الجاهلية في عصر النزول.

وفي هذا الشأن يمكن طرح هذا السؤال القائل: ما هي الضرورة التي دعت الله تعالى ـ في مسار الوحي إلى النبي الأكرم وخاتم الأنبياء ـ إلى تصحيح الاعتقاد الخاطئ للناس في ذلك العصر بـالجن والشيطان وما إلى ذلك، بل ويعمل في بعض الآيات على دعوة الجن إلى الإسلام، وتصنيفهم إلى مؤمنين وكافرين؟ فإذا كان لاعتقاد الناس بالجن دورٌ في أهداف النبي والإسلام، كان بإمكانه في الحد الأدنى أن يكتفي بمجرد الإشارة التي نجدها في تقريره عن عقيدة الناس بالسماوات السبع، دون الخوض في عملية التبويب وتقرير المفاوضات السرية معهم في سورة الجن. وهناك من تساءَل بحقٍّ قائلًا: إذا سلّمنا بوجود الجن في القرآن الكريم بوصفه صدًى وانعكاسًا لثقافة عصر النبي، فكيف يمكن توصيف وجود الملائكة الذين يمثلون قوام تبلور القرآن الكريم بوصفهم وسائطَ نزوله من عالم اللاهوت إلى عالم الناسوت؟ وبالتالي فإنّ ملاحظة محدودية الأطر والقوالب اللغوية في بيان الحقائق ما بعد الطبيعية لا تمهّد الأرضية إلى قولنا بالتعامل والتعاطي الكامل بين النص والواقع وتأثر القرآن بالواقع[1].

(71)

مفهوم وماهية نصّ القرآن الكريم

بعد بيان الماهية التجريبية للوحي، وتأثير السياق على بلورة القرآن، وتعاطي النص مع الواقع المحيط به، فإنّ التأمّل في ماهية القرآن الكريم يمثّل الحلقة الأخيرة من نظرية نصر حامد أبو زيد بشأن المعرفة القرآنية.

تعرّض نصر حامد أبو زيد في بعض كتبه لمواجهة مختلف التيارات مع نص القرآن الكريم[1]. يذهب نصر حامد أبو زيد إلى الاعتقاد بأنّ النص القرآني نتاجٌ ثقافيٌّ. ومعنى كونه نصًّا ثقافيًّا هو تبلور القرآن الكريم بما يتناسب مع لغة وثقافة عصر النزول. وفي هذه الحالة لا يعود هناك تعارضٌ ملحوظٌ بين تحليل نصِّ القرآن من خلال فهم الثقافة واللغة التي تبلور في أحضانها مع الإيمان بأنّ للقرآن مصدرًا إلهيًّا[2]. يرى نصر حامد أبو زيد إمكانية دراسة مستويات الحديث عن النص من خلال ثلاثة مستوياتٍ، إذْ يقول:

«تُعطى الأولوية عند مناقشة النصوص الدينية للحديث عن الله ـ عزّ وجل ـ قائل النص، ثم يلي ذلك الحديث عن النبي المستقبل الأول للنص، ثم يلي ذلك الحديث عن الواقع تحت عناوين أسباب النزول، والمكي والمدني، والناسخ والمنسوخ»[3].

يرى أبو زيد أنّ النقاش محتدم على الدوام بين علماء العلوم القرآنية حول ما إذا كان النص يعني القراءة أو الجمع[4]؟ وبناءً على استناده إلى قوله

(72)

تعالى: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ) [1]، فإنّ النص يعني القراءة والتلاوة. لقد عمل أبو زيد من خلال هذا التفسير اللغوي إلى التأسيس لهرمنيوطيقا في فهم النصوص، وقال بأنّ النص القرآني في إطلاقه هذه التسمية على نفسه، فإنه ينتسب إلى الثقافة التابعة لثقافة عصره، وأنّه متأثِّر بهذه الثقافة. ويجب أنْ تبدأ انطلاقة قراءة النص من الإطار الثقافي المحيط بأفق القارئ الأول[2].

نصر حامد أبو زيد وطبيعة الكلام الإلهي

لا يفتأ نصر حامد أبو زيد في كتابه يشير إلى الاختلاف المحتدم بين الأشاعرة والمعتزلة بشأن حدوث وقِدم كلام الله، وهو في ذلك ينتصر لرؤية المعتزلة أبدًا. وهو إنّما يرى المعتزلة في صفّه لسببين، وهما:

أ ـ توظيف الأصول العقلانية في فهم القرآن الكريم.

ب ـ اعتقاد المعتزلة بحدوث كلام الله والقول بأنه مخلوقٌ.

ومن هذه الناحية يكون طرحه لمسألة حدوث القرآن وقدمه وانتصاره للمعتزلة مفهومًا؛ لأنّ القول بحدوث وخلق القرآن نظرية منسجمةٌ مع سائر آراء نصر حامد أبو زيد بشأن نصّ القرآن. إنه يرى أنّ خلق القرآن وحدوثه يشكّل أساسًا لنظرية تشابه وسنخية القرآن لسائر النصوص الثقافية البشرية التي لا يكون تكوينها منفصلًا عن الثقافة. وعلى هذا الأساس فإن انتماء القرآن الكريم إلى ثقافة العصر الجاهلي وصدر الإسلام، يفتح الطريق أمام توظيف الأدوات البشرية في المعرفة. وعلى هذا الأساس فإنه ينتقد نظرية أولئك الذين

(73)

يفتقرون إلى الرؤية التاريخية حول النصوص الدينية، ويتجاهلون العلاقة بين النص والواقع[1].

«فيعمد نصر حامد أبو زيد ـ من خلال اتخاذ الموقف الاعتزالي في توظيف العقل ـ إلى نقد رأي الأشاعرة بشأن القرآن. فقد ذهب إلى الاعتقاد بأن قول الأشاعرة في ماهية القرآن ينطوي على نتيجتين هامتين ورئيستين، الأولى: إنّ هؤلاء قد بالغوا في قداسة القرآن، وجعلوا من النص اللغوي المستدل والقابل للفهم نصًّا صوريًّا. والنتيجة الثانية التي تترتب على هذا الرأي الاعتقاد بعمق دلالة وتعدّد المراتب المعنوية لهذا النص؛ لأنّ الدلالة والمعنى يجب أنْ تكون منسجمةً مع الكلام الإلهي النفسي والقديم من جهةٍ، وأنْ تكون منسجمةً من جهةٍ أخرى مع كثرة الحروف الأزلية للقرآن الكريم»[2].

نقد ومناقشة آراء نصر حامد أبو زيد في ماهية القرآن الكريم

ذهب بعض الناقدين في ما يتعلق بإعادة قراءة آراء نصر حامد أبو زيد بشأن ماهية القرآن الكريم، إلى الاعتقاد بأنّه لا يسعى إلى تقديم مفهومٍ عن النص، بل هو يسعى بشكل رئيس إلى تقديم قراءةٍ جديدةٍ لمضمون كتابي الإتقان في علوم القرآن للسيوطي، والبرهان في علوم القرآن للزركشي[3]. وعلى هذا الأساس فإنّ المخاطب بآراء نصر حامد أبو زيد في باب مفهوم النص لا يُهدى إلى فهم ذات النص، وإنما يتعرّف على فهم جانب خاصٍّ من النص.

(74)

حدوث النص القرآني وتبعات ذلك

تعرّضت بعض الروايات المأثورة عن أهل البيت عليهم السلام إلى مسألة حدوث وقِدَم كلام الله. فقد كان أئمة الشيعة يحذرون أصحابهم من الخوض في هذا البحث المثير للتفرقة؛ لأنّه قبل أن يكون بحثًا كلاميًّا وعقائديًّا يهدف إلى العثور على الحقيقة، كان ينطوي على صبغةٍ سياسيةٍ، وكان كلُّ واحدٍ من الطرفين المتنازعين يتخذه ذريعةً للإيقاع بالآخر. من ذلك على سبيل المثال أنّ الإمام الهادي عليه السلام كتب إلى بعض شيعته قائلًا:

«وليس الخالق إلا الله عزّ وجل وما سواه مخلوقٌ، والقرآن الكريم كلام الله، لا تجعل له اسمًا من عندك؛ فتكون من الضالين»[1].

ومن هنا فإنّ الرأي الصحيح الذي أيّده أئمة الدين عليهم السلام، واتفقت عليه كلمة المتكلمين الشيعة، هو أن الكلام الإلهي حادثٌ، وأنّ التكلّم الإلهي ـ خلافًا للتكلّم الإنساني ـ غنيٌّ عن استخدام أيّ أداةٍ أو آلةٍ.

يبدو أن بحث الحدوث والقِدم يختلف عن بحث تأثر القرآن بثقافة عصر النزول، وأنّ هذا البحث لم يتم التطرّق له في العصور المتقدمة، ولذلك كان الأشاعرة والمعتزلة على السواء يعتبرون القرآن كلام الله وأنه في مأمنٍ من تدخُّل العناصر غير الإلهية. إنّ اعتبار القرآن حادثًا ومخلوقًا لا يستلزم بالضرورة القول بما قاله نصر حامد أبو زيد، والدليل على ذلك أنّ الذي يقول بخلق العالم، لا يقول بالضرورة أنّ غير الله كان له يدٌ في خلق العالم. وخلافًا لرأي نصر حامد أبو زيد القائل بأنّ المعنى قديمٌ وأنّه من الله تعالى، وأنّ الكلام الملفوظ في القرآن

(75)

حادثٌ ومخلوق للنبي، ذهب المعتزلة من أمثال القاضي عبد الجبار ـ في إطار إثبات أنّ ألفاظ القرآن الكريم حادثةٌ في قبال الفكر الأشعري القائل بقِدم المعاني والألفاظ ـ إلى القول بأن المعاني وإن كانت قديمةً، إلا أن ألفاظ القرآن الكريم حادثةٌ ومخلوقةٌ. إن هذا الاعتقاد لا يستلزم بالضرورة القول بتاريخية القرآن. إذًا لا يمكن جعل القول بحدوث القرآن من حيث تأثُّرُه بثقافة العصر في قبال القول بقِدم القرآن، بل إنّ هذا هو تفسير نصر حامد أبو زيد بشأن حدوث النص القرآني.

القرآن وكليته

لقد كان نصر حامد أبو زيد حتى الآن يقول باعتبار البُعد القيَمي للقرآن الذي هو في الحقيقة يمثل المستوى المعنوي، بل يراه ضروريًّا لحياة المعاصرين أيضًا. وفي هذه القيَم يمكن لنا أنْ نسمع أصداءً للشمولية الحديثة. يرى أبو زيد أنّ الخطاب الأصلي للقرآن هو خطابٌ معنويٌ لآخر الزمان، دون أن تكون له أبعادٌ سياسيةٌ واجتماعيةٌ[1].

حيث كان القرآن متأثرًا بثقافة وأحداث عصره، فإنّه قد عمد إلى تسجيل الأحداث الفكرية والأخلاقية والسياسية المعاصرة له، وتعاطى معها بأسلوبٍ ومنهجيةٍ خاصةٍ. يرى نصر حامد أبو زيد أنّ أهم ميزةٍ لتسجيل هذه الأحداث العينية والمنضمة في القرآن الكريم تكمن في إنطوائها على فائدةٍ بالنسبة إلى المؤرّخ؛ لأنه يرى أنّ المؤرخ يستطيع من خلال الاستعانة بالتفاسير أو القصص المعيّنة أن يعمل على إعادة صياغة التيارات التي لا يمكن العثور عليها في المصادر

(76)

التاريخية أصلًا أو يمكن العثور عليها بشكلٍ ناقصٍ[1]. يرى نصر حامد أبو زيد أنّ قُرّاء القرآن على ثلاثة أقسامٍ، وهي كالآتي:

1 ـ القرّاء المفتقرون إلى العلم التاريخي الكافي ليفهموا كيفية قراءة الآيات القرآنية في اللحظة الراهنة، أو يفهموا في الأساس ما هو الشيء الكامن وراء هذه البيانات الجزئية.

2 ـ القرّاء الذين يسيرون على خطى الغرب في الحكم على الإسلام وعلى النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، وانتقاده على قيادته السياسية ـ العسكرية، ويُخطّئون القرآن الكريم بسبب اشتماله على هذه النزعة العسكرية والروح القتالية.

3 ـ القرّاء الذين ينظرون إلى القرآن الكريم بوصفه كلامًا إلهيًّا خالدًا، واعتبار نصّه نصًّا دقيقًا لكلام الله.

يذهب نصر حامد أبو زيد إلى القول بأن جميع هذه الأقسام الثلاثة تتجاهل حيوية القرآن.

السُّنُّة

كما سبق أنْ ذكرنا فإنّ نصر حامد أبو زيد قد اتخذ المصادر المعرفية ـ التي شكّلت أساسًا للتشريع والتقنين في المجتمعات الإسلامية ـ بوصفها الموادَّ الخام في مشروعه الفكري. ومن هنا فإنّ النصوص الواصلة إلينا عن أسلوب حياة النبي الأكرم والتي يُطلق عليها مصطلح السَّنّة، تشكّل إلى جوار القرآن الكريم المرجعية الثانية التي يركّز نصر حامد أبو زيد عليها في نقده لـ نظرية المعرفة

(77)

في الحضارة الإسلامية[1]. ولذلك لا تشتمل مواجهة نصر حامد أبو زيد على تناظرٍ متكافئٍ مع المسائل والموضوعات القائمة على السُّنّة، وإنما يقوم كلُّ همّه على تحدّي المنظومة المعرفية التي تقوم على مصادر من قبيل النصوص الدينية الأولية مثل القرآن، والنصوص الدينية الثانوية مثل السُّنّة، المعتمدة لغاية بناء النظام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. يزعم نصر حامد أبو زيد أنّ السُّنّة على النحو المطروح حاليًّا بين علماء الدين في الحضارة الإسلامية، قد أدّت إلى غلق الطريق أمام تقدّم المجتمعات الإسلامية. يرى نصر حامد أبو زيد أن مراده من التقدّم هو أخذ معطيات العقل البشري في مختلف مساحات المعرفة العلمية، وهي المسألة التي تستلزم ـ بزعمه ـ التعلّم من الآخر الذي تعرّفنا عليه أول ما تعرّفنا معتديًا غازيًا محتلًّا لأراضينا مستغلًّا لأوطاننا[2]. والآن بعد تأصُّل التجدّد وثقافة التنمية الغربية، فإنّ السؤال الرئيس الذي يَمثُل أمام نصر حامد أبو زيد يقول: كيف نحقق التقدّم دون أنْ نتخلّى عن التراث؟[3]. وحيث إن مواجهة نصر حامد أبو زيد مواجهةٌ أسلوبيةٌ ـ معرفيةٌ، فإنّ النقطة القصوى لنظريته في هذا الشأن تتمثل في تحدّيه لحجية السنة في التقنين والتشريع.

على الرغم من أنّ نصر حامد أبو زيد لا يتعرّض بالنقد إلى اعتبار السنة في الدائرة الخصوصية لحياة المسلمين إلا قليلًا، إلّا أنّ أكثر المواضع الحيوية التي هاجمها، كانت حيث تحقّق تدخّل السنة في المساحة العامة للمجتمع، من قبيل: الأنظمة السياسية والاقتصادية والثقافية. وعليه فإنّنا سنعمل قبل كلِّ شيءٍ على إحصاء آرائه في حقل السنة، لننتقل بعد ذلك إلى مناقشتها ونقدها على أساس الأدلة الداخلية والخارجية لهذه الآراء.

(78)

إنّ هذا الجانب من المشروع الفكري لنصر حامد أبو زيد على غرار دراساته في المعرفة القرآنية، قد أثار عاصفةً من الانتقادات في الفضاء الفكري والاجتماعي المعاصر في البلدان الإسلامية. وفي معرض توضيح مكانة ومنزلة مفهوم السنة في المشروع الفكري لنصر حامد أبو زيد، سوف نواصل البحث في المحاور الأربعة الآتية:

1 ـ ماهية السنة.

2 ـ حجية السنة بالنسبة إلى الأجيال القادمة.

3 ـ أنواع السنة.

4 ـ النسبة القائمة بين السنة والقرآن.

إنّ المحاور الثلاثة الأولى ـ أي الخوض في ماهية السنة، وأنواع السنة، ونسبة السنة إلى القرآن الكريم ـ تمهد الأرضية للحكم النهائي من قبل نصر حامد أبو زيد بشأن حُجيّة السّنّة للمعاصرين. وبعبارةٍ أخرى: إنّ نصر حامد أبو زيد من خلال مناقشة الاراء الكلامية والفقهية والتفسيرية والتاريخية الموجودة في العالم الإسلامي بشأن السنة، يسعى إلى وضعها في الدائرة الخاصة من حياة المسلمين، ويدّعي أنّ السّنّة إذا أرادت أنْ تواصل حياتها، يجب أن يكون لديها في نهاية المطاف حضورٌ في الدائرة الشخصية من حياة المسلمين. ويدّعي أنّ السنة إذا أدّت إلى تقديم منهجٍ في الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فإنّ ذلك يثبت استمرار قراءةٍ منحرفةٍ عن السنة في المجتمع الإسلامي، وهو ما يجب الحيلولة دونه. وفي ما يلي سوف نعمل على بيان ونقد كلِّ واحدٍ من هذه المحاور الأربعة في إطار بيان أدلة نصر حامد أبو زيد على كلِّ واحدٍ منها.

(79)

ماهية السنة

إنّ نصر حامد أبو زيد من خلال بحثه المفهومي لا يرى مفردة السنة في الأصل بمعنى سنة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، بل إنّ مراده من هذه المفردة هو المعنى العام للسنة. وهو يدّعي أنّه ما لم يقم القرآن الكريم بوضع شيءٍ، فإنّه يتمّ العمل على طبق السنة. يذهب أبو زيد إلى أنّ المراد من السنة في التاريخ الإسلامي قد مرّ بمراحلَ إلى أنِ استقرَّ ليتمحّض في السنة النبوية، حتى اكتسبت مفردة السنة معناها الراهن لاحقًا[1]. يرى نصر حامد أبو زيد أنّ السنن تعني القِدَم والتصلّب الشكلي[2]. وعلى هذا الأساس يمكن القول أنّ سنن الأقدمين هي التراث بمعنى الأموال التي يتركها الميت لذويه. يذهب نصر حامد أبو زيد إلى الاعتقاد بأنّ القرآن يعارض التشبّث والتمسّك بهذه الآداب والتقاليد والسنن البالية والقديمة، ويرى ذلك أمرًا طبيعيًّا بالنسبة إلى النص الشامل لجميع النصوص السابقة له ويعمل على نفيها، ويعرض نفسه بوصفه نصًّا شاملًا.

وقد عمد نصر حامد أبو زيد من خلال طرحه سؤالًا على أساس الآية 170 من سورة البقرة[3]، والآية 28 من سورة الأعراف[4]، إذ يقول: كيف يمكن توظيف السنة بوصفها برهانًا، لكي نقول للمؤمن كيف يجب أن يكون عليه مساره؟[5].

(80)

وعلى هذا الأساس يدّعي نصر حامد أبو زيد أن الكثير من المسلمين المعاصرين قد اعتادوا على نقد ذات السنة التي ينتقدها. إنّ هؤلاء بزعمه لا يكلفون أنفسهم عناء القيام بنقدٍ تاريخيٍّ، ليفهموا كيف ولماذا تبلورت هذه السنن. وعلى هذه الشاكلة فإنّهم لا يسألون أنفسهم ما إذا كانت هذه السنن تتناسب مع واقعنا الاجتماعي والثقافي والسياسي الراهن أم لا. فهم يكتفون باجترار مقولة أن هذا من تراث أسلافهم، وأنه لا يُسمح لهم بالتخلي عنه[1].

حجية السنة بالنسبة إلى الأجيال القادمة

لقد أدّى توسّع دائرة السنة، وتضييق حقل الاجتهاد بين أهل السنة إلى تبلور النظريات المتطرّفة لنصر حامد أبو زيد حول السنة وحجيّتها.

يذهب نصر حامد أبو زيد إلى الاعتقاد بأنّنا لا نستطيع أنْ نسير على خطى المتقدمين. فقد مارس السابقون الاجتهاد في عصرهم، وأسسوا لعلومٍ، وأقاموا حضارةً، وبنوْا فلسفةً وفكرًا[2]. وكل هذه الأمور شكّلت التراث الذي انتقل إلينا منهم، وقد أسهم هذا التراث على الدوام في تشكيل وعينا وإدراكنا، وهو يترك تأثيره على سلوكنا شئنا أم أبينا.

يرى أبو زيد أنّ الأديان بجميع أشكالها ومصاديقها هي من صنع البشر، ولا يمكن للإسلام أن يُستثنى من هذه القاعدة. بيد أنّ اختلاق الدين من وجهة نظر نصر حامد أبو زيد لا يعني إلغاء المساحة الميتافيزيقية من أفق الإيمان الديني. بل إنه يرى أنّ التاريخ الاجتماعي المتحقق إن هو إلا مرآةٌ تعكس الميتافيزيقیا، وإنّ

(81)

السنة إنما يمكن عرضها وتقييمها في هذا الإطار. وبعبارةٍ أخرى: إنّه يدعي أنّ الله إنّما يتجلى في التاريخ عبر الإنسان[1]. فهو يقول:

من منظور الثقافة، فالإسلام دينٌ عربيٌّ، بل هو أهم مكونات العروبة وأساسها الحضاري والثقافي[2].

ومن هنا فإنه يرى أنّ الإسلام دينٌ عربيٌّ، وقد تجلّت كلمة الله فيه عبر اللغة. وفي الحقيقة فإنّ الفصل بين ما يطرحه نص القرآن حول نفسه، وما تقوله الثقافة عنه، يؤيّد الأمر الذي يعتبر الفصل مسألةً اعتباطيةً.

يذهب نصر حامد أبو زيد إلى الاعتقاد بأن الفصل بين العروبة والإسلام ينطلق من مجموعةٍ من الافتراضات المثالية الذاتیة، وأولها عالمية الإسلام وشموليته، بدعوى أنه دينٌ للناس كافةً لا للعرب وحدهم[3]. يرى أبو زيد أنّ عالمية وخلود واتساع رقعة الإسلام مقيّدةٌ، مُدَّعيًا أنّ القرآن أكبرُ كتابٍ عربيٍّ يعكس الثقافة والسنن العربية في عصر النزول على نحوٍ شاملٍ، وأن الإسلام دينٌ عربيٌّ[4]. فإذا أراد هذا الدين لنفسه وأراد أتباعه له أن يكون حيويًّا، فإن من بين أهم آفاته نفي العقل وحبسه في دائرة النصوص الدينية، حيث تتلخص وظيفة العقل في هذه الحالة باكتشاف دلالات النص بما يتناسب مع المتغيرات المتجددة في كل عصرٍ ومكانٍ[5]. وعليه فمن الضروري العمل ـ من خلال توظيف المبادئ الكلية وهي:

(82)

العقل والحرية والعدل التي هي بمنزلة مقاصد الشريعة ـ على تقديم نموذجٍ من أجل التقدم وبناء الحضارة الإنسانية، وإلّا فلن تكون تعاليم هذا الدين مقبولةً من وجهة نظر المجتمعات الحديثة[1]. وهذا الاتجاه هو الذي يؤدي إلى طرد النماذج المدونة في القرآن الكريم والسنة النبوية لمقاصد الشريعة.

أنواع السنة

يذهب نصر حامد أبو زيد ـ انطلاقًا من مبانيه الأنثروبولوجية واعتقاده بانفتاح وصول التجارب المعنوية للإنسان ـ إلى اعتبار السنة بناءً على رؤية محيي الدين ابن عربي، هي الصراط والطريق. وهو الصراط المتعدد بعدد السالكين[2]. وحيث ينحصر أمر الحقيقة بين الربّ والعبد، يكون هناك طريقان: طريقٌ إلى الربّ، وطريقٌ إلى العبد. وإنّ طريق ارتباط الربّ بعبده يكمن في النزول في أوصاف الخلق، وإنّ طريق العبد في الوصول إلى ربّه، يكمن في الصعود عبر الاتصاف بأوصاف الحق. وهو المسير الذي لا يصل إلى مرحلة الفعلية إلا من طريق السعي وبذل الجهد من أجل تحقيقه من قبل العبد[3]. إذًا فالسنة هي طريق العبد في الوصول إلى الرب، في حين أنّ الكتاب هو طريق نزول الربّ إلى العبد. وعليه فإنّ نصر حامد أبو زيد يزعم أنّ الكتاب طريق الربّ إلى العبد، والسنة طريق العبد إلى الربّ. إنّ هذين الطريقين يلتقيان في موضعٍ؛ لأنّ كثرتهما إنما هي في الظاهر فقط، وأمّا من حيث الحقيقة، فهما طريقٌ واحدٌ والسنة صراط الله الذي له ما

(83)

في السماوات وما في الأرض، ألا إلى الله تصير الأمور[1]. بيد أنّ نصر حامد أبو زيد يذهب في موضعٍ آخرَ من الاستعمال القرآني إلى الفصل بين السنة والتراث، فهو يرى أنّ السنة الإلهية تعني في بعض الأحيان الطريق والأسلوب التكويني الناظر إلى القوانين الواقعية والخارجية للعالم والإرادة التكوينية لله سبحانه وتعالى، وتعني في بعض الأحيان الأخرى طريقة وأسلوب حياة الإنسان والأحكام والقوانين العملية المرتبطة بها.

كما فرّق نصر حامد أبو زيد بين السنة المنبثقة عن الوحي، والسنة المنبثقة عن العادات، وقال:

«في هذا السياق يجب أنْ نفهم أقوال الرسول الخاصة بوجوب اتّباع سنته بأنّ المقصود بها أقواله وأفعاله الشارحة والمبيّنة لما ورد مجملًا في تعاليم القرآن. وما سوى ذلك من الأقوال والأفعال يجب أنْ يُدرج في سياق الوجود الاجتماعي للشخص التاريخي؛ بمعنى أنّها أقوالٌ وأفعالٌ غيرُ ملزمةٍ للمسلم في العصور التالية»[2].

السنة والشريعة

لم تَرِدِ الصورة الاسمية للشريعة في القرآن الكريم إلا في موضعٍ واحدٍ، وذلك في سورة الجاثية، حيث يخاطب الله النبي الأكرم صلى الله عليه وآله بقوله: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) [3]. طبقاً لهذه الآية تكون لكلِّ جماعةٍ طريقتها التقليدية في الحياة.

(84)

ويرى نصر حامد أبو زيد أن القرآن يفضّل طريقة الحياة القائمة على الإسلام[1]. إذ يقول الله تعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) [2].

يذهب نصر حامد أبو زيد إلى الاعتقاد بأنّ الشريعة في السياق الإسلامي تشتمل على قوانينَ منبثقةٍ عن القرآن الكريم والسنة النبوية.

إنّ الشريعة من وجهة نظر نصر حامد أبو زيد تمثّل الإرادة الإلهية على إقامة الاعتدال بين الجانب الوجودي والجانب المعرفي المؤثّر في الحياة الإنسانية[3]. ومرّةً أخرى يعود نصر حامد أبو زيد ـ من خلال التعرّض لمسألة الظاهر والباطن ـ إلى التأكيد على الفصل بين الأمر التكويني والأمر التشريعي الإلهي[4]. وعلى أساس هذا المبنى يعمل أبو زيد على ردّ ادعاء الإسلاميين القائلين بأنّ القانون القائم على الشريعة هو القانون الإلهي الذي لا يقبل التعديل أو التحويل، والذي يمكن تطبيقه في كلِّ زمانٍ ومكانٍ، ويذهب إلى الاعتقاد بأن القانون القائم على الشريعة هو التفسير الإنساني للمبادئ والمباني المذكورة بواسطة القرآن والتاريخ الإسلامي[5] لبيان الحدّ الوسط بين الساحات الوجودية والمعرفية للإنسان. كما ورد هذا الرأي من نصر حامد أبو زيد في كتابه هكذا تكلم ابن عربي عند تبويبه لآراء ابن عربي.

يذهب نصر حامد أبو زيد إلى الاعتقاد بأنّ مشروعية أحكام الشريعة والتي

(85)

تقوم على أساس البُعد الفقهي من الشريعة، هو بحثٌ في ظاهر الشريعة، في حين أنّ هناك ساحةً أخرى في الشريعة ترتبط بباطنها وهي التي تجري داخل الإنسان، وهي المسألة التي من الممكن أنْ تحدث بإذن الله لكلِّ شخصٍ إذا كان من أهل طريق الله. لذلك فإن حكم الشريعة يجب أنْ تكون له مشروعيةٌ في ساحة الظاهر والباطن[1]. يذهب نصر حامد أبو زيد ـ استنادًا إلى بحث مقاصد الشريعة ـ إلى الاعتقاد بأن سرّ خلود وبقاء الشريعة في العصر الحديث، يكمن في السعي إلى الوصول إلى المقاصد المنشودة للشريعة، وهو ما يحتاج إلى قراءةٍ تفصيليةٍ وعقلانيةٍ معمّقةٍ للنصوص الدينية[2]. وعلى هذا الأساس فقد عمد في بعض كتبه إلى تحليل الشريعة عند المفكرين المسلمين[3].

يذهب نصر حامد أبو زيد إلى الادّعاء بأنّ الشريعة يُنظر إليها في العرفان الإسلامي بوصفها القشرةَ الخارجيةَ للحقيقة[4]. إنّ العرفاء لم يُنكروا الشريعة، بل وجدوا أنّ معناها يكمن في ضرورة توجيه المؤمنين إلى مستوًى أعمقَ من الإيمان والحقيقة. ولذلك فقد تعرّض أبو زيد في آرائه إلى تبويب تأويل فروع الإسلام ولا سيما العبادات بوصفها أساسَ الشريعة[5]. كما يرى أبو زيد أنّ الشريعة في الفلسفة الإسلامية تحظى بمكانةٍ أقلَّ بالقياس إلى العقل. فإذا حصل نزاعٌ في موردٍ بين العقلانية والشريعة، ستكون الكلمة الفصل للعقل حتمًا[6].

(86)

يذهب أبو زيد إلى الادّعاء بأنّه عندما يمتزج الدين مع السياسة بشدةٍ في إطار أزمة الهوية الإسلامية، فإنّ الشريعة بوصفها قانونًا قد تحوّلت في الأساس إلى مصطلحٍ للإسلام السياسي[1]. إنّ سابقة هذا الاتجاه الذي يوحّد بين الدين والسياسة تعود إلى جهود الشافعي في حقل الفقه، وأبي الحسن الأشعري في حقل العقائد وأصول الدين. يذهب أبو زيد إلى الاعتقاد بأنّ الشافعي قد وسّع مفهوم الوحي في حقل أصول الفقه بحيث يشمل السنة إلى جانب القرآن، كما وسّع من مفهوم السنة بحيث يشمل الإجماع أيضًا، بيد أنه لم يترك لفاعلية العقل إلا مجال القياس والذي اشترط له شروطًا تجعله نوعًا من الاستنباط المقيّد بحدود الأصل السابق[2].

يذهب أبو زيد إلى الاعتقاد بأنّ الشريعة فعلٌ إنسانيٌّ[3]، وأنّ استمرارية التاريخ قد تركت ركامًا من الأفعال الإنسانية من هذه الشاكلة حيث يمكن إطلاق تسمية السّنّة عليها. يرى نصر حامد أبو زيد أنّ تعدّد المدارس الفقهية لا يُشير إلى أنّ الفقه أمرٌ إلهيٌّ، بل إلى أنّ له منشأً إنسانيًّا، بيد أنّ الدين والشريعة يمثّلان إطارًا مرجعيًّا لا تختلف التيارات السلفية والإسلامية فيه، بل إنما يكمن اختلافهم حول تأويل النصوص الدينية[4]. يسعى الفقهاء من خلال الاستعانة بمنظومةٍ معقدةٍ من الاستدلالات الفلسفية والأساليب المنطقية، من قبيل: القياس والاستقراء والتمثيل، إلى تسرية الإشارات السياسية والأخلاقية في القرآن والسنة إلى سائر المصاديق الأخلاقية والسياسية والفقهية.

(87)

الشريعة وثقافة العصر

يذهب نصر حامد أبو زيد إلى الاعتقاد بأنّ الأشكال التي تمّ تقديمها في القرآن عن العقوبات، من قبيل عقوبة الأَمَة[1]، والعقوبات الجسدية على الزنا أو البهتان[2]، وعلى السرقة[3]، ليست لها أصالةٌ قرآنيةٌ، وإنّما عمد القرآن إلى مجرّد توظيفها والاستفادة منها. يرى أبو زيد أنّ المهم في هذه المسألة ليس هو ظاهرَ العبارات والقواعد القانونية، وإنّما هو مستوًى أعمقَ من المعنى الحامل للخطاب الأخلاقي[4]. في ما يتعلق بمسألة الإرث نجد القرآن من جهة تابعًا للنظام الأبوي الذي تلعب فيه رابطة الدم دورًا محوريًّا حيث يكون لذرية الرجل سهم في الإرث، ونراه من جهة أخرى يضيف شيئًا جديدًا بالكامل، فقبل الإسلام لم يكن للمرأة العربية أيُّ نصيبٍ من التِّركة، في حين جاء القرآن الكريم ليمنحها نصف ما للرجل في الإرث[5].

تنظيم الأمور اليومية على أساس الشريعة

يزعم نصر حامد أبو زيد أنّ تنظيم جميع أمور الحياة اليومية على أساس الشريعة، ناشئٌ عن توجُّهات تيارٍ يرى الإسلام هو الحل الوحيد لمشاكل العالم المعاصر[6]. في ما يتعلق بتنظيم جميع الأمور من قبل الخطاب الديني يتم

(88)

استخدام بعض الأدوات، ومن بين أهم هذه الأدوات ـ من وجهة نظر نصر حامد أبو زيد ـ إيجاد الاتحاد بين الفكر والدين، ورد الظواهر إلى مبدأٍ واحدٍ في الماضي، والتعويل على سلطة التراث والسلف، والقطعية الذهنية، وحسم المشاكل الفكرية وتجاهل البُعد التاريخي[1] في مواجهة الاختلافات والمواقف الفقهية والشرعية.

يرى أبو زيد أنّ اللجوء إلى الشريعة وضيقها المتزايد يكمن بدوره في أزمة الهوية الإسلامية، لا سيّما وأنه قد ظهر في العقود الأخيرة نمطٌ متصلبٌ من السلوكيات الإسلامية، وتدقيقٌ أكبرُ في الشريعة. ويذهب أبو زيد إلى الاعتقاد أنّ مردّ هذا التصلّب المتزايد في بعض الموارد ـ كما في تركيا أو إيران ـ يعود إلى مسارٍ من العلمنة السريعة والمفروضة. إنّ هذا النوع من السياسات الفوقية يؤدي إلى زلازل لا تزال تُستشعر في العقود اللاحقة، وبعضها يستتبع تحوّلاتٍ متناقضةً وعكسيةً أحيانًا[2].

العلمانية والمواجهة مع السنة

يذهب نصر حامد أبو زيد إلى الاعتقاد بأنّ القول بفصل الدين عن المجتمع أو فصل الدين عن السياسة، هو قولٌ خاطئٌ من الناحية المنطقية، إذْ لا يمكن العثور على أيِّ شاهدٍ تاريخيٍّ لهذا الفصل في المجتمعات الإنسانية[3]. بل إنّ المطلوب للديمقراطية بلا قيدٍ أو شرطٍ هو فصل المرجعيات الدينية والسياسية عن

(89)

بعضها؛ إذْ بالإمكان في غير هذه الحالة تحوير الدين بسهولةٍ وتحويله إلى أداةٍ بيد السلطة، حتى يؤدِّيَ ذلك إلى سيطرة أقليةٍ تسيءُ الظن بالأديان الأخرى[1]. وبهذا المعنى تكون العلمانية في جوهرها من وجهة نظر نصر حامد أبو زيد ـ خلافًا لمدعيات المخالفين الذين يعتبرونها ترويجًا للإلحاد ـ ليست سوى التأويل الحقيقي والفهم العلمي للدين[2].

النسبة بين السنة والقرآن

يذهب نصر حامد أبو زيد إلى الاعتقاد بأنّنا إذا تأمّلنا في التاريخ العربي ـ الإسلامي، سنجد أنّ الإسلام قد حلّ محل الأديان المتعددة وبلغ بها أعلى درجات الاتحاد والانصهار، وعمل على استيعاب الأديان السابقة من قبيل اليهودية والمسيحية، من خلال نسبتها إلى النبي إبراهيم، ودعا إلى الإله الواحد بغية توحيد القبائل العربية. يدّعي أبو زيد أنّ القرآن الكريم عمد إلى إحياء خطاب الإسلام لتوحيد العرب من خلال نسبتهم إلى جدهم النبي إسماعيل، بيد أنّ هذا الاتحاد لم يؤدِّ إلى نفي التعدّد القائم بين القبائل العربية. يرى أبو زيد في القراءات السبعة خيرَ نموذجٍ لتقبُّل التعددية الثقافية الموجودة في القبائل العربية. وقد توصّل نصر حامد أبو زيد من خلال هذا التحليل إلى نتيجةٍ مفادها إمكانية أنْ يكون الإسلام قد أراد من وراء القبول بتعدّد القبائل العربية إقامة الوحدة السياسية بين هذه القبائل. بيد أنّ استيلاء قريش وسيطرتها على سائر القبائل العربية بعد رحيل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، قد أسس لنشوء أساس الخلافات والنزاعات السياسية والاجتماعية بين العرب[3].

(90)

يذهب نصر حامد أبو زيد إلى الادّعاء بأنّ القرآن الكريم ليس كتابَ قانونٍ، وأنّ الشريعة ليست هي العنصرَ الوحيدَ ولا حتى أهم العناصر المقوّمة للإسلام[1]. لا يدّعي أبو زيد الاستغناء الكامل للقرآن عن السنة أو السنة عن القرآن، كما يرى أنّه من الخطأ القول بأنّ القرآن أو السنة لوحدهما يمكن أن يحل جميع مشاكل المجتمعات الإسلامية. إنّ نصر حامد أبو زيد من خلال إحالته مصادر التشريع إلى محك العقل الإنساني، لا يكتفي بالخدش في شأنية القرآن بوصفه مصدرًا للتشريع، بل يخدش حتى في حجية السنة في هذا الشأن أيضًا، ولفتح مجالٍ للاجتهاد والخروج من سلطة النص والتبعية له، يرى أنّ العقل هو المصدرَ الأساسَ الوحيد في تشخيص الصحيح من الخطأ.

نقد ومناقشة نظرية السنة عند نصر حامد أبو زيد

هناك من الناقدين لنصر حامد أبو زيد من يذهب إلى الاعتقاد بأن آراءه حول السنة تعمل على تقوية الخطاب المتطرّف، وتدفع بالخطاب المعتدل ليكون أكثر تطرّفًا[2]. يذهب جميع المؤمنين بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الاعتقاد بأنه في تلقي الوحي وإبلاغه لا يرتكب المعصية ولا يقع في الخطأ والنسيان، وأما في سلوكه العادي خارج الوحي سواءً قبل البعثة أو بعدها، فهناك اختلاف بين المسلمين في هذا الشأن. فهناك من يقول بعصمته في ما يتعلق بالوحي فقط، وأما في ما وراء الوحي فلا يرى له عصمةً. وهناك من يذهب إلى عصمته في

(91)

تلقي وإبلاغ الوحي بعد البعثة فقط، وبعبارةٍ أخرى: إنّ هذا البعض يقول بعصمة النبي من ارتكاب المعصية بعد البعثة، لا قبلها. وهناك من يذهب إلى القول بعصمته مطلقًا بعد البعثة وقبلها. والمشهور عن علماء الشيعة بأنّهم ذهبوا الی القول بأعلى مراتب العصمة للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، حيث أثبتوا له بالإضافة إلى العصمة في تلقي الوحي وإبلاغه، عصمة من العصيان والخطأ والنسيان، وذكروا أدلةً عقليةً ونقليةً في إثبات العصمة والحجية لسنته:

أما الدليل العقلي الذي يذكره الشيعة على إثبات العصمة والحجية لسنة النبي، فهو أنّ من بين أهداف البعثة والغاية من إرسال الأنبياء هداية وتربية وتزكية الناس، وإنّ الله سبحانه وتعالى من خلال إرسال الرسل والأنبياء المعصومين من المعاصي والأخطاء والنسيان، يعمل على إيصال كلمته إلى الناس. وعليه تقتضي حكمته أنْ يكون نبيه ـ في تلقي وإبلاغ الوحي وغيره من أمور وشؤون الحياة ـ معصومًا من العصيان والخطأ والنسيان. وإنّ القول بجواز ارتكاب المعصية على النبي  يتنافى مع الغرض من البعثة، مضافًا إلى ما في ذلك من تغرير الناس وحثهم على فعل المعاصي. وحيث أنّ نقض الغرض وتشجيع الناس على ارتكاب المعاصي يتنافى مع الحكمة الإلهية، إذًا يحكم العقل بوجوب أنْ يكون النبي معصومًا عن ارتكاب المعاصي. وبالإضافة إلى الدليل العقلي على العصمة، هناك أدلةٌ نقليةٌ تعضد القول بوجوب عصمة الأنبياء. ومن ذلك ما ورد في القرآن الكريم من وجوب إطاعة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، إذ يقول: 

(مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) [1].

وفي بعض الآيات الأخرى بعد الأمر بإطاعة الله، أمر الله المؤمنين بإطاعة النبي

(92)

أيضًا:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ...) [1]

وفي بعض الأيات اعتبر الله تعالى معصيةَ النبي تمرُّدًا على أوامر الله سبحانه وتعالى، ومن ذلك قوله: (... وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا) [2].

وفي بعض الآيات تم اعتبار التقدّم على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله تقدُّمًا على الله تعالى، كما في قوله:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ...) [3].

جديرٌ بالذكر أنّ إطاعة النبي واتباعه في أيِّ واحدٍ من هذه الآيات لم يُقيَّد أو يُخصَّصْ بحكمٍ آخرَ، وكما أنّ إطاعة الله مطلقةٌ وشاملةٌ، كذلك تكون إطاعة النبي مطلقةً أيضًا. وهذا يدل على العصمة المطلقة للنبي، وتطابق أفعاله وأقواله تمام الانطباق مع الإرادة الإلهية؛ إذْ يقول تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى) [4]. ولا شكّ في أنّ إناطة المحبّة الإلهية بإطاعة النبي إنّما تنشأ من هذه الناحية:

(قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) [5].

وقد ذكر القرآن الكريم من بين خصائص النبي الأكرم صلى الله عليه وآله صفة الهداية التي هي من خصائص الله سبحانه وتعالى، إذ يقول:

(93)

(وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ) [1].

إن التعريف بالنبي الأكرم بوصفه قدوةً وأسوةً حسنةً للذين يأملون رحمة الله ويعتقدون بيوم المعاد والذاكرين الله تعالى، لا يقتصر على الناس في عصر النزول فقط؛ إذْ يقول الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه الكريم: 

(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) [2].

إنّ القرآن الكريم ـ خلافًا لما يدّعيه نصر حامد أبو زيد الذي جزّأ الآيات القرآنية إلى أبعاضٍ، واعتبر بعضها من الوحي، وبعضها الآخر مجردَ حوارٍ دائرٍ بين النبي وأبناء عصره ـ يؤكد على وجوب أخذ المسلمين جميع ما يرد إليهم من طريق النبي، إذ يقول تعالى:

(وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [3].

وعليه بالإضافة إلى الأمر بالسلوك المطابق لسلوك النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، ورد النهي بما يتطابق مع سلوكه، وجاء العمل بالأوامر وترك النواهي في موضعٍ واحدٍ.

(94)

يرى بعض المنتقدين لنظريات معرفة السنة عند نصر حامد أبو زيد، أنّ رؤيته إلى السنة تؤدّي إلى التقليل من شأن السنة، وفتح المجال لتدخُّل العقل الإنساني باسم الاجتهاد بالخروج عن التبعية للنص[1]. إنّ إدخال بعض الألفاظ والتوجهات العلمية الجديدة لتحليل الأحداث الماضية، يؤدّي بالمحقق إلى الاضطراب في مواضعَ مختلفةٍ؛ إذْ يكون بصدد تطبيق أسلوبٍ خاصٍّ على الظواهر التاريخية. يذهب الدكتور حسن حنفي إلى الاعتقاد بأنّ نقد التفكير الموحّد لصالح التفكير المجتزئ والذي يثير الفرقة، يخالف الروح التوحيدية للإسلام.

آلية قراءة النص وإنتاج الوعي

إنّ التأمل في الأساليب الموجودة لقراءة النصوص الدينية في الحضارة العربية ـ الإسلامية، والسعي إلى توجيه الفضاء الفكري المعاصر في العالم العربي نحو نوعٍ من المنهجية الخاصة في قراءة النصوص، من أهم المسائل التي يمكن العثور عليها في جميع مواطن الحياة العلمية لنصر حامد أبو زيد. يمثّل العثور على الأسلوب الصحيح لفهم وتفسير القرآن الكريم من أجل الحصول على نظرية المعرفة الحديثة هاجسًا لدى نصر حامد أبو زيد يحثّه في حياته العلمية. وعلى هذا الأساس فإنّنا في القسم الآخر من نظريات نصر حامد أبو زيد سوف نعمل على دراستها ونقدها. إنّ بالإمكان على أساس مقولة أسلوب قراءة النصوص الدينية في المشروع الفكري لنصر حامد أبو زيد، العمل على إعادة قراءة أهم نظرياته في هذا الشأن:

1 ـ ماهية النص وأسلوب قراءته.

2 ـ الاجتهاد وإنتاج المعرفة.

(95)

ماهية وخصائص النص القرآني

يرى نصر حامد أبو زيد أنّ الخطوة الأولى في قراءة النص تتمثّل في الاتفاق حول تحديد سنخية ونوع وماهية النّصّ. وقد تعاطى أبو زيد مع هذا السّؤال على نحوين. فإنّه في بعض مؤلفاته، من قبيل: الاتجاه العقلي في التفسير، وفلسفة التأويل: دراسة في تأويل القرآن عند محيي الدين ابن عربي، وأخيراً في مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن، عمد أوّلًا إلى فهم القرآن بوصفه نصاً مكتوبًا، فقام بقراءة النصّ القرآني على طبق قواعد تحليل النص المكتوب. وكان اتجاهه التأويلي الأهم في هذه المرحلة يكمن في الاعتماد والتعويل على دقائق اللغة العربية، وإدخال العقل البشري للوصول من ظواهر النص إلى حقيقته وباطنه. وفي هذه المرحلة عمد نصر حامد أبو زيد ـ من خلال توظيف منهجية التحليل اللغوي في الدراسات الإسلامية، من قبيل: الهرمنيوطيقا والسیمیوطیقاـ إلى تقديم منهجٍ في قراءة النصوص. يرى نصر حامد أبو زيد أنّ الشيخ أمين الخولي وتلاميذه يمثّلون طلائع هذا الاتجاه في المرحلة المعاصرة[1]. بيد أنّ أسلوبه في مواجهته للنص لا يقف عند هذه المرحلة. ففي مرحلةٍ من حياته العلمية تخلّى عن هذا الرأي، وتأثّر بالآراء القرآنية لمفكرين آخرين من أمثال محمد أركون، في اعتبار النص مجموعةً من الأقوال المتناثرة للنبي الأكرم على أمد عقدين ونيّفٍ من الزمن من عصر النزول، للتحوُّل لاحقًا إلى نصٍّ مكتوبٍ[2]. وقد عمد إلى بحث ودراسة هذا الأسلوب في مواجهة النص في كتابه التجديد والتحريم والتأويل. يزعم نصر حامد أبو زيد أنّ النظر إلى النص بوصفه نصًّا منطوقًا يمهّد الأرضية إلى تأويلٍ حيويٍّ ومتحركٍ وأكثرَ إنسانيةً.

(96)

القرآن بوصفه نصًّا مكتوبًا

لقد اقترن أهم ادّعاء لنصر حامد أبو زيد في هذه المرحلة التي بدأت بـ الاتجاه العقلي في التفسير، ثم واصلها في فلسفة التأويل: دراسة في تأويل القرآن عند محيي الدين ابن عربي، وختمها أخيرًا في مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن، بتأليف التاريخ التقليدي للتأويل في التراث الإسلامي منتصرًا للتوجّهات العقلية ـ الاعتزالية، ومنتقدًا للتوجهات النقلية ـ الأشعرية، فكان من نتائج ذلك في رؤية نصر حامد أبو زيد التفكير ضمن الإطار التأويلي المعتزلي، وتقرير نظريةٍ لغويةٍ حديثةٍ عن خلق القرآن والنظر إليه بوصفه نصًّا مكتوبًا.

يذهب نصر حامد أبو زيد إلى الاعتقاد بأنّ تاريخ صدر الإسلام ومرحلته الوسيطة ليست وحدها التي تمثّل تحدّيًا معاصرًا في البلدان الإسلامية، بل إنّ التحدِّيَ الأكبرَ الذي شغل جميع التيارات الفكرية والسياسية والاجتماعية المعاصرة ولا يزال، يكمن في النزاع حول مفهوم الإسلام، وإنّ هذا النزاع يمثل جزءًا من النزاع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الأكبر حول مفهوم الاستقلال والحرية والعدالة. وإنّ منهجه في هذه الظروف يكمن في إحياء التيار الذي رآه المتقدمون معطوفًا على مسألة المعنى، ورآه المعاصرون معطوفًا على توظيف أسلوب التحليل اللغوي في الدراسات الإسلامية[1]. يرى نصر حامد أبو زيد أنّ هذا الأسلوب هو الأسلوب الإنساني الوحيد الذي يمكن من خلاله فهم الخطاب الإلهي وفهم الإسلام أيضًا، وهو الأمر الذي كان يبدوا توجُّهًا جديدًا في البلدان العربية المعاصرة. إنّ المسألة الكلية لدى نصر حامد أبو زيد في هذه المرحلة تكمن في السؤال القائل: هل يمكن اعتبار المفهوم الديني نهبًا للمصالح [الفردية أو الجماعية] أو الإيديولوجيَات

(97)

المختلفة أم هو وسيلة لاكتشاف المعنى الديني ـ البعيد بطبيعة الحال حتى الإمكان عن الإيديولوجيَات ـ القائم على النص الثابت، ومتفرِّعًا على هذه المسألة عمد أبو زيد إلى طرح سؤاله الرئيس القائل: ما هو معنى النص القرآني؟، معتبرًا في ذلك أنّ جميع النزاعات والخلافات القائمة في البلدان العربية، تعود إلى النزاع حول معنى ومفهوم القرآن الكريم[1]، ويسعى في العثور على مفهوم النص إلى موقفٍ داخليٍّ[2].

إنّ المشروع الفكري لنصر حامد أبو زيد في هذه المرحلة يتمثّل في اعتباره القرآن نتاجًا ثقافيًّا، وبعبارةٍ أخرى: إنّ القرآن نصٌّ لغويٌّ وتاريخيٌّ تبلور ضمن واقعيةٍ، ثم عمد إلى بلورة الثقافة[3]. والنقطة الهامّة في هذا الإطار والمستندة إلى النص القرآني في مسار دراسة النص من جهة أنّ مراد نصر حامد أبو زيد هو النص بالمعنى العام، ومن الطبيعي بالنظر إلى منزلة القرآن الكريم ضمن مجموع التعاليم الإسلامية، أنّ تحديد تكليفه يؤدّي بدوره إلى تحديد منزلة النص غير القرآني أيضًا. يرى أبو زيد ـ من خلال الاستناد إلى كلام الله وفصل مفهوم الوحي عن البيان اللفظي للوحي ـ أنّ القرآن كلام الله من طريق الوحي، وأنّ كلامه المنطوق هو من قِبل النبي، متجنّبًا الخوض في جملةٍ من الأبحاث، ومن بينها اللغة التي تحدَّث بها جبرائيل وما إلى ذلك. إنّ الدراسات البنيوية لـ توشيهيكو إيزوتسو حول القرآن الكريم، ومنها مقالته بعنوان الوحي بمثابة المفهوم اللغوي في الإسلام، قد تركت تأثيرها العميق على دراسات نصر حامد أبو زيد. إنّ إيزوتسو في هذه

(98)

المقالة من خلال التحليل اللغوي للوحي يصل إلى التحليل الثقافي للوحي، بمعنى أنه يتعرّف على الثقافة من خلال التحليل اللغوي. إنّ إيزوتسو هو الشخص الذي قال عنه نصر حامد أبو زيد نفسه أنّه هو الذي فتح ذهنه وتفكيره على الأبحاث الجديدة في حقل العلوم اللغوية. ومع ذلك يبدو أنّ نصر حامد أبو زيد هو الأول من بين المفكرين العرب المعاصرين الذي أدخل مصطلح الهرمنيوطيقا في الأدبيات العربية بشكلٍ جادٍّ. وفي هذه المرحلة يقتصر النص من وجهة نظر نصر حامد أبو زيد على النصوص الدينية الأولية القرآن الكريم، والنصوص الدينية الثانوية الأحاديث النبوية وسائر شروح هذين النصين[1]. لقد عمد أبو زيد في هذه المرحلة ـ من خلال قوله بانسجام المصحف القرآن الكريم ـ إلى تكثيف قراءاته حول كيفية مسار جمع القرآن في عهد الخليفة الثالث، والتأويلات المتبلورة حول هذا النص.

لقد تعرّض نصر حامد أبو زيد بوصفه مؤرّخًا في تفسير وتأويل القرآن الكريم، إلى تعريف قضية الفكر التأويلي في الإسلام، وعمد إلى دراسة الاتجاهات التأويلية المتبلورة حول المصحف بوصفها نصوصًا ثانويةً قد اكتسبت مرجعياتٍ خاطئةً بين الأجيال اللاحقة من المسلمين، وقد تجلّت بوصفها المعيارَ الصحيحَ الوحيدَ في تفسير القرآن الكريم[2]. ومن بين نتائج هذا الأمر بالنسبة إلى نصر حامد أبو زيد، اتخاذ توجّهٍ شبهِ اعتزاليٍّ يؤدّي إلى تأويل قسمٍ من هذه النصوص من قِبله. ويجنح التركيز التأويلي الرئيس لنصر حامد أبو زيد في هذه المرحلة على المسائل المرتبطة بالأحكام وتقديم أسسٍ بغية جعل هذه الأحكام تتماهى مع الفضاء الاجتماعي ـ السياسي الحديث.

ينظر أبو زيد في هذه المرحلة إلى النص بوصفه أرضيةً رئيسةً للحضارة الإسلامية،

(99)

حيث يمثل الوجه الآخر من هذه العملة تبلور الاتجاهات التأويلية المتنوّعة والمتعددة بالنسبة إلى هذا النص، وإنّ الحصيلة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية لهذه الاتجاهات هي الحضارة والتراث الإسلامي. وبعبارةٍ أخرى: النظر إلى القرآن الكريم بوصفه نصًّا يجعله مفتوحًا أمام التأويلات المتنوّعة[1]. وقد ذهب نصر حامد أبو زيد في هذه المرحلة إلى الاعتقاد قائلًا:

عندما ننظر إلى النص الديني بوصفه لغةً، فهذا يعني أنّنا لا نستطيع تجاهل الطبيعة النوعية للخصائص النّصّيّة[2].

إنّه يؤمن بالتعاطي المتبادل بين النص والإنسان، والإنسان والنص. ويرى التأويل نوعًا من فك شفرة النص، ويرى في ذلك ضرورة إلى التعرّف على البنية اللغوية للقرآن الكريم.

ذهب نصر حامد أبو زيد ـ بتأثيرٍ من الاتجاهات التأويلية المتبلورة في عصر النهضة العربية في القرن التاسع عشر والقرن العشرين للميلاد، والتي قادها مفكرون من أمثال: الشيخ محمد عبده، وطه حسين، والشيخ محمد أمين الخولي، وأحمد خلف الله ـ إلى الاعتقاد بأنّ التأويل الصحيح  للقرآن إنّما يمكن من خلال الالتفات إلى النسيج التاريخي والمكاني لنزول الوحي واعتبار تأثير ثقافة عصر النزول على المجازات القرآنية وتشبيهاته واستعاراته. وفي هذا الإطار يقترح أربع فرضياتٍ لتقديم تأويلٍ صحيحٍ للنص في العصر الراهن:

1 ـ قابلية التجربة للتأييد.

2 ـ اعتبار أصالة ثقافة ومقتضيات المفسّر.

3 ـ تقسيم المفاهيم الدينية إلى ذاتيةٍ وعَرَضِيةٍ.

(100)

4 ـ القول بأنّ أصلَ القرآن والسنة عبارة عن السلوك التوحيدي.

وفي ما يلي سوف نتعرّض إلى خصائص الفكر التأويلي لنصر حامد أبو زيد في مرحلته الفكرية الثانية:

القرآن بوصفه نصًّا منطوقًا

على الرغم من أنّ جهود نصر حامد أبو زيد في المرحلة السابقة ـ والتي اشتملت على أكثر مؤلفاته، وكان فيها متأثِّرًا بالتيار الاعتزالي التقليدي ـ، إلّا أنّ الشاخص الفكري له في هذه المرحلة ـ ضمن الاحتفاظ بهواجسه السابقة ـ موزّعٌ بين التأثر بالعلوم الأدبية ـ اللغوية ما بعد الحداثوية من جهةٍ، والتيار التأويلي الإسلامي المتجدد من جهةٍ أخرى، ونتيجته هي استدارة نصر حامد أبو زيد من القرآن بوصفه نصًّا مكتوبًا إلى القرآن بوصفه مجموعةً من النصوص المنطوقة[1].

إنّ نصر حامد أبو زيد من خلال رفضه لانسجام نصّ القرآن الكريم بوصفه كُلًّا واحدًا، عاريًا عن التناقض وواجدًا للحقيقة، يعمل على توجيه الأنظار إلى أرضيات تبلور الحوار المتفرّق بين النبي الأكرم والمعاصرين له، وحصيلة هذا النوع من الحوار الذي تمّ صبّه بعد رحيل النبي الأكرم في هذا القالب، هو القرآن[2]. وبعبارةٍ أخرى: إنّ جهوده تعبيرٌ ما بعد حداثويٌّ وشبهُ اعتزاليٍّ عن قضية خلق القرآن، في قِبال شعار قِدم القرآن من قبل الأشاعرة[3]؛ وذلك لأنه يعتقد بأن مسألة خلق القرآن تمهّد مسار التأويل والاجتهاد مع المباني اللاهوتية والفلسفية[4].

(101)

إنّ نصر حامد أبو زيد من خلال مواجهته المستحدثة مع نصّ القرآن يرفض دعوى كتابية لغة القرآن وانسجامها وتماهيها، ويعرّف النص الموجود بوصفه مجموعةً من الحوارات الدائرة بين النبي الأكرم وأبناء عصره، ولا يرى الهدف الغائي من هذه الحوارات تجسيدًا وتبلورًا في إطار هذا النص، بل يرى بلورة هذه الحوارات في إطار الأهداف المختلفة بل والمتعارضة أحيانًا في مسارٍ عاديٍّ ويوميٍّ. وقد ذهب نصر حامد أبو زيد ـ من خلال الاستناد إلى آراء ابن رشد في هذا الشأن ـ إلى الاعتقاد بأنّ آلية الحوار الإلهي لدعوة الناس إلى الدين الإسلامي متعددةٌ ومتكثرةٌ، وأنّ القبول بالشرائع المتعددة دليلٌ على هذه الرؤية[1].

إذا كان نصر حامد أبو زيد في المرحلة السابقة من خلال اعتبار القرآن الكريم نصًّا مكتوبًا يفضّل القيمة الأدبية واللغوية للقرآن على سائر الأبعاد التي نسبها الفقهاء والأصوليون والمتكلمون والفلاسفة إلى القرآن، فإنه في هذه المرحلة من خلال اعتبار القرآن الكريم نصًّا منطوقًا يفضّل القيمة المعنوية والأخلاقية للقرآن الكريم على المستوى الفردي والشخصي على سائر الوجوه القيَمية الأخرى للقرآن الكريم.

أهم النتائج المترتبة على اعتبار منطوقية القرآن الكريم

ذهب نصر حامد أبو زيد ـ بتأثير من باختين، وتوظيف الثنائية المفهومية المجعولة من قبله ـ إلى الاعتقاد بالطبيعة الخطابية للنص، والناظرة إلى تجاهل الثقافة المتعالية أي الثقافة الرسمية المكتوبة، والذهاب إلى الثقافة اللامتعالية أي الثقافات غير الموجودة، والتي كان لها حضورٌ حيويٌّ في الوجدان الاجتماعي العام، وتتعاطى مع الحياة اليومية للناس[2]. ومن التداعيات المترتبة على اعتبار القرآن

(102)

الكريم نصًّا منطوقًا، اقتران السؤال عن معنى القرآن بالسؤال عن معنى الحياة بالنسبة إلى الإنسان؛ لأنّ القرآن زاخرٌ بالحوارات والمجادلات والمناظرات والرفض والقبول، لا في ما يتعلق بالتقاليد والثقافات وأنواع السلوك قبل ظهورها فحسب، بل وحتى في ما يتعلق بالأعراف والأحكام وتأكيداتها أيضًا.

ومن بين النتائج المترتبة على الطبيعة الخطابية للقرآن الكريم ـ من وجهة نظر نصر حامد أبو زيد ـ في حقل المعطيات المنهجية، أنّها تسوق المحقق القرآني إلى أسلوبٍ أكثَر إنسانيةً. إنّ تعدد قراءات القرآن الكريم من بين اللوازم الأخرى المترتبة على اعتبار هذا الكتاب نصًّا منطوقًا. يذهب نصر حامد أبو زيد إلى الاعتقاد بأنّ نظرية تعدّد الأصوات في قِبال نظريّة الصوت الواحد في القرآن الكريم، والتي غفل عنها حتى محمد أركون ـ وهو الطليعي في نظرية الطبيعة الخطابية للقرآن ـ تمثل واحدةً من أهم خصائص القرآن الكريم بوصفه نصًّا خطابيًّا[1]. ومن بين النتائج المترتبة على النظرة إلى القرآن الكريم بوصفه مجموعةً من النصوص المنطوقة والملفوظة، ملاحظة المناظرة الجدلية مع النصارى في ما يتعلق بحقيقة السيد المسيح عيسى بن مريم عليه السلام واعتباره عبدًا لله سبحانه وتعالى، وكذلك ملاحظة المذاكرات التي تؤدي إلى الحرب ضد اليهود بشأن النزاعات المتواصلة بين الطرفين. إنّ جميع هذه الأمور ـ على حدّ تعبيره ـ ناظرةٌ إلى الطبيعة والماهية الخطابية والمنطوقة للقرآن الكريم. في التأويل القولي للقرآن يُعتبر التأمّل في السياق أمرًا جوهريًّا، بمعنى نسبة القول إلى نوعية المخاطب والموقع الذي قيل فيه أو الغاية التي تمّ طرحه من أجلها. وهذا بغضّ النظر عن اعتبار الوحدة الناشئة من اعتبار القرآن الكريم نصًّا.

يرى نصر حامد أبو زيد في تشريحه لنظريته حول الطبيعة القولية والمنطوقة في حقل القرآن، إلى القول بأنّ إحدى غاياته الجديدة تتمثل في التأسيس لهرمنيوطيقا

(103)

حيويةٍ ومفتوحةٍ، وتوجيه تأويل القرآن في مسارٍ يهدف إلى تبويب معنى الحياة وتحريرها من جميع أنواع السلطة. لا يمكن لأيِّ توجُّهٍ جديدٍ إلى القرآن ـ سواءً في الأبحاث والدراسات الجامعية أو في تطبيقات الحياة اليومية ـ أنْ يُنتج هرمنيوطيقا حيةً ومفتوحةً. وتنطلق هذه التأويلية الحية والمفتوحة من حقيقة أنّ تأويل القرآن يمثل سعيًا إلى تبويب معنى الحياة[1].

يعمد نصر حامد أبو زيد في مرحلته الفكرية الثانية إلى تقديم بعض المقترحات في إطار معالجة وإصلاح الخطاب الديني العربي ـ الإسلامي المعاصر، ومن بين أهمْ مقترحاته في هذا الشأن، العمل على إجراء تغييرٍ جوهريٍّ في الأساليب التأويلية في أصول الفقه والأبواب الفقهية الناتجة عنه. وفي هذه المرحلة من خلال الإطلالة على بعض المسائل والأمور الاجتماعية اليومية التي لا يخلو الفقه الإسلامي من رؤيةٍ تجاهها، يشير نصر حامد أبو زيد إلى بيان طريقة العلاج الرئيسة في مثل هذه الظروف من خلال طرح السؤال الآتي:

هل يمكن للعقل الإسلامي أنْ يعمل على تحديد الأصل والفرع في الخطاب القرآني، ويعمل بذلك على تغيير آفاق الفقه الإسلامي؟[2].

إنّه من خلال طرح هذه المسألة يرى أنّ المعضلة الأهم حول تجديد المجتمع القائم على القيم الفردية والعلمانية والعامة والعالمية تكمن في تدخّل الفقهاء، ويعتبر ذلك ناشئًا عن النزاع بين الخطابات الدينية حول المعنى الحقيقي للدين، وتكمن رؤيته البديلة في تأصيل العبادة الفردية بمعيار الثواب والعقاب الأخروي، وتفريع الأحكام الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في الكتاب والسنة. يذهب نصر حامد أبو زيد من خلال تذكير نفسه وسائر المفكرين المعاصرين في الحقل

(104)

الديني إلى الاعتقاد بضرورة العمل على تسرية حكم الأصل إلى الفرع، وتحقيق المساواة في حقل العلاقات الاجتماعية بأساليب خلاقة[1].

ماهية التأويل الحديث للنصوص الدينية

إنّ هذه المرحلة من الحياة العلمية لنصر حامد أبو زيد تمثّل حلقة الوصل بين أبو زيد بوصفه مفكرًا وأبو زيد بوصفه فعّالًا. وتمثّل المرحلتان السابقتان مقدمةً وركيزةً ينطلق منها نصر حامد أبو زيد لتقديم النموذج المطلوب في إدارة المجتمع الإسلامي في المرحلة المعاصرة. ومن خلال بيان نسبته إلى القرآن الكريم والسنة بوصفها نصوصًا دينيةً حائزةً على مكانةٍ هامّةٍ في مواجهة المسلمين مع المعطيات المعرفية لدى الغرب الحديث، دخل نصر حامد أبو زيد في المرحلة الرئيسة من تنظيره، فهو من جهةٍ يعتقد بأنّ التراث لا يُنظر إليه في الوعي المعاصر بوصفه أيقونةً فريدةً ومقدسةً من التاريخ، ومن ناحيةٍ أخرى لا يوجد مفرٌّ من إعادة قراءته[2].

يرى نصر حامد أبو زيد أنّ مسار تجدّد المجتمع الإسلامي إنّما يكمن في مدخل تغيير رؤية المسلمين إلى تراثهم العربي ـ الإسلامي[3]، الذي يُشكّل أهم عناصر هويتهم. إنّ هذه المرحلة من كيفية إمكان التأسيس لمنهجٍ جديدٍ من أجل إنتاج المفهوم من النصوص الدينية تعمل على إظهار نفسها، وهو المنهج الذي يكون المطلوب فيه من المحقق أنْ يرى نفسه في حركةٍ دائمةٍ ضمن الديالكتيك التأويلي بين الإدراكات المعاصرة وأصول هذه الإدراكات في التراث. إنّ هذا التراث وإنْ

(105)

كان مِلكًا لنا، وقد انتقل إلينا من أسلافنا، ولكن يجب ألّا يُشكّل غِلًّا يقيّد حريتنا وحركتنا الاجتماعية نحو المستقبل[1].

يرى نصر حامد أبو زيد أنّ ثنائية الظاهر والباطن تتجلى بوصفها الوسيلة الأهم في القرآن الكريم كما هو الشأن مع كلِّ ظاهرةٍ أخرى من قبيل الوجود والإنسان[2]. كما خاضت ثنائياتٌ أخرى، من قبيل: المحكم والمتشابه، والتنزيه والتشبيه، والجبر والاختيار، والرحمة والعذاب وما إلى ذلك من الثنائيات الأخرى، في هذه الثنائية المتمثلة في الظاهر والباطن أيضًا[3]. وفي ما يتعلق بالرؤية العرفانية يذهب نصر حامد أبو زيد إلى القول بأنّ تأويل الوجود ليس منفصلًا عن تأويل نصّ القرآن، ولا سبيل إلى النفوذ والتسلّل إلى مستوياته المتعددة إلّا بالنسبة إلى الإنسان الكامل؛ إذ يمكنه تجاوز ظاهر هذا النص والوصول إلى باطنه[4].

الاجتهاد من وجهة نظر نصر حامد أبو زيد

ذهب نصر حامد أبو زيد ـ بعد دراسة الاتجاهات الاجتهادية في تيارات الفكر الإسلامي ـ إلى انتقاد المنهج الاجتهادي السائد بين جماعةٍ من علماء الإسلام الذين يحصرون الاجتهاد في التشريعات والفقه فقط[5]، وهذا المنهج ـ على الرغم من قدرة النص الديني على التجدّد وفهمه في مختلف الأزمنة والأمكنة ـ لا يوفّر إلا إمكانيةً مفتوحةً على الفهم والاجتهادات الفقهية فقط. وقد زعم نصر حامد أبو

(106)

زيد أنّ من بين أهمّ تبعات هذا القَصْر على الاجتهاد الفقهي، هو العدول عن النصوص والآيات التي تشكّل العقائدُ والقصصُ موضوعًا لها. إنّ تحديد دائرة الاجتهاد بالنسبة إلى الفقهاء، تبعته مقولةُ صلاحيةِ شريعةِ عصرِ النزول لجميع الأزمنة والأمكنة الأخرى، ودفعت بالاجتهاد في دائرة العقائد والقصص الدينية إلى بلوغ حدّ التكفير[1].

إنّ الذي ينشده أبو زيد من وراء إعادة قراءة النصوص الدينية والسنة الإسلامية، هو إبداعُ رؤيةٍ جديدةٍ في فهم الدين أو التأسيس لمنهجٍ جديدٍ في فهمه. وهو يرى أنّ الاجتهاد يعني العثور على أفضل وأنسب الحلول من داخل السنة وبين مختلف الآراء حول موضوع ما. إنّ هذا البحث عن الأمر الجديد يُحدّد دومًا بأنّ نعمل بذات الأدوات التي تمّ تعيينها من قِبل السنة.

وفي هذا البيْن يعتبر الاجتهاد في السنة أمرًا بديهيًّا، وهو يتّجه إلى ما قاله أسلافنا وما أفرزه تفكيرهم وتوصّلوا إليه. يمكن لنا أنْ نتعلّم بعض الأشياء من الماضي، ولكنّنا على كلِّ حالٍ يجب أنْ نتعرّف على معطيات أسلافنا، بيد أنّ هذا ليس كافيًا بحيث نقيّد أنفسنا في أساره، ونحاول جدلًا اكتشاف الماضي من جديدٍ، ونرتهن إلى القرن السادس والخامس والرابع للهجرة، فنحن اليوم نواجه مسائلَ لم يكن أسلافنا يرونها حتى في أحلامهم[2].

يذهب نصر حامد أبو زيد إلى الاعتقاد بأنّ جميع المعنى ومفهوم النص لا ينحصر بالسطح الظاهري فقط، بل لا بد من الاستفادة من المستوى الذي كان أصحاب اللغة يعرفونه من خلال المنطق الحاكم على كلامهم، في معرفة المعنى الحقيقي والكامن في مدلولات النص. يرى نصر حامد أبو زيد في أخذ منظومةٍ من

(107)

المداليل المعرفية والآليات البرهانية لنصٍّ ما بالالتفات إلى القواعد اللغوية لتلك اللغة، مساحةً اجتهاديةً[1].

وبالإضافة إلى ذلك فإنّ الاجتهاد مرتبطٌ بتصوّر الفقه الإسلامي بشكلٍ وثيقٍ. إذًا غالبًا ما يكون الموضوع حول العثور على نموذجٍ فقهيٍّ يمكن تحديد المسار في الموارد الأخرى على أساسه. لا يمكن لنا اليوم إقناع أنفسنا بمجرد إعادة النظر وإصلاح الفقه الإسلامي. ومن هنا أرى ضرورة الذهاب إلى ما هو أبعد، والعمل على جعل فهمنا للوحي وجزئياته وفهمنا الأخلاقي متطابقًا مع الواقع.

لو أريد لمجموع السنة أنْ تخضع للتفسير والاختبار النقدي، لا يمكن القيام بذلك من خلال الاستعانة بالاجتهاد القائم على أساس هذه السنة. يجب أنْ يذهب التفكير الإسلامي الانتقادي إلى أبعدَ من ذلك وأنْ تكون مساحته أوسعَ من الاجتهاد. يجب أنْ يتوفّر المجال لذلك بحيث تتمّ الاستفادة فيه من الأساليب العلمية والتاريخية أو الفلسفية، كي يغدوَ علمنا وفهمنا أكثرَ عمقًا[2].

نقد ومناقشة آلية قراءة النصوص الدينية وإنتاج المعنى

يرى نصر حامد أبو زيد أنّ أسلوب قراءة النص والتيارات المتعددة والمتنوّعة والمتعارضة أحيانًا، هي من أبرز تجليات النزاع المعرفي في العالم الإسلامي. لقد كان تقديم منهج لقراءة النصوص الدينية بغية صياغة المعنى من أجل تنظيم الأبنية الاجتماعية ـ السياسية في المجتمعات الإسلامية من خلال التركيز على مصر،

(108)

من أهم الأهداف التي كان ينشدها نصر حامد أبو زيد طوال حياته العلمية. إنّ هذا القسم من تفكيره قد أثار ركامًا كبيرًا من الانتقادات، وربّما تمركزت أكثر تلك الانتقادات حول تفكير نصر حامد أبو زيد الخاص بالقسم الأخير من نظرياته، ونعني بذلك أسلوب القراءة؛ لأنّ تداعيات هذه القراءة هي التي أدّت  إلى مختلف المواجهات الشديدة أحيانًا في فضاء البلدان العربية[1]. بل وحتى في

(109)

البلدان الإسلامية غير العربية مثل إيران التي ظهرت فیها مثل هذه التداعيات

(110)

المتنوّعة في مواجهة هذه القراءة[1].

(111)

إنّ القسم الأكبر من تأمّلات نصر حامد أبو زيد يستند إلى ماهية وكيفية قراءة النصوص الدينية وإنتاج المعنى والمفهوم على أساسه، وكذلك ضرورة تجديد الخطاب الديني[1]. وهناك من الناقدين لقراءة النصوص الدينية من قبل نصر حامد أبو زيد، من يذهب إلى الاعتقاد بأنّه إلى جانب بعض المحققين ـ من أمثال: الشيخ أمين الخولي، وعائشة عبد الرحمن، ومحمد أركون ـ  بصدد الإجابة عن سؤال التجدد[2]. وعلى الرغم من أنّ نصر حامد أبو زيد لم يتخلَّ عن هذا الحقل طوال حياته العلمية، إلّا أنّ تنوّع اتجاهاته يُعدُّ أمرًا ملحوظًا.

(112)

يتلخّص الاستناد الكلامي لنصر حامد أبو زيد في التراث الإسلامي في أسلوبه لقراءة النصوص على التراث العلمي المأثور عن العرفاء والمتصوفة من أمثال محيي الدين بن عربي في مواجهة القراءة الإنسانية عن عالم التكوين وعالم التشريع، والفقهاء والفلاسفة من أمثال ابن رشد في فتح إمكانية الاجتهاد المتمحور حول العقل من أجل معرفة وفهم عالم الطبيعة إلى جانب الاجتهاد المتمحور حول النقل في معرفة النصوص الدينية في التراث الإسلامي.

لقد لجأ نصر حامد أبو زيد في العثور على مؤيداتٍ عربيةٍ ـ إسلاميةٍ من أجل بناء أسلوبه إلى تيارين؛ حيث أدى اعتقاد نصر حامد أبو زيد بظاهر وباطن اللفظ ومعنى القرآن إلى لجوئه إلى معطيات علماء اللغة من أمثال: الزركشي والسيوطي وعبد القاهر الجرجاني، وهم في الغالب من أتباع المذهب الأشعري. وفي الخطوة التالية يتجه نصر حامد أبو زيد ـ لغاية العثور على الذاتي والعرضي في المراد الإلهي من القرآن الكريم، والعثور على مسوّغٍ لتبويب الآيات الظاهرية والمراد الباطني منها ـ إلى تقبّل أداة المجاز التي يزعم أنّها من معطيات المعتزلة.

يرجع نصر حامد أبو زيد جذور اعتقاده بوجود الظاهر والباطن للفظ ومعنى القرآن الكريم وضرورة التأويل ـ بوصفه حركةً عقليةً ومعرفيةً في ذاتها للوصول إلى الظاهر الذي يخفي الباطن ـ إلى محيي الدين ابن عربي، وبذلك يكشف النقاب عن قراءةٍ واتّجاهٍ تأويليٍّ لابن عربي، بيد أنّ نصر حامد أبو زيد يجد نفسه في مواجهة أسئلةٍ عن كيفية هذه الحركة العقلية والمعرفية التأويلية، ويرى نفسه مضطرًّا إلى اتخاذ معاييرَ لصدق وكذب معطيات هذا المسار. وفي هذا الشأن يلجأ نصر حامد أبو زيد إلى ابن رشد، ويذهب إلى الاعتقاد بأنّ ابن رشد يؤمن بالتأويل في ما يتعلق بالظواهر غير اللغوية على

(113)

أساس البرهان والقياس حيث يكون دور العقل فيه بارزًا، كما يعتقد بالالتزام بالقواعد اللغوية العربية من أجل قراءة النصوص التي تمثّل قاعدة نقلية لتأويل النصوص المقدسة.

إنّ نصر حامد أبو زيد ـ في سعيه إلى العثور على موضعِ تفسيريٍّ مناسبٍ لمفسّر القرآن ـ يرى نفسه بحاجةٍ إلى مستندٍ واضحٍ في التراث الغربي الحديث؛ وذلك لاعتقاده بأنّ علاقة المفسّر بالنص، تمثل نقطة الانطلاق والقضيّة الأسياسية عند طائِفةٍ من الفلاسفة الغربيين الذين يُعرفون بفلاسفة الهرمنيوطيقا. ومن هنا فإنّ القيمة الأسلوبية للهرمنيوطيقا والأدبيات المدّخرة حولها في الغرب بالنسبة له من جهة تنشأ عن المكانة اللاهوتية التي يحملها المنهج الهرمنيوطيقي، ومن ناحيةٍ أخرى الاتجاه الخاص الذي يظهره هذه التوجه بالنسبة إلى موقع المفسّر ودوره الفريد في تبلور تفسير النصوص الدينية.

يتجه أبو زيد في المرحلة الثانية من منهجيته في قراءة النصوص الدينية إلى الابتعاد شيئًا فشيئًا عن التراث المعرفي الإسلامي، ويغدو أقربَ إلى المشاريع الحديثة في النقد الأدبي بشكلٍ عامٍّ، وإلى أسلوب الشكلية النقدية الروسية المتمحورة حول شخصياتٍ من أمثال: شكلوفسكي وميخائيل باختين بشكلٍ خاصٍّ.

فقد ذهب شكلوفسكي بوصفه أحد المؤسسين للمباني الرئيسة للمدرسة الشكلية في روسيا، إلى القول:

عندما يتم مشاهدة ظاهرةٍ من الظواهر ويتمّ إدراكها على دفعاتٍ متكررةٍ، لن تكون بعد ذلك قابلةً للإدراك والمشاهدة. وبعبارةٍ أوضحَ: إنّ طريق وأسلوب مشاهدتها وإدراكها سيغدو من قبيل إعادة المعرفة دون 

(114)

الرؤية. إنّ الغاية من التصوير وإبداع الفن الجديد عبارةٌ عن تغيير إدراك الأشياء من إعادة المعرفة إلى الرؤية[1].

وللوصول إلى هذه الرؤية يذهب إلى الاعتقاد بضرورة إزاحة المعرفة عن الأدبيات السابقة وعن ذات العالم أيضًا[2]. إنّ مركز اهتمام أتباع المدرسة الشكلية ينصبّ على تلك المجموعة من النتاج الثقافي للمجتمعات ذات البنية الأدبية. إنّ البنية الأدبية من وجهة نظر أتباع هذه المدرسة ليست خصلةً ذاتيةً في النظام الأدبي نفسه أو خصلةً في ما أطلق عليه البنيويون لاحقًا مصطلح العلاقة ما بين النصوص؛ ومن هنا يعدّ النص الأدبي في هذه الظروف جزءًا من منظومة النصوص، كما هو الكلام جزءٌ من اللغة تمامًا. إنّ النص الأدبي يمثّل جزءًا منفردًا من نظامٍ اعتباريٍّ اختياريٍّ إنما يمكن بيان معناه بشكلٍ رئيسٍ من طريق التحليل الناظر إلى المزامنة، وذلك على نحوٍ أقربَ منه إلى الأساليب الارتدادية أو التاريخية.

إنّ تأثير الأفكار النقدية لميخائيل باختين في حقل الأدب محسوسٌ في المرحلة الفكرية الثانية لنصر حامد أبو زيد بشكلٍ ملحوظٍ. إنّ باختين شخصٌ قَلّما التزم بالمنهج السوسوري في المدرسة الشكلية الأدبية الروسية في مواجهة الأدبيات ونقدها، بيد أنّ أعماله تمتدّ بجذورها دون شكٍّ في الأبحاث الشكلية الروسية. لقد ترك باختين تأثيرًا خالدًا على النظرية الثقافية المعاصرة؛ لأنّه قد تمكن في الحدّ الأدنى ـ من خلال إدخال مفاهيم من قبيل النزعة الحوارية وتعدّد الأصوات ـ من وضع حدٍّ للتفاسير الشكلية السائدة عن البنية التي كانوا يعتبرونها شيئًا غيرَ اجتماعيٍّ ولا تاريخيٍّ ولا نفسيٍّ. لقد عثر باختين على مصداقٍ لتعدّد الأصوات في روايات

(115)

دستويفسكي، حيث لا تكون الشخصيات من العبيد الصامتين، ولا يكونون عرضةً للوعي الرتيب والعزف المنفرد، بل هم أشخاصٌ أحرارٌ يستطيعون الوقوف على أقدامهم أمام خالقهم، وربما خالفوه أو تمردوا عليه[1]. إنّ تأثير هذه الاتجاهات والشخصيات على نصر حامد أبو زيد قد دفع به إلى اتخاذ مواقفَ أكثرَ إنسانيةً ضمن المنهج الهرمنيوطيقي؛ إلى الحد الذي يمكن معه اعتبار نصر حامد أبو زيد باختين العالم العربي في المرحلة المعاصرة.

كان نصر حامد أبو زيد في هذه المرحلة يقتفي أثر باختين في الاستناد إلى منطق الحوار متعدد الأصوات بحثًا عن أصوات الشخصيات غير المتعالية بوصفها مبدعةً للقرآن، وقد زعم أنّ هذه الشخصيات في عصر النزول كان بإمكانها الوقوف على أقدامها والاعتماد على نفسها ومخالفة الوحي، بل وحتى التمرّد عليه[2]. ومن هنا فإنه ينفي حجية القرآن الكريم واعتباره نصًّا إلهيًّا، بل يعتبره قد دخل الحياةَ الإنسانيةَ عبر مسارٍ وَحيانيٍّ ومن خلال ملَك الوحي والنبي المرسل. ومن خلال إيمانه بجانبٍ منه وترك جانبٍ آخرَ، أو فهم بعضه وغضّ الطرف عن أبعاضه الأخرى[3]، قَصَرَ الحجيةَ على دائرة المناجاة وهي دائرةٌ حيةٌ ومنتجةٌ لقيام الارتباط والصلة بين الأمر الإنساني والأمر الإلهي[4].

إنّ نقطة عزم نصر حامد أبو زيد في كلا المرحلتين لا تكمن في الدين والقراءة

(116)

الداخلية للدين، بل إنّها تكمن في الأدبيات والثقافة والدراسة الخارجية للدين والنصوص الدينية. يرى نصر حامد أبو زيد في هذا التحوّل بالنسبة له وكذلك الرؤية إلى القرآن أمرًا حاسمًا ومصيريًا، ولكن لا يمكن اعتبار ذلك استدارةً جوهريةً في نظرياته، بل يجب اعتبار ذلك مجرّدَ أرضيةٍ لتغيير أسلوب قراءة القرآن، انتقل أبو زيد بواسطته من الآراء اللغوية لعبد القاهر الجرجاني، وتلفيق الاتجاه التأويلي لابن رشد وتحويله إلى قراءةٍ عرفانيةٍ وصوفيةٍ، والإقبال من الآراء اللغوية القائمة على الدلالة السوسورية والاتجاه التأويلي ـ الهرمنيوطيقي لغادامير، نحو الشكلية الروسية والسعي إلى إزالة المعرفة عن نص القرآن الكريم.

تقييم المنهج الأسلوبي: نسبة المبنى إلى البناء

سوف نتناول في هذا القسم بحث النسبة بين مباني نصر حامد أبو زيد ونظرياته حول القرآن الكريم والسنة ومنهجيته في تأويل النصوص الدينية.

إنّ من بين المباني المقبولة في النظريات القرآنية عند نصر حامد أبو زيد هي القول بـ “حدوث” القرآن الكريم في قبال القول بـ “قِدمه”. إنّ للقول بحدوث الكلام الإلهي وظهور الحقائق الوحيانية في إطار الألفاظ والأصوات بين النحل الكلامية سابقةٌ طويلةٌ في الحضارة الإسلامية. وفي هذا الشأن يذهب المعتزلة التقليديون والإمامية إلى الاعتقاد بأنّ الوحي الإلهي في قاموس الدين الإسلامي ـ من حيث التأكيد على ظهور الحقائق الوحيانية في قالب الألفاظ والعبارات ـ قد أدّى إلى تبلور المصحف والقرآن الكريم[1]. وفي قِبال ذلك الرأي القائل بالنزول

(117)

المفهومي لكلام الله أو نظرية الكلام النفسي الذي يقول به الأشاعرة، وأتباع هذا الرأي يقولون بقِدم الكلام الإلهي، وأنّ كلام الله في الحقيقة هو المعنى القائم بذات الله، وأنّ الألفاظ والعبارات إنما هي دلالاتٌ على ذلك المعنى الحقيقي[1].

وحيث إنّ مبدأ التفكير في كلتا الرؤيتين يكمن في السعي إلى الدفاع عن العقائد والتعاليم الوحيانية، فقد اعتبروا كُلًّا من اللفظ والمعنى من قِبل الله سبحانه وتعالى؛ فقال المعتزلة والإمامية وكذلك الأشاعرة بمسألة الوجود السابق للقرآن الكريم، فإنّ المعنى النازل من وجهة نظرهم في مثل هذا المسار يُعتبر وحيًا مقدَّسًا ويتّصف بالحجية، وكذلك الألفاظ بدورها وحيانيةٌ وثابتةٌ، وكلاهما معجزةٌ إلهيةٌ لا يعلوها غبار الزمان والمكان، بيد أنّ المهم بالنسبة إلى الأشاعرة بالدرجة الأولى هو لحاظ المعنى النازل، وأنّ حقيقة الكلام الإلهي ليست من جنس الألفاظ، وإنّما هي من سنخ المعنى. وعلى هذا الأساس فإنّ ألفاظ القرآن الكريم من حيث تناظرها مع اللغة الإنسانية عاجزةٌ عن نقل المعنى الكامن والموجود في اللوح المحفوظ، وإنّما يمكن التمسك والتبرّك بها، ولا يمكن الوصول إلى المعرفة على أساسها.

يُلاحَظ أنّ النزاع بين الفرق الإسلامية حول قِدَم وحدوث القرآن الكريم، لم يكن يعني تدخّل عنصر تأثّر الوحي بالتاريخ، بل إنّ محل النزاع بينهم يكمن في ماهية وكيفية اهتمام الوحي بالتاريخ.

وعلى الرغم من تعريف نصر حامد أبو زيد لنفسه في بيان الوحي بوصفه امتدادًا للمعتزلة، ويعمد في جميع مؤلفاته إلى انتقاد التيار الموسوم بالخطاب الديني الرسمي

(118)

الذي يتألف في الغالب من الفقهاء من ذوي الاتجاه الأشعري، لا نجد مانعًا من جعل معطياته القرآنية بوصفها مبنًى لإصلاح الدلالات القرآنية عند الأشاعرة.

ربما كان أهم إبداعٍ لنصر حامد أبو زيد في التأمّل حول ماهية الوحي يكمن في إدخال عنصر التاريخ بوصفه ظرفًا لتبلور الوحي وفتح إمكانية الارتباط العام للجميع به، وهو الأمر الذي لم يلتفت إليه الأشاعرة. وبالتالي يجب عدم اعتبار آليته تغيير الرؤية إلى ماهية القرآن، ولا حتى طرق معرفته، بل يجب اعتبار مشروعه سعيًا إلى فتح طريقٍ لتوسيع دائرة المخاطَبين الراغِبين في التعرّف إلی القرآن الكريم بشكلٍ مباشرٍ.

وفي هذا الإطار نجد ادعاءه غير الموضوعي وقوله بأنّ الوحي مجردُ تجربةٍ، يعود بجذوره إلى إدخال الآراء العرفانية لمحيي الدين بن عربي حول الوحي في الفكر الكلامي الأشعري[1]، حيث يرى ـ مثل الأشاعرة ـ أنّ الوحي في دائرته الأنطولوجية يُعتبر تجسيدًا للكلام الإلهي، وأنّ الكلام الإلهي يعتبر فعلًا من أفعال الله سبحانه وتعالى، كما اُعتبر النبي عيسى عليه السلام كلمةً من كلمات الله تعالى. بيد أن نصر حامد أبو زيد من خلال إبداعه في الدائرة الإبستيمولوجية لهذه المسألة، وإدخال الآراء العرفانية ـ الكلامية لمحيي الدين بن عربي حول التجربة الوحيانية في الأفكار اللغوية لعلماء الأشاعرة من أمثال: عبد القاهر الجرجاني، وبدر الدين الزركشي، وجلال الدين السيوطي، يدّعي أنّ مثل هذا الفعل الإلهي إلى جوار الوحي المتمحور حول النص، يواصل جريانه بشكلٍ مستمرٍّ وفي كل لحظةٍ لحظةٍ في الطبيعة وفي ما وراء الحواسّ الإنسانية. يذهب نصر حامد أبو زيد ـ استنادًا إلى الظرفيات السیمیوطیقیة ـ إلى الاعتقاد قائلًا: إنّ مثل هذا الوحي يُظهر

(119)

نفسه في إطار كلماتٍ ليست من نمط الألفاظ بالضرورة، وإنما غاية ما يحتاجه هو الأدوات والمتلقين الذي يستطيعون استيعابه وفهمه.

وحيث إن استلام ومشاهدة مثل هذا الوحي لا تنطوي على حجيةٍ بالنسبة إلى الآخر، فإنّ مسار الوحي لا يعود يُنظر إليه بوصفه نزولًا من قِبل الله تعالى إلى العالم الإنساني، وإنما يتم طرح مسارٍ معاكِسٍ حيث يكون المسار فيه صعوديًّا، وإنّ النوع المتوسّط من الإنسان بجميع نواقصه وعيوبه يكون مبدأً لتحصيل الوحي المتجدّد على الدوام. إنّ الحاصلين على هذا الوحي ليسوا بحاجةٍ إلى العصمة من الخطأ في تلقّي الوحي بالضرورة؛ لأنّ المرسل فيه إنما هو تنظيم معنى الحياة الفردية للأفراد، دون التدخّل في المساحات العامة من الحياة الاجتماعية. وطبقًا لهذه الرؤية يذهب نصر حامد أبو زيد إلى الاعتقاد بأنّ الوحي قضيةٌ غيرُ معقولةٍ، وأنّ القرآن حصيلةُ تجربةٍ وحيانيةٍ للنبي، حيث تبلورت القضايا الموجودة في قالب الآيات والسور القرآنية في مسارٍ غيرِ مقدَّسٍ ومتأثرٍ بثقافة عصر النزول.

إنّ عدم الالتفات إلى المباني الأنطولوجية والأنثروبولوجية المناسبة في ظاهرة الوحي، أّدى إلى اعتبار هذه الظاهرة في بعض الموارد موازيةً لمستوًى نازلٍ من التجارب البشرية، من قبيل: الشعر والكهانة. إنّ الوحي غير الموضوعي إذا كان قائمًا على مجرّدِ تصوّرِ ورؤيةِ الإنسان لأحداث الطبيعة، سيكون له صبغةٌ غيرُ واقعيةٍ وتابعةٌ لرؤية الإنسان[1]، إلى الحد الذي يُعتبر معه مبدأ الوحي ـ في أكثر المستويات نزولًا ـ مجردَ مخلوقٍ لذهن الإنسان[2].

يذهب بعض الناقدين لنصر حامد أبو زيد إلى القول بأنّ الخوض في مسألة

(120)

التراث والإجابة عن كيفية التعاطي معه وإن كان يعد أكبرَ مسألةٍ شغلت اهتمام وجهود المحقِّقين والمفكِّرين المسلمين من العرب وغيرهم، إلّا أنّ نصر حامد أبو زيد يركّز سؤاله الرئيس على كيفية فهم النص وقراءته[1]، وبالاستناد إلى تأمّلاته حول النص، يلتفت إلى قراءات الآخرين له، ويعتبر جميع تلك القراءات من سُنة القراءة. يذهب نصر حامد أبو زيد إلى الاعتقاد بأنّ سيطرة نوعٍ من القراءة ـ التي يراها قائمةً على الآليات العقلانية الغيبية الغارقة في الخرافات والأساطير ـ تؤدي إلى خفاء المعنى الحقيقي والغيبي لهذا النص، وسكون ظرفياته  المفهومية، ولذلك يجب قراءته في ضوء آليات العقلانية التاريخية والإنسانية[2]، والعمل من خلالها على إصلاح الوضع الاجتماعي للمجتمعات العربية والإسلامية. لقد ذهب نصر حامد أبو زيد ـ من خلال اتخاذ المباني المعرفية النسبية من جهةٍ، والاتجاه غير الواقعي في مواجهة النصوص الدينية من جهةٍ أخرى ـ إلى القول بالدين العصري، والذي يجب على أساسه أنْ يكون هناك في كلِّ عصرٍ مجموعةٌ تخاطب نصّ القرآن، وتطرح عليه أسئلةً بشأن المساواة والحرية وما إلى ذلك، وبالتالي فإنّ هؤلاء الأشخاص هم الذين يستخرجون الإجابات ذات الصلة من نصّ القرآن الكريم. وهو يدّعي أنّنا نُخفي على الدوام فهمنا العصري وأسئلتنا المعاصرة في مواجهة القرآن في خبايا أذهاننا[3]. والذي تجب الإشارة إليه هنا هو أنّ مباني نصر حامد

(121)

أبو زيد تفيد هذا النوع من الرؤية إلى التراث والسنة، بيد أنّ هذه المباني قابلةٌ للمناقشة، وقد أشرنا إلى هذه المناقشات في مختلف مواضع هذه المقالة.

هناك من الناقدين لنصر حامد أبو زيد من وجد تناقضًا بين المباني المتخذة من قِبله وبين النظريات المتعلقة بالقراءة التي يُقدمها، بمعنى أنّ نصر حامد أبو زيد يتناقض بين ألوهية النص من حيث مصدريته الإلهية، وبين بشرية محتواه[1]. فهو من جهةٍ يرى أنّ الإيمان بالوجود الميتافيزيقي والغيبي والسابق للقرآن، لا يحول دون إمكانية فهم وتحليل القرآن الكريم، ومن جهةٍ أخرى يذهب إلى الاعتقاد بـ أن الوجود الميتافيزيقي للنص، يقضي على كلِّ إمكانيةٍ لفهمه فهمًا علميًّا[2].

ومع ذلك فإنّ فرضيات نصر حامد أبو زيد في أساليب قراءة النصوص الدينية تستند إلى عدّة مواردَ، ومن بين أهم تلك الموارد هو ألّا يكون لتلك الأساليب اتّجاهٌ نفعيٌّ؛ لأنّ من شأن ذلك أنْ يُخرج الدراسة عن دائرة البحث النظري.

ومع ذلك يمكن لنا ـ من خلال إطلالةٍ على آراء نصر حامد أبو زيد والأهداف والغايات التي يَنشدها من أجل الإبداع في منهج قراءة النصوص الدينية ـ أنْ نرصد اتجاهاتٍ نفعيةً وهادفةً من أجل إصلاح وضع المجتمع وإخراجه من واقعه الراهن والوصول به إلى الوضع المطلوب على أساس الاتجاه الإيديولوجي، وهذا يتعارض مع قوله الداعي إلى ضرورة تجنّب الأساليب النفعية[3].

(122)

المصادر

- قرآن کریم.

- أبو زید، نصر حامد و سزگین، هلال، محمد( ص) و آیات خدا: قرآن و آینده‌‌ی اسلام، ترجمه‌‌ی فریده فرنودفر و مقدمه و حواشی: عبدالله نصری، تهران: نشر علم، 1393.

- أبو زید، نصر حامد، «گفتگو»، کیان، تهران، سال دهم، شماره 54، مهر و آبان،1379

- ــــــــــــ، إشکالیات القراءة وآلیات التأویل، ط 8، بیروت: المرکز الثقافي العربي، 2008.

- ــــــــــــ، الاتجاه العقلي في التفسیر: دراسة في قضیة المجاز في القرآن عند المعتزلة، بیروت: المرکز الثقافي العربي، الطبعة: الثالثة، 1996.

- ــــــــــــ، التجدید والتحریم والتأویل بین المعرفة العلمیة والخوف من التکفیر، بیروت: المرکز الثقافي العربي/ المغرب: الدار البیضاء، الطبعة: الأولی 2010.

- ــــــــــــ، التفکیر في زمن التکفیر ضد الجهل والزیف والخرافة، قاهرة: مکتبة مدبولي، الطبعة: الثانیة 1995.

- ــــــــــــ، الخطاب الدینی، رؤیة نقدیة نحو إنتاج وعی علمی بدلالة النصوص الدینیة، دارالمنتخب العربی،1992.

- ــــــــــــ، الخطاب والتأویل سلطة السیاسة وسلطة النص بیروت: المرکز الثقافي العربي/ المغرب: الدار البیضاء، الطبعة: الثالثة 2008.

- ــــــــــــ، النص، السلطة، الحقیقة، الفکر الدیني بین إدارة المعرفة وإرادة الهیمنة، بیروت، المرکز الثقافي العربي، الطبعة: الأولی، 1995.

- ــــــــــــ، «تاریخمندی امر پوشیده و مبهم»، ترجمه‌‌ی محمدتقی کرمی، نقد و نظر، شماره 12، 1376.

- ــــــــــــ، حیاتی، مجلة «أبواب»، یونیو 2000.

- ــــــــــــ، دوائر الخوف قراءة في خطاب المرأة، بیروت: المرکز الثقافي العربي، الطبعة: الثالثة، 2004.

- ــــــــــــ، صوت المنفي من الإسلام، تعريب: نهى هندي، القاهرة: الكتب خان للنشر والتوزيع، الطبعة: الأولى، 2015.

- ــــــــــــ، فلسفة التأویل: دراسة في تأویل القرآن عند محیي الدین بن عربي، بیروت: دار التنویر للطباعة والنشر، الطبعة: الأولی، 1983.

- ــــــــــــ، مفهوم النص دراسة في علوم ‌القرآن، الناشر: بیروت، المرکز الثقافي العربي، الطبعة:

(123)

الخامسة، 2000.

- ــــــــــــ، هکذا تکلم ابن عربی، القاهرة: الهیئة المصریة العامة للکتاب، 2002.

- ــــــــــــ، این چنین گفت ابن عربی، ترجمه‌‌ی احسان موسوی خلخالی، تهران: نیلوفر، 1385.

- ــــــــــــ، این چنین گفت ابن عربی، مترجم: سید محمد راستگو، تهران، نشر نی، 1386.

- ــــــــــــ، نصر حامد أبو زید، حوار: محمد علی الأتاسي، بیروت: الملحق الثقافي، جریدة النهار، 17/10/2002.

- ابوالحسنی، حسن، «وحی و تجربه‌‌ی دینی از دیدگاه استاد مطهّری»، مجله‌‌ی معرفت، شماره 78.

- الأشعری، أبوالحسن، اللمع في الرد علی الزیغ والبدع، قاهرة: المکتبة الازهرية للتراث، تصحیح: حمودة غرابة، بی‌تا.

- إیروانی نجفی، مرتضی و فاطمه رضاداد، «بازخوانی پدیده‌‌ی اختلاف قرائات از نگاه نصر حامد أبو زید»، آموزه‌هاي قرآني دانشگاه علوم اسلامي رضوي، شمارة ۱۶، پاييز، 1391.

- برهومة، موسی، الناطقون بلسان السماء، بیروت و المغرب: المرکز الثقافي العربي و دار البیضاء، 2013.

- بن زين، رشيد، نصر حامد أبوزيد: التفسير القرآني من النقل إلى التأويل ضمن كتاب المفكّرون الجدد في الإسلام، تعريب حسّان عبّاس، سلسلة معالم الحداثة، دار الجنوب للنشر، تونس، 2009.

- بهرامی، محمد، «تعدد معنا در قرآن پژوهی أبو زید»، پژوهشهای قرآنی، سال هجدهم، شماره 4 پیاپی 72، زمستان 1391.

- بودومة، عبدالقادر، «النص وآلیات القراءة عند محمد أرکون و نصر حامد أبو زید»، إنسانیات عدد 11، مای-أوت، 2000.

- پارسانیا، حمید، «بررسی پلورالیسم اجتماعی جان هیک از دیدگاه امام خمینی»، قبسات، شماره 37، صص 105 -120، پاییز 1384.

- ــــــــــــ، نظریه و فرهنگ: «روش‌شناسی بنیادین تکوین نظریه‌های علمی»، راهبرد فرهنگ، شماره بیست و سوم، پاییز 1392.

- پورپیرار، ناصر، «نقدی بر «معنای متن» نوشته نصر حامد أبو زید تولد تأویلگری تازه»، گلستان قرآن، دوره سوم، تیر 1381، شماره 119، 1381.

- پورروستایی، جواد الف، «طرح و نقد دیدگاه أبو زید در تعامل نص و واقع»، مجموعه مقالات جریانشناسی و نقد اعتزال نو، به کوشش محمد عرب‌صالحی، تهران: سازمان انتشارات پژوهشگاه فرهنگ و اندیشه اسلامی، صص 175-149، 1393.

- پورروستایی، جواد ب، «نقد نگاه أبو زید به نقش سیاق و نزول تدریجی در فهم قرآن»،

(124)

مجموعه مقالات جریان شناسی و نقد اعتزال نو، به کوشش محمد عرب‌صالحی، تهران: سازمان انتشارات پژوهشگاه فرهنگ و اندیشه اسلامی، صص 253-229، 1393.

- تحریشي، محمد و محمد بادیس، تأویل النص القرآني عند نصر حامد أبو زید، علامات، العدد رقم 30، 1 ینایر، 2008.

- توکلی بینا، میثم واکبری رضا، «اعتبار معرفتی قرآن از دیدگاه نصر حامد أبو زید؛ رویکردی فرهنگی-‌ ادبی»، پژوهش های فلسفی و کلامی، دوره 13، شماره 52، تابستان، صفحه 5-24، 1391.

- توکلی بینا، میثم، «آشفتگی هرمنوتیکی در مباحث تأویلی نصر حامد أبو زید»، مجموعه مقالات جریان شناسی ونقد اعتزال نو، به کوشش محمد عرب‌صالحی، تهران: سازمان انتشارات پژوهشگاه فرهنگ و اندیشه اسلامی، صص 90-61، 1393.

- ــــــــــــ «بررسی تطبیقی آرای أبو زید و فردینان دوسوسور»، مجموعه مقالات جریان شناسی و نقد اعتزال نو، به کوشش محمد عرب‌صالحی، تهران: سازمان انتشارات پژوهشگاه فرهنگ و اندیشه اسلامی، صص 148-123، 1393.

- ــــــــــــ، «متون دینی؛ از قداست تا ادبیت کلان روش پژوهشهای ادبی معاصر درباره‌‌ی متون مقدس»، مجموعه مقالات جریان شناسی و نقد اعتزال نو، به کوشش محمد عرب‌صالحی، تهران: سازمان انتشارات پژوهشگاه فرهنگ و اندیشه اسلامی، صص 60-33، 1393.

- ــــــــــــ، «مطالعه‌‌ی انتقادي ديدگاه نصر حامد ابوزيد در باب ماهيت وحي»، پژوهش‌نامه فلسفه دین نامه حکمت، سال دهم، شماره اول، بهار و تابستان 1391، پیاپی 19، صص 124-99، 1391.

- جوادی آملی، عبدالله، جامعه در قرآن تفسیر موضوعی قرآن کریم، جلد 17، قم: اسراء، 1388.

- حاجی اسماعیلی، محمدرضا و علی بناییان اصفهانی، «بررسی عینی‌گرایی و نسبی‌گرایی در هرمنوتیک نصرحامد أبو زید و تأثیر آن بر بعضی برداشت‌های تفسیری وی از قرآن»، فصلنامه‌‌ی اندیشه‌‌ی نوین دینی، دوره 15، شماره 54، بهار، صفحات 46-29، 1394.

- حامدی، سيد منصف، «تأثيرپذيری دكتر نصر حامد ابوزيد از مستشرقان»، ترجمة سيد مهدی اعتصامی، مجلة قرآن و حديث، ش 2، 1386.

- حبّ الله، حيدر، الدرس القرآني وتجاذبات المناهج قراءة في علوم القرآن عند الدكتور نصر حامد أبوزيد، الموقع الرسمي لحيدر حب الله http://hobbollah.com/articles/ اُسترجع في تاريخ 30 جوان، 2014.

- حديد، أسماء، تاريخيّة النص القرآني في خطاب نصر حامد أبوزيد التنظيري المفهوم والمرجع،

(125)

مجلة الكوفة، جامعة الكوفة العراق، عـدد الأول السنة الثالثة، شتاء، 2014.

- ــــــــــــ، في تاريخية النص القرآني عند نصر حامد أبوزيد، إشراف عبد الغني بارة، رسالة ماجيستير/ بحث مرقون، جامعة فرحات عبّاس سطيف، الجمهورية الجزائرية، 2010.

- حرب، علي، الاستلاب والارتداد: الإسلام بين روجيه غارودي ونصر حامد أبوزيد، المركز الثقافي العربي، ط 1 /بيروت لبنان: الدار البيضاء المغرب.

- ــــــــــــ، النص والحقيقة الجزء الأول: نقد النص، المركز الثقافي العربي، ط 1، بيروت لبنان: الدار البيضاء/ المغرب، 1993.

- ــــــــــــ، نقد الحقیقة، بیروت: المرکز الثقافي العربي، الطبعة الثالثة، 2011.

- ــــــــــــ، نقد النص، بیروت: المرکز الثقافي العربي، الطبعة السادسة، 2015.

- حنفي، حسن، «علوم التأویل بین الخاصة والعامة، قرائة في بعض اعمال نصر حامد أبو زید» مجلة الاجتهاد، بیروت، شماره 23.

-  «نقد گفتمان دینی یا تحلیل گفتمان معاصر»، ترجمه و تلخیص مهدی ذاکری، نقد و بررسیهایی درباره‌‌ی اندیشه های نصر حامد أبو زید به کوشش سعید عدالت نژاد، تهران: مشق امروز، 1380.

- ، قراءة مفهوم النص لنصر حامد أبو زید، فصول، العدد رقم 3-4، 1 یولیو، 1991.

- حیرش، بغداد محمد، التأویلیة منهجاً لقراءة النص الدیني عند نصرحامد أبو زید، مجلة الموافق للبحوث والدراسات في المجتمع والتاریخ، عدد خاص أفریل، 2008.

- حیرش، بغداد محمد و نصر حامد أبو زید، المشروع التثویري المجهض، کتابات معاصرة، مجلة الإبداع والعلوم الإنسانية، مجلد 17، العدد 68، أیار-حزیران ص 29-18، 2004.

- ﺧﺴﺮوﭘﻨﺎه، ﻋﺒﺪاﻟﺤﺴﻴﻦ، «فرایند ظهور و بسط نظریه پلورالیستی جان هیک و تهافتهای آن»، قبسات، شماره 37، ص 121 ص-136، پاییز 1384.

- خواتی، محمدشفق، «نقد و بررسی آراء و اندیشه های نصر حامد أبو زید»، فصل نامه گفتمان نو، کابل، ش 13، 1386.

- دادجو، یدالله، «نظریه تجربه دینی و تفسیر تجربه‌گرایی وحی»، فصلنامه‌‌ی اندیشه‌‌ی نوین دینی شماره 19، زمستان 1388.

- الدوري، عبد العزیز، التکوین التاریخي للأمة العربیة: دراسة في الهویة والوعي، بیروت: مرکز دراسات الوحدة العربیة، 1984.

- رستگار، مرتضی، «بررسي و نقد برخي از مهم ترين ادعاها و مباني ابوزيد در «دوائرالخوف»»، قبسات، سال هجدهم، بهار 1392.

(126)

- رفعت فوزي، عبد المطلب، نقض كتاب نصر أبوزيد ودحض شبهاته، القاهر، مكتبة الخانجي، 1996.

- رودگر، محمدجواد، «نقدی بر قرائت أبو زید از ابن عربی گزارش انتقادی کتاب هکذا تکلم ابن عربی»، مجموعه مقالات جریان شناسی و نقد اعتزال نو، به کوشش محمد عرب‌صالحی، تهران: سازمان انتشارات پژوهشگاه فرهنگ و اندیشه إسلامی، صص 346-321، 1393.

- رومي، عمار عبد الکاظم، التأثیر السیمیائي في تأویل نصر حامد أبو زید للنص الدیني، أطروحة الدکتوراة، د.ت.

- زاهدی، محمد صادق و مجید ابراهیمی سه گنبد، «سرشت وحی: مقایسه آراء مرتضی مطهری و نصر حامد أبو زید»، فصلنامه علمی پژوهشی تأملات فلسفی، سال چهارم، شماره 12، صص 163-143، بهار و تابستان 1393.

- فريدة، زمرد،  أزمة النص في مفهوم النص عند نصر حامد أبوزيد، مطبعة أنفو برانت، فاس المغرب، د.ت.

- زیادة، رضوان، «نقد الفکر الدیني»، الثقافة العربیة في القرن العشرین، حصیلة أولية، إشراف عبدالإله بلقزیز و محمد جمال باروت، بیروت: مرکز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الثانية، 2013.

- ساسي، علي، قراءةٌ نقديةٌ لکتاب: هکذا تکلم ابن عربي – للدکتور نصر حامد أبو زید، الحیاة الثقافية، السنة 30، العدد 169 نوفمبر، 2005.

- سالم، إسماعیل، نقض مطاعن نصر أبو زید في القرآن والسنة والصحابة وأئمة المسلمین مزید بتقاریر العلماء المقدمة في قضیة نصر أبو زید، القاهرة، ط 2، 1994.

- ستایش، محمدکاظم و نرگس بهشتی، «رویکرد أبو زید به سنت و حجیت آن»، فصلنامه علمی – پژوهشی تحقیقات علوم قرآن و حدیث دانشگاه الزهراء، سال سیزدهم، شماره 1، فصل بهار، پیاپی 29، صص 116-91، 1395.

- سروش، عبدالکریم، بسط تجربه‌‌ی نبوی، تهران: مؤسسه فرهنگی صراط، ۱۳۸۵.

- شاهين، عبد الصبور، قصة أبوزيد وانحسار العلمانية في جامعة القاهرة، دارالاعتصام، 1990.

- الشربجي، محمّد يوسف، مفهوم النص عند نصر حامد أبوزيد عرض ونقد، مؤتمر التعامل مع النصوص الشرعية عند المعاصرين، كلية الشريعة في الجامعة الأردنية، 4/5/6 نوفمبر http://fr.scribd.com/doc/92531561 اُسترجع في تاريخ 30/06/2014. 2008.

- ، مفهوم النص عند نصر حامد أبوزيد عرض ونقد، مؤتمر التعامل مع النصوص الشرعية عند المعاصرين، كلية الشريعة في الجامعة الأردنية، 4/5/6 نوفمبر http://fr.scribd.com/doc/92531561 اُسترجع في تاريخ 30/06/2014. 2008.

(127)

- الشیرازی، محمد بن ابراهیم، الحکمة المتعالیة في الاسفار العقلية الأربعة، چ 3، بیروت: دار احیاء التراث، ج 7، 1981.

- ، شرح أصول الکافی، ج 1، ویراستة محمد خواجوی، تهران، 1366.

- ، تفسیر القرآن الکریم، تحقیق: محمد خواجوی، ج 1، قم: انتشارات بیدار، 1366.

- ، مفاتیح الغیب، مقدمه و تصحیح: محمد خواجوی، تهران: 1363.

- صفدي، مطاع، من تمعین المقدس/الدنیوي، مجلة الفکر العربي المعاصر، عدد 97/96.

- الضحیان، سلیمان، المناهج الحدیثة في قراءة النص الشرعي قراءة نصر حامد أبو زید نموذجاً www.tafsie.net, 20007/09/29، 2007.

- ضیایی، صفدرعلی، بررسی و نقد مبانی نصر حامد ابوزید در فهم متون دینی، قم: مرکز بین المللی ترجمه و نشر المصطفی، 1395.

- طاهری کل‌کشوندی،‌ مسلم؛ بوذری نژاد، یحیی، ‌«بررسی رویکرد تاویلی نصر حامد أبو زید در خوانش متون دینی»، مطالعات اندیشه معاصر مسلمین، سال دوم، شماره سوم، صص 131-14، 1396.

- طباطبایی، سید محمدحسین، قرآن در اسلام، چ 3، قم: بوستان کتاب، 1388.

- طباطبایی، سید محمدحسین، المیزان فی تفسیر القرآن، ج 12، چاپ پنجم، قم: دفتر انتشارات اسلامی جامعه مدرسین حوزه علمیه قم، 1417.

- طوسی، التبیان فی التفسیر القرآن، ج 6، تحقیق احمد العاملی، مکتب الاعلام الاسلامی، چاپ اول، 1409.

- عدالت نژاد، سعید، «اجتهاد نوین، بررسی کتاب نقد الخطاب الدینی»، نقد و بررسی‌هایی درباره‌‌ی اندیشه‌های نصر حامد أبو زید، تهران: انتشارات مشق امروز، 1380.

- العروی، عبد الله، العرب والفکر التاریخي، ط 2، بیروت: دارالبیضاء: المرکز الثقافي العربي، 1992.

- عصفور، جابر، مفهوم النص والاعتزال المعاصر، إبداع، العدد رقم 3، 1 مارس، 1991.

- ، هوامش علی دفتر التنویر، الطبعة الأول، بیروت: المرکز الثقافي العربي، 1994.

- العفاني، سید، نصر حامد أبو زید: القرآن نص بشري، محرک البحث، 2008/05/04، 2008.

- علی أکبرزاده، حامد و مصطفی سلطانی، «معناشناسي تأويل و اعتبار معرفت شناختي آن در آراء ابوزيد»، پژوهشهاي معرفت شناختي آفاق حكمت: پاييز و زمستان 1393، دوره 3، شماره 8، از صفحه 109 تا صفحه 138، 1393.

- علیخانی، علی اکبر، «عدالت قرآنی در اندیشه نصر حامد أبو زید»، مقالات بررسیها، دفتر 74،

(128)

ص 138-121، زمستان 1382.

- عمارة، محمّد، التفسير الماركسي للإسلام، دار الشروق، ط 2، القاهرة مصر، 2002.

- الغزالي، أبو حامد، تهافت الفلاسفة، تحقیق: سلیمان دنیا، الطبعة الرابعة، مصر: دارالمعارف بمصر، د.ت.

- فتاحی زاده، فتحیه، «تأثیر پایههای فکری أبو زید در نگرش او به مسائل زنان»، فصلنامه‌‌ی مطالعات اجتماعی روانشناختی زنان، سال 8، شماره 3 ویژه‌‌ی حقوق و ادبیات، صص 102-87، 1389.

- فخار نوغانی، وحیده، «بررسی و تبیین رویکرد «وحی گزارهای» از دیدگاه حکمت متعالیه»، پژوهشهای فلسفی کلامی، سال نوزدهم، شماره سوم، پاییز 1396.

- زمرد، فريدة، أزمة النص في مفهوم النص عند نصر حامد أبو زید، مطبعة برانت، آنفو، فاس المغرب، د.ت.

- القاضي، عبد الجبار، شرح الاصول الخمسة، بیروت دار إحیاء التراث العربي، تعلیق أحمد بن حسین ابی هاشم، 1422.

- قائمی نیا، علی رضا، «نقد تاريخيت قرآن»، فصلنامه‌‌ی مطالعات تفسیری، سال دوم، تابستان 1390، شماره 6، صص 26-9، 1390.

- ، بیولوژی نص نشانه شناسی و تفسیر قرآن، تهران: انتشارات پژوهشگاه فرهنگ و اندیشه اسلامی، چاپ دوم، 1393.

- قويسم، إلياس، استبدال هوية النص القرآني من القداسة إلى التاريخيّة: نشر بموقع الملتقى الفكري للإبداع في 04-03-2009 http://www.almultaka.net/index.php اُسترجع في تاريخ 30 /06/2014. 2009.

- ، الفكر العربي المعاصر ومحاولات دنيوية النصّ القرآني، أعمال المؤتمر الدولي الأوّل: القراءات المعاصرة للقرآن الكريم، 19-20-21 أفريل كلية شعيب الدكالي - الجديدة – المغرب، 2011.

- ، مصطلح الوحي في الفكر العربي المعاصر بين التعالي و المحايثة، د.ت به نقل از سایت:

https://vb.tafsir.net/tafsir37107/#.Wx0BSCAVRPY.

- كريمى نيا، مرتضى، آرا و انديشه‌های دكتر نصر حامد ابوزيد، تهران: سازمان فرهنگ وارتباطات اسلامى، 1376.

- کاظم زاده، پروین، «نگاهی انتقادی بر رویکرد هرمنوتیکی نصر حامد أبو زید در تفسیر قرآن»، جستارهای فلسفه‌‌ی دین، سال دوم، شماره 4، صص 108-81، تابستان 1392.

- گلی، جواد، «تأویل قرآن از دیدگاه نصر حامد أبو زید»، مجموعه مقالات جریان شناسی و

(129)

نقد اعتزال نو، به کوشش محمد عرب‌صالحی، تهران: سازمان انتشارات پژوهشگاه فرهنگ و اندیشه اسلامی، صص 122-91، 1393.

- ، «دیدگاه نصر حامد أبو زید درباره‌‌ی احکام فقهی اسلام»، مجموعه مقالات جریان شناسی و نقد اعتزال نو، به کوشش محمد عرب‌صالحی، تهران: سازمان انتشارات پژوهشگاه فرهنگ و اندیشه اسلامی، صص 287-255، 1393.

- ، «نقد و بررسي ديدگاه نصر حامد ابوزيد دربارة چيستي وحي قرآني»، معرفت کلامی، سال دوم، شماره دوم، صص 78-51، تابستان 1390.

- لاهوری، محمد إقبال، إحیای فکر دینی در اسلام، ترجمه‌‌ی أحمد آرام، تهران: کانون نشر و پژوهش های اسلامی، 1384.

- مجتهد شبستری، محمد، ایمان و آزادی، تهران: طرح نو، ۱۳۷۹.

- ، نقدی بر قرائت رسمی از دین، تهران: طرح نو، ۱۳۸۱.

- محمود، زکي نجيب، تجدید الفکر العربي، بیروت: دارالشروق، 1971.

- مصطفى، علي صالح إعداد المذهب النقدي عند «الدكتور نصر حامد أبوزيد»، وموقفه من الاحتجاج بالسنة، رؤية نقدية، كلية الإلهيات، جامعة حران، د.ت.

- مناف، علاء هاشم، إبیستمولوجیا النص، بین التأویل والتأصیل في المنظومتین الفکریتین لنصر حامد أبو زید ومحمد أرکون، بیروت: التنویر للطباعة والنشر والتوزیع، 2011.

- نصری، عبد الله، «أبو زید و قرائت متن در افق تاریخی»، قبسات، ش 23، 1381.

- ، راز متن، هرمنوتیک، قرائت پذیری متن و منطق فهم دین، تهران: آفتاب توسعه، 1381.

- نقی زاده، حسن، «اندیشههای أبو زید و برداشت او از قرآن»، مطالعات اسلامی، تابستان، شماره 68، 1384.

- نکونام، جعفر «نقد نظریه‌‌ی أبو زید در زمینه‌‌ی گفتاری بودن قرآن»، گلستان قرآن، خرداد، شماره 2، 1394.

- نوروزی، ابوذر، «بررسی تطبیقی وحی و تجربه‌‌ی دینی از نگاه عبدالکریم سروش و نصر حامد أبو زید»، مجموعه مقالات جریان شناسی و نقد اعتزال نو، به کوشش محمد عرب‌صالحی، تهران: سازمان انتشارات پژوهشگاه فرهنگ و اندیشه اسلامی، صص 318-289، 1393.

- النیفر، أحمیدة، التفاسیر القرآنیة المعاصرة؛ قراءة في المنهج، دمشق، دارالفکر، ط.1، 2000.

- النيلي، العالم سبيط، فصل «ذاتيات» ضمن كتاب «بين الانغلاق الديني والنشاز الثقافي»، المحجّة البيضاء للطباعة والنشر والتوزيع، ط 1، بيروت لبنان، 2008.

- واعظی، أحمد، «نقد تقریر نصر حامد أبو زید از تاریخ مندی قرآن»، قرآن شناخت، سال سوم،

(130)

پاییز و زمستان، شماره 2 پیاپی 6، 1389.

- ولد أباه، السید، «التأویل والتنویر نصر حامد أبو زید»، مدارات فلسفية، العدد رقم 16، 2008.

- هولاب، رابرت، نقد در حوزه‌‌ی عمومي، ترجمة حسين بشيريه، نشر ني، چ اول، 1378.

- یوبي، عبد السلام، المسکوت عنه في فکر نصر حامد أبو زید، رسالة ماجیستر، جامعة مولود معمري، تیزي وزو. كلية الآداب والعلوم الإنسانية قسم الأدب العربي، الجمهورية الجزائرية، 2011.

- یوسفی أکبری، «حسن، باور دینی و داور دینی در شناخت وحی و نبوت»، نشریه چشم انداز ایران، ش 57، شهریور و مهر 1388.

- Althusser, L. And Ébalibar. Reading capital, trans. B. Brewster, new left books, London, 1970.

- Bakhtinm M. Problems of Dostoevsky’s Poetics, Trans. Caryl Emerson, University Of Minnesota Press, Minneapolis, 1984.

- Fauzi M. Najjar. “Islamic fundamentalism and the intellectuals: the case of Nasr hamid abu zaid” British journal of Middle Eastern studies 27, no 2. 2000.

- Fuerbach. Rethinking the Qur’an: Towards a Humanistic Hermeneutics, the Humanistic University Press, 2012.

- Publication. Shklovsky, V. ‘art as technique’, trans. L.lemon and m. reis, in Russian formalist criticism: four essay, Eds l.lemon and m. reis, university of Nebraska press, Lincoln, 2004.

- Shklovsky, V. Mayakovsky and his circle, translated by Lily Feiler, 1972.

(131)
(132)

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني

دراسةُ نظریات نصر حامد أبو زيد، ونقدُها

 

(133)

المقدمة

المشروعُ الفكري الخاصّ بالمفكّر المصري نصر حامد أبو زيد متشعّبٌ إلى عدّة فروعٍ وكلُّ واحدٍ منها ذو نمطٍ خاصٍّ، حيث تطرّقنا في هذا المضمار إلى بيان شتّى القضايا التي طرحها في آرائه ونظرياته، وذلك في إطار مقالاتٍ تقوّم البحث فيها بدراساتٍ تحليليةٍ ذاتِ طابعٍ نقديٍّ بغية أنْ تتّضح لنا آفاق هذا المشروع ومدى نجاحه أو إخفاقه في رحاب أسس الثقافة الإسلامية والأحكام الشرعية.

القضايا الأساسية المطروحة للبحث والنقاش في هذا المجال تتمحور حول مواضيع الأسئلة التالية:

- ما هي أوجه اختلاف منهجية نصر حامد أبو زيد مع المنهجيات المعاصرة الأخرى على صعيد تقييم النصوص الدينية؟ ما هو دور الذاتية والموضوعية في نظريته الهرمنيوطيقية؟ وما هي الميزات الفارقة لهذه النظرية؟ كيف تقيّم آراؤه التي طرحها على صعيد إمكانية صياغة نمطٍ خاصٍّ من الهرمنيوطيقا الدينية؟ ما هي معالم رؤيته بالنسبة إلى طبيعة القرآن الكريم؟ ما هي التطوّرات التي طرأت على هذ الرؤية؟ ما هو الطابع العامّ للنقد الذي طرحه على الخطاب الإسلامي المعاصر الذي اعتبره خطابًا دينيًّا؟

هذه الأسئلة مطروحةٌ على طاولة البحث والنقاش بين الأوساط الفكرية المعاصرة في المجتمعات الإسلامية، لكنّ الإجابات عنها لم تُجمع في نطاقٍ موحّدٍ ضمن رؤيةٍ نقديةٍ متّسقةٍ، حيث دُوّنت بحوثٌ مشتّتةٌ وغيرُ متمركزةٍ بهذا الخصوص، في حين أنّ التلاحم الفكري لآثارٍ نقديةٍ من هذا النسق يُسهم في تفعيل الأطروحات

(134)

الفكرية في العالم الإسلام ويقلّل من مستوى الانبهار المبالغ فيه بالرؤى الشائعة في عالَمَيِ الحداثة وما بعد الحداثة، كما يقلّص من تلك المواقف السلبية إزاء التراث الإسلامي؛ ومن هذا المنطلق بادر المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية إلى جمع أهمّ المقالات والبحوث المدوّنة حول الرؤية النقدية لهذا المفكّر في مختلف اللغات الحية في العالم كالفارسية والإنجليزية والفرنسية والألمانية وغيرها، ومن ثمّ تمّ تقييم مضامينها لانتقاء ما له ارتباطٌ بمشروعه الفكري وما يتناسب مع مشارب المخاطَبين في شتّى أرجاء العالم؛ وهذا الإنجاز يتمحور حول رؤًى نقديةٍ للمبتنّيات الفكرية الشائعة في العصر الحديث بين المسلمين بشكلٍ عامٍّ، والتي جسّدت معالم منظومة نصر حامد أبو زيد الفكرية بشكلٍ خاصٍّ.

نظرةٌ موجَزةٌ على مقالات الكتاب

المواضيع التي سلّط نصر حامد أبو زيد الضوء عليها هي المحور الارتكازي للبحث في هذا الكتاب، وقد طرحت في بوتقة النقد والتحليل ضمن ثلاثة أبواب كالتالي:

أوّلاً: المنهجية

ثانياً: الدراسات القرآنية

ثالثاً: الدراسات الخاصّة بالتراث

وتفصيل هذا التبويب كما يلي:

أوّلاً: منهجية نصر حامد أبو زيد في بيان المضامين القرآنية تحت مجهر النقد والتحليل

(135)

موضوع البحث في المقالتين الأولى والثانية تمحور حول بيان جوانب من منهجية نصر حامد أبو زيد، الأولى عنوانها الموضوعية والأصالة التأريخية في فهم القرآن الكريم، وقد تمّ تسليط الضوء فيها على طريقة فهم القرآن الكريم بأسلوبٍ موضوعيٍّ وتأريخيٍّ؛ وكما هو واضحٌ من عنوانها فالهدف من تدوينها هو تحليل طبيعة المنهج الهرمنيوطيقي في فهم النصّ القرآني على أساس قصد مؤلّفه وإمكانية طرح قراءاتٍ وتفاسيرَ جديدةٍ ومتباينةٍ له.

تعالمينا الإسلامية تؤكّد على وجود ارتباطٍ وطيدٍ ومؤثِّرٍ وحتميٍّ بين الإنسان والله تبارك شأنه، إذ نلمس معالمه جليةً في النصوص المقدّسة بشكلٍ عامٍّ وفي النصّ القرآني بشكلٍ خاصٍّ.

في هذه المقالة طُرحت على طاولة البحث والتحليل مسائلُ بخصوص فهم القرآن الكريم وتفسيره، إحداها تتمحور حول تحديد أهداف مؤلّف النصّ؛ وهذه المسألة تحظى بأهميةٍ بالغةٍ بكلّ تأكيدٍ، حيث تتجلّى أهميتها بوضوحٍ في مجال النصوص الدينية التي كانت مضمارًا للآراء التفسيرية طوال قرونٍ. من البديهي أنّنا حينما نركّز جهودنا البحثية على تحليلِ تفاسيرَ متباينةٍ لأحد الكتب المقدّسة، نجد كلَّ واحدٍ منها على ضوء اختلافه مع الآخر أو حتّى تعارضه معه بالكامل، قد طرح وكأنّ من تبنّاه يدّعي بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشرٍ أنّه يمتلك فهمًا صائبًا لهذا الكتاب المقدّس؛ ولكن يا ترى أيُّ أسلوبٍ تفسيريٍّ معتمَدٍ في هذه التفاسير المتباينة التي تبلغ درجة التعارض التامّ أحيانًا، هو الأقربُ إلى المراد الحقيقي لمؤلّف النصّ؟ من هذا المنطلق تطرّق بعض الباحثين إلى تحليل مضامين النصوص المقدّسة في رحاب أساليبَ هرمنيوطيقيةٍ ومِن ثَمَّ رفضوا بصريح العبارة إمكانية فهم المفسّر مقاصد مؤلّف النصّ.

(136)

المقالة الثانية التي تحمل عنوان دراسةٌ تحليليةٌ: هرمنيوطيقا نصر حامد أبو زيد في تأويل النصّ القرآني، هل هي موضوعيةٌ أو نسبيةٌ؟ يتمحور موضوع البحث فيها حول تحليل الأسلوب الهرمنيوطيقي لنصر حامد أبو زيد من حيث كونُه موضوعيًّا أو نسبيًّا، ومِن ثَمَّ بيان مدى تأثير هذا الأسلوب على بعض التأويلات التي طرحها حول النصّ القرآني.

الحصيلة النهائية للبحث التحليلي المطروح في هذه المقالة هي أنّ نصر حامد أبو زيد حاول اتّباع نهجٍ هرمنيوطيقيٍّ متوازنٍ يتراوح بين نسبية هانز غادامير وموضوعية دونالد هيرش، لكنّه لم يُفلح في تحقيق مراده بعد أن انخرط في بالكامل في نسبية غادامير.

الملفت للنظر أنّ أهمّ ميزة لهذا الأسلوب الهرمنيوطيقي هي حجب المفسِّر والمخاطَب عن المعنى المقصود في النصّ القرآني، ناهيك عن فسح المجال لتأويلاتٍ مبتدعةٍ ولا تليق بشأن هذا النصّ المقدّس؛ والنتيجة التي تترتّب عليه طبعًا هي الإذعان بالتعدّدية الإبستيمولوجية والعقائدية.

ثانياً: تحليلٌ نقديٌّ لعددٍ من نظريات نصر حامد أبو زيد حول الوحي والقرآن الكريم

تمّ تسليط الضوء في المبحث اللاحق على عددٍ من نظريات نصر حامد أبو زيد بخصوص الوحي والقرآن الكريم، وفي هذا السياق دار الكلام أوّلًا حول نظريته القائلة بتأريخية النصّ القرآني  ضمن تحليلٍ نقديٍّ.

المقالة الأولى أُثبت فيها أنّ تحليله الخاطئ المتقوّم على الاعتقاد بتأريخية نصّ الوحي جعله يدّعي أنَّ هذا النصّ المقدّس بمثابة نتاجٍ ثقافيٍّ موروثٍ من عصر ظهور

(137)

الإسلام، وعلى هذا الأساس قيّد القرآن الكريم بأمرين لا مسوّغ لهما، ففي بادئ الأمر زعم صدوره وفق مقتضيات عصر ظهور الإسلام، لذا فلا طائل منه في العصور اللاحقة؛ ثمّ على ضوء هذا التصوّر ادّعى أنّه قد تمّ إقحام مضامينَ باطلةٍ وخاطئةٍ في باطن النصّ القرآني معتبرًا هذه المضامين تبلوُرًا لما كان يعانيه المجتمع آنذاك من جهلٍ فكريٍّ وتخلُّفٍ ثقافيٍّ، لكنّ رأيه هذا ليس صائبًا بكلّ تأكيدٍ لأنّ القرآن الكريم إلى جانب اهتمامه بالقضايا المطروحة والأحداث التي شهدها المجتمع إبّان عصر النزول، تصدّى بكلِّ حزم للمظاهر الثقافية والاجتماعية الباطلة ضمن نهجٍ إصلاحيٍّ هو الغاية في الروعة والإبداع.

المقالة التالية عنوانها القرآن خطابٌ وليس نصًّا: دراسةٌ نقديةٌ حول آخرِ رأيٍ تبنّاه نصر حامد أبو زيد بخصوص الوحي والقرآن، وكما هو واضحٌ من العنوان، فالبحث في هذه المقالة يتمحور حول ما إن كان القرآن الكريم نصًّا أو خطابًا شفويًّا، وفي هذا السياق طُرح آخرُ رأيٍ له بخصوص الوحي والنصّ القرآني في بوتقة النقد والتحليل.

الجدير بالذكر هنا أنّ هذا المفكّر في آخر مرحلةٍ من مسيرته الفكرية والتي تزامنت مع آخر أيام حياته، اعتبر القرآن الكريم كلامًا بشريًّا لا سماويًّا - أي أنّه ليس كلام الله تعالى - لذا سوّغ طروء الخطأ عليه مثلما يحدث في كلام كلِّ إنسانٍ، وعلى هذا الأساس ادّعى أنّه يتضمّن توضيحاتٍ تتناغم مع متطلّبات عصره وإجاباتٍ عمّا كان يتساءَل الناس عنه.

القرآن الكريم برأيه هو حصيلةٌ لنقاشات النبي محمّد صلى الله عليه وآله مع الأعراب، وبالتالي فهو عبارةٌ عن روايةٍ لأحداث هذه التجربة التأريخية التي هي برأيه تجربةٌ رويت وتمّ تأويلها على لسان صاحبها.

(138)

إذًا، النظرية التي طرحها هذا المفكّر المصري فحواها تبلور ثقافة عصر ظهور الإسلام في النصّ القرآني، ولكنّها لم تتبلور في نطاق كلامٍ سماويٍّ تطرّق الله تعالى فيه إلى بيان تقاليد العرب وأعرافهم آنذاك، بل تبلورت ضمن كلام للنبي محمّد صلى الله عليه وآله، أي أنّ القرآن الكريم هو عبارةٌ عن أقوالٍ صدرت من لسان النبي وهو بدوره تأثّر بها أيضًا.

يترتّب على هذه النظرية عدم وجود أيِّ محذورٍ في تغلغل معقتدات باطلة في النصّ القرآني لكونه كلامًا من صياغة إنسانٍ، لذا لا يبقى مجالٌ للحديث عن نصٍّ موحَّدٍ؛ حيث تجاهل أبو زيد المقوّمات الأساسية لهذا النصّ المقدّس ولم يذعن بمضامينه الغيبية التي أوحيت إلى النبي محمّد صلى الله عليه وآله فاقترح إثر ذلك طرح قراءة حيوية وفاعلة له ضمن وجهةٍ فكريةٍ عصريةٍ وفي الحين ذاته یتحدث عن وحیانية القرآن وهذه مفارقةٌ واضحةٌ في کلامه.

أهمّ نقدٍ يُطرح على هذه الرؤية إزاء القرآن الكريم يمكن تقريره كما يلي: الإذعان بنظرية نصر حامد أبو زيد يعني ضرورة اعتقاد المسلمين بعدم قدسية القرآن الكريم وعدم كمال شخصية النبي محمّد صلى الله عليه وآله، ومِنْ ثَمَّ ينبغي لهم احتمال ظهور كتابٍ من هذا القبيل في أحد العصور اللاحقة للعصر الإسلامي، كذلك إمكانية ظهور شخصٍ آخرَ كالنبيّ.

ثالثاً: مجموعةٌ من آراء نصر حامد أبو زيد حول السنّة النبوية في بوتقة النقد والتحليل

القسم الختامي من الكتاب ذكرت بعض آراء نصر حامد أبي زيد حول السنّة النبوية، وضمن المقالة المعنونة دراسة ونقد أهم مدّعيات ومبادئ نصر حامد أبو

(139)

زيد في كتابه دوائر الخوف تمّ تسليط الضوء على أهمّ آرائه ومتنّياته الفكرية في إطارٍ نقديٍّ، وذلك على ضوء ما طرحه في كتاب دوائر الخوف: قراءةٌ في خطاب المرأة. الجدير بالذكر هنا أنّ مواضيع البحث في هذا الكتاب تتمحور حول واقع المرأة في الثقافة الإسلامية، ومن هذا المنطلق اعتبر بعض الأحكام الشرعية تأريخيةً، ومن جملتها مسألة تعدّد الزوجات؛ ومن ثمّ دعا إلى عصرنة هذه الأحكام.

إذًا، تأريخية الأحكام الشرعية الخاصّة بالمرأة وضرورة عصرنتها، هما الركيزتان الأساسيتان اللتان اتّكأ عليهما هذا المفكّر المصري في تحليل واقع المرأة في التراث الإسلامي، والرأي الذي طرحه على هذا الصعيد هو وجوب ترك العمل ببعض هذه الأحكام في عصرنا الراهن أو في أيِّ زمانٍ آخرَ وذلك عن طريق تحديث الفكر الإسلامي، بمعنى نبذ كلّ ما لا ينسجم مع مقتضياته وظروفه؛ وبما أنّ الأحكام التي أقرّتها الشريعة الإسلامية بخصوص المرأة قد وُضعت آنذاك وفقًا لمتطلّبات ثقافة ذلك المجتمع الذي ظهر فيه الإسلام، لذا لا بدّ من تركها وصياغة أحكامٍ جديدةٍ بدلًا عنها على ضوء مبدأ مساواتها في الحقوق مع الرجل.

لا شكّ في أنّ هذا الاقتراح لا يترتّب عليه سوى تجريد المصادر الدينية مثل القرآن الكريم والسنّة النبوية من مبادئها الإبستيمولوجية، وقد طُرح بذريعة نظم شؤون الحياة الاجتماعية في العصر الحديث وسائر العصور وفق أسسٍ قويمةٍ لم تكن موجودةً في عصر ظهور الإسلام، إلا أنّ واقع الحال هو إمكانية تحقّق هذا النظم بأمثل شكلٍ في ما لو عُمل بالقرآن الكريم والسنّة النبوية.

 

 

(140)

القسم الأول: منهجية نصر حامد أبو زید

في فهم النصوص الدینية

 

الموضوعية والأصالة التاريخية

 في فهم القرآن الكريم[1]

الدكتور الشيخ محمد جعفر عِلمي[2]

مُلخَّص:

تهدفُ هذه المقالة إلى بحث المنهج الهرمينوطيقي[3] الرامي إلى فهم القرآن من ناحية المراد الإلهي وعلى ضوء إمكانية طرح قراءاتٍ واستخلاصاتٍ جديدةٍ

(141)

ومُختلفةٍ حول القرآن. وفقًا للتعاليم الإسلامية، هناك نمطٌ تواصليٌ أساسيٌّ ومحدَّدٌ وثابتٌ بين الله والبشر، وهذه الصلة مُنغرسةٌ في الكتب السماوية عمومًا وفي القرآن خصوصًا. سوف نتطرّقُ في هذا البحث لسؤالين رئيسيَّيْن حول فهم القرآن.

يتعلّقُ السؤال الأول بإمكانية تحديد المراد الإلهي من النصّ نفسِه، وتتجلّى أهمية هذا السؤال بشأن الكتب السماوية التي رافقتنا لمئات السنين. حينما نُدقِّقُ في التفسيرات المختلفة لهذه الكتب السماوية، يُمكن أنْ نُلاحظ بأنّ كلَّ تفسيرٍ منها يُقدِّمُ نفسه، بشكلٍ مباشرٍ أو غيرِ مباشرٍ، على أنّه يَطرحُ الفهم الحقيقي للكتاب السماوي موضع النظر. وعليه، فسُرعان ما تبرزُ القضية المتمثِّلة بالسؤال عن أيِّ واحدٍ من هذه المناهج المختلفة –والمتناقضة أحيانًا- الرامية إلى فهم النص القرآني هي الصحيحة والمتطابقة مع المراد الإلهي؟ رفضَ بعضُ علماء التأويل النافذين إمكانيةَ الوصول إلى الغاية الإلهية ونيل أيّ درجةٍ من الإثبات الموضوعي لها. يرى هؤلاء العلماء أنّ الفهم هو فعلُ القارئ وأنّه ينبغي اعتبار المعنى الذي يُقدِّمه المفسِّر نتاجًا شخصيًّا وليس هو المرادَ الإلهيَّ الفعليَّ.

   أمّا السؤال الثاني، فإنّه يتعلّقُ بإمكانية طرح قراءاتٍ واستخلاصاتٍ جديدةٍ للقرآن تتعلّقُ بسياقاتٍ جديدةٍ تختلفُ عن المحيط الذي نزل فيه القرآن. يرجعُ جذرُ السؤال الثاني إلى الاعتقاد الإسلامي الجوهري بأنّ الإسلام هو آخر الأديان وأنّ القرآن هو آخر ما نزل من الوحي وأنّه يتولّى هداية الإنسان إلى الأبد. وعليه، يُشيرُ بعضُ العلماء المسلمين من أمثال فضل الرحمن ونصر أبو زيد إلى ضرورة وجود منهجٍ هرمينوطيقيٍّ يُتيحُ تجاوزَ المعنى الحرفي للآيات القرآنية وتلبية حاجة البيئة الجديدة من ناحيةٍ، ونسْب أنماط الفهم الجديدة بشكلٍ موضوعيٍّ إلى الله

(142)

من ناحيةٍ أخرى. في الختام، تتناولُ المقالةُ المنهجَ الهرمينوطيقي المعتَمَد كردٍّ على السؤالين موضع البحث.

الكلمات الرئيسية: القرآن، الإسلام، الهرمينوطيقيا، التفسير، نصر أبو زيد، فضل الرحمن، هانس جورج غادامر، الحداثة.

*    *    *

   برزت عمليةُ تفسير القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وآله وامتدّت إلى يومنا الحالي. حينما كان النبي صلى الله عليه وآله يتلو آيات القرآن، كان المسلمون يَدنون منه طلبًا للحصول على فهمٍ أعمقَ للآيات. يُشيرُ القرآن إلى هذا الأمر ويعتبرُ أنّ إحدى صفات النبي صلى الله عليه وآله أنّه لم يكن مجردَ ناقلٍ للرسالة الإلهية بل الموضِّحَ لها أيضًا. أمّا الأصحاب، فقد تولّوا بدورهم شرح آيات القرآن وتقلّد الأتباع هذه المسؤولية من بعدهم حيث حاز بعضُهم على شهرةٍ كبيرةٍ كمفسِّرين للقرآن. وعليه، كانت تلك بداية التُراث التفسيري الذي انتقل من جيلٍ إلى آخرَ حتّى وصل إلى يومنا الحالي، وهو تراثٌ يعترفُ عمومُ العالم الإسلامي تقريبًا بأهميته وضرورته.

   كما الحال مع تفسير أيّ نصٍّ مكتوبٍ، يخضعُ تفسيرُ القرآن لقواعدَ وضوابطَ. بعضُ القواعد عامّةٌ ولا تقتصرُ على القرآن نفسه بينما بعضها الآخر هو أكثرُ تحديدًا لأنّه يتعلّقُ بتطبيق إجراءاتٍ خاصةٍ على الملاحظات التي تمّ التوصُّل إليها في تفسير القرآن. تتمثّل بعضٌ من أهمِّ شروط التفسير في معرفة اللغة العربية ومناسبات النزول بينما يُشكِّلُ الإلمام بعلم الحديث عنصرًا رئيسيًّا آخرَ في تفسير القرآن. أمّا المعارف الضرورية الأخرى فإنّها تتضمّنُ معرفة تاريخ العرب قبل النبي صلى الله عليه وآله وأثناء حياته وثقافتهم ونمط حياتهم، فالعديد من الآيات القرآنية

(143)

تُشيرُ بشكلٍ ضمنيٍّ أو صريحٍ إلى البيئة الثقافية في المجتمع الذي عاش فيه النبي صلى الله عليه وآله بالإضافة إلى الأفكار والمصطلحات والصور اللازمة لمعرفة التقاليد والعادات السائدة في المجتمع العربي آنذاك. بالإضافة إلى ذلك، يلزمُ معرفة قصص الأنبياء السابقين والضلوع في التاريخ الإسلامي المبكِّر[1]. لقد انبرى عدّةُ مفسِّرين للتخصُّص في أحد هذه الأنماط وقدّموا تفاسيرَ واسعةً وشاملةً استنادًا إليها[2].

من ناحيةٍ أخرى، وكما يظهرُ من تاريخ تفسير القرآن، نشأت عدّةُ مقارباتٍ مختلفةٍ وتمّ استخراج مبادئَ ومعانٍ وأنماطِ فهمٍ متباينةٍ من القرآن ما أدّى إلى بروز مدارسَ مختلفةٍ في التفسير. على الرغم من أنّ كلّ هذه المدارس قد اعتمدت على المصادر المذكورة سابقًا إلا أنّها قد طرحت استنتاجاتٍ مختلفةً في تفسيراتها لبعض أهم القضايا، وقد تباينت هذه التفسيرات أو أنّها تناقضت أحيانًا مع بعضها. في هذه المرحلة، يكفي أنْ نُلفت الانتباه إلى أنّ هذه التفسيرات المتناقضة للقرآن تنشأ بشكلٍ رئيسيٍّ من أنماط الفهم المختلفة ولا يُمكن أنْ تُنسب إلى القرآن نفسه ويعودُ هذا إلى أنّ القرآن وفقًا للعقيدة الإسلامية هو كلام الله وبالتالي فإنّه خالٍ من التناقض كما أنّ علم الله المطلَق غيرُ قابلٍ لأيِّ تناقضٍ ممكنٍ[3]. بذَلَ المفسِّرون

(144)

المسلمون جهودًا مضنيةً لتفسير القرآن بعيدًا عن الأفكار والافتراضات الذاتية والفردية، ولكن لم ينجحوا دائمًا في تحقيق هذا الهدف. يذكرُ الزرقاني ما يلي:

«تُفسِّرُ جميع فرق المفسِّرين المختلفة كتابَ الله إمّا باعتدالٍ أو بإفراطٍ حسبما يرتضونه ويقبلونه. بناءً على ذلك، يُصبحُ التفسير مِرآةً تُظهر انعكاسَ أفكار المفسِّرين وفقاً لمناهجهم المختلفة.»[1]

وعليه، فإنّ السبب وراء الاختلافات بين مفسِّري القرآن يعودُ إلى المفسِّرين أنفسهم بالاضافة إلى المناهج التي اتّبعوها في تفسير القرآن. قد يتساءلُ الفردُ إذا كان من الممكن الوصول إلى تفسيرٍ موضوعيٍّ متحرِّرٍ من الأفكار المسبَقة للمفسِّر ويُمكن اعتباره شرحًا للمراد الإلهي الكامن في الآيات القرآنية. تتجلّى أهمية هذا السؤال حينما نقارنه بما ذكره بعضُ العلماء المتخصّصين في الهرمينوطيقيا الفلسفية حول موضوع استحالة فهم غاية أيِّ مؤلِّفٍ مِمّا كتبه، أي أنّ كلّ نصٍّ بغضِّ النظر عن مؤلِّفه يملكُ وجوده المستقلّ الخاص ويستطيعُ القرّاء فهمه حتّى ولو لم يعرفوا هوية الكاتب وبيئته[2].

غادامِير[3] هو أحدُ مُمثِّلي هذه المقاربة وقد احتجّ في كتابه الحقيقة والمنهج على أنّ سلسلةً من الافتراضات تدخلُ في أيِّ محاولةٍ لفهم نصٍّ ما وأنّها قد تختلفُ عمّا يرومه مؤلِّفُ النص. وعليه، قد لا يكونُ من الممكن الوصول إلى الموضوعية التامة في تحليل نصٍّ قديمٍ. وفقًا لغادامِير، يملكُ جميعُ المفسِّرين وعيًا متحققًا تاريخيًّا يختلفُ عن وعي المؤلِّف وبالتالي فإنّ التفسير واقعًا هو دمجُ الآفاق: أُفُق

(145)

المؤلِّف والمفسِّر. بعبارةٍ أخرى، لا يُمثِّلُ التفسير إعادة إنتاج المعاني كما يقصدها المؤلِّف بل هو ناتجٌ عن المفسِّر نفسه. يذكرُ غادامِير ما يلي:

«في تحليلنا للعملية الهرمينوطيقية رأينا أنّ الوصول إلى أفق التفسير يتطلّبُ دمج الآفاق... يُستنطق النصّ عبر التفسير. ولكن لا نصّ ولا كتاب يتكلّم إذا لم يُجِد لغةً تصلُ  إلى الطرف الآخر. وعليه، ينبغي للتفسير أنْ يعثر على اللغة الصحيحة إذا أراد فعلًا أنْ يستنطق النص. بالتالي، لا يُمكن أنْ يكون هناك تفسيرٌ واحدٌ صحيحٌ بحدّ ذاته وذلك لأنّ كلَّ تفسيرٍ يتعلّقُ بالنصِّ نفسه. تعتمدُ الحياة التاريخية لتراثٍ ما على دوام الاستيعاب والتفسير. التفسير الذي يُعتبر صحيحًا بحدّ ذاته هو تصوُّرٌ أحمقُ يُخطئُ طبيعة التراث، وينبغي لكلِّ تفسيرٍ أنْ يُكيِّف نفسه مع الحالة الهرمينوطيقية التي ينتمي إليها. »[1]

   تُعارضُ هذه المقاربة بشكلٍ مباشرٍ الهرمينوطيقيا الإسلامية التقليدية التي تُحرِّمُ التفسير بالرأي بشدّةٍ. وعليه، يتحتّمُ أنْ ننظر كيف تمّت الإجابة عن هذه الأسئلة.

   المفهوم الرئيسي الذي يتّبعه العلماء المسلمون باعتباره المفتاحَ الهرمينوطيقيَّ في عملية الوصول إلى المقاصد القرآنية هو المعنى الظاهري للقرآن. المصطلح الذي يستخدمه المفسِّرون المختلفون للمعنى الظاهري هو الظهور أو الظاهر المشتق من الجذر ظ-ه-ر. تُفيدُ كلمة ظاهر على التوالي معنى الواضح والمرئي والبادي[2].

(146)

يدلُّ مصطلح الظاهر على النص الذي ينقلُ معناه ظاهريًّا أو بوضوحٍ إلى القرّاء أو المستمعين، ويشملُ هذا المصطلح الحالات حيث يكون للنص معنًى ظاهرٌ ولكن يُمكن في نفس الوقت افتراضَ معنًى آخرَ مُرادٍ من النص يختلفُ عن المعنى الظاهري. على سبيل المثال، تدلُّ كلمة «أسد» في جملة رأيتُ أسدًا ظاهريًّا على الحيوان المفترس ولكن يُمكن أيضًا –وإن كان ذلك أقلّ احتمالًا- أن يكون مُراد المؤلِّف رجلًا شجاعًا. في هذه الحالة، إذا لم يكن هناك دليلٌ على أنّ المؤلِّف أو المتكلِّم يقصدُ معنًى آخرَ غير المعنى الظاهري، ينبغي أنْ نفهمه وِفقًا للمعنى الظاهري للنصّ أو الخطاب. إذا كان معنى النص محدَّدًا، أي عدم وجود إمكانيةٍ للدلالة على معنًى آخرَ غير المعنى المفهوم، يُعتبر إذًا نصًّا. هذا يعني أنّه ليس بوسع القرّاء افتراضَ معنًى موازٍ لهذا النص حتّى ولو كان أقلَّ معقوليةً[1].

   كثيراً ما تُشيرُ المناهج المختلفة للتفسير إلى أنّ المعنى الظاهري للقرآن هو معيار إثبات قيمة تفسيرٍ محدَّدٍ أو نقض صلاحية التفاسير الأخرى. على الرغم من الاستخدام الواسع لهذا المصطلح، لم يتمّ البحث فيه أو في النقاشات المتمحورة حوله بشكلٍ مستقلٍّ أو وافٍ في ميدان التفسير. بدلًا من ذلك، يستندُ المفسِّرون إلى التعاريف والمحصّلات الواردة في أصول الفقه حيث يتمُّ التطرُّق بالتفصيل إلى منهج فهم القرآن أو الحديث باعتباره نصًّا[2].

(147)

منهجُ فهم المعنى الظاهري للقرآن

يعتمدُ المنهج المطروح في أصول الفقه للوصول إلى المعنى الظاهري للقرآن على الوئام في فهم لغة القرآن والكلام البشري وأنماط التواصل المقبولة عمومًا[1]. يُقالُ أنّ التفاعل المعهود بين الناس حينما يُريدون فهم الكلام أو الكتابات الصادرة عن بعضهم البعض يعتمدُ على المعنى الظاهري للخطاب أو النص. يتمسّكُ الناس بالمعنى الظاهري للنص أو الخطاب كدليلٍ لدى بروز أيِّ نزاعٍ في ما بينهم، وهذا يُظهرُ أنّه وفقًا لـ«التوافق العام للعقلاء» فإنّ المعانيَ الظاهريةَ صالحةٌ للاعتماد من أجل التفاهم.

وفقًا للأصوليين، ليس هناك ما يدعو للاعتقاد بأنّ الكلمات القرآنية تعني شيئًا آخرَ عن مفاد الكلمات الفعلية مورد الاستخدام. هذا يعني أنّ كلّ من يملكُ معرفةً باللغة العربية يستطيعُ فهم المعاني القرآنية بوضوحٍ كما يفهمُ الكلمات المكتوبة باللغة العربية[2]. يَرجعُ الأصوليون إلى القرآن نفسه كدليلٍ على هذه القول. هناك العديد من الآيات الموجَّهة إلى مجموعاتٍ محدَّدةٍ مثل بني إسرائيل، المؤمنين، الكافرين، والناس عمومًا. يُخاطبهم القرآن ويُقدِّمُ لهم الدليل على صحّته أو يتحدّاهم بالمجيء بكتابٍ مثله إنْ كانوا في شكٍّ من كلمة الله. وعليه، لا جدوى من مخاطبة الناس بكلماتٍ لا يفهمونها أو مطالبتهم بالمجِيءِ بكتابٍ مماثلٍ لكتابٍ لا يفهمونه[3].

أحد الأدلة الأخرى على المبدأ محلّ البيان هو أنّ بعض الآيات القرآنية تدعو

(148)

الناس للتفكُّر في معناها من قبيل الآيات التالية: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) محمد، آية 24 و(أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْد غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلَافًا كَثِيرًا)النساء، آية 82. نستنتجُ من هذه الدعوة أنّ الآيتين تدلّان بوضوحٍ على أنّ القرآن قابلٌ للتفكُّر والتدبُّر وهذا يشملُ معنى «التفهُّم» كأحد خصائصه. بالإضافة إلى ذلك، ووفقًا لهاتين الآيتين، فإنّ التفكُّر بالقرآن يُزيلُ أيّ اختلافاتٍ في التفسير أو أيِّ تناقضاتٍ تبرزُ للوهلة الأولى. نستنتجُ أيضًا أنّه إذا لم تملك الآياتُ نفسُها معنًى واضحًا فلا فائدة من التفكُّر بها لتوضيح إشكالية تفسيرها. كذلك، لا توجد إشاراتٌ في مصادرَ أخرى على ضرورة رفض المعنى الجليّ للقرآن[1].

   وفقًا للأصوليين الذين يُشكِّلون علماء أصول الفقه، فإنّ اتِّباعَ هذا المنهج للحصول على المعنى الظاهري هو «واضحٌ ولم يبرز مَنِ اعترضَ عليه»[2]. يشرحُ المظفَّر هذه النقطة، وهو أحد العلماء الأصوليين الشيعة المعاصرين، فيذكرُ أنّ:

«المشرِّع المقدَّس لم يستخدم قطعًا في خطابه وكلماته الرامية لتوضيح مقاصده أيّ منهجٍ غير الذي يتّبعه العقلاء، ويعودُ هذا إلى أنّه هو العاقل بل رئيس العقلاء. وعليه، فإنّ منهجه يتطابق مع منهجهم في الخطاب. لا يوجد أيُّ عائقٍ أمام هذا المفهوم ولا يوجد دليلٌ منه تعالى على خلافه.»[3]

   وفقاً لهذا الدليل، يُمكن الحصول على تفسيرٍ موضوعيٍّ من خلال الاعتماد على المعنى الظاهري كما يفهمه الأشخاصُ العاديون. بالإضافة إلى ذلك، يُوضِّحُ هذا الدليل كيف يقومُ العلماء المسلمون بنَسْب المعنى الذي يفهمونه من القرآن إلى اللهِ.

(149)

للمزيد من التفصيل في هذا الدليل، ينبغي أن نتطرّق للسؤال الذي ينشأ هنا: كيف ننتقلُ من فهمنا للنصّ إلى المراد الإلهي؟ وكيف يُمكن أنْ نكتشف إنْ كان ما يعنيه الله في القرآن هو نفسه ما نفهمه من القرآن؟ إذا أمكن الوصول إلى المعنى الظاهري للقرآن عبر دراسة اللغة التي يستخدمها الناس في حواراتهم فكيف نتجاوزُ الاحتمال الذي يُفيدُ أنّ الله قد لا يكون قاصدًا للمعنى الظاهري للقرآن لأنّه لا يُشبهنا؟ هذا سؤالٌ مهمٌّ لأنّ الهدف الرئيسي وراء تفسير القرآن هو معرفة مراد الله وغايته.

يتألّفُ المنهج المطروح في أصول الفقه لتوضيح المعنى الظاهري للقرآن بحيث يُمكن نسْبه إلى الله من ثلاثة مبادئَ:

أ) مُراد الله من إنزال القرآن هو توجيه الخطاب إلى البشر والتواصل معهم؛

ب) لم يُقدِّم اللهُ وسيلةً جديدةً للتواصل بل استخدم النمط الذي يتّبعه الناس؛

ج) تتمثّلُ الكيفية المعهودة التي يتّبعها الناس لفهم كلام بعضهم البعض وكتاباتهم عبر الاعتماد على المعنى الظاهري للنص.[1]

يستندُ هذا الدليل إلى النقطة التي تُفيدُ وجودَ مرحلتين في فهم النص أو الكلام. المرحلة الأولى هي مقام الإثبات والمرحلة الثانية هي مقام الثبوت. يُمثّلُ مقام الإثبات ما يفهمه القارئ من النص بينما يُمثِّلُ مقام الثبوت المعنى الفعلي للمؤلِّف. إذا تعارض هذان المقامان فإنّ السبب يعودُ إلى استخدام المؤلِّف لمنهجٍ تواصليٍّ خاصٍّ بدلًا من النمط العادي الذي يستخدمه الناس. مع ذلك، يُسلَّم بأنّ المؤلِّف هو في موقع التواصل مع الآخرين وأنّه ليس هناك إشارةٌ على استعماله

(150)

لمنهجٍ خاصٍّ. بالنتيجة، ووفقًا للأصوليّين، يقودنا الأمر للاعتقاد بأنّ ما يفهمه البشر عمومًا هو ما يُريد المؤلِّف إيصاله إليهم[1].

يترتّبُ على هذا الدليل أنْ يكون المعنى الظاهري للقرآن حجّةً للوصول إلى مُراد اللهِ.

تعريفُ حجيّة المعنى الظاهري

تجدرُ الإشارة إلى أنّ الحجية وفقًا للأصوليين تملكُ معنًى محدَّدًا ينبغي توضيحه لكي نُبيِّن معنى نسْب المعنى الظاهري إلى الله في عملية تفسير القرآن. تُفيدُ كلمة الحجّة لغويًّا أيَّ شيءٍ يُمكن استخدامه كدليلٍ في مقابل الآخرين[2]. ورد في أصول الفقه أنّ وظيفة العالِم تتمثّل في تبيين الممارسات الدينية استنادًا إلى المصادر مثل القرآن والأحاديث، بالإضافة إلى وجوب تقديم الدليل على وجهة نظره لكي تكون حجّةً. ورد أيضاً أنّ الحجيّة لا تعني أنّ الله أراد نتائج الاستدلال التفسيري بغضِّ النظر عن طبيعته وهدفه بل تعني أنّه حينما يبحث الفقيه في المصادر الدينية فإنّ النتيجة سوف تتطابقُ مع مراد الله وبالتالي يكونُ الحُكم منجِّزًا ويقودنا إلى مراده تعالى. كذلك، قد تكون نتيجة استنباط الفقيه غيرَ متطابقةٍ مع مراد الله وبالتالي يكونُ العمل وفق هذه النتيجة الخاطئة مُعذِّرًا أمام الله. بعبارةٍ أخرى، إذا تعسّر الوصول إلى مراد الله عبر عملية الاجتهاد فلا يقعُ اللوم على الفقيه لأنّه قد بذل جهده باحثًا عن المعلومات

(151)

ذات الصلة في القرآن والمصادر الأخرى مثل الأحاديث المتعلِّقة بالموضوع الذي يُحاولُ العلماء فهمه من الناحية الفقهية[1].

شمولية التعاليم القرآنية أم خصوصيتها؟

   يتعلّقُ هذا القسم من البحث بشمولية الرسالة القرآنية، وأصالتها التاريخية التي تشملُ جميع الأماكن والأزمان، ومدى تأثير البيئة الاجتماعية-التاريخية على حجية وقابلية انطباق التعاليم القرآنية على الظروف المختلفة. هناك مقاربتان رئيسيتان حيث يَعتقدُ أنصارُ الشمولية بشمولية التعاليم القرآنية وأصالتها التاريخية بينما يعتقدُ أنصار الخصوصية أنّ التعاليم القرآنية – خصوصًا الجزء المتعلِّق بالشريعة- تختصُّ بسياقٍ محدَّدٍ. سوف نتناولُ هاتين المقاربتين في ما يلي بالشرح والتقييم.

   لطالما التفت العلماء المسلمون إلى أهمية السياق وهذا يظهرُ في المسار التاريخي لتفسير القرآن. دائمًا ما يقومُ العلماء المسلمون من أجل تفسير معنَى آيةٍ معيَّنةٍ من القرآن وتحديد معناها الظاهري بدراسة سياقها بشكلٍ مفصَّلٍ. بعد الوصول إلى معناها، يؤكِّدُ العلماء المسلمون الذين يتبنّوْن منهج الشمولية أنّ هذه الآية صالحةٌ للانطباق في كلِّ مكانٍ وزمانٍ ويُصرِّحون أنّه على الرغم من نزول القرآن في شبه الجزيرة العربية قبل 14 قرنًا إلا أنّ تعاليمه تحوزُ على الصلاحية التامة منذ زمن النبي صلى الله عليه وآله وتنطبقُ في الظروف المختلفة. يعودُ هذا إلى أنّ الإسلام وفقًا للعقيدة الإسلامية هو الدين الخاتم والقرآن هو آخر الكتب المنزَّلة، وأحد لوازم ختامية القرآن هو أنْ لا يقتصر المخاطَبون به على

(152)

الجيل الأول من المسلمين بل أن يتجاوزهم إلى البشرية جمعاء. وعليه، يُؤكِّدُ أنصارُ الشمولية على أنّ الأحكام القرآنية شاملةٌ إلّا إذا ثبت العكس في حالاتٍ محدَّدةٍ مثل الآيات المنسوخة[1]. في حال عدم معرفة ما إذا كان الحُكم خاصًّا أو عامًّا، يلجأ العلماء إلى «الأصل الأولي» الذي يُفيدُ أنّه ينبغي حينئذ اعتبارُ الحكم عامًّا. يُقدِّمُ أنصار الشمولية الدليلَ على هذا عبر بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. في ما يتعلّقُ بالآيات القرآنية، يذكرون الآيات التي تُخاطِبُ كلَّ المؤمنين والتي تبدأ بـ(یا أيُّها الذين آمنوا) أو (يا أيُّها النَّاس) ويؤكِّدون أنّ دلالة هذه الآيات عامّةٌ وتشملُ جميعَ الناس في مختلف الأماكن والأزمان. وعليه، تكونُ الآيات المذكورة آنفًا بالإضافة إلى آية (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآن لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغ) سورة الأنعام، آية 19 ضمن الآيات الدالّة على شمولية التعاليم القرآنية منذ وقت نزولها[2] والتي تشملُ كلّ الناس: المؤمنين والكافرين، الرجال والنساء، الحاضرين والغائبين، الموجودين والذين سوف يُولدوا. يُستَخدمُ الفعل المضارع لمخاطبة الغائب لأنّه من نفس سنخية الحاضر[3].

   من أجل توضيح هذه النقطة، يُصرِّحُ أنصارُ الشمولية أنّه يتحتّمُ علينا تناول الاختلاف بين القضية الحقيقية والقضية الخارجية. في القضية الحقيقية، يُنسب المحمول إلى الموضوع. بعبارةٍ أخرى، تندرجُ جميع مدلولات الموضوع والمدلولات الحالية التي قد تملكُ نوعًا من الخصوصية أو المدلولات التي قد تتحقّق في المستقبل ضمن هذا النوع من القضايا. وعليه، حينما يتحقّق موضوع هذا النوع من القضيّة فإنّه يكونُ موضوعًا للمحمول أيضًا. من الأمثلة على هذه القضية

(153)

عبارة «الإنسان البالغ مكلّف بالواجبات الدينية». هذا يعني أنّه كلّما وُجد إنسانٌ بالغٌ، فإنّه مكلّفٌ بأداء الواجبات الدينية بغضِّ النظر عن جنسه أو مكانه أو زمانه أو أيّ خصوصياتٍ أخرى تتعلّق به. أما في القضية الخارجية، فإنّ المدلولات الحالية للموضوع وخصوصياتها هي التي تخضع للحُكم[1].

   وفقاً لأنصار الشمولية، ومع أخذ هذا الاختلاف بين القضايا بعين الاعتبار، فإنّنا حينما نصلُ إلى أمرٍ في القرآن ينبغي أن نفهمه كأمرٍ عامٍّ يشملُ جميع الأوضاع والظروف المختلفة والسبب هو أنّ الله العليم القدير هو الآمر. وكما يذكرُ العلّامة الطباطبائي في تفسيره، لو أراد الله أنْ يكون أمره خاصًّا لصرّح بذلك حتمًا فالله يقولُ ما يريده بالضبط وعباراته لا تنبع عن الخوف أو الطمع أو الطموح أو الشهوة ولا تتأثّر بها. إذا استخدم الله كلمةً بمعنًى عامٍّ فإنّها تنطبقُ على كلِّ الأزمنة والأماكن والظروف.[2]

وفقًا لهذا الدليل، يستنتجُ أنصارُ الشمولية أنّ المعاني الظاهرية للقرآن تملكُ الحجية المطلقة. وعليه، يقتضي حصرُ الآيات القرآنية بزمانٍ أو مكانٍ محدّدٍ المزيد من الأدلة، ومع غياب هذه الأدلة لا خيار آخر غير فهم العبارات القرآنية كما هي وبدلالاتها العامة. بالإضافة إلى الدليل السابق، يُشيرُ الفقهاء الشيعة إلى بعض الأحاديث المشهورة للإمام السادس جعفر الصادق حيث يقول:

«حلال محمد حلالٌ أبدًا إلى يوم القيامة، وحرامه حرامٌ أبدًا إلى يوم

(154)

القيامة، لا يكون غيره ولا يجيء غيره... قال عليٌّ عليه السلام: ما أحدٌ ابتدع بدعةً إلا ترك بها سُنّةً.[1]

حُكم الله عزّ وجلّ في الأولين والآخرين وفرائضه عليهم سواءٌ إلا من علّةٍ أو حادثٍ. يكونُ الأولون والآخرون أيضًا في منع الحوادث شركاء والفرائض عليهم واحدةٌ، يُسأل الآخِرون عن أداء الفرائض عمّا يُسأل عنه الأولون ويُحاسَبون عمّا به يُحاسَبون.»[2]

   وعليه، تؤكِّدُ هذه الأحاديث على شمولية العبارات القرآنية بغضِّ النظر عن الزمان والمكان.

   سوف أتناولُ هنا بشكلٍ موجَزٍ آراء فضل الرحمن ونصر أبو زيد اللَّذَيْن يُقدِّمان شرحًا مختلفًا عن دور التخصيص في عملية فهم القرآن. كتب فضل الرحمن خلال حياته بشكلٍ موسَّعٍ عن الإسلام والقرآن وحاول تقديم منهجٍ لإعادة تفسير الأوامر القرآنية لكي تنطبق على يومنا الحالي[3]. طرحَ فضل الرحمن بعض الأمثلة عن أحكام الشريعة ليُظهر أنّه لا يُمكن تطبيقها في الظروف الحالية. يعتبرُ فضل الرحمن أنّ المعنى الحرفي للقرآن واضحٌ ويُمكن فهمه موضوعيًّا وأنّ حجية المعاني الحرفية غنيّةٌ عن الإثبات. كذلك، فإنّه يعتقدُ أنّ البيئة التي نزل فيها القرآن هي دليلٌ يمنعنا من تعميم بعض الأحكام الشرعية أو الاجتماعية للقرآن. يقول فضل الرحمن:

(155)

«إنّ الإصرار على التطبيق الحرفي لأحكام القرآن وإغلاق العين عن التغيُّر الاجتماعي الذي وقع وما زال يتحقّق بشكلٍ واضحٍ أمامنا هو بمثابة الإحباط المتعمَّد لغاياته وأهدافه الأخلاقية-الاجتماعية.»[1]

لكي يؤكِّد على موقفه، يرجعُ فضل الرحمن إلى المبدأ المعتزلي الشهير حول خلق القرآن ويُحاولُ إعادة تفسير معنى «القرآن كلمة الله». بالنسبة إليه، يُظهِرُ مبدأ خلق القرآن أنّه أُنزل في بيئةٍ معيّنةٍ[2]. وفقًا لتعبيره، فإنّ «الأمر الإلهي له ساحةٌ أخلاقيةٌ وساحةٌ شرعيةٌ على وجه الخصوص، والأخيرة تُمثِّلُ تفاعلًا بين خلود الكلمة والوضع البيئي الفعلي في شبه الجزيرة العربية في القرن السابع. من الواضح أنّ البُعد البيئي قابلٌ للتغيُّر»[3]. هذا يعني أنّ دور النبي صلى الله عليه وآله في تلقِّي الوحي لم يكن دورًا غيرَ فعَّالٍ ولم يكن صلى الله عليه وآله المدوِّنَ للقرآن فقط بل يُصرِّحُ فضل الرحمن أنّ «القرآن هو الجواب الإلهي الذي يمرُّ عبر عقل النبي»،[4] وبالتالي «يكونُ بالمعنى العادي كلمته من حيث العملية النفسية ولكنّه الكلمة المنزّلة لأنّ مصدره خارج إمكانية وصول النبي»[5].

من خلال إزالة الحجّية عن المنهج التقليدي في فهم القرآن باعتباره كلمة الله

(156)

المباشرة، سعى فضل الرحمن في الخطوة التالية –واستنادًا إلى مبادئَ معتزليةٍ أخرى مثل حجّية العقل كمصدرٍ دينيٍّ إلى جانب القرآن واعتماد الأوامر القرآنية على غاياتٍ محدّدةٍ- إلى تقديم منهجٍ جديدٍ لتفسير القرآن. يحتجُّ فضل الرحمن أنّ الأحكام القرآنية تعتمدُ على بعض المبادئ والمثُل من قبيل العدالة أو المصلحة العامة ولكن إذا كان حُكمٌ معيّنٌ عادلًا أو متطابقًا مع المصلحة العامة في زمن النبي صلى الله عليه وآله فهذا لا يعني أنّه كذلك في الوقت الحاضر. وعليه، يَعتبرُ فضل الرحمن أنّ وظيفة العلماء المسلمين تتمثّلُ في تحليل القرآن من أجل ترسيخ المثُل الإسلامية ومن ثمّ تقديم هذه المثُل بهيئةٍ جديدةٍ تُناسبُ الوقت الحالي. يطرحُ فضل الرحمن حركةً مُزدوجةً لتحقيق ذلك:

«من أجل إنشاء مجموعةِ قوانينَ ومؤسّساتٍ إسلاميةٍ أصيلةٍ وقابلةٍ للتطبيق، ينبغي أنْ توجد حركةٌ مُزدوجةٌ. أولًا، يجب أنْ ينتقل المرء من معالجة حالاتٍ معيّنةٍ في القرآن –آخذًا بعين الاعتبار الظروف الاجتماعية الضرورية والمهمة في ذلك الزمن- فيَصِل إلى المبادئ العامة التي يلتقي التعليم برمّته عليها. ثانيًا، وانطلاقًا من هذا المستوى العام، ينبغي أنْ تكون هناك حركةٌ إلى الوراء نحو التشريع الخاص آخذًا بعين الاعتبار الظروف الاجتماعية الضرورية والمهمة المتحصّلة الآن.»[1]

تختلفُ دلالات هذه المقاربة بشكلٍ كبيرٍ عن المقاربة المعهودة في التفسير. وفقًا للفهم الإسلامي المعهود، القرآن هو كلامُ الله وكلّ محتوياته هي وحيٌ إلهيٌّ وتبقى صالحةً للتطبيق بينما يَعتبرُ فضل الرحمن أنّه لا يُمكن اعتبار الأوامر القرآنية خالدةً، على الأقل في مقام التشريع. يعتقدُ فضل الرحمن أنّ هذا المنهج

(157)

هو «الأكثر إقناعًا ولعلّه الوحيد الممكن»[1] لتفسير القرآن في العصر الحديث. يدّعي فضل الرحمن أنّه يسهلُ نزعُ صلاحية تطبيق بعض الأحكام مثل الزكاة والعقوبات والقوانين العائلية في العصر الحالي، ومن الأمثلة التي يذكرها فضل الرحمن وتلاميذه وأتباعه: الجَلْد، قطع الأيدي، الإعدام، تعدُّد الزوجات، الطلاق، أو الولاية. استخدمت آمنة ودود أسلوبَ فضل الرحمن في كتابها «القرآن والمرأة» فذكرت التالي:

«أُحاولُ استخدامَ منهج تفسير القرآن الذي طرحه فضل الرحمن. يُشير فضل الرحمن إلى أنّ جميع المقاطع القرآنية التي أُنزلت في زمنٍ تاريخيٍّ محدَّدٍ وضمن ظروفٍ عامةٍ وخاصةٍ قد تمّ التعبير عنها بالتناسب مع تلك الظروف. على الرغم من ذلك، فإنّ الرسالة غيرُ مقيّدةٍ بالزمان أو بتلك الظروف من الناحية التاريخية. ينبغي على القارئ أن يفهم دلالات التعابير القرآنية في الزمن التي أُنزلت فيه لكي يُحدِّد معناها المناسب. هذا يعني تقديم الغاية من الأحكام أو المبادئ الموجودة في آيةٍ محدَّدةٍ.»

يتحتّمُ على المؤمنين في الظروف المختلفة إجراءَ تطبيقاتٍ عمليةٍ تتناسبُ مع كيفية انعكاس الغاية الأصلية أو تجلِّيها في البيئات الجديدة. هذا هو المقصود من روح القرآن في الأيام المعاصرة، وللوصول إلى تلك الروح ينبغي أن يوجد نموذجٌ هرمينوطيقيٌّ شاملٌ ومنظَّمٌ.[2] أمّا مقاربة أبو زيد تجاه القرآن فهي مقاربةٌ أدبيةٌ بالأساس، وقد لخّص آندرياس ميير[3] أفكارَ أبو زيد في النقاط التالية:

(158)

1- النصوص الدينية نصوصٌ لغويةٌ، وهي مبنيةٌ وفقًا للتراكيب والقواعد كما أيِّ نصٍ لغويٍّ آخرَ.

2- النصوص الدينية، باعتبارها نصوصًا لغويةً، هي نصوصٌ إنسانيةٌ ترتبطُ بالوضع العام للفكر البشري والخطاب والتواصل الإنساني.

3- النصوص الدينية، باعتبارها نصوصًا إنسانيةً، هي ناتجةٌ عن الثقافة الإنسانية وتدينُ بتشكُّلها إلى بيئةٍ ثقافيةٍ خاصةٍ تُساهمُ سماتها الخاصة جوهريًّا ورسميًّا في صياغة هذه النصوص.

4- النصوص الدينية، باعتبارها ناتجةً عن الثقافة الإنسانية، هي نصوصٌ تاريخيةٌ وتُشبه كلّ مُنتجات الثقافة الإنسانية فتخضع لشروط الزمان والمكان.

5-النصوص الدينية، باعتبارها نصوصًا تاريخيةً، هي موضع بحث العلوم التاريخية-النقدية، واستخدام المناهج العادية كهذه يُطبَّق أيضًا على جميع النصوص التاريخية.[1]

ربط أبو زيد -مِثلُ فضل الرحمن- مقاربتَه التفسيرية بالسؤال اللاهوتي حول كون القرآن كلمة الله القديمة غير المخلوقة أو كلمته الحادثة المؤقتّة بزمانٍ. وفقًا لأبو زيد، فإنّنا إذا قبلنا بأنّ القرآن هو كلمة الله القديمة غير المخلوقة فلا يُمكن أن نقول بأنّ آياته تعكسُ زمن النزول فقط. أمّا إذا قلنا بأنّ القرآن حادثٌ فحينها يُمكن استنادًا إلى فضل الرحمن وأبو زيد أن نقول بأنّ المحتوى القرآني خاصٌّ وقد خُلق وفقًا للثقافة السائدة زمن النزول.[2]

(159)

تخصيصُ الرسالة القرآنية يطرحُ السؤالَ نفسَه أمام أبو زيد: كيف نفهم القرآن في العصر الحالي؟ للإجابة عن هذا السؤال، يستخدمُ أبو زيد تمييز سوسير[1] بين اللغة[2] والخطاب[3]. وفقًا لسوسير، اللغة هي المنظومة العامة للتواصل بين البشر، ويعمدُ كلُّ فردٍ على هذه المنظومة للنُطق بخطابه. هناك علاقةٌ حواريةٌ بين اللغة والخطاب. اللغة كظاهرةٍ اجتماعيةٍ دائمًا ما تُعارضُ أيَّ تغييرٍ مُمكنٍ ولكنّ الخطاب باعتباره استخدامًا فرديًّا للغة هو العنصر الذي يجلبُ التغيير إلى اللغة ويُنعشها[4]. استنادًا إلى هذا التمييز، يُشيرُ أبو زيد إلى وجود علاقةٍ مُشتركةٍ حواريةٍ بين نصّ القرآن والجيل المسلم الأول. بينما يستخدمُ القرآن اللغة العربية التي تأثّرت بثقافة ذلك الجيل الأول إلا أنّ الخطاب القرآني كان له تأثيره الخاص على المجتمع الإسلامي الأول. بالنتيجة، انبثقت ثقافةٌ جديدةٌ منه بالتدريج. بما أنّ القرآن يُمثِّلُ رسالةً لكلِّ الأزمان فإنّ هذه العملية الحوارية سوف تستمرُّ إلى الأبد[5].

ميَّز أبو زيد بين مستويَيْن من الدلالات القرآنية: المعنى والمغزى حيث يقتفي أثر هيرش[6] الذي عرّف المفهومَيْن كما يلي:

«المعنى هو ما يُظهره النص، وهو ما أراده المؤلِّف من استخدام تسلسلٍ رمزيٍ خاصٍّ، وهو ما تُمثِّله الرموز. أمّا المغزى، فإنّه يُسمّي علاقةً بين المعنى وبين شخصٍ أو مفهومٍ أو حالةٍ أو أيِّ شيءٍ مُتخيَّلٍ... دائمًا ما

(160)

يستلزمُ المغزى وجود علاقةٍ، والنص يعني قُطبًا ثابتًا غيرَ متغيِّرٍ من تلك العلاقة.»[1]

بناءً عليه، يكونُ المعنى ثابتًا من حيث دلالته على المقصود من النص بينما المغزى متغيِّرٌ لأنّه يتعلّقُ بأشخاصٍ وأوضاعٍ مختلفةٍ. بالإضافة إل ذلك، لا تملكُ المعاني التاريخية هنا أيَّ صلاحيةٍ أو حجيةٍ في زمننا الحالي بل تكمنُ الحجية في المغزى المعاصِر المتّصل بالمعنى التاريخي الأصلي للنصّ. نحنُ نملكُ تفسيراتٍ سياقيةً لامتناهيةً للقرآن لأنّ الظروف في حالة تغيُّرٍ دائمةٍ، وعليه وفقًا لأبو زيد سوف تبقى رسالةُ الإسلام صالحة لجميع البشر في الأزمان والأماكن المختلفة:

«لا ينبغي في هذه العملية تجاهُل المعنى السياقي الاجتماعي-الثقافي أو تبسيطه لأنّ هذه الدرجة من المعنى مهمةٌ للغاية من أجل تحديد اتّجاه المغزى الضمني للنص. تُسهِّلُ معرفة اتّجاه المعنى الانتقالَ من «المعنى» إلى «المغزى» في السياق الاجتماعي-الثقافي الحالي وتُمكِّنُ المفسِّر أيضًا من الاستخراج الصحيح والفعّال للبُعدين) «التاريخي» و«الزمني» اللَّذَيْن لا يملكان مغزًى في السياق الحالي»[2].

كما رأينا، فقد حاول كلٌّ من فضل الرحمن وأبو زيد تقديمَ قاعدةٍ لاهوتيةٍ لمقاربتيهما اعتمادًا على الفرضية المعتزلية الشهيرة المتمثِّلة بخلق القرآن. على الرغم من ذلك، قد يُحتجُّ بأنّه لا توجد علاقةٌ بين قِدَم القرآن أو حُدوثه من ناحيةٍ وبين كون المعنى القرآني شاملًا أو خاصًّا بسياقٍ محدَّدٍ من ناحيةٍ أخرى. الجدال

(161)

حول طبيعة الكلام الإلهي وكونه قديمًا أو حادثًا هو جزءٌ من الجدال حول صفات الله. احتجّ المعتزلة بأنّ كلام الله حادثٌ بينما اعتبر خصومهم من الأشاعرة أنّ الصفة والكلام قديمان. على الرغم من ذلك، قد يتقبّل الفرد آراء الأشاعرة ويؤمن بخصوصية السياق أو قد يتقبّل حدوث صفة الكلام ويؤمن بشمولية القرآن، وذلك لأنّ القِدم أو الحدوث يتعلّقان بالبُعد الأنطولوجي للقرآن وكيفية إيجاده وليس بمحتوى القرآن نفسه. قد يكون محتوى القرآن شاملًا أو خاصًّا بينما قد يكون القرآن نفسه قديمًا أو حادثًا. وعليه، نُلاحظُ أنّه بينما يؤكِّدُ علماء الشيعة على حدوث صفة الكلام إلا أنّهم يؤكِّدون على شمولية الأحكام القرآنية.

تتضمّنُ المباحث الأخرى التي يُمكن ملاحظتها في مؤلّفات أنصار خصوصية السياق من أمثال فضل الرحمن وأبو زيد الدعوة لإعادة تفسير التعاليم القرآنية استنادًا إلى الأهداف القرآنية والحاجات المعاصِرة للمجتمعات. يكمنُ السبب الرئيسي لهذه المقاربة في بروز العديد من القضايا الجديدة خلال القرون القليلة الماضية التي ينبغي النظرُ إليها من الناحية الإسلامية، وبالتالي ظَهَرَ أنصارُ خصوصية السياق. يعتبرُ هؤلاء أنّه توجد الكثير من الأحكام في القرآن والحديث غير المناسبة أو المقبولة في المجتمعات الحديثة وبالتالي فإنّهم يَدْعون إلى إعادة تفسير القرآن والحديث وإعادة فتح باب الاجتهاد. من الواضح أنّ الاجتهاد وإعادة التفسير يحتاجُ إلى منهجيةٍ صائبةٍ فمن دونها سوف تحلُّ الفوضى في عملية فهم القرآن.

يُقدِّمُ المفسِّرون التقليديون للقرآن مناهجهم الخاصة بشكلٍ جزئيٍّ في كتب التفسير الخاصة بهم وبشكلٍ جزئيٍّ في أصول الفقه. مع ذلك، لم يرضَ أنصارُ خصوصية السياق بنتائجهم لوجود اختلافٍ دقيقٍ بين الفريقين في تعريف الاجتهاد. وفقًا للمفسِّرين التقليديين، يكمنُ الاجتهادُ في المسعى الشخصي المتمثِّل باستخداملا

(162)

المصادر الصحيحة مثل القرآن والحديث إلى جانب مصادرَ أخرى لاكتشاف المراد الإلهي. وعليه، يعتمدُ هؤلاء المفسِّرون على المعنى الظاهري للقرآن كدليلٍ صالحٍ للوصول إلى المراد الإلهي ويُصرّون على الحجية العامة للمعنى الحرفي للقرآن إلا إذا ورد دليلٌ على خلافه. أمّا أنصار خصوصية السياق، فإنّ تعريف الاجتهاد عندهم هو كالتالي:

«الجهد الرامي لفهم معنَى نصٍ أو حادثةٍ سابقةٍ يحتويان حُكمًا، وتغيير ذلك الحُكم عبر توسعته أو حصره أو تغييره على نحوٍ يُمكن تصنيف وضعٍ جديدٍ تحته عبر حلٍّ جديدٍ.»[1]

   يتحتّمُ على أنصار خصوصية السياق هنا تقديمَ منهجٍ صحيحٍ لنسْب هذا النوع من المعنى القرآني إلى الله. بالإضافة إلى ذلك، يُشيرُ هؤلاء إلى أهداف الشريعة مثل العدالة. العدالة هي حتمًا أحد الأهداف الأساسية في الإسلام ولكن من يُمكنه أن يُقرِّر إنْ كانت دلالةُ حكمٍ معين صحيحةً وصالحة حول العدالة؟ على سبيل المثال، إذا أكّد أحد أنصار خصوصية السياق أنّ الفرق بين إرث الرجل والمرأة كما يذكره القرآن يتّصلُ بالبيئة زمن نزول الوحي إذًا كيف يُمكن أن نستنتج ضرورة المساواة في حصّتيهما من الإرث؟ قد يأتي من يحتجّ بأنّ النساء حتّى في المجتمعات المعاصِرة هنّ أكثر ضعفًا وبالتالي ينبغي منحهنّ ضعفيْ أو ثلاثة أضعاف حصّتهنّ. يُمكن أن نُلاحظ بأنّ الرجوع إلى الهدف الأقصى للدين اجتماعيًّا –أي العدالة- لا يحلُّ المشكلة المتمثِّلة بكيفية تأكُّدنا من أنّ التفسير الجديد الذي نُريدُ وضعه مكان الأحكام القرآنية هو شرعيٌ وأنّه المراد الحقيقي لله في زماننا. لعلّ هذا هو الدليل الأساسي الذي يطرحه أنصار الشمولية مقابل أنصار خصوصية السياق.

(163)

وفقاً لهم، نحنُ بحاجةٍ إلى دليلٍ صحيحٍ لكي ننسب أيِّ فهمٍ للوحي الإلهي إلى المعنى الحرفي للقرآن بعد أن جُعل هو المعيار الأساسي.

يُعلِّق آية الله مطهّري على إقبال الذي يشترك في الرأي[1] مع فضل الرحمن فيقول:

«لو قُبِلَت هذه الفلسفة فهذا لا يعني فقط أن لا حاجة بعد الآن لنبيٍّ أو وحيٍ جديدٍ بل لا حاجة أيضاً  للهداية بالوحي إطلاقًا لأنّ الفكر التجريبي يكونُ قد حلّ مكانه. هذه الفلسفة هي فلسفة نهاية الدين وليست فلسفة النبوة الخاتمة. لو قُبلت هذه الفلسفة فإنّ الشيء الوحيد الذي قد يُحقِّقه الوحي الإسلامي هو الإعلان عن نهاية عهد الدين وبداية عهد العلم.»[2]

(164)

هرمنيوطيقا وتأويل النصّ القرآني [1]

محمّد رضا حاجي إسماعيلي[2]، علي بنائيان الأصفهاني[3]

 

ملخّص

المفكّر المصري المجدّد نصر حامد أبو زيد الذي صُقلت آراؤه في مدرسة أمين الخولي التفسيرية الأدبية، أعار اهتمامًا بالغًا للأسلوب الهرمنيوطيقي في فهم دلالة النصّ.

الهرمنيوطيقا عبارةٌ عن علمٍ يتمحور البحث فيه حول بيان طبيعة النظريات التي تطرح على صعيد الفهم والإدراك وتفسير النصوص، واتّبع الباحثون في هذا السياق وجهتين أساسيتين إحداهما موضوعيةٌ والأخرى نِسْبيةٌ، وهذا الباحث الشرقي الذي سلّط الضوء على النظريات الهرمنيوطيقية المطروحة في مختلف

(165)

المدارس الفكرية، حاول اختيار نمطٍ مميّزٍ منها كي يعتمد عليه الباحثون في تفسير النصّ القرآني.

لو أمعنّا النظر في آرائه ونظرياته التي طرحها في مجال فنّ تأويل النصّ، لوجدنا أنّه تأثّر إلى حدٍّ كبيرٍ بالهرمنيوطيقا النسبية التي تبنّاها المفكّر الغربي غادامير، لكنّه ادّعى أنّه اعتمد في تفسيره بشكلٍ أساسيٍّ على مبادئ الهرمنيوطيقا الموضوعية المطروحة من قبل أريك دونالد هيرش؛ وبهذا اختار طريقًا معتدلًا بين النسبية والموضوعية.

سلّط الباحثان في هذه المقالة الضوء على الأصول الهرمنيوطيقية التي اتّبعها أبو زيد بهدف بيان جوانبها الموضوعية والنسبية، وفي هذا السياق استشهدا بأمثلةٍ من آرائه التفسيرية للنصّ القرآني وأثبتا على أساس استنتاجاته استحواذ النزعة النسبية في أسلوبه التفسيري؛ ومن المؤكّد أنّ هذه النزعة في التأويل تجعل المفسّر وقارئ النصّ بشكلٍ عامٍّ بعيدين عن القصد الإلهي، كما تفتح الباب على مصراعيه لطرح تأويلاتٍ وتفاسيرَ سقيمةٍ لا أساس لها من الصحّة.

الهدف من تدوين المقالة هو تحليل المعالم الأساسية للأسلوب الهرمنيوطيقي الذي تبنّاه نصر حامد أبو زيد في تفسير القرآن الكريم، وبيان الخلفيات الفكرية التي جعلته يتبنى هذا الأسلوب.

(166)

مقدمة

مصطلح هرمنيوطيقا كان متداوَلًا منذ العهد الإغريقي، وهو مشتقّ من الفعل اليوناني Hermeneuin الذي يدلّ على معنى التفسير، والذي له ارتباطٌ بالإله الإغريقي هرمس.

وفي تعريفٍ بسيطٍ يمكن القول أنّ الهرمنيوطيقا عبارةٌ عن علمٍ يتناول النظريات التي تُطرح حول بيان حقيقة فهم النصوص وتأويلها بالشرح والتحليل،[1] وهذا التعريف ينطبق على جميع النظريات ووجهات النظر الهرمنيوطيقية.

المفكّر الغربي ريتشارد بالمر اعتبر الهرمنيوطيقا ذاتَ ثلاثة أنماطٍ مختلفةٍ عن بعضها بالكامل، وهي كالتالي:

1) هرمنيوطيقا خاصّةٌ: مجموعةٌ من الأصول التفسيرية الخاصّة بكلِّ فرعٍ معرفيٍّ،

2) هرمنيوطيقا عامّةٌ: منهجيةٌ الفهم والتفسير لمختلف فروع العلوم،

3) هرمنيوطيقا فلسفيةٌ: رؤيةٌ فلسفيةٌ لمسألة الإدراك الذهني دون بيان المنهجية الحاكمة عليه[2].

الجدير بالذكر هنا وجود العديد من الآراء الهرمنيوطيقية التي طُرحت في

(167)

مختلف فروع العلوم الإسلامية، فمنها ما طُرح في علم الأصول على صعيد القضايا المرتبطة بفهم النصّ والقواعد الحاكمة عليه، وبعضها تبلور في مقدّمات تفسير القرآن الكريم؛ كما أنّ النزعة الهرمنيوطيقية تتجلّى أيضًا في رحاب تفسير القرآن بالقرآن وتفسيره الرمزي والتمثيلي.[1]

سيرة أبو زيد ونشأته الفكرية

نصر حامد أبو زيد ولد في العاشر من شهر تموز / يوليو عام 1943م بمدينة طنطا الواقعة غرب مصر، وفي سنّ الخامسة عشرة حفظ نصف القرآن الكريم، وفي العشرين من عمره أصبح إماما للجماعة في مسجد قرية قحافة إحدى ضواحي مسقط رأسه، وفي الخامسة والعشرين التحق بجامعة القاهرة ليحصل على شهادة الليسانس في اللغة العربية وآدابها من كلّية الآداب عام 1972م، وبعد أربع سنوات حصل على شهادة الماجستير من الكلّية نفسها ورسالته كانت تحت عنوان «قضية المجاز في القرآن عند المعتزلة»، ثمّ طبعت ككتابٍ تحت عنوان «الاتّجاه العقلي في التفسير»، وفي عام 1981م تمكّن من كسب درجة الدكتوراه في اللغة العربية وآدابها، وموضوع رسالته تمحور حول مسألة تأويل القرآن الكريم برؤية ابن عربي، حيث طبعت في ما بعد في كتاب تحت عنوان «فلسفة التأويل: دراسة في تأويل القرآن عند محيي الدين بن عربي».

ألّف هذا المفكّر 12 كتابًا باللغة العربية، ودوّن أكثر من 70 مقالةً باللغتين العربية والإنجليزية، حيث اعتمدنا على بعضها كمصادرَ مرجعيةٍ في هذه المقالة تناسبًا مع موضوع البحث.[2]

(168)

الجدير بالذكر هنا أنّ الأسلوب اللغوي الأدبي الذي اعتمد عليه نصر حامد أبو زيد في دراساته التفسيرية، يمكن اعتباره امتدادًا لمسيرة أمين الخولي، حيث انصرف إلى تفسير القرآن الكريم باعتباره نصًّا أدبيًّا؛ وهذه الوجهة التفسيرية الحديثة تختلف عمّا كان معهودًا في التراث الإسلامي العربي، لأنّ المفسّرين السابقين اتّخذوا علوم الصرف والنحو والبلاغة أساسًا لبيان معاني القرآن أدبيًّا ولغويًّا؛ لذا يمكن القول أنّ أسلوب أبو زيد التفسيري المنبثق من آرائه الهرمنيوطيقية بمثابة علمٍ يختلف عمّا كان متعارفًا في الأوساط الدينية.[1]

أمين الخولي المتوفّى عام 1976م قضى فترةً من مسيرته العلمية كأستاذٍ للغة والأدب العربي في جامعة القاهرة، ويعتبر المؤسّس للمدرسة التفسيرية الأدبية، فقد بادر إلى تأليف تفسيرٍ أدبيٍّ، وذكر الأصول والمناهج التفسيرية التي يعتقد بصوابها ضمن محاضراته؛ والجدير بالذكر هنا أنّ أسلوبه التفسيري يختلف عن الأسلوب المتعارف في التفاسير التقليدية الموروثة من المفسّرين القدماء، مثل تفسير «الكشّاف» للزمخشري الذي اعتمد فيه على قواعد علوم الصرف والنحو والبلاغة.

من خصائص أسلوب الشيخ أمين الخولي في التفسير أنّه ذكر معانيَ ودلالاتِ الآيات موضوعيًّا وبحسب ترتيب نزولها، كما حلّل معاني المفردات بشكلٍ مفصّلٍ ووضّح بنية النصّ القرآني اعتمادًا على علوم اللغة العربية، فضلًا عن أنّه أخذ سياق الكلام بعين الاعتبار حين تفسيره بعض الآيات.[2]

(169)

الأسلوب التفسيري الحديث الذي ابتدعه أمين الخولي بات مرتكزًا لتلامذته الذين واصلوا مسيرته العلمية، فتلميذته وزوجته الباحثة عائشة بنت الشاطئ على سبيل المثال، ألّفت كتابًا تحت عنوان «التفسير البياني للقرآن الكريم» جعلت المرتكزات الفكرية والأصول التي تبنّاها زوجُها بنيةً أساسيةً له؛ كما أنّ تلميذه الباحث محمّد أحمد خلف ألّف كتابًا تحت عنوان الفنّ القصصي في القرآن، وتلميذه شكري محمّد عياد دوّن أطروحته في الدراسات العليا تحت عنوان من وصف القرآن الكريم ليوم الدين والحساب؛ وفي عام 1980م بذل نصر حامد أبو زيد جهودًا لإحياء فكره وتفعيل مدرسته الأدبية بشكلٍ جادٍّ، لذا قيل أنّه بدأ مسيرته الفكرية التفسيرية من حيث انتهى أمين الخولي، فعلى الرغم من أنّه لم يتتلمذ عنده بشكلٍ مباشرٍ، لكنّه أعلن بصريح القول عن تأثّره بمنهجه الأدبي في التفسير وسعى إلى تطبيق مبادئه في بحوثه القرآنية.[1]

أبو زيد صاغ منهجيته الهرمنيوطيقية على ضوء مبادئ التراث الإسلامي والأدب العصري، ومن خلال اعتماده على الأساليب الهرمنيوطيقية الحديثة بادر إلى إعادة قراءة هذا التراث ومن ثمّ طرح نظرياتٍ تفسيريةً جديدةً حوله؛ وفي هذا السياق أكّد على أنّ المختصّين بالدراسات القرآنية لا يمكنهم تجاهل أصول التراث الإسلامي، وفي الحين ذاته ليس من الجدير قبول هذا التراث كما هو عليه، وإنّما نحن ملزمون بإعادة النظر في كيفية الاعتماد على مضامينه التي وصلتنا؛[2] ومن هذا المنطلق ذكر الأصول التالية التي يمكن للباحث اللجوء إليها كي يتمكّن من إعادة النظر في تراثه الإسلامي:

1) نبذ كلّ شيءٍ لا يتناسب مع ظروف العصر.

(170)

2) الاعتماد على الجوانب الإيجابية فقط من التراث الإسلامي.

3) تجديد التراث الإسلامي وإحياؤه وتنظيم أصوله اللغوية بشكلٍ يتناسب مع مقتضيات العصر.[1]

وكما ذكرنا فالهدف من تدوين هذه المقالة هو بيان طبيعة رؤية نصر حامد أبي زيد الهرمنيوطيقية من حيث كونُها موضوعيةً أو نسبيةً، من ثمَّ بيان مدى تأثيرها على منهجه في تفسير القرآن الكريم، لذا سوف نتطرّق في بادئ الأمر إلى توضيح طبيعة توجّهاته الهرمنيوطيقية.

هرمنيوطيقا أبي زيد

التوجّهات الهرمنيوطيقية في تأويل النصّ تنصبّ بشكلٍ عامٍّ في منهجين أساسيين هما كالتالي:

1) هرمنيوطيقا موضوعيةٌ[2].

2) هرمنيوطيقا نسبيةٌ[3].

وفي ما يلي نتطرّق إلى شرح وتحليل الخلفيات التأريخية والخصائص العامّة لهذين المنهجين، ثمّ نذكر معالم أبرز المدارس الفكرية الهرمنيوطيقية في هذا المضمار كي يتسنّى لنا التعرّف على النهج الذي تبنّاه نصر حامد أبو زيد.

(171)

أوّلاً: الهرمنيوطيقا النسبية

من يتبنَّ النزعة النسبية فهو بطبيعة الحال ينظر إلى الحقيقة وكأنّها أمرٌ نسبيٌّ - أي أنّها غيرُ ثابتةٍ وعرضةٌ للتغيّر والتحوّل - وكذا هو الحال بالنسبة إلى من يتبنّى الرؤية النسبية في تأويل النصّ - الهرمنيوطيقا النسبية - فالمفسّر في رحابها يعتقد بأنّ أحد الأمور قد يكون بالنسبة إلى شخصٍ ما حقيقةً ثابتةً في حقبةٍ من الزمن، لكنّه برأي أشخاصٍ آخرين وفي حقبةٍ زمنيةٍ أخرى يصبح أمرًا باطلًا ولا أساس له من الصحّة، وليس هناك أيُّ معيارٍ معتبرٍ يمكن الاعتماد عليه في تشخيص صوابيّته أو بطلانه، ومِن ثَمّ لا يمكن ادّعاء وجود فهمٍ ثابتٍ وقطعيٍّ لمختلف النصوص الموروثة، حيث يمكن تأويل كلّ نصٍّ بصيَغٍ وأشكالٍ عديدةٍ ومن ثمّ استنباط دلالاتٍ متنوّعةٍ له في كلّ عصرٍ.[1]

نظرية نسبية تأويل النصّ طرحت من قبل هايدغر ثمّ أتمّ صياغتها غادامير، ومبادؤها الأساسية تتلخّص بما يلي:

1) عدم التأكيد على ضرورة فهم النصّ بصيغته النهائية، بل فهمه على ضوء التساؤلات التي تُطرح حوله.[2]

2) نظرًا لتنوّع التساؤلات وعدم اتّساقها ضمن صيغةٍ واحدةٍ، فدلالة النصّ تُناط إلى أُفق رؤية قارئه وزمان هذه القراءة، أي أنّ معانيه نسبيةٌ ومتعدّدةٌ؛ وبالتالي إمّا أن تتعدّد الحقائق أو ألّا تبقى هناك أيُّ حقيقةٍ، كما أنّ القيم في هذا الكون مستبطَنةٌ في التأويلات التي يتبناها كلّ واحدٍ منّا، وهي بحدّ ذاتها لا تدلّ على أيِّ معنًى ولا قيمة لها، لذا فهي ليست سوى تأويلٍ.[3]

(172)

3) فهم النصّ ليس منوطًا بالمؤلّف ولا بقصده، فالنصّ بحدّ ذاته يعتبر مرتكَزًا للفهم، والمؤلّف بدوره مجرّدُ مفسِّرٍ لا غير ولا يمكن اعتباره أفضلَ من سائر المفسّرين لكونه قارئًا لما ألّفه، فهو مثل أيِّ شخصٍ آخر يقرؤه، ومن ثَمَّ يكون معنى النصّ هو المعيار الوحيد في تفسيره.[1]

لا شكّ في أنّ فهم النصّ ذو ارتباطٍ وثيقٍ بالنطاق الفكري للمفسّر وطبيعة الرؤية التي يتبنّاها تجاه الموضوع، لذا يجب على قارئه طرح استفساراتٍ وتساؤلاتٍ حوله في رحاب الأفق الفكري الذي يجول فيه كي يتمكّن من فهم قصد كاتبه، ومن ثمّ ينبغي له التوليف بين دلالات النصّ وأفكاره الخاصّة ليتسنّى له الحصول على مقدارٍ من الإدراك النسبي بخصوصه.

إذًا، عملية تأويل النصّ لا تتوقّف عند حدٍّ نهائيٍّ، بل تتواصل مع مرور الزمان، وهذا يعني بطلان دعوى من يدّعي قدرتنا على فهم المغزى النهائي والتامّ له.[2]

ثانياً: الهرمنيوطيقا الموضوعية

أسلوب تأويل النصّ الموضوعي (الهرمنيوطيقا الموضوعية) يقابل أسلوب التأويل النسبي (الهرمنيوطيقا النسبية) ومن المؤكّد أنّ المفكّر حينما يتبنّى نزعةً موضوعيةً فلا محيص له من الحركة وفق أصولها ومرتكزاتها الأساسية، وأهمّ خصوصيتين لها أنّها تؤكّد على ثبوت الحقائق وتميّز بين المفسّر والموضوع باعتبارهما أمرين متباينين؛ ويمكن تلخيص أهمّ أصولها بما يلي:

(173)

1) لكلّ نصٍّ معنًى نهائيٌّ، وهو ذات مقصود المؤلّف.

2) المعيار في تحديد الفهم الصائب للنصّ وتمييزه عن الفهم الخاطئ، هو انطباق فهم قارئه مع معناه الحقيقي؛ أي إنْ تَعَرَّف على قصد المؤلّف ففَهْمُه صائبٌ وإنْ لم يتعرّفْ عليه ففهمُه خاطئٌ.

3) فهم النصّ وتأويله يعتبران أمرين مستقلّين عن شخصية مفسّره، فوظيفته الأساسيه هي امتلاك فهمٍ صائبٍ حول كلّ نصٍّ يتعامل معه؛ لذا فإنّ توجّهاته الفكرية ورغباته الذاتية يجب وألّا تمتزج مع قصد المؤلّف.[1]

ثالثاً: أعلام الهرمنيوطيقا الموضوعية

في ما يلي نذكر أبرز شخصيتين من المفكّرين الذين تبنوا النهج الهرمنيوطيقي الموضوعي في تأويل النصوص:

1) إميليو بتي 1890م - 1968م

إميليو بتي عارض النزعة الهرمنيوطيقية الفلسفية ودافع عن النهج الهرمنيوطيقي المتقوّم بالأسس والمعايير العلمية التي تتّصف بطابعٍ موضوعيٍّ يُعتمد عليه في تفسير النصّ وفهمه ضمن دائرة العلوم الإنسانية، فقد وصف عملية التأويل بأنّها نشاطٌ فكريٌّ يراد منه فهم دلالة النصّ ومعرفة قصد مؤلّفه، وقال أنّ هذين الهدفين لا يمكن أنْ يتحقّقا إلّا من خلال شرح وتفسير كلامه كي يستطيع المفسّر بيان تفاصيله في إطارٍ دلاليٍّ معتبَرٍ؛ وكما هو معلومٌ فالمنهجية المتقوّمة على النزعة السلوكية وكذلك الهرمنيوطيقا الفلسفية ليستا كذلك.

(174)

من جملة الآراء التي طرحها إميليو بتي في هذا المضمار أنّ تأويل النصوص وكلّ كلامٍ ذي دلالةٍ وفق أسلوبٍ هرمنيوطيقيٍّ موضوعيٍّ، يمكن أنْ يطرح ضمن أُطرٍ تفسيريةٍ متنوّعةٍ تندرج ضمن أربع مرتكزاتٍ نظريةٍ كالتالي:

أ - تحليلٌ لغويٌ في رحاب فقه اللغة،

ب - تحليلٌ نقديٌّ،

ج - تحليلٌ سيكولوجيٌّ،

د - تحليلٌ فنّيٌّ.[1]

2) أريك دونالد هيرش 1928م

الباحث أريك دونالد هيرش هو أحد المؤيّدين المتحمّسين للنزعة الموضوعية في تفسير النصوص، إذ أكّد في نظرياته على ثبوت دلالة النصّ ودعا إلى استكشاف قصد مؤلّفه، ورأى إمكانية تحرّي المفسّر عمّا إنْ كان النصّ معتَبرًا من الناحية الزمانية أو لا، وفي هذا السياق سلك نهجًا انتقاديًّا تجاه النزعات الهرمنيوطيقية التي شاعت في القرن العشرين، حيث تركّز نقده على الجانب الأدبي؛ وأهمّ كتابٍ ألّفه في هذا المجال هو (Validity in Interpretation) ادّعى فيه بطلان قول من اعتبر النصّ مستقلًّا من حيث  المعنى، وبرّر ذلك بأنّ المعنى تابع لقصد المتكلّم أو المؤلّف، لذا لا يمكن لأحدٍ بسط الحديث عنه في ما لو لم يأخذ قصد صاحب النصّ بنظر الاعتبار. وأمّا محورية فهم معنى النصّ فقد أناطها إلى أسلوب صياغته وكيفية التعبير عن دلالته اللغوية، واعتبر هذا الفهم غيرَ مرتبطٍ بقصد مؤلّف النصّ، ثمّ استنتج من بحثه هذا أنّ عملية التأويل مقتصرةٌ على بيان معناه اللغوي

(175)

لا غير. وبالنسبة إلى نقد النصّ، فقد عزاه إلى مرحلة ما بعد فهم معناه اللغوي، أي أنّه مرتبطٌ بالمعنى المتحصّل من الكلام لكون تقييم كلام الغير يعني بيان معناه اللغوي وفق معاييرَ من خارج النصّ.[1]

رابعًا: هرمنيوطيقا أبو زيد في تفسير القرآن الكريم

إنْ أردنا التعرّف على أهمّ معالم النظريات الهرمنيوطيقية التي تبناها المفكّر نصر حامد أبو زيد والأصول التي اعتمد عليها في هذا المضمار، فلا بدّ لنا من التحرّي بدقّةٍ وإمعانٍ في آثاره التي تضمّنت آراءه في تفسير القرآن الكريم؛ إذْ من البديهي أنّ استقصاء وجهات نظره في هذا السياق يتيح لنا بيان المعالم العامّة لنهجة الهرمنيوطيقي المعتمَد في تفسير كلام الله تعالى، ومن هذا المنطلق سنشير في ما يلي إلى أهمّ الأسس التي تقوّم عليها نهجه في التأويل:

1) النصّ القرآني مجرّدُ تجربةٍ روحيةٍ للنبي محمّد صلى الله عليه وآله

قال الله تعالى في الآية 51 من سورة الشورى: (ووَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ)، استدلّ نصر حامد أبو زيد من هذه الآية على أنّ الوحي نزل على قلب النبي محمّد صلى الله عليه وآله وخاطب ذهنه، لأنّ الإلهام مرتبطٌ بفكر الإنسان، لذا لا يمكن اعتبار الوحي قد نزل بذات الألفاظ الموجودة في القرآن الكريم ما يعني أنّه كلامٌ عربيٌّ جَادَ به لسانُ النبيِّ.[2]

(176)

2) معنى النصّ سيّالٌ متحرّكٌ

سلك نصر حامد أبو زيد النهج الذي تبناه اللغوي الشهير فرديناند دو سوسور، وإثر ذلك فصل بين اللغة[1] والكلام،[2] لذا قال أنّ كلّ كلامٍ ونصٍّ محدّدين يدلّان في واقعهما على نظامٍ لغويٍّ معيَّنٍ - جزئيٍّ - مستبطَنٍ في نظامٍ كلِّيٍّ يحكم أذهان بعض البشر، وأكّد على وجود ارتباطٍ ديالكتيكيٍّ - جدليٍّ - بين اللغة والكلام ليستنتج من ذلك أنّ النصوص الدينية مرتبطةٌ من جهةٍ بالحقائق اللغوية والثقافية الخاصّة بالمجتمعات التي تولد فيها بحيث تؤثّر عليها وتتأثّر بها.[3]

ووصف حركة النصّ - تغيّر دلالته على مرّ العصور - قائلًا:

«وليس معنى القول بتأريخية الدلالة تثبيت المعنى الديني عند مرحلة تشكيل النصوص، ذلك أنّ اللغة - الإطار المرجعي للتفسير والتأويل - ليست ساكنةً، بل تتحرّك وتتطوّر مع الثقافة والواقع؛ وإذا كانت النصوص - كما سبقت الإشارة - تساهم في تطوير اللغة والثقافة من جانب أنّها تمثّل الكلام في النموذج السوسيري، فإنّ تطوّر اللغة يعود ليحرّك دلالة النصوص وينقلها في الغالب من الحقيقة إلى المجاز، وتتّضح هذه الحقيقة بشكلٍ أعمقَ بتحليل بعض أمثلةٍ من النصّ الديني الاساسي، وهو القرآن».[4]

(177)

3) معرفة مغزى النصّ في نطاق الزمان

فهم دلالة النصّ برأي نصر حامد أبي زيد يقتضي علم المفسّر بمعناه على ضوء الأوضاع الزمانية لكلّ حقبةٍ تأريخيةٍ، إلا أنّ عملية الفهم لا تتوقّف عند هذا الحدّ، بل لا بدّ من اتّخاذ خطوةٍ أخرى للتعرّف على مغزاه الحقيقي في الزمان المعاصر.

الجدير بالذكر هنا أنّ الباحث كريستر ستاندال الذي حقّق الكتاب المقدّس أكّد على ضرورة الفصل بين معنى النصّ في الماضي ومغزاه في العصر الحاضر.[1]

أبو زيد ضمن المباحث الهرمنيوطيقية التي طرحها على صعيد كيفية فهم دلالة النصّ، أكّد على ضرورة اتّخاذ خطوتين أساسيتين هما:

أ - العودة إلى دلالة النصّ في سياقه التأريخي ونسيجه الثقافي.

ب - فهم مغزى النصّ على أساس مقتضيات العصر.[2]

وقال في هذا السياق أنّ الدلالة التأريخية للنصّ ثابتةٌ لا تتغيّر، إلّا أنّ مغزاه هو الذي يكون عرضةً للتحوّل والتغيير رغم ارتباطه بسياق الكلام؛ أي أنّه متقوّمٌ بدلالة النصّ لحظة تكوينه وتابع للسياق، كما أنّه ينمّ عن الارتباط بين القارئ والدلالة النصّية. وعلى هذا الأساس اعتبر أنّ قارئ النصّ - المفسّر - يفي بدورٍ كبيرٍ في مجال بيان مغزاه إلى جانب دوره في استكشاف دلالته التأريخية، لذا فإنّه لو لم يتطرّق إلى بيان المغزى ففي هذه الحالة يقتصر دوره التفسيري على استكشاف دلالة النصّ التأريخية فقط، وبالتالي فإنّه لا يعتبر مفسِّرًا لكون هذه الدلالة ثابتةً

(178)

ومحدَّدةً؛ يضاف إلى ذلك أنّ فهم المغزى يختلف من مفسّرٍ أو قارئٍ إلى آخرَ طبقًا للأوضاع التأريخية والاجتماعية الحاكمة في كلّ عصرٍ، وهذه الميزة برأيه تجعل عملية التفسير غيرَ متناهيةٍ كما تُسفر عن تنوّع التفاسير وعدم اقتصارها على نمطٍ واحدٍ. إذًا، مغزى النصّ يُطرح بشكلٍ متباينٍ من شخصٍ إلى آخرَ، ولا يكون على نسقٍ واحدٍ في جميع الأحيان؛ لأنّه مرتبطٌ بمدى سعة نطاق الدلالات اللغوية والتغييرات السياسية والاجتماعية التي تطرأ في كلّ مكانٍ وزمانٍ.[1]

ومن جملة الآراء التي تبنّاها في هذا المجال أنّ استكشاف المعنى التأريخي للنصّ يعتبر مرتكَزًا أساسيًّا في عملية تفسير القرآن الكريم، لكنّه لا يُعدّ كافيًا لإيجاد فهمٍ ذي طابعٍ جديدٍ يتناسب مع الظروف والأوضاع المعاصرة، لذا لا فائدة من تأويل مفسّر النصّ القرآني في العصر الحديث إلا إذا كان جديدًا من نوعه، والجدير به توضيح رؤيته الخاصّة بعملية التأويل لقرّاء آثاره وإعلامهم بالمراحل التي يجب أن تتكامل في رحابها.

وقال أنّ مصطلح تأويل له دلالتان، إحداهما مشتقّةٌ من آل الشيء يؤول أوْلًا ومآلًا وتعني العودة، لذا فهو من الفعل آل وحروفه الأساسية هي أَوَلَ، ويعني إعادة الأمر إلى علله وأسبابه. وفي كتابه مفهوم النصّ دراسة في علوم القرآن قال أنّ التأويل يعني إظهار المعنى الكامن في إحدى الظواهر أو أحد الأحداث بحيث يتمّ على أساسه بيان جذوره والأسباب التي أدّت إلى نشأته؛[2] وفي هذا السياق قال إنّه مشتقٌّ لغويًّا من آل الشيء أوْلًا وإيلاءً بمعنى إصلاح الأمور وتدبيرها؛ ثمّ استدلّ من هذا المعنى على أنّه يدلّ على بلوغ الهدف بالعناية والتدبير والإصلاح.[3] وأمّا

(179)

بالنسبة إلى المعنى الاصطلاحي للتأويل المشار إليه في القرآن الكريم، فقد قال أنّه يدلّ على العاقبة والنتيجة، واستشهد في هذا المجال بالآية 35 من سورة الإسراء: (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا).

الرؤية الهرمنيوطيقية التي تبنّاها هذا المفكر المصري ونظريته الخاصّة بمفهوم التأويل وما له من فوائدَ عمليةٍ، جعلته يطرح نظرية فهم مغزى النصّ القرآني إلى جانب استكشاف دلالته التأريخية، حيث أكّد على ضرورة أن يكون المغزى متناسبًا مع النسيج الثقافي والاجتماعي المعاصر لعملية التأويل؛ وقال موضّحًا الاختلاف بين المعنى والمغزى:

(المعنى يمثّل المفهوم المباشر لمنطوق النصوص الناتج عن تحليل بنيتها اللغوية في سياقها الثقافي، وهو المفهوم الذي يستبطنه المعاصرون للنصّ من منطوقه؛ وبعبارةٍ أخرى يمكن القول أنّ المعنى يمثّل الدلالة التأريخية للنصوص في سياق تكوينها وتشكّلها، وهي الدلالة التي لا تثير كثير خلافٍ بين متلقّي النصّ الأوائل وقرّائه، لكنّ الوقوف عند دلالة المعنى وحدها يعني تجميد النصّ في مرحلةٍ محدّدةٍ وتحويله إلى أثرٍ أو شاهدٍ تأريخيٍّ؛ ولأنّ للنصوص الدينية في الثقافة المعنية مكانةً معرفيةً متميّزةً، فإنّ دلالتها لا تتوقّف عن الحركة، وكثيرًا ما يقع الصراع بين القوى الاجتماعية المختلفة بين أبناء الدين الواحد ويكون الخلاف حول دلالة النصوص وجهًا من أوجه ذلك الصراع، بل أبرز أوجهه وتجلّياته).[1]

كما ادّعى في نظريته الهرمنيوطيقية أنّ الاختلاف بين المعنى والمغزى هو على غرار الاختلاف الذي أشار إليه أريك دونالد هيرش بين meaning وsignificance في

(180)

نظريته الهرمنيوطيقية،[1] ولكن مع ذلك ليس هناك أيّ انسجامٍ بين هاتين النظريتين، لأنّ مفهوم meaning أي المعنى أو المفهوم اللغوي في نظرية هيرش يتعيّن طبقًا لقصد المؤلّف باعتبار أنّه أمرٌ ثابتٌ لا يمكن أنْ يطرأ عليه تغيُّرٌ، لذا فهو لا يمتّ بصلةٍ إلى أيّ أمرٍ آخرَ خارجٍ عن هذا الإطار، أي أنّه مرتبطٌ بقصد المؤلّف بالتمام والكمال؛ في حين أنّ مراد أبو زيد من المعنى هو تجريد المؤلّف من قصده الذي صاغ النصّ تبعًا له، لذا فهو يتّخذ موقفًا نظريًّا مغايرًا بالكامل لما طرحه هيرش في هذا المضمار، حيث اعتبر الأوضاع الاجتماعية والنسيج الثقافي إلى جانب الفهم الذي يتلقّاه المعاصرون من النصوص مرتكزًا في تأويل كلّ نصٍّ وفهم دلالته.[2]

فضلًا عن الاختلاف أعلاه، هناك اختلافٌ آخرُ بين هذيْن المفكّريْن يكمن في المراد من مغزى النصّ، فالمفكّر الغربي أريك دونالد هيرش قال أنّ المعنى الانضمامي -المغزى- يعمّ جميع الاحتمالات التي يمكن أن تُطرح إلى جانب المعنى الأساسي الذي قصده المؤلّف، وبما في ذلك آراؤه النقدية وحكمه على الأمور وتغيير وجهات نظره التي طرحها في نصٍّ سابقٍ في ذات سياق هذا النصّ، كما يشمل احتمالاتٍ أخرى مثل التساؤلات التي تُطرح حول النصّ وتطبيق دلالته على الظروف والأوضاع المعاصرة؛ بينما المغزى برأي المفكّر الشرقي نصر حامد أبو زيد لا يعتبر أمرًا انضماميًّا يُدرج إلى جانب المعنى الأساسي، بل هو الغاية التي تستحصل من قراءة النصّ.[3]

وفي ما يلي نذكر عددًا من الأسس الهرمنيوطيقية التي طرحها نصر حامد أبو زيد:

(181)

أ- استكشاف معنى النصّ في نطاقه الزمانی

أكّد أبو زيد في نظريته الهرمنيوطيقية على ضرورة فهم النصّ القرآني تأريخيًّا، أيْ في نطاق زمان عملية التأويل، فهو قد تكوّن برأيه على أساس واقعٍ ثقافيٍّ خاصٍّ؛ والواقع برأيه عبارةٌ عن مفهومٍ عامٍّ ذي دلالاتٍ شموليةٍ تعمّ القضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية وغيرها، لذا فهو إضافةً إلى شموله مَن كان يتلقّى الوحي، يشمل مخاطَبيه في تلك الحقبة الزمنية؛[1] ومن هذا المنطلق اعتبر القرآن الكريم نتاجًا ثقافيًّا تأثّر في بادئ الأمر بالأوضاع والظروف الزمكانية إبّان عصر النزول، وبعد أنْ تحوّل إلى نصٍّ حاكمٍ وغالبٍ، اعتُبر معيارًا تقيّم على أساسه مشروعية النصوص الأخرى.[2]

وقال أنّه إن أردنا فهم النصّ القرآني باعتباره نتاجًا ثقافيًّا فلا محيص لنا من إعادة قراءة الآفاق التأريخية التي تزامنت مع تكوينه باعتبارها مؤشِّرًا على وجود علاقةٍ جدليةٍ -ديالكتيكيةٍ- بينه وبين الواقع آنذاك؛ والأفق التأريخي القرآني يندرج ضمن مستويين أساسيين، هما:

المستوى الأوّل: نزول النصّ القرآن الكريم بأكمله، وقوامه أفاقٌ اجتماعيةٌ وسياسيةٌ ودينيةٌ وفكريةٌ وثقافيةٌ، وهنا لا بدّ للمفسّر من مقارنة أوضاع الجزيرة العربية مع الأوضاع التي كانت سائدةً في إمبراطورتَيِ الروم والفرس، كذلك مع واقع الديانتين اليهودية والمسيحية، ومع الواقع الاقتصادي لقبيلة قريش آنذاك؛ وما إلى ذلك من مسائلَ شبيهةٍ أخرى. المستوى الثاني: نزول النصّ تدريجيًّا،

(182)

وفيه يتمكّن المفسّر من بيان المنشأ التأريخي للمضمون القرآني بشكلٍ منهجيٍّ ومنسجمٍ.[1] وأناط عملية استكشاف المعنى التأريخي للنصّ القرآني بشكلٍ خاصٍّ إلى الاعتماد على عدّة أساليبَ، مثل معرفة أسباب نزوله، والحكمة من  تقدّم بعض آياته وتأخّر بعضها الآخر، وتحليل مداليل الآيات المكّية والمدنية؛ وما إلى ذلك من مبادئَ أخرى.[2]

ب- استكشاف معنى النصّ على ضوء زمان تأويله الأفق التأريخي للمفسّر

اتّفق نصر حامد أبو زيد مع غادامير في نظريته التي اعتبر فيها الأفق التأريخي للمفسّر - النطاق الثقافي والفكري لقارئ النصّ - ثمرةً للتبادل المعرفي بين معنى النصّ في أفقه التأريخي وبين رؤية المفسّر بالنسبة إلى دلالته؛ ما يعني ارتباط الآفاق مع بعضها؛ وعلى هذا الأساس أكّد على أهمية الأخذ بعين الاعتبار للحيّز الزماني لمفسّر النصّ أو قارئه؛ لأنّ ذلك يعيننا على فهم دلالة النصّ، ويترتّب على هذا الكلام القول بتعدّد القراءات التي تطرح حول الدين، أي أنّ كلّ شخصٍ يمكن أنْ يفهم الدين بشكلٍ مختلفٍ عن غيره.

الفيلسوف الألماني هانس جورج غادامير[3] اعتبر نظرياتِ المفسِّر وآراءَه الخاصّة أساسًا لفهمه الصائب أو الخاطئ بالنسبة إلى النصّ، فعملية التأويل برأيه تتقوّم على فهمٍ مسبقٍ وثابتٍ من حيث الزمان، لذا فهي عادةً ما تتقوّم بأحد الأعراف الاجتماعية السائدة في عصر تكوين النصّ، وهذا هو الأفق التأريخي المفترض للنصّ؛ لذا لا يمكن القول أنّ فرضياته ومعتقداته الشخصية تحول دون فهم دلالة

(183)

النصّ، بل هي شرطٌ أساسيٌّ لفهمه، إذ لا طائل من السعي لفهم المضمون دون افتراضٍ مسبقٍ، فكلّ أمرٍ أو نصٍّ يمكن أنْ يفسَّر وفق وجهةِ نظرٍ معيَّنةٍ ضمن أفقٍ جديدٍ، وعملية التفسير بطبيعتها تقتضي مزج الآفاق - آفاق الماضي والحاضر - مع أفُقَيْ فهم المفسّر وذات النصّ.

الجدير بالذكر هنا أنّ أفق فهم المفسّر ليس ثابتًا، بل هو عرضةٌ للتغيير والإصلاح بشكلٍ متواصلٍ ضمن مختلف الظروف التي تتمّ عملية التأويل في رحابها، لذا ليس هناك أيُّ تفسيرٍ حقيقيٍّ وقطعيٍّ بحيث يقال أنّه نهائيٌّ، وبالتالي لا يمكننا ادّعاء أنّ تأويلنا هو الصائب أو الأرجح بين سائر التأويلات السابقة التي طُرحت حول ذات النصّ؛ وعلى هذا الأساس يقال أنّ تأويلاتنا والأحكام التي نُصدرها على أساسها بهدف تقييم التأويلات السابقة، سوف تكون مستقبلًا عرضةً للتقييم من قِبل مفسّرين آخرين، وهكذا تتواصل عملية التأويل لتُطرح تفاسيرُ وآراءٌ جديدةٌ حول النصّ.

إحدى المؤاخذات الجادّة التي تُطرح على نظرية أبو زيد المستوحاة من آراء غادامير، أنّها نسبوية الطابع، إذْ نستشفّ منها أنّ الحقيقة المطلقة تُصوّر وكأنّها مجرّد أمرٍ ذهنيٍّ؛ ولكنّه على الرغم من ذلك أكّد على وجود أصولٍ عامّةٍ اعتبرها أساسًا لطرح تأويلٍ معتبرٍ وقوامها ارتباط المغزى الصائب للنصّ مع معناه الأساسي؛ ومن هذا المنطلق استنتج أنّ فهم المفسّر يسهّل طرح بيانٍ مقبولٍ للارتباط الكائن بين مغزى النصّ وتأويله الصائب، وهذا التأويل يبقى معتَبرًا ما دام متناسقًا مع القواعد والأصول الإبستمولوجية المعتمدة في الأوساط العلمية؛[1] لذا استدلّ من

(184)

ذلك بأنّ عملية التأويل تثمر موضوعيةَ أسلوب المفسّر، لكنّ هذه الموضوعية ليست مطلقةً، وإنّما تدور في فلك النسيج الثقافي الحاكم في زمان ومكان تفسير النصّ.[1]

وبما أنّ منهجه الهرمنيوطيقي يتمحور حول استكشاف معنًى تأريخيٍّ ثابتٍ، فقد اعتبره موضوعيًّا، وادّعى أنّ هذا المعنى التأريخي على ارتباطٍ دائمٍ بالمغزى الذي يُدركه المفسّر في عصره، والمغزى بطبيعته يجب وأن يكون منسجمًا مع الظروف الزمانية للمفسّر.

هذا هو رأيه بالنسبة إلى أسلوبه الذي اتّبعه في تأويل النصّ الديني، لكنّ الحقيقة على خلاف ذلك، فلو أمعنّا النظر في آثاره لوجدنا نسبوية غادامير تطغى عليها، ناهيك عن أنّه صرّح في العديد منها بكون المعنى التأريخي ذا ارتباطٍ صرفٍ بالماضي - أي زمان تكوين النصّ - وبالتالي لا فائدة منه في العصر الحاضر، لذا يجب على المفسّر طرح تأويلٍ جديدٍ له على ضوء الأوضاع والظروف الثقافية والاجتماعية السائدة في عصره، وهذا التأويل برأيه ينبغي أن يتضمّن مغزًى يتناسب مع مقتضيات العصر. كما هو واضحٌ من كلامه فمغزى النصّ الواحد ليس ثابتًا، بل متعدّدٌ ويتغيِّرٌ من زمانٍ إلى آخرَ؛ لكنّه مع ذلك صائبٌ مهما تنوّعت الآراء في مختلف الأزمنة؛ والسبب الذي دعاه لتبنّي هذه الآراء هو اعتقاده بضرورة تناغم المغزى المستلهَم من النصّ مع ظروف العصر التي تحفّ المفسّر والقارئ، حيث ادّعى أنّه لا ضير في ذلك من طرح آراءٍ متنوّعةٍ، بل وحتّى متناقضةٍ في ما بينها.

فضلًا عمّا ذُكر فقد رأى أنّ الارتباط بين المغزى والمعنى التأريخي - دلالة

(185)

النصّ في نطاق الزمان - في منهجه الهرمنيوطيقي، يبقى على حاله، كما وصف منهجه هذا بكونه موضوعيًّا؛ لكنّ ادّعاءاته هذه ليست صحيحةً، إذْ نجد في آثاره الكثير من الآراء التي تجاهلت المعنى التأريخي للنصّ واكتفت بنمطٍ من القراءة الجديدة التي يُمكن أن تطرح حوله، وهي قراءةٌ خارجةٌ عن ذات النصّ لكونها فُرضت عليه من جانبٍ لا يمتّ له بصلةٍ تذكر، وهذا الفهم النسبي الجديد يتعارض بشكلٍ صريحٍ مع المراد من النصّ الديني؛ ومن هذا المنطلق نذكر في المباحث التالية نماذجَ من استنتاجاته التفسيرية ذات الطابع النسبي.

خامسًا: تبعات السير على نهج هرمنيوطيقا أبو زيد

- نسبية فهم النبي صلى الله عليه وآله وعدم قدسية رسالته

الفائدة الأساسية التي تتحقّق من تفسير القرآن الكريم ومعرفة مقاصده برأي نصر حامد أبو زيد، هي فهم المغزى الذي يتناسب مع الظروف والأوضاع الزمانية التي يعيش المفسّر في كنفها، وأناط تحقّق هذا التناسب في الفهم إلى المفسِّر بنفسه حتّى وإن كانت النتيجة التي توصّل إليها تختلف مع السنّة النبوية المتناقَلة في السيرة والحديث، لأنّ الفهم برأيه يُعدّ أمرًا نسبيًّا، وعلى هذا الأساس قال أنّ فهم النبي صلى الله عليه وآله بحدّ ذاته قد تبلور على ضوء إحدى القراءات التي تبنّاها شخصيًّا، ما يعني أنّ المفسِّر غيُر ملزَمٍ بالتنازل عن رأيه والتضحية باستنتاجته في سبيل تبني رأي النبي؛ ومن جملة ما ذكره في هذا السياق ضمن كتاب نقد الخطاب الديني ما يلي:

 «النصّ منذ لحظة نزوله الأولى - أي مع قراءة النبي له لحظة الوحي - تحوّل من كونه نصًّا إلهيًّا وصار فهمًا نصًّا إرشاديًّا، لأنّه تحوّل من التنزيل إلى التأويل.

(186)

إنّ فهم النبي للنصّ يمثّل أولى مراحل حركة النصّ في تفاعله بالعقل البشري، ولا التفات لمزاعم الخطاب الديني بمطابقة فهم الرسول للدلالة الذاتية للنصّ، على وجود مثل هذه الدلالة الذاتية.»[1]

بما أنّ أبو زيد اتّبع نهجًا وضعيًّا تجريبيًّا لدى طرح نظرياته، فقد شكّك بحقيقة الوحي المنزل على النبي صلى الله عليه وآله ولم يكن يتفاعل مع فكرة أنّه امتلك إدراكًا متعاليًا يفوق إدراك سائر البشر؛ ولكن لا نعلم ما إن كان غافلًا عن كون علم النبي حضوريًّا أو أنّه تجاهل ذلك! فالواقع الثابت هو أنّ الوحي الإلهي الذي تلقّاه كان من سنخ العلم الحضوري لا الحصولي، لكن مع ذلك نجد هذا المفكّر المصري قد أصرّ على تجريد تأويل النبي من قدسيته زاعمًا أنّ الاعتقاد بكون فهمه مطلقًا ومقدّسًا يعدّ ضربًا من الشرك، لذلك قال:

إنّ مثل هذا الزعم يؤدّي إلى نوعٍ من الشرك من حيث إنّه يطابق بين المطلق والنسبي، وبين  الثابت والمتغيّر؛ حين يطابق بين القصد الإلهي والفهم الإنساني لهذا القصد ولو كان فهم الرسول. إنّه زعمٌ يؤدّي إلى تأليه النبي، أو إلى تقديسه بإخفاء حقيقة كونه بشرًا، والتركيز على حقيقة كونه نبيًّا.[2]

سادسًا: نموذجٌ من هرمنيوطيقا أبو زيد في تفسير القرآن، آيات «حقوق المرأة»

لا شكّ في أنّ حقوق المرأة تعتبر واحدةً من المسائل الحسّاسة في التشريع الإسلامي، والباحث الغربي فاليري هوفمان[3] أدرجها ضمن أهمّ المسائل المثيرة

(187)

للبحث والجدل على صعيد الحقوق الشرعية الإسلامية واعتبرها سببًا لانتقادها، لذلك اقترح طرح قراءةٍ جديدةٍ لها ضمن نطاقٍ فكريٍّ معاصِرٍ.[1]

وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ نصر حامد أبو زيد ألّف كتابين حول هذا الموضوع، أحدهما  المرأة في خطاب الأزمة والآخر دوائر الخوف: قراءةٌ في خطاب المرأة، وأكّد في هذا المضمار على أنّ الرؤية الإسلامية للمرأة عاريةٌ من البعد الاجتماعي؛ وبعبارةٍ أخرى فالأحكام الشرعية الإسلامية برأيه تجاهلت واقع المرأة الاجتماعي،[2] وعلى الرغم من أنّه أقرّ بوجود اختلافٍ بين الرجل والمرأة، لكنّه شدّد على ضرورة الملاءَمة بين هذا الاختلاف وبين الظروف والأوضاع الثقافية والاجتماعية المعاصرة،[3] ولدى بيانه تفاصيل الموضوع بادر في بادئ الأمر إلى طرح الأصول والقواعد العامّة التي لها ارتباطٌ مؤثِّرٌ بحقوق المرأة، ومن هذا المنطلق جعل المساواة بين الرجل والمرأة مرتكزًا له في الآراء التي تبنّاها بهذا الخصوص معتبرًا أنّ هذا المرتكز يجب أن يُتّخذ كأساسٍ لبيان واقع الخطاب القرآني حول الذكر والأنثى.[4] ثمّ قارن بين القرآن الكريم والتوراة، وأشار إلى أنّ الشيطان قد خدع حواء بحسب ما ورد في التوراة، وهي بدورها أغوت آدم عليه السلام كي يأكل من الشجرة المحرّمة؛ في حين أنّ المضمون القرآني نستشفّ منه التأكيد على اشتراكهما بشكلٍ متكافئٍ في هذه المعصية وبالتالي الهبوط من الجنّة إلى الأرض، ما يعني استحقاقهما عقابًا متساويًا.

(188)

ومن ضمن المباحث التي طرحها في هذا المضمار أنّ المفسّرين المسلمين القدماء قد أقحموا قصص التوراة وسائر الإسرائيليات حين تفسيرهم القرآن الكريم.[1]

من جملة الشواهد التي ساقها لإثبات مبدأ تساوي الرجل والمرأة، أنّ آدم عليه السلام وحواء قد خُلقا من نفسٍ واحدةٍ كما جاء في الآية الأولى من سورة النساء: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)، لذلك رفض ادّعاء من قال أنّ المرأة خُلقت من ضلع الرجل الأيسر معتبرًا هذا الكلام مقتبَسًا من التصوّرات الأسطورية التي استحوذت على أذهان المفسّرين الأوائل من أمثال الطبري، وعلى هذا الأساس اعتبر تفاسيرهم غيرَ ناجعةٍ في العصر الحديث لكونها زاخرةً بالمعتقدات والأفكار الخاصّة بذلك الزمان؛ وبهذا استنتج ضرورة إعادة قراءة التراث الإسلامي بشكلٍ عامٍّ والقرآني بشكلٍ خاصٍّ وفق رؤيةٍ عصريةٍ جديدةٍ تتقوّم بأسسٍ ومبادئَ عقليةٍ بعيدًا عن التقديس المبالغ فيه والتقليد الأعمى الذي يضلّ الناس.[2]

1) قيمومة الرجل على المرأة

قال تعالى في كتابه الكريم: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ)،[3] غالبية المفسّرين استندوا إلى هذه الآية المباركة لإثبات أنّ الرجل هو المشرف على الأسرة والقيّم فيها، واستدلوّا بعبارة (بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) على أنّ الله تعالى قد فضّل الرجال على النساء

(189)

وجعل القيمومة لهم، وفي هذا السياق ذكر كلُّ واحدٍ منهم أدلّةً ارتآها مناسبةً لإثبات صوابّة هذا الحكم الإلهي؛ إلا أنّ نصر حامد أبو زيد أكّد على ضرورة التعامل مع هذه الآية وفق ظروف العصر باعتبار أنّها تصف واقع المرأة في عصر تكوين النصّ القرآني، ومن هذا المنطلق قال أنّ ترجيح الرجل على المرأة لا يُعدُّ حُكمًا دينيًّا مطلقًا، بل هو مجرّدُ انعكاسٍ للواقع الذي عاشه الناس آنذاك، لذا لا بدّ من تشذيبه وتعديل مساره في العصر الحديث كي نتمكّن من معرفة واقع الخطاب القرآني بالنسبة إلى حقوق المرأة التي يجب أن تنصبّ في إطارٍ متساوٍ مع الرجل.[1]

وفي هذا السياق قال أنّ المعنى اللغوي لكلمة قوّام هو تولّي المسؤولية الاجتماعية والاقتصادية، وهذا الأمر متاحٌ إلى الرجل والمرأة على حدٍّ سواءٍ، لذا فالمفهوم القرآني من الكلمة يؤكّد على أنّ المعيار في تولّي هذه المسؤولية هو الأفضلية والقدرة على الإنفاق بغضّ النظر عن الجنس.

2) إرث المرأة

سياق الآية 34 من سورة النساء والتي أشرنا إلى جانبٍ من تفاصيلها في المبحث السابق، له تأثيرٌ على مسألة الإرث برأي أبو زيد، في حين أنّ الآيات 7 إلى 11 من ذات السورة تشير إلى أسباب نزولها التي تناقلتها الروايات والتي تتمحور حول موضوع الإرث في الفترة التي سبقت ظهور الإسلام؛ وعلى هذا الأساس استنتج أنّ التعاليم الشرعية الإسلامية بهذا لخصوص تتعارض مع الأعراف والتقاليد الموروثة من العصر الجاهلي والتي تمنح القيمومية للرجل، فالمرأة بحسب الأحكام الإسلامية هي الأصل

(190)

في تقسيم الإرث، إلا أنّ النصّ القرآني منح الرجل ضعف سهم المرأة في هذا المجال؛ [1] وأوّل ذلك قائلًا بأنّ القرآن أشار إلى الحدّ الأعلى من سهم الرجل بحيث لا يمكن تجاوزه إلى مستوًى يفوق ذلك، وفي الحين ذاته عيّن الحدّ الأدنى الذي تستحقّه المرأة والذي لا يمكن أنْ يكون أقلَّ من نصفِ ما تمّ تعيينه للرجل؛ وعلى ضوء هذا الاستدلال قال أنّ الخطاب العامّ في القرآن الكريم والسورة التي يدور حولها البحث هو بيان الخلفية الأساسية للتساوي بين حقوق الجنسين،[2] وممّا قاله حول هذا الموضوع:

النسيج التأريخي ومدلول الآيات يشيران إلى أنّ هدف القرآن من تحديد مقدار الإرث هو بيان سهم الرجل منها لا المرأة، إذ إنّ الرجال قديمًا كان لهم الحظّ الأوفر في نيل حقوقٍ أكثرَ بينما النساء لم يكن نصيبهنّ سوى الحصول على مقدارٍ أقلَّ؛ لذا يمكن القول أنّ هذه التقسيمات أريد منها إيجاد مساواةٍ اجتماعيةٍ ولا تهدف إلى تفضيل الرجل على المرأة. ومن المؤكّد أنّنا لو استنتجنا من هذه الآيات أنّها نزلت فقط لتعيين مقدار سهم المرأة من الإرث، فلا بدّ من تسرية دلالتها على جميع الأحكام الدينية الأخرى، ومن ثمّ لا محيص لنا من الإذعان إلى أنّ قيمة المرأة نصف قيمة الرجل، وبعبارةٍ أخرى فالقيمة الإنسانية للرجل والمرأة تحدّد وفق ما ذُكر على أساس ما يستحقّه كلُّ واحدٍ منهما من سهم الإرث.[3]

(191)

3) شهادة المرأة في المحاكم

وأمّا بالنسبة إلى الحكم الشرعي الخاصّ بشهادة المرأة في المحاكم، فقد تبنّى نصر حامد أبو زيد ذات وجهة النظر التي تبناها على صعيد مسألة الإرث كما قرّرنا في المبحث السابق، وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ غالبية مفسّري القرآن الكريم استدلّوا من الآية 28 في سورة البقرة على كون شهادة رجلٍ واحدٍ في المحكمة تعادل شهادة امرأتين، إلا أنّه رفض هذا الاستدلال وادّعى أنّ الآية لا تدلّ ما تصوّر المفسّرون، بل إنّ فحواها يتمحور حول المعاملات المالية التي كانت غامضةً للنساء إبّان عصر النزول، فالسياق القرآني برأيه قد تغيّر في العصر الحاضر بعد أن اختلفت الأوضاع بالكامل، إذ النساء أصبحن متواجداتٍ إلى جانب الرجال في شؤون الحياة كافّةً بحيث يمكن القول أنّ الجنسين متساويان في التكاليف والأعمال، وأحيانًا تكون عصا السبق للنساء دون الرجال.[1]

وفي هذا السياق انتقد الرأي المشهور بين الفقهاء في باب شهادة المرأة في المحاكم، وقال أنّ بعض الأحكام الشرعية مثل شهادة النساء حين القضاء أو حرمانهنّ من بعض الأعمال التي يُتصوّر أنّ نساء أهل البيت لم يقمن بها مثل القضاء – على الرغم من أنّ القرآن تطرّق بالتحديد إلى مسألة الشهادة فقط - هي في الواقع مجرّد نقلٍ لبيان لسان حال النساء في فترة تكوين النصّ القرآني، لذا ليس من الجدير اعتبارها بمثابة قانونٍ أزليٍّ نقيّد المرأة بأغلاله؛ فمن يدّعي أنّها عاجزةٌ عن تحمّل المسؤولية أو أداء ذات دور الرجل في المجتمع، فهو يحذو حذو الذين طرحوا هذا الرأي في العصور السالفة.[2]

(192)

4) تعدّد الزوجات

المسألة الأخرى التي طُرحت من قبل نصر حامد أبو زيد للبحث والتحليل على صعيد حقوق المرأة، هي تعدّد الزوجات، حيث ادّعى في هذا الصدد أنّ سياق الوحي والبنية اللغوية يدلان على كون الحكم المستوحى من النصّ القرآني الذي يسوّغ تعدّد الزوجات، لا يمكن أنْ يُعتبر تشريعًا دائمًا، بل هو مجرّد تشريعٍ لفترةٍ محدَّدةٍ.

طُرحت مسألة تعدّد الزوجات في الآيتين 2 و 3 من سورة النساء التي نزلت في المدينة المنوّرة بعد غزوة أُحد التي استشهد فيها الكثير من رجال المسلمين، وفي هذه الآونة طرأت على المجتمع الإسلامي ظروفٌ خاصّةٌ جرّاء كثرة الأيتام، لذلك تمّ تشريع حكم تعدّد الزوجات؛ والسبب في نزول هاتين الآيتين باعتقاد أبو زيد هو أنّ الرجال قبل الإسلام أبيح لهم الزواج بعدد غيرِ محدَّدٍ من النساء، لذا قيّدت الأحكام الإسلامية الزواج بأربع نساءٍ فقط على ضوء شروطٍ خاصّةٍ وصارمةٍ؛ ومما قاله في هذا المضمار أنّ ظروف نزول الآية وتركيبها اللغوي يدلان على كون حكم تعدّد الزوجات لا يعدّ تشريعًا دائمًا، بل هو مجرّد تشريعٍ مؤقّتٍ كان القصد منه وضع حلٍّ للمشاكل التي عانى منها المجتمع الإسلامي في تلك الآونة، والأمر الذي تسبّب بحدوث خطأٍ في فهم حقيقته هو العرف السائد في المجتمع الذي سبق ظهور الإسلام، إذ لم يكن هناك أيُّ قانونٍ أو معيارٍ يحدّد عدد زوجات الرجل الواحد، ولكنّ الإسلام حاول مكافحة مثل هذه العادات والتقاليد  وفق قواعدَ وأصولٍ معيّنةٍ، إلا أنّ التأويلات الفقهية جعلت المسلمين يحيدون عنها ومن ثمّ لم يجدوا بدًّا من الإذعان لما كان سائدًا من سيادة الرجل وأرجحيته على المرأة.[1] وبهذا استنتج أبو زيد أنّ تأويل الفقهاء لهذه الآيات

(193)

متقوّمٌ بفكرة أفضلية الرجل، وهذا الأمر يدلّ بكلّ وضوحٍ على وجود انحيازٍ جنسيٍّ ناهيك عن أنّه يتعارض بالكامل مع الهدف من الخطاب الحقوقي القرآني الذي يتمحور حول المساواة بين الجنسين.

خلاصة البحث

ذكرنا في هذه المقالة أنّ المفكّر المصري نصر حامد أبو زيد اعتبر النصّ اللغوي القرآني من صياغة النبي محمّد صلى الله عليه وآله وأنّه ثمرةٌ لتجربته الروحية والنبوية، ومن ثمّ استدلّ على أنّ اللغة القرآنية هي لغة بشرٍ ما يعني إمكانية تجديد شرحه وتحليله -تأويله- علميًّا ولغويًّا في كلّ عصرٍ.

وأكّد على أنّ النصّ القرآني الذي هو مجموعةٌ من الألفاظ والعبارات العربية، قد تأثّر بالثقافة العربية التي كانت سائدةً في عصر تكوينه، وكلّ لغةٍ عادةً ما تكون عرضةً للتغيّر والتحوّل في رحاب ثقافة الناطقين بها، وهذا يعني وجود علاقةٍ جدليةٍ - ديالكتيكيةٍ - بين النصّ والثقافة.

القرآن الكريم برأيه عبارةٌ عن نتاجٍ ثقافيٍّ، وهو بدوره أنتج تراثًا ثقافيًّا بعد ظهوره، لذا إن أردنا معرفة دلالاته ومعانيه فلا بدّ لنا من التعرّف على ثقافة العصر الذي تكوّن فيه والاطّلاع على الخلفيات التي ساعدت على ظهوره، ونتيجة ذلك أنّ تأويله متقوّمٌ بمعرفة جوانبه التأريخية؛ وقد نحى أبو زيد في هذا السياق منحى الباحث الغربي أريك دونالد هيرش فتبنّى نظريته التي طرحها حول المعنى meaning وقال أنّ تفسير القرآن الكريم ينبغي أن يعتمد على العديد من المقوّمات التي أهمّها معرفة أسباب نزول آياته والداعي إلى تقدّم بعض آياته وتأخّر بعضها الآخر، وكذلك تحليل مداليل الآيات المكّية والمدنية؛ وما إلى ذلك من مبادئَ أخرى.

(194)

ومن جملة الأسس التي أكّد عليها في مجال تفسير القرآن الكريم، استكشاف الثوابت التأريخية في كلّ عصرٍ، وعلى هذا الأساس قال أنّه بحاجة إلى تأويلٍ، وهذا التأويل بدوره يرتكز على معرفة مغزى النصّ في إطار الظروف والأوضاع الزمانية لمفسّره أو قارئه، أي أنّ المغزى الذي يتناسب مع عصر مفسّر النصّ يجب أن يكون مرتبطًا بدلالته التأريخية الثابتة ومعناه الزماني، إلا أنّ الشواهد التي ذكرها لإثبات نظريته هذه لا تدلّ مطلقًا على الارتباط الذي زعمه، بل نستشفّ منها أنّه جعل المعنى الزماني ضحيةً للمفاهيم المطروحة من خارج النصّ بواسطة المدارس الفكرية المعاصرة كالإنسانية والفيمينية والعلمانية، فهذه المبادئ أثّرت على نهجه الهرمنيوطيقي في تفسير القرآن الكريم.

بشكلٍ عامٍّ نستنتج أنّ النهج الهرمنيوطيقي الذي تبناه أبو زيد في تفسير النصوص الدينية يتقوّم باعتقاده بمحورية الإنسان في العصر الحديث ضمن جميع الجوانب الثقافية والاجتماعية السائدة فيه، إذْ اعتبره بنيةً أساسيةً لتأويل مختلف المسائل المتعلّقة بحقوق المرأة وحقوق الإنسان وما إلى ذلك من مبادئَ مطروحةٍ في عصرنا الراهن؛ وهذا هو أسلوبه في تفسير النصّ القرآني، حيث اعتمد عليه على الرغم من أنّ أصول النزعة الإنسانية لا تضمن أحيانًا تحقّق المقاصد الدينية، وبعبارةٍ أخرى يمكن القول أنّ منهجه المقترح في تأويل النصّ القرآني لا يُزيل هاجس الإنسان المؤمن الذي يخشى من حدوث تعارضٍ بين فهم المفسّر ومراد الله تعالى، إذ كيف يمكن التأكّد من أنّ المغزى الذي تحدّث عنه لا يتعارض مع المراد الإلهي؟!

كما ادّعى أنّه يتبنّى نهجًا هرمنيوطيقيًّا متقوّمًا على مبادئَ موضوعيةٍ، لكنّ الأمثلة التي ساقها في هذا المضمار ضمن مختلف آثاره تنمّ عن أنّ منهجيته هذه

(195)

ترتكز على نزعةٍ نسبيةٍ تسوّغ نمطًا من التعدّد المعرفي والعقائدي، وبذلك فتح الباب على مصراعيه للمُغرضين كي يفسّروا النصوص الدينية ولا سيّما القرآنية بحسب أذواقهم الخاصّة، وهو ما يصطلح عليه بين العلماء التفسير بالرأي، الأمر الذي يُسفر في نهاية  المطاف عن شيوع البدع والالتقاط الفكري والانحراف عن الهدف الأصيل الذي أرادت التعاليم الدينية تحقيقه.

المصادر

1) القرآن الكريم.

2) بابك أحمدي، ساختار وهرمنوتيك، باللغة الفارسية، إيران، طهران، منشورات گام نو، 2001م.

3) نصر حامد أبو زيد، المنهج الوافي في فهم النصوص الدينية، لبنان، بيروت، منشورات الهلال، 1992م.

4) نصر حامد أبو زيد، مفهوم النصّ: دراسة في علوم القرآن، لبنان، بيروت، منشورات المركز الثقافي العربي، 2005م.

5) نصر حامد أبو زيد، معناي متن باللغة الفارسية، ترجمه إلى الفارسية مرتضى كريمي نيا، إيران، طهران، منشورات طرح نو، 2004م.

6) نصر حامد أبو زيد، نقد الخطاب الديني، لبنان، بيروت، منشورات المركز الثقافي العربي، 2007م.

7) نصر حامد أبو زيد، دوائر الخوف: قراءة في خطاب المرأة، لبنان، بيروت، منشورات المركز الثقافي العربي، 2007م.

8) أمين الخولي، التفسير: معالم حياته ومنهجه اليوم، مصر، القاهرة، منشورات جماعة الكتاب، 1944م.

9) ريتشارد بالمر، علم هرمنوتيك، باللغة الفارسية، ترجمه إلى الفارسية محمّد سعيد حنائي كاشاني، إيران، طهران، منشورات هرمس، 1998م.

10) حيدر علوي نجاد، فهم متن در أفق تاريخي آن، باللغة الفارسية، مقالة نشرت في مجلة دراسات قرآنية، إيران، مشهد، مكتب الإعلام الإسلامي.

(196)

11) محمّد موسوي، هرمنوتيك به مثابه روش در علوم سياسي، باللغة الفارسية، مقالة نشرت في مجلة العلوم السياسية الفصلية.

12) حسن نقي زاده، انديشه هاي أبو زيد و برداشت هاي او أز قرآن، باللغة الفارسية، مقالة نشرت في مجلة دراسات إسلامية الفصلية، العدد 68، 2005م.

13) أحمد واعظي، در آمدي بر هرمنوتيك، باللغة الفارسية، إيران، طهران، منشورات معهد دراسات الثقافة والفكر الإسلاميين، 2010م.

14) أحمد واعظي، نقد تقرير نصر حامد أبو زيد أز تاريخ مندي باللغة الفارسية، مقالة نشرت في مجلة قرآن شناخت الفصلية، إيران، قم، منشورات الإمام الخميني ره.

15) Abu Zayd, 1998, Divine Attributes in the Quran: some poetic aspects, Islam and Modernity: Muslim Intellectual Respond. Eds. John Cooper, London: I. B. Tauris.

16) Gadamer Hans Georg. 1994, Truth and Method, translation revised by Joel Weinsheimer and Donald G. Marshal, New York: Countinum Poblish.

17) Jean Grodn, 1994, Introduction to Philosophical Hermeneutics, New Haven and London, Yale University Press.

18) Hoffman Valerie J., 1982, Quranic Interpretation and Modesty Norms for Women, In The Shaping of an American Islamic Discourse.

19) Stendahl Krister, 1966, Method in the Study of Biblical Theology, In the Bible in Modem Scholarship, ed. Philip Hyatt, New York: Abingdon Press.

(197)

 

 

 

 

 

 

القسم الثاني: نصر حامد أبو زید وبعض نظریاته حول

ماهیة النصوص الدینية

 

 

(198)

نصر حامد أبو زيد وتاريخية القرآن الكريم[1]

بقلم: أحمد واعظي[2]

 

الخلاصة

تؤكد تاريخية النص على تأثّر النص بالحقائق الثقافية والاجتماعية لعصر ظهوره. تعمل هذه المقالة على دراسة تقرير نصر حامد أبو زيد عن تاريخية القرآن الكريم. وقد ذهب أبو زيد إلى القول بأن القرآن نتاج ثقافي. وعلى هذا الأساس فإنّ المعنى الأصلي للقرآن هو معنًى تاريخيٌّ، ويجب تفسيره من خلال أخذ تلك الحقائق بنظر الاعتبار، إلا أنّ الدلالات اللغوية في القرآن الكريم تنطوي على هذه القابلية التي تؤهّلها إلى الاندراج ضمن قانون تأويل خلاق، وإعادة صياغتها بحسب الحقائق الاجتماعية ولغة عصر المفسّر. إنّ الهدف من تأويل القرآن يجب أنْ يكون من إدراك المغزى، لا المعنى المرتبط بعصر النزول. ولازم هذا الاتجاه اعتبار الآيات القرآنية غير المتطابقة مع الحقائق الثقافية واللغوية للعصر الراهن، من الشواهد التاريخية.

(199)

إنّ أهم إشكالٍ في رؤية نصر حامد أبو زيد يكمن في حشر القرآن الكريم في زاوية مقتضيات عصر النزول، والقول بتسلل المضامين الخاطئة ـ المنبثقة عن جهل وتخلف ثقافة ذلك العصر ـ إلى صلب المادة الوحيانية.

1 ـ فصل تاريخية الفهم عن تاريخية النص

إنّ جميع النظريات التفسيرية التي ترى ـ في تحليلها لمسار قراءة النص والوصول إلى المعنى ـ تأثيرًا للمفسر وآفاقه المفهومية في إيجاد المعنى، تميل إلى تاريخية الفهم. والسرّ في ذلك أنّ القول بالدور المحوري للقارئ في مسار تبلور مفهوم النص يعني أنّ الفضاء الذهني للمفسّر، والموقع الهرمنيوطيقي إلى جوار العناصر الأخرى، هي التي تعمل على بلورة مفهوم النص، وأن مفهوم النص ليس له أيُّ هويةٍ أو تعيُّنٍ قبل القراءة وبشكلٍ منفصلٍ ومستقلٍّ عن التدخل المضموني لمعتقدات وتوجهات ورغبات المفسّر، وبالتالي فإنّ مهمة المفسّر لا تكمن في الكشف عن المعنى والمفهوم المتعيّن بشكلٍ مسبقٍ، بل المفسّر إنما يُسهم في مسار ظهور وتبلور معنى النص. وحيث إن الأفق المعنوي للمفسّر ونجاحه الهرمنيوطيقي أمرٌ تاريخيٌّ ومتأثرٌ بالحقائق الاجتماعية والثقافية واللغوية للمرحلة التاريخية التي يعيشها المفسّر، في أن يكون فهمه للنص أمرًا تاريخيًّا أيضًا، وأن يتغيّر طبقًا لتغيّر الشرائط والظروف التاريخية والاجتماعية وفي ظل تغيّر الآفاق المفهومية للمفسّر.

إنّ تاريخية الفهم تبدأ بالهرمنيوطيقا ما قبل الفلسفية[1]، إلا أن التبويب

(200)

التحليلي والفلسفي له يتجلى بشكلٍ خاصٍّ في الهرمنيوطيقا الفلسفية لـ هايدغر[1] وغادامير[2]. يذهب غادامير بالتماهي مع فريدريك نيتشه[3] وهوسرل[4] وهايدغر إلى الاعتقاد بمحدودية الفهم في حصار أفق[5] الفاهم، ويُصرّ على أنّ الأفق الذهني للمفسر يعمل على توجيه دائرة ومساحة التفكير، ويقرن الفهم ـ في الوقت نفسه ـ بالمحدودية والتعيّن أيضًا[6]. وهو يرى أنّ الأفق والموقع الهرمنيوطيقي لمفسِّر

(201)

النص المتبلور في إطار أحكامه المسبقة ليس أمرًا ثابتًا، وإنّما هو في حال تغيُّرٍ دائمٍ ومتواصلٍ في مسار الأفهام والتفاسير[1]. إنّ الوجه في تاريخية الفهم من زاوية الهرمنيوطيقا الفلسفية يكمن في أنّ الفهم من وجهة نظرهم عبارةٌ عن تركيب وامتزاج الأفق المفهومي للمفسِّر مع الأفق المفهومي للنص، وحيث إنّ الأفق المفهومي لكل مفسِّرٍ محصورٌ ومحدودٌ بعصره وتاريخه وتعاطيه مع بيئته وأبناء عصره وجيله، ويتأثر بذلك كله، ويتغير في ظل التعاطي مع هذه العناصر مجتمعةً، فإنّ الفهم والتفسير المنبثق عن تدخل هذا الأفق سيغدو بالضرورة تاريخيًّا أيضًا[2].

أما تاريخية النص فلها حكايةٌ أخرى، حيث ترتبط بمقولة تأثّر مفهوم النص بـ الخلفية التاريخية[3] والظروف والحقائق الثقافية والتاريخية لعصر ظهور النص، كما أنّ لموضوع تاريخية النص جذورًا سابقةً، وهناك تقاريرُ مختلفةٌ عنها. من ذلك مثلًا أن رودولف بولتمان[4] يعتقد بأنّ الخطاب الديني في الكتب المقدسة

(202)

متأثرٌ برؤية وتفكير العصر الذي تمّ فيه تدوين تلك النصوص الدينية، ومن هنا فإنها تشتمل على أساطيرَ، ولا تنسجم مع لغتنا ومتبنياتنا العلمية المعاصرة. فقد عمد إلى الاعتقاد ـ خلافًا لليبراليين الأوائل في علم الكلام حيث كانوا ينبذون هذه العناصر الأساطيرية بالكامل ـ بعدم ضرورة محو الأسطورة من النصوص المقدسة، ورأى أنّ مهمة الإلهيات المعاصرة تكمن في التسلل إلى داخل وصلب هذه الأساطير للحصول على الجاذبية الوجودية ورسالة الكتاب المقدس الكامنة وراء هذه العناصر التاريخية والأسطوريّة. وعليه فإنّ ما قيل يمتاز من الذي كان مقصودًا، وإنّ الأسطورة تساعد على فهم ما كان مقصودًا ويشكل روح وجوهر رسالة النص[1].

كما قدّم رولان بارت[2] تقريرًا آخر عن تاريخية النص أيضًا. فإنّ النصّ ـ من وجهة نظره ـ يتحرّك في صُلب التاريخ والثقافة، ويكتسب معانيَ جديدةً وينفصل عن معانيه القديمة في هذا المسار بشكلٍ مستمرٍّ وبحسب الجغرافيا والشرائط الإنسانية والمقتضيات التاريخية. يذهب بارت إلى الاعتقاد بأنّ النص يجب أنْ يتمّ تفسيره وفهمه بمعزلٍ عن هذا المنشأ التاريخي وبعيدًا عن السلطة المفهومية للمؤلف. إنّ لكل نصٍّ ـ في التاريخية المنشودة لـ بارت ـ سندًا تاريخيًّا يتألف من عددٍ من الرموز والشيفرات[3]، وإنّ فك هذه الشيفرات والرموز يجب ألّا ينحصر في المنشأ التاريخي للنص المقطع الزمني والتاريخي لظهور النص فقط، بل إنّ

(203)

النص في الحال الراهن ولحظة التفسير مُحاطٌ ومحصورٌ برموزٍ معاصِرةٍ، ويجب ملاحظة ذلك في إعادة قراءتها وفك رموزها[1].

يعمد نصر حامد أبو زيد ـ ضمن إشارته إلى تاريخية الفهم ـ إلى التأكيد على تاريخية القرآن بشكلٍ خاصٍّ، ويقدّم تقريرًا خاصًّا عن ذلك، ويعمل على ترتيب لوازمَ معرفيةٍ ودينيةٍ خاصّةٍ على هذا التقرير. ونسعى في هذه المقالة إلى بيان هذا التقرير والإشارة إلى نقاط ضعفه وبيان بعض لوازمه الباطلة.

2 ـ تقرير نصر حامد أبو زيد عن تاريخية القرآن

يهدف نصر حامد أبو زيد في مشروعه إلى الحصول على وعيٍ وإدراكٍ تاريخيٍّ وعلميٍّ للنصوص الدينية، وهو ما يستلزم في الواقع بحثًا بشأن القرآن الكريم بوصفه نصًّا تاريخيًّا وبشريًّا ولغويًّا. وهذا يستلزم المواجهة مع الفهم التقليدي السائد لعلوم القرآن والحديث الذي يُصرّ عليه الخطاب الديني الغالب بحسب زعمه. كما يحتاج إلى صياغٍة وإعادةِ قراءةٍ نقديةٍ وجديدةٍ لعلوم القرآن وطبيعة النص الديني على أساس تاريخيته واعتبار النص القرآني نتاجًا قرآنيًّا.

يرى نصر حامد أبو زيد أنّ جهود المتقدمين من أمثال بدر الدين الزركشي م: 794 هـ في كتاب البرهان في علوم القرآن، وجلال الدين السيوطي في كتاب الإتقان في علوم القرآن، تهدف إلى الحفاظ على الثروة والذاكرة الفكرية والثقافية للحضارة الإسلامية، والتي هي على الرغم من قيمتها الثقافية، إنّما قامت على أساس نوعٍ من التصور الديني للنص القرآن، والذي هو نتاج الاتجاهات الرجعية في الثقافة

(204)

العربية ـ الإسلامية. يرى نصر حامد أبو زيد أنّ أدنى تعريفٍ يمكن تقديمه عن هذا التصوّر التقليدي هو فصل النص القرآني عن نسيج تياراته الخارجية والتاريخية، وبالتالي فصل القرآن عن طبيعته الحقيقية بوصفه نصًّا لغويًّا ونتاجًا ثقافيًّا، وتحويله إلى أمر مقدَّسٍ وروحانيٍّ[1].

يذهب نصر حامد أبو زيد إلى الاعتقاد بأنّ التنوير الديني وخطاب التنوير في الإسلام لم يستطع كسر حصار وسيطرة الخطاب الديني الغالب والتقليدي، والتأسيس لأفقٍ معرفيٍّ جديدٍ، وصياغة الإدراك والوعي التاريخي العلمي بالنصوص الدينية؛ وذلك لأنّه لم يُعطِ ذلك الاهتمام الخاص للبُعد التاريخي والناحية البشرية والثقافية للقرآن. وللخروج من هذا الواقع والوصول إلى الوعي العلمي والتاريخي للنصوص الدينية، يجب العمل تمامًا في النقطة المقابلة للخطاب والتفكير الديني الذي يعتبر الله هو المتكلم والمتلفظ بالنصوص الدينية، ويُضفي على النص الديني قداسةً وروحانيةً، ويُلبسه رداءً ميتافيزيقيًّا، وأنْ نركّز على الجانب التاريخي والبشري والثقافي للنص الديني، وأنْ نركّز على الواقع التاريخي والاجتماعي والثقافي المحيط بفهم الوحي[2].

يرى نصر حامد أبو زيد أنّ النص القرآني في ذاته وجوهره نتاجٌ ثقافيٌّ[3]، بمعنى أنه تبلور على أمد ثلاثة وعشرين سنة في صُلب واقع ثقافي

(205)

واجتماعي خاص بعصر النزول. وعلى هذا الأساس فإن الاعتقاد بالوجود المقدّس والوجود الميتافيزيقي والمتعيّن مسبقًا لهذا النص، يمثل سعيًا إلى إخفاء الوجه الثقافي والتاريخي له، وسدّ الطريق أمام الفهم العلمي لهذه الظاهرة. إن الله سبحانه وتعالى عند إنزال الوحي على النبي الأكرم صلى الله عليه وآله قد اختار النظام اللغوي الحاكم على مستقبِل الوحي. وخلافًا لما يؤكده الخطاب الديني المعاصر ليس اختيار اللغة اختيارًا لوعاءٍ فارغٍ. ذلك أنّ اللغة من أهم أدوات الجماعة في إدراك العالم وتنظيمه. وعلى هذا الأساس لا يمكن أنْ نتحدث عن نصٍّ مفارقٍ للثقافة والواقع الاجتماعي. إنّ ألوهية مصدر النص لا تنفي واقعية محتواه ومن ثَمَّ لا تنفي انتماءه إلى ثقافة البشر والوعاء الاجتماعي والتاريخي الخاص. ولما كان المرسل في حالة القرآن لا يمكن أن يكون موضعًا للدرس العلمي، فمن الطبيعي أن يكون المدخل العلمي لدرس النص القرآني هو مدخل الواقع والثقافة. وهو الواقع الذي ينتظم حياة مستقبل الوحي وحركة البشر المخاطَبين الأوائل بالقرآن والثقافة التي تتجسّد في اللغة. وعلى هذا الأساس يكون البدء في دراسة النص بالثقافة والواقع بمثابة الخوض في الأمور التجريبية. ومن خلال تحليل هذه الحقائق يمكن أنْ نصل إلى فهمٍ علميٍّ لظاهرة النص الديني[1].

يأتي تأكيدُ نصر حامد أبو زيد على البُعد التاريخي للنصوص الدينية، وإلقاؤُه اللوم على الخطاب الديني التقليدي من تجاهله وغفلته عن البُعد التاريخي للوحي على أساس التعريف والفهم الخاص لـ البُعد التاريخي؛ وذلك لوضوح أنّ

(206)

 الخطاب الديني السائد والتقليدي ملتفتٌ إلى البُعد التاريخي للنص الديني، ومن هنا نجد تفاسير القرآن وعلم الفقه تبحث في موضوع أسباب النزول والأحداث التاريخية التي تشكل الأرضية والخلفية التاريخية لنزول الآيات والسور القرآنية، كما تُحقق وتَبحث في ظاهرة الناسخ والمنسوخ وتغيير الأحكام بسبب تغيّر الظروف والأوضاع التاريخية وتأثير عنصر الزمان والمكان في الاجتهاد. إنّ مراد نصر حامد أبو زيد من البُعد التاريخي للنصوص الدينية هو تاريخية المفاهيم، بمعنى أنّ مضمون ومفهوم كلمات ومفردات النصوص المقدسة تُعدُّ بسبب تاريخية اللغة المستعملة في الوحي تاريخيةً وممتزجةً بالحقائق الخارجية للغة وثقافة عصر النزول[1]. وعليه يتضح أنّ مراده من إيجاد الرؤية التاريخية / العلمية في مورد النصوص الدينية يذهب إلى أبعد من البحث عن الحقائق التاريخية والاهتمام بأحداث عصر نزول الوحي، بل يرقى إلى سعيٍ ومجهودٍ من سنخ أنشطة علم

(207)

التاريخ. إنّ ما أراده نصر حامد أبو زيد من هذه الرؤية بدلًا من الاستناد إلى معرفة الأحداث التاريخية لعصر النزول، يقوم على معطيات العلوم اللغوية الخاصة ولا سيما في قراءة النصوص[1].

3 ـ نتائج الاعتقاد بتاريخية القرآن في تقرير نصر حامد أبو زيد

إنّ الاعتقاد بتاريخية النصوص الوحيانية والدينية طبقًا للتقرير الذي يقدّمه نصر حامد أبو زيد، ينطوي على ثمارٍ ونتائجَ تميّز تفكيره حول قراءة وفهم النصوص الدينية وتكوين المعرفة الدينية من الرأي التقليدي والسائد، ويشكّل مادةً للانفصال الواضح للفهم الديني لنصر حامد أبو زيد عمّا يدعوه الخطاب الديني. وإنّ أهم النتائج والثمار المترتبة على ذلك كالآتي:

أ ـ ضرورة الفصل بين المعنى والمغزى

يذهب نصر حامد أبو زيد إلى الاعتقاد بأنّ ارتباط النصوص بالواقع الاجتماعي يؤدي إلى التفكيك بين زاويتين لا تُغني إحداهما عن الأخرى في التعاطي مع النصوص الدينية والتراثية. الزاوية الأولى زاوية التاريخ بالمعنى السوسيولوجي لوضع النصوص في سياقها من أجل اكتشاف دلالتها الأصلية، ويدخل في ذلك السياق التاريخي، وبالطبع السياق اللغوي الخاص لتلك النصوص ولهذه الغاية يجب وضع النصوص في نسيجها الاجتماعي والثقافي الخاص بها، ودراسة الخلفية التاريخية واللغوية الحاكمة على ذلك العصر. والزاوية الثانية ترتبط بفهم النصوص بالالتفات إلى النسيج الثقافي والاجتماعي الراهن، الذي يعني في الحقيقة تأويل النص وقراءته الإبداعية بحسب النسيج الاجتماعي المعاصر لا النسيج الثقافي والاجتماعي لعصر صدور النص[2].

(208)

قال نصر حامد أبو زيد:

إننا نعتمد هنا على التفرقة بين المعنى والمغزى، وهي تفرقةٌ مطروحةٌ في مجال دلالة النصوص بشكلٍ عامٍّ، وإنْ كنا سنقدّم لها هنا تكييفًا خاصًّا يناسب طبيعة النصوص موضوع تحليلنا.. إنّ المعنى يمثل المفهوم المباشر لمنطوق النصوص الناتج عن تحليل بنيتها اللغوية في سياقها الثقافي، وهو المفهوم الذي يستنبطه المعاصرون للنص من منطوقه. وبعبارةٍ أخرى يمكن القول: إنّ المعنى يمثل الدلالة التاريخية للنصوص في سياق تكوّنها وتشكّلها... والفرق بين المعنى والمغزى من منظور دراستنا هذه يتركز في بُعدين غير منفصلين: البعد الأول أنّ المعنى ذو طابعٍ تاريخيٍّ، أيْ أنه لا يمكن الوصول إليه إلا بالمعرفة الدقيقة لكلٍّ من السياق اللغوي الداخلي والسياق الثقافي الاجتماعي الخارجي. والمغزى ـ وإنْ كان لا ينفك عن المعنى بل يلامسه وينطلق منه ـ ذو طابعٍ معاصِرٍ، بمعنى أنه محصلةٌ لقراءة عصرٍ غير عصر النص[1]. لقد عمد نصر حامد أبو زيد ـ كما صرّح بذلك ـ إلى اقتباس هذا التمايز بين المعنى ـ الذي هو المقصود والهدف من الزاوية الأولى من قراءة النص ـ والمغزى ـ الذي هو الهدف من الزاوية الثانية من القراءة ـ من إريك هيرش[2]، وفصله بين المعنى اللفظي[3] والمعنى النسبي[4][5].

(209)

ب ـ حركية دلالة النص ومخالفة القول بثبات معنى النصوص

إنّ النصوص الدينية ـ طبقًا لتحليل نصر حامد أبو زيد ـ نصوصٌ لغويةٌ، بمعنى أنّها تنتمي إلى بنيةٍ ثقافيةٍ محدَّدةٍ، وقد تمّ إنتاجها طبقًا لقوانين تلك الثقافة التي تُعدُّ اللغةُ نظامَها الدلاليَّ المركزيَّ. وهذا لا يعني ـ بطبيعة الحال ـ أنّ النصوص تمثّل قابِلًا سلبيًّا في تعبيرها عن البنية الثقافية من خلال النظام اللغوي، فللنصوص فعاليتها الخاصة الناشئة عن خصوصية بنائها اللغوي ذاته. ومن خلال تبعيته لتفرقة دي سوسير[1] بين اللغة والكلام، ذهب إلى الاعتقاد بأنّ اللغة هي النظام الدلالي للجماعة في كليته وشموله وتعدد مستوياته الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية، وهي المخزون الذي يلجأ إليه الأفراد في صياغة الكلام. وإذًا فالكلام يمثّل من حيث علاقته باللغة الجزئي والعيني، يمثّل نظامًا جزئيًّا داخل النظام الكلي المخزون في ذاكرة الجماعة. وإذا كان الكلام على الرغم من جزئيته هو الكاشف عن بنية النظام اللغوي الكلي، فمعنى ذلك أنّ العلاقة بين الكلام واللغة علاقةٌ جدليةٌ. وعلى هذا الأساس فإنّ النصوص الدينية ترتبط من جهةٍ بواقعياتها اللغوية والثقافية، وتتأثّر بها من جهةٍ أخرى. إنّ دلالات وإشارات النصوص مترعةٌ بالواقعيات والعناصر التاريخية والثقافية المعاصرة. ومن هنا يوجد أفقٌ مشتَرَكٌ للتعاطي، بيد أنّ هذا الأفق المشترك قابلٌ للتغيّر في ظل تغيّر الواقعيات اللغوية والثقافية وتغيّر الآفاق والأبعاد التفسيرية[2].

(210)

قال نصر حامد أبو زيد:

ليس معنى القول بتاريخية الدلالة، تثبيت المعنى الديني عند مرحلة تشكُّل النصوص، ذلك أنّ اللغة ـ الإطار المرجعي للتفسير والتأويل ـ ليست ساكنةً ثابتةً، بل تتحرّك وتتطوّر مع الثقافة والواقع. وإذا كانت النصوص ـ كما سبقت الإشارة ـ تساهم في تطوير اللغة والثقافة، من جانب أنّها تمثّل الكلام في النموذج السوسيري، فإنّ تطور اللغة يعود ليحرك دلالة النصوص وينقلها في الغالب من الحقيقة إلى المجاز. وتتضح هذه الحقيقة بشكلٍ أعمقَ بتحليل بعض أمثلة النص الديني[1].

يرى نصر حامد أبو زيد أنّ القابلية على التحوّل الدلالي إنّما هو اقتضاءٌ من داخل النص ومن لوازمَ لغويةِ وبشريةِ النصوص الدينية وارتباطها بالواقعية الثقافية والاجتماعية، وليست مفروضةً عليه من الخارج، ولا هي من مقتضيات القراءة الإيديولوجية للنصوص، بل على العكس فإنّ الاعتقاد بثبات مفهوم النص الديني وعدم تحوّله بتحوّل الآفاق الثقافية والاجتماعية وتماهي النص مع المتغيرات اللغوية والثقافية، تأويلٌ يُفرض على النص من الخارج. إنّ هذا النوع من الفهم الإيديولوجي والنفعي والبراغماتي للنصّ هو في الحقيقة  ليس تأويلًا أو تفسيرًا، بل هو تلوينٌ وقراءةٌ مغرِضةٌ وغيرُ خلّاقةٍ[2].

ج ـ استحالة التفسير الحيادي للنص

إنّ الاتجاه التفسيري لنصر حامد أبو زيد يدفعه إلى نوعٍ من القراءة المحورية المحافظة. فهو من جهةٍ يُصرِّح بأنّه يوافق الحلقة التفسيرية الحديثة في الاعتقاد

(211)

بعدم وجود القراءة الحيادية للنّصّ. ومراده من الحلقة الجديدة هو الاتجاهات التفسيرية المعاصرة والتي تعتقد للنصوص عالمًا مفهوميًّا مستقلًّا عن المؤلّف ونواياه، وترى العلاقات المفهومية للنص متأثرةً بالقارئ وإبستيمولوجيته والوعي المتأثر بآفاق المكان والزمان. إلّا أنّه من ناحيةٍ أخرى، من خلال نفي التأويل الإيديولوجي والمنظومة الإبستيمولوجية للتأويل الإيديولوجي للنص، يفرّق بين التأويل والتلوين، ومن خلال استلهامه من الأسلاف الذين فرّقوا بين المقبول والمستكره في مجال التأويل والتفسير، قال بأنّ التأويل المغرِض للنص والتلوين مستَكْرَهٌ، وأن نفي إمكان التفسير والتأويل الحيادي للنص لا يعني فتح الطريق أمام التلوين والتأويل الإيديولوجي والمغرض للنص[1].

يرى نصر حامد أبو زيد أنّ الهدف من قراءة النص هو الوصول إلى المغزى الذي هو مفهومٌ عصريٌّ ومتطابقٌ مع الاقتضاءات اللغوية والثقافية لعصر القارئ، إلّا أنّ هذا الهدف يجب ألّا يكون مقرونًا بالفرض الإيديولوجي على النّص. إنّ المغزى يجب أنْ يتبلور بالالتفات إلى المعنى الأصلي ومفهوم النص في الماضي. إنّ وجود المغزى الثابت والمتعيّن للنص مسبقًا يعتبر عقبةً كأداءَ أمام القراءة والتأويل الخلّاق للنص. يذهب أبو زيد إلى إمكانية الفصل بين نوعين من الدلالة، وهما: دلالاتٌ في النص الموجِد لـ المعنى، ودلالاتٌ أخرى موجِدةٌ لـ المغزى. وهاتان الدلالتان تشتركان في التأسيس لدلالة النص، وكأن للنص مستويَيْن من الدلالة، وإنّ الدلالة النهائية للنص هي نتاج وثمرة التركيب بين هذين المستويين من الدلالة. المستوى الأول من المعنى ـ الذي هو المعنى التاريخي والأصلي للنص ـ يُشكّل المستوى الظاهري، والمستوى الثاني والأعمق هو مستوى الباطن وهو في الحقيقة

(212)

المستوى الذي يضع بأيدينا المغزى والفحوى. إنّ هذه المباني من نصر حامد أبو زيد تمثل اعترافًا بأنّ النص بوصفه نظامًا دلاليًّا لا يتلخص في دائرة الواقعيات الزمانية والثقافية والاجتماعية لعصر صدور النص، ولا يكون بالضرورة مشتملًا على الدلالات والعناصر المحصورة في المدلولات التاريخية والزمانية/ المكانية لعصر الصدور، وتخاطب الآفاق الآتية والأعصار التالية، وإنّ القراءة الخلاقة للنص إنّما توجد على أساس اكتشاف هذا النوع من الدلالات وإعادة تأويلها بحسب الموقعيات الثقافية واللغوية المتغيّرة والمتجددة[1].

يأتي دفاع نصر حامد أبو زيد عن استحالة التفسير والتأويل الحيادي للنص من المبنى الإبستيمولوجي القائم على أنّ الإنسان بواقعياته الثقافية والاجتماعية يكون هو محور التفسير والتأويل في ما يتعلق بفهم النص، بمعنى أنّ النصوص كما تُفهم من الناحية الأنطولوجية بوصفها منبثقةً عن الواقعيات اللغوية والتاريخية والحقائق الاجتماعية والثقافية لعصر صدور وظهور النص، كذلك يتمّ فهمها من الناحية الإبستيمولوجية بما هي متأثرةٌ بالحقائق الاجتماعية والثقافية لعصر المفسِّر. وقد ذهب نصر حامد أبو زيد ـ من خلال إقامة التقابل بين الاتجاه غير التاريخي للنص والاتجاه التاريخي للنص الذي يدافع عنه ـ إلى القول:

«إذا كان الفكر الديني يجعل قائل النصوص ـ الله ـ محور اهتمامه ونقطة انطلاقه، فإنّنا نجعل المتلقي ـ الإنسان ـ بكل ما يحيط به من واقعٍ اجتماعيٍّ تاريخيٍّ هو نقطةَ البدء والمعاد. إنّ معضلة الفكر الديني أنّه يبدأ من تصوراتٍ عقائديةٍ مذهبيةٍ عن الطبيعة الإلهية والطبيعة الإنسانية وعلاقة كلٍّ منهما بالأخرى، ثم يتناول النصوص الدينية، جاعلًا

(213)

إيّاها تنطق بتلك التصوّرات والعقائد. وبعبارةٍ أخرى: نجد المعنى مفروضًا على النصوص من خارجها»[1].

د ـ التحدي الماثل أمام الاجتهاد القائم على تفوّق النص

إنّ مباني نصر حامد أبو زيد بشأن ماهية النص وارتباطه بالحقائق والواقعيات الثقافية والاجتماعية، وفصله بين المعنى والمغزى، وإصراره على وجوب الذهاب إلى ما هو أبعد من المعنى التاريخي للنص والاهتمام بالمغزى والمعنى المعاصر للنص بوصفه هدفًا نهائيًّا لتأويل النص، قد وضعه في قبال الاجتهاد السائد في مجتمعات أهل السنة. يعترف نصر حامد أبو زيد بأنّ الخطاب الديني التقليدي يقول بإمكان وقابلية الفهم المتجدد للنص، ويقرّ بأنّ الاجتهاد يتجدد بالالتفات إلى أخذ الشرائط والظروف الزمانية والمكانية بنظر الاعتبار، بيد أنّ هذا الاجتهاد لا يتجاوز مستوى فهم الفقهاء؛ وذلك لأنّ الخطاب الديني يقصر الاجتهاد على بعض النصوص فقط، وهي النصوص الفقهية والتشريعية، ويخالف أيَّ نوعٍ من الاجتهاد في دائرة الأمور الاعتقادية أو القصص الدينية[2].

والمشكلة الأخرى التي يعاني منها الاجتهاد المنشود للخطاب الديني هي أنّه يتجاهل الحقائق والواقعيات التاريخية/ الثقافية للنص، ويسعى من خلال الإصرار على المعنى التاريخي والأصلي للنص إلى سحب المجتمع إلى الخلف، وبسبب الغفلة عن حركية معنى النص يصل إلى الثبات والجمود المعنوي للنص. وبعبارةٍ أخرى: إنّ كلًّا من النص والواقعية التي ينبثق عنها النص يتحولان إلى أسطورةٍ، وإنّ تحول الواقعية واللغة والثقافة لا يتبنّى التحول الحاصل في معنى النص،

(214)

وبذلك يرى نصر حامد أبو زيد أنّ الخطاب الديني والاجتهاد المنشود له يخضعان لسيطرة وهيمنة سلطة النص[1].

هـ ـ انخفاض بعض النصوص الوحيانية إلى شواهدَ تاريخيةٍ غيرِ صالحةٍ للتوظيف

بالنظر إلى إمكانية التأويل الخلاق وتوسيع الدلالة المفهومية للنصوص كي تشمل الآفاق والأعصار الأبعد من الواقعية الثقافية والاجتماعية المحيطة بعصر حدوث النص، أو عدم إمكان هذه التوسعة، فإنّ النصوص الدينية من وجهة نظر نصر حامد أبو زيد، تواجه ثلاثة مستوياتٍ من الدلالة. والمستوى الأول عبارةٌ عن الدلالات التي لا تتجاوز الشواهد التاريخية، ولا تقبل التأويل المجازي أو غيره[2]. والمستوى الثاني يشمل الدلالات التي تتقبل التأويل المجازي. والمستوى الثالث يُطلق على الدلالات التي هي نتاج التعرّف على الحقائق والواقعيات الثقافية والاجتماعية الحاكمة على النص وتوسيع الدائرة المفهومية للنص من طريق السعي إلى إدراك مغزى النص بحسب الحقائق والواقعيات الثقافية واللغوية المعاصرة.

(215)

يذهب نصر حامد أبو زيد إلى الاعتقاد بأنّ تلك المجموعة من دلالات النص الديني المتعلقة بالمستوى الأول حيث تتحول الشرائط والظروف الاجتماعية والثقافية لعصر صدور النص ولم يعد اليوم لها من أثرٍ، تكون قد زالت بالكامل، وتكون هذه المضامين والمعاني والدلالات قد ارتبطت بالتاريخ، ولا تعود لها سوى قيمةٍ تاريخيةٍ فقط، بمعنى أنْ يتمّ تقريرها بالقول أنّ الأزمنة الماضية كان يحكمها هذا النمط من الأفكار والأحكام. من ذلك أنّ نصر حامد أبو زيد يذهب ـ على سبيل المثال ـ إلى القول بأنّ أحكامًا من قبيل: فرض الجزية على أهل الكتاب، أو الأحكام الخاصة بالعبيد والإماء، هي من الأحكام التي تندرج ضمن المستوى الأول من دلالات النصوص الدينية التي لم تعد هناك ـ بسبب تغيّر الأوضاع الثقافية والاجتماعية والعلاقات الإنسانية ـ أيُّ قابليةٍ لتطبيقها على عصرنا الراهن. كما أن هذه الدلالات لم تعد تقبل التأويل المجازي ولا يمكن اصطياد المغزى منها أبدًا، وإنما هي تصلح لمجرّد الاستشهاد التاريخي فقط، وأنّ هذا النوع من الأحكام كان سائدًا بين المسلمين وغيرهم في ذلك العصر لا أكثر[1].

كما عمد نصر حامد أبو زيد إلى تصنيف النصوص المرتبطة بالسحر والحسد والجن والشياطين الواردة في القرآن الكريم ضمن دلالات المستوى الأول واعتبرها من قبيل الشواهد التاريخية. يرى نصر حامد أبو زيد أنّ الواقع الثقافي لعصر النص كان يؤمن بالسحر، وبالالتفات إلى هذا المبنى القائل بأنّ النصوص الدينية تُعدّ من الناحية اللغوية والثقافية نصوصًا إنسانيةً وبشريةً، وأنّ النبي، بوصفه المستقبِلَ للوحي وينتمي إلى ثقافة عصره، كان من الطبيعي أنْ يتسلل هذا المضمون إلى النصوص الدينية. وإنّ ما ورد بشأن السحر يصدق أيضًا على الحسد وعلى الأوراد

(216)

والتعويذات مثل سورة الفلق أيضًا. إلا أنّ وجود هذا الكمّ الكبير من النصوص الدينية لا يشكّل دليلًا على واقعيتها، وإنما هي مجردُ شواهدَ على وجودها في ثقافة عصر نزول الوحي.

إنّ نصر حامد أبو زيد يُخطّئ الذين يؤمنون بوجود ظواهرَ من قبيل السحر والحسد؛ لمجرد وجود الألفاظ الدالة عليها في النص القرآني، ويقول بأنّ سرّ الخطأ عند هؤلاء يكمن في أنهم يخلطون بين الدالّ والمدلول ويعتبرونهما شيئًا واحدًا[1]. والخلاصة هي أنّ هذه المضامين حيث لم يعد لها مكانةٌ في الثقافة البشرية المعاصرة، فإنّ تلك المجموعة من النصوص الدينية التي تشير إلى هذه الأمور والمضامين تكون منقضية الصلاحية ولم يَعُدْ استهلاكها ممكنًا، وإنّما هي تعود إلى ظرٍف زمنيٍّ مضى وانقضى، ولم من الممكن إعادة صياغتها على المستوى المفهومي والمعنوي.

4 ـ نقد ومناقشة رؤية نصر حامد أبو زيد

إنّ تحليل وتقرير نصر حامد أبو زيد لتاريخية النص بشكلٍ عامٍّ، وتاريخية النصوص الدينية بشكلٍ خاصٍّ، قابلٌ للنقد والنقاش من جهاتٍ متعددةٍ، وفي ما يلي نشير باختصارٍ إلى أهم الإشكالات التي تَرِد عليه، على الرغم من أنّ ما يُذكر لا يُشكِّل سوى جانبٍ من الأبحاث القابلة للنقاش؛ إذْ لا يتّسع حجم هذه المقالة إلى تناول جميع الإشكالات المطروحة في هذا الشأن.

أ ـ إنّ العمود الفقري لرأي نصر حامد أبو زيد حول النصوص الدينية يتمثّل في الاعتقاد بأنّ هذه النصوص عبارةٌ عن منتَجٍ ثقافيٍّ، وعلى الرغم من منشئها الإلهي

(217)

إلا أنّها ذاتُ طابَعٍ بشريٍّ، وتتأثر بالحقائق التاريخية/ الاجتماعية لعصر نزول الوحي. ومن هنا يجب أنْ تقع موضوعًا للقراءة العلمية/ التاريخية، ولا يمكن بسط المعنى التاريخي والأصلي لهذه النصوص على جميع الأزمنة والعصور، بل إنّ المعنى الأصلي لهذه النصوص يقتصر على الواقع الثقافي والتاريخي لعصر النزول فقط، وفي ما يتعلق ببسط هذه النصوص وتعميمها على سائر العصور والمراحل التاريخية الأخرى، نحتاج إلى تأويلها مجازيًّا وإدراكها على مستوى المغزى والفحوى.

إنّ الضعف الأول في هذا التحليل يكمن في استعمال مصطلح المنتج الثقافي. يمكن في الحد الأدنى تقديم تقريرين لهذا المصطلح، أحدُهما متطرّفٌ والآخر معتدلٌ، ومراد نصر حامد أبو زيد من استعمال هذا المصطلح أقربُ إلى التقرير المتطرف منه إلى التقرير المعتدل. إنّ جميع الآراء التي تُنكر الارتباط والعلاقة الذاتية بين اللفظ والمعنى، وتصحّح التدخّل البشري في إيجاد هذه العلاقة ـ سواءً من طريق الوضع التعييني أو من طريق غلبة الاستعمال والوضع التعيّني ـ تفتح قناةً لحضور الروابط الثقافية والاجتماعية في مفهوم اللغة. هناك تأثيرٌ للاحتياجات، والروابط البشرية، والعلاقات الاقتصادية والثقافية، وسائر العناصر الطبيعية في إثراء الألفاظ، وفي ثراء وفقر الاستعارات والتمثيلات، وطريقة استعمال اللغة، والوزن الإيجابي والسلبي للألفاظ، وما إلى ذلك من الشؤون اللغوية، وإنّ التغيّر الحادث عبر القرون والأعصار في دائرة هذا النوع من العلاقات الإنسانية والاجتماعية تُؤثّر ـ بطبيعة الحال ـ في الحقائق الخارجية للغة، ومن هذه الناحية يمكن القول: إنّ النصوص المتبلورة في اللغة عبر المسار التاريخي لتحولات تلك اللغة تتأثّر بشكلٍ مباشِرٍ بالثقافة والعلاقات الاجتماعية السائدة في المجتمع. طبقًا لهذا التقرير المعتدل لا يرتبط النص ارتباطًا مباشرًا مع الثقافة والتحولات

(218)

الاجتماعية، وإنما يحدث هذا الارتباط من طريق اللغة. وبهذا الشكل سيكون لتلك المجموعة من العناصر الثقافية والاجتماعية ـ التي تمكنت من التأثير على اللغة ـ مجالٌ للحضور والظهور في النص؛ لأنّ كلَّ كاتبٍ أو متكلِّمٍ يعمل على توظيف اللغة بوصفها وسيلةً وأداةً لانتقال الخطاب والمعنى المقصود له، وإذا كانت اللغة تعاني من بعض المحدوديات والمقتضيات والتبعات القيَميّة الخاصة، فإنّ هذه المحدوديات والاقتضاءات سوف تنعكس لا محالة على النصِّ أيضًا.

إنّ التفسير المفرِط في تأثير الثقافة والأعراف الاجتماعية على النصوص يرى أنّ كلَّ نصٍّ ما هو إلا انعكاسٌ للعلاقات الثقافية والعقائد السائدة في العصر التاريخي لحدوث النص، وإنّ كاتب النص يجب أنْ يكون معتقدًا بهذه الأعراف ومتماهيًا مع ثقافة عصره، بحيث إن النص لا يعدو أنْ يكون ثمرةً ونتاجًا ثقافيًّا لعصره. يتّضح من تضاعيف كلمات نصر حامد أبو زيد أنّه يميل إلى هذا الاتجاه المتطرّف. من ذلك أنه يقول في بعض كتبه:

«الواقع إذًا هو الأصل ولا سبيل لإهداره، من الواقع تكوّن النص، ومن لغته وثقافته صيغت مفاهيمه، ومن خلال حركته بفعالية البشر تتجدد دلالته، فالواقع أوّلًا والواقع ثانيًا والواقع أخيرًا»[1].

وقال في موضعٍ آخرَ:

«إذا كانت النصوصُ الدينيةُ نصوصًا بشريّةً بحكم انتمائها للغة والثقافة في فترةٍ تاريخيةٍ محدَّدةٍ، وهي فترة تشكُّلها وإنتاجها، فهي بالضرورة نصوصٌ تاريخيةٌ، بمعنى أنّ دلالتها لا تنفكّ عن النظام

(219)

اللغوي الثقافي الذي تُعدُّ جزءًا منه. من هذه الزاوية تمثّل اللغة ومحيطها الثقافي مرجع التفسير والتأويل»[1].

وهكذا نلاحظ أنّه، في هذا التقرير المتطرّف لدور الثقافة والمجتمع في العلاقات المفهومية للنص، يتم الحديث عن نقل القانون والمحور المفهومي من المؤلف والنص إلى الحقائق والواقعيات الثقافية/ التاريخية لعصر صدور النص، وتصبح دلالة النص تابع من متغير التحولات الثقافية والاجتماعية. وعلى حدّ تعبير نصر حامد فإنّ هذه الواقعية الثقافية والاجتماعية هي التي تبلور أول وآخر كلِّ نصٍّ. إنّ هذا التقرير المتطرّف يفتقر إلى أيِّ دلالةٍ تُبرّره.

الإشكال الآخر في هذا التقرير أنّه لم يبيّنْ ضابطةً لحدود تأثير العناصر التاريخية والثقافية. من ذلك على سبيل المثال أنّ نصر حامد أبو زيد يعمد إلى بعض العناصر الواردة في القرآن الكريم ـ من قبيل: السحر والحسد والربا والرق والجن والشيطان ـ بشكلٍ انتقائيٍّ، ويرى فيها انعكاسًا للعناصر والحقائق الثقافية لعصر نزول الوحي، في حين أنّ هناك عناصرَ أخرى في دائرة معتقدات الناس في ذلك العصر، فلِمَ لم يعدّها من هذا القبيل أيضًا؟ من ذلك مثلًا أن مفاهيم من قبيل: الله والرب والعبادة والعبودية هي بدورها من الأمور التي كانت شائعة بين الناس في عصر النبي الأكرم صلى الله عليه وآله أيضًا. يكشف القرآن الكريم عن حقيقة أنّ سُكّان الحجاز والمشركين المعاصرين للنبي صلى الله عليه وآله كانوا يعتقدون بالله خالقًا للسماوات والأرض، ومن ذلك قوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) [2]، وإنما كانت مشكلتهم تكمن في الشرك في الربوبية. وعليه

(220)

فإنّ هؤلاء كانوا مؤمنين بأصل الربوبية وأنّ أمور العالم بأجمعها ابتداءً من الإنسان وصولًا إلى سائر الكائنات والظواهر المشهودة في الحياة تقع تحت قيمومة وربوبية الله، وإن كانوا قد اُبْتُلُوا بالقول بتعدد الأرباب والشرك في الربوبية، ولم يكونوا يعتقدون بانحصار الربوبية في الله سبحانه وتعالى. وعليه هل يصحّ القول: إنّ وجود مفاهيم من قبيل: الله بوصفه خالق الكون، ومقولة الربوبية والمربوبية في القرآن الكريم، ناشئةٌ عن انعكاس ثقافة عصر النزول على النص الديني، كما هو حال المفردات المتقدمة الأخرى، من قبيل: الجن والشيطان أيضًا؟!

ب ـ إن القول ببشرية وتاريخية الوحي ـ طبقًا للتقرير الذي يريده نصر حامد أبو زيد ـ يشتمل على محاذيرَ كلاميةٍ واضحةٍ يشهد العقل والنقل على بعدم صوابيّتها. ومن بين أهم المحاذير المترتبة على كلام نصر حامد أبو زيد لزوم تسلّل الأمور الباطلة والخاطئة إلى القرآن الكريم، في حين أنّ الله سبحانه وتعالى يقول في محكم كتابه الكريم: (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ)[1]، وبذلك ينزّه ساحة القرآن صراحة من تسلّل جميع أنواع الباطل. يُضاف إلى ذلك أنّ العقل يحكم بأنّ صدور الكذب والباطل من ناحية الله مخالفٌ لحكمته.

المحذور الآخر هو أنّ الإصرار على القول بأنّ القرآن الكريم منتَجٌ ثقافيٌّ، وأنّ الواقعية الثقافية والاجتماعية هي أوّلُ وآخرُ النص الديني، لا ينسجم مع الاعتقاد بالوجود السابق وما قبل اللفظي للوحي القرآني، وإنّ نصر حامد أبو زيد على الرغم من إيمانه واعتقاده بالمنشأ الإلهي للقرآن، يُنكر أيَّ وجودٍ سابقٍ للقرآن، ولا يؤمن بالمفهوم الاعتقادي القائل بأنّ القرآن الذي نزل وحيًا على النبي الأكرم (ص) ذو مراتبَ وجوديةٍ عليا وروحانيةٍ، وأنّ ما نزل على قلب النبي إنما هو نتيجة

(221)

التنزل من تلك المراتب الوجودية. وفي ذلك يقول نصر حامد أبو زيد:

«إنّ النص [القرآني] في حقيقته وجوهره منتَجٌ ثقافيٌّ. والمقصود بذلك أنّه تشكّل في الواقع والثقافة خلال فترة تزيد على العشرين عامًا. وإذا كانت هذه الحقيقة تبدو بديهيةً ومُتَّفقًا عليها، فإنّ الإيمان بوجودٍ ميتافيزيقيٍّ سابقٍ للنص يعود ليطمس هذه الحقيقة البديهية ويعكّر إمكانية الفهم العلمي لظاهرة النص. إنّ الإيمان بالمصدر الإلهي للنص، ومن ثمّ إمكانية أيِّ وجودٍ سابقٍ لوجوده العيني في الواقع والثقافة، أمرٌ لا يتعارض مع تحليل النص من خلال فهم الثقافة التي ينتمي إليها»[1].

هناك من الآيات القرآنية ما يكشف عن هذه الحقيقة صراحةً؛ إذْ يقول أنّ القرآن النازل له أصلٌ ومرتبةٌ وجوديةٌ عاليةٌ وساميةٌ، وهي من حيث الرتبة والمنزلة متقدمةٌ وسابقةٌ على القرآن الملفوظ والنازل بالتدريج، ومن ذلك قوله تعالى:

ـ (إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ)[2].

ـ (بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ) [3].

ـ (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ) [4].

(222)

ومن الناحية العقلية قد ثبت في محله أيضًا أنّ لكلٍّ وجودٍ في نشأة المادة مراتبَ وجوديةً أعلى وأسمى في عالم المثال والعقل والوجود الأسمائي، ويتم التعبير عنها بتطابق عوالم الوجود. وطبقًا لهذا المبنى العقلي هناك للقرآن بدوره مراتبُ ووجوداتٌ أسمى وأعلى يمكن تصوُّرها، وهي التي تشكّل الحقائق المتعالية للقرآن النازل. وعلى كلِّ حالٍ فإنّ الادّعاء القائل بأنّ القرآن الكريم بأسره عبارةٌ عن منتَجٍ للأحداث والوقائع الثقافية والاجتماعية لعصر النزول وليس له أيُّ هويةٍ سابقةٍ، مخالفٌ لصريح العقل والنقل.

ج ـ أشرنا إلى أنّ المشروع الأصلي لنصر حامد أبو زيد يتمثل في الدراسة والقراءة العلمية/ التاريخية للنصوص الدينية. ومراده من ذلك أننا إذا اعترفنا ببشرية وتاريخية النص الديني نصل إلى هذا الاعتقاد القائل بأنّ المعنى الأصلي للنص الديني يستند إلى الحقائق الثقافية والاجتماعية لعصر النزول؛ ومن هنا يكون له طابعٌ تاريخيٌّ محصورٌ ضمن إطار الحقائق الثقافية واللغوية لعصره. وعلى هذا الأساس فإنّنا في العصر الراهن حيث نعيش حقائقَ ثقافةٍ واجتماعيةٍ مختلفةٍ عن عصر حدوث النص الديني، من الضروري أنْ نعمل على تطبيق النص الديني على حقائق الثقافية/ الاجتماعية لعصرنا، وبدلًا من الاكتفاء بالمعنى الأصلي والتاريخي للنص يجب أنْ نبحث عن مغزى النص، وأنْ نصل إلى هذا المغزى من خلال تأويل دلالات النص مجازيًّا. وقد صرّح نصر حامد أبو زيد بأنّه قد اقتبس فكرة الفصل بين المعنى والمغزى عن إريك هيرش، من الصفحات الأولى من كتابه صحّة التفسير[1].

وفي ما يتعلق بهذه المسألة هناك انتقادان يَرِد أحدهما على تصويره وفهمه

(223)

لكلام إريك هيرش، ويرد الانتقاد الثاني على أصل مشروع الوصول إلى المغزى من طريق التأويل المجازي. والنقطة الأولى هي أنّ فصل نصر حامد أبو زيد بين المعنى والمغزى لا يتناسب أبدًا مع فصل هيرش بين المعنى[1] وبين “المعنى من أجل” أو “المعنى بالنسبة إلى”[2]. إنّ ما يتحدث عنه إريك هيرش تحت عنوان المعنى أو المعنى اللفظي[3]، يتعيّن على محور قصد ونيّة المؤلف، وهو أمرٌ ثابتٌ وغيرُ قابلٍ للتغيير، ولا يرتبط بأيِّ وشيجةٍ بالأمور الكامنة وراء قصد المؤلف، في حين أنّه لا يتمّ في تصوّر نصر حامد أبو زيد لـ المعنى[4] أيُّ سهمٍ لقصد المؤلِّف، وهو يعمل ـ في نقطة نظرٍ مختلفةٍ ومغايرةٍ تمامَ المغايرة لما يراه إريك هيرش ـ على جعل المحورية للحقائق الاجتماعية والنسيج الثقافي وكذلك لفهم المعاصرين للنص. ولكي يتضح هذا الاختلاف نسترعي انتباه القارئ إلى تعريف نصر حامد أبو زيد لـ المعنى؛ إذْ يقول:

المعنى يمثل المفهوم المباشر لمنطوق النصوص الناتج عن تحليل بنيتها اللغوية في سياقها الثقافي، وهو المفهوم الذي يستنبطه المعاصرون للنص من منطوقه. وبعبارةٍ أخرى يمكن القول: إنّ المعنى يمثّل الدلالة التاريخية للنصوص في سياق تكوّنها وتشكلها[5].

إنّ المعنى من وجهة نظر إريك هيرش ثابتٌ وغيرُ متحرّكٍ؛ وذلك لكونه متعلقَ قصدِ ونيّةِ المؤلف في لحظة إبداع وإيجاد النص، وأما في رؤية نصر حامد أبو

(224)

زيد فإنّ المعنى أمرٌ متحركٌ وغيرُ ثابتٍ؛ لأنّ الدلالة المفهومية للنص قد ارتبطت بدلالاتٍ تبلورت وتشكّلت على أساس الحقائق الثقافية والاجتماعية. وعلى هذا الأساس فإنّه مع تغيُّر الأوضاع الثقافية والاجتماعية يتغيّر مدلول ومضمون هذه الدلالات أيضًا. وعلى كلِّ حالٍ من الواضح أنّ فهم إريك هيرش يختلف تمام الاختلاف عن فهم نصر حامد أبو زيد للمعنى.

الأمر الثاني: إن فهم نصر حامد أبو زيد لـ المغزى لا يتناسب بدوره مع فهم إريك هيرش لـ “المعنى لـ” أو «بالنسبة إلى”؛ لأنّ هيرش يرى أنّ جميع الأمور التي تتحقّق بشأن معنى النص بعد الفراغ من مفهوم النص المعنى المراد للمؤلف ابتداءً من النقد والتقييم وصولًا إلى تغيير موقف الكاتب من نصه السابق، تقع في دائرة “المعنى لـ” أو «بالنسبة إلى”، كما أنّ أمورًا من قبيل: استنطاق النص وتطبيق معناه على الوضع الجديد بدورها تمثل جزءًا من “المعنى لـ” أو “بالنسبة إلى”. وأما الفحوى أو المغزى عند نصر حامد أبو زيد، فهو ليس شيئًا حول المعنى أو مقارنةَ نسبةٍ بين المعنى وأمرٍ من خارجه، بل المغزى هو الهدف والغاية من قراءة النص. يضطلع المفسّر والذي يعمل على تأويل النصّ بأمرين، وهما أوّلًا: كشف المعنى الذي هو العودة إلى الأصل والمعنى التاريخي للنص، والآخر: الوصول إلى المغزى الذي يمثّل الهدف والغاية النهائية من قراءة النص. وخلافًا لـ إريك هيرش ـ الذي يرى “المعنى لـ” أو “بالنسبة إلى” مسبوقًا بـ “المعنى”، والذي يمكن بلوغه بعد الفراغ من تعيين المعنى ـ لا يذهب نصر حامد أبو زيد إلى الاعتقاد بهذا التقدّم والتأخر، ويرى أنّ بين هذين الأمرين علاقةً جدليةً ذاتَ طرفين، بل يرى أنّه حتى اكتشاف المعنى حركةٌ تبدأ من المغزى، حيث يقول في هذا الشأن:

(225)

يمثل اكتشاف الدلالة العودة والرجوع إلى الأصل، في حين يمثل الوصول إلى المغزى الهدف والغاية من فعل القراءة.. ومعنى ذلك أن التأويل حركة متكررة بين بُعدي الأصل والغاية أو بين الدلالة والمغزى، حركة بندولية وليست حركة في اتجاه واحد. إنها حركة تبدأ من الواقع/ المغزى لاكتشاف دلالة النص/ الماضي، ثمّ تعود الدلالة لتأسيس المغزى وتعديل نقطة البداية، وبدون هذه الحركة البندولية بين المغزى والدلالة يتبدد كلاهما وتتباعد القراءة عن أفق التأويل لتقع في وهدة التلوين.. ومن الضروري هنا التأكيد على أن المغزى الذي يمثل نقطة البدء في القراءة، مغزى افتراضي جنيني قابل للتعديل أو النفي أو الإثبات، طبقاً لما تنتجه القراءة من دلالة[1].

إنّ مشكلتنا مع المغزى المنشود لنصر حامد أبو زيد تكمن في أنّه يؤدّي إلى نوعٍ من التفسير الزئبقي والنسبي؛ وذلك لأنّه أوّلًا يسمح للقارئ أنْ يتوسّع في معنى النص، ويحرِّرَه من الدلالة التاريخية المصوَّرة ضمن نطاق الحقائق الثقافية واللغوية لعصر نزول وتكوين النص، وثانيًا يسمح للقارئ بأنْ يُقْدم على تأويل تلك الدلالات اللغوية القابلة للتوسعة والتأويل على أساس الحقائق والواقعيات الثقافية والاجتماعية لعصره، والحصول على قراءةٍ عصريةٍ للنص يُطلق عليها مصطلح مفهوم النص. وعليه فإن مفهوم النص يكون متحوِّلًا ومتغيِّرًا بحسب القارئ وبحسب انتماءاته الثقافية والتاريخية، وكذلك بحسب تطوّر اللغة. في هذا التقرير عن المغزى لا يمكن لنا أنْ ننسب إلى الله أو إلى صاحب النص الديني ما يعتبر من المغزى والمفهوم النهائي بأيِّ ميزانٍ أو معيارٍ. إنّ المراد والقصد ـ في ما يتعلق بالتعاطي

(226)

المفهومي مع النص في الأجواء الدينية والإيمانية في الحد الأدنى ـ هو الوصول إلى مراد المتكلم بالكلام والنص الديني، في حين أنه طبقًا لتقرير نصر حامد أبو زيد، لا يكون المغزى سوى التطبيق التأويلي للنص على الحقائق الثقافية لعصر القرّاء المتنوعين والمتعددين على مسرح التحوّلات والتغيّرات التاريخية، وإنّ إصرار أبو زيد على وجوب التعاطي بين المغزى والمعنى وعدم ابتعاد التأويل الكاشف عن المغزى عن المعنى الأصلي والتاريخي، لا يحل مشكلة الانتساب، ولا يثبت ما هو السبب الذي يجعل مثل هذا المغزى قابلًا للانتساب إلى الله سبحانه وتعالى.

د ـ ومن الأمور العجيبة والغريبة جدًّا في كلام نصر حامد أبو زيد تأكيده على عدم الوجود الخارجي والحقيقي لأمورٍ من قبيل: السحر والجن والشياطين والحسد والتعويذات وما إلى ذلك مما ورد في صريح القرآن الكريم، واعتبار هذه الأمور قد تسللت إلى القرآن الكريم بسبب اعتقاد الناس بها في عصر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، ومن هنا يُفتي بأنّ جميع الآيات الدالة على هذه الأمور تَندرج ضمن دائرة الشواهد التاريخية وتنتمي إلى الماضي، ولا تحمل أيَّ دلالةٍ إلى الإنسان المعاصر المبتعد كل البعد عن هذه المعتقدات، ولا يمكنه الاستفادة من هذه النصوص الدينية على مستوى المغزى والمفهوم حتى في إطار التأويل المجازي[1].

إنّ هذا الكلام ضعيفٌ وغيرُ وجيهٍ من الناحية المنطقية لسببين:

السبب الأول: أنه لا يُقدِّم أيَّ دليلٍ على عدم واقعية هذه الأمور، وإذا أراد شخصٌ أنْ يستند إلى غلبة النزعة التجريبية والقول بالاتجاه الوضعي والاعتماد على التجربة والإحساس في الإيمان والاعتقاد بوجود الكائنات والحقائق، فلن يكون عاجزًا عن إثبات هذه الأمور فحسب، بل سيعجز حتى عن إثبات جميع الكائنات

(227)

غير المادية من قبيل: الله والملائكة والجنة والنار والحياة بعد الموت ومطلق الغيب في قبال الشهادة، ولا يبقى أمامه سوى إنكارها وتخطئتها. هذا بالإضافة إلى أنّ الحسّ والتجربة والمعطيات العلمية المستندة إليها، لا تمتلك منطق الحصر، ولا تستطيع نفي أو إنكار الوجودات والروابط العينية الكامنة وراء التجربة. ومن هنا فإنّ اكتشاف الروابط والعلاقات التجريبية بين الظواهر المادية لا يمكن لها أنْ تنفيَ تأثير العناصر غير المادية من قبيل: الدعاء والمعجزة والإرادة الإلهية في أحداث العالم المادي.

والإشكال المنطقي الآخر أنّه في الأساس لا اعتقادُ جماعة من الأشخاص، ولا تغييرُ هذا الاعتقاد من قبل جماعة أخرى، يمكنه أن يكون معيارًا وملاكًا لإثبات الوجود العيني أو نفي الواقعية والوجود العيني لشيءٍ ما. فلا اعتقادُ الناس في عصرٍ بالأمور غيرِ المحسوسة من قبيل: الجن أو الشياطين، يمثّل شاهدًا على واقعية هذه الأمور، ولا إنكارُ شريحةٍ واسعةٍ من المتحضّرين الغربيين لهذه الأمور يشكّل دليلًا منطقيًّا على عدم واقعية هذه الكائنات. وعليه فمن العجيب والمستغرَب أنْ يُبادر نصر حامد أبو زيد إلى الحكم بضرسٍ قاطعٍ وبشكلٍ غيرِ منطقيٍّ ـ مع وجود كل هذه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وغير النبوية ـ إلى إنكار وجود هذه الأمور! وكأنه يغفل عن هذه الحقيقة وهي أنّ المجتمع المشرك في شبه الجزيرة العربية قبل عصر نزول القرآن كان مسبوقًا بحضور الأديان التوحيدية الإبراهيمية، وأنّ بعض معتقداتهم تعود جذورها إلى التعاليم الإلهية والتوحيدية. كما أشار الكثيرون إلى أن المفاهيم المحورية من قبيل: الله والنبي والقيامة والجنة والجحيم والملك والجن والشفاعة والتقوى والكرامة والكفر والإسلام والإيمان والوحي والغيب والدنيا والآخرة ويوم الحساب، وبعض مصطلحات الفقه الإسلامي، كانت

(228)

معروفةً ومعهودةً بالنسبة إلى العرب في عصر نزول الوحي[1]، ولا يكمن هذا الأمر في تأثّر القرآن بثقافة عصره، وإنما يعود سبب ذلك إلى تجذّر الأديان التوحيدية في تلك المناطق، وإلى أنّ القرآن إنما نزل بوصفه استمرارًا لنبوات سائر الأنبياء في الأديان التوحيدية.

هـ ـ قدّم نصر حامد أبو زيد في بعض عباراته تصويرًا خاطئًا عن نتائج الاعتقاد بألوهية النص الديني وغير بشريته. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ قوله:

إنّ القول بإلهية النصوص والإصرار على طبيعتها الإلهية تلك، يستلزم أنّ البشر عاجزون بمناهجهم عن فهمها ما لم تتدخّل العناية الإلهية بوهب بعض البشر طاقاتٍ خاصةً تمكّنهم من الفهم، وهذا بالضبط ما يقوله المتصوّفة. وهكذا تتحول النصوص الدينية إلى نصوصٍ مستغلِقةٍ على فهم الإنسان العادي... وهكذا يبدو وكأنّ الله يكلم نفسه ويناجي ذاته، وتنتفي عن النصوص الدينية صفات الرسالة والبلاغ والهداية والنور[2].

لا يخفى على المطّلعين على أبحاث العرفاء والعلماء البارزين من المسلمين، أنهم ـ من خلال قولهم بإلهية القرآن واشتماله على هويةٍ متعاليةٍ سابقةٍ، وتَنزُّل الحقيقة القرآنية من المراتب الوجودية العالية واشتماله على بطونٍ ـ لا يذهبون إلى القول بأنّه كتابٌ مغلَقٌ ولا يمكن لعامة الناس أنْ يفهموا ظواهر القرآن. إنما الذي يؤكدون عليه هو عدم تمكّن الناس العاديين من بلوغ الحقائق الباطنية والمراتب الفوقانية لحقيقة القرآن. من ذلك أن العلامة الطباطبائي ـ وهو من

(229)

العرفاء القائلين بوجود حقائقَ باطنيةٍ للقرآن الكريم ـ يقول حول إمكان فهم القرآن من قبل عامة الناس:

ـ إن القرآن مما يناله الفهم العادي[1].

ـ إن القرآن يذكر صراحة أنه إنما يخاطب الناس ويكلمهم ببيان يقرب من أفق عقولهم[2].

وفي الختام لا بدّ من التذكير بأنّ تقرير نصر حامد أبو زيد ليس هو التقرير الوحيد الممكن لبيان تاريخية النص، ولا ما قيل في مقام نقد كلامه هو النقد الأوحد الذي يمكن إيراده على نظريته. وقد آثرنا الإعراض عن ذكر بعض الانتقادات الأخرى بشأن تحليل نصر حامد أبو زيد لتاريخية القرآن الكريم رعايةً للاختصار، على أمل أنْ ينتفع المحقِّقون بهذا المقال المختصر.

النتيجة

ليس هناك نصٌّ يولد في الفراغ، وعليه فإن أيَّ نصٍّ تكون له ـ بطبيعة الحال ـ نظرةٌ مباشرةٌ أو غير مباشرةٌ على الحقائق الثقافية والاجتماعية لعصره. إنّ تأثير الحقائق الثقافية لعصر ظهور النص على محتوى الأثر ممكنٌ سواءً بواسطة اللغة وحضور بعض العناصر الثقافية في نسيج اللغة، أو بواسطة تأثّر عقائد وتوجهات المؤلف بالمقتضيات الثقافية والاجتماعية لعصره.

وفي ما يتعلّق بالنص الوحياني توجد هذه المسألةُ أيضًا، حيث يُنظر من بعض

(230)

الوجوه إلى الأحداث والحقائق الثقافية/ الاجتماعية لعصر النزول؛ لأنها إنما نزلت لغرض الهداية والإرشاد والتربية الإلهية للمخاطَبين. إذا لا يمكن للنص أن يحاور المخاطَبين بعيدًا عن المسائل والمواقف الثقافية والاجتماعية ومع ذلك يكون هاديًا لهم. بيد أنّ هذا الاهتمام بالمسائل العينية لعصر النزول ليس بحيث يتحول القرآن الكريم إلى منتَجٍ ثقافيٍّ أو نصٍّ تاريخيٍّ، بحيث يكون أوّلًا حبيس مقتضيات ذلك العصر والتاريخ، ولا يكون قابلًا للتطبيق على العصور الأخرى، وثانيًا تتسلل المضامين الباطلة والخاطئة المنبثقة عن الجهل والتخلف الثقافي لذلك العصر إلى النص والجوهر الروحاني للقرآن الكريم.

لقد ذهب نصر حامد أبو زيد ـ من خلال تقديمه تحليلًا خاطئًا عن تاريخية النص القرآني ـ إلى القول من الناحية العملية بأنّ القرآن الكريم منتَجٌ ثقافيٌّ لعصر النزول، ويرتب عليه المحذوريْن المذكورَيْن آنفًا، وهو ما عملنا على نقده ومناقشته في هذه المقالة.

إنّ القرآن الكريم على الرغم من اهتمامه بمسائل وأحداث عصر النزول لم يكن متأثِّرًا أو منفعلًا بالعناصر الباطلة لذلك العصر على المستوى الاجتماعي والثقافي أبدًا، بل لقد اتخذ بإزائها موقف الفاعلِ غيرِ المنفعل، وسعى إلى إماتة المضامين الباطلة وإحياء المضامين الصحيحة والحقّة منها.

المصادر

1. واعظي، أحمد 1386 هـ ش،  درآمدي بر هرمنيوتيك مدخل إلى الهرمنيطيقا، قم: پژوهشگاه فرهنگ وانديشه اسلامي، ط 5.

2. باربور، إيان، 1362 هـ ش، علم ودين العلم والدين، ترجمه إلى اللغة الفارسية: بهاء الدين خرمشاهي، طهران: مركز نشر دانشگاهي.

3. الطباطبائي، السيد محمد حسين، 1430 هـ، الميزان في تفسير القرآن، ج 5، قم: نشر جامعة المدرسين في الحوزة العلمية بقم.

(231)

4. جليلي، سيد هداية الله، 1373 هـ ش،  وحي در همزباني با بشر وهم لساني با قوم الوحي في التماهي مع البشر واستعمال لغتهم، مجلة كيان، العدد: 23. مصدر فارسي.

5. فارد، غولن، 1384 هـ ش، پست مدرنيسم ما بعد الحداثة، ترجمه إلى اللغة الفارسية: علي مرشدي زاده، طهران: نشر قصيده سرا.

6. أبو زيد، نصر حامد، 1380 هـ ش، معناي متن: پژوهشي در علوم قرآن مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن، ترجمه إلى اللغة الفارسية: مرتضى كريمي نيا، طهران، طرح نو.

7. أبو زيد، نصر حامد، 1994 م، مفهوم النص، بيروت: المركز الثقافي العربي، ط 2.

8. أبو زيد، نصر حامد، 1992 م، نقد الخطاب الديني، القاهرة: سينا للنشر،

9. Gdamer Hans, Truth and Method, Caontinuum, P. 302.

10. Gorndin Jean, 1999, Introduction to Philosophical Hermeneutics, Yale University press.

11. Osborne Grant, 1991, The Hermeneutical Spiral, Intervasity Press.

(232)

ماهیة الوحي والقرآن الکریم[1]

عبد الله نصري[2]

 

 ملخّص

الباحث المصري نصر حامد أبو زيد تبنّى في أواخر حياته رؤيةً تختلف عمّا كان يتبنّاه سابقًا حول الوحي والقرآن الكريم، وفي هذا السياق أكّد على أنّ القرآن ليس كلامًا لله تعالى، وإنّما هو كلامٌ صدر من لسان النبي محمّد صلى الله عليه وآله وهو غيرُ مصونٍ من الخطأ، حيث تضمّن إجاباتٍ عن الأسئلة والاستفسارات التي كانت متداولةً بين الناس في تلك الحقبة من الزمن.

إذًا، القرآن الكريم برأيه مجرّدُ أقوالٍ على لسان النبي صلى الله عليه وآله

(233)

بهدف مواجهة عرب الجاهلية، لذا فالنصّ القرآني هو عبارةٌ عن روايةٍ بادر راويها إلى تفسيرها وبيان دلالاتها؛ وهو ليس نصًّا موحَّدًا ومنسجمًا، بل يتضمّن مجموعةً من الأقوال.

القرآن الكريم بحسب هذه النظرية ليس سوى ثمرةٍ للعلاقة الجدلية بين النبي صلى الله عليه وآله وشتّى الأحداث الاجتماعية التي واجهها، وفيه تساؤلاتٌ وإجاباتٌ تمّ تداولها بينه وبين أعراب الجاهلية؛ فمجمل هذه الأمور كان لها دورٌ في ظهوره على هيئته المعهودة.

وقال أنّه بما أنّ نظرية النصّ اللغوي تؤكّد على تأثير الظروف العامّة في عملية البيان، فلا بدّ عندئذٍ من الإذعان إلى أنّ النبي بادر إلى استبدال بعض المواضيع بأخرى وتغيير آرائه على مرّ الزمان، من خلال صَقْلها وتشديبها من شتّى النواحي.

القرآن برأيه عبارةٌ عن نصٍّ متناثرٍ يمكن تبرير الاختلافات الكائنة فيه وإزالة التضادّ المشهود في أحكامه، لأنّ كلّ كلامٍ عادةً ما يُذكر تناسبًا مع الظروف والمقتضيات البيئية ويوجّه لفئةٍ اجتماعيةٍ خاصّةٍ.

الجدير بالذكر هنا أنّ القرآن وفق هذه النظرية لا يمكن اعتباره نصًّا معتمدًا في التقنين، لذا ليس من شأنه طرح مجموعةٍ من الأحكام الثابتة.

تطرّق الباحث في هذه المقالة إلى بيان نظرية نصر حامد أبو زيد في إطارٍ تحليليٍّ نقديٍّ، حيث ذكر الأسباب التي دعته إلى تبنّيها وأهمّ نقاط ضعفها.

(234)

مقدمة

نظرية نصر حامد أبو زيد على صعيد الوحي القرآني تبلورت في مرحلتين أساسيتين كما يلي:

المرحلة الأولى: الفترة التي دوّن فيها كتابا مفهوم النصّ: دراسة في علوم القرآن ونقد الخطاب الديني، وحينها صدرت فتوًى بتكفيره ثمّ نُفي إلى هولندا.

المرحلة الثانية: الحوارات التي دارت بينه وبين الصحفية هلال سيزجين في عام 2007م والتي طُبعت بعد عامٍ في كتابٍ مستقلٍّ باللغة الألمانية.

في السنة الأخيرة من حياته، أي في عام 2010م جمع آراءَه ضمن كتابٍ مستقلٍّ نشره تحت عنوان التجديد والتحريم والتأويل بين المعرفة العلمية والخوف من التكفير، وفي العهد الأوّل من حياته الفكرية اعتبر الوحي إلهامًا ربانيًّا عاريًا من كلّ طابعٍ لغويٍّ، والنبي بدوره لـمّا يتلقّى معانيه من جبرائيل يقوم بصياغتها في إطارٍ لغويٍّ.[1] أبو زيد خلال هذه المرحلة من حياته اعتبر القرآن الكريم نصًّا ثقافيًّا له ارتباطٌ جدليٌّ بالواقع بحيث يتأثّر به ويؤثّر عليه، لذلك انعكست فيه بعض معتقدات عرب الجاهلية مثل الجنّ والشيطان والسحر.[2]

وفي المرحلة الثانية من حياته الفكرية تبنّى رأيًا جديدًا حول الوحي والقرآن الكريم، وهو محور البحث في هذه المقالة.

(235)

إنكار كلام الله تعالى

الباحث المصري نصر حامد أبو زيد تبنّى رأيًا مثيرًا للجدل في أواخر حياته بادّعاء أنّ القرآن الكريم ليس كلام الله تعالى، حيث طرح هذه الفكرة ضمن أقوالٍ عديدةٍ منها: «حتّى جبرئيل باعتباره رسولًا لم ينطق باللغة العربية، ويدل القرآن على أنّ ما جاء به مجرّد إلهامٍ وليس وحيًا لغويًّا».[1] هذا الكلام يدلّ على أنّ النبي قد استعرض للناس إلهاماته وتجاربه الروحية في إطار ألفاظٍ عربيةٍ.

وأنكر في موضعٍ آخرَ الطابع اللغوي للوحي قائلًا: «نستدلّ من السنّة أنّ ما تلقّاه محمّدصلى الله عليه وآلهليس إلهامًا لغويًّا، وإنّما مجرّد وحيٍ أو إلهامٍ».[2]

إذًا، نستشفّ ممّا ذكر أنّه تنزّل بمكانة الوحي إلى مستوى الإلهامات والتجارب الشخصية، وفي سياقٍ مشابهٍ اعتبر القرآن الكريم نتيجةً للوحي وليس وحيًا بحدّ ذاته، حيث قال:

«أعتقد أنّنا لو اعتبرنا القرآن نتيجةً للوحي وليس كلاماً لله، فنحن بهذا الرأي لا نقلّل من شأن الوحي ولا نبوّة محمّد».[3]

كما أكّد على أنّ القرآن الكريم مجردُ خطابٍ وجّهه النبي صلى الله عليه وآله لمخاطبيه، وقال في هذا الصدد:

«أؤكّد لكم بأنّ القرآن هو حاصلُ خطابٍ موجّه لفئةٍ خاصّةٍ طوال

(236)

سنواتٍ متماديةٍ، حيث أشار مرارًا إلى أوضاعهم المعيشية وأجاب عن تساؤلاتهم وردّ على اعتراضاتهم».[1]

علماء الكلام والعقائد المسلمون كانوا عرضةً للنقد من قِبله أيضًا، فقد اعترض على اعتقادهم بكون القرآن الكريم كلام الله تعالى،[2] وادّعى أنّه ليس كذلك، بل هو مجرّد انعكاسٌ لكلام الله. وفي هذا المضمار خلط بين كلام الله التكويني والتشريعي، فذكر في باكورة بحثه الآيتين التاليتين:

- (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).[3]

- (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا) [4]

ثمّ تطرّق إلى تحليلهما قائلًا:

«كلا الآيتين تصرّح بأنّ كلام الله لا يقتصر على القرآن، فهو كلامٌ لا يتوقّف عند هذا الكتاب، إذ من الممكن نسخه خلال ساعاتٍ أو أيامٍ دون الحاجة إلى بحرٍ من الحبر».[5]

هذا الكلام يدلّ بوضوحٍ على أنّه خلط بين الكلام التكويني لله تعالى والمتمثّل

(237)

في كائنات عالم الخلقة، وبين كلامه اللغوي وتصوّر أنّ الآيتين تتحدّثان أيضًا عن الكلام التشريعي.

وفي حواره مع أكبر كنجي أعلن بصراحةٍ أنّ القرآن هو كلام النبي وليس كلام الله، حيث ادّعى أنّه عبارةٌ عن إخبارٍ لتجربته مع الله، لذلك قال:

«حتّى ورق هذا الكتاب مقدّسٌ لدى المؤمنين، ولكنّه بالنسبة لي باعتباري باحثًا مجرّد كتابٍ ساهم عددٌ من الناس في تدوينه؛ فأنا لم أجد ما يدلّ على تلقّي محمد صلى الله عليه وآله أيّة كلمةٍ من الله، وأنا بصفتي مسلماً لا أجد سوى أخبارٍ جاء بها محمّد بخصوص تجربته مع الله، لذا بإمكاننا إقناع المسلمين بأنّه كتاب محمّدٍ، فهو كلامٌ بشريٌّ على غرار كلامنا. لقد ادّعى أنّه تلقّى الوحي من الله ونحن بدورنا آمنّا به، لكن ليس بين أيدنا سوى كلامه؛ لذا ما لدينا اليوم هو نتاجٌ بشريٌّ».[1]

وأضاف في هذا السياق قائلًا:

«لو أنّ القرآن كلامٌ لله بمعناه الظاهر الدقيق ففي هذه الحالة لم يبادر محمّد إلى فعل أيِّ شيءٍ يذكر»[2].

أي أنّه لو كان يتلقّى كلام الله ويبلّغه للناس فقط، فهو لم ينجز عملًا جبارًا، وباعتباره مخاطَبًا في كلام الله فقد كان دخيلًا في الوحي من نواحٍ عديدةٍ وهذا الأمر وازعٌ لتغيير تصوّرنا في ما يخصّ مدلول كلام الله.  وفي آخر تأليفٍ له وصف

(238)

الوحي بأنّه تجربةٌ أحد طرفيها الله تعالى والطرف الآخر النبي محمّد صلى الله عليه وآله على ضوء ارتباطٍ عموديٍّ، وقال في هذا السياق:

«هذا الارتباط تحقّق مرارًا طوال عشرين عامًا ونيّفًا، وتمخّضت عنه مجموعةٌ من العبارات اللغوية التي طرحت على هيئة مجموعةٍ من الآيات القصيرة».[1]

 وفي الحين ذاته أكّد على وجود عناصرَ أساسيةٍ تتقوّم بالبنية العمودية لعملية الوحي، والمسائل التي أشرنا إليها تحكي عن مقصوده من العناصر الأساسية التي أشار إليها في هذا الكلام، لذا لا يمكن للباحث الاكتفاء بما ذُكر من إشاراتٍ على هذا الصعيد في كتاب التجديد والتحريم والتأويل بين المعرفة العلمية والخوف من التكفير في ما لو أراد بيان حقيقة الوحي من وجهة نظر هذا المفكّر المصري؛ والجدير بالذكر هنا أنّ آخر رأيٍ له بهذا الخصوص طرحه في كتاب محمّد وآيات الله: القرآن ومستقبل الإسلام.

القرآن كتابٌ روائيٌّ

نصر حامد أبو زيد وصف القرآن الكريم والأحاديث بالنصوص الروائية، وهو طبعًا لا يقصد من الرواية هنا السرد القصصي الذي يتمخّض عن تصوّر كاتبه، وإنّما قال ما يلي موضِّحًا وجهة نظره هذه:

«الرواية هنا تعني نقل حدثٍ شهده الراوي، والمروي ليس فيه أيّة وثاقةٍ سنديةٍ، وإنّما هو مجرّد انعكاسٍ لتجربةٍ أو خبرٍ شهدهما الراوي».[2]

(239)

لا شكّ في أنّ رواية الأحداث تُعدّ جزءًا من حياة كلّ إنسانٍ، وفي هذا المجال أكّد هذا الباحث المصري على أنّ الإنسان حينما يكرّر رواية قضيةٍ شهدها في حياته فهو لا يسردها دائمًا بذات الأحداث، ففي كلّ مرّةٍ تطرأ تغييراتٌ قليلةٌ على ما ينقله، والإنسان البالغ من العمر 65 عامًا عندما يتحدّث عمّا جرى في طفولته فهو في الواقع ليس ذلك الطفل الذي يروي تجربته، وإنّما نفسه المعاصرة هي التي تحكي تجربتها وتفسّرها من جديدٍ.[1]  أبو زيد أكّد مرارًا على أنّ الإنسان لـمّا يروي حادثةً فهو غير قادرٍ على ذكر التفاصيل بحذافيرها، بل في كلّ مرةٍ يرويها بشكلٍ مغايرٍ إلى حدٍّ ما ويفسّرها من جديدٍ؛ لذلك قال:

 «نقل روايةٍ لا يعني ذكر حدثٍ محرّفٍ أو نقل كلامٍ من صياغة ذهن الراوي، كما لا يعني أنّ ما حدث قد روي بدقّةٍ من جميع جوانبه؛ وما ذكرنا هنا عبارةٌ عن قواعدَ متعارفةٍ طوال عهودٍ مديدةٍ في علوم الآداب والتأريخ الحديث، وأوّد أنّ أنوّه هنا على سريانها في مجال الأحاديث، وطبعاً في مجال القرآن أيضًا».[2]

إذًا، استنادًا إلى ما ذكر لا يمكن اعتبار القرآن الكريم كلامًا لله عزّ وجلّ لكونه من صياغة ذهن النبي محمّد صلى الله عليه وآله باعتباره راويًا له، فهو برأي أبو زيد روى تجاربه الشخصية وفسّرها من جديدٍ، ومن هذا المنطلق تتجرّد الأخبار المروية من وثاقتها السندية. الجدير بالذكر هنا أنّه لم يستثنِ حتّى القرآن الكريم من هذه القاعدة، أي أنّه جرّد وحي السماء من وثاقته باعتبار أنّ النبي محمّد صلى الله عليه وآله لم ينقله إلى الناس بدقّةٍ، وإنّما بادر إلى نقل تجربته الشخصية في الوحي بحيث لا يمكن ادّعاء أنّ ما رواه ذات الوحي الذي تلقّاه من الله تعالى.

(240)

هذا الكلام يدلّ بوضوحٍ على أنّ النبي محمّد صلى الله عليه وآله لم ينقل تجاربه الروحية والاجتماعية بدقّةٍ، ويَرِد على ما تبنّاه في ادّعائه أنّ نقل الكلام يُسفر عن طروء تغييرٍ بسيطٍ على الحدث المروي، لكنّ هذا التغيير لا يعني تحريف الرواية عن حقيقتها؛ فهذا الادّعاء قد يصدق على النصوص البشرية فقط، أي أنّ الإنسان لو روى حدثًا بغير دقّةٍ ربّما لا يحدث خللٌ ولا تحريفٌ في روايته، إلا أنّ عدم نقل وحي السماء بدقّةٍ ليس كذلك، لذا لو تنزّلنا بالوحي إلى مستوى التجارب والإلهامات البشرية التي هي عرضةٌ للتغيير، فهذا يعني المساس بالوحي وعدم اعتباره مصونًا من التحريف.

نفي حجّية القرآن الكريم

عدم حجّية الوحي والقرآن الكريم هي من جملة المسائل التي طرحها نصر حامد أبو زيد في منظومته الفكرية، ولا ريب في كون حجّية الوحي متقوّمةً بالإيمان، لذا فإنّ الإنسانٍ الذي لديه اعتقادٌ بقدسية أحد النصوص فهو يؤمن بحجّيته؛ والحقيقة أنّ حجّية النصّ القرآني لها ارتباطٌ باعتقاد المسلمين فحسب، لذا فهو ليس بحجّةٍ بالنسبة إلى لغيرهم.

وممّا قاله في حواره مع أكبر كنجي ما يلي:

 «النصّ بحدّ ذاته ليس بحجّةٍ، فالحجّية هي ثمرةٌ لواقع العلاقة بينكم وبين النصّ، وأنا بدوري أسمّيها حجّيةً ارتباطيةً. النصّ ليس بحجّةٍ بالنسبة إلى من لا يؤمن به، وهي اعتبارٌ يجعله الإنسان للنصّ، لذا فهو يكتسب حجّيته من مفسّره».[1]

(241)

تجدر الإشارة هنا إلى أنّ هذا المفكّر المصري لا يرتضي بالوثاقة التأريخية للقرآن الكريم، لذلك قال:

«المتشرّعة هم الذين يُضفون الوثاقة إلى النصّ، وعلى هذا الأساس فالمسلمون والذين جمعوا النصّ القرآني هم فقط يعتقدون بوثاقته.»

المستشرق تسيدال[1] في كتاب مصادر القرآن[2] وعددٌ من المستشرقين الآخرين، حاولوا إثبات أنّ بعض المضامين القرآنية كانت موجودةً قبل البعثة النبوية، وبعضها مقتبسٌ من الإنجيل؛ وكذا هو الحال بالنسبة إلى نصر حامد أبو زيد، فمن منطلق اعتقاده بكون القرآن نتاجًا ثقافيًّا أكّد على تأثير المصادر القديمة عليه، وهو ما أشار إليه ضمن حواره مع أكبر كنجي والذي فنّد فيه حجّية كتاب المسلمين المقدّس ووثاقته؛ ولو أنّه في كتاب مفهوم النصّ ادّعى أنّ الله تقصّد بلورة بعض تقاليد أعراب الجاهلية في القرآن الكريم، ففي أواخر حياته قال بما أنّ هذا الكتاب عبارةٌ عن نصٍّ لغويٍّ من صياغة النبي محمّد ص، ونظرًا لكون علمه منبثقًا من ثقافة عصره، فالقرآن هو ثمرةٌ لعلومه وتعامله مع مخاطَبيه، حيث قال:

 «القرآن عبارةٌ عن نتاجٍ ثقافيٍّ يتضمّن الكثير من المعتقدات التي كانت سائدةً قبل الإسلام، وحتّى نجد فيه بعض مضامين الإنجيل؛ وهذه الخلفية الثقافية تعدّ في غاية الأهمية. المؤمنون يعتبرون القرآن بأسره وحيًا بينما الباحثون لا يعتقدون بذلك، حيث نلمس فيه بصمات الثقافة التي سبقت ظهور الإسلام ونجد فيه علاماتٍ تدل على تأثّره بالأساطير القديمة مثل قصّة ملكة سبأ والإسكندر، فهذه القضايا تجسّد ميثولوجيا

(242)

عرب ما قبل الإسلام وتعكس طبيعة خطابهم اللغوي، مثلًا نلاحظ أنّ الآيات المكّية عندما تتحدّث عن موسى وعيسى لا نلاحظ فيها تفاصيلَ دقيقةً؛ لذلك لم يسأل أهل قريش أبدًا من هؤلاء؟ وهذا يعني أنّهم كانوا يعرفونهم، أي أنّ النصّ القرآني يتحدّث عن شيءٍ كان موجودًا سابقًا؛ لكنّ هذا الأمر لا يعدّ خطرًا يهدّد معتقدات المسلمين، والقرآن نفسه أقرّ بأنّ محمّدًا لم يأتِ بشيءٍ جديدٍ، بل رسالته هي ذات الرسالة التي جاء بها الأنبياء السابقون».[1]

ويرى أنّ الحكايات التي ساقها القرآن الكريم حول مريم عليها السلام منقولةٌ من إنجيل مَتَّى، بل جميع القصص التي تروي معجزات موسى وعيسى هي قصصٌ إنجيليةٌ.

يبدو أنّ هذا الباحث المصري غفل عن أنّ الإنجيل هو الآخر كتابٌ سماويٌّ نزل عن طريق الوحي لكن تمّ تحريفه وتغيير حقائقه، ولو أنّه أجرى مقارنةً بسيطةً بين القصص القرآنية والتوراتية والإنجيلية التي تروي مجريات الأحداث في حياة السيدة مريم عليها السلام وبعض الأنبياء من أمثال موسى وعيسى عليهما السلام، سوف يدرك بكلّ قطعٍ أنّ الصورة التي انعكست في القرآن الكريم لهذه الشخصيات المقدّسة تختلف بالكامل عمّا تمّ تصويره في التوراة والإنجيل، فهذان الكتابان المحرَّفان يتضمّنان عباراتٍ مسيئةً للأدب بخصوص الأنبياء وسائر الشخصيات المقدّسة في حين أنّ القرآن الكريم تحدّث عنها بكلّ أدبٍ وإجلالٍ واحترامٍ.

(243)

وهنا نطرح عليه السؤالان التاليان: يا ترى هل قولنا أنّ القرآن الكريم كتابٌ موحًى من السماء يقتضي خلوّه من كلّ موضوعٍ اطّلع عليه الناس سابقًا؟ فهل إنّ سرده للأحداث التي كان عرب الجاهلية على علمٍ بها إلى حدٍّ ما مثل سيرة النبيين موسى وعيسى عليهما السلام أو سيرة ملكة سبأ، وروايته بعض المواضيع الأخرى المشار إليها في التوراة والإنجيل؛ دليلٌ على كونه كتابًا لم ينزل عن طريق وحي السماء أو أنّه ليس بكلامٍ لله تعالى؟

القرآن مجموعةٌ من الخطابات[1]

أحد التحوّلات الفكرية التي شهدتها سيرة حامد نصر أبي زيد بعد تأليفه كتاب مفهوم النص: دراسةٌ في علوم القرآن هو رفضه كون القرآن الكريم نصًّا موحَّدًا، حيث اعتبره ولأسبابٍ ما مجموعةً من الخطابات التي ذكرها النبي محمّد صلى الله عليه وآله طوال ثلاث وثلاثين سنةً.

وأكّد على أنّ المسلمين حينما جمعوه على هيئة مصحفٍ لم تراعَ فيه مسألة التوالي التأريخي لصدور خطاباته التي أدرجت ضمن مجاميعَ عديدةٍ أطلق على كلّ واحدةٍ منها عنوان سورة؛ وهذا يعني أنّ ترتيب آياته الحالي ليس بحسب زمان نزولها، وأضاف قائلًا:

«لقد أعيد طبع هذا الكتاب عدّة مرّاتٍ، الأمر الذي يعكس أهميته، ومن الحقائق التي لا تنكر أنّ النصّ المُستقبَل أي النصّ المتضمَّن في المصحف والذي استقبله المسلمون بالقبول، هو الذي صاغ وما يزال

(244)

يصوغ العقائد والقناعات الدينية للمسلمين، بالإضافة إلى أنّه النصّ المركزي في كثيرٍ من الثقافات الإسلامية، لكنّ هذه الحقيقة التي لا تنكر تصحّ فقط إذا حصرنا تعريفنا للثقافة في الثقافة العالمية؛ أعني المدوّنة.

إذا أخذنا في الاعتبار تلك الثقافات غير العالمية سندرك أنّ القرآن يمارس فعاليته في الوعي العامّ بوصفه خطابًا لا بوصفه نصًّا، ومن خلال دراسةٍ أنجزتها عن القرآن في الحياة اليومية، بدأت أدرك أنّ التعامل مع القرآن بوصفه مجرَّد نصٍّ يقلّل من حيويته إلى جانب أنّ هذا التصوّر النصّي يتجاهل حقيقة أنّ القرآن ما زال يمارس وظيفته في الحياة اليومية للمسلمين بوصفه خطابًا لا مجرَّد نصٍّ».[1]

 وفي هذا السياق نوّه على أنّ الكثير من الباحثين الغربيين بادروا إلى تدوين دراساتٍ وبحوثٍ متنوّعةٍ حول القرآن الكريم استندت بمجملها إلى فرضية كونه نصًّا لغويًّا.[2]

الجدير بالذكر هنا أنّ المتكلّم في الخطابات الشفهية يقوم بحركاتٍ خاصّةٍ تعين المخاطب على فهم مراده، وهذه الحالة نسبها حامد نصر أبو زيد للقرآن الكريم قائلًا أنّ هذا الأثرَ المدوَّنَ يتضمّن إشاراتٍ متنوّعةً في قراءته الخاصّة وهي بطبيعة الحال تتواكب مع كلِّ خطابٍ شفهيٍّ مثل الهيئة الظاهرية لأداء الكلمات والوقف والتأكيد.[3]

(245)

ومن جملة ما ذكره في حواره مع أكبر كنجي ما يلي:

«تحدّثت عن القرآن في كتابي مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن بصفته نصًّا، إلّا أنّي حاليًّا أنتقد هذا المفهوم بشدّةٍ، فهو ليس نصًّا، إنّه خطابٌ، والأصحّ هو أنّ نَصِفه بكونه خطاباتٍ؛ وحينما جُمع من قبل عثمان بن عفّان ترسّخت لدى المسلمين فكرة كونه كتابًا. لو أردتَ أنْ تعرف معانيَه ودلالاتِه فأنت لستَ ملزَمًا بقرائته من أوّله إلى آخره، بل ينبغي لك أن تقرأه بشكلٍ معكوسٍ، أي من آخره إلى أوّله، لأنّ مسيرة تحوّله التأريخية تدلّ على تضمّنه بعض الأسئلة المطروحة في مواضعَ خاصّةٍ لكنّ إجاباتها ذُكرت في مواضع أخرى.

وَصْف القرآن بكونه نصًّا يُسفر عن حدوث مشكلةٍ أخرى، وهي وجود مؤلِّفٍ له، وهذا المؤلِّف هو الله؛ لذا لا بدّ وأن يكون مصونًا من كلّ تناقضٍ، لكنّه زاخرٌ بالتناقضات، ويا ترى كيف يمكننا معالجة هذه التناقضات؟ الحلّ الوحيد هو عدم الإذعان بكونه نصًّا والاعتقاد بأنّه مجموعةٌ من الخطابات؛ وعلى هذا الأساس تَرِد عليه الكثير من المؤاخذات التأريخية، ومن ثَمَّ يجب الاعتراف بعدم حيوية جميع مضامينه، ومثال ذلك الجزية والجهاد وقطع اليد، فهذه ليست مضامينَ قرآنيةَ وإنّما أحكامًا قانونيةً كانت مشرّعةً قبل الإسلام».[1]

ادّعى أبو زيد أنّنا لو اعتبرنا القرآن الكريم خطابًا ولم نعتبره نصًّا، ففي هذه الحالة يرتفع التناقض منه، لأنّ كلّ موضوعٍ مطروحٍ فيه كان موجَّهًا لمخاطَبين محدَّدين بحيث يخاطبهم بأسلوبٍ معيَّنٍ؛ وهذا يعني أنّه وجّه خطابه لفئاتٍ

(246)

متنوّعةٍ من المخاطَبين في شتّى المجالات والنقاشات وَنقَل إليهم العديد من الأخبار، لذا لا يحدث في هذه الحالة أيُّ تناقضٍ نظرًا لتنوّع المخاطَبين والمواضيع؛ ولو تطرّقنا إلى شرح وتحليل الآيات من هذه الناحية سوف لا نشهد أيَّ تناقضٍ يُذكر.

لا شكّ في أنّ كلّ خطابٍ لا بد أنْ يكون مرتبطًا بالظروف الزمانية والاجتماعية التي صدر في رحابها، وهو بطبيعة الحال يُوجَّه إلى مخاطَبين معيّنين، أي أنّ كلّ مخاطَبٍ يتلقّى هذا الكلام في ظروفٍ خاصّةٍ؛ وفي هذا المضمار نوّه قائلًا:

«القرآن هو نتيجةٌ لخطاباتٍ وُجِّهت لمخاطَبين معيَّنين طوال سنواتٍ متماديةٍ، وتطرّق مرارًا وتكرارًا للأوضاع التي تكتنف حياتهم ومختلف متطلّباتهم وأجاب عن أسئلتهم».[1]

الواقع يتعارض مع الرأي الذي تبنّاه نصر حامد نصر أبو زيد، فجميع الآيات لا تتضمّن خطابًا موجَّهًا لمخاطَبين معيَّنين بحيث يمكن ادّعاء أنّها صدرت إثر حوادثَ ومواقفَ معيّنةٍ أو أنّ الأسئلة التي طُرحت في عصر النزول تضمّنت مواضيعَ خاصّةً، وإنّما الكثير من الآيات لا تتمحور حول الظروف الفكرية والاجتماعية التي كانت سائدةً في المجتمع العربي آنذاك، وحتّى إنّ بعضها تضمّن نقدًا وتفنيدًا لبعض الأفكار والسلوكيات وأساليب الحياة التي كانت سائدةً في تلك الآونة.

يجب على كلّ باحثٍ قرآنيٍّ قبل كلّ شيءٍ أنْ يأخذ بنظر الاعتبار الهدف الذي يطمح القرآن الكريم إلى تحقيقه وبعد ذلك يبادر إلى دراسته وتحليله؛ فهو كتابٌ يهدف أوّلًا إلى هداية البشرية، وثانيًا هو معجزة خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وآله، كما أنّه غيرُ محدودٍ بعصرٍ محدَّدٍ وإنّما أنزله الله تعالى لجميع

(247)

العصور دون استثناءٍ، لذا لا بدّ أن تكون مضامينه وخطاباته موجّهةً لجميع الناس وفي شتّى العصور ما يعني أنّه ليس نتيجةً لخطاباتٍ لغويةٍ موجَّهةٍ إلى مخاطَبين بالتعيين بحيث أريد منها الإجابة عن الاستفسارات والمؤاخذات التي طرحت من قبل أهل ذلك العصر.

بما أنّ القرآن الكريم عبارةٌ عن خطابٍ وليس نصًّا، أيْ نظرًا لكونه مجموعةً من الألفاظ التي تُشكّل سلسلةً من الخطابات، فإذا أردنا فهمه لا محيص لنا من اللجوء إلى أسلوب تحليل الخطاب لا تحليل النصّ. حين تحليل الخطاب عادةً ما تُطرح الأسئلة التالية: من هو المخاطِب ومن هو المخاطَب؟ من هو المتكلّم في هذا المقطع من الخطاب؟ ولمن يوجَّه خطابُه؟ ومن هم المخاطَبون ضمنيًّا؟ الجدير بالذكر هنا أنّ القرآن حينما يخاطب اليهود فهو يوجّه خطابه ضمنيًّا للمؤمنين؛ وفي هذا السياق قال أبو زيد:

 «تحليل الخطاب يتمحور حول الأسس والخلفيات، ومن ثَمّ يستكشف شتّى المفاهيم نظير الإجابة والتهديد والسؤال والوصف في رحاب مختلف أنواع الخطاب».[1]

بنية القرآن الكريم

نصر حامد أبو زيد يعتقد أنّنا لو اعتبرنا القرآن الكريم بمثابة نصٍّ، فمن الصعب في هذه الحالة تحقّق منظومةٍ دقيقةٍ وبنيةٍ معيّنةٍ للخطاب القرآني؛ وعلى أساس هذا الرأي ذكر أنموذجين على البنية القرآنية[2] كما يلي:

(248)

-أوّلًا:

«بسبب سيطرة مفهوم القرآن بوصفه نصًّا على مجمل الدراسات في الشرق والغرب، من الصعب تقديم نسقٍ بنيويٍّ دقيقٍ للخطاب القرآني، وقد حاولت الموسوعة الإسلامية في الطبعة الثانية أنْ تُقدّم تصنيفًا للشكل أو الأشكال الأدبية في القرآن، فقدّمت تصنيفًا يمزج بين الشكل والمضمون، بل ويخلط بينهما. هكذا صنّفت الأشكال إلى:

1) آيات القسم وما يتعلّق بالقسم 

2) الآيات بمعنى العلامات، والآيات بمعنى الوحدة القرآنية 

3) القصص 

4) الأحكام 

5) الابتهالات والأدعية

- ثانيًا:

إنّ محمّد أركون ورغم تأكيده على طبيعة القرآن بوصفه خطابًا، يتبنّى تصنيف بول ريكور - الفيلسوف الفرنسي - للأشكال الأدبية في العهد القديم، المبنية على أساس تبنّي التعريف النصّي.

في هذا التصنيف الذي يتبنّاه أركون يتكوّن الخطاب القرآن من:

1) الخطاب النبوي، أو التنبّؤي

2) الخطاب التشريعي

(249)

3) الخطاب القصصي

4) الخطاب التقديسي

5) الخطاب الابتهالي أو الغنائي الشعري[1]

ومع ذلك - أي رغم التعدّد المشار إليه في بنية الخطابات - فإنّ أركون يؤكّد وجود بنيةٍ نحويةٍ واحدةٍ ومجالٍ وحيدٍ للتواصل النحوي في القرآن، هي بنية: أنا المتكلّم ، أنت الرسول ، أنتم جماعة المؤمنين؛ وأحيانًا غير المؤمنين من مشركي مكّة وأهل الكتاب. ومعنى ذلك أنّ ثمّة بنيةً نحويةً مهيمنةً هي أنا المتكلّم، وأنت المخَاطب، وأنتم المخاطبين، والحقيقة أنّ هذه البنية يمكن أن تكون البنية الأكثر حضورًا في نمطٍ من الخطاب، لكنّها ليست البنية الوحيدة في كلّ الخطابات».

ثمّ انتقد محمّد أركون قائلًا:

«يمكن القول أنّ القرآن لا يمثّل خطابًا أحادي الصوت، بل هو خطابٌ متعدّد الأصوات بامتيازٍ، بمعنى أنّ ضمير المتكلّم لا يشير دائمًا إلى المقدّس، ولست أقصد هنا المتكلّم في الخطاب السردي القصصي الذي يكون خطابًا حكائيًّا، بل أقصد المتكلّم بالقرآن خارج السياق السردي الحكائي. ومن جهةٍ أخرى فإنّ صوت المقدّس لا يعبّر عنه دائمًا بضمير المتكلّم أنا، بل كثيرًا ما يمثّله الضمير الغائب هو، أمّا في الخطاب الابتهالي الدّعائي فإنّ المقدّس يشار إليه بالضمير أنت كما سنرى.

إنّ صوت المقدّس في سورة الإخلاص رقم 112 - وهي من أوائل السور

(250)

المكّية - غائبٌ وراء فعل الأمر قل. سورة الإخلاص هنا مجرّد مثالٍ، وإلا فإنّ حضور فعل الأمر قل حيث المخاطب هو محمّد حضورٌ طاغٍ في كلّ سور القرآن، وهذا الغياب لصوت المقدّس خلف فعل الأمر قل يخلق احتمالاتٍ بأنّ القائل ليس هو بالضبط الصوت الإلهي بقدر ما هو صوت الممثّل للمقدّس. المخاطب هو محمّد والقائل يطلب من محمّد أن يقول عن المقدّس - الله - بأنّه أحدٌ صمدٌ لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحدٌ». 

تطرّق أبو زيد أيضًا إلى بيان الأساليب القرآنية المعتمدة في مختلف المواضيع القرآنية، وأشار في هذا الصعيد إلى شتّى الأساليب التي تمحورت حول الحوار والمناظرة والمجادلة مع المشركين والمؤمنين، ثمّ أكّد على أنّها مرتبطةٌ بالبنية الخطابية للقرآن الكريم.

من المؤسف أنّ هذا الباحث المصري تجاهل أنّ جميع الباحثين اعتبروا القرآن الكريم بمثابة نصٍّ ولم يعترضوا على هذه البنية الأساسية له، وتجدر الإشارة هنا إلى تدوين العديد من الدراسات والبحوث العلمية بخصوص البنية اللغوية لهذا الكتاب السماوي والتي طُرحت في رحابها العديد من الآراء والنظريات -ومن جملتها ما ذكره أبو زيد- وهي تتناغم مع الرأي القائل بنصّية القرآن الكريم.

القرآن الكريم بمثابة خطابٍ

نصر حامد أبو زيد اعتبر القرآن الكريم نصًّا خطابيًّا لا مدوّنًا، وأكّد على أنّ بنيته عبارةٌ عن حوارٍ موجَّهٍ لمختلف المخاطَبين؛ لذا فإنّ نسيجه وهيكله متقوّمان بمبدأ الخطاب للإجابة عن الأسئلة المطروحة وبيان بعض القضايا الشخصية، وممّا قاله في هذا الصدد ما يلي:

(251)

«ما المقصود من كون البنية القرآنية متقوّمةً بالحوار؟ الألوهية والشأن الإنساني يلتقيان مع بعضهما في القرآن، لأنّ الله يتحدّث فيه مع البشر، وهذا الخطاب الموجّه لهم لا يتّسم بطابعٍ انتزاعيٍّ وكلّيٍّ فحسب، وإنّما غالبًا ما يوجَّه إلى أشخاصٍ محدَّدين ويُطرح ضمن ظروفٍ معيّنةٍ، ومثال ذلك أنّ الكثير من الآيات القرآنية ذكرت اسم المخاطب مرارًا وتكرارًا كما في العبارات التالية:

«يا أيّها الذين آمنوا، يا أهل الكتاب، يا أيّها الكافرون، يا نساء النبي. كما هو معلومٌ فقد تمّ توجيه الخطاب المباشر لهؤلاء المخاطبين في القرآن بشكلٍ مكرّرٍ، لذا نحن نتعامل بصراحةٍ مع نصٍّ مرتبطٍ بمستمِعين معيَّنين، أي إنّه يروم إخبارهم بشيءٍ ما».[1]

نستشفّ من جملة آرائه التي طرحها حول القرآن الكريم أنّه يعتقد بصعوبة فهم الدلالة الحقيقية لبعض الآيات في العصر الحاضر، مثل الأحكام الخاصّة بزواج ابن أو ابنة أحد الزوجين وزواج الابن أو البنت بالتبنّي، وكذلك الأحكام الخاصّة بمن اقترن به هؤلاء، فنحن غيرُ قادرين برأيه على استنباط الأحكام المرتبطة بهم من باطن الآيات بيسرٍ وسهولةٍ، إذْ من الصعوبة بمكانٍ معرفة المعاني والمداليل الحقيقية لتلك الآيات المرتبطة بالأحداث والمناسبات التي شهدها الناس في تلك الحقبة من الزمن.[2]

كما أكّد على أنّ البنية القرآنية تتمحور بشكلٍ أساسيٍّ حول المخاطَب، حيث

(252)

غالبًا ما تتطرّق إليه وإلى أفكاره ومعتقداته، وهذا الطابع يفوق ما يذكره المتكلّم حول نفسه؛ لذا نجد الآيات توجّه خطابها للطرف المقابل؛ والقرآن بدوره ليس أثرًا أدبيًّا على هيئة مونولوغ - خطابٍ أُحاديٍّ - بل هو متعدّد الأطراف، لذلك يتحدّث أحيانًا على لسان المؤمن داعيًا ومناجيًا الربّ أو سائلًا ومستفسِرًا إياه، وهنا المؤمن هو المتكلّم بطبيعة الحال؛ وفي أحيانٍ أخرى نلاحظه يذكر الخطاب على لسان أتباع النبي، بينما يسوقه في مواردَ أخرى على لسان من سخر به واعتدى عليه. وعلى هذا الأساس رأى أبو زيد أنّ القرآن الكريم مجرّدُ مجموعةٍ من الخطابات اللغوية، حيث قال في هذا الصدد:

 «القرآن يرتبط بشكلٍ عامٍّ بين الألوهية والشأن الإنساني، ولبيان هذا الأمر بدقّةٍ أكثر نقول أنّ وصفه بالخطاب اللفظي أرجحُ من وصفه كنصٍّ؛ ولو أردنا مراعاة هذه الدقّة فلا محيص لنا من القول بأنّه عبارةٌ عن تركيبٍ بين خطاباتٍ لغويةٍ متعدّدةٍ».[1]

وأضاف في هذا السياق أنّ القرآن الكريم باعتباره مجموعةً من الحوارات التي جرت في ظروفٍ دامت ثلاثًا وعشرين سنةً من حياة النبي محمّد صلى الله عليه وآله، نجده يجيب في بعض آياته عمّا يطرحه المؤمنون من أسئلةٍ واستفساراتٍ، فقد سألوا النبي مثلًا عن الخمر والقمار والأيتام والحرب في الأشهر الحرم والأنفال، وهو بدوره أجابهم عن ذلك؛ وفي آياتٍ أخرى نجد فيه إجابتين عن سؤالٍ واحدٍ في ظرفين زمنيين مختلفين فتكون إجابته متباينةً، وهنا نلاحظ الفقهاء الذين ادّعوا أنّه نصٌّ لم يجدوا بدًّا من تبرير ذلك بالناسخ والمنسوخ أو العامّ والخاصّ؛ فالآية 221 من سورة البقرة على سبيل المثال رفضت زواج المؤمنين من المشركات، وهنا

(253)

اعتبرها هؤلاء الفقهاء بأنّها ناسخةٌ للآية 5 من سورة المائدة، لكنّ رأيهم هذا غيرُ صائبٍ لأنّنا إن أخذنا بعين الاعتبار أنّ هاتين الآيتين ذكرتا في ظرفين مختلفين فلا حاجة لنا عندئذٍ لتبرير التضادّ الحاصل بينهما بالناسخ والمنسوخ، إذ على ضوء تحليل الخطاب لا تبقى حاجةٌ إلى هكذا تبريرٍ.

أبو زيد أكّد في هذا المضمار على أنّ الآية 221 من سورة البقرة سبقت في نزولها الآية 5 من سورة المائدة، لذا ليس من الصواب ادّعاء أنّها ناسخةٌ لها، بل لا بدّ من الإذعان إلى أنّ الخطاب المطروح فيها تضمّن دعوةً للابتعاد عن الكفّار، بينما الخطاب في سورة المائدة فحواه ضرورة التعايش مع أهل الكتاب في المدينة المنوّرة ما يعني أنّ النبي صلى الله عليه وآله قد أصدر حكمًا جديدًا في موقفٍ جديدٍ بحيث لا يتعارض مع الحكم السابق على ضوء ظروفٍ جديدةٍ، إذْ كلُّ حكمٍ مرتبطٌ في أساسه بالأوضاع الخاصّة والظروف الزمانية التي تكتنفه، لذا فهو ليس بحكمٍ أزليٍّ.

الرأي الذي تبنّاه أبو زيد بكون الآية 221 من سورة البقرة نزلت قبل الآية 5 من سورة المائدة وليس بإمكانها أن تكون ناسخةً لها، هو رأي صحيحٌ في الحقيقة، لكنّ الخطأ الذي وقع فيه هو ادّعاء محوريتهما حول موضوعٍ واحدٍ، فالأمر ليس كذلك لأنّ موضوع آية سورة البقرة يختلف عن موضوع آية سورة المائدة، ومن هذا المنطلق لا يبقى مجالٌ للقول بوجود تعارضٍ بينهما.

نصّ الآية 221 من سورة البقرة: (اوَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ...). المقصود من المشرك في هذه الآية من يعبد الأصنام، لذا فهي لا تشير إلى أهل الكتاب، وهذا يعني عدم ارتباط دلالتها بالزواج مع أهل الكتاب وبالتالي لا يبقى مجال لادّعاء أنّها تحرّمه.

(254)

نصّ الآية 5 من سورة المائدة: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ...). طعام أهل الكتاب والتزاوج معهم كانا محرّمين على المسلمين قبل نزول هذه الآية، لذا تمّ تحليلهما بعد نزولها، فمضمونها يفيد أنّ الزواج من أهل الكتاب حلالٌ ولا محذورَ شرعيًّا فيه.

نستنتج ممّا ذُكر أنّ موضوعَيِ الآيتين مختلفان عن بعضهما، فإحداهما تحرّم على المسلمين الزواج من المشركين والأخرى تبيح لهم الزواج من أهل الكتاب، وهذا الأمر يدلّ بكلّ وضوحٍ على عدم وجود أيّ تضادٍّ بينهما وبالتالي يأتي الدور للجوء إلى الناسخ والمنسوخ أو العامّ والخاصّ.[1]

من جملة المؤاخذات التي طرحها حامد نصر أبو زيد وجود اختلافاتٍ جمّةٍ بين الرجل والمرأة في الخطاب القرآني، وأنّ بعض هذه الآيات لا تنسجم مع الرؤى المطروحة في العصر الحديث، في حين أنّ بعضٌ منها يتضمّن أوامرَ أكسيولوجيةً ذاتَ أهميةٍ في الحياة المعاصرة كالآية التالية: (ايَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ).[2] هذه الآية تتضمّن مبادئَ أكسيولوجيةً تتجاوز نطاق الزمان، وقد وصفها ووصف سائر الآيات المماثلة لها بأنّها تعكس الروح الدينية للقرآن.

هناك آياتٌ تضمّنت مباحثَ اجتماعيةً وتأريخيةً، حيث أشارت إلى العلاقات الاجتماعية بين الذكر والأنثى، وهي ترتبط بظروفٍ سبقت عصر النبوّة، لذلك

(255)

تطرّقت آياتٌ أخرى إلى تغيير الأحكام التي تضمّنتها؛ فالطبقية الاجتماعية كانت سائدةً إلى حدٍّ كبيرٍ في العصر الجاهلي والناس كانوا على صنفين، كانوا إمّا أحرارًا أو عبيدًا، ناهيك عن الاختلاف الكبير بين الجنسين الذكر والأنثى، لذلك حاول القرآن الكريم إيجاد إصلاحاتٍ اجتماعيةٍ على صعيد جميع العلاقات العامّة والخاصّة؛ وبهذا الخصوص قال أبو زيد:

«القرآن من الناحية الدينية لا يميّز بين الذكر والأنثى، فهما متكافئان بالكامل من هذه الناحية، فالعديد من الآيات أكّدت بشكلٍ صريحٍ على كون الدعوة الإسلامية والحرّية في اختيار الدين وكذلك الثواب والعقاب في يوم الحساب هي أمورٌ تخصّ البشرية جمعاء دون اختلافٍ بين ذكرٍ أو أنثى؛ ولكن هناك اختلافاتٌ بينهما من الناحية الاجتماعية ولا سيّما على صعيد العلاقات الزوجية والطلاق وكيفية التعامل مع الزوجة الناشزة، وهذه المسائل على غرار المسائل السياسية والاجتماعية المطروحة في القرآن، هي تنمّ بأسرها عن عدم وجود أيّ حكمٍ يساوي بينهما بالكامل في الشؤون الاجتماعية».[1]

القرآن الكريم برأي هذا المفكّر المصري أوجد تغييراتٍ اجتماعيةً على صعيد حقوق المرأة، مثلًا جعل إرث الرجل ضعفًا لسهمها بينما كانت في عصر النزول محرومةً منه بالكامل بحيث ينال الرجل كلّ ما تركه المتوفّى؛ لكن على الرغم من ذلك لا يمكن القول بأنّ الأصول القرآنية المرتبطة بحقوق الجنسين تنسجم بالكامل مع مبادئ العدالة التي يعتقد بها الإنسان المعاصر.[2] وأكّد على أنّ القرآن الكريم

(256)

أقرّ نظامًا حقوقيًّا يتناغم مع الحقائق والظروف السائدة في عصر النزول، لذا لا يمكن اعتباره نظامًا دائميًّا فهو ليس كتابَ قانونٍ.

نصر حامد أبا زيد اعتبر القرآن الكريم كتابًا يتضمّن خطاباتٍ متنوّعةً، وفي هذا المجال قال أنّه لا يتضمّن أيَّ موقفٍ خاصٍّ حول الجبر والتفويض، كما لا ينبغي لنا توقّع أنّه طرح إجاباتٍ مصونةً من التناقض بخصوص جميع المسائل العقائدية؛[1] لذلك نلاحظ أنّ بعض الآيات تتضمّن خطابًا جبريًّا، في حين أنّ بعضها يتضمّن خطابًا تفويضيًّا، والخطابان هنا مختلفان بطبيعة الحال. كما أكّد على أنّ الآية: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ)[2] تدلّ على عقيدةٍ جبريةٍ.

هل القرآن نصٌّ أو خطابٌ؟

نصر حامد أبو زيد نأى بنفسه عن نصّية القرآن الكريم وطرح فكرة كونه خطابًا، وعلى هذا الأساس بادر إلى بيان دلالاته؛ وفي ما يلي نلـخّص التحوّل الفكري الذي طرأ على شخصيته الفكرية والذي أشار إليه بنفسه، حيث نوضّح الموضوع استنادًا إلى آخر مؤلّفاته:

1) الوحي طبقًا لمحورية النصّ هو كلام الله، ولكنّه بحسب نظرية الخطاب كلام النبي؛ لذا فالقرآن هو كلام النبي محمّد بصفته إنسانًا لا يختلف عنّا كبشرٍ، حيث أخبرنا فيه عن تجربته الروحية مع الله.

2) طبقاً لنظرية نصّية القرآن فهو عبارةٌ عن نصٍّ مدوَّنٍ تتبلور فيه ثقافة عصر نزوله، بينما نظرية الخطاب تعتبره ثمرةً لعددٍ محدودٍ من التجارب الروحية

(257)

والاجتماعية، أي إنّه نتيجةٌ للعلاقة الجدلية بين النبي وما حدث على أرض الواقع في مجتمعه وموقفه إزاء شتّى التساؤلات والاستفسارات التي كانت مطروحةً آنذاك وما يتناسب معها من إجاباتٍ مقنعةٍ؛ فكلّ هذه الأمور ساهمت في إنتاج القرآن.

3) بما أنّ القرآن يعتبر كتاب وحي استنادًا إلى نظرية النصّ، ففي هذه الحالة لا تعار أهميةٌ للتناقضات الموجودة فيه باعتبار أنّه نزل من الله بلسان الوحي، وكلام الله طبعًا لا تناقضَ فيه، بينما نظرية الخطاب تؤكّد على أنّ كلّ آيةٍ فيه تخاطب فئةً معيّنةً من الناس.

4) لو اعتبرنا القرآن خطابًا ففي هذه الحالة لا بدّ لنا من القول بأنّ النبي لا يتعامل فقط مع الأحكام والقوانين الخاصّة بعصره فقط كي يؤيّد بعضها ويرفض بعضها الآخر، بل هذا الأمر يسري حتّى الأحكام والقوانين التي وضّحها للناس، فقد بادر إلى تغيير بعضها وتشذيب عددٍ منها على مرّ الزمان.

وأضاف في هذا السياق قائلًا:

«تنطلق هذه التأويلية المفتوحة من حقيقة أنّ الاختلافات الإمبريقية في المعنى الديني جزءٌ من طبيعتنا الإنسانية القائمة على الاختلاف في معنى الحياة عمومًا، وهو الأمر الذي يجب اعتباره قيمةً إيجابيةً في سياق حياتنا الحديثة؛ قيمةً تعيد وصل معنى القرآن بسؤال معنى الحياة، فالقرآن مليءٌ بالحوار والسجال والمناظرة والرفض والقبول ليس فقط مع أو ضدّ المعايير والثقافات وأنماط السلوك السابقة قبل انبثاقه، ولكن مع معاييره هو ومع تأكيداته هو ومع أحكامه.

إنّ الخطاب القرآني يمثّل عملية محاورةٍ ونقاشٍ وتعديلٍ وفق متغيّرات

(258)

السنوات العشرين أو الأكثر قليلًا في حياة المستقبل والمتحاور الأوّل - النبي محمّد - وحياة المستقبلين المحاورين من عربٍ ويهودٍ ونصرانيين أساسًا، ثمّ من مؤمنين وكفّارٍ ومنافقين بعد ذلك بعدّة سنواتٍ».[1]

5) القرآن وفقًا لنظرية النصّ يعدّ وحدةً مترابطةً مع بعضها، لكن مع ذلك يمكن اعتباره نصًّا مجزّءًا، وفي هذا المضمار لا تبقى حاجةٌ للتخصيص والتعميم أو الناسخ والمنسوخ وما شاكل ذلك. وهنا أكّد أبو زيد قائلًا:

«التعامل مع القرآن بوصفه خطابًا، ينقلنا إلى أفقٍ أرحبَ من أفق النصّ المجزّأ الذي من خلاله صاغ الفقهاء مواقفهم، يستوي في ذلك من اعتمد على مقولة الخصوص والعموم من أجل إباحة الزواج من الكتابية أو من اعتمد مقولة النسخ من أجل التحريم. إنّ محاولة الفقهاء للوصول إلى حكمٍ واحدٍ أمرٌ مفهومٌ كما شرحنا من قبل من حيث إنّهم تعاملوا مع القرآن بوصفه نصًّا قانونيًّا لا يقبل تعدّد الأحكام».[2]

6) نظرية نصّية القرآن لا تنظر إلى السياق التأريخي فيه باعتبار أنّ الخطاب في آياته موجّهٌ لفئةٍ معيّنةٍ، بينما نظرية الخطاب تؤكّد على أنّ كلّ آيةٍ تخاطب فئةً بالتحديد.

7) نظرية النصّ على خلاف نظرية الخطاب من حيث تبنّيها قضية النسخ، أي حينما تطرح أحكامًا متنوّعةً بخصوص أحد المواضيع فلا محيص من القول بمسألة الناسخ والمنسوخ.

(259)

8) القرآن طبقًا لنظرية النصّ يعتبر مصدرًا للتشريع، ويتضمّن مجموعةً من الأحكام الثابتة، في حين أنّ نظرية الخطاب تؤكّد على وجود أحكامٍ لا تسري في عصرنا لكونها مرتبطةً فقط بعصر النبوّة، مثل حكم قطع اليد[1] وحكم المحارب؛[2] وذلك لعدم وجود أيِّ سبيلٍ آخرَ للعقاب في تلك الآونة. وقال أبو زيد لدى بيانه تفاصيل هذا الموضوع أنّ الرسالة القرآنية ترتكز على العفو والرأفة لا على المجازات والعقاب.

9) نظرية النصّ تنفي حيوية القرآن، إذ يُفهم القرآن على أساسها وكأنّه نصٌّ جامدٌ لا يمكن تفسيره، بينما يتمّ فهمه على أساس نظرية الخطاب بأسلوبٍ حيويٍّ ومعاصِرٍ.

10) كلّ فئةٍ سياسيةٍ تبادر إلى طرح آراء تتناسب مع توجّهاتها الفكرية بخصوص كلّ آيةٍ في القرآن استنادًا إلى نظرية النصّ، فالاعتقاد بنصّيته يجعله عرضةً لتحريفاتٍ إيديولوجيةٍ لا تقتصر على مداليله فقط، وإنّما تسري إلى بنيته أيضًا.[3]

11) القصص التأريخية القرآنية وفق نظرية الخطاب لا تعتبر واقعيةً، وإنّما تهدف إلى الوعظ والإرشاد؛ لذا لا يمكن استخراج حقائقَ تأريخيةٍ منها، بل غاية ما في الأمر أنّنا نستلهم منها أصولًا أخلاقيةً.

12) نظرية الخطاب تؤكّد على عدم إمكانية طرح آراءٍ عقائديةٍ من القرآن، حيث لا ينبغي لنا توقّع أنّه طرح إجاباتٍ مصونةً من التناقض بخصوص جميع المسائل العقائدية.[4]

(260)

13) اعتبار القرآن نصًّا يقلّل من فاعليته وحيويته.

أبو زيد كتب مقالةً بهذا الخصوص في دائرة المعارف القرآنية تحت عنوان القرآن في الحياة اليومية، أكّد فيها على أنّنا لو اعتبرناه خطابًا سوف يكون له تأثيرٌ عملي في حياة المسلمين اليومية؛ حيث قال:

«ومن خلال دراسةٍ أنجزتها عن القرآن في الحياة اليومية، بدأت أدرك أنّ التعامل مع القرآن بوصفه مجرَّد نصٍّ، يقلّل من شأن حيويته، إلى جانب أنّ هذا التصوّر النصّي يتجاهل حقيقة أنّ القرآن ما زال يمارس وظيفته في الحياة اليومية للمسلمين بوصفه خطابًا لا مجرّدَ نصٍّ».[1]

تصويرٌ خاطئٌ للنبوّة

أحد الانحرافات الفكرية في سيرة الباحث المصري نصر حامد أبو زيد أنّه صوّر النبوّة بشكلٍ خاطئٍ، ومن ذلك ادّعاؤه أنّ النبي محمّد صلى الله عليه وآله شعر بخوفٍ في أوّل تجربةٍ خاضها مع الوحي كما اكتنفه شكٌّ في هذا الأمر لدرجة أنّه استشار الآخرين وطلب مساعدتهم؛ وبالفعل فالناس هم الذين قالوا له -برأي أبو زيد-: «كلّ شيءٍ على ما يرام، والأنبياء السابقون خاضوا نفس هذه التجربة، لذا لا تجعل الخوف يستحوذ عليك حتّى وإن واجهت أذى من الآخرين. إذًا، ليس الإله وحده يتكلّم هنا، فرسالة السماء تفتقر إلى تأييد البشر حتّى في مرحلتها الأولى».[2]

«وفي هذا السياق أكّد على عدم وجود محذورٍ في افتقار رسالة السماء

(261)

إلى تأييد البشر، فهذا الأمر لا يعد وازعًا للتشكيك بمرجعية النبي والقرآن كما يتصوّر المسلمون، لأنّ الإنسان الذي يجد نفسه فجأةً مخاطَبًا من قِبل الله فأوّل ما يطرأ في ذهنه الخشية من طغيان التوهّم والتخيّل عليه، لذا يتسائل قائلًا: هل أنا في وهمٍ وخيالٍ؟ هل حقًّا تكلّم الله معي أو أنّني تصوّرت ذلك فحسب؟»[1]

وتحدّث عن موقف النبي صلى الله عليه وآله بعد تلقّيه أوّل وحيٍ حينما أخبر زوجته السيدة خديجة عليها السلام التي أخذته إلى ورقة بن نوفل كي يؤيّد نبوّته، حيث قال في هذا الصدد:

«إنّه حقًّا إنسانٌ جادٌّ وضميره حيٌّ بحيث لا يعتبر كلّ أمرٍ يواجهه بأنّه من البديهيات الثابتة، بل يستطلعه ويستفسر عنه مرارًا، فيتمعّن به بدقّةٍ أكثرَ، ولا يتهرّب من السؤال، حيث يسأل: هل هذا ممكنٌ؟ كيف يحدث مثل هذا الأمر؟ إذن، نحن أمام مثالٍ للفكر الأساسي النقّاد، إنّه يسأل ويتأمّل».[2]

هذا الكلام يدلّ على أنّ أبو زيد يعتبر شخصية خاتم الأنبياء محمّد صلى الله عليه وآله كشخصية أيِّ إنسانٍ آخرَ، لذا عندما يواجه حدثًا عظيمًا فهو كغيره من الناس يتصوّر وكأنّ الوهم والخيال استحوذا عليه، كما أنّه لا يعتقد ببداهة أيّ شيءٍ، ولا يدرك صواب أو سقم كلّ حدثٍ إلا بعد تأمّلٍ وتفكّرٍ.

الحقيقة أنّنا لو أمعنّا النظر في الآيات والأحاديث التي تؤكّد على أهمية النبوّة ورسالة السماء، نستشفّ منها أنّ النبي محمّد صلى الله عليه وآله منذ ولادته كان

(262)

تحت رعاية الله سبحانه وتعالى، وأنّ نزول القرآن عليه كان عاملًا لتثبيت قلبه على الإيمان، فهو قبل البعثة كان مستعدًّا لتلقّي الوحي على ضوء ما كان يراه في عالم المنام من رؤيا صادقةٍ.

السؤال التالي يَرِد على ما طرحه هذا المفكّر المصري بخصوص شخصية النبي الأكرم صلى الله عليه وآله: يا ترى كيف يمكن للإنسان الذي لا يعتقد ببداهة أيّ شيءٍ في الوجود وليس لديه يقينٌ بنبوّته ويستشير الآخرين كي يتيقّن من حقّانيتها، أنْ يكون لائقًا للنبوّة وحمل رسالة السماء إلى البشرية جمعاء؟ لا شكّ في أنّ الهدف من الوحي هو بعثة الأنبياء على أساس سموّ شخصياتهم وعظمة الرسالة التي يحملونها على كاهلهم، وهذه الأمور تقتضي اتّصافهم بميزاتٍ شخصيةٍ فريدةٍ؛ لذا ما ذكره أبو زيد بهذا الخصوص ينطبق فقط على عامّة الناس ولا يمكن تسريته إلى شخصية خاتم الأنبياء والرسل صلى الله عليه وآله بتاتًا.

ما يدعو للأسف هو أنّ هذا المفكّر لجأ في بحوثه إلى رواياتٍ غيرِ موثَّقةٍ ولا سنديةَ لها، ناهيك عن أنّه لم يمعن النظر في مداليلها، ومثال ذلك أنّه نقل روايةً غير موثّقةٍ ادّعي فيها أنّ ملَك الوحي جبرئيل لـمّا أنزل الوحي لأوّل مرّةٍ على النبي محمّد صلى الله عليه وآله وقال له «اقرأ»، شعر بخوفٍ شديدٍ ورفض طلبه؛ لذا علّق عليها قائلًا: «ومحمّد صلى الله عليه وآله في هذه الأثناء أجاب بخوفٍ وذهولٍ ما أنا بقارئٍ، لكنّ الملَك كرّر طلبه، ثمّ غطّه وعصره بشدّةٍ حتّى بلغ منه الجهد وكاد يختنق؛ لكنّه استسلم في نهاية المطاف».[1] وحينما تحدّث عن التجربة

(263)

النبوية الأولى للوحي، وصف ملَك الوحي وكأنّه يرعب النبي صلى الله عليه وآله ويريد أن يصارعه، حيث عصره بشدّةٍ لدرجة أنّه ضاق ذرعًا بذلك واعترض عليه؛ وهذه المعاملة الفظّة أسفرت في النهاية عن استسلام النبي وانتصار جبرائيل.

الجدير بالذكر هنا أنّه أنكر عصمة النبي صلى الله عليه وآله واعتبره عرضةً للخطأ حاله حال عامّة الناس، حيث قال موضّحًا رأيه في هذا الصدد:

«لقد أشار القرآن مرارًا إلى كون محمّد صلى الله عليه وآله إنساناً عرضةً للخطأ، فهو لم يكن معصومًا من الخطأ؛ والقول بهذا الرأي لا يعدّ تعدّيًا على شخصيته، إذ حتّى وإن قلنا أنّه إنسانٌ غيرُ معصومٍ، يجب على المسلمين العلم بأنّ عظمته ليست كامنةً في عصمته التي تفوق وجوده البشري، بل هي عظمةٌ إنسانيةٌ؛ لأنّ الإنسان المعصوم فطريًّا لا فضل له، فالفضل لذلك الإنسان الذي هو عرضةٌ للخطأ لكنّه مع ذلك يبلغ أعلى مراتب الخير».[1]

(264)

هذا الكلام يدلّ بوضوحٍ على أنّ نصر حامد أبو زيد أخطأ في تصوّره بخصوص عصمة النبي محمّد صلى الله عليه وآله باعتبار أنّها تتنافى مع كونه مخيّرًا في أفعاله، فهذا الكلام باطلٌ جملةً وتفصيلًا لكون النبي لم يرتكب أيّ خطأٍ ولم ينحرف بإرادته واختياره؛ وأحد أسباب عصمته أنّه كان على يقينٍ بالآثار السلبية والمفسدة للذنوب، ومن المؤكّد أنّ العلم اليقيني بعاقبة العمل لا يُعدّ بحدّ ذاته سببًا لردع الإنسان عن ارتكابه، ما يعني أنّ النبي صلى الله عليه وآله تجنّب كلَّ فعلٍ خاطئٍ بمحض إرادته واختياره، والقرآن الكريم بدوره أشار إلى أنّه قادرٌ على أن يشرك بالله عزّ وجلّ، وذلك في الآية المباركة: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).[1]

نقدٌ وتحليلٌ

نتطرّق في ما يلي إلى نقد وتحليل آراء نصر حامد أبو زيد بشكلٍ مفصَّلٍ:

1) من فرضياته التي طرحها حول القرآن الكريم أنّه مليءٌ بالتناقضات التي لا سبيل إلى رفعها سوى بالإذعان إلى أنّه خطابٌ، إذ لو أذعنّا بكون كلّ آيةٍ نزلت في ظروفٍ معيّنةٍ سوف لا يبقى مجالٌ لأن تتعارض مع غيرها.

ولإثبات رأيه هذا، ذكر أمثلةً قرآنيةً مثل الزواج من أهل الكتاب ومسألة الجبر والتفويض، وما يدعو للأسف أنّه لم يفهم دلالة الآيات التي تحدّثت عن هذه المسائل، لذلك تصوّر أنّها تتعارض مع غيرها. فقد تحدّث عن ظاهرة تعدّد الأحكام واختلافها دون أنْ يذكر عددًا من الأمثلة التي تثبت وجود تعارضٍ في الأحكام التي أقرّتها الشريعة الإسلامية، لذلك نسأله: هل من الممكن الحديث عن تعارض

(265)

الأحكام الشرعية كظاهرةٍ شائعةٍ في الإسلام على ضوء مثالٍ واحدٍ وهو حكم الزواج من أهل الكتاب؟ ناهيك عن أنّ هذا المثال بحدّ ذاته فسّره بشكلٍ خاطئٍ، لذا ليس من شأنه مطلقًا إثبات مدّعاه.

2) من جملة تصوّراته الخاطئة أنّ دلالة سياق الكلام تُطرح كأساسٍ في نظريته القائلة بكون القرآن الكريم خطابًا، إلا أنّ هذه الدلالة لا تُؤخذ بعين الاعتبار في ما لو اعتبرناه نصًّا؛ لذا بحسب النظرية الثانية يمكن لنا تعميم مداليل بعض الآيات مثل تلك التي تضمّنت أوامرَ محدَّدةً حول التعامل بقسوةٍ مع اليهود المعاندين في ظروفٍ خاصّةٍ، فهنا لا نعير أهميةً لسياق الآيات ومن ثَمّ يتسنّى لنا استنباط حكمٍ كلِّيٍّ فحواه وجوب التعامل الحازم مع اليهود دائمًا ومهما كانت الظروف. الحقيقة أنّ هذا الباحث المصري غفل عن أنّ مسألة دلالة سياق الكلام اعتمد عليها الكثير من المفسّرين الذين يتبنّون فكرة نصّية القرآن الكريم، ومنهم العلامة محمّد حسين الطباطبائي الذي أكّد على هذا الأمر في كتابه الميزان في تفسير القرآن، حيث اتّخذ سياق الكلام محورًا لدى تفسيره الكثير من الآيات.

الجدير بالذكر هنا أنّ أبو زيد قصد من اللجوء إلى السياق في التفسير أنّ المفسّر يسلّط الضوء على الظروف والخلفيات التي أسفرت عن ظهور الآية، حيث ذكر في مباحثه بعض المصطلحات الخاصّة التي يجب اعتمادها في التفسير، مثل السياق والحوار والمناظرة والنقاش والجدل والرفض والقبول؛ ما يعني أنّ تفسير إحدى الآيات يقتضي سعي المفسّر لمعرفة ما إن كان ظهورها في سياق النقاش والجدل، أو الحوار والمناظرة والمفاوضة كي يتسنّى له فهم دلالاتها بأمثلِ شكلٍ. وقال في هذا الصعيد أنّ الفقهاء لو ركّزوا استدلالاتهم على سياق الآيات، سوف لا يواجهون أيَّ تعارضٍ بين الأحكام المستنبطة منها، وبالتالي لا يضطرّون للّجوء إلى الناسخ والمنسوخ

(266)

لرفع التعارض، حيث يدركون أنّ كلّ آيةٍ طرحت مضمونها على ضوء ظروفٍ معيّنةٍ ووجّهت خطابها لأشخاصٍ محدَّدين، ويعرفون أيضًا أنّ الهدف منها كان مجادلةً أو حوارًا أو مناظرةً أو مفاوضةً على سبيل المثال. ولو أذعنّا بأنّ القرآن بمثابة خطابٍ، ففي هذه الحالة لا يبقى مجالٌ للحديث عن وجود اختلافٍ وتناقضٍ في آياته.

الكثير من المختصّين بالعلوم القرآنية تبنّوا معنى أكثرَ دقّةً للسياق، فقد اعتبروه البنية الأساسية للكلام بحيث تنعكس فيه العديد من القرائن والدلالات اللفظية وغير اللفظية والتي تفي بدورٍ أساسيٍّ لإضفاء معنًى إلى الآية؛ لكن تجدر الإشارة هنا إلى أنّ تسليط الضوء على المخاطَب والأسلوب المتّبع في طرح الموضوع، لا يُعتبران دائمًا ركيزةً أساسيةً لفهم دلالة إحدى الآيات، ولربّما تكون النتيجة عكسيةً بحيث يتمّ فهم دلالتها بنحوٍ خاطئٍ.

3) صحيحٌ أنّ القرآن الكريم طوال ثلاث وعشرين سنةً نزل على خاتم الأنبياء والمرسلين محمّد صلى الله عليه وآله على هيئة خطابٍ لفظيٍّ ولم يكن من البداية على هيئة كتابٍ كاملٍ، إلّا أنّ هذه الخطابات جمعت في ما بعد ضمن نصٍّ واحدٍ له خصائصه التي يمتاز بها، ومن هذه الخصائص أنّه نصٌّ متناسقٌ لا تعارضَ فيه ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، كما أنّ فهم بعض آياته منوطٌ إلى سياق الكلام.

لا شكّ في أنّ الباحث والمفسّر القرآني لدى تفسيره وتحليله المضامين القرآنية، عليه أن يأخذ بنظر الاعتبار أنّ الكثير من الآيات ذاتُ مضامينَ تتعدّى نطاق التأريخ؛ وحتّى تلك الآيات المرتبطة بظروفٍ زمانيةٍ ومواقفَ خاصّةٍ، وتلك التي تشير إلى قصص وحكايات الأسلاف من أنبياء وغيرهم، هي الأخرى تتضمّن تعاليمَ تتعدّى نطاق الزمان والتأريخ، أي أنّها سارية المفعول في كلّ عصرٍ؛ لذا ليس من الصواب بمكانٍ ادّعاء أنّ كلّ آيةٍ هي مجرّدُ كلامٍ مستقطعٍ مقتصِرٍ على سياقٍ خاصٍّ

(267)

بحيث لا يمكن فهمه خارج نطاق هذا السياق، ومن الخطأ بمكانٍ زعم أنّ القرآن الكريم إن اعتبر نصًّا يتجرّد حينها من كلّ أمرٍ يفوق نطاق التأريخ.

إذًا، على كلّ من يرفض نصّية القرآن الكريم ويعتبره مجرّدَ خطابٍ، الإذعان إلى أنّ جميع آيات الأحكام وشتّى القواعد والأصول الدينية والأنطولوجية والأنثروبولوجية الموجودة فيه لا تسري إلى أيِّ عصرٍ في ما عدا عصر البعثة النبوية، فهي في هذه الحالة لا تجسّد تعاليمَ ثابتةً ودائمةً. وهذا ما ادّعاه أبو زيد، حيث اعتبر جمع المصحف وكأنّه تحويل مجموعةٍ من العبارات والجمل المشتّتة إلى نصٍّ متقوّمٍ على دلالاتٍ ذاتِ طابَعٍ محدَّدٍ، وإشكالية هذا الجمع لا تقتصر برأيه على آيات الأحكام فقط، وإنّما تَرِد على كيانه بالكامل بحيث حالت دون تحوّله إلى نصٍّ موحّدٍ ومنسجمٍ، بل إلى مجموعةٍ من العبارات والجُمل الخطابية التي يمكن قبول بعضها ورفض بعضها الآخر.

كتاب الله الحكيم أكّد بدوره على أنّ النزول التدريجي لآياته لا يتعارض مع انسجامها، فهذا التدريج حدث لأسبابٍ خاصّةٍ، وذلك في قوله تعالى: (وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا).[1]

4) توصّل إلى نتائجَ خاطئةٍ على ضوء استنتاجاته العجيبة، ومن جملة ذلك ادّعاؤه أنّ علماء الكلام المسلمين استندوا في أسلوبهم الكلامي إلى المحكم والمتشابه في القرآن الكريم، والفقهاء بدورهم ارتكزوا على الناسخ والمنسوخ؛ وهذا الأمر برأيه أسفر عن حدوث الكثير من الاختلافات في وجهات النظر والنزاعات الإيدولوجية، حيث قال في هذا الصعيد:

(268)

«والسؤال الآن هو: هل يمكن لأيِّ نظريةٍ في التأويل أنْ تستمرّ في تجاهل حقيقة أنّ القرآن ليس فقط مجرّدَ نصٍّ؟ إنّ تأريخ التفسير يؤكّد أنّ القرآن تمّ التعامل معه حتّى الآن بوصفه نصًّا لا يحتاج إلّا إلى التحليل البنيو - فيلولوجي للكشف عن معناه. هذا واضحٌ في منهج كلٍّ من المتكلّمين والفقهاء، حيث انبنى منهج المتكلّمين على تركيبه المحكم والمتشابه وانبنى منهج الفقهاء على تركيبة الناسخ والمنسوخ، وهما النسقان التركيبيان السائدان حتّى الآن في التعامل مع القرآن، وهما نسقان أدّيا في معظم الأحوال لتحويل القرآن إلى ساحة نزاعٍ إيديولوجيٍّ ومذهبيٍّ، نزاعٍ ينتهي إلى التلاعب بالمعنى لغايات براغماتيةٍ تبريريةٍ وإن كانت لا تخلو من النوايا الحسنة.

إنّ التعامل مع القرآن بوصفه مجرّدَ نصٍّ هو مصدر النزاع، وقد يقدّم لنا منهج التعامل مع القرآن بوصفه خطابًا، مجالًا مختلفًا قد يساعدنا في تطوير منهجيةٍ إنسانويةٍ».[1]

لكن يا ترى هل يمكن ادّعاء أنّ علماء الكلام سلّطوا الضوء في بحوثهم على المحكم والمتشابه فحسب؟ هل إنّ نصر حامد أبا زيد لم يُعر أهميةً لمكانة العقل في الآراء التي تبنّاها علماء الكلام؟ ألم يعلم بأنّ تفسيرهم لبعض الآيات ارتكز على أصولٍ عقليةٍ واستدلاليةٍ معتَبرةٍ؟ فضلًا عن ذلك، ما هو السبب في ارتكاز هذا الكمّ من الأحكام على مسألة الناسخ والمنسوخ؟ يا ترى ما هو عدد الآيات التي نُسخت في القرآن الكريم؟

(269)

في بعض المباحث يؤكّد علماء الكلام -وحتّى علماء التفسير- على أنّ القرآن الكريم نصٌّ واحدٌ واعتمدوا على مسألة المحكم والمتشابه في هذا المضمار، وبهذا الأسلوب ساهموا في تيسير فهم دلالات الكثير من آياته، ومن أمثلة ذلك أنّهم اعتبروا الآية 11 من سورة الشورى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) بكونها من المحكمات، لذا يتسنّى لنا على ضوئها تحقيق فهمٍ صائبٍ لآياتٍ أخرى، مثل قوله تعالى في الآية 10 من سورة الفتح: (يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيدِيهِمْ)؛ بينما نظرية نصر حامد أبي زيد تضطرّنا للقول بأنّ النبي محمّد صلى الله عليه وآله قال (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) في ظروفٍ معيّنةٍ، وفي ظروفٍ أخرى قال (يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيدِيهِمْ)، لذا يترتّب على رأيه عدم وجود محذورٍ في كون المراد هنا تلك اليد الجسمانية الملموسة مادّيًّا، وهذا الرأي يُعدّ بكلّ تأكيدٍ نتيجةً لرفض نصّية الكتاب الحكيم وعدم الأخذ بعين الاعتبار مسألة المحكم والمتشابه.

لقد أخطأ أبو زيد عندما قال أنّنا لو اعتبرنا القرآن ليس بمثابة نصٍّ سوف لا يبقى مجالٌ للتلاعب بمداليله وتوجيهها لأغراضٍ وغاياتٍ معيّنةٍ. إنّ ما يحدث من اختلافٍ في فهم بعض الآيات لا يصدق فقط على فهم دلالات عددٍ قليلٍ من تلك الآيات التي تبدو وكأنّها متعارضةٌ في ظاهر الحال، مثل آيات الجبر والتفويض، بل يصدق حتّى على ما تضمّن منها صراعاتٍ إيديولوجيةً ودينيةً.

5) أبو زيد تصوّر خَطَأً أنّنا لو قلنا بنظرية نصّية القرآن سوف يكون فهمنا له سلطويًّا، لكنّنا إن اعتبرناه خطابًا فسوف نتمكّن من طرح تفسيرٍ حيويٍّ له، حيث قال:

«إنّ التعامل مع القرآن فقط بوصفه نصًّا سيتيح دائمًا تأويليةً كلّيانيةً أو تأويليةً سلطويةً، وكلتاهما تزعم إمكانية الوصول إلى الحقيقة المطلقة.

(270)

إنّ كلّ مقاربةٍ جديدةٍ للقرآن لا تضع في اعتبارها إعادة الاعتبار لطبيعته الأصلية الحيّة بوصفه خطابًا - إنْ في الدراسات الأكاديمية أو في تداوله في الحياة اليومية - لن تستطيع أنْ تُنتج تأويليةً حيّةً ومنفتحةً.

إنّ السعي إلى تأسيس تأويليةٍ حيّةٍ مفتوحةٍ ضدًّا للتأويلات السلطوية والكلّيانية، ينطلق من حقيقةٍ فحواها أنّ تأويل القرآن هو في حقيقته سعي لصياغة معنى الحياة، وإذا كنّا حقًّا جادّين في سعينا لتحرير الفكر الديني من سلطة القهر والقوّة - سياسيةً كانت أم اجتماعيةً أم دينيةً - من أجل إعادة الحقّ في صياغة المعنى الديني للمؤمنين؛ فلا سبيل أمامنا إلا محاولة بلورة منهجيةٍ تأويليةٍ تقبل تأويل غيرها وتبني عليه أو تعارضه. تنطلق هذه التأويلية المفتوحة من حقيقة أنّ الاختلافات الإمبريقية في المعنى الديني جزءٌ من طبيعتنا الإنسانية القائمة على الاختلاف في معنى الحياة عمومًا، وهو الأمر الذي يجب اعتباره قيمةً إيجابيةً في سياق حياتنا الحديثة».

لا ريب في أنّ هذا الادّعاء هو الآخر عبارةٌ عن كلامٍ بلا دليلٍ، فقائله لم يوضّح مقصوده من بعض المصطلحات التي ذكرها، مثل معنى الحياة والحقيقة المطلقة؛ ولو كان مراده من الحقيقة المطلقة هو فهم القرآن الكريم بشكلٍ صائبٍ عارٍ من كلّ خطأٍ فإنّ مؤيّدي كلِّ واحدةٍ من النظريتين المذكورتين لهم الحقّ في ادّعاء أنّ فهم مداليل بعض الآيات من شأنه أن يكون عاريًا من الخطأ، بينما فهم مداليل بعضها الآخر يتطلّب امتلاك تدقيقٍ وتمحيصٍ عميقين على ضوء الإنجازات الفكرية الحديثة.

وقوله:

«وإذا كنّا حقًّا جادّين في سعينا لتحرير الفكر الديني من سلطة القهر

(271)

والقوّة - سياسيةً كانت أم اجتماعيةً أم دينيةً - من أجل إعادة الحقّ في صياغة المعنى الديني للمؤمنين؛ فلا سبيل أمامنا إلا محاولة بلورة منهجيةٍ تأويليةٍ تقبل تأويل غيرها».

لا ارتباط له بمسألة اعتبار القرآن الكريم نصًّا أو خطابًا.

6) ضمن مساعيه الرامية إلى توجيه نظريته وإثبات أنّ القرآن الكريم مجرّد خطابٍ، تبنّى بعض الآراء المثيرة للعجب والتي من جملتها إنكار وجود آيةٍ فيه تدلّ على صلب المسيح عيسى عليه السلام أو تُنكره؛ حيث قال:

«أمّا المشكلة الأخرى التي يُظنّ أنّ القرآن يخالف فيها عقائد النصاى، فهي مشكلة الصَّلْب، حيث يعتقد عامّة المسلمين وخاصّتهم أنّ القرآن ينكر الصلب ويؤكّد الوفاة العادية للمسيح، ولا تعارض عند المسلم بين إنكار الصلب والرفع إلى السماء. وفي تقديري أنّ القرآن ليس مشغولًا بإنكار الصلب أو إثباته، فسياق الخطاب هو سياق الجدل مع اليهود دفاعًا عن مريم التي قالوا فيها بهتانًا وإثمًا عظيمًا؛ وادّعاؤهم - أي قولهم إنّهم قتلوا المسيح عيسى بن مريم - يردّ عليه القرآن ردّاً سجالياً واضحاً: (وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) [1].

 بما أنّ الآية تصرّح بكون النبي عيسى عليه السلام لم يُقتل ولم يُصلب، ادّعى أبو زيد[2] أنّ البنية الخطابية للقرآن الكريم تدلّ على ما يلي:

 «لو كانت مسألة الصلب من المسائل الخلافية الهامّة مثل مسألة

(272)

الطبيعية البشرية للمسيح، لكانت قد أثارت جدلًا أوسع من أن تُذكر مرّةً واحدةً وفي سياق الجدل مع اليهود؛ إنّ بنية الخطاب تُرجّح أنّ نفي قتل اليهود للمسيح -وهم لم يذكروا أنّهم صلبوه- هو نفيٌ لقدرتهم على الفعل، أيّ فعلٍ - إذا كانت المشيئة الإلهية لا تريد وقوع الفعل. الدليل على ذلك أنّ مجرّد افتخار اليهود بأنّهم قتلوا المسيح وخطابهم الموجّه إلى محمّدٍ، يتضمّن تهديدًا بقدرتهم على قتل محمّدٍ؛ والقرآن حين يتصدّى بهذه اللغة الحاسمة  (وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ)  للردّ على زعم اليهود، إنّما يهدف إلى طمأنة محمّد: إنّهم غير قادرين على ذلك، لأنّ الله لن يسمح لهم».

يا ترى من أين جاء بهذا التفسير وكيف استنتج هذا الرأي؟ إذْ إنّ سيادة المشيئة الإلهية لا بدّ أن نستنتجها من سائر الآيات أو من الأدلّة العقلية، ولا يمكن استنباطها من هذه الآية التي ذكرها فحسب؛ فالقرآن الكريم يؤكّد على أنّ المشيئة الإلهية حاكمةٌ على كلّ شيءٍ. الحقيقة أنّ الكتاب الحكيم هو عبارةٌ عن نصٍّ واحدٍ لا خطاباتٍ متناثرةٍ غيرِ مترابطةٍ مع بعضها كما ادّعى نصر حامد أبو زيد، لذا لا يمكن ادّعاء أنّ اليهود لم يمتلكوا القدرة على قتل النبيين عيسى عليه السلام ومحمّد صلى الله عليه وآله.

الجدير بالذكر هنا أنّ الآية التي استشهد بها أعلاه حتّى وإن صرّحت بعدم قتل المسيح أو صلبه، إلّا أنّ ما يترتّب على السياق الجدلي لا يتعارض مع تطرّق القرآن الكريم إلى بيان إحدى الحقائق؛ كما أنّ الآية لم تنقل على لسان اليهود، بل هي على لسان الله عزّ وجلّ الذي أنكر قتل النبي عيسى عليه السلام وصلبه، ومن المؤكّد أنّ قوله الحقّ وحينما يجادل البشر فهو لا يقول إلا الحقّ ولا يتضمّن

(273)

كلامه أيَّ دلالاتٍ باطلةٍ أو منافيةٍ للواقع، لكن يبدو أنّ هذا الباحث المصري لا يعتقد بهذه الحقيقة العقلية والقرآنية الثابتة لدى بيانه المداليل القرآنية، أي أنّه لا يؤمن بكون قول الله تعالى حقًّا ولا يعتقد بحصانة القرآن الكريم من كلّ باطلٍ.

7) هدفه من طرح نظرية الخطاب بالنسبة إلى القرآن الكريم، هو تفسير آياته بشكلٍ يتناسق مع قابليات العقل البشري، حيث سعى إلى طرح فهمٍ معاصرٍ لها يتناسب مع مبادئ حقوق الإنسان، لذلك ادّعى تأريخانية الأحكام الإسلامية حينما قال:

«لا يتمّ التعامل بكفاءةٍ مع السؤال الذي يثار كثيرًا في سياق موضوع حقوق الإنسان والمساواة وحقوق المرأة... إلخ، إلّا بالعودة دائمًا إلى منهج تحليل الخطاب؛ من هذا المنظور لا بدّ من الاعتراف بأنّ الخطاب القرآني موجّهٌ بشكلٍ أساسيٍّ إلى الذكور خاصّةً في شؤون الزواج والطلاق والتجارة، أي في كلّ شؤون الحياة الاجتماعية، وهذا أمرٌ طبيعيٌّ، إذ عصر النزول وبيئته ينتميان إلى مجالٍ ثقافيٍّ ذكوريٍّ، لكنّ هذه الخصيصة الخطابية قد استُثمرت تأريخيًّا لصياغة حقوقٍ للذكور تتجاوز ربّما حدود قصد الخطاب ذاته.

وممّا يجب التنويه به في هذا الصدد أنّ الخطاب القرآني في المجال الديني غير الاجتماعي - أي مجال العمل التعبّديّ وما يترتّب عليه من الثواب الديني الأخروي - يخاطب الذكور والإناث على قدم المساواة، ويؤكّد مبدأ المساواة تأكيدًا مطلقًا.

يظلّ الأمر في النهاية مرهونًا بقدرة العقل الإسلامي على تحديد الأصل

(274)

والفرع في الخطاب القرآني؛ أعني إذا اعتبرنا أنّ المساواة في التعبّد وفي الثواب الأخروي هي الأصل، فيتعيّن علينا أنْ نمدّ حكم الأصل على الفرع فنحاول من خلال منهجٍ إبداعيٍّ تحقيق المساواة في مجال العلاقات الاجتماعية. أمّا إذا عكسنا المسألة فاعتبرنا مجال النشاط الاجتماعي هو الأصل في الخطاب القرآني فإنّ المساواة تصبح فرعًا. هذا التصوّر هو التصوّر الذي ساد أفق الفقه الإسلامي، وما يزال مسيطرًا حتّى الآن على الرغم من كلّ اليافطات الدينية التي تجعل من الآخرة أصلًا ومن الدنيا فرعًا».[1]

نلاحظ من كلامه هذا أنّه اعتبر نظرية الخطاب تصدق أكثر في ما لو أخذنا بنظر الاعتبار مبادئ حقوق الإنسان ومبدأ المساواة بين الرجل والمرأة، فلو أنكرنا نصّيته وأذعنّا بكونه مجرّدَ خطابٍ سوف يتسنّى لنا في هذه الحالة المساواة بين الرجل والمرأة دون تمييزٍ وإجحافٍ في حقوقهما؛ وعلى ضوء اعتقاده بأنّهما متكافئان من الناحية المبدئية وكذلك من حيث الثواب والعقاب الأخروي في القرآن الكريم، استنبط ما أطلق عليه فرعًا وهو كونهما متساويَيْن في الحقوق والتكاليف؛ إلا أنّ هذا الاستدلال يكتنفه الكثير من الغموض في واقع الحال، فكيف استنبطه وعلى أيِّ أساسٍ أثبت صوابه؟

تجدر الإشارة هنا إلى أنّ الآيات التي تطرّقت إلى الحديث عن حقوق وتكاليف كلٍّ من الرجل والمرأة ليست متعارضةً مع بعضها، لذلك لا يأتي الدور للّجوء إلى مسوّغٍ يزيل التعارض مثل نظرية الخطاب التي طرحها أبو زيد؛ كما أنّها ليست عصيّةً على الذهن البشري كي يصعب عليه الاعتقاد بما ورد فيها، وبالتالي لا مجال لادّعاء ضرورة طرح تفسيرٍ لها يتناسق مع قابليات الإدراك البشري.

(275)

ولأجل تبرير رأيه ادّعى ضرورة إقرارنا بكون الآخرة أصلًا والدنيا فرعًا لكي يصبح مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة أصلًا، لكن يَرِد عليه هنا ما يلي: كيف يمكننا استنتاج المساواة المشار إليها هنا - والتي تتعارض مع صريح بعض الآيات - على ضوء الاعتقاد بكون الآخرة أصلًا والدنيا فرعًا؟

فضلًا عمّا ذكر، فهو لدى طرحه مسألة حقوق الرجل والمرأة استند إلى عددٍ من الآيات ومن ثَمَّ اتّبع أسلوب تفسير القرآن بالقرآن، وهذا يعني أنّه أذعن بكون القرآن نصًّا لا خطابًا متناثرًا؛ وهذا الموقف يُعدّ بطبيعة الحال نقضًا للنظرية التي يتبنّاها.

8) تصوّر أنّنا إن اعتبرنا القرآن الكريم بمثابة خطابٍ، سوف ينجو المسلمون من بعض السلوكيات المتطرّفة التي من جملتها الصراع والانزواء والإقصاء، لأنّ البعض يعتبرون الإسلام دينًا راديكاليًّا إرهابيًّا إقصائيًّا؛ فهذه السلوكيات وما ماثلها تدمّر المجتمعات الإسلامية ويقضي عليها.

الطريف أنّ نصر حامد أبو زيد اعتبر نظرية الخطاب طرحًا جديدًا مدّعِيًا أنّ نظرية نصّيته هي من طرح القدماء، إلا أنّه حينما تطرّق إلى الحديث عن الحضارة الإسلامية القديمة قال بصريح العبارة:

 «إنّ تأريخ الثقافة في العالم ينبِئنا أنّ البذور الأولى للحضارة الإنسانية قد ولدت في أحواض الأنهار، ربّما في إفريقيا السوداء أو... ومع انبثاق الطور الحضاري للإسلام تبلورت ثقافةٌ جديدةٌ استوعبت كلّ العناصر الحيّة والخلاقة في الثقافات الهللينية والهندية والفارسية، وأعادت إنتاجها في مُركَّبٍ جديدٍ؛ وذلك قبل أن تُعيد تصديره إلى العالم الغربي الجديد عبر صقلية وإسبانيا».[1]

(276)

هذا التقييم للحضارة الإسلامية من قبل أبو زيد ينمّ بذاته عن أنّ التعايش السلمي بين المسلمين أنفسهم، وتعايشهم مع الآخرين لا يمتّ بصلةٍ لضرورة القول بكون القرآن الكريم نصًّا أو خطابًا.

9) لأجل تبرير نظريته التي أكّد فيها على كون القرآن الكريم خطابًا، اضطرّ في بعض الأحيان إلى الإذعان بكونه نصًّا مثلما حدث في الآية التي تحدّثت عن المحكم والمتشابه فيه، حيث ادّعى أنّ علماء الكلام استندوا إلى هذه الآية لطرح آرائهم التأويلية، وهي قوله تعالى: (هو الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) [1] وفي هذا السياق ذكر آراءً جديرةً بالتأمّل.

تجدر الإشارة هنا إلى أنّ مفسّري القرآن الكريم ساقوا الكثير من البحوث بخصوص هذه الآية، فقد نقل العلامة السيّد محمّد حسين الطباطبائي ستّة عشر قولًا في تفسير دلالتها.[2]

أبو زيد الذي سعى جاهدًا لإثبات نظرية خطابية القرآن الكريم، تحدّث عن الخطاب في هذه الآية قائلًا:

«... الاتّهام إذًا موجّهٌ لليهود والنصارى لا لليهودية والنصرانية كدينيْن

(277)

ولا لكتبهما المقدّسة، وهذا يقودنا لمناقشة الخطاب الذي تتضمّنه الآية السابعة من سورة آل عمران - رقم 3 - التي تحيل إلى الإحكام والتشابه، وهي الآية التي على أساسها أقام المتكلّمون قواعدهم التأويلية كما أشرنا من قبل.

وفي تقديري أنّ الخطاب في الآية يتعلّق بالردّ على فهم النصارى لوصف القرآن للمسيح بأنّه كلمة الله وروحٌ منه، بوصفه بأنّه فهمٌ سقيمٌ غيرُ قادرٍ على التمييز بين الواضح والغامض - المحكم والمتشابه - في الخطاب القرآني. هكذا استطاع القرآن أنْ يواجه التحدّي الموجّه له بالتناقض بإعادة تصنيف خطابه وتوجيهه وجهة الغموض بحيث يصبح هو - أي الخطاب - مرجعية التأويل؛ تصبح بشرية المسيح - وكونه عبدًا من عباد الله - هي الأصل المحكم، وما ورد من وصفٍ بأنّه الكلمة أو الروح، تصبح الفرع المتشابه، وتصبح مشكلة النصارى أنّهم عجزوا عن التمييز بين المستويين ووقعوا نتيجةً لذلك في معسكر الذين في قلوبهم مرضٌ، الذين يتّبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء التأويل الذي لا يعلمه إلا الله».

هذا الكلام يدلّ على أنّ أبو زيد قد أشار إلى أحد مصاديق المحكم والمتشابه، فهو أكّد على أنّ بشرية المسيح عيسى عليه السلام يجب أنْ تكون من المحكمات، بينما كونه كلمةً أو روحاً يُدرج ضمن المتشابهات؛ وقد استند إلى هذه الآية في تفسير آياتٍ أخرى، مثل الآيات 64 إلى 67 من سورة البقرة والتي تحدّثت عن الوجه الحقيقي لعيسى عليه السلام وأنكرت ألوهيته وبنوّته لله تعالى؛ وهذا يعني أنّ القرآن الكريم فنّد المعتقدات الباطلة التي تبنّاها النصارى والتي من جملتها

(278)

ألوهية المسيح ولم يفنّد المسيحية بحدّ ذاتها، لذا ألا يدلّ استدلال هذا المفكّر المصري هنا على أنّه استند إلى القرآن في تفسير القرآن؟ أي أنّه لجأ إلى بعض الآيات لفتسير آياتٍ أخرى، فهو في الحقيقة أينما اقتضت الضرورة لم يجد بُدًّا من العمل وفق نظرية نصّية القرآن الكريم.

نتيجة البحث

المفكّر المصري نصر حامد أبو زيد طرح في نظريته الجديدة - الخطاب - العديد من المسائل التي يمكن تلخيصها بما يلي:

1) ثقافة عصر النزول قد انعكست في القرآن الكريم ولكن ليس من جهة أنّ الله عزّ وجلّ قصد الحديث عن معتقدات عرب ذلك العصر وسلوكياتهم، فالقرآن برأيه عبارةٌ عن مجموعة من الخطابات التي أثّرت على النبي محمّد صلى الله عليه وآله لكونها صدرت على لسانه.

2) القرآن الكريم نقل قصص بعض الأنبياء السابقين لكونها كانت سائدةً بين أهل ذلك العصر، والنبي محمّد صلى الله عليه وآله بدوره استثمرها اعتمادًا على مدركاته الفكرية.

3) نظرية نصّية القرآن الكريم تستدعي حدوث الكثير من التناقضات الناجمة عن مواجهة النبي لشتّى الأحداث الاجتماعية، ولا بدّ من الإذعان إلى هذا الأمر.

4) نظرية نصّية القرآن الكريم تقحم الكثير من الأفكار الباطلة في المضامين القرآنية وبكلّ سهولةٍ، لذا إنْ أردنا اجتناب هذا الانحراف الفكري فلا بدّ من القول بعدم وحدة نصّه.

(279)

5) الله تعالى بحسب نظرية نصر حامد أبو زيد لم يَضع أيّ تخطيطٍ مسبقٍ لرسالة النبي محمّد صلى الله عليه وآله كي يسلك مسيرته التبليغية للحقّ على أساسه.

6) لا يمكن اعتبار القرآن الكريم كتابًا موحّدًا وحقًّا ونورًا تفسّر آياته بعضها البعض.

7) الأحكام القرآنية ليست ثابتةً وساريةَ المفعول على مرّ التأريخ، أي أنّها لا تتجاوز نطاق الزمان، بل هي مقيّدةٌ بزمانٍ محدّدٍ وعرضةٌ للتغيير والتحوّل.

8) الأحكام الاجتماعية في الإسلام تتناسق مع ما كان سائدًا في عصر ظهوره، لذا لا يمكن الاعتماد عليها لمعالجة المشاكل المعاصرة؛ وهذا يعني ضرورة إذعان المسلمين في العصر الحديث إلى كون الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هو الأصل والأساس في الحياة المعاصرة، ومن ثمّ يجدر بهم تقييم جميع تعاليمهم القرآنية على ضوئه بحيث ينبذون كلّ حكمٍ يتعارض معه. يا ترى هل يسوّغ لنا الاعتماد على نظرية نصر حامد أبو زيد لتفنيد المقوّمات الأساسية للوحي القرآني بذريعة طرح قراءةٍ جديدةٍ وحيويةٍ لآياته؟ فهل يحقّ لنا في هذه الحالة اعتباره من وحي السماء؟ إذًا، أهمّ مؤاخذةٍ تطرح على نظرية الخطاب والآراء التي تبنّاها هذا المفكّر المصري على أساسها، هي عدم اعتبار القرآن الكريم كتابًا مقدّسًا، وعدم القول بكون النبي محمّد صلى الله عليه وآله إنسانًا كاملًا كما يعتقد المسلمون.

(280)

المصادر

1) القرآن الكريم

2) نصر حامد أبو زيد، معناي متن باللغة الفارسية، ترجمه إلى الفارسية مرتضى كريمي نيا، إيران، طهران، منشورات طرح نو، 2001م.

3) نصر حامد أبو زيد، نقد الخطاب الديني، لبنان، بيروت، المركز الثقافي العربي، 1996م.

4) نصر حامد أبو زيد، محمد وآيات خدا: قرآن وآينده اسلام باللغة الفارسية، تحقيق هلال سيزجين، ترجمه إلى الفارسية فريده فرنود فر، إيران، طهران، منشورات علم، 2014م.

5) نصر حامد أبو زيد، التجديد والتحريم والتأويل بين المعرفة العلمية والخوف من التكفير، لبنان، بيروت، منشورات المركز الثقافي العربي، 2010م.

6) نصر حامد أبو زيد، نور آوري، تحريم وتاويل «شناخت علمي وهراس از تكفير» باللغة الفارسية، ترجمه إلى الفارسية مهدي خلجي، منشورات معهد الدراسات الإلكترونية توانا، 2014م.

7) محمّد أركون، الفكر الإسلامي قراءةٌ علميةٌ، ترجمه إلى العربية هاشم صالح، لبنان، بيروت، منشورات المركز الثقافي العربي، 1996م.

8) محمّد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، إيران، قم، منشورات جامعة المدرسين، 1363هـ.

9) عبد الله جوادي الآملي، تسنيم باللغة الفارسية، إيران، قم، منشورات إسراء، 2008م.

10) محمّد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي، الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه «صحيح البخاري»، تحقيق محمّد زهير بن ناصر الناصر، لبنان، بيروت، دار طوق النجاة الطبعة الأولى، 1422هـ.

(281)

11) Mc Auliffe, Jane Dammen ed.), 2002, Encyclopedia of the Qur`an, Leiden Brill, vol. 2.

12) http://zamaaneh.com/idea/2010/07/post_752_html

(282)

القسم الثالث: أبو زید وتأويل خطاب المرأة

 

 

دراسة ونقد  کتاب دوائر الخوف

 لنصر حامد أبو‌ زید[1]

مرتضى رستگار[2]

 

الخلاصة

يُعدّ نصر حامد أبو زيد واحدًا من أبرز الشخصيات الفكرية ومن أكثر المفكرين المسلمين إثارة للجدل، حيث يسعى إلى تقديم رؤيةٍ جديدةٍ للدين. لقد بذل نصر حامد أبو زيد مجهودًا في معرض نقده لأسلوب التفسير والاجتهاد التقليدي في فهم المسائل الدينية والإطار الحاكم على التفكير السائد بين العلماء والتفاسير الدينية، وعمل في المقابل على تقديم منهجٍ بديعٍ وجديدٍ في تفسير النصوص يقوم على أسلوب التفسير الهرمنيوطيقي. يذهب نصر حامد أبو زيد إلى الاعتقاد بأن

(283)

التراث يُسهم على الدوام في صياغة وقولبة وعينا، ويُؤثّر على سلوكنا ـ سواءً أشئنا ذلك أم أبينا ـ وعليه إذا لم نستطع تجاهل هذا التراث، تعيّن علينا العمل على إصلاحه وإعادة قولبته. إن نصر حامد أبو زيد في كتابه “دوائر الخوف: قراءةٌ في خطاب المرأة” يظهر بوصفه ناقداً أكثر منه كاتباً. إلا أنه إلى جوار النقد يعمد في بعض الأبحاث إلى إبداء رأيه، والاستدلال على صحّة أو خطأ نظرياته. وقد تعرّض في كتابه هذا إلى آراء الشيخ محمد عبده، وقاسم أمين، وطاهر الحداد، وفاطمة المرنيسي، مع بيان موافقته أو مخالفته لآرائهم. كما يتطرّق إلى قوانين بعض الدول، مثل: مصر وتونس، حيث يعمل على مناقشة موادّها بغية تأييدها أو نقدها. يتمثّل جهد نصر حامد أبو زيد في هذا الكتاب في العمل ـ من خلال تقديم أسلوبٍ بنيويٍّ لفهم النصوص، بالاستناد إلى مبانٍ من قبيل: البنية التاريخية للنص، والنزعة التأويلية، والبنية اللغوية، وما إلى ذلك ـ على تقديم رؤيةٍ جديدةٍ في موضوع المرأة. يسعى كاتب هذا المقال إلى مناقشة ونقد بعض أهم النقاط والمسائل المثارة في كتاب “دوائر الخوف”.

(284)

المقدمة

لقد شكّل واقع المرأة في العالم المعاصر مادةً خصبةً لدراساتٍ واسعةٍ. إنّ منشأ هذه المسألة يكمن في الاختلافات الموجودة في الرواية الرسمية ـ أو ما يُصطلح عليه بالرواية التقليدية ـ عن الدين والشريعة الإسلامية بين الرجل والمرأة؛ وذلك لأن العلماء التقليديين يسعون من جهةٍ إلى إقامة نوعٍ من التوافق والانسجام بين الرواية الرسمية والعالم المتجدّد، ومن ناحيةٍ أخرى يسعى بعض المتجددين ـ من خلال الاتجاه الإبستيمولوجي إلى مسألة حقوق المرأة ـ إلى حلّ المسألة ورفع التحديات الماثلة أمامها. ويمكن لنا أن نُدرج نصر حامد أبو زيد ضمن هذه المجموعة من المفكرين. وقد تمّ نشر أهم آرائه في هذا الشأن ضمن كتابٍ له بعنوان “دوائر الخوف: قراءة في خطاب المرأة”. ويشتمل هذا الكتاب على مقدمةٍ ومدخلٍ وقسمين. ويحمل المدخل “عنوان حواء بين الدين والأسطورة”. يسعى نصر حامد أبو زيد من خلال سرد قصة خلق آدم وحواء وهبوط الإنسان من الجنة ـ بحسب رواية الطبري في تفسيره ـ إلى إرجاع جذور سوء الفهم بشأن المرأة إلى بدايات التفسير الديني. وقد سعى في القسم الأول بعنوان المرأة في خطاب الأزمة ضمن ثلاثة فصولٍ إلى البحث في الخطاب العربي المعاصر الخطاب الديني، والنهضة، والنزعة القبلية/ الاجتماعية حول شأن ومنزلة المرأة، ليَخْلص إلى نتيجةٍ مفادها أنّ هذه الخطابات الثلاثة التي تبدو متعارضةً في ظاهرها، تلتقي في نهاية المطاف عند نقطةٍ واحدةٍ تتلخّص في حبس المرأة في زاويةٍ من البيت. ويشتمل القسم الثاني تحت عنوان “كتاب السلطة والحق” على أربعة فصولٍ. ويختص الفصل الأول بحقوق الإنسان في الإسلام. وقد تعرّض أبو زيد في الفصل الثاني إلى

(285)

بحث حقوق المرأة، وسعى إلى التفكيك بين الأساليب المختلفة لفهم النص. وفي الفصل الثالث عمل على نقد كتاب “الإسلام والديمقراطية والمرأة” لمؤلفته فاطمة المرنيسي، وعمد في الواقع على فرض عنوان هذا الفصل على مجموع الكتاب. ثم تعرّض نصر حامد أبو زيد في الفصل الرابع والأخير إلى دراسة نموذج الوضع الحقوقي والقانوني للمرأة في تونس، وتحدّث عن بعض الموارد الملفتة للانتباه من اجتهادات الفقهاء المسلمين في حقل الشريعة الإسلامية في المرحلة المعاصرة.

يرى نصر حامد أبو زيد[1] أنّ لحقوق المرأة مختلف الأبعاد الاجتماعية والثقافية والفكرية، ولا تختص هذه الحقوق بمجتمعٍ دون مجتمعٍ، وإنّما تشمل كافة المجتمعات البشرية، مع فارق أنّ المرأة في العالم الإسلامي والعربي كانت تعاني ـ بطبيعة الحال ـ من بعض التحديات والمشاكل الخاصة أيضًا. إن هذه التحديات تمثّل البُعد الديني من مسألة حقوق المرأة؛ وذلك لأنّ المسلمين ينظرون إلى الإسلام بوصفه مرجعًا أصليًّا وشرعيًّا لأفعالهم وسلوكاتهم، وأنّ كلَّ سلوكٍ يصدر عنهم يجب أن يستند إلى الدين.[2]

نسعى في هذا المقال إلى مناقشة ونقد أربعةٍ من أهم مدعيات نصر حامد أبو زيد ومنهجه في بحث حقوق المرأة، وأربعةٍ من المباني المرتبطة بالبحث والتي تحظى بأهميةٍ أكبرَ.

(286)

دعوى الاجتهاد

شكا أبو زيد في مقدمة هذا الكتاب من سيطرة السلطة على فضاء التفكير الديني. ومن خلال بيانه للأهمية التي يوليها الدين الإسلامي لـ العقل، سعى إلى إطلاق مصطلح الاجتهاد على جهوده في ما يتعلق بموضوع المرأة، ومن ذلك قوله:

ولأهمية وأصالة دور العقل في تأسيس الإيمان والهداية ربط الإسلام ربطاً محكماً بينه وبين الاجتهاد ولم يجعل الوصول إلى الصواب ـ ناهيك عن الوصول إلى الحقيقة التي هي ضالة المؤمن دائماً ـ شرطاً لإجازة الاجتهاد ومكافأته. لقد أجاز الإسلام الاجتهاد الخطأ وكافأه من اجتهد فأخطأ فله أجر؛ ذلك أن الخطأ هو السبيل لبلوغ الصواب في مجال التفكير الحر[1].

ثم أضاف نصر حامد أبو زيد أن مراده من الاجتهاد هو التفكير دون خوفٍ ودون عوائقَ أو منطقةٍ ممنوعةٍ، وذلك لأنّ ديننا دينٌ يحثّ على التفكير الحر، ويرصد أجرًا للاجتهاد حتى إذا كان خاطئًا[2].

وقد صرّح نصر حامد أبو زيد في هذا الكتاب قائلًا: ﻓﻲ ﻫﺬا اﻟﻜﺘﺎب ﻟﻦ ﻳﺠﺪ اﻟﻘﺎرئ ﻋﻔﺮﻳﺘًﺎ، ﻟﻜﻨﻪ ﺳﻴﺠﺪ اﺟﺘﻬﺎداتٍ ﻓﻲ ﻓﻬﻢ ﻛﺘﺎب ﷲ تعالى وﻓـﻲ ﻓﻬـﻢ ﺗﻌﺎﻟﻴﻢ ﻧﺒﻴﻪ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وفي فهم واحدةٍ من أهم قضايا مجتمعنا المطروحة أمامنا، وهي قضية المرأة[3].

(287)

نقدٌ

لا شك ـ بطبيعة الحال ـ في أنّ الإسلام يمنح العقل مكانةً ومنزلةً خاصةً ومرموقةً، وفي أنّ هناك بين العقل والاجتهاد علاقةً راسخةً. بيد أنّ للاجتهاد المصطلح معنًى ومفهومًا معيَّنًا ومحدَّدًا[1]. يقوم الاجتهاد عند علماء أهل السنة على مقدماتٍ، من قبيل: القياس والاستحسان وسدّ الذرائع والمصالح المرسلة كأربع طرقٍ للاستنباط في موارد عدم وجود النص. وبالتالي فإنّ الاجتهاد في المسائل الدينية يتوقف على استخدام الآليات والإمكانات العلمية من أجل الوصول إلى الحقيقة، لا على مجرّدِ التفكير الحر الذي يتمسّك به نصر حامد أبو زيد. واضحٌ أنّ استنباط وفهم الأحكام الإلهية بمعونة الاجتهاد يتوقف على بعض العلوم، من قبيل: علوم العربية ـ من صرفٍ ونحوٍ وبلاغةٍ ـ ومعرفة آيات الأحكام، وبيان النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام للآيات والسنة، وعلم الرجال والدراية. ومن هنا يجدر بنصر حامد أبو زيد بدلًا من التفكير الحر أنْ يعمل على توظيف أدواتٍ أخرى في الاجتهاد، أو أن يبيّن لنا ـ في الحدّ الأدنى ـ ما هو الإطار الذي يعتمده هذا النوع من الاجتهاد في الاستدلال واكتشاف مراد الدين! إنّ غاية الاجتهاد السني الذي يقوم على مقدماتٍ من قبيل: القياس، والاستحسان، وسدّ الذرائع، والمصالح المرسلة ـ

(288)

التي تمثل أربعةً من طرق استنباط الأحكام عند أهل السنة ـ وهدف الاجتهاد في فقه الشيعة، هو كشف ومعرفة الأحكام الإلهية، في حين أنّ نصر حامد أبو زيد يروم دراسة المسائل المتعلقة بالمرأة من خلال مجرّد الأطر الاجتماعية فقط! يرى أبو زيد أنّ المسار في هذا الإطار وهذه الضوابط المحددة يتنافى مع التفكير الحر، إذ يقول:

«إنّ ﻗﻀﻴﺔ اﻟﻤﺮأة ﻻ ﺗُﻨﺎﻗَﺶ إﻃﻼﻗًﺎ إﻻ ﺑﻮﺻﻔﻬﺎ ﻗﻀﻴﺔً اﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔً، وإدﺧﺎﻟُﻬـﺎ ﻓـي داﺋـﺮة اﻟﻘﻀـﺎﻳﺎ اﻟﺪﻳﻨﻴﺔ ﻫﻮ ـ في اﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ـ ﺗﺰﻳﻴﻒٌ ﻟﻬﺎ، وﻗﺘﻞٌ ﻟﻜﻞ إﻣﻜﺎﻧﻴﺎت اﻟﺤـﻮار اﻟﺤـﺮّ ﺣﻮﻟﻬـﺎ... وﻫـﻮ إﻃـﺎرٌ ﻻ ﻳﺴﻤﺢ ﺑﺎﻟﺘﺪاول اﻟﺤﺮّ  للأﻓﻜﺎر»[1].

من الطبيعي ألّا تنسجم الحرية الفكرية والحوار الحرّ المنشود لنصر حامد أبو زيد مع الرجوع إلى النصوص الدينية وتأصيلها، وإنّ الذي يدّعيه ما هو في الحقيقة إلا تهرُّبٌ وخروجٌ عن حدود النصوص الدينية، وليس هو الاجتهادَ الذي يُكافأ صاحبه حتى إذا أخطأ!. والمؤشر الثاني، على أنّ نصر حامد أبو زيد لم يكن بصدد كشف حقائق الدين من خلال الاستعانة بالاجتهاد، هو كلامه الذي يُشير فيه إلى عدم جدوائية الدّين في العالم المعاصر، حيث يقول:

ولكن التطوّر الذي حدث في طبيعة العلاقات الإنسانية وفي بنية المجتمعات أدّى إلى اعتماد المواطنة وليس الدين أساس الاجتماع البشري وجعل المساواة بين المواطنين أساس العقد الاجتماعي[2].

والنتيجة هي أن الاجتهاد ـ كما تقدّم بيانه ـ يتوقف على علوم سبق أنْ أشرنا

(289)

لها على نحو الإجمال، ويبعد ألّا يكون نصر حامد أبو زيد مطّلعًا عليها. يُضاف إلى ذلك أنّ دائرة الاجتهاد إنما تكون حيث لا توجد آيةٌ صريحةٌ أو سنةٌ لاحبةٌ وقطعيةٌ، ولا يمكن الوصول إلى المعصوم. وأما حيث يكون أمر الواقعة مبيَّنًا بشكلٍ صريحٍ، أو كانت هناك سنةٌ قطعيةٌ، أو أمكن الوصول إلى النبي الأكرم صلى الله عليه وآله أو الأئمة المعصومين عليهم السلام ـ عند الشيعة ـ فالمسألة تكون واضحةً. ومن هنا فإن الاجتهاد بمعنى التقنين وتشريع القوانين ـ بمعنى أنْ يضع المجتهدُ حُكمًا لا وجود له في الكتاب والسنة اعتمادًا على مجرّد رؤيته وذوقه ـ أمرُ محرّمٌ. وهذا يُسمى في المصطلح اجتهاد الرأي وهذا النوع من الاجتهاد ممنوعٌ[1]. وفي ما يتعلق بدور الزمان والمكان الذي يراه نصر حامد أبو زيد مؤثِّرًا في الاجتهاد، يجب التذكير بهذه النقطة وهي أنّ تأثير الزمان والمكان إنما يمكن بيانه بالالتفات إلى ثلاثة أصولٍ ثابتةٍ، وهي: التوحيد في التشريع، وأبدية الأحكام، وامتلاك جميع الوقائع. إنّ الزمان والمكان لا يغيّران الأحكام ولا المِلاكات، وإنّما يغيّران الموضوع، وإنّ هذا التغيّر في الواقع إنما هو تحوّل الشيء من كونه مصداقًا لمِلاك إلى صيرورته مصداقًا لمِلاك آخرَ، وإن كان يبدو بحسب الظاهر أنّ الزمان والمكان يؤثران في الأحكام ومِلاكاتها أيضًا. وبعبارةٍ أخرى: إنّ الموضوعات هي الدائرة الحقيقية لتأثير الزمان والمكان. وفي بعض الأحيان يؤثر الزمان والمكان بطبيعة الحال في فهم النصوص أيضًا. إنّ عناصرَ من قبيل: ظهور أسئلةٍ جديدةٍ، وبروز الحاجات المستجدة، وظهور الشرائط والظروف الجديدة، وضيق تطبيق الشريعة، وارتفاع المستوى العلمي للمفسّر، تؤثّر في فهم النصوص من جديدٍ. ولكن لا بدّ من الالتفات إلى أنّ الفهم الجديد لا يعني

(290)

فرض رؤيةٍ على النّصّ، وإنما يعني فهم النص بشكلٍ أفضلَ، حيث تمّت الغفلة عنه في السابق بسبب بساطة الأوضاع والأحوال[1].

دعوى ذكورية اللغة العربية

يسعى نصر حامد أبو زيد في الفصل الأول من  القسم الأول من كتابه بعنوان “أنثروبولوجيا اللغة وانجراح الهوية”[2] إلى بيان عدم المساواة بين الرجل والمرأة في التركيبة اللغوية وطريقة البيان في اللغة العربية. إنّه من خلال دراسته لبنية اللغة العربية يعمل على ربط هذه اللغة بوعي الإنسان العربي بنحوٍ من الأنحاء. ويعترف نصر حامد أبو زيد بأنّ هذا النوع من التركيبة الذكورية في اللغة، قد نجدها في سائر اللغات الأخرى ـ كالإنجليزية ـ أيضًا، إلا أنه يعتقد أن الخصوصية القبلية والجنسية التي تتصف بها اللغة العربية قد تبلورت في مسار تطوّر هذه اللغة.

يرى نصر حامد أبو زيد أنّ وجود التنوين والتصريف في آخر الأسماء العربية، وعدم وجودها في الأسماء الأعجمية، وإطلاق صفة اللغة ـ بألف ولام العهد ـ على اللغة العربية، دليلًا على التمييز القيَمي الذي يوليه العرب إلى لغتهم، واعتبارها متفوّقةً على سائر اللغات الأخرى، ويذهب إلى الاعتقاد بأنّ هذه الفروق تؤدّي إلى إيجاد تفاوتٍ آخرَ بين الذكر والأنثى، وبذلك تكون اللغة العربية تعبيرًا عن نوع من النزعة القومية التي لا تقتصر في ترفُّعها على اللغات الأخرى، بل وحتى على

(291)

المرأة العربية، وتعمل هذه اللغة على التأسيس لبنيةٍ تُشمُّ من جميع عناصرها تلك الثنائية بين الرجل والمرأة[1].

يُشير نصر حامد أبو زيد إلى عدم وجود الفرق بين المذكر الحقيقي والمجازي بوصفه دليلًا على أصالة المذكّر في هذه اللغة، وقال في إثبات هذا الادعاء:

تُصرّ اللغة العربية على أنْ يُعامل الجمع اللغوي معاملة جمع المذكر حتى ولو كان المُشار إليه بالصيغة جمعًا من النساء بشرط أنْ يكون بين الجمع رجلٌ واحدٌ. هكذا يلغي وجود رجلٍ واحدٍ مجتمَعًا من النساء؛ فيُشار إليه بصيغة جمع المذكر لا بصيغة جمع المؤنث[2].

وعلى هذه الشاكلة لا يرى نصر حامد أبو زيد اللغة العربية ذات تعاطٍ عنصريٍّ ومجحفٍ بحق المرأة فحسب، بل يراها ـ حيث تشتمل على نوعٍ من الوعي والإدراك السلبي ـ جارحةً لِهويةِ وشخصيةِ المرأة.

يدعي نصر حامد أبو زيد حدوثَ وعيٍ جديدٍ متميّزٍ في تاريخ اللغة العربية، وقد تمثّل هذا الوعي المتميّز بلغة القرآن الكريم التي خاطبت النساء كما خاطبت الرجال، بعد أنْ كان خطاب النساء يتم بطريقةٍ غيرِ مباشِرةٍ من خلال خطاب الرجال. ومن هنا كلما كان ميزان كفة الصراع يميل ناحية الوعي الجديد المتمثل بتعاليم القرآن، كان وضع المرأة يتنامى، وحين كان لسان الميزان يميل ناحية الوعي التقليدي وما يمثّله من القيَم القبلية المغلقة، كان وضع المرأة يميل إلى جهة التدنّي[3].

(292)

نقد

لقد رأينا أنّ نصر حامد أبو زيد يصرّح بأنّ اللغة العربية ـ بل الكثير من اللغات السائدة الأخرى ـ تشتمل على بنيةٍ عنصريةٍ ضدّ المرأة، إلّا أنّ نوع خطابات القرآن الكريم يثبت أن القرآن ـ خلافًا لما عليه الواقع بين العرب ـ قد أولى اهتمامًا خاصًّا بالمرأة عند توجيه الخطاب لها! خلافًا لرؤية نصر حامد أبو زيد، فإنّ الاهتمام الخاص للقرآن بالمرأة لا يعني أنّ القرآن الكريم قد وضع بنيةً جديدةً للّغة العربية تخلو من العنصرية والمحاباة! لأنّ أبو زيد يدّعي أنّ القرآن قد أولى اهتمامًا خاصًّا في خطاب المرأة. ولكننا نسأله: هل قام هذا النوع من الاهتمام على أساس بنية وقواعد اللغة العربية أم لا؟ لا شك في أنّ نصر حامد أبو زيد يُقرّ بأنّ القرآن نزل باللغة العربية. وعليه نتساءل: هل البنية والقواعد المستعملة في القرآن الكريم غيرُ تلك القواعد الموجودة في اللغة العربية؟ فإذا كانت اللغة العربية بما تشتمل عليه من القواعد والتراكيب هي لغةُ القرآن أيضًا، وجب على نصر حامد أبو زيد ـ بدلًا من تقديم تصويرٍ عامٍّ للقرآن الكريم ـ أنْ يُجيب عن هذا السؤال القائل: هل تؤدي عربية القرآن الكريم إلى تبلور تلك الإشكالات في القرآن أيضًا أم لا؟ وثانيًا: إنّ وضع اللغات المختلفة على طول التاريخ كان يأتي في إطار تسهيل التواصل والارتباط بين أبناء المجتمع الواحد. ويأتي وضع علامات تميّز الرجل من المرأة في أكثر اللغات خدمةً لهذه الغاية وتلبيةً لهذه الحاجة. ولذلك يجب الالتفات إلى أنّ الخطابات القرآنية العامة ـ كما هو الحال في اللغة العربية ـ إذا وردت مجرّدةً من العلامات الخاصة فإنه ستكون شاملةً للنساء والرجال على السواء. كما تستعمل هذه اللغة للنساء ألفاظًا مذكرةً، من قبيل إطلاق صفة العقيم والحامل على المرأة. وعليه فإنه لا شيءَ من هذه العلامات يأتي لإثبات تفوّق جنسٍ على آخرَ أو

(293)

تدنّي جنسٍ بالقياس إلى آخرَ، وإنما هي مجرّد علاماتٍ يتمّ التوافق والتواضع عليها تسهيلًا لعملية الارتباط والتواصل لا أكثرَ.

ادعاء النسخ

ذهب نصر حامد أبو زيد في الفصل الثاني من القسم الأول ـ والذي وضع له عنوان “خطاب النهضة والخطاب الطائفي”[1] ـ إلى اعتبار خطاب المرأة في العالم العربي المعاصر خطابًا طائفيًّا يتمّ التركيز فيه على الثنائية بين الرجل والمرأة أو بين المذكر والمؤنث، ويدّعي أنّ العلاقة بينهما هي علاقة التقابل أو التعارض، ويشير إلى وجوب تبعية أحدهما وانصياعه للآخر. ثم أشار نصر حامد أبو زيد إلى آراء الطاهر الحداد التونسي الذي يسعى إلى حلّ هذه المعضلة وتجاوز هذه الثنائية من خلال تقديم بعض المعايير. وقد عمد نصر حامد أبو زيد إلى تأييد كلام الطاهرالحداد، معتقدًا ضرورة توفير الأرضية اللازمة لإمكان القراءة الجديدة في ظل المتغيّرات الاجتماعية حتى وإنْ أدّى ذلك إلى نسخ أحكام الشريعة، وقال في هذا الشأن:

من هنا ينطلق الطاهر الحداد من حديث الفقهاء عن محدودية النصوص ولا محدودية الوقائع، ولكنه لا يقف مثلهم عند حدود القياس بمعناه الفقهي: إخضاع الوقائع الجديدة للأحكام بعلة التناظر أو التشابه أو استنباط علة الحكم... إلخ، بما هو معروف في علم أصول الفقه. إنه إنما يتأمّل ظاهرة النسخ في النصوص الدينية ـ تغيير الأحكام ـ ويفهمها في سياقها الحقيقي مستنبطاً دلالتها الخطيرة: إن الحياة طويلة العمر جداً، وبقدر ما فيها من الطول بقدر ما فيها من الأطر المعبّرة عن جوهر

(294)

معناها وأخص ميزاتها. ونحو عشرين سنة من حياة النبي صلى الله عليه وآله في تأسيس الإسلام، كفت بل أوجبت نسخ نصوص بنصوص[1].

وعليه يمكن الوصول من وجهة نظر نصر حامد أبو زيد إلى الوضع المناسب والمتناغم مع المتغيّرات الاجتماعية من خلال اللجوء إلى النسخ بوصفه واحدًا من طرق الحلّ.

نقدٌ

يكفي في جواب نصر حامد أبو زيد أنْ نذكّر بأنّ الإسلام قد بدأ دعوته بالتدريج، وأنّ النسخ في القرآن الكريم كان في فترة حياة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله ظاهرةً ضروريةً في الشرائط التدريجية لظهور وسيطرة الإسلام. إنّ تحقُّق النسخ في القرآن أمرٌ مجمَعٌ عليه من قِبل المسلمين. كما ورد التصريح في سورة البقرة بوقوع النسخ في حكم القِبلة وتحويلها من بيت المقدس إلى الكعبة والمسجد الحرام[2]. وقد تمّ التصريح في الآية 106 من سورة البقرة بأنّ النّسخ مختصٌّ بالله سبحانه وتعالى. وعليه فإنّ نسخ الأحكام والقوانين الإلهية ليس من صلاحيات المجتهدين، حتى يُتاح لأمثال الطاهر الحداد وأبو زيد ـ على فرض اجتهادهما ـ أنْ يلجأوا إليه عند الضرورة.

دعوى عدم وجود رؤيةٍ اجتماعيةٍ إلى المرأة في الدين

لقد أشار نصر حامد أبو زيد في الفصل الثالث ـ وهو بعنوان: “الواقع الاجتماعي بُعدٌ مفقود في الخطاب الديني”[3] ـ إلى نقصٍ آخرَ في الخطاب الديني المتعلق

(295)

بالمرأة. حيث يرى أنّ مسألة المرأة قد تعرّضت للتجاهل في الواقعية الاجتماعية؛ إذْ يقول: وهذا هو الإطار العامّ الذي يتحرك فيه الخطاب الديني عادةً في مناقشة قضايا المرأة: إنه خطابٌ يستحضر الرجل/ الذكر أساسًا[1]. وهو يرى أنّه على الرغم من عدم إمكان إنكار البعد الأحيائي الطبيعي والمختلف بين المرأة والرجل، ولكن يجب العمل على جعل هذا الاختلاف يتماهى مع الشرائط والظروف المحددة للحياة البشرية من الناحية الثقافية والفكرية[2]. ثمّ تعرّض أبو زيد بعد ذلك إلى بيان آراء محمود الجوهري، والشيخ محمد الغزالي، وعبد الحي الفرماوي وغيرهم، حيث بحث كلُّ واحدٍ منهم مسألة المرأة من زاويةٍ مختلفةٍ، ليُثبت في نهاية المطاف أنّ جميع هذه الآراء تنتهي إلى نقطةٍ واحدةٍ تتمثّل في تجاهل البُعد الاجتماعي لمسألة المرأة.

نقدٌ

إنّ الإشكال الجوهري الذي يطرحه نصر حامد أبو زيد في هذا الفصل، يتمثّل في سعيه ـ كما أشرنا ـ إلى استعراض قضايا المرأة بحيث تبدو متعذرة الحل في إطار الدين والشريعة! وأنّ هذه القضايا لا يمكن بحثها إلّا في إطار المسائل الاجتماعية[3].

لا يمكن القبول بهذا الادعاء القائل بأنّ أحكام الإسلام مرتبطةٌ بعقدٍ اجتماعيٍّ لم يَعُد اليوم قائمًا، حتى ندّعيَ من خلال ذلك أنّ مسائلَ من قبيل الحجاب ذاتُ إطارٍ ثقافيٍّ وتاريخيٍّ معيَّنٍ، ويجب اليوم أنّ تكون حدود وكيفية الحجاب مسألةً اختياريةً[4]؛ وذلك لأنّ التعاليم الدينية تشتمل على نماذجَ جامعةٍ ومطلوبةٍ

(296)

لمصلحة الإنسان في جميع الأزمنة والأمكنة. وعليه خلافًا لما يعتقده نصر حامد أبو زيد ـ حيث يقول: إنّ الخطاب الديني يزيّف قضيّة المرأة حين يصرّ على مناقشتها من خلال مرجعية النصوص متجاهلا أنّها قضيةٌ اجتماعيةٌ في الأساس[1] ـ نذهب إلى الاعتقاد بأنّ الدين الإسلامي في ما يتعلق بالبُعد الاجتماعي يحتوي على نموذجٍ خاصٍّ يمكن الحصول عليه من خلال الرجوع إلى النصوص الدينية.

منهج نصر حامد أبو زيد في بحث حقوق المرأة

ذهب نصر حامد أبو زيد ـ من خلال الإشارة إلى الاتجاهات الثلاثة، وهي: الاتجاه الأحيائي السلفي، والقطيعة مع التراث، وتجديد التراث في القسم الثاني من الكتاب ـ إلى الاعتقاد بأنّ الاتجاهين الأول والثاني عاجزان عن حل مشاكل المرأة، وفي ما يتعلق بالاتجاه الثالث، قال:

«إنّ الاتجاه الثالث هو اتجاه تجديد التراث، وهو تيارٌ تلفيقيٌّ يحاول أنْ يُضفيَ على نفسه صفة التوفيق بين التراث والعصر عن طريق تجديد التراث بإعادة تأويله بما يحقق متطلبات العصر. ولعل الذي يهمنا في هذا العرض هو منهج المجددين، خاصةً من زاوية تعارض النتائج التي يتوصّل إليها مع خطاب السلفيين المتشددين رغم الاتفاق في مسألة المرجعية الشمولية للنصوص»[2].

(297)

لقد عمد نصر حامد أبو زيد ـ من خلال نقده للاتجاه الأحيائي السلفي، والقطيعة مع التراث، بسبب تجاهلهما للطبيعة التاريخية للنصوص ـ إلى اقتراح أسلوب الفهم البنيوي للنصوص؛ إذْ يقول ما معناه: إنّ المنهج المتبع في العالم المعاصر لفهم النصوص، هو المنهج المعروف بـ القراءة السياقية، وهو المنهج الذي أقترحه لفهم النص المقدّس لدى المسلمين القرآن الكريم[1]. وقد صرّح نصر حامد أبو زيد من خلال إشارته إلى وجود جذور هذا الأسلوب والمنهج في علم أصول الفقه التقليدي وفي فكر طلائع حركة اليقظة من أمثال: الشيخ محمد عبده، والشيخ أمين الخولي، قائلًا:

«وهذه الأدوات من أهم أدوات منهج القراءة السياقية التي نسعى في هذا الكتاب إلى بحثها»[2].

يتم الاهتمام في هذا المنهج بمجموع السياقات التاريخية والاجتماعية للحصول على المفاهيم الصحيحة من الآيات. كما يفرّق هذا المنهج بين المعاني والدلالات التاريخية التي تستنبط من سياق الألفاظ، وبين المعنى والمفهوم الذي يتبلور في الإطار التاريخي والاجتماعي لزمان التفسير:

«وهذا التمييز هامٌّ جدًّا بشرط أنْ يكون المغزى نابعًا من المعنى ومرتبطًا به ارتباطًا وثيقًا مثل ارتباط النتيجة بالسبب أو المعلول بالعلة، وألّا يكون تعبيرًا عن هوى المفسر ووثبًا على المعنى أو إسقاطاً عليه»[3].

يذهب نصر حامد أبو زيد إلى ضرورة مراعاة بعض المراحل والمستويات

(298)

المتعددة الأخرى في أسلوب فهم السياق بالإضافة إلى السياقات الاجتماعية والتاريخية العامة لعصر ما قبل نزول الوحي. وإنّ بعض هذه المستويات عبارةٌ عن:

سياق ترتيب نزول الوحي

وهو سياقٌ مغايرٌ لترتيب تلاوة السور والآيات بشكلها الراهن في القرآن الكريم. إنّ فهم النص على أساس ترتيب النزول أسلوبٌ مهمٌّ في اكتشاف المعاني والدلالات اللفظية في أسلوب الفهم السياقي. إنّ المسألة الهامة في أسلوب فهم السياق هو الجمع بين البُعد التاريخي والتدريجي للقرآن الكريم في مسار التفسير والفهم.

اختلاف السياق النقلي عن السياق التشريعي

المستوى الهام الآخر هو أخذ السياق النقلي والروائي لبعض الآيات بنظر الاعتبار. والمراد من هذه المرحلة هو وجوب التمييز بين الآيات الواردة على نحو التشريع والحكم القطعي، وبين الآيات الواردة على سبيل التحدي أو التوصيف، أو التهديد، أو الإنذار، أو الوعظ وما إلى ذلك.

مستوى التركيب اللغوي

المستوى الآخر يتمثّل في مرحلة التركيب اللغوي، وهو مستوًى أعقدُ بكثيرٍ من مستوى التركيب النحوي للنص. وقد اهتم أغلب المفسرين حتى الآن بالمستوى النحوي لنص القرآن، إلا أنّهم لم يُبدوا الاهتمام الكافي بالمستوى اللغوي. ففي المرحلة السياقية للغة يتم الخوض غالبًا في علاقات مثل الفصْل والوصْل بين الجمل النحوية وعلاقات التقديم والتأخير والإضمار والإظهار ـ الذكر والحذف ـ

(299)

والتكرار وما إلى ذلك. وهذه العناصر الدلالية أساسيةٌ بأجمعها في الكشف عن مستويات المعنى. في هذا النوع من الأبحاث بعد مرحلة التحليل النحوي والبلاغي للنص، يتم الخوض في علومٍ جديدةٍ، من قبيل: تحليل الخطاب وتحليل النص في إنجازاتها المعاصرة. ومرادنا من توظيف هذه الأدوات هو التمكّن من الكشف عن مستويات أكثرَ عمقًا وتركيبًا في الخطاب الإلهي. وأما في ما يتعلق بالنص في السنة النبوية الشريفة والأحاديث النبوية، فلا بدّ فيها من الجمع بين نقد المتن [الدراية] ونقد السند [الرجال]. وفي مسار فهم نص السنة يجب الجمع بين أدوات أسلوب نقد النصوص في اللغويات الأسلوبية المعاصرة[1].

يطالب نصر حامد أبو زيد بفتح باب الاجتهاد، والمقارنة بين حقوق المرأة قبل الإسلام والحقوق الجديدة التي أقرّها الإسلام للمرأة، وقال بأن هذا التحليل هو ما يُسمّى بعملية استعادة المعنى الأصلي للخطاب من خلال إعادة زرعه في السياق التاريخي الذي فارقه منذ أربعة عشر قرنًا حتى توهّم الناس أنّ كل ما ذكره القرآن عن المرأة تشريع وما هو بتشريع[2].

يرى نصر حامد أبو زيد أنّ أسلوب فهم سياق النصوص هو الأسلوب الوحيد الذي يمكنه إنقاذنا من السجون التأويلية والتفسيرية القديمة التي لا تزال تحبس الفكر الإسلامي.

(300)

نقدٌ

يسعى الدكتور نصر حامد أبو زيد ـ كما صرّح هو بذلك في بحث المنهج ـ من خلال اتجاه تجديد السنة والاستفادة من أسلوب فهم سياق النصوص بالاستعانة بعلومٍ جديدةٍ من قبيل: تحليل الخطاب وتحليل النص والعلوم اللغوية، إلى الخوض في تحليلٍ تاريخيٍّ وانتقاديٍّ للنصوص المرتبطة بالمرأة وحقوق المرأة، وبالإضافة إلى الحصول على فهمٍ جديدٍ للقرآن الكريم وإيجاد أسلوبٍ مختلفٍ في فهم الآيات، والعمل على حل وفصل التحديات والمشاكل المعاصرة لمجتمع المرأة. إنّ النقطة الأولى في إشكالنا على نصر حامد أبو زيد تَكمن في منهجه وأسلوبه. إنّ الإشكال المنهجي الذي يَرِد عليه يكمن في أنه في ما يتعلق بانفعال وتأثّر النصوص الدينية بالثقافة  والواقعية الاجتماعية لعصرها، لا يبيّن في الدرجة الأولى ماهية المِلاك والميزان في هذا التأثير. وثانيًا: لا يبيّن لماذا يعتبر الله سبحانه وتعالى  بعض الأعراف في عصر النزول من قبيل: مسألة وأد البنات أمورًا جاهليةً، ويقف بوجهها بشدّةٍ، إلّا أنّ غاية القرآن في مسألة الأرث كانت هي المساواة، ولكن حيث لم يكن الناس يمتلكون الاستعداد الكافي للحلول الفجائية، عمد القرآن والإسلام إلى اعتماد سياسة التدرّج في إرساء تعاليمه وأحكامه. ثم إنه إذا صح هذا الكلام، فإنه يطرح نفسه في مسائلَ أخرى من قبيل: تحريم الخمر أيضًا، حيث يُؤْثر القرآن الكريم بيان هذه الحكم من خلال التدرّج عبر ثلاث مراحلَ –بحسب رأي الكثير من المفسِّرين-. وعليه لو كانت غاية الله سبحانه وتعالى في الإرث هي المساواة بين الرجل والمرأة، لأمكنه بيان ذلك ولو عبّر عدد من المراحل أيضًا. وعلى هذا الأساس كان يجدر بنصر حامد أبو زيد أنْ يقدم منهجًا وأسلوبًا مجديًا في جميع الموارد، أو أنّ يوضّح في الحدّ الأدنى ما هو السبب الذي يدعو الدين إلى الوقوف بوجه بعض التقاليد

(301)

السائدة في ثقافة العرب في الجاهلية ويعمل على إصلاحها، ويتقبل بعض التقاليد الأخرى كما هي. في المنهج الجديد لنصر حامد أبو زيد لا يوجد حديثٌ عن الجمع والتفريق في ظواهر الأدلة، بل هناك من جهةٍ دخولٌ إلى السياق والنسيج الخارجي للنص، وهناك من جهةٍ أخرى حصولٌ على رسالة النصوص الدينية.

والإشكال الآخر الذي يَرِد على هذا المنهج هو أنّه إذا كان فهم النصوص الدينية يتم عبر فهم رسالة ومراد الدين، وصبّ ذلك في قالَبٍ وألفاظٍ جديدةٍ، وبالتالي ظهور أحكامٍ جديدةٍ، فإن هذا سوف يستلزم ظهور دين جديد في كل عصر؛ لأن الحاكم هو تعاليم العصر وليس الدين، وبالتالي فحتى ذاتيات الدين ـ لا مجرّد أهدافه ـ ستكون عرضةً للتغيير في كلِّ عصرٍ. وعليه فإنّ نصر حامد أبو زيد يواجه الكثير من الأسئلة والتحديات في هذا المسار، ويتعيّن عليه أنْ يجيب عنها وعليها.

مباني آراء نصر حامد أبو زيد بشأن حقوق المرأة

للتعرّف على المباني والآراء والأفكار القرآنية لنصر حامد أبو زيد لا يمكن الاكتفاء بمجرّد كتاب “دوائر الخوف” فقط، على الرغم من إشارته إلى بعض هذه المباني في أبحاث هذا الكتاب على نحو الإجمال. بيد أنّ كتابين آخرين له، وهما: مفهوم النص ونقد الخطاب الديني قد اشتملا على بحث مبانيه بالتفصيل. وعليه سوف نسعى إلى بيان مبانيه المرتبطة بموضع هذا المقال بشكلٍ دقيقٍ.

1 ـ السياق السجالي والسياق الوصفي في القرآن الكريم

حيث ذهب نصر حامد أبو زيد إلى الاعتقاد بأنّ بعض آيات القرآن تشتمل على سياقٍ جدليٍّ وسجاليٍّ ووصفيٍّ، فقد سعى إلى إثبات المساواة بين الرجل والمرأة.

(302)

ويبدو أنّ مراده من الآيات الجدلية تلك المجموعة من الآيات التي نزلت في إطار مواجهة الآداب والسنن الخاطئة لعرب الجاهلية، وعلى الرغم من أنّ غاية القرآن الأساسية هي القضاء الكامل على هذه التقاليد، إلا أنّه وافق على بعض هذه التقاليد ظاهريًّا:

«يمكن لنا القول أن المساواة بين الرجل والمرأة تُمثّل مقصدًا من مقاصد الخطاب القرآني، وأنّ النصوص الواردة بهذا الشأن لا تحتمل تأويلًا يتجاوز دلالتها المباشرة... ولكن لأنّ القرآن نزل على قومٍ كان التمييز بين الرجل والمرأة، أو بين الأنثى والذكر جزءًا من ثقافتهم ونظامهم الاجتماعي، فمن الطبيعي أنْ ينعكس هذا التمييز في مساجلات القرآن معهم. ولكن الخطأ كل الخطأ يكمن في أنْ تعمل التعبيرات السجالية على أساس أنها تشريعاتٌ جاء بها الإسلام، وهو الأمر الذي يُفسّر لنا كثرة الفتاوى والتأويلات الخاطئة النابعة من ذلك الخلط بين السياق السجالي والسياق التشريعي»[1].

يرى نصر حامد أبو زيد أنّ الدليل على المساوة بين الرجل والمرأة في القرآن، هي الآيات الخاصة بخلق الإنسان، والآيات التي تتحدّث عن التساوي والاشتراك بين الرجل والمرأة في بعض الحقوق والتكاليف؛ وذلك إذ يقول:

«إنّ المساواة بين المرأة والرجل تتجلى بوصفها مقصدًا من مقاصد القرآن الكريم من جانبين: الجانب الأول هو المساواة في أصل الخَلْق من نفسٍ واحدةٍ... والجانب الثاني هو المساواة في التكاليف الدينية وما يترتب عليها من ثوابٍ أو عقابٍ»[2].

(303)

ثم تعرّض نصر حامد أبو زيد إلى ذكر الآيات الآتية: 1 و124 من سوراة النساء، و97 من سور النحل، و189 من سورة الأعراف، و40 من سورة غافر، و195 من سورة آل عمران، ، و71 ـ 72 من سورة التوبة. ليستنتج بعد ذلك قائلًا:

«أما النصوص السجالية والتي يبدو فيها تمييزٌ بين الذكر والأنثى، فقد وردت في سياق الرد على المشركين من العرب حين نسبوا لله الإناث فقالوا أنّ الملائكة بنات الله. ولعلهم كانوا ينطلقون في ذلك من عقائدهم الموغلة في القِدَم، والتي كانت بقاياها ما تزال باقيةً حين نزل القرآن»[1].

يرى نصر حامد أبو زيد أن الآيات المرتبطة بالسياق الجدلي والسجالي مع العرب في تلك المرحلة لا تُعبّر عن الموقف الحقيقي للقرآن من مسألة المرأة. ويرى أنّ هناك طائفةً أخرى من الآيات ذات سياقٍ وصفيٍّ، بمعنى أنّها تصف مختلف أوضاع المرأة وحالاتها. ومن ذلك على سبيل المثال أنّ ما تمّ بيانه حكايةً عن أم مريم العذراء عليها السلام أثناء ولادتها، يحتوي على صبغةٍ روائيةٍ وقصصيةٍ بالكامل. بمعنى أنّها تمثل في الحقيقة كلماتها التي نطقت بها، وقد عمد القرآن على نقلها وتقريرها بأمانةٍ. ويرى نصر حامد أبو زيد أنّ مسألة قوامة الرجال على النساء من هذه الطائفة من الآيات، وقال في ذلك:

«ومما يندرج في سياق الوصف القرآني ـ ولكنه اُعتبر تشريعًا ـ مسألة قوامة الرجل على المرأة بكل ما يترتب على المسؤولية من سلطة عقابٍ يمارسها الرجل تأديبًا للمرأة الهجر والضرب»[2].

ثم عمد نصر حامد أبو زيد إلى ذكر الآية الرابعة والثلاثين من سورة النساء،

(304)

وعقّب عليها بذكر روايةٍ عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله حيث شكت امرأة زوجها لأنه لطمها، قائلًا: ليس له ذلك، وفي روايةٍ أخرى أنّ النبي حكم بالاقتصاص لها من زوجها. واستنتج أبو زيد من ذلك قائلًا: ولعل ذلك الحكم من جانب النبي ـ إنْ صحّت الرواية ـ كان إعمالًا لمبدأ القصاص. وقد اعتبر أبو زيد أنّ إنكار النبي لهذا الفعل من جانب الزوج له دلالةٌ واضحةٌ على تأكيد مبدأ المساواة الأصلي في الإسلام، ولكن حيث لم يكن المخاطَبون قادرين بعدُ على احتمال تلك المساواة، نزلت آية القوامة. وعلى هذا الأساس فإنّ قوامة الرجال على النساء هنا ليست تشريعًا لحكمٍ إلهيٍّ، بل وصفًا لواقع الحال في عصر نزول الوحي على أساس التقاليد والأعراف السائدة في ذلك العصر، وهي تعكس تقاليد المجتمع في تلك المرحلة، ولا تمثّل حكمًا حقيقيًّا للقرآن الكريم. وعليه من غير المعقول أنْ نعتبر السنن والتقاليد التي كانت سائدةً في ذلك العصر على أنّها أحكامٌ قطعيةٌ ومطلقةٌ وأبديةٌ لله سبحانه وتعالى. وبالتالي حتى لو افترضنا اشتمال هذه الآيات على الأحكام والتشريع، مع ذلك لن تكون سلطة الرجل على المرأة وإطاعة المرأة للرجل مطلقةً وعامةً، بل إنّ قوامة وإشراف الرجل بمعنى تحمّل المسؤولية الاقتصادية والاجتماعية، بمعنى أنّ على الرجل أنْ يضطلع بواجب المسائل الاقتصادية والأعمال الاجتماعية تجاه المرأة، كما أنّ من بين صفاة الله سبحانه وتعالى الحيّ والقيّوم، لأن الله يقيم الوجود ويحافظ عليه. ومن هنا يمكن القول:

«إنّ القوامة إذن مسؤوليةٌ يتحمّلها من يستطيع من الطرفين الرجل أو المرأة، أو يتشاركان فيها بحسب ملابسات الأحوال والظروف»[1].

(305)

نقدٌ

يعمل نصر حامد أبو زيد على إدراج قيمومة الرجال على النساء ضمن الآيات ذات السياق الوصفي، والتي تسعى إلى وصف الحقائق الاجتماعية، وأشار إلى روايةٍ عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله في هذا الشأن معتبرًا أنّها تشكّل دليلًا على وضع حكم القصاص وتشريعه، وكأنه يريد القول بأنّ الله سبحانه وتعالى في جعل بعض الأحكام ينتظر قراراتٍ من نبيه! يُضاف إلى ذلك أنّ أبو زيد لا ينقل حتى الرواية الواردة في المصادرة المعتمدة من قِبل أهل السنة أنفسهم بشكلٍ كاملٍ. وبطبيعة الحال لسنا في هذا المقال بصدد مناقشة الرواية من الناحية السندية وإثبات صحتها من سقمها، ولكن يجب الالتفات إلى أنّ عليَّ بن أحمد الواحدي يرى أنّ هذه الرواية ـ المنشودة لنصر حامد أبو زيد ـ وحكم النبي الأكرم صلى الله عليه وآله بالقصاص، يتعلق بعصر نزول آية القصاص، ويضيف إلى ذلك أنّ هذا الحكم كان موجودًا قبل نزول الآية الرابعة والثلاثين من سورة النساء، وأنّ النبي الأكرم صلى الله عليه وآله قال بعد نزول هذه الآية: أردنا أمرًا، فأبى الله تعالى[1]. والنقطة الهامة في البين هي أنّ هناك بشأن القوامة وجعلها وحدودها وشرائطها، الكثير من الأبحاث التي قام بها العلماء والمفسرون من الشيعة وأهل السنة، ويمكن للقارئ مراجعة مظانّ هذه الأبحاث في مصادرها[2].

(306)

2 ـ تأويل النص

يرى أبو زيد أنّه بالالتفات إلى المعنى اللغوي والآيات القرآنية، يمكن أن نذكر استعمالين للتأويل في القرآن، وهما:

أ ـ إيضاح وبيان الدلالات الخفية.

ب ـ الوصول إلى العاقبة والغاية[1].

يذهب نصر حامد أبو زيد إلى الاعتقاد بأنّ العلاقة بين التأويل والتفسير هي من مقولة العام والخاص، بمعنى أنّ التفسير يرتبط بالرواية والنقل، وأما التأويل فيرتبط بفاعلية العقل والاستنباط[2].

كما تحدّث أبو زيد عن بُعدين للتأويل، وهما: الدلالة والمغزى، وقال بأننا حتى إذا رأينا اختلافًا بين هذين الأمرين، إلّا أنهما في الحقيقة وجهان لعملةٍ

(307)

واحدةٍ، وقال في هذا الشأن:

ذلك أنّ المغزى لا ينفك عن ملامسة الدلالة بالدرجة نفسها التي يوجّه بها المغزى أبعاد الدلالة. وإذا كان من الممكن القول أنّ المغزى ـ أو بالأحرى محاولة الوصول إليه ـ يمثل الغاية والهدف من فعل القراءة، فإنّ هذه الغاية لا يمكن الوصول إليها إلّا عبر اكتشاف الدلالة... إنّ المعنى ذو طابَعٍ تاريخيٍّ، أيْ إنه لا يمكن الوصول إليه إلا بالمعرفة الدقيقة لكلٍّ من السياق اللغوي الداخلي والسياق الثقافي الاجتماعي الخارجي... والمغزى ـ وإنْ كان لا ينفكّ عن المعنى بل يلامسه وينطلق منه ـ ذو طابَعٍ معاصِرٍ، بمعنى أنه محصّلةٌ لقراءة عصرٍ غيرِ عصر النص... إنّ المعنى يتمتع بقدرٍ ملحوظٍ من الثبات النسبي، والمغزى ذو طابَعٍ متحرّك مع تغيُّر آفاق القراءة... ومعنى ذلك أنّ المغزى ليس محكومًا فقط بضرورة ملامسته للمعنى، بل توجّه حركتَه آفاقُ الواقع الراهن والمعاصر[1].

يذهب نصر حامد أبو زيد إلى الاعتقاد بأنّ هناك طائفةً من الآيات ـ وهي ليست قليلةًـ لها قابلية التعميم والتأويل، ومن بينها الآيات المرتبطة بإرث المرأة. يرى أبو زيد أنّ مسألة الميراث، ذاتُ شِقَّيْن، الأول: يتعلق بقضية المرأة عمومًا ووضعيتها في الإسلام خصوصًا، ويتعلق الشق الثاني بقضية الميراث في كليتها كما عبّرت عنها النصوص. وقال في ذلك:

المعاني واضحةٌ في أنّ النصوص لا تساوي بين الرجل والمرأة في الميراث فقط، بل في جميع التشريعات، وإنْ كانت تساوي بينهما في العمل والجزاء الدينيين. وفي قضية المواريث أيضًا لا خلاف حول المعاني، فعلاقات العصبية الأبوية تمثل معيار التقسيم في الأنصبة... لكن المعاني التي تدل

(308)

عليها النصوص بشكل مباشرٍ ليست كل القضية؛ إذ من الطبيعي أنْ تكون حركة النص التشريعية غيرَ مصادمةٍ للأعراف والتقاليد والقيَم التي تمثل محاورَ أساسيةً في النسق الثقافي والاجتماعي. وليس معنى عدم التصادم أنّ النصوص لا تُحدث خلخلةً في نسق تلك القيَم خلخلةً تكشف عن المغزى المستكنّ خلف المعنى. لكنها خلخلةٌ لا تُحدث نتائجها إلا من خلال حركة الواقع بما ينتظم في هذه الحركة من صراعٍ اجتماعيٍّ فكريٍّ[1].

يرى نصر حامد أبو زيد أنّ الكثير من الأحكام الخاصة بالمرأة لا يتكشف مدلولها ومن ثمّ مغزاها خارج وضعية المرأة في المجتمع العربي قبل الإسلام؛ فقد كانت تُعامل بوصفها كائنًا فاقدَ الأهلية لا تستمد قيمتها إلا من الرجل الذي تنتسب إليه ـ أبًا كان أو أخًا أو زوجًا ـ وبذلك تكون النصوص المتعلقة بالمرأة ذاتَ مغزًى يجب العمل على اكتشافه، وهذه هي الحركة التي تتجاوز الوضع المتردي للمرأة، وتسير في اتجاه المساواة... ولعل مسار الاجتهاد قد تحدد الآن في مسألة ميراث البنات، بل في كل قضايا المرأة المثارة في واقعنا، والتي يُصرّ الخطاب الديني على التمسّك بمناقشتها في حدود معاني النصوص مُهدِرًا المغزى[2].

جديرٌ بالملاحظة أنّ القرآن يحضّ على إشراك أولي القربى واليتامى والمساكين ممن لا ميراث لهم بالتصدّق عليهم إذا حضروا وقت التقسيم؛ وهذا يدلّ على حرص القرآن على التنبيه بأنّ علاقة العصبية الأبوّة والبنوّة، ليست أهم العلاقات الإنسانية. وعليه عندما يذكر القرآن مثل هذه المسائل في تضاعيف آيات المواريث، فهذا يعني أنّ القرآن لا ينظر إلى الجانب الاقتصادي والمادي فقط، وإنما يذهب إلى

(309)

أبعدَ من ذلك بكثيرٍ. ومن هاتين العلامتين يمكن استنباط أنّ مفهوم القرآن لعدالة توزيع المال والثروة في المجتمع أوسعُ كثيرًا من المفهوم من الزكاة والصدقات والمواريث؛ إذ الغاية والهدف ألّا يكون المال دُولَةً بين الأغنياء أي يتداولونه ويحتكرونه بين بعضهم البعض. في إطار هذا الفهم العام يتحتم تحليل معنى المواريث في القرآن، ثم الانتقال بعد ذلك من المعنى السياقي التاريخي إلى المغزى المتضمّن في ذلك المعنى والذي يمكن أن ينبثق عنه في وعينا الديني المعاصر[1].

وفي الختام يتوصل نصر حامد أبو زيد إلى هذه النتيجة:

إن السياق التاريخي بالإضافة إلى دلالتي المعنى والمغزى، يبيّن بجلاء أن الهدف القرآني من التشريع هو تحديد نصيب الذكر، الذي كان يحصل على كل شيء، بوضع حدٍّ أقصى لما يمكن أن يحصل عليه لا يتجاوز ضعف نصيب الأنثى... فالتحديد إذن هو وضع حدّ للفوضى والاستئثار بفرض نصيب للمحروم بهدف الاقتراب من تحقيق المساواة في أفق الحياة الاجتماعية... إن المساواة معناها أن التسوية بين الحد الأقصى للذكر، والحد الأدنى للأنثى ليس فيها مخالفة لما حدّه الله. ومن البديهي أن تشمل تلك التسوية كل المجالات التي فُهمت فهماً قاصراً في الفقه الإسلامي انطلاقاً من تصوّر أن قيمة المرأة نصف قيمة الرجل قياساً على مسألة الميراث... نذكر من هذه المجالات الشهادة أمام القضاء وحرمان المرأة من شغل بعض الوظائف التي تؤهلها لها إمكانياتها التعليمية مثل القضاء. إن ما ورد في القرآن بشأن شهادة المرأة كان وصفاً لحالها وليس تشريعاً أزلياً لوضعيتها... من هنا يصبح القول بأن المرأة لا تستطيع أن تتحمّل المسؤوليات التي يتحملها الرجل في الأسرة والمجتمع إنما هو تكرار لخطاب ينتمي إلى أزمنة وعصور مضى أمرها[2].

(310)

نقد

كما رأينا فإنّ الإقبال على التأويل في التعاطي مع الآيات، يمثّل منهجًا وأسلوبًا آخرَ ينتهجه نصر حامد أبو زيد. وبطبيعة الحال فإنّ أصل وجود الظاهر والباطن لآيات القرآن الكريم أمرٌ صحيحٌ، وقد ورد بيانه والتصريح به في الروايات أيضًا[1]. إنّ وجود الظاهر والباطن لجميع آيات القرآن أمرٌ مقبولٌ، وإنّ معنى التأويل هو شيءٌ يُشير إليه باطن الآيات. وبطبيعة الآيات مع إضافة هذا القيد والشرط، وهو أنّه لا يحقُّ لأيِّ شخصٍ أنْ يدَّعي فهم باطن وتأويل الآيات. وعليه لا يمكن اعتبار التأويل أسلوبًا عامًّا ومتاحًا للجميع في فهم الآيات القرآنية، وإنّما يمكن اتباعه في مجرّد رفع الغموض والإبهام في مراتب الفهم في الموارد التي لا تكون فيها تلك المراتب نافية لمعناه الظاهري[2]. إنّ نصر حامد أبو زيد يرى أنّ التأويل متمِّمٌ ومفسِّرٌ للنص، ولكنه لا يحدّد دائرته ومساحته بشكلٍ دقيقٍ، ولا يبيّن كيفية الوصول إلى مراد النص ومغزاه أو تأويله المنشود. يعمل نصر حامد أبو زيد على إخضاع جميع آيات القرآن ـ الأعم من المحكمات والمتشابهات ـ إلى التأويل، ولكنه لا يبيّن ما هي القواعد والآليات التي يستند إليها التأويل الذي يتحدّث عنه. ويبدو أنّ نصر حامد أبو زيد قد تجاهل الانتشار الواسع والسريع للدين الإسلامي في صدر الإسلام، في حين أنّ العقائد والتعاليم الإسلامية إنما تيسرت من خلال عرض الصورة المجرّدة من دون تأويل النص. إنّ الإنسان العربي عند تعاطيه وتعرّفه إلى النص أثناء عرض الآيات القرآنية عليه من قبل النبي الأكرم صلى الله عليه وآله كان يَحدث تغيُّرٌ جذريٌّ في كيانه بحيث يتخلّى عن جميع أفعاله وسلوكياته

(311)

السابقة في جميع المجالات. إنّ الانتشار السريع والمتواصل للإسلام في تلك المرحلة يُثبت أنّ القدرة التاريخية والتطبيقية للنص لم تكن مقتصرةً على دائرةٍ جغرافيةٍ محدّدةٍ، وأنّها كانت قابلةً للانطباق بسهولةٍ وفي فترٍة قصيرةٍ مع جميع شرائط الأمم المختلفة من اليمن والشام ومصر وإيران وشمال إفريقيا وغيرها، وكان ذلك في وقت لم تشهد فيه النور حتى التأويلات الأولى بشأن النص.

3 ـ السياق التاريخي للنص

يرى نصر حامد أبو زيد أنّ إحدى أهم الجوانب في مشكلة النص الديني تكمن في الغفلة عن رؤيته التاريخية، ويقول أنّ المراد من الرؤية التاريخية ليس في تحوّل نزول الآيات إلى علمٍ، ولا في علم الناسخ والمنسوخ وما إلى ذلك، بل الرؤية التاريخية المرادة لنا في هذا المقام ترتبط بتاريخية المفاهيم التي تطرحها النصوص الدينية من خلال الألفاظ وإثر الماهية التاريخية للغة تلك النصوص[1].

يرى أبو زيد أنّ النصوص لا تحتوي على عناصرَ جوهريةٍ ثابتةٍ، بل إنّ كلَّ قراءةٍ في المعنى التاريخي/ الاجتماعي لها ذات ماهية يتم اكتشافها في النص[2].

ينظر نصر حامد أبو زيد إلى بعض الآيات القرآنية بوصفها نصوصًا تاريخيةً. إنّ النصوص التاريخية تعني تلك النصوص الدينية التي تعبّر عن الحقائق الاجتماعية في عصر ظهورها. وبالالتفات إلى أنّ النص عبارةٌ عن ظاهرةٍ ثقافيةٍ تعمل على الاستفادة من الحقائق المعاصرة لها، فإنّ ثقافة العصر تنعكس على النص أيضًا. ومن هنا نلاحظ حضور ثقافة عصر النزول في النص القرآني بوضوحٍ، ولذلك كانت

(312)

بعض أحكام القرآن ناظرةً إلى الواقع الاقتصادي/ الاجتماعي لصدر الإسلام، من قبيل: نظام العبيد، وتجارة الرقيق، والإماء، وعدم المساواة بين الناس، وما إلى ذلك من الأمور التي يجب التخلي عنها لكونها تنتمي إلى مرحلةٍ خاصةٍ، ولم تَعدُ هناك ـ بسبب التكامل الاجتماعي ـ ضرورةٌ إلى بقائها، وفي ذلك يقول نصر حامد أبو زيد:

كان المجتمع العربي قبل الإسلام مجتمعًا قَبَليًّا عبوديًّا تجاريًّا، وكانت تجارة العبيد جزءًا جوهريًّا من بنائه الاقتصادي. وكان من الطبيعي أنْ ينعكس هذا الواقع في النص لغةً ودلالةً وأحكامًا وتشريعاتٍ. ففي أحكام الزواج مثلًا أحلّ النص ملك اليمين للمعاشرة إلى جانب الزوجات الأربع... لكن من المؤكّد أنّ هذه الأحكام الكثيرة قد أسقطها التطوّر التاريخي وألغاها[1].

يسعى نصر حامد أبو زيد إلى حلّ بعض المسائل المتعلقة بالمرأة من خلال الرؤية التاريخية، ومن هنا يذهب ـ تبعًا لأستاذه الشيخ محمد عبده ـ إلى القول بأنّ تعدّد الزوجات مسألةٌ تاريخيةٌ تمّ وضعها بعد معركة أحد وفي إطار حل مشكلةٍ واقعيةٍ. وفي سياق الإشارة إلى الآيتين الثانية والثالثة من سورة النساء، قال ما نصّه:

سياق النزول بالإضافة إلى سياق التركيب اللغوي ـ صيغة الشرط التي تربط بين الإباحة وبين الخوف من عدم العدل مع اليتامى ـ يؤكد كلاهما معًا أنّ الأمر ليس أمرَ تشريعٍ دائمٍ، وإنّما هو تشريعٌ مؤقَّتٌ لمعالجة موقفٍ طارئٍ. لكن الذي خلق اللبس أنّ عادةَ تعدّد الزوجات عادةٌ سابقةٌ على الإسلام بشكلٍ لم يكن يخضع لأيِّ معاييرَ. وإذا كان الإسلام قد

(313)

حاول أنْ يضع لهذه العادة غير المنضبطة بعض المعايير والقواعد التي تحدّ من امتهان المرأة والتعامل معها بوصفها متاعًا أو متعةً، فإنّ التأويل الفقهي لهذه المعايير والقواعد قد خرج بها عن سياق المساواة وأعاد زرعها من جديدٍ في سياق سيطرة الذكر وتحكّمه في مصير المرأة[1].

وبعد أنْ ذكر جانبًا من آراء الشيخ محمد عبده، قال نصر حامد أبو زيد أن الشيخ عبده يرى أنّ سبب تدنّي وضع المرأة يعود إلى آراء الفقهاء لا إلى التعاليم القرآنية. وقد ذهب في ذلك حدًّا قال معه:

إنّ بعض التقاليد والأعراف التي كانت تمثل استثناء في الأحكام الإسلامية تحوّلت في آراء الفقهاء إلى قواعد وقوانين ثابتة، وتحولت المباحات إلى واجبات، وتم تفسير تعدد الزوجات، بحيث أضحى الطلاق وجميع الاختيارات بشكل غير منضبط وغير خاضع لقانون[2].

تعرّض نصر حامد أبو زيد إلى آراء وأدلة الشيخ محمد عبده حول تعدد الزوجات والطلاق بالتفصيل، ثم استعرض في تأييد كلام الشيخ وثيقةً تاريخيةً تعود إلى القرن الهجري الرابع الموافق للقرن الميلادي الحادي عشر، وقد أثبتت هذه الوثيقة أنّ الرجل والمرأة في بعض مراحل التاريخ الإسلامي كانت لهم حقوقٌ متساويةٌ تمامًا في تشكيل كيان الأسرة أو فسخها وانحلال أواصرها. وإنّ هذه الوثيقة التاريخية عبارةٌ عن سندٍ رسميٍّ مسجّلٍ في محاكم السلطة الأموية في الأندلس[3].

(314)

ومع ذلك كله يقرّ نصر حامد أبو زيد بأنّ ظاهرة تعدد الزوجات أفضلُ بكثيرٍ من الناحية الأخلاقية وقلة الأضرار الاجتماعية إذا ما قورنت بالإباحية الجنسية المنفلتة المقننة والمشرعنة في الغرب[1].

وحيث كان هذا المبنى والمبنى الرابع الدين العصري، فإننا سوف نتناولهما بالنقد في موضعٍ واحدٍ.

4 ـ الدين العصري

يرى نصر حامد أبو زيد أنه لم يعد هناك اليوم إمكانيةٌ لتقليد المفكرين المتقدمين، ويجب العمل على إصلاح الفكر الديني، ونبذ كلِّ ما لم يَعُد منسجمًا مع واقعنا المعاصر، وإعادة ما يتناسب مع الواقع الراهن بلغةٍ عصريةٍ.

وعلى الرغم من حديثه عن السياق السياسي للدين وآليته، واعتقاده بأنّ الدين بشكلٍ عامٍّ ـ لا الإسلام وحده ـ عنصرٌ ضروريٌّ في جميع أنواع التحوّل الاجتماعي، بيد أنّ موضع الاختلاف يكمن في تفسير الدين، ويرى أنّ العلمانية في جوهرها ليست سوى تأويلٍ صادقٍ للدين[2].

يرى نصر حامد أبو زيد أنّ القرآن نتاجٌ ثقافيٌّ، حيث تبلور في ظل ظروفٍ ثقافيةٍ واجتماعيةٍ خاصةٍ، بل حتى لغته غيرُ منفصلةٍ عن ثقافة عصره. وعلى هذا الأساس فإنّ قراءة النص إنما تحدث في الأفق التاريخي للقارئ أيضًا. وقد استنتج من ذلك أنّ الأحكام الإسلامية إنما تكتسب معناها ومفهومها من خلال ارتباطها

(315)

بعصر النزول، وأنّ الذين يريدون اليوم تطبيق الأحكام الفقهية ـ ولا سيما الحدود الإسلامية ـ يفصلون النص القرآني عن الواقع، وبالتالي فإنهم ينكرون غاية الدين؛ لأنهم يتصورون أنّ القرآن نصٌّ مطلَقٌ، وأنه قابلٌ للتطبيق على الواقع المطلق.

إنّ النص القرآني في حقيقته وجوهره نتاجٌ ثقافيٌّ. بمعنى أنّ النص القرآني قد تبلور في صلب الواقع والثقافة على أمد أكثر من عشرين سنةً. وبعبارةٍ أخرى إن الله سبحانه عند إنزال وحي القرآن الكريم على قلب النبي الأكرم صلى الله عليه وآله قد وظّف اللغة الخاصة بالمستقبِل والمتلقي الأول للوحي. وخلافًا للتصوّر الذي يعمل الخطاب الديني المعاصر على نشره، فإنّ اختيار اللغة ليس اختيارًا لوعاءٍ فارغٍ، وإنّ اللغة من أهم الوسائل الاجتماعية في فهم وتنظيم العالم. ومن هنا لا يمكن العثور على لغةٍ منفصلةٍ عن واقعها الثقافي، وعليه فإنّها لا تتنافى مع انتسابها للثقافة البشرية[1].

ومن هنا يرى أبو زيد أنّ الأسلوب الصحيح في بحث ومعرفة القرآن يكمن في الدخول العلمي من خلال الواقع والثقافة. وعلى هذا الأساس فإنّ اللجوء في بحث النص القرآني إلى الواقع والثقافة، يعني التعاطي مع الحقائق التجريبية. ومن خلال تحليل هذه الحقائق يمكن الوصول إلى فهمٍ علميٍّ لظاهرة النص. وبما أنّ النص تابعٌ لثقافة عصره، يجب إعادة قراءته وتأويله باستمرارٍ؛ إذ يمكن تقديم قراءاتٍ مختلفةٍ للنص. إنّ نظرة نصر حامد أبو زيد إلى النص نظرةٌ هرمنيوطيقيةٌ، وهي نظرةٌ تنتمي إلى هرمنيوطيقا غادامير[2]. وعليه يجب التحاور مع النص والعمل

(316)

على استنطاقه. كما أشار إلى أحاديثَ مأثورةٍ عن الإمام علي A، مثل الحديث القائل: ذلك القرآن فاستنطقوه ولن ينطق...[1].

يذهب نصر حامد أبو زيد إلى الاعتقاد بأنّ الأحكام الواردة حول المرأة في القرآن الكريم، إنما كانت ناظرةً إلى ثقافة عصر النزول، وقد سعى الإسلام من خلال بيان تلك الأحكام إلى إعادة المرأة إلى منزلتها ومكانتها. لقد كان الإسلام يهدف بشكلٍ رئيسٍ إلى انتشال المرأة من الواقع المأساوي الذي كان مفروضًا عليها في ذلك العصر، والأخذ بيدها إلى حيث المساواة مع الرجل في الحقوق. وعلى هذا الأساس يجب أنْ تكون إعادة قراءة النص منسجمةً مع الروح العامة للأهداف والغايات القرآنية. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنّ نصر حامد أبو زيد يرى أن حجاب المرأة مرتبطٌ بالخلفية الثقافية والتاريخية للمجتمع، ويرى أن الحجاب لذلك قد يختلف في كل عصر تبعًا لاختلاف المجتمع، ومن ذلك قوله:

والحق أنّ مفهوم العورة ليس مفهومًا مفارِقًا لبنية الثقافة ـ أيّ ثقافة ـ في سياقها السسيوتاريخي، فهو ليس مفهومًا كليًّا ثابتًا قارًّا في وعي الجماعة البشرية كما يتوهّم البعض. وإذا نظرنا للسياق القرآني ـ بمعزلٍ عن السياق التاريخي لنزوله ـ لقلنا أنّ العورة هي الأعضاء الجنسية فقط بالنسبة إلى الأحياء[2].

(317)

نقدٌ

إنّ الرؤية التاريخية إلى أحكام من قبيل: تعدد الزوجات، وبالتالي عصرنة أحكام الدين، مَبْنَيان آخَرَان لنصر حامد أبو زيد في نظرته إلى حقوق المرأة، وإنّ نتيجة كلا المبنيَيْن هي التخلي عن بعض التعاليم الإسلامية في هذا العصر وفي أيِّ عصرٍ آخرَ، وهو الأمر الذي يجب أنْ يتحقّق من خلال تجديد وإصلاح الفكر الديني، حيث يتم التخلي عن كلِّ شيءٍ لا ينسجم مع العصر. وإنّ أحكام المرأة بالنظر إلى كونها مرتبطةً بثقافة عصر النزول، يجب الآن التخلي عنها وإبدالها بأحكامٍ جديدةٍ في إطار المساواة في الحقوق. وكما تبيّن من تضاعيف الأبحاث المتقدّمة، فإنّ نصر حامد أبو زيد ينظر بشكلٍ خاصٍّ إلى ثلاث مسائلَ هامةٍ وجدليةٍ بشأن المرأة، ألا وهي: مسألة الزواج والطلاق، ومسألة الميراث، ومسألة الحجاب. وفي ما يتعلق بمسألة الزواج يكمن التحدي والجدل في أمرين، أحدهما تعدد الزوجات، والآخر حصر حق الطلاق بيد الرجل. إنّ هاتين المسألتين من الأهمية عند نصر حامد أبو زيد بحيث إنه في الفصل الرابع والأخير من كتاب “دوائر الخوف” ـ وهو الفصل الخاص بـ “المرأة والأحوال الشخصية”، ودراسة واقعها الحقوقي والقانوني في الأحوال المدنية ـ يعتبرهما مصدر قوة هذا القانون، ويسعى إلى الدفاع عنهما، وهاتان المسألتان عبارةٌ عن:

1 ـ منع تعدد الزوجات. وكل من تزوّج وهو في حالة الزوجية وقبل فك عصمة الزواج السابق يُعاقب  بالسجن لمدة عامٍ واحدٍ، مع دفع غرامةٍ[1].

(318)

2 ـ حقّ الطلاق. حيث لا يقع الطلاق إلا لدى المحكمة. وهذا الطلاق إما أنْ يقع بالاتفاق بين الزوجين أو بناءً على طلب أحدهما[1].

وبطبيعة الحال فإنّ هذا القانون يشتمل على موادَّ أخرى، من قبيل: مسؤولية المرأة في ما يتعلق بنفقة البيت وما إلى ذلك[2]. ولكن حيث أشار أبو زيد إلى كلتا هاتين المسألتين في الفصل الثاني حقوق المرأة في الإسلام وفي الفصل الأخير من الكتاب، وبادر إلى الدفاع عنهما، نرى من اللازم بيانهما باختصارٍ، ثم نُبدي بعض الملاحظات عليهما.

وقد عمد نصر حامد أبو زيد في إثبات صوابيّة هذه المسألة ـ خلافًا للفصل الخامس حيث استدل على تاريخية النصوص الدينية، وسعى من خلال الاختباء وراء الشيخ محمد عبده مستفيدًا من وجاهته والانسجام النسبي معه في ما يتعلق بتعدد الزوجات والطلاق إلى إيجاد محامل لآرائه ـ عمد في الفصل الخامس إلى الاستدلال على ذلك بشكلٍ آخرَ. وقد تألف دليله من ثلاثة أقسامٍ، وهي:

الآية الثالثة من سورة النساء تحدّثت عن جواز تعدد الزوجات: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ)، كما أباحت الزواج من الإماء أيضًا، بقوله: (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)، إلّا أنّ الزواج من الإماء قد زال من تلقائه بفعل التكامل التدريجي للإدراك والفهم البشري عبر الزمن ومن خلال التقدّم الحاصل في السنن الاجتماعية المقترن بتحول الحياة وازدهارها. ومن هنا يجب البحث عن فلسفة جواز تعدّد الزوجات إلى أربعةٍ من خلال العلاقات الطبيعية القائمة بين

(319)

الرجل والمرأة في مرحلة ما قبل الإسلام، حيث كان يمكن لبعض الرجال أن يتزوج حتى عشر نساءٍ بل وحتى عشرين امرأةً. إنّ إباحة التعدد حتى العدد أربعة، يجب أنْ تُفهم وتفسّر في سياق طبيعة العلاقات الإنسانية في المجتمع العربي قبل الإسلام، حيث تمثّل هذا الإباحة تضييقًا لفوضى امتلاك المرأة وارتهانها[1].

وقد توصّل نصر حامد أبو زيد من خلال اشتراط العدالة في قوله تعـالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً[2]، ونفي إمكان تحقيق العدالة بقوله: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ) [3]، إلى نتيجةٍ مفادها تحريم القرآن الكريم لتعدد الزوجات، بيد أنّه تحريمٌ مضمَرٌ غيرُ مصرَّحٍ به، أو بعبارةٍ أخرى: قد تم تحريمه بطريقةٍ ضمنيةٍ أو بدلالة المسكوت عنه[4].

والقسم الثالث من الدليل بحثٌ منطقيٌّ قائمٌ على قسمين. بمعنى أننا إذا قلنا بأنّ إباحة الزواج من أربع نساءٍ كان المراد منه تحديد فوضى التعدد التي كانت منتشرةً قبل هذا الحكم، وعليه يعدّ منع التعدد وقصر الزواج على واحدةٍ بمثابة تضييقٍ آخرَ رأى المشرّع أنه يناسب تطوّر المجتمع[5].

أما المورد الآخر الذي حظي باهتمام نصر حامد أبو زيد بشأن الطلاق في هذا القانون، فهو ادعاؤه عدم وجود نصٍّ جوهريٍّ يمكن على أساسه حصر حقّ الطلاق

(320)

بيد الرجل؛ وذلك لأنّ الطلاق في الأساس مسألةٌ مدنيةٌ، وإنما يمكن الإشارة بشأنها إلى قوله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ)[1]، وهي أولاً: لا علاقة لها بالطلاق وليست في مقام التشريع، وثانياً: إنها تبيّن النسبة التاريخية بين المرأة والرجل من الناحية الاقتصادية في مراحل نزول النص، وليست الأفضلية الدائمة للرجال على النساء[2].

يبدو أنّ نصر حامد أبو زيد إنما تبنّى الرؤية التاريخية وتأثير ثقافة العصر في القرآن، لأنه أوّلًا: لم يلتفت إلى أنّ القرآن لم يؤيّد جميع المعتقدات والأعراف السائدة بين عرب الجاهلية، بل حارب الكثير منها، من قبيل: الظِّهار واللِّعان والربا والزنا ووأد البنات وما إلى ذلك.

وثانياً: نحن نُذعن بأنّ الزمان والمكان ومقتضيات المجتمع تفرض في بعض الموارد وفي بعض الشرائط والظروف وضع قوانينَ، يتمّ التعبير عنها في الفقه بالأحكام الثانوية أو الأحكام الحكومية، من قبيل: العسر والحرج والتقية وما إلى ذلك، إلا أنّ هذا النوع من التغييرات إنما يأتي في إطار المصالح وضمن آلياتٍ خاصةٍ. إنّ إشكال نصر حامد أبو زيد يكمن في أنّ الفرضيات الهرمنيوطيقية والثقافة ومقتضيات العصر تجعل المفسِّر هو الأصل! وعليه لِمَ لا يُبدي نصر حامد أبو زيد رؤيته من خلال الالتفات إلى نص القرآن والآليات التي يتمّ التعريف بها من قبل القرآن والنبي الأكرم صلى الله عليه وآله، ويحكم بمرحلية أو عدم مرحلية الأحكام الإسلامية؟ واضحٌ أننا في مثل هذه الحال لا يتعيّن علينا التخلي عن الكثير

(321)

من الأحكام الاجتماعية في الإسلام فقط، بل يتعيّن علينا التخلي حتى عن بعض العقائد الإسلامية أيضًا، في حين أنّ من بين الثوابت الهامة في القرآن أنّ الباطل لا يتطرق إليه أبدًا[1].

وثالثاً: يُقرّ نصر حامد أبو زيد أنّ سبب تشريع تعدد الزوجات يعود إلى معالجة المشاكل التي تنشأ من ظروف الحرب في ذلك العصر. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: كيف يتم حل هذه المشكلة في ما لو تحققت ظروفها وشرائطها في العالم المعاصر؟

يُضاف إلى ذلك أنّ اجتماع حكم جواز تعدد الزوجات مع حكم الزواج من الإماء في الآية الشريفة، لا يعكس وجود الارتباط التشريعي الوثيق بينهما، بحيث إذا زال أحدهما بفعل الأسباب التاريخية المعيّنة ـ من قبيل الوعي والإدراك العام وتطوّر الحياة الاجتماعية ـ ينتفي حكم الآخر أيضًا؛ ثم إنّ حكم الإسلام بجواز الزواج من الإماء لا يزال قائمًا إذا تحققت شرائطه وظروفه.

ورابعًا: إنّ تحقُّقَ العدالة غيرُ منتفٍ. فإنّ العدالة التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في القرآن بوصفها شرطًا في جواز تعدد الزوجات، ليست هي العدالة في جميع الأمور، بحيث تشمل حتى النظرة والمحبة بين النساء بالتساوي. إذْ لا يمكن تحقيق هذا النوع من العدالة قطعًا لأنّها غيرُ مقدورةٍ للإنسان. وإنما المراد من العدالة هي أنْ يقوم الزوج بأداء الحقوق المدنية والشرعية لزوجاته، وألّا ينظر الزوج إلى إحدى نسائه نظرةً بحيث لا تُعتبر الأخرى معها زوجةً له، كما نقرأ ذلك

(322)

في قوله تعالى: (فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ)[1]. حيث قال العلامة الطباطبائي في تفسير هذه الآية:

وهذا الذيل أعني قوله (فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ) هو الدليل على أنْ ليس المراد بقوله وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ) نفي مطلق العدل حتى ينتج بانضمامه إلى قوله تعالى (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً)  إلغاء تعدّد الأزواج في الإسلام كما قيل. وذلك أنّ الذيل يدلّ على أنّ المنفيَّ هو العدل الحقيقي الواقعي من غير تطرّفٍ أصلًا بلزوم حاقّ الوسط حقيقةً، وأنّ المشرَّع هو العدل التقريبي عمَلًا من غير تحرُّجٍ. على أن السنة النبوية ورواج الأمر بمرأى ومسمع من النبي صلى الله عليه وآله وسلم والسيرة المتصلة بين المسلمين يدفع هذا التوهم. على أن صرف قوله تعالى في أول آية تعدد الأزواج (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ)  إلى مجرد الفرض العقلي الخالي عن المصداق ليس إلا تعمية يجل عنها كلامه سبحانه[2].

هذا وقد ذهب مشهور المفسرين إلى رأي مماثل لرأي العلامة الطباطبائي[3].

(323)

خامسًا: إن المحدودية والتضييق الذي فرضه الإسلام على تعدد الزوجات بعد حدوث الفوضى في الزواج، لا يصلح دليلًا على أنّ غاية الإسلام من هذا التضييق هي القيام بعملية تضييقٍ ثانيةٍ تنسجم مع التحول التكاملي في المجتمع بجميع أبعاده. نعم نعترف بأنّ بعض الأحكام الأولية في الإسلام قابلةٌ للتغيير بعد تغير الموضوع أو عند الحاجة والضرورة إلى الحكم الثانوي أو الحكم الحكومي؛ إلا أنّ هذا إنما يتمّ عبر آلياتٍ خاصةٍ. يسعى نصر حامد أبو زيد من جهةٍ إلى تقديم القرآن الكريم بوصفه نتاجًا ثقافيًّا ينتمي إلى هذا العالم، ومن ناحيةٍ أخرى يسعى إلى المحافظة على قداسته بشكلٍ ما، في حين يبدو أنّ الجمع بين هذين الأمرين بعيد المنال. يُضاف إلى ذلك أنّ القرآن الكريم إنْ كان نتاجًا لثقافة خاصة، فهو إنما يُلبّي الحاجات الخاصة بتلك الثقافة فقط. وهذا سيؤدي بدوره إلا إنكار كون القرآن عابرًا للزمان والمكان. والنقطة الجوهرية الأخرى هي أنّ آراء نصر حامد أبو زيد تتنافى مع آية إكمال الدين[1].

(324)

المصادر

* قرآن كريم.

1. ابن العربي، محمد بن عبد الله أبو بكر، أحكام القرآن؛ [دون مكان]: [دون تاريخ].

2. ابن فارس، أبو الحسين أحمد؛ معجم مقاييس اللغة؛ قم: مكتب الإعلام الاسلامي،

1404 ق.

3. ابن منظور؛ لسان العرب؛ الطبعة الثالثة، بيروت: دار صادر، 1414 ق.

4. أبو زيد، نصر حامد؛ دوائر الخوف؛ الطبعة الرابعة، بيروت: المركز الثقافي العربي، 2007 م.

5. -----------------؛ نقدگفتمان ديني؛ ترجمه حسن يوسفي اشكوري ومحمد جواهركلام؛ چ دوم، تهران: يادآوران، 1383.

6. الآخوند خراساني؛ كفاية الأصول؛ قم: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، [دون تاريخ].

7. البيضاوي، عبد الله بن عمر؛ أنوار التنزيل وأسرار التأويل؛ تحقيق محمد عبد الرحمن المرعشلى؛ ج الأول، بيروت: دار إحياء التراث العربى ، 1418 ق.

8. الجصاص، أحمد بن ‌على؛ أحكام القرآن؛ تحقيق محمد صادق قمحاوي؛ بيروت: دار إحياء التراث العربى ، 1405 ق.

9. جعفري، محمد تقي؛ ترجمه وتفسير نهج البلاغه؛ تهران: دفتر نشر فرهنگ. اسلامي، 1361.

10. جوادي آملي، عبد الله؛ زن در آينة جلال وجمال؛ قم: مركز نشر اسراء، چ. هجدهم، 1387.

11. الخوئى، السيد أبو القاسم؛ البيان في تفسير القرآن؛ الطبعة الرابعة، بيروت: دارالزهراء، 1395 ق.

12. الراغب الإصفهاني، حسين بن محمد؛ المفردات في غريب القرآن؛ الطبعة الأولى، دمشق  بيروت: دار العلم، 1412 ق.

(325)

13. رجبي، محمود؛ روش شناسي تفسير قرآن؛ تهران: انتشارات سمت، 1379

14. الزرقاني، محمد عبد العظيم؛ مناهل العرفان في علوم القرآن؛ القاهره: دار إحياء الكتب العربية، [دون تاريخ].

15. الزمخشرى، محمود؛ الكشّاف عن حقائق غوامض التنزيل؛ ج الثالث، بيروت، دار الكتاب العربي، 1407 ق.

16. السيوطي، جلال الدين، الإتقان في علوم القرآن؛ الطبعة الثانية، بيروت: دار الكتب العلمية، 1411 ق.

17. الشيخ الحر العاملي؛ وسائل الشيعة؛ قم: مؤسسة آل البيت عليهم السلام، 1409 ق.

18. الشيخ الطوسي؛ عدة الأصول؛ قم: مؤسسة آل البيت عليهم السلام، 1089 ق.

19. طباطبائي، سيد محمد حسين؛ الميزان في تفسير القرآن؛ ترجمه محمد باقر موسوي همداني؛ چ پنجم، قم: دفتر انتشارات اسلامى جامعة م درسين حوزه. علميه قم، 1374.

20.؛ الميزان في تفسير القرآن؛ چ پنجم، قم: دفتر انتشارات اسلامى جامعة مدرسين حوزه علميه قم، 1417 ق.

21. طبرسي، فضل بن حسن؛ مجمع البيان فى تفسير القرآن؛ تهران: انتشارات ناصر خسرو، چ سوم، 1372

22. طبري، ابو جعفر محمد بن جرير، جامع البيان فى تفسير القرآن؛ ج أول، بيروت: دارالمعرفه، 1412 ق.

23. طريحى، فخرالدين؛ مجمع البحرين؛ چ سوم، تهران: كتابفروشى مرتضوى، 1375.

24. الطوسي، محمد بن الحسن؛ التبيان فى تفسير القرآن؛ بيروت: دار إحياء التراث العربي، [ب يتا].

25. العلامه الحلي؛ مبادئ الوصول إلى علم الأصول؛ الطبعة الثالثة، قم: مكتب الإعلام الإسلامي، 1404 ق.

(326)

26. الفاضل التوني، الوافية في أصول الفقه؛ الطبعة الأولى، قم: موسسة مجمع الفكر الإسلامي، 1412 ق.

27. فضل الله، سيد محمد حسين؛ إسلام، زن وجستاري تازه؛ ترجمه مجيد مرادي؛ چ دوم، قم: بوستان كتاب، 1384.

28. كريمي نيا، مرتضي؛ آرا وانديشه هاي دكتر نصر حامد ابوزيد؛ تهران: مديريت. مطالعات اسلامي سازمان فرهنگ وارتباطات، 1376.

29. المحقق الحلي، نجم الدين جعفر بن الحسن؛ معارج الأصول؛ ج الأول، قم: مؤسسة آل البيت 1403 ق.

30. محمد، هدايت.http://mhedayat.blogfa.com/post-27.aspx 30

31. مطهري، مرتضي، «حق سرپرستي در خانواده»، تهيه وتنظيم [س.م. اسكندري]، انتشارات امام پیام زن، ش26، سال سوم، اردیبهشت 1373.

32. ------------------؛ مجموعه آثار: مسئله حجاب؛ ج 19 ، تهران: صدرا، 1385

33.---------------------- ؛ مجموعه آثار: ده گفتار؛ ج 20 ، تهران: صدرا، 1385.

34. ----------------------؛ نظام حقوق زن در اسلام؛ چ چهل وهشتم، تهران: صدرا، 1426 ق.

35. مغنيه، محمد جواد؛ تفسير الكاشف؛ چ الأول، تهران: دار الكتب الإسلامية، 1424 ق.

36. مفيد، محمد بن محمد؛ تفسير القرآن المجيد؛ تحقيق سيد محمد على اياز؛ چ أول، قم: مركز انتشارات دفتر تبليغات اسلامى، 1424 ق.

37. مكارم شيرازي، ناصر وهمكاران؛ دائرة المعارف فقه مقارن؛ چ دوم، قم: انتشارات امام علي بن ابيطالب، 1387.

38. الواحدى، علي بن أحمد؛ أسباب نزول القرآن؛ تحقيق كمال بسيونى زغلول؛ ج الأول، بيروت: دار الكتب العلمية، 1411 ق.

(327)
نصر حامد أبو زيد دراسة النظريات ونقدها ان دراسة التحديات النظرية والمعرفية القائمة في العالم الاسلامي وتحليلها ونقدها يعبر عن أحد أوجه المواجهة الفكرية مع الفكر الغربي المعاصر . وفي هذا الكتاب يقدم المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية مجموعة من الدراسات المركّزة في طرح خلفيات ومباني وآراء نصر حامد أبو زيد ، وتحليلها ونقدها ، بهدف إيضاح نجاح مثل هذه المشاريع الفكرية أو إخفاقها . المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية http://www.iicss.iq info@iicss.iq islamic.css.lb@gmail.com
 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف