فهرس المحتويات

مقدمة المركز | 7

الفصل الأول: تاريخ النسويّة | 14

مقدّمةٌ | 14

1. تعريف النسويّة | 16

2.مراجعة تاريخيّة لنظريّة النسويّة | 19

2-1.وضع المرأة من المجتمعات البدائيّة إلى عصر النهضة | 20

2-2. وضع المرأة في القرنين السابع عشر والثامن عشر | 29

3-2  دراسة الموجات الثلاثة للنسويّة | 48

الفصل الثاني: الاتّجاهات النسويّة | 78

مقدّمةٌ | 78

النسويّة الليبراليّة | 81

النظريّات | 82

الشخصيّات والمُؤلَّفات | 86

الانتقادات | 90

النسويّة الماركسيّة | 93

الشخصيّات والمُؤلّفات | 96

الانتقادات | 99

النسويّة الراديكاليّة | 102

وضع المرأة | 103

علّة تبعية النساء | 104

التعاليم | 107

الأهداف والشعارات | 108

الحلول المقترحة | 110

الشخصيّات والمُؤلَّفات | 113

الانتقادات | 118

النسويّة الاشتراكيّة | 121

الأهداف والشعارات | 126

الشخصيّات والمُؤلّفات | 126

نسويّة ما بعد الحداثة | 129

ما بعد الحداثة | 130

ما بعد البنيويّة | 132

اعتبار الفكر رجولي | 138

سيّاليّة هويّة المرأة | 140

الاهتمام باختلافات النساء | 141

الانتقادات | 144

الفصل الثالث: التعاليم النسويّة | 150

1. الأسرة والأمومة | 150

2. المساواة والاختلاف | 167

3.النسويّة والسياسة | 194

4. العلم ونظريّة المعرفة النسويّة | 205

5.النسويّة ونظريّة المعرفة | 213

6.النسويّة والأخلاق | 233

الفصل الرابع: نقد النسويّة | 260

مقدّمة |  260

نقد أُسس النسويّة | 262

الإنسانويّة | 265

العلمانيّة | 268

العقلانيّة | 269

الفرديّة | 272

نقد التعاليم | 279

نقد القول باحتقار النساء ومنشؤه | 280

نقد مذهب المساواة | 284

نقد المساواة الليبراليّة (المساواة القانونيّة) | 285

نقد المساواة التكوينيّة (المساواة الطبيعيّة) | 290

الشواهد البيولوجيّة | 292

الشواهد النفسيّة والسيسيولوجيّة | 296

تحليل الشواهد | 298

نقد نتائج النسويّة | 319

نظرة مختلفة إلى نتائج النسويّة | 320

ملاحظات حول ضرورة البحث الدقيق للنتائج | 324

التفكيك بين النتائج الإيجابيّة وبين النتائج السلبيّة | 324

تمييز النتائج الحقيقيّة للنسويّة | 327

مقدار الفوائد التي حقّقتها نتائج النسويّة بالنسبة للنساء | 330

النسويّة، تيّارٌ يصبّ في مصلحة الرجال | 331

النسويّة، تيّارٌ يصبّ في صالح الرأسماليّة | 332

النسويّة تيّارٌ يصبّ في مصلحة السياسيّين | 334

دراسة نقديّة لنتائج النسويّة | 335

اضطراب هوية المرأة | 337

الأزمة ضمن الأسرة | 345

نتائج حق الإجهاض | 355

نتائج العلاقات الحرّة خارج إطار الأسرة | 356

كلمة الختام | 358

المصادر والمراجع | 360

العتبة العباسية المقدسة المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية سلسلة مصطلحات معاصرة 32 فيمينزم (الحركة النسوية) مفهومها أصولها النظرية وتياراتها الاجتماعية نرجس رودگر تعريب : هبة ضافر
هذه السلسلة تتغيا هذه السلسلة تحقيق الاهداف المعرفية التالية: أولا:الوعي بالمفاهيم واهميتها المركزية في تشكيل وتنمية المعارف والعلوم الانسانية وادراك مبانيها وغاياتها ، وبالتالي التعامل معها كضرورة للتواصل مع عالم الافكار ، والتعرف على النظريات والمناهج التي تتشكل منها الانظمة الفكرية المختلفة. ثانيا:إزالة الغموض حول الكثير من المصطلحات والمفاهيم التي غالبا ما تستعمل في غير موضعها أو يجري تفسيرها على خلاف المراد منها.لا سيما وان كثيرا من الاشكاليات المعرفية ناتجة من اضطراب الفهم في تحديد المفاهيم والوقوف على مقاصدها الحقيقة. ثالثا:بيان حقيقة ما يؤديه توظيف المفاهيم في ميادين الاحتدام الحضاري بين الشرق والغرب،وما يترتب على هذا التوظيف من آثار سلبية بفعل العولمة الثقافية والقيمية التي تتعرض لها المجتمعات العربية والاسلامية وخصوصا في الحقبة المعاصرة. رابعا:رفد المعاهد الجامعية ومراكز الابحاث والمنتديات الفكرية بعمل موسوعي جديد يحيط بنشأة المفهوم ومعناه ودلالاته الاصطلاحية ، ومجال استخداماته العلمية،فضلا عن صلاته وارتباطه بالعلوم والمعارف الأخرى. المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية

الفهرس

مقدمة المركز7

الفصل الأول: تاريخ النسويّة14

مقدّمةٌ14

1. تعريف النسويّة16

2.مراجعة تاريخيّة لنظريّة النسويّة19

2-1.وضع المرأة من المجتمعات البدائيّة إلى عصر النهضة20

2-2. وضع المرأة في القرنين السابع عشر والثامن عشر29

3-2  دراسة الموجات الثلاثة للنسويّة48

الفصل الثاني: الاتّجاهات النسويّة78

مقدّمةٌ78

النسويّة الليبراليّة81

النظريّات82

الشخصيّات والمُؤلَّفات 86

الانتقادات90

النسويّة الماركسيّة93

الشخصيّات والمُؤلّفات96

الانتقادات99

النسويّة الراديكاليّة102

وضع المرأة103

علّة تبعية النساء104

التعاليم107

الأهداف والشعارات108

الحلول المقترحة110

الشخصيّات والمُؤلَّفات113

(4)

الفهرس

الانتقادات118

النسويّة الاشتراكيّة121

الأهداف والشعارات126

الشخصيّات والمُؤلّفات126

نسويّة ما بعد الحداثة129

ما بعد الحداثة130

ما بعد البنيويّة132

اعتبار الفكر رجولي138

سيّاليّة هويّة المرأة140

الاهتمام باختلافات النساء141

الانتقادات144

الفصل الثالث: التعاليم النسويّة150

1. الأسرة والأمومة150

2. المساواة والاختلاف167

3.النسويّة والسياسة194

4. العلم ونظريّة المعرفة النسويّة205

5.النسويّة ونظريّة المعرفة213

6.النسويّة والأخلاق233

الفصل الرابع: نقد النسويّة260

مقدّمة260

نقد أُسس النسويّة262

الإنسانويّة265

العلمانيّة268

العقلانيّة269

الفرديّة272

(5)

الفهرس

نقد التعاليم 279

نقد القول باحتقار النساء ومنشؤه280

نقد مذهب المساواة284

نقد المساواة الليبراليّة (المساواة القانونيّة)285

نقد المساواة التكوينيّة (المساواة الطبيعيّة)290

الشواهد البيولوجيّة292

الشواهد النفسيّة والسيسيولوجيّة296

تحليل الشواهد298

نقد نتائج النسويّة319

نظرة مختلفة إلى نتائج النسويّة320

ملاحظات حول ضرورة البحث الدقيق للنتائج324

التفكيك بين النتائج الإيجابيّة وبين النتائج السلبيّة324

تمييز النتائج الحقيقيّة للنسويّة327

مقدار الفوائد التي حقّقتها نتائج النسويّة بالنسبة للنساء330

النسويّة، تيّارٌ يصبّ في مصلحة الرجال331

النسويّة، تيّارٌ يصبّ في صالح الرأسماليّة332

النسويّة تيّارٌ يصبّ في مصلحة السياسيّين334

دراسة نقديّة لنتائج النسويّة335

اضطراب هوية المرأة337

الأزمة ضمن الأسرة345

نتائج حق الإجهاض355

نتائج العلاقات الحرّة خارج إطار الأسرة356

كلمة الختام358

المصادر والمراجع360

(6)

مقدمة المركز 

تدخل هذه السلسلة التي يصدرها المركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية في سياق منظومة معرفية يعكف المركز على تظهيرها، وتهدف إلى درس وتأصيل ونقد مفاهيم شكلت ولما تزل مرتكزات أساسية في فضاء التفكير المعاصر.

وسعياً إلى هذا الهدف وضعت الهيئة المشرفة خارطة برامجية شاملة للعناية بالمصطلحات والمفاهيم الأكثر حضوراً وتداولاً وتأثيراً في العلوم الإنسانية، ولا سيما في حقول الفلسفة، وعلم الإجتماع، والفكر السياسي، وفلسفة الدين والاقتصاد وتاريخ الحضارات.

أما الغاية من هذا المشروع المعرفي فيمكن إجمالها على النحوالتالي:

أولاً: الوعي بالمفاهيم وأهميتها المركزية في تشكيل وتنمية المعارف والعلوم الإنسانية وإدراك مبانيها وغاياتها، وبالتالي التعامل معها كضرورة للتواصل مع عالم الأفكار، والتعرف على النظريات والمناهج التي تتشكل منها الأنظمة الفكرية المختلفة.

ثانياً: إزالة الغموض حول الكثير من المصطلحات والمفاهيم التي غالباً ما تستعمل في غير موضعها أويجري تفسيرها على خلاف المراد منها. لا سيما وأن كثيراً من الإشكاليات المعرفية ناتجة من اضطراب الفهم في تحديد المفاهيم والوقوف على مقاصدها الحقيقية.

(7)

ثالثاً: بيان حقيقة ما يؤديه توظيف المفاهيم في ميادين الاحتدام الحضاري بين الشرق والغرب، وما يترتب على هذا التوظيف من آثار سلبية بفعل العولمة الثقافية والقيمية التي تتعرض لها المجتمعات العربية والإسلامية وخصوصاً في الحقبة المعاصرة.

رابعاً: رفد المعاهد الجامعية ومراكز الأبحاث والمنتديات الفكرية بعمل موسوعي جديد يحيط بنشأة المفهوم ومعناه ودلالاته الإصطلاحية، ومجال استخداماته العلمية، فضلاً عن صِلاته وارتباطه بالعلوم والمعارف الأخرى. وانطلاقاً من البعد العلمي والمنهجي والتحكيمي لهذا المشروع فقد حرص لامركز على أن يشارك في إنجازه نخبة من كبار الأكاديميين والباحثين والمفكرين من العالمين العربي والإسلامي.

 ***

تعالج هذه الدراسة بالعرض والتحليل والنقد واحدًا من أكثر المفاهيم المعاصرة إثارة للجدل، ذلك بأن مفهوم النسويّة (Femininsme) الذي ظهرت تنظيراته منذ عصور الحداثة الأولى في الغرب عاد ليظهر من جديد في ساحات النقاش وحلقات التفكير في أزمنة ما بعد الحداثة.

يتناول الكتاب الذي بين أيدينا موضوع النسويّة كمصطلح ومفهوم في تاريخيته  وأصولة النظرية وتياراته الثقافية والاجتماعية.

والله ولي التوفيق
(8)

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا * إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُم)[1].

منذ ذلك الزمان الذي عيّنَ فيه الخالق الحكيم طبيعة الإنسان، ودوَّن فيه سِرّ الخلقة بقلم الفروقات، ونَصَّب الإنسان على منبر خليفة الله، كان كلٌّ من المرأة والرجل معًا انعكاسًا لقسمٍ من الأنوار الإلهيّة على الأرض، فبدآ حياةً مديدةً إلى جانب بعضهما البعض دامت لآلاف السنين.

وفي سياق هذه المجاورة، كان وجودُ كلّ واحدٍ منهما مَسكنًا يلتجأ إليه الطرف الآخر بعيدًا عن الاضطرابات والمحن، فكانت المسرّة والسعادة الناجمة عن الحياة المشتركة بين الجنسين عميقةً وجادّةً إلى درجةٍ كبيرةٍ جدًا بحيث كانت تسوق الطرفين نحو بعضهما البعض رغم كلّ العقبات التي تواجههما، وتحوّل حظّ الجنسين في المجاورة فقط إلى رسومٍ وقانونٍ شاملٍ وعالميٍّ.

كانت ترنيمة الاختلاف وعدم رضى الجنسين خافتةً ونادرةً بحيث لم تصل بصوتٍ عالٍ إلى أذن التاريخ في أيِّ وقتٍ مضى، ولكنّها اشتدّت في القرون الأخيرة بحيث تجاوزت الحدود وخلّفت آثارًا ملحوظةٍ في المجتمعات المختلفة.

(9)

إنَّ «النسويّة» التي تدّعي السعي الحثيث لاستعادة الحقوق المُداسة للمرأة والعمل على إيصالهنّ إلى الوضع المطلوب في الحياة، رغم أنّها كانت حركةً ونظريّة نشأت بسبب التغيُّرات الخاصّة (الاجتماعيّة والسياسيّة) في المجتمعات الأوروبيّة والأمريكيّة في القرن التاسع عشر والقرن العشرين، إلا أنّها ادّعت بعد مدةٍ لنفسها العالميّة وانتشرت شعاراتها ومطالبها لتشمل جميع النساء في جميع أنحاء العالم، وقد أدّى هذا الأمر إلى أن تترك أنشطةُ «النسويّة» آثارها في عصرنا الحاضر على كلّ الساحات مِن القرارات الدوليّة إلى القوانين المقرّة في برلمانات الدول، إلى كيفيّة عمل الأحزاب السياسيّة والمنظّمات الاجتماعيّة الرسميّة وغير الرسميّة بل حتّى في ثقافات الأمم مِن التخصّصات العلميّة والأكاديميّة، إلى الكتب والمجلات والجرائد الصادرة، إلى الأفلام والمسلسلات التي تغذي أذهان الناس بأنماط الحياة، بل إنّنا نشهدها حتّى في نوع العلاقة الزوجيّة في عصرنا الحاضر.

رغم أن وضع «النسويّة» تحت المجهر وإظهار وجهها القويّ يبدو بعيداً عن الواقع إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الركود والأفول في المجالات المتنوّعة لنظريّات الاتّجاهات النسويّة ونشاطاتها، ولكن حيث إنّ دخول «النسويّة» إلى ساحة المجتمعات أدّى إلى تغييرٍ في المستوى الثقافي، خصوصًا مع الالتفات إلى أنّ هذه التغييرات والتأثيرات غيّرت وبدّلت بنحوٍ مُباشرٍ في نظام أكثرِ وحدةٍ أساسيّةٍ في المنظومة الاجتماعيّة، أي في نظام الأسرة؛ لذا لا يمكن إنكار ضرورة معرفة نظريّات الاتّجاهات النسويّة ونقدها.

(10)

إنَّ كلًا من دراسة أصل ظهور النسويّة وعلل ذلك والإحاطة العلميّة بتاريخ تطور النسويّات وأنواع اتّجاهاتهم وتعاليمهم، يشكل مرحلةً من المراحل الضروريّة للمعرفة التخصصيّة لهذا الموضوع، ومُعظم الأعمال الإنتاجيّة المرتبطة بحركة النسويّة إنّما تناولت جانبةً واحدةً فقط من الموضوعات المذكورة أعلاه، ولذا سعينا في هذا الكتاب لأنّ نُقدّم معلوماتٍ شاملةً حول موضوع الحركة النسويّة من خلال معالجة كافة هذه البنود (تاريخها، اتّجاهاتها، نظريّاتها، ونقدها).

رغم أنَّه من الطبيعي أن تستتبع معالجة كافة البنود المذكورة الإطنابَ والتفصيلَ، ولكن بما أنّ القصد من وراء هذا الكتاب هو طرح المواضيع الأساسيّة والمفتاحيّة مع الحفاظ على الإيجاز والاختصار والبيان السلس والسهل؛ لذا فقد تجنّبنا ذِكر العديد من الإيضاحات، وتكرار المكرّرات، ونقل الأقوال.

وفي هذا المقام، أُقدّم جزيل الشكر والامتنان لمكتب الدراسات والبحوث النسائيّة على تهيئته للأرضيّة المناسبة وما قدّمه من عونٍ ومساندة، كما أتقدّم بالشكر من الصميم على الإرشادات القيّمة التي قدّمها جناب الدكتور محمّد تقي كرمي حيث أدّت إرشاداته الثمينة في كافّة مراحل البحث إلى إنارة الطريق.

(11)
(12)

 

 

 

 

 

 

الفصل الأول

تاريخ النسويّة

 

(13)

الفصل الأول: تاريخ النسويّة

مقدّمةٌ

إن مُصطلح النسويّة مُشتقٌّ من الجذر Feminine، ويعادله في الفرنسيّة والألمانيّة Feminin، ومعناه: المرأة أو الجنس الأنثوي، وهو مشتقٌ من الجذر اللاتيني Femina[1]، ويُقال بأنَّ مصطلح «النسويّة» دخل إلى اللغة الفرنسيّة[2] لأوّل مرّةٍ سنة 1837 م، وذلك في مقالةٍ بعنوان: الرجل - المرأة[3] والتي طُبعت سنة 1872م، حيث استعملَ هذا المُصطلح لوصف النساء اللواتي يتصرّفن بطريقةٍ ذُكوريّةٍ[4]، وقد اقترح في اللغة الفارسيّة عددٌ من المصطلحات المكافئة لهذا المصطلح مثل: «زن گرايی»، و«زن وری»، و«زنانه نگری»، و«آزادی خواهی زنان»[5]و[6].

ويُقال بأنَّ تاريخ استخدام هذا المصطلح يختلف عن تاريخ

(14)

ظهور النسويّة؛ لأنّ مصطلح النسويّة استخدم بعد مدّةٍ من بدء اعتراض النساء؛ وحتّى بعد مدّةٍ من نفس نحت مصطلح النسويّة، فإنَّ العديد من الأفراد المناضلين لأجل حقوق المرأة لم يعتبروا أنفسهم نسويّين، وتمّ تداول مصطلح النسويّة فقط في الآونة الأخيرة فأطلق على جميع المجموعات التي تدافع عن حقوق النساء.[1]

لقد مرّت النسويّة بتاريخٍ طويلٍ مليءٍ بالانتصارات والعثرات، فتاريخها مرتبطٌ بالسير التاريخي للبلدان الغربيّة بشكلٍ عامٍّ، كما أنّه مُرتبطٌ بالتغيّرات التي حصلت لحياة المرأة بشكلٍ خاصٍّ عبر الزمن.

ومراجعة التاريخ الغربيّ وظروف حياة النساء هناك عبر الزمن، سيُشير إلى خلفيّة وأرضيّة تشكّل حركة النسويّة، بالإضافة إلى علل بروز أو أفول الأنشطة النسويّة مع مرور الزمن، وكيفيّة تشكل المجموعات والتيّارات والنظريّات المختلفة للنسويّة، والتي تهيّئ بدورها الأرضيّة لمعرفة كافّة جوانب ماهيّة النسويّة بصورةٍ شاملةٍ؛ ولذلك قُمنا في هذا الكتاب بطرح تعريف «النسويّة» ودراسة وضع النساء قبل عصر النهضة، ثمّ بحثنا العوامل التي أدّت إلى تغييراتٍ في ظروف حياة النساء في القرنين السابع عشر والثامن عشر، والتي هيّأت بدورها الظروف لظهور النسويّة، ثمّ سنبحث الظروف والأرضيّة التي أدّت إلى ظهور التيّارات والنظريّات المتعدّدة للأفكار النسويّة المختلفة مِن القرن التاسع عشر إلى عصرنا الحاضر.

(15)

1. تعريف النسويّة

إنّ بعض المسائل من قبيل تعدّد تيّارات النسويّة وكثرتها وتنوّعها، وطرح البرامج والأهداف المختلفة والمتضادّة أحيانًا، جعلت من الصعب بل من غير الممكن وضع تعريفٍ واحدٍ جامعٍ للنسويّة، ممّا أدّى إلى وجود العديد من الاختلاف في وجهات النظر فيما يتعلّق بتعريف النسويّة.[1]

إنَّ السبب الرئيسي لهذا التنوّع والتكثير في المناهج «النسويّة» ومن ثمّ الاختلاف في تعريف النسويّة، يعود إلى أنّ هذا المنهج جاء

(16)

من بيئةٍ ومحيطٍ واسعٍ نسبيّاً (أوروبا الغربيّة وأمريكا الشماليّة) كما يتمتّع بتاريخٍ طويلٍ نسبيّاً، هذا وقد نشأت خلال هذه الفترة الزمنيّة وفي هذا النطاق الجغرافي مناهج فلسفيّة وسياسيّة متعدّدة ومتنوّعة من قبيل: «الليبراليّة» و«الماركسيّة» و«الاشتراكيّة» و«نظريّة ما بعد الحداثة»[1] ... .

واقتضت الضرورة والمصلحة أن تتعاون النظريّة النسويّة مع تلك المناهج في العديد من المجالات وأن تستفيد من القدرة النظريّة والعمليّة لتلك المناهج في تحقيق أهدافها الخاصّة، ومن البديهيّ أن تتأثّر النسويّة بها نتيجة هذا التعاون وأن تتّخذ أشكالًا متنوّعة مثل: «النسويّة الماركسيّة» و«النسويّة الاشتراكيّة» و«نسويّة ما بعد الحداثة»... .[2]

لقد أدّى امتداد تاريخ النسويّة عبر خطٍّ زمنيٍّ طويلٍ من جهةٍ، والتنوّع من جهةٍ أخرى، إلى صعوبة تقديم تعريفٍ واحدٍ لها، حيث إنّ ماهيّة نظريّة النسويّة تختلف في مراحلها الأوليّة عن المراحل اللاحقة وعنها في العصر الحاضر، وكمثالٍ على ذلك: يمكن تعريف الأنشطة النسويّة منذ البداية إلى سنة 1920م كحركةٍ أو كنهضةٍ اجتماعيّةٍ، وأمّا منذ سنة 1970م وما بعدها، فدخل طرحها

(17)

في نطاق النظريّة والثقافة، فاتّخذت النظريّة النسويّة لون ونمط النظريّة الاجتماعيّة.[1]

(18)

وبمعزلٍ عن هذه الاختلافات فإنَّ الجوهر والمحور المشترك الذي يمكن ملاحظته في التيّارات النسويّة عبارةٌ عن الاعتراض على ما يسمى التمييز ضدّ المرأة والسعي لتحسين أوضاعها.

ويقبع خلف هذا الجوهر المشترك العديد من الاختلافات حول النسويّة، ومنها سبب التمييز؟ وأنّه وقعَ مِن قِبَل مَن؟ وأنّه عمديٌّ أم غير مُتعمّدٍ؟ وأنّه على صعيد الأسرة أكثر أم على صعيد المجتمع؟ وما هي سبل النضال؟ والعشرات من مواطن الاختلاف الأخرى الجديرة بالاهتمام.

2. مراجعة تاريخيّة لنظريّة النسويّة

كما أشير سابقًا، لقد كان للتغيُّرات السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة على مدى تاريخ العالم الغربيّ تأثيرًا مباشرًا على حياة المرأة الفرديّة والاجتماعيّة والأُسريّة أيضًا، ودراسة تاريخ هذه التغيُّرات والاختلافات في المجتمعات الغربيّة وبالتبع في حياة المرأة، يُعطي تصوّرًا واقعيّاً لجذور وعلل ظهور النسويّة، وهو الأمر المؤثر في فهم جذور نظريّات النسويّات وأعمالهم.

وسنبحث في هذا القسم تاريخ أوضاع المرأة من خلال السير في خطٍّ زمنيٍّ يبدأ من المجتمعات البدائيّة إلى عصر النهضة، ثمّ سنبحث الأحداث والظواهر التي أدّت إلى نشوء النسويّة، ثمّ سنقوم بمرحلةٍ لاحقةٍ ببحث مراحل تكون ونموّ التيّارات المتنوّعة للنسويّة ودراستها مِن القرن التاسع عشر إلى عصرنا الحاضر.

(19)

2-1.وضع المرأة من المجتمعات البدائيّة إلى عصر النهضة

المجتمعات البدائيّة

وفقًا لعلماء الأنثروبولوجيا كان للمرأة مركزًا مرموقًا حيث إنّ اقتصاد المجتمعات البدائيّة كان قائمًا على الصيد والجمع، وقيل: إنّ قلّة عدد النساء، بسبب النقص في الرعاية الصحيّة والموت، ونظرة المجتمع للمرأة كوَلّادةٍ للنوع البشري، شكّلت بأجمعها عوامل لاحترام الرجل للمرأة، مع مضي الوقت ارتقت موقعيّتها بسبب اكتشافها للزراعة.[1]

وكان من الشائع في تلك المجتمعات الزواج الجماعيّ، وبالتالي كان الأبناء لا يعرِفونَ إلّا أمّهاتهم، وكان كلٌّ من الأرث والقرابة ينتقلان عن طريق الأُمّ فقط؛ ولذا تُسمّى تلك المجتمعات: «نسل أُموميّ» [matrilineal][2]، ويعتبر بعض المحقّقين[3] أنّ أحد أسباب نشوء ظاهرة النسل الأمومي هو أهميّة المشاركة الاقتصاديّة للمرأة في تلك المجتمعات وغياب الرجل لأجل الصيد أو الحرب.[4]

(20)
(21)

وقد تزلزلت هذه الموقعيّة الاستثنائيّة للمرأة مع التطور التِقني الحديث، فمع اختراع المِحراث الذي يتطلّب قدرةً بَدنيّةً ذُكوريّةً، أصبحت الزراعة على عاتق الرجال وخفّ بريق الأثر الاقتصادي للمرأة، وازدهرت الزراعة مع استخدام البشر للمصادر الطبيعيّة، وأصبح الإنسان مستقرًا في مكانٍ واحدٍ، وهدم هذا الاستقرار بعض الأنشطة الاجتماعيّة كالزواج؛ وبهذه الكيفية منح الـ «التزاوج الخارجي» مكانه لـ «التزاوج الداخلي» وبالتالي اختفت مسألة انتقال النسب عن طريق الأمّ.[1]

ومن البديهي أنَّ رأي علماء الأنثروبولوجيا مبنيٌّ على أنّ وجود «النسل الأمومي» في المجتمعات البدائيّة يشمل جميع المجتمعات

(22)

القديمة ولا يختصّ بالمجتمعات الغربيّة، وبغضّ النظر عن بعض النزاعات العلميّة والتاريخيّة حول أصل وجود «النسل الأمومي» في المجتمعات البدائيّة، يبقى السؤال التالي مشروعًا: هل يُمكن تقييم المجتمعات البدائيّة وفق قِيم المجتمعات اللاحقة؟ وهل كان للأصل والنسب في المجتمعات القديمة قِيمةً خاصّة حتّى نعتبر ربط النسب بالمرأة سببًا لـ «النظام الأمومي» و«الرئاسة الأموميّة»؟

اليونان والرومان القدماء

يبحث الغرب عن انطلاقة تاريخهم في المجتمعين القديمين اليوناني والروماني، وبناءً عليه ينبغي الانطلاق في دراسة تاريخ المرأة من اليونان القديمة وروما القديمة لأجل بحث تاريخ المرأة في الغرب.

كان للمرأة موقعيّةً مرموقةً في اليونان القديمة، وتعتبر المرأة قوّةً للخصوبة، وكان النسب ينتقل من ناحية الأمّ ولا يعرف الأبناء آبائهم، وكان أغلب الآلهة اليونانيين نساءً، ووفقًا لقول «ويل ديورانت» كان الرجال يصنعون آلهتهم على صورة نسائهم، ولم تكن المرأة حبيسة المنزل وكانت تُخالط الرجل بحريةٍ في المجتمع.[1]

ولكن تغيّر وضع المرأة مع تطور اليونانيّين، ففي العصر الذهبي لليونان القديمة (من 399 إلى 470 ق.م) وهو العصر الذي يُمثّل فترة إزدهار اليونان، نُسخ عُرف انتقال الإرث من خلال الأمّ، ولم

(23)

يعد للمرأة اليونانيّة الحقّ في إبرام العقود، كما لم يعد متاحًا لها حقّ رفع الدعوى أمام المحاكم؛ ولا أن ترث المرأة زوجها؛ واعتبرت قوّة الإنجاب من الذكر، أمّا المرأة فدورها يقتصر على حمل الجنين وحسب، وحدَّ الرجل من حريّة المرأة الجنسيّة، في حين تمتعوا هم بهذه الحريّة، وصار الآباء يُزوجون بناتهنّ دون مشاورتهنّ، وصار الرجل يرى بأنَّ المرأة أكثر إنتاجًا في المنزل، ولذلك انحصر تعليم المرأة فقط فيما يتعلّق بأمور المنزل؛ لأنَّهم كانوا يعتقدون أنَّ ذكاءها سيمنعها من أداء وظائفها.[1]

ولم يكن للمرأة في روما كذلك الحقّ في التواجد في المحاكم ولو كشاهد، كما لم يكن لها الحقّ في استعمال أموالها[2] بدون إذن وليّها (الأب، الأخ أو الزوج)، فالأب هو وليّ الأسرة، وكانت الأمّ والبنات وسائر الأبناء مِلكاً له[3]، ولكن تناقصت سلطة الرجل مع ازدهار النظام الجمهوري في روما، واكتسب النساء والأبناء من آبائهم حريّةً أكبر، ووفق قول ويل ديورانت « كلّما خسر الرجل الروميّ من حقوقه السابقة، اكتسبت المرأة حقوقًا جديدةً»[4].

(24)

النظام الإقطاعي

بدأ السقوط التدريجي للمجتمع العبودي والتكامل التدريجي للعلاقات الإقطاعيّة في الغرب منذ القرن الرابع، ومع مضي الوقت وثورة العبيد أُجبر الأسياد على منح كلّ عبدٍ أرضًا صغيرةً، وحثّهم من خلال إشراكهم في أرباح أعمالهم على بذل مزيدٍ من الجهود لإيجاد رابطة معهم؛ وبهذا تشكّل المجتمع الإقطاعي الذي يُعتبر التمييز الطبقيّ من أبرز خصائصه، فوقع المزارعون وأصحاب المهن تحت استغلال الإقطاعيّين، وأصبحت مزايا الحياة خاصّة بالطبقات الراقية، وازدادت هذه المسافة مع سقوط الإمبراطوريّة الروميّة وانقسام السلطة بين الإقطاعيين. وازدادت هذه المسافة مع سقوط الإمبراطوريّة الرومانيّة وانقسام السلطة بين الإقطاعيّين.

واستقرّت دعائم العلاقات الإقطاعيّة في أرجاء أوروبا منذ أوائل القرن الحادي عشر، فعمل الرجال في أراضي الأسياد بمساعدة النساء والأبناء فلم يكن يحقّ لهم أن يتركوا الأراضي الزراعيّة دون إذن الأسياد، كما لم يكن يحقّ لطبقة الرعيّة الزواج بدون إذن الأسياد، كانت حياة المزراعين الداخليّة (المسكن والمأكل) مليئةً بالكثير من المعاناة، ومن ناحيةٍ أخرى تفاقمت المشاكل بسبب القحط وقُطّاع الطرق والحروب.[1]

لقد ساد النظام الطبقي الإقطاعي بين النساء أيضًا، فكانت نساء

(25)

الرعيّة شريكةً للرجال في مشاكلهم، ورغم أنّهن كُنّ يقعن تحت ضغط السلطة الإقطاعيّة وسلطة الأزواج في آنٍ واحدٍ إلّا أنّهنّ كنَّ متعاونات بطيبة خاطرٍ مع أزواجهنّ بسبب وضع الرجال المثير للشفقة؛ ومن ناحيةٍ أخرى لم تتوفر الأرضيّة لزوجة المزراع في ذلك المجتمع الثنائي القطبين والإقطاعي الخانق لأنّ تُفكّر في وضع حياتها غير المناسب كإمراةٍ في خضم عملها وسعيها اليومي في العمل بالمنزل والمزرعة فما بالك بالتفكير بالثورة على تلك الحياة.[1]

وأمّا زوجات الإقطاعيّين والحكّام فكُنّ في وضع أفضل نسبيّاً خلافًا لنساء الرعيّة، فكان عددٌ من زوجات الإقطاعيّين يديرون القصور والأراضي، فكان مديرو الأديرة يرسلون بفرسانهم إلى الحروب، وكنّ النساء الأرستقراطيّيات يُدرنَ القصور في غياب الأزواج، وكانت النساء تجلس في مقام الرئيس العسكري والقاضي والحارس على ممتلكاتهم بشكلٍ مطلقٍ.

وكان للنساء الحاكمات أن يتدخلن في شؤون الكنيسة وإدارتها وأحيانًا كان لهنّ حقُّ الإشراف على بلاط البابا، وفي ختام العام الحادي عشر أحدث البابا إصلاحاتٍ في الكنيسة فعزل النساء عن مقاماتهن وعندما هُدمت المراكز الثقافيّة واستبدّلت بالمدارس والجامعات تحت إشراف الكنيسة، كان تحصيل العلم ممنوعًا على البنات في هذه المدارس الراقية، وكانت هذه المسألة سببًا في

(26)

حصول هوّةٍ ثقافيّةٍ بين النساء والرجال، فحُرمت النساء من بعض الأعمال التي تحتاج إلى تحصيل العلوم في تلك المراكز كالطبابة مثلاً.[1]

البرجوازية

شهد أواخر القرن الثاني عشر تناقصًا في سلطة الإقطاعيّين، وازديادًا في الخيارات لدى المزارعين، وزاد عدد القاطنين في المُدن، وزادت سلطة سُكّان المدن وانتُخِبت السلطات بواسطتهم، وبالتالي تشكّلت الطبقات (البرجوازيّة).[2]

كان التنافس بين الطبقات المتنوّعة وأصحاب المهن عاملًا في عزل النساء عن بعض الأعمال، ومن ناحيةٍ أخرى كان تعلّم بعض الأعمال مختصّاً بالذكور، وبالتالي قلّت قدرات النساء وحصلنَ على أجورٍ أدنى؛ بحيث إنّه في القرن الثالث عشر في باريس كان عدد المهن التي يُمكن للنساء أن تعمل بها خمسة عشر صنفًا يُقابلها ثمانون صنفًا للرجال، وكانت مهام البيروقراطيّين بيد الرجل من قبيل: مسؤول الخزنة، وكبير المستشارين، والقضاء، و...‌ ، ثمّ مع حلول السلطة الملكيّة وزوال النظام الإقطاعي، خسرت النساء الأرستقراطيّات والإقطاعيّات بالتدريج موقعيتهنّ السابقة.[3]

(27)

وفي القرن الرابع عشر مُنعت النساء من العمل في الجراحة والتجميل، واختصّ تعليم العديد من المهن بالذكور، كما منع انتقال السلطة الملكيّة من خلال سلالة الأمّ.[1]

في الأعوام الأخيرة لهذا القرن ـ حيث انتشر التعليم والتعلّم وصار الآباء يُقْدِمون على تعليم أبنائهم ـ انحصر تعليم المرأة بالمنزل، وحُرِمت النساء من حقّ التصويت والحكم إلى جانب الأطفال والعبيد والغرباء[2]، وكان ذلك في عصر الإصلاح الديني حيث طرح المفكرون فكرة «سلطة الشعب بدل سلطة الكنيسة» جانبًا.

عصر النهضة (القرن الخامس والسادس عشر)

إنّ من أهم خصائص عصر النهضة في أوروبا، نموّ العلم والمعرفة، وانتشار البرجوازيّة، وتقلّص سلطة الكنيسة واستبدالها بالحكومة.

وكان النضال من أجل التقدّم والإنماء، وتحصيل العلوم والفنون المختلفة، والسعي لتحسين جودة الحياة من أهم قِيم عصر النهضة؛ ولكنّ الأبواب الجديدة التي فُتحت للتقدّم، لم تُفتح إلّا بوجه الذكور وحسب، وسطّر عصر النهضة عالمًا ذكوريّاً بتمامه: «كان طموح عصر النهضة هو الرجل المثالي الذي يتمثّل بسلامة الجسد والقدرة الروحيّة والاستقلال الفكري».[3]

(28)

وقد منع فرمانٌ إنكليزيٌّ (1547) اجتماع النساء بسبب الثرثرة وأَمَر الأزواج بإبقاء زوجاتهم أسرى البيوت، كما اشتدّ إقصاء النساء عن المسؤوليّات والنقابات، وأصبح الفرق بين الأجور ملحوظًا، كما أنَّ إزالة الأديرة ومنع النساء من دخول الجامعات التي تحت إشراف الكنيسة أدّى إلى حصول فترةٍ زمنيّةٍ كان الرجال فيها عازمين على تحصيل العلم وصقل إمكانيّاتهم في حين أنّ النساء حُرمنَ من التعليم.[1]

وفي تلك الحقبة الزمنية نُشرت مقالةٌ لماري دي جورنه[2] (1566 – 1645م) بعنوان برابرى زنان ومردان، شكوه زنان [= مساواة النساء والرجال، عظمة المرأة] عدّت فيها النساء كأفرادٍ: «مُنع عنهنَّ كل أمرٍ ممدوحٍ وسلبت منهنَّ كلّ فضيلةٍ».[3]

ومع كلّ هذه الأوضاع الوخيمة في تلك الحقبة الزمنيّة لم نرَ أيّ اعتراضٍ جديٍّ وعامٍّ فيما يتعلّق بوضعيّة المرأة.

2-2. وضع المرأة في القرنين السابع عشر والثامن عشر

إنَّ الأحداث الهامّة للثورة الصناعيّة من جهةٍ، والنهضة الثقافيّة من جهةٍ أخرى، وتشكيل الثورات في أمريكا وفرنسا في هذين القرنين من نواحٍ متعدّدة أدّت إلى تغيُّرٍ في نمط حياة المرأة وأوجدت الأرضيّة الخصبة لظهور «النسويّة».

(29)

الثورة الصناعية

من أهم خصائص هذا المقطع التاريخي في البلدان الغربيّة، هو الانقلاب الأساسي في النظام الاقتصادي الغربيّ، الذي تبعه تغيّرٌ في كلّ أبعاد الحياة الإنسانيّة.

فإلى ذلك الحين (1650م-1750م)[1] كان الاقتصاد الزراعي يُشكّل أهم أشكال اقتصاد العالم، وفي الاقتصاد الزراعي تعتبر الأرض أهم المصادر الاقتصاديّة للناس، وأمّا الأُسَر فكانت في الأراضي المجاورة لأراضيهم الزراعيّة، وكان الرجال والنساء والأطفال يعملون جنباً إلى جنب في مزارعهم، وكانوا عادةً ما يُوفّرون احتياجاتهم بأنفسهم.[2]

ومع تطوّر العلوم البشريّة واكتشاف القواعد المكانيكيّة كالطاقة البخاريّة واستعمالها في المصانع، لم يطل الأمر كثيرًا حتّى ظهرت مصانع الإنتاج المتنوّعة في جميع أنحاء أوروبا (وأمريكا)، وحلّت الآلة مكان اليد العاملة البشريّة، ومن ناحيةٍ أخرى احتاجت المصانع إلى الأيادي العاملة فجذبت المزارعين السابقين للعمل فيها.

لم تكن الثورة الصناعيّة نظامًا اقتصاديّاً وحسب، بل كانت تغييرًا لكل جوانب الحياة الفرديّة والاجتماعيّة؛ فقد أصبح مكان عمل الرجال (المصنع) بعيداً عن مكان عيشهم (المنزل)، فكان

(30)

الرجال يتّجهون إلى المصانع لكسب المعيشة بينما تبقى النساء في المنازل للقيام بواجبات الحياة الضروريّة، وخلافًا للعصر الزراعي حيث كان المنتجون هم المستهلكين، فصلت الصناعة بين الإنتاج والاستهلاك، وبين المنتج والمستهلك.

أمّا الأمر الآخر فهو الترويج للنظام النقدي، فبدلًا من مقايضة المنتجات كما كان رائجًا في النظام السابق، كان العمال يحصلون على الأجور بدل أتعابهم، وكان لعنصر النقد دورًا مهمًا في التغيّرات التي طرأت على ذلك العهد، وكان الناس بحاجةٍ للمال لأجل البقاء، وأصبح النقد يُعيّن قيمة كلِّ السلع، ولذا كان من الطبيعي تقسيم العمل إلى قسمين:

العمل الذي يُدفع المال على أدائه (عمل منتج).

العمل الذي لا مردود مالي على أدائه رغم أنّه كان ضروريّاً لدوام العيش (عمل غير منتج).

ونتيجةً لهذه التغيّيرات، كان عمل الرجال إنتاجيّاً ولذلك كان له قيمةٌ أمّا عمل المرأة فكان غير منتجٍ ولذلك اعتبر بلا قيمةٍ، ورويدًا رويدًا انغرست الفكرة في أذهان العموم بأنّ الرجال منتجون أمّا النساء فمستهلكاتٌ.

كما تشكّل تقسيمٌ آخر في تلك الأثناء حيث تمّ ملاحظة الأبعاد العمليّة بنحوٍ أكبر، فقُسّم المجتمع إلى قسمين: النطاق العام (الساحة الإنتاجيّة) وهو مكوّنٌ من الرجال، والنطاق

(31)

الخاصّ (الساحة غير الإنتاجية) وهو مكوّنٌ من النساء والأطفال.[1]

لقد أدّت الثورة الصناعيّة إلى ثورةٍ في مجال العلاقات بين الجنسين وعلى الوظائف الاجتماعيّة لكلّ واحدٍ من الجنسين، ومن خلال إيجاد التقسيمات المختلفة والمتضادّة من الإنتاج والاستهلاك، ومن العمل المنتج والعمل غير المنتج، ومن المجال العام والخاصّ، وقد أدّى اختصاص الرجل بالمقام الأوّل من هذه التقسيمات، في قبال اختصاص المرأة بالمقام المقابل ـ ومن المسلّم بأنّ المرأة كانت ذات قيمةٍ أدنى في العالم الصناعي والاستثماري ـ أوّلًا» إلى نشوء هوّةٍ عميقةٍ بين المرأة والرجل، وثانيًا: تشكيل نقطة البداية للتمييز وعدم المساواة وهو ظهر لاحقًا على هيئة التفريق بسبب اختلاف الجنس فقط.

ولم يقتصر الموضوع على وجود هوّةٍ بين الجنسين وحسب، بل أصبحت النساء معتمدةً على الرجل من الناحية الاقتصاديّة اعتمادًا تامّاً وذلك خلال عمليّة تشكيل مفهومي الرجل هو المُعيل والمرأة هي مدبّرة المنزل؛ ولذا سعت المرأة أحيانًا للفرار من هذا الاعتماد عبر الاتّجاه نحو الأعمال المنتجة، ولكنْ تلقّى الرجال الأمر على أنّه تعدّي على خصوصيّاتهم، ولذلك دار التنافس والصراع بين الجنسين حول فرص العمل، بحيث لم يقتصر الأمر على أنّ الرجال لم يمنحوا

(32)

النساء فرصةً للمهام الجديدة وحسب، بل سحبوا من أيديهنّ المهام التي كانت في السابق من تخصّصهن[1]، أمّا النتيجة الأخرى لذلك التنافس الذي أدّى إلى عدم رضًا عميقٍ من قبل المرأة، فهو حصول فجوةٍ عميقةٍ بين أجور النساء وأجور الرجال، بحيث كانت المرأة تحصل على أجرٍ يبلغ نصف أجر الرجل في القرن الثامن عشر.[2]

ومع زيادة عدد المصانع ازدادت الحاجة إلى اليد العاملة أكثر وأكثر، ومن ناحيةٍ أخرى فإنَّ العامل ذو الأجر الأقلّ يعود بدخلٍ أكبر على المستثمر، ولأجل ذلك فإنَّ أصحاب المصانع وظّفوا النساء للعمل في مصانعهم لأنّهنَّ ليني الجانب ويُمكن ضبطهنّ أكثر، مقارنةً بالرجل، وقد عمل خلال تلك الأحداث العديد من الفقيرات والعازبات والأرامل في المصانع.

لقد كان لهذه المسألة تأثيرٌ جديٌّ في تشكيل الحركة النسائيّة بحيث اعتبر بعض المحلّلين أنّ حريّة المرأة عبارةٌ عن عرضًا من أعراض الثورة الصناعيّة، فكما يقول ويل ديورانت: إنَّ الأفراد الذين مهّدوا لتخريب البيوت بدون أن يشعروا هم أصحاب المصانع الذين أخرجوا النساء من منازلهنّ من أجل أن يزيدوا أرباحهم.[3]

(33)

عصر التنوير

في نصف القرن الثامن عشر وبالالتفات إلى التغييرات الاقتصاديّة بدأت مجموعةٌ من العلماء إبداء إعتراضهم على ظلم المجتمعات الإقطاعيّة المبتني على الامتيازات المورثة من الملوك والكنيسة والأرستقراطيّين، وهؤلاء كانوا يُبيّنون عدم رضا الطبقة المتوسّطة التي ظهرت حديثًا وبدأت تنمو، فوضعوا حقوق الإنسان في قبال حقوق الملوك المقدّسة.[1]

وقد قامت ثورةٌ فكريّة منقطعة النظير في تلك الحقبة الزمنيّة، وانتشرت مبادئ جديدةٌ في المجتمعات الغربيّة، وشكّلت هذه المبادئ الأرضيّة لنشوء المدارس الفكريّة والسياسيّة، ومهدّت الأرضيّة للقيام بالحركات الاجتماعيّة المتنوّعة والثورات الحاسمة في تاريخ أوروبا وأمريكا والتي كانت «النسويّة» إحداها.

إنَّ تشكّل التوجهين الفكريّين الأهم الحداثة والليبراليّة، يدلّنا على الخصائص والميزات الفكريّة لهذه الحقبة الزمنيّة، فإنَّ هذين التوجّهين ـ وسنبحثهما لاحقًا ـ يمثلان أبوين للعديد من التغييرات والثورات ابتداءً من القرن الثامن عشر فما بعد، فقد جعلا كلّ الجوانب البشريّة تحت تأثيرهما، ومن ضمنها قضايا المرأة.

ألف) الحداثة

لقد سعت الثورة الصناعيّة بعد الجو الفكريّ الذي كان سائدًا

(34)

في القرون الوسطى ضدّ العقلانيّة ومع تكريس سلطة الكنيسة إلى استبدال سلطة الكنيسة بسلطة القدماء وعظمتهم، فالثورة الصناعيّة تعتقد بتقدّم القدماء ثقافيّاً على جميع الثقافات، فإنَّ السأَم من القرون الوسطى تبعه الثورة الصناعيّة؛ ولكن الإعتماد المفرط للثورة الصناعيّة على ثقافة القدماء أدّى إلى خلق «الحداثة».

والحداثة هي منهجٌ يُنكر أيَّ قدرةٍ أو اعتبار أو احترامٍ للقدماء أو للسنن الماضية ويقوم بمحاربتها، وفي المقابل يُدافع عن أيّ فكرٍ حديثٍ وجديدٍ[1]، ولذلك كان من أهم خصائص الحداثة: العصريّة ومحاربة التقاليد.

ومن الخصائص الأخرى للحداثة: الاحترام وإبداء أهميّة منقطعة النظير بالإنسان وقدراته[2]، ولذا وُضِعَ الإيمان بالعقل والاعتقاد بقدراته على أجندة عمل الحداثة، فكان الملاك والمعيار هو حاكميّة العقل في كلِّ الأمور ومحاربة كلّ ما هو غير عقلاني ومانع لحكم العقل وإزالته.[3]

(35)

ومن وجهة نظر الحداثة يُمكن للعقل أن يتعلّم طُرقَ التفكّر والتفكير تعلّمًا، وبدون التعلّم يبقى عقل الإنسان محرومًا من الاستقلال، ومن الممكن أن يبقى خاضعًا لنفوذ الآخرين، ولذلك يُعدّ التعلّم أمرًا ضروريّاً للتطوّر الفكريّ والحريّة الفكريّة.[1]

تأثير الحداثة على قضايا المرأة

لقد كان النظام الموجود في الأسرة والمجتمع أمرًا طبيعيّاً وصحيحًا حتّى عصر الحداثة، فكان الفقراء وطبقة الرعايا يعتبرون حياتهم المريرة أمرًا طبيعيّاً لا مناص منه، واعتبرت المرأة أنّ سُلطة الرجل وإطاعته هي السبيل الوحيد في أسلوب الحياة الأسري، غير أنَّ الحداثة وضعت النظام السابق تحت الدرس والتحقيق.

وفي منظومة الحداثة، بناءً على حاكميّة العقل الإنساني لا بدّ من قياس أيّ فرقٍ أو تمييزٍ بمعايير العقل البشري، ومن الطبيعي في هذه الأحوال أنّ يخطر على الأذهان السؤال التالي: لماذا ينبغي أن يكون الرجال مسلّطون على النساء ولماذا تُلزم المرأة بإطاعة الزوج؟

ومن ناحيةٍ أخرى فمع الأخذ بعين الاعتبار احترام الحداثة المنقطع النظير تجاه الإنسان ـ بسبب تمتّعه بجوهر العقل ـ كان من الطبيعي أن يعتبروا المرأة إنسانًا بحدّ ذاتها وأنّها تمتلك عقلًا وأنّها تستحقّ الاحترام في كافّة جوانب الإنسان الحديث، فإذا كان التعليم

(36)

أمرًا ضروريّاً لنموّ العقل البشري فلا ينبغي أن تُحرم النساء منه، وقد جاءت هذه المسألة ضمن ظروفٍ كان التعليم فيها إلزاميّاً للأولاد والرجال، أمّا النساء فكنّ يشهدنَ تناقضًا كبيرًا في ذلك من خلال حرمانهنّ من التعليم.

تأكيد الحداثة على عدم قبول أيّ أمرٍ دون اثباتاتٍ عقليّةٍ صار سببًا لأنّ تشكّ المرأة في العديد من المسلّمات الاجتماعيّة من قبيل: التشكيك في تأطير المرأة كربّة منزل، وفي وظائف المرأة، وفي قدراتها وإمكاناتها.[1]

وبهذه الطريقة جعلت تعاليم الحداثة التغيير في أوضاع المرأة أمرًا لا يمكن تفاديه، وأعدّت كلًا من النساء والمجتمع أيضًا للتحوّلات الأساسيّة فيما يتعلّق بقضايا المرأة.

ب) الليبراليّة

لمّا كانت الليبراليّة وليدة الحداثة، لذا فقد حرّكت عجلة التغييرات المتعلّقة بقضايا المرأة بوتيرةٍ أسرع، فالليبراليّة فلسفةٌ شعارها الأساسيّ الفرديّة، والمعيار فيها للحصول على الحقوق المدنيّة هو الفرديّة (كونه إنسانًا) فقط، وتُشكّل حريّة الفرد واستقلاله وحقوقه... المباحث المهمّة للخطاب النسويّ، وقد حلّت مسألة أصالة الفرد مكان أصالة المجتمع، وأصبح للإنسان ـ باعتباره فردًا ـ احترامٌ وقيمةٌ وحقوقٌ لم تكن ممنوحةً له سابقًا، فأصبح الفرد هو

(37)

المعيار للقِيم الأخلاقيّة وأصبح الأمر «الحسن» هو الأمر الذي يُحبّه الإنسان بصفته فردًا.[1]

إنَّ أبرز نتائج الفرديّة الليبراليّة، هو الحريّة، ومبدأ الحريّة يُبيّن أنّه يحقّ للإنسان أن يكون له القرار فيما يختصّ بحياته الفرديّة ولا يحقّ لأي مؤسّسة كالحكومة أو الكنيسة أن تفرض إرادتها عليه، فحريّة الفكر والإعلام (التعبير والصحافة)، وحريّة المجتمع يُعدّان من الأركان الأخرى لليبراليّة، فالفرد يستطيع أن يواجه الظلم والاستبداد من خلال السلطة النابعة عن المجتمع.[2]

وقبول حقّ المِلكيّة هي من القِيم الأخرى لليبراليّة ومعناه أنَّ الإنسان يملك جسمًا وقدراتٍ وعملًا وتخصّصاتٍ ومردودًا ماليّاً ناجمًا عنها، وهذه الحياة هي ملكٌ له ولا تتعلّق بالله أو بالمجتمع أو بالحكومة.[3]

ويُؤكّد مبدأ المساواة في الليبراليّة على تساوي كلّ الناس أمام القانون، وعلى خلق الفرص المتكافئة لآحاد الناس في المجتمع وذلك من أجل تعزيز المواهب الفرديّة[4]، وفي نفس السياق تمّ الاهتمام بالتعليم العامّ بهدف تنمية الفكر عند الناس.[5]

(38)

تأثير الليبراليّة في ظهور النسويّة

إنَّ القيم الليبراليّة والمساحة المفتوحة التي ظهرت كنتيجةٍ للحريّة الليبراليّة، هيّأت الأرضيّة لتشكيل الاحتجاجات والانتفاضات والحركات المختلفة ومن ضمنها الحركة النسائيّة.

والليبراليّة تأكّد على الحقوق الطبيعيّة للإنسان (الحرية، والمساواة...)، وترى أنّ جميع هذه الميزات تليق بكل إنسان فردًا فردًا، أمّا المرأة فلم ترَ أنَّ هذه الشعارات قد أدّت إلى أيِّ تغييرٍ في موقعيّتها، فاقتصرت على كونها ميزاتٍ للذكور فقط، ولذا فإنَّ تأكيد الليبراليّة على عموميّة وشمول هذه الحقوق والميزات لجميع أفراد البشر تبعه عدم رضًا من الفِرق المحرومة، فإلى ما قبل ذلك كانت النساء محروماتٍ من هذه الحقوق، وكان ذلك الحرمان يُعدّ أمرًا طبيعيّاً، ولكن مع ظهور الليبراليّة بدأ يُعدّ ذلك الحرمان من الناحية النظريّة ظلماً وبُعدًا عن العدالة، وهيّأ أسباب عدم رضا المرأة؛ وبالنتيجة أصبحت قيم الليبراليّة أسلحةً تُحارب بها النساء لتصل إلى أهدافها.

إنَّ كلًا من مبدأ الإنسانيّة (الفرديّة) والحكمة وتأكيد الحيثيّة والكرامة الفرديّة أدّت إلى أن يتبادر إلى الذهن بأنَّ المرأة تتمتّع بمقام الإنسان أيضًا، وتتمتّع بالحكمة والحيثيّة والكرامة الفرديّة، فمبدأ الحريّة ونفي السلطة عن الفرد وتفسير الليبراليّة للحريّة والسلطة كانت سببًا لأنّ تتمنّى النساء أن يكنّ أفرادًا أحرارًا فيخرجنَ من ظلّ سلطة الرجل.

(39)

وحيث إنّ مبدأ الملكيّة يُعتبر من الحقوق الطبيعيّة للفرد، لذا صار النساء يُفكّرن بأنّه لماذا يجب أن تصبح كافة أموالهن بعد الزواج بما فيها إرثهنّ من آبائهنّ ملكيّةً للزوج، فلا تملك المرأة حتّى حقّ التصرف في أموالهن؟! ولماذا يحقّ للزوج الإستيلاء قانونًا على الأجور النقديّة لزوجته أو ابنته العاملة؟ وانطلاقًا من مبدأ ملكيّة الفرد أتت فكرة أن المرأة تملك جسدها؛ ولذا لها الحقّ في أن تتحكّم في خصوبتها، فنشأت من هذه الفكرة المطالبات القانونيّة بحقّ الإجهاض وأن تتمكّن المرأة من أن تُقرّر في المسائل المتعلّقة بجسدها.

كذلك فإن مبدأ تساوي الأفراد أمام القانون كان سببًا أن تطالب المرأة بفرصٍ وامتيازاتٍ قانونيّة مساويةٍ للرجل ومن ضمنها شمولهنّ بالتعليم العامّ المجاني، حيث كان قد تمّ التأكيد على عموميتها من ناحيةٍ، أمّا عمليّاً فقد أقصيت النساء من ناحيةٍ أخرى.[1]

النقطة الأخرى الجديرة بالاهتمام هو مصطلح «الفرد» وهو الذي يحوز على دورٍ مركزيٍّ في فلسفة الليبراليّة ويعادله بالإنجليزيّةman، وهو في ظاهره لفظٌ محايدٌ ومشتركٌ بين المرأة والرجل ويعني الإنسان بالمعنى الكليّ، ولكنّ التحقيق في موارد استعمال لفظ man بدلًا من الإنسان والفرد تعدو كونها مجرّد عادةٍ كلاميّةٍ؛ لأنّ أغلب قادة هذا المنهج الفكريّ يُظهرون في مقام العمل بأنّ

(40)

مرادهم من الفرد هو الرجل[1]، وحتّى فيما يتعلّق بمسألة المِلكية يُصرّحون بأنّ المِلكية حقٌّ ذكوريٌّ، ويتعلّق بأمور حياة الرجل، ولم يمنح أحدٌ مثل تلك الحقوق للمرأة سوى مجموعةٍ من المتطرفين والراديكاليّين.[2]

نعم، لقد التفت النساء إلى التناقض العميق في شعارات الليبراليّة؛ فالليبراليّة تدّعي منح الحقوق الطبيعيّة للإنسان من ناحيةٍ، ومن ناحيةٍ أخرى حُرم نصف الناس (المرأة) من هذه الحقوق! فكافّة هذه المسائل أدّت إلى عدم رضًا عموميٍّ لدى النساء؛ ومن ناحية ثالثةٍ هناك قنواتٌ دُمجت في الليبراليّة سويّاً مثل: حريّة الفكر وحريّة الإعلام وحريّة المجتمع، وبالنتيجة وصل عدم الرضا إلى أذان العموم ومهّد المقدّمات لظهور الحركة الاجتماعيّة.

الثورتان الأميركيّة والفرنسيّة

إنّ أهم نتائج انتشار الأفكار الليبراليّة هو تشكيل الثورات في أمريكا وبريطانيا وفرنسا، فالهدف من الثورة في أمريكا سنة 1776 م كان تأسيس دولةٍ ليبراليّةٍ، وطبقًا لإعلان الاستقلال الأمريكي فإنّ جميع الناس خُلقوا وهم يتمتّعون بالمساواة وبحقوق الحياة غير القابلة للسلب، وبحريّةٍ، وسعيٍّ نحو السعادة، ولا يمكن أن تُداس هذه الحقوق باسم القانون.[3]

(41)

وقد أدّت المرأة كذلك دورًا مهمّاً في اندلاع هذه الثورة، فالفتيات الأحرار أردنَ الحريّة من خلال المشاركة في المنظّمات الإرهابيّة التي كانت في ذلك العصر؛ ورغم كلّ نشاطهنّ الذي بذلنه، لكنّ إعلان الاستقلال وكذلك دستور الولايات المتحدة لم يمنحهنّ حقّ المواطنيّة التي تشمل الحقوق السياسيّة.[1]

أمّا في فرنسا فكان للنساء دورٌ فعالٌ قبل اندلاع الثورة فنشاطات أصحاب الصالونات في حماية مفكّري عصر التنوير أو الليبراليّين وإداراة الصُحف، ونشاط «كوندروسيه»[2] وزوجته في تبليغ المساواة بين الجنسين والدفاع عن حقوق المرأة العاملة يعدّ من ضمن هذه النشاطات.[3]

كما كان للعوام من النساء دورًا بارزًا في التحضير للثورة الفرنسيّة وفي دعمها، فإضافةً إلى مشاركتهنّ في الحركات، قُمنَ حسب الطلب سنة 1788 م بكشف أوضاع المرأة للملوك، وأنشأت نساء الطبقات الوسطى الأندية وقُمنَ بمساندة الرجال بهدف حماية الثورة، وفي سنة 1788 م طالبَ «كوندروسيه» عبر الجمعيّة الوطنيّة أن يُعترف رسميّاً بحقّ المرأة بالمشاركة في شؤون البلاد.[4]

وفي النهاية انتصرت الثورة الفرنسيّة سنة 1789 م، وهي تعتبر من

(42)

ناحية المباديء الليبراليّة متطوّرةً عن الثورة الأمريكيّة، فهدف الثورة، وفقًا لإعلان حقوق البشر الذي تمّ تشريعه في مجلس مؤسّسي فرنسا في شهر آب من عام 1789 م، هو الحفاظ على الحقوق الطبيعيّة للإنسان غير القابلة للفصل عن كلٍّ من الحريّة والأمان والملكيّة ومقاومة الظلّم مع التأكيد على تساوي كافّة الناس أمام القانون.[1]

ولم تکن الأهداف التي وضعتها الثورة نصب عينيها محصورةً بتغيير النظام الطبقي الاجتماعي في فرنسا، بل شملت حقوق كافّة الجنس البشري وهذا الأمر ساهم بشكلٍ كبيرٍ في إيجاد الدافع والإمكانيّات لاندلاع حركاتِ وثوراتِ المطالبين بالحريّات، وبحسب قول بين:«ظهرت مرحلةٌ من الثورات بحيث كان بالإمكان ضمّ كلِّ شيءٍ إليها»[2]

تبرز أهميّة الثورتين الأمريكيّة والفرنسيّة من ناحية أنّ الأفكار الليبراليّة كانت ستبقى بدونهما بدون تأثيرٍ ملموسٍ في الحياة السياسيّة للمجتمع، وكانت ستبقى تائهةً بين الجمعيّات العلميّة والكتب، غير أنَّ هاتين الثورتين وعلى الأخصّ الثورة الفرنسيّة حولت الليبراليّة إلى واقعٍ بعد أن كانت مجرّد رؤية، وساعدت المجموعات المختلفة المضطهدة ومنها النساء والعبيد على أن تصرُخ مطالبةً بالعدالة.[3]

(43)

ومن جهةٍ أخرى، اختبر النساء النشاط الجماعي بشكلٍ غير مسبوقٍ من خلال المشاركة في المجموعات الثوريّة وأعمال الشغب، واكتسبنَ الخبرات اللازمة لتشكيل الحركات والاحتجاجات، ولهذه الأسباب، برزت «النسويّة» بعد اندلاع الثورة الفرنسيّة أكثر من السابق بمراتب.

بعد نشر إعلان حقوق الإنسان، تمّ مواجهة هذا الإعلان من قبل النساء الثوريّات الفرنسيّات، فقد بدأت أوليمب دو غوج[1] وهي من نساء الثورة في باريس من خلال نشرها لإعلان حقوق المرأة والمواطنة سنة 1791 م بالمطالبة بالمساواة بين المرأة والرجل في القانون والدولة والتعليم، وعندما قُدّم للبرلمان الفرنسي إعلان حقوق المرأة والمواطنة على شكل لائحةٍ، رُفض بإجماع الآراء.[2] وتُعتبر مبادرة السيّدة أوليمب دو غوج وكتاباتها كأوّل نصوص النسويّة.

وفي سنة 1792 م ألّفت ماري ووولستونكرافت أطروحتها المشهورة والمكوّنة من 300 صفحة بعنوان دفاعاً عن حقوق المرأة.[3] ويُقال بأنَّ كرافت كتبت هذا الكتاب حول المرأة ردّاً على آراء معاصريها من المفكرين وبالأخصّ جان جاك روسو، فإنَّ جان

(44)

جاك روسو رغم تأكيده على الحقوق الطبيعيّة للفرد وضرورة الحريّة والمساواة بين الأفراد غير أنَّه كان يعتبرها صراحةً حقوقًا مختصّة بالرجال، وكان يعتقد بأنّه لما كان المنشأ للحقوق الطبيعيّة للإنسان هو مقدار حكمته، ولمّا كانت حكمة المرأة أمرًا مشكوكًا فيه، لذا ليس لها الحقّ بالحصول على هذه الحقوق.[1]

روسو في كتابه الشهير «إميل» الذي يُعدّ مرسومًا عظيمًا في التربية والتعليم في زمانه، كتب ما يلي: «وُجدت المرأة للرجل؛ أيَّ أنَّها خلقت لذلك، لتقع في حبّه وتطيعه، إنَّ ذلك اقتضاء الطبيعة، فوظائف النساء والرجال ليست واحدةً...، وهؤلاء الذين يدافعون عن المساواة بين المرأة والرجل يتحدّثون بكلامٍ تافهٍ».[2]

وفي تلك المرحلة، انتقد ولستون كرافت بشدّةٍ نظرة التحقير تجاه المرأة من قِبل المفكّرين المعاصرين وبالخصوص روسو، وطالبت ببسط مبادئ الليبراليّة لتشمل المرأة، بعد ذلك صار دور كتاب ولستون كرافت مميّزًا ومنقطع النظير في تاريخ النظريّة النسويّة؛ حيث إنّه أُطلق عليه بأنّه أوّل منشور حول النسويّة باللغة الإنكليزيّة، واعتبر نقطة البداية للفكر النسويّ، أو إنجيل النظريّة النسويّة[3]، وفي

(45)

هذه الأيّام ترى العديد من الأبحاث والدراسات بأنّ تاريخ النسويّة بدأ مع نشر كتاب ولستون كرافت.[1]

(46)

وفي سنة 1793 م بعد أن شاركت النساء بشكلٍ فعّالٍ في حرب سنة 1792 م، طُرحت الأسئلة الثلاثة التالية على النواب الفرنسيّين:

أ) هل يُسمح للنساء بالتجمّع في باريس؟

ب) هل يمكن للمرأة أن تتمتّع بحقوقٍ سياسيّة وأن تلعب دورًا نَشطًا في الشؤون الحكوميّة؟

ج) هل يُمكن للمرأة أن تلتقي في الجمعيّات السياسيّة أو الشعبيّة للتشاور؟

فأتت إجابة المجلس الفرنسي بالرفض للأسئلة الثلاثة، ثمَّ تمّ تشريع قانون منع النشاط السياسي للمرأة في القانون المدني.[1] وبهذه الطريقة، ورغم مشاركة النساء في الثورة واعتبارهنَّ صاحبات حقٍّ، إلّا أنّهن واجهنَ الاستبعاد والطرد من المجتمع، ويُقال بأنهنَّ

(47)

وصلنَ إلى هذه النتيجة: لم ينتج عن كلّ مساعيهنّ إلّا اكتساب الرجل المزيد من الحريّة والسلطة.

ومن ناحيةٍ أخرى رأين بأنّ الحكومة التي تألّفت من خلال رفع شعارات المساواة بين الناس وانتهاء الظلم الواقع على الجميع، والتي تشكّلت هويتها بضمان الحقوق الفرديّة والمواطنيّة؛ عرّفت الفرد بحيث لا يشمل إلّا الرجال فقط بل أصحاب البشرة البيضاء منهم فقط؛ أمّا النساء فلم يُعتبرنَ مواطناتٍ، ولا يحقّ لهنَّ التدخّل في الحكومة والسياسة.

لقد أخرجت الدولة الليبراليّة النساءَ من المجال السياسي تمامًا، ومع فصل المجال العام (المجتمع) عن المجال الخاصّ (الأسرة) ازدادت المسافة بين الرجال والنساء، وحرمت النساء من حقوق المواطنيّة (الملكيّة، الأرث، والحقوق السياسيّة)، وقد أدّت جميع هذه الأمور إلى شعور النساء بالظلم وعدم الرضا، فأثارت هذه المسائل النساء لإيجاد أشكالٍ جديدةٍ من النضال لاكتساب الاستقلال والتنظيم المؤسّساتي.[1]

3-2  دراسة الموجات الثلاثة للنسويّة

إنّ التحوّلات التاريخيّة للحركة النسويّة من ناحية الشدّة والضعف في النشاطات وفي الشعارات والأهداف وفي البيانات

(48)

والاستراتيجيّات المطروحة من وجهة نظر المنظرين والممارسين، إضافةً إلى تنوع الآراء والنظريّات جعلت مهمّة البحث والتحقيق حول حركة ونظريّة النسويّة أمرًا صعبًا، وإحدى الحلول للخروج من هذه الصعوبة، هو تقسيم النسويّة إلى 3 موجات، وفي الاتّجاه الأوّل وهو نوعٌ من البحث التاريخي الطولي للنسويّة، تُقسّم النسويّة إلى الموجة الأولى (1792/1850م إلى 1920م)، والموجة الثانية (1960م إلى 1980م)، والموجة الثالثة (1980م وما بعد)، وسنبدأ الآن ببحث تاريخ النظريّة النسويّة في قالب المراحل الثلاثة للنسويّة:

الموجة الأولى (1792/1850 م إلى 1920 م)

قيل: إنّ النسويّة وبتبعها موجتها الأولى، بدأت حركتها بهدوءٍ نحو كمالها، وذلك منذ أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، ولكن في تلك الأثناء برزت ظاهرتان وجرى حدثان مؤثّران، وهما ظهور الاشتراكيّة في أوروبا وحركة إلغاء العبوديّة في أمريكا، وكان لهما الأثر في نمو النسويّة في القرن التاسع عشر، وهو ما سنبحثه فيما يلي:

الاشتراكيّة

يُطلق على القرن التاسع عشر إسم قرن الرأسماليّة الوحشيّة، ومعنى ذلك أنّ مدى وشدّة المنافسة بين الرأسماليّين استلزمت ضرورةَ تراكم رأس المال والأرباح، وإنّ أحد الوسائل لكسب ربحٍ أكبر هوالضغط على العمال لأداء أعمالٍ أكثر بأجرٍ أقلّ، وهذا الأمر

(49)

أدّى إلى أن تُصبح أوضاع العمال أسوء فأسوء، إلى أن أصبحت هناك ضرورةٌ ملموسةً أكثر من قبل لتغيير النظام الاقتصادي والاجتماعي الذي جرّ عوائل العمال من أرجلها، وفي تلك الأثناء أبصرت النور إيديولوجيا جديدة تسمى الاشتراكيّة الخياليّة وهي تنتقد الرأسماليّة بقوّةٍ وتدّعي حمايتها للعمال، كما تَعِدُ بمجتمعٍ خالٍ من الفقر والفساد والتمييز.

إنّ الاشتراكيّة الخياليّة التي أسّسها وتزعّمها «سان سيمون» عالم الاجتماع الفرنسي، فأشار فيها إلى نقاط الليبراليّة الكلاسيكيّة المظلمة والآراء القانونيّة والسياسيّة والاقتصاديّة، وأفصح فيها عن التناقض والصراع الجوهري أمام الملأ، وجد أتباع سيمون الذين كانوا يدّعون الليبراليّة، بأنّه رغم شعارات الليبراليّة المرتفعة والنبيلة حول ضمان المساواة بين الناس إلّا أنّ عدم المساواة زادت، فشرعوا بدارسةٍ وافيةٍ لعدم المساواة ومن جملتها التمميز البارز لليبرالية ضدّ النساء، فطالبوا بمساواة المرأة والرجل في الحقوق المدنيّة وإنكار الأسرة النواة باعتبارها ثمرةً وقاعدةً للبرجوازيّة ولمركز الظلم.

وبهذه الكيفيّة أشعلت الاشتراكيّة أملًا جديدًا لدى النساء ودفعت بالمرأة للمشاركة الواسعة في الاحتجاجات والمواجهات ضدّ الرأسماليّة، وفي سنة 1843 م ومع انتشار كتاب «فلورا تريستان»[1] بعنوان: الاتحاد العمالي[2]، وطرحه لعددٍ من البرامج كالمطالبة بحقّ العمل للجميع، بما هو أعمّ من المرأة والرجل، وحقّ التعليم

(50)

للجميع، والاعتراف رسميّاً بمبدأ المساواة بين الرجل والمرأة، وإنشاء دار نقابةٍ عماليّة في جميع المحافظات و...، حصل توحيدٌ لوجهات النظر بين النسويّة والاشتراكيّة الثوريّة.[1]

وقد شهد النصف الثاني من القرن التاسع عشر تطور الاشتراكيّة الثوريّة بتأثيرٍ من «كارل ماركس» و«إنجلز»[2] الذي يعتقد بأنَّ أساس الرأسماليّة هو المِلكيّة الخاصّة لوسائل الإنتاج، ويعتقد أن الثورة البروليتاريّة ينبغي أنّ تُطيح وتُبدّل المِلكيّة الخاصّة إلى ملكيّةٍ عامّةٍ للجميع ليزول الحرمان اللاحق بالعمال من الجنسين منذ الولادة إلى الموت.[3]

وعلى الرغم من وفاء العديد من النساء للإشتراكيّة والشيوعيّة، إلّا أنّ بعضهنّ رأى ضرورة تشكيل وتنظيم مواجهاتٍ مستقلّةٍ لصالح حقوق المرأة، واعتبرن أنَّ تحصيل حقوق المرأة من خلال الذوبان في أحداثٍ أخرى وجعل قضايا المرأة في الرتبة الثانية إتلافًا للوقت والطاقة، ولذا فصلنَ تدريجيّاً بين مواجهات النساء وبين سائر الأحداث مع المحافظة على الخبرات المكتسبة من الأيديولوجيّات والمواجهات السابقة.

(51)

حركة إلغاء العبوديّة

كان هناك حدثٌ آخر له أثرٌ مهمٌّ ومصيري في تاريخ النسويّة وفي ظهور الموجة الأولى من الحركة النسائيّة وخصوصًا في أمريكا، وهو حركة إلغاء العبوديّة، فإذا كانت المواجهات في أوروبا والتي كانت تسعى إلى الحريّات الديموقراطيّة قد مهّدت الأرضية لبروز النسويّة على امتداد الثورة الفرنسيّة، فإنّ حركة إلغاء العبوديّة في أمريكا هي التي منحت النساء الفرصة كي يعملوا بنحوٍ منظّمٍ.[1]

إنّ هذه الحركة هي إحدى تجليّات المطالبة بالمساواة الحديثة، والتي كانت تسعى إلى توسيع القِيم والمُقدّسات والامتيازات التي للإنسان الحديث على كافة البشر ومن ضمنهم أصحاب البشرة السوداء، وكان النساء من أوائل المجموعات التي انجذبت نحو شعارات هذه الحركة طبعًا مع الالتفات إلى بعض التحفّظات الأخلاقيّة والدينيّة، ومنذ سنة 1832 م وما بعدها، شكّلت النساء في عددٍ من الولايات في أمريكا اتحاداتٍ ضدّ العبوديّة؛ أمّا على صعيد الجمعيّة الأكبر من قبيل المجتمع الأمريكي المناهض للعبودية، فقد حصلت ثلاث نساء فقط على الحقّ بالمشاركة وإلقاء المحاضرات باعتبارهنَّ مشرفات مِن قِبَل المجتمع، ولكن مع ذلك لم يحصلنَ على حقّ العضويّة أو الإمضاء على الإعلان النهائي؛ ونتيجةً لهذا الإقصاء والتهميش، فكّر النساء بتشكيل اتحاداتٍ مستقلّةٍ خاصّة بهنّ تناهض العبوديّة، وعقدن العزم على «التفكير بحريّتهنَّ إضافةً

(52)

إلى تحرير العبيد»[1] وكان هذا سببًا لأنّ تنشر مجموعةٌ من النساء إعلانًا في حزيران سنة 1848 م في «سينيكا فولز»[2] بعنوان: القرارات والمشاعر[3]، حيث تمّ التأكيد فيه على التاريخ الحافل بالاضطهاد للمرأة وضرورة تمتّعهنَّ بالحقوق المتساوية ووقع عليه مئة شخصٍ، وانعكس مفاد هذا الإعلان على إعلان استقلال أمريكا.

خلافًا للدول الأوروبيّة التي كانت انطلاقة الحركة النسائيّة فيها من اتحاديّات العمال، كانت أكثر المشاركات في هذه التجمّعات مِن نساء الطبقة الوسطى من المتزوّجات، وحيث إنّ هذه التجمّعات شكّلت الأرضيّة للأنشطة اللاحقة للنساء فيما يتعلّق بحقوقهنَّ، لذا تُعدّ هذه الحركة نقطة انعطافٍ في تاريخ النسويّة.[4]

ومع اندلاع الحروب الداخليّة (1861م ـ 1865م) بين الولايات الأمريكيّة الشماليّة والولايات الجنوبيّة، تأمّل النساء بأنّهنّ سيحصلنَ بعد الحرب وانتصار الحركة والحصول على الحقوق

(53)

المدنيّة والسياسيّة ومن ضمنها حقّ التصويت للعبيد، على هذه الحقوق بالتبع وبحمايةٍ من حركة الإلغاء، فكثّفنَ جهودهنَّ عمدًا لصالح أهداف حركة الإلغاء، وقد وصلن طوال الحرب الداخليّة إلى أعلى نسبةٍ من النشاط الاجتماعي، ولكن بقين محروماتٍ من المهام التنفيذيّة المهمة وصنع القرار.[1]

رغم أنّه بعد إعلان «سينيكا فولز» تشكّلت العديد من التجمعات من قبل المؤيّدين لحقوق المرأة في المدن المختلفة، وفي السنة التالية لسينيكا فولز تشكّل الإتحاد القومي لحقوق المرأة ولكن عمليّاً لم يكن في هذه المرحلة تنظيمٌ خاصٌّ ولم تكن الحركة النسائيّة على هيئة منظّمة.[2]

لقد كان الجوّ السائد لنشاطات النساء تحت تأثير الحداثة والليبراليّة، وكانت المطالب الأساسيّة للنساء تتمحوّر حول تبديل الزي النسائي ـ ليتناسب مع نشاطات النساء بنحوٍ أكبر في نطاق المجتمع ـ ومنحهنَّ حقّ الطلاق، والحضانة، والمِلكيّة، وحقّ التصويت، ولكن بالطبع كان هناك اختلاف في وجهات النظر بين النساء فيما يتعلّق بضرورة حقّ التصويت وأولويّة منحهنّ ذلك الحقّ.[3]

ومع انتهاء الحرب الداخليّة وانتصار حركة الإلغاء، أكدّت النساء ضرورة طرح حقّ التصويت للمرأة بالتزامن مع طرح حقّ التصويت

(54)

للعبيد، وأن يصل إلى مرحلة التشريع، لكنّ زعماء حركة إلغاء العبوديّة لم يروا في ذلك صلاحًا.

إلى ما قبل تلك الحقبة، لم تتمّ الإشارة إلى اشتراط أن يكون المُدلي بصوته من الذكور؛ ولكن في التعديل الرابع عشر الذي تمّ تشريعه بعد الحروب الداخليّة لعامي 1866 ـ 1868 ميلاديّة، ذُكر صراحةً أنّه يجب أن يكون المدلي بصوته ذكرًا، وقد اعتبرت النساء التعديل خيانةً للمرأة التي ساندت حركة إلغاء العبوديّة، فكان هذا الأمر سببًا في وصول الائتلاف بين حركتي المرأة والالغاء إلى نقطة النهاية.[1]

وبرزت الاختلافات في وجهات النظر بين قادة الحركة النسائيّة حول كون الأولويّة هي لقضايا المرأة أم لقضايا العبيد، ممّا أدّى إلى ظهور انقساماتٍ في الحركة النسائيّة وإقامة مؤسسّتين منفصلتين تحت اسم الجمعيّة الأمريكيّة لمنح المرأة حقّ التصويت، والرابطة الوطنيّة لحقوق المرأة، ومع أهدافٍ مختلفةٍ (جعل الأوّلوية لحق التصويت أو جعلها لسائر قضايا المرأة) واستراتيجيّاتٍ وتكتيكاتٍ مختلفةٍ لتحسين وضع المرأة.[2]

في سنة 1868 م وبجهود قادة الحركة، طُرِح تعديلٌ للقانون الأساسي الذي عرف باسم «تعديل أنطوني»، وبالتدريج مُنحت

(55)

النساء خلال العقود اللاحقة حقّ المِلكيّة والطلاق والحضانة، وفي بعض الولايات الأخرى حازت النساء على حقّ التصويت.[1]

وكان تأثير الاشتراكيّة على الحركة سببًا في ظهور وجهات النظر الراديكاليّة ومنها تأييد «الحبّ الحرّ»[2] وانتقاد مؤسّسة العائلة، وقد أدّى الترويج لهذه الآراء المتطرّفة ضمن الحركة إلى تعريض قاعدتها الاجتماعيّة بين الناس للخطر، ممّا أدّى إلى ضعف الحركة، وفي ظلّ الضعف الذي مُنيت به الرابطتين وجدنَ بأنّه من الصلاح إعادة الاتحاد بينهما من جديد ودمجهما تحت مسمى الرابطة الوطنية الأمريكيّة لمنح المرأة حقّ التصويت.

إنّ التعاون بين الحركة النسائيّة وباقي الحركات الاجتماعيّة ذات القِيم الإنسانيّة المرغوبة من قبل الناس، جعل من الممكن الحصول على قاعدة شعبيّة للحركة النسائيّة، فتبدّلت الحركة في أوائل القرن العشرين إلى حركةٍ للمطالبة بحقّ التصويت عمليّاً، حيث حازت وللمرّة الأولى على قاعدة دعمٍ كبيرةٍ من قِبل النساء.[3]

وقد ظهرت فكرةٌ أساسيّةٌ أخرى في نسويّة القرن التاسع عشر، وهي ضرورة اتّحاد نساء الدول كافّة بهدف تحقيق أهدافهنَّ، وتبع هذا الطلب الذي طُرح عام 1884 م بواسطة النسويّة الأمريكيّة،

(56)

تشكّل المجلس الدولي للمرأة[1] (ICW) للمرّة الأولى في واشنطن سنة 1888 م، وللمرّة الثانية عام 1899 م في لندن بحضور خمسة آلاف امرأةٍ، وكنَّ يُمثلنَ 600000 نسويّة في أحد عشر مجلسٍ مرتبطٍ، وهكذا انتهى قرن ظهور النسويّة مع إنشاء أوّل وأبرز نموذجٍ عالميٍّ للنساء.

في السنوات الأولى من القرن العشرين، أخذت المواجهات من أجل حقّ التصويت طابعًا جديّاً بنحوٍ أكبر، وفي عام 1903 م تمّ تشكيل جمعيّةٍ تُسمّى الاتّحاد السياسي والاجتماعي للمرأة(WSPU) في إنجلترا، والتي كان لديها 3000 مكتب في عام 1907 م، وكان من ضمن إجراءاتها نشر جريدةٍ عن حقّ التصويت للمرأة وتنظيم التجمّعات والمظاهرات، وقد وعد رئيس الوزراء بطرح مشروعِ قانونٍ بشأن تصويت المرأة سنة 1911 م، ولكن بعد تتويج الملك سنة 1912 م وُضع مشروع القانون جانبًا، فتَبع هذا الأمر ردّة فِعلٍ شديدةٍ من المدافعين عن حقّ التصويت للمرأة، ومن جملتها قاموا بالإضراب عن الطعام، وبأعمال شغبٍ، وبإحداث اضطراباتٍ في النظام العام، وفي النتيجة تبع ذلك اعتقالاتٌ لقسم منهنّ من قبل الحكومة.[2]

وعام 1904 م تأسّس في الولايات المتحدة وبريطانيا التحالف

(57)

الدولي للمرأة (IAW)[1] ممّا أضاف زخمًا للنضال في سبيل الحصول على حقّ التصويت.

وببدء الحرب العالميّة الأولى، بدأ عددٌ كبيرٌ من النساء بالعمل في المصانع بدلًا من الرجال الذين اتّجهوا للحرب، وظهرت المرافق اللازمة لعملهنّ ومنها دور الحضانة، وقد جعلت المنظّمات النسويّة كلًا من الأنشطة المناهضة للحرب وأنشطة صنع السلام وجهةً أساسيّةً لها، وبالإضافة إلى ذلك فقد دافعنَ عن حقوق النساء العاملات ومصالحهنَّ، وبعد الحرب العالميّة الأولى حصلت نساء 21 دولة على حقّهنَّ بالتصويت.[2]

عصر أفول الموجة الأولى (1920م ـ 1970م)

تُعتبر الفترة الزمنية الممتدّة من 1920م إلى 1960م مرحلةَ فتورٍ أو سنوات أفولٍ وركودٍ أو تعليقٍ لحركة المرأة، وتُشير الدراسات إلى أنّه خلال هذه السنوات، تمّ خفض الأنشطة النسويّة المنظّمة بشكلٍ ملحوظٍ؛ بحيث لم يُسمع من النسويّات سوى القليل، ويرى أصحاب الرأي أنّه لا ينبغي اعتبار قلّة الأنشطة التي أصبحت غير ملحوظة، ولا حتّى انعدام الأنشطة النسويّة خلال هذه المرحلة أي خلال 40 سنةٍ تقريبًا، أمرًا مرادفًا لغياب التفكير النسويّ. يعني: على الرغم من أنّنا نشهد ركودًا في الحركة النسائيّة بعد فترة ذروتها

(58)

وذلك بسبب المشاكل الداخليّة التي عانت منها النسويّة مضافًا إلى المشاكل الاجتماعيّة والسياسيّة التي كانت في ذلك الزمن، ولكن النظريّات والأفكار النسويّة بأنواعها وأقسامها كانت موجودةً طوال هذه الفترة، وظهور النسويّة من جديدٍ بعد هذه الفترة، شاهدٌ على هذا المُدّعى.[1]

وعلى كلّ حالٍ هذا الموضوع له واقعيّة، وهو أنّه طيلة 4 عقودٍ تلت حصولهنّ على حقّ التصويت، لم تستطع النساء أن تنجحنَ في تحقيق التطلّعات النسويّة ـ بأيّ نحوٍ تمّ تعريف تلك التطلّعات ـ نجاحًا ملموسًا عبر استمرار الحركة، وعلى الرغم من إمكانيّة وصولهنّ بشكلٍ رسميٍّ إلى المجتمع السياسي، إلّا أنهنَّ لم يتمكّنوا حتّى من استخدام الإطار السياسي المؤسساتي بالطريقة المثلى.[2]

ولإدراك جذور هذا الركود يُمكن الإشارة إلى فئتين من الأسباب:

أ) القضايا الداخلية (الانقسامات داخل الحركة)؛

ب) القضايا المحيطة (الجوّ السياسي والاجتماعي غير مساند).

(59)

ألف) القضايا الداخليّة

إنَّ تركيز الحركة النسائيّة بنحوٍ مبالغٍ فيه على قضيّة حقّ التصويت، وبالأخصّ في السنوات الأخيرة، وتحويل حركة النساء إلى حركةِ حقّ التصويت كان سببًا في انتصار هذه الحركة سنة 1920 م وحصولها على حقّ التصويت، فكان الأمر بمثابة وصول الحركة إلى هدفها وهو ما اعتبر خاتمةً للنسويّة، وهذا الرأي كان موجودًا بين البعض من النساء والرجال ورجال الدولة، وهو أنَّه لا معنى لاستمرار الحركة بعد تحقيق هذا الانتصار، وأمّا بقيّة القضايا فسوف تحلّ بالتدريج.

ومن ناحيةٍ أخرى، كان هناك اختلاف في وجهات النظر بين النساء حول ماهيّة الطلبات الأخرى؟ وأنّه أيٌّ منها يحوز على الأولويّة؟ وما هي السبل التي ينبغي سلوكها لتحقيقها؟

وبعبارة أخرى: برزت الاختلافات في وجهات النظر بين نفس المؤيّدين لحركة النساء في القرن التاسع عشر، وكان بعض هذه الاختلافات عميقًا، وكانت تبرز أحيانًا على شكل مؤسساتٍ متنافسة أو مواجهة لبعضها البعض، وقد تمّ وضع هذه الخلافات جانبًا خلال حركة حقّ التصويت بهدف تحقيق الهدف المشترك وهو حقّ التصويت، لكنّ اختلاف وجهات النظر هذه كانت عاملًا للانقسام داخل الحركة ومانعًا من مأسستها.

ومن ناحيةٍ أخرى، فقدت قيم النسويّة المتطرفة والراديكاليّة

(60)

جاذبيّتها في ذلك الزمن، كما فقدت العديد من الشعارات النسويّة رونقها، ومنذ العام 1920 م كانت المرأة العزباء التي لا أطفال لها تخضع للدراسات الباثولوجية (علم الأمراض)؛ وأصبحت مواقف العديد من المنظّمات النسائيّة أكثر محافظةً، واهتز اتّحاد النساء.[1]

ب) القضايا المحيطة

في ختام الحرب العالميّة الأولى، وقعت الثورة الروسيّة (1917 م) وبرزت لأوّل مرّة دولة عُمال، ومن الشعارات المهمّة لهذه الدولة: الثورة في العلاقات بين الجنسيّن، وتحقيق المساواة بينهما، في ذلك الوقت، عيّن «لنين» «ألكسندرا كولونتاي» (وهي من النساء الناشطات في الحزب البلشفي) وزيرةً للشئون الاجتماعيّة في دولته.

ومِن أوّل الآثار الاجتماعيّة التي كانت لمصلحة النساء بسبب الثورة البلشفيّة، توفير التأمين الصحّي، والعلاج المجاني لمدّة ستة عشر أسبوع قبل الولادة وبعدها، ومنع طرد المرأة الحامل من عملها، والقضاء على تسلّط الرجال في الزواج وإدارة ماليّة الأسرة، وتسهيل إجراءات الطلاق و...، وعُدَّ إنشاء مؤسّساتٍ تُقدّم الخدمات الاجتماعيّة من قبيل: دور الحضانة والمطاعم شرطًا مهمّاً للمساواة الاجتماعيّة بين الجنسين.[2]

(61)

كان للثورة البلشفيّة تأثيرًا على أنشطة النسويّات من ناحيتين:

إنّ إجراءات حكومة لينين، جعلت الدول الليبراليّة مضطرّةً لمنح النساء قسمًا من حقوقهن، وتوفير الرضا للمرأة الغربيّة.

من ناحيةٍ أخرى، أدّت الثورة الروسيّة إلى خوف الحكومات الليبراليّة مِن الشيوعيّة و«الذعر الأحمر»، فاعتبرت كلّ حركةٍ راديكاليّة ومتطرّفةٍ مرتبطةً بالشيوعيّة والبلشفيّة، ولذلك اعتمدت الحكومات سياسة التطبيع والمواجهة لأي حركةٍ (بما في ذلك الحركة النسائيّة).[1]

أدّى وصول «ستالين» إلى سدّة الرئاسة وإجراءه للتغيّيرات، إلى سحب ثقة المرأة في الاشتراكيّة، وأفقدها الأمل في نضالات النسويّات.

ومن وجهة نظر ستالين، يستلزم بناء المجتمع الاشتراكي العودة إلى الأدوار التقليديّة للرجل والمرأة في الأسرة، ففي عهده أصبح تعزيز أواصر الأسرة وتقويتها من الوظائف الرسميّة، وأُعلِن بطلان الحبّ الحرّ، وتبعه إقرارٌ لقوانين تكافح الإجهاض وتعارض الطلاق وذلك سنة 1936 م.[2]

(62)

ويُقال: إنَّ هذه التغييرات التي تزامنت مع نموّ سلطة الدولة المركزيّة التي ساعدت النساء بأنشطتها الحكومة قبل الثورة وبعدها، جعلت ثقة المرأة تهتزّ بالنسبة للشيوعيّين الماركسيّين، وكان هذا العامل سببًا في يأس النسويّات من متابعة المطالب النسويّة أيضًا منذ عشرينات القرن العشرين وما بعد.[1]

كما أنّ انتشار الفاشيّة كان سببًا في أفول أنشطة النوسيّات بنحوٍ آخر، فقد تزامنت ثلاثينيّات القرن العشرين مع الإفلاس الاقتصادي في كافّة دول العالم، فانتقل الحُكّام الأوروبيّون واليابانيون إلى الأحزاب الفاشيّة، وبحسب اعتقاد المجتمعات الفاشيّة، ينحصر دور المرأة في ملازمتها لبيتها وخدمة زوجها والإنجاب المتعدّد للأبناء كي يخدموا الحكومة.

وكانت ألمانيا أوّل دولةٍ طردت وبصورةٍ قانونيّة جميع النساء العاملات في القطاع العام، أمّا في الدول الأخرى فقد سقط توظيف النساء عن المشروعيّة بسبب الضغط الاقتصادي وقلّة فرص العمل.[2]

وفي النهاية اندلعت الحرب العالميّة الثانية (1939 م ـ 1945 م)، واستتبع ذلك حاجةٌ ماسّةٌ لتوظيف النساء، وبين ليلةٍ وضحاها

(63)

وجدت الحكومات ميزانيّاتٍ لإنشاء حضانات الأطفال! ومن ناحيةٍ أخرى، كان للعديد من النساء في كلٍّ من الإتّحاد السوفياتي وفرنسا وإيطاليا وباقي الدول الأوروبيّة، حضورٌ مباشرٌ في المواجهات ضدّ الفاشيّة.

وبعد انتهاء الحرب، طلبت الحكومات من النساء ضمن تقديرها وشكرها لهنّ على تضحياتهنَّ وجهودهن ـ سواءً في ساحات الجيش والحرب أم في مجال العمل والخدمات ـ وبأسلوبٍ محترمٍ أن يعدن إلى بيوتهنَّ وأن يعهدنَ بالمهام إلى الرجال، فسبّب ذلك استياءً شديدًا من قبل النساء، وبالأخص نساء أمريكا اللواتي كان لديهنَّ إصرارٌ على الحفاظ على المنافع التي حصلن عليها من وظائفهنَّ.[1]

ومع ذلك، فإنّ جميع الضغوط التي تعرّضت لها المرأة خلال هذه الفترة لم تُؤدِّ إلى أنشطةٍ نسويّة، وربما يعود ذلك إلى أنّ جميع قوى النساء قد صُرِفت في المواجهات ضدّ الفاشيّة، وفي الحرب العالميّة الثانية، وفي المشاكل الاقتصاديّة والاجتماعيّة التي حصلت بعد الحرب، وفي المواجهة ضدّ الاستعمار، ففضّلت النساء المطالب العامّة على مطالبها الخاصّة كامرأة؛ فمن الطبيعي في هذه الظروف أن لا يقبل المجتمع وجود مثل هذه الحركات التي تصدّت لتحقيق قضاياها الخاصّة بدلًا من الاهتمام بالأزمات العامّة.

(64)

الموجة الثانية (1960-1980)

بعد أربعة عقود تقريبًا من الركود، أيّ من الستينات فما بعد، حدثت قفزةٌ جديدةٌ تمثّلت في التنظير وفي القيام بالنشاطات النسويّة على نطاقٍ واسعٍ وفي عدّة صُعدٍ، وقد عُرفت بالموجة الثانية للنسويّة.

كان هناك عوامل متعدّدة أثّرت في تشكيل الموجة الثانية من النسويّة، وقد هيّأت القضايا التي حصلت بين عامي 1920 م و 1960 م الأرضية لظهور مثل تلك النشاطات بشكلٍ عامٍّ رويدًا رويدًا، ومن جهةٍ أخرى، كان لخصائص ستينات القرن العشرين التي كانت تحوز على الشروط اللازمة لولادة النسويّة من جديد ولكن بقُدرةٍ وتنوعٍ أكبر هذه المرّة.

وبشكلٍ عامٍّ، سوف نتناول في تتمّة البحث ثلاث مجموعاتٍ من العوامل المؤثرة في ظهور الموجة الثانية، وهي: التغييرات في وضع المرأة، والتغييرات الاقتصاديّة، والتغييرات السياسيّة والاجتماعيّة.

التغييرات في وضع المرأة

رغم أنّ الحقوق المدنيّة والحريّات السياسيّة التي حصل عليها النساء خلال الموجة الأولى من النسويّة كانت محلّ رضا النساء وأدّت إلى انحسار موجة اعتراضهنَّ، إلّا أنَّها أدّت كذلك إلى المطالبة بمطالب جديدة؛ فقد أوجد فتح أبواب المراكز التعليميّة والجامعيّة للنساء طبقةً من النساء اللواتي كان لهنّ مطالب جديدة

(65)

وجديّة؛ وهكذا فإنَّ الرضا عن الحصول على حقّ التصويت تحوّل إلى عدم رضًا عن الحضور غير المتكافئ للمرأة في المؤتمرات والإدارات العامّة.

وهناك مسألةٌ أخرى حصلت في هذا الزمان بنحو قفزةٍ، فشكّلت عاملًا في حصول تطوّرٍ جذريٍّ في وضع النساء، وهو تطوّر علم الطبّ في ابتداع وسائل جديدة لتنظيم النسل، وبعد سنواتٍ من النشاطات، أصبح استعمال هذه الوسائل قانونيّاً وذلك في سنة 1967 م،[1] وهكذا تحرّرت النساء من خوفهنَّ من الإنجاب المتتالي.

وقد أدّت جميع هذهسئ القضايا التي حصلت في وضع المرأة بالإضافةً إلى التغييرات في النظام الجديد الرأسمالي (كما سيأتي بعد قليل) إلى الانخفاض التدريجي للتناقضات الاجتماعيّة الناجمة عن اختلاف الجنس.

التغييرات الاقتصاديّة

شهدت هذه الحقبة سيطرة أمريكا على النظام العالمي الرأسمالي وتمّ تنظيم توسُّع الرأسماليّة وانتشارها، وهو الأمر الذي أدّى إلى زيادة فرص العمل بنحوٍ أكثر، وحاجة سوق العمل لقوّةٍ عاملةٍ جديدةٍ، وظهور أعمالٍ جديدةٍ من قبيل: قسم الخدمات والإدارة، وسوق العمل الثانوي، وإلى ظهور ظاهرة العمل بنصف دوامٍ، وكان لهذه القضايا تأثيرًا على حياة النساء بأشكالٍ متعدّدة؛ فقد سار عمل المرأة في منحنىً تصاعديٍّ، ووصل إلى الضعف مقارنةً مع السابق،

(66)

وهكذا نشأت طبقةٌ كبيرةٌ من النساء العاملات، اللاتي كان للتغييرات الرأسماليّة أثرًا مباشرًا على حياتهنَّ.

وهذه المرّة كذلك ـ وكما في الماضي ـ قام النظام الرأسمالي بما تقتضيه مصالحه في حالة النموّ الاقتصادي والحاجة إلى قوى عاملة أكثر وبأجرٍ أقلّ؛ أو استغلال عمل المرأة في حالة الحرب، ومع تغيّر المصالح والضرورات كما في فترات الركود الاقتصادي أو انتهاء الحرب وعودة الرجال من الجبهات، تم فصل النساء بصورة جماعيّة من خلال جعل أيديولوجيّة البقاء في المنزل شعارًا، فهيأ ذلك الأرضيّة لاستياء النساء.

لقد ساهم في استياء المرأة كلٌّ من التمييز الوظيفي ومن ضمنه اختلاف الأجور، وتركيز المرأة في الوظائف الخدماتيّة والمكتبيّة، ومنع المرأة من المشاركة بنحوٍ متساوي في المستويات الإداريّة ومن الترقي الوظيفي، فضغطت النساء في المقابل على أرباب العمل للحصول على المزيد من التسهيلات والامتيازات من خلال المشاركة في النقابات العماليّة.

ومع التوسّع المتزايد للرأسماليّة، والحاجة إلى توظيف قوى عاملة نسائيّة مؤهّلة، خلقت الرأسماليّة ظاهرةً باسم العمل بنصف دوام، وهي استراتيجيّةٌ خاصّة بجنسٍ محدّدٍ، فاستطاعت الموازنة بين قلّة فرص العمل من جهةٍ وبين كُلفة العمل بدوامٍ كاملٍ.[1]

(67)

وكانت المرأة العاملة ملزمةٌ أيضًا بإنجاز مشاغلها الخاصّة وأعمالها المنزليّة، وذلك يعني جهدًا مضاعفًا على المرأة، وكما ورد في الإحصاءات فإنّ ساعات عمل المرأة تزيد طوال الأسبوع عن الرجل بـ 26 ساعةٍ تقريبًا.[1]

وخلاصة الأمر، في النظام الذي اعتمد الرأسماليّة، كانت النساء تعمل أكثر من الرجال وفي المقابل كُنّ يكسبنَ أجورًا أقلّ منهم، وكُنّ يُحرمنَ من الترقّي في العمل ومن العمل في المستويات الإداريّة، وينبغي الالتفات إلى أنَّه على رغم من وجود هذه العوامل سابقًا، ولكن بسبب قلّة النساء العاملات آنذاك، لم يأخذ هذا الأمر طابع عدم الرضا العمومي؛ في حين أنّه مع زيادة عدد النساء العاملات أخذت مسألةُ عدم رضاهنَّ بهذا الوضع طابعًا جديّاً.

ومن ناحيةٍ أخرى، وقعت ربّات المنازل تحت عبء الاقتصاد الرأسمالي أيضًا، فقد كان هناك آثارٌ متعدّدة على نمط حياة المرأة بسبب التطوّرات التكنولوجيّة المتسارعة وإنجاز العديد من المهام المنزليّة بواسطة الآلة وبالتالي تسهيل إنجاز المهام وإلغاء بعض الأعمال المنزليّة التقليديّة أحيانًا، وهي كالتالي:

1- زعزعة الفصل التقليدي للأدوار في العديد من الواجبات المنزليّة؛

2- تحرير وقت المرأة كأحد مستلزمات العمل الجماعي؛[2]

(68)

3- شعور ربّات المنازل بالبطالة وعدم الاستفادة من شأنيّتهنَّ وموقعيتهنَّ.[1]

وقد طُرح الإحساس بعدم الرضا والإحباط بين النساء ـ خصوصًا النساء المرفّهات من الطبقة المتوسّطة ـ وذلك منذ خمسينات القرن العشرين، وتحوّل هذا الأمر بالتدريج إلى معضلةٍ بحيث سُمّيت منذ ذلك الحين: معضلة المرأة. وقد أكّدت بعض النسويّات في دراسة أصل هذه المشكلة على بعد المرأة عن أدوارها التقليديّة، فيما جعل البعض الآخر ـ أغلب النسويّات ـ علاقة المرأة بالمنزل هو العامل الأساسي لبروز هذه المشكلة، وبكلّ التقديرات فقد أقرّ الجميع بوجود المشكلة.

وقد كتبت «مارغريت ميد» عالمة الاجتماع ذات الشهرة الكبيرة: «لو نظرتَ إلى المشكلة بأيّ معيار شِئتَ، فإنَّ الإجابة ستبقى واحدةً: لقد تاه النساء ـ والرجال ـ في التعريف الفعلي لموقع المرأة في أمريكا، إنّهنَّ غيرُ مطمئنّاتٍ ولا راضيات»[2].

وفي نفس الوقت، وضعت «بيتي فريدان» يدها على هذه المسألة مع انتشار كتابها الغموض الأنثوي (1963)، وعملت على توضيح وشرح جذور معضلة المرأة.[3]

(69)

التغييرات السياسيّة الاجتماعيّة

أ) حملت ستينات القرن العشرين نظريّات سياسيّة واجتماعيّةٍ جديدةٍ، وأمّا تجديد الأيديولوجيّات الاشتراكيّة والماركسيّة والليبراليّة وظهور أسلوبين تصحيحين جديدين من قلب هذه الأيديولوجيّات تحت اسم الماركسيّة الجديدة والليبراليّة الجديدة التي لها نهجٌ نقديٌّ لبعض السلالات الليبراليّة و الماركسيّة، فأصبح سببًا لتبدّل الموقف الانفعالي والسلبي لمواقف النسويّات تجاه الأيديولوجيّتين الاجتماعيّتين الماركسيّة والليبراليّة (كنتيجةٍ لتهميش المرأة وخيانتها) إلى موقفٍ نقديٍّ وفعّالٍ، ممّا جعلهم ينخرطوا مجدّدًا في الأنشطة المطالبة بالمساواة وأنشطة النسويّات.[1]

ب) كان هذا القرن ذروة ظهور الحركات الاجتماعيّة؛ فكانت الحركات ضدّ الاستعمار والمطالبة بالحريّة في المستعمرات، وأعمال الشغب، والحركات الطلابيّة في أوروبا، والنضال ضدّ العنصريّة في أمريكا، وحركات حرب العصابات في كل أنحاء أمريكا اللاتينية[2] حاكية عن حالة عدم الاستقرار في ذلك القرن.

وأهمّ هذه الحركات وأكثرها تأثيرًا خلال الموجة الثانية هي «حركة الحقوق المدنيّة» التي كانت تعمل لمصلحة السود، والتي تعتبر أيّ تمييزٍ يقع على أيّ مجموعةٍ من الناس بناءًا على خصائصهم

(70)

المادّيّة أمرًا غير أخلاقيٍّ، وكانت القيم والأفكار العامّة التي تبنّتها حركة الحقوق المدنيّة سببًا في ولادة الحركات الاجتماعيّة اللاحقة، فقد طُرحت أولى الأفكار حول حقوق المرأة ضمن إطار هذه الحركة من خلال الإحساس بالشَبَه والتقارب بين وضع المرأة والسود.[1]

وأدّت المشاركة النشطة للمرأة في حركة الحقوق المدنيّة والحركة الطلابيّة من جهةٍ والتهميش والتعامل بإذلالٍ من قبل الرجال النشطيين في هذه الحركات تجاه النساء ومطالبهنَّ كما في السابق من جهةٍ أخرى، إلى تشكيل منظّماتٍ وتشكيلاتٍ مستقلّةٍ ومتنوّعة للنسويّات، وهي كما يلي:

النسويّة الليبراليّة ومنظّمة NOW

إنَّ نقطة البداية لهذه الأحداث هي قيام الحكومة الكنديّة بتفعيل اللجان الفيدراليّة والحكوميّة لبحث وضع النساء بهدف حل معضلتهنَّ، وبعد إعلان نتيجة هذه الأبحاث التي كانت تُشير إلى وضعٍ غير مناسبٍ للنساء، رفضت المؤسّسات المكلّفة بتنفيذ القانون المضادّ للتمييز الجنسي العمل بهذا القانون! فقرّر العديد من النساء اللاتي كنَّ فعّالاتٍ خلال تلك الأحداث تشكيل المنظّمة الوطنيّة للنساء أو «NOW» (National Organization for Woman) ( 1966 م) كردّة فعلٍ احتجاجيّةٍ بقيادة «بيتي فريدان» لتحقيق مطالب النساء، فكانت هذه الخطوة بداية تشكيل أحد أهمّ

(71)

أحداث الموجة الثانية، أي الجناح الليبرالي الإصلاحي[1] الذي كان مكوّنًا بأغلبيّته من النساء المتزوّجات وذوات الأبناء.[2]

الجماعات الراديكاليّة النسويّة

في عام 1967 م شكّلت الفتيات الجامعيّات الفعّالات في الحركة الطلابيّة والمُعترضات على تهميشهنَّ داخل الحركة، مجموعةً راديكاليّة نسويّة بقيادة «شولاميت فايرستون».[3] وانفصلت النساء العازبات والشابّات عن NOW ليُشكّلنَ[4] نواة أوّل حركةٍ أكثر تطرّفًا باسم «حركة تحرير المرأة».[5]

أمّا الحدث الثالث فيُمثّل بداية تشكيل جناحٍ نسويٍّ راديكاليٍّ بالكامل، وهو تشكيل «جمعيّة التخلّص من الرجال» «SCUM» (Society for Cutting Up Men) التي تلقّت قدرًا كبيرًا من التغطية الإعلاميّة.[6]

(72)

وبالتالي فقد شهدت الموجة الثانية من النسويّة أنشطةً لمجموعاتٍ مختلفةٍ من النسويّات بما في ذلك الليبرالي الإصلاحي، والراديكالي الثوري، والاشتراكي، وحتّى أنّ مجموعات نسويّة أخرى كحركة تحرير المرأة السوداء، والنسويّات المُثليّات، عملنَ بمنظّماتٍ وأيديولوجيّاتٍ وأدواتٍ مُختلفةٍ، وأحيانًا ضدّ بعضهنَّ البعض، وأحيانًا أخرى نحو الأهداف المشتركة.

وتقريبًا منذ سنة 1968 م إلى 1973 م، كان لبعض العوامل من قبيل: ازدياد الاختلافات والتناقضات بين النساء، وظهور الانقسامات بين المنظّمات النسويّة، وعدم القبول العام للقِيم الراديكاليّة للنسويّات في هذه الحقبة، والانهزام النسبي سياسيّاً بعد القدرة على إحداث تغييراتٍ قانونيّة ومؤسّساتيّةٍ، وعدم القدرة على التعبئة لفترةٍ زمنيّةٍ طويلةٍ، وتوجّه العديد من النسويّات للانخراط في الأنشطة الثقافيّة والأكاديميّة، وجذب قسمٍ من الخلافات الراديكاليّة وانتقالها إلى داخل المؤسّسات، وحاكميّة جوٍّ مناهضٍ للحركة في النصف الثاني من سنة 1970 م خلافًا لعام1960 م، وغيرها من العوامل، كان لجميع هذه العوامل دورًا في أن تدخل الموجة الثانية من أنشطة النسويّيات فترة تعليقٍ، وبقي هذا الوضع بناءً لعددٍ من التحليلات مستمرّاً إلى يومنا هذا، وبناءً على تحليلاتٍ أخرى فقد استمرّ إلى سبعينات القرن العشرين فقط، ثمّ دخلت النسويّة موجتها الثالثة.[1]

(73)

الموجة الثالثة

إن التغييرات التي وقعت في النصف الثاني من سبعينات القرن العشرين وعلى الأخصّ التي وقعت سنة 1980 م و1990 م في الغرب، ومنها تشكيل المجتمع الجديد لما بعد الحداثة أو لما بعد الصناعة، والتغييرات المُعقّدة في الرأسماليّة وتحويلها إلى رأسماليّة غير منظّمة، وظهور نظريّات نقديّة جديدة وشديدة، مثل: ما بعد الحداثة، والبنويّة[1]، وما بعد البنيويّة، والتفكيكيّة، و...، كلّها كانت سببًا في أن تتعرّض النسويّة للتغيير والتحول باعتبارها جزءًا من الثقافة الغربيّة.

والانتقادات التي وجّهها المجتمع، ولا سيما النسويّات أنفسهنّ لبعض سلوكيّات وأقوال النسويّة في موجتها الثانية وانتقدها الأغلبيّة بأنّها أحاديّة النظر، ومطلقة (تشمل الجميع)، وأنّها تعزل العديد من النساء، وأنّها لا تلتفت إلى الظروف والمطالب المختلفة للنساء في مختلف الشرائح و الثقافات والأوضاع المتنوّعة؛ فسبب ذلك أيضًا هذا التغيير والتحوّل، فأدّى إلى تشكيل نسويّة متنوّعة مثل: النسويّة السوداء، والنسويّة المثليّة، والنسويّة الأُسريّة، والنسويّة المطالبة بالسلام، والنسويّة البيئيّة، و...، فكان هذا التنوّع من خصائص الموجة الثالثة.

ومن الميزات الأخرى للموجة الثالثة هو تركيز نشاط النسويّات في المؤسّسات الثقافيّة والجامعيّة، وزيادة نشر الكتب والمقالات

(74)

والانتقادات لماهيّة الذكوريّة، وتمحور العلوم حول الذكوريّة بما هو أعمّ من الفلسفة وعلم الأحياء وعلم الاجتماع والعلوم السياسيّة وعلم النفس، و...، وسعي النساء لطرح العلوم واستبدالها ومنحها طابعًا نسويّاً بأياديهنَّ.

وقد نما داخل الموجة النسويّة الثالثة اتّجاهات جديدةٍ من أنشطة ونظريّات النسويّات وهي التي تُعرف بـ «النسويّة ما بعد الحداثة» والتي سيأتي الحديث عنها في الأبواب اللاحقة.

(75)
(76)

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني

الاتّجاهات النسويّة

 

(77)

الفصل الثاني: الاتّجاهات النسويّة

مقدّمةٌ

كما ذكرنا سابقًا، كان الاتساع الزمانيّ والجغرافيّ للنسويّة هو منشأ تكوّن المجموعات والمنظّمات والاتّجاهات المختلفة من النسويّات، والسبب وراء ظهور أشكالٍ مختلفةٍ للنسويّة والأنواع المختلفة من النظريّات النسويّة، وكان التنوّع في الاختلافات كبيرًا إلى درجة أنّه التعبير عنها بأنّها منهجٌ فاقدٌ للانسجام الفكريّ وبأنّها «شبكةٌ متشابكة ومقزّزة»[1]، بل حتّى في بعض الأحيان يتعزّز هذا الاعتقاد وهو أنّنا لا نواجه نسويّةً واحدةً بل نسويّاتٍ متعدّدةٍ.[2]

ومن ناحيةٍ أخرى يُعتبر عرض تصنيفٍ وتقسيمٍ مُوحّدٍ وشاملٍ يهدف إلى تنظيم النظريّات المتعدّدة والمختلفة للنسويّات الخطوة الأولى والمهمّة لبحث ودراسة النسويّة، فكيف يُمكن لنا أن نتخطّى هذه الاختلافات وأن نتجاوزها؟ وهل من الممكن أن نُقدّم تصنيفًا يشمل كافّة النظريّات والأشكال النسويّة بحيث يظهر أيضًا الفرق والحدّ الفاصل بين كلّ نظريّة وباقي النظريّات؟ وإن كان هذا الأمر ممكنًا، فما هو الملاك والمعيار لهذا التصنيف؟

(78)

يعتقد بعض الباحثين بأنَّ الاختلافات كثيرةٌ إلى درجة أنَّ عرض أيَّ تصنيفٍ وفقًا لأيِّ معيارٍ سوف يتبعه قيودٌ وعيوبٌ[1]؛ بحيث إمّا أنه لا يجمع بعض وجهات النظر داخله (غير جامع) وإمّا أن تتداخل بعض الاتّجاهات مع بعض وجهات النظر (ليست من أقسام القسيم الواقعيّة)؛ ففي النهاية نُلاحظ أحيانًا أنّه يُوجد في داخل كلّ اتّجاهٍ طيفًا واسعًا من وجهات النظر المتنوّعة والتي تختلف فيما بينها في العديد من الأمور الجزئيّة إلّا أنّها تكون مؤثّرةً.

وربّما تكون أبسط طريقةٍ لتصنيف النسويّات، هو ذكر قائمةٍ بالعبارات المركّبة التي وردت في الكتب العلميّة تحت عنوان النسويّة، والرابط المشترك بينها هو النسويّة، وهي كالتالي: النسويّة اللاسلطوية، النسويّة الوجودية، النسويّة الإلغائيّة، نسويّة الاختلاف، نسويّة العالم الثالث، النسويّة الرئيسيّة، النسويّة الأُسريّة، النسويّة الراديكاليّة، النسويّة التحليليّة، النسويّة البيئيّة (النسويّة الإيكولوجية)، النسويّة الاشتراكيّة، نسويّة السُود، النسويّة الثقافيّة، النسويّة الليبراليّة، النسويّة الماركسيّة، النسويّة المسيحيّة... .[2]

ومن مميّزات هذا الأسلوب، أنَّه يُمكّننا من التعرّف في كلّ واحدٍ من هذه العناوين على وجهات النظر المتعدّدة التي كانت سببًا في تعدّد التسميات، ويُساعدنا على دراسة قِيم النسائيّات، وفي المقابل من سلبيّات هذا الأسلوب أنّه طرح بعض الاتّجاهات

(79)

الأساسيّة والمؤثّرة في تاريخ النسويّة بنحوٍ متداخلٍ وبالعرض مع بعض الاتّجاهات التي لها أتباعٌ قليلون ويُعدّون على الأصابع، كما أنَّ العديد من العناوين تتداخل مع بعضها البعض، والعديد منها يندرج تحت أحد الاتّجاهات السائدة؛ هذا مع غضّ النظر عن أن بعض هذه الأحداث لا تتوافق مع تعريف النسويّة من بعض الجهات بل تُعدّ كحدثٍ مضادٍّ للنسويّة.

هناك أسلوبٌ آخر، وهو اتّباع التقسيم المشترك نسبيّاً والذي اقترحه الخبراء ومن ضمنهم «جغر» و«تانغ» و«والبي»[1] و«ريتزر» و«وينسنت» و...، حيث عدّوا الاتّجاهات الآتية اتجاهاتٍ سائدةٍ ومختلفةٍ نسبيّاً مع قليلٍ من الاختلاف في وجهات النظر: 1. النسويّة الليبراليّة؛ 2. النسويّة الماركسيّة؛ 3. النسويّة الراديكاليّة؛ 4. النسويّة الاشتراكيّة؛ 5. نسويّة ما بعد الحداثة.

ويعتبر هذا النهج في التصنيف مصدرًا رئيسيّاً للباحثين حول النسويّة وللنسائيّات أنفسهنَّ أيضًا، كما يُعتبر نموذجًا للعديد من الأبحاث اللاحقة؛ ورغم أنَّ هؤلاء المفكرين وضعوا العديد من التصنيفات الأخرى داخل التصنيفات السالفة الذكر، لكن لا يزال من غير الممكن الادعاء بأنّ هذا النوع من التصنيف شاملٌ لجميع نظريّات النسويّة بدون أن يقع خلطٌ وتداخلٌ فيما بينها.

وسنتبع في هذا الكتاب النموذج الذي تمّ طرحه أخيرًا لسببين؛ الأوّل: إنّ هذا الكتاب يعتبر خطوةً أولى للتعريف بالتيّارات النسويّة حيث سعى إلى مراعاة الاختصار وتجنب التعقيد في الكتابة أو

(80)

ذكر التفاصيل غير المفيدة، كما تمّ تسليط الضوء على باب ماهيّة وأهداف حركة النسويّة ونقدها في الختام؛ أمّا السبب الثاني فهو عدم وجود اجماعٍ بين المفكرين والخبراء على تصنيفٍ موحّدٍ للاتّجاهات النسويّة.[1]

النسويّة الليبراليّة

تاريخيّاً، إنَّ أوّل اتّجاهٍ رئيسيٍّ نسويٍّ هو النسويّة الليبراليّة والتي ظهرت من قلب النداءات العامّة لليبراليّة، وتبرز أهميّة هذا الاتّجاه في كونه الاتّجاه الغالب في الموجة النسويّة الأولى، مضافًا إلى ما له من حضورٍ في الموجة الثانية والثالثة، وبعبارةٍ أخرى: لهذا الاتّجاه حضورٌ في جميع الفترات التاريخيّة للنسويّة، ووفقًا لتعبير «بيسلي»: «النسويّة الليبراليّة أشهر أشكال الفكر النسويّ، وغالبًا ما تُعرف النسويّة كمرادفٍ لها».[2]

هذا ويعتقد الخبراء بأنّ سبب استمرار هذا الفرع من النسويّة هو موافقته للثقافة والأخلاق الأمريكيّة، وتميزه بنظريّاتٍ معتدلةٍ مقارنةً بالاتّجاهات النسويّة الأخرى وفي النتيجة تقبّله من قبل الناس.[3]

(81)

يُقيّم «أندرو وينسنت» هذا الاتّجاه النسويّ على أنّه الأكثر تأثيرًا والأكثر موثوقيّةً بين الاتّجاهات النسويّة[1]، فالليبراليّة النسويّة كما يبدو من اسمها، استمدّت أصولها ونظريّاتها من الليبراليّة؛ ولذلك لا يُنظر إليها على أنَّها نظريّة بل تُعدّ اتجاهًا عمليّاً.[2]

النظريّات

وضع المرأة:

ترى النسويّة الليبراليّة، بأنّ المرأة تُعاني من التمييز بينها وبين الرجل وعدم مساواتها معه؛ فهي محرومةٌ من العديد من الإمكانات والفرص والحقوق، وتعيش في ظروفٍ غير مناسبةٍ مقارنةً بالرجال، ولها شأنيّةٌ ومنزلةٌ أدنى منه.

سبب وضع المرأة هذا:

إنّ سبب هذه المكانة الوضيعة للمرأة، هو المعاملة التمييزيّة المكتسبة من التربية ومن الأعراف ومن الآداب والعادات ومن التوقّعات المختلفة للمجتمع من الجنسين، وأخيرًا بسبب القوانين المتحيّزة، حيث حُرمت العديد من النساء من الفرص والحقوق في المجتمع المدني.

(82)

إنَّ تقسيم المجتمع إلى ساحتين؛ الساحة الخاصّة (الأسرة) والساحة العامّة (المجتمع) ودفع المرأة باتّجاه الساحة الخاصّة رغم أنّ جميع الحقوق ومنها الحقوق المدنيّة والليبراليّة تمّ تعريفها للساحة العامّة، فُجعلت مهام إدارة المنزل وتربية الأبناء والقيام بواجبات الزوج من نصيب المرأة، وفي المقابل جُعلت الأمور الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة على عاتق الرجل، وخلاصة القول: إنّ فصل الساحات والأدوار ـ برأي النسويّة الليبراليّة ـ يُمثّل علّة لعدم المساواة وتدنّي وضع المرأة.

الأيديولوجيّة:

تبتني النسويّة الليبراليّة على المساواة، ومن هذا المنطلق فإنّ الرجل والمرأة متساويان تمامًا؛ لأنّهما مُتساويان في العقل والإنسانيّة وهما معيار تميّز البشر عن سائر المخلوقات، أمّا الفروقات الجسديّة فلا تُأثّر على هذا التساوي؛ بالإضافة إلى أنَّ جميع الفروقات التي بين المرأة والرجل بما يشمل الفروقات في الاستعدادات والمعارف والقدرات والسلوكيّات بل حتّى بعض الفروقات الجسديّة ليست إلّا أمورًا اكتسابيّةً وليست ذاتيّة، وهي ناجمة عن التفرقة الموجودة في المجتمع. (وسيأتي تفصيل هذا البحث في الفصل التالي).

الأهداف والشعارات:

إنّ أهم أهداف الليبراليّة النسويّة هو إزالة كلّ نوعٍ من التمييز، وتحقيق المساواة التامّة بين الجنسين، وفي ظلّ هذا الهدف نجد

(83)

أنّ الأمور التالية هي من أهداف الليبراليّة النسويّة أيضًا من توسعة نطاق حقوق الفرد الإنساني لتشمل المرأة، ومحاربة فصل الأدوار، وتحقيق المجتمع ثنائي الجنس أي المجتمع الذي يعتبر أنّ المرأة والرجل يتمتّعان بأدنى حدٍ من الاختلافات بين الجنسين بسبب التعليم المتساوي والتربية المتساوية والفُرص المتساوية والأدوار المتساوية.

الحلول المقترحة:

ترى النسويّات الليبراليّات بأنّ إزالة التمييز، وتحقيق المساواة التامّة من خلال مشاركة النساء في المجال العام وحضورهن ومشاركتهن في مجال السياسة وإتخاذ القرارات وطرح قوانين المساواة هو أمر مُيسّرٌ وممكنٌ، إذ يُمكن الوصول إلى تساوي الفرص من خلال تساوي الحقوق، ويتمنى هؤلاء النسويّات أن يتمكّنَّ من تغيير البُنية الاجتماعيّة والقضاء على الفصل بين الجنسين من خلال وضع القوانين؛[1] ومن هذا المنطلق، فإنَّ حقوق النساء القانونيّة وحضورهن العادل والمتساوي في الممؤسّسات السياسيّة والقانونيّة هي من الهموم الأساسيّة للنسويّة الليبراليّة، وفي سبيل ذلك جعل استعمال جميع الإمكانيّات المتاحة لمحاربة عدم المساواة القانونيّة ضمن دستور هذه النسويّة.

إنّ اكتساب حقّ التصويت الذي تحوّل إلى أهمّ شعارٍ للنسويّات، وحاز على أهميّته باعتبار أنَّ حقّ التصويت هو أوّل خطوةٍ للدخول

(84)

إلى المجال العامّة أي مجال صنع القرار والتشريع؛ وتتصوّر النساء بأنَّه يمكن من خلال المساواة في الحقوق الوصول إلى تحصيل المساواة في الحقوق، والقضاء على التمييز، وتحقيق المساواة التامّة في كافة المجالات تدريجيّاً بعد اكتساب حق التصويت.

وكما اتّضح ممّا ذُكر، ترى النسويّة الليبراليّة بأنّه يُمكن تحقيق أمنيات النساء من خلال إصلاح بُنية النظام الموجود؛ ولذا يعتقدون بالإصلاحات لا بالثورة.[1]

الإنجازات:

من إنجازات النسويّة الليبراليّة: اكتساب حقّ التصويت، وإيجاد فرصٍ تعليميّةٍ متساويةٍ، وتشريع قوانين تزيل التمييز الجنسي، وإيجاد فرص عملٍ متساويةٍ، وإصلاح القوانين المتعلّقة بحقّ الملكيّة والطلاق والحضانة، وإلى جانب ذلك الميزات الخاصّة بفترة الحمل، وإجازة الولادة، وإنشاء دورٍ لحضانة الأطفال.[2]

(85)

الشخصيّات والمُؤلَّفات

1. ماري أستِل[1]

ماري أستل هي كاتبة إنكليزيّة، وأرادت في سنة 1700 م أن تُسرّي الليبراليّة على المجتمع النسائي من خلال طرح الأسئلة التالية: «إن لم يكن الحكم المُطلق ضروريّاً في أيّ بلدٍ من البلدان، فلماذا يكون ضروريّاً داخل الأسرة؟ وإن كان ضروريّاً داخل الأسرة، فلماذا لا يجب أن يُطبق على البلدان؟ وإن كان جميع الناس يُولدون أحرارًا، فلماذا ينبغي أن يُولد النساء عبيدًا ويكون وجودهنّ مرهونًا بظروف عُبوديّةٍ كاملةٍ، وأن تكون تابعةً لإرادة الرجل المتقلبة والمشككة وغير الثابتةتبعًا لمزاجه؟»[2].

2. ماري ووولستونكرافت[3]

تُعرف «ماري وولستونكرافت» بأنّها أوّل من طرح نظريّات النسويّة في بريطانيا، ويعتبر كتابها دفاعًا عن حقوق المرأة[4] من أوائل الأطروحات التامّة في النسويّة الليبراليّة، وقد وصفت وولستونكرافت المرأة في هذا الكتاب بأنّها إنسانٌ ذكيّ وعقلانيّ، وبأنّ سبب المكانة المنحطة للمرأة يعود إلى عدم تعليمها، وبأنّ منح الفرص المتساوية يجبر ذلك.[5]

(86)

وتعتقد وولستونكرافت بأنّ: الأدوار المبنيّة على أساس الجنس ليست أمرًا طبيعيّاً، بل هو من صنع الرجال ويصبّ في مصلحتهم[1]؛ وترى بنظرةٍ تفائليّةٍ أنّه: مع نيل المرأة التعليم العامّ ومع حصول التكافؤ في الفرص، ستفقد مسألة الاختلاف بين الجنسين أهميّتها في الحياة السياسيّة والاجتماعيّة.[2]

3.جان ستيوارت ميل[3]

«ميل» هو فيلسوفٌ ليبراليٌّ بريطانيٌّ انبرى للدفاع عن حقوق المرأة في كتابه استعباد النساء[4] (1869 م)، وهو من اتباع النفعيّة الليبراليّة ويعتقد بمبدأ المنفعة الأعلى لأكبر عددٍ من الناس فكان يقول: «إن قامت العلاقات بين الرجال والنساء على مبنى المساواة، فسوف تُصبح المزيد من القابليات متاحةً، وسيحصل تطوّرٌ معنويٌّ سريعٌ؛ ممّا سيؤدّي إلى سعادةٍ إنسانيّةٍ أعلى»[5].

لقد رفض «ميل» مثل «وويلستونكرافت» التمييز بين الجنسين وكتب ما يلي: « ما يُسمّى اليوم بطبيعة المرأة هو شيءٌ زائفٌ تمامًا».[6]

(87)

وكان «ميل» من المطالبين بالحصول على حقّ التصويت، ومِن مُؤيّدي حصول المرأة على فرصٍ متساويةٍ في التعليم والعمل.

4. هارييت تايلور[1]

هي زوجةٌ، وشريكةُ بحثٍ، ومساعدةٌ لـ «ميل» في الأنشطة العلميّة والسياسيّة وخصوصًا خلال تدوين كتاب استعباد المرأة[2] وخلال المواجهات النسائيّة، فقد دافعت في حقّ التصويت للمرأة (1851 م) وفي مقالاتها حول الزواج عن المساواة السياسيّة والمدنيّة التامّة للمرأة ـ ومنها تسلّم المرأة مهنًا ووظائف حكوميّة ـ وطالبت بإلغاء القوانين المتعلّقة بالزواج.[3]

وخلافًا لميل، لا تعتبر العمل فرصةً وإنّما ضرورةً لكافّة النساء، فهو يمنحهم بالإضافة إلى الاستقلال المالي، استقلالًا نفسيّاً ويبعث على نموّ العزّة في النفس ونضج الشخصيّة.[4]

(88)

5.بيتي فريدان[1]

من زعماء النسويّة الليبراليّة في الموجة الثانية، وقد ترك كتابها اللغز الأنثوي[2] تأثيرًا كبيرًا على التيّارات النسائيّة، فقد قامت في هذا الكتاب بالإفصاح عن الضغط النفسي الذي تمرّ به نساء الطبقة المتوسّطة في خمسينات القرن العشرين رغم الرفاه والراحة وتحليل ذلك، وهي تعتبر أنّ سبب عدم الرضا هو حصرهنّ بالحياة الأُسريّة وحرمانهنَّ من المشاركة الفعالة في ساحة المجتمع، وقد طالبت بإزالة هذه القيود.

بعد انتشار کتابها، أسّست «فريدان» المنظّمة الوطنيّة للنساء (NOW) وقادتها، وقد ناضلت هذه المنظّمة من أجل مساواة المرأة مع الرجل في الحقوق على صعيد التعليم والقانون والأسرة، وبالتدريج تبدّلت إلى المنظّمة النسويّة الليبراليّة الأكثر فعاليةً، وتُعتبر الآن أكبر منظّمةٍ نسائيّة دوليّة.[3]

(89)

الانتقادات[1]

واجهت النسويّة الليبراليّة انتقاداتٍ لا حصر لها من قبل سائر الاتّجاهات النسويّة؛ فإنّ هذا التفاؤل الذي تفاءلت به النسويّة الليبراليّة من أنّ جميع مشاکل المرأة إنّما تُحلّ بتساوي الحقوق؛ وقع محلّاً للنقد الشديد من قبل النسويّات.

فقد وصف «فايرستون» ـ وهو من زعماء النسويّة الراديكاليّة ـ هذه الخصوصيّة للنسويّة الليبراليّة بأنَّها تركيزٌ محضٌ على الجوانب الأكثر بروزًا وظهورًا للتمييز الجنسي[2]، ممّا أدّى إلى الغفلة عن الصفات المخفيّة للحالة الوضيعة التي تعيشها المرأة.

ولذا فإنّ تحويل قضايا المرأة إلى قضايا حقوقيّة، وعدم الأخذ بعين الاعتبار العوامل التي أدّت إلى عدم المساواة وإلى الظلم الجنسي، تسبّب في أن تأخذ بقية النسويّات موقفًا ضدّ هذا الاتّجاه.[3]

ومن ناحيةٍ أخرى، كان تزامن هذا الاتّجاه مع الليبراليّة سببًا لتشاؤم النسويّات الاشتراكيّات والراديكاليّات، تجاه مستقبل النسويّة الليبراليّة، فمن وجهة نظر هذه الثُلّة، الليبراليّة هي «أيديولوجيّة خاصّة تسعى إلى حماية وتقوية روابط النظام الأبوي والمجتمع

(90)

الرأسمالي»[1]، ولن تصل النسويّة الليبراليّة إلى أي مكان (لن تحقق شيئاً) من خلال نهجها الإصلاحي.

فمن وجهة نظر «أندرو هيوود»: تحثّ الفرديّة المتواجدة في النسويّة الليبراليّة في المقام الأوّل إلى عدم الاهتمام بطبيعة بنية «النظام الأبوي» ـ الذي شدّ المرأة نحو العبوديّة ـ وإلى الغفلة عن المرأة كجنسٍ مُضطَهدٍ، وفي المقام الثاني جعل تضييق الفرديّة على الحياة الشخصيّة من العمل الجماعي للنساء بناءً على الهويّة الجنسيّة المشتركة أمرًا صعبًا، وفي المقام الثالث «من الممكن أن تُحمِّل الفرديّة الليبراليّة صفات الرجال وآمالهم على النساء؛ لأنّ الفرد الذي لا جنسَ له بحسب الظاهر يكون مظهرًا خفيّاً للمعايير الرجوليّة؛ ولذا السلوك الواحد مع الأفراد معناه معاملة النساء بنفس نحو مُعاملة الرجال».[2]

إنّ أحد الإشكالات التي يطرحها علماء الغرب وبعض الاتّجاهات النسويّة على النسويّة الليبراليّة، هو سعيها لإنكار كلّ الفروقات بين الجنسين، فإنَّ القول بمفهوم المساواة الإنسانيّة رغم الفروقات الجسديّة (اللون، البشرة، العرق، و...) وبأنّ الإنسانيّة تدور حول محور العقلانيّة، أدّى إلى القول بأنّه بما أنّ المرأة موجودٌ عاقلٌ، إذن يجب أن تتمتّع بكافّة حقوق الرجال السياسيّة والقانونيّة؛

(91)

ولكن طبقًا لقول «سوزان مندوس»: «ليس من الواضح على الإطلاق أنّه بالإمكان تجاهل الاختلافات الجسديّة بسهولةٍ أصلًا، فما بالك بأن يكون تجاهل هذه الفروقات أمرًا عادلًا ...، وفي ظلّ ذلك وُجّه النقد للنسويّة الليبراليّة بسبب أنّهاتميل جدًا إلى إنكار الفرق بين المرأة والرجل وتعرّف الإنسان بأنّه العاقل ذاتًا».[1]

ويرد انتقاد آخر على النسويّة الليبراليّة، وهو أنّ أغلب مؤيّدي هذا النهج هنَّ مِن النساء ذوات البشرة البيضاء، ومن الطبقة المتوسّطة المتعلّمة، وعليه فنظرًا لوجود حقوقٍ متساويةٍ أساسًا لهذه الفئات من النساء كانت قد خَلقَت لهنّ فرص تعليمٍ وعملٍ أوسعٍ، فجلبنَ الأنظار نحوهنَّ؛ ولذا ترى النسويّات الأخريات بأنّ النسويّة الليبراليّة تعکس مصالح مجموعةٍ خاصّةٍ من النساء، وبأنّها غير قادرةٍ على الإجابة عن مشاكل بقيّة النساء (نساء الطبقة العاملة، النساء السود، و...).[2]

(92)

النسويّة الماركسيّة

إنَّ النسويّة الماركسيّة هي نتيجة ارتباط النسويّة والماركسيّة معًا، أي أنّ النسويّات استخدمن التعاليم الماركسيّة لأهدافٍ نسويّةٍ من جهةٍ، وفي المقابل استخدام الماركسيّون قدرات النسويّات لأهدافٍ ماركسيّة من جهةٍ أخرى.

إنَّ أهم هديّة قدّمتها الماركسيّة للنسويّة هي تحليل أسباب وضاعة المرأة، ومع استخدام النسويّات لآداب الماركسيّة وتعاليمها، قدّمنَ تحليلًا حول وضع المرأة في المجتمع والأسرة، وبيّن الجذور التاريخيّة لهذا الوضع، كما بيّن أساليب تحريرهنَّ، وعرضنَ صورةً للمجتمع المثالي الملائم لهنّ، وهو الأمر الذي لم يكن له إلى ذلك التاريخ سابقةٌ في تاريخ النسويّة؛ ولذا دخلت الحركة النسويّة بارتباطها مع النظريّة الاجتماعيّة السياسيّة الماركسيّة إطارَ التنظير واكتسبت طابع النظريّة.

إنّ الماركسيّة نظريّةٌ في الاقتصاد والاجتماع والسياسة، وقد اتّخذت شكلها في أواسط القرن التاسع عشر بناءً على القواعد الناقدة للنظام الليبرالي الرأسمالي السائد في الغرب، والكلمات المفتاحيّة لهذه النظريّة عبارة عن: الملكيّة الخاصّة، الرأسماليّة، الطبقيّة، الظلم، المجتمع الشيوعي.

اعتقد «ماركس» بأنّ النظام الرأسمالي القائم على أساس الملكيّة الخاصّة أدّى إلى تقسيم المجتمع إلى طبقتين: طبقة رأسماليّة، وطبقة عاملة، وحيث إنّ بقاء هذا النظام يعتمد على المزيد من

(93)

الأرباح، لذا فإنّ الطبقة الرأسماليّة تُحافظ على وجودها عبر التسلّط والاستغلال والظلم للطبقة العاملة؛ ولذا وفقًا لرأي «ماركس» يحتاج النظام الرأسمالي تقسيم المجتمع إلى طبقتين: ظالمة ومظلومة، وللحصول على مجتمعٍ خالٍ من الظلم فلا بدّ من النضال واستخدام كافّة القوى لإزالة الرأسماليّة وتشكيل مجتمعٍ شيوعيٍّ، وقد استعملت النسويّات كافّة النظريّات التي طرحها «ماركس» لتحليل وضع المجتمع بهدف تحليل وضع المرأة كما سنشرح لاحقًا.

كيفيّة وضع المرأة: ترى النسويّة الماركسيّة ـ كما النسويّة الليبراليّة ـ بأنّ المرأة تعيش في وضعٍ من عدم المساواة والتمييز.

أسباب تبعيّة المرأة: يُخالف هذا الاتّجاه النسويّ في رؤيته لمنشأ تبعيّة النساء تصوُّر العموم الذي يُرجع ذلك إلى خصائصهنَّ البيولوجيّة والطبيعيّة فيرون بأنّها لا تقبل التغيير، بل يرى هذا الاتّجاه بأنّه لهذه التبعيّة جذورًا في العوامل الاقتصاديّة؛ فإنّ تغيير أساليب الإنتاجيّة طوال التاريخ وظهور مبدأ المِلكيّة الذي يُحسب من امتيازات الرجل، أدّى إلى اعتماد المرأة إقتصاديّاً على الرجل وبالتالي أصبحت تابعةً له وانحطّ مقامها.

ومن ناحيةٍ أخرى، فمع الالتفات إلى الدور المهمّ الذي له علاقة بالنظريّة الماركسيّة، وهو أنّه يعتبر بأنّ جوهر الإنسان ليس العقل بل العمل، مع الالتفات إلى ذلك وُجد هذا التحليل: إنّ تقسيم مجالات الحياة إلى ساحةٍ خاصّةٍ وساحة عامّةٍ في النظام الرأسمالي، وتشجيع المرأة على إنجاز دورها في الساحة الخاصّة، ومن ثمّ تقسيم العمل

(94)

إلى إنتاجي وغير إنتاجي، وبالتالي اعتبار عمل المرأة المنزلي غير منتجٍ أيضًا، هي أيضًا من العوامل التي تدخل في النظام الرأسمالي، والتي تسببت بوضاعة مكانة أغلب النساء؛ وبناءً عليه فإنَّ أصل ظُلم المرأة هو النظام الرأسمالي، وليس الاختلاف في مصالح كلا الجنسين ولا أيّ شيءٍ آخر.

الأهداف والشعارات: إنّ شعار النسويّة الماركسيّة هو إزالة النظام الرأسمالي وتشكيل مجتمعٍ شيوعيٍّ وإلغاء مبدأ المِلكيّة، ومن هذا المنطلق لن يكون تحرير المرأة أمرًا مُمكنًا إلّا في مثل هذه الظروف وحسب.

الحلول المقترحة: إنّ النضال ضدّ الرأسماليّة لا يكون متاحًا إلّا من خلال الثورة العماليّة وائتلاف الجميع ضدّ الرأسماليّة، ومن الحلول الأخرى التي اتّبعتها النسويّة الماركسيّة أيضًا: دخول المرأة إلى ساحات العمل، والاقتصاد، والسياسة.[1]

وفي هذا الإطار اعتبر تحويل العمل المنزلي إلى عمل جماعي

(95)

أو عمومي ـ بمعنى إنشاء المراكز من أجل أداء الأعمال المنزليّة كالمطاعم ورياض الأطفال ـ ضمن الحلول التي طرحتها هذه النظريّة.[1]

الإنجازات: أتاحت الثورة البلشفيّة سنة 1917 م الفرصة للماركسيّين أن يُطبّقوا نواياهم في مسألة تحرير المرأة وأن يُدخلوها حيّز التنفيذ العملي، فمن إنجازات هذه الثورة: إنشاء الحضانات ورياض أطفال والمطاعم العامّة من أجل تمكين المرأة من المشاركة في السياسة والاقتصاد، بالإضافة إلى تسهيل الطلاق، وتمكين المرأة من الاجهاض.[2]

الشخصيّات والمُؤلّفات

ماركس[3]

رغم أنّ العديد من النسويّات استفدنَ من عقائد «ماركس» إلّا أنّه لم يكن له وجهةُ نظرٍ مستقلّةٍ فيما يتعلّق بوضاعة المرأة في النظام الرأسمالي، كان يعتقد بلزوم تجنيد جميع القوى بهدف إسقاط الرأسماليّة، وكان يرى بأنّ أي نضالٍ ضدّ الرأسماليّة يحصل من داخلها، فهو يُعد اعترافًا رسميّاً بأصل النظام وإتلافًا لطاقة النضال، فمن وجهة نظره لا يُمثّل تحرير المرأة والمساواة بين الجنسين إلّا

(96)

نتيجةً عرضيّة لتشكيل مجتمعٍ شيوعيٍّ؛ ولذا ينبغي النضال فقط من أجل تشكيل هذا المجتمع، لا من أجل شيءٍ آخر.

اعترف ماركس بشكلٍ رسميٍّ بالزواج وبالأسرة وبالأدوار التقليديّة للنساء، ولم تكن العلاقات بين الجنسين من همومه، فالمشكلة الوحيدة التي اهتمّ بها ماركس هي أنّ الرأسماليّين وظفنَ النساء والأطفال بهدف خفض أجور الرجال؛ وبذلك أصبح كلا الجنسين خاضعان لظلم الرأسماليّين.[1]

لقد قبلت النسويّات بتحليل ماركس للمجتمعات الماركسيّة رغم قلّة اهتمامه أو حتّى عدم اهتمامه بقضايا المرأة الخاصّة، بل بقي العديد منهنَّ وفيّاتٍ للماركسيّة لعهدٍ طويلٍ.

إنجلز[2]

اهتم «إنجلز» بقضايا النساء أكثر إذا ما قارنّاه بماركس، ولذلك كانت نظريّاته حول الأسرة محطّ اهتمامٍ من قبل النسويّات، وشكّلت نقطة انطلاقٍ في التنظير للنسويّة الماركسيّة[3]، وقد طرح في كتابه أصل العائلة والمِلكيّة والدولة[4] (1884 م) تحليلًا يتعلّق بجذور تبعيّة المرأة في المجتمعات الرأسماليّة.

(97)

ووفقًا لـ «إنجلز» الأسرة هي نواةٌ لمؤسّسة تمّ إنشاؤها في النظام الرأسمالي لصالح الرجال فقط، أمّا قبل النظام العائلي فكان الناس يعيشون معًا بطريقةٍ مشتركةٍ ضمن مجموعاتٍ وقبائل: «جميع النساء لجميع الرجال، والعكس»، ومع تغيير أساليب الإنتاج والنظام الاقتصادي وتشكل مبدأ المِلكيّة، فمن أجل الحفاظ على مُمتلكاتهم ونقلها إلى ورثتهم الحقيقيّين شكّل الرجال مؤسّسة الأُسرة لينقلوا من خلالها الممتلكات والرئاسة والسلطة التي بيد الرجل، وطبّقوا نظام الزوجة الواحدة لترتبط المرأة برجلٍ واحدٍ وتكون في خدمته، فسَرَت وضاعة المرأة وتبعيّتها من الأسرة إلى المجتمع بالتدريج، وجلبتَ لنا عدم مساواة المرأة للرجل في عصرنا الحاضر.[1]

3. ميشيل باريت[2]

لقد طرحت «مشيل» في كتابها اضطهاد المرأة اليوم[3] التحليل الماركسي لوضع المرأة، وأمّا وجه اختلافها مع باقي النسويّات الماركسيّات فما يلي: أوّلًا: التركيز على الظلم القائم على الجنس، وعلى الظلم الطبقي، فكانت تعتقد بأنّ الرجال حتّى أولئك الذين هم من طبقة العمال يتمتّعون بميزاتٍ ويُمارسون السلطة على النساء؛ ولذا لا بدّ مِن تطوير وتعديل النظريّة الماركسيّة بحيث تدخل العلاقات بين الجنسين ضمن تحليلاتها.

(98)

ثانيًا: رغم أن تشكيل الأسرة وأيديولوجيّة اعتبار الأدوار الزوجيّة والأمومة أمرًا طبيعيّاً، يعودان إلى النظريّات السابقة على الرأسماليّة، ولكنّها انتشرت وترسّخت في النظام الرأسمالي بسبب تناسبها مع الوضع الجديد وبسبب المنفعة الكبيرة التي تعود منهما على الرأسماليّة، ولذلك ينبغي عند القيام بتحليل وضع المرأة أن يتمّ التعرّض للأقوال الاقتصاديّة والأيديولوجيّة بصحبة بعضها البعض.[1]

الانتقادات

إنّ أشهر اعتراض يرد على النسويّة الماركسيّة، هو عدم اهتمام ماركس بقضايا المرأة بشكلٍ كافٍ، وتهميشه لهذا الأمر، ووضعه لقضايا المرأة في المرتبة الثانية، وإنكاره لمشاكل المرأة والصعوبات التي تواجهها بسبب جنسها والتي تعاني منها بسبب الرجال، وأشهر الاعتراضات التي أوردوها على النسويّة الماركسيّة، هو عدم اهتمام ماركس بقضايا المرأة بشكلٍ كافٍ، وتهميشه لقضايا المرأة وجعلها في المرتبة الثانية، وإنكاره لمشاكل المرأة والصعوبات التي تواجهها بسبب جنسها والتي تعاني منها بسبب الرجال.

تعتقد «أليسون جاغر» بأنّ تركيز الماركسيّة على الطبقات باعتبارها أهمّ عامل للانقسام الاجتماعي، أدّى إلى السماح للعوامل

(99)

الخاصّة التي أدّت إلى قمع النساء أن تبقى في الظلّ، ومن ناحيةٍ أخرى قيّمت الماركسيّة النشاط الإنجابي للنساء على أنّه غير منتجٍ بسبب اعتقادها بأنّ العمل البشري يُساوي العمل الإنتاجي، وبالتالي اعتبرت الإنجاب أمرًا حيوانيّاً.

تعتبر «جاغر» أن العمى الجنسي[1] الظاهري في الماركسيّة هو في الواقع نوعٌ من الانحياز الجنسيّ وقد أدّى إلى منح المشروعيّة للاستمرار باضطهاد المرأة من خلال إبهامه في بيان الواقع الاجتماعي؛ ولذا تعتبر الماركسيّة أيديولوجيّةً أخرى تسعى إلى هيمنة الجنس الذكر.[2]

والإشكال الأساسي الذي يرد على النظريّة النسويّة الماركسيّة وفقًا لـ «أبوت» و«والاس»[3] أنّها لا تتعرّض بشكلٍ كافٍ لأساليب الرجل في قمع المرأة، ولا إلى المنفعة العائدة للرجل من العمل المنزلي الذي تُؤدّيه المرأة مجانًا، أمّا الأمر الآخر فهو أنّ النسويّة الماركسيّة لمّا أرجعت جميع مشاكل المرأة إلى النظام الرأسمالي، غفلت عن الجوانب المختلفة للظلم الواقع على المرأة في المجتمعات الرأسماليّة، كما غفلت عن واقع المرأة في المجتمعات غير الرأسماليّة وعن واقع النساء السود أو نساء العالم الثالث.

وتعتبر «أبوت» و«والاس» النسويّة الماركسيّة نظريّةً انتزاعيّةً إلى

(100)

درجةٍ أنّها لا تعتني بتجربة النساء اليوميّة في علاقاتهنّ بالرجال.[1]

وتعتقد «سوزان مندوس» بأنَّه على النسويّات الماركسيّات توضيح هذه النقطة بصراحةٍ وهي أنّه لماذا لا تقتصر الفائدة من قمع الرجل للمرأة على الرأسماليّين منهم فقط بل تشمل جميع الرجال بشكلٍ عامٍّ؛ وإلّا فإنّ هذا السؤال يُضرّ بقدرة النسويّات الماركسيات على إرجاع جميع الاستثمارات إلى الاستثمار الطبقي؛ وبتعبير «مندوس»: لم تُحدّد الماركسيّة تكليف المرأة بالنسبة للعمل المنزلي؛ فهل يجب اعتبار العمل المنزلي أمرًا خاصّاً، فيُقسّم بالتساوي بين المرأة والرجل؟ أم أنّ عمل المرأة المنزلي وكذلك النشاط التكاثري ـ باعتباره توليداً للقوى العاملة ـ يعتبران عملين منتجين ينبغي أن تحصل المرأة في مقابله على أجرٍ؟[2]

هناك إشكالٌ آخر على التحليل التاريخي للماركسيّة فيما يتعلّق باضطهاد المرأة، وهو أنّ النساء لم يكنَّ على تساوٍ تامٍّ مع الرجال حتّى في المجتمعات السابقة على الطبقيّة وذلك رغم مشاركتهنَّ في الاقتصاد، بل كان هناك نوعٌ من التقسيم الطبيعي للأعمال بحيث ينشغل الرجال في إنتاج مستلزمات العمل وتأمين العيش بينما تنشغل النساء بالأعمال المنزليّة.[3]

(101)

ونفس هذا الأمر ـ أي مخالفة الوقائع التاريخيّة ونقص الأدلّة اللازمة ـ هو الذي أدّى إلى معارضة الأنثروبولوجيّين لمزاعم «إنجلز» في كتابه أصل العائلة والمِلكيّة الخاصّة والدولة.[1]

النسويّة الراديكاليّة

لقد ثار هذا التيار بتأثيرٍ من التغييرات الثوريّة الراديكاليّة في ستّينات القرن العشرين في أمريكا وانبثق من داخل الحركة الطلابيّة واليسار الجديد والحقوق المدنيّة و...، وأغلب مؤيّديه من الفتيات والنساء البيض من الطبقة المتوسّطة الأمريكيّة، وأغلبهنَّ مِمّن حصلن على تعليمٍ جامعيٍّ؛ ولهذا السبب وبسبب انتقادات هذه الفئة للتيّارات السابقة، اعتبرت النسويّة الراديكاليّة أحيانًا حركةً نخبويّةً أمريكيّةً اتّخذت موقفًا مضادّاً للنسويّة الأوروبيّة.[2]

لقد وقعت النسويّة الراديكاليّة ـ كما سيتمّ توضيحه لاحقًا ـ تحت تأثير الماركسيّة بنحوٍ شديدٍ، وهي تنتقدها في الوقت عينه، وأمّا السعي لطرح نظريّةٍ فيعتبر أهم شاخصٍ لهذا التيار، وعلى الرغم من أن بعض نظريّاتها المتطرفة والراديكاليّة كانت حاجزًا أمام إقبال العامّة على هذا التيّار النسويّ، ولكنّ الصراحة والشفافيّة في

(102)

إبداء هذه المعتقدات صنعت من النسويّة الراديكاليّة حركةً صغيرةً ولكن مشهورةً.[1]

أمّا المسألة الأخرى المهمّة، فهي الآراء المختلفة تمامًا والمتضادّة أحيانًا، ووجود بعض المُنظّرِين الذين رغم أنّهم يُعتبرون راديكاليّين إلّا أنّهم يختلفون في وجهات النظر في القضايا الأساسيّة، وربما بسبب اتّساع نطاق التنظير ولوجود هذه الاختلافات في وجهات النظر، نجد أنّ «ريتزر» اعتبر النسويّة الراديكاليّة أوسع أنواع النسويّة.[2]

وضع المرأة

من وجهة نظر النسويّات الراديكاليّات تقبع النساء تحت الظلم، واستعمال كلمة الظلم هو نوع من الاقتراض من الماركسيّة التي قسّمت المجتمع إلى فئتين: الظالم (الرأسمالي) والمظلوم (العامل)؛ وقد اعتقدت النسويّات الراديكاليّات خلافًا للماركسيّة بأنّ النوع الأساسي من التقسيم هو التقسيم الاجتماعي لا التقسيم إلى طبقتين (طبقة عاملة وطبقة رأسماليّة)، بل التقسيم على أساس الجنس، فالتقسيم على أساس الجنس هو أعمق التصنيفات الاجتماعيّة، وكنموذجٍ يُعدّ هذا التقسيم أساسيّاً أكثر من التقسيم طبقًا للقوميّة أو الطبقة أو العرق، وعليه تمّ تقسيم المجتمع إلى طبقة النساء وطبقة

(103)

الرجال، وأمّا ظلم طبقة النساء فلا يحدث إلّا بسبب جنسهنَّ ولمجرّد كونهنَّ نساءً، والظلم بناءً للجنس (ظلم النساء) هو أكثر أشكال الظلم وأكثرها فظاعةً، وتقع بقيّة أشكال الظلم (الاستغلال الطبقي أو العرقي، أو...) في الدرجة الثانية من حيث الأهميّة[1]، ومظلوميّة المرأة هو نوعٌ مختلفٌ وأعمق من بقيّة أشكال المظلوميّة.[2]

ويرى الراديكاليّون بأنّ ظلم النساء موجودٌ في كلّ المجتمعات؛ مِن أقدم المجتمعات التاريخيّة إلى كافة المجتمعات في زماننا الحاضر بما هو أعمّ من المجتمعات المتطوّرة أو العالم الثالث أو أمثاله، ويسري هذا الظلم داخل هذه المجتمعات وفي كلّ المؤسّسات والأنظمة أيضًا بما يشمل المؤسّسات الثقافيّة والسياسيّة والاقتصاديّة، وبالخصوص في مؤسّسة الأسرة وفي أصغر العلاقات الشخصيّة.

علّة تبعية النساء

لماذا النساء مضطهدات وعلى أيّ صعيدٍ؟ يعتقد الراديكاليّون بأنَّ وضع المرأة السيّء يعود إلى النظام السلطويّ والشموليّ

(104)

العالميّ الذي يُعرف باسم «النظام الأبويّ»[1] الذي تقع النساء فيه تحت سلطة الرجال، والسيطرة على النساء عمليّةٌ تبدأ من الأسرة وتسري إلى المجتمع، ويسعى الرجال دائمًا ـ بسبب قدرتهم البدنيّة الأقوى وبسبب المنافع التي يُحصلّونها من الهيمنة على النساء ـ إلى إبقاء هذا النظام واستمراره.

(105)

من وجهة نظر الراديكاليّين، يستفيد كلّ فردٍ من الرجال من السيطرة على النساء، الدراسات التي أُجريت في السبعينات من القرن العشرين الحاكية عن الظلم والقسوة أشارت إلى تشاؤم الراديكاليّين تجاه الرجال بسبب ما تحمّلته النساء طوال حياتهنَّ بسبب قوّة الرجال البدنيّة؛ بحيث اعتبرت الرجال سببًا وعلّةً لمظلوميّة النساء وعرّفتهم على أنّهم العدو الأساسي للنساء[1]؛ ولذا نُشاهد في النسويّة الراديكاليّة تناقضًا وعداءً بين الجنسين من خلال عنونتهما بالطبقة الظالمة (الرجال) والطبقة المظلومة (النساء).[2]

وعلى الرغم من أنَّ أغلب الراديكاليّين يعتبرون «النظام الأبوي» علّةً للظلم الواقع على النساء، إلّا أنّنا مع ذلك نرى وجهات نظرٍ أخرى؛ فعلى سبيل المثال: يعتقد «شولاميت فايرستون» بما يلي: ليست علّة الظلم هم الرجال، بل هي السمات البيولوجيّة لجسم المرأة التي

(106)

جعلت مسؤوليّة الإنجاب تقع على عاتقها، بينما ترى «كيت ميلت» خلافًا لـ «فايرستون» بأنّ اضطهاد النساء يعود إلى البنية الجنسيّة وكونهنَّ أناث أكثر ممّا يعود إلى الاختلافات البيولوجيّة، وسوف نتعرّف أكثر على آراء هؤلاء الأفراد في قسم الشخصيّات والمؤلّفات.

التعاليم

من ضمن النظريّات المختلفة التي طُرحت من قبل النسويّات الردايكاليّات، يمكن الإشارة بنحوٍ كليٍّ إلى إتجاهين مختلفين، وأصل الفرق في وجهات النظر يعود إلى اختلاف نظرة الراديكاليّات تجاه مسألة الفرق بين المرأة والرجل.

تعتقد الراديكاليّات البدائيات بأنّ الماهية الحقيقيّة لكلا الجنسين متساويةٌ وواحدةٌ، وبأنّ طبيعة البشر في الأصل (وفي الواقع) مكوّنةٌ من دمجٍ للصفات النسائيّة والذكوريّة وبتعبيرٍ آخر: مكوّنةٌ من الجنسين، وهؤلاء الراديكاليّات تعتبرن بأنّ الفرق الموجود ـ وبالنتيجة تبعيّة النساء ـ ناشيءٌ من التأثير الثقافي للذكر، وبالتالي فهم يعتبرونه أمرًا صناعيّاً، ويعتقدون بأنّه إذا ما أزيل النظام الأبوي فسوف يُستأصل الفرق بين الجنسين.

ولكن الجيل اللاحق من النسويّات الراديكاليّات رفضن هذا التحليل وقبلوا بنوعٍ من المذهب الذاتي، حيث الفروقات بين الجنسين هي أمرٌ طبيعيٌّ وذاتيٌّ؛ ولذا فهو غير قابلٍ للتغيير، أمّا الصفات الأصليّة للنساء (لا تلك الصفات التي حُقنت بها النساء

(107)

في النظام الأبوي) فهي صفاتٌ قيّمةٌ وثمينةٌ؛ ولذا ينبغي نشرها في المجتمع؛ وفي المقابل الرجال هم في طبيعتهم قاسيين وفاسدين ومحاربين ويسعون للسلطة، وهذه القسوة والسعي للسلطة من الأمور الذاتيّة بالنسبة للرجال، وهي سبب تبعيّة النساء؛ ولذا الرجل هو العدوّ الأساس، والنظام الأبوي هو نظامٌ فاسدٌ ينبغي زواله.[1]

الأهداف والشعارات

إنَّ الهدف العام للنسويّة الراديكاليّة هو هزم النظام الأبوي، ورغم أنّ النسويّات الراديكاليّات متّفقاتٌ على هذا الهدف، ولكنّهم مختلفين في الرأي فيما يتعلّق بهذه المسألة بناءً على الاتّجاهيين المختلفَيْن الآنفي الذكر؛ فما هو النظام الذي ينبغي اتّباعه بدلًا من النظام الأبوي؟ وكيف يكون المجتمع المثالي؟

إنّ الراديكاليّات البدائيّات اللاتي كنَّ يعتقدنَ بأنَّ الطبقيّة الجنسيّة والأدوار الناجمة عن اختلاف الجنس عبارةٌ عن أمرٍ مختلقٍ وسبيلٍ لجعل النساء منقاداتٍ للرجال، يعتبرن[2] بأنّ الحلّ يكمن في محو الطبقيّة الجنسيّة، وتطبيق وضع الثنائيّة الجنسيّة[3] (الزنمردة)[4]،

(108)

والمجتمع الثنائي الجنس، وهذا المجتمع يُمثّل شعارًا بالنسبة إلى المجتمع الراديكالي البدائي، ويتمتّع أفراده بخواصّ الذكورة والأنوثة المختلطة ببعضها البعض بحيث لا نرى أيّ فصلٍ في الأدوار أو تمييزٍ سلوكيٍّ ناجمٍ عن الجنس.[1]

أمّا النسويّات الذاتيّات فقد رفضن شعار الثنائيّة الجنسيّة لأسبابٍ من قبيل: الركود ونقص الكفاءة السياسيّة والغموض[2]، وفي المقابل اعتبرنَ بأنّ المجتمع الذي يُحقّق شعارهنَّ هو المجتمع الذي يتمتّع بالخواصّ الأنثويّة الأصيلة والواقعيّة، وهذه الفئة التي

(109)

تعتقد بتفوّق الخصائص الأنثويّة، تعتقد بأنّه على الرغم من أنّه تمّ إضعاف الخصائص والقوى الإنسانيّة القيّمة التي للمرأة عبر وضعها تحت ظل النظام الأبوي، إلّا أنّها لم تُعدم، فالنساء لم ينحدرنَ إلى المستوى الأخلاقي والمعنوي للرجال؛ ولذا ينبغي أن يكامِلنَ كافّة قواهنَّ الإنسانيّة من خلال التخلّص من براثن النظام الأبوي الفاسد الظالم، وعليهنَّ أن ينشرنَ تلك القوى في كافّة المجتمع؛ ولذا فإنّ شعار «المستقبل سوف يكون مؤنّثًا»[1] هو أحد الشعارات الأساسيّة للنسويّة الراديكاليّة.[2]

الحلول المقترحة:

إنّ الحلول التي تقترحها الراديكاليّات لهزم النظام الأبوي وإيجاد المجتمع المتوقّع، عبارةٌ عن ما يلي:

1. زيادة الوعي:

حيث إنّ تسلّط الرجال على الثقافة كان سببًا في إمّا أن لا تُدرك النساء ما حصل من الظلم ولا ممارسة الرجال للقوّة، وإمّا أن يعتبرنَ ذلك أمرًا ثقافيّاً طبيعيّاً، ولذا ينبغي زيادة وعي النساء حول قيمتهنَّ ومنزلتهنَّ والأبعاد الخفيّة لظلم الرجال للنساء، ووفقًا لقول «ريتزر»: «تعتقد النسويّات الراديكاليّات: في هذا النضال، ينبغي أوّل إصلاح أذهان النساء بحيث تحدّد كلّ امرأةٍ قيمتها وقدراتها؛ وتُخرج

(110)

ضغوطات النظام الأبوي من ذهنها حتّى لا تنظر إلى نفسها على أنّها ضعيفةٌ وغير مستقلةٍ ومعتمدةٌ وتأتي دائمًا في الدرجة الثانية».[1]

2. الانفصال:[2]

إذا كان النساء طبقةً واحدةً، فإذن ينبغي عليهنَّ أن يتّحدنَ كطبقةٍ ضمن منظّمةٍ واحدةٍ لمحاربة عوامل القمع.[3] ولن يجري تكامل ونمو النساء إلّا من خلال الابتعاد عن مؤسّسات الرجال وتأسيس منظّماتٍ ومؤسّساتٍ منفصلةً خاصّةٍ بالنساء، وذلك حتّى تتمكّن النساء من الابتعاد قدر الإمكان عن ثقافة النظام الأبوي المتسلّطة والابتعاد عن تسلّط الرجال.[4]

ومن المعلوم أنّ أسلوب الانفصال أكثر ما يُتّبع، فهو من قبل الراديكاليّات الذاتيّات اللواتي يعتقدنَ بعدواة الرجال الذاتيّة.

3. الأختية:[5]

في ظلّ سياسة الانفصال، اتّخذ مفهوم الراديكاليّة الأختيّة شكلًا عالميّاً، فإذا كان من المفترض أن تنفصل النساء عن الرجال، فيجب

(111)

إذن أن يفقد الرجال دورهم الاحتكاريّ في حياة النساء والسبيل إلى ذلك هو الاتحاد الحقيقي بين النساء، والأختيّة المبنيّة على تشابه نساء العالم في مسألة انحطاط المرأة الناجم عن النظام الأبوي، تعني تضامن الإناث واحترام المرأة من جهة كونها امرأة، ودعم النساء من قبل جميع النساء.[1]

4. السحاقيّة[2] (المثليّة الجنسيّة):

تعني السحاقيّة في النسويّة الراديكاليّة سريان سياسة الانفصال إلى المجال الخاصّ، حيث تعتقد الراديكاليّات بأن النظام الأبوي هو الحاكم في كلّ مجالات الحياة ومن بينها المجال الخاصّ والعلاقات الشخصيّة بين المرأة والرجل، وجميع العلاقات بين الجنسين هي علاقاتُ سلطةٍ وعلاقاتٌ سياسيّة، وعلى النساء الابتعاد عن الرجال في المجال الخاصّ أيضًا، وهذا الرأي يعتبر الزواج بين مختلفي الجنس من ابتكار النظام الأبوي وهو يُشجّع النساء على العلاقات الجنسيّة السحاقيّة (المثليّة الجنسيّة)، والجدير بالذكر هو أنّ السحاقيّة هنا لا تُمثّل تفضيلًا جنسيّاً وحسب، بل تشمل أيضًا باقي أنواع الدعم من السياسي والعملي والعاطفي، و...، وهي تعني إيجاد علاقةٍ شاملةٍ بين النساء من أجل الوصول إلى الهويّة النسائيّة بالنحو الأتمّ.[3]

(112)

وترى المُنظِّرات الراديكاليّات أمثال «شارلوت بانش» و«تي ـ جريس أتكينسون» و«أدريان ريتش» ما يلي: تُعتبر السحاقيّة تفضيلًا جنسيّاً وخيارًا سياسيّاً أيضًا؛ لأنّها ترفض التعاريف الذكوريّة لحياة النساء، وبذلك تكوّن شعارٌ آخر من شعارات النسويّة الراديكاليّة: «النسويّة هي النظريّة، والسحاقيّة هي التطبيق».[1]

الشخصيّات والمُؤلَّفات

1.شولاميث فاريستون[2]

إنّ كتاب جدليّة الجنس[3] (1971 م) هو أحد مؤلّفات فايرستون، وهو يعتبر أحد أوائل البيانات المهمّة والممنهجة للراديكاليّة النسويّة[4]، وكانت قد قدمت كتابتها هذا لـ «سيمون دي بوفوار»، وقد عرضت فيه تحليلًا جديدًا وبالطبع راديكاليّاً من خلال إجراء تغييراتٍ في الأدبيّات الماركسيّة (فجعلت هناك طبقة بيولوجيّة وجنسيّة بدلًا من طبقة اقتصاديّة، وثورة بيولوجيّة بدلًا من ثورة اقتصاديّة وجدليّة جنس و...)[5].

وبحسب تعبيرها: كانت النساء إلى ما قبل إيجاد وسائل تحديد

(113)

النسل تحت سيطرة وضعها البيولوجي على مدى التاريخ، فخاصيّة الإنجاب التي لدى المرأة وحاجة المولود البشري لرعايةٍ طويلة المدى، جعلت النساء مرتبطاتٍ بالرجال، فانجرّ ذلك إلى أوّل تقسيمٍ للمهام (تفرقةٍ مُبتنيةٍ على الخصائص البيولوجيّة)[1]، وبالتالي رغم أنّ المؤسّسات الاجتماعيّة لعبت دورًا في تبعيّة النساء، ولكنّ أصل هذا الوضع يعود إلى بيولوجيّة النساء، ومع أخذ التطوّر التكنولوجي بعين الاعتبار ومنها الأساليب الموثوقة لمنع الحمل وإمكانية الحمل خارج الرحم (الحمل في حاضنات) وإنشاء أطفال المختبرات، وتربية الأبناء خارج الأسرة، توفّرت كل هذه الإمكانات لتحرير المرأة من كلّ قيدٍ أو حدٍّ بيولوجيٍّ[2]، وبهذا الأسلوب سوف تزول الأسرة باعتبارها وِحدةً لتوليد المثل وللاقتصاد، وسيزهر مجتمعٌ مُتحرّرٌ من الأدوار المبنيّة على أساس الجنس.[3]

تعتقد «فايرستون» بما يلي: الماهيّة الحقيقيّة للجنسين الرجل والمرأة متساويةٌ وواحدةٌ، وطبيعة البشر ثنائيّة الجنس أساسًا؛ ولذا ستقلّ الفروقات الجنسيّة بالتدريج وتختفي تمامًا[4] من خلال

(114)

التحكّم بوسائل توليد المثل بواسطة النساء وتكوين الأسرة والأدوار الجنسيّة.

2. كيت ميليت[1]

إنّ كتاب «ميليت» السياسة الجنسيّة[2] (1970 م) هو أوّل نصٍّ يُوضح مفهوم النظام الأبويّ، وهي ترى بأنَّ أيديولوجيّة النظام الأبوي هي السبب وراء ترويج وتضخيم الفروقات بين المرأة والرجل والتسليم بالدور المُهيمن للرجال والدور التابع للنساء.

وقد أدّى عرض الفروقات والأدوار التي بين الجنسين على أنّها أمرٌ طبيعيٌّ وثقافيٌّ من قبل المؤسّسات الثقافيّة والدينيّة التي في النظام الأبوي وخصوصًا الأسرة، إلى اقتناع النساء داخليّاً بهذه المسائل.[3]

ترى «ميليت» خلافًا لـ «فايرستون» بأنّ جذور النظام الأبوي تعود إلى التربية الاجتماعيّة وكون البنية الجنسيّة أنثويّة، وهي تعتقد بأنّه: مع الثورة الجنسيّة ـ بمعنى إنهاء الزواج من زوجٍ واحدٍ والأمومة وتربية الأطفال خارج نطاق الأسرة ـ ستزول بالتدريج الأدوار والفروقات الجنسيّة الاصطناعيّة، وهي تعتبر كـ«فايرستون» بأنّ طبيعة الإنسان ثنائيّة الجنس من الأساس أمّا

(115)

الفروقات فهي أمرٌ اصطناعي، وترى بأنّ المجتمع الزنمردي هو المجتمع المثالي.[1]

3. آن أوكلي[2]

الأسرة وتقسيم المهام حسب الجنس كالأمومة، هي مواضيع تناولتها «أوكلي» عالمة الاجتماع البريطانيّة في عدّة كتبٍ لها تحت عنوان الجنس، الهويّة، المجتمع (1972 م) النساء تحت السلطة (1982م).[3]

ومن وجهة نظر «أوكلي»: لقد أكّد علماء الاجتماع وعلماء النفس ـ من خلال تحديد الجذور البيولوجيّة لتقسيم المهام حسب الجنس واعتباره عالميّاً ـ على النتائج الإيجابيّة لهذا النوع من تقسيم العمل، وعرضوا مسؤوليّة تربية الطفل على أنّها مليئة بالمسؤوليّة وخطيرة وصعبة من جهةٍ، وأصرّوا على حاجة الطفل الملحّة للأمهات لا الآباء من جهةٍ أخرى، فكان كلّ ذلك سببًا في تأصيل أسطورتي تقسيم المهام حسب الجنس والأمومة.[4]

(116)

ووفقًا لـ «أوكلي»: الأسرة هي النواة للقالب الثقافي الذي يعتبره الرجال جزءً من ممتلكاتهم؛ وتأكّد «أوكلي» على أنّ هذه القاعدة ـ أي أنّ البيوت والأمهات لرعاية الأطفال أفضل من المؤسّسات ـ عاريةٌ عن الصحّة، وفي الحقيقة يسعى الرجال لأن يربطوا المرأة بالطفل تحت ستار أهميّة الأمومة.[1]

4. ماري دالي[2]

طرحت هذه الفيلسوفة الراديكاليّة نظريّاتها حول المرأة في كتبها تحت عناوين من قبيل: الكنسية والجنس الآخر  (1968 م) وما وراء الإله الأب (1973 م) والمرأة/ علم البيئة (1978 م) والشهوة الصافية: الفلسفة الأساسيّة للنسويّة (1984 م) والشرّ الأوّل بين المجرّات الجديدة للغة الإنجليزيّة من ويبستر (1987)[3].

تُعتبر دالي من النسويّات الراديكاليّات اللواتي يعتبرنّ الشرّ والقسوة الذاتيين في الرجال سببًا وعلّةً لمظلوميّة النساء، ومن خلال تقديمها تقريرًا حول رسمة «ساتي» (حرق امرأةٍ وبجانبها جثّةُ زوجها) في الهند، وتقييد قدَمي فتاةٍ في الصين، وختان الفتيات في بعض الدول الأفريقيّة، ومطاردة الساحرات في أوروبا، وأساليب علاج أمراض النساء في أمريكا، تعتبر «دالي»

(117)

كافّة هذه النماذج نماذجَ لقسوة الرجال بهدف السيطرة والتحكّم بالنساء.[1]

ومن وجهة نظرها: بالإضافة إلى أنّ الرجال يؤذون النساء بدنيّاً بهذه الأساليب، هم يضرّون بهن ذهنيّاً أيضًا؛ ولذلك طالما أن النساء باقيات في النظام الأبوي، فلن يقتصر الأمر على أنّهنّ لن يتمكّنّ من التقدّم، بل لن يكون بإمكانهنَّ الاستمرار بالحياة حتى.[2]

الانتقادات

كما أشرنا في بداية بحث النسويّة، لقد منعت التعاليم المُتطرّفة لهذا الاتّجاه التي من قبيل: ضرورة انهيار الأسرة والأمومة، والعداوة بين الجنسين، وضرورة الانفصال بينهما وإنشاء العلاقات المثليّة، من الإقبال العامّ على هذا الاتّجاه، وسبّبت انتقاداتٍ شديدةٍ له وهو ما سنتعرّض له في تتمّة البحث:

1. الرجال رجالٌ والنساء نساءٌ[3]:

«تشير الذاتيّة إلى هذا الاعتقاد، وهو أنّ الرجال رجالٌ والنساء نساءٌ ولا سبيل لتغيير طبيعتهم، وقد جعلهم اعتقادهم هذا يصلون

(118)

إلى طريقٍ تحليليٍّ مسدودٍ، وأوقعهم في خطرٍ سياسيٍّ أيضًا».[1]

2. الاختزال:[2]

إنّ أحد أهم إشكالات باقي النسويّات على هذا الاتّجاه هو تركيزهم الشديد على النظام الأبويّ باعتباره العامل الوحيد لقمع النساء وتجاهل باقي العوامل.

فمن وجهة نظر «ريتزر» أدّى هذا الإصرار المفرط إلى تبسيط الواقع الاجتماعي، وقد أصبح الفهم غير الواقعي من عوامل تحسين وضع المرأة.[3]

وكذلك وضع الناقدين الجوانب المختلفة من عمومية النظام الأبوي موضع تساؤل من خلال طرح شواهد تاريخيّة، ويعتقدون: أن يكون جميع الرجال ظالمين وجميع النساء ضحايا، وأن النساء مظلومات بنفس الطريقة، وأن النظام الأبوي موجود في كلّ الشعوب والأمم أمرًا بعيداً عن الواقع.[4]

وقد اتّهم «أبوتو» و«والاس» النسويّات الراديكاليّات بعدم

(119)

الالتفات الكافي إلى الأشكال المتنوّعة من العلاقات للنظام الأبوي في المجتمعات المختلفة، وكذلك التقليل من الفروقات بين خبرات نساء الطبقات الاجتماعيّة المتنوّعة؛ وعلاوة على ذلك اعتبرا بأنّ التفسيرات البيولوجيّة للراديكاليّة النسويّة اختزاليّة.[1]

3. الحرب مع العائلة والأمومة:

واجهت فكرة «فايرستون» بتفعيل التكنولوجيا بهدف إلغاء الأمومة انتقاداتٍ شديدةٍ، وقد حذرت بعض النسويّات النساء من تبعات هذا الأمر قائلاتٍ: في هذه الحالة ستتخلّى النساء من جهةٍ عمّا تتمتّع به المرأة من القابليّة ـ التي لا يملكها الرجل ـ دون أن تحصل على شيء بالمقابل، ومن جهةٍ أخرى ستخسر النساء وجود أطفالهنّ الذين يُمثلون استثمارًا ورأسمالٍ لأمهاتهم.[2]

وقد دافعت «جين بيثك إلشتين»[3] عن الحياة الخاصّة في كتابها المرأة عموميّة، والرجل خصوصي، فاعتبرت الأمومة نشاطًا معقّدًا ثريّاً ومتعدّد الإجراءات وغنيّاً بالعمل الجاد، وجالبًا للسعادة.[4]

(120)

4. رفض الانفصال:

جُعلت العداوة بين الجنسين وابتعاد النساء عن الرجال محطّ هجومٍ من قبل المنتقدين، حيث تؤكّد «أليسون جاغر» على ما يلي: رغم أنّ تأسيس مؤسّساتٍ وأماكن نسائيّة قد يكون مفيدًا إلى حدٍّ ما، غير أنّ أفضل أسلوب لتحرير النساء هو التعاون بين الجنسين في علاقاتٍ تخلو من الظلم.[1]

وتعتقد النسويّات الاشتراكيّات كذلك ـ اللائي سنبحث عنهنَّ في القسم اللاحق ـ بما يلي: حتّى لو حصل وخرجت هذه الاستراتيجيّة التي تعجب الراديكاليّات إلى الوجود، لكنّ ستبقى عدم المساواة في البنية الذاتيّة للرأسماليّة على حالها.[2]

النسويّة الاشتراكيّة

كانت السنوات الأخيرة لستّينات القرن العشرين وبداية سبعينات القرن العشرين شاهدًا على ظهور نسخةٍ جديدةٍ من النسويّة، فالنسويّة الاشتراكيّة اتّجاهٌ يسعى إلى دمج التعاليم النسويّة الموجودة وخصوصًا التعاليم الراديكاليّة والماركسيّة، وقد سعى هذا الاتّجاه إلى طرح تحليلٍ يعالج كافّة جوانب قضايا النساء بالاستعانة بالتحاليل المطروحة لهذين الاتّجاهين مع تجنّب الإشكالات التي الاتّجاهين.

(121)

في الحقيقة النسويّة الاشتراكيّة تبتني على انتقاد هذه المجموعة من النسويّات للعمى الجنسى الماركسي، وللنظر في قضايا النساء كمرتبة ثانية وعدم الاهتمام بالظلم الواقع على النساء من طرف الرجال داخل الأسرة من قبل النسويّة الماركسيّة من ناحيةٍ، وتجاهل تأثير المسائل الاقتصاديّة والنظام الرأسمالي في قمع النساء، وجعل التحليل منحصرًا بعلّةٍ واحدةٍ وإحالة جميع قضايا النساء إلى النظام الأبوي من قبل النسويّة الراديكاليّة من ناحيةٍ أخرى.

وضع النساء:

تُقيّم النسويّات الاشتراكيّات وضع النساء بأنّهن مظلومات، وذلك تبعًا للنسويّات الماركسيّات والراديكاليّات.

علّة مظلومية النساء:

من وجهة نظر النسويّة الاشتراكيّة يتكوّن النظام الثنائي الطرف[1] من عناصر اقتصاديّة (رأسماليّة) وجنسيّة (النظام الأبوي) والذي يُعرف بالنظام الرأسمالي الأبوي، وهو يعتبر أساسًا وعلّةً لقمع النساء.

(122)

ووفقًا للنسويّات الاشتراكيّات: يُمثّل النظام الأبوي مقولةً عابرةً للتاريخ وللعالم؛ أي أنّ الرجال يتسلّطون على النساء في جميع المجتمعات، غير أنّ النظام الأبوي يتّخذ لنفسه شكلًا خاصّاً في المجتمعات الرأسماليّة؛ ولهذا السبب لا يُمكن الوصول إلى تحليلٍ واقعيٍّ عن وضع النساء في المجتمعات الرأسماليّة إلّا من خلال بحث العلاقة والتأثير والتأثّر بين العاملين النظام الأبوي والرأسمالي وحسب.

في النظام الرأسمالي تُستغلّ المرأة من قبل كلٍّ من الرجال وأصحاب الرساميل أيضًا، فتقسيم مجالات الحياة في النظام الرأسمالي إلى عامّ وخاصّ، واستبعاد النساء من المجال العامّ، يجلب الفائدة للرأسماليّين بنفس القدر الذي يُفيد به الرجال، وتقسيم العمل بناءً على الجنس وجعل العمل المنزلي مجانيّاً، وتقسيم المهام إلى رجاليّة ونسائيّة وتوظيف النساء في رُتبٍ أدنى بأجورٍ أقلّ، وتقديس الزواج والأمومة والاستفادة من جاذبيّة النساء لإطفاء الطاقة الجنسيّة الذكوريّة، وإنشاء أسواق استهلاكيّة للرأسماليّين، هي نماذجُ من قمع النساء في ساحتي الأسرة والمجتمع، من خلال النظام الثنائي الرأسمالي الأبوي.[1]

إنَّ المادّيّة التاريخيّة هي من التعاليم التي استفادت منها النسويّات الاشتراكيّات من خلال اقتباسها عن الماركسيّة مع إجراء

(123)

تعديلاتٍ عليها وتوسيعها من أجل تحليل تبعيّة النساء في النظام الرأسمالي الأبوي.

وتُشير المادّيّة التاريخيّة إلى هذا المعنى، وهو أنّ الظروف المادّيّة للحياة البشريّة لها أثرٌ مهمٌّ في شخصيّة وأفكار الإنسان، وفي الأنظمة الاجتماعيّة أيضًا، وهذه الظروف هي بدورها تتغيّر مع مرور الزمن. تعتقد النسويّات الاشتراكيّات بأنّ أوسع أنواع التنظيمات الاجتماعيّة هو تسلّط إحدى المجموعات على الأخرى، وتسلّط جنسٍ على جنسٍ آخر، إنّهم يعملون على تحليل جذور وأساليب التسلّط من خلال الإستعانة بالمادّيّة التاريخيّة، وقد وسّع هؤلاء النسويّات هذه التعليمة الماركسيّة من عدّة جهاتٍ:

1. التركيز على كافّة أنواع الهيمنة:

كان أكبر هموم الماركسيّين هو تحليل عدم المساواة الطبقيّة، أمّا تحليل كافّة أنواع الهيمنة وعدم المساواة فكان محلّ اهتمامِ النسويّات الاشتراكيّات.

2. إعادة تعريف الشروط المادّيّة:

يقصد الماركسيّون من الظروف المادّيّة: الأساليب الاقتصاديّة وإنتاج البضائع؛ أمّا النسويّات الاشتراكيّات فيعتبرن الظروف المادّيّة ظروفًا واسعة الإطار، وهي التي تُوجِد الحياة البشريّة وتحفظها؛ ومنها: جسم الإنسان، وجنسه، ودوره في التكاثر وتربية الأبناء، والتدبير المنزلي بلا أجرٍ، والمهام المنزليّة غير المنظورة، والتغذية

(124)

العاطفيّة؛ فجميع هذه الأنشطة تخلق أنظمةً إجتماعيّة تؤدّي إلى هيمنة البعض على البعض الآخر.

3. أهميّة الأيديولوجيا:

يعتقد هؤلاء ـ خلافًا للماركسيّة التي لا تمنح للأيديولوجيا أهميّة كبيرةً ـ بأنَّ الأيديولوجيّا والعلم البشري اللذان هما بنفسهما ثمرةٌ ونتيجةٌ للبُنى والظروف المادّيّة، يُؤثّران تأثيرًا عميقًا على الشخصيّة والتفاعل الإنساني، وكذلك على أنظمة الهيمنة التي تتحقّق من خلال هذا التفاعل.[1] فالظروف المادّيّة تبعث على ظهور أيديولوجيا خاصّة، والأيديولوجيّات الخاصّة تغذي بُنى الهيمنة.

وبهذا الشكل طرحت النسويّات الاشتراكيّات من أجل دراسة أنواع عدم المساواة الاجتماعيّة في المجالات المختلفة العامة والخاصّة (ومنها عدم المساواة بين الجنسين) سلسلةً من العوامل المختلفة من الناحية الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والأيديولوجيّة والتي تمنح الشكل والقوام لأنظمة الهيمنة من خلال عمليّتي التأثير والتأثر.[2]

(125)

الأهداف والشعارات

خلافًا لتصور الماركسيّة، تعتقد النسويّات الاشتراكيّات بأنّ حريّة النساء لن تتحقّق بإنهيار نظام الرأسماليّة؛ لأنَّه وجه العملة التي غفل عنها الماركسيّون هو أنَّ ظلم الواقع على النساء من قبل الرجال في المجال الخاصّ وفي الأسرة هو نتيجةٌ لبُنيةٍ عميقةٍ للنظام الأبوي، فالنظام الأبوي يصعب هزمه ولا يزول بزوال الرأسماليّة؛ ولذا فإنّ حريّة النساء إنّما تعتمد على زوال النظامين الأبوي والرأسماليّ سويّاً وفي آنٍ واحدٍ.

وفي هذا المقام، يُحسب اكتشاف أنواع أساليب الهيمنة على حياة النساء ودراستها من الأهداف النظريّة للنسويّات الاشتراكيّات.

الشخصيّات والمُؤلّفات

1. هايدي هارتمان[1]

«هارتمان» هي اقتصاديّة وناقدةٌ أمريكيّةٌ، وقد بحثت حول تأثير الرأسماليّة على وضع النساء في كتبها الرأسماليّة، والنظام الأبوي، وفصل المهام على أساس الجنس، والوحدة التي لا تحمد بين الماركسيّة والنسويّة.[2]

ترى «هارتمان» بأنّ التحليل الماركسي كان مشوبًا بالعمى

(126)

الجنسي وبأنَّ التحليل النسوي ناقصٌ بسبب تجاهله للتاريخ، وبأنَّ البيان الجامع لا يتيسّر إلّا من خلال دراسة النظام الثنائي.

وتعتبر بأنَّ جذور وأساس النظام الأبوي هو سيطرة الرجال على القوى العاملة النسائيّة، وتعتقد بأنّ تحقّق هذه السيطرة من خلال حدّ النساء من الوصول إلى المنابع الاقتصاديّة المهمّة، وكذلك عن طريق منع تحكّم النساء في الشؤون الجنسيّة النسائيّة وبالخصوص إمكانيّة الإنجاب.[1]

وقد وضحت كيف أنَّ الرجال والرأسماليّين يستفيدون من تقسيم العمل في أسواق العمل بحسب الجنس وخاصّةً في المنزل.[2]

2. جولييت ميتشل[3]

«ميتشل» هي محلّلةٌ نفسيّةٌ بريطانيّةٌ، وقد ربطت بين النسويّة الراديكاليّة والمادّيّة التاريخيّة في كتابها منزلة النساء (1971 م) وفي كتاباتها اللاحقة.[4] وهي تعتقد مثل «هارتمان» بالنظام الثنائي أيضًا،

(127)

ولكنّها ـ خلافًا لها ـ لا تبحث جذور النظام الأبوي في الظروف المادّيّة (سيطرة الرجال على عمل النساء) فقط، بل التفتت إلى أبعاد التحليل النفسي والثقافي أيضًا.[1]

وتعتقد «ميتشل»[2] بأنّ بعض جوانب حياة النساء في الأسرة اقتصاديّة؛ أي هي نتيجةٌ للتغييرات التي حصلت في أساليب الإنجاب؛ والبعض الآخر ذات خصال بيولوجيّةٍ اجتماعيّةٍ؛ أي نتيجةً لتأثيرٍ متبادلٍ بين علم الأحياء النسائي والمحيط الاجتماعي؛ وفي ذات الوقت، يمتلك البعض الآخر ماهيّةً أيديولوجيّةً؛ أي نتيجةً للأفكار التي تقبّلها المجتمع حول كيفيّة علاقات النساء بالرجال.[3]

وتتعرّض لدور الأسرة في إنشاء الأدوار النسائيّة وإعطاء قيمةٍ أعلى لأدوار الرجال، ومن خلال إنكار «ميتشل» للأساس البيولوجي للنظام الأبوي، تعتبره نظامًا من صنع المجتمع ويُمكن تغييره، وتدّعي من خلال طرحها لتحاليل نفسيّةٍ بأنّ النساء واقعاتٍ تحت الظلم داخل الأسرة من الناحية النفسيّة أيضًا؛ ولذا تعتقد بأنَّ القيام بثورةٍ نفسيّةٍ ثقافيّةٍ بقيادة النساء أمرًا ضروريّاً لإسقاط النظام الأبوي.[4]

(128)

وحيث إنّ النسويّة الاشتراكيّة عبارةٌ عن تركيبٍ من اتّجاهي النسويّة الراديكاليّة والنسويّة الماركسيّة؛ لذا فهي تتعرّض للنقد الذي يرد على كلا الاتّجاهين السالفين الذكر؛ وخصوصًا اختزال قضايا النساء في مسألة العمالة وقبول الإطار التحليلي للماركسيّة.[1]

نسويّة ما بعد الحداثة

لقد بدأت الموجة الثانية من تاريخ النسويّة مع ظهور «نسويّة ما بعد الحداثة»، ومن أهمّ خصائص هذا الاتّجاه النسوي هو قبوله لأن يتأثر بالمدارس الفكريّة ما بعد الحداثة وما بعد البنيويّة اللتين تمّ تشكيلهما ابتداءً من الثمانينات والتسعينات في أوروبا، ونسويّة ما بعد الحداثة ناجمةٌ عن دمج آراءٍ وأفكارٍ متعدّدةٍ لفيلسوفات ما بعد الحداثة، حيث تمّ البحث والتدقيق في قضايا النساء بالاستعانة بآرائهنَّ التي طرحنها عن ما بعد الحداثة.

وحيث إنّ فهم نسويّة ما بعد الحداثة يعتمد إلى حدٍّ كبيرٍ على معرفة مدرستي ما «بعد الحداثة» و«ما بعد البنيويّة»، لذا سنعمد إلى عرض توضيحٍ إجماليٍّ في هذا المقام عن هاتين المدرستين ثمّ سنتعرّض بالبحث والدراسة لنسويّة ما بعد الحداثة.

(129)

ما بعد الحداثة[1]

تطلق «ما بعد الحداثة» على التيّار الفكري الذي بدأ من النصف الثاني للقرن العشرين وقام بنقد تعاليم الحداثة[2]، وأوّل نقدٍ للحداثة وُجّه مِن «ما قبل الحداثة» هو رفض ادعاءات فلاسفة الحداثة المبنيّة على قدرة العقل على تشخيص الواقع.

وقد أنشأ فلاسفة الحداثة عددًا من النظريّات والمدارس الفكريّة كالليبراليّة والماركسيّة من خلال تأكيدهم على القدرات اللامحدودة للعقل والذكاء البشري، وادّعى كلّ واحدٍ منهم أنَّه أدرك الواقع بنحوٍ صحيحٍ، وربّما أنّ تعدّد هذه المدارس وتعارضها رغم أنّ كلًا منها يدّعي بأنّه يعرض الحقيقة، هو الذي جعل الواقع الذي أبدته جميع هذه المدارس مشكوكًا به.

وفي ما بعد الحداثة تُطرح هذه الفكرة، وهي أنّ التعاليم والنظريّات التي كانت تُقدّم طوال فترة الحداثة تحت مسمّى إنجازات العقل البشري أو تحت مسمى العلم، وبالتأكيد لهذا السبب (أي كونها إنجازاتٍ للعقل البشري) جميع الناس مُلزمون بقبولها بنحوٍ ضمني، هي في الحقيقة من صنع وتصوّر عقل وذكاء عدّدٍ محدودٍ من الناس لهم عنوان المفكّر والفيلسوف والعالم، وقد وقعت هذه التصوّرات بشكلٍ مباشرٍ تحت تأثير الخصائص والمميّزات الفرديّة لهؤلاء الأفراد؛ في حين أنّ هؤلاء الأفراد يُنكرون

(130)

التأثيرات المذكورة على نظريّاتهم، ويُعرّفون نظريّاتهم على أنَّها عامّة وعالميّة وناجمة عن العقل البشري ولذا فهي تناسب جميع البشر؛ وبالتالي فإنَّ مفكّري الحداثة يُعمّمون نظريّاتهم الشخصيّة دون أن يأخذوا بعين الاعتبار عامّة الناس.[1]

وعلى هذا الأساس، يُعرَّف العلم الحديث على أنّه مجموعة من سردياتٍ كبرى أو رواياتٍ عظيمةٍ، تُحمّل نظريّات فئةٍ قليلةٍ من الناس على الآخرين بادعاء أنها عامّةٌ وكليّةٌ وعالميّةٌ، ولهذا السبب تُهمش المناهج الفكريّة الأخرى أو ترفضها.

ومن وجهة نظر ما بعد الحداثة، أوّلًا: لا يعرض علم الحداثة الواقع مثلما يدّعي؛ لأنّه واقعٌ تحت تأثير ظروفٍ شخصيّةٍ، ومن ناحيةٍ أخرى المجتمع والعلم معقّدان بحيث إنّ الادعاءات المُطلقة عاجزةٌ عن إدراك ذلك؛ ثانيًا: العلم الحديث ظالمٌ؛ لأنه هدم عددًا لا يحصى من النظريّات والأفكار.[2]

جان فرانسوا ليوتار[3] (1924 ـ 1999 م) هو شخصيّةٌ بارزةٌ في تيّار الحداثة الفكريّ، وهو يعتبر بأنّ الأصل الأساسي لما بعد

(131)

الحداثة عبارةٌ عن تكذيب السرديّات الكبرى[1]؛ بمعنى أنّ تقييم كافّة العلوم الحديثة واعتبارها تحت مسمّى السرديّات الكبرى في ما بعد الحداثة، جعلها مشكوكةً.

ما بعد البنيويّة[2]

«ما بعد البنيويّة» هو اتّجاهٌ فكريٌّ موازٍ لتيّار ما بعد الحداثة[3]، تشكّل في الغرب بعد أن تشكّل تيّار البنويّة[4].

واهتمام البنيويّة بشكلٍ رئيسيٍّ هو اللغة، ويعتبر «فرديناند دو سوسور» عالم اللغة السويسري مؤسّسًا لهذا الاتّجاه الفكريّ، فمن وجهة نظر «سوسور»: كلُّ لغةٍ تُعتبر نظامًا خاصّاً، ولا تحكي الكلمات الموجودة في كلّ لغةٍ عن المصداق الخارجيّ؛ بل تحكي عن معنىً ومفهومٍ خاصٍّ اتّفق عليه الناس؛ فعلى سبيل المثال كلمة «خروف» لا تدلّ على الخروف الذي في الخارج بل على مفهومٍ اتّفق عليه أهل ذلك المجتمع لكلمة خروف؛ والأمر الآخر هو أنَّه لا يحصل لأيّ كلمةٍ معنى إلّا داخل هذا النظام الخاصّ

(132)

فقط وذلك بعد ارتباطها بباقي الكلمات، ويستنتج «سوسور» بأنَّ لغة كلّ مجتمعٍ هي مؤشرٌ على طريقة التفكير المختلفة لأهل ذلك المجتمع؛ وبتعبيرٍ آخر: يظهرُ بشكلٍ مباشرٍ في لغة ذلك المجتمع كيف ينظر أهل ذلك مجتمع إلى الواقع وكيف يقسّمونه؛ وبناءً عليه يدّعي ما بعد البنويّين بأنّه من الممكن اكتشاف أسس ومبادئ الثقافة في كلّ مجتمعٍ من خلال بحث ودراسة قواعد وقوانين كلّ لغةٍ.[1]

«جاك لاكان»[2] هو محلّلٌ نفسيٌّ فرنسيٌّ يُلفّق بين نظريّات المحلّل النفسي «فرويد» وبين البنيويّة، وأحد أهم نظريّات «لاكان» تدور حول أثر اللغة والمجتمع في تشكيل الهويّة الفرديّة، من وجهة نظر «لاكان» تتشكّل الهويّة الفرديّة ضمن نظام اللغة حيث يقول: تتشكّل هويّة الإنسان عندما يتعلّم أن يقول: «أنا»؛ ومن ناحيةٍ أخرى يعتمد تشكّل الهويّة الفرديّة على التنشئة الاجتماعيّة للفرد؛ أي أنّ الإنسان لا يتّبع هويّته إلّا عندما يرى نفسه ضمن المجتمع، وفي الحقيقة المجتمع هو الذي يبني الهويّة الفرديّة.[3]

(133)

وقد أضاف «لاكان» مطلبًا آخر إلى البنيويّة من خلال الاستعانة بالتحليل النفسي، وهو أن كلًّا من الكلام والكتابة لا يحكيان عن الواقع الخارجيّ، بل عن الحالات النفسيّة لشخص المتكلّم أو الكاتب.[1]

وقد تبعت نظريّات كلٍّ البنيويّين و«لاكان» النتائج التالية: أوّلًا: أنّ النفس أو فاعل المعرفة هو أمرٌ صناعيٌّ (من صنع اللغة والمجتمع)[2]؛ ثانيًا: أنَّ اللغة الأخرى وبالتالي الفكر ليس مؤشرًا إلى الواقع الخارجي؛ ليست طبيعة العالم هي التي تحدّد مفاهيمنا عن العالم، بل بالعكس، مفاهيمنا هي التي تُحدّد طبيعة العالم؛ وثالثًا: لو كان الفكر الذي يعكس الواقع أمرًا غير عينيٍّ، إذن لكانت ادعاءات الفلاسفة والمفكّرين المبتنية على كشف الواقع غير صحيحةٍ؛ إذن فجميع العلوم تحكي عن الحالات النفسيّة للمفكّر.[3]

رغم أنّ البنيويّة تُشكّك في دعوى عينيّة العلم وقطعيّته، ولكنّها تقول أيضًا بوجود أُسسٍ وقواعد كليّةٍ ثابتةٍ في كلّ لغةٍ وثقافةٍ، أمّا ما بعد البنيويّة فتخطو خطوةً أخرى للأمام فتُشكّك في القواعد والأسس الكليّة التي طرحتها البنويّة.[4]

(134)

تتمثل مخاوف ما بعد البنيويّة في الالتفات للثقافات الفرعيّة والأصوات الكثيرة، ويعتقد البنيويين بأنّ العقلانيّة الحديثة قُمعت عبر طرح السرديّات والأصوات والثقافات والأفكار المختلفة، وبأنّ عنصر النظام في البنيويّة كان سببًا أيضًا في قمع أو رفض الكثير من الاختلافات الثقافيّة والفكريّة، ولذلك ينبغي تهيئة الأرضيّة لإظهار الثقافات الفرعيّة من خلال إزالة الأنظمة البنيويّة.[1]

يعتقد «جاك دريدا»[2] الفيلسوف الفرنسي بما يلي: ينبغي رفع الستار عن عن قمع البُنى الثقافيّة واحتكاراتها ونظرتها الأحاديّة من خلال كسر تلك البُنى[3]، ويبحث «دريدا» كذلك مثل «لاكان» عن معنى أيّ كلمةٍ في علاقتها بالكلمات الأخرى، وليس في العلاقة بين الكلمة والموضوع المدرك، فمن وجهة نظره: العالم يظهر في المعاني وبالمعاني، ولا شيء موجودٌ

(135)

سوى المعاني؛[1] وحتّى هويّتنا تتجلّى في هذه الظواهر؛ ولذلك هي نسبيّة ومؤقّتة.[2]

يعتقد «دريدا» بأنّ الثقافة واللغة والفكر الغربيّ تشكّلوا على أساس مجموعةٍ من المفاهيم والتي يتقابل فيها كلّ اثنين مع بعضهما على نحو التضادٍّ؛ مثل: أعلى وأسفل، قويٌ وضعيفٌ، صورةٌ ومادّةٌ، عقلٌ وشعورٌ، رجلٌ وامرأةٌ، وفي هذا التضادّ دائمًا ما يكون أحد الطرفين إيجابيّاً ذا قيمةٍ وذا مستوى رفيع، بينما يعتبر الطرف الآخر سلبيّاً ومنحطًا ذا قيمةٍ منخفضةٍ، والأهمّ من ذلك هو أنّ الطرف الإيجابي يُهيمن دائمًا بقوّةٍ على الطرف الآخر، أمّا التفكيكيّة فتُخالف بشدّةٍ أي ترتيبٍ هرميٍّ وأيّ تسلّطٍ بسبب الشموليّة وأيّ تهميشٍ للأفكار المختلفة؛ ولذلك تسعى لكشف الظواهر التي خلقت هذا التضادّ والتي منحته ظاهرًا طبيعيّاً والعمل على تفكيكها.[3]

وقد وسّع «ميشال فوكو»[4] تعاليم ما بعد البنيويّة من خلال عرضه لمفهومٍ جديدٍ للخطاب[5]، فالخطاب عنده عبارةٌ عن مجموعةٍ من القواعد والقوانين التي تتّخذ المعرفة من خلالها شكلها، وينشأ بها القضايا الصادقة والكاذبة، ويعتقد «فوكو» بأنّ الخطابات مؤقّتة

(136)

ومتغيّرةٌ؛ أي: تتغيّر من حقبةٍ إلى أخرى، ومن مجتمعٍ إلى آخر، ويضيف «فوكو»: كلّ خطابٍ يُنمّي بداخله معرفةً تختصّ به، وكل معرفةٍ إنّما تكون مقبولةً وذات قيمةٍ في خطابها فقط؛ وأمّا خارج الخطابات فلا تفوّق ولا علوّ لمعرفةٍ أو علمٍ على الآخر؛ ولذلك فإنّه لا وجود لحقيقةٍ مطلقةٍ يقوم العلم بالكشف عنها؛ بل العلوم هي نتاج خطاباتها الخاصّة.[1]

وهناك قضيّةٌ أخرى تطرح في نظريّات «فوكو»، وهي العلاقة بين الفكر والقوّة، فمن وجهة نظر «فوكو» هناك علاقة مزدوجة بين الفكر والسلطة وأثر السلطة في هذه العلاقة هو الأقوى؛ يعني: رغم أنّ الفكر يجلب السلطة للعالِم إلّا أنّ هذه السلطة هي التي تُعيّن الفكر بالأصالة.[2]

ويعتقد «فوكو» بأنّ الأنظمة والحكومات المتسلّطة خلقت ثقافاتٍ وفكرًا لصالح منافعها الخاصّة على مدى التاريخ وبأنّ الثقافات بُنيت على أساس السلطة لا الحقيقة، ومن وجهة نظره يجب أن نصل من خلال تفكيك العلم والفلسفة إلى ماهيّة القامع من الخطابات السلطويّة، وكشف ماهيّة الخطابات المقموعة؛ لأنّ

(137)

الخطابات المقموعة ذات قيمةٍ مساويةٍ لتلك الخطابات الشائعة والغالبة.[1]

العلاقة المتبادلة بين النسويّة وبين ما بعد الحداثة وما بعد البنيويّة لقد كان لدى النسويّات أرضيّة إيجابيّة للعلاقة مع نظريّات ما بعد الحداثة من السابق وذلك من خلال طرح نظريّات مثل: النظام الأبوي، وهيمنة الرجال في الثقافة، واعتبار الأنوثة والجنس أمورًا صناعيّة، وفي الحقيقة تتآلف بعض تعاليم ما بعد الحداثة مع نظريّات النسويّات؛ ولذا اتّجهت النسويّات للاعتماد على تعاليم ما بعد الحداثة في جعل النظريّات النسويّة أكثر شمولًا.[2]

وأهم النظريّات التي كانت محلّ اهتمامٍ في نسويّة ما بعد الحداثة، هي أبحاث اعتبار الفكر رجولي، وسيّاليّة هويّة المرأة، والاهتمام باختلافات النساء التي سنطرحها في ذيل بحثنا.

اعتبار الفكر رجولي

كما أشير سابقًا، من المواضيع التي وقعت محلًّا للبحث

(138)

والتحقيق من قِبل النسويّات الراديكاليّات في الموجة الثانية هو رجوليّة تقييم العلوم الرائجة[1]؛ وأمّا نسويّة الموجة الثالثة فقد حازت على أبعادٍ جديدةٍ مستمدّةٍ من تعاليم فلاسفة ما بعد الحداثة كأمثال «ليوتار» و«دريدا» و«فوكو»، ترى النسويّاتُ بأنّ العلومَ الرائجة مجموعةٌ من السرديّات والروايات العظيمة التي اتّخذت شكلها بنحوٍ رئيسيٍّ بواسطة المفكّرين الرجال ومتأثّرةً بالحالات والخصائص الشخصيّة للمفكّرين الذكور؛ ولذلك فإنّ العلوم تمثّل انعكاسًا للرواسب الرجوليّة.

وكذلك ادعت النسويّات من خلال الاستعانة بتعاليم «فوكو» بأنّ كافّة الخطابات التي في التاريخ، وُجدت تحت تأثير سُلطة الرجل، وقد ساقت سلطة الرجال كافّة الخطابات وبالتالي كافّة الأفكار لصالح الرجال.

ولمواجهة هذا الأمر ينبغي تفكيك كافّة العلوم والنظريّات الثقافيّة ومنها الأضداد الثنائيّة ـ التي تضع النساء في صفّ الأمور الوضيعة ـ وكشف الأثر المخفيّ لسُلطة القامعين الرجال على العلم والثقافة أمام الملأ؛ ومن ناحيةٍ أخرى ينبغي تهيئة الأرضيّة لإحياء الخطابات والمعارف وبالنتيجة العلوم النسائيّة[2]، وسيأتي تفصيل هذا البحث في الفصل التالي في قسم المعرفة والجنس.

(139)

سيّاليّة هويّة المرأة

كما ذُكر سابقًا، يعتقد «لاكان» بأنَّ الهويّة من صنع اللغة والمجتمع، ويعتقد «دريدا» بأنَّ الهويّة نسبيّةٌ ومؤقّتةٌ، ويرفض «فوكو» أيّ نوعٍ من الهويّة الثابتة، ويعتبر بأنّ الهويّة الفرديّة معلولةٌ للخطابات التي تتمتّع بالقوّة والسلطة.[1]

وقد استخدمت النسويّات هذا البحث بعينه في قضايا النساء وادعينَ بأنّ الهويّة النسائيّة سيّالةٌ ومتغيّرة تبعًا للهويّة الإنسانيّة؛ ولذلك ليس هناك أيّ تعريفٍ ثابتٍ للخصائص والسلوكيّات النسائيّة؛ وبالتالي فالأنوثة والجنس أمران نسبيّان ومتغيّران ولا يمكن جعلهما معيارًا وأساسًا لفصل الأدوار، ولا لتعريف الوظائف والأدوار النسائيّة.

لم يتوقّف تنظير النسويّات على جعليّة ونسبيّة الأنوثة واعتبارها أمرًا متغيّرًا، بل وصل بهنّ الأمر إلى أن يعتقدنَ المقولة التي تحمل اسم المرأة في مقابل الرجل هي مقولةٌ سيّالةٌ ومتغيّرةٌ، فمن وجهة نظر نسويّات ما بعد الحداثة عند ملاحظة معنىً واحدٍ وثابتٍ للمرأة، فذلك يتماشى في الحقيقة مع التضادّات الثنائيّة الشائعة في الثقافة الغربيّة التي ليس لها حقيقةٌ ولا واقعيّة عينيّة ويجب تفكيكها.[2]

(140)

تقول «جوليا كريستوفا» خلال رفضها لمقولةٍ مستقلةٍ باسم المرأة الطبيعيّة: «لا وجود لمثل هذه المرأة، ولا يمكن أن تكون موجودةً»[1]، وترى «ألن سيزو» أنّه من المتعارف أن تكون المرأة في صراعٍ لا مفرّ منه ضدّ الرجال، ولكن ليس هناك امرأةٌ عامّةٌ وامرأةٌ نوعيّةٌ، فللنساء أوجه تشابهٍ، ولكن ليس هناك أنوثةٌ موحّدةٌ ومتجانسةٌ.[2]

وبعبارة أخرى: في الموجة الثانية تمّ اعتبار الجنس أمرًا جعليّاً؛ ولكن في الموجة الثالثة تمّ تقييم الجنس على أنَّه جعليّ وسيّال ومتغيّر؛ لأنّ تقسيم الناس إلى امرأةٍ ورجلٍ من التضادّات الثنائيّة لقامعي الثقافة من الرجال، وتُصرّح «جوديت باتلر» بأنّه لا يوجد جنسٌ حقيقيٌّ، والثقافة هي التي تصنع كلًّا من الجنسين والجنس الواحد، وهي تعتبر الجنس أمرًا جعليّاً أو خياليّاً.[3]

الاهتمام باختلافات النساء

كما أشير سابقًا أيضًا، فإنّ أحد الإشكالات التي ترد على النسويّة دائمًا، هو أنّ النسويّة تمثّل نتيجة فكرِ وعملِ فئةٍ صغيرةٍ من النساء، وأكثر قادتها مِن نساء الطبقة المتوسّطة ومن المتعلّمات ومن ذوات البشرة البيضاء، وقد اكتسبت هذه الفكرة قوّتها بالتدريج، فعلى

(141)

الرغم من أنّ النسويّة تُعرّف عن نفسها بأنّها تُمثّل كافّة النساء، ولكنّها غفلت عن الآراء والعلاقات والمشاكل الخاصّة بفئاتٍ مختلفةٍ من النساء كذوات البشرة السوداء وربّات المنازل والعاملات، وبدون أخذ هذه الاختلافات بعين الاعتبار، حمّلت آرائها على سائر النساء؛ ولذا فهي ـ خلافًا لما تدّعيه ـ لا تمثل جميع النساء.

ومن ناحيةٍ أخرى، من خلال الترويج لأفكار ما بعد الحداثة التي تعرّف بكلّ نوعٍ من القصص الخياليّة والظلم والقمع للاختلافات، تمّ إدانة المدّعى العامّ والاتجاه الكلّي للنسويّة بالقمع والظلم، وذلك بسبب غفلتهم عن الاختلافات بين النساء؛ ولذا كانت النسويّة مُجبرةً على أن تهتمّ أكثر بالاحتياجات والعلاقات والسلائق والمشكلات المختلفة للمجموعات المختلفة في جوٍ يرى بأنّ مشروعيّة النظام السياسي للمجتمع مرهونةٌ بالاهتمام بالاختلافات.[1]

وفي السياق نفسه، نحن نشهد في الموجة الثالثة على تشكّل مجموعاتٍ متنوّعةٍ ومختلفةٍ من النسويّات، وهذه المجموعات تشكّلت على أساس الفروقات بين النساء؛ كالنسويّة السوداء[2] (حركة النسوة السوداوات) وأحيانًا أيضًا نتيجة تلفيقٍ بين شعارات النسويّات وبين الشعارات الاجتماعيّة الأعمّ؛ كحركة السلام النسويّة[3] أو النسويّة البيئيّة.[4]

(142)

تركّز النسويّة السوداء على أنّ النساء ذوات البشرة السوداء مُعرّضاتٌ دومًا لظلمٍ مضاعفٍ؛ فمن ناحيةٍ هنّ ضحيّةٌ لعنصريّة الرجال البيض، ومن ناحيةٍ أخرى وقعن تحت ظلم رجالهنَّ ومن ناحيةٍ ثالثةٍ وقعن تحت ظلم النساء البيضاوات اللواتي يتجاهلنَ مشاكلهنَّ الخاصّة؛ ولهذا فإنّ أحد أهمّ الخصائص الأساسيّة لفكر النسويّة السوداء هو ضرورة الاعتناء بكافّة أشكال الظلم.[1]

وتؤكد الناشطات من النساء في حركة النسويّة البيئيّة أو النسويّة البيولوجيّة على تضرّر النساء أساسًا بشكلٍ أكبر من التلوث البيئة المحيط، وأساسًا فإنَّ تخريب المحيط البيئي هو من عمل الرجال؛ لذلك يُطالبنَ بنوعٍ من التغيير في التكنولوجيا والأنظمة الاقتصاديّة التي للنظام الأبوي.[2]

وفي حركة السلام النسويّة، هناك اعتقادٌ بأنّه لدى النساء مخاوفُ تؤرّق أذهان العديد من النساء من أجل حفظ الحياة ونشر السلام وذلك لأسبابٍ بيئيّة وثقافيّة؛ في حين أنّ الحرب من أبرز التجلّيات العدائيّة للرجال؛ ومن هذا المنطلق تسعى هذه الفئة من النسويّات عبر الضغط على المؤسّسات الحكوميّة وزيادة مشاركة النساء في

(143)

المؤسّسات صاحبة القرار، لأن تؤثّر على سياسات الرجال الساعية للحرب.[1]

الانتقادات

رغم أنّ ما بعد الحداثة وضعت بيد النسويّات الأدوات اللازمة للالتفات إلى الاختلافات التي بين النساء ولنقد الجنس والأنوثة و...، ولكنّها تسبّبت في بعض المواطن بمشاكل للنسويّة أيضًا.

وبشكلٍ عامٍّ بدأت مشاكل نسويّة ما بعد الحداثة منذ أردنا تقبّل الأدوات المنطقيّة لتعاليم ما بعد الحداثة فيما يتعلّق بنفس النسويّة، فعلمنا أنّ تركيز ما بعد النسويّة على نفي الهويّة الثابتة أدّى إلى تقييم النسويّات للمرأة و الأنوثة على أنّها مسائل جعليّة ومتغيّرة ونسبيّة، وهنا طرأت هذه المسألة، وهي أنّه إذا لم تكن هناك هويّةٌ نسائيّةٌ ولا يوجد مفهومٌ ثابتٌ باسم المرأة من الأساس، فعن حقوق من تُدافع النسويّة أساسًا؟ فعندما يكون من غير الممكن تعريف المرأة، فإذن كيف يمكن الحديث عن مشاكل النساء والدفاع عن النساء؟

ومن ناحيةٍ أخرى إذا لم يكن بإمكان أيّ نظريّةٍ أن تدّعي العينيّة والحقيقة، فسوف تزول قيمة واعتبار نظريّات النسويّات بصورةٍ كاملةٍ؛ لأنّهنّ لن يستطعن ادعاء العينيّة والحقيقة لادعاءاتهنَّ ومنها مظلوميّة النساء وظلم الرجال.[2]

(144)

وخلاصة القول: كيف يمكن تبرير العمل الاجتماعي ضمن ظروف محكومةٍ بسياليّة هويّة المرأة، وبعدم الاعتبار وبعدم الوثوق بالعلوم، وبعدم تحديد الطرف الظالم؟[1]

ولذلك فإن تطبيق تعاليم ما بعد الحداثة في النسويّة، أدّى إلى نوع من التراخي والضعف في الأنشطة السياسيّة كما أدّت إلى تناقضاتٍ نظريّةٍ، وبشكلٍ عامٍّ أظهرت مباني النسويّة على أنّها ضعيفة سواءً كحركةً أم كنظريّة .

وقد اقترحت النسويّات العديد من الحلول من أجل حلّ هذه المشاكل، وهي كالتالي: تعتقد مجموعة منهنّ بأنّه يجب الاستفادة من ما بعد الحداثة إلى الحد الذي تُشكّك فيه بتماميّة المعارف والنظريّات الذكوريّة، والدفاع عنها أيضًا؛ ولكن عندما تبدأ بالخدش في بتماميّة النظريّات النسويّة ـ فكما تقتضي المصلحة ـ ينبغي إقصاءها جانبًا.[2]

وقد قبلت مجموعةٌ من النسويّات أيضًا بأنّ تعدّدية ونسبيّة ما بعد الحداثة تامّةٌ وكاملةٌ، وحتّى ضدّ النسويّة؛ ولذا يعتقدنّ بأنّ عصر النسويّة قد انتهى وبدأنا عصر ما بعد النسويّة[3]، وخلافًا

(145)

لهذه المجموعة قالت بعض النسويّات بسبب قبول تبعات ما بعد الحداثة: هناك هويّاتٌ جنسيّةٌ مختلفةٌ ونظريّاتٌ نسويّة متعددّة بعدد نساء العالم.[1]

وقد قدّمت بعض النسويّات تقريراً أكثر اعتدالًا عن ما بعد الحداثة (ما بعد الحداثة الوسطيّة) والتزمت بها[2]، وهناك عددٌ من النسويّات اللاواتي تعتبرنّ اتصال النسويّة بما بعد الحداثة اتصالًا لم يكن ميمونًا، وبدأنَ بمواجهة تعاليم ما بعد الحداثة، حيث تعتقد «آن فيليبس» بأنّ السياسة المبنيّة على الاختلاف توجّه ضربةً للنظريّة السياسيّة النسويّة لا يُمكن جبرانها، في حين أنَّ النسويّة لا تملك الخميرة الأساسيّة لقبول الاختلافات والكثرات.[3]

فمن وجهة نظرها: إنّ إدخال تعاليم التعدّدية والنسبيّة في النسويّة، هو خدعةٌ أخرى من خدع الرجال الذين يراوغون في التنظير لواقع وضع المرأة بحجّة الفروقات بين النساء، فيكثرون الاتجاهات النسويّة ويُضعّفونها.[4]

(146)

وتنظر هؤلاء النسويّات بسوء ظنٍّ تامٍّ نحو كافّة التحولات التي جرت ما بعد الحداثة؛ لأنهنّ يعتقدن بأنّ هذه التحولات تعمل ـ بالدقّة حينما أصبحت النساء في ساحة السلطة والتقدّم ـ على منعهنّ من التقدّم من خلال التفرقة وإضعاف البنيان النظري للنسويّة.[1]

ولذلك، من وجهة نظر بعض النسويّات، في نفس الوقت الذي ترى فيه ما بعد الحداثة إلى العلوم الأخرى بأنَّها جعليّة، كانت هي بنفسها من صنع وفعل الرجال، وفي نفس الوقت الذي تُشكّك فيه العموميّة والشموليّة في العلوم، كانت تنسى هي نفسها بأنّها مؤقّتةً وتنسى تاريخيّتها وكونها حاويةً لادعاءاتٍ كليّةٍ؛ ومن ناحيةٍ أخرى إذا كانت جميع الخطابات هي خطاباتٌ سلطويّة، فنفس ما بعد الحداثة ـ باعتبارها خطابًا ـ واقعةٌ تحت تأثير السلطة.[2]

(147)
(148)

 

 

 

 

 

 

الفصل الثالث

التعاليم النسويّة

(149)

الفصل الثالث: التعاليم النسويّة

1. الأسرة والأمومة

إنّ أحد المواضيع الذي كان محلّ اهتمامٍ وبحثٍ وتحقيقٍ من قبل النسويّات منذ بداية نشاط الحركة النسويّة ولا يزال، هو الأسرة، فإن التأثير المصيري الذي تلعبه الأسرة في الحياة العمليّة والحياة اليوميّة للنساء كان سببًا لأن لا يتمكّن واضعي نظريّات النسويّة أن يمرّوا مرورَ الكرام عنها دون تقديم وجهةِ نظرهم؛ ولذلك كان البحث حول الأسرة من الأبحاث الخلافيّة والتي حصل تنازع حولها في نظريّات النسويّة.

ومن العوامل التي أدّت إلى التفات أغلب النسويّات إلى بحث الأُسرة، أوّلًا: أنّ الأسرة هي مكان ومظهر فصل الأدوار، والجنس هو أهمّ معيارٍ وملاكٍ يتمّ فصل المهام والمسؤوليّات الأُسريّة بناءً عليه[1]، ثانيًا: الأسرة هي المنشأ لأهّم دورٍ للنساء، أي الأمومة؛ ولذا انعقد مبحثا الأسرة والأمومة مع بعضهما البعض، والأمر الآخر هو أنَّ أغلب أنشطة النساء وأعمالهنّ تُؤدّى ضمن إطار الأسرة؛ وبعبارة أخرى: تولي بعض النسويّات أهميّةً لبحث الأسرة لأنهنّ يعتقدنَ

(150)

بأنّ الأُسرة هي مكان عمل النساء؛ ومن ناحيةٍ أخرى الأسرة هي مكان التكاثر والإنجاب؛ وقد حازت المباحث المرتبطة بالإنجاب وبتربيّة الأبناء وإيصال الخصائص الجنسيّة لهم في المرتبة الثانية، على أهميّة المنظرين للنسويّة.

إضافةً إلى ذلك، ترى النسويّات بأنّ الفصل والتفكيك بين المجالات وتقسيمها إلى مجالٍ عامٍّ وخاصٍّ منذ الأزل كان سبب غفلةِ المفكّرين والخبراء فيما يتعلّق بقضايا المجال الخاصّ، أي الأسرة؛ لذا ينبغي أن تكون المسائل المطروحة في هذا المجال محلّ دراسةٍ وتدقيقٍ، وفي هذا الاتّجاه والمنهج لم تكن وجهات النظر والآراء التي في العرف والثقافة العامّة حول موضوع الأسرة والأمومة بلا تأثير حيث دفعت بالنسويّات لأن يظهرنَ اهتمامًا أكبر بهذه المسائل.

وبشكلٍ عامٍّ، هناك منهجان مختلفان بين النسويّات فيما يتعلّق بالأسرة والأمومة؛ والمنهج الأوّل يُوافق على أصل الأسرة، ولكن يُطالب بإجراء إصلاحاتٍ؛ أمّا المنهج الثاني فيُخالف مؤسّسة الأسرة ويطالب بإسقاطها؛ ونرى نفس هذين المنهجين في مسألة الأمومة.

ونرى في كلا المنهجين تحليلاتٍ تتعلّق بمنافع الأسرة والأمومة ومضارهما بالنسبة للنساء، وأساليب إصلاحهما أو اسقاطهما، وأبحاثٍ حول جذور الأسرة، وأبحاثٍ حول تاريخ الأمومة، وأبحاثٍ أخرى، وسنقوم في تتمّة البحث بتسليط الضوء على منهج الاتّجاهات النسويّة فيما يتعلّق بمسألة الأسرة أوّلًا ثم سنُعرّج على

(151)

بحث الأمومة والإنجاب، وسوف تتمّ الإشارة إلى كلٍّ منهما بشكلٍ مُنفصلٍ.

النسويّة الليبراليّة (الموجة الأولى)

لقد انتشر بين النسويّات نقد الأُسرة والزواج منذ بداية الأنشطة النسويّة، ويُمكن ملاحظة أولى الإشارات إلى هذا البحث، بين النسويّات الليبراليّات، ومنذ أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر ظهرت آراء مختلفةٌ حول الزواج وتشكيل الأُسرة؛ ومنهنّ «إيزادورا دانكن» التي قرّرت منذ سنوات شبابها أن تُحارب ضدّ الزواج، وكانت ترى هذه الحرب رديفةً للنضال في سبيل تحرير النساء[1]، أمّا أغلب النسويّات فرغم أنّه لديهنَّ انتقاداتٍ جديّةٍ لمؤسّسة الأُسرة ويعتبرونها الأداة الأساسيّة لاضطهاد النساء، فهي مؤسّسةٌ غير عادلةٍ وتؤدّي إلى إخضاع النساء وتبعيّتهنَّ، ولكن مع ذلك لم يكنَّ يملنَ لاسقاطها، وكنّ يركزنَ على أهميّة إجراء إصلاحاتٍ داخلها، كما أنّ العديد من هؤلاء النسويّات يعتبرن سلوك الرجال ضمن الأسرة ظالمًا ويعترضنَ على فقدان المرأة للاستقلال الاقتصادي وحتّى فقدانها لهويّتها الشخصيّة بعد الزواج؛ ولكن مع ذلك اعترفنَ بأصل الزواج كمؤسّسةٍ مقدّسةٍ تحفظ العِفّة العامّة.[2]

تعتبر «ولستون كرافت» أنّ حدّ المرّأة ضمن إطار المنزل

(152)

وحرمانها من الحريّة والفرص الاجتماعيّة هو العامل الأساسي لتبعيّة النساء[1]، وتعتقد بأنّنا إذا تخلّصنا من الحرمان والمحدوديّة، فسوف يتمكّن النساء من التفكير والعمل بصورةٍ عُقلائيّةٍ، وليس لديها أيّ اعتراضٍ على أصل الزواج والأسرة والأمومة فهي تعتبرها جزءً من مصير النساء؛ ولكنّها تصرّ على أنّه ينبغي القبول بأنّ حصول النساء على إمكانيّات المواطنيّة وبالتالي استقلالهنَّ ورُشدهنَّ العقلي سيؤدّيان إلى أن تُدير النساء وظيفتهنّ في إدارة المنزل عن عقلٍ وكفاءةٍ وسوف تُصبحنَ زوجاتٍ وأمّهاتٍ أفضل[2]، وقد حصرت «كرافت» عمل النساء أيضًا بأولئك اللواتي لم تُقررنَ الزواج بعد.[3]

رغم جميع انتقادات «جون استيوارت ميل» حول فصل الأدوار وتأكيده على ضرورة استفادة النساء من الفرص المتوفّرة بالنطاق العامّ، إلّا أنّه تنبّأ بأنّ النساء المتزوجات يُرجحنَ الواجبات الزوجيّة والأمومة.[4]

وقد طالبت «هاريت تايلور» بإلغاء القوانين المرتبطة بالزواج في مقالاتها حول الزواج.[5]

(153)

النسويّة الليبراليّة (الموجة الثانية)

ازدادت شدّة الاهتمام بقضايا الأُسرة في تيّارات الموجة النسويّة الثانية، ومنها النسويّة الليبراليّة، وكانت «جيسي بيرنارد»[1] أوّل عالمة اجتماعٍ طرحت الأسرة للبحث باعتبارها قضيّةً اجتماعيّةً، وفي كتابها مستقبل العلاقة الزوجيّة (1982 م) طرحت صورةً جديدةً للمؤسّسة الزوجيّة، ووضّحت بأنّه رغم أنَّ هذه المؤسّسة في المجتمع الأمريكي تعني حياةً مشتركةً متساويةً بالنسبة للمرأة والزوج، إلّا أنّ كلًا من المرأة والرجل يحصلان بعد الزواج على موقعيّةٍ مختلفةٍ، ويرى «برنارد» بأنّه في كلّ زواجٍ نوعان من علاقة الزوجيّة: «الأوّل: زواج الرجل بحيث يكون مع اعتقاده بأنّه مُقيّدٌ ومتحمّلٌ للمسؤوليّات الأُسريّة خلال فترة الزواج، إلّا أنّه يتمتّع ببعض صلاحيّات الناشئة عن المعايير الاجتماعيّة وهي عبارة عن: القوّة والاستقلال وحقّ التمتّع بالخدمات المنزليّة والعاطفيّة والجنسيّة؛ أمّا الآخر فزواج المرأة بحيث تكون خلاله مُسلّمةً بالمعتقد الثقافي بحقّ التمتّع بالشؤون الزوجيّة، في حين أنّها تعاني من العجز والاعتماد، وإلزامها على تقديم الخدمات المنزليّة والعاطفيّة والجنسيّة، وحرمانها التدريجي من الموقعيّة التي كانت تمتلكها قبل الزواج كفتاةٍ شابّةٍ».[2]

(154)

ولكن ـ كما ذُكر سابقًا عن النظرة الكليّة لليبراليّين حول الأسرة والزواج ـ رغم جميع المساويء التي يُعتقد بأنّ الزواج جلبه للمرأة، إلّا أنّ «برنارد»كانت تُطالب بإجراء إصلاحاتٍ في مؤسّسة الزواج لا إسقاطها[1]، تعتبر «بتي فريدون» في كتابها سرّ الأنثى وكنهها (1963 م) بأنّ منشأ تبعيّة النساء هو السُنن والقيم الثقافيّة التي عزّزت دور المرأة في الأسرة وجعلته محلًّا للمدح والثناء، واعتبرت بأنّ الدور التقليدي للزوجة والأم كافٍ لسعادة المرأة.[2]

ولكنّ الجوّ الراديكاليّ للموجة الثانية وكذلك نظريّات بعض التيّارات النسويّة ـ التي سيأتي بيانها لاحقًا ـ مبنيٌّ على ضرورة تدمير مؤسّسة الأسرة والزواج وحتّى الأمومة والاعتراف رسميّاً بالحب الحرّ، ممّا أدّى إلى ردّة فعلٍ من بعض النسويّات الليبراليّات والمعتدلات ومنهنَّ «بتي فريدن» و«جرمين غرير» (1939 م) و«جين بتكه ألشتين»، فقمنَ بالدفاع عن الأسرة حيث يُعبر عن هذا التيّار باسم «النسويّة الأسرويّة».

أمّا الكتاب الثاني لـ «فريدن» بعنوان المرحلة الثانية، فهي تُدين فيه التيّارات النسويّة المذكورة لإنكارها حقيقة العلاقة البيولوجيّة

(155)

بين النساء والرجال، وكذلك لإنكارها الحقائق المرتبطة بجنس المرأة والأمومة والانتماء الأسري.[1]

أظهرت «جرمين غرير»[2] كذلك كـ «فريدن» مواقف مختلفة مع مرور الزمان، فخالفت في كتابها السيّد الأنثى (1971 م) الزواج من زوجٍ واحدٍ كما عارضت «الأسرة النواة»، وفي المقابل دافعت عن العائلة الجذريّة كما دافعت عن إحياء الطاقة الجنسيّة لدى النساء[3]، ولكنّها قامت في سنة 1984 م في كتابها الجنس والمصير[4] بالدفاع عن الأسرة واعترضت على النظريّات النسويّة المتطرّفة والراديكاليّة، واعتبرت أن «الأسرة النواة» هي إحدى أشكال العلاقات التي تُشبع حاجات المرأة العاطفيّة.[5]

أمّا «إلشتين»[6] فهاجمت سعي النسويّات الراديكاليّات إلى تسييس الحياة الخاصّة وذلك في كتابها الرجل عامٌّ والمرأة خاصّة[7]

(156)

(1981 م)، وفي دفاعها عن الحياة الخاصّة اعتبرت الأمومة نشاطًا معقّدًا ثريّاً ومتعدّد الإجراءات وغنيّاً بالعمل الجادّ، وجالبًا للسعادة وأنّه أمرٌ طبيعيٌّ واجتماعيٌّ ورمزيٌّ وعاطفيٌّ.[1]

النسويّة الماركسيّة والأسرة

يختلف منهج النسويّة الماركسيّة تجاه الأسرة عن النسويّة الليبراليّة اختلافا تامّاً، حيث يُعتبر في النسويّة الماركسيّة نفس نظام الأسرة نتيجةً وثمرةً لعدم المساواة والظلم في المجتمع.

وتعتقد هذه الفئة من النسويّات بأنَّ «الأسرة النواة» بما تمتاز به من سُننٍ وثقافاتٍ التي مُدحت بها، ليست إلّا مؤسّسةً بُنيتْ فقط بهدف تأمين الفوائد للنظام الرأسماليّ، أمّا في الحقيقة فلا جذور طبيعيّة لها.

ومن هذا المنطلق، تُخضِع الأسرةُ النساءَ؛ وذلك بهذا النحو: النساء داخل الأسرة مجبوراتٍ على أن يُخصّصنَ أغلب أوقاتهنّ للقيام بمهامٍ من قبيل: إدارة المنزل والاهتمام بالزوج والأبناء؛ دون أن تحصل مقابل كافّة هذه المهام على أجرٍ، وبالتالي فإنَّ اعتماد النساء اقتصاديّاً على الرجال عبارةٌ عن عمليّةٍ وظاهرةٍ تتشكّل ضمن الأسرة، وهي المنشأ لباقي أنواع الحرمان ولتخلّف النساء.

(157)

وبشكلٍ عامٍّ، إنّ منهج هذا الاتّجاه النسويّ المتعلق بالأسرة، ناشيءٌ عن نظريّات «ماركس» و«إنجلز» حول الأسرة، ويُمكن اعتبار كتاب أصل العائلة، الملكيّة الخصوصيّة والدولة الذي هو من مؤلّفات «إنجلز» كمنشورٍ يُمثّل فكر النسويّات الماركسيّات في باب الأسرة.

يعتبر «إنجلز» بأنّ الأسرة مخلوقٌ من قبل النظام الاجتماعي وانعكاسٌ للثقافة؛ ولذلك يُقسّم أطوار حياة البشر إلى ثلاث فتراتٍ، ولكلّ طورٍ نوعٌ خاصٌّ من الزواج:

الزواج الجماعي للفترة الوحشيّة؛

الزواج المساعد للفترة البربريّة؛

الزواج الأحادي بما ذلك البغاء للفترة الحضاريّة.[1]

يقول «إنجلز»: وفقًا لنظريّات «ماركس»، كان الزواج في العصور الأولى بين أبناء الدم الواحد رائجًا؛ أي كان يُعتبر كلًّا من أبناء العمومة وأولاد الخالة والخال والعمّة إخوةً وأخواتٍ، وبشكلٍ دقيقٍ بسبب كونهم إخوةً وأخواتٍ أصبح الجميع أزواجًا وزوجاتٍ لبعضهم البعض، وفي هذا الزواج الجماعي كان النسب يُعيّن من قِبل الأمّ، وتعتبر إدارة شؤون المنزل كتهيئة الطعام بواسطة الزوج عملًا عموميّاً وضروريّاً اجتماعيّاً، وقد نشأت المِلكيّة مع شيوع

(158)

وانتشار تربية الحيوان ومن بعدها انتقل النسب إلى الأبّ؛ لأنّ الوسيلة الحصريّة للتوارث كانت عبر الآباء، ويعتبر «ماركس» هذه المرحلة هزيمةً تاريخيّة للإناث؛ لأنّه أصبح رائجًا فيها سيطرة الرجل وتسلّطه على المرأة بهدف ضمان حقّ الوراثة وحقّ الأبوّة، وتشكّل الزواج الأحادي.[1]

ويعتقد «إنجلز» بأنّ الزواج الأحادي ليس بأيّ طريقةٍ من الطرق ثمرةً للعشق الجنسيّ الفرديّ؛ لأنّ الزواج كان لمصلحةٍ وهذا هو أوّل أشكال الأسرة الذي لم يكن مبتنيًا على ظروفٍ طبيعيّةٍ بل كان مبتنيًا على ظروفٍ اقتصاديّة؛ أي هيمنة المِلكيّة الخاصّة على المِلكيّة الاشتراكيّة الأولى التي حدثت بصورةٍ طبيعيّةٍ.

من الواضح أنّ اليونانيّين يعتبرون أنّ منح القيادة للرجل داخل الأسرة، وولادة الأبناء الذين يستطيعون ـ دون غيرهم ـ أن يُلحقوا بالأب ويرثوا تركته، هو الهدف الوحيد للزواج الأحادي، وبالتالي يظهر الزواج الأحادي على شكل خضوعِ أحد الأجناس للجنس الآخر، وذلك بمثابة إعلانٍ شديد اللهجة عن الاختلاف بين الجنسين بحيث لم يكن له سابقة منذ عصر ما قبل التاريخ وحتّى زمننا الحاضر، وقد فقدت إدارة شؤون المنزل في هذا النوع من الزواج خصوصيّتها العامّة، ولم تعد أمرًا مرتبطًا بالمجتمع، بل أصبحت من الخدمات الخاصّة، وأصبحت المرأة أوّل خادمةٍ منزليّةٍ، وتمّ إبعادها عن المشاركة في الإنتاج الاجتماعي.

(159)

يُصرّح «إنجلز» بأنّ العائلة الجديدة، مبنيّةٌ على الاستعباد المنزلي للمرأة سواءً بنحوٍ ظاهرٍ أم بنحوٍ خفي، ويعتقد بأنّه إذا زال التفوّق الاقتصادي للرجل (نتيجة للتغييرات الاقتصاديّة) فسوف يزول تفوق الرجل في الزواج بالتبع.[1]

النسويّة الراديكاليّة والأسرة

يصل البحث حول الأسره إلى ذروته في النسويّة الراديكاليّة، فخلافًا للنسويّة الليبراليّة التي لها نظرة هامشيّة نسبيّاً فيما يتعلق بالأسرة، وخلافًا للنسويّة الماركسيّة التي ترى الأسرة انعكاسًا للنظام الاقتصادي ـ حيث صنعها الرجال ذو الأملاك بناءً للمصالح الاقتصاديّة ـ تعتبر الراديكاليّات الرجلَ العدوّ الأساسيّ، أمّا الأسرة فهي الوسيلة الأساسيّة لظلم الرجال للنساء عن طريق الاستعباد الجنسي والإكراه على الأمومة.

في وجهة النظر هذه، يُعتبر الزواج مؤسّسةً يستمر من خلالها الاضطهاد الدائم للنساء لأسبابٍ اقتصاديّة وماليّة وقانونيّة وسياسيّة وعاطفيّة، وهناك رجالٌ يستفيدون من العلاقة المتسلّطة داخل الأسرة، والأسرة تُمثّل بالنسبة لهم منشأً للرضا النفسي، فالأسرة علّةٌ ومعلولةٌ أيضًا لتقليل احترام النساء.

وعلى هذا، فإنّ الردايكاليّات مُنكراتٌ للتكامل الذي يُقدّمه كلٌّ من الزواج والحياة الأُسريّة للنساء ومنكرون لكونه مفيدًا للنساء،

(160)

وقد فصّلت «سيمون دي بوفوار» في كتابها الجنس الآخر أضرار الزواج بالنسبة للنساء واستنتجت في الأخير بأنّ الزواج دائمًا ما يُدمّر المرأة.[1]

تستذكر «آن أوكلي» كلام «لينين» الذي قال: حينما يكون نصف السكّان أسيرًا في المطبخ، فلن يكون بإمكان أيّ أمّةٍ أن تُصبح حرّةً، وطريق تحرير النساء يتلخّص بهذه الحلول الثلاثة:

1- يجب إلغاء دور المرأة مربية المنزل؛

2- يجب إلغاء الأسرة؛

3- يجب إلغاء أدوار الجنسين بصورةٍ كاملةٍ.[2]

وعلى حدّ قوله: إنَّ الهبة الوحيدة التي قدّمتها الأسرة للنساء، هي التدريب المهني على دورها كربّة منزلٍ، ولهذا فإنّ إلغاء هذا الدور يستلزم إلغاء الأسرة واستبدالها بعلاقاتٍ أكثر انفتاحًا ومرونةً؛ لا أن يكون الرجل مُعيلًا والمرأة ربّة منزلٍ والأبناء عالة، بل أفرادٌ في علاقةٍ حميمةٍ اختياريّةٍ مع بعضهما البعض ويعيشان في جوٍّ يسمح لكلٍّ منهما أن يختار مصيرًا منفصلًا لنفسه.[3]

(161)

ولهذا، يعتبر الطلاق في النسويّة الراديكاليّة أمرًا إيجابيّاً، ويُساهم في التحرّر الفرديّ من مؤسّسة الزواج، وتمّ تعريف طلب الانفصال ـ يعني: الابتعاد عن أيّ نوعٍ من العلاقة مع الرجال بسبب عدائهم وشرّهم الذاتيّيْن ـ على أنّه أسلوبٌ عمومي للتحرّر.[1]

وتقترح «كيت مليت» أسلوب الثورة الجنسيّة، ومعنى هذه الثورة هو انتهاء الزواج الأحادي وأيديولوجيّة الأمومة بحيث تُصبح رعاية الأبناء بشكل جماعي بدلًا من الأسرة الخاصّة، أمّا الخاصيّة الأخرى لهذه الثورة، فهي حريّة العمل، وحريّة الاختيار في العلاقات الجنسيّة سواءً مع الجنس الآخر أو مع نفس الجنس.[2]

الأمومة والإنجاب

ذُكر بأنّ أحد الأدلّة على أهميّة بحث الأسرة بالنسبة للنسويّات هو أنّه أهمّ دورٍ تؤدّيه النساء ـ أي الأمومة ـ داخل الأسرة، وهناك اختلاف بين منهج النسويّة الليبراليّة وبين منهج النسويّة الراديكاليّة فيما يتعلّق ببحث الأمومة وبالتبع فيما يتعلّق ببحث الأسرة، ويُمكن القول بنحوٍ عامٍّ: إنّ النسويّة الليبراليّة تُوافق على مبدأ الأمومة، وليس من بحثٍ أو نقاشٍ في الأمر؛ ولكنّها تُؤكّد على أنّ الأمومة ينبغي أن تكون من اختيار النساء ولا تُفرض فرضًا على الأمهات؛ ولذلك تُطالب بحقّ الإجهاض وبحقّ تحديد النسل بهدف الحفاظ

(162)

على الحقوق الفرديّة للنساء؛ ولذلك ترفض الليبراليّة أيّ نوعٍ من أنواع السيطرة من قبل الرجال أو الحكومة على هذا الحقّ الفردي للنساء.[1]

ورغم اتّحاد صوت الراديكاليّين مع الليبراليّين في المطالبة بحقّ الإجهاض وتحديد النسل، إلّا أنّ الراديكاليّة تختلف معها جذريّاً في أصل قضيّة الأمومة، إذ تعتبر دور الأمومة منشأً لظلم النساء وتبعيّتهنَّ.

ومن جملتهم «سيمون دي بوفوار» التي كانت تعتقد بأنَّ تشريع تحديد النسل والإجهاض بشكلٍ قانونيّ يسمح للنساء بأن يتحمّلنَ مسؤوليّة أمومتهنَّ بحريّةٍ[2]؛ ولكنّ نظرتها تجاه الحمل والأمومة نظرةٌ سلبيّةٌ تمامًا، وهي تعتقد بأنّ الرجال يفرضون هذه الأدوار والمسؤوليّات على النساء، من خلال تقديس الحمل والأمومة وتقييمهما على أنّهما أمران مهمّان، ويسعون من ناحيةٍ أخرى إلى إقناعها بالقبول بالمسؤوليّات الناجمة عن الأمومة، وتصويرها للنساء على أنّها مسؤوليّاتٌ طبيعيّةٌ من خلال ترويج النظريّات حول غريزة الأمومة.

ورى «دي بوفوار» أنّ الأمومة مصيرٌ صُمّمتْ المرأة فيزيولوجيّاً من أجله؛ ولكنّ المجتمع البشري لم يُودَع بيد الطبيعة أبدًا، ويرى

(163)

أنّ وسائل الحدّ من النسل والإجهاض هي وسائل لفرار النساء من الأمومة، وقالت «دي بوفوار» في كتابها الجنس الآخر :«لا وجود لغريزة الأمومة، وهذه الكلمة لا تستعمل في أيّ موردٍ من النوع البشري»، وتُواصل في تفصيل الأمراض والمشاكل النفسيّة التي تُصاب بها الأمّهات عادةً، ويبدو جليّاً تشاؤم «دي بوفوار» تجاه الحمل والأمومة حينما تقول: الحمل جالبٌ للغمّ بينها وبين نفسها...، الجنين قسمٌ من جسدها، وهو طفيليٌّ يتغذّى عليها، والمرأة المحاصرة ببراثن الطبيعة ليست إلّا نباتًا وبهيمةً، مخزنٌ للجيلاتين، آلةٌ للتفريخ.[1]

تركز «آن أوكلي» على ضرورة الفصل في نوعي الأمومة:

1- الأمومة البيولوجيّة، بمعنى نمو الجنين البشريّ في جسد المرأة؛

2- الأمومة الاجتماعيّة، بمعنى الرعاية بعد ولادة الطفل والرضاعة و... .

وتعتقد «أوكلي» بأنّ هذا الواقع الطبيعي ـ أيّ ظاهرةُ تكوّن جنين الإنسان ونموّه ثمّ تغذيته التي هُيّيء لها بدنُ المرأة ـ لا ينبغي أن يكون سببًا لإلقاء وظيفة رعاية الطفل وتربيته على عاتق المرأة، فبرأي «أوكلي»: تُمثّل تنشئة الطفل التي تبدّلت في العالم المعاصر إلى مسؤوليّةٍ معقّدةٍ قضيّةً تاريخيّة واجتماعيّةً، ولذا فهي قضيّة تقبل التغيير؛ ولذلك ينبغي أن تُسحب هذه المسؤوليّة من عهدة النساء.[2]

(164)

وتعتقد «أوكلي» بأنّ الرجال يسعون من خلال إطلاق إشاعاتٍ أصوليّة إلى إعاقة النساء بالأطفال، مثل: القول بحاجة الطفل الطويلة المدى للأمّ دون الأب، ودور الأمّ الخطير في تشكيل هويّة الأبناء وتربيتهم، وتعريف الأمومة على أنّها وظيفةٌ خطيرةٌ غنيّةٌ بالمسؤوليّات بالنسبة للنساء.[1]

تُطالب «كيت ميلت» هي الأخرى بإسقاط دور الأمومة، وأن تكون تربية الأبناء على عاتق الرجال أو المؤسّسات الاجتماعيّة[2]؛ وكذلك ترى بعض الراديكاليّات بأنّ تحرير المرأة إنّما يتحقّق عبر تحريرها من الأمومة البيولوجيّة، وتعتبر «فايرستون» أنّ جذور تبعيّة المرأة وجميع مآسيها يعود إلى أنّ طبيعة الجنين وقابليّته على النمو والتكامل موضوعةٌ في جسمها، فتُقيِّم الخصوبة على أنّها وضعٌ غير إنسانيٍّ[3] والأمومة على أنّها أمرٌ مضادٌّ لحريّة المرأة[4]، فمن وجهة نظرها لا يبقى

(165)

سببٌ لخصوبة وأمومة النساء مع التطور التكنولوجي، ويجب أن يُمنح هذا الدور للمختبرات.[1]

وخلافًا لـ «فايرستون» التي تعتبر تكنولوجيّة الخصوبة المختبريّة هي المفتاح لحريّة النساء، تنْظر بعض النسويّات بقلقٍ وسوء ظنٍّ كبيرٍ إلى هذه التكنولوجيا، وتعتقد هؤلاء النسويّات بأنّ الرجال استطاعوا من خلال السيطرة على علم الطبّ وإبعاد النساء عن هذا المجال أن يُسيطروا على مستقبل الإنجاب، ومن هذا المنظور، نرى أنّ قدرة المرأة الخاصّة على الإنجاب والأمومة تمنحها قوّةً لا يتمتّع بها الرجال ولذلك يخشونها؛ وفي النتيجة يُريدون أن تبقى قدرة النساء هذه تحت سيطرتهم[2]، أمّأ «أدرين ريتش» فتنظر إلى الأمومة من جانبين:

1- تجربة الأمومة التي تمنح النساء لذّةً وقوّةً؛

2- مؤسّسة الأمومة الاجتماعيّة التي هي العلّة والجذر لسيطرة الرجال وقمع النساء في المواقف الاجتماعيّة، السياسيّة و... .

وتعتقد بأنّ سيطرة الذكور على الولادة والأمومة، بدّلت الأمومة إلى مجالٍ ظالمٍ؛ في حين أنّ الأمومة بحدّ ذاتها أمرٌ إيجابيٌّ.[3]

(166)

وفي هذا السياق، تعتبر بعض النسويّات أنّ الإنجاب المختبري استمرارٌ لسيطرة الرجال على قوّة الأمومة؛ فعلى سبيل المثال: تعتقد «جانسيس ريموند» (1985 م) بأنّ التكنولوجيّات الحديثة المرتبطة بالانجاب، عبارةٌ عن وسيلةٍ للذكور، وبذلك لم يقتصر الأمر على كونهم سيطروا على الإنجاب، بل سحبوا مسألة الإنجاب من أيدي النساء.[1]

2. المساواة والاختلاف[2]

يُمكن القول حقيقةً: إنّ محور كافّة النظريّات النسويّة، هو البحث عن المساواة والاختلاف، والمناهج المختلفة التي سلكتها الاتّجاهات النسويّة المتعدّدة فيما يتعلّق بموضوع جُذور تبعيّة النساء، والوضع المثالي المطلوب، والأساليب التي اعتمدوها، مرتبطةٌ بما سيجيبون على هذا السؤال: هل المرأة والرجل متساويان؟ ولذلك ينبغي التعامل معهما بأسلوبٍ واحدٍ وبتساوٍ أم أنّهما مختلفان، ولذا ينبغي التعامل معهما باختلاف؟

هذا السؤال دائمًا ما يشغل أذهان النسويّات ولم يتمكّنَّ في أيّ وقتٍ من الأوقات أن يصلنَ إلى نوعٍ من الاتّفاق حوله، ولكنّ سعة نطاق هذا المبحث هو من ضمن الأسباب التي خلقت المشاكل في توافق النسويّات حول مسألة المساواة والاختلاف، وكانت النسويّات مجبوراتٍ على تشخيص موقعهنَّ مقابل العدد الكبير من الأسئلة

(167)

في هذا البحث؛ فبعض هذه الأسئلة عبارةٌ عن ما يلي: هل المرأة والرجل أفرادٌ متساوون تمامًا؟ فإن كان الجواب بالإيجاب، فإذن ما هو سبب كلّ هذا الاختلاف في الوظائف والأدوار والسلوك والشعور والعلاقات والأذواق وردّات الفعل، والقدرات والاتّجاهات؟ وإلى جانب هذه الأمور، كيف يُمكن تحليل مسألة الاختلاف الظاهري والبيولوجي والقدرات المختلفة فيما يتعلّق بالإنجاب؟

إن كانت مثاليّة المجتمع البشري تتمثّل في المساواة بين المرأة والرجل، فما هي سبل تحقيق هذه المساواة؟ والأمر الآخر: هل يجب نشر المساواة في جميع جوانب الحياة أم في بعض الجوانب، وفي هذه الحالة، في أيّ الجوانب يكون ذلك؟

ومن ناحيةٍ أخرى إذا كان كلٌّ من المرأة والرجل كائنين مختلفين، فلأيّ حدٍ وأين يقع هذا الاختلاف؟ وهل تحمل هذه الاختلافات قيمةً بحيث تجعل لطرفٍ علوّاً على الطرف الآخر؟ وكيف يجب أن يكون تعامل القانون مع هذه الاختلافات؟

ومن الطبيعي أن لا يحصل اتفاقٌ في وجهات النظر حول القضايا المعقّدة للنظريّات النسويّة التي لكل منها مجالٌ واتّجاهٌ وتاريخٌ خاصٌّ بها؛ ولذلك تبدّل السؤال الدائم للنسويّات عن المساواة أو التساوي إلى المعضلة الأبديّة للنسويّة[1] وفق تعبير «فريدمان».

هناك مشكلةٌ أخرى جعلت اتفاق النسويّات على رأيٍّ واحدٍ أصعب، وهي المضاعفات والنتائج التي سيعلقن فيها في حال

(168)

اختيارهنَّ لأحد النهجين ( المساواة أو الاختلاف)؛ ولذا قامت كلّ مجموعةٍ ـ بهدف الفرار من هذه المضاعفات ـ بالاحتماء بالأخرى، وبالطبع لم تكن في أمانٍ من مضاعفات الطرف الآخر.

وسيتناول القسم التالي بحثًا وتحقيقًا يتعلّق بتشكيل نظريتي المساواة والاختلاف خلال الموجة الأولى من النسويّة، وسبب الاتّجاهات النسويّة في كلٍّ من النظريتين، ثمّ مراحل تكامل هاتين النظريتين وتغييرهما.

المساواة

أهم مبدأين مميّزين لنظريّة المساواة هما التركيز على مساواة المرأة للرجل، وإنكار الاختلافات بين الجنسين، وتشير الدراسات إلى أنّ مبدأ المساواة بين المرأة والرجل تشكّل تحت تأثير تعاليم الليبراليّة وآراء عظماء التنوير بشكلٍ مباشرٍ، وخصوصًا «ديكارت»، والموقف الذي تتبناه النسويّات اللواتي يُؤمنَّ بالمساواة فيما يتعلّق بالاختلافات بين الجنسين، ناجمٌ عن تعاليم الليبراليّة المطالبة بالمساواة ونظرة التحقير للثقافة الغربيّة تجاه اختلافات النساء.

تأثير الليبراليّة على نظريّة المساواة

كما مرّ سابقًا[1]، بما أنّ أولى الأحداث النسويّة حصلت في ظلّ الليبراليّة، لذا فقد أصبح شعار المساواة محلّ اهتمام النسويّات نتيجةً للتعاليم الليبراليّة، وحيث إنّ العقل والذكاء البشري يُمثّل في

(169)

الجوّ الذي نشأت فيه النسويّة الليبراليّة جوهرةً لا بديل عنها، مضافًا إلى ما يمتلكه من القدرات والإمكانات الواسعة التي يُمكن لنا أن نتصوّرها له، لذا يُمكن اعتبار العقل هو المعيار لشرف الإنسان وعلّو مقامه مقارنةً بسائر الموجودات.

وتدّعي الليبراليّة كذلك أنّ البشر يستحقّون احترامًا وإكرامًا وحقوقًا عديدةً بسبب تمتّعهم بهذه الموهبة الفريدة.

هناك منهجٌ فكريٌّ جديدٌ أثّر على الأساس الثقافي لذلك الزمان، نبع من تعاليم «ديكارت» الفلسفيّة، وقد قدّم «ديكارت» ـ الذي يُعدّ أبًا للفلسفة والعصر الجديد ـ نظريّاتٍ جديدةً كان لها تأثيرها في تاريخ الفكر الفلسفيّ الغربيّ؛ ومن ضمنها ثنائيّة الروح والجسد، حيث يعتبر أنّ الإنسان مكوّنٌ من جوهرين مختلفين مستقلين (الروح والجسد) وعلى الرغم من ارتباطهما ببعضهما البعض إلّا أنّه لا تأثير لأحدهما على الآخر.[1]

وأحد نتائج الاعتقاد بنظريّة الثنائيّة لـ«ديكارت» أنّه إذا لم يكن هناك من تأثيرٍ للجسد مطلقًا على الروح والعقل، إذن ليس للفروقات الجسديّة ( لون البشرة، القوم، القوميّة ومنها الجنس أيضًا) أيّ تأثيرٍ على القدرات العقليّة للبشر؛ ولذا يدّعي «ديكارت» في كتابه مقالٌ عن المنهج: «قُسّم العقل بين البشر بشكلٍ أفضل من أيّ شيءٍ آخر... العقل والذكاء متساويان لدى الجميع»[2].

(170)

تعتقد النسويّات بالتساوي الفكريّ بين النساء والرجال بعد الجمع بين رأي الليبراليّة فيما يتعلّق بالحقوق الطبيعيّة للأفراد المبنيّة على الاستفادة من العقل، وبين رأي «ديكارت» القائل بمساواة العقل بين كافّة البشر، ولذا أصبحنَ يُطالبنَ بمنزلةٍ وحقوقٍ متساويةٍ مع الرجل.

إنكار الاختلافات واعتبارها مزيّفة

بعد اعتماد النسويّات منهج المطالبة بالمساواة أُجبرنَ على تحديد موقعهنَّ فيما يتعلّق بالاختلافات الموجودة بين الجنسين، ففي هذه المرحلة أصبحت النسويّات اللواتي يتّبعنَ هذا المنهج مُنكراتٍ لكلّ فرقٍ أصيلٍ وجوهريٍّ بين المرأة والرجل، واعتبرنَ الفروقات الموجودة صنيعةً صنعتها الثقافة والآداب والعادات وأساليب التربية المختلفة، وخلاصة القول: اعتبروها مُزيّفة ومُصطنعة.

ولكن لماذا أصبحت النسويّات منكراتٍ للفروقات فاعتبرنها صناعيّةً؟ ينبغي دراسة جذور هذا البحث في التعاليم الليبراليّة وعصر التنوير وكذلك في نظرة التحقير التاريخيّة للثقافة الغربيّة تجاه اختلافات النساء.

تأثير الليبراليّة على اعتبار الاختلافات مُصطنعة

كما ذكرنا سابقًا، تشكّلت هذه العقيدة في عصر التنوير ومع ترويج الليبراليّة، أي أنّ العقل موجودٌ في جميع البشر بأكمل صورةٍ وأتمّها؛ ولكن تمّ التركيز أيضًا على هذه المسألة، وهي أنّ العقل

(171)

ينبغي أن يخضع للتعليم ليتكامل ولكي تصل استعداداته وإمكاناته إلى فعليّتها، ولا يُمكن للعقل أن يتعلّم الأسلوب السليم في التفكير إلّا من خلال التعليم.[1]

وقد طرح بعض مفكري عصر التنوير بحثًا آخر في هذا المجال، وهو بحث اللوح الأبيض، إذ يدّعي هؤلاء المفكّرون بأنّ ذهن الإنسان يكون كاللوح الأبيض[2] عند الولادة، فيكون خاليًا من أيّ فكرٍ واعتقادٍ؛ فلا وجود لأيّ عقيدةٍ ذاتيّةٍ وأصيلةٍ، ثمّ يمتلأ لوح الذهن بالمعتقدات والمعارف من خلال التعلّم (مما يصله من الثقافة والآداب والعادات والدين وأمثالها)؛ ولذا يُمكن تغيير كافّة المعتقدات من خلال التعليم.[3]

ونتيجةً لهذه التعاليم، اعتبر مناصرو حقوق النساء في ذلك الزمان أمثال «جون استيوارت ميل»[4] و«كوندروسيه»[5] أنّ الصفات والاستعدادات والقدرات المختلفة التي نسبها المجتمع للنساء ليست أصيلةً وليست ذاتيّةً، وهي نتيجةٌ لتعاليم خاطئةٍ ومختلفةٍ من قبل المؤسّسات الاجتماعيّة أو نتيجةٌ لحرمان النساء من التعليم الصحيح والمتساوي.

(172)

كتب «المركيز دو كوندروسيه» الوجه البارز لليبرالية الفرنسيّة في مقالةٍ بعنوان القبول بحقّ المواطنيّة للنساء مخاطبًا فيها مخالفي حقوق النساء: أرني اختلافا واحدًا بين المرأة والرجل يُمكن اعتباره أساسًا للمحروميّة. وكان يعتقد كذلك بما يلي: لقد تمّ قمع قدرات النساء وابتعدت عن التكامل إثر التعليم المتدنّي والشعبي الذي كان يُعدّ مناسبًا للشابات.[1]

اعتبر «جون استيوارت ميل» في كتابه استعباد النساء أنّ عدم المساواة في الحقوق بين المرأة والرجل لا يتناسب مع الحضارة الجديدة، وهو يرى بأنّ هذا النوع من عدم المساواة، ناشيءٌ عن مبدأ تفوّق الأقوى الذي وضعه النوع البشري على رأس قائمة سلوكه في أغلب أقسام حياته وحتّى في الأزمنة التي ادّعى بها التحضّر والرقي، ويعتبر «ميل» أنّ موقعيّة المرأة تُحدّد عبر نوعِ تعليمهنَّ وتربيتهنَّ حيث يتعلّم النساء في هذا النوع من التعليم الأخلاقيّات التقليديّة، ووظيفة المرأة أن تحيا من أجل الآخرين، وأنّ وجودها بأكمله إنّما يتجلّى في المحبّة وفي تسليمها وإحناء رأسها، وفي أن لا يكون لها إرادة من ذاتها وفي أن تضع اختياراتها بيد رجلٍ قديرٍ.[2]

ويُشير «ميل» باعتباره مفكرًا ليبراليّاً إلى ما يلي: إنّ الأفراد الذين يحرِمون النساء من الحريّة والحقوق التي يُجيزونها للرجال، يقعون

(173)

في تعارضٍ؛ لأنّهم من ناحيةٍ يُخالفون الحريّة ومن ناحيةٍ أخرى يقبلون بالتمييز.[1]

تعتبر «ماري ولستون كرافت» وهي من مؤيدي نظريّة المساواة أيضًا، في كتابها المشهور إثبات حقوق المرأة بأنّ الذهن لوحةٌ بيضاء يُملأ عبر التعليم والتربية، وقد استنتجت من هذا المبدأ بأنّ النساء عبارةٌ عن نتاج ظروفٍ ترعرعنَ عليها أيضًا، وتطرح كذلك بسبب تأثّرها بنظريّة وحدة العقل البشري هذا السؤال: حينما تكون المرأة والرجل متساويان في العقل، فمن الذي أودع حقّ الرئاسة والحكم والقيادة عند الرجال؟[2]

نظرة احتقار الغرب للنساء

إنّ دراسة آراء مفكّري الغرب منذ العصور القديمة إلى عصر التنوير وحتّى بعد ذلك، تُشير إلى نظرةِ الاحتقار الشديدة تجاه النساء؛ فترى فيها المذمّة والملامة والألفاظ السيّئة وعبارات التحقير وتلمس فيها أحيانًا الشعور بالكراهيّة حتّى، فإنّ كلمات المفكّرين الرجال التي ذاع صيتها في الغرب حول النساء، تُصيب الإنسان بالحيرة وتدعوه إلى التأمل حقيقةً.

واستمرارًا لهذا الرأي، يرى «سُقراط» الفيلسوف اليوناني العظيم بأنّ وجود المرأة هو أكبر سببٍ لانحطاط البشريّة، ويعتقد

(174)

«فيثاغورس» وهو فيلسوفٌ يونانيٌّ آخر بأنّه هناك مبدأٌ جيّدٌ وهو الذي خلق النظام والنور والرجل، وهناك مبدأ سيّءٌ وهو الذي خلق الفوضى والظلمة والمرأة؛ ويعتقد «أرسطو» هو الآخر بأنّ المرأة ليست إلّا رجلٌ ناقصٌّ وخطأٌ حصل في الطبيعة ونتاج نقصٍ في الخلقة.[1]

ووفقًا لعقيدة «أرسطو» حينما عجزت الطبيعة عن خلق الرجل خلقت المرأة، والنساء والعبيد محكومون بالأسر وفق حكم الطبيعة، وغير صالحاتٍ للاشتراك بأيّ طريقةٍ في الأعمال العامّة.[2]

في سنة 568 م أقيم مؤتمرٌ لتناول هذا الموضوع وهو: هل المرأة إنسانٌ أم لا؟ أمّا «توما الإكويني» المُفكّر المسيحي الأشهر في القرون الوسطى فكان يعتقد كذلك بأنّه لا ينطبق على المرأة الغرض الأوّل للطبيعة أي طلب الكمال، بل ينطبق عليها الغرض الثاني للطبيعة أي النتانة والقبح والهرم.[3]

ووفقًا لقول «تيتشمان»: إنّ هذا النوع من الفكر العجيب موجودٌ أيضًا في كتابات عددٍ من المفكّرين ومنهم «أرسطو» و«شوبنهار» و«فرويد» و«أتو وينغر» و...، حيث يرون بأنّ النساء رجالٌ غير

(175)

طبيعيّين، طفوليّات، إمّا مرضى أو عقيمات[1]، والبحث المحوري لتقابل الأضداد في الثقافة الغربيّة ووضع المرأة كرديفٍ للوضاعة والظلمة والعدم والجهل وأمثال هذه الأمور[2] شاهدٌ مهمٌّ على هذا الأمر، ومن البديهي أن أفكار مفكّري كلّ مجتمعٍ تقع تحت تأثير ثقافة ذلك المجتمع من ناحيةٍ كما تكون بانيةً للثقافة بدورها من ناحيةٍ أخرى؛ أي إنّ هذه النظرة السلبيّة المحقرّة موجودةٌ بشكلٍ مشتركٍ بين كافّة المجتمعات الغربيّة.

ولذلك، كانت النساء في المجتمعات الغربيّة محلّ تحقيرٍ دائمًا بسبب اختلافهنَّ عن الرجال؛ وببيان آخر: الاختلاف ليس أمرًا حياديّاً، بل ذا قيمةٍ سلبيّةٍ؛ ومن ناحيةٍ أخرى لم تستقرّ هذه النظرة السلبيّة فقط في ذهن الرجال وفكرهم بل انسحبت على المجال العملي؛ فمثلًا مِن وجهة نظر الرجال تمّ تشخيص النساء على أنّهنَّ عاجزاتٍ وغير قادراتٍ على أداء الأمور الخطيرة السياسيّة والاجتماعيّة والإدارية؛ وذلك بسبب ضعف قواهنَّ الجسديّة والفكريّة وامتلاكهنَّ للروح الانفعاليّة والمشاعر وبسبب الاختلافات البيولوجيّة، واعتبروا بأنّ وظيفة المرأة الحصريّة هي أداء المهام المنزليّة والاهتمام بالزوج والأبناء وتقديم أنواع الخدمات لهم.

فعلى سبيل المثال «جان جاك روسو» ـ وهو من المُدّعيين المعروفين للحريّة وللمساواة والحقوق الفرديّة في القرن الثامن

(176)

عشر ـ يقول بصراحةٍ تامّةٍ: إنّ النساء غير مستحقاتٍ للحقوق الطبيعيّة وذلك بسبب اختلافهنَّ عن الرجال وخصوصًا في الأمور العقلانيّة[1]، وهو ـ كغيره من كبار عصر التنوير ـ يعتبر أنّ التعليم ضروريٌّ لنموّ ذكاء الرجال لا النساء، ويُؤكّد «روسو» في كتابه المشهور إميل، تربيّة الطفل من المهد إلى الرشد الذي أسّس فيه للتربية والتعليم على ما يلي: يجب تعليم النساء ليكتسبن صفاتٍ كاللطف والصبر والطاعة والتسامح العظيم، وكلّ ذلك من أجل أن تتربّى النساء من أجل الرجال حصرًا.[2]

ويصرّح «روسو»: «المرأة موجودةٌ من أجل الرجل فقط؛ أي أنّها خُلقت لأجل ذلك؛ أي لتحظى بإعجابه وتعمل على إطاعته، فهذا مقتضى الطبيعة»[3]، ويُؤكّد قائلًا:«في النتيجة، يجب أن يُصمّم تعليم النساء لكمال الارتباط بالرجال ولأجل رضا الرجال؛ ولأن تكون مفيدةً للرجال وكي تجلب محبّة الرجال واحترامه...».[4]

ويَعتبر «روسو» أنّ كلًا من الظروف البيئيّة ونوع التعليم الغالب في المجتمع دخيلان في تشكيل أوجه القصور لدى البشر؛ وفي المقابل يرى أنّ كافّة أوجه القصور عند النساء فطريّةً وطبيعيّةً.

(177)

ويرى في كتاب إميل، أنّه ينبغي تعليم إميل (بطل القصّة)[1] خلال عمليّة تربيته كيفيّة الخروج من تأثير المحيط الاجتماعي الخانق، والحصول على دليلٍ مستقلٍّ؛ وفي المقابل ينبغي تعليم صوفي (بطلة القصّة) أنَّه يترتب عليها مجموعةٌ من الأدوار الأنثويّة والطبيعيّة والتي تشمل: الحياء، والتواضع، والانفعال والمقاومة القابلين للانتصار قبال الرجال.[2]

وكانت النسويّات شاهداتٍ على هذه المسألة، وهي أنّ اختلافات النساء هي دائمًا نقطة البداية والعذر المستمرّ لحرمانهنَّ من الميزات التي امتاز بها الرجال وباختصار هي سبب تبعيتهنَّ؛ ولذلك رأينَ بأنّ التحرّر من موقعيّة التبعيّة إنّما يحصل في إطار إنكار أيّ نوعٍ من الاختلاف.

وبذلك، كانت أولى الأصوات النسويّة ـ والتي ظهرت في الموجة النسويّة الأولى وفي قالب النسويّة الليبراليّة ـ تدّعي المساواة التامّة بين المرأة والرجل، وتُنكر أيّ اختلاف بين المرأة والرجل؛ وبناءً عليه فقد طالبت هذه الفئة من النسويّات أن يتعامل القانون بالمساواة بين الجنسين، وبأنّ كلّ قانون شُرّع بناءً على الاختلافات بين الجنسين ـ حتّى لو كان لمصلحة النساء ـ فهو مخالفٌ لمبدأ

(178)

المساواة، وغايته إحكام مبدأ الاختلاف، ولذا يُعتبر في النتيجة مُضرًّا للنساء على المدى البعيد، فعلى سبيل المثال: قيّم المعتقدون بهذه النظريّة ـ فيما بعد ـ القوانين التي تهدف إلى حماية النساء، على أنّها نوعٌ من الإهانة للنساء، وبأنّها تهدف إلى إضعافهنَّ، ولذا فهم يعتقدون بأنّه ينبغي أن تتساوى النساء مع الرجال بنحوٍ تامٍّ، لا في الحقوق والمزايا فقط، بل في الواجبات والمسؤوليّات أيضًا؛ فعلى النساء والرجال العمل بشكلٍ مُتساوٍ خارج المنزل لأجل اكتساب الدخل للأسرة، كما أنَّ أداء الواجبات المنزليّة ورعاية الأبناء يقع على عاتقهما كليهما أيضًا، وأمّا في المجتمع، فينبغي أن تُتاح فرص العمل والإدارة والسياسة والتعليم بشكلٍ متساوٍ بدون أن تتمحور هذه الأمور حول الجنس، ولا ينبغي الأخذ بعين الاعتبار أيّ فرقٍ بين المرأة والرجل، فينبغي أن يعمل كلٌّ من النساء والرجال عددًا متساويًا من ساعاتِ العمل، وأن يتمتّعا بإجازاتٍ متساويةٍ؛ وعندما تُنجب الأسرة طفلًا، فينبغي أن يحصل كلٌ من المرأة والرجل على إجازةِ الولادة بنحوٍ متساوٍ؛ لأنَّ كلا الطرفين مسؤولٌ عن رعاية الطفل بنحوٍ متساوٍ.

الاختلاف

رغم أنّه في المراحل الأولى من الموجة الأولى كانت أغلبُ التيّارات النسويّة مبنيّةً على نظريّة المساواة، إلّا أنّه في المراحل التالية لهذه الموجة ظهر تيّارٌ فكريٌّ آخر رويدًا رويدًا، وهو يركزُ ـ خلافًا للنسويّة الليبراليّة ـ على الفروقات بين الجنسين ويتقبّل

(179)

وجود مثل هذه الفروقات، وكانت بعض المؤيّدات لهذا التيّار من النساء المسيحيّات المتديّنات، وكنّ يرين بأنّ مبدأَ المساواة وإنكار الفروقات بين الجنسين هو أمرٌ مخالفٌ للتعاليم المسيحيّة، ولذلك عُرفن بالنسويّات الإنجيليّات.[1]

وربّما يُمكن القول بأنّ الإصرار المطلق الذي كان لدى النسويّة الليبرالية تجاه المساواة المطلقة بين المرأة والرجل اعتُبِر مُخرّبًا بنظر الذوق العام وحتّى بنظر نفس النساء وبعيدًا عن الواقع بشكلٍ مفرطٍ؛ ولذا اعتبر تشكيل نظريّة الاختلاف ردةَ فعلٍ انتقاديةٍ في الواقع تجاه نظريّة المساواة.

وازداد في تلك الفترة البحث حول النسويّات الحقيقيّات والنسويّات الجيّدات؛ ففي حين اعتبرت النسويّات الليبراليّات أنّ النسويّة الجيّدة هي النسويّة التي تُحارب كلّ نوعٍ من التمييز والتي تبقى وفيّةً لشعار المساواة، وبالتالي اعتبرت الليبراليّات بأنّ النسويّات اللاتي وافقن على وجود اختلافاتٍ هنّ نسويّاتٌ مُـتطرّفاتٌ ومن نسويّات ماوراء النسويّة، أمّا هنّ فكنّ يعتبرنَ أنفسهنّ نسويّاتٍ معتدلاتٍ وكنّ يعتقدنَ بوجود الحاجة لنسويّةٍ جديدةٍ مبنيّةٍ على احتياجات النساء، لا على مجرّد فرض المساواة.[2]

وفيما يلي سنتناول نظريّات النسويّات القائلات بالاختلاف كما

(180)

سنتناول نقدهنَّ لمؤيّدات المساواة:

التركيز على الصفات المختلفة والمميزة للنساء

في السنوات 1870 م و1880 م ظهر تيّارٌ باسم «التحصين الاجتماعي» والذي كان يُوجه بعض المفاسد بناءً على تعاليم الإنجيل ومبادئِه، من قبيل: شرب الكحول وإظهار العنف والإفراط في الميول الجنسيّة التي كانت شائعة بين الرجالِ وتهدّدُ الأُسَر، وقد ترعرعت نظريّة الاختلاف داخل هذا التيّار الذي كان محلّ قبولٍ من قبل العديد من النساء؛ بحيث كانت النسويّات المؤيّدات للاختلاف ـ وقد اشتهرن كذلك بالنسويّة المؤيّدة للكنيسة أو النسويّة الإنجيليّة ـ ترينَ بأنَّ المفاسد التي تمّ ذِكرُها في الأعلى بمثابة إلهٍ للشرّ بالنسبة للذكور والرجال، وأمّا النساء فهنّ أعلى وأطهر من الناحية الأخلاقيّة وهنّ منزّهاتٌ عن هذه المفاسد.[1]

وبهذه الطريقة تشكّلت النظريّة التالية: في الوقت الذي كان الرجال فيه أهل الفساد والعنفِ والمنافسة والسعي نحو المصالح والسلطة الخاصّة، كانت النساء أهل التعاون واللطف والصلح والإيثار وكانت قلوبهم مشغولةً بالخدمات العامّة والشعارات الراقية، فهم أعلى وأرقى من الرجال من الناحية الأخلاقيّة.[2]

(181)

المساواة تعني الرجوليّة ورفض الخصائص المتعاليّة للنساء

لقد تحدّت نسويّة الاختلاف هذه الفكرةُ الموجودة في اتجاه المساواة والتي تُطالب بأن تتمتّع النساء بذات الحقوق التي للرجال.

وأحد الانتقادات التي أوردت على مبدأ المساواة هو أنَّ هذه النظريّة تعتبر حقوق المواطن الذكر هي النموذج الأساسي للحقوق التي ينبغي منحها للنساء، وفي الحقيقة جعل الرجال بذلك معيارًا للنساء، وتعتقد نسويات الاختلاف بأنَّ التمحور حول الذكورة والغفلة عن اختلافات النساء، تسوق النساء باتجاه أن يصبحن رجالًا وتتسبّب في زوال الخصائص الأنثويّة القيّمة.[1]

وقد أكّدن على أنّه إذا لم تحفظ النساء هويتهنَّ كمجموعةٍ ذات مصالح مختلفة، فسوف تزول المبادئ التي تجعلها فريدةً من نوعها؛ لذا طلبنَ من النساء أن يبقينَ على شكل امرأة ٍفريدةٍ[2] لا باعتبارها إنسانًا بلا جنس، بل كامرأةٍ تحارب من أجل الحريّة.[3]

(182)

دور الخصائص النسائيّة وأهميّتها في إصلاح المجتمع

تعتقد نسويّات الاختلاف خلافًا للثقافة الرائجة في المجتمع، تلك الثقافة التي تقول بأنّ النساء عاجزاتٌ بسبب الخصائص الأنثويّة التي يحملنها من قبيل: العاطفة واللطف والمرونة والإيثار وأمثالها من الأمور السياسيّة والاجتماعيّة وأنّهنَّ مناسباتٌ وفعّالات للمنزل والأسرة، بأنّه لا بدّ من دخول النساء في المجال السياسي والاجتماعي لأجل جميع هذه الخصائص خصوصًا؛ وبناءً عليه لو انتشرت الخصائص القيّمة للنساء في أنحاء المجتمع، فإنّ الحرب والعنف والمنافسة والعداء وسائر المشاكل السياسيّة والاجتماعيّة ستجلس جانبًا وسيقوم مكانها الصلح والمحبة واللطف.

يعتقد «فرانسيس فيلارد» بما يلي: «إذا دخلت النساء الحكومة فسوف تُطهّرها، وإذا وردت السياسة فسوف تُهذبها؛ لأنّ المرأة حيثما دخلت نظمت ذلك المكان كما تفعل في المنزل».[1]

كتبت «ماري ليفرمور» في كتابها على المجال وتأثير المرأة[2]: «المرأة بناءًا لما أفهمه عنها، ينبغي أن تحرس الأخلاق العامّة دائمًا باعتبارها النصف الأرقى من البشريّة، وذلك عبر مزاجها الأكثر رقّةً وحساسيّةً من الرجل وعبر منظّمةٍ أكثر صفاءً وروحانيّةً».[3]

(183)

ووفقًا لقول «ريتزر»: عادة ما يُطالب واضعو نظريّة الاختلاف الجنسي بالاعتراف رسميّاً بأساليب الحياة المميّزة للنساء ـ لا بعنوانها انحرافًا عن الأساليب الطبيعيّة بل باعتبارها أساليب فعّالة تستطيع أن تحلّ مكان أساليب الرجال ـ وهم يدّعون بأنّه كلّما عجنتَ أساليب الحياة النسائيّة بالمجتمع فأصبحت جزءً من حياة الجميع، كلّما أصبح العالم مكانًا أكثر أمنًا وإنسانيّةً للجميع.[1]

جذور الصفات النسائيّة القيّمة

لم تُناقش نسويّات الاختلاف هذه المسألة ـ يعني: لماذا تتّصف النساء بمثل هذه الصفات المختلفة والمميّزة ـ بشكلٍ واضحٍ ولم يُقدّم جوابٌ واضحٌ لهذا السؤال؛ ولكن يُمكن استخراج وجهتي النظر التاليتين من بين خطاباتهنَّ:

أ) الذاتيّة[2]: يعتقد «أندرو هيوود»: بأنّ نسويّات الاختلاف يعتقدن بنوعٍ من الذاتيّة؛ أي أنّ الرجال بطبيعتهم وبذاتهم منافسين وعدوانيّين، أمّا النساء فبذاتهنَّ وبطبيعتهنَّ ذوات أخلاقٍ وعاطفيّاتٌ، ويعتقدنَ بأنّ الفروقات الذاتيّة تُشير إلى وجود فُروقاتٍ هورمونيّةٍ وإلى باقي الاختلافات الجينيّة، فهذه الاختلافات لا تعكس فقط بنية المجتمع. [3]

(184)

ومن الواضح أنّ هذه الرأي يقع في قبال الآراء الأخرى تمامًا، ففي نسويّة المساواة عُدّت الاختلافات من صنع المجتمع.

ب) الأمومة: لقد اعتبرت هؤلاء النسويّات في العديد من الحالات أنّ الصفات النسائيّة القيّمة ناجمةٌ عن الأمومة، وقد ذكرنَ بشكلٍ ضمنيٍّ ما يلي: إنّ الدور المنحصر بالمرأة بعنوانها أمّ وكذلك التجارب التي تكتسبها بعد هذا الحدث، هي التي تُشكّل الشخصيّة النسائيّة المختلفة.[1]

ضرورة حماية القانون للنساء

تعتبر نسويّة المساواة أنّ سنّ القوانين بناءً على الفروقات الجنسيّة يُمثّل تمييزًا بصورةٍ عمليّةٍ وأمرًا مخالفًا لمبدأ المساواة، وأنّ وضع القوانين الحامية للنساء هو عاملٌ يُؤكّد على عجز النساء وضعفهنَّ مقابل الرجال؛ ولذا ينظرنَ إليه كإهانةٍ، وخلافًا لهنّ لدى نسويّة الاختلاف رأيُّ مختلفٌ تمامًا فيما يتعلّق بالقوانين الحمائية.

فوفقًا لوجهة نظر نسويّة الاختلاف، يعدّ تطبيق القوانين المتساوية ـ في الحقيقة ـ نوعًا من الظلم وعدم العدالة في حقّ النساء؛ لأنّه أوّلًا: النساء تحيا بسبب عدم المساواة والظلم السابق في ظروفٍ غير متكافئةٍ مع الرجال، وتطبيق القوانين المتساوية في هذه الظروف

(185)

غير المتساوية لا يُمكنه أن يجبر حرمان النساء التاريخي[1]، بل سيؤدّي فقط إلى إخفاء نظام عدم المساواة في الموجود المجتمع والأسرة.[2]

ثانيًا: تتحمّل النساء مهامّاً ومسؤوليّاتٍ أكثر مقارنةً بالرجال في ظروفٍ متساويةٍ بسبب دور الأمومة الخاصّ الذي يتميّزن به؛ ولذا فإن القوانين المتساوية هي قوانين غير عادلة.[3]

وتعتقد نسويّة الاختلاف بما يلي: بما أنّ النساء معرّضاتٍ للضرر بصورةٍ أكبر بسبب بنيتهنّ الجسديّة ودور الأمومة الذي يضطلعن به؛ لذا ينبغي أن يكنّ موضع حمايةٍ خاصّةٍ قانونيّاً؛ ومن ناحيةٍ أخرى اقترحت النسويّات حلًّا لتدارك عدم المساواة السابقة وهو «التمييز الإيجابي»[4]؛ بمعنى أنّه ينبغي أن يلحظ القانون بعض الميزات الخاصّة للنساء، فلا بدّ من إقرار بعض القوانين لمصلحة النساء، ليزول تدريجيّاً الفارق بين الجنسين المسبب عن الظروف غير العادلة، وبعد استقرار الظروف المتساوية تُعطي القوانين التي ترعي التمييز مكانها لصالح قوانين المساواة، وفي مثل هذه الظروف فقط يُمكن أن تكون قوانين المساواة مفيدةً وعادلةً.[5]

(186)

وبذلك نجد أنّ نسويّة الاختلاف لا تخالف تساوي الفرص بأيّ شكلٍ من الأشكال، بل تُطالب بالحفاظ على الاختلافات خلال هذه الأحداث مهما كلّف الأمر، وبتعبيرٍ آخر إنّهنّ يرفعنَ شعار «المساوة في الاختلاف» كالمدافعين عن ثقافات الأقليّات (اليهود ـ السود ـ المهاجرين و...)[1]؛ فعلى سبيل المثال: «هاريت برتون»[2] قالت خلال أحداث حقّ التصويت: تستحق النساء عين الحقوق التي يتمتّع بها الرجال في المواطن التي تشبه النساء فيها الرجال، وأمّا في المواطن التي تختلف فيها عن الرجال فينبغي أن يُمثلنَ أنفسهنَّ لا أن ينوب الرجال عنهنّ[3]؛ وبتعبير آخر: إنَّ نسويّة الاختلاف، تبحث عن المساواة في النتائج بدلًا من البحث عن المساواة في القانون أو في التعامل أو حتّى في الفرص.[4]

وبذلك نجد أنّه منذ البداية وفي الموجة الأولى من النسويّة، تشكّل قطبان وتيّاران مختلفان تمام الاختلاف في النسويّة؛ ورغم أن هاتين المجموعتين عملتا معًا خلال أحداث النضال من أجل حقّ التصويت واتّحدتا حول محورٍ واحدٍ وهدفٍ مشتركٍ فوضعتا اختلافاتهما جانبًا، إلّا أنّ هاتين النظريتين المختلفتين تواجدتا بعد ذلك دومًا بين النسويّات، وكانتا سببًا في اختلاف النظر والانقسام إلى العديد من الفرق.

(187)

النسويّة الراديكاليّة ونظريّة المساواة أو الاختلاف

تتواجد نظريتا الاختلاف والمساواة في النسويّة الراديكاليّة، ولكن طبعًا مع بعض التغييرات بالنسبة للسابق وذلك بنحوٍ معقّدٍ جدّاً ومندمجٍ؛ بحيث لا يُمكن فصلهما أحيانًا؛ فمن ناحيةٍ تعتبر النسويّات الراديكاليّات النظام الأبويّ الأصل لتبعيّة النساء، ويدّعين في توضيحهنّ لوظيفة هذا النظام بما يلي: لقد أدّى تعريف الرجال لصفات وأدوار ومهام النساء الدنيئة إلى تخلّفهنَّ، ومن الجليّ أن هذا الادعاء المبنيّ على المساواة بين الجنسين، وبالاستمداد من نظريّة «الفصل بين الجنس والجنوسة» يُعدّ اختلافات النساء من صنع النظام الأبويّ.[1]

ومن ناحيةٍ أخرى في النسويّة الراديكاليّة تتمتّع النساء بصفاتٍ راقيةٍ وعاليةٍ، أمّا الرجال فهم أفرادٌ عنيفون وظالمون وأعداءٌ أساسيّون للنساء ولا يُمكن تغيير ذلك وينبغي النأي عنهم جانبًا، وكما يظهر في وجهة النظر هذه، يختلف جوهر المرأة وذاتها اختلافا كليّاً عن جوهر الرجل وذاته، ويقعان في مقابل بعضهما.

وأحيانًا يتمّ توضيح الأمر بالنحو التالي: كان الاعتقاد بالمساواة شائعًا في المراحل الأولى للنسويّة الراديكاليّة، وتقريبًا منذ سنة 1970 م وما بعدها تمّ التركيز على اختلاف النساء وعلوهنَّ وأحيانًا أخرى كان رأي المساواة يُنسب إلى النسويّة اليبراليّة في الموجة الثانية ـ التي أكثر ما نراها في أوائل الموجة الثانية ـ بينما تُعتبر النسويّة

(188)

الراديكاليّة حاملةً للواء نظريّة الاختلاف؛ ولكن، كثيرًا ما نجد بأنّ النسويّات الراديكاليّات يُتبعن هاتين النظريتين عبر خطابتهن جنبًا إلى جنب وأحيانًا بشكلٍ ناقصٍ.

فعلى سبيل المثال: غالبًا ما استخدمت نظريّة الفصل بين الجنس (Sex) والجنوسة (Gender) بصورٍ متعدّدةٍ ـ وهي من تعاليم النسويّة الراديكاليّة المهمّة في بحث المساواة والاختلاف ـ فقد رأت بعض النسويّات أنّ المساواة بين المرأة والرجل هي مساواةٌ حقيقيّةٌ وذاتيّةٌ وذلك بسبب اعتبارهنّ الأدوار والصفات النسائيّة أمرًا صناعيّاً، وهناك مجموعةٌ أخرى تستنتج بأنّ الرجال ـ يسعون بطبيعتهم إلى السيطرة على النساء ـ فهذه الأدوار والخصائص (الجنوسة) إنّما صُنعت من أجل إبقاء النساء متخلّفاتٍ، إذن فالرجل هو العدوّ الأصلي.

ومع تجاوز هذه الفروقات، تعتبر نظريّة الجنس والجنوسة ـ وهي من نتاج النسويّة الراديكاليّة ـ خطوةً كبيرةً في نموّ وانتشار نظريّة الاختلاف والمساواة، وسنقوم بشرحها فيما يلي:

الفصل بين الجنس والجنوسة

لقد جرت أبحاثٌ جديدةٌ في القرنين التاسع عشر والعشرين مع انتشار علم الأحياء تتمحوّر حول إثبات الاختلافات الأحيائيّة الأساسيّة، بل حتّى حول إثبات الفرق العقلي على أساس حجم دماغ المرأة والرجل، وهذه الآراء الأحيائية هي بمنزلة اكتشافاتٍ علميّةٍ تُثبت الفروقات بين المرأة والرجل، وفي المقابل تدحض

(189)

نظريّة «اعتبار الفروقات أمرًا صناعيّاً» التي اتبعتها نسويّاتٌ أمثال «ويلستون كرافت» و«ميل» عبر أدلّةٍ علميّةٍ، وفي هذه المرحلة أصحبت النسويّات مجبراتٍ على أن يجدنَ حلًّا علميّاً ونظريّاً للدفاع عن موقعهنَّ وآرائهنَّ مقابل هذه الأدلّة والتبريرات العلميّة، فجاءت آراء «دوبفوار» في حلّ هذا المعضلة في كتابها الجنس الآخر ، كما جاءت آراء علماء الأحياء، وتمّ وضع مصطلحٍ الجنوسة الجديد في علم الطب بمساعدة النسويّات.

لقد بثّت آراء «دي بوفوار» الروح في النسويّات بشكلٍ مثيرٍ للتعجّب، حيث فرّقت في كتابها الجنس الآخر بين المرأة والأنوثة، وطرحت «دي بوفوار» هذا السؤال للمرة الأولى: «ما هي المرأة»؟ ثمّ تابعت: يُجمع الكلّ على الاعتقاد بأنّ النوع البشري أيضًا لديه أناثٌ، ففي الزمن الحالي كما في الماضي يتشكّل نصف المجتمع البشري من الإناث؛ ورغم كلّ هذا يقال لنا: الأنوثة في خطرٍ، فلتكنَّ نساء ولتبقين نساء! ولذا فإن أنثى البشر حتمًا ليست امرأة بل أنثى بشريّة ينبغي أن تُساهم في الواقع الغامض المهدّد الذي هو عبارةٌ عن الأنوثة، فهل هذه الأنوثة تترشح عن المبايض أم تنعقد في أعماق السماء الأفلاطونية؟![1]

وهكذا، استنتجت النسويّات بأنّه يُمكن الفصل بين الفروقات التي أثبتها علم الأحياء وبين الاختلافات التي ترى النسويّات بأنّها مصطنعة؛ ومن ناحيةٍ أخرى فتحت دراسات الأنثروبولوجيا (أو علم

(190)

الإنسان) نافذةً جديدةً أمام النسويّات، إذ تشير هذه الدراسات إلى اختلاف معنى المرأة والرجل في المجتمعات المختلفة وقد سُجّلت ردّات فعلٍ متباينةٍ فيما يتعلّق بالمرأة والرجل.[1]

لقد بحثت «مارغريت ميد» عالمة الأنثروبولوجيا الأمريكيّة الأنوثة والرجولة من خلال دراستها لثلاثة مجموعات من القبائل البدائيّة في غينيا الجديدة ودراسة الأنوثة والرجولة في هذه المجتمعات، وتشير دراساتها إلى ما يلي: «في قبيلة الآرابش[2] يمتلك كلٌّ من النساء والرجال شخصيّةً، وهو ما يُسميه الأمريكيّون الأمومة والأنوثة، وعادةً ما يكون الرجل والمرأة في الآرابش هادئين وغير عدوانيين ، وحساسّيْن في قضاء حاجات بعضهما البعض؛ وذلك على نقيض من المجتمع الآخر أيّ الماندا غومورها، حيث يتصرّف كلٌّ من الجنسين بأسلوبٍ يُسميه الأمريكيّون السلوك الذكوري، فكلًّا من المرأة والرجل بلا رحمةٍ وكلاهما يتّسم بالشرّ والعنف؛ وأمّا المجموعة الثالثة أي قبيلة تشامبولي فكلّ شيءٍ فيها ـ بناءً لاعتقاد الأمريكيّين ـ غير طبيعيٍّ وبالمقلوب؛ يعني: النساء فيها ذوات شخصيّةٍ مُتسلّطةٍ وغير منظّماتٍ ولديهم قدرة إداريّة، أمّا الرجال فعاطفيّون أكثر وغير مسؤولين فيما يتعلّق بشؤون الحياة».[3]

(191)

تستنتج «ميد» من ذلك ما يلي: لا يوجد أيّ أساسٍ أو قاعدةٍ تجعل بعض السلوكيّات خاصّةً بالنساء وفي المقابل تجعل البعض الآخر من السلوكيّات الذكوريّة، فالخصائص النسائيّة والذكوريّة تقبع تحت تأثير الظروف الاجتماعيّة والثقافيّة.[1]

واستناداً إلى هذا الكمّ من الأدلّة استطاعت النسويّيات طرح تعريفٍ وتصنيفٍ جديدٍ؛ وبالتالي اعتقدنَ بوجود نوعين من الاختلاف بين الجنسين:

1- الاختلافات البيولوجيّة، تعود جذورها إلى الطبيعة والخصائص البيولوجيّة التي للمرأة والرجل وهي غير قابلة للتغيير؛

2- الاختلافات التي في علم الاجتماع، وهي تأتي تحت تأثير الثقافة والمجتمع والتعليم وأمثال ذلك، ولذلك تتغيّر بتغيير العوامل.

وقد سمّت النسويّات الاختلافات البيولوجيّة جنسًا (Sex)، وسمّت الاختلافات الاجتماعيّة جنوسةً[2] (Gender).

(192)

وقد أعلنت «آن أوكلي» في كتابها الجنس والجنوسة والمجتمع[1] بأنّ الجنس لفظٌ يُشير إلى الاختلافات البيولوجيّة بين المرأة والرجل، أي تلك الاختلافات المشهودة في البنية الجنسيّة وفي مهمّة الإنجاب؛ وأمّا الجنوسة فهي مسألةٌ ثقافيّةٌ مرتبطةٌ بتصنيفِ المجتمع إلى مُذكّرٍ ومُؤنّثٍ.[2]

أمّا المسألة الأخرى التي تُشير إليها دراسات علم الإنسان، فهي أنّه رغم اختلاف معنى الذكورة والأنوثة في المجتمعات المختلفة، إلّا أنّه يوجد أمران مشتركان في هذه العلاقة بين المجتمعات المختلفة، الأوّل: أن المحور الأساسي للأدوار الجنسيّة للمرأة هي «الأمومة»، أي أنّه من المتوقّع أن تُأمِّن النساء الغذاء للأطفال وأن تتحملن باقي مسؤوليّات العناية بهم مثلما أنّها تقوم بجلبهم إلى الدنيا؛ الثاني: هو أنّه من الممكن أن تعتبر مهمّةٌ ما في المجتمع x ذكوريّة وفي المقابل تُعتبر في المجتمع y نسائيّةً، ولكنّ هذا النوع من التعامل المشترك موجودٌ بحيث تُعتبر هذه المهمّة في المجتمع x (ذُكوريّةً) قيّمةً، أمّا في المجتمع y (نسائيّةً) بلا قيمة.[3]

وبناءً على ذلك، تُقيّم النسويّات الفصل بين الجنس والجنوسة في النظام الأبوي على أنّه أمرٌ سياسيٌّ يهدف إلى المحافظة على تخلّف النساء وهيمنة الرجال.

(193)

تعتبر «كيت ميليت» بأنّ الأدوار التي تكون بحسب الجنس شكلًا من أشكال القمع فمن خلاله يُبقي الرجالُ النساءَ بعيداتٍ عن المجال العامّ وهو مجال السلطة والنشاط الاجتماعي، أمّا «فيليس تشسلر» فتجسّد في كتاب النساء والجنون (1972 م) توقعات المجتمع من النساء في قالب الأدوار النسائيّة المتوقّعة من الناس غير العاديّين أو من المعاقين وهو الأمر الذي يشدّ النساء نحو الانكسار والجنون.[1]

وهكذا فتحت النسويّات فصلًا جديدًا من البحث حول الاختلاف من خلال الفصل بين الجنس والجنوسة حيث اعتبرنَ بأنّ القسم الأكبر من اختلافات المرأة والرجل هي نتاج الثقافة والمجتمع؛ ولكن لم يستطعنَ إنكار الفروقات البيولوجيّة بين المرأة والرجل، وقبلنَ بالحدّ الأدنى منها.

3.النسويّة والسياسة

إنّ أحد المجالات التي استهدفتها الآراء النقديّة للنسويّات هو مجال السياسة والآراء السياسيّة.

كان أسلوب تعامل النسويّة ومواجهتها للسياسة كسائر المواضيع التي طرحت في النسويّة مختلفًا ومتنوّعًا طوال تاريخ النسويّة أيضًا، ووجه الشبه الموجود في هذا الموضوع رغم كافّة الاختلافات هو تركيز النسويّات على كون الوضع السياسي للنساء غير مساعدٍ،

(194)

والسعي من أجل كشف أسباب هذا الوضع وطرح الحلول بهدف تحريرهنّ منه، فالبحث التالي يتعرّض للمباحث التي طُرحت والتي تتعلّق بالموجة الأولى والثانية والثالثة وبالأفكار النسويّة المختلفة.

الموجة الأولى: النسويّة الليبراليّة والسياسة

كما ذُكر سابقًا؛ وضعت النسويّة الليبراليّة وصول النساء إلى المساواة الحقوقيّة هدفًا لها متأثّرة في ذلك بالليبراليّة، وكان تركيز النسويّة الليبراليّة على الحقوق المتساوية بصورةٍ شكّلت ماهيتها الأساسيّة؛ بحيث سُمّيت حركة النساء في هذه الحقبة من الزمن بحركة حقوق النساء؛ ويدلّ على ذلك في الضمن تركيز النساء على مسألة حقّ التصويت وعلى المواجهات التي خاضتها لكسب هذا الحقّ.

وكذلك يُمكن رؤية الأسس الفكريّة لهذه المطالبات في آراء المفكّرات النسويّات في تلك الحقبة (ويلستون كرافت، وميل و...) وهي الاعتقاد بمساواة المرأة للرجل في العقل والذكاء وبالتالي ينبغي أن يتساويان في القانون؛ ولهذا كانت أولى المواجهات والنشاطات السياسيّة النسويّة المرتبطة بالنسويّة الليبراليّة هي الاعتراض على حرمان النساء من الحقوق السياسيّة الليبراليّة ومنها حقّ التصويت، ففي هذه المرحلة طالبت النسويّات من خلال اعتبار تعاليم السياسيّة الليبرالي مطلوبة بإصلاح هذه التعاليم لتصبّ في مصلحة النساء ولتتمتّع النساء بحقوق المواطنيّة؛ فعلى سبيل المثال: دوّنت «أوليمب دي غوج» الثورويّة الفرنسيّة إعلان حقوق

(195)

المرأة والمواطنة[1] ردّاً على إعلان حقوق الرجل والمواطنة.[2] وجملتها المشهورة حيث قالت: «كما يحقّ للمرأة الصعود إلى منصة الإعدام، كذلك ينبغي أن يكون لها الحقّ في ارتقاء المنبر أيضًا»[3] تُمثّل نموذجًا واضحًا للمطالب السياسيّة النسويّة في ذلك الزمان.

ونظرة النسويّات عن النضال من أجل حقّ التصويت كالتالي: مع اكتساب النساء حقّ التصويت فإن باقي جوانب عدم المساواة السياسيّة والقانونيّة ستزول بالتدريج وبشكلٍ تلقائيٍّ، والخلاصة هي أنّ النسويّات في الموجة الأولى وجّهنَ انتقاداتٍ متعلّقةٍ بعدم المساواة السياسيّة الموجودة من خلال القبول بالإطار السياسي الموجود في المجتمع، وطالبن بتعديلاتٍ تصبّ في مصلحة النساء.

الموجة الثانية: النسويّة الراديكاليّة والسياسة

دخلت النظريّات السياسيّة النسويّة التي في النسويّة الراديكاليّة مرحلةً جديدةً ومختلفةً؛ وبشكلٍ مُلخّصٍ، تتسم النظريّات الفلسفيّة للنسويّة الراديكاليّة بسمتين بارزتين: الالتفات إلى الاختلافات، وانتقاد الفلسفة السياسيّة التقليديّة.

(196)

الالتفات إلى الاختلافات

تعتقد الراديكاليّات بأنّ المساواة القانونيّة التي سعت لها النسويّة الليبراليّة، هي على خلاف تصوّر الليبراليّات لن تُؤدّي إلى المساواة السياسيّة، وقد رأت النسويّات الراديكاليّات (بناءً لنفس الاختلاف بالرأي مع الليبراليّات فيما يتعلّق ببحث الاختلاف والمساواة) بأنّ التأكيد على المساواة والغفلة عن الاختلافات، أدّى إلى عدم تمكّن النساء من الاستفادة من الحقوق المتساوية بشكلٍ تامٍّ[1]، وأبرز شاهدٍ على هذا الأمر من وجهة نظرهنّ هو مشاركة النساء الضئيلة في المجالات السياسيّة، والفارق الملحوظ في عدد النواب النساء مقارنةً بالنواب الرجال في البرلمان حتّى في السنوات التي تلت اكتساب حقّ التصويت؛[2] وكذلك ترى الراديكاليّات أنّ السعي من أجل تحصيل حقوق المواطنيّة المتساوية مع الرجال والتي تمّ السعي لها في النسويّة الليبراليّة، أدّى إلى عدم المساواة والتمييز واسترجال النساء بسبب تجاهل الاختلافات الحقيقيّة.[3]

وفي هذا النطاق تُؤكّد الراديكاليّات على أنّ تطبيق العدالة بشكلٍ عمليٍّ وفي كافّة الجوانب ومنها السياسة إنّما يتحقّق فقط عبر الأخذ

(197)

بعين الاعتبار الاختلافات (الميول والعلاقات والظروف والمسائل السياسيّة الخاصّة بالنساء)[1].

الانتقادات للفلسفة السياسيّة التقليديّة

تعتقد النسويّات الراديكاليّات بوجود مشاكل جذريّة وجديّة في النظام السياسي وفي النظريّة السياسيّة أدّت إلى عدم المساواة وإلى التمييز الموجود في المجال السياسي، وبأنّ الاستراتيجيّات النسويّة الليبراليّة التي تتّسم بالسطحيّة لا تقتصر على عدم تجفيف جذور عدم المساواة وحسب، بل تُساهم في إبقاءها مخفيّةً أيضًا.

ولهذا السبب، انصّب اهتمام النسويّات الراديكاليّات على انتقاد الفلسفة السياسيّة التقليديّة، وعلى تحليل كيفيّة نموّ التمييز داخل هذا النظام، وتقديم نظريّاتٍ ومفاهيم سياسيّةً جديدةً.

الفصل إلى العامّ والخاصّ[2]

تعود نقطة بدء الانتقادات السياسيّة الراديكاليّة إلى الفصل بين مجالات الحياة إلى مجال خاصّ (البيت والأسرة وبشكلٍ عامٍّ كلّ الأمور والمسائل الشخصيّة) ومجالٍ عامٍّ (المجتمع والعمل والسياسة وسائر المسائل العامّة).

إنّ الفصل إلى العامّ والخاصّ أمرٌ له جذوره في الثقافة الغربيّة،

(198)

ويعتبر أساسيّاً ومقبولًا بحيث بُنيت باقي الفرضيّات والنظريّات السياسيّة والاجتماعيّة والقانونيّة على أساس هذا المفهوم، ورغم التوصيفات المختلفة التي أطلقتها المجموعات المتعدّدة على هذين المجالين[1]، لكن تبقى النقطة المشتركة بين جميع هذه النظريّات، أوّلًا يعتبر نطاق المجال الخاصّ خارج واجبات المشرعين، وثانيًا تم تشخيص أن النساء غير لائقات للمشاركة في المجال العام، ومكانهن المناسب هو البيت، الأسرة، والمجال الخاص.[2]

ويشير التاريخ الثقافي الغربيّ إلى أنّ اعتبار النساء غير لائقاتٍ للمجال العامّ عبارةٌ عن أمرٍ له سوابقه وله جذوره، وإلى أنّه كان شائعًا، فمن وجهة نظر «أرسطو» ليس هناك أيّ غموضٍ يلفّ خروج النساء من أنشطة إدارة المدينة وأحداثها، وبرأيه: رغم أنّه للنساء دورًا حيويّاً في الحياة المدنيّة واستمرارها، إلّا أن وجود المسؤوليّات التي على عاتقها كتغذية الأبناء والاهتمام بشؤون المنزل لا يُبقي لها الوقت الكافي للخوض في السياسة، كذلك «أفلاطون» كان يعتقد في نظريّته الثوريّة ـ مقارنةً بمعاصريه ـ بأنّه يُمكن لأقوى أفراد الطبقة العليا من النساء المشاركة في الحكومة السياسيّة، وقد أسّس في كتابه القوانين لسُنّةٍ لا تتوافق السياسة فيها مع النساء.[3]

(199)

رغم وجود موضوع إبعاد النساء عن السياسة ضمنيّاً في آراء المفكّرين الغربيّين، ولكن إلى ما قبل العصر الحديث لم تكن بعض المسائل قد طًرحت رسميّاً مثل إعلان حقوق البشر، وحقوق المواطنية، والحكومة الليبراليّة، ولم تُصبح قانونيّةً ونظاميّةً إلّا بعد هذه المرحلة الزمنيّة.

إبعاد النساء عن السياسة

من وجهة نظر الراديكاليّات، إنّ إحدى النتائج السلبيّة لأيديولوجيّة فصل المجالات إلى مجالٍ عامٍّ ومجالٍ خاصٍّ هي إبعاد النساء عن السياسة، إذ يدّعي الرجال دومًا بأنّ النساء لا يستطعن المشاركة في الشؤون السياسيّة بسبب طبيعتهنّ العاطفيّة وغير المنطقيّة؛ ومن ناحيةٍ أخرى وضّحوا بأنّ الشؤوون السياسيّة لا تتناسب مع اهتمامات النساء الأساسيّة؛ لأنّ اهتمامات النساء الأساسيّة تقع ضمن إطار الشؤون المنزليّة، وقد اعتُبرت مشاركة النساء الضئيلة في المجالات السياسيّة (الانتخابات والأحزاب والتشكيلات السياسيّة) مُؤشّرًا على عدم اهتمامهنّ بالسياسة؛ كما يوجد هذا النمط من التفكير، وهو أنّه لا استقلال سياسيّاً للنساء وأنّهن يقعن تحت تأثير الآراء السياسيّة لآبائهنَّ وأزواجهنَّ.[1]

في المقابل تنظر النسويّات إلى كافّة هذه القضايا من زاويةٍ أخرى، وتقول: إنّ ترويج فكرة عدم لياقتهنَّ وعدم اهتمامهنَّ بالسياسة هي عبارةٌ عن أدواتٍ بيد الرجال يستخدمونها لإبعادهَّن عن المجال

(200)

السياسي وإبقائهنَّ في المنازل لتقديم أنواع الخدمات للرجال، وبناءً لوجهة نظرهنَّ فليس من الصحيح أنّ النساء لا علاقة لهنَّ بالسياسة، وإنّما تمّ تعريف السياسة بطريقةٍ لا علاقة لها بالقضايا التي هي محلّ ابتلاءٍ من قبل النساء.

وتعتقد الراديكاليّات بأنّه يُوجد تيّارٌ من الرجال يتّجه إلى اعتبار جميع الشؤون ذات الأهميّة للنساء والتي يُمكن اعتبارها سياسيّةً على أنّها شؤون أخلاقيّة وغير سياسيّة؛ وعلى سبيل المثال: يُؤثّر تخفيض ميزانيّة التربيّة والصحّة والخدمات الاجتماعيّة على حياة النساء أكثر من الرجال، ومن الطبيعي أن تُبدي النساء حساسيّةً أعلى تجاه هذه الشؤون؛ ولكن بشكلٍ عامٍّ تمّ تجاهل اعتراضاتهنّ ومواجهاتهن في هذا النطاق، واعتبرت من الأخلاقيّات أو من قضايا المجال الخاصّ و ...؛ في حين أنّه كان من الممكن اعتبارها شؤونًا سياسيّةً، والأمر الآخر هو أنّنا لو سلّمنا بأنّ النساء يُبدين حقيقةً توجّهًا واهتمامًا أقلّ بالمجال العامّ من الرجال، فذلك لا يعود إلى لا مبالاتهنّ الذاتيّة بهذا المجال، بل لأنّ النساء من خلال رؤويتهنّ الواقعيّة شعرنَّ بأنّ الرجال يُسيطرون على مجال السياسة وجعلوه تحت حاكميّتهم، ولا يمكن لهنَّ أن يلعبن دورًا في هذا المجال.[1]

الغفلة عن مشاكل النساء في المجال الخاص

إنّ إحدى النتائج الأخرى لأيديولوجيّة فصل المجالات إلى

(201)

المجال العامّ والمجال الخاصّ من وجهة نظر الراديكاليّات، هو غفلةُ المجتمع والمشرّعين عن قضايا ومشاكل المجال الخاصّ، فمن وجهة نظر الراديكاليّات، أدّى كلٌّ من تصنيف المجال الخاصّ باعتباره مجالًا خارجًا عن جدول أعمال الحكومة وخارجًا عن سيادة القانون، والميل الداخلي للرجال لممارسة سلطتهم على النساء من جهةٍ أخرى، إلى تحويل المنزل إلى مجال هيمنةٍ وطغيانٍ وبطشٍ من قبل الرجال وسمح لهم باستغلال النساء، وتُؤكّد الراديكاليّات على أنّ الرجال يُسيطرون على النساء في المجالين العامّ والخاصّ وبأنّ فصل المجالات المُضلِّل[1] إلى مجالٍ عامٍّ ومجالٍ خاصٍّ كان دائمًا هو الغطاء الذي يستر ظلم الرجال للنساء في المجال الخاص.

توسعة حدود السياسة

اتجهت النسويّة الراديكاليّة إلى طرح مفاهيم وتعاريف وقضايا ونظريّاتٍ سياسيّةٍ جديدةٍ بعد انتقاد النظريات السياسيّة المعاصرة وتقيمها على أنّها مرفوضة، وكانت توسعة حدود السياسة هي النهج الذي اعتمدته النسويّات في هذه المرحلة.

وتعتقد النسويّات بأنّه ينبغي توسيع حدود السياسة بحيث تشمل كافّة جوانب الحياة، فمن وجهة نظرهنّ ينبغي طرح مسألة فصل المجالات إلى عامٍّ وخاصٍّ، وإهمال قضايا النساء في المجال الخاص، وتقييم النساء على أنّهن غير لائقاتٍ للمشاركة في السياسة،

(202)

على طاولة البحث باعتبارها إجراءات سياسيّة وشعارات سياسيّة.[1]

وفي سبيل توسيع الحدود السياسيّة في النسويّة الراديكاليّة، طُرح معنىً جديدٌ ومختلفٌ للسياسة؛ يكسر حدود النطاق الخاصّ ويُقيّم العلاقات الشخصيّة والخصوصيّة بين الجنسين من منطلقاتٍ سياسيّةٍ.

تطرح «كيت ميليت» هذا السؤال في بداية كتابها السياسة الجنسيّة[2] (1970 م): هل يمكن النظر إلى العلاقة بين الجنسين من وجهة نظرٍ سياسيّةٍ؟ وتدّعي «ميليت» بأنّه: من خلال طرح تعريفٍ جديدٍ للسياسة يُمكن أن تدخل العلاقات بين الجنسين ضمن مفهوم السياسة، وفي هذا التعريف الجديد، تعني السياسة العلاقات المبنيّة على السلطة والهرميّة التي تحكم من خلالها مجموعةٌ من الأفراد مجموعةً أخرى.[3]

وقد فتحت النسويّة الراديكاليّة بابًا جديدًا في النظريّات السياسيّة بعد تعريفها للسياسة بناءً للعلاقات المبنيّة على السلطة أو العلاقات المبنية على السلطة، وادّعت النسويّات في المرحلة اللاحقةبأنّ الروابط السلطويّة موجودةٌ في كلّ مكانٍ وفي جميع المجالات وحتّى في العلاقات بين المرأة والرجل الأكثر خصوصيّة، وبأنّ

(203)

الرجال يسعون إلى الهيمنة وممارسة السلطة على النساء في أكثر العلاقات مع النساء عموميّةً أو خصوصيّةً، وبناءً عليه تشكَّل الشعار المشهور في النسويّة الراديكاليّة: «الأمور الشخصيّة هي أمورٌ سياسيّةٌ»[1] وأصبح شعارًا أساسيّاً للنسويّة في موجتها الثانية.[2]

ويجب الانتباه إلى هذه النقطة، وهي أنّه من وجهة نظر الراديكاليّات: كون فصل المجالات إلى مجالٍ عامٍّ وخاصٍّ مُضلِّلًا أو كونه فصلًا سياسيّاً لا يعني عدم اختلاف هذين المجالين، وخلافًا لفئةٍ ضئيلةٍ منهنَّ ممّن يعتقد بأنّ الحدود بين هذين المجالين ينبغي أن تزول، فإنّ أكثر الراديكاليّات تُريد إعادة بناء هذين المفهومين؛ وبعبارة أخرى: تُشكل النسويّات على كيفيّة الفصل و على معنى المجالين الذي تمّ وضعهما، لا على نفس مبدأ الفصل، ففي المقام الأول وطبقًا لوجهة نظرهنَّ ينبغي أن يكون تعريف المجالين العامّ والخاصّ خاليًا عن أيّ نوعٍ من الاعتبار الجنسي (أي اعتبار أيٍّ من المجالين على أنّه ذكوريٌّ أو أنثويٌّ)، والثاني: أنّه لا ينبغي اعتبار هذين المجالين منفصلين تمامًا عن بعضهما البعض، بل ينبغي الأخذ بعين الاعتبار العلاقات والتفاعلات فيما بينهما، والثالث: أنّه ينبغي أن تكون لحدود هذين المجالين القابليّة للتغيير وفقًا للتغييرات والتبدّلات الاجتماعيّة.[3]

(204)

والنموذج الذي تقترحه «نانسي فريزي» للتعريف الجديد لهذين المجالين، هو أن يتمّ تعريف كلا المجالين بنحوٍ متساوٍ لكلا الجنسين؛ بحيث يكون الرجال والنساء شركاء ومساهمين بنحوٍ مُتساوٍ في الخصائص والمسؤوليات المتعلّقة بأعمال المجال العامّ ذات الأجر وفي أعمال المجال الخاصّ التي لا أجر لها، وبالتالي نصبح بمأمنٍ عن تبعات الجنس المحوري مع الحفاظ على اختلاف المجالات.[1]

4. العلم ونظريّة المعرفة النسويّة

كما سلف ذكره[2]، يعود نقد النسويّات للعلوم والمعارف المطروحة إلى النسويّة الراديكاليّة وطرح تعاليم النظام الأبوي، إذ تدّعي الراديكاليّات بأنّ جميع عناصر النظام الأبوي بما هو أعمّ من السياسة والدين والثقافة والعلوم والمعارف وأمثال ذلك، جميعها بيد الرجل ولمصلحته وقد صُمّمت للتسلّط على النساء.

وقد استحوذ موضوع تأثير النظام الأبوي على العلوم، على مزيدٍ من الاهتمام؛ لأنّ التعاليم الأساسيّة لهذا الاتّجاه النسوي، أي ما بعد البنيويّة وما بعد الحداثة، هيّأت أرضيّةً مُلائمةً لتكامل هذا الموضوع.

وساعد النسويّاتَ كلٌّ من المراجعة النقديّة والتفكير المُطلق وادعاء

(205)

كون العقلانيّة الحديثة حقيقيّةً وخارجيّةً في مدرسة ما بعد البنيويّة وما بعد الحداثة، على نقد العلوم ـ التي اصطلحوا عليها بأنّه ـ ذكوريّة.

وكان نقد العلوم مهمّاً بالنسبة للنسويّات بسبب اعتقادهنّ بوجود علاقةٍ مباشرةٍ بين موقع النساء وفقًا للنظريّات العلميّة وموقعيتهنّ في المجتمع، وقد وصفت «إيريغاري» الفيلسوفة النسويّة في الموجة الثالثة هذه الأهميّة بهذا الأسلوب: «ما حرمت منه النساء في الفلسفة هو عين ما حرمنَّ منه في السياسة ووهناك ارتباطٌ بين وضع النساء في الثقافة الغربيّة ووضعها في المجتمع الغربي».[1]

وتصرح «لورين كود» أيضًا: «ستتمكّن النساء من الوصول إلى الحريّة فقط من خلال إحراز مواقع علميّة معتبرة، والسياسة النسويّة تلتزم بتحقيق ذلك».[2]

والشيء الذي أصبح محدّدًا هنا هو علاقة العلم ونظريّة المعرفة النسويّة مع السياسة النسويّة، إذ تُذعن أغلب النسويّات بأنّ النظريّات المطروحة في العلم ونظريّة المعرفة لا تسعى نحو الحقيقة والصدق، بل المعيار الأساسي للتنظير هو مدى نفعها للسياسة، أو بعبارة أخرى: هذا التنظير يُشكّل دعامة نظريّة توضع في يد النضال النسوي.[3]

(206)

ويُمكن تصنيف أنشطة النسويّات النظريّة في هذا المجال إلى المراحل التالية:

المرحلة الأولى، وتختصّ بنقد العلوم من قبل النسويّات؛ والنواة المركزيّة لهذه الانتقادات هي ذكوريّة العلوم والمعارف في أبعادها المتعدّدة.

أمّا في المرحلة الثانية فقد سعت النسويّات من خلال دراسة العلوم ومراجعتها عبر تاريخ الفكر الغربيّ إلى إظهار التوجّهات الجنسيّة التي ضربت بجذورها في عمق الفكر الغربيّ، وكشفت الستار عن ذكوريّة العلم، وبعد إثبات هذا التوجّه وبالتالي سقوط العلوم الذكوريّة عن الاعتبار، طرحت مسألة اقتراح علومٍ بديلةٍ تحلّ مكان العلوم الذكوريّة؛ ولكن بما أنّه تمّ إرجاع جذور مشاكل العلوم إلى الاتجاهات المعرفيّة غير السليمة، لذا بدأت النسويّات في الموجة الثالثة بمطالعة ونقد النظريّات المعرفيّة، وطرحت في المقابل نظريّاتٍ تحت عنوان «النظريّة المعرفية النسويّة».

وقد سعت النسويّات من خلال استخدام المبادئ المعرفيّة المُعتمدة إلى طرح بديلٍ بأسلوبٍ علميٍّ مع مراعاة المبادئ المعرفيّة النسويّة بعيدًا عن الأخطاء الموجودة في العلوم الذكوريّة، وسيأتي بحث هذه المسائل تفصيلًا في ما بعد.

 

(207)

الطبيعة الذكوريّة للعلم

لقد وصلت نتيجة البحث النسويّ في دراسة العلوم والمعارف إلى أنّ هيمنة النظام الأبوي على مجال العلم والمعرفة هو الذي هيّأ الطبيعة الذكوريّة للعلوم والمعارف الغربيّة؛ فعلى سبيل المثال أشارت هذه الدراسات إلى تجاهل النساء تمامًا أو همّشتهنَّ في النماذج البحثيّة لعلم الاجتماع، ففي هذه الدراسات ليس هناك أيّ إشارةٍ على الاهتمام بمصالح النساء ومنافعهنّ، وتُقاس النساء بمعايير ذكوريّة، وتُستنج المبادئ المرتبطة بحياتهنَّ من خلال أحكام ذكوريّة مسبقة.[1]

فمن وجهة نظر النسويّات الراديكاليّات، تمّ كتابة النظريّات الاجتماعيّة والسياسيّة وتدوينها من قبل الرجال، وهي نظريّاتٌ للرجال، وكانت ولا زالت تدور حول الرجال، أمّا المرأة فغائبة عن النظريّة الاجتماعيّة والسياسيّة، وفي علم الاجتماع لا تُطرح المواضيع القيّمة التي ترتبط بنحوٍ مباشرٍ بحياة النساء، يعني: الأسرة والمجال الخاصّ والمشاعر والعلاقات وأمثال ذلك؛ وفي المقابل تُطرح القضايا والقِيم الذكوريّة كالمنافسة والعدوانيّة والقوّة وعمل الرجال وأمثال ذلك، وتُبحث بشكلٍ جادٍّ.[2]

وتدّعي النسويّات بأنّ التاريخ هو تاريخُ الرجال، ولم يلتفت إلى

(208)

النساء، فدائمًا ما كان المجال العامّ الذي هو مجال الرجال محلّ اهتمام الدراسات التاريخيّة، وأمّا النساء فلم يُطرحن بتاتًا أو لم يُطرحن كموجوداتٍ مستقلّةٍ عن الرجال.[1]

وتقول النسويّات بأنّ التوجّه الذُكوري في علم الأحياء هو سبب العديد من النظريّات الموجودة في هذا العلم، بحيث إنّ تغيير هذا النهج أدّى إلى نتائج عكسيّة تمامًا، فبعض الفرضيّات مثل القدرة الجسديّة والذهنيّة التي لدى أغلب الرجال هي أساس العديد من أبحاث علم الأحياء ونتائجه، وهي نتائج مُتعصّبة ومرفوضة تمامًا من وجهة نظر النسويّات.[2]

لقد أطلق علم النفس أيضًا صورًا نمطيّةً جنسيّةً تصبّ في مصلحة استمرار النظام الأبوي وبقائه[3]، وبتعبير «جورج ريتزر»: هذا هو سؤال النسويّة: أين موقع النساء في الأبحاث العلميّة وفي حال غيابهن، فما هو العذر؟ ثمّ يليها نتائج ثوريّة؛ لأنّه من الواضح أنّ ما كان يُعتبر تجارب علميّة هي في الواقع تجارب فرديّة من قبل الرجال.

وقد توصّلت النسويّات إلى هذه النتيجة: للوصول إلى علمٍ جامعٍ، يجب أن نكتشف مجموعةً جديدةً تمامًا من الناشطين على الساحة، ومن المُؤكّد بأنّ النساء سوف يُشكّلن الجزء الرئيسي من

(209)

هؤلاء المنسيّين، وقد شبّه «ريتزر» تأثير هذا التعرّف باكتشاف أنواعٍ من النجوم في الكون من خلال تلسكوبٍ حديثٍ، بحيث لم تكن قد اكتشفت حتّى الآن.[1]

ومع مواصلة النسويّات كشف النقاب عن حقيقة ذكوريّة العلوم، اتجهن أكثر إلى آراء فلاسفة الغرب بسبب أهميّة الفلسفة في الثقافة الغربيّة بحيث اعتبرت الفلسفة الخطاب الأعلى وخطابٌ في باب الخطاب[2]، فانتقدوا خصلة تمحوُر تلك النظريّات حول الرجل.

اهتمت كلٌّ مِن «جينيفيف لويد» و«لوسي إيريغاري» و«ميشيل لودوف» ببحثٍ تمحوُر الفلسفة حول الرجل، فسعت «جينيفيف لويد» في كتابها الرجُل العقل[3] إلى ذِكر الطبيعة الذكوريّة للفلسفة الغربيّة في آراء الفلاسفة واحدًا تلو الآخر ـ منذ العصور القديمة إلى عصر التنوير ـ كما سعت إلى إثبات أنّ العقل الذي يجري الحديث عنه في الفلسفة ومن ثمّ في العلوم، هو عقلٌ مُذكّرٌ خلافًا لادعاء الفلاسفة وعلماء العقليّات الذين ادّعوا بأنّه خالٍ من الجنس.

وقد وضعت «لويد» إصبعها على الاستعارات الجنسيّة الشائعة والمشهورة في الفلسفة الغربيّة أكثر من أيّ شيءٍ آخر، والتي كان لها الأثر العميق على تفكير الفلاسفة، وتُشير الدراسات بأنّه منذ بداية

(210)

الفكر الفلسفي الغربيّ كان الجسم والبدن يُشبّهان دائمًا بالمرأة، أمّا العقل والنفس فيُشبّهان بالرجل، وفي الفلسفة اليونانيّة القديمة، كانت الأرض (أنثى) ينبغي للعقل أن يزهد فيها ويتخلّى عنها.

وقد اعتبرت «هيلمان» كذلك بأنّ العلم الغربيّ والحديث أداةٌ طويلةٌ واختيارٌ من قبل الذهن الذكوري، حيث تمّ إقصاء قسمٍ من حقيقتها وهو ذلك القسم الذي يُعبّرون عنه بحواء والأنثى والحقير.[1]

لقد أعلن «فرانسيس بيكون» بأنَّ الثقافة العلميّة والفلسفيّة السائدة في القرن الثالث عشر عبارةٌ عن مولودٍ ذكرٍ حقيقةً، وقال «هنري أولدنبورغ» ـ أمين الجمعيّة الملكيّة سنة 1664 م ـ بأنَّ مهمّة الجمعيّة هي إنشاء فلسفةٍ ذكوريّةٍ.[2]

استنتجت «لويد» عبر طرحها لأدّلةٍ تفصيليّةٍ من كلمات الفلاسفة الغربيّين في باب العقل ما يلي: كأنّ ازدراء المرأة في الأفكار الفلسفيّة راسخٌ في عصب الفكر الفلسفي الغربيّ فهو جزءٌ ذاتيٌّ لتلك الفلسفة ولا ينفصل عنها.[3]

وبالنظر إلى دور الفلسفة الأساسي بالنسبة لسائر العلوم، لذا تسري العقلانيّة الذكوريّة من الفلسفة إلى سائر العلوم، وبالتالي تُقيّم

(211)

جميع العلوم ـ برأي النسويّات ـ على أنّها مُزدريةٌ للمرأة أو ذكوريّةٌ بحدٍّ أدنى.

لقد سعت «لوسي إيريغاري» ـ الفيلسوفة النسويّة المعاصرة ـ في أبحاثها إلى إظهار أُسس النظام الأبوي في الأعمال الفلسفيّة، فتعتقد «إيريغاري» مثل «لويد» كذلك بأنّ العقل والذكاء الحديث، وبعبارة أخرى: قِيم عصر التنوير، إنّما تشكّلت من عجين ازدراء المرأة؛ ولذا لا يُمكن منح المرأة مكانةً في التيّار التي تشكّل ضدّها تمامًا، وتؤكّد «إيريغاري» على أنّ الثقافة والفلسفة والفكر الغربيّ أحاديّة الجنس وهي في الواقع نتاج الفكر الذكوري، خلافًا لما يُدّعى من حياديّتها وشموليّتها.[1]

وتُشير «ميشيل لودوف» إلى أبعادٍ أخرى من الانحياز الذكوري للفلسفة، فتدّعي «لودوف» بأنّ الفلسفة كانت علمًا ذكوريّاً طوال التاريخ، أمّا المرأة فاعتبرت موجودًا غير فلسفيٍّ.[2]

ولو تجاوزنا هذه الأمور، نجد أنّ الفلسفة قد أبرزت كأمرٍ عقلانيٍّ يسعى إلى إقناع مخاطبه عبر قوّة الاستدلال المنطقيّة؛ إلّا أنَّ الفلاسفة استخدموا استعاراتٍ وتوضيحاتٍ في طرح نظريّاتهم، ويدّعون بأنّ استخدام هذه التوضيحات إنّما هو لتمهيد ذهن المخاطب، فلا

(212)

تعتبر جزءًا من مُقدّمات الدليل، وبناءً لرأي «لودوف»: هل القول لا يعدو كونه خدعة، إذ أنّ البحث الدقيق يُشير إلى أنّ التوضيحات التي استعملها الفلاسفة كانت من أجزاء دليله؛ إضافةً إلى أنّ العديد من هذه التوضيحات تُظهر العداء للمرأة والأنوثة.[1]

5.النسويّة ونظريّة المعرفة

بعد أن وضّحت النسويّات كيفيّة ترسيخ علاقات الرجال ومصالحهم وتأثير النظام الأبوي على الفلسفة والعلم، وبعبارةٍ أخرى: اعتبار العلوم بلا فائدةٍ، أكّدت النسويّات على ضرورة طرح علمٍ جديدٍ نسويٍّ يتمتّع بالاعتبار.

والأهداف التي يتمّ السعي إليها في العلم النسويّ، عبارةٌ عن طرح علمٍ تُؤخذ في تحليلاته وتنظيراته مصالح النساء ومنافعهنّ وقضاياهنّ بعين الاعتبار بدلًا من استخدام المناهج الذكوريّة، ويكون محصّنًا من أيّ نوعٍ من الذكوريّة والنظام الأبوي؛ ويكون علمًا لا يُغفل نظريّات النساء، ويعترف بهنَّ كعاملٍ فاعلٍ، علمٌ يتطابق مع المبادئ والمعايير النسويّة ويعمل على تعظيم السياسة

(213)

النسويّة، وأخيرًا ينبغي تقديم علمٍ يدافع عن النساء ضدّ العقلانيّة الرجاليّة التي تشكّلت بناءً على ازدراء المرأة وطلب السلطة.[1]

إنّ طرح أيّ نوعٍ من العلم يصبُّ في تعريف وتبيين مبادئ ومباني نظريّة المعرفة التي ترتكز عليها العلوم، فنظريّة المعرفة هي جوهر الفلسفة أو فرعٌ عنها يتناول بحث مجموعة من المسائل حول المعارف البشريّة من قبيل ما يلي: هل يمكن للإنسان أن يُدرك الواقع؟ وإلى أيّ حدٍّ يُمكنه إدراك الواقع؟ وإلى أيّ مدى يُمكن الاطمئنان لإدراكه والركون إليه؟ وما هي طرق وأساليب المعرفة؟ وبشكلٍ عامٍّ تتناول نظريّة المعرفة مسائل من قبيل: ماهية المعرفة، وإمكان حصول المعرفة أو عدم إمكانها، وهل المعرفة مطلقةٌ أم نسبيّةٌ، فجميعها مباحث تناولتها نظريّة المعرفة.[2]

وحيث إنّ الخطوة الأولى للوصول إلى المعرفة النسويّة هي تبني موقفٍ في مسائل نظريّة المعرفة، لذا نجد أنّ النسويّات أبدين اهتمامًا نحو مباحث نظريّة المعرفة، وفي هذا الطريق اهتمّت النسويّات بعلميّة دراسة ونقد مدارس ونظريّات نظريّة المعرفة

(214)

المطروحة التي تشكلت منها وبُنيت عليها العلوم التي اصطلحوا عليها بأنّها ذكوريّةً، وضمن نقدهنّ للمبادئ المسيطرة على نظريّة المعرفة، اقترحن نظريّاتٍ ومبادئ جديدةً لنظريّة المعرفة.

وسوف نبحث في القسم التالي ضمن بيان انتقادات النسويّات لنظريّة المعرفة عن ثلاث مواقف لنظريّة المعرفة النسويّة.

1-5. نقد النسويّة لنظريّة المعرفة التقليدية

إنّ النواة المركزيّة للانتقادات النسويّة لنظريّة المعرفة التقليديّة، هي ادعاؤها للواقعيّة وللحياد، فالمبدأ الأساسي الحاكم على نظريّة المعرفة التقليديّة هو أن ذهن الإنسان بما هو ذهن ومع غضّ النظر عن التعلّقات والخصائص الفرديّة وعن الظروف الاجتماعيّة وعن الدين والثقافة، وبعيدًا عن تأثير المشاعر والأحاسيس وعن أيّ نوعٍ من التأثير من جهة متعلّق المعرفة (أي الشيء الذي يُريد الذهن معرفته) بإمكانه أن يحصّل المعرفة الحقيقيّة والثابتة والصادقة للحقيقة كما هي في الواقع؛ ثمّ يُجعل هذا النوع من نظريّة المعرفة قاعدةً لكافّة العلوم، ويُستنتج التالي أنّ الإنجازات التي حقّقتها العلوم كانت بعيدةً عن التأثيرات المذكورة ومن ثمّ فهي مطابقةٌ للواقع(الخارج).

وتدّعي النسويّات أنّه بعد إزالة نقاب الواقعيّة حيث تمّ تعريف العلوم بما هو أبعد من المصالح والتعلّقات الشخصيّة، وعلى أنّها مستقلة وعقلانيّة تمامًا وبالنتيجة ممكنة القبول من جميع الناس،

(215)

تمكّن عددٌ قليلٌ من المُدركين أن يُدركوها وهم ذكورٌ مِن البيض أوربيّون ويتمتّعون بمكانةٍ اجتماعيّةٍ خاصّةٍ!

إنّ انتقاد النسويّات لهذا الموضوع، متأثّر بتعاليم ما بعد الحداثة المبنيّة على إرجاع أيّ نوعٍ من الادعاءات العامّة والمطلقة وغير القابلة للتصديق إلى الروايات والأساطير، فمفكّرو ما بعد الحداثة المختصّون بمجال نظريّة المعرفة، يُؤاخذون على نظريّة الإدراك الواقعي إطلاقها وتجاهلها للفروقات، وقد صبّ في خدمة النسويّات آراء «نيتشه» و«فوكو» و«دريدا» حول تأثير وجهات النظر المختلفة ومؤسّسات السلطة في التيّار المعرفي، وبالتالي كانت النسويّات متّحداتٍ مع مفكري ما بعد الحداثة في رفض نظريّة العينيّة والواقعيّة الحديثة التي منحت المشروعيّة والاعتبار للعلوم الذكوريّة.

وبشكلٍ عامٍّ، تعتبر النسويّات الواقعيّة غير ممكنةٍ ومُضلّلةً، وقد حكمن على نظريّة المعرفة رسميّاً بإهمالها لدور المُدرك وبإهمال دور المجتمع والسياسة والسلطة، وبإهمال دور متعلّق المعرفة وعلاقته بالمُدرِك.

إهمال دور المُدرك

تقول «لورين كود»: إنّ طرح السؤال التالي: عن معرفة أي الأشخاص نتحدّث؟ يُزعزع أُسس نظريّة المعرفة الرسميّة التي قامت العلوم المعرفيّة على أساسها، وتعتقد النسويّات بوجود دورٍ مهمٍّ للمُدرك في عمليّة الإدراك، ويعتقدن بأنّ ذهنيّة المُدرك تتمتّع

(216)

بأهميّةٍ مثلها مثل الأمر المُدرَك، ويجب أن تُلاحظ المعلومات التفصيليّة للوضع المعرفي للباحث وعلاقته بعمليّة إنتاج المعرفة.[1]

ويُمكن أن يكون تركيز النسويّة على إعطاء أهميّةٍ لدور المُدرِك في المعرفة، متأثرًا بتعاليم «نيتشه» فيما يتعلّق بنظريّة المعرفة، حيث يطرح «نيتشه» نظريّة الآفاق العاطفيّة بدلًا من نظريّة المعرفة التقليديّة، فبحسب اعتقاد «نيتشه» لا يُمكن معرفة الحقيقة إلّا عن طريق الآفاق الخاصّة، ودائمًا ما نلتمس الحقيقة عبر نظرةٍ فرديّةٍ وبالالتفات إلى أوضاعنا وأحوالنا المعيشيّة، فالفلاسفة والمفكّرون مثلهم مثل باقي الناس عندما يبحثون عن الحقائق، فهم في الواقع ينظرون إليها من أفقهم الخاصّ ولذلك ليس هناك من نظرةٍ بدون هدفٍ أو غرضٍ كما يدّعون في نظريّة المعرفة، ويستنتج «نيتشه» ما يلي: الحقيقة نسبيّةٌ، ولا وجود للحقيقة المطلقة.[2]

ويوصي «نيتشه» الفلاسفة بما يلي: يُوجد في قبال كلّ أسطورةٍ خطيرةٍ، موضوعٌ لعارفٍ نقيٍّ بلا أهواءٍ وبلا ألمٍ وخارجٌ عن الزمان، ويجتنب الوقوع في أحضان مفاهيم مثل الحكمة النقية والمعرفة المطلقة؛ لأنّ الرؤية المطلقة والمعرفة المطلقة يتساويان مع عدم الرؤية وعدم المعرفة؛ الرؤية والعلم يعنيان الرؤية من أفقٍ ما والعلم من أفقٍ ما، وفقط![3]

(217)

وتؤكّد النسويّات على أنّ نظريّة المعرفة الرسميّة إنّما وقعت في فخ نظريّة الواقعيّة بسبب الغفلة عن دور المُدرك في عمليّة المعرفة، وقد سرت المعرفة والعلم سواءً عن وعيٍّ أو بدون وعيٍّ مِن ثلّةٍ من المُدركين وأغلبُهم من الرجال البيض إلى جميع البشر ومن ضمنهم النساء.

وتكمل النسويّات موضّحاتٍ: بما أنّ لخصائص المُدرِك دورٌ أساسي في المعرفة والعلم الحاصلين، وبما أنّ الجنس من العناصر المهمّة في شخصيّة الفرد، إذن للجنس أيضًا دورٌ كبيرٌ في معرفة المُدرك، وبناءً عليه تشير النسويّات إلى تأثير الجنس الذكوري على ذكوريّة العلوم، ويعتقدن بأنّه يُمكن للجنس أن يُؤثّر في كافّة مراحل الدراسة والتحقيق بما هو أعم من ماهيّة المسألة التي يحتاج العالم أن يبحثها، وماهيّة الأساليب التي اتّبعها في البحث، وكيفيّة بنائه وصياغته لفرضيّته، وحتّى ماهيّة الفرضيّة التي أيّدها.[1]

وقد قالت «ساندرا هاردينغ» حول هذا الأمر ما يلي: «النسويّة، لا تدخل الجنس في العلوم أو الفلسفة؛ لأنه الجنس كان ولا يزال موجودًا فيهما، وإنّما تطرح النسويّة الجنس كمفردةٍ تحليليّةٍ في الفلسفة وفي مجال الدراسات الاجتماعيّة والخطابات العلميّة...».[2]

(218)

إهمال دور المجتمع في المعرفة

إنّ إحدى الخصوصيّات الأخرى لنظريّة المعرفة الرسميّة التي تُعارضها النسويّات، هي الفردانيّة[1]، إذ الفردانيّة تعني في مجال نظريّة المعرفة أنّ المُدرِك هو موجودٌ مُستقلٌّ ومُنفصلٌ عن المجتمع والظروف الاجتماعيّة، فالظروف المحيطة به لا تؤثر على معرفته، وهذا النوع من الفردانيّة لاقى رواجه بعد «ديكارت» الذي ركّز على أنّه من أجل الوصول إلى معرفةٍ واضحةٍ ومتميّزةٍ، ينبغي تجنّب أيّ نوعٍ من العوامل المحيطة.[2]

وفي مقابل فردانيّة نظريّة المعرفة، وقعت مجموعةٌ من علماء نظريّة المعرفة تحت تأثير تيّارات البنيويّة وما بعد الحداثة، فصارت ترى دورًا محوريّاً وتأسيسيّاً للعوامل والظروف الاجتماعيّة في المعرفة، بحيث اعتبروا كلّ معرفةٍ نتيجةً للمجتمع.[3]

وفي ظلّ ذلك تعرّضت الاتّجاهات الحديثة الظهور في علم اجتماع المعرفة لهذه المسألة، وهي أنّ لأنواع المعارف علاقاتٌ وارتباطاتٌ خاصّةٌ مع إحدى الموقعيّات الاجتماعيّة المعيّنة، وأنّها إنّما نُظّمت من خلال مدى تطابقها مع المصالح والعلاقات الاجتماعيّة المعيّنة.[4]

(219)

ويعتبر علم اجتماع المعرفة أنّ التأثير الذي تتركه الظروف والموقعيّة الاجتماعيّة على التيّارات المُنتجة للمعرفة هو عنصرٌ ذاتيٌّ للمعرفة؛ بحيث لا يعترفون بحقيقةٍ وراء العوامل الاجتماعيّة للحصول على المعرفة.[1]

وتعتقد العديد من النسويّات بتأثير المجتمع على المعرفة بشدة مقابل فردانيّة نظريّة المعرفة، حيث تعتقد «ساندرا هاردينغ» بأنَّ المُتعلّم هو المجتمع العلمي، وليس شخصُ العالم[2]، ويُؤكّد «نيلسون» على ما يلي: «بما أنّ المعرفة ممكنةٌ في المجتمع؛ لذلك في الحقيقة المجتمعات مُتعلّمة ومدركة».[3]

إن آراء «ميشال فوكو» المبنيّة على تأثير القوى الحاكمة في المجتمع على إنتاج المعرفة، واضحةُ الأثر في الموقف المعرفي للنسويّات؛ فعلى سبيل المثال: بناءً لرأي «هاردينغ»، الجوّ السياسيّ والاجتماعيّ، هو علّة إنتاج العلم، وسوف يتمّ إنشاء نوعٍ معيّنٍ من العلم بما يتوافق مع أيّ جو سياسيّ واجتماعيّ.

فهو يُوجد علاقةً مباشرةً بين العلم والسياسة، ويعتبر العلم مخلوقًا من قبل السياسة، ومن خلال إنشائه لهذه العلاقة يُحاول أن يُظهر كيف أنّ السلطة السياسيّة والاجتماعيّة التي للذكور تسوق

(220)

العلم الحديث نحو مصالحهم وسلطتهم، ويُصرّح «هاردينغ» بما يلي: «العلم لوحده، يُمثّل أحد طرق منح الشرعيّة لسلطة الرجال واستمرارها».[1]

ومن خلال بيان العوامل والعلل الاجتماعيّة والسياسيّة في تشكيل المعرفة، تعتبر النسويّات مرّةً أخرى بأنّ ادعاء الواقعيّة في نظريّة المعرفة والعلوم الرسميّة هو ادعاء جزافيٌّ وبلا معنى؛ لأنّه وفقًا لتعبير «لورين كود»: «عندما نضع بناء المعرفة ونظريّة المعرفة ضمن ظروفٍ اجتماعيّة وسياسيّةٍ، يجب إعادة بناء الواقع الخارجي باعتباره قيمة من إنتاج المجتمع ويُوجد من خلال المجتمع»[2].

وتعتقد النسويّات بتبع القائلين بنهج علم اجتماع المعرفة، بأنّ معيار التقييم والاعتقادات هو نفس المجتمع وليس هناك من واقعيّة وراء المجتمع، ويعتقدن بأنّه «للمجتمع دورٌ بارزٌ كناقدٍ وقاضٍ في تبرير الادعاءات المعرفيّة وفي تعيين من يُؤيّد المشاريع وتعيين من الذي تكون معرفته معتبرة».[3]

(221)

فصل الُمدرِك للمعرفة[1] عن متعلّق المعرفة[2] (المُدرَك)

تعتقد كلٌّ من «سوزان بوردو» و«فوكس كيلر» بأنّ العلوم الحديثة قائمةٌ على هذه الفرضيّة، وهي أنّ بين المُدرِك للمعرفة وبين مُتعلّق المعرفة انفصالٌ واختلاف حتميٌّ؛ في حين أنَّه في عصر ما قبل الحداثة، لم يكن هذا الاختلاف موجودًا إلى هذا الحدّ، فالمعرفة التي يملكها الإنسان عن العالم، هي بمنزلة جسرٍ يربطه به؛ أيّ أنّ معرفة الفرد هي انعكاسٌ للعالم الخارجيّ؛ ولكن في عصر الحداثة زالت هذه العلاقة، واعتُبرت المعرفة أمرًا من إنشاء عقل المُدرِك.[3]

وتعتبر النسويّات أن هذا الفصل ناجمٌ عن روح الاستقلال والعزلة الذكوريّة، ولذلك تعتبره نظيرًا للخصائص الذكوريّة، وقد استخدموا لتوضيح ذلك نظريّة علم النفس المعرفي فيما يتعلّق بالعلاقات مع الشيء؛ وهي تحكي عن قولبة الفتيات خلال عملية بناء الهويّة الجنسيّة بقالب أمّهاتهنَّ؛ لذلك فإن العلاقة بين الأمّ والابن لا تُؤثّر في عملية تشكيل هويته؛ في حين أن الأبناء مجبورون على قطع هذه العلاقة ليتمكّنوا من الوصول إلى الهويّة الذكوريّة؛ و لذلك فإنّ عنصر الانفصال والاستقلال معجونةٌ منذ البداية مع الهويّة الذكوريّة، وتعتبر النسويّات بأنّ تأكيد العلم الحديث على انفصال واستقلال المُدرِك للمعرفة عن المعرفة المُدرَكة ناجمٌ عن هذه الخصائص النفسيّة عند الذكور.[4]

(222)

وتعتقد «بوردو» بأنّه ينبغي منح أهميّة أكبر للعنصر الأنثوي في عمليّة المعرفة؛ لأنّ العلّة الأساسيّة لمشاكلنا في فهم الأمور، هي عدم القدرة على إقامة ارتباطٍ معها.[1]

تأثير العواطف والمشاعر في المعرفة

برأي النسويّات ينبغي القبول بدور المشاعر والعواطف باعتبارها عوامل مؤثّرة في المعرفة، ويُمكن تصنيف تأثير دور المشاعر والعواطف في مرتبةٍ تلي تأثير المُدرِك للمعرفة أو ضرورة الارتباط مع الأمر الذي نريد أن نُدركه.

ترى نظريّة المعرفة الحديثة، وخصوصًا منذ «ديكارت» فما بعد، بأنّ المشاعر والعواطف أسبابٌ تؤدّي إلى الوقوع في الخطأ في المعرفة؛ ولذا أكّدت على ضرورة تجنب تدخل أي نوعٍ من المشاعر والعواطف في عمليّة المعرفة.

وتعتبر النسويّات أنّ هذا النوع من الفكر هو نتيجةٌ واستمرارٌ للانقسامات وللأنظمة الثنائيّة، والتي من خلال مراعاة نوعٍ من الهرميّة تضع العقل في مقابل الشعور، وبحسب رأي النسويّات لا أساس لهذه التقسيمات وينبغي تفكيك بنيتها؛ لأنه بنفس القدر الذي يكون فيه للفكر والعقل دورًا في عمليّة المعرفة، بنفس ذلك القدر تكون للمشاعر والعواطف دخالةٌ في هذه العمليّة، وبعبارة أخرى: إنّ المعرفة تتكامل عبر العواطف التي تمّت تربيتها بنحوٍ

(223)

جيّد بنفس المقدار الذي تتكامله عبر العقل الذي تمّ تنميته بنحوٍ جيّدٍ.[1]

وفي ذيل التأكيد على الارتباط بمتعلّق المعرفة (المُدرَك)، تُؤكّد النسويّات على أنّه لا يقتصر الأمر على أنّ المشاعر لا تعتبر مانعًا وحاجزًا عن العلم، بل تُؤدّي المشاعر دورًا أساسيّاً في اكتساب العلم، إلى درجة أنّ «فوكس كيلر» اعتبرت التعاطف[2] والتفهّم لمشاعر الآخرين[3] والحبّ[4] أساليبًا في اكتساب العلم.[5]

2-5. نظريّة المعرفة النسويّة

لقد طرحت النسويّات إلى جانب نقدهنَّ لنظريّات المعرفة الرسميّة والشائعة، تصاميم ونماذج جديدةً لنظريّة المعرفة كبديلٍ للنظريّات التي انتقدها، ورغم أنَّ ترابط هذه النظريّات يجعلها صعبة التصنيف ولكن بكلّ الأحوال يُمكن الإشارة إلى ثلاث نظريّات من نظريّات المعرفة النسويّة:

التجريبيّة النسويّة

إنّ التجريبيّة النسويّة هي نتيجةٌ للجمع بين النظريّات النسويّة

(224)

في باب المعرفة وبين المباني التجريبيّة، وبعبارة أخرى: تُريد هذه المجموعة من النسويّات أن تُجري إصلاحاتٍ فقط على التجريبيّة من خلال القبول بمبادئها وأسسها.

وما تقوله التجريبيّات النسويّات هو أنّه على الرغم من الحياديّة والموضوعيّة التي تتظاهر بها التجريبيّة، إلّا أنّها تتجاهل الفروقات بين الجنسين من خلال إسقاطها لآراء الرجال المفكّرين البيض الأوروبيّين على الآخرين، كما تتجاهل القوميّة والعرق و...، وهي ـ أي التجريبيّة التقليديّة ـ تختم بختم الواقعيّة على إنجازاتهم المعرفيّة بمجرّد ادعائها بأنّها حياديّة وغير سياسيّة.[1]

وفي مقابل التجريبيّة التقليديّة، سعت هؤلاء النسويّات إلى تحويل الدور الهامشي للمرأة في المعرفة إلى دورٍ مركزيّ وإلى إبعاد أيّ نوعٍ من الهيمنة الذكوريّة[2]؛ ولذلك كان هدف بحث التجريبيّات النسويّات هو خلق معرفةٍ لا تكون ذكوريّةً أو ذات ميولٍ جنسيّةٍ أو عرقيّةٍ أو طبقيّةٍ ولا أيّ ميلٍ تجاه باقي الاتّجاهات.[3]

وعلى سبيل المثال: تقترح «مارغريت أيتشلر» والتجريبيّات

(225)

النسويّات ما يلي: لخلق بحثٍ غير جنسيٍّ يجب اجتناب أي نحوٍ من التحيّز الجنسي؛ وذلك يكون بأنّه نوجب ذكر جنس الباحث بوضوحٍ في عنوان البحث (عدم التحيّز الجنسي في عنوان البحث)، كما ينبغي أن يكون المُخاطب بهذا البحث واضحًا من لسان الخطاب المستخدم فيُعلم هل هم النساء أم الرجال؟ (عدم التحيّز الجنسي في خطاب البحث)، وينبغي أن يُلحظ كلا الجنسين وأن يُهتمّ بهما في الأبحاث، ولا ينبغي أن تكون المفاهيم والأساليب ونتائج البحث معادية للجنس.[1]

وفي ظلّ ذلك يتمّ تقديمُ مفهومٍ جديدٍ من الواقعيّة، تمّ الوصول إليه نتيجة الالتفات والانتباه لدور مُدرِك المعرفة وتأثيره، وهو ما تُسمّيه «ساندرا هاردينغ»: واقعيّةٌ قويّةٌ.[2]

إذ توافق «هاردينغ» على واقعيّة التجريبيّة التقليديّة؛ ولكنّها ترى أنّه بسبب غفلة هذه التجريبيّة عن عدم عموميّتها لذا فهي واقعيّة ضعيفة[3]، وتعتقد: أن نظريّة المعرفة النسويّة لن تصل إلى معرفة حقيقيّةٍ ولا واقعيّةٍ أكثر إلّا من خلال رفع مثل هذا الخلل.

ولكنّ العديد من النسويّات اعتبرن بأنّ المواضع التي تحتاج إلى الإصلاح في التجريبيّة النسويّة غير كافيةٍ ولا يُمكن القبول بها،

(226)

وبناءً لرأي هذه المجموعة، لا تُزعزع التجريبيّة النسويّة الفرضيّات الأساسيّة للتجريبيّة ولا تُخرجها عن المدّ والجزر الذي تحدثه الهيمنة الذكوريّة، وهي تقتصر على إصلاحاتٍ وعلى نزعٍ للجنس بشكلٍ ظاهريٍّ فقط.[1]

وتعتقد المخالفات للتجريبيّة النسويّة بأنّ «الدمج بين التجريبيّة ونظريّة المعرفة النسويّة عملٌ غير سليمٍ؛ لأنهما مختلفين في وجهات النظر في بعض الأصول المبنائيّة والمباديء الأساسيّة؛ ومن جملة هذه المباديء: الفردانيّة الحاكمة على التجريبيّة، التي تختلف مع الدور الرئيسي للمجتمع في نظريّة المعرفة النسويّة؛ ومن ناحيةٍ أخرى فإنّ هذه الحقيقة ـ وهي أنّ التجريبيّة النسويّة عند القيام بعمليّة إدراك المعرفة لا يمكنها أن تجد فردًا مجرّدًا وبلا تاريخٍ وليس له جسمٌ ـ هذه الحقيقة تنقض بصراحةٍ أحد الأسس الأساسيّة للتجريبيّة، بحيث لا يمكن اعتبار هذا النوع من نظريّة المعرفة تجريبيّاً حتّى».[2]

نظريّة الرؤية النسويّة[3]

إنَّ مؤيدات نظريّة الرؤية في نظريّة المعرفة النسويّة يُوافقن على أنّ الإنسان قادرٌ على اكتساب المعرفة المرتبطة بالعالم الواقعي؛

(227)

ولكن هذه المعرفة تختلف حسب الموقع، والتوقّعات أو زاوية الرؤية، ولهذا السبب هي غير مصونةٍ من شائبة التحيّز.

وتُضيف المؤيّدات لنظريّة الرؤية ما يلي: رغم أنّ جميع القضايا المعرفيّة جاءت من رؤيةٍ واستشرافٍ خاصٍّ ولذا فهي متحيّزة، لكن لا يجب أن نتصوّر بأنّ جميع القضايا والنتائج المعرفيّة متحيّزة بنفس المقدار، أو بعبارةٍ أخرى: لها نفس المقدار من القدرة والقابليّة على حكاية الواقع وعكس العالم الواقعي، بل إنَّ بعض القضايا رغم تحيّزها الذي لا يُمكن تفاديه، إلّا أنّها استطاعت أن تُبيّن الواقع الاجتماعي أفضل من أي قضيّةٍ أخرى، ولذلك فهي مقبولة أكثر وتتمتّع باعتبار أكبر.[1]

تعتبر النسويّات ذوات المنهج الاستشرافي بأنّ معرفة النساء مقارنةً بالرجال أكمل وأكثر واقعيّة، فبسبب خصائصهنّ وإمكانياتهنّ الخاصّة، يتمتّعن بتعرّضٍ أقلّ للتحريف، وتحيّزٍ أقل نحو الإنجازات المعرفيّة والعلميّة من الذكور.[2]

لقد وقعت نظريّة الرؤية تحت تأثير شديدٍ من النظريّات المعرفية الماركسيّة، حيث يعتقد «ماركس» بأنّ طبقات المجتمع المختلفة، لها آفاق مختلفة من الرؤية بناءً لموقعيّتهم الخاصّة والمختلفة؛ ولذلك المعارف التي لدى أفراد كلّ طبقةٍ تختلف تمامًا عن معارف أفراد باقي الطبقات.

(228)

ولم يكتف «ماركس» بالاختلاف المعرفي بل أضاف: لدى العمّال والطبقات الوضيعة أفقٌ ممتازٌ للرؤية بسبب الموقعيّة الخاصّة التي يجرّبونها؛ لأنّهم لديهم من ناحيةٍ مسؤوليّةً وموقعيّةً مهمّةً باعتبارهم منتجين، ومن ناحيةٍ أخرى رغم أنّهم ليسوا في موقع أرباب أعمالهم إلّا أنّهم يُراقبون الأعمال من خارج، ويمكن لهم تحديد حسن أدائهم وسوءه من أفقٍ أفضل.[1]

لقد طُرحت تفسيراتٌ مختلفةٌ فيما يتعلّق بكيفيّة تميّز الرأي والاستشراف عند النساء من قبل النسويّات، وهي بأجمعها ناشئةٌ عن اعتبار أنّ للمُدرِك ولخصائص الفرد وجنسه دخالةً وكذلك عن اعتبار العوامل والظروف الاجتماعيّة دخيلةً في عمليّة المعرفة، وهذه التفسيرات على النحو التالي:

1- قيل في بعض الأحيان ما يلي: بما أنَّ النساء يقعن تحت سلطة الرجال في كافّة شؤونهنَّ دومًا، وبما أنّ حسن حياتهنَّ وقبحها يرتبط بإرادة الرجال، لذا كان لا بدّ أن يكتشفنَ ما يجول في ذهن الرجال بهدف استمرار حياتهنَّ، وأن يقمعن ذواتهنَّ بهدف تحقيق مصالحهنّ والمحافظة عليها؛ ولذا تُشرف النساء على ما يجول في أذهان الرجال بهدف السعي لفهمهم؛ في حين أن الرجال لا يشعرون بالحاجة لفهم فكر النساء؛ لذلك لا يُشرفون على ما يجول في أذهان النساء[2]؛

(229)

ولذلك تمثّل أفكار النساء مزيجًا من تطلّعاتها التبعيّة وتطلّعات المجموعة المهيمنة.[1]

2- النوع الآخر من بيان الرؤية المميّزة للنساء، ترتبط كذلك بموقعيّتهنّ الاجتماعيّة الخاصّة أيضًا. يقول «ريتزر»: يُتوقّع من المرأة في المجتمع أن تُؤدّي دور الزوجة والأمّ والأخت المنصتة للأفكار والعقائد المختلفة بل حتّى المتناقضة أيضًا، ومن خلال صبرها الذي لا ينفد ورغبتها في الوساطة وإصلاح ذات البين تمنح فرصًا متساويةً في الاستماع إلى الآراء والمواقف الفكريّة المتنوّعة؛ وهكذا تُساهم النساء في حفظ الأفكار المختلفة، ومن جهةٍ أخرى تصل في نفسها إلى نتيجةٍ معتدلةٍ ومتّزنةٍ ومميزةٍ من خلال الموازنة بين وجهات النظر المختلفة.[2]

3- تعتقد بعض النسويّات كذلك بأنّ النساء يُدركن العالم بسبب تنوّع أنشطتهنَّ بصورةٍ أكمل وأعمق، حيث تعتبر «هيلاري روز» أنّ ميزة عمل النساء هو في تآزر اليد والعقل والقلب أو في النشاط اليدوي العقلي العاطفي[3]، فهذا النوع من النشاط مُمتعٌ، كما أنّ ارتباط النساء وتواصلهنَّ يمنحهنَّ

(230)

إمكانيّة إدراك جوانب من الطبيعة والحياة الاجتماعيّة غير القابلة للإدراك من خلال الأبحاث المبنيّة على الأنشطة الخاصّة بالرجال.[1]

4- هناك تقريرٌ آخر طُرِحَ حول تميّز المعرفة النسائيّة، وهو يُرجع إلى أصل ونظريّة المعرفة النسويّة ومبادئها التصوريّة، والتي تبتني على الدور الرئيسي للعواطف والمشاعر في تحصيل المعرفة، وفي ظلّ ذلك يعتبر نظريّة المعرفة الحاكمة على الرجال ضيّقة الأفق وذات نظرةٍ أحاديّةٍ بسبب تعرّضهم للمشاعر والعواطف بنحوٍ أقلّ، ويعتبر النساء مؤهّلاتٍ لموقعيّةٍ معرفيّةٍ مُميّزةٍ بسبب مشاعرهنَّ القويّة.[2]

وقد ذكرت بعض التوضيحات بأنّ النساء يتمتّعن بأفقٍ من الرؤية أفضل، وسبب ذلك هو حرمانهنّ وتبعيتهنَّ؛ لأنّ النظريّات التي تنبع من موقعٍ اجتماعيٍّ محرومٍ، تمنحنا إدراكًا للطبيعة وللعلاقات الاجتماعيّة أقلّ تحيزًا وأقلّ تحريفًا.[3]

ويعتقد بعض المنتقدين بأنّ القول بوجهة نظرٍ واحدةٍ ومحدّدةٍ وأعلى بعنوانها رؤية النساء، يعني تجاهل اختلافات النساء وتهميش وجهات نظر النساء المختلفة والمتنوّعة؛ فلو نظر كلّ فردِ إلى الواقع من زاويةٍ، فلن تختلف رؤية النساء عن رؤية الرجال وحسب، بل

(231)

سوف تختلف آراء نفس النساء فيما بينهنّ كلّ واحدةٍ على حدةٍ؛ ومن هذا المنطلق فإنَّ نظريّة الرؤية النسويّة مرفوضةٌ بنفس معايير النسويّة.

وهناك بعضٌ آخر يرى بأنّ رؤية النساء في محدوديّة مثلها مثل باقي الرؤى، ولذا لا يمكن الاعتقاد بوجود اعتبار خاصٍّ لها.[1]

النسبيّة النسويّة

بسبب الانتقادات التي أوردت على نظريّة الرؤية النسويّة حتّى من قبل النسويّات أنفسهنّ، رفضت مجموعةٌ أخرى من النسويّات نظريّة الرؤية رفضًا قاطعًا، فالقائلات بنظريّة الرؤية يعتقدنَ بأنّ القضايا المعرفيّة، تُقدّم لنا معرفةً عن العالم الواقعي حتّى لو كانت تلك المعرفة مُنحازةً، أمّا في النسبيّة النسويّة فيُقال:‌ «ليس هناك موضوع باسم العالم أو باسم مجموعة البُنى الاجتماعيّة أصلًا بحيث ينبغي معرفتها، وجميعها محض تصوّراتٍ ذهنيّةٍ».[2]

وفي وجهة النظر هذه، تُمثّل القضايا المعرفيّة عقول الناس، ولا يُمكن لأيٍّ من الناس أن يدّعي اعتبارا أكبر لنفسه، ولذا تُعدّ العلوم متساوية المقدار من حيث الاعتبار والمقبوليّة.

(232)

وتُهاجم النسبيّات النسويّة العلم الذكوري ونظريّة المعرفة الذكوريّة بسبب ادعائهما العلم المنطبق مع الخارج وقطعيّة هذا العلم، وتُؤكّدن كذلك على أنّ القضايا المعرفيّة بما أنّها تُمثل عقول الناس، إذن لا يستطيع التنظير حول النساء إلّا النساء وحسب.[1]

ويعتقد «جورج ريتزر» بأنّ النسبيّة النسويّة والقول بأنّ جميع المعارف تتمتّع بالاعتبار والمقبوليّة، لا يُؤدّي إلى رفض أيّ نوع من العلم والمعرفة؛ لأنّ همّ مؤيّدي النسبيّة النسويّة يكمن في جعل جميع أنواع وجهات النظر (حتّى تلك التي لا تتساوى مع بعضها من جهة السلطة) نهائيّة وواقعيّة بدون ادّعائها بأنّها تتمتّع بالاعتبار، وإذا قبل كلّ واحدٍ منها بجزئيّته وانحيازه بشكلٍ واضحٍ، فسوف يجتمعون بشكلٍ متساوٍ إلى جوار بعضهم البعض ليتناقشوا ويتقارضوا المعرفة فيما بينهم.[2]

6.النسويّة والأخلاق

إنّ آراء النسويّات في باب الأخلاق تاريخيّةٌ بقِدم تاريخ النسويّة ذاتها تقريبًا، ويُمكن مشاهدة أوّل ظهورٍ لها في آراء «ويلستون كرافت» و«جون استيوارت ميل»، و«هارييت تيلور» فإنّ الأمور الأخلاقيّة التي ينسبها المجتمع للمرأة من قبيل: التواضع والطاعة والصبر والمحبّة والعاطفة والإيثار والتفاني والمرونة والانفعال،

(233)

وباقي الأخلاقيّات التي تُعتبر سطحيّةً برأي النساء، هي أخلاقيّاتٌ غير أصيلةٍ وغير واقعيّةٍ وبتعبيرٍ أكمل: هي من إنشاء الثقافة والمجتمع.

بعد ذلك بقليلٍ، تمّ متابعة هذا البحث بشكلٍ أكثر جدّيّة في النسويّة الراديكاليّة، واعتبرت الأخلاق النسائيّة صفاتٍ روّج لها الرجال في النظام الأبوي بين النساء بهدف إحكام سلطتهم عليهنّ واستغلالهنّ بصورةٍ أكبر وأسهل، وفي ظل ذلك أرادت النسويّات الراديكاليّات أن تقول بوجود اختلاف بين الخصائص النسائيّة الحقيقيّة وتلك المصطنعة عبر طرح تعاليم الفصل بين الجنس والجنوسة.

كان هناك تيّارٌ آخر موجودٌ في عقدي 1970 م و1980 م، وفي النظريّات الراديكاليّة، وهو نقد النسويّات لانحياز العلوم والمعارف وتوجيهها لتكون ذكوريّة، ومن ضمنها علمي الأخلاق وفلسفة الأخلاق.

وفي هذا الزمان، شكّكت النسويّات في الكثير من الأحكام والمعايير الأخلاقيّة الرائجة، وأغلب هذه المواطن هي الأحكام الأخلاقيّة التي تتنافى في تنظيرات النسويّات مع الحريّة ومع تحرير المرأة، ومن أبرز هذه الأحكام الأخلاقيّة يُمكن الإشارة إلى عدم أخلاقيّة الإجهاض والمثليّة الجنسيّة لدى الإناث[1].

(234)

وقد صرّحت «سيمون دوبفوار» في كتاب الجنس الآخر بأن المثليّة أمرٌ طبيعيٌّ ولذا يُمكن تقبّله، وانتقدت الأخلاق التقليديّة لأنّها صورت المثليّة على أنّها أمرٌ مرفوض ومخالفٌ للطبيعة.[1] وشنّت حملةً شديدةً من خلال تجميع المشاكل التي تُواجهها النساء بسبب منع الإجهاض وكذلك الأزمات التي تجعل الإجهاض للنساء أمرًا ضروريّاً، فانتقدت بشدّةٍ اعتبار الإجهاض لا أخلاقيّاً، وبعد أن بيّنت «دوبفوار» الوضع الصعب الذي يحصل للأطفال غير المرغوب فيهم، وبعد أن عرضت إحصاءً عن الإجهاضات، تشكف عن الأضرار اللاحقة بالنساء والتي لا يُمكن تعويضها وجبرانها، وبعد تفصيلها للسلوكيّات والمصاعب التي يُواجهها الوالدين بسبب الأبناء غير المرغوبين، تتّهم الأفراد الذين يعتقدون بأنّ الإجهاض غير أخلاقيٍّ وتقول: إن كان ذلك من أجل الأخلاق، فبماذا يُمكن أن نُفكّر حول أخلاقٍ كهذه؟![2]

وتعتبر «دوبفوار» أنّ الأخلاق التقليديّة عبارةٌ عن مجموعةٍ من المبادئ والقوانين التي تمّ تصميمها فقط من أجل مصالح الرجال وللسيطرة على النساء، وتعتقد بأنّه في هذه الأخلاق الذكوريّة التي تُعرّف الحمل والولادة والأمومة على أنّها أمورٌ مقدّسةٌ للنساء، تتضمّن نوعًا من التصلّب والساديّة الذكوريّة التي تواجه أيّ محاولةٍ نسائيّةٍ لترك وظائف الأمومة والإدارة المنزليّة مواجهةً عنيفةً.[3]

(235)

وكما هو ملاحظ، منذ أوائل سنوات الموجة النسويّة الثانية يصل إلى مسامعنا من بين النظريّات النسويّة اعتبار الأخلاق ذكوريّةً ومتحيّزةً وحتّى ظالمة، ورويدًا رويدًا اتّخذت هذه النظريّات شكلًا جادّاً وأكثر تركيزًا، وظهرت على شكل مباحث تحت عنوان الأخلاق النسويّة[1].

إنَّ المناقشات التي طرحتها النسويّات تحت عناوين من قبيل: الأخلاق النسويّة والأخلاق الأنثويّة أو الأنوثة وأمثال ذلك، مثلها مثل غيرها من المواضيع التي تبحثها النسويّات، لا تخلو من التشتّت والبعثرة ومن الاختلاف في وجهات النظر أو حتّى من التناقضات؛ وبشكلٍ عامٍّ ومع غضّ النظر عن هذا التشتّت، يُمكن مشاهدة مناهج أخلاقيّة مختلفة في آراء النسويّات.

في هذا القسم، سنطرح المناهج والنظريّات النسويّة في بابي الأخلاق وفلسفة الأخلاق، وذلك في ذيل عنواني نقد النسويّات للأخلاق التقليديّة، والأخلاق النسويّة أو الأخلاق الأنثويّة.

(236)

1-6.نقد الأخلاق التقليدية

تتلّخص ادعاءات النسويّات في نقد الأخلاق التقليديّة بعبارةٍ واحدةٍ وهي: تمحوُر الأخلاق التقليديّة حول الرجل، وهذا الادعاء كان محلّ اهتمام النسويّات من عدة جوانب:

الأخلاق التقليديّة ناظرةٌ إلى القيم الذكوريّة

تبحث النسويّات ـ كخطوةٍ أولى ـ المفاهيم التي تمّ أخذها باعتبارها مِلاكًا ومِعيارًا للعمل الأخلاقي وعمادًا وأساسًا للنظام الأخلاقي[1]، ويعتقدن بأنّ فلسفة الأخلاق التقليديّة وبالتالي الأخلاق التقليديّة بشكلٍ عامّ إنّما نُظّمت وبُنيت بناءً على القِيم الذكوريّة، ومن وجهة نظر النسويّات: ينحاز مفهومي العدالة والحقّ اللذين قامت فلسفة الأخلاق عليهما نحو الذكورة بنحوٍ انحيازًا شديدًا.

كان لمفهوم العدالة في فلسفة أفلاطون وأرسطو الأخلاقيّة أهميّةٌ بنائيّة، فقد قسّم أفلاطون المجتمع إلى ثلاث طبقات: حُكامٌ حكماء، والحراس (الجيش)، والعمال، وكلّ واحدٍ منهم يُعدّ مظهرًا للصفات الإنسانيّة التالية: العقل والشجاعة والغضب والشهوة، ومن وجهة نظر أفلاطون تقع العدالة ـ التي هي فضيلة نهائيّة وعامّة ـ في أن يرأس العقل المجتمع، كما أنّ أرسطو كان يرى بأنّ سعادة الإنسان

(237)

إنّما تتحقّق في النشاط العقليّ النظريّ. أمّا النسويّات فيرين بأنَّ أفلاطون وأرسطو كانا مُتمحورين في عدالتهما حول الذكورة؛ لأنّ العقل عدّ طوال تاريخ الفكر الغربيّ كعنصرٍ ذُكوريٍّ، والشاهد الآخر للنسويّات على التمحوُر حول الذكورة، هو أنّه رغم أنّ أفلاطون يعتقد بأنّ النساء يستطعن الحضور في الطبقة الحاكمة أيضًا، إلّا أنَّ حضورهنَّ مشروطٌ بأن يتركن الأمور الأنثويّة وأن يأتين مكتسياتٍ بحلّة الرجال وخلقهم ومزاجهم.[1]

لقد كانت الأخلاق المبنيّة على الحقوق الفرديّة والتي لاقت رواجًا منذ عصر الليبراليّة والتنوير محلّ نقدٍ من قبل النسويّات بسبب اعتمادها على مفاهيم من قبيل: الفرد والاستقلال والمنافسة، فمحور هذه الأخلاق هو الحقوق الفرديّة، لكنّ الفرد ـ برأي النسويّات ـ رغم أنّه يُبرز في الثقافة الغربيّة كخنثى، إلّا أنَّه رجل في الواقع؛ ومن ناحيةٍ أخرى إنّ أحد أهم الحقوق الفرديّة هو الاستقلال، وهذا المفهوم مُنحازٌ للرجال أيضًا؛ لأنّ الاستقلال الاقتصادي والعاطفي في الثقافة الغربيّة السابقة هو من الصفات البارزة للرجال، والارتباط العاطفي والاقتصادي من الصفات النسائيّة البارزة؛ وكذلك في الأخلاق المبنيّة على الحقّ، من المفترض أن تكون هناك منافسةٌ بين الأفراد للحفاظ وللتمتع بالحقوق الفرديّة؛ ولذلك هناك عقدٌ اجتماعيٌّ من أجل حفظ حقوق جميع الأفراد في هذا المحيط المليء بالمنافسة، وهكذا جُعلت المنافسة العقد الاجتماعي أمرًا ضروريّاً؛ في حين أن النسويّات يعتقدن بأنّ المنافسة مثل الاستقلال، ميزةٌ من ميزات

(238)

الرجال؛ وجعل الأخلاق المبنيّة على الحقّ على أساس المنافسة معناه التحيّز الذكوريّ من قبل هذه الأخلاق.[1]

ومن الجدير بالذكر أنَّه نقد الأخلاق المبنيّة على العدالة الأخلاق المبنيّة على الحقّ من قبل النسويّات بالإضافة إلى كونه من جهة تحيّزها الذكوري، كذلك من فاعليّتها وكفايتها وهو ما سيتمّ بحثه في مبحث الأخلاق النسويّة.

الأخلاق التقليديّة حامية لتبعيّة النساء

تعتقد النسويّات بأنّ عدّ الصفات التي من قبيل: الطاعة والسكوت والصبر والوفاء على أنّها فضيلةٌ للنساء في الأخلاق التقليدية كان هدفه تسلّط الرجال على النساء واستمرار ذلك وتسهيل عملية انقياد النساء لهم؛ وبعبارةٍ أخرى: إنّ ترويج المعايير والنماذج الأخلاقيّة للمرأة الجيّدة والزوجة الجيّدة والأم الجيّدة بين النساء، يصبّ في خدمة النظام الأبوي ومصالح الرجال.[2]

احتقار الصفات النسائيّة

ترى النسويّات بأنّ هيمنة ثقافة النظام الأبوي على النظام الأخلاق التقليدي أدّت إلى اعتبار الصفات الأخلاقيّة المُختصّة بالنساء ـ سواءً أكانت صحيحةً أم غير صحيحةٍ ـ تشمل تصنيفًا

(239)

وتقييمًا خاصّاً؛ وبالتالي تميل الأخلاق التقليديّة إلى إعطاء بعض الخصائص أكثر من قيمتها الحقيقيّة من قبيل: الاستقلال وعدم الاعتماد والتعقل والإرادة والاحتياط ومرعاة الهرميّة والهيمنة والزهد والحرب والموت ـ التي تُعتبر ذكوريّةً في الأخلاق التقليديّة ـ ومن ناحيةٍ أخرى تُعطي بعض الخصائص أقلّ من قيمتها الحقيقيّة مثل: الاعتماد على الآخرين والمشاركة والارتباط والمساهمة والعاطفة والثقة والتأثير والسعادة والصلح والحياة (وهي التي تُعتبر أنثويّةً في الأخلاق التقليديّة).[1]

الضعف الأخلاقي للمرأة في الأخلاق التقليديّة

لا تملك النساء القدرة التامّة للوصول إلى النضج الأخلاقي في الأخلاق التقليديّة، وفهنّ يتمتّعن بقدرةٍ واستطاعةٍ أقلّ دائمًا مقارنةً بالرجال للصعود إلى أعلى هرم الفضائل الأخلاقيّة، وقد عُنون في بعض الأحيان سبب هذا العجز بضعف القوى العقليّة للمرأة، وهو الأمر الذي له مكانٌ عميقٌ في ماضي الثقافة الغربيّة، فمنذ زمن «أرسطو» و«أفلاطون» إلى «فرويد» والزمن الحاضر يعتقد الفلاسفة الذكور بأنّ النساء مستعدّاتٌ فقط لمجالٍ محدودٍ من العلم والعمل الأخلاقي، حيث يعتقد «أفلاطون» و«فيلون» بأنَّ التقدّم الأخلاقي لا يتمّ إلّا في إطار ترك الخصائص الجنسيّة الأنثويّة بصورةٍ تامّةٍ والتحوّل إلى الجنس الذكوري وتقوية الصفات

(240)

والملكات الذكوريّة[1]، ويعتقد «توما الأكويني» بأنّه لا يُمكن للمرأة أن تكون زاهدةً وتقيّةً؛ لأنّها غير مستقرّةٍ.[2]

ومن وجهة نظر «كالبيرغ» ـ عالم النفس المعاصر ـ للتکامل الأخلاقي ولمعناه ستّة مراحل، والرجال مستعدّون للوصول على الأقل إلى الدرجة الخامسة من السلّم، أي الارتقاء إلى الوضع القانوني للعقد الاجتماعي؛ في حين أن النساء يتوقّفن في المرحلة الثالثة من هذا السلم أي موقعية الابن الجيّد والبنت الجيّدة.[3]

إهمال المسائل الأخلاقيّة النسائيّة

لفصل مجالات الحياة إلى عامّة وخاصّة أثرٌ عميقٌ على الأخلاق التقليديّة، بحيث اعتبرت الأخلاق أمرًا خاصّاً بالمجال العامّ والمجتمع، أمّا المسائل المتعلّقة بالمجال الخاصّ فلا تُبحث في علم الأخلاق أبدًا.

ويُصرّح فلاسفةٌ أمثال: «جون رولس» و«يورغن هابرمس» بأنّ الحكم الأخلاقي، ممكنٌ فقط في المجال العامّ؛ لأنّ هذا المجال هو الذي يُنظّم من خلال الارتباط بمبادئ من قبيل: الحقّ والعدالة؛ وبناءً عليه لا تقبل مسائل المجال الخاصّ التي تُعتبر مجال حياة

(241)

النساء الحكم الأخلاقي[1]، وبهذه الطريقة لم تُبحث أيّ القضايا المهمّة في حياة النساء، مثل: تقسيم العمل في المنزل، والعلاقات بين المرأة وزوجها والأبناء، ومهام الواجبات المنزليّة، وتعب الحمل والولادة، وتربية الأبناء وأمثالها في الأخلاق التقليديّة باعتبارها مواضيع أخلاقيّة جديّة[2]؛ وحتّى أنّ فلاسفةً أمثال «أرسطو» و«هيغل» الذَيْن أعطا للمنزل والتدبير المنزلي أهميّةً، لم يعتبرا المنزل مكاناً يُمكن أن تتحقّق فيه الكمالات العالية للإنسان.[3]

2_6.الأخلاق النسويّة

لقد تشكّل مصطلح الأخلاق النسويّة بالتدريج كردّة فعلٍ على الدراسات النفسيّة التي أجرتها «جيليغان»[4] في باب أخلاقيّات النساء، فقد طرحت «غيليغان» آراء جديدة في باب أخلاق النساء مستفيدة من أبحاث «كالبيرغ» في باب الاختلافات السلوكيّة والأخلاقيّة بين البنات والصبيان، والتي أصبحت مُنطلقًا للآراء المختلفة والمتنوّعة للنسويّات، وبعد ذلك وُسمت بالأخلاق النسويّة أو الأخلاق الأنثويّة.

وصل «كالبيرغ» إلى هذه النتيجة، وهي أنّ النساء عاجزاتٌ عن الوصول إلى البلوغ الأخلاقي، وأغلبهنّ يتوقفنَ في المراحل

(242)

الأولى من التكامل الأخلاقي، وتقول «جيليغان» في كتابها بصوتٍ مختلف[1] (1982 م): إنّ توقّف النساء في المراحل الأخلاقيّة المذكورة لا يعود إلى عجزهنّ عن الوصول إلى البلوغ الأخلاقي بل لأنّ النساء أساسًا يتبعن أنظمةً ومبادئ أخلاقيةً مختلفةً، فالقيم الأخلاقيّة، ومراحل التكامل الأخلاقي وحتّى الاستدلال الأخلاقي النسائي يختلف اختلافا جوهريّاً عن ما لدى الرجال، ولذلك من غير الصحيح تقييم النساء وفق المعايير الذكوريّة، وقد اعتبرت «جيليغان» نتائج أبحاث «كالبيرغ» ذات نظرةٍ أحاديّةٍ ومتمحورةٍ حول الذكر، وسعت لطرح إحصائيّاتٍ وأدلّة نفسيّةٍ تُشير إلى اختلاف الجنسين في المسائل الأخلاقيّة.[2]

وادّعت «جيليغان» بما يلي: في نفس الوقت الذي تخشى النساء من الفراق والوحدة، يعتبر الرجال الاقتران أمرًا خطرًا، وترى الفتيات والنساء في الغالب المعضلات الأخلاقيّة تؤدّي إلى التعارض في المهام والتكليف أكثر من التعارض القانوني، ويسعين لحلّ هذا التعارض بطريقةٍ تُصلح شبكة العلاقات وتجعلها مُتينة؛ إضافةً إلى ذلك، النساء أقل ميلًا من الرجال لتبرير القرارات الأخلاقيّة من خلال قوانين انتزاعية، وتميل أكثر للعمل وفق المشاعر والعشق والعطف تجاه الأفراد الخاصّين.[3]

(243)

ووصلت في دراستها في باب الفرق بين الجنسين في ألعاب الأطفال، إلى أنّ الصبيان يلعبون خارج المنزل أكثر من الفتيات؛ ويلعب الصبيان في مجموعاتٍ كبيرةٍ ومتنوّعة، ويتّجهون إلى الألعاب التنافسيّة أكثر من البنات وفي حال برزت منازعة يميلون لحلّ الخلاف بعدلٍ وإنصافٍ؛ في حين أنَّ الفتيات تبدين سعة صدرٍ أكبر فيما يتعلّق بنقض القواعد وتمنحن استثناءاتٍ أكثر؛ وفي الضمن تُظهرن توافقًا أكبر لإجراء تغييراتٍ في اللعبة، وتتمّ حلّ الخلافات لديهنّ من خلال إبداعٍ كبيرٍ؛ وبشكلٍ عامٍّ يُظهر الصبيان اهتمامًا أكبر بالقواعد الكليّة والانتزاعيّة؛ في حين أن منح الاستثناءات في القواعد في الحالات الخاصّة هو ذات أهميّة للفتيات أكثر منه للصبيان.[1]

ونتيجة «جيليغان» النهائية من هذه الأبحاث الآنفة الذكر هي وجود نوعين من الأحكام الأخلاقيّة: الأوّل: الأخلاق المعتمدة على العدالة أو طلب العدالة (المرتبطة بشكلٍ تقليديٍّ بالذكورة والمجال العامّ)، والثاني: الأخلاق المعتمدة على المسؤوليّة أو طلب المسؤوليّة (المرتبطة بالأنوثة والمجال الخاصّ والأسرة).[2]

وعلى كلّ حال، إنَّ استنتاجات «جيليغان»، كانت ذريعةً للنسويّات كي ينتقدن قبل أيّ شيءٍ الأخلاق التقليديّة لتجاهلها قضايا النساء وتحقيرها للقيم النسائيّة، واعتبار النساء عاجزاتٍ عن الوصول إلى النضج الأخلاقي، ومن ناحيةٍ أخرى فتحت نتائجها

(244)

في باب التفكيك بين أخلاق المسؤوليّة وأخلاق العدالة، بابًا جديدًا نحو النظريّات الأخلاقيّة النسويّة.

وقد طُرحت في الأخلاق النسويّة مفاهيم جديدةٌ حول القيم، ونماذج أخلاقيّةٌ جديدةٌ، وأبحاثٌ حول الأخلاق وفلسفة الأخلاق، ومحورها جميعًا هو الالتفات إلى قضايا النساء وأخلاقهنّ واعتبار المرأة ذات قيمةٍ.

وبنظرةٍ عامّةٍ إلى النظريّات المتعدّدة التي طُرحت في هذا الباب، يُلاحظ بأنَّ أغلب هذه المفاهيم والنظريّات الأخلاقيّة قد تشكّلت في ظلّ معارضتها لمفاهيم الأخلاق ونظريّاته ولفلسفة الأخلاق التقليديّة، وبذلك تكون النسويّات قد طرحت مفاهيم ونظريّات جديدة بعد نقد مفاهيم وقِيم الأخلاق التقليديّة ونظريّاتها الأخلاقيّة.

وفي الضمن إنّ النماذج التي عُرضت في الأخلاق النسويّة، أخذت من حياة النساء اللواتي تمّ اهمالهنّ واحتقارهنّ من قِبل الرجال، وكانت النسويّات تُطالبن بالاهتمام بهنّ واعتبارهنّ ذوات قيمةٍ، وسنُشير إلى هذه المفاهيم والنماذج فيما يلي:

المفاهيم الأخلاقيّة:

أ) المسؤوليّة مقابل العدالة:

إنّ مفهوم المسؤوليّة هو المفهوم الأخلاقي الأساسي المُستمدّ من نتائج أبحاث «جيليغان»، إذ تُشير أبحاث «جيليغان» إلى أنّ المعيار والملاك الذي يَعتمد عليه الرجال في الاستدلال وفي

(245)

الحكم الأخلاقي، هو مراعاة الحقّ والعدالة والإنصاف بشكلٍ عامٍّ؛ أمّا النساء فيُفكرنَ أكثر بالمسؤوليّة المتوجّبة عليهنّ تجاه احتياجات الآخرين وحمايتهم من الأذى.[1]

ب) الجمعيّة ضدّ الفرديّة:

في الوقت الذي كانت فيه أخلاق العدالة وأخلاق الحقّ هي المفاهيم الأساسيّة للحقوق الفرديّة، نجد أنّ العلاقة أو الارتباط في الأخلاق النسويّة مِن بين المفاهيم المفتاحيّة[2]، فإنشاء العلاقات والروابط المرغوبة وحفظها من الضرر يُعتبر من العوامل القيّمة التي لها دورٌ مهمٌّ في القرارات الأخلاقيّة النسائيّة.

تتمتّع العلاقات بأهميّة استثنائيّة عند النساء إلى درجة أنّ البعض اعتبر الأخلاق النسائيّة أخلاقٌ مبنيّةٌ على العلاقة، ويعتبرون أنّ سبب أهميّتها يعود إلى هذه النقطة، وهي أنّه في الوقت الذي يُحرز فيه الرجال هويّتهم عبر الانفصال عن العلاقات والحصول على الاستقلال، نجد أنّ النساء يجدن هويتهنّ من خلال الارتباط مع الآخرين بعنوانه أمّ أو زوجة أو أخت وأمثال ذلك.

وبسبب هذا الاختلاف في المنهج الأخلاقي بين النساء والرجال، اعتبر التنافس والاستقلال مفاهيم ذات قيمة في الأخلاق التقليديّة، وفي المقابل، اعتبر التفهّم العاطفي والاعتماد قِيم أخلاقية نسويّة.

(246)

ج) العاطفة مقابل العقل:

 في أخلاق العدالة، العقل هو المحور الأصلي للقرارات الأخلاقيّة والشاهد على ذلك، هو أنّ النساء اتهمنَ في الأخلاق التقليديّة بالضعف الأخلاقي بسبب ضعفهنَّ العقليّ؛ وبالتالي نتيجةً لتعارض العقل والعاطفة في الثقافة الغربيّة، اعتبرت الأخلاق أمرًا عقلانيّا وليس عاطفيّاً، فالعاطفة تؤدّي دورًا محايدًا وفرعيّاً وأحيانًا مزاحمًا في أخلاق العدالة، ويُشاهد المثل الأعلى لهذا الأمر في «الأخلاق الواجبة» عند «كانط».

ففي نظام «كانط» الأخلاقي، يبقى العمل الأخلاقي ذا قيمةٍ طالما يُنفذ بنيّة أداء التكليف والواجب، أمّا إدخال أيّ عاطفةٍ أو شعورٍ في دافع تنفيذ العمل الأخلاقي فيُزيل قيمته.[1]

تُخالف النسويّات الأخلاق الواجبة عند «كانط» بشدّةٍ، وفي المقابل يعتبرن العاطفة عاملًا أساسيّاً في الأخلاق؛ ومن هذا المنطلق تتبع النسويّات فلاسفةً مثل: «هيوم» و«شوبنهاور» الذين يُركّزان ضمن نقدهم للأخلاق العدالتيّة على أنّ النواة المركزيّة للأخلاق هوي الشعور بالشفقة والرحمة تجاه الآخرين، فـ «هيوم» يعتبر العدالة فضيلةً باردةً مثيرةً للحسد، ويعتقد بأنّه المسائل الأخلاقيّة ليست مفرداتٍ عقليّةٍ يُمكن حلّها والفصلٌ فيها في ساحة المشاعر البشريّة وتمني الخير للآخرين.

ويعتقد «شوبنهاور» بأنّ فعل الإنسان يُعتبر أخلاقيّاً فقط عندما

(247)

كون دافعه إبعاد الضرر عن الآخرين، وذلك بسبب الأنانيّة الذاتيّة؛ ولذلك الشفقة على الآخرين هي أساس الأخلاق.[1]

وفي ظلّ ذلك انتقدت النسويّات الأخلاقَ التقليديّة لعدم اهتمامها بدور العاطفة وأثرها، حيث يقول «لورانس بلوم»: تعجر الأخلاق التقليديّة عن فهم هذه المسألة وهي أنّ العواطف نوعٌ من المحبّة مثلها مثل التعاطف والشفقة تُهيّء الأسباب للقيام العمل الأخلاقي، وتعتبر «جيلغان» المحبّة مبدأً كليّاً وهو أنسب مساعدٍ يدلّنا على كيفيّة حلّ الخلافات في العلاقات الإنسانيّة ويُحارب إيذاء الآخرين.[2]

د) الموقفيّة مقابل الشموليّة:

تُعتبر الأصوليّة من أكثر مواضع الاختلاف جديّةً بين أخلاق المسؤوليّة وأخلاق العدالة، حيث تُشير «جيليغان» إلى أنّ الرجال يُقرّرون بناءً على مبادئ كليّة وانتزاعيّة، أمّا النساء فيُقرّرن بناءً على ظروفٍ ومواقف خاصّةٍ؛ ولذلك تُشْكل النسويّات على الأخلاق التقليديّة بأنّ مبنيّةٌ على المبادئ الكلّيّة والانتزاعيّة، وتُسمّي «سيمون دي بوفوار» الأخلاق الكلّيّة أخلاقًا مبهمةً؛ لأنّ مبادئها الكليّة والانتزاعيّة ـ التي لا تولي اهتمامًا للظروف والموقع ـ مُبهمةٌ في العديد من ظروف الحياة العمليّة، ولا يُمكن للفرد أن يُقرّر بشكلٍ صريحٍ ما هو الأمر العادل وغير العادل.[3]

(248)

وتدّعي «إليزابيث بيرنار» بأنّ «علم الأخلاق لا ينشأ بشكلٍ نظريٍّ وانتزاعي بل ينشأ من مصاعب الحياة اليوميّة»[1]، وتعتقد بأنّه لم نعلم قصّة حياة الناس، فسوف نكون محدودين فيما يتعلّق بكيفيّة التعامل مع الناس، والمعلومات التفصيليّة حول شخصٍ أو أشخاصٍ ليس بلا معنى أو قليلة الأهميّة عندما نكون في حال اتّخاذ قرارٍ أخلاقيٍّ، ومن هنا تعتبر «بيرنار» ضمن نقدها لأصوليّة الأخلاق التقليديّة ولكليّتها بأنّ الاهتمام بالتجارب اليوميّة والظروف والموقعيّة تمثّل أساسًا للأخلاق النسويّة.[2]

تعتبر «تادينغز» بأنَّ مراعاة المُخاطب وموضوع العمل الأخلاقي هو أحد خصائص الأخلاق النسويّة، فبرأيها أهمّ ما في الأخلاق أنّها تحلّ مشاكل الطرف الآخر، ولا أهميّة لشيءٍ آخر غير النتيجة مثل: ما هو الأصل الأخلاقي الذي أدّى إلى هذا العمل؟ أو ما هو الدافع والنيّة التي لدى الفاعل الأخلاقيّ؟ كما أنَّ الاهتمام بالمُخاطب، ينفي أيّ مبدأ كلّيٍ؛ لأنّ العمل المسؤول تجاه أيّ فردٍ إنّما يكون بما يتوافق مع موقعيّته ووضعه الخاصّ، وهو ما يُمكن أن يكون مختلفًا عن عملٍ مسؤولٍ آخر بالنسبة لشخصٍ الآخر.[3]

إنّ عدم الميل نحو المبادئ الأخلاقيّة الكليّة والمجرّدة، أدّى كذلك إلى أن تتقاطع النسويّات مع الفلسفة الأخلاقيّة التقليديّة في جهةٍ من الجهات، وأهمّها اختلاف ما هو «موجود» عمّا «يجب»،

(249)

حيث تعتقد كلٌّ من «تادينغز» و«جغر» (وهما من المعتقدات بهذا الاختلاف في الفلسفة الأخلاقيّة التقليديّة) بما يلي: لقد سعى الفلاسفة دومًا لرفع المفاهيم الأخلاقيّة من سطح العالم الحسي والمادّي، وأشاروا إليها باعتبارها أمورًا كليّةً مجرّدةً، وبلا زمانٍ؛ في حين أنَّ الحياة الأخلاقيّة ليست مُنفصلة عن الحياة المادّيّة أو غريبة عنها، فليس هناك من منشأ مستقلٍّ لما هو مسموحٌ أخلاقيًا (الواجبات) عن الموجودات أو عن الأوضاع الواقعيّة؛ وبالنتيجة سوف يكون للمفاهيم والقضايا الأخلاقيّة ماهيّة متغيّرة ومتكثّرة وسوف تكون في ظروفٍ متغيّرة ومختلفة.[1]

إن المثل الأعلى لهذا البحث ـ  الذي صوّرت فيه النظريّات الأخلاقيّة النسويّة في ارتباطها بتجربة الفرد والظروف، والموقعيّات وعدم الميل إلى الأصول الكلّيّة والمجرّدة ـ هو الرأي الأخلاقي فيما يتعلّق بالإجهاض؛ وبناءً عليه تعتقد النسويّات بما يلي: في مسألة الإجهاض لا يمكن استنتاج منع الإجهاض من خلال المبادئ الكلّيّة والمجرّدة مثل: المفهوم العامّ للإنسان أو حقّ الحياة؛ بل يجب البحث في الظروف والأوضاع التي تسوق المرأة نحوها، والمشاكل التي تواجهها المرأة خلال رعاية الطفل، والظروف الصعبة التي تواجهها، وأمثال هذه الأمور، وطبعاً بعد مراعاة العوامل الآنفة الذكر يتمّ إصدار الحكم الأخلاقي.[2]

(250)

النماذج الأخلاقيّة

لقد طرحت النسويّات النماذج التي في الأخلاق التقليديّة لكيفيّة تشكّل علاقات الأفراد بعضهم ببعض، أي أنّها تعتبر العلاقة المبنيّة على أساس العقد الاجتماعي والحقوق الفرديّة غير كافيةٍ وغير فعّالةٍ، فاقترحوا نماذج جديدة للعلاقات.

نموذج الأمومة

تعتبر كلٌّ من «فيرجينيا هيلد» (1993 م) و«كارولينا وايت بك» (1974 ـ 1975 م) و«سارة روديک» (1980 م) بأنّ علاقة الأمّ بالطفل تُمثّل نموذجًا يُثير الأمل لكلّ علاقةٍ ومنها العلاقات الاجتماعيّة، وتُبرّر «هيلد» والآخرون علّة كون علاقة الأمّ بالطفل هو أفضل نموذج، بأنّنا في العلاقات والتعاملات الإنسانيّة لا نشعر كثيرًا بالحاجة إلى الأخلاق والنموذج الأخلاقي في تلك المواقع التي تكون بين الكبار؛ لأنّهم يتمتّعون بمقدارٍ متساوٍ لاستقلال والقوّة غالبًا، بل أكثر ما نشعر بالحاجة إليها حينما تكون هناك علاقة بين الأفراد الذين لا يتمتّعون بنفس الشروط؛ مثل العلاقات بين الابن والوالدين، وبين التلميذ والمعلم، وبين الرئيس والمرؤوس، وبين الموظف وصاحب العمل، وبين المتخصّص وغير المتخصص؛ فهذه اللامساواة توجد ضغوطاتٍ أخلاقيّة؛ ولكنّنا نرى في العلاقة بين الأم والابن أنّه على رغم من عدم توازن العلاقة وعدم تساويها إلّا أن الفضائل الأخلاقيّة هي التي تدفعها، فإنّ أكبر ارتباط قلبي لدى الأمّ

(251)

تكون تجاه ابنها، فتراها تُحافظ عليه وتعلّمه وتجعله ناجحًا من الناحية الاجتماعيّة ومقبولًا وحساسًا ومُتحمّلًا للمسؤليّة.[1]

تصف «سارة روديک»[2] في مقالة فكرة الأمومة[3] القابليّات والإنجازات التي تعرض للأمّ خلال أمومتها، وتعتقد بأنّ النساء بإمكانهنّ أن يكتسبن الفضائل من خلال الإنجاب مثل: طلب السلام وتهيئة أسباب نمو الآخرين والمحبّة والتعاطف من الآخرين والتوافق والليونة واحترام الآخرين، وتنشأ هذه الفضائل كبدائل أخلاقيّة في مقابل العدوان والغزو عند الذكور، ومن وجهة نظر «روديك» توجد مهارات الأمومة نموذجًا عمليّاً أخلاقيّاً للجميع على جميع الصعد خصوصًا في مجال السياسة، ولا تقصر هذا النموذج على الأمّهات، بل تعتقد بأنّ جميع النساء يتمتعنَ بهذه القدرة حتّى لو كُنَّ ليسوا بأمّهاتٍ بسبب إمكانيّة حملهنّ، كما يُمكن لهنّ نقل هذه القدرة للذكور عبر التعليم.[4]

وتؤكّد «أوليف شراينر» على نوعٍ من الأخلاقيّات التي تتمحور حول المرأة والمبنيّة على أساس تجربة النساء في تربية الأبناء أو القابلية الروحيّة التي لديها للقيام بمثل هذه المهامّ.[5]

(252)

والجدير بالذكر هو أنَّ هذا النموذج كان محلًّا للانتقادات التالية من قبل النسويّات وغيرهنّ:

1- يرى البعض من غير النسويّات بأنّ وضع نوعٍ من العلاقات كنموذجٍ لجميع أنواع العلاقات أمرًا خاطئًا.

2- انتقدت بعض النسويّات، سلامة علاقة الأم بالابن؛ لأنهنّ يعتقدن بأنَّ هذا النوع من السلوك إنّما نُظّم في المجتمعات ذات النظام الأبوي لتلبية توقعات الرجال واحتياجاتهم.

3- تُؤكّد بعض النسويّات بأنّه ما من أحدٍ مستعدٌّ لمنح كامل النفس وعن طيب خاطرٍ وأن ينخرط في علاقة أمومةٍ مليئةٍ بالرحمة تجاه الآخر سوى النساء، وسريان هذا النموذج للآخرين ليس أمرًا عمليّاً.[1]

نموذج المثليّة الجنسيّة

تعتبر «سارة هوغلاند» مثليّة النساء بديلًا جيّدًا لنموذج الأمومة، فترفض «هوغلاند» نموذج الأمّ والابن باعتباره نموذجًا غير تبادليٍّ للرعاية، ويُؤدّي سريانه في المجتمع إلى التمييز، وفي المقابل، تعتقد بأنَّ نموذج المثليّة الجنسيّة يُمكن أن يكون نموذجًا صحيحًا

(253)

عن الرعاية التبادليّة، ويُمكن وضعه كنموذجٍ لباقي العلاقات الاجتماعيّة.[1]

العلاقة بين الأخلاق الذكوريّة والأنثويّة

يبتني النقد النسويّ للأخلاق التقليديّة على تمحوره حول الرجل وتجاهل النساء في هذه نوع الأخلاق، وطرح نظريّاتٍ أخلاقيّةٍ جديدةٍ تُعرف بالأخلاق النسويّة أو الأنثوية لا يعني أن الأخلاق التقليديّة مردودةٌ تمامًا من وجهة نظر النسويّة؛ ومن ناحيةٍ أخرى تعتقد العديد من النسويّات بأنَّ المبادئ التي تمّ تعريفها باسم الأخلاق الأنثويّة لا تختصّ بالنساء ويمكن بل يجب نشرها في كلّ المجتمع.

ورغم أنَّ وجهة النظر هذه تُلاحظ بين النسويّات وخصوصًا بين الراديكاليّات اللواتي يعتقدنَ بأنّ الأخلاق الأنثويّة أرقى، وأحيانًا يرين بأنّ الأخلاق مُختصّةٌ بالنساء، ولكنّ النهج الغالب على النسويّات في العلاقة بين الأخلاق الذكوريّة والأنثويّة هو أنَّ الأخلاق النسائيّة يمكن أن تجبُر الخلل والنقص الذي وقعت فيه الأخلاق التقليديّة، وهذه النواقص تعود إلى تمحورها حول الرجل، كما يُمكن أن يُطرح للبشريّة نظامٌ أخلاقيٌّ موحّدٌ.

بناءً لاعتقاد «جيليغان» يجب إكمال تجريد الأخلاق المطالبة بالعدالة وجعلها كليّةً بواسطة الموقفيّة[2] والنظرة الجزئيّة للأخلاق

(254)

المطالبة بالمسؤوليّة، وفي غير هذه الصورة سيبقى كلٌّ منهما ناقصًا وغير تامٍّ.

وتعتقد «آنيت باير» (1995 م) أنّنا نحتاج في الأخلاق لما هو أرقى من العدالة، وهو المزج بين العدالة والمسؤوليّة، وتُكمل «باير» موضّحةً: لإنشاء هذا الارتباط يجب أن نعثر على مفاهيم وسطيّة بين نوعي الأخلاق لتكون بمثابة الجسر بين هذين النوعين من المواقف الأخلاقيّة، وهو مفهوم الثقة.[1]

يعتقد «جون ترنتو» بأنّ الأخلاق الذكوريّة والنسائيّة شكلان مختلفان لأمرٍ واحدٍ وتُشكّل المسؤوليّة قاعدتهما؛ إلّا أنَّ النظام الأبوي كان سببًا في فصل مسؤوليّة الرجال وجعلها في المجال العامّ عن مسؤوليّة النساء وجعلها في المجال الخاصّ، وكذلك الأمر من وجهة نظر «كروجر ـ ميبز» (1994 م) حيث ينبغي وضع الفصل والتمييز جانبًا ليخرجا كنظامٍ واحدٍ تُعتبر فيه المسؤوليّة شرطاً ضروريّاً أو مبنىً أساسيّاً للعدالة.[2]

ويطرح «أوكين» (1989 م) كذلك النظريّة التالية، وهي أنَّه يجب أوّلًا طرح مفهوم غير جنسيّ للعدالة، وإجراء العدالة في المجال الخاصّ إضافةً إلى المجال العامّ؛ ثمَّ تُدرج بعدها المفاهيم المرتبطة بالأخلاق المطالبة بالمسؤوليّة مثل: التعاطف والاهتمام بتحسين وضع الآخرين.[3]

(255)

وتعتقد «إليزابيث بيرنار» بأنّه لا يُمكن الوصول إلى نظامٍ أخلاقيٍّ كاملٍ يُمكنه أن يرفع الاحتياجات المُتعدّدة والمختلفة للأفراد إلّا في ظل تلفيق مفاهيم الأخلاق المطالبة بالعدالة والأخلاق المطالبة بالمسؤوليّة معًا، وهو ما يتعارض مع ثنائية هذين النوعين من الأخلاق ويُشكّك في الكفاية الأخلاقيّة لأيّ منهما دون الآخر.[1]

ويعتبر «نيل تودينغز» بأنّ العدالة بديلٌ ضعيفٌ للمراقبة، وكذلك من وجهة نظر «فرجينيا هيلد» تُعتبر العدالة أمرًا لا يُمكن اجتنابه، ولكن ينبغي إكماله بالمراقبة.[2]

الخلاصة

بنظرةٍ شاملة على النظريّات النسويّة في باب الأخلاق يُمكننا الإشارة إلى اتّجاهين متعاكسين للأخلاق في تاريخ النسويّة، وقد جاء في الصفحات السابقة أنّه في الموجة الأولى من النسويّة كان هناك أفرادٌ أمثال شون كرافت وميل وتيلور ممّن يعتقدون بأنّ الأنوثة ـ أي الصفات الأخلاقيّة التي ينسبها المجتمع للمرأة ـ أمرٌ مصطنعٌ وغير أصيلة، وفي الموجة الثانية وعند النسويّة الراديكاليّة اعتبرت هذه الصفات الخُلقيّة مُصطنعةً كذلك ومن إنشاء ثقافة النظام الأبوي؛ وكذلك في الموجة الثالثة تمّ رفض أيّ نوعٍ من الهويّة والمصير المشترك النسائي بصورةٍ علنيّة وتمّت مواجهة أيّ نوعٍ من

(256)

الذاتيّة[1] أو إسناد صفاتٍ خاصّةٍ للمرأة أو للرجل؛ ولكن في نفس الوقت وخصوصًا بعد انتشار آثار جيليغان، وكأنّه أصبح موضوع كون الصفات والأخلاق النسائيّة مصطنعة طي النسيان، فعرّفت مجموعةٌ من النسويّات الصفات الأخلاقيّة المختلفة للجنسين بالاستعانة بمذهب الذاتيّة، ومُنحت الصفات الأخلاقيّة النسائيّة قيمةً وأولويّةً استثنائيّةً.[2]

وكما هو مُلاحظٌ فإنّ موضوع الأخلاق النسائيّة والأمومة تقعان في الجهة المقابل لمبدأ المساواة واعتبار الاختلافات مصطنعةً, والكفّة تميل إلى اتّجاه الاختلاف أكثر.

وأحيانًا نُلاحظ بين نظريّات المنظرين للأخلاق النسويّة وجود إشاراتٍ إلى منشأ ومصدر الصفات الأخلاقيّة النسائيّة؛ فعلى سبيل المثال: يُعتبر ميل النساء إلى أخلاقيّات الرعاية والمسؤوليّة أحيانًا أمرًأ ناشئًا عن دورها في الرعاية باعتبارها أمّ وزوجة وأمثال ذلك، وأحيانًا بناءً على تجربة النساء في تربية الأبناء، وأحيانًا يُنسب ذلك إلى القابليّات الروحيّة[3]، إلّا أنَّ هذه المسألة لم تُطرح بشكلٍ جديٍّ بين المنظرين للأخلاق النسويّة.

ومن ناحيةٍ أخرى، دائمًا ما كان يرد هذا النقد على النظريّات الأخلاقيّة من جانب نفس النسويّات، وهو أنّ أخلاق الرعاية تخطو

(257)

خطوةً نحو تثبيت هذه الفروقات التي كان النظام الأبوي هو المروج لها. ودائمًا ما كانت النسويّة تثور في وجهها؛ ومن هذا المنطلق كانت مجموعةٌ من النسويّات تقبل بأسس الأخلاق التقليديّة وبالأخلاق، وكنّ يُطالبن فقط باهتمامٍ أكبر من قبل الأخلاق بقضايا النساء، وبتعبير آخر: نشر أخلاقيات العدل بشكلٍ متساوٍ في المجال الخاصّ والأسرة.[1]

ولهذا السبب، نجد أنّ البراهين الأخلاقيّة وتوجيهات النسويّات في باب قضايا النساء ومنها قضيتا الإجهاض والمثلية الجنسيّة[2] مختلفةٌ إلى حدٍّ ما، ففي حين أنّ مؤيدات أخلاق الرعاية، اعتبرن الحكم الأخلاقي للإجهاض منوطًا بظروفٍ وموقعيّةٍ خاصّةٍ ويرفضون منعه بشكلٍ كلّيٍ بسبب تجاهلها لهذه الظروف، نرى في المقاب بأنّ النسويّات اللواتي قبلن بالأخلاق التقليديّة طالبن بناءً على مبدأ العدالة والمساواة والحقوق الفرديّة بحقّ الإجهاض والمثليّة الجنسيّة بين النساء باعتبارهما حقّاً للتحكم بالخصوبة، وبحث المرأة في تسلّطها على جسدها، وبحقّها في اختيار نوع العلاقة الجنسيّة.[3]

(258)

 

 

 

 

 

 

الفصل الرابع

نقد النسويّة

 

(259)

الفصل الرابع: نقد النسويّة

مقدّمة

يتمتّع نقد النسويّة باعتبارها تيّارًا فكريّاً وثقافيّاً واجتماعيّاً بأهميّةٍ ومقامٍ مختلفٍ مقارنةً بباقي المدارس والمناهج الفكريّة الأخرى.

وتعود جذور الأهميّة الخاصّة لنقد النسويّة إلى براغماتيّة هذه المدرسة وهجوميّتها، فقد استهدفت النسويّة وتعاليمها الحياة الاجتماعيّة الخارجيّة بأوسع صورها، فالحركة النسويّة تستهدف التحوّلات في الحياة الاجتماعيّة للنساء والتغييرات في العلاقات بين الجنسين وبالتالي هي تستهدف كافّة شؤون الحياة البشريّة ـ التي تشمل جميع المجالات الفرديّة والأُسريّة والاجتماعيّة ـ من الناحية الخارجيّة والبراغماتيّة، بحيث يُعتبر النموذج العملي للفرد أو المجموعة اللذان يُعدّان من أتباع هذه الحركة مختلفًا عن الفرد والمجموعات الأخرى اختلافا ذو معنى.

وبالإضافة إلى كون الحركة النسويّة براغماتيّة، تتميّز كذلك بماهيّةٍ هجوميّةٍ أيضًا، فالحركة النسويّة هي السبب وراء تصدير الحركة النسويّة وهي التي كانت وراء نشر هذه الحركة في البلدان الأخرى ومنها دول العالم الثالث والدول الإسلاميّة بشكلٍ عمليٍّ.فإنّ دعم الحركات والمجموعات النسائيّة الأصليّة، وترويج التعاليم النسويّة في قالب برامج تعليميّة ومساعدة لدول العالم الثالث وفي

(260)

قالب برامج المنظّمات الدوليّة، وترويج هذه التعاليم بالاستعانة بوسائل التواصل الاجتماعيّة وباقي الوسائل يدلّ على الحقيقة الهجوميّة للحركة النسويّة.

تواجهنا مشكلةٌ أساسيّةٌ في عمليّة نقد النسويّة تمامًا مثلما واجهتنا في فهمها وفهم اتّجاهاتها وتيّاراتها، وهي وجود الاختلافات والتناقضات والصراعات الكثيرة بين مؤيدي خطابات النسويّة أنفسهم، وبالطبع يُمكن جمع جميع هذه التوجّهات المختلفة رغم وجود التنوع الواسع في عنوانٍ كليٍّ واحدٍ[1]، والقاسم المشترك بينها، والعامل الموحّد لجميع تلك التيّارات والاتّجاهات النسويّة المتنوّعة هو اتّجاه جميع هذه التيّارات للاهتمام بمسألة تبعيّة الجنس الأنثوي وسيطرة الجنس الذكوري.[2]

ومن الطبيعي، أن لا يكون لهذا العامل المُوحِّد القدرةَ على تجنّب بروز التيّارات النسويّة المتعارضة، فتنوع الاتّجاهات ووجهات النظر النسويّة أدّت إلى تفريق الحركة النسويّة وإضعافها من جهةٍ؛ لأنّ اتّجاه واستراتيجيّات هذه التيّارات تُؤدّي إلى نقض اتّجاه واستراتيجيّات التيّارات الأخرى، مُضافًا إلى أنّ قسمًا من قوى الحركة النسويّة يُهدر على مواجهة الاتّجاهات النسويّة ونقدها لبعضها البعض؛ ومن ناحيةٍ أخرى أدّى تنوّع الاتّجاهات النسويّة إلى بقاء هذه الحركة واستمرار حياتها، فهذا التنوّع منح الحركة النسويّة الإمكانيّة لأن

(261)

تستمرّ في المجتمعات المختلفة وبأيديولوجيّاتٍ مختلفةٍ في قالب اتّجاهٍ نسويٍّ يتناسب مع تلك الأيديولوجيّات بحيث تستمرّ بحياتها الاجتماعيّة، وقد وفّرت كثرة الاتّجاهات النسويّة ـ في نفس الوقت ـ هذه الإمكانيّة للمدافعات عن الحركة النسويّة، وهي أن تمتنع عن الردّ على الانتقادات الموجّهة للنسويّة وخصوصًا في الدول غير الغربيّة بحجّة تنوّع وجهات النظر والاتّجاهات.

ولهذا السبب يُمكن نقد النسويّة بأسلوبين: الأوّل: أن تتمّ مناقشة التعاليم والمباني المشتركة في جميع الاتّجاهات أو أغلبها في البداية، ثمّ مناقشة المباني والتعاليم الخاصّة لكلّ اتّجاهٍ، ومن الطبيعي أن يكون تناول المباني النظريّة وتعاليم كلّ واحدٍ من الاتّجاهات النسويّة غير متناسبٍ مع الأهداف الأساسيّة لهذه المجموعة؛ ولذلك سعينا في هذا القسم إلى بحث المباني والتعاليم المشتركة في جميع الاتّجاهات النسويّة أو أغلبها في البداية، ثمَّ الإشارة إلى بعض التعاليم المهمّة والمؤثّرة للاتّجاهات النسويّة المختلفة.

وسنتناول في هذا الفصل نقد التعاليم النسويّة في ثلاثة أقسام: القسم الأوّل: نقد المباني النسويّة؛ الفصل الثاني: نقد التعاليم النسويّة؛ والفصل الثالث: نقد النتائج النسويّة.

نقد أُسس النسويّة

إنّ المراد من المباني النسويّة هو الفرضيّات والمبادئ العامّة التي هي أساس الحضارة الحديثة باعتبارها المُلهم الوحيد للنسويّة،

(262)

والخطوة الأولى لمعرفة مباني النسويّة هو فهم مباني حضارتها، فالحركات النسويّة مثل الكثير من المدارس والحركات الغربيّة عبارةٌ عن نتيجةٍ للحضارة الحديثة، وحتّى الحركات والنظريّات المُنتقدة بحدّة والتي ظهرت في السنوات الأخيرة كالماركسيّة وما بعد الحداثة إنّما تشكّلت في إطار الحداثة؛ وبناءً عليه، يُشكّل فهم الحداثة ومبانيها النظريّة وإدراكها بنحوٍ صحيحٍ مقدّمةً لفهم وإدراك المدارس والحركات الغربيّة وبالنتيجة مقدّمةً لنقدها.

بدأت الحداثة من وجهة نظرٍ تاريخيّة، منذ القرن السادس عشر وما بعده ثمّ اتّسعت رقعتها جغرافيّاً في أوروبا الغربيّة وأمريكا الشماليّة، وفي هذه الحقبة، حصلت تغييراتٌ أساسيّة في ظاهر الحياة البشريّة في أوروبا، ومن أهمّ خصائص هذه الحقبة، التطوّر السريع للعلوم والتطوّر التكنولوجي، واندلاع الثورات الديمقراطيّة في أوروبا، واستقلال أمريكا، وانتشار النظام الرأسمالي والتزايد التدريجي لكره الدين وحلول العلمانيّة مكانه.[1]

وتحتوي هذه الحقبة التاريخيّة على نوعٍ من الموقف الفلسفي والعالمي الخاصّ بها، وتشمل وجهات النظر والقِيم التي نمّاها فلاسفة حركة التنوير، يعني: «ديكارت» و«لايبنتس» و«كانط» و«هيوم» و«لوك» و... .[2]

(263)

وتشكل الإنسانويّة[1] والعلمانيّة[2] والعقلانيّة[3] والفرديّة[4] المبادئ الأساسيّة للموقف الفلسفي للحداثة، فبناءً للعقلانيّة فإنَّ عقل الإنسان والقدرات العقليّة البشريّة هي العنصر الوحيد لإسعاد البشر، ولا يُقبل أيّ أمرٍ وراء العقل والفكر الإنساني[5]، وتُطلَق الفرديّة على الاتّجاه الفكري الذي يرى بأنّ الفرد البشري هو الأساس للنظام الفكري والأخلاقي والسلوكي والواقع الأساسي وخلاصة القول: يعتبر الإنسان الأعلى قيمةً[6]، أمّا الإنسانويّة فهي نهجٌ يعتقد بأنَّه ينبغي اعتبار الرغبة والإرادة والإدراك والرغبات الإنسانيّة محورًا لتفسير العالم والتصرّف في الكون، والعلمانيّة نهج يعتقد بفصل مجالات الحياة الاجتماعيّة عن بعضها، وهذا الفصل هو في الواقع فصلٌ للمجالات العامّة مثل: الحكومة والسياسة والاقتصاد والإجتماع عن المجالات الخاصّة كالأخلاق والأسرة والفن والدين.

وفي هذا القسم سنتناول بحث هذه المفاهيم الأربعة باعتبارها المباني النظريّة للحضارة الحديثة وتأثيرها على النسويّة:

(264)

الإنسانويّة

إنّ أحد المفاهيم المفتاحيّة والمُبهمة في نفس الوقت التي نحتاجها لفهم ماضي وحاضر العالم الغربيّ، هو مصطلح الإنسانويّة، فهذا المصطلح الذي يُساوي أصالة البشر أو الاتّجاه الإنساني يشير إلى نوعٍ من المنهج النظري والعملي الذي يهتمّ بجعل الإنسان على رأس كلّ الأمور، ومن البديهي أن لا يزول غموض هذا المصطلح مع هذا المقدار البسيط من البيان، وما ورد في المعاجم حول توضيح هذا المصطلح، يُؤكّد على هذا الأمر وهو أنّه يوجد ميلٌ بين النخبة والمفكّرين والفنانين وبالتدريج بين جمهور الناس في الغرب منذ القرن الرابع عشر وما بعده إلى جعل الرغبة والإرادة والإدراك والرغبات الإنسانيّة محورًا لتفسير العالم والتصرّف في الكون، ورغم أنَّ انتشار أفكار الإنسانويّة الجديدة يُنسب إلى النهضة الثقافيّة والأدبيّة في فلورانس في إيطاليا[1]، إلّا أنَّه ورد ذِكرٌ لوجود الإنسانويّة في التاريخ والثقافة الغربيّة قبل عصر النهضة وخصوصًا في عصر اليونان القديمة.[2]

وما نؤكّد عليه هنا، هو فهم الإنسانويّة الحديثة وتأثيرها على المجتمع الغربيّ وخصوصًا على حركة أو نظريّة النسويّة، ولفهمٍ أفضل للنسويّة فإنّنا نحتاج في الحقيقة إلى أن نعلم أنّ سبب ظهور الإنسانويّة كان من أجل مواجهة أيّ فكرةٍ ونظريّةٍ في الغرب الجديد،

(265)

وقد عدّد «لوفان بومر» في كتابه التيّارات الكبرى في تاريخ الفكر الغربيّ، بعض الخصائص الأساسيّة للمجتمع في القرون الوسطى، ومن ضمن هذه الخصائص يُمكن الإشارة إلى مرجعيّة السلطة، ومحوريّة الإله، وتكوّن مجتمع القرون الوسطى من الأعضاء.

ونعني من مرجعيّة السلطة أنَّه لا بدّ في فكر القرون الوسطى من الرجوع دائمًا إلى أعلى سلطة وأكثرها حجيّة إذا ما أردنا تأسيس مسلّماتٍ حول الكون والإنسان فلا بدّ من الرجوع في ذلك إلى الكنيسة أو المتون المقدسة أو إلى الفلسفة اليونانيّة المسيحيّة.[1]

والمراد من محوريّة الإله هو قبول حكومة الله وممثليه في المجتمع، فبناءً لمفهوم محوريّة الإله يشتمل الدين على كافّة وجوه الحياة البشريّة وتُنفى أيّ قِيمٍ مستقلّةٍ عن الدين نفيًا تامّاً.[2]

وأمّا أهم شيءٌ فهو تشبيه المجتمع في القرون الوسطى بالأعضاء البشريّة وبناءً عليه يتشكّل المجتمع من أعضاء أو أجزاء (رجال دين، نبلاء، عُمّال) ولكلٍّ منهم دورٌ مستقلٌّ يُؤدّيه من أجل بقاء وحياة كلّ البدن (المجتمع)، ويُلحظ الفرد كعضوٍ من إحدى الطبقات، ولا تحيا الطبقة إلّا بحياة عضوٍ أكبر أي المجتمع المسيحي، وفي الختام يكون للكنيسة تفوّقًا على الدولة بمثابةتفوّق الروح على البدن[3] (أي أنَّ علاقة الكنيسة بالدولة كعلاقة الروح والبدن).

(266)

وعلى مايبدو تنفي الإنسانويّة في عصر الحداثة وترفض هذه المفاهيم الثلاثة، ومع ارتداد الغرب الجديد عن المفاهيم المسيحيّة ومفاهيم القرون الوسطى نحو تعاليم اليونان القديم وقيمه، صار الاهتمام بالإنسان مركزًا لاهتمام الإنسان الغربيّ باعتباره موجودًا في مقابل العالَم، وصار مُتصرّفًا فيه بدلًا من أن يكون موجودًا في العالم وجزءًا منه، ويعتقد الكثيرون من منتقدي عصر التنوير وما بعده، بأنَّ القرون الوسطى المسيحيّة معلولةٌ للابتعاد عن القِيم اليونانيّة والإنسانويّة.

«إنّ عزّة نفس الإنسان وشعوره بالحريّة ممّا يجب العثور عليهما في أحضان الشعب الألماني، وقد ذهب هذا الشعور عن العالم مع اليونانيّين، واستقرّ مع المسيحيّة في الفضاء الضبابي وزرقة السماء».[1]

وبناءً عليه يُمكن تعريف الإنسانويّة بهذا الأسلوب: لا تعترف الإنسانويّة بأيّ مرجعيّةٍ أو قوّةٍ بشكلٍ رسميٍّ، وليس هناك أيّ مرجعيّةٍ لتفسير العالم والنظام في الكون سوى الإنسان، وليس هناك من حاكميّةٍ لشيءٍ على مصير الإنسان سوى اختيار الإنسان نفسه، وهي ترفض جميع العلاقات المقرّرة مُسبقًا عن الحياة البشريّة، فنوع الروابط الاجتماعيّة وكذلك غاياتها في الحياة الإنسانيّة إنّما تُفسّر وتُعيّن بواسطة الإنسان؛ وبتعبيرٍ آخر: ليست الإنسانويّة نظرة إيجابيّة تجاه قيمة الإنسان أو نظريّة فلسفيّة حول طبيعته، بل أكثر ما

(267)

تكون نظرة سلبيّة تهتمّ بنفي تدخّل الدين ونفي أيّ مرجعيّةٍ له في الحياة البشريّة، وكذلك تنفي ارتباط الإنسان بشبكةٍ من العلاقات الإنسانيّة.

العلمانيّة

إنّ أحد المباني التي كان لها تأثيرٌ كبيرٌ في بناء العالم الغربيّ الجديد هو العلمانيّة، والعلمانيّة في الاصطلاحٌ معناه أن تكون من أهل هذا الزمن وأن تتّجه نحو الدنيا[1]، وعادةً ما تُطلق على الاتّجاه الذي يُؤيد ويدعو إلى إلغاء الدين أو عدم الاهتمام به في الساحات الإنسانيّة المختلفة من قبيل: السياسة والحكومة والعلم[2]، ولكن يُمكن القول: العلمانيّة في الأصل هي بمعنى فصل المجالات العامّة كالحكومة والسياسة والاقتصاد، عن المجالات الخاصّة كالأخلاق والأسرة والفن والدين.

وحيث إنّ بناء العالم الغربيّ الحديث مبنيٌّ على القِيم المادّيّة وعلى الاستثمار، لذا تمّ تقييم جميع قِيم ومعايير البُنية التحتيّة للمجتمع على أساس النسبة التي لها مع القِيم الأساسيّة للمجتمع الغربيّ، وبما أنَّ المجال العامّ أيَّ الحكومة والسياسة والإقتصاد هي مجالات إنتاجٍ وتبادلٍ للقيم المادّيّة (القوّة والثروة)، لذا يَعتبر النظام الغربيّ نفسه مُتعهّدًا بإدارة هذا المجال وتطويره، ولا ينبغي أن

(268)

تُضيّق المنظّمات المتعلّقة بالمجال الخاصّ النطاقَ على المنظّمات المتعلّقة بالمجال العامّ.

والغرب الجديد يعترف بالمجال الخاصّ بصورةٍ رسميّةٍ طالما أنّه لا يُضايق المجال العامّ، وحينما يُراد إقحام معايير المؤسّسات الخاصّة في الساحة العامّة، فإنّه يتّخذ إجراءاتٍ للحدّ من هذه المعايير أويُواجهها.

ونتيجةً لهذا الفصل، فقد تحرّر الفرد ـ وفقًا لتعبير «جورج بوردو» ـ من الانشغالات التي يمكن أن يُحدثها الإيمان الديني فيما يتعلّق بالسلوك الاجتماعي، أمّا النتيجة الأخرى فهي إحالة الدور الدنيء إلى المؤسّسات المتعلّقة بالمجال الخاصّ، ومنها المؤسّسة الدينيّة.[1]

العقلانيّة

إنّ أحد المباني النظريّة في الغرب الحديث هو العقلانيّة، وقد شاع استخدام مصطلح العقلانيّة في الغرب أساسًا منذ القرن التاسع عشر الميلادي وما بعد، وهو من المفاهيم المعقّدة القابلة للتفسير على عدّة وجوهٍ، وقسمٌ كبيرٌ من هذا التعقيد يعود إلى طرح معانٍ متنوّعةٍ لهذا اللفظ؛ وفي الحقيقة إنَّ العقلانيّة مشتركٌ لفظيٌّ.

والمقصود منه في المباني النظريّة للنسويّة، ليس العقلانيّة

(269)

الفلسفيّة أو العقلانيّة الكلاميّة (العقائديّة)[1]، بل المراد من العقلانيّة كمبنىً نظريٍّ للنسويّة، هو العقلانيّة الخاصّة بعصر التنوير حيث غالبًا ما يُعبّر عنها بعناوين مثل: العقل الآلي والعقل الجزئي والعقل الحديث، وميزة العقلانيّة في هذا العصر، التركيز على محدوديّة العقل كخطوةٍ أولى، وبتعبير «لوك» ـ وهو أحد مؤسّسي نظريّة العقلانيّة الحديثة ـ : لم تُخلق أذهاننا بكُبر ووُسعة الحقيقة، وهي لا تتناسب مع تلقّي كلّ الأمور والقضايا بكلّيتها ووسعتها[2]، ونتيجةُ مثل هذا التواضع في حدود العقل البشري، ما يلي: كلّ ما لا يكون ضمن إطار تجربتنا، لا يكون ضمن نطاق العقل، ولا يُمكن أن تتجاوز معرفتنا العقليّة حدود العالم التجريبي.[3]

وفي الخطوة الثانية لعقلانيّة هذا العصر، يتمّ التعرّض لتوسيع نطاق أنشطة العقل، فقبل ذلك، كانت العقلانيّة مُختصّةً أساسًا

(270)

بمجال المباحث الفلسفيّة ومعرفة حقائق الأمور، ومع انتشار العلم الحديث ومعرفة الإنسان للقوانين الحاكمة على الطبيعة، برزت هذه الرغبة لدى العلماء الغربيّين في القرن السابع عشر، وهي أنّه إذا أمكن اكتشاف القوانين الحاكمة على الطبيعة فمن الممكن اكتشاف القوانين الحاكمة على الطبيعة البشريّة، ومثل هذه القدرة موجودةٌ لدى العقل البشري، ولا ينبغي لشيءٍ آخر غير العقل البشري أن يتدخّل في مهمّة فهم واكتشاف طبيعة البشر[1]، وتعتبر العقلانيّة بهذا المعنى مؤسّسة للعلوم الإنسانيّة في الغرب.[2]

وبناءً لما قيل، تتعرّض العقلانيّة معتمدةً على التجربة للتنظير عن السعادة والأخلاق والسلامة النفسيّة للبشر، فبُنيت العلوم الإنسانيّة الحديثة على أساس الأسلوب التجريبي، وحيث إنّ خصوصيّة هذه العقلانيّة هو كونها ناقدةً[3]، أو بتعبير آخر: هادمة، لذا بقيت عاجزةً عن طرح إطارٍ إيجابيٍّ فيما يتعلّق بطبيعة الإنسان.

وتستطيع الأفكار الناقصة بل غير الصحيحة أن تهدم شيئًا من الواضح أنَّه بلا فائدة، ولكن لا يمكن لها أن تبني شيئًا مكانه، وقد مرّ قرنٌ كاملٌ حتّى أدرك الناس هذه الحقيقة.[4]

(271)

الفرديّة

للإنسان بما هو فردٍ احترامٌ في فكر الحداثة وله مقامٌ وحقوقٌ لم يكن يتمتّع بها قبل ذلك، وفي مقابل الآراء التي تعتقد بأهميّة المجتمع وأصالته والتي تعتبر أن للأفراد باعتبارهم أجزاء المجتمع أهميّةً ثانويّةً وتبعيّةً، ترى الفرديّة بأنّ الفرد أكثر واقعيّةً وأهميّةً من المجتمع فهو مقدّمٌ على المجتمع، والأولويّة الكبرى هي للاهتمام بالحقوق والمصالح الفرديّة، كما يُؤكّد اتّجاه الفرديّة على أنَّ الفرد هو النقطة المركزيّة والمحوريّة، وهو من يملك جسمه وروحه؛ وبأنّ كلّ شيءٍ آخر (بما هو أعم من الدين والفلسفة والقانون والأخلاق، و...) فهو تابعٌ له، أمّا هو فلا يتبع شيئًا، وفي هذا الإطار تكتسب الميول البشريّة منزلةً قويّةً واستثنائيّة.

وبناءً لقول «هوبز» و«هيوم» و«بنثام»: الميول هي حقائق غير قابلةٍ للتغيير، وهي مودعةٌ في طبع البشر وينبغي للأخلاق أن تنسجم معها، وطبقًا لقول «هيوم»: حتّى العقل أيضًا هو عبدٌ للشهوات والرغبات.[1]

إنّ البشر في منطق الفرديّة، منفصلون عن بعضهم؛ لأنّ كلّ شخصٍ منهم يسعى نحو تحقيق أمنياته ورغباته؛ ولذلك الآخرون يُعتبروا بمثابة أشياء إن لم يقعوا في طريقه لاعتبروا عاملًا محايدًا وإلّا كانوا مساعدًا أو عائقًا أمام تحقيق الأهداف والميول الفرديّة؛

(272)

وحتّى حريّة الفرد ليست من أجل الوصول إلى هدفٍ سياسيٍّ متعالٍ، بل هي بحدّ ذاتها أعلى الأهداف، وهي تعني التحرّر عن كافّة العوائق التي تقع في طريق رغبات الفرد.[1]

لقد طُرحت النسويّة الحديثة بالدقّة في مثل هذه الأجواء؛ بحيث يُمكن أن نُشاهد نتائج المبادئ الفرديّة وتأثيرها في الشعارات النسويّة بشكلٍ جليٍّ؛ وفي الحقيقة نجد أنّ الشعارات والتعاليم النسائيّة ومنها: حقّ الإجهاض وحقّ الحريّة الجنسيّة وحقّ الطلاق، والتشكيك بتعاليم الأخلاق التقليدية وأمثالها، هي نتيجةٌ منطقيّةٌ لتعاليم الفرديّة، فعندما يكون الفرد وميوله ومصالحه المعيار الوحيد للأخلاق والقيم في المجتمع، من الطبيعي أن ترغب النساء في تأسيس أخلاقٍ توافق مصالحهنّ، وعندما يُبرّر العمل بالميل والمنفعة الشخصيّة، فلماذا يتمّ تجاهل الميل والمنفعة الشخصيّة للنساء في الإجهاض والحريّة الجنسيّة؟ و...، وهكذا فإنَّ تعاليم الفرديّة أدّت إلى العديد من الاعتراضات والتساؤلات والشُبهات في أذهان النساء، وأدّى إلى تشكيل النظريّات النسويّة المختلفة والمتعدّدة.

لقد كانت الفرديّة محلّ بحثٍ ونقدٍ من قبل العلماء الغربيّين من جوانب عديدةٍ، حيث يرى «ألكسيس دو توكفيل» بأنّ نمو الأنانيّة الشخصيّة والنأي عن المصالح العامة والفضائل الاجتماعيّة هي من الجوانب السلبيّة للفرديّة، أمّا «هيغل» فيعتبر أنّ الفرد في المجتمعات

(273)

التي تُؤمن بالفرديّة كالشجرة بلا جذورٍ فالمجتمع بالنسبة له ليست إلّا وعاء لتلبية احتياجاته، وعلاقات الناس في مجتمعاتٍ كهذه هي علاقاتٌ تجاريّةٌ بحتةٌ، وليس هناك من علاقةٍ أو هويّةٍ مشتركة تربط كلّ عضوٍ بباقي الأعضاء، ونتيجةُ ذلك هي عزلة الفرد وانزواؤه في الأنانيّة، ويرى «فيرديناند تونيز» بأنّ العلاقات تنشأ في المجتمعات الحديثة فقط بناءً على العلاقات العقليّة الجافّة وعلى المنفعة، وهذه العمليّة تترك الفرد في وحدةٍ موحشةٍ وفراغٍ عاطفيٍّ وأزمةٍ روحيّةٍ، ويشير «دوركايم» هو الآخر إلى التمزّق وزوال الوجدان الجماعي وانعدام الارتباط التقليدي، ويرى بأنّ العديد من الأضرار التي تحصل ومنها الانتحار، هي من نتائج التطرّف في الفرديّة.[1]

والقاعدة تقتضي أنّ التركيز والاهتمام المُفرط بالجوانب الفرديّة للإنسان والغفلة عن بعده الاجتماعي، يُؤدّي إلى ظهور الأضرار في الحياة الاجتماعيّة بل وحتّى في حياة الإنسان الفرديّة.

يعتقد «أنطوني أرابلاستر» بأنّ الفرديّة تواجه هذه المشكلة، وهي كيف يُمكن لهذه الموجودات الصغيرة وغير الاجتماعيّة أن تعيش بجوار بعضها في مجتمعٍ واحدٍ[2]، في حين أنَّ المجتمع لا يتشكّل من مجموعة أفرادٍ أحرارٍ مستقلّين، إذ للحياة المشتركة احتياجاتٌ ومتطلّباتٌ خاصّةٌ لا تُؤمّنها الحريّة الفرديّة دائمًا.[3]

(274)

ويشرح «وليام بليك» العواقب المحتملة والاعتقاد المرفوض بأصالة الميول الشخصيّة على شكل كنايةٍ، فيقول: «[بناءًا على هذا الرأي] ينبغي أن نميل برأس الطفل في المهد نحو العدم، وأن تُحقّق الداية (القابلة) الميول والرغبات المخفيّة بأسرع فرصةٍ».[1]

وينبغي الالتفات إلى أنّه على الرغم من أنّ ذات الانتقادات تتوجّه للنسويّة أيضًا بسبب تأسّيها وتبعيّتها لمباني الفرديّة، ولكن من جهةٍ أخرى حيث إنّ للإنسانويّة والفرديّة نفوذًا واسعًا جدّاً في ثقافة العالم الحديث وحضارته؛ لذا ستبدو تعاليم الفرديّة النسائيّة هي الأخرى في مثل هذا النموذج الفكريّ مبدئيّة ومنطقيّة تمامًا؛ ولهذا السبب يُمكن تبرير وجود النسويّة وماهيّتها في الغرب؛ بمعنى أنّه ليس أمرًا مُستبعدًا أن توجد ظاهرة النسويّة في ظلّ مثل هذه الأوضاع؛ ولذلك ينبغي البحث عن جذور ومصدر مشاكل تعاليم الفرديّة النسائيّة وانحرافاتها في مباني الغرب وثقافتهم؛ لأنّ النتائج الفاسدة لنظامٍ من الأنظمة تنتج بالدرجة الأولى عن فساد النظام؛ هذا على الرغم من أنّ النسويّة كانت سببًا في تعزيز المبادئ الفرديّة وتطبيقها بنحوٍ كاملٍ في المجتمع النسائي وعلى الخصوص ضمن الأسرة.

ومن الطبيعي أنّه عندما تدخل الروح الأنانيّة والفرديّة إلى إطار الأسرة ـ أي إلى المؤسّسة التي بُنيت على أساس الإيثار والتضحية والإخلاص ـ فلن تكون النتيجة سوى إضعاف مؤسّسة الأسرة وتزلزلها وانهيارها.[2]

(275)

وكلّ ما تمّ ذكره حتّى الآن تحت اسم الأُسس النظريّة للنسويّة، هي نتائج لا يمكن إنكارها وقد تلت ظهور حركة النسويّة، وهي ما تمّت الإشارة إلى بعض أبعادها خلال بيان تاريخ النسويّة، ومن الطبيعي أن يكون النقد التفصيلي للأسس النظريّة للنسويّة خارجًا عن أهداف هذا الكتاب، وفيما يلي سنشير إلى بعض النقاط المتعلّقة بنقد الأسس النظريّة للنسويّة:

نحتاج إلى شرطٍ مُسبقٍ ضروريٍّ في نقد الأسس النظريّة الغربيّة، وهو الإدراك السليم لهذه المفاهيم ولمعانيها المتنوّعة، فقد طُرحت العديد من تعاليم الحداثويّة وكذلك تعاليم النسويّة في قالب أدبيّاتٍ ومُفرداتٍ، وهي بحسب الظاهر محلّ قبولٍ من الجميع، ولكن يُمكن أن يراد منها مصاديق ومعانٍ غير مقبولةٍ من الجميع، وتُعدّ مفاهيمٌ كالحريّة والمساواة وحقوق الإنسان من جملة هذه المفاهيم.

وتجاهل هذا الشرط المُسبق الضروريّ يُؤدّي في العديد من المواطن إلى استنتاجاتٍ وقراءاتٍ سطحيّةٍ مبنيّةٍ على تناسب هذه المفاهيم والتعاليم مع التعاليم الإسلاميّة، فتعريف الإنسانويّة للاتجاه الإنساني قد يجرّنا إلى الاستنتاج بأنّه في الإسلام منح في تعاليمه القيمة للبشر أيضًا [بنفس المعنى الذي تقول به الإنسانويّة]، فهناك تكريمٌ خاصٌّ للإنسان من قبل خالق الكون، أو يُدّعى بأنّه لمّا ركّز الآيات الإلهيّة على التأمّل والتدبّر في الآفاق والأنفس، فإذن فالإسلام يعترف رسميّاً بالعقلانيّة [وهذا المعنى مخالف للعقل واستعمال العقل الذي يقول به الإسلام].

(276)

ما ورد في هذا المختصر تحت اسم الأسس النظريّة للغرب، كان محلّ نقدٍ من قبل المفكّرين ومن قبل الحركات الفكريّة[1] في الغرب أيضًا، وهذه الانتقادات تندرج تحت مجموعتين كليّتين:

في المجموعة الأولى، الأمر الذي تمّ نقده وبحثه هو الأسس النظريّة للغرب من الناحية الفلسفيّة والنظريّة، وقد تمّ السعي في مثل هذه الانتقادات إلى نقد أدلّة مُنظّري الأسس المذكورة وإظهار عدم كمال هذه الأدلّة.

أمّا في المجموعة الثانية، فمن خلال أخذ الفرضيّات المُسبقة لبعض المؤسّسات والقِيم التي كانت محلّ قبول الجميع، سعوا إلى بيان الآثار السيئة لقبول الأسس النظريّة الغربيّة لهذه المؤسّسات والقيم؛ فعلى سبيل المثال: التدهور البيئي وزوال القيم الأخلاقيّة وإضعاف مؤسّسة الأسرة هي من عواقب العقلانيّة والعلمانيّة.[2]

وسنتجنب التعرض الانتقادات النظريّة (المجموعة الأولى) في هذا الكتاب بسبب تعقيدها، ولكنّنا سنُشير في قسم نقد نتائج النسويّة إلى الانتقادات التي من النوع الثاني.

عند نقد الأُسس النظريّة التي للنسويّة وللحداثة، يُمكن أنّ ينصبّ نظرنا على النقد العامّ والكلّي، وهو نقد ديني داخلي، فبناءً على ما يُمكن استنتاجه من التعاليم الدينيّة، نجد أنّ أيّاً من الأُسس

(277)

المذكورة لا يتناسب مع تعاليم الدين الإسلامي، وطبعًا لا يُمكن أن تكون مقبولةً من مُجتمعٍ إسلاميٍّ ومُتديّنٍ.

فمن وجهة نظر التعاليم الإسلاميّة، تشتمل حياة الإنسان على مجموعةٍ من العلاقات، والعديد من المعايير الدينيّة تقوم بتنظيم هذه العلاقات، ففي التعاليم الدينيّة رغم أنّ الكمالات الفرديّة مُتصوّرة للإنسان أيضًا، ولكن في نفس الوقت توجد هناك كمالاتٌ في العلاقات والروابط (كمالات اجتماعيّة) أيضًا، وحتّى لو كان بالإمكان فصل الكمالات الفرديّة عن كمالات المجتمع[1]، ولكن هذا الأمر لا يعني عدم وجود ارتباط بين كمال الفرد وكمالات المجتمع[2]، بالإضافة إلى أنّ بعض الكمالات الفرديّة تحصل من خلال قيام الفرد بدوره من أجل إيصال المجتمع إلى كماله (رفض الإنسانويّة والفرديّة).[3]

في التعاليم الإسلاميّة، يُعدّ الفصل بين المجالين العامّ والخاصّ، وادعاء عدم وجود علاقة بين هذين المجالين مرفوضًا أيضًا، فعلى سبيل المثال: تُركّز التعاليم الإسلاميّة على جدارة الصُلحاء والكُمَّل في المجال الأخلاقي للزعامة والقيادة الاجتماعيّة، ومن ناحيةٍ أخرى تُركّز على ضرورة عمل الحُكّام من أجل إقامة الأمور الدينيّة للناس[4]، وفي نفس الوقت الذي تُؤكّد فيه التعاليم الإسلاميّة على

(278)

الثنائيّة التكوينيّة والمِعياريّة للدنيا والآخرة، تُذكّر بارتباطهما معًا وبتأثيرهما وتأثُّرهما المتبادل، بحيث تُحدّد أفعال الفرد في الدنيا مصيره في الآخرة[1] (رفض العلمانيّة).

ومن لوازم القبول بالولاية الإلهيّة قبولها في الجانبين العملي والنظري، ولذا نجد أنّ القرآن الكريم في نفس الوقت الذي يُؤكّد فيه على التفكير والتأمل بالأنفس والآفاق، يُؤكّد كذلك على محدوديّة العالم المادّي ومحدوديّة العقل البشري، ويعتبر أنَّ سعادة الإنسان وكماله إنّما يكمنان في اتباعه للوحي، وبناءً عليه فإنَّ الأفراد الذين يعترفون رسميّاً بالولاية الإلهيّة على الفهم والإدراك، يأتون طائعين ممتثلين للأوامر والنواهي الإلهيّة (رفض العقلانيّة)، ومع الالتفات إلى ما سبق ذكره، يُمكن القول: إنّ الاعتقاد العميق والإيمان بالتعاليم الدينيّة، يمنع الإنسان المسلم من اعتناق واتّباع أُسس الغرب الحديث وتعاليمه، وعن القبول بالنظريّات النسويّة أيضًا.

نقد التعاليم

إنّ أحد المجالات المهمّة في نقد النسويّة، هو نقد التعاليم النسويّة، والمراد من التعاليم هو مجموعة القضايا التي صاغتها الخطابات النسائيّة على شكل حركةٍ أو بيّنته ونظّرت له في قالب منهجٍ فكريٍّ.

وبما أنَّ الخطابات النسائيّة، تُمثل حركاتٍ ومدراس متنوّعة، لذا

(279)

لا يُمكن القيام بنقد كلّ التعاليم أو حتّى أهمّ التعاليم كلّ واحدةٍ من هذه الاتّجاهات النسويّة في هذه المجموعة؛ ولذلك سعينا في هذا القسم إلى البحث في التعاليم المشتركة للنسويّة.[1]

نقد القول باحتقار النساء ومنشؤه

إنّ أحد الأصول الأساسيّة لجميع الاتّجاهات النسائيّة هو احتقار النساء؛ وبناءً على ذلك ادّعي بأنّ النساء كنّ مُحتقراتٍ ومظلوماتٍ، وبأنّهنّ يخضعن للتمييز في جميع الثقافات والجنسيات والبلدان إلّا في برهةٍ قصيرةٍ من تاريخ عصر النظام الأمومي، وفي الخطوة اللاحقة، طرحت الاتّجاهات النسويّة عدّة آراء في تبرير وبينا سبب هذا الاحتقار ومنشأه، وفي الواقع إنّ أحد عوامل تنوّع الخطابات النسائيّة هو كيفية الإجابة على هذا السؤال.

وإحدى النظريّات المهمّة في هذا الموضوع، هو تسلّط النظام الأبوي، وقد قُدّمت هذه النظريّة في البداية بواسطة النسويّات الراديكاليّات، ثمّ تمّ تأييدها بواسطة النسويّات الاشتراكيّات وبعض اتّجاهاتِ نسويّةِ ما بعد الحداثة.

والنظام الأبوي، هو نظام ظلمٍ وتمييزٍ ضدّ المرأة، تمّ تطبيقه وتعزيزه في كافّة جوانب الحياة، بما يشمل العلاقات الفرديّة والسلوكيّات الجنسيّة (الاغتصاب والدعارة والتحرّش الجنسي) وبما يشمل جوانب المجتمع والثقافة الأخرى؛ وفي الحقيقة النظام

(280)

الأبوي من وجهة نظر النسويّات الراديكاليّات هو نظام عام أو نظام شُمولي؛ ومعنى ذلك أنّ كافّة الظلم والتمييز الواقعان في الأنظمة الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة جرى تخطيطهما وتعزيزهما بواسطة النظام الأبوي حيث عمل على التنسيق بين الأنظمة المختلفة من أجل استمرار سُلطة جنس الذكور أو طبقة الذكور على جنس الإناث أو طبقة الإناث[1]، ومن وجهة نظرهم فإنَّ النظام الأبوي هو أمرٌ مُتجذّرٌ في التاريخ[2] ولا يختصّ بعهدٍ تاريخيٍّ أو ثقافةٍ مُعيّنةٍ.

وقبل أن ندخل في نقد مفهوم النظام الأبوي، لا بدّ من نُحقّق في الفرضيّة المُسبقة للحركات النسويّة المبنيّة على تعميم الظلم والتمييز بين جنسٍ وجنسٍ آخر، فالدعوة الأساسيّة لهذه الفرضيّات هي أنَّ النساء كنّ يقبعن في موقعٍ أحقر مقارنة بالرجال طوال التاريخ بسبب جنسهنّ، ويُمكن ملاحظة بعض أشكال هذا الاحتقار على شكل ظُلمٍ وتمييزٍ.

وينبغي القول فيما يتعلّق بهذا الادعاء ما يلي: أوّلًا: إنّ إثبات انتشار الظلم طوال التاريخ وبهذه السعة لا بد أن يكون عبر تقارير وثائقيّة وتاريخيّة، وأمثال هذه التقارير لا تقتصر على أنّها غير موجودةٍ وحسب، بل من غير المُمكن الحصول عليها عمليّاً.

(281)

ثانيًا: إنَّ ادعاء الظلم والتمييز ضدّ النساء، حصل بشكل عام من خلال الفرضيّات الموجودة في النظام الرأسمالي والحداثة وبعض الماركسيّة، حيث اعتبرت الأسرة فيها منشأً للظُلم، ويُمثّل التمييز القانوني والأدوار المختلفة المبنيّة على الجنس مصاديق واضحة على التمييز ضدّ النساء، وبتعبيرٍ آخر: اعتبرت النسويّات بأنّ تاريخ الأسرة، وتاريخ التمييز القانوني، وتاريخ الأدوار المختلفة المبنيّة على الجنس هي نفس تاريخ الظلم الواقع على النساء.

إنّ أحد الإشكالات الأساسيّة على نقد النسويّة للنظام الأبوي ـ وهو الأمر يسري إلى التعاليم النسويّة الأخرى أيضًا ـ هو غُموض مفهوم هذا المصطلح، حيث تطرح النسويّات تصوّرًا عن النظام الأبوي بحيث تجعله غير مُندرجٍ تحت أيّ نظامٍ من الأنظمة الاجتماعيّة والثقافيّة والسياسيّة والاقتصاديّة، بل كأمرٍ أعلى من هذه الأنظمة، فهو مُدير لهذه الأنظمة، والآن يبقى هذا السؤال مطروحًا حقيقةً، وهو أنّه ما هو التصوير المُتوفّر عن هذا النظام؟ وما هو العامل الذي أوجده؟ والفرض هو أنَّ الأنظمة المذكورة ليس لديها القُدرة على إيجاد النظام الأبوي، ومن جهةٍ أخرى الأنظمة المذكورة تتمتّع بتنوّعٍ من الناحية التاريخيّة ومن الناحية الجغرافيّة أيضًا، بحيث لا يُمكن لها أن تكون منشأً لأمٍر ثابتٍ ومُتجذّر في التاريخ مثل النظام الأبوي.

هناك تناقضٌ أيضًا بين فكرة النظام الأبويّ التاريخيّ وبين التصوّر المزعوم القائم على النظام الأمومي البدائي.

في الخطابات النسائيّة لم يتمّ توضيح كيفيّة عمليّة نجاح النظام

(282)

الأبوي بأيّ نحوٍ من الأنحاء هي؟ فلماذا لم كان النظام الأبوي مُوفّقًا بنحوٍ واحدٍ في جميع المواطن ـ بزعم النسويّات ـ رغم وُجود أنظمةٍ مُتعدّدةٍ من السياسيّة والاجتماعيّة، والاقتصاديّة؟ ولماذا لم تُقاوم الطبقات المُحتقرة من النساء هذه الهيمنة؟ وكيف حصل التناغم في آليّة عمل النظام الأبوي في العصور السابقة رغم غياب تكنولوجيا الاتصالات؟

لو سلمنا أنَّ هيمنة النظام الأبوي انتشرت إلى هذا الحدّ بحيث شملت جميع الأبعاد الثقافيّة والسياسيّة والاجتماعيّة وحتّى مجال المعرفة، يجب أن نقبل بأنّ فِكرة أو حركة النسويّة نفسه معلولةٌ لسلطة نفس هذا النظام الأبوي، وأنَّ ظهور ونشوء هذه الحركة هو بحدّ ذاته نتيجةٌ للعبة جديدةٍ من قبل النظام الأبويّ، وبالإضافة إلى أنّه في حالة الاستيلاء الشامل للنظام الأبوي، سوف يكون الخروج عن هذه السلطة أمرًا غير ممكنٍ من الناحية العمليّة[1]، وهذا الأمر يتعارض مع طبيعة التحرير التي في هذه الحركة، ولوجود هذه المجموعة من الإشكالات خالفت بعض النسويّات المُتأخّرات هذه الأوصاف العالميّة للنظام الأبوي، فعلى سبيل المثال: تُخالف «شيلا روبوثام» تخالف القراءات غير التاريخيّة للنظام الأبوي، بينما تُحاول بعض النسويّات في الأنثروبولوجيا إسناد الأبويّة إلى تقبّل المجتمع والعمل الاجتماعي.[2]

(283)

نقد مذهب المساواة

كما ذُكر سابقًا، يعتبر مذهب المساواة بين المرأة والرجل أحد المباني الأساسيّة جدّاً في نظريّات النسويّات، بحيث كان له أتباع على امتداد الموجات النسويّة الثلاث وداخل كلّ واحدةٍ من التيّارات والاتّجاهات[1]، إنّ ضرورة المساواة بين المرأة والرجل في الحقوق الطبيعيّة والإنسانيّة، هو من التعاليم التي طُرحت منذ بداية تشكّل النسويّة مباشرةً وبتأثيرٍ من المدرسة الليبراليّة[2]، ومنذ ذلك الحين وُضعت في جميع الاتّجاهات النسائيّة ضمن قائمة المطالب والأهداف النسائيّة؛[3] إلّا أنّ الأبحاث تُشير إلى أنَّ مذهب المساواة الليبرالي كان يعتوره الغموض والمشاكل حتّى ضمن نفس المدرسة الليبراليّة، وكان من المواطن التي لفتت أنظار النقاد؛ ولذا حينما دخلت المساواة الليبراليّة مع ما يُرافقها من غموض ومشاكل ـ وهو ما ستتمّ الإشارة إليه لاحقًا ـ إلى مسألة المرأة بعنوانها نموذجًا صحيّاً لوضع النساء وأصبحت في حيّز التنفيذ، أدّت إلى نشوء اختلافات في وجهات النظر وإلى الغموض وإلى التشتّت في كلٍّ من النظريّة النسويّة والممارسة النسويّة، بحيث قيل: «لقد اكتنف الإبهام شعار المساواة إلى حدٍّ جعل الغموض يكتنف الحركة النسويّة بأكملها».[4]

(284)

ومن ناحيةٍ أخرى، رغم اتّباع المساواة الحقوقيّة باعتبارها الغاية المشتركة للنسويّات، إلّا أنّ النسويّات طرحن وجهات نظرٍ مختلفةً بسبب الاتّجاهات النسويّة المختلفة حول مسألة تساوي المرأة والرجل ذاتًا؛ بحيث إنّ جماعةً من النسويّات اعتبرن المرأة والرجل متساويان تمامًا من حيث القدرات والإمكانات، أمّا الاختلاف الظاهري الموجود فهو أمر مُصطنع ومبتكر، وفي المقابل أكّدت جماعةٌ أخرى ضمن قبولها بالاختلافات التكوينيّة على ضرورة تقدير هذه الاختلافات وإيلائها أهميّةً.[1]

ونستنتج من التوضيحات الآنفة الذكر بأنَّ نقد تعاليم المساواة باعتبارها أساس النظريّات النسويّة ينطوي على نقد المساواة الحقوقيّة من جهةٍ، والمساواة الفطريّة أو التكوينية من جهةٍ أخرى؛ ولذا سنطرح في هذا القسم الانتقادات والإشكالات الواردة على مذهب المساواة الحقوقيّة ثمَّ سنتعرّض لنقد تعاليم المساواة الفطريّة والتكوينيّة وإنكار الاختلافات بين الجنسين، ثمّ سنطرح بعض الملاحظات حول تأثير الاختلافات التكوينيّة في القضايا القانونيّة.

نقد المساواة الليبراليّة (المساواة القانونيّة)

تستند المساواة الليبراليّة على الأسس الفكريّة التالية:

1- العقل البشري هو علّة كرامته وفضله وهو موجودٌ في كافة البشر.

(285)

2- بما أنّ الإنسان يتمتّع بجوهر العقل لذا فهو يمتلك حقوقًا، وحيث إنّ العقل مشتركٌ بين كافّة البشر، لذلك يتمتّع الجميع بحقوقٍ متساويةٍ، وفي ظلّ الحقوق المذكورة ويحقّ للجميع إيصال قدراته واستعداداته التي لديه بالقوّة إلى مرحلة الفعليّة.

ومع غضّ النظر عن هذه المبادئ الأساسيّة، عندما يُريد شعار المساواة أن يظهر عمليّاً سيُواجه تساؤلاتٍ وإشكالاتٍ عديدةٍ؛ وأوّل مشكلة هي المُراد من المساواة، فهذه المساواة تقع في أيّ أمرٍ؟ وأُجيب على هذا السؤال في الفلسفة السياسيّة بما يلي: 1. المساواة في الرفاهية. 2. المساواة في الوصول إلى المصادر والإمكانات.

والمساواة في الرفاهية تعني أنَّه يحقّ لكافّة أفراد المجتمع التمتّع برفاهيةٍ مُتساويةٍ؛ إلّا أنَّ هذا التفسير للمساواة لا يحلّ المشكلة بشكلٍ كافي؛ لاختلاف تعريف الرفاهية، وكُلفة الرفاهية ومدى إشباعها لرغبات الأفراد؛ ولذلك نرى أنَّه من غير الممكن تأمين الرفاهية بتساوٍ، وبسبب المشاكل الموجودة في نظريّة المساواة في الرفاهية، يأتي البعض بنظريّة المساواة في الإمكانات؛ لكن هذا التفسير للمساواة ينطوي على مشاكل جديدةٍ أيضًا، فعلى سبيل المثال: هل يجب تأمين المصادر والإمكانيّات بنحوٍ متساوٍ مع الآخرين حتّى لو كانوا عاجزين ومرضى؟ أو يُطرح هذا السؤال: ما الذي يجب فعله عند التعامل مع الأفراد الأكثر ابتكارًا وسعيًا والذين يحتاجون إلى مصادر أكثر؟ وهل يجب منح أهميّة لهذه الفروقات

(286)

الناجمة عن اختلاف إمكانيّات هؤلاء الأفراد أم أنّه يجب قمع هذه الاختلافات؟ وفي حال القبول بالفرضيّة الأولى، كيف يُمكن تعيين الاختلاف في الاستعدادات؟ هذه الأسئلة تُمثّل العقبات التي تواجهها نظريّة المساواة.

وأولئك الذين يُصرّون على تحقيق أمنية المساواة، يعتقدون بترادف المساواة والعدالة، وفي نظام كهذا ليس للعدالة مفهومٌ سوى المساواة وليس للدولة أو لأيّ مؤسّسةٍ حاكمةٍ الحقّ بتقييم كفاءة الأفراد واختلافهم، وهي مُلزمة بتوزيع الحقوق بتساوٍ بدون الاعتناء بكفاءة الأفراد وجدارتهم.[1]

ويعتقد بعض المفكريين الغربيين بأنّ جميع المشاكل والعقبات التي تُواجهها نظريّة المساواة، في فرضيّاتها الخاطئة، هي الاتّحاد المزعوم بين المساواة والعدالة.[2]

وفي المرحلة التالية، عندما تدخل تعاليم المساواة الليبراليّة مع ما يرافقها من غموضٍ وعقباتٍ في قضايا النساء، وتُريد النسويّات وفقًا لمبدأ العدالة والمساواة تطبيق العدالة، أي المساواة التامّة بين النساء والرجال، وقد دُوِّن على جهةٍ من عُمْلة المساواة الليبراليّة هذا المبدأ: إنَّ الاختلافات الطبيعيّة، مثلها مثل الفروقات العرقيّة، بما أنَّها لا تُؤدي إلى أيّ اختلاف في جوهر الإنسانيّة (العقل)، إذن لا ينبغي أن تُؤدي إلى أيّ اختلاف حُقوقيٍّ.

(287)

ويُستنتج من هذا المبدأ أنَّ المساواة الليبراليّة مبنيّةٌ على تشابه الحقوق ووحدتها وإنسجامها، ومن هنا بما أنَّ النسويّات يُطالبنَ بالمساواة، لذا فهنَّ يُطالبنَ بالتشابه المطلق في الحقوق بين الجنسين، مع غضّ النظر عن أيّ فرقٍ بين الجنسين.

وتعريف المساواة باعتبارها كونها والمشابهة والعدالة أمرًا واحدًا (المساواة = التشابه = العدالة) وبالتالي تجاهل أو إنكار الاختلافات الحقيقيّة بين الجنسين، يُعتبر أحد المسائل التي يُمكن أنّ تُورِد على النسويّة الكثير من الانتقادات، وللوهلة الأولى، قد تبدو هذه النظريّة، وهي أنَّ العدالة مرهونةٌ بالمساواة المطلقة، خاليةً من أيّ دليلٍ ولا أساس لها، ومجرّد افتراض لم يثبت جُعل مبدأً لباقي التنظيرات الليبراليّة ومنها الليبراليّة النسويّة؛ أضف إلى ذلك أنّ المساواة الليبراليّة تُواجه مشكلةً أخرى، وهي تجاهل الفروقات والظروف الخاصّة بالأفراد عند التعامل القانوني معهم؛ في المقابل نعتقد بأنَّ هذه الرؤية غير واقعيّةٍ لهذا السبب، لأنّه النتيجة سوف يكون هناك تأثيرٌ خاصٌّ للظروف الخاصّة والاختلافات والمميّزات شئنا أم أبينا، وتجاهلها لا يحلّ المشكلة، بل إنَّ القانون السليم والقاعدة المقبولة هي التي تتناسب مع كافّة الأمور الواقعيّة.

ويُمكن تصوير منظومةٍ من الاختلافات الحقوقيّة المبنيّة على الجنس، ولكنّه يُصوّرها بنحوٍ عادلٍ، بحيث يكون للاختلافات والاستحقاقات دورًا رئيسيّاً ومفتاحيّاً في تحديد الحقوق، بحيث تتعلّق الحقوق المتساوية بالأفراد على أساس الاستحقاقات

(288)

المتساوية، كما تتعلّق الحقوق المختلفة بالأفراد على أساس اختلاف الاستحقاقات[1]، وبناءً على هذا يُصبح تنظيم القانون بدون أخذ الاختلافات بعين الاعتبار، بمنزلة عدم مُراعاة التناسب والواقعيّة في البرامج، وهو ما يستتبع عواقب وخيمة.[2]

وبرأي الشهيد مُطهّري، إنَّ تطبيق مبدأ التشابه رغم وجود الاختلافات التكوينيّة الأصيلة التي لا يُمكن تجاوزها، لا يقتصر على أنّه لا يُحقّق المساواة وحسب، بل من الناحية العمليّة سوف يُضرّ بالتساوي والمساواة التي بين المرأة والرجل بسبب مدخليّة الاختلافات الحقيقيّة المذكورة، ويقول ضمن هذا الإطار: «إذا أرادتْ المرأة حقوقًا مُساويةً لحُقوق الرجل، وسعادةً مُساويةً لسعادة الرجل، فإنَّ السبيل الوحيد والانحصاري هو إزالة التشابه الحقوقي، بحيث يكون للرجل حقوقٌ متناسبةً معه كرجلٍ، ولها حقوقٌ متناسبةٌ مع ذاتها؛ ولن تتحقّق الوحدة والمودّة بين المرأة والرجل إلّا من هذا الطريق وحسب، وحينها سوف تتمتّع المرأة بسعادةٍ مُساويةٍ لسعادة الرجل بل أكثر منه».[3]

(289)

نقد المساواة التكوينيّة (المساواة الطبيعيّة)

هل المرأة والرجل إنسانيْن مختلفين ذاتًا وطبيعةً؟ وهل الاختلافات الظاهرة بين الجنسين في الأخلاق والسلوك والتوجّهات والأدوار و...، هي اختلافاتٌ أصيلةٌ وطبيعيّةٌ أم زائفةٌ ومُصطنعةٌ؟

كما ذُكر سابقًا[1]، تمّ الاهتمام بموضوع الاختلافات بين الجنسين ونقده من قبل النسويّات مُنذ بداية طرح النظريّات النسويّة باعتباره قضيّةً محوريّةً وأساسيًةً؛ بحيث إنّ بعض النسويّين الليبراليّين ومن ضمنهم «وُلستون كرافت» و«جون ستيوارت ميل» اعتبرا هذه الاختلافات مُصطنعة من خلال تأكيدهما على تساوي المرأة والرجل في الاستعدادات والقدرات، ثمّ بعد مُدّةٍ فتحت «سيمون دي بوفوار» نافذةً جديدةً في هذا الحبث من خلال تفكيكه بين المرأة والأنوثة، وهيّأت بذلك المُقدّمات الضروريّة للتفكيك بين الجنس (أي الاختلافات البيولوجيّة والطبيعيّة) والجنوسة (أي الاختلافات الناشئة عن الثقافة والمجتمع) في الموجة الثانية للنسويّة.[2]

وقد وضعت نظريّة الفصل بين الجنس والجنوسة، أداةً تحليليّةً بين يدي النسويّات استعملوها بهدف إنكار الاختلافات بين الجنسين[3] وكانت النسويّات تسعين من خلال إثبات المساواة

(290)

الذاتيّة بين المرأة والرجل إلى إثبات المساواة الحقوقيّة بين المرأة والرجل، وهذا المسعى من قبل النسويّات يُمكن أن يُنتقد من جهتين: الأولى: أنّ هذا التشابه بين الجنسين حاصلٌ في أي المجالات وما هو مقدار الاختلاف والتشابه بينهما؟ الثانية: في حال وجود اختلافٍ بينهما فهل يُمكن وضع الاختلافات الطبيعيّة والذاتيّة كأساس للاختلاف في الحقوق؟ وبعبارة أخرى: ما هي العلاقة التي يُمكن وضعها بين المساواة أو الاختلاف الطبيعيّان وبين المساواة أو الاختلاف الحقوقيّان؟

هناك اختلاف في وجهات النظر بين العلماء فيما يتعلّق بالاختلافات بين الجنسين (السؤال الأول)، إذ يعتبر أغلب علماء الأحياء اختلاف الجنسين أمرًا أساسيّاً وعميقًا وذلك عبر دراسة الاختلافات الجسديّة بين المرأة والرجل، وفي المقابل يعتبر بعض علماء الاجتماع أنّه في الأصل لم يكن هناك اختلافٌ بين الجنسين، وأنّ العوامل الإجماعيّة هي السبب وراء نُشوء الاختلافات السلوكيّة، وبعض علماء النفس يعتبرون العامل البيولوجي والبيئي دخيلًا في تشكّل الاختلافات الجنسيّة.[1]

(291)

الشواهد البيولوجيّة

الاختلاف الجيني

تتكوّن كلّ خليّةٍ من خلايا الجسم من 23 زوجٍ من الكروموسومات، 22 زوجٍ منها مشتركون لدى المرأة والرجل، ولكن زوج الكروموسوم الجنسي عند المرأة  xx  وعند الرجل xy  ، وللكروموسومات تدخّلٌ تامٌّ في تعيين الجنس، ويتمّ تحديد الاختلاف بين المرأة والرجل منذ البداية؛ وتتشكل باقي الخصائص الجنسيّة بتأثيرٍ من الهرمونات الجنسيّة، وتصل الهرمونات بعد الولادة إلى جميع أنحاء الجسم عبر الدمّ وتُؤدّي إلى بروز الخصائص الثانوية الجديدة لدى المرأة والرجل، فالكروموزومy  هو سبب نُشوء التمايز بحيث يُؤدّي أوّلًا إلى أن يكون الجنين ذكرًا؛ وإلى أن ينمو ثانيًا بنمطٍ خاصٍّ ومختلفٍ تمامًا عن نمط الأنثى، وإفراز الهرمونات الذكوريّة يؤثر كذلك على بُنية الدماغ ويحدّد الجنس الذكوري للجنين، وتظهر الغدد الجنسيّة الأنثويّة في الأسبوع الثالث عشر من تكوّن الجنين ثمَّ تُؤثّر بعد ذلك على بناء الدماغ.[1]

وبناءً عليه، المرأة والرجل مختلفان جينيّاً، بل يُمكن القول: إنَّ كلّ خليّةٍ من جسم المرأة مختلفةٌ عن كلّ خليّةٍ من خلايا جسم الرجل؛ ولكن باعتقادنا رغم أنّ الاختلاف الجيني هو أمرٌ محرزٌ إلّا أنَّه لا يجب تضخيم هذا الاختلاف أكثر من الحدّ فنغفل عن المشتركات الطبيعيّة والجينيّة بين المرأة والرجل.

(292)

الاختلاف في بناء الدماغ وكيفيّة التفكير

تُشير الأبحاث إلى أنّ النساء تختار مجالًا أوسع من الرؤية إذا أرادت التفكير في أيّ مجالٍ من المجالات، وأنّها تحسب عددًا أكبر من المُتغيّرات عند اتخاذ القرارات، والخلاصة تميل النساء عند التفكير تميل إلى التفكير في كافّة العوامل المُرتبطة بالموضوع وضمن قالبٍ شبكيّ الشكل ومُتصلٍ ببعضه بحيث يُطلق على هذا النوع الخاصّ من التفكير التفكير الشبكي.[1]

في المُقابل يميل الرجال إلى التفكير بكلّ موضوعٍ على حدة ودون الالتفات إلى المواضيع الأخرى، ويستطيع الرجال أن يُركّزوا على شيءٍ واحدٍ بشكلٍ جيّدٍ، وفي تلك المدّة الزمنيّة يسهو عن باقي الأمور، فالرجال يُفكّرون عند مواجهة أيّ مشكلةٍ بتلك المشكلة بنحوٍ مُباشرٍ وبتركيزٍ تامّ ويَفصِلون بين المواضيع ويتجنّبون إدخال العوامل الجانبيّة.[2]

وبناءً على الأبحاث التي أُجريت، فإنّ الطرق المختلفة من التفكير بين الجنسين تعود إلى اختلاف دماغهما، وأحدُ هذه الاختلافات حاصلٌ في القشرة المخيّة[3] التي يُسيطر على قدرة الأفراد على حفظ مقدارٍ هائلٍ من المعلومات، وتنظيم هذه المعلومات، والإستنتاج المقترن بنوعٍ من المُرونة مع مراعاة جميع الاحتمالات المُمكنة

(293)

(التفكير الشبكي)، وهذه القشرة أكثر سُمكًا وفعاليّةً لدى النساء منها لدى الرجال.

والأنسجة الأخرى التي تصل بين نصفي الدماغ، تكون لدى النساء أضخم إلى حدٍّ ما عن مثيلاتها لدى الرجال، وهذه الأنسجة هي التي تُؤدّي على مايبدو إلى ترابط قوّيٍ بين نصفي الدماغ لدى النساء ممّا يُؤدّي إلى التفكير الشبكي، وضعف هذا الارتباط عند الرجال هو سبب التفكير المُركّز والمُتخصّص.[1]

(294)

الاختلاف في الإمكانات والمهارات

ينسب علماء الأحياء وعلماء النفس استعدادات وإمكانات ومهارات مختلفة إلى كلٍّ من الجنسين، وتُشير الأبحاث إلى أنّ الفتيات تُظهر تفوّقًا خاصّاً في سهولة البيان والمهارات اللغويّة؛ كما تُشير دراسات علماء الأحياء إلى أنَّ عدد الخلايا العصبيّة في دماغ النساء ـ التي لها مهمّة تحديد المرادفات وفهمها ـ أكثر من الرجال بـ 11 بالمئة؛ وكذلك إنَّ الارتباط الأعلى بين نصفي دماغ المرأة وكذلك تأثير الهرمون الأنثوي (استروجين) على زيادة عدد الروابط بين الخلايا العصبيّة هو سببٌ في تعزيز المهارات اللفظيّة[1]، كما أنّ الرجال يعملون بشكلٍ أفضل من النساء في ثلاثة أنواع من القدرات المكانيّة (التصوّر المكاني، الفهم المكاني، الدوران الذهني[2])، ويتمتّع الرجال كذلك بنظرٍ أفضل ويستطيعون تحديد الجهات والأهداف بشكلٍ أفضل؛ وفي المقابل حواسّ اللمس والسمع والشمّ أقوى لدى النساء منها لدى الرجال، أمّا «عتبات الإحساس»[3] فهي أقل لدى الفتيات منها لدى الأولاد.[4]

(295)

وتُؤدّي الهرمونات الذكوريّة والأنثوية دورًا بارزًا في الاختلافات السلوكيّة بين الجنسين، وتُشير الأدلة إلى أنّ التستوستيرون (الهرمون الذكوري الأساسي) له علاقة بميل الرجال إلى اكتساب السلطة والمقام، حيث يُؤدّي هرمون التستوستيرون من خلال التأثير على دماغ الأولاد في المرحلة الجنينيّة إلى ظهور خصائص فيهم يُطلق عليها اسم سيادة الرجال، وتُؤدّي هذه العمليّة إلى أن يحارب الرجال أكثر من النساء من أجل اكتساب السلطة والمقام.[1]

الشواهد النفسيّة والسيسيولوجيّة

تتحدّث دراساتُ علماء النفس وعلماء الاجتماع بأنّ للثقافة والمجتمع دورًا بارزًا في تعزيز الاختلافت وحتّى أحيانًا في إنشاء وبناء فوارق جديدة، والأطفال يفهمون في الفاصلة الزمنيّة التي بين ثمانية عشر أسبوع إلى سنتين مفهوم الهويّة الجنسيّة، وعندما تدرك الطفلة أنّها أنثى وستكبر لتصبح امرأة، تُصبح هذه القضيّة جزءًا مهمّاً من هويتها الشخصيّة، وتبقى هذه الثقافة منذ ذلك الحين فما بعد مسيطرةً وهي التي تُخبرها ما الفعل الجيّد وما الفعل السيّء، وتُحاكي الفتاة دور النساء الذي يقبل به المجتمع، كما تُحاكي النموذج الذي طرحه المجتمع عن المرأة.[2]

(296)

ويُسمّى علماء النفس تأثير المجتمع على تشكيل الهويّة الجنسيّة «شرطًا كلاسيكيّاً»؛ بمعنى أنَّ الفتيات والأولاد يُظهرون سلوكيّاتٍ مختلفةً بناءً على التشجيع والعقاب وتوقّعات المجتمع؛ فتحصل الفتيات على المكافأة نتيجةً لطاعتهن؛ في الوقت الذي يُطلب من الأولاد إظهار سلوكيّاتٍ مُتهوّرةٍ ورجوليّةٍ ليُميّزوا أنفسهم عن الجنس الضعيف، وبذلك يتشكّل التقسيم الجنسي في المجتمع من جنسين، ويسعى الجنسان إلى أن تندرج سلوكيّاتهما ضمن إطار نماذج المجتمع كي لا يُطردا أو يُغضب عليهما.[1]

والتقليد هو عاملٌ آخر يُساهم في تفاقم الاختلافات الجنسيّة، فالطفل يُطابق بين سلوكيّاته ورموز السلطة، وهذه الرموز قد تكون الوالدين أو أيّ فردٍ من الكبار من ذات الجنس، فالطفلة تُحاكي سلوكيّات الأم أو بنات جنسها، وهكذا يتمّ اكتساب العديد من الخصائص الجنسيّة.[2]

كذلك الصور النمطيّة الثقافيّة والاجتماعيّة هي من العوامل المؤثّرة في سلوكيّات الجنسين أيضًا، وتعتقد «سوزان فيسك» عالمة النفس الاجتماعي بأنّ أقوياء المجتمع هم الذين يُشكّلون الصورة النمطيّة بالنسبة للأفراد الأدنى، فهذه القوالب تُخبر الناس كيف يكونون وحتّى كيف ينبغي أن يكونوا؛ وعلى سبيل المثال: على النساء أن يكُنّ لطيفاتٍ، أمّا الشباب الذكور فينبغي أن يكونوا نشيطين وجريئين (أو هم كذلك بالفعل).[3]

(297)

هناك مسألةٌ أخرى ينبغي إضافتها إلى النتائج الآنفة الذكر، وهي التأثير المُتبادل بين الهورمونات وبين العوامل الاجتماعيّة، حيث تُشير الأبحاث إلى أنَّ التغييرات الهرمونيّة كما يُمكن لها أن تكون سببًا للسلوكيّات المختلفة حسب الجنس، كذلك يُمكن لنفس السلوكيّات أن تؤثّر على النشاط الهرموني.

تحليل الشواهد

ليست جميع الاختلافات مُصطنعة

إنّ خلاصة الشواهد البيولوجيّة والنفسيّة والاجتماعيّة فيما يتعلّق بالاختلافات الموجودة بين الجنسين تُشير إلى ما يلي: رغم أنَّ العوامل الاجتماعيّة ( ما يقبل به المجتمع، والشرط الكلاسيكي، والتقليد، والصور النمطيّة الاجتماعيّة و...) يُمكن لها أن تكون سببًا في إنشاء الاختلافات المكتسبة، إلّا أنّ الاختلافات الأساسيّة البيولوجيّة بين الجنسين والتي تؤثّر بشكلٍ مباشرٍ على سلوكيّاتهما وإمكاناتهما وقدراتهما هي أمرٌ غير قابلٍ للإنكار؛ بحيث إنّ النساء والرجال رغم أنّهما يمتلكان أوجه شبهٍ عديدةٍ من الناحية النفسيّة والجسديّة، إلّا أنّهما يتمتّعان بمقامٍ مُختلفٍ تمامًا في العالم الإجتماعي[1]، وبعبارة أخرى: إذا كانت الأوضاع الاجتماعيّة سببًا لاختلاف المرأة والرجل، فهذا يعني فقط أنّها تجعل هذا الاختلاف مُكرّسًا أكثر.[2]

(298)

وفي الواقع لقد حدّد الاختلافات الطبيعيّة بين المرأة والرجل ـ مع غضّ النظر عن تأثير أيّ عاملٍ آخر ـ لكلٍّ منهما نوعًا مختلفًا من الحياة، وتُشير نظريّات علماء الأنثروبولوجيا حول حياة الإنسان البدائي أيضًا إلى أنَّه حتّى في الوقت الذي حقّق دور النساء الاقتصادي في المجتمعات البدائيّة لهنّ الأماني المرغوبة (أي المجتمعات التي تُسميها النسويّات المجتمعات ذات النظام الأمومي) كانت الخصائص الطبيعيّة للنساء حدّاً ومانعًا من الأنشطة الاقتصاديّة ومنها الصيد وخصوصًا المشاركة في الحرب، ولذلك كنّ ملزماتٍ إلى حدّ ما بالبقاء في المنزل، والخلاصة أنَّه حتّى في تلك المجتمعات كُنّا نُشاهد بأنّ تقسيم العمل بحسب الجنس كان يتمّ بناءً على الاختلافات الطبيعيّة.[1]

بناءً على هذا، إنّ سعي النسويّات إلى الفصل بين الجنس والجنوسة، واعتبار الأدوار الجنسيّة المُبتنية على الاختلافات أمرًا مصطنعًا، وإنكار أيّ نوعٍ من الصفات الأنثويّة، لا يقتصر على كونه بلا دليلٍ علميٍّ وحسب، بل يُخالف الأدلّة والشواهد العلميّة.

ومن ناحيةٍ أخرى، إذا اعتبرنا جميع الصفات التي يُصطلح عليها بأنّها أنثويّة أمرًا مُصطنعًا، فما هو التعريف الذي يُمكن أن نُعرّف به المرأة بحقٍّ؟ فماذا يُمكن أن تكون المرأة بدون الصفات الأنثويّة؟ إنسانٌ بلا جنسٍ محدّدٍ؟! إنّ إنكار جميع الصفات الأنثويّة يُؤدّي إلى إنكار المرأة؛ وعندما لا تكون المرأة موجودةً، فعن حقوقِ مَن تتكلّم النسويّات حينئذٍ؟ ... .

(299)

وباعتقادنا عندما تُنكر النسويّة أيّ نحوٍ من الأنوثة، فهي تسعى إلى تدمير المرأة قبل أيّ شيءٍ آخر، وهي تُحارب النساء باسم الدفاع عن حقوق النساء.

كما أنّ إنكار الاختلافات، وبالتالي إنكار هويّة المرأة، يجعل النساء يُواجهن أزمةً في تحديد الهويّة، وتجاهل الظروف الخاصّة بالنساء، يُؤدّي إلى خلق حياةٍ غير مناسبةٍ وغير مرغوبةٍ يُصاحبها مشاكل جديدة في حياة النساء.[1]

ليست جميع الاختلافات طبيعيّة

وفي المرحلة الثانية، لا ينبغي أن يكون بعيدًا عن أذهاننا أنّه كما أنّ إنكار الاختلافات هو أمرٌ غيرُ ممكنٍ، كذلك فإنّ اعتبار جميع الاختلافات طبيعيّةً هو خطأٌ مُسلّمٌ أيضًا، فكلًا من الحرمان من فُرص التعليم والتربية، وعدم المشاركة الفعالة في المجالات الثقافيّة والاجتماعيّة، يُمكن أن تكون أسبابًا لوجود الخصائص السلبيّة في كلّ إنسانٍ سواءً كان امرأةً أم رجلًا؛ والأمر الآخر أنّه لا ينبغي تضخيم الاختلافات من الناحية الجنسيّة بحيث نُخرج وجوه الشبه بينهما من حيث هما بشر عن دائرة الضوء،وكما هو مشاهدٌ، فمنذ قديم الأيّام تمّ تجاهل المحاور المشتركة بين المرأة والرجل حتّى من قِبل العلماء الغربيين، فكانت جميع الأحكام والصفات التي نُسبت إلى المرأة ناظرةً إلى الجنبة الأنثويّة فيها، وهذا الأمر أدّى إلى تضخيم الاختلافات والغفلة عن الأُسس المشتركة من الناحية

(300)

الإنسانيّة، وهذا كان سببًا لدُونيّة النساء وتبعها ردّة فعلٍ مُفرطةٍ من قبل النسويّات.

وتشير الدراسات إلى أنَّ تشدّد النسويّات المُفرط واللامعقول وإصرارهنّ الزائد عن الحدّ على إنكار أيَّ اختلافٍ بين الجنسين ناشيءٌ عن الخوف والذعر من النتائج التي تتبع القبول بأيّ نوع من الاختلاف في المجتمع والثقافة الغربيّة، وكما سيأتي لاحقاً، فإنَّ الاختلافات الجنسيّة للمرأة كانت في نظر الثقافة الغربيّة دائمًا هي نقطة البداية والمنشأ لحرمان النساء واضطهادهنّ؛ بحيث ارتكز في الخلفيّة الثقافيّة بأنّ القبول بالاختلافات هو بمنزلة القبول بالكثير من الحرمان والإهانات، وهذا السبب دفع النسويّات إلى إنكار الاختلافات البديهيّة بين الجنسين؛ ولذلك يجب البحث عن جذور الفساد في بعض التعاليم الفاسدة والحاكمة على الثقافة والفلسفة الغربيّة.

وكما سيأتي في الشرح لاحقًا، بدلًا من تنتقد النسويّات هذه التعاليم وتُشكّك فيها، حرّرن أنفسهنَّ من مواجهة هذه المبادئ، من خلال إنكار الاختلافات، وفي الحقيقة محينَ القضيّة بدلًا من حلّها، إنّ المادّيّة واحتقار المرأة محوران موجودان ومُتداولان في الثقافة الغربيّة، وقد لعبا دورًا بنحوٍ من الأنحاء في تشكّل هذه المجموعة من النظريّات النسويّة.

 

(301)

المادّيّة

وحيث إنّ المادّيّة (Materialism) تُشكّل المبدأ الأساسي للعديد من النظريّات الحديثة، وبما أنّ هذه الرؤية تعتبر أنّ الحقيقة الكاملة للإنسان مُنحصرةٌ في جسمه، فمن المسلّم عند مشاهدة الاختلافات الجسديّة بين الجنسين أن يُقسم البشر إلى مجموعتين مختلفتين بل متقابلتين بشكلٍ ثنائي، وفي ظلّ ذلك، يُعتبر الرجل مبدأً للإنسانيّة بسبب قوّته الجسمانيّة والعضليّة أمّا المرأة فإنسانٌ في المرتبة الثانية وتابعةٌ ومُتفرّعةٌ عن الرجل بسبب ضعفها الجسمانيّ، وفي هذه الخلفية الفكريّة، لا تكون المطالبة بالحقوق المتساوية معقولةً ومُبرّرةً إلّا في حالة نفيّ أيّ نوعٍ من الاختلاف.

وتُشير هذه المسألة إلى التأثير السيّء للمباني الفكريّة والنظريّة الخاطئة التي للغرب على تعاليم النسويّة؛ ففي البيئة الفكريّة المناسبة لا يكون الطريق مسدودًا أمام الدفاع عن حقوق النساء حتّى نصل إلى أساليب علاجيّة مُتطرّفة وإلى تعاليم غير واقعيّة.

والمقارنة بين المادّيّة الغربيّة وبين النظرة الكونيّة الصحيحة للإسلام في موضوع حقيقة وجود الإنسان، تصوّر هذا الأمر بشكلٍ أوضح، فبناءً على ما يعتقد به بعض المُفكّرين وأصحاب الرأي المسلمين، الروح هي التي تُشكّل حقيقة وجود الإنسان لا جسمه ولا المجموع من الجسم والروح؛ وحيث إنّ الروح تخلو من شائبة التذكير والتأنيث، إذن ليس هناك من اختلافٍ بين أفراد البشر في الإنسانيّة، وبناءً لهذا الرأي لو كان للجسم دورٌ في إنسانيّة الإنسان،

(302)

باعتباره تمام الذات أو بعض الذات، لأصبح من المُمكن الحديث عن المذكّر والمؤنّث، وبالتالي ينبغي البحث: هل هذين الصنفين متساويان أم مختلفان؟ ولكن إذا كانت الروح تُشكّل حقيقة كلّ فردٍ، ولم يكن الجسم إلّا أداةً فسيُغلق البحث عن التساوي أو الاختلاف بين المرأة والرجل في المسائل المرتبطة بحقيقة الإنسان قهرًا.[1]

ويعتقد أبو علي سينا الفيلسوف الإيراني المشهور بأنّ الناطق فصلٌ مُقوّمٌ للإنسان، أمّا التذكير والتأنيث فمُصنِّفٌ له؛ ولذلك عندما تتمّ ذات الإنسان وتصلّ إلى حدّ نصابها عندها تأتي يتأتي الحديث عن مسألة الذكورة والأنوثة؛ ومن ناحيةٍ أخرى الذكورة والأنوثة يعودان إلى المادّة؛ في حين أنَّ حقيقة كلّ شيء هي بصورته لا بمادّته؛ ومن هنا لم يكن هذان الوصفان دخيلين في حقيقة الإنسان.[2]

والدليل على أنَّ الذكورة أو الأنوثة يعودان إلى المادّة لا إلى الصورة، هو أنَّ هذين الصنفين لا يختصّان بالإنسان بل يشملان الحيوان والنبات أيضًا...، وكلّ ما له مراتب أدنى من الإنسان يمتلك هذين الصنفين، وهما لا يعودان إلى الصورة الإنسانيّة؛ لأنّهما لو كانا يعودان إلى الصورة الإنسانيّة، لما كان الأدنى من الإنسان واجدًا لهما أبدًا.[3]

(303)

وفي المقابل، أصبح للاختلافات الجنسيّة في الثقافة الغربيّة بارزًا جدًا؛ بحيث طغى جنس المرأة على إنسانيّتها وبحسب قول «دي بوفوار»: «يُعرّف الرجل عن نفسه بأنّه إنسانٌ، بينما يُعرّف بالمرأة على أنّها إنسانٌ مُؤنّثٌ».[1]

وبذلك ساق كلٌّ من التطرّف وتضخيم مسألة نوع الجنس في الثقافة الغربيّة والظلم والحرمان الذي تحملته النساء بسبب ذلك، النسويّات إلى تطرّفٍ آخر، أي إلى إنكار الجنس.

احتقار الأنوثة

إنّ إحدى المشاكل والانحرافات الأخرى التي يُمكن مُلاحظتها وبشكلٍ صريح جدًا في الثقافة الغربيّة وليس فقط بين عوام الناس بل في آراء المُفكّرين والفلاسفة أيضًا، هي احتقار المرأة والأنوثة؛ ففي هذه الثقافة لم يقتصر الأمر على تضخيم مسألة نوع الجنس وحسب بل دائمًا ما يكون للاختلافات الجنسيّة نوعٌ من الأهميّة، فتُحتقر المرأة بسبب اختلافها عن الرجل.[2]

وأكبر دليلٍ ومثالٍ على هذا النوع من التفكير هو المُتضادّات الثنائيّة، حيث يُقرن الرجل بمجموعةٍ من الصفات المتعالية، مثل: النور والخير والقوة والعقل، وفي المقابل تُقرن المرأة بصفاتٍ مُعاكسةٍ، مثل: الخنوع والشرّ والضعف والمشاعر وأمثالها؛ ولذا

(304)

معنى اختلاف المرأة الغربيّة هو خنوعها وكونها بلا قيمة؛ ولذلك تُحتقر الصفات والأدوار الأنثويّة.

ومن الطبيعي، أن لا تتمكّن النساء من تحمّل هذا الاحتقار الرسمي والذي أصبح ذا طابعٍ مُؤسّساتي، ولكنّ مع ذلك نجد أنّ الراديكاليّات بدلاً من علاج القضيّة هنا، قاموا بمحو صورتها؛ أي بدلًا من تعريف قيمة الصفات والأدوار الأنثويّة وتوضيحها، قاموا بإنكارها من الأساس؛ وكما أشارت «سيسون» بحقٍّ: «لمّا لم تعثر النساء على فلسفةٍ أو دينٍ يُمكن له أن يهديهنّ إلى المسار السليم، فمن خلال اتّباعهنّ لشعاراتهنّ النسويّة بدلًا من رفع إساءة الرجال ـ ورفض هذه الثقافة تمامًا ـ تجاه النساء، وبدلًا من العمل على إصلاح عاطفة المرأة والأنوثة، أليقن الحطب على نار هذه المعركة وأيّدن احتقار الرجال للأنوثة، وفي المقابل اعتقدنَ بأنَّ طريق حريتهنّ يكمن في إنكار الأنوثة».[1]

وتُؤكد «سيسون» بأنّه مع الاحتقار الشامل والتاريخي من قبل الرجال للصفات المقدّسة النسائيّة، لا مجال للتعجّب من سعي المرأة اليوم إلى أن تبتعد عن أنوثتها؛ حتّى لو كان أخذها لهذه المسافة سببًا في بُؤسِها وبُؤس المجتمع.[2]

(305)

علاقة الاختلافات الطبيعيّة بالمساواة أو التمييز الحقوقي

بعد دراسة الاختلافات الطبيعيّة بين الجنسين، تُطرح هذه الأسلة: كيف يجب التعامل مع اختلافات الجنسين؟ وهل يُمكن أن تكون الاختلافات سببًا في علوّ أو أهميّة أو رفعة أحد الجنسين مقارنةً بالآخر؟ وهل من المقبول أن تكون الاختلافات علّةً لقسم من الحرمان الاجتماعي والاقتصادي و...؟ وهل هذه الاختلافات يجب أن تكون سببًا للاختلفات القانونيّة والحقوقيّة؟ وفي هذه الحال، هل التفوّق الحقوقي هو أمرٌ مُبرّرٌ أم أنَّ الخيار الوحيد المقصود الاهتمام هو الاختلاف في عين التساوي؟ ثمّ أيُّ هذه الاختلافات، وضمن أيّ حدودٍ، ولأيّ مدىً يُمكن أو يجب مُلاحظتها في القانون؟

لقد قدّمت النسويّات حلولًا واقتراحاتٍ في مسألة كيفيّة التعامل مع الاختلافات بين الجنسين، فالحلّ الذي طرحته النسويّة الليبراليّة ـ بناءً لما ورد في كتاب استعباد النساء الذي هو من مُؤلّفات «جون استيوارت ميل» هو ما يلي: بما أنَّ العديد من الاختلافات بين النساء والرجال هي من إنتاج المجتمع والظروف غير المتساوية وبالتالي هي اختلافات غير طبيعيّة، لذلك لا ينبغي أن تكون هذه الاختلافات منشأً للاختلافات الحقوقيّة؛ بل إنَّ التعامل بالمساواة بشكلٍ تامٍّ بين الجنسين أمام القانون يُمكن له أن يُهيئ الأرضيّة والفرصة لظهور الصفات الحقيقيّة التي في الأفراد.[1]

(306)

أمّا الحلّ الآخر فقد طُرح من قبل النسويّة الراديكاليّة، وعلى الأخص بواسطة «فايرستون» وهو كالتالي: رغم أنَّ اختلافات النساء طبيعيٌّ إلّا أنَّها عامل سوء حظٍّ ودونيّة بالنسبة للنساء؛ ولذا ينبغي أن نُزيل الاختلافات الطبيعيّة بمساعدة التطوّر الحاصل في العلم وفي تكنولوجيا الولادة.[1]

بالنسبة للحل الذي اقترحه «ميل»، نعتقد بأنَّ تجاهل اختلافات الجنسين في القانون محتجّين بعدم القدرة على تمييز الاختلافات الحقيقيّة من الاختلافات المُصطنعة، هو بمثابة محوٍ لأصل القضيّة؛ لأنّ تجاهل الاختلافات الحقيقيّة لا يعني عدم وجودها، فإذا كانت الاختلافات في القدرات والإمكانيّات موجودةً في الحقيقة والواقع ـ حيث إنّ الأدلّة العلميّة تشهد على ذلك ـ فسوف يلزم من إحداث موقعيّةٍ موحّدةٍ بينهما تمامًا وعدم إعطاء أي اعتبار لهذه الاختلافات في القانون إجبارُ المرأة والرجل على أعمالٍ لا تناسب وقدراتهما، أو بمعنى عدم لحاظ قدراتهما بشكلٍ كافٍ، ومن المُسلّم سينشأ عن ذلك بروز اختلالاتِ في مؤسّستي الأسرة والمجتمع.

وتُشير تجربة العالم الغربيّ إلى أن إيجاد ظروف مُتنوّعة، يُمكن أن يُؤدّي إلى تغييراتٍ في صفات النساء والرجال وأحوالهم، قال «ويل ديورانت» حول هذا الأمر ما يلي:

يُقال: إنّه لحلّ هذا الأمر (هل للنساء القدرة على أداء مهام الرجال؟) فمن الضروريّ أن تنخرط مجموعةٌ كبيرةٌ من النساء في

(307)

الحياة المُتغيرة والمتنوّعة الصناعيّة للرجال لنعلم ما الذي سوف تُبدله هذه الأعمال الواسعة الإطار من عمقٍ وسرعة بديهةٍ وخُلقٍ في تلك النساء، لقد شاركت بريطانيا بأكملها ونصف أمريكا في هذه التجربة الضخمة، حيث فُتحت المصانع والإدارات والأعمال بوجه المرأة والرجل على السواء، وماذا كانت نتيجة هذه التجربة؟ ونتيجة التغييرات على هؤلاء النساء المُحرّرات كانت مذهلةً إلى درجةٍ حيّرت العالم معها، وخلال ثلاثة أجيال، فتح هؤاء الخَدم الجُدد للصناعة بابًا في كلّ ميدانٍ لا تكون في القدرة البدنيّة ضروريّةً، واكتسبنَ الصفات الأخلاقيّة والذهنية التي للرجال في كافّة هذه الميادين إلى أن علا صوت الوعاظ الأخلاقيّين من العلماء المسيحين بُكاءً من استرجال الجنس الذي كان في الماضي ضعيفًا ولطيفًا ... .[1]

ولكن بحقٍّ، أيّ واحدةٍ من الخصائص طبيعيّةٌ وأيّها مُصطنعٌ؟ هل هي الخصائص التي نُسبت إلى النساء قبل تغيير الظروف أم تلك التي ظهرت في ظروف اليوم؟ وهل مُجرّد إمكانيّة خروج النساء عن عهدة الرجال يُعدّ مؤشّرًا على تناسب تلك الأمور مع إمكانياتهنّ وقدراتهنّ وطبيعتهنّ ويُمكن أن يكون تبريرًا لكون تلك المسائل والصفات واقعيّةً وطبيعيّةً؟ أم ينبغي ملاحظة التغييرات التي لحقت بروح المرأة وجسدها وبالتبع ملاحظة التغييرات التي لحقت الأسرة ثمَّ المجتمع؟ وحتّى يُمكن أن تظهر الآثار السلبيّة في المدى الطويل؛ وفي هذه الحالة من سيكون المسؤول؟

(308)

في الحقيقة إنَّ تمييز الاختلافات المُصطنعة عن تلك الأصيلة ليس أمرًا سهلًا بحيث يُمكن حلّه بواسطة التفكير والمنطق البشري[1]؛ لأنّه يستلزم إدراك جميع الجوانب الوجوديّة للمرأة والرجل؛ يحتاج إلى نظرةٍ شاملةٍ عامّةٍ تُحيط بحقيقة الذات البشريّة قبل تأثير أيّ عاملٍ خارجيٍّ؛ وطبعًا من المُسلّم بأنَّ مثل هذا الأمر غير مُيسّرٍ للإنسان ويندرج في نطاق علم خالق الإنسان وقدرته وحسب.

ونُلاحظ بأنّ الثقة المتجدّدة، والاعتماد الواقع في غير محلّه على القدرات المحدودة للعقل البشري، وتدخل البشر في المجالات الخارجة عن نطاق قدراته، هو سببٌ للضعف والفساد في النظريّة والتطبيق؛ في حين أنَّ الاستمداد من نبع العلم الإلهي الذي لا ينبض، أيّ الوحي، يُمكن أن يكون أفضل مُعينٍ على تحديد هذه الاختلافات، ففي الفكر التوحيدي النقيّ، لا يُمكن للإنسان أن يُحدّد حقوق الإنسان ـ ومن جملتهم المرأة ـ ؛ لأنّ الخطوة الأولى لتحديد حقوق الإنسان هي معرفة الإنسان، وينبغي التفريق بين الاحتياجات الحقيقيّة والكاذبة للإنسان؛ في حين أن معرفة الإنسان مشوبةٌ بالجهل والسهو والمحدوديّة وعدم القدرة في مجال التطبيق، وبكونه أسيرً للميول النفسيّة والمصالح الشخصيّة واختلاف وجهات النظر وما إلى هناك من المفاسد؛[2] لذلك فإنَّ

(309)

ثقة المدارس الإلحاديّة وبتبعها النسويّة بقدرة الإنسان على أن يُحدّد حقوق الإنسان، هي ثقةٌ في غير مكانها وغير مقبولةٍ ومتأثرةٌ إلى حدٍّ كبير بالنظرة الكونيّة المادّيّة للثقافة الغربيّة.

وترى بعض النسويّات وبشكلٍ صريحٍ بأنَّ الخصائص الطبيعيّة والبيولوجيّة الموجودة في كيان المرأة هي أصل جميع مُشكلاتها وبأنّ خلاصها إنّما يتحقّق بمحو وإزالة هذه الاختلافات الطبيعيّة، وقد شرحت «سيمون دي بوفوار» في كتاب الجنس الآخر بالتفصيل ومع ذكر أدلّةٍ طبيّةٍ كيف تمّ تنظيم جسد المرأة إلى حدٍّ كبيرٍ من أجل الإنجاب وكيف أنّ خاصيّة الإنجاب التي لدى المرأة تُؤثّر على أغلب أعضاء جسمها.[1]

ثمّ تعتبر أنَّ هذا الجبر البيولوجي الموجود في بدن المرأة عبارةٌ عن عنصرٍ خلق قضيّةً وأثار أزمةً في حياتهنَّ، وأنّه على النساء الهروب من لوازم البيئة والطبيعة قدر الإمكان، والأساليب التي اقترحها «دي بوفوار» لمُكافحة الخصائص الطبيعيّة والبيولوجيّة عند

(310)

النساء هي التالي: عدم القبول بأدوار الأمومة، وتربية الأبناء بصورةٍ جماعيّةٍ، والقضاء على موانع الإجهاض، وتنظيم الإنجاب.[1]

وبعد سنوات تلت «دي بوفوار»، اعتبر «فايرستون» استمرارًا لنهج «دي بوفوار» بأنّ الطبيعةَ ظالمةٌ وبأنّ جسد المرأة هو منشأ الدونيّة؛ ولكن مع الالتفات إلى التطوّرات التي وقعت في التكنولوجيا، أعلن بأنّه يجب الذهاب إلى الحرب لمواجهة الطبيعة الأنثويّة بمساعدة التكنولوجيا (الأمومة التجريبيّة، وخصوبة الرجال و...)[2]، وهنا يطرح السؤال التالي: هل يُمكن نسب الظلم إلى الطبيعة واعتبار الطبيعة ظالمة؟ وهل يُمكن للطبيعة بنفسها ومن تلقاء نفسها أن تكون منشأً للظُلم؟ وفي هذه الحالة لماذا كانت الطبيعة على صراعٍ دائمٍ مع النساء، وفي المقابل تقف في صفّ الرجال؟ فهل هناك ضرورةٌ في هذا المقام؟ وفي هذه الحالة هل يُمكن الهروب من المُتطلّبات الأساسيّة والضروريّة الطبيعيّة؟

ويعود هذا الاعتقاد النسويّ بشكلٍ مباشرٍ إلى مبادئ الإلحاد وإبتعاد الثقافة الغربيّة عن الدين التي ترى الطبيعة تخلو عن إرادة الخالق الحكيم، ولذلك لا يرون أيّ هدفٍ أو حكمةٍ من وراء ذلك، وبالتالي لا يعتقدون بأيّ قدسيّةٍ أو أصالةٍ للقوانين الطبيعيّة؛ في حين أنَّ النظرة الكونيّة التوحيديّة والهادفة والحكيمة، والإرادة المودعة من قبل الله بإمكانها أن تُبرّر هذه الاختلافات، ومن هذا المنطلق نجد

(311)

بأنّه حتّى النسويّات المرتبطات بالدين إلى حدّ ما أمثال النسويّات الإنجيليّات أو المعتقدات بأصالة المرأة وأصالة الأسرة، يعتقدن بأنَّ الاختلافات التي تتمتّع بها النساء ومنها الأمومة هي أمرٌ مُقدّسٌ، ومن خلال دراسة مبادئ النظرة الكونيّة التوحيديّة الحاكمة على الاختلافات وتأثير الحكمة ومرتبة الاختلافات في نظام الخلقة، تُبرز تأثير الأسس الإلحاديّة الغربيّة في التعاليم النسويّة بصورةٍ أفضل.

حكمة الاختلافات هي التناسب لا النقص والكمال

في النظرة الكونيّة التوحيديّة، هناك هدفٌ للخلقة والطبيعة وهما تتحرّكان باتّجاه الحكمة والإرادة الإلهيّة، قال تعالى:

(رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ)[1].

ففي هذا النظام الحكيم كلّ اختلاف نُشاهده في الطبيعة، يكون في ظلّ إرادة الخالق وحكمته، فهذه الاختلافات هي من جماليّات وإبداعات نظام الخلقة التي جَهّزت كلّ واحدٍ من الموجودات بما يرفع احتياجاته المختلفة وِفقًا لنوع نشاطه، قال تعالى:

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا)[2].

وقال عزّ من قائل:

(نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا)[3].

(312)

ولذلك كانت الاختلافات في النظرة الكونيّة التوحيديّة ومن ضمنها الاختلاف بين الناس من باب الحكمة، وأكبر حكمةٍ لها هي بناء العلاقات على أساس الاحتياجات المتبادلة، يقول المُفكّر الإسلامي الكبير سماحة آية الله جوادي الآملي في باب حكمة الاختلافات:

لو أنّ الجميع كانوا في مرتبةٍ واحدةٍ من الإمكانيّات وفي مرتبةٍ واحدةٍ من القوّة فسوف يتلاشى نظام الوجود؛ لأنّ الأعمال متنوّعةٌ، والأعمال المتنوّعة تحتاج لإمكانيّاتٍ مختلفةٍ...؛ لذلك كانت الاختلافات من أجل أن تُسخّر مجموعةٌ مجموعةً أخرى بنحوٍ متبادلٍ وثنائي الطرف، ولا يحقّ لأحدٍ أن يُسخّر الآخرين تحت أمرته دون أن يكون مُسخّرًا نفسه، فلا يمكن لفردٍ بسبب امتلاكه السلطة والإمكانات الاستعداديّة وغيرها أن يُطالب بتسخيرٍ أُحادي الطرف، بل يجب أن يكون التسخير والخدمة متبادلة وثنائيّة الطرف؛ كي يُدار النظام بأفضل وجهٍ.[1]

وأمّا فيما يتعلق بالمرأة والرجل فإنَّ هذه الاختلافات أساسيّةٌ أكثر ومؤثّرة بنحوٍ أكبر طبعًا، فالاختلافات بين الجنسين تُمثّل تلبيةً لمجموعةٍ من الاحتياجات المتبادلة وفي الاتجاهين ممّا يُؤدّي إلى الانجذاب المُتبادل والتعاطف والارتباط والسكينة والطمأنينة، وفي النتيجة يُؤدّي ذلك إلى تشكيل الوحدة الأساسيّة للمجتمع أي الأسرة، قال تعالى:

(313)

(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِنْ نَفسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا)[1].

وقال عزّ وجلّ:

(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)[2].

وقال عزّ وجلّ:

(هُنَّ لِبَاسٌ لكُم وَأَنتُم لِبَاس لَّهُنَّ)[3]

وبناءً على التعاليم المتينة المذكورة أعلاه، طرح العلماء المسلمون نظريّة كون كلّ جنسٍ مكمّلًا للآخر؛ وبهذه الطريقة أصبحت الاختلافات الموجودة سببًا ـ بالإضافة إلى حصول الإنجذاب المتبادل ـ في أن يستفيد الإنسان من نعمة المواهب الطبيعيّة التي للطرف الآخر من خلال إرتباطه بالجنس المُكمّل (لا المقابل).[4]

وخلافًا للنسويّات اللواتي يرين بأنّ الاختلافات التي بين الجنسين تُمثّل سببًا لدونيّة النساء، فسعين لمحوها أو اعتبروها

(314)

معيارًا لعلوّ المرأة، فكانوا تائهين دائمًا بين الإفراط والتفريط، وُجدت الاختلافات الطبيعيّة في النظرة الكونيّة الإسلاميّة فقط من أجل حصول العلاقة والارتباط بين الطرفين، ولا يُمكن بل لا ينبغي أن تكون معيارًا للقيمة.

يقول الشهيد مطهري حول هذا الأمر:

«ما الداعي إلى اعتبار الاختلافات بين المرأة والرجل على أنَّها نقصٌ في طرفٍ وكمالٌ في طرفٍ آخر، بحيث نُجبَر على أن نأخذ جانب الرجل أحيانًا أو نأخذ جانب المرأة أحيانًا أخرى...، إنّ اختلافات المرأة والرجل هوتوازنٌ لا نقصٌ ولا كمالٌ، وهدف قانون الخلقة من هذه الاختلافات هو تحقيق توازنٍ أعلى بين المرأة والرجل الذين خُلاقا حتمًا من أجل حياةٍ مشتركةٍ»[1].

وبعبارةٍ أخرى كما أنَّ ضعف قوّة الناظرة لدى الإنسان مقارنةً بالنسر لا يُعتبر نقصاً في الإنسان، كذلك لا يجب اعتبار الاختلاف الطبيعي بين المرأة والرجل تفوّقًا لطرفٍ وعيبًا في الآخر.[2]

ومن هذا المنطلق نجد أنّ الله أوصى النساء والرجال أن لا يتمنّوا المکانة الخاصّة بالجنس المقابل، قال تعالى:

(وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ

(315)

مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا)[1].

وخلافًا للثقافة السائدة في الثقافة الغربيّة التي تعتبر الرجل مبدأً للإنسانيّة، ولا ترى المرأة إلّا تابعًا وفي المرتبة الثانية، وترى من ناحيةٍ أخرى بأنّ الجنسين في عداد الأضداد، يعتبر الإسلام بشكلٍ صريحٍ وقاطعٍ بأنَّ الهويّة الإنسانيّة للمرأة والرجل مُتّحدة[2]، ويعتبرهما متساويان في نيل الكمالات والقيم الإنسانيّة.[3]

ثانيًا: (كما ذُكر سابقًا) ففي النظرة الكونيّة التوحيديّة في الإسلام، قامت الإرادة الحكيمة الحاكمة على الطبيعة بجعل قسمٍ من هذه الاختلافات التكوينيّة بين الجنسين من أجل انتظام المجتمع الإنساني، ولذلك في الإسلام لا يقتصر الأمر على عدم إنكار هذه الاختلافات ولا يقتصر على عدم اعتبارها منشأ للظلم وحاكيةً عن توجّهٍ معادٍ من قبل الطبيعة تجاه النساء وحسب، بل يُؤكّد ضمن اعتقاده وتقبّله لهذه الاختلافات على كونها لحكمةٍ وغايةٍ.

(316)

ثالثًا: هناك اختلاف تامٌّ بين الفكر الإسلامي والغربي فيما يتعلّق بنظام القِيم الحاكم على الاختلافات بين الجنسين، فخلافًا للتعامل التحقيري من جانب الثقافة الغربيّة نحو خصائص النساء المُختلفة عن الرجل، لا يعتبر الفكر الإسلامي أيّاً من الجنسين أعلى وأكمل من الآخر بسبب هذه الاختلافات، قال تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ).[1]

(317)

رابعًا: خلافًا لأساليب الحلّ التي اقترحتها النسويّات المُبتنية على تجاهل الاختلافات الجنسيّة وضرورة تعامل القانون بشكلٍ واحدٍ ومُتشابهٍ مع كلٍّ من النساء والرجال، نجد أنّه في النظرة الكونيّة الإسلاميّة هناك علاقةُ تأثيرٍ بين الطبيعة والقانون (انسجامٌ بين التكوين والتشريع)، وبعبارة أخرى: تتبع الخصائص الطبيعيّة أحكامٌ خاصّةٌ.[1]

(318)

وبذلك، في النظرة الكونيّة التوحيدية وفي ظلّ تعاليمها المتعالية في نظرتها تجاه الاختلاف بين الجنسين (الاشتراك في الحقيقة الإنسانيّة إلى جانب الاختلاف الجنسي، وتعريف الاختلافات باعتبارها عاملًا للتوازن لا للنقص أو الكمال، وتجنب إضفاء أيّ قيمةٍ للجنس وأمثال ذلك) لا نواجه الحائط المسدود الذي واجه النسويّات والذي جرّها إلى نفي الاختلافات وإنكارها (الإنسان درجةٌ ثانيةٌ بعد كونه امرأة، واختلاف عامل الدونيّة والتحقير، والاختلافات غير محددة وبالتالي إنكارها و...).

وكما هو ملاحظ، فإنَّ أغلب مشاكل النسويّة في مبحث المساواة والاختلاف وهو مبحثٌ أساسي ومفتاحي تعود بنحوٍ عميقٍ إلى الأُسس الفكريّة والخلفيّة النظريّة للماديّة والإلحاديّة، وإلى المشاكل التي أوجدها العقل البشري بسبب انقطاعه عن الحكمة السماويّة.

نقد نتائج النسويّة

إنَّ دراسة تَبِعات وآثار ونتائج التيّارات الاجتماعيّة هي أحد أهمّ الأساليب لنقد أيّ تيّار، فنتائج حركة ونظريّة النسويّة هي محلّ دراسةٍ وبحثٍ وتقييمٍ من قبل المُفكّرين والخبراء الغربيّين والشرقيّين.

(319)

والمراد من نتائج النسويّة هو التغييرات التي تُنسب للنسويّة بعد تشكّلها في نمط الحياة الفرديّة، الأُسريّة، والاجتماعيّة للنساء ونسبت إلى النسويّة.

نظرة مختلفة إلى نتائج النسويّة

لنتائج النسويّة انعكاسات مختلفة في وجهات النظر وفي تحليلات الخبراء، وهذا الأمر يعود بشكلٍ مُباشرٍ إلى الآراء المختلفة للمحلّلين فيما يتعلّق بحقيقة النسويّة ومكانتها في الغرب. فمن وجهة نظرٍ تُعتبر النسويّة أحد أصخب الحركات الاجتماعيّة والفكريّة في العالم خلال القرن العشرين؛ بحيث إنّ العديد من التحوّلات الاجتماعيّة والسياسيّة والحقوقية في وضع النساء في المجتمعات المختلفة يُمكن تُعتبر للوهلة الأولى ناشئةً عن هذه الحركة، فحضور النساء في المجالات العامّة بصورٍ مُختلفةٍ ومنها العمل في المجال الاقتصادي وفي الفئات المختلفة من المناصب الحكوميّة وحقّ التصويت والمشاركة في البرلمان والسلطة القضائيّة والتمتّع بالحقوق المدنيّة وأمثال ذلك تُعتبر من ضمن هذه التغييرات.[1]

يقول «روث سيدل»: اليوم ونتيجةً للحركة النسويّة، دخلت النساء أكثر من قبل إلى الجامعات والمراكز الدراسيّة؛ ونلاحظ زيادةً في أعداد النساء العاملات وفي مقدار دخل المُتخصّصات؛ ومن خلال إثباتهنّ لقُدرتهنَّ على إنجاز المهام المختلفة أصبحنَ

(320)

مقبولات ومُعتمدات من قبل الرجال أكثر من ذي قبل؛ كما أنّه وبسبب تدفّق تيّار النسويّة أصبحت النساء قادراتٍ على المحافظة والسيطرة على أجسادهنّ وأصبح بإمكانهنّ تنظيم الإنجاب؛ والأهمّ من ذلك كلّه أنَّ النساء رأينَ بأنّ عليهنَّ أخذ دورهنّ بجدّيّةٍ أعلى وأنّه عليهن أن يعتمدنَ على أنفسهنّ بدلًا من اكتساب هويتهنَّ من خلال الارتباط بالرجال[1]، ويُؤكّد «روث سيدل» على أنّه بوجود كافّة هذه التغييرات يجب أن تتحقّق تطوراتٌ وتغييراتٌ عديدةٌ ضمن مجال مصالح النساء أيضًا.[2]

مضافًا إلى الآراء المذكورة التي نظرت بنحوٍ إيجابيٍّ تجاه التغييرات التي طالت حياة النساء في العقود الأخيرة، توجد وجهات نظرٍ أخرى تُحلّل آثار النسويّة بنهجٍ نقديٍّ.

يعتبر البروفيسور «بورك» بأنّ النسويّة المُتطرّفة هي أكثر الحركات تخريبًا وتخلّفًا، حيث إنّها تُخالف بشدّةٍ وبروحٍ مستبدّةٍ كافّة القِيم والتقاليد، وتُطالب تجديد كلّ القِيم الأخلاقيّة والاجتماعيّة بل تُخالف حتّى الطبيعة البشريّة.[3]

ويرى «بورك» بأنّ النسويّة فرضت على النساء مشاكل جديدة

(321)

دون أن تمنحهنّ قيمةً مُضافةً[1]، وكانت سببًا في الارتباك وحصول استياءٍ كاذبٍ لدى النساء في عصرنا الحالي.[2]

ويعتبر «نيكولاس ديفيدسون» كذلك بأنّ النسويّة ثورة قصيرة النظر وليست إلّا نتيج للتعصّب المُتطرّف الذي حصل في الستينات، ورغم أنّه كان لها دورٌ فعّالٌ في فتح أبواب العمل والتحصيل العلمي والرياضة للنساء، إلّا أنّها خلقت من نواحٍ أخرى العديد من المشاكل؛ فعلى سبيل المثال أدّى تشجيع النسويّة للنساء على المشاركة في المجال الاجتماعي إلى حرمانهنّ من مزايا البيت والأسرة، كما أنّ الضغط النفسي الناجم عن منافسة الرجال، أدّى إلى زيادة الأمراض الجسديّة والروحيّة لدى النساء، كما أدّت النظريّات والأفكار النسويّة إلى تصعيب أي نحوٍ من العلاقات بين المرأة والرجل.[3]

وممّا يجدر مُلاحظته انعكاس نتائج النسويّة في الكتابات

(322)

لغربيّة، حيث أصبحت المشاكل التي واجهت النساء على إثر ترويج المذاهب النسويّة فيما يتعلّق بالزواج والأمومة وجعلتهنَّ يسعينَ إلى العمل وتحقيق مناصب مُهمّة، محورًا لهذه الانتقادات، فقد كتبت الـ«نيويورك تايمز»: النساء بدون أطفال مُكتئباتٌ وشارداتُ الذهن ويتزايد عددهنّ يومًا بعد يوم، وكتبت الـ «نيوزويك» أيضًا: تُعني النساء من التوتّر ومن أزمةٍ عميقةٍ تعود إلى عدم الثقة بالنفس؛ وقد جاء في بعض نُصوص علم النفس: تعاني النساء ذوات المناصب العليا من شيوع أعراضٍ غير مسبوقةٍ حيث تُعانين من اضطراباتٍ عاطفيّةٍ وتساقطِ الشعر كما تُعانين من اضطراباتٍ عصبيّةٍ وشرب الكحول بل من نوباتٍ قلبيّةٍ حتّى؛ وجاء أيضًا: يُشير بقاء النساء المُستقلّات عازباتٍ في هذه الأيّام إلى أعراض اضطراب عصبيٍّ كبيرٍ؛ وكتبت مجلّة «ناشيونال ريفيو» في إحدى مقالاتها ما يلي: إنّ حريّة النساء للتعويض عن فسادها وبؤسها منحت جيلنا [من الفتيات] أُجورًا أعلى وسجائر خاصّة للنساء وسماحًا بأن يكون لهنَّ أطفالًا بلا زوجٍ، وحُريّة جنسيّةً...؛ وفي المقابل سُرِق منّا السبب الأساسي لسعادة النساء أي الرجل.[1]

وكذلك كان هناك بعض النساء اللواتي كنَّ هنّ أنفسهنّ من النسويّات لفترةٍ، فقيّمنَ عواقب النسويّة بالنحو التالي: تقول «إليزابيث ميهرن» الكاتبة في مجلّة «لوس أنجلوس تايمز»: قُطع رأس نسلنا كالقرابين في سبيل حركة النساء، وقد خُدعت النساء

(323)

الساذجات من أمثالي بالنسويّة، ونقرأ في مجلّةٍ أُخرى: ‌«لقد أدّت ‌[‌حركة النساء] إلى فقدان الموقعيّة الموجودة بدلًا من أن تنال موقعيّات جديدة»[1]، وأخيرًا نجد بأنّ «فيت ويلسي» المتحدثة باسم البيت الأبيض في زمن رئاسة «ريغان» الرئيس الجمهوري تقول في محاضرتها بعنوان «النسويّة التقدّميّة في حال تراجع»: إنّ النسويّة عبارةٌ عن لباسٍ كلباس المجانين الذي يُكبّلهم ويُذلّهم.[2]

ملاحظات حول ضرورة البحث الدقيق للنتائج

للحصول على صورةٍ واضحةٍ وواقعيّةٍ عن الآراء المُختلفة الموجودة حول موضوع آثار النسويّة ونتائجها على الحياة بشكلٍ خاصٍّ وعلى المجتمع الغربي بشكلٍ عامٍّ، نرى بأنّه من الضروري الالتفات إلى القضايا التالية عند دراسة نتائج النسويّة.

التفكيك بين النتائج الإيجابيّة وبين النتائج السلبيّة

كخطوةٍ أولى، من الضروري بحث هذه المسألة وهي أنّه إلى أيّ حدٍّ تمكّن كلٌّ من التعاليم النسويّة والنضال النسوي من رفع المرأة من الموقعيّة الدونيّة إلى موقعيةٍ مقبولةٍ أكثر، والأمر الآخر: هل يستتبع التعاليم والأنشطة النسويّة نتائج غير مرغوب فيها؟ وفي هذه الحالة، ما هي هذه الآثار؟ وبأي شريحةٍ من المجتمع تتعلّق (بالمرأة أم بالرجل أم الأبناء)؟

(324)

وكذلك من الضروريّ عند تحديد النتائج الإيجابيّة والسلبيّة وتميزهما عن بعضهما البعض الالتفات إلى هذه المسألة، وهي أنَّه لا ينبغي تحليل النتائج الإيجابيّة أو السلبيّة بشكلٍ جُزئيٍّ وانتزاعيٍّ أبداً[1]، بل يجب الالتفات بدقّةٍ إلى النتائج والآثار الجانبيّة لكلّ واحدةٍ من الإنجازات التي تبدو في الظاهر ذات طابعٍ إيجابيٍّ، وأن لا يُقتصر النظر على الحياة الفرديّة للنساء، بل ينبغي أن نُلاحظ حياتهنَّ الأُسريّة والاجتماعيّة، كما لا ينبغي أن يقتصر النظر على حياة النساء وحسب، بل ينبغي أن نُلاحظ حياة جميع شرائح المجتمع بما يشمل النساء والرجال والأطفال.

فعلى سبيل المثال: من أهم الإنجازات والنتائج الإيجابيّة التي تُنسب إلى النسويّة هي فتح باب سوق العمل على مصراعيه، ورفع العوائق التي تمنع من عمل النساء، وفي النتيجة استقلالهنّ من الناحية الاقتصاديّة، لكن بناءً لاعتقاد العديد من أصحاب الرأي، إنّ هذه النتائج الإيجابّية المذكورة أدّت إلى مشاكل ومصاعب مختلفة جديدة.

فقد وضّحت «جيرمين غرير» ـ التي كانت من قادة النسويّة في إحدى الحقبات ـ في كتابها المرأة الكاملة (1999 م) عند شرحها لتداعيات النسويّة ما يلي: إنَّ الحريّات التي حقّقتها النسويّة للنساء، أدّت إلى تحرّر الرجل من التزاماته الأُسريّة تجاه الزوجة والأبناء، وخصوصًا توفير نفقات الأُسرة: فالرجل اليوم يطلب حياةً بلا

(325)

مسؤوليّةٍ، أمّا النساء فقد تُركنَ ليواجهنَ كمّاً من المشاكل الاقتصاديّة وحيداتٍ، بحيث إنّ مسألة تأنيث الفقر[1] تحولت إلى مسألةٍ مثيرةٍ للجدل في العالم الغربي.[2]

هذا وقد دونت «مارلين فرينش» ـ وهي كاتبةٌ نسويّةٌ ـ في كتابها الحرب ضدّ النساء ما يلي: بناءً للإحصائيّات، فإنّ اثنين وعشرين مليون امرأة من نساء أمريكا تعتمد على أزواجهنَّ، وتُشير التقارير إلى أنّ هذه الفئة من النساء رغم أنهنَّ لا يمتلكن عملًا ولم يعملن لسنواتٍ إلّا أنّهنّ الوحيدات غير الفقيرات.[3]

كما نُلاحظ فإنَّ بعض القضايا التي عُدّت ضمن الإنجازات الإيجابيّة من قبل بعض الأفراد، كانت محلّ انتقادٍ من مجموعةٍ أخرى، وهذا الأمر صادقٌ أيضًا من زاويةٍ أخرى، يعني: من الممكن أن تُعدّ بعض المسائل ضمن التداعيات السلبيّة، ومن زاويةٍ أخرى يُمكن الدفاع عنها وتقيمها تقييمًا إيجابيّاً؛ فعلى سبيل المثال: تُعدّ زيادة نسبة الطلاق وفق الإحصائيّات من التداعيات السلبيّة للنسويّة، في حين أنَّ البعض يعتقد بأنّ النساء وبفضل إصلاح القوانين تمكّنّ من تحرير أنفسهنّ من ضغوطات الحياة وظروفها غير المرغوبة مع

(326)

أحد الرجال، وذلك يُعتبر أمرًا حسنًا ولا يجب اعتبار الإحصائيّات التي تُشير إلى زيادة نسبة الطلاق ظاهرةً سلبيّةً بشكلٍ تامٍّ.

تمييز النتائج الحقيقيّة للنسويّة

إنّ المسألة المهمّة جدًا عند تحليل نتائج النسويّة، هي التعرّض لهذا السؤال: لو أنّ النسويّة لم تظهر في المجتمعات الغربيّة فهل كان سيحصل ما يُنسب الآن كنتيجة للنسويّة؟ وهل التغييرات التي نشهدها اليوم في حياة النساء معلولةٌ للنسويّة فقط؟ وعلى فرض وجود عوامل أخرى مُؤثّرة في تحوّل مسار حياة النساء، فما هي هذه العوامل؟ وكيف أثّرت هذه العوامل وبأيّ مقدار، وفي ضمن ذلك ما هو دور الأنشطة النسويّة؟

يعتقد بعض المنتقدين بأنّ الرفاهية النسبيّة الحاكمة على حياة النساء في هذه الأيّام، وبأنّ تمتّع النساء بحريّاتٍ أكثر كانت قد حُرمت منها الأجيال السابقة، ليست كما تدعيه النسويّات فهي ليست معلولةً للنسويّة، بل معلولةٌ للتغييرات الاقتصاديّة والاجتماعيّة العظيمة التي أحدثت تغييراتٍ غير مسبوقةٍ في كافّة أبعاد الحياة الفرديّة والاجتماعيّة وزاوياها بالنسبة للرجال والنساء في القرون الأخيرة في الغرب، ويعتقد البروفيسور «روبرت بورك» بأنّه رغم أنّ النسويّات يُطالبن بالفضل على كافّة التغييرات الإيجابيّة التي حصلت في حياة النساء، ولكن الفضل لا يعود للنسويّات في انتصارات النساء وتطوراهنَّ وخاصّة التي حصلت في النصف الثاني من القرن العشرين، ويعتقد بأنَّ التطورات الحاصلة اليوم في

(327)

حياة النساء معلولةٌ للتطور التكنولوجي فقط، ومن خلال المقارنة مع وضع حياة النساء في الأجيال السابقة وانشغالهم ليلًا ونهارًا في مهام البيت وتربية الأبناء، يستنتج النتيجة التالية: إنّ الذي حرّر النساء اليوم من أداء الأعمال الصعبة التي تستهلك وقتًا، بحيث هيّأ الأرضيّة لحضورهنَّ في المجالات الاجتماعيّة والاقتصاديّة والثقافيّة، هو التطور التكنولوجي فقط.[1]

وقد صرّح «نيكولاس ديفيدسون» كذلك بما يلي: «إنَّ انتعاش حياة النساء (والرجال) الأميريكيّين في المئة عام الماضية، يعود إلى التطوّر الاقتصادي في الأساس، وليس إلى الأنشطة الاجتماعيّة، وكلّ ما قامت به النسويّة في القرن الماضي من أجل النساء، لا يصل إلى حجم قيمة اختراع آلة غسيل الملابس».[2]

ورغم أنَّ «ديفيدسون يضيف» قائلًا: «لا ينبغي تجاهل بعض فوائد النسويّة»[3]، ورغم أنّ «بورك» هو الآخر يعتبر أنَّ اكتساب حقوقٍ كحقّ التصويت وحقّ مِلكيّة الأرض من إنجازات مواجهات النسويّات الأوائل، ولكن مع ذلك[4]، هناك نظريّاتٌ أخرى تُقيّم دور النسويّة والمواجهات

(328)

التي قامت بها النسويّات من أجل اكتساب مثل هذه الحقوق بأنّها باهتةٌ وبلا قيمةٍ؛ وكنموذجٍ على ذلك، يعتبر بعض المحلّلين بأنَّ تحلّي المرأة بحقوق المواطنة هي مِن تبعات وتعاليم وتطوّر الليبراليّة.

ومن وجهة النظر هذه، اعتبرت الليبراليّة في مراحلها الأولى بأنّ جميع البشر ـ من الناحية النظريّة ـ يمتلكون حقوقًا طبيعيّةً، ولكن جعلت ـ من الناحية العمليّة ـ فئةً واحدةً من الناس فقط (الرجال من أصحاب البشرة البيضاء من الأوروبيّين) تتمتّع بهذه الحقوق؛ ومع ذلك في السنوات التالية مع ظهور الإصلاحات في هذا المجال، سرت الحقوق الفرديّة والمواطنيّة و...، وتعمّمت إلى جميع الأقليّات لتشمل الأقليّات القوميّة والعرقيّة ومنها النساء (حيث عُدّت آنذاك من مصاديق الأقليّات)؛ ولذلك فإنَّ اكتساب النساء لحقوق المواطنيّة وأمثال ذلك، هو نتاج الإصلاحات والتطوير الذَيْن طالا الليبراليّة، ولا يجب اعتبارها أحداثًا منفصلةً عن الليبراليّة أو في عرضها أو مضادّةً لها؛ وكمثال على ذلك: خلافًا للنسويّات اللواتي سعين في وصفهنَّ وتحليلاتهنَّ إلى إبراز اكتساب النساء لحقّ التصويت على أنّها أحداثٌ ملحميّةٌ ومواجهاتٌ مليئةٌ بالمناوشات ـ فتمكّنت النساء عبرها من إجبار الرجال على التراجع واسترجعن حقوقهنّ من مخالب الرجال ـ يعتقد البعض بأنّ النساء حصلن على حقّ التصويت عندما منح ذوي السلطة حقّ التصويت لهنّ من أجل بعض الأهداف السياسيّة والاجتماعيّة[1]، أو أنّ الفُرص

(329)

الجديدة التي مُنحت للنساء كانت نتاجًا طبيعيّاً للتطوّر الصناعي، فحتّى لو لم تُطالب النساء بحقّ التصويت، كان [هذا الأمر] سيقع حتمًا؛ وحتّى لو كان من الممكن أن يكون نموّه أبطئ، إلّا أنَّه كان سيحصل بكلّ الأحوال.[1]

وإلى جانب هذا الرأي، هناك مسألةٌ تستحقّ التأمّل، وهي أنّه إذا كانت قُدرة تأثير النسويّة أقلّ من أن تكون منشأً للنتائج الإيجابيّة المذكورة، فمن الطبيعي أن تخرج القضايا التي تعتبر جزءً من التبعات السلبيّة للنسويّة من دائرة نفوذ النسويّة، وبالتالي ينبغي البحث عن عللٍ وأسبابٍ أخرى لها أو عدم اعتبار النسويّة علّةً تامّةً لها بل كعاملٍ واحدٍ إلى جانب العوامل الأخرى التي أدّت إلى ظهور الظروف غير المرغوبة المذكورة.

مقدار الفوائد التي حقّقتها نتائج النسويّة بالنسبة للنساء

هناك سؤالٌ آخر يُطرح في تتمّة السؤال المطروح سابقًا، وهو أنّ النسويّة هل هي حدثٌ يصبّ ضمن مصالح النساء؟ أم يُمكن البحث عن أهدافٍ أخرى وراء ترويج النسويّة مختبئةٍ خلف الستار؟

إنّ أفضل طريقةٍ للإجابة على هذا السؤال، هي دراسة التأثيرات التي خلّفتها النسويّة على كافّة الشرائح (الرجال والنساء

(330)

والأطفال) وعلى الصُعد المختلفة (الصعيد الاقتصادي والسياسي والاجتماعي ...) ثمّ ننظر أيّها حقّق المنفعة الأكبر؟

النسويّة، تيّارٌ يصبّ في مصلحة الرجال

لقد تمّ تعريف النسويّة في جزء من الانتقادات على أنّها تيّارٌ يصبّ في مصلحة الرجال وأهدافهم سواءً أكان ذلك عن وعيٍ وإدراكٍ أم لا؛ ومن جملة الشواهد التي اعتمد عليها المنتقدون من أجل إبراز ذُكوريّة تيّار النسويّة، هو احتقار الصفات والخصائص الأنثويّة التقليديّة التي طُرحت في الثقافة الغربيّة منذ القدم، فإنّ النسويّات نظرن إلى الصفات الأنثويّة بتحقيرٍ واستياء من خلال قبولهم بحقارتها ودونيّتها.[1]

لقد طالبن بشعارات الرجال وحقوقهم للنساء، وعلى حدّ قول «يتيس»[2]: يبتني فهم النسويّات على أن طريق الرجولة هو طريقٌ صحيحٌ[3]، والمنتقدون لهذا الرأي، يرون بأنّ النسويّة مشت خطوةً

(331)

باتجاه تعزيز طموحات وخصائص الرجال، من خلال وضعها الرجل أنموذجًا للنساء.

وكذلك الأمر بالنسبة لشعار المساواة في الحقوق، حيث أدّى في العديد من المواطن إلى سلب المسؤوليّات الثقيلة عن كاهل الرجال؛ وكما أنّ التقارير تُشير إلى أنّ حقّ الحريّة الجنسيّة للنساء والذي سعت خلفه النسويّات، تبعه منافع وفوائد للرجال.[1]

هذا النحو من المسائل جعل بعض المنتقدين يُعلّق على هذا الرأي قائلًا: «عادةً ما تنظنّ النساء الغربيّات وباقي الأمم التي أيدت النسويّة بأنّهن أحرارٌ ويمتلكن القوّة ومستقلّات وبأنّ الرجال يخشينهنّ و...؛ [في حين] أنَّ حقيقة المسألة مختلفةٌ عن هذه الاستنتاجات...‌، إنّ الرجال هم صناع السياسة الوحيدون في الساحة الفكريّة ومجال العمل في الغرب وباقي الدول التابعة له، وقد ظهرت النسويّة بمساعدةٍ من الرجال واستمرّت بقواهم ومساعدتهم؛ وإلى الآن يتحقّق تغيير مسارها بواسطة الرجال».[2]

النسويّة، تيّارٌ يصبّ في صالح الرأسماليّة

تُذكر النسويّة أحيانًا باعتبارها تيّارًا يهدف إلى تأمين فوائد للرأسماليّة[3]، فقد تبع الثورة الصناعيّة والنظام الرأسمالي تبدلاتٍ

(332)

وتغييراتٍ أساسيّة في مجالات الحياة المختلفة في الغرب[1]، وأحدها دخول النساء إلى سوق العمل، فعمل النساء وحضورهنّ الواسع في الأنشطة الاقتصاديّة طرح قضايا جديدة متعلقة بالمرأة والأسرة والمجتمع، وضيّقت المجال على الثقافات والعادات والآداب والتقاليد المُسيطرة على العلاقات بين المرأة والرجل ضمن الأسرة.

ففي الظروف التي تتمتّع المرأة كالرجل بالقوّة الاقتصاديّة، فإنّ الاعتقاد القديم المبني على أنّ طاعة المرأة للرجل بسبب دوره في تأمين لقمة العيش للمرأة لن يبقى منطقيّا بعد هذا؛ وكذلك مع وجود المرأة في العمل خارج المنزل إلى جوار الرجل، لم يعد من المُبرّر عدم مساهمة الرجل في المهام المنزليّة كما كان مبررًا في السابق[2].

ويُقال: إنَّه مع الظروف الجديدة التي أصبحت مسيطرةً على جوانب الحياة بعد الثورة الصناعيّة، لا تملك المعتقدات القديمة المسيطرة على الأسرة التي يُشكّل النظام الأبوي نواتها، القدرة على الاستجابة للظروف الجديدة، وأصبح النظام الرأسمالي بحاجةٍ إلى تعاليم تستطيع التناغم مع الظروف الجديد من أجل أن يُحافظ على ذاته، وفي هذه الأثناء، جاءت النسويّة التي قامت بالتشكيك بالأنظمة السابقة وبتعريف الحقوق والأدوار الجديدة للنساء، فحلّت العقدة التي تواجه الرأسماليّة؛ بحيث إنّه على الرغم من تبعات النسويّة التي

(333)

كانت مُضرّةً للنساء تارةً وللرجال تارةً أخرى، وأحيانًا تنتهي بالإضرار بكلا الطرفين، ولكن بكلّ الأحوال تُؤمّن أهداف النظام الرأسمالي ومصالحه.[1]

النسويّة تيّارٌ يصبّ في مصلحة السياسيّين

يُقال أحيانًا بأنّ النسويّة خلافًا لظاهرها الذي تبدو فيه كتيّارٍ يصبّ في مصلحة النساء، عبارةٍ عن أداةٍ‌ سياسيّةٍ قبل أيّ شيءٍ يستخدمها السيّاسيّون وأهل الدولة لتحقيق الأهداف السياسيّة وخاصّة من أجل النهوض بمشروع العولمة، فاليوم في مشروع العولمة يتمّ التركيز على ثلاثة محاور مهمّةٍ من الإصلاحات الاقتصاديّة (مع التركيز على التجارة الحرّة)، والإصلاحات السياسيّة (مع محوريّة الديموقراطيّة الغربيّة) وإصلاح وضع النساء (مع التركيز على المساواة والقضاء على الحدود الأخلاقيّة بين المرأة والرجل)، وبما أنّه للنساء دورٌ كبيرٌ جدًا في ثقافة المجتمعات وانتقالها إلى الأجيال اللاحقة، لذا فإنّ التطابق الثقافي بين نساء العالم اليوم يُعتبر خطوةً مهمّةً باتّجاه

(334)

التطابق العالمي والعالميّة؛ ومن هذا المنطلق تُروّج معتقدات النسويّة باعتبارها نموذجًا لنساء العالم بواسطة مراكز القوّة والسياسة.[1]

ومن الأهداف المختبئة خلف الستار لترويج النسويّة محاربة الأصولية، فقد طرحت مجلّة «الإيكونميست» سنة 1994 م ثلاث اقتراحاتٍ للسيطرة على الأصوليّة وأحد هذه الاقتراحات إزالة المبادئ الأصوليّة المسيطرة على العلاقات بين المرأة والرجل واستبدالها بمبادئ نسويّة بعنوانها مبادئ تطالب بالحريّة والعدالة.[2]

وكذلك يعتبر «كاستليس» بأنّ أهمّ عاملٍ لنموّ الأصوليّة المسيحيّة في الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين هو ردّة الفعل تجاه النظام الأبوي في التيّارات النسويّة.[3]

دراسة نقديّة لنتائج النسويّة

فيما يلي إنجازات ونتائج النسويّة مع غضّ النظر عن نقده وتقييمه:

1- المشاركة الواسعة من قبل النساء في اتّخاذ القرارات الاجتماعيّة والسياسيّة على المستوى الكلّي والجزئي.

(335)

2- اكتساب النساء للاستقلال الاقتصادي.

3- اكتساب حسّ الثقة للدخول في مجالات السُلطة والاقتصاد والسياسة.

4 التشكيك في العديد من المعتقدات التقليديّة المتعلّقة بالنساء، وإقناع القادة والمُفكّرين بإعادة النظر في معتقداتهم.[1]

5- تقليل المسافة بين الجنسين في البيت والمجتمع.

6- حصول النساء على حقّ تحديد النسل والإجهاض والحريّة الجنسيّة.

7- التشكيك في شكل الأسرة التقليديّة وطرح أنماط جديدة للأسرة.

8- سريان القانون ونفوذ الحكومة إلى المجال الخاصّ.

9- رفع الموانع عن عمل المرأة.

10- إحداث مشاكل اقتصاديّة جديدة للنساء.

11- نُشوء حسّ التنافس والعداء بين الجنسين.

12- ظهور فراغ في الشخصيّة وحصول أزمة هويّة لدى النساء.

13- شيوع العنف والجرائم لدى النساء و... .[2]

(336)

14- وسوف نتناول في يلي نقد وتقييم أهمّ نتائج النسويّة التي ذُكرت أعلاه من خلال إدراج النتائج المذكورة تحت محوري «اضطراب هويّة المرأة» و«أزمة الأسرة».

اضطراب هوية المرأة

يرى «كاستليس» بأنَّ جوهر الحركة النسويّة هو إعادة تعريف هويّة المرأة[1]، ويعتقد بما يلي: «إنّ الأمر الذي قامت الحركة النسويّة من أجل رفضه، هو الهويّة التي قدمّها الرجال عن النساء، والتي تمّ تقديسها في عوائل النظام الأبوي»[2]، ومن ناحيةٍ أخرى تعود العديد من الانتقادات التي ترد على النسويّة إلى هذه القضيّة وهي رفض هويّة المرأة في النسويّة، وسعي النسويّات إلى طرح تعريفٍ جديدٍ لهويّة المرأة.

والمُراد من هويّة المرأة، هو التصوير والإحساس الذي تتصوّره المرأة وتشعر به في كونها امرأة، والتوقّعات التي تُحدّدها لنفسها باعتبارها امرأة.[3]

إنّ فصل الجنس (الاختلافات الحيويّة والبيولوجيّة) عن

(337)

الجنوسة (اختلافات الجنسين من ناحية السلوك وردّات الفعل والقدرات والصفات والأدوار) واعتبار الجنوسة الأنثويّة[1] أمرًا ليس بأصيل ومصطنع، يُعدّ أهمّ خطوةٍ قامت بها النسويّات في سبيل إلى إنكار الهويّة الجنسيّة.

وفي هذا السياق سعت النسويّات بجدٍّ إلى إزالة الاختلافات من خلال مكافحة الأدوار المبنيّة على الجنس، والتعامل المبني على أساس الجنس، والحقوق المبنيّة على اختلافات الجنس وأمثال ذلك، بل أنشأت مُؤسّساتٍ تُعنى بهذا الأمر.[2]

وهكذا، فرغّت النسويّة مفهوم المرأة عن جميع الصفات والخصائص والأدوار التي نُسبت لها بشكلٍ تقليديٍّ وبدلًا من ذلك طَرحت قيمًا وحقوقًا وأدوارًا ذُكوريّةً باعتبارها الوضع المطلوب والغاية التي يسعى إليها النساء[3]، في الحقيقة، هُم قدّموا الرجالَ بذلك كنموذجٍ تحتذي به النساء واستبدلوا «الهويّة النسائيّة» بالـ «الهويّة الذكوريّة».

إنَّ إنكار الهويّة النسائيّة ووضع جنسٍ معيّنٍ (الرجال) كنموذجٍ للجنس الآخر (النساء)، كان له آثارٌ ونتائج على كلٍّ من الجنسين والأسرة والمجتمع، وهو الأمر الذي انتقاده من قبل الناقدين من

(338)

زوايا مُتعدّدةٍ:

الأولى: أنَّ إنكار أو تجاهل الاختلافات الحقيقيّة بين الجنسين، لا يزيل الاختلافات الحقيقيّة؛ ولذلك سوف يكون لهذه الاختلافات الطبيعيّة أثرًا على حياة النساء، وسعي الفرد أو المجتمع لإنكارها سيجعل المرأة تبتلي بنوعٍ من والاضطراب والتردّد بين حقيقتها الوجوديّة وبين الآراء المفروضة عليها من الخارج.

وكما أنَّ تناسب الأدوار والمهام والمسؤوليّات وانسجامها مع طبيعة الرجل والمرأة سيُؤدّي إلى شعورٍ من النشاط والرضا، كذلك فإنّ المُطالبة بأدوارٍ لا تنسجم مع طبيعة الشخص، سوف تُؤدّي إلى الاغتراب الاجتماعي[1] وعدم الاستقرار في شخصيّة الفرد.[2]

وتعتقد الدكتورة «توني غرانت» بأنّ النسويّة أخبرت نساء الغرب بالكثير من الأكاذيب، ومنها أنّه لا فرق بين المرأة الرجل، والأمر الآخر أنّ المرأة تستطيع مُجاراة الرجل في حركته، وكأن النسويّة في صدد أن تجعل المرأة رجلًا، غافلة عن أنّ الاسترجال ـ عندما يكون الشخص امرأةً حقيقةً ـ هي مهمّةٌ مُتعبةٌ.[3]

الثانية: أنّ إنكار الاختلافات ورفض الهويّة النسائيّة، يُؤدّي إلى

(339)

تقليل الشعور بالقيمة لدى النساء وزيادة شعورهنّ بالانتقاص؛ لأنَّ «الإحساس بالقيمة مِن أهم آثار قبول الهويّة والأدوار المتمايزة واستعمال القدرات النسائيّة بشكلٍ سليمٍ، وحينما تعلم المرأة بأنَّ الله وهي نفسها والمجتمع يتوقّعون منها مسائل خاصّة، وترى أنّها تستطيع أن تقوم بدورها في ذلك المسير، فسوف تشعر بالرضى عن كونّها امرأة وستُرحّب بتدبير الله لها الذي تجلّى على شكل منحه لها مجموعة من القدرات الخاصّة وتعيينه لمجموعة من التعاليم والقوانين الخاصّة بها».[1]

ومع نقص تأثير الأدوار النسائيّة وخروج المرأة من المواقع التي تتميّز فيها بالقدرة والكفاءات الخاصّة، سينقص الشعور بالقيمة لدى النساء[2]؛ وكذلك سيُؤدّي ابتعاد المرأة عن الأدوار النسائيّة إلى حرمانها من القُدرات المميّزة والخاصّة بالنساء وإلى حرمانها من موقعيّتها الاستثنائيّة التي تملكها داخل الأسرة في علاقتها بالزوج والأبناء. وبحسب قول «ديفيدسون»:‌ «لا يمكن لأيّ دليلٍ من أدلّة النسويّات النظريّة تجاهل هذه الحقائق، وهي أنَّ العديد من النساء انغمسن في المشهد الاجتماعي وخسروا مزايا البيت والأسرة».[3]

ومع عضّ النظر عن هذه المسألة، نجد أنّ بعض النسويّات لم يكتفين بإنكار الصفات النسائيّة الخاصّة، بل أظهرن هذه الصفات

(340)

على أنَّها تحقيريّة وسلبيّة، وهكذا وقعن في أزمة الهويّة النسائيّة وشعورهنّ بعدم القيمة، فيعتقد «ديفيدسون» بأنّه «رغم أنَّ النسويّة ترفع شعار محاربة احتقار المرأة واضطهادها، إلّا أنّها تحتقر المرأة وتضهدها بأسلوبٍ آخر، حيث تمّت مُهاجمة كلٍّ من الزواج والأمومة ـ اللذين هما من طرق كمال المرأة ـ هجومًا شرسًا. وعلى الرغم أنَّه في السابق تمّ التعامل مع المرأة أحيانًا كسلعةٍ جنسيّةٍ، لكنّها اليوم خسرت قيمة جنسها، وإذا كان الرجال في السابق يُمثّلون العامل الأساسي في كون المرأة بلا قيمةٍ، أصبحت النساء اليوم تقوم بأداء هذا الدور بأنفسهنّ».[1]

ونتيجةً لاحتقار النسويّات للمرأة والأنوثة، وصلت بعض النساء في عصرنا الحاضر إلى النتيجة التالية: «أن تكوني نسويّةً، معناه أن تُلقي جانبًا كلّ ما هو جيّد وجميل من كونك امرأةً»[2]، تقول «ويندي شاليت» في تقريرها حول أزمة الهويّة لدى نساء أمريكا: «في مجتمعنا الأمريكي اليوم، تُشخّص النساء ذوات الروح اللطيفة كمرضى، ففي هذه الأيّام تستطيع المرأة أن تكون قاضيًا، وعضوًا في الجيش، ...، ويُمكنها أن تُجهض، وأن تُقيم علاقاتٍ غير مشروعة، ... وكخلاصة تستطيع أن تقوم بأيّ عملٍ ترغب به، أمّا الأمر الوحيد الذي لا تستطيع الفتاة أن تقوم به، قد يبدو ذلك عجيبًا، إلّا أنَّها لا يُمكنها أن تكون فتاةً، فالنساء يشعرن بالعار من كونَّهن نساء،

(341)

والشابّات غير راضياتٍ عن أحاسيسهنّ ومشاعرهنّ الجياشة وتحتقر تلك المشاعر، وتسعين دائماً إلى رفض تلك المشاعر».[1]

الثالثة: أنَّ إنكار الأنوثة واحتقارها وتقديم النسويّة لأنموذجٍ غير مناسبٍ إلى النساء، كان سببًا في نموّ شخصيّة النساء بشكلٍ أحادي البعد وبنحوٍ كاريكاتوري، وسببًا للغفلة عن باقي أبعاد شخصيتها، وهو ما لفت أنظار بعض الناقدين لها.

تُشير دراسات عالمة النفس «توني وولف»، التي أجرتها تحت إشراف «يونغ» عالم النفس المشهور، إلى أبعادٍ أربعة في شخصيّة النساء: البُعد الأوّل هو ما يرتبط بأحاسيسها الغنيّة وعواطفها التي لا بديل لها؛ والبُعد الثاني هو صفات أمومتها، التي تعكس الإحساس بالالتزام والمسؤوليّة من ناحيةٍ والارتباط والتعلّق من ناحيةٍ أخرى؛ والبُعد الثالث لشخصيّة النساء هو مُطالبتها بالاستقلال والاكتفاء الذاتي، وإثبات الوجود والمطالبة بالمزيد؛ أمّا البُعد الرابع فهو ذلك الجانب من الشخصيّة النسائيّة التي تسعى إلى جذب اهتمام الرجل وأسر قلبه.[2]

إنّ المرأة لن تتمتّع بروحٍ سليمة إلّا حينما تتكامل كافّة أبعاد شخصيّتها بنحوٍ مُتوازنٍ؛ يعني: في نفس الوقت الذي تتمتّع فيه

(342)

باستقلال الشخصيّة والفكر ينبغي أن تكون زاخرةً بأحاسيس النساء اللطيفة، وأن تكون أمّاً ملتزمة تجاه أبنائها، وأن تكون مُوفّقةً في جذب اهتمام زوجها وأسر قلبه كذلك.

إلّا أنّ النسويّة تُبدي اهتمامًا يفوق الحدّ بأحد جوانب شخصيّة المرأة، وهو الجانب الذي تمّ إهماله ووقع عليه الظلم، أي استقلالها، ولم يقتصر الأمر على أنّها تجاهلت باقي أبعاد شخصيّتها، بل سعت أحيانًا بشكلٍ صريحٍ إلى محاربتها وإزالتها؛ ولكن كما أنَّ تجاهل إنسانيّة الإنسان وإستقلالها لقرونٍ كان سببًا في ظلمها، كذلك سيُسبّب تجاهل باقي جوانب شخصيّتها مشكلاتٍ جديدةٍ للمرأة أيضًا.

إنّ المرأة تميل في أيّامنا هذه نحو الاستقلال والاكتفاء الذاتي والسعي إلى السلطة بشدّة ـ وأغلب هذه الصفات ذكوريّةٌ ـ وفي المقابل وضعت جانبًا باقي جوانب شخصيّتها التي هي جوانبٌ نسائيّةٌ بطبيعتها، فأغلب النساء اليوم، يُؤخّرنَ الأمومة أو لا يعتنين بها، والأغلب يسعى نحو المغامرات وإرضاء الحاجات الشخصيّة؛ وكذلك تُبدينَ ثباتًا أقلّ بالنسبة للعلاقة مع الرجال وفي موضوع الزواج.[1]

رابعًا: لقد أدّى الاضطراب في الهويّة النسائيّة إلى أضرارٍ شديدةٍ على جودة العلاقات بين المرأة والرجل، وخصوصًا ضمن إطار الأسرة، فقد تسبّب إبعاد النساء اليوم عن أبعاد شخصيّتهنَّ النسائيّة

(343)

إلى أن يخسرن جاذبيتهنَّ وموقعهنّ الطبيعيّ وامتيازاتهنّ النسائيّة عند التعامل مع الرجال؛ لأنَّهنّ لم يعد بإمكانهنّ إقامة علاقةٍ مع الرجل إلّا كرجل.[1]

ومن ناحيةٍ أخرى أدّى توحيد الأدوار والحقوق في نطاق الأسرة إلى أن لا يتمكّن أيٌّ من المرأة والرجل من تحقيق الموقعيّة والمنزلة المناسبة والمطلوبة في العلاقات الأُسريّة؛ فعلى سبيل المثال: تنبع الإدارة والحماية من أعماق نفس الرجل، لكنّ زوجته لا تعترف به كمديرٍ، وفي المقابل تنبع المرونة واكتساب المحبّة من أعماق المرأة، إلّا أنَّها لا تسجيب لهذه الحاجة بشكلٍ مُناسبٍ، وهذا الفشل يُسبّب الإحباط وعدم الاتّزان في الشخصيّة في السلوكيّات الاجتماعيّة فيُؤدّي إلى صعوباتٍ وإلى انخفاض القدرة على التحمّل، وانخفاض الرضا.[2]

وأخيرًا (النقطة الخامسة): لقد أثار تقليد النسويّة واتّخاذها للقيم الرجوليّة كنموذجٍ لمجتمع النساء، دون أيّ دراسةٍ أو تقييمٍ لإيجابيّات القيّم المسيطرة على الهويّة الذكوريّة وسلبياتها، أثار انتقاد بعض أصحاب الرأي، ونتيجةً لذلك، اتّهمت الحركة النسائيّة بإنكار الأنوثة وبتقليد أغلاط الرجال وانحرافاتهم.[3]

(344)

الأزمة ضمن الأسرة

تُشير تقارير علماء الاجتماع إلى أنّ نظام الأسرة في الغرب يُواجه تحدّيًا وأزمةً، فالعلامات والمُؤشّرات في إحصائيّات علماء الاجتماع تحكي عن وجود مثل أزمةٍ من هذا النوع في نظام الأسرة، وهي عبارة عن ما يلي:

1- زيادة نسبة الطلاق والانفصال.

2- زيادة نسبة العنف داخل الأسرة.

3- زيادة عدد الأطفال غير الشرعيّين.

4- ارتفاع سنّ الزواج.

5- مواجهة مفهوم الأمومة لعددٍ من التحدّيات.

6- الانتشار الواسع لحياة العزوبيّة.

7- انتشار المثليّة الجنسيّة.[1]

ومن العوامل التي لها دور أساسي في عمليّة حصول الأزمة داخل الأسرة، هي التغييرات والانعطافات التي حدثت في أواخر القرن العشرين في النظام الاقتصادي الغربي، وهذه التغييرات، هي سبب انتشار عمل النساء يومًا بعد يومٍ ومشاركة العديد من النساء في الأعمال ذات الربح وزيادة قوّة المنافسة مقابل الرجال وإضعاف مشروعيّة سلطة الرجال باعتبارهم المُعيلين للأسرة.[2]

(345)

المُسيطر على الأسرة أكثر من أيّ وقتٍ مضى، وهو انتشار التعاليم النسويّة في المجتمع، فقد قيل: كلّ ثورةٍ لها ضحايا، وضحيّة ثورة النساء هي الأسر التي انهارت والحياة التي هُدمت.[1]

وفي هذا القسم سوف نقوم بعمل دراسة تحليليّة تتمحور حول آلية تأثير النسويّة على مُجريات، وبصورةٍ عامّةٍ يُمكن الإشارة إلى منهجين مختلفين فيما يتعلّق بمجال الأسرة من بين الاتّجاهات ومحوالات التنظير المختلفة المطروحة من قبل النسويّات، وهي كالتالي: المنهج الأوّل ـ وهو الذي نراه في آراء النسويّات الليبراليات ـ يُوافق على أصل نظام الأسرة، ولكن يُطالب بإجراء إصلاحاتٍ حقوقيّةٍ واسعةٍ نسبيّاً داخل بُنية الأسرة.[2]

المنهج الثاني ـ وهو الذي نراه بين النسويّات الماركسيّات والاشتراكيّات وخصوصًا الراديكاليّات ـ وهو يرى بأنّ نفس نظام الأسرة عبارةٌ عن نتيجةٍ من نتائج نظامٍ اجتماعيٍّ ظالمٍ أيضًا (الرأسماليّة أو النظام الأبوي) وهو سببُ ظلم النساء؛ فهو يُحارب الزواج وتشكيل الأسرة من الأصل، ويرى بأنّ الطلاق والانفصال السبيل الوحيد لتحرّر النساء.[3]

ومع أنَّ آراء الراديكاليّات في باب الأسرة تبدو أكثر تخريبًا

(346)

وهدمًا من آراء الليبراليّة، إلا أنَّ النسويّة الراديكاليّة لم تتمكّن من جذب اهتمام الرأي العامّ وإيصال الناس إلى قاعدةٍ ملائمةٍ وذلك بسبب تطرّف هذه الآراء وحدّتها[1]؛ في المقابل كانت تعاليم النسويّة الليبراليّة من قبيل: الفرديّة، والمطالبة بالمساواة، وحقّ تحديد النسل، وحقّ الحريّة الجنسيّة، وأمثال ذلك، تتمتّع بقبولٍ وتأييدٍ أكبر على مستوى المجتمع لأنَّها تنسجم مع السياسات الليبراليّة العامّة (الخطاب الأساسي المُسيطر على الغرب) وفي النتيجة تركت أثرًا أكبر في نظام الأسرة، وفي يلي سنتناول تأثير هذه التعاليم على نظام الأسرة.

إنّ المبدأ الأكثر أهميّةً وأصالةً الذي تقوم عليه باقي الدعاوى والمُطالبات النسائيّة ـ سواءً في نطاق الأسرة، أم في نطاق المجتمع ـ هو مبدأ الفرديّة، وبشكلٍ عامٍّ تُعتبر الفرديّة اتجاهًا يرى بأنّ الفرد أكثر واقعيّةً وأصالةً من المجتمع، ويراه مُقدّمًا على المجتمع وعلى المُؤسّسات والبُنى [ومنها مؤسّسة الأسرة]، فيعتبرونه ذا قيمةٍ أخلاقيّةٍ وحقوقيّةٍ أعلى، وفي النتيجة تتقدّم ميول الفرد وأهدافه ونجاحاته على المجتمع من جميع الجوانب.[2]

وهناك موقفان مبنائيّان وأساسيّان في الفرديّة، ولهما تبعاتٌ وآثارٌ ملحوظةٌ في إطار الأسرة: الأوّل: هو أنّ الإنسان إنّما يملك

(347)

حقوقًا طبيعيّةً فقط لمجرّد كونه إنسانًا، وبناءً عليه فالإنسان يمتلك حقوقًا في أصل ذاته وليس مكلّفًا[1]؛ أمّا الآخر: فهو أنّ الحقوق الطبيعيّة للفرد مُتقدّمةٌ على المجتمع والمؤسسات الاجتماعيّة، ومنها الأسرة[2]؛ وبناءً على ذلك تُربّي الفرديّة نوعاً من محوريّة الحقّ في داخلها، وهذا النوع من محوريّة الحقّ يُمكن أن يُنقد من عدّة جوانب مختلفة:

1. ضرورة التوازن بين الحقّ والتكليف[3]: بمعنى أنَّه لا يمكن تعريف علاقات الأفراد بناءً على أسس الحقوق التي يمتلكها كلّ واحدٍ منهم، وإنّما النظرة الشاملة والكاملة هي بالالتفات إلى التكاليف التي على عاتق كلّ فردٍ تجاه الفرد الآخر؛ يعني: يترتّب على كلّ إنسانٍ تكاليف تُقابل الحقوق التي له، واهتمام الفرد بحقوقه دون تكاليفه، سينجرّ بطبيعة الأمر إلى طلب المزيد، وإلى الاعتداء على حقوق الآخرين، والنتيجة لن تكون سوى هدم العلاقات الإنسانيّة.

2. ضرورة التفاعل بين الحقوق والأخلاق: بمعنى أنَّ المُطالبة بأحد هذين العنصريين دون الأخذ بعين الاعتبار العنصر الآخر سيُؤدّي إلى أضرارٍ في العلاقات الإنسانيّة؛ فرغم أنّ الحقوق تُعيّن الحدود والمبادئ والقواعد التي تُحدّد حدود العلاقات بين الأفراد، إلّا أنّها عاجزةٌ عن إيجاد التفاهم وحسّ التضامن والتعاطف والتي

(348)

هي أهمّ الأسس في العلاقة الإنسانيّة وخاصّة في إطار الأسرة، كذلك الأخلاق رغم أنّها ضروريّةٌ من أجل إضفاء اللطف على العلاقات وإيجاد حسّ التضامن والألفة بين الأفراد، إلّا أنَّها لا تستطيع بمفردها بناء الحياة الاجتماعيّة؛ إذن من أجل تجنّب العلاقات الجافّة والهشّة بسبب الصبغة القانونيّة الجافّة، ومن أجل تجنب الهرج والمرج الناجم عن عدم وجود نظامٍ حقوقيٍّ، لا بدّ من وجود تفاعلٍ وتبادلٍ بين الأخلاق والحقوق في كافّة العلاقات الإنسانيّة.[1]

إنّ مطالبة النسويّات بالحقوق الفرديّة للنساء في نظام الأسرة بدون الأخذ بعين الاعتبار مبدأي ضرورة التوازن بين الحقّ والتكليف وضرورة تعادل الحقوق والأخلاق، سيُؤدّي إلى عواقب وخيمة وسلبيّة في نظام العائلة، فالتركيز على المساواة الحقوقيّة في الزواج كان سببًا في أن يفترض الناس بأنَّ العلاقة الزوجيّة عبارةٌ عن عقدٍ كسائر العقود التي تبتني على الحقوق المتساويّة للطرفين، وهذا الأمر، يُؤثّر على العلاقات الحميمة بين المرأة والزوج بطبيعة الحال؛ لأنَّه وكأيّ عقدٍ يسعى طرفا العقد إلى حفظ حقوقه، فعندما يُطالب كلًا من المرأة والرجل بحقوقهما ومصالحهما الفرديّة، سوف تتضرّر

(349)

العلاقات الزوجيّة والأسرة والأبناء تبعًا لذلك؛ لأنّ علاقة الزواج وحياة الأسرة، تحتاج إلى ما يُحصّنها أكثر من الحقوق الفرديّة؛ وكما صرّحت «دانييل كرتندن»: «لم يكن تشكيل الأسرة من أجل اكتساب حقوقٍ أكثر، بل من أجل تخلّي المرأة والرجل عن هذه الحقوق»[1].

وبغضّ النظر عن الأضرارا التي جلبتها محوريّة الحقّ النسائيّة على نظام الأسرة، جعلت بعض الحقوق التي تمّت المطالبة بها في المواجهات النسائيّة الحياة الأسريّة أمام تحدٍّ (ومن هذه المطالب: حقّ المساواة في الأدوار والمسؤوليّات بين المرأة والرجل في إطار الأسرة، وحقّ حريّة النساء جنسيّاً)؛ حيث إنّ المطالبة بحقّ المساواة في أدوار المرأة والرجل ومسؤولياتهما في إطار الأسرة في الوقت الذي توجد فيه اختلافاتٌ حقيقيّةٌ بين الجنسين[2]، وفي الوقت الذي يميلي فيه كلّ جنسٍ إلى مجموعةٍ من الأدوار والمسؤوليّات بناءً لطبيعته، أدّى إلى نشوء مشاكل جديدة للأسرة وحتّى للنساء.

وتشير الدراسات إلى ما يلي: إنّ احتمال الطلاق أعلى في الأُسر التي يتولّى فيها الرجال مهمّة أداء الأعمال المنزليّة مقارنةً بالأسر التي لا تمتلك هذه الرؤية ويحكم عليها الموقف التقليدي نوعًا ما، واحتمال وقوع الطلاق منخفض جدًا في الأسر التي يُؤمّن فيها الرجال أكثر من خمسين بالمئة من دخل الأسرة، مقارنةً بالأُسر التي

(350)

يفقد فيها الرجال مثل هذا الدخل، وعندما يتمّ تأمين القسم الأكبر من دخل الأسرة بواسطة المرأة، فإنَّ احتمال سوء استغلال الزوج لها يكون أعلى أيضًا.[1]

إنَّ مساواة المرأة والرجل في تأمين مصاريف الحياة، ووجود حصّةٍ اقتصاديّةٍ على عاتق النساء في ميزانيّة الأسرة، زادت من قوّة مساومة النساء في الأسرة بشكلٍ ملحوظٍ، ممّا أدّى إلى عدم ميل النساء للقبول بالأدوار المتناسبة مع جنسهنّ، وإلى أن تتوقّعن من الرجال المساهمة أيضًا في مسؤوليّات إدارة المنزل وتربية الأبناء[2]؛ وعليه فإنَّ زيادة القوّة الاقتصاديّة عند النساء بالإضافة إلى عدم رضاهنّ عن توزيع المهام والمسؤوليّات في الأسرة، مهّد الأرضيّة للاختلافات الأُسريّة.

ومن ناحيةٍ أخرى، أدّت الحقوق والمسؤوليّات المتساويّة إلى وُقوع ضغط مضاعفٍ على النساء، فالنظرة واقعيّة إلى ما يُضاف إلى مسؤوليّات المرأة تحت مسمّى الحقوق المتساوية، تشير إلى أنَّ الكثير من الحقوق التي حقّقتها النسويّة للنساء، قبل أنَّ تكون ميزاتٍ للنساء، صعّبت عليهن تكليفهنّ ووظيفتهنّ ومسؤوليتهنّ[3]، فضرورة

(351)

مشاركة المرأة بشكلٍ متساوٍ في تأمين المصاريف المنزليّة، وحقّ النساء في حضانة الأبناء بعد الطلاق، وعدم اعتبار قوانين حماية العمل للمرأة العاملة من قبيل إعفاء النساء من العمل الإضافي القسري ومنحها إجازاتٍ إضافيّةٍ و ...، وضرورة التحاق النساء بالخدمة الإجباريّة وبالجيش، واعتبار أيّ نوعٍ من الحمايّةمن قبل  الدول أو الرجال للنساء إهانةً لهنّ، وأمثال ذلك...، هي حقوقٌ منحتها النسويّة بيدٍ مفتوحةٍ وبسخاءٍ للنساء.

وفي نفس الوقت التي أضافت النسويّة على المرأة مثل هذه المسؤوليّات الجديدة، لم تستطع تحرير المرأة من المسؤوليّات التقليديّة، فالدراسات والإحصائيّات تشير إلى ما يلي: على الرغم من إقرار قوانينٍ حول ضرورة المشاركة بشكلٍ متساوٍ بين المرأة والرجل في شؤون المنزل ورعاية الأبناء، مع ذلك بقي ثقل هذه الوظائف على عاتق النساء بنحوٍ أكبر[1]؛ ومن ناحيةٍ أخرى، ربّما تستطيع النساء الاضطلاع بالمهام التي تسمى في الاصطلاح ذكوريّةً (الأعمال التي تعتبر من قبل المجتمع رجوليّةً)؛ ولكن بسبب دور المرأة الخاصّ في الإنجاب وإرضاع المولود وكذلك دورها الذي لا عوض عنه في تلطيف الجوّ العاطفي للأسرة، بقيت أكثر الأدوار والمسؤوليّات التقليدية النسائيّة على عاتق النساء بحكم الطبيعة وقانونها؛ وفي النتيجة، بموجب العديد من المسؤوليّات التي منحتها النسويّة إلى النساء باعتبارها حقوقًا، أصبحت النساء مجبوراتٍ على أداء العديد

(352)

من المهام والمسؤوليّات التي كانت قبل هذا على عاتق الرجال إضافةً إلى مهامها التقليديّة! وتسمّى هذه الحقيقة في المجتمعات الحديثة «الضغط المضاعف»[1] على النساء، وبذلك قامت الحقوق النسويّة بالخفض من مسؤوليّات الرجال[2]، وأصبحت سببًا لأن «تشقى النساء وتجدّ في الحياة بمقدار مشقّة النملة وسعيها»[3].

ومن ناحيةٍ أخرى، أدّى الضغط المُضاعف على النساء إلى أن تقع المرأة في صراعٍ بين أدوار المجال الخاصّ (الأمومة والزواج) وأدوار المجال العامّ (العمل)، فمالت أكثر إلى الأدوار الاجتماعيّة التي جلبت معها قوّةً وثروةً أكبر لها، ومالت بنحوٍ أقلّ للقبول بالأدوار النسائيّة، وبالطبع يتبع هذه القضايا نتائج مثل: ارتفاع سنّ الزواج وتأخير الإنجاب.

إنّ حقّ الحريّة الجنسيّة لدى النساء، هو أحد الحقوق الشخصيّة الأخرى التي التي وُضعت في قائمة مطالب النسويّة بشكلٍ واسعٍ منذ الموجة النسويّة الثانية وما بعدها[4]، وبذلك كانت النسويّات تطالبنَّ بحريّة النساء في اختيار السلوكيات الجنسيّة التي ترغب

(353)

بها (بما يشمل العلاقات خارج الأسرة أو المثليّة الجنسيّة وأمثال ذلك) وبإزالة العوامل التي تُؤدّي إلى الحدّ من هذه الحريّة، وتعتبر بعض النسويّات بأنَّ الحريّة الجنسيّة هو أسلوب الاتّجاه الراديكالي لمحاربة ثقافة النظام الأبوي التي تتجلّى بصورة السيطرة على أجسادهنّ وتعتبر المثليّة قسمًا منها.[1]

وكانت ثورة الحرية الجنسيّة التي تمّ دعمها بواسطة المثليّيات غير النسويّات إضافةً إلى النساء من النسويّات، واحدةً من الثورات التي بدأت عام 1960 م إلى جانب ثورة المثليّين، وتشترك جميع هذه المجموعات بوضع النظام التقليدي للأسرة أمام تحدٍّ وبأنّهم يُطالبون باعتراف الحكومات رسميّاً بحريّتهم الجنسيّة، وأن تضع الدولةُ الأسرَ المثليّة كالأسر التقليديّة غير المثليّة تحت غطاء حقوق المواطنة.[2]

وقد اعتبرت النسويّات بأنّ أكبر مانعٍ من الحريّة الجنسيّة لدى النساء هو الحمل وقرّرن بأنّ السماح بالإجهاض قانونيّاً هو طريق التخلص من هذا المانع، وبزعم النسويّات فإنَّ الحقّ بأن لا يكون للمرأة ولدٌ، يُحرّر المرأة من إطار العلاقة الجنسيّة السابقة ويترك المرأة حرّةً كالرجل؛ ولهذا السبب تعتبر النسويّات بأن تشريع حقّ الإجهاض الصادر سنة 1973 م خاتمةٌ لسلطة الرجال التي امتدّت لعدّة قرونٍ من الزمن.[3]

(354)

نتائج حق الإجهاض

لقد تمّ الدفاع على النطاق السياسي عن حقّ المرأة في الإجهاض على أنَّه حقّ شخصيٌّ، وفي سنة 1992 م تمّ الإقرار بهذا الحقّ لها في أمريكا: «لا يحقّ للزوج أن يُطالب زوجته بإطلاعه على الأمر قبل أن تقوم بالإجهاض، ولا يقتصر الأمر على كون المرأة غير مكلّفةٍ بالحصول على إذن الزوج من أجل الإجهاض وحسب، بل لا يقع على عاتقها تكليفٌ بإطلاعه على قيامها بذلك»[1].

يعتبر المنتقدون بأنّ إقرار القانون المذكور أعلاه ظلمٌ للزوج والأبناء وبالتالي للأسرة؛ لأنّ معنى هذا العمل هو حرمان الزوج من نصيبه في الأسرة وحرمان الأسرة من الوصول إلى مكانتها باعتبارها وحدةً متكاملةً عمليّاً؛ وكذلك قالوا: «بزوال حصّة الزوج من الأبناء، لم يضيعوا حقّاً بسيطًا فقط، وبمعنى آخر: ضيّعوا كافّة الحقوق، وبعبارة أخرى: أنكرو الجوهر الأساسي لكافّة حقوق الزوج ضمن الأسرة»[2]؛ ومن ناحيةٍ أخرى الدفاع عن حقّ الإجهاض باعتباره حقّاً فرديّاً للمرأة، جعل الأطفال من الناحية العمليّة ممتلكاتٍ شخصيّةٍ للمرأة وضعّف المسؤوليّة الأُسريّة والاجتماعيّة تجاه الأطفال، ولهذا السبب أصبحا متساويان تمامًا في النظرة النفعيّة السائدة في مجالي الاقتصاد والتجارة.[3]

(355)

وأمّا من الناحية الاجتماعيّة، فقد تمّ التعبير عن حقّ الإجهاض بعنوانه حقّاً للتمتع بالحريّة في الحياة الخاصّة، وهذا النوع من الأدلّة، يُقلّص الحياة المشتركة إلى حياةٍ خاصّةٍ فرديّةٍ لا إلى حياةٍ خاصّةٍ بالزوج والزوجة أو بالأسرة، وتُؤدّي إلى تفكيك الأسرة كنسيجٍ متماسكٍ إلى مجموعةٍ ذات أعضاء ولكن غير منظّمةٍ.[1]

نتائج العلاقات الحرّة خارج إطار الأسرة

لقد أدّت الحريّة الجنسيّة للنساء، وتجويز العلاقات الجنسيّة للنساء خارج إطار الأسرة واعتبارها شرعيّةً، أضرارًا على الأسرة وخاصّة على نفس النساء، حيث تشير دراسات علم الاجتماع إلى ما يلي:

1- إنّ احتمال الزواج بالنسبة الثنائي الذين كان بينهما حياةٌ مشتركةٌ أقلّ من غيرهما، كما أنَّ نسبة طلاقهما أعلى.

2- تُؤدّي الحريّة الجنسيّة والإباحيّة عند النساء إلى تقليل قيمتهنّ في نظر الرجال، وتُقلّل رغبة الرجال فيهنّ.

3- في نفس الوقت الذي تشوّه فيه الحريّة الجنسيّة سمعة الشابّات، تؤدّي كذلك إلى التخيّلات الجنسيّة والاعتداء عليهنّ من قبل الرجال، وإلى تركهم للأعراف والآداب وقواعد السلوك الجنسي عند التعامل مع النساء.

(356)

4- تؤدّي الحريّة الجنسيّة لدى النساء إلى تزايد العائلات أحاديّة الوالد (الأم مع الابن)؛ لأنّ الوصول الأكبر إلى أساليب منع الحمل أو الإجهاض يمنع الخوف من الحمل بدون زواج، باعتباره عاملًا يمنع من العلاقات الجنسيّة الحرّة؛ وفي النتيجة كان الخوف من الأطفال غير المرغوبين من علاقةٍ حرّةٍ، يُؤدّي إلى زواجٍ إلزاميٍّ، أمّا اليوم فخلافًا للسابق إمّا يُؤدّي إلى الإجهاض أو إلى ولادة مولودٍ تكون الأمّ هي المسؤولة عنه لوحدها.

5- أدّت الحريّة الجنسيّة لدى النساء، إلى انخفاض معدّل الزواج؛ لأنّ الوصول السهل من قبل الرجال إلى النساء اللواتي لا يُمانعن بالعلاقات الجنسيّة قبل الزواج، يُزيل الدافع لدى الرجال للقبول بطلب النساء اللواتي يُطالبن بالزواج في إزاء إقامة علاقةٍ جنسيّةٍ؛ والأمر الآخر هو أنَّ الشباب الذين يتمكّنون من التمتّع بالعلاقات الجنسيّة بدون مسؤوليّات الزواج، يُؤخّرون الزواج أو يصرفون النظر عنه تمامًا.

6- إنّ انخفاض معدّل الزواج، ينتهي أيضًا بالإضرار بالأطفال والنساء من ناحيةٍ أخرى؛ لأنَّه سبب في تزياد الجريمة والجناية وتأسيس عصاباتٍ من الرجال الأشرار والعزّاب، والضرر الأكبر يلحق بالنساء والأطفال.[1]

(357)

كلمة الختام

لقد ركدت في عصرنا الحاضر حركة النسويّة في الغرب وتوقّفت عن التحرّك والتأثير فهي تمرّ في عصرٍ من الأفول والسكون، ولكن ما زالت النسويّة تُطرح في البلاد النشائة باعتبارها همّاً اجتماعيّاً وتيّارًا ذا تأثيرٍ، وفي بلادنا تخطو النسويّة وداعميها الخطوة الأولى، وقد تُرجم كمٌّ كبيرٌ من الكتب حول النسويّة ونظريّاتها، ممّا يُشير إلى أنَّ كلًا من الحركة النسويّة والنظريّة النسويّة قد لفتت نظر النخبة ونظر باحثي المجتمع الإيراني نحوها.

وبما أنّ الفئة المستهدفة في الحركة النسائيّة بشكلٍ رئيسيٍّ هنّ الفتيات والشابات، لذا يبدو أنَّ البيان الصحيح لنظريّات النسويّة ولأسسها وأهدافها يُؤثّر أكثر من أيّ أسلوبٍ آخر في محاربة الحركة النسويّة، ويُنجز قسمًا كبيرًا من هذه التوعية من خلال بيان نتائج حركة النسويّة في الغرب، وقد تمّ تدوين الكتاب الحالي مع الالتفات إلى الضرورات الآنفة الذكر.

ولكن الأمر المهمّ في هذه الأثناء، هو الالتفات إلى نقطتين مهمتين: الأولى: أنّه رغم أنّه من الممكن الموافقة على أن حركة النسويّة دخلت في سنين أفولها وركودها، إلّا أنَّ هذا لا يعني انتهاء النسويّة أو قلّة تأثير هذه الحركة وتعاليمها، فقد تمّ إضفاء طابع مؤسساتي على العديد من الأهداف والشعارات والبرامج التي للحركة النسويّة في الوثائق الدوليّة ومنها «اتفاقيّة القضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة»، والعديد من برامج التنمية التي تُنفّذها

(358)

الأمم المتّحدة والمنظّمات التابعة لها في البلدان النامية تتماشى مع البرامج والآراء النسويّة، وهذا هو التحدّي الذي يُواجه المدارس والتيّارات المنتقدة للنسويّة.

والثاني: أنَّ مواجهة الحركة النسويّة ونقدها، لا ينبغي أن تجعلنا نغفل عن آثار المباني والتعاليم الحداثويّة، فإنّ فكر ونمط الحياة الغربيّة يُؤثّر في الخارج على المجتمعات في القضايا الموضوعيّة كمسألة المرأة والأسرة بنحوٍ أكبر من باقي التيّارات والمدارس الصغيرة.

إذ يُمكن لمجموعةٍ أن تنتقد التعاليم النسويّة على المستوى البرهاني والفكري، أمّا في مقام العمل والخطط والبرامج، فهي تُمهّد لقبول الغايات والأهداف النسويّة من خلال قبول برامج التنمية ومتطلّبات الحداثة.

فالإهتمام بأضرار وآثار الحركة النسويّة من جهةٍ، وتجنب تعظيم تأثير هذه الحركة من جهةٍ أخرى ـ والتي هي بنفسها تجذّرٌ في الغفلة عن آثار الحداثة ـ يُمكن أن تقلّل من عواقب الأفكار والمدراس المستوردة وأضرارها.

 

(359)

المصادر والمراجع

القرآن الكريم.

 آپيگنانزى، ريچارد وگريس كارات؛ سامدرنيسم، قدم اول، ترجمه إلى الفارسيّة: فاطمة جلال سعادت، طهران، نشر وپژوهش شيرازه 1380.

آربلاستر، آنتونى، ليبراليسم غرب، ظهور وسقوط؛ ترجمه إلى الفارسيّة: عباس مخبر؛ چ3، طهران، مركز، 1377.

أژينى، محسن؛ « نشانه هاى خط نفوذ»؛ جريدة: رسالت،3/11/74.

آن هيوليت، سيليويا؛ « معيشت محقر»، فمينيسم در أمريكا تا سال 2003؛ ترجمه إلى الفارسيّة: معصومه محمدى وفرزانه دوستى؛ طهران، معارف، 1378.

ابوت، پاملا وكلر والاس؛ جامعه شناسى زنان؛ ترجمه إلى الفارسيّة: منيژه نجم عراقى؛ طهران، نى، 1380.

اچ بورک، رابرت؛ در سراشيبى به سوى گومورا: ليبراليسم مدرن وافول أمريكا؛ ترجمه إلى الفارسيّة: الهه هاشمى حائرى؛ طهران، حكمت، 1378.

احمدى، بابک، مدرنيته وانديشهء انتقدى؛ طهران، مركز ، 1373.

ـ؛ معماى مدرنيته؛ طهران، مركز، 1377.

انگلس، فردريک؛ منشأ خانواده، مالكيت خصوصى ودولت؛ ترجمه إلى الفارسيّة: مسعود احمد زاده؛ طهران، جامى، 1379.

«باز خوانى هويت جنسى»، نشريه حوراء؛ دفتر مطالعات وتحقيقات زنان، ش14 و15، مرداد 1384.

«بازخوانى هويت زنانى»، بيانيهء تحليلى دفتر مطالعات وتحقيقات زنان؛ مرداد 1384.

باقرى، خسرو؛ مبانى فلسفى فمينيسم؛ تحقيق: ناصر الدين علي تقويان؛ طهران، سحاب، 1382.

باومن، زيگمونت؛ اشارت هاى پسامدرنيته؛ ترجمه إلى الفارسيّة: حسن چاوشيان؛ طهران، ققنوس، 1384.

بدانتر، اليزابت؛ «عصر تشابه جنس ها»؛ ترجمه إلى الفارسيّة: افسانه وارسته فر؛ مجلة: زنان، ش 48، 1377.

براتعلى پور، مهدى؛ ليبراليسم؛ قم، انجمن معارف اسلامى، 1381.

برس، اوليو استالى وآلن بلوک؛ فرهنگ انديشهء نو؛ ترجمه إلى الفارسيّة: احمد بيرشک وآخرون؛ چ3، طهران، مازيار، 1387

(360)

برونوفسكى. ج وبروس مازليش؛ سنت روشنفكرى در غرب از لئوناردو تا هگل؛ ترجمه إلى الفارسيّة ليلا سازگار؛ طهران، آگاه، 1379.

بستان(نجفي)، حسين؛ نابرابرى وستمج نسى از ديدگاه اسلام وفمينيسم؛ قم پژوهشكده حوزه ودانشگاه،1382.

بشيريه، حسين؛ نظريه هاى فرهنگ در قرن بيستم؛ مؤسسه فرهنگى آينده پويان، چ اول، 1379.

بيسلى، كريس؛ چيستى فيمينيسم: در آمدرى برنظريه فمينيستى؛ ترجمه إلى الفارسيّة: محمد رضا زمردي؛ طهران وروشنگران ومطالعات زنان، 1385.

بوردو، ژورژ؛ ليبراليسم؛ ترجمه إلى الفارسيّة: عبد الوهاب احمدى؛ طهران، نشر نى، 1378.

بوردو، سوزان؛ « مذكرسازى دكارتى انديشه»، متن هايى برگزيده از مدرنيسم تا پسامدرنيسم؛ ترجمه إلى الفارسيّة: تورج قره گزلى؛ تحقيق: عبد الكريم رشيديان، طهران، نى، 1381.

بومر، فرانكلين لوفان؛ جريان هايى بزرگ در تاريخ انديشه غرب: گزيده آثار بزرگ در تاريخ انديشه اروپاى غربى از سده هاى ميانه تا امروز؛ ترجمه إلى الفارسيّة: حسين بشيريه؛ طهران، مركز بازشناسى اسلام وإيران، 1380.

بيرو، آلن؛ فرهنگ علوم اجتماعى؛ ترجمه إلى الفارسيّة: باقر ساروخانى؛ طهران، كيهان، 1366.

بيات، عبد الرسول؛ فرهنگ واژه ها: در آمدى برمکاتب وانديشه هاى معاصر، چ 2، قم، مؤسسه انديشه وفرهنگ دينى، 1381.

پترسون، مايكل وآخرون؛ عقل واعتقاد دينى: در آمدى بر فلسفه دين؛ ترجمه إلى الفارسيّة: إبراهيم سلطانى واحمد نراقى؛ طهران، 1377.

پرنر، اليزابت؛« اخلاق زنانه نگر»؛ ترجمه إلى الفارسيّة: سوگند نوروزى زاده؛ ماهنامهء تخصصى ناقد، ش2، 1383.

تافلر، الوين؛ موج سوم، ترجمه إلى الفارسيّة: شهيند خوارزمى؛ چ 12، طهران، فاخته، 1377.

تشكرى، زهرا؛ زن در نگاه روشنفكران؛ قم، طه ودفتر مطالعات وتحقيقات زنان، 1381.

توسلى، غلام عباس؛ نظريه هاى جامعه شناسى؛ چ 6، قم، مهر، 1376.

توحيدى، نيره؛ « جنسيت، مدرنيت، دموكراسى»، جنس دوم؛ نوشين احمدي

(361)

خراساني؛ ج4، طهران، توسعه، 1378.

تونگ روزمارى؛ «اخلاق قمينيستى»، فمينيسم ودانش هاى فمنيستى؛ ترجمه إلى الفارسيّة: عباس يزدانى؛ قم، دفتر مطالعات وتحقيقات زنان، 1382.

تيچمن جنى وكاترين اوانز؛ فلسفه به زبان ساده؛ ترجمه إلى الفارسيّة: إسماعيل سعادتى خمسه؛ طهران، دفتر پژوهش ونشر سهروردى، 1380.

جعفرى، محمد تقى؛ ترجمه وتفسير نهج البلاغه؛ ج11، طهران، فرهنگ اسلامى، 1361.

جگر، آليسون؛ «چهار تلقى از فمينيسم» ترجمه إلى الفارسيّة: س. اميرى؛ مجله زنان، ش 28، 31و32 ، 1375.

ــــــ؛ «فمينيسم به مثابهء فلسفه سياسى»؛ ترجمه إلى الفارسيّة: مريم خراسانى؛ جامعه سالم، ش 26، 1375.

جوادى آملى، عبد الله؛ شناخت شناسى در قرآن؛ ويراستهء حميد پارسانيا، قم، مركز مديريت حوزه علميه قم، 1370.

ــــــ؛ زن در آينهء جلال وجمال، چ 2، قم، اسراء، 1376.

ــــــ؛ فلسفه حقوق بشر، ويراستهء أبو القاسم حسينى، قم، اسراء، 1375.

جميز، سوزان؛ «فمينيسم»، فمينيسم ودانشهاى فمينيستى؛ ترجمه إلى الفارسيّة: عباس يزدانى؛ قم، دفتر مطالعات وتحقيقات زنان، 1382.

حقيقى، شاهرخ؛ گذر از مدرنيته؟ نيچه، فوكو، ليوتار، دريدا، طهران، آگاه، 1381.

حكيم پور، محمد؛ حقوق زن در كشاكش سنت وتجدد؛ طهران، نغمه نوانديش، 1382.

دابسون، اندرو؛ « فمينيسم بوم شناختى»، فلسفه وانديشه سياسى سبزها؛ ترجمه إلى الفارسيّة: محسن ثلاثي؛ طهران، آگاه، 1377.

دوبوار، سيمون؛ جنس دوم؛ ترجمه إلى الفارسيّة: قاسم صنعوى؛ چ 2، طهران، طوس، 1380.

دورانت، ويل ؛ تاريخ تمدن؛ ترجمه إلى الفارسيّة فريدون بدره اى؛ چ 5، طهران، علمى وفرهنگى، 1376.

ـــــــ؛ لذات فلسفه: پژوهشى در سرگذشت وسرنوشت بشر؛ ترجمه إلى الفارسيّة: عباس زرياب؛ چ 10، طهران، علمى وفرهنگى، 1376.

دولاكامپانى، كريستين؛ تاريخ فلسفه در قرن بيستم؛ ترجمه إلى الفارسيّة: باقر

(362)

پرهام، طهران، آگاه، 1380.

ديوس توني؛ اومانيسم؛ ترجمه إلى الفارسيّة: عباس مخبر؛ إيران، 1383.

ديويدسن، نيكلاس؛ «نقايص نظريه فمينيسم»، نگاهى به فمينيسم؛ قم، معاونت أمور اساتيد دروس معارف اسلامى، 1377.

راوندى، مرتضى؛ تاريخ تحولات اجتماعى؛ چ 3، طهران، نگاه، 1376.

رابينسون، ديو وكريس كارات؛ اخلاق، قدم اول؛ ترجمه إلى الفارسيّة: على اكبر عبدل آبأدّى؛ طهران، شيرازه، 1378.

رندال، هرمن؛ سير تكامل عقل نوين؛ ترجمه إلى الفارسيّة: أبو القاسم پاينده؛ طهران، علمى وفرهنگى، 1376.

روباتم، شيلا؛ زنان در تكاپو: فمينيسم وكنش اجتماعى؛ ترجمه إلى الفارسيّة: حشمت الله صباغى؛ طهران، نشر پژوهش شيرازه، طهران، 1385.

روسو، ژان ژاک؛ اميل، آموزش پرورش؛ ترجمه إلى الفارسيّة: غلام حسين زيرک زاده؛ چ 5، طهران، شركت سهامى چهر، 1345.

رودريگز، كريس وكريس كارات؛ مدرنيسم، قدم اول؛ تردمه إلى الفارسيّة: كامران سپهران؛ طهران، نشر وپژوهش شيرازه، 1380.

ريتزر، جورج؛ نظريهء جامعه شناسى در دوران معاصر؛ ترجمه إلى الفارسيّة: محسن ثلاثى؛ چ 2، طهران، علمى فرهنگى، 1374.

زيبايى نژاد، محمد رضا؛ « ملاحظات»، فمينيسم ودانش هاى فمينيستى؛ قم، دفتر مطالعات وتحقيقات زنان، 1382.

زيبايى نژاد، محمد رضا ومحمد تقى سبحانى؛ در آمدى بر نظام شخصيت زن در اسلام: بررسى مقايسه اى ديدگاه اسلام وغرب؛ قم، دار النور، 1381.

ساراپ، مادن؛ راهنمايى مقدماتى بر پساساختارگرايى وپسامدرنيسم؛ ترجمه إلى الفارسيّة: محمد رضا تاجيک؛ طهران، نى، 1382.

ساروخانى، باقر؛ در آمدى بر دايرة المعارف علوم اجتماعى؛ طهران، كيهان، 1375.

سروش، عبد الكريم؛ سنت وسكولاريسم؛ طهران، صراط، 1384.

سيم، استوارت وبورين وان لون؛ نظريهء انتقادى، قدم اول؛ ترجمه إلى الفارسيّة: پيام يزدانجو؛ طهران، نشر وپژوهش شيرازه، 1382.

سيسون، اسمه وينه؛ «بازگشت خداى بانو»؛ ترجمه إلى الفارسيّة: سوگند نوروزى زاده؛ ماهنامه تخصصى ناقد؛ ش اول، اسفند 1382.

(363)

سيدل، روث؛ به سوى جامعه اى نوع دوست تر: نگاهى به فمينيسم؛ مؤسسه فرهنگى طه، 1377.

شاپيرو، جان سالوين؛ ليبراليسم، معنا وتاريخ آن؛ ترجمه إلى الفارسيّة: محمد سعيد حنايى كاشانى؛ طهران، مركز، 1380.

شاهنده، نوشين؛ زن در تفكر نيچه؛ طهران، قصيده سرا، 1382.

شباهنگ، ب؛ « ملاحظاتى پيرامون جنبش فمينيسم»، بولتن مرجع فمينيسم؛ به كوشش مهدى مهريزى، طهران، مديريت مطالعات اسلامى مركز مطالعات فرهنگى وبين المللى، 1372.

شفيعى سروستانى، إبراهيم؛ جريان شناسى دفاع از حقوق زنان در إيران، قم، مؤسسه فرهنگى طه، 1379.

شليت، وندى؛ بازگشت به حيا»، فمينيسم در أمريكا تا سال 2003؛ ترجمه إلى الفارسيّة: سمانه مدنى؛ طهران، معارف، 1383.

ضيمران، محمد؛ انديشه هاى فلسفى در پايان هزارهء دوم، طهران، هرمس، 1380.

طباطبايى، سيد محمد حسين؛ أصول فلسفه وروش رئاليسم؛ با حاشيهء مرتضى مطهرى، طهران، صدرا، 1358.

علاسوند، فريبا؛ زنان وحقوق برابر: نقد وبررسى كنوانسيون رفع تبعيض عليه زنان وسند پكن؛ طهران، شوراى فرهنگى اجتماعى زنان، 1382.

فاكس، اليزابت؛ «زنان وآيندهء خانواده: آزأدّى رفتار جنسى وتأثير آن بر خانواده»؛ ترجمه إلى الفارسيّة: اصغر افتخارى ومحمد تراهى؛ كتاب زنان، ش 17، 1381.

فالودى، سوزان؛ «اگر زنان با مردان برابرند پس چرا؟ »؛ ترجمه إلى الفارسيّة: زهره زاهدى؛ مجله زنان، ش 12، 1372.

فاليز، اليزابت؛«نقدى بر جنس دوم»؛ ترجمه إلى الفارسيّة: ماهرخ دبيرى؛ مجله زنان، ش1، 1370.

فروغى، محمد علي؛ سير حكمت در اروپا؛( به ضميمه گفتار در روش رنه دكارت)؛ تصحيح وحاشيهء امير جلال الدين اعلم، چ 2، طهران، البرز، 1377.

فرنچ، مارلين؛ جنگ عليه زنان؛ ترجمه إلى الفارسيّة: توراندخت تمدن؛ طهران، علمى، 1373.

فريدمن، جين؛ فمينيسم؛ ترجمه إلى الفارسيّة: فيروزه مهاجر؛ طهران، آشيان، 1381.

(364)

«فمينيسم تكرار تجربه هاى ناموفق»؛ پيام زن ، سال سوم ، ش 11، شماره پياپى 35، 1373.

فوكو، ميشل؛ دانش وقدرت؛ ترجمه إلى الفارسيّة: محمد ضيمران؛ طهران هرمس، 1378.

فيتس پاتريک، توني؛ «شهروندى بر مبناى جنسيت»، نظريه رفاه: سياست اجتماعى چيست؟؛ ترجمه إلى الفارسيّة: هرمز همايون پور؛ طهران، گام نو، 1381.

فيشر، هلن؛ جنس اول: توانايى هاى زنان براى دگرگونى جهان؛ ترجمه إلى الفارسيّة: نغمه صفاريان پور؛ طهران، زرياب، 1381.

قيطانچى، العام؛ «موج هاى فمينيسم، تاريخچه اى كوتاه»؛ ترجمه إلى الفارسيّة: ليلا فرجامى؛ فصل زنان: مجموعه آراء وديدگاه هاى فمينيستى؛ نوشين احمدى خراسانى؛ ج2، 1381.

كاپلستون، فريدريک؛ تاريخ فلسفه: از دكارت تا لايب نيتس؛ ترجمه إلى الفارسيّة: غلام رضا اعوانى؛ ج 4، طهران، علمى فرهنگى، 1380.

كاتوزيانو ناصر؛ فلسفه حقوق؛ ج1، طهران، انتشار، 1377.

كاستليس، مانوئل؛ عصر اطلاعات: اقتصاد، جامعه وفرهنگ؛ ترجمه إلى الفارسيّة: حسن چاوشيان، احد على قليان وافشين خاكباز؛ ج2، طهران، طرح نو، 1380.

كارد، كلوديا؛ «اخلاق فمينيستى»؛ ترجمه إلى الفارسيّة: زهرا جلالى؛ نشريه حوراء، ش 6، مرداد وشهريور 1383.

كد، لورين؛ « معرفت شناسى وفمينيسم»؛ ترجمه إلى الفارسي: فاطمه مينايى؛ ماهنامهء تخصصى ناقد، ش 1، 1382.

ـــــــ؛ « معرفت شناسى فمينيستى»، فمينيسم ودانش هاى فمينيستى؛ ترجمه إلى الفارسيّة: عباس يزدانى؛ قم، دفتر مطالعات وتحقيقات زنان، 1382.

كرايب، يان؛ نظريه هاى مدرن در جامعه شناسى از پارسونز تا هابرماس؛ ترجمه إلى الفارسيّة: محبوبه مهاجر؛ طهران، سروش، 1378.

كينگ دام، اى. اف؛ « حقوق فمينيستى»، فمينيسم ودانش هاى فمينيستى؛ ترجمه إلى الفارسيّة: عباس يزدانى؛ قم دفتر مطالعات وتحقيقات زنان، 1382.

گرنت، تونى؛ زن بودن؛ ترجمه إلى الفارسيّة: فروزان گنجى زاده؛ طهران، ورجاوند، 1381.

(365)

گرى، بنوات؛ زنان از ديد مردان؛ ترجمه إلى الفارسيّة: محمد جعفر پوينده؛ طهران، جامى، 1378.

گيدنز، آنتونى؛ جامعه شناسى؛ ترجمه إلى الفارسيّة: منوچهر صبورى؛چ3، ط