فهرس المحتويات

مقدمة المركز | 7

مدخل | 9

الفصل الأول

مدرسة برمنغهام البنية الفكريّة والأهداف | 23

المبحث الأوّل: الخلفيات التأريخية | 24

المبحث الثاني: الخلفيات الاجتماعيّة | 38

المبحث الثالث: الخلفيات الإبستيمولوجية | 53

المنهج الأوّل: المنهج الإثنوغرافي (Ethnography) | 92

المنهج الثاني: منهج تحليل المضمون | 94

المنهج الثالث: دراسات وفق نظرية التلقّي :(Reception Studies) | 97

الفصل الثاني

المبادئ الإبسيمولوجية في مدرسة برمنغهام | 115

المبحث الأوّل: التيارات المعرفية ودورها في صياغة الدراسات الثقافيّة | 116

المبحث الثاني: المبادئ الإبستيمولوجية لمركز برمنغهام للدراسات الثقافية | 151

الفصل الثالث

إبستيمولوجيا مدرسة برمنغهام في بوتقة النقد والتحليل | 179

المبحث الأوّل: أنطولوجيا الدراسات الثقافية في بوتقة النقد والتحليل | 180

المبحث الثاني: أنثروبولوجيا الدراسات الثقافية في بوتقة النقد والتحليل | 188

المبحث الثالث: إبستيمولوجيا الدراسات الثقافية في بوتقة النقد والتحليل | 194

خاتمة الكتاب | 237

مصادر الكتاب | 247

العتبة العباسية المقدسة المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية سلسلة مصطلحات معاصرة 33 مدرسة برمنغهام ماهيتها ورؤاها في بوتقة النقد والتحليل حسن حاج محمدي تعريب : أسعد مندي الكعبي
هذه السلسلة تتغيا هذه السلسلة تحقيق الاهداف المعرفية التالية: أولا:الوعي بالمفاهيم واهميتها المركزية في تشكيل وتنمية المعارف والعلوم الانسانية وادراك مبانيها وغاياتها ، وبالتالي التعامل معها كضرورة للتواصل مع عالم الافكار ، والتعرف على النظريات والمناهج التي تتشكل منها الانظمة الفكرية المختلفة. ثانيا:إزالة الغموض حول الكثير من المصطلحات والمفاهيم التي غالبا ما تستعمل في غير موضعها أو يجري تفسيرها على خلاف المراد منها.لا سيما وان كثيرا من الاشكاليات المعرفية ناتجة من اضطراب الفهم في تحديد المفاهيم والوقوف على مقاصدها الحقيقة. ثالثا:بيان حقيقة ما يؤديه توظيف المفاهيم في ميادين الاحتدام الحضاري بين الشرق والغرب،وما يترتب على هذا التوظيف من آثار سلبية بفعل العولمة الثقافية والقيمية التي تتعرض لها المجتمعات العربية والاسلامية وخصوصا في الحقبة المعاصرة. رابعا:رفد المعاهد الجامعية ومراكز الابحاث والمنتديات الفكرية بعمل موسوعي جديد يحيط بنشأة المفهوم ومعناه ودلالاته الاصطلاحية ، ومجال استخداماته العلمية،فضلا عن صلاته وارتباطه بالعلوم والمعارف الأخرى. المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية

الفهرس

مقدمة المركز7

مدخل9

الفصل الأول

مدرسة برمنغهام البنية الفكريّة والأهداف23

المبحث الأوّل: الخلفيات التأريخية24

المبحث الثاني: الخلفيات الاجتماعيّة38

المبحث الثالث: الخلفيات الإبستيمولوجية53

المنهج الأوّل: المنهج الإثنوغرافي (Ethnography)93

المنهج الثاني: منهج تحليل المضمون94

المنهج الثالث: دراسات وفق نظرية التلقّي :(Reception Studies)98

الفصل الثاني

المبادئ الإبسيمولوجية في مدرسة برمنغهام 115

المبحث الأوّل: التيارات المعرفية ودورها في

صياغة الدراسات الثقافيّة116

المبحث الثاني: المبادئ الإبستيمولوجية لمركز

برمنغهام للدراسات الثقافية151

(4)

الفهرس

الفصل الثالث

إبستيمولوجيا مدرسة برمنغهام في بوتقة النقد والتحليل179

المبحث الأوّل: أنطولوجيا الدراسات الثقافية

في بوتقة النقد والتحليل180

المبحث الثاني: أنثروبولوجيا الدراسات الثقافية

في بوتقة النقد والتحليل188

المبحث الثالث: إبستيمولوجيا الدراسات الثقافية

في بوتقة النقد والتحليل194

خاتمة الكتاب237

مصادر الكتاب247

(5)
(6)

مقدمة المركز 

تدخل هذه السلسلة التي يصدرها المركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية في سياق منظومة معرفية يعكف المركز على تظهيرها، وتهدف إلى درس وتأصيل ونقد مفاهيم شكلت ولما تزل مرتكزات أساسية في فضاء التفكير المعاصر.

وسعياً إلى هذا الهدف وضعت الهيئة المشرفة خارطة برامجية شاملة للعناية بالمصطلحات والمفاهيم الأكثر حضوراً وتداولاً وتأثيراً في العلوم الإنسانية، ولا سيما في حقول الفلسفة، وعلم الإجتماع، والفكر السياسي، وفلسفة الدين والاقتصاد وتاريخ الحضارات.

أما الغاية من هذا المشروع المعرفي فيمكن إجمالها على النحوالتالي:

أولاً: الوعي بالمفاهيم وأهميتها المركزية في تشكيل وتنمية المعارف والعلوم الإنسانية وإدراك مبانيها وغاياتها، وبالتالي التعامل معها كضرورة للتواصل مع عالم الأفكار، والتعرف على النظريات والمناهج التي تتشكل منها الأنظمة الفكرية المختلفة.

ثانياً: إزالة الغموض حول الكثير من المصطلحات والمفاهيم التي غالباً ما تستعمل في غير موضعها أويجري تفسيرها على خلاف المراد منها. لا سيما وأن كثيراً من الإشكاليات المعرفية ناتجة من اضطراب الفهم في تحديد المفاهيم والوقوف على مقاصدها الحقيقية.

ثالثاً: بيان حقيقة ما يؤديه توظيف المفاهيم في ميادين الاحتدام

(7)

الحضاري بين الشرق والغرب، وما يترتب على هذا التوظيف من آثار سلبية بفعل العولمة الثقافية والقيمية التي تتعرض لها المجتمعات العربية والإسلامية وخصوصاً في الحقبة المعاصرة.

رابعاً: رفد المعاهد الجامعية ومراكز الأبحاث والمنتديات الفكرية بعمل موسوعي جديد يحيط بنشأة المفهوم ومعناه ودلالاته الإصطلاحية، ومجال استخداماته العلمية، فضلاً عن صِلاته وارتباطه بالعلوم والمعارف الأخرى. وانطلاقاً من البعد العلمي والمنهجي والتحكيمي لهذا المشروع فقد حرص لامركز على أن يشارك في إنجازه نخبة من كبار الأكاديميين والباحثين والمفكرين من العالمين العربي والإسلامي.

 *    *    *

يتناول هذا الكتاب بالعرض والتحليل التاريخي والنقد مدرسة برمنغهام، وهي تيار فكري أخذ التسمية نفسها لمركز برمنغهام للدراسات الثقافيّة. وهذا المركز هو أحد المراكز الهامّة الناشطة في مجال العلوم الاجتماعيّة، وقد انعكست آثاره بشكلٍ ملحوظٍ في مختلف الدراسات والبحوث الثقافيّة.

في عقد الخمسينيات من القرن المنصرم وضعت الدعائم الأساسيّة لهذا المركز بمدينة برمنغهام البريطانية كمقرٍّ ثقافيٍّ تتمحور نشاطاته حول دراسة وتحليل الواقع الثقافي لعامّة الناس؛ والبحوث العلميّة التي تجرى في رحابه واسعة النطاق من حيث الآراء ومناهج البحث العلمي والأساليب النقدية، وهي كلها ترتكز بشكلٍ أساسيٍّ على تحليل شتّى الشؤون الثقافيّة في المجتمعات البشرية.

والله ولي التوفيق
(8)

مدخل

مركز برمنغهام للدراسات الثقافيّة هو أحد المراكز الهامّة الناشطة في مجال العلوم الاجتماعيّة، وقد انعكست آثاره بشكلٍ ملحوظٍ في مختلف الدراسات والبحوث الثقافيّة.

في عقد الخمسينيات من القرن المنصرم وضعت الدعائم الأساسيّة لهذا المركز بمدينة برمنغهام البريطانية كمقرٍّ ثقافيٍّ تتمحور نشاطاته حول دراسة وتحليل الواقع الثقافي لعامّة الناس[1]؛ والبحوث العلميّة التي تجرى في رحابه واسعة النطاق من حيث الآراء ومناهج البحث العلمي والأساليب النقدية، وهي قاطبةً ترتكز بشكلٍ أساسيٍّ على تحليل شتّى الشؤون الثقافيّة في المجتمعات البشرية[2].

الجدير بالذكر أنّ الدراسات الثقافيّة باتت اليوم تخصُّصاً هامّاً في مختلف المراكز العلميّة والجامعيّة بحيث اتّسع نطاق النظريّات التي تُطرح في رحابها وراجت على نطاقٍ واسعٍ في الأوساط العلمية، ولا يُختلف في الدور الهام للنظريات التي يطرحها الباحثون والمفكّرون في مضمار العلوم الإنسانية، وإذا أردنا استثمار مبانيها بالتمام والكمال لا بدّ لنا حينئذٍ من استقصاء الأساليب المعتمدة فيها ومعرفة كافّة جوانبها النظريّة والبنيويّة.

(9)

مركز برمنغهام، بحسب طبيعته البحثيّة، يندرج ضمن سائر مراكز العلوم الاجتماعيّة التي تتبنّى مبادئَ معرفيّةً وفلسفيّةً متنوّعةً، ولكن على الرغم من ذلك هناك بعض المؤاخذات التي ترد على نشاطاته العلميّة، لذا تقتضي الضرورة إجراء دراساتٍ وبحوثٍ نقديّةٍ بخصوص نقاط الضعف الكامنة فيه؛ ومن هذا المنطلق تمّ تدوين الكتاب الذي بين يدي القارئ الكريم، حيث اتّبع مؤلّفه نهجاً نقديّاً لتقييم الأصول النظرية المتبنّاة في دراسات هذا المركز.

التحليل النقدي للمبادئ النظرية الحاكمة في مركز برمنغهام يجب أن يتقوّم على منهجيّةٍ بنيويّةٍ وأن يجرى وفق الأسلوب المعتمد في صياغة النظريّات العلميّة والذي هو بطبيعة الحال مقدّمٌ على النظريّات؛ لذا اتّبعه مؤلّف الكتاب وتطرّق على ضوئه إلى إجراء تحليلٍ علميٍّ بهدف بيان طبيعة الأصول العامّة وشتّى الوسائل المتّبعة في عملية البحث، لذا فهو من هذه الناحية يتّصف بصبغةٍ فلسفيّةٍ.

المبادئُ الوضعيّة التي يرتكز عليها المنهج البنيوي والتي تُصاغ النظريّات العلميّة على أساسها عبارةٌ عن مرتكزاتٍ أنطولوجيّةٍ وأنثروبولوجيّةٍ وإبستيمولوجيّةٍ[1]، وكما هو معلومٌ فالمباحث الأنطولوجيّة تتمحور حول مجموعةٍ من الأسئلة التي تستفسر عن قضايا من هذا القبيل، ومن جملتها ما يلي: هل يرتضي العلم بوجود شيءٍ يُوصف بكونه حقيقيّاً؟ ما هو التفسير العلمي الصحيح للأمر الحقيقي؟

(10)

وأمّا المباحث الأنثروبولوجيّة فتُطرح في رحابها أسئلةٌ حول دور الإنسان في الوجود وكلّ ما يمتّ بصلةٍ بكيانه؛ في حين أنّ المباحث الابستيمولوجية، يتمّ فيها تسليط الضوء على حقيقة العلم والمعرفة وشتّى السبُل الكفيلة لاستكشاف الحقائق[1].

من المؤكّد أنّ معرفة الاستنتاجات الفلسفيّة الصائبة لكلّ نظريّةٍ تستوجب إلمامَ الباحث بالأطر العامّة لمختلف التيارات الفكريّة التي لها تأثيرٌ في صياغتها، فالتنظير العلمي لا يقتصر على الخلفيات الإبستيمولوجيّة فقط، وإنّما هناك خلفياتٌ أنطولوجيّةٌ مؤثّرةٌ على مضمونه، وهذه الخلفيّات عادةً ما تغرس في نفس المنظّر دوافعَ خاصّةً لطرح ما يجول في خاطره من مبادئَ اجتماعيّةٍ وثقافيّةٍ في رحاب نظرياتٍ؛ لذا يُقال أنّ منهجيّة العلوم الإنسانيّة تتجاوز نطاق ارتباط النظرية بالمبادئ الفلسفيّة وتدور في فلك تحليل دور العناصر غير الإبستيمولوجيّة ذات التأثير في ظهور إحدى النظريّات، ومن جملة هذه العناصر ما يعتبره المفكّرون خلفياتٍ اجتماعيّةً وفكريّةً، كذلك التيارات والاتّجاهات المؤثّرة على المنظومة الفكريّة للمنظّر، وهذه الأمور تندرج في واقع الحال ضمن الخلفيات الأنطولوجيّة.

بناءً على ما ذُكر، تطرّق مؤلّف الكتاب إلى تحليل المبادئ النظرية لمدرسة برمنغهام الفكريّة ضمن ثلاثة فصولٍ بحسب الترتيب التالي:

الفصل الأوّل: معالم مركز برمنغهام للدراسات الثقافيّة وأهدافه،

(11)

ويتضمّن المفاهيم والمصطلحات الأساسيّة التي يمكن الاعتماد عليها في هذا المضمار.

الفصل الثاني: المبادئ النظرية المعتمدة في البحوث والدراسات التي يتمّ تدوينها في هذا المركز ضمن مختلف المجالات الأنطولوجيّة والأنثروبولوجيّة والإبستيمولوجيّة.

الفصل الثالث: نقد المبادئ الإبستيمولوجية المعتمدة في البحوث والدراسات التي يتمّ تدوينها في هذا المركز وذلك بأسلوبٍ نقديٍّ.

قبل الولوج في موضوع البحث، لا نرى بأساً في ذكر تفاصيلَ حول المفاهيم الأساسيّة التي سنشير إليها، وذلك كما يلي:

المدرسة الفكريّة (school)

هذا المصطلح يدلّ على الآراء ووجهات النظر التي تتمحور حول مبدأٍ فكريٍّ معيّنٍ، فكلُّ مدرسةٍ فكريّةٍ عادةً تطرح نظرياتها في رحاب توجّهاتٍ فكريّةٍ خاصّةٍ[1]، وهي بطبيعة الحال تؤسّس على ضوء توجّهاتٍ خاصّةٍ لمفكّرٍ أو عددٍ من المفكّرين، تحظى آراؤهم بتأييدٍ من قِبَل البعض، لذلك يبادر هؤلاء إلى الدفاع عنها والاستدلال على صوابّة أصولها وقواعدها.

الجدير بالذكر هنا هو أنّنا غير قادرين على تحديد ميزةٍ فارقةٍ وصيغةٍ ثابتةٍ للتمييز بين النظريّة (theory) والمدرسة الفكريّة (school)، إذ حتّى ما يوصف بحسب العرف الأنثروبولوجي

(12)

الأوروبي بأنّه «مدرسةٌ فكريّةٌ»، نجد علماء الاجتماع الأمريكان يصطلحون عليه بـ «نظريّة»؛ ولكن على الرغم من ذلك يمكن ذكر فارقٍ معيَّنٍ بينهما فحواه أنّ المدرسة الفكريّة أكثرُ شموليّةً وعموميّةً من النظريّة على ضوء التوجّهات التي ترتكز عليها وشتّى النظريات المطروحة من قبل أتباعها، إذْ كلُّ مدرسةٍ عادةً ما تنضوي تحتها العديد من التوجّهات والنظريّات التي يتطرّق أصحابها إلى تحليل الشؤون الاجتماعيّة العامّة وما يرتبط بالمكوّنات الاجتماعيّة الصغيرة ومختلف المراكز والمؤسّسات إلى جانب تسليطهم الضوء على شتّى التطوّرات الاجتماعيّة؛ لذا يمكن لكلّ مدرسةٍ أن تتبنّى عدداً من النظريّات أو الكثير منها[1].

الثقافة (culture)

ذُكرت العديدُ من التعاريف لبيان المعنى الدلالي لمصطلح «ثقافة»، والباحث ريمون وليامز قال: «أعتبرها واحدةً من مصطلحيْن أو ثلاثة مصطلحاتٍ معقّدةٍ للغاية في اللغة الإنجليزيّة، لذا لا بدّ من بيان دلالتها ضمن عدّةِ فروعٍ علميّةٍ مستقلّةٍ عن بعضها وفي رحاب شتّى التوجّهات الفكريّة كي تتّضح لنا المفاهيم الأساسية التي تستبطنها»[2].

التعاريف التي ذكرت للثقافة تمحورت حول جانبها التطبيقي، ويمكن تصنيفها ضمن عدّةِ جوانبَ كما يلي:

(13)

1) تعاريفُ تأريخيةٌ:

هذه التعاريف ترتكز على التراث الاجتماعي لمجموعةٍ من البشر على مرّ تأريخهم.

2 ) تعاريفُ سيكولوجيّةٌ:

تُطرح في هذه التعاريف المبادئ الأساسية والأساليب التي يتسنّى للإنسان على ضوئها الانسجام مع بيئته ومجتمعه.

3 ) تعاريفُ بنيويةٌ:

يتمّ التأكيد في هذه التعاريف على الأسس البنيوية التي سادت في أحد المجتمعات طوال تأريخه.

4 ) تعاريفُ تفصيليّةٌ:

تتضمّن هذه التعاريف بيان العناصر التي تتقوّم بها الثقافة بشكلٍ عامٍّ ودون تقييدها بخلفيةٍ محدَّدةٍ[1].

لا شكّ في عدم إمكانية بيان تفاصيل جميع التعاريف التي أريد منها بيان طبيعة الثقافة ضمن هذا الكتاب، ومن ناحيةٍ أخرى قد لا تتحقّق الفائدة المرجوّة من بيانها بشكلٍ مُسهَبٍ، لأنّ التدقيق بهذا الموضوع بإسهابٍ لا يدخل في هدفنا هنا؛ لذا سوف نكتفي بتوضيح عددٍ منها ثمّ نذكر التعريف المناسب.

عالِمُ الأنثروبولوجيا البريطانيُّ إدوارد تايلور وسّع نطاق الثقافة إلى أقصى حدٍّ، ومن هذا المنطلق طرح لها تعريفاً عامّاً وشاملاً،

(14)

حيث قال: «إنّها في أوسع نطاقٍ دلاليٍّ أنثروبولوجيٍّ تعني ذلك المفهوم العامّ المعقّد الذي يعمّ كافّة أنماط المعارف والمعتقدات والقيم والفنون والأخلاق والحقوق والأعراف والتقاليد، كما يشمل سائر القابليات التي يمتلكها الإنسان والطباع التي يكتسبها بصفته عضواً في مجتمعٍ ينضوي تحت مظلّته»[1].

عالِمُ الاجتماع الأمريكيُّ بروس كوهين بدوره سلّط الضوء على الجانب الروحي للثقافة، وعلى هذا الأساس ذكر تعريفاً مقتضباً لها مؤكّداً على كونها أمراً اكتسابيّاً، حيث قال: «إنّها تجسّد مجموعة من السلوكيّات المكتسبة والأصول الاعتقاديّة لأعضاء أحد المجتمعات البشرية»[2].

عالمُ الاجتماعُ البريطانيُّ أنطوني جيدنز الذي يُدرج اسمُه ضمن قائمة أشهر علماء الاجتماع في العصر الحديث، عرّف الثقافة بأنّها «القيم التي تتبنّاها مجموعةٌ من البشر، وهي عبارةٌ عن قوانينَ يتّبعونها وسلعٍ ينتجونها»[3]. وثقافة أحد المجتمعات برأيه تتضمّن جوانبَ غيرَ محسوسةٍ، مثل المعقتدات والأفكار والقيم التي تصوغ المضمون الثقافي، وتتضمّن كذلك جوانبَ محسوسةً، كالرموز والتقنيّة التي يتبلور المضمون الثقافي في رحابها[4].

(15)

الجدير بالذكر هنا أنّنا قادرون على طرح تعريفٍ أكثرَ شموليةً للثقافة ممّا لاحظنا في التعاريف المذكورة أعلاه، وهو كالتالي: الثقافة جزءٌ من معرفةٍ ترسّخت في الشعور المشترك بين الناس أو في باطن المجتمع أو في مختلف جوانب الحياة العامّة للبشر.

المعرفة في هذا التعريف طبعاً لا يُقصد منها الإدراكُ الذهني فحسب، بل المقصود دلالتها العامّة التي تضمّ بين طياتها المشاعر والأحاسيس والنزعات والمعتقدات والعادات والأعراف؛ وكلّ إدراكٍ سواءً كان بسيطاً أو راسخاً في ذات الإنسان كمحرّكٍ له في تبنّي آرائه واتّخاذ قراراته أو في مواجهة ذاته، فهو ينصبّ في بوتقة الثقافة ويصبح جزءاً منها في ما لو اتّسم بميزةٍ شاملةٍ وجماعيةٍ[1].

الثقافة وفق هذا التعريف تشمل المعتقدات والشؤون الإدراكية والمبادئ والقوانين والأعراف والتقاليد والرموز التي تنتقل من جيلٍ إلى آخر، حيث تُكتسب عن طريق التعليم؛ وبهذا فهي تتّصف بميزةٍ جماعيةٍ، ولو أنّ إحدى الثقافات ترسّخت بين مجموعةٍ من البشر على نطاقٍ واسعٍ وشاملٍ، فهي تتّسم بكلّ تأكيدٍ بطابعٍ عامٍّ، لكنّها إن كانت محدودةً سوف تصبح خاصّةً أو فرعيةً.

تجدر الإشارة هنا إلى وجود ثقافاتٍ خاصّةٍ وفرعيةٍ في باطن الثقافة العامّة والشمولية، كما أنّ الطابع الجماعي للثقافة هو عبارةٌ عن قيدٍ يُخرج من تعريفها شتّى المعارف الشخصية

(16)

والشؤون الخاصّة والقضايا الخارجة عن نطاق معرفة البشر[1].

 الدراسات الثقافيّة (cultural studies):

المعنى الدلالي لمصطلح الدراسات الثقافيّة في هذا المبحث يختلف عمّا هو متعارَفٌ في الدراسات والبحوث الأكاديميّة، حيث يشير إلى مضمارٍ جديدٍ من العلوم الإنسانية، فهي دراساتٌ تنضوي تحتها علومٌ عامّةٌ وأخرى مشتركةٌ بين شتّى الفروع التخصّصية؛ لذلك ما زال الغموض يكتنف الحدود التي تفصلها عن سائر مجالات العلوم الإنسانيّة.

أضف إلى ذلك فهذه الدراسات ليست من سنخ البحوث المتعارفة في العلوم الفيزيائيّة أو الاجتماعيّة أو اللغويّة رغم أنّها تبلورت على ضوء هذه العلوم[2]، ويمكن إطلاقها على مجموعةٍ من الدراسات والبحوث والنظريّات والمناهج والنشاطات النقدية التي تتمحور بشكلٍ أساسيٍّ حول تحليل شتّى الظواهر والنشاطات الثقافيّة[3].

في العقود الماضية ظهرت بين الأوساط الفكريّة فروعٌ علميّةٌ خاصّةٌ بالدراسات الثقافيّة تزامناً مع تأسيس مركز برمنغهام في بريطانيا بفضل مساعي بعض المفكّرين، ومن جملتها فرع علم الاجتماع الثقافي في الولايات المتحدة الأمريكية، وفرع دراسات

(17)

ما وراء البنيوية في فرنسا، وفرع الدراسات الثقافيّة العامّة في أستراليا وكندا وبعض البلدان الأخرى؛ كما تمّ تأسيس العديد من المراكز العلمية التي تتبنّى تحليل قضايا مشتركةٍ تختلف نوعاً ما مع الأنموذج الكلاسيكي البريطاني؛ إلا أنّ الدراسات الثقافيّة في بريطانيا التي تُعدّ مهداً لهذا المدّ الفكري العالمي، قد بسطت نفوذها في شتّى أرجاء المعمورة واستحوذت على مقاليد الأمور بحيث باتت كلُّ دراسةٍ في المضمار الثقافي تُنسب إليها وأينما دار الحديث عن نشاطاتٍ فكريّةٍ كهذه تتبادر إلى الذهن تلك الدراسات والبحوث التي يتمّ تدوينها في هذا البلد[1].

الدراسات الثقافيّة في عصرنا الراهن تسير نحو التخصّص أكثر ضمن أطرٍ بحثيّةٍ أكاديميةٍ، لذا فهي تتنوّع يوماً بعد يومٍ وتظهر فيها فروعٌ جديدةٌ وأروقةُ بحوثٍ علميّةٍ لم تكن موجودةً سابقاً ما أدّى إلى ترسيخها في الأوساط العلميّة وتثبيت دعائمها بين المفكّرين والباحثين بشتّى مشاربهم الفكريّة؛ وهذه الدراسات ذات ارتباطٍ وطيدٍ ببعض تخصّصات البحث العلمي مثل المواضيع المنضوية تحت فرعَي الأنثروبولوجيا (Anthropology) والسوسيولوجيا (Sociology)، وفي هذا المضمار يُطلق عليها أنثروبولوجيا الثقافة وسوسيولوجيا الثقافة، لكن مع ذلك هناك بونٌ شاسعٌ بينها وبين مواضيع من هذا النمط. وجه الشبه بين الدراسات الثقافيّة والأنثروبولوجيا أنّهما يتمحوران حول دراسة الأجناس البشرية، إلا أنّ الدراسات الثقافيّة لا تتعمّق إلى حدٍّ كبيرٍ في هذا الموضوع، الأمر

(18)

الذي جعل علماء الأنثروبولوجيا يوجّهون نقداً لها، حيث يدّعون أنّ المعنيين بشؤون البحث العلمي الثقافي لا يعيرون اهتماماً بالقضايا الأنثروبولوجية ولا يدقّقون في تفاصيلها الأساسية، لذلك فإنّهم لا يمتلكون فهماً عميقاً ودرايةً بواقع حياة المجتمعات البشرية التي يُجرون بحوثهم ودراساتهم بخصوصها. وجه الشبه الآخر بينهما يكمن في أنّ الباحث في رحابهما يسعى إلى طرح رؤيةٍ شموليةٍ ذاتِ طابعٍ ثقافيٍّ عامٍّ ومشتركٍ، فعالم الأنثروبولوجيا عادةً ما يتطرّق في دراساته إلى تحليل واقع أحد المجتمعات أو إحدى القضايا الثقافيّة من شتّى النواحي الاقتصاديّة والسياسيّة والاجتماعية والتأريخية، وفي هذا السياق يلجأ إلى عددٍ من العلوم بحيث يتجاوز نطاق الفرع العلمي التخصّصي وإثر ذلك يتوصّل إلى نتائجَ ذاتِ ارتباطٍ بموضوعٍ مشتركٍ بين عدّةِ فروعٍ علميّةٍ؛ وأمّا الدراسات الثقافيّة من هذه الناحية فهي تحكي عن علمٍ له ارتباطٌ بعدّة فروعٍ علميةٍ أيضاً، حيث يتمّ اللجوء فيها إلى النقد الأدبي والنظريّات السوسيولوجيّة والإثنوغرافية، فإلى جانب قيام الباحث ببيان مختلف مبادئ تحليل الخطاب والعديد من القضايا العلمية ومناهج البحث المعتمدة في الأوساط الفكريّة، يبادر بعد ذلك إلى التركيب في ما بينها[1].

إلى جانب التشابه الموجود بين الدراسات الثقافيّة والبحوث الأنثروبولوجية، هناك الكثير من أوجه الاختلاف بينهما، فالدراسات الثقافيّة غالباً ما ترتكز على مبادئَ بنيويةٍ ورؤًى ماركسيّةٍ، بينما

(19)

البحوث الأنثروبولوجيّة تتمحور مواضيعها في معظم الأحيان حول نقد الظاهراتية والوظائفية وفلسفة اللسانيات؛ وخلاصة الكلام أنّ الباحث في الشأن الثقافي يبادر إلى تحليل النصّ في حين أنّ عالم الأنثروبولوجيا يقوم بتحليلٍ لغويٍّ[1].

مباحث الأنثروبولوجيا الثقافيّة تدور في فلك الثقافة وطبيعة ارتباطها بالبيئة التي تتبلور فيها وشتّى التحوّلات التي تشهدها، والباحثون في هذا المضمار يسلّطون الضوء على المبادئ العامّة والمشتركة للسلوك البشري أكثر من التأكيد على تنوّع ثقافاتهم، كما تتمحور دراساتهم حول سلوك الإنسان أكثر من ارتكازها على المعتقدات.

تجدر الإشارة هنا إلى أنّ المواضيع المطروحة للبحث في مجال الأنثروبولوجيا الثقافيّة تتمحور حول المبادئ الثقافيّة المستوحاة من معطياتٍ تجريبيّةٍ[2]؛ وهي تختلف عن المواضيع المطروحة للبحث في رحاب السوسيولوجيا الثقافيّة، فالباحث في علم الاجتماع يتطرّق مثلاً إلى تحليل واقع الثقافة، بينما الباحث المعني بالدراسات الثقافيّة يتبنّى ضرباً من البحوث التي تتمحور حول تحليل الخطاب، حيث يسلّط الضوء على مجموعةٍ من الرؤى والأفكار والرموز والمسائل الوظيفية المرتبطة بأساليب الحوار في شتّى أنماط العلوم ومسائلها الأساسية، كما يبادر إلى بيان بعض

(20)

المواضيع الخاصّة والنشاطات الاجتماعية والأطر المؤسّساتية في المجتمع[1].

الاختلاف الهامّ الآخر بينهما يكمن في منشأ كلٍّ منهما، فالسوسيولوجيا الثقافيّة ولدت من رحمٍ أمريكيٍّ في حين أنّ الدراسات الثقافيّة أبصرت النور من رحمٍ بريطانيٍّ، ويمكن تلخيص مجمل الاختلافات بينهما ضمن الموارد التالية:

- المبادئ الوضعية والهرمنيوطيقيّة،

- مناهج البحث النوعية والكمّية،

- المنشأ الجغرافي -البريطاني والأمريكي-،

- المنشأ الفكري السوسيولوجي وغير السوسيولوجي،

- الانحياز أو الحياد علميّاً.

(21)
(22)

 

 

 

 

 

 

الفصل الأول

مدرسة برمنغهام

البنية الفكريّة والأهداف

(23)

الهدف الأساسي للمواضيع المطروحة للبحث في هذا الفصل هو تعريف مركز برمنغهام للدراسات الثقافيّة وبيان أهمّ أهدافه، وفي هذا المضمار سوف نسلّط الضوء على جوانبه كافّةً ونشير إلى عناصره ومكوّناته الارتكازية؛ ومن هذا المنطلق سنتحدّث أوّلاً عن مسيرته التأريخية في إطار بحثٍ مقتضبٍ ثمّ نتطرّق إلى بيان الخلفيات الاجتماعية والمعرفية التي كان لها دورٌ في تأسيسه.

أهمّ المواضيع المطروحة للبحث والتحليل في هذا الفصل تتمحور حول ما يلي: الخصائص العامّة لمركز برمنغهام للدراسات الثقافية، مناهج البحث المعتمدة فيه، أهمّ المفاهيم والمواضيع التي تتمحور حولها مباحثه.

وفي ختام الفصل سوف نشير بشكلٍ موجزٍ إلى وجهات النظر التي تبنّاها أبرز العلماء والمفكّرين المعنيين بالدراسات الثقافيّة.

المبحث الأوّل: الخلفيات التأريخية

المسيرة التأريخية لمدرسة برمنغهام النقدية امتزجت مع تأريخ مجمع خرّيجي جامعة برمنغهام، والباحث الاجتماعي البريطاني ريتشارد هوغرت (Richard Hoggart) هو الذي وضع حجر الأساس لمركز برمنغهام للدراسات الثقافيّة المعاصرة (Centre for Contemporary Cultural Studies) في عام 1964م، حيث أشرف عليه بشكلٍ مباشرٍ، ثمّ أنيطت إدراته إلى ستيوارت هول وبعده إلى ريتشارد جونسون.

(24)

ستيوارت هول تولّى إدارته حتّى عام 1979م وخلال هذه فترة إدارته كان له دورٌ بارزٌ في إصدار مجلّة الأعمال العلميّة في الدراسات الثقافيّة عام 1972م، وضمن البحوث والدراسات التي أجراها مع زملائه المفكّرين والمعنيين بالشأن في مركز الدراسات الثقافية، طرح تعريفاً للثقافة وسّع فيه نطاقها إلى حدٍّ كبيرٍ بحيث اعتبرها شاملةً لمواضيع تتجاوز نطاق النتاجات الأدبية مؤكّداً على أنّها أبعد أفقاً من المبادئ الفكريّة الثقافيّة[1]. ومن هذا المنطلق دوّن أعضاءُ هذا المركز دراساتٍ وبحوثاً علميّةً تتمحور مواضيعها حول مختلف القضايا الثقافيّة والإعلاميّة وشؤون الشباب والتعليم والأنثروبولوجيا والإثنوجرافيا[2].

مركز برمنغهام للدراسات الثقافيّة تأثّر إلى حدٍّ كبيرٍ بآثار عددٍ من المفكّرين البارزين، من أمثال:

- ماثيو آرنولد مؤلّف كتاب «الثقافة والفوضى»، 

- فرانك ريموند ليفس مؤلّف كتاب «الحضارة الجماهيرية والواقع الثقافي»،

- جورج لوكاش مبدع مفهومَيْ «التشيّؤ» و «الوعي الطبقي» ومؤلّف كتاب «التأريخ والوعي الطبقي»،

- أنطونيو غرامشي المناضل الماركسي الإيطالي صاحب المقالة

(25)

الشهيرة «الثورة ضد رأس المال»، كما تأثّر هذا المركز إلى حدٍّ كبيرٍ بمفهوم السلطوية[1].

الجدير بالذكر هنا أنّ أهمّ المفكّرين الذين أسهموا في تأسيس هذا المركز هم:

- ريتشارد هوغرت المولود في عام 1918م ومؤلّف كتاب حول فوائد التعليم وواقع حياة الطبقة العاملة بالتأكيد على الصحف ووسائل التسلية (1957م)،

- ريمون وليامز مؤلّف كتاب الثقافة والمجتمع (1963م)،

- ستيوارت هول مؤلّف كتاب الثقافات الشعبية (1964م)[2].

الميزة المشتركة بين جميع هذه الآثار هي عدم اعتبار الأسس الثقافيّة النخبوية ثابتةً وراسخةً إلى الأبد، وفي هذا المضمار يمكن اعتبار كتابَيْ ريتشارد هوغرت «الفوائد العمليّة للتعليم»، وريمون وليامز «الثقافة والمجتمع»، بأنّهما من جملة الكتب الرائدة في مجال الدراسات والبحوث الثقافيّة.

بما أنّ هوغرت ينحدر من الطبقة العاملة، فقد تطرّق في كتابه إلى التغييرات التي طرأت على حياة الطبقة العاملة بعد الحرب، حيث وضّح كيف انعكست هذه التغييرات في معيشتهم لتغيّر طابع حياتهم العامّ؛ وأمّا وليامز فقد انتقد في كتابه مسألة التفكيك بين الثقافة والمجتمع مؤكّداً على حدوث ما لا يحمد عقباه في ما لو تمّ هذا التفكيك.

(26)

الميزة الغالبة لهذه المدرسة الفكرية هي أنّ بحوثَها ودراساتِها ذاتُ طابعٍ أكاديميٍّ، فسلسلة المقالات التي يُصدرها مركز برمنغهام تعدّ النافذة الوحيدة لنشر آثار أعضائه وطلاب الدراسات العليا فيه؛ والنشاطات العلمية والبحثية لأعضائه الثابتين والطلاب الذين لديهم عضويةٌ فيه تتمحور حول تدوين سلسلةٍ من المقالات التمهيديّة وإصدار مجلّةٍ وتأليف كتبٍ هامّةٍ ومتنوّعةِ المواضيع، وفي بادئ فعاليات هذا المركز حينما كان تحت إشراف ريتشارد هوغرت وستيوارت هول خلال الأعوام 1964م حتّى 1979م تمحورت الدراسات والبحوث فيه حول أهمّ المواضيع المرتبطة بوسائل الإعلام العامّة وشؤون الشباب والثقافات الفرعيّة والتعليم والقضايا الأنثربولوجية والإثنوغرافية. بعد ذلك وفي الفترة التي خضع فيها لإشراف ريتشارد جونسون وجورجي لورين طرأت بعض التغييرات على المواضيع المحورية فيه، حيث لم يقتصر الأمر في نشاطاته على تحليل النصوص الإعلامية، بل بادر باحثوه إلى دراسة وتحليل الحياة اليومية للبشر في إطارٍ تأريخيٍّ، وفي عام 1988م تحوّل هذا المركز إلى قسمٍ للدراسات الثقافيّة ليُؤسَّس فيه فرعٌ دراسيٌّ على مستوى البكالوريوس إضافةً إلى فرع الدراسات العليا الذي تمّ تأسيسه سابقاً[1].

نستشفّ من جملة ما ذُكر أنّ الدراسات الثقافيّة خلال عمرها القصير طوت أربعَ مراحلَ زمنيّةٍ امتازت في كلّ واحدةٍ منها بطابعٍ خاصٍّ، وذلك كما يلي:

(27)

المرحلة الأولى: ذاتُ طابعٍ وطنيٍّ – شعبيٍّ،

المرحلة الثانية: ذاتُ طابعٍ نصّيٍّ – مسرحيٍّ،

المرحلة الثالثة: ذاتُ طابعٍ معولمٍ في رحاب ما بعد الماهيوية (في ما وراء الجوهريّة)، 

المرحلة الرابعة: ذاتُ طابعٍ سياسيٍّ حكوميٍّ.

تجدر الإشارة هنا إلى أنّ هذه المراحل متناسقةٌ مع بعضها من حيث الزمان، وفي معظم الأحيان جسّدت بذاتها منعطفاتٍ فكريّةٍ على مرّ تأريخ ظهورها، لكن تبلورت عن كلّ واحدةٍ منها بعض المعايير والأهداف والفرضيات التي اعتمدت على صعيد الدراسات الثقافية؛ ولو أمعنّا النظر في طبيعتها وما اكتنفها من قضايا خاصّةٍ نستنتج ثلاثة أوجهٍ مشتركةٍ، إلا أنّ هذه الأوجه تتضاءل أهميتها على ضوء الفترة الزمنية الخاصّة لكلّ مرحلةٍ.

لا شكّ في أنّ تسليط الضوء على المراحل المذكورة بالشرح والتحليل منذ لحظةٍ تحقّقها وحتّى يومنا هذا، يفسح المجال لنا للتوسّع في استقصاء شتّى ميزاتها وجوانبها وعناصرها للتعرّف على واقع المدرسة الفكرية التي تنتمي إليها.

وفي ما يلي نتطرّق إلى بيان المراحل المشار إليها بالشرح والتحليل:

1) دراساتٌ ثقافيّةٌ ذاتُ طابعٍ وطنيٍّ شعبيٍّ:

مصطلحُ «وطنيٌّ شعبيٌّ» مقتبسٌ من آثار الفيلسوف والمناضل

(28)

الماركسي أنطونيو غرامشي، وقد أكّد في نظرياته إلى حدٍّ ما على أهميّة الثقافة والسياسة في مقابل الرؤية الشعبوية الماركسيّة التي تتقوّم على حتمية اقتصاديّة.

الثقافة بحسب مبادئ الماركسية التقليديّة هي عبارةٌ عن نطاقٍ يحدّد التوجّهات الإيديولوجيّة والعلاقات التي تتبلور في رحابها، لكن مع ذلك حينما نستطلع أوضاع المجتمعات التي تسود فيها حقوقٌ مدنيّةٌ على نطاق أوسع من غيرها، نجد المبادئ الإيديولوجية فيها أقلّ تأثيراً بحيث يُعتمد فيها على أساليبَ أخرى لإدارة شؤون المجمتع؛ وقد وصف غرامشي هذه الظاهرة بالسلطوية التي اعتبرها على غرار الإيديولوجيا، وذلك لكونها تعيّن النطاق المناسب لمكافحة الطبقية الاجتماعية، إلا أنّها برأيه تعتمد في معظم الأحيان على قضايا ترتبط بالمقام الاجتماعي لكلّ فردٍ وتساهم في تحفيزه على سلوكياتٍ خاصّةٍ وإقناعه بالخضوع لها. وبشكلٍ عامٍّ يمكن القول أنّ السلطويّة تُعدُّ خلفيةً إيديولوجيةً وثقافيةً تضمن بقاء سلطة الطبقة النافذة على الطبقات الأدنى عن طريق كسب رضاها وترغيبها بتبنّي المبادئ الأخلاقية والسياسية والثقافية التي تدعو إليها لأجل إرساء دعائم مجتمعٍ متناسقٍ يعمّه وفاقٌ شاملٌ.

الدراسات الثقافيّة خلال هذه المرحلة تسعى إلى تحقيق نتائجَ ملموسةٍ أكثرَ من سعيها إلى تحليل أوضاع المجتمع الثقافيّة من الناحيتين التأريخية والواقعية، كما يسعى الباحثون فيها إلى بيان شتّى خصائصها وما يرتبط بها من نشاطاتٍ يشهدها المجتمع سلطويّاً ونضاليّاً.

(29)

الأمر الجدير بالاهتمام في هذه المرحلة هو ما شهدته المجتمعات الأوروبيّة التقليديّة من تياراتٍ فكريّةٍ تأثّرت إلى حدٍّ كبيرٍ بالنظريّات الماركسيّة، ولا سيّما تفريعاتها التي تشمل العديد من المجالات والتي تمّ بيان تفاصيلها من قبل الفيلسوفيْن الماركسييْن أنطونيو غرامشي ولويس ألتوسير؛ وأمّا المقالة التي دوّنها الباحث ستيوارت هول فهي الأبرز والأكثر تأثيراً خلال هذه المرحلة من الدراسات الثقافيّة، حيث تمحورت حول الترميز وكيفية فكّ الرموز، حيث اعتبر مفهوم الترميز دالّاً على قضيةٍ يعتمد عليها المعنيون بالشأن الإعلامي لتنظيم المعلومات والأواصر العامّة ضمن نصٍّ موحَّدٍ كي يستعرضوا لقرّائهم ومتابعيهم الأفكار التي يتبنّونها ويقنعونهم بها؛ وفي هذا السياق عادةً ما تستحكم المصالح التي تحظى بأهميّةٍ بالغةٍ في المجتمع لتصبح وكأنّها حاجةٌ طبيعيّةٌ لا محيصَ منها. وأمّا فكّ الرموز فهو برأيه يدلّ على ما ينسبه المخاطبون إلى وسائل الإعلام من قضايا يتمّ استعراضها فيها، ومن هذا المنطلق يثيرون استفهاماتٍ حول المصالح التي يُراد تحقيقها من وراء ذلك[1].

الدراسات الثقافيّة خلال هذه المرحلة انتعشت في ثلاثة مجالاتٍ على ضوء منهجيّةٍ فاعلةٍ، حيث شهدت رواجاً واسعاً على صعيد العلاقات والثقافة والسياسة، حيث شهدت المجتمعات ظهور نمطٍ جديدٍ في الحياة السياسية، كما أنّ مسألتَيِ التنظير والبحوث التثقيفية خلالها تواكبتا مع الأهداف الشعبية والوطنية تناغماً مع التحوّلات الاجتماعية.

(30)

في عقد الثمانينيات من القرن المنصرم شهدت النشاطات الوطنية تحدّياً جادّاً تمثّل بظهور الليبرالية الحديثة التي أكّد روّادها على ضرورة تعديل مسار الحياة الاقتصادية ما أسفر عن شيوع النزعة الفردانيّة في شتّى المجالات الاقتصاديّة والثقافيّة والاجتماعيّة من جديدٍ. هذه الظاهرة نجم عنها في العالم الغربي ابتعاد التيار السياسي المقاوم عن نهجه المعهود في مكافحة الطبقية، حيث تغيّرت معالمه وصيغت في مضمارٍ جديدٍ ضمن تعريفاتٍ متنوّعةٍ شملت العديد من القضايا وعلى رأسها مكافحة التمييز العنصري والتعصّب القومي وتخريب البيئة، والتصدّي لكلّ فعلٍ يؤدّي إلى إلحاق أذًى بدنيٍّ بالإنسان، والتشجيع على التقليل من الاستهلاك، ورفض العولمة؛ وما إلى ذلك من مواضيع أخرى.

في الختام نؤكّد على أنّ مواضيع البحث في الدراسات الثقافيّة خلال هذه المرحلة تمحورت بشكلٍ أساسيٍّ حول بيان المعاني الدلالية والقراءة الجديدة للتراث وتعدّد الهوية[1].

2) دراساتٌ ثقافيّةٌ ذاتُ طابعٍ نصّيٍّ – مسرحيٍّ -

هذه المرحلة من تأريخ الدراسات الثقافيّة شهدت انتعاش الرمزية الثقافيّة ووضع عناوينَ خاصّةٍ للنصوص وشتّى المفاهيم الدلالية، والثقافة العامّة تمّ تصويرها على هيئة عرضٍ مسرحيٍّ بحيث أصبحت الآداب اللغوية والنصوص التمثيليّة والنصوص الروائية نافذةً لتحقيق المعنى المقصود الذي يستقطب الناس نحوه ويحظى برضاهم.

(31)

من جملة أهمّ الآثار التي شهدتها الأوساط الثقافيّة خلال هذه المرحلة، مقالاتُ الفيلسوف الفرنسي رولان بارت والتي تمحورت حول صياغة الأساطير في ثقافة عامّة الناس، حيث جُمعت في كتابٍ تحت عنوان «أسطوريات»، وأشهرُ مقالةٍ في هذا الكتاب تطرّقت إلى تحليل صورةٍ لجنديٍّ فرنسيٍّ ينحدر من أصولٍ أفريقيّةٍ وهو يؤدّي التحية العسكرية للعلم (العلم الفرنسي)، وهذه الصورة تدلّ بوضوحٍ على وجود اختلافٍ بين دلالتين إحداهما تصريحيةٌ والأخرى ضمنيّةٌ؛ وممّا قاله بارت: «إنّ أوّل مدلولٍ نستوحيه منها هو أداء الاحترام للشعب الفرنسي -وهذه هي الدلالة الصريحة- لكن هناك مدلولٌ ينمّ عن مفهومٍ غامضٍ ومعقّدٍ يتمثّل في تلويحها إلى النيّة الحسنة التي تُعدُّ بنيةً أساسيّةً للاستعمار الفرنسي»، واستدلّ على هذه النية قائلاً: «الرموز لها عدّة معانٍ، فهي مثل طبقات حبّة البصل المتراكبة على بعضها، لأنّ كلَّ طبقةٍ مستقلّة «ولها معناها الخاصّ بها[1]».

في باكورة التغييرات التي طرأت على الأنظمة الرمزية والمشابهة للمثال المذكور أعلاه حول صورة الجندي الفرنسي الأسود، وعلى ضوء رغبة المعنيين بالدراسات والبحوث الثقافيّة في تحليل المعاني الدلالية والوجهة الفكرية التي تنصبّ فيها وطبيعة ارتباطها بالسلطة الحاكمة، ظهرت في الساحة الفكرية رؤيةٌ تحليليّةٌ جديدةٌ وُصفت بأنّها خطابٌ وتلقٍّ. هذه الرؤية اعتبرت المعنى الدلالي ثمرةً للعلاقة الفاعلة بين المتكلّم والمستمع وبين الكاتب والقارئ، وتمّ التأكيد

(32)

فيها على أنّ المعنى يتغيّر باستمرارٍ بالتزامن مع تطوّر واقع الخطاب والتلقّي؛ وقد ترتّب على ذلك تغيّر وجهات النظر في الدراسات والبحوث الثقافيّة بالنسبة إلى عالم السياسة.

إذاً، النتيجة الحتمية هنا فحواها اتّسام المعنى الدلالي بطابعٍ خطابيٍّ استماعيٍّ، ومن هذا المنطلق ظهرت وجهاتُ نظرٍ متنوّعةٌ ومتباينةُ بخصوص شتّى القضايا السياسية، والجدير بالذكر هنا أنّ الاختلاف في الرؤى السياسية التي ظهرت في المرحلتين الأولى والثانية للدراسات الثقافيّة يكمن في أنّها إبّان المرحلة الأولى خضعت للمبادئ الماركسية الجديدة التي تمحورت بشكلٍ أساسيٍّ حول مكافحة الطبقية، وفي المرحلة الثانية تعدّدت القضايا والشؤون السياسية وتنوّعت من جميع نواحيها.

ومن التحوّلات الأخرى المؤثّرة في هذه المرحلة، رواج الرؤية التي تؤكّد على كون المعنى يُعدُّ من ذاتيات النصّ ومرتكزاً لصياغة الدلالات الاصطلاحية وتحديد شأن كلِّ مصطلحٍ في المنظومة الرمزية، الأمر الذي يعني أنّ الحياةَ في هذا الكون وكلّ ما فيه عبارةٌ عن استعراضٍ شاملٍ لمفاهيمَ معيّنةٍ.

الفيلسوف الفرنسي الشهير جاك دريدا أكّد في هذا المضمار على أنّ المعنى لا يخرج عن نطاق المنظومة الرمزية، ونظراً لكون المعاني الرمزية تقتصر بشكلٍ حصريٍّ على النصّ، فالنتيجة هي أنّ الكون وجميع مدركاتنا تعدّ أموراً على غرار النصوص لا غير.[1]

(33)

المسألة الأخرى الجديرة بالذكر هنا، هي أنّ الدراسات والبحوث الثقافيّة التي شهدتها الأوساط الفكرية خلال هذه المرحلة ارتكزت بشكلٍ أساسيٍّ على الواقع الثقافي المادّي، لذلك لم تتمحور حول بيان الآثار السيّئة للظلم الطبقي والتمييز الطائفي والأحداث التأريخية والأعراف السائدة في المجتمعات البشرية؛ حيث شاعت مساعٍ كان الهدف الأساسي منها بيان كيفية صقل المعنى وتقييمه وطرحه من جديدٍ وتحميله على النصّ، وأحد الأمثلة الواضحة على هذه الظاهرة ما تصمّنته الدراسات الثقافيّة التحليلة ضمن كتاب «الثقافة الفرعيّة» للمفكّر الغربي ديك هيبدايج، فقد بسط فيه التغييرات الهامّة التي شهدتها المجتمعات البشرية إبّان العصر الحديث على صعيد الثقافات الفرعية -الثانوية- وما شهدته حياة الشباب من تطوّرات وتحوّلاتٍ هامّةٍ[1].

3) دراساتٌ ذاتُ طابعٍ عولميٍّ في رحاب ما بعد الماهيوية (الجوهرية):

العولمة تعني إزالة جميع العقبات الثقافيّة والسياسية والاجتماعية والاقتصادية عن طريق السيولة النقدية والسفر والهجرة الجماعية وتوسيع نطاق تبادل المعلومات في العالم من خلال إيجاد علاقاتٍ عامّةٍ وتقنياتٍ إلكترونيةٍ حديثةٍ ومبادئَ ثقافيّةٍ من نمطٍ معاصرٍ يتمّ على أساسها بيان مكامن الضعف في الاستنتاجات المتداولة ممّا كان يعتبر في الفترة الماضية كعوائقَ مادّيةٍ لا يمكن إزاحتها؛ وعلى أساس ذلك تغيّر واقع العلاقة بين الدراسات الثقافيّة

(34)

والقضايا الوطنية والشعبية، لأنّ تضييقَ نطاق القضايا الثقافيّة ضمن أطرٍ وطنيةٍ مرفوضٌ في هذه الحالة جملةً وتفصيلاً.

الأوساط الفكرية خلال هذه المرحلة تأثّرت إلى حدٍّ كبير بآثار جاك دريدا وجاك لاكان وشانتال موفيه، ونزعة ما بعد الماهيوية (الجوهرية) حظيت باهتمامٍ بالغٍ وشهدت ازدهاراً في الأوساط الفكرية، حيث رفضت في رحابها جميع أشكال التوجّهات الذاتية والباطنية بالنسبة إلى طبقات المجتمع والعرق والجنس والانتماءات القومية، وما إلى ذلك من قضايا تنصبّ في هذا المضمار؛ كما تمّ التأكيد في رحابها على عدم وجود أمرٍ خارجٍ عن نطاق الخطاب المطروح في المجتمع.

الجدير بالذكر هنا أنّ مفهومَيِ العولمة وما بعد الماهيوية يبلغان أدنى مستوياتهما الدلالية ضمن أكثر الآراء تطرّفاً بحيث يصبحان جزءاً من الخطاب خلال هذه المرحلة من الدراسات والبحوث الثقافيّة، فقد كان التأكيد على القضايا السياسية يهدف إلى نقد النهج الرأسمالي وبيان نقاط ضعف الرأي القائل بكون الهوية أمراً ثابتاً وإثبات كونه رأياً محدوداً لا يتجاوز الأطر الضيّقة في الحياة[1].

4) دراساتٌ ثقافيّةٌ ذاتُ طابعٍ سياسيٍ – حكوميٍّ:

خلال هذه المرحلة سادت أفكار الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو على نطاقٍ واسعٍ وبلغت ذروتها بحيث بسطت نفوذها على الساحة الفكرية بشكلٍ ملحوظٍ، وضمن كتابه الذي ألّفه حول التأريخ والخطاب

(35)

ربط بين الثقافة والحقائق الصريحة؛ وهذا الارتباط برأيه كائنٌ بين الحقائق الثابتة في الحياة والمؤسّسات السياسية وشتّى أنماط الحياة الاجتماعية والأنظمة التي تحظر بعض الأمور وتضيّق نطاقها.

ميشيل فوكو اعتبر نفسه مؤرّخاً بعد أن سلّط الضوء على مباحث جينيالوجية العلم والسلطة وبيان مدى تأثيرها في إيجاد الحقائق، وأهمّ نتيجة يمكن تحصيلها من هذه الرؤية من جملة الدراسات الثقافيّة التي تمّ تدوينها هي أنّ الثقافة لها بنيتها الخاصّة وذات شأنٍ مشخّصٍ ضمن هذه الدراسات. الخلفية العلمية لهذه الرؤية ترتكز على تحليل كيفية تسخير السلطة والعلم للاستحواذ على الثقافة في المجتمع، ومن جملة النتائج التي توصّل إليها فوكو في بحوثه أنّ الهوية والسلوك ينتظمان مع الخطاب وتتناسق مكوّناتهما في رحابه، وهذا الأمر حظي بتأييدٍ كبيرٍ من قِبَل أبرز رموز الدراسات والبحوث الثقافيّة، لذلك تبلور فيها على ضوء بيان مراحل نشأة العرف الثقافي في رحاب الحوار.

المسألة الأخرى الجديرة بالذكر بخصوص هذه المرحلة من الدراسات الثقافيّة هي قدرة المخاطب العامّ على رفض ما لا يعجبه من أنماطٍ ثقافيةٍ وحتّى التصدّي لها، وهذه الأنماط عادةً ما تُطرح من قبل النظام الحاكم والمعْنيّين بالمهن والأعمال الخاصّة بهدف تعيين مستوى الاستهلاك ومكانة المواطن على الصعيد الثقافي؛ لذلك ظهرت اعتراضاتٌ عامّةٌ واسعةُ النطاق لشجب مسألة حصر السلطة الإعلامية بأيدي فئاتٍ غيرِ متقيّدةٍ بأطرٍ وطنيةٍ بحتةٍ، إذ من الممكن أن يتمّ تسخيرها لصياغة توجّهاتٍ ثقافيّةٍ معيّنةٍ للشعب

(36)

بخصوص شتّى القضايا الاقتصاديّة والسياسيّة والاجتماعيّة.

هذه المرحلة التي تمحورت الدراسات والبحوث الثقافيّة فيها حول السلطة والسياسة شهدت تأييداً من قبل الباحثين والمفكّرين نظراً لدعوتها إلى استقطاب الثروات والنهوض بالواقع الاجتماعي، لذلك كانت ثمرتها اهتمام الأوساط العامّة والرسمية والفكرية بالثقافة بعد أن تحوّلت إلى مصدرٍ اقتصاديٍّ[1].

خلاصة الكلام أنّنا لو تحرّينا المراحل الأربعة المذكورة واستقصينا ما تحقّق فيها على الصعيد الثقافي، نستنتج أنّ المرحلة الأولى التي اتّسمت الدراسات الثقافيّة فيها بطابعٍ وطنيٍّ شعبيٍّ، ارتكزت نظرياتها على مبادئَ ماركسيّةٍ ومنهجيّةٍ سوسيولوجيّةٍ كلاسيكيّةٍ وامتزجت فيها مختلف الأنماط الفلسفية العالمية، كما تمّ التحرّي فيها عن شتّى القضايا المرتبطة بالثقافات الفرعية -الثانوية- التي تستقطب جيل الشباب وعامّة الناس نحوها.

المرحلة الثانية التي امتازت الدراسات الثقافيّة في رحابها بطابعٍ نصِّيٍّ مسرحيٍّ، تمركزت النشاطات الفكريّة فيها على بحوثٍ وتحليلاتٍ أدبيةٍ تهدف إلى بيان طبيعة الثقافة الشعبية وأنماط الحياة اليومية وماهية وسائل الإعلام وما يدور في فلكها من أفلامٍ وغيرها.

المرحلة الثالثة التي امتازت الدراسات الثقافيّة فيها بطابعٍ عولميٍّ وذهبت إلى ما وراء الماهيوية (الجوهرية)، تمّ التأكيد فيها على مسألة الهوية، ولا سيّما هويات الأقلّيات القومية وكلّ ما هو على غرارها.

(37)

المرحلة الرابعة التي امتازت الدراسات الثقافيّة فيها بطابعٍ حكوميٍّ وسياسيٍّ، دار البحث العلمي فيها حول البنية المؤسّساتية والمناهج الفكرية التي تسفر عن ظهور عرفٍ ثقافيٍّ والطريقة المثلى التي يجب اتّباعها لاحتوائه ضمن نطاق معيّن، وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ هذه المرحلة ما زالت قائمةً حتّى عصرنا الراهن ولم تتجاوز حتّى الآن مرحلة التكوين.

المبحث الثاني: الخلفيات الاجتماعيّة

مركز برمنغهام للدراسات الثقافيّة نشأ واتّسع نطاقه جرّاء بعض العوامل الاجتماعية والثقافية والسياسية حاله حال سائر المراكز والمؤسّسات الناشطة في مجال العلوم الإنسانية، حيث كانت ولادته في النصف الثاني من القرن العشرين على ضوء أحداث شهدها العالم قبل تلك الآونة، وبالأخصّ في النصف الأوّل من القرن المذكور.

لا نبالغ لو اعتبرنا الثقافة آنذاك سبباً لحدوث أبرز تحوّلٍ اجتماعيٍّ مهّد الأرضية المناسبة لظهور الدراسات الثقافية، فحينما اتّجهت الأنظار نحوها باعتبارها بوابةً للولوج في شتّى القضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعلمية للمجتمع، شهد العالم تحوّلاً ثقافيّاً مشهوداً. من البديهي أنّنا لو أردنا تسليط الضوء على تفاصيل هذه العوامل بالشرح والتحليل سوف يتسنّى لنا التعرّف على الأسباب الحقيقية التي أسهمت في نشأة مركز برمنغهام للدراسات الثقافيّة؛ ومن هذا المنطلق سوف نتطرّق إلى بيان بعضها ضمن المباحث التالية:

(38)

1) اهتمام أساطين العلوم الإنسانية بالثقافة:

الاهتمام البالغ بالثقافة من قِبل المفكّرين والباحثين المعنيين بالعلوم الإنسانية، هو أحد الخلفيات الأساسية لنشأة الدراسات الثقافية؛ وذلك ضمن ثلاث مراحل كما يلي:

المرحلة الأولى: الفترة الكلاسيكية التي امتازت بأنّ غالبية المنظّرين خلالها اعتبروا الثقافة مصدراً لبيان سلوك البشر، ما يعني أنّها عبارةٌ عن متغيّرٍ مستقلٍّ؛ وقد تزامنت نهايتها مع بداية مرحلة جديدة رافقت انطلاق الثورة البلشفية وشيوع الفكر الماركسي على نطاقٍ واسعٍ.

المرحلة الثانية: ابتدأت في عقد العشرينيات من القرن المنصرم بعد انطلاق الثورة البلشفية الماركسية في الاتّحاد السوفييتي ورواج نظريات كارل ماركس، وخلالها اعتبرت التطوّرات التقنية ثمرةً يانعةً من ثمار شجرة العلوم التجريبية الحديثة، الأمر الذي أدّى إلى التقليل من شأن التأثير الثقافي بصفته عاملاً فاعلاً ومصيريّاً في الحياة الاجتماعية.

في تلك الآونة ادّعى البعض أنّ تأثير أحد المصانع أو ورشات العمل أكثر من تأثير أحد التيارات الفكرية.

المرحلة الثالثة: ابتدأت في عقد السبعينيات من القرن المنصرم ودخلت الدراسات والبحوث الثقافيّة فيها مضمار النقد الجادّ للنزعات التجريبية الوضعية، وحينها شهدت الساحةُ الفكريةُ انعكاساتٍ واسعةً لآراء ونظريات ناقدي الرؤية العلمية الوضعية

(39)

وعلى رأسهم الفيلسوفان الألمانيان فيلهلم ديلتاي وهانز جورج غادامير.

الجدير بالذكر هنا أنّ هذه الخلفيات التي ارتكزت عليها الدراسات والبحوث العلمية على نقد المذهب الوضعي والتوجّهات الفكرية الماركسية، كان لها دورٌ بارزٌ في إضفاء أهميّةٍ أكثرَ على الجانب الثقافي، ففي عقد الثمانينيات على سبيل المثال انتعشت الرغبة في الشؤون الثقافيّة من جديدٍ وأضحت بمثابة متغيّرٍ نسبيٍّ وعاملٍ مصيريٍّ[1].

قبل تأسيس مركز برمنغهام للدراسات الثقافية، كان هذا النمط من الدراسات واحداً من المواضيع التي تنضوي تحت مظلّة بحوث الفنون والآداب، كذلك تطرّق الباحثون المختصّون بالشؤون الأنثروبولوجية والسوسيولوجية إلى تحليل جانبٍ من الشؤون الثقافيّة بحيث لم يكن هناك أيُّ فرعٍ علميٍّ مستقلٍّ يتكفّل بهذه المهمّة. تجدر الإشارة هنا إلى أنّ الثقافة برأي روّاد النقد الأدبي في تلك الآونة تتجسّد في الشؤون الثقافيّة لعامّة الناس ما يشكّل خطراً يهدّد المعايير الثقافيّة والأخلاقية في الحضارة الجديدة، وهذه الحالة أسفرت عن بروز اهتمامٍ أكثر بهذا النمط الثقافي، حيث تطرّق المفكّرون والباحثون إلى دراسة وتحليل طبيعة الثقافات الفرعية بهدف بيان مدى ارتباطها بالثقافة السائدة وإلى جانب ذلك دوّنوا بحوثاً حول سائر المواضيع المرتبطة بهذا الموضوع مثل السلطوية الثقافيّة التي

(40)

تتّسم بطابعٍ رأسماليٍّ والتداعيات الثقافيّة لنشاطات وسائل الإعلام العامّة الحديثة، ومسألة تقبّل المجتمع لشتّى القضايا الثقافيّة والتي يُصطلح عليها بـ «التثاقف». كلّ هذه النشاطات تمخّض عنها ظهور مركز برمنغهام وساعدت بشكلٍ ملحوظٍ على اتّساع نطاقه.[1]

2) الثقافة بمثابة موضوعٍ اقتصاديٍّ:

لا شكّ في أنّ تدخّل الأنظمة الحاكمة ومختلف المؤسّسات التعليمية الرسمية وغير الرسمية وسائر المراكز الثقافيّة والاقتصادية في الشؤون الثقافية، يعدّ من جملة الخلفيات الاجتماعية التي أدّت إلى بلورة الدراسات الثقافية؛ فهذه الكيانات العامّة كان لها دورٌ مشهودٌ في صياغة النتاجات الثقافيّة وترويجها على نطاقٍ واسعٍ في شتّى المجتمعات البشرية، فقد شهد العالم في فترةٍ من الزمن ظاهرةً أطلق عليها الصناعة الثقافيّة لكون المنتجات الثقافيّة دخلت في ميدان الاقتصاد والتجارة.

الاعتقاد السائد في الماضي هو عدم إمكانية الاعتماد على الثقافة والفنّ لتحقيق أرباحٍ ماليةٍ باعتبارهما أمريْن كمالِيّيْن وذوقيّيْن، لكن بعد تأسيس المتاحف والحدائق الترفيهية والمتنزّهات باختلاف أنواعها وما إلى ذلك من مراكزَ ومرافقَ عامّةٍ، أدرك الناس أنّهما مصدران للإنتاج والكسب الاقتصادي، لذلك أصبحوا ينظرون إلى الثقافة من زاويةٍ اقتصاديةٍ، وبالفعل فقد تمّ تحقيق أرباحٍ ماليةٍ بيسرٍ

(41)

وسهولةٍ اعتماداً على قضايا ثقافيةٍ، وجرّاء ذلك حدث ارتباطٌ وثيقٌ بينها وبين التنمية[1].

الجدير بالذكر هنا أنّ القطاع الثقافي قبل عقد الستينيات من القرن الماضي من الناحية المالية كان يحظى بدعمٍ حكوميٍّ، وذلك لعدم استقلاله من هذه الناحية، لكن بعد ذلك طرأ تحوّلٌ مشهودٌ على الساحة الثقافيّة حينما أصبحت النتاجات الفنّية وغير الفنّية ذاتَ قيمةٍ ماليةٍ ودخلت في عالم الاقتصاد والتجارة من أوسع أبوابه بحيث بات الفنّ منتجاً للثروة، وفي هذا المضمار ظهرت أنماطٌ جديدةٌ من الصناعات الثقافيّة مثل السياحة لتتحوّل خلال فترةٍ قصيرةٍ إلى واحدةٍ من أهمّ الصناعات العالمية للكسب المادّي، كما أنّ صنعة العلم فرضت نفسها بشكلٍ مفاجئٍ على نطاقٍ واسعٍ في العالم بعد أن شاعت ظاهرة التحاق طلاب وافدين من شتّى أرجاء العالم بمختلف الجامعات والمعاهد إلى جانب تجارة النتاجات العلمية وتبادل المعلومات بشكلٍ تجاري؛ ومن هذا المنطلق أصبحت الكفاءاتُ المعنويةُ التي كانت توصف يوماً بأنّها غيرُ منتجةٍ اقتصاديّاً مصدراً لإنتاج الثروات المالية[2].

3) تقنيات العلاقات العامّة:

الشبكاتُ المعلوماتيةُ العالميةُ حينما ظهرت أحدثت تغييراتٍ ملحوظةً على الصعيد الإعلامي، حيث تمكّنت العديد من وسائل

(42)

الإعلام في رحابها من بسط نفوذها على نطاقٍ واسعٍ وتنوّعت نشاطاتها، وهذه الظاهرة ألقت بظلالها على الثقافة السائدة في شتّى المجتمعات وبالتالي انعكس هذا التأثير على السلوكيات الفردية أيضاً.

فضلاً عمّا ذُكر فقد أثّرت الشبكات المعلوماتية على طريقة تعامل وسائل الإعلام مع مختلف المؤسّسات المشرفة على إدراة المجتمع والمرتبطة به بشكلٍ مباشرٍ، مثل السياسة والاقتصاد والأسرة والتربية والتعليم؛ فالنشاطات الإعلامية كان لها تأثيرٌ مشهودٌ في صياغة المبادئ الإيديولوجية العامّة وتغيير ما كان موروثاً منها، كذلك لعبت دوراً في صقل الأسس الإيديولوجية المعتمدة في تعريف واقع العلاقات الاجتماعية والشؤون السياسيّة[1].

وممّا زاد من أهمية الدراسات والبحوث الثقافيّة خلال هذه الفترة، أنّ تقنيات العلاقات العامّة ساهمت في ازدهار الواقع المعيشي الطبقات الاجتماعية المهمّشة وإقحامها في عالم الثقافة، حيث انعكست آثارها في حياة الطبقة العاملة والأقلّيات والنساء والفقراء بعد أن شجّعتهم على الخوض في غمار الإنتاج الثقافي وتبادل المعلومات.

4) رواج ظاهرة الهجرتين الداخليّة والخارجيّة:

لا شكّ في أنّ بعض التغييرات الاجتماعية الهامّة التي شهدتها

(43)

البشرية إبّان القرن العشرين، كان لها تأثيرٌ كبيرٌ في انتشار ظاهرة الهجرة على الصعيدين الداخلي والخارجي، ففي كلّ بلدٍ بدأ القرويون يهاجرون إلى المدن، كما أنّ أبناء بعض البلدان شدّوا الرحال إلى بلدانٍ أخرى؛ وقد أسفرت هذه الظاهرة عمّا يلي:

- تشتّت الفئات القومية وتداخل الأعراق مع بعضها.

- اكتساب الناس تجاربَ ثقافيّةً جديدةً تعدّدت مع تعدّد الثقافات العالمية.

- حدوث خلافاتٍ ثقافيّةٍ.

- امتزاج الثقافات الفرعية مع بعضها.

- ظهور هوياتٍ جديدةٍ مركّبةٍ من عدّة أصولٍ، أي هوياتٍ هجينةٍ.

- تزعزع الهويات القوميّة واللغويّة والوطنيّة والدينيّة[1].

ولا شكّ في أنّ هذه الظاهرة زادت من أهمية تدوين دراساتٍ وبحوثٍ ثقافيّةٍ على ضوء المبادئ الثقافيّة التي يتبنّاها عامّة الناس.

5) ولادة مجتمعاتٍ جماهيريةٍ جديدةٍ:

من جملة العوامل الأخرى التي أدّت إلى رواج الدراسات الثقافية، نشأة مجتمعاتٍ جماهيريّةٍ جديدةٍ حملت معها أزماتٍ وتحدّياتٍ غيرَ مسبوقةٍ؛ وأهمّ ما تمخّض عن ذلك اتّساع نطاق الحياة المدنية وازدهار التقنيات الصناعية التي نجمت عنها آثارٌ

(44)

مخرّبةٌ؛ والسبب في كلّ ذلك يعود إلى حاجة المجتمع الجماهيري ومتطلّباته الجديدة، حيث انتشرت الصناعات الآلية وترامت أطراف المدن الصغيرة لتصبح مدناً كبيرةً إلى جانب تمدّد المدن الكبيرة التي تعجّ بالسكان بعد أن استقطبت نحوها أعداداً هائلةً من الأيدي العاملة والمهاجرين الباحثين عن العمل والراغبين بالعيش في مجتمعاتٍ مدنيةٍ حديثة.

هذه الظاهرة زعزعت القيم الاجتماعية وغيّرت بنيتها الأساسية بعد أن اجتمعت فئاتٌ بشريّةٌ متنوّعةُ المشارب والتوجّهات في مكانٍ واحدٍ وارتبطت مع بعضها على ضوء علاقاتٍ جديدةٍ من نوعها، وجرّاء ذلك تضاءلت النشاطات الزراعيّة وتشتّت سكّان القرى بحيث كادت الحياة القرويّة التقليديّة تؤول إلى الأفول، ناهيك عن تزعزع أركان التديّن وشيوع ظاهرة العلمنة في شتّى المجتمعات؛ وكلّ هذه الأوضاع كانت بطبيعة الحال على ارتباطٍ وطيدٍ بالتطوّر العلمي، حيث شهد العالم سطوة الصناعات الآلية التي جرت على نسقٍ متواصلٍ إلى جانب ظهور أعمالٍ وحرفٍ جديدةٍ من نوعها أسفرت عن تهميش الهويّة الأصيلة للعمّال والمنتسبين في المصانع وورشات العمل، كما سادت نزعةٌ عامّةٌ إلى الإقامة في المدن الكبيرة التي انعدم فيها النظم الأخلاقي الجماهيري واضمحلّت في رحابها المبادئ الأصيلة التي كانت متعارفةً سابقاً.

المجتمع الشعبي برأي باحثي مركز برمنغهام للدراسات الثقافيّة عادةً ما يتكوّن من جماعاتٍ بشريّةٍ مشتّتةٍ لا يوجد أيُّ ارتباطٍ منسجمٍ في ما بينها ولا تتبنّى مُثُلاً سلوكيةً متشابهةً بحيث كان ارتباطُها مجرّدَ

(45)

توافقٍ إيكولوجيٍّ مفروضٍ عليها بالإجبار وتكيُّفٍ مع البيئة، وهذا يعني التشبّث بمبادئ الإيكولوجيا الثقافيّة (Cultural ecology)[1]، لذلك كانت العلاقات الاجتماعية هشّةً لا حيويّةَ فيها ولا انسجام[2].

حصيلة كلّ هذه المجريات أنّ المعنيين بالشؤون الفكرية والتنظيرية وجدوا أنفسهم ملزمين بدراسة وتحليل واقع التجمّعات البشرية الجماهيرية وسلوكيات أرباب العمل، ومن ثمّ تسليط الضوء على الآثار المخرّبة اجتماعيّاً جرّاء كلّ ما حدث من تغييراتٍ ولا سيّما على الصعيد الثقافي؛ وهذا يعني بطبيعة الحال ضرورة إجراء دراساتٍ ثقافيّةٍ دقيقةٍ بهذا الخصوص.

6) تداعيات النقد الموجّه لمدرسة فرانكفورت:

لا يختلف اثنان في وجود تداعياتٍ مؤثّرةٍ تمخّضت عن الرؤية النقديّة التي تبنّتها مدرسة فرانكفورت والتي انعكست انتقاداتها في الأوساط الفكريّة بشكلٍ ملحوظٍ، فهذه الرؤية كانت خلفيةً مناسبةً لظهور توجّهاتٍ نقديّةٍ من طرازٍ جديدٍ ولا سيّما في مجال الدراسات الثقافيّة؛ والملفت للنظر هنا أنّ جانباً من النقد الموجّه لهذه المدرسة الفكريّة على صعيد بيان نقاط ضعفها وقوّتها قد كان سبباً أساسيّاً في بلورة المراحل الأولى من الدراسات الثقافيّة في بريطانيا، وفي هذا المضمار برع عددٌ من الباحثين والمفكّرين في بيان الآثار المدمّرة لثقافة الرسملة ضمن دراساتٍ وبحوثٍ

(46)

باثولوجيةٍ، ومن أبرزهم ثيودور أدورنو وماكس هوركهايمر وهربرت ماركيوز، وبالتالي تهيّأت الأرضية المناسبة لإجراء بحوثٍ موسّعةٍ من قِبل مركز برمنغهام للدراسات الثقافيّة[1].

الجدير بالذكر هنا أنّ الدراسات والبحوث الثقافيّة التي دوّنها المفكّرون البريطانيون كانت ذاتَ تأثيرٍ بالغٍ على الكثير من الأطروحات الأساسية في مدرسة فرانكفورت، حيث تبنّت سلسلةً من التوجّهات الانتقادية على صعيد نقد النتاجات الثقافيّة وتحليلها؛ لكنّها رغم ذلك تختلف في متبنّياتها الفكرية مع هذه المدرسة الألمانية، لأنّها لم تُعِر اهتماماً بالغاً لتيارات الحداثة بما يضاهئ ما قام به روّاد المدرسة الفرانكفورتية، التي سلّطت الضوء بشكلٍ أساسيٍّ على النتاجات الإعلاميّة الثقافيّة والقضايا التي يستسيغها عامّة الناس.

باحثو مركز برمنغهام للدراسات الثقافيّة حاولوا إضفاء صبغة رسمية على مسألة دراسة ثقافة عامّة الناس والثقافة الإعلامية في رحاب التخلّي عمّا كان يوصف بأنّه ثقافةٌ متعاليةٌ؛ لكن على الرغم من توسيعها نطاق مفهوم الثقافة ليعمّ جميع جوانب الحياة اليومية للبشر ويضمّ إلى دلالته المفهوم الثقافي الذي تسعى مدرسة فرانكفورت إلى ترويجه من منطلق أنّ الشأن الثقافي على ضربين أحدهما متعالٍ والآخر متدنٍ؛ لكنّها وجّهت نقداً لما يسمّى بالصنعة الثقافيّة المطروحة من قبل الفرانكفورتيين[2].

(47)

7) ظهور حركاتٍ اجتماعيّةٍ جديدةٍ:

بعض الحركات الاجتماعية الجديدة ظهرت على الساحة بعد أن نشطت تجمّعاتٌ بشريّةٌ فرعيّةٌ ذات ميزاتٍ إثنيةٍ ودينيّةٍ متنوّعةٍ، وأبرزها الحركات النسوية -الفمينية- ومنظّمات الحفاظ على البيئة والحركات المناهضة للعنصريّة والاستعمار، حيث تمخّضت عنها دراساتٌ وبحوثٌ ثقافيّةٌ متنوّعة؛ وأمّا مركز برمنغهام للدراسات الثقافيّة فقد تمحورت نشاطاته الثقافيّة حول مباحثَ داخليةٍ ومختلف ردود الأفعال تجاه الحركات الكفاحية والنشاطات الاجتماعية في عقدَيِ الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم، ومن هذا المنطلق دوّنت بحوثٌ ودراساتٌ بخصوص شتّى المناهج والإيديولوجيات الطبقية والقوميّة والإثنيّة والوطنيّة، تمّ تسليط الضوء فيها على ما تمخّضت عنه هذه القضايا من آثارٍ ضمن النصوص الثقافيّة والإعلاميّة[1].

8) العولمة:

من المؤكّد أنّ العولمة كان لها الأثر البالغ في نشأة الدراسات الثقافيّة باعتبارها ظاهرةً اجتماعيّةً شموليّةً، حيث تطرّق الباحثون فيها إلى كلّ ما يترتّب عليها من تبعاتٍ ثقافيّةٍ؛ ويمكن تلخيص أهمّ تداعياتها في هذا الصعيد بما يلي:

- تجاوز الحدود الإقليمية،

(48)

- تهميش التوجّهات الثقافيّة الخاصّة والمحدودة،

- ترويجُ مبادئَ ثقافيّةٍ عامّةٍ على ضوء تعدّد الثقافات وامتزاجها،

- الاعتماد على أنماطٍ سيميائيةٍ متنوّعةٍ (نشأة مبادئَ دلاليةٍ متعدّدةِ الطبقات)،

- تهميش المصادر الكلاسيكيّة التي تُصقل في رحابها الهويتان الفرديّة والاجتماعيّة،

- تعدّد الهويات وامتزاجها،

- انصهار القوميات مع بعضها،

- تنوّع أنماط الحياة،

- ظهور مثُلٍ جديدةٍ للحياة الاجتماعية بشكلٍ متواصلٍ ومتوالٍ،

- ظهور ثقافةٍ عامّةٍ وشموليّةٍ تتجاوز جميع الحدود في العالم ولا ترتبط بأيّ مبدأٍ وطنيٍّ أو شعبيٍّ أو تأريخيٍّ[1].

9) مدرسة أف. آر. ليفس[2] الفكرية والاهتمام بالثقافة العامّة (الليفسية leavisism):

أتباع نظريات الباحث الغربي أف. آر. ليفس رفضوا رأي من اعتبر الثقافة مجرّد نشاطٍ ترفيهيٍّ، حيث أكّدوا على أنّها وسيلةٌ لصيقلة

(49)

الناضجين عقليّاً وفق استنتاجاتٍ خاصّةٍ ومتّزنةٍ تتقوّم بواقع الحياة.

مدرسة ليفس الفكريّة دعت إلى تسخير النظام التعليمي لنشر المعارف على نطاقٍ واسعٍ ضمن مفاهيمَ أدبيّةٍ، وفي هذا السياق رفضت النظريّات التجريبيّة الحديثة ودافعت عن بعض النظريات الأدبية التي تهدف إلى إحياء المشاعر الأخلاقية للقرّاء، وذلك بادّعاء أنّ الاطّلاع على هذا النمط من الآثار يُعدّ خلفيةً مناسبةً لتنامي شخصية الإنسان وفهمه للحياة بأسلوبٍ معقولٍ ووفق معاييرَ متناسقةٍ.

لم ينفكّ أتباع هذا التيار الفكري عن توجيه نقدٍ لاذعٍ للثقافة العامّة الحديثة، وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ آراءهم كانت منطلقاً أساسيّاً لبعض الباحثين والمفكّرين في تدوين بحوثهم ودراساتهم الثقافيّة وعلى رأسهم ريتشارد هوغرت وريمون وليامز، إذ كانت نشاطاتهما الفكرية المتناغمة مع نظريات ليفس متواكبةً مع رؤًى مزدوجةٍ، فمن جهةٍ أكّدا على أنّ الآثار الأصيلة التي حظيت بتأييد ليفس أكثر ثراءً من ثقافة عامّة الناس، ومن جهةٍ أخرى اتّهما هذه المدرسة الفكريّة بكونها في منأًى تامٍّ عن الثقافة التي ترعرعا في رحابها ولا تعبأ بها مطلقاً.

فضلاً عمّا ذُكر فإنّ تحوّل الثقافة إلى مضمارٍ عامٍّ وشاملٍ يعني عدم اقتصارها على شريحةٍ اجتماعيّةٍ خاصّةٍ، وكذا هو الحال بالنسبة إلى الفنّ الذي ينضوي تحت مظلّتها؛ لذلك لم تعد ميزةً تتّسم بها حياة الطبقة الأرستقراطية، الأمر الذي أدّى إلى ازدهار الآثار الفنّية

(50)

التي تتناسق مع أذواق عامّة الناس والآثار التي تنتج من قبل جميع الشرائح الاجتماعية دون استنثاءٍ، ومن هذا المنطلق أصبحت ذاتَ قيمةٍ جماليةٍ، لكن قبل ذلك لم يكن لها أيُّ اعتبارٍ، وما كانت الثقافة الشعبية تحظى بأيِّ قيمةٍ جماليةٍ في الأوساط الفكرية، بل ولم تكن تُدرج ضمن الآثار الفنّية من الأساس. هذه التحوّلات المتوالية كانت سبباً في مبادرة هوغرت إلى تأسيس مركز الدراسات الثقافيّة المعاصرة CCCS بعد تأليفه كتاباً حول فوائد التعليم[1].

10) سياساتٌ ثقافيّةٌ تاتشريةٌ:

بعد رواج الدراسات الثقافيّة اتّخذت رئيسة وزراء بريطانيا السابقة مارغريت تاتشر سياساتٍ ثقافيّةً خاصّةً، أصبحت خلفيةً اجتماعيةً هامّةً أثّرت بشكلٍ ملحوظٍ على وجهات النظر التي تمحورت حولها هذه الدراسات.

تجدر الإشارة هنا إلى أنّ المفكّر البريطاني ستيوارت هول هو الذي ابتدع مصطلح التاتشرية وأراد منه بيان القضايا التالية:

- النزعة الثقافيّة الفردانية على الصعيدين الاقتصادي والقومي،

- العمل على التقليل من تدخّل النظام الحاكم في حياة المواطنين الخاصّة،

- فسح مجال أوسع للناشطين الاقتصاديين في صياغة البنية الأساسية لمعظم العلاقات الاجتماعيّة،

(51)

- رفض الاختلافات الطبقية بشتّى أشكالها،

- عدم التمييز بين مختلف الفئات العرقية والإثنية والجنسية باعتبار أنّه تهديدٌ للوحدة الوطنية،

- التمسّك بالقيم الوطنية للتغلّب على المدّ الثقافي الدخيل وتجاوز المخاطر الناجمة عن ظاهرة العولمة،

- التصدّي للآثار السلبية الناجمة عن النشاطات الاقتصادية الواسعة،

- ملء الفجوات الثقافيّة والاقتصادية على ضوء مساعٍ وطنيةٍ شاملةٍ،

- منح الأسرة مكانتها التي تستحقّها بصفتها كياناً أصيلاً،

- السعي لإحياء الدور التقليدي لكلٍّ من الرجل والمرأة في المجتمع،

- مواجهة الحركات الاقتصادية غير الغربية لكونها تشكّل خطراً يهدّد كيان التراث البريطاني،

- رفع كفاءة النشاطات الإعلامية لأجل التسريع بنقل المعلومات وتبادلها عالميّاً ولا سيّما في المضمار الاقتصادي،

- زيادة قابلية المعنيين ثقافيّاً كي يُسهموا بشكلٍ فاعلٍ في النشاطات الاقتصاديّة[1].

هذه السياسات كان لها تأثيرٌ بالغٌ على الثقافة العامّة في بريطانيا،

(52)

وبالتالي حفّزت مركز برمنغهام للدراسات الثقافيّة على تسخير جانبٍ من نشاطاته لاستقصاء المبادئ الثقافيّة ومعرفة الأسباب التي أدّت إلى نجاح بعض الإيديولوجيات السياسية مثل التاتشرية والقومية العنصرية في استقطاب عددٍ كبيرٍ من المواطنين نحوها.

إذاً، يمكن اعتبار التاتشرية واحدةً من العوامل الهامّة التي ساعدت على توسيع رقعة الدراسات الثقافيّة[1].

المبحث الثالث: الخلفيات الإبستيمولوجية

العلوم الإنسانية انتعشت في القرنين التاسع عشر والعشرين، والعوامل الأساسية في نشأتها وتطوّرها تُعْزَى إلى خلفياتٍ فلسفيةٍ وإبستيمولوجية، ولا شكّ في أنّ بعض التحوّلات المعرفية التي شهدتها البشرية إبّان النصف الأوّل من القرن العشرين مهّدت الأرضية المناسبة لتدوين دراساتٍ وبحوثٍ ثقافيةٍ، لذا إن أردنا معرفة الخلفيّات الأساسيّة التي ساعدت على نشأة مركز برمنغهام للدراسات الثقافيّة فمن الحريّ بنا تسليط الضوء على المبادئ الإبستيمولوجية الشائعة في الأوساط الفكريّة آنذاك؛ وفي ما يلي نذكر بعض التحوّلات المشار إليها بشرحٍ وتفصيلٍ:

1) عقم الأساليب الوضعية:

الأوساط الفكريّة في بداية القرن الثامن عشر شهدت رواجَ نزعاتٍ وضعيةٍ على نطاقٍ واسعٍ، والنتيجة الحتمية لهذه الظاهرة

(53)

تجسّدت في طغيان التوجّهات التجريبية في شتّى مبادئ العلوم الإنسانية والاجتماعية.

المذهب التجريبي الذي اقترن مع المبادئ الوضعية هو الآخر بسط نفوذه وطُرحت على أساسه النظرية القائلة بأنّ العلوم الاجتماعية على غرار العلوم الطبيعية، إذ لها القابلية على احتواء الإنسان والمجتمع وبيان طبيعتهما؛ وفحوى هذه النظرية هي إمكانية تعريف الإنسان والمجتمع الذي يعيش في رحابه عن طريق الإحصائيات والأعداد أسوةً بالتوجّهات الفكريّة لدعاة التيار التنويري وعلى ضوء الفرضيات التي طرحوها.

الجدير بالذكر هنا أنّ الوضعية في القرن التاسع عشر ضيّقت نطاق المناهج العلمية لتقتصر على الحسّ والتجارب المختبرية، وإثر ذلك بادر الباحثون والمفكّرون المناهضون لهذه التوجّهات إلى توجيه نقدٍ لاذعٍ لها من منطلق اعتراضهم على ادّعاء من يعتقد بسيطرة المبادئ التجريبية البحتة على العلوم الإنسانيّة[1].

فضلاً عمّا ذُكر فالنقد اللاذع للمذهب الوضعي والسعي لإثبات عدم نجاعته في مجال العلوم الاجتماعية، أدّى إلى تزعزع أركانه وانهياره ومن ثمّ انهيار الفكر التجريبي في نطاق فلسفة العلم؛ ويمكن تلخيص ذلك في النقاط التالية:

أ - تزعزع الأركان الأساسية للمنهجيات والنظريات الوضعية

(54)

المتبنّاة في شتّى جوانب العلوم الاجتماعية وتفريعاتها من مبادئَ أنثروبولوجيةٍ وإنسانويةٍ وسوسيولوجيةٍ.

ب - توفّرُ وسائلَ منطقيةٍ أكثرَ اعتماداً لروّاد الجيل الثاني من المدرسة النقدية الذين أُتيحث لهم فرصة ذهبية لإثبات فرضياتهم وآرائهم، وعلى هذا الأساس تمكّنوا من طرحها بكلّ ثقةٍ في الأوساط الأكاديمية بحيث أصبحت مادّةً دسمةً للبحث والنقاش وتبادل وجهات النظر.

ج - بعد أن تخلّص علم الاجتماع من قيود المنهجيّة القديمة وخرج عن بنيته الاجتماعية الكلاسيكية التي استحوذت على الساحة الفكرية إبّان القرن التاسع عشر وفي بداية القرن العشرين، طُرحت في رحابه نظرياتٌ منبثقةٌ من توجّهاتٍ عقليّةٍ تفوق مستوى الأسس العقلانية التجريبية.

د - ساهم النقد المذكور في تنشيط بعض التخصّصات والفروع العلمية، مثل علم الاجتماع الإبستيمولوجي وفلسفة العلوم الاجتماعية والدراسات الثقافية، إذ لا محيص للبحث العلمي من تسليط الضوء على هذه الأطر العلمية في ما لو أريد منه بيان جذورها الأنطولوجية.[1]

المسألةُ الجديرةُ بالاهتمام على صعيد ما ذُكر هي أنّ الدراسات الثقافيّة والنشاطات الإعلامية شهدت ازدهاراً وانتعاشاً إلى حدٍّ ما قبل النصف الثاني من القرن العشرين، فالثقافة منذ القرن التاسع

(55)

عشر كانت أهمَّ موضوعٍ مطروحٍ في مضمار الدراسات والبحوث الأنثروبولوجيّة، وهذا الأمر لم يقتصر على العالم الغربي فحسب، وإنّما كان ظاهرةً علميةً في سائر المجتمعات البشرية، فالأوساط العلمية في البلدان غير الغربية والتي لا تدرج في قائمة البلدان الصناعية لم تتخلّف عن ركب الحركة الثقافية.

النشاطات الإعلامية هي الأخرى كانت مادّةً دسمةً لبحوث ودراسات علماء الاجتماع منذ النصف الأوّل للقرن العشرين وطوال الفترة التي شهدت حرباً مدمّرةً، وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ التحوّلات الإبستيمولوجية ساهمت بشكلٍ ملحوظٍ في تفعيل الجانبين الثقافي والإعلامي في شتّى المجتمعات البشرية، كما اعترفت رسميّاً بهما باعتبارهما مضماريْن مؤثّريْن على الواقع الفكري للعلماء والمفكّرين إلى جانب كونهما موضوعيْن للعلم والمعرفة[1].

2) ظهورُ رؤًى نقديّةٍ جديدةٍ:

العلوم الاجتماعيّة بعد أن تحرّرت من القيود المنهجية والبنيوية التي فرضتها عليها السوسيولوجيا الوضعية إبّان القرن التاسع عشر، طرحت في رحابها نظرياتٌ تتقوّم على استنتاجاتٍ عقليّةٍ تختلف عمّا كان شائعاً في الأوساط العلمية قبل تلك الآونة؛ والسبب في ذلك يعود إلى انهيال نقدٍ لاذعٍ على وجهات النظر الوضعية والمذهب التجريبي في البحوث العلمية المدوّنة حول فلسفة العلم.

رواج النظريات الماركسية في عقدَيِ العشرينيات والثلاثينيات

(56)

من القرن المنصرم أسفر عن ظهور عهدٍ جديدٍ آلت فيه بعض النظريات إلى الأفول، ولا سيّما تلك التي اُدُّعِيَ فيها إمكانيةُ استكشاف القوانين العامّة والتي زعم أصحابها بأنّهم قادرون على معرفة حقيقة الإنسان دون أيِّ افتراضاتٍ مسبقةٍ، حيث ثبت عقمها وعدم نجاعتها، وفي خضمّ هذه الأحداث اتّضحت شتّى النقاط الإيجابية والسلبية للحداثة.

ولا نبالغ لو قلنا أنّ الحداثة بهيئتها الرأسمالية كانت سبباً في انعدام العدل وتفاقم الاختلافات الطبقية في المجتمع، إذ الشعارات التي رفعها روّاد حركة التنوير الفكري لم تتحقّق على أرض الواقع وبقيت حبراً على ورقٍ؛ لذلك واجهت نقداً جادّاً من قبل أتباع مدرسة فرانكفورت، حيث اعترضوا على الطابع الراديكالي للسوسيولوجيا الكلاسيكية وحاولوا بيان الجوانب الأصيلة للسوسيولوجيا الكلاسيكية، وفي هذا السياق تصدّوا بطبيعة الحال لكلّ نقدٍ تمّ توجيهه لهم ودافعوا عن آرائهم ونظرياتهم؛ وهذا جانبٌ محدودٌ من الأحداث التي شهدتها الأوساط الفكريّة إبّان النصف الأوّل من القرن العشرين على صعيد الأفق الضيّق للسوسيولوجيا الوضعية[1].

3) ظهور نظرياتٍ تأويليةٍ وفينومينولوجيةٍ:

بعد أن تزعزعت أركان الرؤية التجريبية على صعيد العلوم الإنسانيّة، شهدت العلوم الاجتماعية تدريجيّاً ظهور رؤًى جديدةٍ بديلةٍ عنها، ومن جملتها الرؤية التي تتقوّم على توجّهاتٍ فينومينولوجيةٍ؛ وقال

(57)

أحد الباحثين بهذا الخصوص: «الفينومينولوجيا تتمحور حول إمكانية إعادة إنتاج المبادئ اللغوية في المجتمع، والعلماء الذين يسلكون هذا النهج الفكري عادةً ما يسلّطون الضوء في هذا المضمار على المعاني الدلالية وكيفية فهمها ذاتيّاً وإدراكيّاً ولغويّاً، لذا يرفضون جميع الأسباب والمسبّبات المزعومة في العلوم الطبيعية. كما يعتقد هؤلاء بأنّ السلوك الإنساني عبارةٌ عن حركةٍ ممتزجةٍ بطبقاتٍ متنوّعةٍ وغيرِ متناهيةٍ من المعاني الدلالية التي لا يمكن استقصاؤها بالكامل[1]».

اضمحلال العلوم التي تمحورت مواضيعها حول دراسة الثقافة كان سبباً في ظهور إبستيمولوجيا من نمطٍ جديدٍ ومن جملتها المبادئ الهرمنيوطيقية الأنثروبولوجية التي طُرحت من قبل المفكّر الأمريكي كليفورد غيرتز، فالباحث وفق هذا النمط الإبستيمولوجي له القابلية على دراسة وتحليل مختلف الطبقات الثقافيّة المجهولة والغامضة.

4) عجز العلوم الإنسانية عن أداء دورٍ تنويريٍّ:

الأوساط الفكرية الغربية خلال تلك الآونة لم تكن تؤيّد العلوم التي لا أثر لها على الصعيد الاجتماعي، ومن هذا المنطلق فكلّ علمٍ كان يظهر بهذه الهيئة عادةً ما يواجه اعتراضاً ونقداً لاذعاً، وهذا ما حدث بالنسبة إلى العلوم الإنسانية والاجتماعية، حيث احتدمت حولها نقاشاتٌ واسعةٌ ولم تكن تحظى بتأييدٍ، وهذا الموقف لم يقتصر على العالم الغربي فحسب، بل تبنّته الأوساط الفكرية في سائر البقاع من العالم أيضاً.

(58)

يُعْزَى السبب في هذه الاعتراضات إلى ابتعاد خطاب العلوم الإنسانية والاجتماعية عن الخطاب الاجتماعي الذي يتناغم مع الذوق العامّ، وتمخّض عن ذلك تأزيم أوضاع العلوم الإنسانية والتشكيك بمصداقيتها، والجدير بالذكر هنا أنّ حصانة العلوم الاجتماعية من النقد وعدم انخراطها في التيار التنويري يعود في الأساس إلى ترسيخها في الجامعات بطابعٍ مؤسّساتيٍّ، فالجامعات آنذاك ارتكزت على أصولٍ راديكاليةٍ وكانت خاضعةً للأنظمة الحاكمة بشكلٍ مباشرٍ ما أدّى إلى صياغة العلوم الاجتماعية بشكلٍ رمزيٍّ كي لا يُتاح للباحثين والمفكّرين توجيه أيِّ نقدٍ لها أو الاستفسار عن الأسباب التي أدّت إلى زعزعة أوضاع المجتمعات البشريّة من حيث استيلاء الطبقة النافذة على مقدّراتها وشيوع التمييز العنصري ورواج النزعات الإثنية والقوميّة فيها إلى جانب انعدام العدل على الصعيدين الاقتصادي والسياسي.

هذه المشاكل وما ناظرها من نقاط ضعف في العلوم الإنسانية، تدرج في الحقيقة ضمن الأسباب التي ساهمت بشكلٍ ملحوظٍ في تفعيل الدراسات والبحوث الثقافية؛ ومن هذا المنطلق أكّد بعض المفكّرين والباحثين على ضرورة التعامل مع الدراسات والبحوث العلمية الأكاديمية بأسلوبٍ نقديٍّ باعتبار أنّ النقدّ يُعدّ ركيزةً أساسيةً في الدراسات الثقافيّة[1].

(59)

المبحث الرابع: الميزات والخصائص

الدراساتُ الثقافيّةُ ذاتُ طابعٍ مختلفٍ بالكامل عن الدراسات والبحوث العلمية التي تُدوَّن في رحاب العلوم الاجتماعيّة المتعارفة، ويمكن تلخيص أهمّ معالمها في النقاط التالي:

1) تنوّع نظرياتها ومواضيعها ومناهجها:

أوّل ميزة للدراسات الثقافيّة تستقطب النظر نحوها أكثر من أيِّ ميزةٍ أخرى، هي تنوّع نظرياتها ومواضيعها ومناهجها ضمن أصنافٍ عديدةٍ ما يعني أنّها لا تقتصر على نطاقٍ محدودٍ، حيث تتعدّد مواضيع البحث فيها، كما أنّ بعض المفاهيم المستخدمة فيها ذات دلالاتٍ عامّةٍ ومنها ما هو غامضٌ من الأساس.

ويُعْزى السبب في عدم تناغم هذه الدراسات مع الأساليب المتعارفة في الأوساط الأكاديميّة إلى تنوّع وجهات النظر المطروحة في رحابها وقابلياتها التنظيرية الواسعة وتنوّع مناهجها وتعدّد الأساليب البحثيّة المعتمدة فيها.

هذه الدراسات تمتاز إضافةً إلى ما ذُكر بخصائص تتعارض مع بعض الأسس الفكرية المعتمدة في الدراسات الأدبية والسوسيولوجية والتأريخية، كما تختلف بمستوًى أدنَى مع بعض المبادئ اللغوية والسيميائية والسيكولوجية، وهو ما أكّد عليه الفيلسوف ستيوارت هول قائلاً: «الخطاب المعتمد في الدراسات الثقافيّة ذو أنماطٍ عديدةٍ، وجذورها التأريخية عُزِيَتْ إلى مبادئَ متنوّعةٍ، كما تشمل مجموعةً متكاملةً من مختلف الأنماط البنيوية

(60)

ولها مكامنها الخاصّة ومسيرتها التأريخية التي طوتها.

الدراسات الثقافيّة تشمل الكثير من البحوث المتنوّعة ... وهي لم تكن مطلقاً مجرّد أنماطٍ بنيويةٍ ثابتةٍ، ولا تنصبّ في مجرًى واحدٍ، كما أنّ الكثير من المنظّرين فيها تبنّوا وجهاتِ نظرٍ متباينةٍ عن بعضها أسفرت عن حدوث جدلٍ محتدمٍ»[1].

هناك أسبابٌ أسفرت عن تحوّل الدراسات الثقافيّة إلى علمٍ مشتركٍ بين مختلف الفروع التخصّصية دون أن تحدّه أيُّ أطرٍ محدَّدةٍ، لقد حصل ذلك جرّاء تعدّد المناهج والنظريات والأنظمة الدلاليّة الهادفة إلى استكشاف واقع البيئة الثقافيّة في المجتمعات البشرية.

2) تأثّرها بالأسس السوسيولوجية الأوروبيّة:

الميزة الثانية للدراسات الثقافيّة أنّها ذاتُ ارتباطٍ وطيدٍ بالنظريات الاجتماعية السائدة في الأوساط الفكرية الأوروبية باعتبارها المصدر الأساسي للآراء التحليلية والنقدية المعتمدة، فهي في هذا المضمار بمثابة مكمّلٍ لنظريات مدرسة فرانكفورت بحيث تأثّرت إلى حدٍّ كبيرٍ بالتوجّهات الفكرية التي تقوّمت بالمبادئ المطروحة من قِبل مفكّري ما بعد البنيوية، ولا سيّما على الصعيد الإبستيمولوجي[2].

3) الاهتمام بالمجتمع المعاصر

المبادئ الثقافيّة المعتمدة في الدراسات الثقافيّة منبثقةٌ بالكامل

(61)

من واقع المجتمع المعاصر، أي أنّها لا ترتكز على الثقافات التقليدية؛ إذ إنّ المنهجية المتّبعة فيها تتعارض مع منهجية ثقافةٍ عامّةٍ الناس والتي يتمّ التأكيد فيها على الأسس الثقافيّة الكلاسيكية.

الجدير بالذكر هنا أنّ المفكّر دورينغ اعتبر الدراسات الثقافيّة محوراً لتحليل المبادئ الثقافيّة المعاصرة وتشخيص معالم المجتمع الحديث.[1]

4) ابتعادها عن الرؤية التشاؤمية المتّبعة في مدرسة فرانكفورت:

المعنيون بالدراسات الثقافيّة نأوا بأنفسهم عن الرؤية المتشائمة التي تبنّاها روّاد مدرسة فرانكفورت الفكرية وأتباع المدرسة النقدية تجاه الثقافة، وإضافةً إلى أنّ المفكّرين والباحثين المعنيين بهذه الدراسات اقتبسوا الكثير من مبادئ المدرسة الفرنكفورتية على صعيد نقد الثقافات الجماهيرية بحيث بادروا إلى تحليل واقع الثقافة في الحياة اليومية وتطرّقوا إلى بيان شتّى التفاصيل المتعلّقة بها، فقد كانت لديهم رغبةٌ جامحةٌ في بيان معالم ثقافة عامّة الناس التي يصطلح عليها بأنّها ثقافةٌ جماهيريةٌ[2].

5) تسليط الضوء على المخاطَب الفاعل:

الدراسات الثقافيّة تتمحور بشكلٍ أساسيٍّ حول المخاطَب الفاعل، حيث لم يحذُ المعنيون بها حذو روّاد مدرسة فرانكفورت

(62)

الذين سلّطوا الضوء في نظرياتهم على البنى العامّة ولا سيّما الشخصيات التي تتولّى مهمة التنظير العامّ، فالمتصدّون لشأن البحث العلمي في مركز برمنغهام للدراسات الثقافيّة سخّروا جهودهم بشكلٍ أساسيٍّ لتحليل شخصية المخاطَب الفاعل.

مفهوم الصناعة الثقافيّة يشير إلى ما يقوم به المنظّرون الذين يطرحون في المجتمع الجماهيري نظرياتٍ تتناغم مع ذوق السلطة الحاكمة، وهدفهم هو المخاطَب غير الفاعل والذي لا دور له في الحياة السياسية؛ لذا عادةً ما يكون مخاطَبوهم متأثّرين ويتّبعون أساليبَ رمزيةً للخلاص من السلطوية والتبعية البحتة؛ بينما الدراسات الثقافيّة تسلّط الضوء على المخاطَب المبدع والمؤثّر لتحليل واقع شخصيّته[1].

المنظّرون في مدرسة برمنغهام للدراسات الثقافيّة أكّدوا على أنّ مخاطَبي وسائل الإعلام ليسوا مجرّد أشخاصٍ متأثّرين، بل تتنوّع قابلياتهم الفكرية والعلمية وتجاربهم ومدّخراتهم المعرفية وميزاتهم العاطفية لدى مواجهة كلّ نظريةٍ تظهر على الساحة، لذا فهم يمتلكون قابلياتٍ عديدةً لاختيار ما يشاؤون بوعيٍ وإدراكٍ، ناهيك عن امتلاكهم قابلياتٍ هرمنيوطيقيةً ورؤًى تأويليةً خاصّةً بهم؛ وعلى أساس ذلك طرح ستيوارت هول مفهوم الترميز، حيث اعتبره منهجاً تعتمد عليه وسائل الإعلام لصياغة المعلومات على هيئة نصوصٍ كي تلقّن متابعيها وجهات النظر التي تتبنّاها، كما اعتبر مفهوم فك

(63)

الترميز دالّاً على الأسلوب المتّبع من قبل المخاطَب لفهم الخطاب الإعلامي الموجّه إليه من قبل مختلف وسائل الإعلام، وبهذا الشكل يتحدى المفاهيم والمداليل النافذة.[1]

بناءً على ما ذكر نستنتج أنّ الدراسات والبحوث التي دُوّنت على صعيد العلاقات العامّة تعتبر التوجّهات الإيديولوجية والثقافية جزءاً من الأوضاع الحاكمة على المجتمع، وتؤكّد على أنّها منتجة لإيديولوجياتٍ ذاتِ تأثيرٍ على المخاطب؛ وبعد ذلك تمحورت حول فكرة أنّ الدراسات الأنثروبولوجية تتطرّق إلى بيان واقع الثقافات الفرعية وطبيعة ارتباطها مع الثقافات النافذة في المجتمع وما إن كانت كلّ ثقافةٍ فرعيةٍ لها القابلية على الصمود أمام تلك الثقافات العامّة الزاحفة نحوها بكلّ قوّةٍ[2].

ومن أبرز النشاطات الثقافيّة في مركز برمنغهام للدراسات الثقافيّة على صعيد ما ذكر، عبارة عمّا يلي:

- 1978م برنامجُ تلفزيونيٌّ يوميٌّ يبثّ على نطاقِ محلِّيٍّ واسع في بريطانيا ويتمّ تدوين السيناريو الخاصّ به من قبل ديفيد مورلي الناشط في مركز الدراسات الثقافيّة المعاصرة بجامعة برمنغهام.

- 1982م استعراض دالاس: مسلسلات وبرامج ميلودرامية مثيرة قامت بتدوينها السيّدة يين آنج.

(64)

- 1980م بحوثٌ للمفكّر ديفيد مورلي تحت عنوان مخاطبو البرامج التلفزيونيّة العامّة في بريطانيا.

هذه البرامج الثقافيّة وبرامج ونشاطات إعلامية أخرى تنمّ بكلّ تأكيدٍ عن التوجّهات الفكرية التي يتبنّاها المشرفون على مركز برمنغهام للدراسات الثقافية[1].

لا شكّ في أنّ الدراسات التي تجعل المخاطَب مرتكَزاً لأطروحاتها، عادةً ما ترتكز على نظرية الاستفادة والرضا التي هي في مقابل النظريات النمطية التي تتقوّم بأساس أسلوبٍ نمطيٍّ، فهي على غرار نظرية حقن الإبرة تحت الجلد (hypodermic (needle أو نظرية الرصاصة السحرية bullet theory)) المنسوبة إلى الباحث ولبر شرام، ونظرية الاستجابة المحرّكة لدفلور وبول فيتش؛ فقد سلّط أصحاب هذه النظريات الضوء على العلاقات من ناحيةٍ واحدةٍ، أي من الأعلى إلى الأسفل؛ وفي مقابل ذلك فإنّ مركز برمنغهام أعار اهتماماً في نظرياته لرضا المخاطب باعتباره هدفاً أساسيّاً، والباحث روسينغرين (Rosengren) لخّض الأصول البنيوية لهذه الرؤية في سبع نقاطٍ كما يلي:

1) المخاطَب يفي بدورٍ فاعلٍ.

2) المخاطَب المستهدف من وسائل الإعلام يحقّق فوائد ممّا يبثّ فيها.

3) ضرورة اعتماد المخاطَب على وسائل الإعلام التي هي في

(65)

منافسة محتدمة مع سائر المصادر التي تستهويه نحوها.

4) الإبداع الذاتي للمخاطَب يجعله يختار وسائل الإعلام المناسبة وفقاً لمتطلّباته في الحياة.

5) الاستفادة من وسائل الإعلام تسهم في تحقيق رضاً على نطاقٍ واسعٍ، فجميع الناس بحاجةٍ إليها.

6) المواضيع التي تُطرح من قبل وسائل الإعلام لا تتمحور فقط حول بيان الأنموذج البارز للرضا، وإنّما لها ارتباطٌ مع البيئة الاجتماعية بشكلٍ عامٍّ.

7) رضا المخاطَب ممّا يطرح عليه من قبل وسائل الإعلام ربّما يكون ناشئاً من المضامين الإعلامية أو أنّ ظروفه الاجتماعية هي التي تجعله راضياً عمّا يرى ويسمع[1].

المبحث الخامس: المضمون النقدي:

النهج النقدي هو الميزة الأساسية لمركز برمنغهام للدراسات الثقافيّة، لذا فهو من هذه الناحية على غرار مدرسة فرانكفورت، لذا قلّما نجد فيه أثراً لتلك المبادئ الأساسيّة والنظريّات المتعارفة في مجال العلوم الاجتماعيّة.

ويمكن تلخيص أهمّ نشاطاته الانتقادية ضمن الموارد التالية:

- نقد النظريات التي تؤكّد على وجود قدرةٍ خارقةٍ في وسائل

(66)

الإعلام العامّة والشبكات المعلوماتية وتقنيات الاتّصال الحديثة بحيث تؤثّر بشكلٍ فاعلٍ ومباشرٍ على التوجّهات الفكرية للمخاطَبين والرأي العامّ وثقافة المجتمع والنظام الاجتماعي بأسره.

- نقد هيمنة الأفكار البنيوية والثقافات الفرعية والثانوية.

- نقد العلوم الاجتماعية نظراً لعدم اهتمامها بالجانب الثقافي وما يرتبط به من عناصر ومواضيع أساسية.

- نقد هيمنة نمطٍ خاصٍّ من الثقافة واستحواذه على الساحة بشكلٍ حصريٍّ باعتباره ثقافةً آمرةً ومتعاليةً تفوق كلّ ما سواها.

- نقد استحواذ المبادئ الإيديولوجية على النشاطات الإعلامية.

في ما يلي نتطرّق إلى بيان جانبٍ من النقد الموجّه من قبل هذا المركز لبعض النظريات المطروحة في الأوساط الفكرية، ونشير إلى بعض التوجّهات التي يتبنّاها:

1) نقد المذهب الوضعي:

من أبرز ميزات مركز برمنغهام للدراسات الثقافيّة توجيه نقدٍ للمذهب الوضعي الحاكم على أروقة العلوم الاجتماعية، وفي هذا السياق يركّز باحثوه على التوجّهات الذاتانية والجوانب الغيبية في حياة الإنسان، وثمرة هذا التوجّه الفكري بطبيعة الحال هي تسليط الضوء على مختلف النواحي الذاتية والإدراكية على المستويين الفردي والاجتماعي، ومن ثَمّ اتّباع نهجٍ هرمنيوطيقيٍّ خاصٍّ لدى دراسة وتحليل جميع الشؤون الإنسانية[1].

(67)

الباحثون في هذا المركز اعتمدوا في دراساتهم الثقافيّة على مناهجِ بحثٍ نوعيةٍ ولا سيّما إجراء مقابلات تُستقصى منها تفاصيلُ دقيقةٌ غيرُ مصطنعةٍ، حيث يغور البحث في عمق شخصية الإنسان وكيان المجتمع عبر اللجوء إلى المشاهدات الميدانية وأسلوب تحليل الخطاب، إلى جانب الاعتماد على أسلوب تحليل المضمون والأسلوب البنيوي والسيمنطيقي.[1]

الحصيلة المتوقّعة لهكذا نهجٍ بحثيٍّ هي الإلمام الشامل بالخطاب النظري العميق والأفكار الانتزاعية المعتمدة في مؤسّسات التعليم العالي ومختلف الأوساط الأكاديمية، والاتّجاه نحو دارساتٍ إثنوغرافيةٍ تجرى وفق أساليبَ بحثيةٍ توصيفيّةٍ على صعيد القضايا الثقافيّة والاجتماعيّة المعاصرة.

2) اتّباع نهجٍ سياسيٍّ:

المفكّر ستيوارت هول هو الذي أقحم القضايا السياسية ضمن الدراسات والبحوث التي تجرى على الصعيد الثقافي، حيث أكّد على أنّ أهمّية هذه الدراسات والبحوث تكمن في وجهتها السياسية.

النظرياتُ والآراءُ وحتّى المفاهيم التي تُطرح من قِبل المعنيين بالدراسات الثقافيّة ذاتُ ارتباطٍ بقضايا سياسيّةٍ وأخلاقيّةٍ، لذا غالباً ما يثبتون فرضياتهم على ضوء أهدافٍ سياسيّةٍ وأخلاقيّةٍ تطبيقيّةٍ، ومن

(68)

هذا المنطلق فهي برأيهم تُعدّ داعماً أساسيّاً وعاملاً مساعداً للتطوّر العلمي والتثقيف الاجتماعي ممّا دعاهم لأن يؤكّدوا على أنّ الطابع العامّ لهذه الدراسات والقضايا الاجتماعية التي يتمّ تسليط الضوء عليها سياسيٌّ من أساسه، والفائدة من وراء هذا التوجّه تكمن في أنّ هذه الدراسات تفي بدورٍ فاعلٍ على صعيد الأحداث والنزاعات المحتدمة في جميع الأحيان حول مسألة العدل الاجتماعي[1].

3) نقد الفكر الماركسي:

باحثو مركز برمنغهام للدراسات الثقافيّة -ولا سيّما في بداية نشاطاتهم الفكريّة- سلّطوا الضوء بشكلٍ أساسيٍّ على النظريات والآراء المنبثقة من الفكر الماركسي التقليدي والماركسية الجديدة بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشرٍ، لذلك تطرّقوا إلى نقد وتحليل ما طرُح من قبل أبرز المفكّرين الذين ذاع صيتهم على هذا الصعيد من أمثال أنطونيو غرامشي ولويس ألتوسير ونيكوس بولانتساس، ناهيك عن أنّهم لم يهملوا حتّى تلك الآراء المطروحة من قبل الباحثين والمفكّرين الذين تأثّروا بهؤلاء إلى حدٍّ ما. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّهم ضمن نقدهم هذا استندوا أحياناً إلى ما طرح من قبل باحثين ومفكّرين آخرين أيضاً، وعلى رأسهم ميشيل فوكو وجوليان بارنيز وبيير بورديو.

هذه النشاطات الثقافيّة كانت لها تداعياتٌ هامّةٌ في مضمار الدراسات الثقافيّة ولا سيّما طرح أسئلةٍ واستفهاماتٍ أساسيةٍ بخصوص الطبقية الاجتماعية والتوجّهات الإيديولوجية، وفي عقد

(69)

السبعينيات من القرن الماضي بادر المركز إلى دراسة وتحليل واقع الطبقات الاجتماعية على المستويين الاقتصادي والثقافي رغم أنّه واجه مصاعبَ وعقباتٍ عديدةً في هذا المجال ولا سيّما حين متابعة الأوضاع بشكلٍ ميدانيٍّ.

الجدير بالذكر هنا أنّ أتباع الفكر الماركسي والكثير من المعنيين بعلم الاجتماع تنزّلوا بواقع الثقافة واعتبروها قضيةً إيديولوجيةً، كما أكّدوا على أنّ التضادَّ الطبقيَّ الناجمَ عن عواملَ اقتصاديةٍ هو عبارةٌ عن عاملٍ محرّكٍ للتأريخ؛ وفي هذا السياق حاول باحثو مركز برمنغهام الدفاع عن رؤيةٍ ثقافيّةٍ لا يمكن التنزّل بها إلى مستوًى أدنَى إلى جانب تصويرها بكونها جزءاً من الاقتصاد السياسي.[1]

4) نقد النخبوية:

أحد المواقف المعروفة لمركز برمنغهام هو انتقاده التوجّهات الفكريّة التي تتبنّى نهج الدفاع عن النخبوية، ومن هذا المنطلق أقبل باحثوه على إجراء دراساتٍ تتناسب مع الذوق العام والثقافات الشعبية (popular culture)، ففي فترةٍ من الزمن سادت نزعةٌ نخبويةٌ تعزو الثقافة إلى مسائلَ أدبيّةٍ تنويريّةٍ وفنّيةٍ وموسيقيّةٍ ومسرحيةٍ، بينما الدراسات الثقافيّة تؤكّد على كون الثقافة المتعالية مصدراً للقيم السامية، وفي هذا السياق ترفض رأي من يدّعي أنّ الثقافة الشعبيّة عديمة القيمة والأهميّة؛

(70)

ومن هذا المنطلق حاول الباحثون الثقافيون إيجاد ارتباطٍ بين الثقافات الشعبية والسلطة الحاكمة[1].

كما ذكرنا أعلاه، فباحثو مركز برمنغهام انتقدوا آراء ونظريات دعاة النخبوية، واستدلّوا على نقدهم هذا بأنّ الثقافة المتعالية ليست سوى حيّزٍ محدودٍ من الثقافة بطابعها العامّ، لذا ينبغي للدراسات الثقافيّة أن تغطّي نطاق الثقافة الشعبية السائدة بين عامّة الناس؛ فالثقافة قبل أن تكون من سنخ بعض الشؤون الخاصّة مثل المتاحف ومعارض الصور والآثار الأدبية التي تحصل على جوائزَ تقديريةٍ، هي في الواقع ذاتُ ارتباطٍ وثيقٍ بالمفاهيم والقوانين والقيم والمعتقدات والمثُل السامية، وهذه الأمور بطبيعة الحال تُعدّ حجر الأساس لحياة البشر ونشاطاتهم اليومية.

نستشفّ من جملة ما ذُكر أنّ الدراسات الثقافيّة طرحت أسئلةً في غاية الأهمية تطرّق الباحثون والمفكّرون إلى تحليل مواضيعها والإجابة عمّا تضمّنته من استفهاماتٍ؛ ومنها ما يلي:

- كيف يتابع الناس ما يُبثّ في التلفاز؟

- كيف يتناولون الأطعمة السريعة؟

- ما هي المناسبات التي يرغب الناس في حضورها؟

وما إلى ذلك من أسئلةٍ مماثلةٍ بخصوص النشاطات الحياتية للبشر، وإضافةً إلى ذلك تجدر الإشارة هنا إلى تأثّرهم بالعديد من

(71)

الأمور الأخرى، مثل وسائل الإعلام العامّة والموسيقى والرياضة؛ لذا يمكن اعتبار هذه الأمور مواضيعَ أساسيةً للدراسات والبحوث الثقافيّة[1].

خلاصة الكلام هي أنّ الحياة اليومية للبشر والثقافة الشعبية عبارةٌ عن موضوعيْن ارتكازييْن في الدراسات الثقافيّة.

5) نقد الدراسات الدراسات الكلّيانية:

مركز برمنغهام للدراسات الثقافيّة تبنّى إجراء دراساتٍ وبحوثٍ ثقافيّةٍ ذاتِ طابعٍ تخصّصيٍّ وضمن أطرٍ محدودةٍ وفي فروعٍ مشتركةٍ، ومن هذا المنطلق انتقد باحثوه النهج المتّبع في الدراسات الكلّيانية.

الجدير بالذكر هنا أنّ أبرز ميزةٍ لمدرسة فرانكفورت هي تبنّي رؤية كلّيانية يتمّ في رحابها إجراء بحوثٍ ودراساتٍ شموليّةٍ ذاتِ نطاقٍ موسّعٍ، إلا أنّ مركز برمنغهام تطرّق إلى طرح مباحثَ ذاتِ نطاقٍ معيّنٍ ومحدودٍ أكثرَ تخصّصاً. وضمن النقد الذي طرحه باحثوه على الرؤية المشار إليها، تبنّوا منهجيّة إثنيّة (Ethno methodology) ومن هذا المنطلق اتّسمت بحوثهم بطابعٍ تخصّصيٍّ بحيث تناولت فروعاً معيّنة من الجوانب الثقافيّة في حياة البشر، فهذه البحوث تؤكّد على فاعلية الإنسان أكثر من تأكيدها على البنى العامّة في الحياة[2] .

(72)

لو ألقينا نظرةً إجماليةً على بعض البحوث التي تمّ تدوينها في هذا المركز سوف نلمس بالعيان الأسلوب المشار إليه، ومثال ذلك ما يلي:

- ابتكار الحياة اليوميّة: فنون الأداء العملي/ ميشيل دو سارتو،

- هستيريا البرجوازية ونمط الكرنفال/ بيتر ستاليبراس وألن وايت.

- مراكز التسوّق/ ميجان مورس.

- نظرة على خصائص الهيفي ميتال باعتبارها نمطاً من موسيقى الروك/ ويل سترا.

- خصائص رياضة الأصدقاء/ بيير بورديو.

هذه العناوين ذُكرت من قبل الباحث سيمون دورينغ في كتابه «دراساتٌ ثقافيّةٌ»، وهي تنمّ عن النزعة إلى تدوين دراساتٍ وبحوثٍ ضمن أطر ٍمحدّدةٍ[1].

إذاً، المشرفون على هذا المركز لم يتطرّقوا فقط إلى دراسة وتحليل أفضل المواضيع الفكرية ولم يغوروا في تفاصيلها دون غيرها، وإنّما اعتبروا أنفسهم مكلّفين بتسليط الضوء على القضايا الفكرية قاطبةً[2]؛ وعلى هذا الأساس اعتمدوا على الأسلوب المشار إليه ليصوغوا تركيباً أشبه بالحشوة الملغمية، حيث يتضمّن العديد من البحوث الفرعية

(73)

والثانوية؛ والملفت للنظر أنّ هذا النمط من الدراسات الثقافيّة نشأ قَبْل ذلك في بلدانٍ أخرى وبفضل جهود باحثين تألّق نجمهم في عالم الفكر والمعرفة بحسب التفصيل التالي:

- فرنسا (لويس ألتوسير، رولان بارت، بيير بورديو، ميشيل دو سارتو، ميشيل فوكو، جان لاكان)،

- ألمانيا (كارل ماركس، ماكس فيبر)،

- النمسا (سيغموند فرويد)،

- إيطاليا (أنطونيو غرامشي)،

- روسيا (ميخائيل باختين، فالنتاين، لوشينوف)،

- سويسرا (فرديناند دو سوسور)،

وغيرهم ...

 فهؤلاء المفكّرون كان لهم تأثيرٌ ملحوظ على الدراسات الفكرية الثقافيّة التي أُجريت في مركز برمنغهام، حيث انعكس تراثهم الفكري في كتابات أبرز شخصيات هذا المركز من أمثال ريتشارد هوغرت وريمون وليامز وتومس وستيوارت هول[1].

6) مفاهيمُ أساسيّةٌ:

في ما يلي نوضّح دلالات بعض المفاهيم الأساسية المستخدمة على نطاقٍ واسعٍ في الدراسات الثقافيّة التي تمّ

(74)

تدوينها في مركز برمنغهام للدراسات الثقافيّة كي يتسنّى لنا التعرّف على معالم النهج الفكري في هذا المركز بشكلٍ أفضلَ:

أ - التصوير (التمثيل) :(Representation)

التصوير هو أحد المواضيع الأساسية في الدراسات الثقافية، وعلى ضوئه تُطرح بعض الاستفسارات، منها ما يلي: هل إنّ المصطلحات والرموز تدلّ على الحقيقة بحذافيرها أو لا؟ ويمكن تقرير هذا السؤال بأسلوبٍ إبستيمولوجيٍّ كما يلي: هل هناك فرقٌ بين الواقع بذاته وبين ما نتصوّر أنّه واقع؟

الجدير بالذكر هنا أنّ جانباً كبيراً من الدراسات الثقافيّة تمحور حول مفهوم التصوير، على سبيل المثال بيان كيف نشأ العالم في رحابٍ اجتماعيٍّ وكيف نصوّره ونتصوّره بشكلٍ دلاليٍّ. التصوير هنا يعني إضفاء معنًى للواقع على ضوء خلفياتٍ اجتماعيّةٍ وثقافيّةٍ خاصّةٍ، والمفكّر ستيوارت هول أكّد في هذا السياق على أنّ هذا المفهوم قد احتلّ في العصر الحديث مقاماً جديداً وهامّاً على صعيد الدراسات الثقافيّة جرّاء إيجاده أواصر ارتباطٍ بين المعنى واللغة من جهةٍ، والثقافة من جهةٍ أخرى؛ حيث قال في هذا المضمار: «التصوير يعني اللجوء إلى اللغة لذكر قضايا تحفّها معانٍ ودلالاتٌ بخصوص العالم الذي يعيش البشر في رحابه، أو أنّه يعني عرض صورة هذا العالم للآخرين». بناءً على ما ذُكر قيل: «إنّ التصوير يعني تطبيق اللغة والمبادئ السيمنطيقية والصور التي تنوب عن بعض الأشياء أو تعرّفها[1]».

(75)

ب - القدرة (Power):

مصطلح القدرة يحمل واحداً من المفاهيم الهامّة التي حظيت باهتمامٍ منذ العهود السالفة وحتّى العصر الحديث، فقد طرُح على طاولة البحث والتحليل من قبل أفلاطون واحتدم الجدل حوله في أواسط القرن التاسع عشر ضمن النقاشات التي تمحورت حول قضايا ما بعد الحداثة، وبقيت الأوضاع على هذا المنوال حتّى ظهور مركز برمنغهام للدراسات الثقافيّة الذي أعار باحثوه له أهميةً بالغةً فاحتدم النقاش حوله من جديدٍ.

ضمن تقسيمٍ كلّيٍّ يمكن القول أن هناك وجهتَيْ نظرٍ أساسيتيْن بخصوص مفهوم القدرة، إحداهما تنسب لكارل ماركس وبرتراند راسل وفيبر وبارسونز وجيدنز، والأخرى تُطرح انطلاقاً من مبدأ التفكيك الإبستيمولوجي المطروح من قِبل ميشيل فوكو ثمّ تتّسم بمداليلَ متنوّعةٍ في الخطابات المطروحة في مضمار ما بعد البنيوية وما بعد الحداثة.

مركز برمنغهام للدراسات الثقافيّة تبنّى المسلك الثاني، وعلى هذا الأساس أيّد التعريف المطروح من قِبل ميشيل فوكو لمفهوم القدرة والذي أكّد فيه على أنّها لا تعني ذلك المستوى المتدنّي من السيطرة وهي ليست مفهوماً بسيطاً يُراد منه توجيه الخطاب من الأعلى إلى الأسفل بصيغةٍ غيرِ أمريةٍ، بل يتمّ ذلك في رحاب شبكةٍ معقّدةٍ من العلاقات التي تعيّن البنية الاجتماعية وتشرعنها.

القدرة بهذا الوصف تضرب بجذورها في شبكةٍ متشعّبةٍ من

(76)

العلاقات الاجتماعية واللغوية (المفهومية)، وهذا يعني أنّ تطبيقها لا يجري على هيئة أوامرَ ممتدّةٍ من الأعلى إلى الأسفل، وإنّما تتبلور ضمن وعاءٍ خطابيٍّ وتكسب معناها في رحابه.

ميشيل فوكو اعتبر القدرة جاريةً في كلّ مكانٍ، حيث نجد آثارها في العلاقات والتعاملات اللغوية بين شتّى الطبقات والفئات الاجتماعية، وتتجلّى ضمن أساليبَ وسلوكياتٍ متنوّعةٍ. أمّا العامل الأساسي في إقرار النظم الاجتماعي على ضوء تطبيق القدرة فهو يتمثّل في صياغة سلسلةٍ من المفاهيم التي يدركها الكيان الجماعي، ومن هنا يكتسب مفهومُها مشروعيةً[1].

الباحثون المختصّون بالدراسات الثقافيّة يطرحون وجهاتِ نظرٍ متشابهةٍ في معظم الأحيان في التأكيد على مركزية القدرة، فهي برأيهم ذاتُ نفوذٍ مشهودٍ في شتّى أنماط العلاقات الاجتماعية، ويمكن فهم طبيعتها على ضوء سلوكياتٍ اجتماعيةٍ متنوّعةٍ، فهي تُعدُّ وازعاً أساسيّاً لصياغة علاقاتٍ اجتماعيّةٍ وإيجاد نظمٍ لها؛ وهي بهذا المعنى تدلّ على أنّها في عين تضييقها نطاق بعض الأمور لكنّها تمنح الإنسان والمجتمع طاقةً فاعلةً[2].

ج - النصّ (Text):

مفهوم النصّ يُراد منه في الدراسات الثقافيّة معنًى أعمُّ من

(77)

الكلمات المدوّنة ضمن مجموعةٍ لفظيةٍ معيّنةٍ، فهو يشمل في رحابها جميع المداليل التي يتضمّنها.

في رحاب النصّ ينشأ معنًى متقوّم على شتّى أنماط التمثيلات اللغوية والأصوات والمواضيع والنشاطات الفكرية، فهو كالثوب الملوّن في هيئته وعلى غرار التمرين الرياضي في مرونته؛ وبما أنّ هذه الأمور تنمّ عن قضايا سيمنطيقيةٍ تنعكس مداليلها عن طريق مرتكزاتٍ خاصّةٍ وعلى رأسها اللغة، لذا تُعتبر من هذا المنطلق نصوصاً ثقافيةً بصفتها مصدراً لإنتاج المعنى، ما يعني أنّ كلّ أمرٍ يستبطن معنًى فهو يتبادر إلى الذهن بواسطتها[1].

الباحث جون فراون (John Frown ) وضّح مفهوم النصّ كما يلي: «مفهوم النصّ يدلّ على معنًى دقيقٍ للغاية في الدراسات الثقافيّة باعتباره أنموذجاً بنيويّاً ... النصّ ليس مضماراً لأن تُرصف المعاني فيه ضمن خطٍّ ممتدٍّ على ضوء كتابة أو كلام أو أفلام أو ثيابٍ وما إلى ذلك من قضايا أخرى، وإنّما يؤدّي دوره كعاملٍ لتوسيط أمرٍ بين شتّى المستويات، مثلاً لو اعتبرنا أحد المتاجر وكأنّه أنموذجٌ نصِّيٌّ، فالنصّ في هذه الحالة يستبطن سلوكياتٍ متنوّعةً وشؤوناً مؤسّساتيةً وأنماطاً معقّدةً تتبلور على أساس هذه السلوكيات والشؤون المؤسّساتية في رحاب قضايا قانونيةٍ وسياسيةٍ وماليةٍ، إلى جانب اشتماله على مبادئَ خاصّةٍ من القدرة والعلم، وارتكازه على عدّة طبقاتٍ دلاليةٍ[2]».

(78)

د) الترميز (Encoding) وفكّ الترميز (Decoding):

الباحث ستيوارت هول اعتبر مفهوم الترميز دالّاً على عمليةٍ تقوم وسائل الإعلام على ضوئها بتنظيم معلوماتها وصياغة طبيعة ارتباطها بهيئة نصٍّ كي توجّه لمخاطبيها القراءة التي تتبنّاها؛ وأكّد على أنّ مسألة الترميز عادةً ما تُصاغ بواسطة متخصّصين في الشأن الإعلامي[1].

فكّ الترميز هو مفهومٌ يدلّ على ردّة فعل المخاطب إزاء ما يُطرح من قبل وسائل الإعلام، أي ما ينسبه إليها من مقاصد حينما تستعرض أمامه شتّى القضايا؛ وعلى هذا الأساس فهو يتعارض مع المضامين الدلالية التي تتّسم بطابعٍ سلطويٍّ ويعدّ منطلقاً لإثارة استفهاماتٍ حولها.

ستيوارت هول ذكر ثلاثَ نسبٍ أساسيّةٍ بين مسألتي الترميز وفكّ الترميز للتمييز بينهما، وذلك كما يلي:

- نسبةٍ سلطويةٍ: في هذه الحالة يتبنّى المخاطَب ما يُطرح عليه.

- نسبةٍ حواريةٍ: في هذه الحالة يوافق المخاطب على مضمون الترميز، وهذه النسبة تشير إلى دلالة الترميز على معنًى جزئيٍّ للقضية التي يرتبط بها، وفي رحابها تُطرح كيفية الارتباط بين النصّ والمدلول.

- نسبةٍ اختلافيةٍ: في هذه الحالة يعتقد المخاطب بأنّ الأحداث

(79)

البحتة تتبلور في بادئ الأمر ضمن عمليةٍ رمزيةٍ، لكنّه يتّخذ موقفاً لأجل تعريف هذه الأحداث عن طريق ترميزٍ بديلٍ لما طُرح[1].

هـ) السلطوية (Hegemony):

مفهوم السلطوية يدلّ على السيطرة والاستحواذ، واصطلاحه الإنجليزي مشتقّ من الكلمة اليونانية (Hegemon) التي تعني القائد والزعيم والحاكم، وعادةً ما يستخدم من قبل الماركسيون الجدد ضمن حديثهم عن السلطة السياسية؛ لذا فهو يحظى بأهميةٍ كبيرةٍ في التراث الفكري لأنطونيو غرامشي، حيث اعتبره دالّاً على أنّ التفوّق الاقتصادي والسياسي لإحدى الشرائح الاجتماعية عادةً ما يتحقّق على ضوء نشاطاتٍ مؤسّساتيةٍ وله ارتباطٌ بالسلطة الفكريّة والثقافيّة[2].

الجدير بالذكر هنا أنّ هذا المفهوم يستخدم على نطاقٍ أوسعَ من قِبل باحثي مدرسة فرانكفورت، ومن هذه النافذة تغلغل في مضمار الدراسات الثقافية؛ والمفكّر بيير بورديو على سبيل المثال أشار في هذا السياق إلى أربعة أنواعٍ من الثروات ضمن أربعة مضاميرَ أساسيّةٍ كما يلي:

- ثروةٍ اقتصاديّةٍ: مرتكزةٍ على مختلف أنواع الملكيات المالية في المجالين الخاصّ والعامّ.

- ثروةٍ ثقافيّةٍ: مرتكزةٍ على المبادئ الفكرية والتربوية والتعليمية المرتبطة بالنتاجات والفنون الثقافية.

(80)

- ثروةٍ اجتماعيّةٍ: مرتكزةٍ على انخراط الإنسان في الأسرة والمجتمع.

- ثروةٍ رمزيّةٍ: مرتكزةٍ على الشهرة وذيوع الصيت، ومتقوّمة بمسائلَ سلوكيّةٍ بشكلٍ عامٍّ.

كما أكّد هذا الباحث على أنّ ميدان النشاطات الاجتماعية حتّى وإن كان أوسع نطاقاً من أيّ ميدانٍ آخرَ في الحياة، إلا أنّ ميدان القدرة هو الأكثر أهميةً بصفته أمراً يفوق الأطر المحدودة ولكونه المرتكز الأساسي للاختلاف والمنافسة في جميع الميادين، ففي رحابه تتبلور الطبقة الاجتماعية النافذة وتبسط نفوذها على سائر الطبقات؛[1] وعلى هذا الأساس يوصف بكونه سلطويّاً مستحوذاً على سائر الميادين.

7) الثقافة في رحاب الدراسات الثقافيّة:

الثقافة التي تُطرح في رحاب الدراسات الثقافيّة تدلّ على نمطٍ من حياة البشر في عالم الطبيعة وتعمّ مختلف النواحي البيولوجية، وقد تمّ تعريفها هنا بأنّها انعكاسٌ لمضامينَ دلاليّةٍ مشتركةٍ خُلقت من قبل الإنسان وامتزجت في حياته اليوميّة[2].

المفكّر ستيوارت هول أكّد في بحوثه على أنّ الثقافة تدلّ على معنًى اجتماعيٍّ مشتركٍ نتمكّن على أساسه من إدراك حقائق العالم

(81)

الذي نعيش في كنفه بأساليبَ متنوّعةٍ؛ وممّا قاله في هذا الصعيد ما يلي: «الثقافة في كلّ مجتمعٍ تنمّ عن سلوكياتٍ ومثُلٍ ولغاتٍ وأعرافٍ خاصّةٍ، كما يُراد منها صِيَغٌ متضادّةٌ لفهمٍ مشترَكٍ تكتسبه البشرية في مسيرة حياتها الرتيبة، كما تساهم في بلورة هذا الفهم»[1].

إن أردنا فهم معنى الثقافة بشكلٍ أفضلَ فلا بدّ لنا أوّلاً من معرفة كيفية صياغة المعاني، وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ مركز برمنغهام للدراسات الثقافيّة تأثّر بالتيارات الفكريّة التي تبنّت مبادئَ ماوراءَ بنيويّةً مادّيةً وتأريخانيةً، ما يعني أنّ الوجهة التي تبنّاها إزاء الثقافة مرتبطةُ بشكلٍ وثيقٍ بالرؤية الذاتانية لماوراء البنيوية وبنظرية ميشيل فوكو المطروحة حول القدرة والخطابات التي تُعدّ وسائلَ أساسيّةً لفرض الاقتدار على صعيد البنية الثقافيّة[2].

القائلون بالذاتانية يعتقدون بوجود مصادرَ مرجعيةٍ ثابتةٍ في الكون، ومن هذا المنطلق يعتبرون المفاهيم الاجتماعية مرآةً تنعكس في رحابها الذاتية بصيغتها الراسخة[3]، وطبق المبادئ الأنطولوجية الذاتانية إمّا أن تكون هناك حقيقةٌ مستقلّةٌ عن اللغة وإمّا أن يكون هناك خطابٌ؛ كما تؤكّد هذه المبادئ على أنّ إنكار شيءٍ لا يدلّ على أيّ معنًى ذاتيٍّ لكون المعاني عبارةً عن قضايا تُصاغ على ضوء العلاقات التأريخية والاجتماعية، وهذه عمليةٌ

(82)

تأريخيةٌ ومادّيةٌ للّغة ينشأ المعنى في رحابها ضمن ظروفٍ معيّنةٍ[1].

إذاً، الثقافة بناءً على ما ذُكر تمرّ بمراحلَ تكوينيّةٍ متواصلةٍ وهي في تغيُّرٍ متواصلٍ، وفي هذا السياق تفي القدرة بدورٍ ملحوظٍ في صياغة خطابها وانتقالها من مرحلة إلى أخرى.

تجدر الإشارة هنا إلى أنّ العامل الأساسي الذي مهّد الأرضية المناسبة لظهور مبادئَ تأريخيةٍ مادّيةٍ للثقافة في رحاب مركز برمنغهام للدراسات الثقافيّة، يتمثّل في الوجهة الفكرية التي تبنّاها الباحث ريتشارد هوغرت بخصوص القضايا الثقافيّة في عام 1972م، حيث اعتبر الثقافة أمراً متّفَقاً عليه وصوّر النتاجات التي تتبلور في ظلّها كوسيلةٍ تعكس أذواق المخاطَبين ورغباتهم، واستدلّ من هذا الكلام بأنّها عبارةٌ عن قضيةٍ لا تنفك عن الظهور، أي لا بدّ من إنتاجها بشكلٍ مستمرٍّ، الأمر الذي يعني أنّها مصطنعةٌ وثمرةٌ لسلسلةٍ غيرِ متناهيةٍ من العلاقات المتبادلة والتعامل المتواصل، لذا ليس هناك أيُّ نمطٍ ثقافيٍّ يدّعى أنّه أصلٌ غيرُ متغيّرٍ، كما ليست هناك ثقافةٌ تمتلك القابلية على بلورة الحقائق الخارجة عن نطاقها والمطروحة ضمن خطابٍ ثقافيٍّ آخرَ غريبٍ عن خطابها الذاتي[2]. هذه الرؤية البنائية الثقافيّة المتّبعة في الدراسات الثقافية، عادةً ما يتمّ تسليط الضوء عليها باعتبارها تأريخانيةً مادّيةً جديدةً ذاتَ طابعٍ ثقافيٍّ.

ولأجل توضيح ما ذُكر من تعريفٍ للثقافة وبيان مدى أهميتها في

(83)

مركز برمنغهام، نذكر في المباحث التالية بعض خصائصها الأساسيّة:

أ - الثقافة أمرٌ متغيّرٌ مستقلٌّ:

الدراسات الثقافيّة توسّع نطاق الثقافة وتعمّمها على جميع الشؤون الاجتماعية ونهج الحياة بشكلٍ عامٍّ من منطلق كونها محوراً أساسيّاً للعلاقات البشريّة[1]؛ وهي على هذا الأساس تُعدّ مرآةً لجميع المفاهيم الاجتماعية ونهجاً لحياة الفرد والمجتمع على حدٍّ سواء بحيث تعمّ كلَّ شيءٍ في الوجود.

إذاً، اعتبار الثقافة موضوعاً مستقلّاً في هذه الدراسات يعني أنّ الحياة قاطبةً تتبلور في رحابها من جميع النواحي الثقافيّة وغير الثقافية، ومن ثَمّ فهي موضوعٌ لا يندرج ضمن فرعٍ علميٍّ محدَّدٍ، بل يتجاوز هذا النطاق؛[2] ناهيك عن أنّها وفق هذه الرؤية تتحدّى النظرية الاقتصادية الماركسية بنوعيْها البنيوي وغير البنيوي على صعيد العلاقة بين الثقافة والاقتصاد.

الثقافة بهذا الشكل تُعدّ محوراً ارتكازيّاً وتربطها علاقةٌ عضويةٌ مع سائر القضايا في الحياة.

ب - الثقافة بمثابة مضمارٍ سياسيٍّ:

الثقافة في رحاب الدراسات الثقافيّة ذات ارتباطٍ وطيدٍ وراسخٍ مع السلطة والسياسة، وهو ما تؤكّد عليه النظرية الاشتراكية؛

(84)

لذا فالموضوع الأساسي المطروح للبحث والتحليل في هذه الدراسات يرتكز على كونها منطلقاً لمواجهة استحواذ السلطة الحاكمة على المضمار الثقافي ولمعارضة محورية الحكومات اليمينية المعاصرة.[1] هذا النمط الثقافي يمكن اعتباره شأناً سياسيّاً لا مضماراً للصراع السياسي، لذا يمكن لأتباع كلّ توجّهٍ ثقافيٍّ أن يعتبروا وجهات نظرهم الثقافيّة شأناً سياسيّاً.

المضمار الثقافي، برأي المعنيين بالدراسات الثقافيّة، يمكن أن تُطرح فيه نقاشاتٌ إيديولوجيّةٌ، وهذا يعني أنّ الثقافة العامّة هي الأخرى بمثابة عرصةٍ للصراع الإيديولوجي، حيث تتجلّى فيها شتّى أنماط العلاقات الاجتماعية والطبقية؛ لذلك فهي تحظى بأهميةٍ بالغةٍ ضمن هذه الدراسات. كما أكّدوا ضمن بحوثهم ودراساتهم التي دوّنوها في هذا المجال على أنّ الثقافة العامّة تُعدّ مرتكزاً لصمود الفئات الاجتماعيّة الخاضعة لسلطة الطبقة النافذة والدفاع عن مصالحها المسلوبة.

الدراسات الثقافيّة لدى بيانها طابع الاختلافات والسلوكيات الثقافيّة لا تقيّد هدفها بالتأكيد على القيم الذاتية أو إثبات أنّها أمراً ارتكازيّاً، بل يسعى المتصدّون لها إلى طرح برنامجٍ شاملٍ كخارطة طريقٍ للعلاقات الاجتماعية، كما يهدفون إلى بيان مَن هو الطرف المستفيد من هذه العلاقات؛[2] وعلى هذا الأساس يتطرّقون إلى

(85)

دراسة وتحليل طبيعة الاختلاف الكائن بين الإنسان المتحضّر والإنسان غير المتحضّر وفقاً لمعاييرَ طبقيةٍ وعلى ضوء مبادئِ الثقافة العامّة.

الدراسات الثقافيّة، إلى جانب اهتمامها بالثقافة وبيان طبيعة ارتباطها بالسلطة، تتمحور أيضاً حول طرح تحليلاتٍ نقديّةٍ لتقييم هذا الارتباط؛ وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ السلطة الاجتماعية عادةً ما تسعى إلى صياغة البنية الاجتماعية بنحوٍ يضمن تأمين المصالح الطبقية، أي مصالح الشريحة الثرية والنافذة في المجتمع؛ والمقاومة هنا تعني اعتراض الشريحة المسحوقة على هذه السلطة، وهذا الأمر يتجلّى في الصعيد الثقافي على هيئة صراعٍ في مضمار المفاهيم، وفي خضمّ هذا الصراع تسخّر الشريحة النافذة جلّ جهودها لإقرار ما يضمن مصالحها وبما في ذلك تصوير المجتمع وكأنّه عارٍ من المشاكل ويجري في مساره الطبيعي، وفي الحين ذاته تسعى الشريحة المسحوقة إلى طرح مفاهيمَ اجتماعيّةٍ تنصبّ في مصالحها وفق أساليبَ متنوّعةٍ[1].

ج - الإعراض عن الثقافة السلطوية والسير على نهج الثقافة العامّة:

الثقافة العامّة وفق بعض وجهات النظر مثل الرؤية الليفسية[2] تُطرح في مقابل الثقافة النافذة والنخبوية، ومن هذا المنطلق اعتبرت خاويةً من كلّ مضمونٍ وغيرِ متناغمةٍ مع الفكر التنويري الحديث؛

(86)

لذا فالثقافة المعترف بها هي ما كانت مشروعةً ومرجعيةً أو نخبويةً، بينما الثقافات الشعبية ليست سوى ثقافاتٍ هامشيةٍ منبثقةٍ من فهمٍ شاذٍّ للثقافة الاجتماعية المثلى.

مفهوم هذا الرأي هو أنّ الثقافة الحقيقية هي ثقافة النخبة الاجتماعية فقط، بينما الثقافات الشعبية ليست سوى نتاجاتٍ ثانويةٍ غيرِ متكاملةٍ، أي أنّها صورةٌ ناقصةٌ للثقافة النخبوية. أمّا الرأي الآخر فهو يتعارض في الواقع مع هذا الرأي، حيث تعتبر الثقافة العامّة في رحابه أصيلةً ومستقلّةً عن ثقافة الطبقات النافذة في المجتمع، وبالتالي فهي ليست متقوّمةً على الأنماط الثقافيّة التي توصف بأنّها أدبيّةٌ ومثلى[1].

المتصدّون للدراسات الثقافيّة في مركز برمنغهام يرفضون الرأي الأوّل، أي أنّهم لا يؤيّدون قول من اعتبر الثقافة العليا أو النخبوية مصدراً للقيم والشؤون المثلى، وأنّ الثقافةَ العامّةَ منحطّةٌ وخاويةٌ من كلّ مضمونٍ متعالٍ؛ إذ يؤكّدون على كونها ذاتَ ارتباطٍ وثيقٍ بجميع شؤون القدرة والسلطة في المجتمع، لذا يتطرّقون إلى شرحها وتحليلها ضمن هذا النطاق. هذه الرؤية هي التي أصبحت مرتكزاً أساسيّاً للدراسات والبحوث الثقافيّة في بريطانيا، لذلك اُعترف بها بشكلٍ رسميٍّ لدرجة أنّ النتاجات الثقافيّة الإعلامية غيّرت اتّجاه بوصلتها لتسلّط الضوء عليها بدلاً من التركيز على ما يُسمّى بالثقافة العليا مع الحفاظ على مشروعية النقد الموجّه للصنعة الثقافيّة ضمن توسيع نطاق مفهوم مصطلح الثقافة وتعميمه على جميع شؤون الحياة؛ وفي هذا المضمار رفضت المفهوم الذي تروّج له مدرسة

(87)

فرانكفورت والذي تنقسم الثقافة على ضوئه إلى عليا ومنحطّة[1].

8) المواضيع الارتكازية في الدراسات الثقافيّة:

يمكن تلخيص أهمّ المواضيع المطروحة للبحث ضمن الدراسات والبحوث الثقافيّة في نطاق الأسئلة التالية:

- كيف يشاهد الناس التلفاز؟

- كيف يتناولون الوجبات السريعة؟

- ما هي المناسبات التي يرغبون بالحضور فيها؟

- ما هي رؤيتهم تجاه الدين؟

مواضيع هذه الأسئلة كما هو واضحٌ تتمحور حول شتّى جوانب الحياة اليومية للإنسان كنمط الثياب والأشياء التي يرغب في مشاهدتها أو الاستماع إليها ونوع الطعام الذي يفضّله وطبيعة ارتباطه مع أقرانه في المجتمع وطريقة تسوّقه، وما إلى ذلك من سلوكياتٍ اجتماعيّةٍ يُزاولها في كلّ يومٍ؛ وهي بطبيعة الحال البوّابة التي تمرّ من خلالها الدراسات الثقافية.

لا شكّ في أنّ بعض القضايا في الحياة مثل وسائل الإعلام والموسيقى والفعاليات الرياضية وما شاكلها، ذاتُ تأثيرٍ ملحوظٍ على الثقافة العامّة في المجتمع، لذا أصبحت مواضيعَ ارتكازيةً في الدراسات الثقافيّة[2].

(88)

إذاً، لو أمعنّا النظر في طبيعة المواضيع المشار إليها نستنتج أنّ الحياة اليومية للبشر وثقافتهم العامّة موضوعان أساسيان في الدراسات الثقافية؛ ونظراً لأهميتهما على هذا الصعيد نتطرّق في ما يلي إلى بيان بعض جوانبهما:

أ - الثقافة العامّة: 

الثقافة العامّة عبارةٌ عن مجموعةٍ من القضايا المبتكرة من قبل بني آدم، وهي بطبيعة الحال في متناول الإنسان ومن جملتها البرامج المصوّرة والمسموعة في التلفاز وغيره إضافةً إلى قضايا أخرى مثل الموسيقى والثياب ووسائط النقل.

هذه الثقافة تجسّد المثُل الثقافيّة الشائعة بين جميع أبناء المجتمع وقضاياها متداولةٌ في ما بينهم، وكما نلاحظ في الأمثلة التي ذكرت حولها أعلاه فهي تشمل مواضيعَ متنوّعةً مثل الرياضة والطعام والموضة والتسوّق والاستهلاك والبرامج التلفازية والإذاعية بشتّى أنماطها ونوع الملبس والعلائم التجارية التي تلصق على الثياب إلى جانب سائر الشؤون الثقافيّة ذات الطابع الترفيهي؛ لذلك تطرّق الباحث جون ستوري في كتابه «دراسات ثقافية حول الثقافة العامّة» إلى دراسة وتحليل هذه الأمثلة وما شاكلها ضمن عدّة مباحث تمحورت مواضيعها حول التلفاز والأساطير والموسيقى والصحف والمجلات والاستهلاك اليومي وظاهرة العلمنة[1].

(89)

ب - الحياة اليوميّة (Everyday life):

المقصود من الحياة اليوميّة هنا ما يفعله الإنسان ضمن سلوكيّاته اليوميّة وما تتواكب حياته معه، مثل تنقّله مشياً في شوارع المدينة، إذ إنّ نوع المشي وتجربته من قبل كلّ إنسانٍ ربّما يختلفان من مدينةٍ إلى أخرى، لذا يقال إنّ الحياة اليومية ليست على نسقٍ واحدٍ لجميع الناس، أي أنّها لا تجري ضمن وقتٍ معيّنٍ ووفق أسلوبٍ خاصٍّ نظراً لاختلاف طابع الحياة والواقع الثقافي للفرد في مختلف الثقافات؛ وقد استدلّ أحد الباحثين بمثالٍ لإثبات هذا الأمر ومن الأمثلة التي ساقها هنا تمحورت حول طريقة العوم ونوع المشي في شوارع المدينة، حيث قال: «أنا أعرف جيّداً أنّ طريقة مشي المواطن البولندي وعومه على سبيل المثال، تختلف عن الطريقة التي نتّبعها؛ كما أنّ جيلنا المعاصر لا يعوم كما كانت أجيالنا السابقة تعوم»[1].

هناك بعض الأسئلة التي تطرح بخصوص الثقافة العامّة والحياة اليومية باعتبارهما موضوعين ارتكازيين في الدراسات الثقافيّة، ومن جملتها ما يلي:

- كيف تشيع شتّى الأنماط الثقافيّة بين عامّة الناس وتحظى بقبولهم؟ من أمثلة هذه الأنماط: الأفلام، برامج التلفاز، موسيقى الروك، الموضة التي تستهوي الشباب، المبالغة في الاستهلاك وتجاوز الحدّ المقرّر، القضايا التي تتعدّى نطاق التوجّهات القوميّة والعرقية والجنسيّة.

(90)

- ما هي المناسبات التي يرجّح الناس الحضور فيها؟

- ما هي رؤية الناس إزاء الدين؟

- ما هي الأمور التي يهتمّ بها الناس حينما يتناولون طعامهم؟

- ما مدى تأثير وسائل الإعلام على واقع الحياة الاجتماعيّة والقضايا الثقافيّة؟

- ما هي طبيعة الاستهلاك العامّ بين الناس؟

- كيف يتابع الناس التلفاز؟

9) النهج المتّبع في الدراسات الثقافيّة:

الباحثون المختصّون بالدراسات الثقافيّة عادةً ما يتّبعون مناهجَ بحثٍ متنوّعةً في دراساتهم وبحوثهم، وغالبيّةُ هذه المناهج نوعيّةٌ.

الجدير بالذكر هنا هو أنّ الباحث الذي يتّبع منهجَ بحثٍ نوعيّاً في الدراسات الثقافية، عادةً ما يسلّط الضوء على المفاهيم الثقافية، أي أنّه يركّز اهتمامه على عملية إنتاج المعاني من قِبل الفاعل، حيث يبادر إلى استقصائها بعدّةِ أساليبَ، كالمشاهدة العينية والمقابلات المباشرة واختيار عيّنات بحثٍ وتحليل المضمون.

مناهج البحث في الدراسات الثقافيّة يمكن تلخيصها في ثلاثة توجّهاتٍ عامّةٍ نشير إليها بإجمالٍ في ما يلي ثمّ نتطرّق إلى بيان تفاصيلها:

(91)

الأوّل: منهجٍ إثنوغرافيٍّ،

هذا المنهجُ ذو ارتباطٍ بالتوجّهات الفكريّة الثقافيّة ويتمّ التأكيد في رحابه على تجربة الحياة.

الثاني: منهج تحليل المضمون:

هذا المنهج ذو ارتباطٍ بأصولٍ سيميائيةٍ وما وراء بنيويةٍ ويتناسق مع الأسلوب التفكيكي المنسوب إلى الفيلسوف جاك دريدا.

الثالث: منهجِ نظرية التلقّي:

المخاطب بحسب هذا المنهج هو الذي يخلق النصّ[1].

وفي ما يلي نشير إلى هذه التوجّهات بتفصيلٍ:

المنهج الأوّل: المنهج الإثنوغرافي (Ethnography):

المنهج الإثنوغرافي يُعتبر واحداً من أهمّ الأساليب المعتمدة في الدراسات الثقافية، والإثنوغرافيا هي عبارةٌ عن علمٍ متقوّمٍ بفهمٍ عرفيٍّ وسلسلةٍ من الطباع والسلوكيات التي يدركها عامّة أبناء المجتمع على ضوء ظروف معيشتهم، ومن خلالها يتسنّى لهم شقّ طريقهم في الحياة وأداء مهامّهم[2].

الباحث في رحاب هذا المنهج يسعى إلى استقصاء قضايا عامّةٍ وشاملةٍ، وباعتماده على أسلوب بحثٍ ميدانيٍّ واسعِ النطاق يبادر إلى تحليل شتّى الشؤون الثقافية؛ وهذا المنهج يجمع بين

(92)

الرؤيتين التجريبيّة والنظريّة بصفتهما منطلقاً أساسيّاً في الدراسات الأنثروبولوجية.

الكثير من الباحثين المختصّين بالدراسات الثقافيّة يؤكّدون على أنّ السنوات الأخيرة شهدت تحقّق ارتباطٍ وطيدٍ بين الأنثروبولوجيا وهذه الدراسات، وأوضحُ دليلٍ على ذلك هو الاعتماد على المنهج الإثنوغرافي على نطاقٍ واسعٍ ضمن الدراسات المشار إليها لدرجة أنّه أصبح بمثابة أسلوبٍ أساسيٍّ لتحليل كلّ شأنٍ أنثروبولوجي يتّصف بطابعٍ تجريبيٍّ؛ لذا حدث تقاربٌ كبيرٌ بين المنهج المعتمد في الدراسات الثقافيّة وبين المناهج المتّبعة في الدراسات الأنثروبولوجية.[1]

الدراسات الثقافيّة الإثنوغرافية عادةً ما تتمحور حول إجراء تحليلٍ نوعيٍّ للمبادئ والمفاهيم على ضوء الأسلوب الشامل في الحياة، حيث يلجأ الباحثون إلى المنهج الإثنوغرافي للإجابة عن الأسئلة والاستفسارات التي تُطرح بخصوص الثقافات والحياة الاجتماعية العامّة والهوية الذاتية؛ وقد تحوّل إلى مصطلحٍ يدلّ على الأساليب النوعية التي من جملتها الحضور الميداني والمقابلات الدقيقة واختيار عيّناتٍ للبحث[2].

الكتاب الذي ألّفه المفكّر ديفيد مورلي تحت عنوان «عالمٌ رحبٌ»، يُعدّ واحداً من أوائل الكتب التي تتضمّن دراساتٍ ثقافيّةً تمّ تدوينها وفق منهجِ بحثٍ إثنوغرافيٍّ، حيث لا نجد فيه أيَّ دورٍ للراوي

(93)

باعتباره طرفاً محايداً، إذ إنّ مؤلّفه جعل مواضيع البحث كأساسٍ للسلوك البشري، وبهذا الأسلوب بادر إلى توسيع نطاق نظريّته[1].

المنهج الثاني: منهج تحليل المضمون:

منهج البحث النوعي الثاني الذي يعتمد عليه الباحثون في الدراسات الثقافيّة هو تحليل المضمون الذي يرتكز على أساليب سيميائيةٍ وروائيةٍ وتفكيكيةٍ، وفي ما يلي نوضّح كلَّ واحدٍ من الأساليب المذكورة بتفصيلٍ:

أ - الأسلوب السيميائي (السيميولوجي) (semiology):

المقصود من السيميائية في هذا المضمار هو كيفية إنتاج المعاني الدلالية من خلال نصوصٍ مدوَّنةٍ وعلى ضوء نظمٍ خاصٍّ للمفاهيم الرمزية الثقافية[2]، لذا فالمنهج السيميائي يُراد منه ذلك الأسلوب الذي يُعتمد عليه لتحليل المداليل وبيان معالم المنظومة الدلالية، وعلى أساسه يمكن بيان شتّى المفاهيم والقضايا العامّة.

أهمية الأسلوب السيميائي في مجال الدراسات الثقافيّة تكمن في أنّها تتيح للباحثين الفرصة لتسليط الضوء على مسألة العلاقات العامّة في مختلف الثقافات البشرية، ومن ثمّ تمكّنهم من دراسة وتحليل القضايا التي هي من صنع يد الإنسان باعتبارها جسراً تمتدّ منه العلاقات الاجتماعية، وهذه القضايا بطبيعة الحال في مقابل القضايا الطبيعية التي لا دخل للإنسان في صياغتها.

(94)

لا نبالغ لو قلنا أنّ السيميائية تعتبر أهمَّ وسيلةٍ نظريّةٍ يمكن الاعتماد عليها في الدراسات الثقافية، والسبب في ذلك يرجع إلى كونها تستبطن قابليةً على تشخيص كُنه العلاقات المعتبرة وتحليلها ضمن نطاقٍ واسعٍ من السلوكيات والنتاجات البشرية؛ ناهيك عن إمكانية الاعتماد عليها في مضمار الدراسات الثقافيّة بأمثل شكلٍ وفي شتّى أروقتها، مثل تحليل النصوص الأدبية والأغاني التي تستهوي الناس والصور والدعايات والإشارات المرورية ومختلف أنواع الاطعمة والألبسة والبرامج التلفزيونية؛[1] فعلى سبيل المثال يمكننا على أساس التحليل السيميائي إثبات أنّ الأخبار التي تُبثّ في التلفاز هي عبارةٌ عن صُورٍ مصطنعةٍ لا وجود لها على أرض الواقع[2].

إذاً، المنهج السيميائي يتيح للدراسات الثقافيّة التخلّص من القيود التي يمكن أن تفرض عليها عبر التمسّك بالمبادئ الثابتة والمعتبرة في مجال النقد الأدبي وعلم الجمال التقليدي، لأنّها لا تسعى إلى تقييم النصوص، بل يراد منها فهم قضايا تكتسب النصوص في رحابها معانيها ودلالاتها، ومن ثمّ تفسيرها من نواحيها كافّةً[3].

ب - أسلوب نظرية الرواية:

النصوص بحسب نظرية الرواية تحكي عن قصصٍ، لذا يمكن

(95)

على أساسها اعتبار نظرية أينشتاين النسبية قصّةً، كذلك يمكن تطبيق هذا الكلام على نظرية الهوية المطروحة من قِبل ستيوارت هول، وحتّى يمكن تطبيقه على أحد الأفلام الكارتونية التلفزيونية؛ فالرواية هنا يُراد منها شرحٌ منتظمٌ ومتوالٍ يتمّ تسجيل مختلف الأحداث على أساسه[1].

إذاً، يتبادر لنا من الرواية مفهوم التوالي، أي تسلسل الأحداث عبر حدوث شيءٍ ثمّ حدوث شيءٍ آخر بعده،[2] وهي ذات بنيةٍ خاصّةٍ يكون السرد القصصي أو شبه القصصي فيها وسيلةً لمعرفة شتّى معالم الحياة، لذا يمكن الاعتماد عليها كمرتكزٍ أساسيٍّ لمعرفة كيفية صياغة النَّظم الاجتماعي، وبالتالي يمكن اعتبارها مضماراً نخوض في غماره لمعرفة مختلف أساليب الحياة.

ج - الأسلوب التفكيكي (Deconstruction):

التفكيكية كما هو واضحٌ من لفظها، تعني الفصل والعزل والتفكيك بين مختلف الجزئيات للتحرّي في النصّ وبيان الفرضيات التي يستند إليها، وفي رحابها يزاح الستار عن التقابل الموجود بين بعض المفاهيم، مثل الرجل والمرأة، الأبيض والأسود، الواقع والمظاهر، الثقافة والطبيعة.

الباحث في رحاب هذا الأسلوب يسلّط الضوء على النقاط الغامضة في النصّ ويسعى إلى استكشاف الفرضيات الكامنة فيه ومن

(96)

ثَمّ يتطرّق إلى بيان تفاصيلها للمخاطَب[1]، واصطلاح التفكيكية طُرح لأوّل مرّةٍ من قِبل المفكّر جاك دريدا الذي أكّد على أنّ هدفها هو تجزئة البنية الدلاليّة لأجل بيان مرتكزاتها الأساسية التي تتقوّم بها.

الجدير بالذكر هنا هو أنّ الباحثين في الآونة الأخيرة اعتمدوا على هذا الأسلوب التفكيكي لنقد المبادئ الإيديولوجية وتحليل مختلف التعاريف المطروحة للثقافة وبيان أوجه الاختلاف بين شتّى المسائل الثقافيّة ضمن مباحثَ متنوّعةٍ، من أمثلتها بيان المراد من الأبيض والأسود، الرجل والمرأة، الهامش والمركز، وما إلى ذلك.[2]

المنهج الثالث: دراسات وفق نظرية التلقّي :(Reception Studies)

كلُّ تحليلٍ يُطرح حول الدلالة النصّية من شأنه أن يكون عرضةً للنقد بحسب نظرية التلقّي بحيث لا يمكن اعتباره نهائيّاً وقطعيّاً، والمخاطَب هنا قادرٌ على استنتاج معانٍ منه بحسب ذوقه الفكري ما يعني اعتباره مبدعاً للمعنى لدى تعامله مع النصوص.

إذاً، يمكن للمخاطَب تسخير قابلياته الثقافيّة المرتكزة في ذهنه لفرضها على النصّ، لذا نلاحظ أنّ المخاطَبين الناضجين عقليّاً وفكريّاً يطرحون دلالاتٍ متنوّعةً للنصوص ضمن مختلف الظروف، أي أنّهم مبدعون للمداليل النصّية.

الدراسات والبحوث التي تمّ تدوينها في رحاب هذه النظرية بأسلوبٍ هرمنيوطيقيٍّ أدبيٍّ تؤكّد على أنّ مسألة الإدراك دائماً على

(97)

ارتباطٍ مع مواقفِ ووجهاتِ نظرِ شخصٍ معيّنٍ، وهذا لا يدلّ على مراحل إنتاج المعنى فحسب، وإنّما يمكن للمخاطَب المساهمة في إنتاج المفاهيم أيضاً؛ فالنصّ بحدّ ذاته يمكن أن يخضع لرؤية المخاطب وتُضفى إليه أبعادٌ دلاليّةٌ أخرى، لذا فهو ليس وازعاً لثبات المعنى على دلالةٍ واحدةٍ بشكلٍ حصريٍّ، ناهيك عن أنّ الدلالة النصّية ثمرةٌ للتذبذب الحاصل بين النصّ وتصوّر القارئ.[1]

10) مفكّرون بارزون في الدراسات الثقافيّة:

وجهات النظر المطروحة في الدراسات الثقافيّة تضرب بجذورها في نظريات مؤسّسي مركز برمنغهام المعني بهذا الأمر، وهم إدوارد بالمر تومبسون وريتشارد هوغرت وريمون وليامز وستيوارت هول؛ فهؤلاء المفكّرون وضعوا حجر الأساس للبنية الفكرية فيه، ومن ثمّ ظهرت توجّهات ومذاهب فكرية متنوّعة من هذه الدراسات في شتّى أنحاء العالم؛ وفي المباحث التالية سوف نسلّط الضوء بشكلٍ مقتضبٍ على الشخصيات المشار إليها لبيان مدى تأثيرها على النهج الفكري المعهود في مركز برمنجهام:

أ - ريتشارد هوغرت (Richard Hoggart) 1918م:

ريتشارد هوغرت أكاديميٌّ بريطانيٌّ عرف بدراساته التحليلية وبحوثه التي تطرّق فيها إلى دراسة تأريخ الطبقة العاملة، وهو أوّل من أشرف على إدارة مركز برمنغهام للدراسات الثقافيّة المعاصرة في بريطانيا وكانت له اليد الطولى في نشأة هذا المركز.

(98)

هوغرت نشأ وترعرع في أحضان أسرة تنحدر من الطبقة العاملة، حيث ولد في أواخر الحرب العالمية الأولى بمدينة ليدز التي أكمل فيها دراسته الجامعية، ثمّ انخرط في الجيش البريطاني إبّان الحرب العالمية الثانية[1].

عمل مدرساً للأدب الإنجليزي في مدارسَ ثانويةٍ خاصّةٍ بكبار السنّ منذ عام 1946م حتّى 1959م، وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ طلاب هذه المدارس حرموا من مواصلة دراستهم في المدارس العامّة نظراً لفقرهم أو لأسبابٍ أخرى؛ وقد اكتسب هوغرت تجربةً مفيدةً من تدريس هذه الفئة الاجتماعية جرّاء احتكاكه بأشخاصٍ يعيشون في ظروفٍ وأوضاعٍ تتناغم مع طابع معيشته على الصعيدين الثقافي والاجتماعي، وضمن هكذا أجواءٍ ألّف أهمّ كتبه، وهو كتاب «أغراض محو الأمّية»، لذا يمكن اعتباره مرآةً لتجربته الشخصية أكثر من أيّ كتابٍ آخرَ، والسبب في ذلك يعود إلى أنّ كلامه في الكتاب المذكور كان موجّهاً للشريحة التي درّسها في مدارس كبار السنّ.

يمتاز هذا الكتاب بأنّ هوغرت اعتمد فيه على أسلوب تحليل الخطاب وطرح فيه مباحثَ مفيدةً وملفتةً للنظر حول الثقافة العامّة، ويمكن القول أنّ أهمّ إنجازٍ لهذا المفكّر الغربي يتمثّل في نجاحه بطرح مباحثَ أدبيّةٍ تحليليّةٍ ضمن العديد من الإصدارات الثقافيّة كالصحف والمجلات ومختلف الآثار الأدبية التي تستهوي عموم

(99)

الناس وتتناسب مع شتّى الأذواق في المجتمع[1].

الكتاب المذكور يتضمّن دراسةً تحليليةً بخصوص الطبقة العاملة في المجتمع قبل الحرب العالمية، حيث تطرّق فيه إلى شرح وتحليل واقع الحياة اليومية لهذه الشريحة الاجتماعية وتفاصيل علاقاتها العامّة من الناحيتين الإيجابية والسلبية، وقد كان له تأثيرٌ ملحوظٌ في مضمار الدراسات الثقافيّة بحيث اعتبره الباحثون مصدراً مرجعيّاً يمكن الاعتماد عليه في الدراسات والبحوث العامّة التي تتمحور مواضيعها حول وسائل الإعلام والثقافة العامّة[2].

أضف إلى ما ذكر فالكتاب المذكور أصبح مصدراً فكريّاً مرجعيّاً شهيراً في الأوساط الثقافيّة العامّة ومرتكزاً أساسيّاً لوسائل الإعلام خلافاً لسائر آثاره اللاحقة التي لم تبلغ هذه الدرجة من الأهمية.

تجدر الإشارة هنا إلى أنّ ريتشارد هوغرت تصدّى للعديد من المسؤوليات طوال مسيرته الفكرية، ومنها إدارة مركز برمنغهام للدراسات الثقافيّة منذ عام 1964م حتّى 1969م، وبعد ذلك أصبح مساعداً للمدير العام لمنظّمة التربية والعلم والثقافة في الأمم المتحدة خلال الأعوام 1971م حتّى 1975م عندما كان أستاذاً للغة الإنجليزية في جامعة برمنغهام، وأخيراً تولّى عمادة كلّية غولدسميث في لندن.[3]

(100)

ب - ريمون وليامز (Raymond Williams) (1921م - 1988م):

ريمون وليامز أبصر النور في قرية ويلن، وهو، على غرار ريتشارد هوغرت، ينحدر من طبقةٍ عاملةٍ، وانخرط أيضاً في بادئ حياته المهنيّة في سلك التدريس بمدارس كبار السنّ.

لهذا المفكّر البريطاني العديد من المؤلّفات، أهمّها: الثقافة والمجتمع، الثورة الطويلة، العلاقات والتلفاز، التقنية والنمط الثقافي، الماركسية والآداب، الكلمات المفاتيح.[1] الجدير بالذكر هنا أنّ كتابَيْ «الثقافة والمجتمع» و «الثورة الطويلة» يُعتبران أهمّ نتاجين في مسيرة وليامز الفكرية، حيث تطرّق فيهما إلى شرح وتحليل الكثير من المسائل التي تُعتبر اليوم مواضيعَ ارتكازيةً في الدراسات الثقافية، كما ساهم بشكلٍ كبيرٍ في نشأة هذه الدراسات؛ لذا يمكن الاعتماد على تراثه الفكري الذي تبلور في مختلف آثاره لمعرفة المسيرة التأريخية التي قطعتها الدراسات المشار إليها، لكنّها مع ذلك لم يكن لها تأثيرٌ بالغٌ على صعيد مناهج البحث العلمي من منطلق أنّها ارتكزت بشكلٍ محدودٍ على المبادئ البنيوية والسيميائية التي كانت ذاتَ أهميّةٍ بالغةٍ بالنسبة إلى الباحثين المختصّين بالدراسات الثقافيّة إبّان عقدَيِ السبعينيات والثمانينيات من القرن المنصرم.

رغم أنّ كتاب «الثقافة والمجتمع» يُدرج ضمن مصادر التأريخ الأدبي، إلا أنّ وليامز تطرّق فيه أيضاً إلى بعض المواضيع الخارجة عن هذا النطاق، حيث اعتبر كلّ كتابٍ يتمّ تأليفه مرتبطاً بشخصية

(101)

مؤلّفه وأشار بأسلوبٍ أدبيٍّ إلى مواضيعَ أوسعَ نطاقاً من فحوى كتابه حينما سلّط الضوء على التحوّلات التأريخية والاجتماعية في حياة البشرية، وتطرّق إلى تحليل الثقافة بصفتها نهجاً عامّاً في حياة البشر وأسلوباً معتمداً لتفسير جميع سلوكياتهم المشتركة؛ وهي في هذا المضمار لا تقتصر على النخبة الاجتماعية، بل تعمّ سلوكيات ونشاطات جميع أعضاء المجتمع ضمن حياتهم اليومية، وهي التي يرجّحها هذا الباحث لكونها تجسّد حركةً نقديةً في مواجهة المدّ الرأسمالي المتقوّم على مبادئَ آليةٍ وصناعيةٍ[1].

وأمّا كتابه الآخر الذي دوّنه تحت عنوان «الثورة الطويلة»، فهو يتمحور بشكلٍ أساسيٍّ حول تحليل الثقافة باعتبارها نهجاً للحياة، وأحد أهم المفاهيم الاصطلاحيّة التي ابتكرها في هذا الكتاب هو «البنية الشعوريّة» ويقصد منه تجربة الحياة خلال لحظةٍ معيّنةٍ في رحاب المجتمع والتأريخ.

الجدير بالذكر هنا أنّ هذا المفكّر الغربي في آثاره الأولى اعتبر وسائل الإعلام العامّة خطراً محدقاً يهدّد كيان الثقافة المشتركة والنهضة الديمقراطية، إلا أنّه بعد ذلك وخلال عقدي الستينيات والسبعينيات بالتحديد غيّر وجهة نظره وأكّد على أهميتها، حيث انعكس ذلك في بعض آثاره مثل كتابَيْ «العلاقات والتلفاز» و «التقنية والنمط الثقافي». كما أنّ كتابه «الماركسية والآداب» يمثّل تحوّلاً جذريّاً في تراثه الفكري، فقد انعكست فيه بعض وجهات نظره وأفكاره النقدية التي وجّهها بشكلٍ جادٍّ للفكر الماركسي

(102)

وللعديد من مصادر الدراسات الثقافيّة والمفاهيم المطروحة في هذا المضمار مثل الإيديولوجيا المتقوّمة بنظريات ألتوسير وهرمنيوطيقا أنطونيو غرامشي[1].

رغم أنّ ريمون وليامز لم يذكر معالم وجهته الفكريّة بشكلٍ صريحٍ، لكنّنا نستشفّ من جملة آثاره أنّه تبنّى رؤية ثقافيّة مادّية، حيث اعتبر الثقافة ذات ارتباطٍ وطيدٍ بشتّى القضايا الاقتصاديّة والسياسيّة وبجميع جوانب الحياة البشريّة، لكنّه مع ذلك أكّد على أنّ هذه القضايا لا تحدّد جميع معالم الواقع الثقافي. الجدير بالذكر هنا أنّ رؤيته هذه انعكست بشكلٍ ملحوظٍ في كتابه الكلمات المفاتيح، حيث يتضمّن مباحث تأريخية ولغوية وكلّ ما يرتبط بها من تعقيدات سياسيّة[2].

ج - إدوارد بالمر تومبسون (E. P. Thompson) (1924م - 1993م)

المؤرّخ والباحث البريطاني إدوارد بالمر تومبسون تبنّى فكراً اشتراكيّاً، وكان لنشاطه الفكري تأثيرٌ ملحوظٌ في نشأة مركز برمنغهام للدراسات الثقافية، حيث ألّف العديد من الآثار الثقافية؛ وكانت سيرته العلمية على غرار سيرة صديقه وزميله في العمل ريمون وليامز، فقد تصدّى إلى تعليم الطبقة العاملة.

تجدر الإشارة هنا إلى أنّ هذا الباحث الغربي يُعتبر أحد المؤسّسين للحركة اليسارية الجديدة التي اجتاحت الساحة البريطانية في عقد

(103)

الستينيات من القرن المنصرم، كما ساهم بشكلٍ فاعلٍ في إصدار مجلّة اليسار الجديد[1].

أهمّ وأشهر كتابٍ له هو صنع «الطبقة العاملة الإنجليزية»، الذي ضمّنه مباحثَ مسهبةً حلّل فيها مراحل نشأة الطبقات الاجتماعية ووضّح طبيعة الوعي الطبقي الذي يتحقّق على ضوء العمل والدين والأعراف العامّة والنشاطات السياسية؛ وهو في مجمل تراثه الفكري سلّط الضوء بشكلٍ أساسيٍّ على القدرة التي يمتلكها المواطن البريطاني وشتّى التوجّهات الفكرية والعلمية السائدة في بريطانيا.

تومبسون ضمن كتابه المذكور ابتدأ بدراسة التأريخ من مراحله السفلى، وسلّط الضوء فيه على واقع الطبقة العاملة التي تنضوي تحت مظلّة عامّة الناس في بلده، وفي هذا السياق تحدّث عن نمط حياة العمّال وتجاربهم في الحياة ومعتقداتهم وتوجّهاتهم الفكرية وسلوكياتهم. تجدر الإشارة هنا إلى أنّ هذا الأسلوب في كتابة التأريخ بصفته بديلاً عن الأسلوب المتعارف بين المثقّفين المختصّين في الكتابات الأدبيّة المتعالية، يتمحور حول بيان شتّى جوانب حياة بعض الشرائح الاجتماعية التي لم تكن قبل ذلك محطّ اهتمام الباحثين بل كانت مهمّشةً بالكامل في الأوساط الفكرية لكونها برأيهم لا تستحقّ الاهتمام.

فضلاً عمّا ذُكر فقد ساهمت أثار هذا المفكّر الغربي في فرض المبادئ الماركسية على الدراسات الثقافيّة حين ظهورها على

(104)

الساحة الفكرية فكان لها تأثيرٌ ملحوظٌ في هذا المضمار، وفيها سلّط الضوء بشكلٍ مكرّرٍ على مفهوم الطبقة الاجتماعيّة، الأمر الذي ينمّ بحدّ ذاته عن هذا التأثير؛ لكنّ رؤيته امتازت بأنّه اعتبر الطبقة العاملة ظاهرةً تأريخيةً يساهم الناس في إيجادها[1].

يبدو أنّ تومبسون كان متعلّقاً للغاية بالفكرة التي طرحها كارل ماركس حينما قال: «الإنسان هو الذي يصنع تأريخه، ولكن ليس بذلك الشكل الذي يعجبه، وإنّما يصنعه وفق ظروفٍ معيّنةٍ»، ومن هذا المنطلق أكّد على أنّ الطبقة الاجتماعية ليست أمراً واحداً، بل تدلّ من الناحية المفهومية على مجموعةٍ من المناسبات والأحداث الاجتماعية، لكنّه لم يعرّفها بذات تعريف ماركس الذي وضّح معالمها وفق مبدأ تكافؤ جميع أبناء المجتمع في منظومة الإنتاج الاقتصادي على ضوء ارتباط الإنسان بوسائل الإنتاج، بل أكّد على أنّها تظهر إثر سلوكياتٍ إنسانيّةٍ مشتركةٍ في رحاب شعورٍ بوجود هويّةٍ مشتركةٍ بين أبناء المجتمع الواحد، وهذا الشعور ربّما يختلف عمّا يشعر به الآخرون وما يتصوّرونه بخصوص المصالح التي يمكن تحقيقها في الحياة[2].

في عام 1967م نأى تومبسون بنفسه عن الحزب الشيوعي وساهم في تأسيس حزبٍ يساريٍّ جديدٍ يعارض الرؤية البنيوية الفرنسية للنظرية الماركسية.

الجدير بالذكر هنا أنّ نشاطه الفكري لم يقتصر على تدوين

(105)

دراساتٍ وبحوثٍ تأريخيةٍ وتنقيح العديد من النصوص، بل كانت له مداخلاتٌ جادّةٌ وفريدةٌ من نوعها في المناظرات السياسية والنقاشات الثقافية؛ والدليل على براعته في هذا المضمار انتقاده الجادّ لبعض القضايا الهامّة وأسلوب تعامله في الأوساط الأكاديميّة وتنظيراته اليسارية وحواراته وشتّى دراساته وبحوثه العلمية ومختلف مؤلّفاته التي تمحورت مواضيعها حول ضرورة مكافحة التسلّح النووي والتي أكّد فيها على وجوب العمل لاستئصاله من العالم[1].

د - ستيوارت هول (Stuart Hall) (1932م - 2014م)

المفكّر ستيوارت هول هو أحد أشهر روّاد الفكر التثقيفي الجماهيري في بريطانيا بعد عقد الخمسينيات من القرن الماضي، ففي عام 1951م غادر بلده الأمّ جامايكا متوجّهاً إلى بريطانيا ليلتحق بجامعة أوكسفورد، وفي عقد الستينيات أصبح عضواً في مركز الدراسات الثقافيّة المعاصرة بجامعة برمنغهام ثمّ تولّى إدارة هذا المركز خلال الأعوام 1968م حتّى 1979م، حيث انصرف بعد ذلك إلى التدريس في فرع الاجتماع بالجامعة البريطانية المفتوحة.

في السنوات اللاحقة أصبحت آراؤه مادّةً دسمةً في الأوساط الفكرية واستقطبت نحوها الكثير من المتابعين، ولا سيّما مدوّناته السياسية بخصوص ما أسماه بالظاهرة التاتشرية ودروسه التي تمحورت مواضيعها حول الخطاب العامّ ومختلف آرائه ووجهات نظره التي طرحها في العديد من وسائل الإعلام ضمن برامجه

(106)

الجذّابة التي اتّسمت شخصيته فيها بالدقّة وسعة الصدر.

هذا الباحث الغربي كان له دورٌ مشهودٌ في إعادة صياغة الفكر السياسي والسلوكي للجناح اليساري في بريطانيا وسائر البلدان خلال العقدين الماضيين.[1]

أوّل كتابٍ ألّفه عنوانه «الثقافة عندما تساعدنا في اكتشاف هوياتنا»، وقد حاول فيه بيان طبيعة الثقافة التي تستهوي عامّة الناس ضمن تأكيده على أهميتها؛ لكنّ آثاره الفكرية بلغت درجةً أعلى من النضوج في عقد الستينيات بحيث تجاوزت أُطر الفكر الاشتراكي ذي الطابع الإنسانوي الموروث من آراء ونظريات ريتشارد هوغرت وريمون وليامز و إدوارد بالمر تومبسون، فقد اعتمد في تلك الآونة على الإنجازات الفكرية المعاصرة في البلدان الأوروبية مثل النظريات البنيوية المطروحة من قبل لويس ألتوسير وآثار رائد الفكر الماركسي في إيطاليا أنطونيو غرامشي، لذلك تمحورت نظرياته حول قضايا سلطويةٍ وإيديولوجيةٍ؛ فقد تأثّر إلى حدٍّ كبيرٍ بآثار غرامشي، حيث انعكست آراء هذا الفيلسوف السياسية وتنظيراته الفكرية ضمن مختلف أطروحاته[2].

المواضيع المطروحة في مؤلّفات ستيوارت هول تتمحور حول بيان مدى تأثير الثقافة على الحياة اليومية للبشر وكيف تساهم في تنظيمها، والجدير بالذكر هنا أنّه لم يؤلّف كتاباً مستقلّاً في هذا الصعيد، لكنّه دوّن العديد من المقالات القيّمة التي تمّ جمعها في

(107)

سلسلة خاصّة، حيث وضّح فيها مراحل نشأة الدراسات الثقافيّة وأشار إلى الأسلوب الأمثل في توسيع نطاقها؛ ومن أهمّها ما يلي:

- علاقة التلفاز بالثقافة باعتباره وسيلةً إعلاميّةً: موضوع هذا العنوان مختصٌّ بالتلفاز ومدى تأثيره على توجّهات الناس وطريقة اختيارهم النمط الثقافي الأنسب، حيث طرح ستيوارت هول هذا الموضوع في إطار نظريةٍ خاصّةٍ.

- الترميز وفكّ الترميز في الخطاب المتلفز: يتمحور موضوع البحث في هذه المقالة حول الرؤى السيميائية بخصوص إنتاج الإعلانات التي تبثّها وسائل الإعلام وكيفية تعامل الناس معها، حيث سلّط الضوء في هذا المضمار على الآثار الاجتماعية المتشابكة والمعقّدة بالنسبة إلى فهم كلّ مخاطَب واستنتاجه من هذه الإعلانات.

لا نبالغ لو وصفنا التراث الفكري لهذا الباحث الغربي بأنّه يجسّد نقطة التقاءٍ بين القومية والإمبريالية في الثقافة المعاصرة، إذ تطرّق في بعض المواضيع التي طرحها للبحث إلى الحديث عن أوضاعه الشخصية باعتباره مواطناً بريطانيّاً أسودَ البشرة[1].

في أواخر عقد السبعينيات وخلال عقد الثمانينيات من القرن المنصرم انصرف ستيوارت هول إلى دراسة وتحليل الأسس السياسية والإيديولوجية الكفيلة بنجاح حكومة المحافظين في بريطانيا والحركة الجماهيرية التاتشرية التي حاولت بسط نفوذها

(108)

في الأوساط السياسية هناك؛ وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ أطروحته التاتشرية جعلت قرّاء كتاباته يتعرّفون أكثر على آرائه ونظرياته بحيث اعتبروه مفكّراً فاعلاً على الساحة البريطانية رغم أنّه تبنّى النزعة الجدلية منهجاً له؛ وآثاره الفكرية جسّدت سلسلةً من تجاربه الميدانية الذكية التي أبدع فيها على الصعيد السياسي وبالأخص وجهات نظره بالنسبة إلى التحوّلات السياسية التي طرأت في بريطانيا.

دعا هول في منظومته الفكرية إلى الحفاظ على دلالة مفهوم الإيديولوجيا في عهدٍ اعتبره الكثير من الباحثين والمفكّرين بأنّه عهد ما بعد الإيديولوجيا، وبقي يزاول مهنته كأستاذٍ للعلوم الاجتماعية في الجامعة البريطانية المفتوحة حتّى عام 1997م لـمّا أحيل على التقاعد[1].

خلاصة الفصل الأوّل: 

الباحثون المختصّون بالدراسات الثقافيّة تبنّوا نهجاً فكريّاً يتناسق مع النظريات المطروحة من قبل مؤسّسي مركز برمنغهام في بريطانيا والذي وضع المفكر ريتشارد هوغرت حجر الأساس له في عقد الستينيات من القرن المنصرم.

وكما أشرنا فالفضل في تأسيس هذا المركز وصياغة النهج الفكري الذي تُدوّن على أساسه الدراسات والبحوث الثقافية، يعود

(109)

إلى الباحِثين إدوارد بالمر تومبسون وريتشارد هوغرت وريمون وليامز وستيوارت هول؛ فهؤلاء هم الذين حدّدوا الأسس النظرية فيه، ولاحقاً تفرّعت عليه العديد من المذاهب الفكرية في مضمار الدراسات الثقافيّة التي دُوّنت في رحاب العلوم الإنسانية بحيث لم تقتصر على الأوساط الفكرية البريطانية، بل اتّسع نطاقها لتنتشر في شتّى بقاع العالم.

النهج الفكري في مركز برمنغهام للدراسات الثقافيّة تقوّم على رؤًى متعدّدةٍ بحيث اتّصف بعضها بالتضادّ، والجدير بالذكر هنا أنّ هذا النمط من الدراسات يعدّ فرعاً علميّاً مشتركاً بين مختلف التخصّصات العلمية وقد تمكّن الباحثون تحت مظلّته من إيجاد توليفةٍ جديدةٍ مترابطةِ الأجزاء تضمّ في طياتها شتّى النزعات الفكرية ومضامير البحث العلمي ومناهجه.

الدراسات الثقافيّة تأثّرت إلى حدٍّ كبيرٍ بالأحداث التأريخية والسياسية والمؤسّساتية والنظريات والتيارات الفكرية التي استحوذت على الساحة آنذاك، وإثر ذلك لم يتعيّن نطاق مواضيعها وما اتّضحت معالم البحوث التي تطرح في رحابها ولا التوجّهات الفكرية الأساسية التي تتقوّم عليها إلى جانب عدم تحديد منهجها البحثي ضمن أُطرٍ خاصّةٍ؛ ناهيك عن أنّ الباحثين المعنيين بها بادروا إلى إيجاد توليفةٍ امتزجت فيها أنماط عديدة ليطرحوا في هذا المضمار رؤًى جديدةً على صعيد العلوم الاجتماعية ضمن

(110)

توجّهاتٍ فكريّةٍ متنوّعةٍ في شتّى المجالات السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والعلاقات والأنثروبولوجيا الثقافيّة والسيكولوجيا الاجتماعيّة والأدب والفنّ والتأريخ، حيث ارتكزت البحوث في هذه المجالات على مواضيع متنوّعة مثل الثقافة العامّة والثقافة الجماهيرية والإمبريالية الثقافيّة والإيديولوجيا والسلطة والهويّة والطبقات الاجتماعيّة والقومية، وفي رحابها اتّصفت المنتوجات الثقافيّة بطابعٍ اقتصاديٍّ وظهرت ثقافاتٌ فرعيّةٌ جديدةٌ وانتعش التبادل الثقافي الذي يصطلح عليه بـ «التثاقف».

استناداً إلى ما ذُكر، يمكننا تعريف الدراسات الثقافيّة كما يلي: هي مجموعةٌ من الآثار المتنوّعة تنصبّ في توجّهاتٍ فكريّةٍ متباينةٍ ويُراد منها طرحُ تحليلٍ نقديٍّ لشتّى الأنماط والسلوكيات الثقافيّة السائدة في المجتمعات المعاصرة والمجتمعات القريبة من هذا العهد[1]. إذاً، الدراسات الثقافيّة، بحسب هذا التعريف، تُطلق على كمٍّ كبيرٍ من البحوث والنظريات ومناهج البحث العلمي والأساليب النقدية، وفي رحابها يتطرّق الباحث إلى تحليل مختلف الأنماط الثقافية، وأهمّ موضوعيْن مطروحيْن على طاولة البحث والتحليل فيها هما الثقافة العامّة والحياة اليومية للبشر.

الباحثون المختصّون بالدراسات الثقافيّة لجأوا إلى مناهجِ بحثٍ متنوّعةٍ في تدوين بحوثهم العلمية على هذا الصعيد، لكنّ غالبية

(111)

هذه البحوث ذاتُ أسلوبٍ نوعيٍّ لكونه الأسلوب المفضّل لديهم، فعلى ضوئه يتمحور البحث حول مضامينَ ذاتِ مداليلَ ثقافيّةٍ، حيث يتقوّم على مسألة صياغة المعنى من قِبل الفاعل، وفي رحابه يتمّ تدوين البحث العلمي عن طريق المشاهدة العينية والمقابلات وعيّنات البحث وتحليل النصّ.

تجدر الإشارة هنا إلى أنّ مناهج البحث في الدراسات الثقافيّة يمكن تلخيصها بشكلٍ إجماليّ ضمن ثلاثِ توجّهاتٍ فكريّةٍ أساسيّةٍ، إحداها تتبنّى الأصول الإثنوغرافية منطلقاً لها والأخرى تعتمد على تحليل المضمون والثالثة يلجأ الباحث فيها إلى تدوين بحوثٍ متقوّمةٍ على نظرية التلقّي.

وأمّا أهمّ ما يميّز النظريات والآراء التي يتبنّاها باحثو مركز برمنغهام للدراسات الثقافيّة عمّا يطرح من قبل سائر المدارس الفكرية، فيمكن إجماله ضمن النقاط التالية:

- تنوّع نظرياتهم وكثرتها.

- طبيعة المناهج البحثية والمواضيع المطروحة في نتاجاتهم الثقافية.

- تأثّرهم بالفلسفة الاجتماعية الأوروبية.

- طغيان الرؤية الماركسية على بحوثهم.

(112)

- تبنّيهم نهجاً انتقاديّاً.

- تصويرهم الثقافة بكونها شأناً مستقلاً بذاته.

- اعتبارهم الثقافة مضماراً للصراعات الإيديولوجية.

- رفضهم الفهم الكلاسيكي للثقافة.

- تصدّيهم للآراء الوضعية المعتمدة في تحليل القضايا الثقافية.

- اهتمامهم بالقضايا الفرعية في مقابل القضايا العامّة.

- تأكيدهم على دور المخاطب باعتباره عنصراً مؤثّراً.

- تصويرهم العناصر الثقافيّة بصفتها مؤشّراتٍ دالّةً.

- الاهتمام بشؤون المجتمع المعاصر.

- تسليطهم الضوء على طبيعة السلوك الثقافي.

- عدم انخراطهم في المنهج التشاؤمي السائد في مدرسة فرانكفورت. 

(113)
(114)

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني:

المبادئ الإبستمولوجية في

مدرسة برمنغهام

(115)

الهدف من تدوين هذا الفصل هو تسليط الضوء على الأصول الإبستيمولوجية المعتمدة في مركز برمنغهام للدراسات الثقافيّة، وبما أنّ التيارات الفكرية الإبستيمولوجية كان لها الأثر البالغ في صياغة هذه الأصول، لذا لا يتسنّى تحقيق الهدف المنشود في هذا الفصل إلا من خلال بيان تفاصيلها؛ ومن هذا المنطلق رجّحنا تحليل الموضوع ضمن مبحثيْن أساسييْن، أحدهما يتمحور حول التيارات المشار إليها، والآخر يتضمّن فحوى الموضوع، أي تحليل الأصول الإبستيمولوجية المعتمدة في مركز برمنغهام.

المبحث الأوّل: التيارات المعرفية ودورها في صياغة الدراسات الثقافيّة:

الدراسات الثقافيّة طوال مسيرة تكوينها جسّدت معالمَ مدرسةٍ فكريّةٍ تنضوي تحت مظلّتها العديد من التيارات الفكريّة والإبستيمولوجية التي يتبنّى روّادُها وجهاتِ نظرٍ متباينةً؛ ورغم كلّ هذا التنوّع المعرفي إلا أنّ النظريات المطروحة في هذه المدرسة تعدّ كحلقاتٍ مرتبطةٍ مع بعضها في سلسلةٍ واحدةٍ، وكذا هو الحال بالنسبة إلى النتائج التي تتحقّق في ظلّها، فهي كأجزاء من مجموعةٍ واحدةٍ أيضاً.

وأمّا أهمّ التيارات الفكرية التي كان لها تأثيرٌ ملحوظٌ على مسيرة الدراسات الثقافيّة وانتشارها على نطاقٍ واسعٍ، فهي عبارةٌ عمّا يلي:

- الماركسيّة

(116)

- الثقافويّة

- البنيويّة

- ما بعد البنيويّة

- ما بعد الحداثة

- السيكولوجية

- نظريّات التباين

وفي ما يلي نوضّح مدى تأثير هذه التيارات على الدراسات الثقافيّة بتفصيلٍ:

أوّلاً: الماركسيّة

الماركسية تطرح مفهوميْن أساسييْن، يُصطلح عليهما بـ «الأساس» و «البناء»، حيث يدلّ الأساس على الاقتصاد والإنتاج باعتبارهما البنية الارتكازية في المجتمع، في حين أنّ البناء يراد منه الثقافة والسياسة بصفتهما أمريْن ثانوييْن يتبلوران في رحاب العوامل الاقتصاديّة[1].

بناءً على هذا التعريف للماركسية فالدراسات الثقافيّة رغم اختلافها بشكلٍ جذريٍّ عن الماركسية التقليدية، لكنّ باحثيها عادةً ما يعتمدون على المبادئ الماركسية حين طرح آراء نقديّةٍ جادّةٍ على بعض المسائل؛ وحينما يحدث امتزاجٌ بينهما نجد الدراسات الثقافيّة تتمحور بشكلٍ أساسيٍّ حول مواضيعَ خاصّةٍ، مثل البنية والتوليف بين النظرية والتطبيق (praxis) والإيديولوجيا.

(117)

الجدير بالذكر أنّ الباحِثين المعنيِّين بالدراسات الثقافيّة حاولوا إعادة النظر في الماركسية وهذه المساعي تمخّض عنها نشأة نمطٍ خاصٍّ من هذه الدراسات في بريطانيا[1]، والماركسية التي كان لها تأثيرٌ في تكوين الدراسات الثقافيّة هي التي اتّسمت بطابعٍ نقديٍّ، لأنّ الماركسيّة التقليديّة نأت بنفسها عن القضايا الثقافيّة من منطلق اعتقاد باحثيها بأنّ الثقافة جزءٌ من البناء -وليست الأساس- ونظراً لتصوّرهم بكونها تابعةً للمنظومة الاقتصاديّة وغيرَ منفكّةٍ عنها؛ بينما روّاد الماركسيّة النقديّة اعتبروها مستقلّةً نسبيّاً بصفتها ظاهرةً ذاتَ تأثيرٍ مباشرٍ في تكوين العلاقات الاقتصاديّة والسياسيّة وتوجيهها نحو مسارٍ معيّنٍ، أي أنّها ليست تابعةً للاقتصاد أو السياسة لذلك اقتضت الضرورة إيجاد بابٍ جديدٍ في مضمار الدراسات الثقافيّة[2].

المفكّر لويس ألتوسير من خلال توسيعه نطاق مفهوم الإيديولوجيا، وأنطونيو غرامشي عبر تحليله مفهوم اقتدار السلطة (السلطوية)؛ أثّرا إلى حدٍّ كبيرٍ على واقع الدراسات الثقافيّة، ونظراً لأهمية هذا الأمر سوف نسلّط الضوء في ما يلي على جانبٍ من سيرتهما الفكرية:

1) لويس ألتوسير:

لويس ألتوسير فيلسوفٌ فرنسيٌّ تأثّر بنظريات كارل ماركس، وهو من أبرز المفكّرين الذين أثّرت منظومته الفكريّة على الآراء والنظريات التي طُرحت في مضمار الدراسات الثقافية.

(118)

أكّد هذا المفكّر الغربي في نظرياته على عقم الفكر الاقتصادي الماركسي الأرثوذكسي، وبهذا التوجّه فتح باباً جديداً في هذا المجال، وقال بأنّنا لو أردنا الخلاص من قيود المبادئ الاقتصادية البحتة فلا بدّ لنا من تغيير نهجنا الجدلي الجوهري (الماهيوي) وتحويله إلى نهجٍ بنيويٍّ. المجتمع بحسب هذه الرؤية عبارةٌ عن مجموعةٍ من العلاقات الكائنة بين قضايا بنيويةٍ عزا ألتوسير تكوينها إلى مبادئَ سياسيّةٍ واقتصاديّةٍ وإيديولوجيّةٍ، ومن هذا المنطلق نجح في إجراء تغييراتٍ على واقع الخطاب الماركسي في رحاب مفهومَيْ «الأساس» و «البناء» على الرغم من نفوذ النظريات الماركسية واستحواذها على الساحة الفكرية آنذاك، حيث تمكّن من إحداث تغييرٍ جدليٍّ، وفي هذا السياق رفض الرأي القائل بأنّ الإيديولوجيا هي الصورة الوحيدة لمفهوم الأساس الماركسي المتقوّم على الإنتاج، وفي مقابل ذلك أكّد على أنّها خلفيةٌ لبقاء هذا الأساس راسخاً ومستحكماً على ضوء الواقع الاقتصادي؛ وبالتالي فهي برأيه مبدأً لهيكلة الاقتصاد من جديدٍ ولا يمكن اعتبارها انعكاساً له[1].

وفي هذا السياق عزا البنية الإيديولوجية إلى سلسلة من الرؤى والمفاهيم والتصوّرات التي يشهدها المجتمع في كلّ عصرٍ، وهي بهذا الوصف عبارة عن ثقافةٍ نافذةٍ في عصرها وهدفها الأساسي هو التغطية على التضادّ الحاصل في الحياة الاجتماعية وتصويره وكأنّه حالةٌ طبيعيّةٌ؛ وهذه العملية تجري بشكلٍ لاشعوريٍّ برأيه، لذا يمكن وصف الإيديولوجيا بكونها مرآةً للعلاقات بين أعضاء المجتمع الواحد على ضوء واقع حياتهم وفي رحاب شتّى المفاهيم والتصوّرات المتعارفة بينهم.

(119)

من جملة آرائه بخصوص هذا الموضوع أنّه اعتبر كلّ إيديولوجيا تستبطن مبادئَ جدليّةً خاصّةً بها قد تتغيّر من عصرٍ إلى آخرَ، حيث تُسهم هذه المبادئ في تفعيل بعض المسائل وإنعاشها بين الأوساط الفكريّة وفي الحين ذاته تتسبّب في تهميش مسائل أخرى، ولا شكّ في أنّ التأكيد والحذف هنا لهما دورٌ أساسيٌّ في صياغة قوام كلّ مذهبٍ إيديولوجيٍّ خلال فترةٍ من الزمن؛ ولكنّ الحصيلة النهائية في نظرية ألتوسير هي أنّ الاقتصاد هو الذي تصاغ وفق أصوله الإيديولوجيا المثلى في كلّ عصرٍ[1].

الجدير بالذكر هنا أنّ بصمات هذا المفكّر الغربي تبلورت بشكلٍ محلوظٍ في الدراسات الثقافيّة ضمن نظرية التفكيك الإيديولوجي التي تؤكّد على الثقافة النافذة في كلّ عصرٍ، وكلّ إيديولوجيا تمتاز بطابعٍ جدليٍّ يميّزها عن غيرها كما ذكرنا آنفاً، وجدليتها متقوّمةٌ ببنيةٍ نظريّةٍ، ويمكن في رحابها بيان التفاصيل المعقّدة لكلّ نصٍّ وكافّة العناصر المكوّنة له والتضادّات الموجودة فيه؛ فقد صرّح بأنّ التفكيك الإيديولوجي يحدث كما يلي: كلُّ إنسانٍ لدى قراءته الأولى للنصّ الإيديولوجي يستلهم منه خطاباً ثقافيّاً واضحاً، وبالتالي يتسنّى له استقصاء المبادئ الثقافيّة الفرعية واللاشعورية من باطن مناطق الفراغ والمسائل غير المصّرح بها في هذا النص. والواقع أنّ الدافع لكلّ سلوكٍ يكمن في ظاهره الذي ينمّ في الواقع عن الجانب اللاشعوري، لذا يمكن للإنسان معرفة الدوافع الكامنة عن طريق التفكيك[2].

(120)

2) أنطونيو غرامشي:

أنطونيو غرامشي منظّرٌ ماركسيٌّ إيطاليٌّ، وهو أحد المفكّرين الذين انطبعت بصماتهم في مضمار الدراسات الثقافية، وأهمّ نظريةٍ له على هذا الصعيد تتمثّل في تحليل مفهوم السلطوية، وهذه النظرية ملأت الفراغ النظري الموجود في الدراسات الثقافيّة آنذاك.

تجدر الإشارة هنا إلى أنّ سلطوية السيطرة على المجتمع بحسب هذه النظرية تتحقّق عن طريق الإجماع الثقافي لا عن طريق القهر والإجبار، والثقافة بهذا اللحاظ لا تتّصف بكيانٍ ثابتٍ لكونها تتأثّر بالصراعات الفكرية المحتدمة على الساحة، إذ إنّ الثقافة العامّة عادةً ما تكون محلّ احتكاكٍ وصراعٍ بين القوى السلطوية والقوى المناهضة لها.

وأمّا الباحث ريمون وليامز الذي عُرف كمفكّرٍ بارزٍ في عرصة الدراسات الثقافية، فقد عمّم نطاق السلطوية بشكلٍ يتجاوز نطاق الإيديولوجيا، حيث اعتبرها منظومةً زاخرةً بالمفاهيم والقيم والحقائق التي لا يمكن تجاوزها أو التعدّي عليها من قبل غالبية الناس.[1]

السلطوية تهدف إلى ضمان تـأييدٍ شعبيٍّ لأداء السلطة الحاكمة، وهي تلبّي رغبات الشعب ما دامت لا تتعارض مع المقوّمات الأساسية للسلطة من جميع الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، وهذا الأمر يمكن اعتباره ضرباً من التطميع الهادف إلى تحقيق مصالح معيّنة تتمثّل في الإبقاء على سلطة النظام الحاكم وضمان اقتداره.

(121)

أنطونيو غرامشي أكّد على أنّ مفهوم السلطوية الثقافيّة يدلّ على السيطرة الثقافيّة للطبقة الحاكمة، لذا اعتبره مختلفاً عن الإجراءات القهرية التي تفرضها الحكومة أو قوّات الأمن والشرطة؛ وقد سلك نهجاً مغايراً لما تبنّاه الماركسيون الاقتصاديون حينما أكّد على غلبة المثقّفين وقيادتهم الثقافيّة بدلاً عن التأكيد على الاقتصاد.

لو أردنا تحليل رؤية غرامشي وفق أصولٍ رأسماليّةٍ، لا بدّ لنا من القول أنّه كان يسعى إلى إثبات سيطرة المثقّفين في المجتمع وقيادته ثقافيّاً وبيان العوامل التي ساعدتهم على نيل تأييدٍ شعبيٍّ[1].

مفهوم السلطوية الثقافيّة المتعارف في الدراسات الثقافيّة والمطروح من قبل غرامشي، كان وازعاً للباحثين في إعادة النظر في المقصود من الثقافة العامّة، وعلى أساس ذلك حدث ارتباطٌ وثيقٌ بين رؤيتيْن شائعتيْن تجاه الثقافة العامّة، وهما الرؤية التي تعتبر هذه الثقافة مفروضةً على المجتمع من قبل النتاجات التثقيفية للطبقة الرأسمالية والتي تهدف في الحقيقة إلى التمويه على الرأي العامّ وتحقيق أرباحٍ ماليةٍ، وأمّا الرؤية الأخرى فهي تؤكّد على أنّ الثقافة تتحقّق في المجتمع بشكلٍ عفويٍّ لكونها منبثقةً من عمق كيانه.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ غرامشي حينما تحدّث عن انعكاسات السلطوية في الدراسات الثقافيّة أكّد على أنّ الثقافة العامّة لا تنبثق من سلوكيات عامّة الشعب أو سلوكيات الطبقة العاملة كما أنّها ليست مفروضةً على المجتمع من قبل الطبقة الرأسمالية، بل هي عبارةٌ عن توليفةٍ تتضمّن مبادئَ متناقضةٍ من توجّهات الطبقات النافذة والمسحوقة في المجتمع، وعزا السبب في التوازن في ما بينها إلى وجود مصالحةٍ بين الطرفين، فهي أصيلةٌ وفي الوقت نفسه

(122)

ذاتُ طابعٍ تجاريٍّ، وتعمّ البنية الاجتماعيّة والسلوك الاجتماعي في آنٍ واحدٍ؛ وهذا يعني أنّ الإنسان هو الذي يصوغ الثقافة وفي ذات الحين تُصاغ هويته في رحابها[1].

خلاصة الكلام هي أنّ التراث الفكري لكلٍّ من لويس ألتوسير وأنطونيو غرامشي كان أرضيةً مناسبةً لإيجاد مدراسَ فكريّةٍ نافذةٍ مثل الماركسيّة الجديدة والماركسية الغربية إبّان السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية؛ والباحث البريطاني ريمون وليامز الذي عُرف بدراساته الثقافيّة النقدية، اعتمد على نظريات هذين المفكّريْن ضمن بحوثه التجريبية الشهيرة التي دوّنها حول الثقافة الشعبيّة؛ ومعاصره الباحث إدوارد بالمر تومبسون أشار في الكثير من بحوثه إلى أهميّة الثقافة في مجال دراسة البنية الاجتماعيّة والحركات الثوريّة.

ثانياً: الثقافوية  (Culturalism):

الثقافوية تُعتبر من جملة المرتكزات الأساسيّة في مركز برمنغهام للدراسات الثقافيّة، وتعود أهميتها إلى أنّها قد ابتكرت من قِبل أصحاب الريادة في هذا المركز، أي ريتشارد هوغرت وريمون وليامز وإدوارد بالمر تومبسون؛ وتتلخّص معالمها المميّزة لها بما يلي:

1) تتمحور مواضيعها حول إنتاج المعنى على ضوء سلوكيات الإنسان في رحاب التأريخ.

2) تعير أهميةً بالغةً للتأريخ لكون المفاهيم والمعاني الدلالية تُصاغ في رحابه.

(123)

3) تعتبر التفسير بمثابة أسلوبٍ لفهم المعاني[1].

نستشفّ ممّا ذكر أنّ المعنى يعدّ مرتكزاً محوريّاً في الثقافوية، وهو حصيلةٌ لنشاطاتٍ إنسانيّةٍ؛ والجدير بالذكر هنا أنّ الباحثيْن ريمون وليامز وإدوارد بالمر تومبسون قد اعتبراها نمطاً من المادّية التأريخية الثقافيّة التي يسعى الإنسان في ظلّها إلى استثمار المعاني في كلّ مرحلةٍ زمنيةٍ.

الثقافة بحسب الرؤية الثقافوية يجب وأن يتمّ تحليلها وفق مبادئَ مادّيةٍ ومن ثَمّ تقييمها طبقاً لطبيعة العلاقات الطبقية في المجتمع؛ كما أنّها وفق هذه الرؤية تُعدّ أمراً متعارفاً وتمنح الإنسان قابليةً ترفع من كفاءته السلوكية وإبداعه في الحياة ليساهم مع أقرانه البشر في أعمالٍ مشتركةٍ ذاتِ دلالاتٍ معيّنةٍ.

تجدر الإشارة هنا إلى أنّ الهدف المنشود في السلوك التجريبي المنبثق من المبادئ الثقافوية، هو إيجاد قواعد منهجيّةٍ يتمكّن الإنسان في رحابها من صياغة مفاهيمَ ومعانٍ ثقافيةٍ؛ فهي، في الحقيقة، عبارةٌ عن وجهة نظرٍ فكريّةٍ تؤكّد على أنّ المعنى يُولد بفعل فاعلٍ إنسانيٍّ، والتفسيرُ، وفق مبادئها هو عبارةٌ عن وسيلةٍ لفهم هذا المعنى.

بما أنّ المعنيِّين بالدراسات الثقافيّة يقصدون من مساعيهم العلمية استقصاء معاني النصوص وفهم دلالاتها، فالمعنى، على هذا الأساس، يتأثّر بالوجهة الفكرية التي يتبنّاها كلُّ واحدٍ منهم[2].

من جملة الأمور التي تمخّضت عن ولادة النزعة الثقافوية في

(124)

عمق الدراسات الثقافية، أنّها أصبحت، في ما بعد، تياراً مضادّاً للنزعة البنيوية، لكنّها افتقدت تأثيرها على الدراسات الثقافيّة في خضمّ هذه المواجهة المحتدمة لدرجة أنّ وجهات النظر البنيوية وما بعد البنيوية باتت في عصرنا الراهن أصولاً معتمدةً في هذه الدراسات؛ لذا نكتفي بهذا المقدار من الشرح والتفصيل حولها لنسلّط الضوء في المبحث اللاحق على تأثير النزعة البنيوية في واقع الدراسات الثقافيّة[1].

ثالثاً: البنيوية (Structuralism):

البنيوية هي إحدى التيارات الهامّة التي تبلورت على نطاقٍ واسعٍ بين الأوساط الفكرية إبّان القرن العشرين ولا سيّما في مجال الفلسفة والعلوم الإنسانية. وأهميّة الفكر البنيوي تكمن في تأثيره البالغ على مختلف مبادئ العلوم الإنسانية. وكما هو الحال بالنسبة للدراسات الثقافيّة، فالبنيوية لها وجودٌ فاعلٌ فيها وتُعدّ ركيزةً فكريةً أساسيةً للمعنيِّين بهذه الدراسات. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ آثارها قد انعكست بشكلٍ جِليٍّ في نظريات الفيلسوف الفرنسي رولان بارت الذي تطرّق في دراساته الثقافيّة إلى تحليل عناصر الثقافة بصفتها أجزاءَ مكوّنةً لمنظومةٍ دلاليةٍ خاصّةٍ[2].

وأمّا بالنسبة إلى التأريخ الدقيق لنشأة الفكر البنيوي، فلو تتبّعناه لوجدنا هذا الفكر يضرب بجذوره في النظريات الاجتماعية للفيلسوف الفرنسي إميل دوركايم الذي كان يسعى إلى طرح مبادئَ ثابتةٍ على الصعيدين الثقافي والاجتماعي تتعدّى نطاق الهوية

(125)

الفردية؛ ولو دقّقنا أكثر في هذا الموضوع لوجدنا الفكر البنيوي قد تبلور بشكلٍ أوضح ضمن آثار أحد المعاصرين لدوركايم، حيث نلمسه جليّاً في المنظومة الفكريّة للمفكّر السويسري فرديناند دو سوسور ولا سيّما في كتابه «بحثٌ في الألسنية العامّة»، فهذا الكتابُ يتضمّن نظرياتٍ بنيويةً دقيقةً ومنتظمةً بحيث يمكن اعتباره الرحم الذي ولد منه الفكر البنيوي بمنهجيته المتعارفة.

الفكر البنيوي تُطرح في رحابه أصولٌ سلوكيةٌ ذاتُ معانٍ دلاليةٍ تعتبر ثمرةً للأسس البنيوية، حيث يمكن التنبّؤ بمعنى كلّ مفهومٍ يُطرح في رحابه وفق قواعدَ خاصّةٍ خارجةٍ عن نطاق وجهات النظر الفردية، لذا يُقال بأنّ البنيوية في مقابل الإنسانوية، وتؤكّد على عدم محورية الفاعل، والباحث في ظلّها يسعى إلى تحليل المعنى لظاهرةٍ معيّنةٍ على أساس ظواهرَ أخرى يدركها ضمن بنيةٍ منتظمةٍ دون أن يتصوّر أيَّ تأثيرٍ فرديٍّ فيها[1].

حينما نستطلع النصوص العلمية والفلسفية المتقوّمة بوجهات نظرٍ بنيويةٍ أو نمعن النظر في النصوص التي أشارت إلى نظرياتٍ من هذا القبيل، نستنتج منها التعريف الشامل التالي للبنيوية: هي شبكة من العناصر المرتبطة مع بعضها ضمن نظامٍ محدّدٍ، وهذا الارتباط من سنخ التقابل، لذا يمكن أن تتواكب العناصر مع بعضها أحياناً أو ينوب بعضها عن الآخر بحسب قواعدَ خاصّةٍ، وإثر ذلك تتّسم بشكلٍ جديدٍ وتتجلّى وفق نمطٍ معيّنٍ مع حفاظها على الطابع البنيوي العامّ والثابت للمجموعة التي تنضوي تحتها[2]. ولو حلّلنا

(126)

مستوى نفوذ الرؤية البنيوية في الأوساط الفكريّة، لأمكننا استنتاج تصوّرٍ كلّيٍّ لها يثبت لنا على أساسه أنّ الفكر البنيوي لا يقتصر على العلوم اللغوية والسيميائية.

الجدير بالذكر هنا أنّ هذه النزعة الفكريّة شهدت انتعاشاً ورواجاً واسعاً إبّان عقدَيِ الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، ومن ثَمّ بسطت نفوذها في الأوساط العلمية بصفتها رؤيةً عامّةً وشاملةً لكونها أثّرت بشكلٍ مباشرٍ على شتّى التخصّصات العلمية، فآثارُها ملحوظةٌ في الفلسفة وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والنقد الأدبي والدراسات الثقافيّة وعلم النفس التحليلي وفلسفة العلم والتأريخ، وسائر الفروع العلمية؛ حيث طُرحت في رحاب هذه التخصّصات العلمية نظرياتٌ متقوّمةٌ بنزعاتٍ ومبادئَ بنيويةٍ. أضف إلى ذلك، فإنّ هذه العلوم هي الأخرى كان لها تأثيرٌ على واقع الفكر البنيوي، فقد ساهمت في توسيع نطاقه وساعدت على إجراء تغييراتٍ في عناصره الأساسية على ضوء مسائل تتعدّى نطاق النصّ.[1]

وفي هذا السياق لا نرى ضيراً من الإشارة إلى ميثولوجيا رولان بارت، فهي متقوّمةٌ برؤيةٍ بنيويةٍ ويمكن اعتبارها عنصراً هامّاً في نشأة الدراسات الثقافية، حيث تطرّق فيها إلى تحليل سيميائية الحياة اليومية للبشر وسلّط الضوء على مختلف الظواهر الثقافيّة المتعارفة فيها، ومن هذا المنطلق ساهم في إثبات فكرة إمكانية تفسير المبادئ الثقافيّة باعتبارها ذاتَ معانٍ دلاليةٍ معيّنةٍ. على سبيل المثال، بادر إلى تحليل بعض الصور الأسطورية التي ادّعى أنّها تلحق الضرر بالمجتمع لأنّ المراد منها طرحُ مفاهيمَ خياليّةٍ تساهم في ترسيخ الإيديولوجيا التي تتبنّاها الطبقة الحاكمة.

(127)

رولان بارت تجاوز الظاهر ليغور في عمق البنية الفكرية بهدف إزاحة النقاب عن العناصر البنيوية للأساطير التي وصفها بالمصطنعة، فهو في الحقيقة لم يعتبر الترابط البنيوي أمراً طبيعيّاً وبديهيّاً، بل أكّد على تأثير الدوافع الباطنية في صياغة كلّ بنيةٍ[1].

فضلاً عمّا ذُكر فالثقافة، وفقاً للرؤية البنيوية، هي عبارةٌ عن انعكاسٍ للبنية اللغوية الدقيقة والتي هي في الواقع خارجةٌ عن نطاق دوافع الفاعل رغم اعتماده عليها، والبنيوية ذاتيةٌ ومتزامنةٌ مع عناصرها، أي أنّها بمثابة أمرٍ ذاتيٍّ وشموليٍّ متعيّنٍ مسبقاً؛ ولكن ينبغي الالتفات هنا إلى أنّ الدراسات الثقافيّة تطرح مباحثَ تحليليّةً غيرَ جوهريّةٍ على أساس رؤًى بنيويةٍ، وهي، في الحين ذاته، متأثّرة بالمعاني المطروحة ضمن المباحث السيميائية المعتمدة في الرؤية البنيوية[2].

رابعاً: ما بعد البنيوية (Post-Structuralism وما بعد الحداثة (Post-Modernism):

الدراسات الثقافيّة تأثّرت بالعديد من التيارات الفكرية طوال مسيرتها الحافلة، لكنّ الأثر الأبرز والذي كان وما زال ثابتاً حتّى عصرنا الراهن، هو للنظريات والآراء التي تُطرح على ضوء العناصر الفكرية لمذهبي ما بعد البنيوية والذي يعبّر عنه أحياناً باصطلاح ما بعد الحداثة[3]، فالأمر الوحيد الذي يميّز بينهما في هذا المضمار هو أنّ المبادئ الفكرية الارتكازية في مذهب ما بعد الحداثة أكثر

(128)

عموميةً وشموليةً من مبادئ ما بعد البنيوية، لذا يمكن على أساسها توسيع نطاق الدراسات الثقافيّة؛ ولكن بما أنّ مواضيع بحثنا تتمحور بشكلٍ أساسيٍّ حول المسائل الإبستيمولوجية، ونظراً لكون كلا التيارين الفكريين له تأثيرٌ معرفيٌّ على هذه الدراسات، اقتضت الضرورة تسليط الضوء عليهما بشكلٍ متزامنٍ دون أيّ تمييزٍ بينهما من هذه الناحية؛ لذا سوف نتطرّق أوّلاً إلى بيان بعض المسائل المرتبطة بما بعد البنيوية ونتحدّث عن الدور الذي لعبته نظريات اثنين من أبرز روّاد هذا التيار الفكري على صعيد الدراسات الثقافية، وهما جاك دريدا وميشيل فوكو، ثمّ نسوق البحث نحو تأثير فكر ما بعد الحداثة على هذه الدراسات.

1) ما بعد البنيوية:

ما بعد البنيوية تيارٌ فكريٌّ تصدّى الباحثون في رحابه إلى طرح بحوثٍ متنوّعةٍ في شتّى مجالات النقد الأدبي والدراسات الثقافيّة والتنظير السياسي والعلوم الاجتماعية، وقد انبثق من باطن الفكر البنيوي لكنّ مبادِئه تختلف عن المبادئ البنيوية وأحياناً يبلغ هذا الاختلاف درجة التضادّ[1].

إذاً، ما بعد البنيوية هي مرحلةٌ فكريّةٌ لاحقةٌ للبنيوية في نطاق العلوم الاجتماعية، وقد وُصفت باصطلاحاتٍ عديدةٍ مثل البنيوية الجديدة وما بعد الفكر البنيوي وما وراء البنيوية؛ وخلال فترة ظهورها طُرحت على ضوئها نظرياتٌ متنوّعةٌ متقوّمةٌ بوجهاتِ نظرٍ انتقاديةٍ للفكر البنيوي، وغالبية مواضيعها تمحورت حول اللغويات والمبادئ الأنثروبولوجية.

(129)

الجدير بالذكر هنا أنّ الكثير من المرتكزات الفكرية التي يتقوّم بها تيار ما بعد البنيوية تضرب بجذورها في نظريات الفيلسوف فريدريك نيتشه، حيث نلمس هذا الأمر بوضوحٍ في ما لو تتبّعنا الآثار التي دوّنها أعلام هذا التيار من أمثال جاك دريدا وميشيل فوكو ومن حذا حذوهما؛ فقد أكّدوا على ما استنتجه هذا الفيلسوف الألماني من عدم وجود تضادٍّ بين الأصول البنيوية[1]. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ نظريات وآراء الفيلسوفيْن الفرنسييْن جاك دريدا وميشيل فوكو كان لها الأثر البالغ على الأصول والمبادئ المطروحة في فكر ما بعد البنيوية.

مصطلح ما بعد البنيوية كما هو واضحٌ من لفظه، يدلّ على الفكر الذي بسط نفوذه في الأوساط الفكرية إبّان المرحلة التي تلت الفكر البنيوي، وهو بطبيعة الحال يتضمّن نقداً واقتباساً، إذ إنّ ركيزته النظرية تضرب بجذورها في لسانيات فرديناند دو سوسور؛ لكن رغم ذلك نجد النظريات التي يطرحها أتباعه تخلو من القواعد اللغوية التي تُعدّ بنيةً علميةً أساسيةً في تحليل النصوص والأصول السيميائية والرموز الثقافيّة والبنى الإيديولوجية والسلوكيات الاجتماعيّة، حيث يرفضون هذه القواعد بصريح العبارة. وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى أنّ روّاد هذا التيار الفكري عادةً ما يقتبسون بعض المبادئ اللغوية البنيوية، لكنّهم في الحين ذاته يوجّهون نقداً لها ويدّعون أنّ منظومتهم الفكرية أوسع أفقاً من نطاق اللسانيات[2].

المعنى برأي مفكّري تيار ما بعد البنيوية غير ثابتٍ ولا ينفكّ عن التغيّر باستمرارٍ، فهو في حركةٍ دائبةٍ، كما لا يمكن تعريفه بمفرداتٍ

(130)

خاصّةٍ أو جملٍ أو حتّى نصوصٍ، فهو في الحقيقة ثمرةُ للعلاقة الكائنة بين النصوص، أي أنّه أمرٌ نصّيٌّ مشتركٌ. الجدير بالذكر هنا أنّ هذا التيار يرفض رأي من ادّعى وجود عناصرَ إنسانيّةٍ ثابتةٍ ومتناسقةٍ تُسفر عن تبلور معانٍ ثابتةٍ وراسخةٍ، ومن هذا المنطلق يتينّى أتباعُه موقفاً يتعارض مع الفكر الإنسانوي[1]. ويعتقد هؤلاء بعدم إمكانية تعيين حدود ثابتة تفصل بين النصّ وتفسيره، وبين اللغة وما وراءَها، وبين المنظومات العقائدية الإيديولوجية وسائر أساليب الخطاب الفكري؛ فهذه الفكرة متقوّمةٌ بمبانٍ خاطئة، إذ يدّعي من يطرحها أنّ النظرية من شأنها تحقيق تفكيك إيديولوجيٍّ حتميٍّ بين شتّى أنماط المعرفة وصورها الطبيعية المتحصّلة من الفهم العرفي. هذه الصور الطبيعية تتجلّى بوضوحٍ على هيئة حقيقةٍ، لكنّها في واقع الحال تتّسم بطابعٍ رمزيٍّ ضمن مبادئَ ثقافيةٍ سائدةٍ في نظامٍ اجتماعيٍّ وسياسيٍّ معيَّنٍ، ولكن، حينما ندرك أنّ جميع أنماطها التحليلية وبما فيها النمط الذي يلجأ إليه من يحلّل دلالاتها، عرضة لتغييرٍ متواصلٍ، يثبت لنا عدم إمكانية إثبات الحقيقة المشار إليها؛ والسبب في ذلك يعود إلى عدم استقرار العلاقات المتصوّرة بين الدالّ والمدلول وعدم إمكانية تحصيل المعنى وفق ما قصده من صاغ النصّ[2].

إذاً، ربّما من الأفضل اعتبار الإضافة اللغوية «ما بعد» في مصطلح ما بعد البنيوية نظيرةً للإضافات المشابهة لها في مصطلحاتٍ أخرى مثل ما بعد الحداثة وما بعد الماركسية، أي أنّها مؤشّرٌ على نشاطٍ حثيثٍ يُراد منه التراجع عن المبادئ المطروحة في الرؤية السابقة.

تجدر الإشارة هنا إلى أنّ مفكّري ما بعد البنيوية يفنّدون كلّ

(131)

نظريةٍ تصف مختلف المفاهيم في الحياة بالكلّية والشمولية، ومن ناحيةٍ أخرى نجدهم يؤكّدون على الطريقة التي يجب أن تُتّبع في استقصاء دلالة كلّ نصٍّ، وفي هذا السياق أكّدوا على أنّ نمط قراءة النصّ قد يستتبع نتائجَ وآثاراً عديدةً من الممكن أن تتناقض مع بعضها أحياناً؛ لذا من هذه الناحية خالفوا البنيويين الذين اعتبروا المعنى لا يخضع لتأثير البنية[1].

طابع الرؤية التي يتبنّاها مفكّرو ما بعد البنيوية تجاه القضايا التي تُطرح للبحث هي في الواقع رؤيةٌ تخالف القاعدة، أي أنّها تقلب موازين الفرضيات المتعارفة وتخرج عن نطاق وجهات النظر السائدة بخصوصها ولا تتقيّد بمضامينها ضمن حدود الخطاب العلمي المتعارف؛ وفي هذا المضمار جعلوا هدفهم استقصاء العناصر الثقافيّة والاجتماعية لأجل النهوض بواقع العلم الثقافي ودافعوا بشدّةٍ عن هذا التوجّه الفكري، وسلّطوا الضوء بشكلٍ أساسيٍّ على الثقافة العامّة والدراسات الثقافيّة باعتبارها أكثر أهميةً من أيّ موضوعٍ آخر، لأنّ غايتهم من ذلك التصدّي للثقافة العليا -النخبوية- وتفنيد مبادئها[2].

2) تداعيات مذهب ما بعد البنيوية على الدراسات الثقافيّة:

لا شكّ في أنّ نظريات جاك دريدا وميشيل فوكو كان لها الأثر البالغ على واقع الدراسات الثقافية، لذا سنشير بإجمالٍ في ما يلي إلى هذا الموضوع في إطارٍ تحليلي:

(132)

- جاك دريدا:

مؤلّفات الفيلسوفين الفرنسيين جاك دريدا وميشيل فوكو هي المصادر الفلسفية الأساسية لمذهب ما بعد البنيوية، فالأوّل دوّن ثلاثة كتبٍ هامّةٍ في هذا المضمار، وهي: «الكتابة والاختلاف»، «الصوت والظاهرة»، «في علم الكتابة».

وأمّا أشهر مقالة دوّنها بهذا الخصوص فعنوانها «البنية، اللعب، العلامة في العلوم الإنسانية»، ناهيك عن أنّه أبدع الكثير من المفاهيم الهامّة التي تجسّدت في ما بعد كمعالم أساسيةٍ لمذهب ما بعد البنيوية، أهمها مفهوم التفكيك.

التفكيكية التي ابتدعها دريدا تعدّ مفهوماً ارتكازيّاً في مذهب ما بعد البنيوية، وفي هذا السياق أكّد على أنّ كلّ تفسيرٍ لها يُسفر عن تجاهل الموضوع المحوري والانحراف عن المسار الصائب؛ لذا يمكن تعريفها بأنّها منهجٌ يُراد منه تفكيك كلّ بنيةٍ عن غيرها. بناءً على هذا التعريف، فالتفكيكيون عادةً ما يُبادرون إلى تفكيك أجزاء النصّ عن بعضها في إطار عناصرَ مختلفةٍ، وبهذا الأسلوب يتمّ بيان التناقض الكائن فيه واستقصاء شتّى الفرضيات التي يستبطنها؛ إلا أنّ هذا التعامل مع النصّ لا يُراد منه طرح روايةٍ جديدةٍ حول مضمون النصّ أو إصلاحه أو إعادة النظر فيه أو تجديد صياغة تدوينه بأسلوبٍ آخر[1].

التفكيكية غالباً ما تطرح قراءةً تتمحور حول المركزية وكيفية نقضها، والمقصود من المركزية هنا المنشأ والحقيقة والنقطة الثابتة والوجود، فهي مهارةٌ تهدف إلى نقض المركزية وتفنيد كلّ قراءة تذكّرنا

(133)

بها، ومن ثمَّ يقوم الباحث في رحابها بتغيير العنصر الذي يدّعى أنّه مركزيٌّ وقلبه إلى نمطٍ آخر بشكلٍ يتيح للعناصر الثانوية بأن تتوغّل في باطن النصّ لتتحوّل عندئذٍ إلى أجزاءَ مركزيةٍ[1]. مفكّرو ما بعد البنيوية تعاملوا مع شتّى القضايا والظواهر برؤيةٍ تفكيكيةٍ أريد منها إجراء تغييراتٍ على بنيتها ونقض مركزيتها، ما يعني أنّهم لم يقصدوا تعريفها وبيان واقعها، بل أرادوا إثبات كونها غامضةً وغيرَ محدّدةٍ.

يمكن تلخيص مضمون الرؤية التفكيكية وبيان فحواها كما يلي: المعنى -بحسب هذه الرؤية- يتكوّن على أساس الارتباط بين دالٍّ وآخرَ لا عن طريق نسبته إلى موضوعٍ مستقلٍّ. الثمرة التي تترتّب على هذا الكلام هي عدم إمكانية استقرار المعنى على دلالةٍ واحدةِ، أي أنّه ليس ثابتاً على الإطلاق، وذلك لكون الكلمات تتضمّن معانيَ كثيرةً جدّاً، لذا يمكن اعتبارها انعكاساً لمعانٍ أخرى كائنةٍ في كلماتٍ أخرى؛ مثلاً لو أردنا معرفة معنى إحدى المفردات في المعجم اللغوي سوف نجد أنفسنا أمام كلماتٍ أخرى، وهنا قال دريداً أنّنا في هذه الحالة نتأمّل فقط بالشاخص (الدالّ) وليس هناك أيُّ معنًى أصيل في ما وراء تصوّرنا.

إذاً، الكتابة لها دورٌ فاعلٌ في صياغة المعنى، إذ ليس هناك أيُّ معنًى واضحٍ متقوّمٍ بذاته ومن شأنه إثبات وجود ارتباطٍ بين الدالّ والمدلول، ما يعني عدم وجود أيِّ شيءٍ خارج النصّ لكون النصّ هو كلّ شيءٍ[2].

وفي عصرنا الحاضر نجد نظريات هذا الفيلسوف الفرنسي جليةً في البحوث المعاصرة التي طرحت في رحاب الدراسات الثقافيّة

(134)

الإعلامية التي تتمحور مواضيعها حول المخاطب ولا سيّما من يتلقّى الخطاب المتلفز، وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ ثمرة تفكيكية دريدا على الصعيد الإعلامي تتمثّل في تأكيد الباحثين الإعلاميين على صواب جميع القراءات التي تطرح حول النصّ الإعلامي مهما تنوّعت.

لا نبالغ لو قلنا أنّ آثار دريدا مرآةٌ لسيلان المعنى وعدم توقّفه على دلالةٍ واحدةٍ وفقاً لمبادئ مذهب ما بعد البنيوية، وهذا يعني أنّ النظام الدلالي للنصّ مدعاةٌ لاستنباط معانٍ غيرِ متناهيةٍ؛ كذلك نستنتج من هذه الرؤية أنّ دريدا أوكل إلى قارئ النصّ دوراً هامّاً في التعامل مع مدلوله ومنحه الحقّ في استنباط المعاني والدلالات منه[1].

وعلى الرغم من أنّ الباحثين الذين دوّنوا دراسات حول وسائل الإعلام على ضوء تفكيكية جاك دريدا، أكّدوا على التأثير الحتمي لبعض العوامل في قراءة النصّ الإعلامي، مثل الطبقة الاجتماعية والعرق والجنس؛ إلا أنّهم أوعزوا إلى الذوق الشخصي للمخاطَب دوراً هامّاً في كشف المعاني التي تتناسب معه، وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ كُتّاب هذه البحوث ضمن تفكيكهم بين النصّ الإعلامي والمخاطَب، كانت لديهم رغبةٌ في طرح مباحثَ حول مسائلَ ذاتِ ارتباطٍ بالمتعة واللعب والتصوّرات الخيالية باعتبارها ردودَ أفعالٍ تبدر من المخاطَب إزاء المضمون الإعلامي؛ ومن الأمثلة على هذه الظاهرة كتاب الفيلسوف جون فيسك الذي عنونه «الثقافة والتلفاز»، والنشاطات البحثية للفيلسوف جون هارتلي على صعيد التفكيكية النظرية لمفهوم المخاطب؛ فجهود هذين المفكّرين لها

(135)

عصا السبق بين الدراسات التي تمّ تدوينها في هذا المضمار.[1]

- ميشيل فوكو:

التراث الفكري للفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو على نسق تراث نظيره جاك دريدا، ففي مضمار الدراسات الثقافية المعاصرة وضع أسس مذهب ما بعد البنيوية والحركة الفكرية المناهضة للجوهرية (الماهيوية)،[2] وقد لقّب بأستاذ تأريخ نظام الفكر، وهذا اللقب يتناسب بكلّ تأكيدٍ مع توجّهاته المعرفية وهواجسه الفكرية، كما لقّبه البعض بمشاكس ما بعد البنيوية؛ لأنّ آثاره كانت من نمطٍ آخر يختلف عمّا دوّنه غيره من فلاسفة غربيين لكونه لم يتقيّد بالمبادئ الفلسفية المتعارفة ولم ينخرط تحت مظلّة التأريخانية المتّفق عليها آنذاك، وأهمّ مؤلّفاته عبارةٌ عمّا يلي: المرض العقلي وعلم النفس، تأريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، ولادة العيادة، الكلمات والأشياء، حفريات المعرفة، نظام الخطاب، المراقبة والمعاقبة، تأريخ الجنسانية، إرادة المعرفة، استعمال المتعة، هوس الذات.[3]

ميشيل فوكو له بصماتٌ واضحةٌ على الدراسات الفكرية، لكنّ أهمها وأكثرها تأثيراً هو مفهوم تحليل الخطاب، كما أنّ مجمل أطروحاته على صعيد أداء الخطاب ووظيفته كان لها الأثر البارز في هذه الدراسات؛ وقد عرّف الخطاب بأنّه مجموعةٌ من الأفكار والمفاهيم والمعتقدات المرتبطة مع بعضها بحيث تحظى بقبولٍ عامٍّ لكونها تنمّ عن إيديولوجيا مقبولةٍ في أحد المجتمعات، ومن

(136)

ثَمّ تساهم في صياغة كيانٍ مقتدرٍ للإدراك الجماعي والسلوك الاجتماعي.

إذًا، الخطاب عبارةٌ عن نطاقٍ لنظامٍ تنشأ وتترعرع في رحابه أفكارٌ ومفاهيمُ ومعتقداتٌ من صناعة الإنسان، إلا أنّ هذا الإنسان جاهلٌ بها في الواقع ورغم كونها من صناعته لكنّها غامضةٌ بالنسبة إليه. هذه المجموعة المجهولة بعد نشأتها سرعان ما تبسط نفوذها على فكر الإنسان وعقله ووجدانه، ثمّ تتحوّل إلى دوّامةٍ لا يمكن لأحدٍ التفكير خارج نطاقها؛[1] وممّا قاله في هذا الصعيد: «نحن نطلق على مجموعةٍ من الأحكام عنوان خطابٍ ما دامت تنصبّ في هيئةٍ خطابيةٍ مشتركٍة»، نستشفّ من هذا الكلام أنّ فوكو لم يكتف فقط بتعميم الخطاب ليتجاوز نطاق اللغة، وإنّما وسّع نطاقه ليشمل جميع الجوانب الاجتماعية كما نسب جميع القضايا الاجتماعية إلى فعل الإنسان وسلوكه الفكري.[2]

المعنى المقصود من مفهوم الخطاب في هذا المضمار هو إنتاج العلم وفق ضوابطَ وقواعدَ معتبرةٍ اعتماداً على المبادئ اللغوية، ومن ثَمّ فهو يُضفي معنًى إلى القضايا الملموسة والوظائف الاجتماعية؛ وفي رحابه أيضاً تتبلور مواضيع العلوم وتتّضح معالمها الحقيقية بحيث تتجلّى بهيئةٍ تتناسق مع الأصول العقلية، وفي الحين ذاته فهو يدلّ على عدم عقلانية سائر أساليب الفكر التي تختلف مع ما ذُكر هنا.

إذًا، مفهوم الخطاب من شأنه أن يعمّ كلّ أمرٍ يتبلور في ظروفٍ

(137)

اجتماعيةٍ وثقافيةٍ خاصّةٍ، وعلى أساسه يفسح المجال للإنسان كي يتكلّم ويتبيّن له ماذا يقول وأين ومتى يسمح له بالكلام، فهو الذي يحدّد ذلك حصراً.[1]

نظرية الخطاب تؤكّد على أنّ كلّ قضيةٍ لا تكتسب دلالاتها الحقيقية إلا في بوتقة الخطاب، فهو في الواقع نظامٌ سيميائيٌّ يفي بالدور ذاتِه الذي لعبته الأساطير في العهود السحيقة، وذلك من خلال بسط نفوذه وفرض سلطته على المجتمع؛ ما يعني أنّ الخطاب والأسطورة كليهما وسيلتان لاستكشاف الهوية الفردية ولتحقيق نَظْمٍ اجتماعيٍّ، وبحسب تعبير الفيلسوف الفرنسي رولان بارت فإنّ ما يوصف بالخطاب اليوم هو عبارةٌ عن أسطورةٍ معاصرةٍ.

الجدير بالذكر هنا أنّ فوكو نأى بنفسه عن النزعة البنيوية المتطرّفة، ولأجل أن لا يقع في فخّها مرّةً أخرى، بادر إلى تدوين تحليلٍ شاملٍ لها وللتفكيكية، وفي هذا السياق سلّط الضوء على الأحداث التأريخية وفق مبادئَ بنيويةٍ وتفكيكيةٍ.

ادّعى هذا الفيلسوف الفرنسي أن لا وجود لأيِّ حقيقةٍ ثابتةٍ أو معرفةٍ معتبرةٍ، فكلّ أحداثٍ يشهدها العالم تساهم بشكلٍ مباشرٍ أو غيرِ مباشرٍ في نشأة مضمارٍ جديدٍ للحقائق لينطلق إثر ذلك عصرٌ جديدٌ، لذا ينبغي لنا معرفة الحقائق السابقة استناداً إلى علم الآثار.[2]

3 ) تيّار ما بعد الحداثة والدراسات الثقافية:

مدرسة ما بعد الحداثة كما هو واضحٌ من عنوانها نشأت في

(138)

مقابل تيار الحداثة، حيث بادر الباحثون في رحابها إلى نقد مختلف عناصر الحداثة والقواعد التي ترتكز عليها ومن ثَمّ التشكيك بها وتفنيدها.

العنوان اللغوي لهذه الحركة الفكرية -ما بعد الحداثة- حاله حال الكثير من المصطلحات والعناوين الأخرى لكونه لم يشهد استقراراً مفهوميّاً على دلالةٍ واحدةٍ، ما يعني أنّه ليس متقوّمًا بنظريةٍ فلسفيةٍ شاملةٍ ذاتِ أجزاءَ منتظمةٍ، وإنّما هو عبارةٌ عن هيئةٍ معقّدةٍ ومتداخلةٍ تضمّ في جزئياتها أنماطًا متنوّعةً من الرؤى والأفكار والاستنتاجات والاستدلالات والتفاسير وشتّى النظريات التي تُطرح بخصوص الثقافة السائدة في حياة البشرية، فهو ينمّ عن تعدّديةٍ لمختلف القضايا المترابطة مع بعضها.

والطريف أنّ المسألة الوحيدة التي يمكن البتّ بها على نحو القطع واليقين في هذا المضمار، هي استحالة طرح تعريفٍ جامعٍ وشاملٍ لما بعد الحداثة نظراً لسعة نطاق استخدام هذا المفهوم وتنوّع المداليل التي تُصاغ في رحابه.[1] وربّما لهذا السبب قال الفيلسوف الفرنسي جان فرانسوا ليوتار أنّ مذهب ما بعد الحداثة يعني انهيار التيارات الفكرية العامّة مثل الماركسية وإبدالها بتياراتٍ فكريةٍ فرعيةٍ، وهذا الكلام يُعدّ تحدّياً للقابليات الفكرية التي يمتلكها الإنسان وإثباتاً لعجزه في طرح تفسيرٍ واقعيٍّ لما يجري حوله.[2]

جميع التعاريف التي طُرحت لبيان معالم الدراسات الثقافية وتحديد نطاقها، ترتكز في أساسها على بعض المبادئ الثابتة، مثل مواجهة الخطاب السلطوي في شتّى المجالات العلمية والسياسية

(139)

والثقافية، ولا شكّ في أنّ هذه المبادئ تنشأ عن طريق إعادة تصوير شتّى معالم الثقافة والخطاب اللذيْن تمّ تهميشهما وتجاهلهما في الحياة المعاصرة؛ لذا تؤكّد هذه التعاريف على الثقافة التي يستسيغها الذوق العامّ في المجتمع واستئصال الفوارق التي تميّز بين الثقافتين العليا -النخبوية- والشعبية. الباحثون المعنيون بالدراسات الثقافية لديهم رغبةٌ جامحةٌ في معرفة الدلالات الكامنة في مضامين النصوص والآثار قاطبةً لا النصوص والآثار الفنّية العليا فقط، وفي هذا السياق عادةً ما يدعون إلى السعي لإيجاد أجواءَ تتيح طرح الآراء والمعتقدات المهمّشة التي هي عرضةٌ لانتقادٍ لاذعٍ في بعض المجتمعات إلى جانب السعي لإنتاج العلم على ضوء الرؤى المتروكة والمهملة في نطاق الثقافة العامّة، كما يعتقدون بضرورة الاستماع إلى نداء المجتمعات النائية وكلّ مجتمعٍ ثانويٍّ ومهمَّشٍ في الحياة المعاصرة.[1] تجدر الإشارة هنا إلى أنّ هذه المسائل تُعدّ رابطاً مشتركاً بين الدراسات الثقافية ونظريات ما بعد الحداثة.

يمكن القول بشكلٍ عامٍّ أنّ تيار ما بعد الحداثة ظهر على الساحة الفكرية إبّان عقد الستينيات من القرن المنصرم، وقد أكّد الباحثون والمفكّرون الذين أسهموا في صقله وبلورته على ضرورة اجتثاث الفوارق الثقافية واستئصال كلّ اختلافٍ بين الثقافة العليا -النخبوية- والثقافة الشعبية، ولا شكّ في أنّ هذه الرؤية هي ثمرةٌ لزوال الفوارق بين الأمور التي توصف بالمتعالية والأمور التي تعتبر متدنيةً، أي تلك القضايا التي تتبنّاها النخبة في المجتمع والقضايا التي يتبنّاها

(140)

عامّة الناس؛ ففي رحاب ما بعد الحداثة تُلغى كلّ هذه الفوارق ولا يبقى حدٌّ فاصل في ما بينها.[1]

إلى جانب المشتركات التي أشير إليها أعلاه، فتيار ما بعد الحداثة والدراسات الثقافية متقاربان مع بعضهما من حيث النشأة، فالأوّل ظهر بين الأوساط الفكرية في عقدَيِ الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين بفضل فنّانين وباحثين أمريكان سلّطوا الضوء على واقع الحياة الفكرية بأسلوبٍ نقديٍّ، ومن ثمّ بسط نفوذه في الأوساط الفكرية الأوروبية ليتجلّى ضمن آثار ونظريات روّاد الفكر والمعرفة هناك.[2] الدراسات الثقافية هي الأخرى ظهرت في تلك الآونة، حيث أبصرت النور في عقد الستينيات ثمّ انتعشت بعد ذلك في عقد السبعينيات لتبلغ أعلى مستوًى لها بعد أن تصدّى ستيوارات هول للتنظير فيها واحتلّت مقاماً مرموقاً بين سائر الدراسات والبحوث العلمية.[3]

هناك العديد من الخصائص التي امتاز بها تيار ما بعد الحداثة، ومن جملتها ما يلي:

- حذف الفوارق بين الفنّ والحياة اليومية للبشر.

- نقض الجدار الفاصل بين الثقافة العليا -النخبوية- والثقافة العامّة.

- رواج الالتقاطية الأدبية.

(141)

- التركيب بين مختلف الأصول والقواعد.[1]

تجدر الإشارة هنا إلى أنّ الدراسات الثقافية هي الأخرى تمتاز بهذه الخصائص، حيث اكتسبتها من تيار ما بعد الحداثة، لذا لا نبالغ لو قلنا أنّ هذه الدراسات هي عبارةٌ عن علمٍ ينضوي تحت مظلّة ما بعد الحداثة.

4 ) تداعيات ما بعد الحداثة على الدراسات الثقافية:

ما بعد البنيوية وما بعد الحداثة تياران فكريان كان لهما الأثر البالغ على واقع الدراسات الثقافية، حيث انعكست تداعياتهما في آثار أهمّ المنظّرين الثقافيين من أمثال ميشيل فوكو وجان فرانسوا ليوتار.

المفكّرون الذين انخرطوا في تيار ما بعد الحداثة كان لهم دورٌ مشهودٌ في صياغة الدراسات الثقافية، فقد اُعتمدت نظرياتُهم وآراؤُهم كمبدأٍ في هذه الدراسات، ويمكن تلخيص أهمها بما يلي:

- اعتبار الثقافة وسيلةً معتمدةً في النظام التعليمي لكلّ بلدٍ بهدف تأهيل مواطنين كفوئين وواعدين لهم القدرة على التفاعل مع الواقع الاجتماعي الجديد.

- التركيب بين الخطاب اللغوي والسلطة باعتبار أنّه منبثقٌ منها.

- رفض فكرة وجود حقيقةٍ مطلقةٍ وشاملةٍ تتجاوز نطاق الزمان والخطاب النخبوي.

- تفنيد جميع الآراء المتقوّمة على فكرة أنّ الحقيقة أمراً شاملاً.

(142)

- دعم كلّ خطابٍ وكيانٍ يحمل راية المبادئ التجدّدية العامّة، مثل مبدأ الحرّية.

- التأكيد على ولادة عالمٍ جديدٍ تتنوّع فيه الهوية.

- اعتبار السلوك الإنساني انعكاساً لألاعيبَ لغويةٍ متنوّعةٍ لا يمكن المقارنة بينها.

- عدم إمكانية المقارنة بين القضايا اللغوية وشتّى أنماط الحياة.

- رفض التوجّهات الأصولية والجوهرية.

هذه المرتكزات الفكرية لعبت دوراً ملحوظاً في تكوين الدراسات الثقافية بنمطها الحديث وتوجيهها نحو وجهةٍ معيّنةٍ.[1]

خامساً: التحليل النفسي (Psychoanalysis):

عالم النفس الشهير سيغموند فرويد هو الذي وضع حجر الأساس لعلم النفس التحليلي، وفي هذا السياق ادّعى أنّ هذا العلم يضرب بجذوره في نظريات بعض المفكّرين القدماء من أمثال أفلاطون والمعاصرين من أمثال آرثر شوبنهاور وفريدريك نيتشه.

علم النفس التحليلي عبارةٌ عن منهجٍ معتمدٍ في الدراسات العلمية، وفي الحين ذاته فهو فرعٌ تخصّصيٌّ مستقلٌّ يتطرّق الباحث في رحابه إلى دراسةِ وتحليلِ دور الجانب اللاشعوري للإنسان في منظومته الفكرية؛ وهو في علم الطبّ النفسي يتمحور حول استكشاف المكنون في ذهن الإنسان وتفسير تداعياته، ما يعني أنّه يعمّ جميع القضايا اللاشعورية.

(143)

اللاشعور أو كما يُصطلح عليه أيضاً اللاوعي برأي فرويد له صورته الخاصّة ضمن شخصية كلِّ إنسانٍ، وجميع صوره تتقوّم بمبادئَ متشابهةٍ، لذا لا تقتصر دراسات علم النفس التحليلي على من يعاني من خللٍ ذهنيٍّ أو مرضٍ نفسيٍّ، بل نطاقه يشمل الأصحّاء أيضاً؛ ومن هذا المنطلق قال عالم النفس المعاصر جاك لاكان أنّنا قادرون على تبسيط خلجات الجانب اللاشعوري في الإنسان عن طريق ألفاظٍ استعاريةٍ، حيث طرح هذا الرأي على ضوء اعتقاده بعلم اللغة البنيوي وتأثير اللغة على ما يصطلح عليه علماء النفس بأنّه «لاوعيٌ».[1]

لا نبالغ لو وصفنا آراء جان لاكان النفسية التي انبثقت من آثار سيغموند فرويد بأنّها تداعت بكلّ وضوح في الدراسات الثقافية، فقد كان لها دورٌ مشهودٌ في صياغة النظريات التي أدلى بها المعنيون بهذه الدراسات حول كلّ موضوعٍ ومفهومٍ يُطرح للبحث؛ ومن أمثلة ذلك أنّهم ينتقدون مفهوم السلوك ما قبل الاجتماعي، أي الأمر الذي يكون موجوداً قبل أن يدركه ذهن الإنسان، حيث يلجأون إلى تحليلٍ اجتماعيٍّ ذي طابعٍ تأريخيٍّ لبيان مراحل نشأة كلِّ شيءٍ، وهذا يدلّ بوضوحٍ على أنّهم يعتمدون على مبادئ التحليل النفسي في دراساتهم.

إذًا، الدراسات الثقافية تعتمد على منهج علم النفس التحليلي لبيان كيفية نشأة مختلف القضايا في رحاب الحياة الاجتماعية.[2]

الجدير بالذكر هنا هو أنّ نظرية التحليل النفسي التي تُطرح حول موضوع البحث، قوامها الاعتقاد بوجود الجانب اللاشعوري في

(144)

النفس الإنسانية، والمعنى العامّ للاشعور في هذه النظرية يدلّ على الرغبات المكبوتة والميول الراكدة وبعض الخلجات النفسية مثل الإلقاءات الباطنية والخارجية والذاتية.

نظرية التحليل النفسي توضّح كيفية نشأة الموضوع من خلال اعتمادها على الجانب اللاشعوري في النفس الإنسانية وفي الحين ذاته تنفي مركزيته، وثمرة هذه الرؤية تكمن في أنّ البنية الموضوعية للشخصية الإنسانية ليست هي البنيةَ ذاتَها التي رافقت الإنسان حين ولادته، بل هي التي يكتسبها من أوّل شخصٍ يُشرف على تربيته، أي من أحد الوالدين أو من كليهما بطبيعة الحال، لذا لا بدّ لنا من معرفة طبيعة شخصيتنا ضمن أطرٍ منسجمةٍ وفي رحاب الزمان، وهذه المعرفة لا نحصل عليها إلا على ضوء نَظْم رمزيٍّ للغة والثقافة، وإثر ذلك نتمكّن على مرّ الزمان من خلق هويةٍ لنا تتجلّى على ضوء الصورة الذهنية التي نصوغها لأنفسنا، حيث يتسنّى لنا ذلك ضمن مراحل تتناسب شخصياتنا فيها ذاتيّاً مع الآخرين وفي رحاب خطابٍ اجتماعيٍّ مؤثِّرٍ.

خلاصة الكلام هي أنّه يمكننا اعتبار التحليل النفسي بمثابة نافذةٍ لاستكشاف معالم الإيديولوجيا غير التأريخية من باطن قضايا أنطولوجية، حيث يتمّ على أساس هذه الإيديولوجيا تشخيص الخلجات النفسية للإنسان في رحاب الزمان؛ وعلى الرغم من تغلغل هذا النمط التحليلي في الدراسات الثقافية إلا أنّه لم يحظَ بقبولٍ تامٍّ من قِبل باحثي مركز برمنغهام للدراسات الثقافية،[1] لذا نكتفي بهذا المقدار من البحث حول التحليل النفسي.

(145)

سادساً: سياسة الاختلاف: النظريات النسوية والعرقية وما بعد الكولونيالية: 

ذكرنا في المباحث الآنفة أنّ مركز برمنغهام للدراسات الثقافة المعاصرة تأسّس في عقد الستينيات من القرن المنصرم على يد مجموعةٍ من المفكّرين وعلى رأسهم الفيلسوف ستيوارت هول، حيث اعتمدوا في مبادئهم الفكرية على نظريات أنطونيو غرامشي وريمون وليامز وإدوارد بالمر تومبسون، وهدفهم من وراء ذلك تمهيد الأرضية المناسبة لهذا النمط من الدراسات والبحوث العلمية؛ وقد تمحورت نشاطاتهم الفكرية بشكلٍ أساسيٍّ حول بيان طبيعة الارتباط بين شتّى القضايا الثقافية والحركات المناهضة للطبقية والتمييز العنصري والظلم السياسي في المجتمعات البشرية، حيث تطرّقوا إلى تحليل هذا القضايا أكثر من أيِّ موضوعٍ آخرَ.[1] لا شكّ في وجود عواملَ اجتماعيةٍ عديدةٍ تدعو إلى ضرورة الخوض في غمار هذه المباحث، ولكنّ تيارَيِ البنيوية وما بعد البنيوية كان لهما دورٌ أساسيٌّ في هذا المضمار، والسبب في ذلك يعود إلى أنّ النظريات التي تُطرح في رحاب هذين التيارين قد عَزَتْ صياغة المعاني وولادة المفاهيم إلى الاختلاف الكائن في سلسلةٍ من الدوالّ، فكلّ موضوعٍ عادةً ما ينشأ من اختلافٍ حاصلٍ في شتّى القضايا؛ مثلاً حينما نمعن النظر في قضية «نحن موجودون» نلاحظ أنّها صيغت على ضوء قضية «نحن غير موجودين» إلى حدٍّ ما.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ اهتمام الباحثين بمسألة الاختلاف في المجال الفكري والمباحث الإبستيمولوجية كان سبباً في طرح

(146)

نظريات التباين في شتّى الدراسات السوسيولوجية، حيث راجت بشكلٍ ملحوظٍ في الأوساط العلمية، لذلك كان لها تأثيرٌ بالغٌ على واقع الدراسات الثقافية؛ وقد تمحورت هذه النظريات حول قضايا هامّةٍ في حياة البشرية مثل النسوية -الفيمينية- والإثنوغرافيا والعالم ما بعد الاستعمار، وفي ما يلي نشير إلى بعض تفاصيلها كي تتّضح أهميتها في مجال الدراسات الثقافية:

1 ) النسوية (Feminism):

الحركة النسوية أو الأنثوية -الفيمينية- وضعت لنفسها مضماراً اختصاصيّاً في التنظير، حيث تُطرح في رحابها نظرياتٌ ورؤًى متضادّةٌ مع بعضها من الناحية العملية، والجنس هو محورها الأساسي باعتباره النافذة الوحيدة التي يمكن من خلالها تنظيم شتّى الشؤون الاجتماعية، وسبب انطلاقها هو التصدّي للتمييز الذي كانت المرأة تعاني منه في شتّى المجتمعات البشرية واعتبارها أدنى مقاماً من الرجل.[1]

الفكر النسوي تتشعّب منه سلسلة من الفروع التي يتقوّم كلُّ واحدٍ منها على نظرياتٍ تنبثق من إيديولوجياتٍ خاصّةٍ وتنصبّ في نطاقٍ فكريٍّ معيّنٍ، ومن جملتها ما يلي:

أ - النسوية الليبرالية: تدعو إلى المساواة بين الجنسين وتؤكّد على ضرورة إيجاد قوانينَ ومقرراتٍ شاملةٍ وتوفير الخلفيات الاقتصادية اللازمة في هذا المجال.[2]

(147)

ب - النسوية الماركسية (الاشتراكية): تدعو إلى ضرورة التعامل بين مختلف الطبقات الاجتماعية دون تمييزٍ بين الجنسين، لأنّ عدم المساواة بين الرجل والمرأة له تبعاتٌ سلبيةٌ على الأوضاع الاقتصادية في المجتمع.[1]

ج - النسوية الراديكالية: هذه النزعة النسوية تختلف عن النزعتين السابقتين، حيث تؤكّد على وجود اختلافٍ ذاتيٍّ بين الجنسين، وعلى هذا الأساس تمجّد ميزات المرأة التي تتفوق بها على الرجل وترفع من شأنها في المجتمع.[2]

(148)

د - النسوية السوداء: أتباع هذا الاتّجاه ينتقدون الحركات الأنثوية من منطلق دفاعها عن حقوق المرأة البيضاء فقط دون أن تعير أهميةً للاختلافات الموجودة في مهارات ذوات البشرة السوداء مقارنةً مع ذوات البشرة البيضاء.[1]

هـ - نسوية ما بعد الحداثة أو ما بعد البنيوية: يرى المدافعون عن حقوق المرأة في عصر ما بعد الحداثة أنّ الجنس (الجندر) هو عبارةٌ عن بنيةٍ اجتماعيةٍ، لذا لا يمكن بيان معالمه الحقيقية بشكلٍ واضحٍ في رحاب علم الأحياء (البيولوجيا)، كما ليس من الممكن التنزّل بشأنه إلى مستوى الشؤون الاقتصادية الرأسمالية. لا شكّ في أنّ هذا الرأي يتعارض مع مبادئ الرؤية الجوهرية التي تدرج مفهومَيِ الرجولة والأنوثة ضمن نطاقٍ خارجٍ عن المضمار العام للذاتيات، إذ تعتبرهما مجرّد صياغاتٍ خطابيةٍ، وهذا يعني أنّ الجنس يصوغ أصولاً نتحدّث عنها ونتصرّف على أساسها.[2]

(149)

2 ) الإثنية في المجتمع (العرق race الانتماء العرقي ethnicity الهُجنة أو الاختلاط العرقي hybridity)

الاختلاف الاجتماعي الآخر الذي كانت له تداعياتٌ ملحوظةٌ على طابع الدراسات الثقافية، هو الطابع الإثني في المجتمع، أي الهجنة التي تعني الاختلاط العرقي وكذلك الاختلاف في الأعراق والانتماءات العرقية باعتبارها قضايا مرتبطةً بالواقع الثقافي.

الانتماءات العرقية من هذا المنظار تنمّ عن مفهومٍ ثقافيٍّ يرتكز على قواعدَ وأصولٍ ومعتقداتٍ ورموزٍ ووظائفَ ثقافيةٍ، وهي التي تحدّد نطاق الثقافة وحدودها؛ ومن جملة وجهات النظر الهامّة المطروحة في هذا المضمار العرقنة (Racialization) التي تعني أنّ كلّ عرقٍ بشريٍّ هو من صياغةٍ اجتماعيةٍ ولا يُدرج ضمن المفاهيم الإيديولوجية ولا البيولوجية؛ أي ليس هناك أيُّ عرقٍ بشريٍّ خارجٍ عن نطاق تصوّرنا، فالأعراق تنشأ في رحاب مخاضٍ اجتماعيٍّ وصراعٍ على القدرة.[1]

3 ) دراسات ما بعد الكولونيالية[2] (Post colonialism studies)

تأثير دراسات ما بعد الاستعمارية والتي يصطلح عليها أيضاً (ما بعد

(150)

الكولونيالية) تجلّى بوضوحٍ في البحوث التي يصدرها مركز برمنغهام للدراسات الثقافية على ضوء طرح موضوعيْن أساسيَّيْن، هما:

- السلطة الحاكمة والطبقة المحكومة،

- الهُجنة (الاختلاط العرقي).

الموضوع الأوّل تظهر آثاره على الدراسات الثقافية في رحاب طرح العديد من الأسئلة بخصوص الشعب والنظام الحاكم، ومن جملتها السؤال التالي: ما هي علاقة الدراسات الثقافية بالسيطرة العسكرية الاستعمارية أو سائر القوى السلطوية على مختلف الأعراق البشرية في المجتمع؟ والأسئلة التي تهدف إلى بيان السبل المتّبعة للسيطرة على الثقافات المحلّية من قِبل مختلف القوى الاستعمارية والسلطات النافذة في العالم.

الموضوع الثاني يتّضح ارتباطه بالدراسات الثقافية أيضاً ضمن العديد من الأسئلة، ومن جملتها السؤال التالي: ما هو دور الهجنة في الدراسات الثقافية؟

القضايا التي تُطرح في هذيْن المضماريْن يمكن الاعتماد عليها لمعرفة طبيعة العلاقة الرابطة بين الثقافات الاستعمارية وثقافات الشعوب المستعمرة.[1]

المبحث الثاني: المبادئ الإبستيمولوجية لمركز برمنغهام للدراسات الثقافية:

لا شكّ في أنّ مختلف المواضيع الأنطولوجية والإبستيمولوجية والأنثروبولوجية ذاتُ ارتباطٍ وطيدٍ مع بعضها، ومن هذا المنطلق سوف نتطرّق في المباحث التالية إلى بيان تفاصيل كلّ واحدٍ منها

(151)

على حدةٍ ونوضّح طبيعة ارتباطه بالدراست الثقافية ضمن ثلاثة عناوينَ أساسيةٍ:

1 ) أنطولوجيا الدراسات الثقافية:

حينما نمعن النظر في شتّى الدراسات الثقافية، نستنتج منها أنّ المفكّرين المختصّين بهذا الفرع من البحوث العلمية يعتقدون بأنّ اللغة هي التي تصوغ المعاني الدلالية ثمّ توسّع من نطاقها وفق ظروفٍ اجتماعيةٍ وزمانيةٍ محدّدةٍ، فالمعنى، بحسب هذا الرأي، يُولد من وعاءٍ اجتماعيٍّ زمانيٍّ؛[1] لذا يمكن وصف أنطولوجيا الدراسات الثقافية بكونها مادّيةً تأريخانيةً.

الثمرة الأخرى للرأي المذكور هي رفض جوهرية المعاني باعتبار عدم وجود أيِّ معنًى ذاتٍّي مطلقاً، لأنّ العناصر الموجودة في الكون -وبما فيها البشر- ترجع في أساسها إلى علاقاتٍ اجتماعيةٍ خاصّةٍ، وهي برمّتها من صنع ظروفٍ زمانيةٍ واجتماعيةٍ خاصّةٍ.[2] أضف إلى ذلك فالكون عبارةٌ عن كتابٍ عظيمٍ يمكن تصفّحه من قبل الإنسان وقراءته.[3] ومن النتائج الأخرى التي تترتّب على الرأي المذكور، رفض الاستدلالات التي تتقوّم بمبادئَ فكريةٍ جوهريةٍ وعدم الإذعان لفكرة ميتافيزيقا الحضور (Metaphysics of Presence) إلى جانب رفض كلّ شيءٍ تصوّريٍّ لا يتقوّم بقراءةٍ واضحةٍ.

(152)

وفي ما يلي نذكر بعض التفاصيل حول ما ذُكر:

أ - رفض التوجّهات الجوهرية (الماهيوية):

تيار ما بعد البنيوية كان له تأثيرٌ ملحوظٌ على الدراسات الثقافية، وأبرز ما يمكن ذكره في هذا الصعيد هو نبذ التوجّهات الجوهرية، لذا نجد هذه الدراسات لا تتقوّم بمبادئَ جوهريةٍ وهي مدينةٌ هنا للتيار الفكري المذكور.

الرؤية الجوهرية (Essentialism) تفترض وجود مرتكزاتٍ ثابتةٍ في الكون، وتؤكّد على أنّ المفاهيمَ الاجتماعية مرآةٌ تنعكس في رحابها ذات البنية الماهوية؛ وعلى هذا الأساس لا بدّ من الاعتقاد بحتمية وجود حقائقَ ثابتةٍ. نستشفّ ممّا ذُكر أنّ من يتبنّى هذه الرؤية إمّا يعتبر الجوهر حقيقةً مستقلّةً عن اللغويات، وإمّا يعتبره إيديولوجيًا.[1]

وأمّا الرؤية التي ترفض القول بالجوهرية، فيؤكّد كلّ من يتبنّاها على عدم وجود أيِّ حقيقةٍ أو موضوعٍ أو هويةٍ خارجَ نطاق اللغويات؛ ناهيك عن أنّ اللغة بحدّ ذاتها ليس من شأنها أن تعكس أيَّ حقيقةٍ أو هويةٍ ثابتةٍ بسبب عدم وجود أيِّ مرتكزاتٍ لغويةٍ ثابتةٍ؛ ويترتّب على هذا الرأي ضرورة القول بعدم وجود مسائلَ إثنيةٍ وعرقيةٍ وشموليةٍ ثابتةٍ، بل كلّ ما يُذكر في هذا المجال هو مجرّدُ عباراتٍ وصفيةٍ لغويةٍ يُعتمد عليها كحقائقَ تنضوي تحت مظلّة إيكولوجيا ثقافيةٍ.

الجدير بالذكر هنا هو أنّ فكرة رفض الجوهرية لا تعني عجزنا

(153)

عن تسليط الضوء على جميع الحقائق والهويات، وإنّما يراد منها ادّعاء كون هذه الأمور عادةً ما تنشأ وتسود في رحاب إحدى الثقافات خلال فترةٍ من الزمن وضمن بقعةٍ من العالم، أي التأقلم الثقافي؛ لذا فهي لا تجسّد قضايا طبيعيةً شاملةً وثابتةً إلى الأبد.[1]

إذًا، رفض الجوهرية يعني إنكار كلّ أمرٍ ماهيويٍّ وشاملٍ ضمن المفاهيم الثقافية، لذا نجد كلّ ثقافةٍ عادةً ما تمتاز بطابعٍ معيّنٍ في رحاب الزمان والمكان، أي أنّها خاضعةٌ للظروف الزمكانية.[2]

ب - رفض ميتافيزيقا الحضور (Metaphysics of Presence):

الحالة التي نلمسها حاضرةً في أرض الواقع ونتمكّن من استكشافها دون أيّ شكٍّ وترديدٍ، يصطلح عليها ميتافيزيقا الحضور باعتبار أنّها حقيقةٌ حاضرةٌ وغيرُ مغيّبةٍ عنّا، وهي تغطّي على كلّ أمرٍ غير ملموسٍ بحيث تجعله في عالم النسيان؛ ومن البديهي أنّ التجاهل بحدّ ذاته هو عبارةٌ عن جزءٍ من الحقيقة لكونه يضفي على الحضور معنًى خاصّاً.

استناداً إلى المبادئ الإبستيمولوجية المتقوّمة على فكرة ميتافيزيقا الحضور، فالمادّة لها الأولوية في كلّ معرفةٍ يمتلكها الإنسان؛ والمراد من ذلك أنّ الشيء يجب أن يوجد أوّلاً وفي المرحلة التالية يأتي الدور للفظ الذي يدلّ عليه، لذا يمكن اعتبار اللغة وسيلةً نتمكّن في ظلّها من تعريف هذا الشيء سواءً في حضوره

(154)

أو في غيابه، واللغة بهذا الوصف تُعدّ وعاءً تنعكس فيه الحقائق.[1]

المفكّرون الذين يرفضون الرؤية المتقوّمة بمبادئ ميتافيزيقا الحضور، لا يعتقدون بالتمثيل الذهني، ومن ثمّ يؤكّدون على عدم وجود أيِّ حقيقةٍ أو معلومةٍ بديهيةٍ حاضرةٍ في ذهن الإنسان دون وسائطَ وبشكلٍ مستقلٍّ عن اللغويات والعلائم الدالّة، كما يعتقدون بعدم وجود حقيقةٍ أو حقائقَ مطلقةٍ وثابتةٍ يمكن للإنسان إدراكها عن طريق العلم أو العقل أو التجربة.[2]

استناداً إلى ما ذُكر يجب القول أنْ لا وجود لأيِّ شيءٍ خارجَ نطاق النصّ اللغوي لكون اللغة هي التي تصوغ معالم حياتنا، وليست هناك أيُّ ازدواجيةٍ في هذا الكلام برأي من يتبنّاه.

ج - رفض السرد الفوقي (ما وراء السرد) (Meta Narrative):

الباحثون المختصّون في الدراسات الثقافية يدّعون اضمحلال المعتقدات والنظريات المطلقة ذات الطابع الشمولي، وهذه الرؤية متأثّرةٌ في واقع الحال بأحد التعاريف المذكورة لما بعد الحداثة وما بعد البنيوية، ويمكن اعتبار هذا التعريف بمثابة رفضٍ للسرد الفوقي أو ما يسمّى "ما وراء السرد أو الرواية" والمطروح من قبل الفيلسوف الفرنسي الشهير جان فرانسوا ليوتار، حيث قصد منه تلك الروايات التي تبسط نفوذها كمركزاتٍ ثابتةٍ بحيث يجب اللجوء إليها لتسويغ مختلف النشاطات وشرعنة شتّى الكيانات وإقرار

(155)

القيم والأصول الثقافية في المجتمعات البشرية؛ وهذه الروايات تعمّ كافّة الإيديولوجيات والأديان والمفاهيم الحديثة ومبادئ التحليل النفسي والأسس الرأسمالية.[1]

وممّا جاد به قلم ليوتار في هذا المضمار استدلاله على عدم اعتقاد الأوساط الفكرية بمبادئ ما وراء السرد في العصر الحديث، وذلك لأنّ العلم برأيه تحوّل إلى مجرّد ألاعيبَ لغويةٍ؛ وانطلاقاً من هذا الرأي رفض بشدّةٍ كلَّ رأيٍ ينبثق من الاعتقاد بالسرد الفوقي ولم يقبل بأيِّ نظريةٍ مطلقةٍ ذاتِ طابعٍ شموليٍّ، بما في ذلك الإيديولوجيات الشهيرة التي اجتاحت الأوساط الفكرية العالمية خلال العقود الماضية، مثل الماركسية والاشتراكية والقومية والليبرالية والفاشية، بل حتّى النظريات الثانوية التي تُطرح في نطاقٍ محدودٍ مثل نظريات الهندسة الاجتماعية والسلوك الاقتصادي.

يشار هنا إلى أنّ هذا الفيلسوف الغربي ذكر أربع خصائص لكلّ سردٍ فوقيٍّ، وذلك كما يلي:

1 ) وجود حقيقةٍ أو حقائقَ غيرِ محدودةٍ بزمانٍ ومكانٍ.

2 ) وجود حقيقةٍ أو حقائق عليا.

3 ) إنكار جميع الفوارق وأنماط الاختلاف بين الحقائق.

4 ) وجود أسسٍ واضحةٍ للنظريات العلمية.

كما أكّد على أنّ كثرة الإبداع والتنوّع في أنماط الحياة الاجتماعية

(156)

جعلت من المستحيل بمكانٍ البتّ بصوّابيّة أيِّ نظريةٍ شموليةٍ متقوّمةٍ على السرد الفوقي.[1]

2 ) الأنثروبولوجيا:

الفلسفة التقليدية الأوروبية، منذ رواج نظريات الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت، اعتبرت الإنسان كائناً فاعلاً ومؤثّراً بذاته بحيث له القابلية على صياغة المفاهيم ووضع المعاني؛ وهناك عبارةٌ مأثورةٌ من هذا الفيلسوف مضمونها «أنا أشكّ، إذًا أنا أفكّر؛ إذًا أنا موجود» ما يعني أنّ الشيء الوحيد الذي لا يشكّ به هو كونه موجوداً، إلا أنّ هذه الرؤية في القرن الثامن عشر طُرحت على طاولة النقد والتحليل ولا سيّما من قِبل الفيلسوف الألماني ديفيد هيوم، حيث صاغ في هذا السياق نظريةً اصطلح عليها البعض «النظرية النرجسية أو النركسوسية» حول الـ «أنا».

الأنا في النظرية الجديدة هذه عبارةٌ عن أمرٍ لا يتجاوز نطاق النرجسية والأنانية في الاستنتاجات التجريبية، لذا فهي عرضةٌ لتغيُّرٍ متواصلٍ سواءً حين كَسْب الإنسان تجاربَ جديدةً أو عند استدعاء ذهنه تلك التجارب القديمة.[2]

في أواخر القرن التاسع عشر تألّق نجم الفيلسوف الفرنسي إميل دوركايم الذي ادّعى أنّ الإنسان ثمرةٌ لمجتمعه، وأنّه من الناحية

(157)

الإدراكية أيضاً خاضعٌ للمجتمع الذي يعيش في رحابه لكون فهمه لشتّى القضايا التي تكتنف حياته في ظلّ مجتمعه والمجتمع الحديث يعدّ حصيلة للثقافة الحديثة.

بعد ديكارت اجتاحت نظريات الفيلسوف جون هربرت ميد الساحة الفكرية حول النفس الإنسانية، حيث طرح مواضيعَ جديدةً بخصوصها، ومن جملة ذلك أنّها تنشأ على ضوء ارتباط الإنسان بأقرانه البشر، والإدراك أيضاً يطوي المراحلَ نفسَها برأيه، أي أنّه يترسّخ في النفس على ضوء تأصيل آراء الآخرين فيها.[1]

وكذا هو الحال بالنسبة إلى النظريات البنيوية التي طرحها الفيلسوف لويس ألتوسير في رحاب توجّهاته الماركسية، فقد وصف النفس الإنسانية بالتفسير المذكور ذاته وادّعى أنّها ثمرةٌ إيديولوجيةٌ، واعتبر المكوّنات الاجتماعية مثل الأسرة والنظام التعليمي ووسائل الإعلام العامّة بأنّها صاحبة القول الفصل في تعيين شأن الموضوع في المجتمع.

وأمّا الفيلسوف ميشيل فوكو فقد طرح نظرياته على أساس اعتقاده بمركزية الهوية، ومن جملة بحوثه التحليلية بيان التداعيات الاجتماعية في حياة الإنسان وصياغة المفاهيم في رحابها مثل مفهوم الجنون، إذ كيف يمكن للمجتمع أن يتسبّب في حدوثه؟ وفي هذا السياق أكّد على وجود فعالياتٍ إنسانيةٍ معيّنةٍ تتغيّر مع تغيّر الزمان بحيث تلغى على مرّ التأريخ لتحلّ أخرى محلّها. كما تطرّق

(158)

ضمن بحوثه إلى مسألة تحليل كيفية نشأة مفهوم النفس بحسب منزلتها في كلّ خطابٍ مطروحٍ في المجتمع.[1]

المسائل المذكورة أعلاه من قبل لويس ألتوسير وميشيل فوكو والمنبثقة في الواقع من اتّجاهاٍت فكريةٍ تنصبّ في تيارَيِ البنيوية وما بعد البنيوية، طُرحت في رحاب الدراسات الثقافية كمنطلقٍ لدراسة وتحليل الهوية الإنسانية، وفي هذا السياق تطرّقا إلى بيان كيف يصوغ الإنسان معالم شخصيته وكذلك كيف يهيكل المجتمع كيانه العامّ، وتضمّنت بحوثهما مواضيع أخرى ذات ارتباطٍ بهذا الموضوع أيضاً، مثل طبيعة إدراك الإنسان لذاته وطريقة فهم أبناء المجتمع واقع كيانهم الاجتماعي؛ لذا نلاحظ أنّ غالبية المواضيع الأنثروبولوجية المطروحة للبحث والتحليل في الدراسات الثقافية ذات ارتباطٍ وثيقٍ بالهوية، والسبب في ذلك يعود إلى أنّ الهوية تعدّ ركيزةً أساسيةً في هذه الدراسات، حيث يبادر المفكّرون في رحابها إلى دراسة وتحليل طبيعة النسيج الاجتماعي الذي تُصاغ ضمن تشعّباته هوية الفرد والكيانات الجماعية، وضمنه أيضاً يتبلور لدى الإنسان إدراكٌ بخصوص شخصيته ومعالمه الذاتية، وضمنه كذلك يتبنّى رؤًى تتناغم مع أقرانه في المجتمع ومن ثمّ يدافع عنها.

هناك قاعدةٌ عادةً ما يعتمد عليها الباحثون المعنيون بالدراسات الثقافية، وفحواها أنّ الهويةَ ثمرةٌ لردّة فعلٍ إزاء أمرٍ خارجيٍّ

(159)

ومختلفةٌ عن كلّ ما هو خارجٌ عن ذاتها، أي أنّها تتباين مع الغير.[1]

الجدير بالذكر هنا أنّ الرؤية الأنثروبولوجية المطروحة في الدراسات الثقافية نشأت على ضوء السعي لمواجهة المفهوم الأرثوذكسي للهوية التي تعتبر على أساسه ثابتةً ومستقلّةً عن أيّ أمرٍ خارجٍ عن نطاقها، في حين أنّ الدراسات الثقافية تصفها بكونها ردّةَ فعلٍ على مسائلَ خارجيةٍ متباينةٍ؛ لذا لا ينبغي لنا التأمّل بها وكأنّها حقيقةٌ متكاملةٌ مسبقاً بحيث تتبلور السلوكيات الثقافية الجديدة على أساس ثبوتها واستقرارها، بل لا بدّ من النظر إليها بصفتها نتاجاً غيرَ متكاملِ المعالم بتاتاً وفي حركةٍ دائبةٍ بحيث لا تنفكّ التصوّرات عن تصوير القضايا في باطنها لا في خارجها.[2] المفاهيم بحسب هذه الرؤية تنشأ على ضوء سلوكياتٍ ومقاصدَ ثقافيةٍ وعلى أساس الحيّز الدلالي الثقافي الذي تشغله، ومثال ذلك عضوية الإنسان في الأسرة ومهنته وطبيعة النظام الاقتصادي الذي يخضع له وخصائص المنطقة التي يقطنها، فهذه الأمور عبارةٌ عن مواضيعَ اجتماعيةٍ بالكامل. أضف إلى ذلك، فالباحثون في هذا المضمار يَصوغون مكوّناً أوسعَ نطاقاً من الهوية الجماعية والأداء الاجتماعي والعلاقات الفردية والجماعية، ما يعني أنّ الدراسات الثقافية المتقوّمة باتّجاه ما بعد البنيوية ترفض فكرة وجود موضوعٍ إنسانيٍّ موحّدٍ ومنسجمٍ بحيث يكون مَنشأً للمفاهيم الثابتة؛ ومن

(160)

هذا المنطلق تبنّى باحثوها موقفاً متبايناً مع ما يتبنّاه أصحاب النزعة الإنسانية.[1]

الإنسان بحسب الأصول التي تتقوّم عليها الدراسات الثقافية ليست له أيُّ هويةٍ في ما وراء هويته الثقافية والاجتماعية، فهو منصهرٌ بنحوٍ ما في خضمّ العلاقات والبنى الاجتماعية؛ وتجدر الإشارة هنا إلى وجود بعض المفاهيم الخاصّة المطروحة في رحاب الدراسات الثقافية من أبرزها مفهوما موت الموضوع وموت المؤلّف، ويمكن على ضوء مفاهيمَ من هذا القبيل بيان المبادئ الأنثروبولوجية التي تُطرح في مركز برمنغهام للدراسات الثقافية بشكلٍ أفضلَ؛ وسنوضّح هذين المفهومين بالتفصيل في ما يلي:

أ - موت الموضوع (Death of the subject)

الموضوع (subject) في رحاب أنثروبولوجيا الدراسات الثقافية هو عبارةٌ عن مفهومٍ يمكن أن يُشار إليه بألفاظٍ متنوّعةٍ، لذا لا يمكننا تحديد معنًى واحٍد له، لكن من الضروري هنا الالتفات إلى أنّ كلمة «موضوع» تشير إلى معنى يختلف بالكامل عمّا تشير إليه كلمة «شخص».

كلمة «موضوع» في هذا السياق تضرب بجذورها في بدايةَ عصر النهضة والحداثة، وهي تدلّ من حيث المفهوم على أنّ الإنسان فاعلٌ حرٌّ وعاقلٌ ونشاطاته الفكرية تنبثق من إرادةٍ حرّةٍ ولا تخضع

(161)

لأيِّ قيودٍ زمانيةٍ أو ثقافيةٍ، وهذا يعني أنّ الإدراك الذهني للإنسان عبارةٌ عن كيانٍ ناشطٍ مستقلٍّ وحرٍّ وذي إرادةٍ ومصدرٍ لصياغة المعاني الدلالية. هذا التفسير للموضوع مقتبس من نظريات رينيه ديكارت الفلسفية، وبالتحديد من رؤيته الشكّية التي تتلخّص في مقولته الشهيرة «أنا أشكّ، إذًا أنا أفكّر؛ إذًا أنا موجودٌ».[1]

الأنا الديكارتية تدلّ على كيانٍ مدركِ يمتلك وعياً ذاتيّاً، لأنّها مستقلّةٌ ومتناسقةُ الأجزاء ويمكن اعتبارها مرتكزاً للإدراك الذي له القابلية لأن يكون مصدراً مقتدراً لإنتاج المعاني واستكشاف الحقائق.[2]

المفهوم الديكارتي بخصوص الموضوع واجه نقداً لاذعاً في الدراسات الثقافية، وهذا النقد تمحور حول الفهم القديم لهذا المفهوم بصفته مركزاً للإدراك ومصدراً مقتدراً لإنتاج المعاني واستكشاف الحقائق. تجدر الإشارة هنا إلى أنّ الفاعل المدرك طبقاً للرؤية التي يتبنّاها باحثو الدراسات الثقافية لا يمتلك وعياً تامّاً، بل تمّت هيكلة إدراكه عن طريق اللغة؛[3] وهذا التوجّه يختلف طبعاً عمّا قيل في نظرية ديكارت لكونه يقلّل فقط من قابليات الفاعل المدرك، وبناءً على ذلك بات الهدف الأساسي في العلوم الإنسانية تفكيك شخصية الإنسان لا تأسيسها، حيث نلاحظ أنّ بعض الفلاسفة من أمثال ميشيل فوكو قد حاولوا محو بعض المفاهيم التي يمكن أن

(162)

نستعين بها لمعرفة واقع الإنسان.

مفهوم الموضوع بحسب النظريات التي طُرحت من قبل هؤلاء الفلاسفة يتيح لنا فهم الكيان الإنساني وكأنّه بنيةٌ منبثقةٌ من الحركة المفهومية ومنتجاً لها، وهذه البنية تمتاز بدقّةٍ فائقةٍ من الناحية الثقافية وفي الحين ذاته لها ارتباطٌ مباشرٌ بالجانب اللاشعوري في كيان الإنسان.

الجدير بالذكر هنا أنّ فوكو لم يقيّد الموضوع في الشخصية الإنسانية بالجانب اللاشعوري فقط، بل اعتبره حقيقةً اجتماعيةً بالتحديد لكونه ينتظم وتُصاغ هيكلته في رحاب الحياة الاجتماعية.

ب - موت المؤلّف (Death of the author)

مفهوم موت المؤلّف (death of the author) في رحاب إنسانوية الدراسات الثقافية يكتسب معناه في موازاة مفهوم موت الموضوع باعتبار أنّ المؤلّفَ فاعلٌ مدركٌ وصاحبُ إرادةٍ حرّةٍ، وقبل أن نسلّط الضوء على المراد منه لا نرى بأساً في ذكر بعض التفاصيل عن معنى التأليف وفق مبادئ الفكر المعاصر.

التأليف في الفكر المعاصر يدلّ على أنّ عالم الخارج -الواقع- مَصُوغٌ إلى حدٍّ ما من قِبل الذهن، أو على أقلّ تقديرٍ هو جزءٌ من الذهن ولا ينفكّ عنه.

الفرضية المحورية التي تُطرح على ضوء هذه الرؤية فحواها أنّ الفنّان على سبيل المثال لديه حقائقُ أصيلةٌ له القابلية على عرضها

(163)

للمخاطَبين بواسطة إبداعه الفنّي، والفنّ هنا يجري في اتّجاهٍ واحدٍ باعتبار أنّه ينتقل من الفنّان وإبداعه الفنّي إلى الطرف المقابل؛ ومن هذا المنطلق يمكننا اعتبار دلالة النصّ ومعانيه منبثقةً بشكلٍ مباشرٍ من ذهن المؤلّف.[1]

الفيلسوف الفرنسي رولان بارت الذي يعتبر واحداً من أبرز المفكّرين في مضمار الدراسات الثقافية، دوّن في عام 1968م مقالةً قصيرةً تحت عنوان «موت المؤلّف» انتقد فيها ما ذُكر أعلاه معتبراً النصّ نسيجاً تتداخل فيه الآراء المستوحاة من مصادرَ ثقافيةٍ كثيرةٍ ومتنوّعةٍ، وقال أنّ كلّ نصٍّ له القابلية على أن يوجد في مختلف الأزمنة والأمكنة بغضّ النظر عن زمان تدوينه والنشاط الذهني لمؤلّفه،[2] فالكلماتُ هي التي تنطق لا المؤلِّفُ؛ لذا يجب أن يموت المؤلّف أو أنّه ميّت في واقع الحال لكونه غيرَ موجودٍ ليقرأ النصّ من جديدٍ.

إذًا، النصُّ هو الذي بين أيدينا لا المؤلِّفُ، ولا يمكن لأيِّ مؤلِّفٍ استيعاب جميع التفاسير التي تطرح حول نصّه من قبل قرّائه، ومن ثَمّ فليس من الممكن لأيّ أحدٍ تقييد دلالات النصّ بحدودٍ ضيّقةٍ، لأنّ الكلمات تنتج معانيَ خارج إرادة المؤلِّف الذي هو في واقع الحال عاجزٌ عن السيطرة على اللغة بأسرها واحتواء دلالاتها كافّةً.

تجدر الإشارة هنا إلى أنّ وظيفة المؤلّف ذاتُ ارتباطٍ وثيقٍ

(164)

بالمنظومة الحقوقية والمؤسّساتية في المجتمع، فمجريات الحياة هي التي تصوغ معانيَ الكلام؛ وهذه الوظيفة لا تعرّف على ضوء ارتباط مضمون الكلام بالمؤلّف، وإنّما يتمّ تعريفها استناداً إلى سلسلةٍ من سلوكياتٍ محدّدةٍ ومعقّدةٍ.

ميشيل فوكو ادّعى أنّ الهدف من تدوين النصّ لا يكمن في بيان أمرٍ ما أو الإطراء على عملية الكتابة أو إثبات إحدى القضايا في ظلّ إحدى اللغات، بل يكمن في إيجاد أجواء لا ينفكّ فيها الموضوع والمؤلِّف عن الاضمحلال والزوال؛ والنقد هنا يجب وألّا يتمحور حول طابع ارتباط النصّ بالمؤلِّف، فهو لا يروم من وراء كتابة نصّه إعادة هيكلة إحدى الأفكار أو التجارب، وإنّما يقصد تحليل المضمون على ضوء إرهاصاته الباطنية؛ وكلّ نصٍّ بطبيعته يحمل في طياته الفناء والاضمحلال، وهذا ما نلمسه في الفكر الحداثي الذي قَتل المؤلِّفَ ولم يُبقِ له أثراً.

3 ) الإبستيمولوجيا:

أهمّ المباحث المرتبطة بالأصول النظرية في الدراسات الثقافية هو عبارةٌ عن قضايا إبستيمولوجيةٍ تتضمّن تفاصيلَ حول طبيعة العلم والحقائق، وهناك رؤيتان يتبنّاها المفكّرون في هذا السياق هما كالتالي:

الرؤية الأولى: رؤية أتباع النزعة الواقعية الذين يطرحون فكرة التمثيل الذهني الإبستيمولوجي.

(165)

الرؤية الثانية: رؤية أتباع النزعة البراغماتية والمنخرطين في تيارَيْ إبستيمولوجيا ما بعد البنيوية وما بعد الحداثة.

أصحاب الرؤية الأولى يقولون أن هناك علمًا يقينيًّا إلى حدٍّ ما بوجود عالمٍ حقيقيٍّ ومستقلٍّ على أرض الواقع، بينما أصحاب الرؤية الثانية تبنّوا الرأي ذاتَه الذي طرحه فريدريك نيتشه بخصوص الحقيقة بصفتها جيشاً متحرّكاً من الاستعارات والكنايات، وعلى هذا الأساس فالجمل ليست سوى قضايا يمكن أن تكون صادقةً أو كاذبةً. وأمّا العلم فهو عبارةٌ عن استطلاعٍ يُراد منه معرفة الحقيقة لكنّه لا يتّصف بدقّةٍ متناهيةٍ، وإنّما هو مجرّدُ وسيلةٍ لاستقصاء القضايا الموجودة في الحياة والتي نعتبرها في رحابه متحقّقةً على أرض الواقع. إذًا، الحقيقة هي عبارةٌ عن حصيلةٍ لمرور الزمان وثمرةٍ للاقتدار، أي أنّها انعكاسٌ لآراء من يُعتبر كلامُهم صائباً ومظهراً للواقع.[1]

الجدير بالذكر في هذا الصعيد أنّ الأصول الإبستيمولوجية لتيار ما بعد البنيوية باتت في العصر الراهن كمرتكزاتٍ راسخةٍ يعتمد عليها الباحثون المنضوون تحت مظلّة مركز برمنغهام للدراسات الثقافية، حيث يطرحون نظرياتهم وآراءهم وفق قواعدَ معرفيةٍ اجتاحت الأوساط الفكرية بعد ظهور التيار المذكور.[2]

بعد هذه التوضيحات المقتضبة، نتطرّق في ما يلي إلى بيان بعض أهمّ المسائل المرتبطة بإبستيمولوجيا الدراسات الثقافية:

(166)

أ - اللغة وأزمة التمثيل الذهني:

إبستيمولوجيا الدراسات الثقافية تتبنّى نظرية اللغة والتمثيل الذهني كأساسٍ للحركة، فاللغة تُعدّ مرتَكزاً أساسيّاً في هذه الدراسات باعتبارها وسيلةً وواسطةً لإنتاج المعنى والدلالة عليه.

التمثيل الذهني بمعناه اللغوي يشير إلى إبدال شيءٍ ببديلٍ يصبح رمزاً دالاً عليه أو ينعكس من خلاله، فهو يعني تسخير اللغة والعلائم والصور التي تنوب عن حقائقَ معيّنةٍ أو تدلّ عليها؛ وبما أنّ الدراسات الثقافية تأثّرت إلى حدٍّ كبيرٍ بتيار ما بعد البنيوية فقد تمّ تدوين جلّ بحوثها بمحورية التمثيل الذهني وما يرتبط به من مسائل وقضايا، مثل تصوير كيفية نشأة الكون من زاويةٍ اجتماعيةٍ، فهذا التصوير يخلقه الإنسان لنفسه بأسلوبٍ دالٍّ.

أحد المواضيع الشائعة في الدراسات الثقافية هو تصوير الشيء لنفسه، أي البحث والتحليل بخصوص ما إن كانت الكلمات والعلائم تعكس الحقيقة على واقعها -كما هي- أو أنّ الأمر على خلاف ذلك، وهذا التحليل يتمخّض عنه سؤالٍ يُطرح في عالم الإبستيمولوجيا، وفحواه: هل هناك فجوةٌ بين الحقيقة بذاتها وبين تصوّرنا لها أو أنّها هي ذاتها في كلا الحالتين؟ تنوّعت الإجابات عن هذا السؤال واحتدم صراعٌ في الآراء حوله، ومفكّرو تيار ما بعد البنيوية بدورهم شنّوا هجمةً شرسةً على القوى الإدراكية للبشر في رحاب ما يوصف بأزمة التمثيل الذهني، حيث رفضوا رأي من قال أنّ العقل هو المصدر الوحيد الذي يمكن للإنسان الاعتماد في

(167)

كسب معارفه، كما اعترضوا على كلّ من ادّعى وجود حقائقَ ذهنيةٍ وخارجيةٍ؛ ومن هذا المنطلق زعموا أنّنا نعاني في الوقت الحاضر من أزمةٍ في التمثيل الذهني.[1]

المفكّرون المتصدّون للتنظير في مضمار الدراسات الثقافية وصفوا التمثيل الذهني بكونه مرتكزاً لإضفاء دلالةٍ على الحقائق في نطاقٍ يمتاز بمواصفاتٍ اجتماعيةٍ وثقافيةٍ معيّنةٍ، وفي هذا السياق أكّد الفيلسوف ستيوارت هول على أنّ مفهوم التمثيل الذهني قد احتلّ مكانةً جديدةً وهامّةً في هذه الدراسات، لأنّه جسرٌ رابطٌ بين المعنى واللغة من جهةٍ، والثقافةٍ من جهةٍ أخرى؛ وممّا قاله في هذا الصعيد: «التمثيل الذهني يعني تسخير اللغة للنطق بألفاظٍ ذاتِ معانٍ دلاليةٍ مرتبطةٍ بعالَم الوجود، أو تصوير العالَم للآخرين».[2]

أهمية اللغة في إبستيمولوجيا الدراسات الثقافية تُعزى إلى سببيْن أساسيّيْن، هما كالتالي:

الأوّل: هو واسطةٌ مميّزةٌ تُصاغ في رحابها المعاني وترتبط مع بعضها.

الثاني: هو وسيلةٌ وأيضاً واسطةٌ تضفي صورةً على معرفتنا بأنفسنا وبمجتمعنا.

الدراسات الثقافية تصف اللغة بأنّها الواسطة الوحيدة التي لا فاعليةَ لها لكنّها تُسفر عن نشأة المبادئ والقيم ثمّ تساهم في نشرها وتبادلها بين الناس، لذا فهي ليست ذاتَ المعاني والصور العلمية،

(168)

وإنّما هي مولودةٌ من رحم المبادئ والمفاهيم والعلوم، فهي التي تُضفي على المواضيع المحسوسة والسلوكيات الاجتماعية معانيَ ودلالاتٍ؛ لذا لا بدّ من الإذعان إلى أنّها معملٌ لإنتاج المعاني وفي رحابها تُصقل قابلية المتكلّم في صياغة المعنى أو عجزه عن ذلك ضمن ظروفٍ خاصّةٍ ذاتِ ارتباطٍ بموضوع الكلام.[1]

الجدير بالذكر هنا أنّ أهمية اللغة بهذا المعنى تفوق بكثير أهمية القواعد اللغوية وأصول الكلام المتعارفة لدينا لكونها ذاتَ ارتباطٍ وثيقٍ بشتّى القضايا الاجتماعية والثقافية؛ وعلى هذا الأساس فالحقيقة ليست معروفةً وحاضرةً قبل المرحلة اللغوية، كما أنّ اللغة لا تنسخ الحقيقة ولا تظهرها لنا، بل تصوغ لنا بعض جوانبها في إطارها اللفظي الخاصّ.[2]

وكما هو معلوم في الأوساط الفكرية، فالدراسات الثقافية تسلّط الضوء بشكلٍ أساسيٍّ على الحقيقة من جهة هيكلها الاجتماعي واللغوي بهدف فهم ظواهر عالم الوجود وتفسيرها وتصويرها والاستدلال على وجودها؛ لذا بإمكاننا تعريف الكثير من الحقائق التي تختلف باختلاف مواضيعها، ومن المؤكّد أنّ القواعد اللغوية تنشأ في رحاب مجتمعاتٍ متباينةٍ وغيرِ متجانسةٍ من شتّى النواحي، إذ كلُّ مجتمعٍ عادةً ما ينتهج مسلكاً خاصّاً في الحياة من جميع نواحيها، وبالتالي تُصاغ الحقائق فيه بشكلٍ يختلف بالكامل عمّا هو موجودٌ في مجتمعٍ آخرَ.

(169)

اللغة بحسب أصول اللغويات البنيوية تتكوّن من مجموعةِ دوالَّ ومداليلَ وعلائمَ، والمعاني في رحابها تنشأ على أساس العلاقة الرابطة بين هذه المجموعة؛ إلا أنّ المفكّرين الذين يتبنّون آراءهم وفقاً لأصول ما بعد البنيوية، لا يرتضون بوجود أيِّ مدلولٍ لغويٍّ من منطلق اعتقادهم بعدم وجود حقائقَ خارجيةٍ، لذا لسنا بحاجةٍ إلى البحث عن هذه الحقائق بواسطة مداليلَ لغويةٍ. إذًا، فَهْم المعنى بحسب هذه الرؤية يقتضي البحث في دوالَّ غيرِ متناهيةٍ، لأنّ كلّ دالٍّ يجب أن يعود في أساسه إلى دالٍّ آخرَ ولا يمكننا العثور على أيِّ مصداقٍ عينيٍّ له على أرض الواقع؛ ومن ثمّ فإنْ أردنا كسب المعرفة فلا محيص لنا من التعرّف على شتّى القواعد والقوانين الموجودة، أي الخطاب العامّ والشامل في ثقافةٍ معيَّنةٍ، فلو تمكّنا من فهم هذا الخطاب سوف يتسنّى لنا استكشاف الإطار اللغوي الحاكم عليه.

الرأي المذكور حول مسألة التمثيل الذهني منبثقٌ من النهج النقدي الذي تبنّاه روّاد الدراسات الثقافية بخصوص المعنى، فالفيلسوف جاك دريدا الذي وضع حجر الأساس لتيار ما بعد البنيوية، يُعتبر أوّل من شكّك بوجودِ معنًى محوريٍّ وأصيلٍ، وهذه الرؤية تتعارض مع ما هو مطروحٌ من قِبل المفكّرين البنيويين الذين أكّدوا على وجود معنًى محوريٍّ وأصيلٍ نواجه على ضوئه سلسلةً طويلةً من المعاني.

جاك دريدا اعتبر المعنى متغيّراً ولا ثباتَ له على صيغةٍ واحدةٍ، فهو برأيه لا ينفكّ عن التحوّل والتغيير، لذا لا داعيَ للبحث عن

(170)

معنًى كامنٍ في أحد الأشعار أو إحدى الصور؛[1] فالمعنى يُصاغ بواسطة الخطاب إذْ لا وجودَ لأيِّ حقيقةٍ خارجَ نطاق الخطاب ولا في ما وراء اللغة، ولو ادّعى أحدٌ وجود حقيقةٍ كامنةٍ وخفيّةٍ فالسبب الذي جعله يعتقد بذلك هو ذات الخطاب، أي أنّ الخطاب يصوّر في ذهنه ما يلي: ربّما هناك نطاقٌ دلاليٌّ آخرُ حاكمٌ على خطابٍ آخرَ.

ويمكن بيان وجهة نظر مفكّري ما بعد البنيوية في ما يخصّ المعنى كما يلي: المعنى هو عبارةٌ عن أمرٍ في نشأةٍ وظهورٍ متواصليْن، فهو لا ينفكّ عن التغيُّر، والدور الأساسي في هذا التغيّر يُعزى إلى طابع القدرة ونمط الخطاب السائد في الحياة؛ وعلى هذا الأساس بما أنّ عناصر القدرة تمرّ في مراحلَ تغيُّرٍ ٍ دون انقطاعٍ، فنحن لا نستلهم المعاني هنا ولا تترسخّ في أذهاننا إلا في تلك اللحظات التي تتوقّف خلالها هذه العناصر عن الحركة، أي عندما تسكن لوهلةٍ قصيرةٍ من الزمن.[2]

الحصيلة النهائية لما ذُكر من آراء واستدلالاتٍ، هي تأكيد المعنيِّين بالدراسات الثقافية على عجز اللغة عن بيان الحقائق، والإنسان أيضاً عاجزٌ عن إقامة ارتباطٍ ذهنيٍّ مع الآخرين، لأنّ اللغة بمثابةِ وسيلةٍ مسخّرةٍ في خدمة القدرة وخاضعةٍ لها، ما يعني أنّ القدرة هي التي تصوغها كيفما تشاء؛ لكن هناك مسألةٌ يجب الالتفات إليها في هذا المضمار، وهي أنّ القدرة لا تُفرض دائماً

(171)

بالعنف والقهر والإجبار والكبت، بل ربّما تتوفّر ظروفٌ يرغب الإنسان في رحابها بالانصياع لها بمحض رغبته وإرادته.[1]

اللغة بحسب أصول الدراسات الثقافية لا تمتّ بأدنى صلةٍ مباشرةٍ أو غيرِ مباشرةٍ لعالم الواقع لكونها مجرّدَ أمرٍ رمزيٍّ، لذا لا نبالغ لو اعتبرنا التمثيل الذهني ناقصاً في جميع صوره وأشكاله، لأنّ الصورَ الذهنيةَ في الكون ذاتُ ارتباطٍ باللغة، وكما هو معلومٌ فاللغة ليس من شأنها تمكين الناس من بلوغ مستوى اليقين مطلقاً.

ولا شكّ في أنّ جميع الصور الذهنية تُصاغ عن طريق اللغة، حيث تتبلور في وعاءٍ لغويٍّ؛ واللغة هنا مجرّد وسيطٍ لا ارتباط له بذات الحقيقة.[2] هذه الحالة هي التي يُعبَّر عنها بأزمة التمثيل الذهني.

ب - الحقيقة بين الخطاب والقدرة

المبادئ الإبستيمولوجية في الدراسات الثقافية ذات ارتباطٍ وثيقٍ بمفهومين أساسيين، هما الخطاب والقدرة، لذا نسلّط الضوء عليهما في ما يلي ضمن بحثين تحليليين:

الحقيقة والخطاب

الخطاب هو أحد المفاهيم الأساسية في الدراسات الثقافية، وكلّ نمطٍ منه يساهم بحدّ ذاته في إنتاج الحقائق، وكلّ حقيقةٍ بدورها تُعدّ

(172)

مصدراً معتمداً لضمان شرعية الخطاب المطروح وتثبيت اعتباره؛ ومن هذا المنطلق أكّد الباحثون المعنيون بهذه الدراسات على عدم استقلالية بعض المفاهيم مثل الحقيقة والعقلانية وما شاكلهما عن الأصول والقوانين الموجودة في القضايا اللغوية والتجارب والعلاقات الاجتماعية، فهذه المفاهيم ثمرةٌ لنشاطاتٍ اجتماعيةٍ؛ وقد وضّح الباحث ستينار كوفال تفاصيل الموضوع كما يلي: «عادةً ما يتّخذ الناس قراراتٍ مشتركةً ومن ثَمّ يتحمّلون معاً تبعات هذه القرارات، وبدل اعتقادهم بكون القضايا الملموسة على أرض الواقع متقوّمةً بقواعدَ عامّةٍ وشموليةٍ، وبدل اعتقادهم بكون القضايا الذهنية والنسبية متقوّمةً بقواعدَ فرديةٍ، تبنّوا أفكاراً أخرى وذكروا تعابيرَ عديدةً للحقيقة.

التلاعب اللغوي هو أحد الأمور المتعارفة بين الناس في كلِّ مجتمعٍ، لذا لا يمكن مطلقاً اعتبار الإجماع العامّ والشامل منطلقاً مثاليّاً يجب أن يُحتذى، والحريّ بالذكر هنا أنّ السعي الدؤوب والمتواصل لاستكشاف المعنى لا يعدّ عملاً عظيماً، لذا لا بدّ لنا من الإعراض عن بعض المصطلحات مثل الحقيقة والواقعية لكونها تنمّ عن واقعٍ خياليٍّ ومُوهِمٍ».[1]

 الحقيقة والقدرة

أصحاب القدرة في المجتمعات البشرية لهم اليد الطولى في

(173)

الخطاب المطروح، فهم على رأس الهرم وفقاً للمبادئ الفكرية المطروحة من قِبل مفكّري تيار ما بعد البنيوية، وهذا الرأي في الحقيقة يدرج ضمن أهمّ الآراء المطروحة في مضمار الدراسات الثقافية.

إذًا، لا نبالغ لو قلنا أنّ أصحاب القدرة هم الذين يعرّفون الحقيقة ويحدّدون المعايير الأساسية لها، لذا إن أريد لأمرٍ ما أن يدرج في قائمة الحقائق فلا بدّ من تأييده من قِبل هؤلاء؛ وخلاصة الكلام أنّ القدرة هي البنية الارتكازية للحقائق الاجتماعية.[1]

الجدير بالذكر هنا أنّ أصحاب الفكر ما بعد البنيوي تبنّوا نظرية فردريك نيتشه بخصوص الحقيقة،[2] فمصطلح المعرفة من وجهة نظر هذا الفيلسوف لا يستبطن أيَّ معنًى بحدّ ذاته، وحتّى إن دلّ على شيءٍ فإنّما يدلّ على أنّ الكونَ قابلٌ للاستكشاف من قِبل الإنسان، وفي غير هذه الحالة لا بدّ من تأويل ما يكتنفه من قضايا وأحداثٍ. على سبيل المثال حينما نستخدم إحدى المفردات في نطاقٍ دلاليٍّ معيَّنٍ سوف تبدأ مرحلةٌ جديدةٌ من جهلنا، حيث نعجز عن معرفة ما هو خارج عن نطاقها.

المقصود من المعرفة وكسبها بحسب هذا الكلام، هو أن يجعل الإنسان نفسه في علاقةٍ مشروطةٍ مع أمرٍ ما، وهذه الحالة هي ذاتُ كسب المعرفة؛ أي أنّ المعرفة هي نفس الشعور بوجود العلاقة المشروطة المشار إليها.

(174)

المعرفة في جميع الأحوال تعني بقاء الشروط على حالها، وفي رحابها تُصاغ المعاني الدلالية لهذه الشروط ومن ثمّ يمتلك الإنسان معرفةً بها، لذا فهي لا تعني الغور في عمق الوجود والكائنات؛ فكلُّ شيءٍ يكتسب معناه على ضوء ارتباطه بأشياءَ أخرى، وبالتالي لا نبالغ لو ادّعينا عدم إمكانية وجودِ شيءٍ في معزلٍ عن أشياءَ أخرى، كما لا يمكن أن يوجد أيُّ شيءٍ بحدّ ذاته فقط.

وممّا قاله نيتشه في وصف الحقيقة ما يلي: «الحقيقة هي عبارةٌ عن جيشٍ متحرك من الاستعارات والكنايات والصور البلاغية لا أقلَّ ولا أكثرَ، وهي التي تؤنسن المصطلحات وتُضفي عليها المظهر الطبيعي وتسقط عليها مجموعةً من السلوكيات التي تقوم بها الكائنات في هذه الحياة، وأما الواقع فهو تعزيزٌ لغويٌّ يتمّ بواسطة سقالة البناء والإصلاح بحيث يُضفي رتوشاتٍ إصلاحيةً أو تنميقيةً على جدار اللغة عبر ترميم الصور البلاغية المتهرّئة وتلوينها بألوانٍ بلاغيةٍ حديثةٍ ترنو إلى تغطية المتهرئ الذي انتهت صلاحية تأثيره وإبداله بالمخترَع الذي ينصبّ في روح الإبداع والتجديد»، وأضاف في هذا السياق قائلاً أنّ الحقيقة تحتمل الصواب والخطأ، فهي صفةٌ لأحد الأحكام أو المعتقدات؛ لذا لا وجود لها على أرض الواقع، وحتّى إن وجدت، لا يمكن للإنسان إدراكها، حيث يبادر كلُّ إنسانٍ إلى تأويل ما يجري حوله في هذا الكون الرحب بحسب رأيه، وبالتالي لا محيص من القول بأنّ كلَّ إنسانٍ له عالَمٌ خاصٌّ به.[1]

الحقيقة مفهومٌ خاضعٌ لسلطة القدرة في الحياة، لذا تُعرَّف على

(175)

ضوء الإرادة، فصياغةُ ما هو حقيقيٌّ وثابتٌ متلازمةٌ مع إزالة الخطأ الكامن في الأشياء،[1] ويمكن تقييمها عن طريق اشتداد الشعور بالقدرة، فهي التي صنعت الإنسان، لذلك باتت مفيدةً في وجوده.

إرادة الحقيقة هي ذاتُ إرادة القدرة، فهي كذبٌ ذو فائدةٍ مؤقّتةٍ وليست سوى انعكاسٍ لإرادة القدرة، كما أنّها على غرار المبادئ الأخلاقية التي لا أهمية لصوابها أو بطلانها، إذ القدرة هي التي تفرضها على المجتمع وتجذّرها فيه.[2]

الحقيقة بناءً على ما ذُكر لا تثبت إلا حينما تتواكب مع القدرة في الحياة أو الشعور بها، فهي ليست أمراً خارجيّاً يمكن للإنسان مشاهدته أو استقصاؤه، وإنّما هي أمرٌ يجب أن يُخلق؛ كما أنّها بمثابة حدوثٍ غيرِ متناهٍ وتعيّنٍ فعّالٍ وليست ضرباً من إدراكِ أمرٍ ثابتٍ.[3]

نستشفّ من جملة ما ذُكر أنّ العلم هو عبارةٌ عن مضمارٍ يتبلور في رحابه إدراكنا للحياة والكون، حيث ينشأ من تأويلاتٍ لا من حقائقَ، فلا وجودَ لأيِّ حقيقةٍ في الكون، وإنّما التأويل فقط هو الموجود، وعلى هذا الأساس قيل أنّنا عاجزون عن معرفة حقيقة الوجود، لكن غاية ما في الأمر أنّنا قادرون فقط على تأويل ما يحدث فيه.

لا شكّ في أنّ منظومتنا الإدراكية بحسب ما ذُكر هي عبارةٌ عن نطاقٍ يتمّ في رحابه تبسيط الأمور وتجريدها بهدف السيطرة على

(176)

الأوضاع، والدافع المحرّك لصاحب العلم ينصبّ في بلوغ درجة الريادة والاقتدار، لذا يمكن القول أنّ إرادة كسب العلم على غرار إرادة معرفة الحقيقة؛ وهذه الإرادة منبثقةٌ من الرغبة في نيل القدرة، لأنّ العلم في عصر الحداثة يُطلب لذاته، وهذا هو شعار الفكر الحداثي، أي العلم للعلم؛ بينما الباحثون المعنيون بالدراسات الثقافية يتبنّون رأي فريدريك نيتشه على هذا الصعيد والذي أكّد فيه على أنّ العلم يتزايد مع تزايد القدرة.[1]

الجدير بالذكر هنا أنّ الحقيقة المطلقة تعدّ جملة الأمور التي شكّك بها نيتشه ورفضها رفضاً قاطعاً، وعزا رواجها في الأوساط الفكرية إلى الفلاسفة، حيث ادّعى بأنّها من صناعتهم لكونهم غيرَ راغبين بقبول الأمر الواقع لظاهر هذا العالم وتحدوهم إرادة في استكشاف عالَمٍ ثابتٍ؛ وكما ذكرنا فقد أكّد نيتشه في هذا السياق أنْ لا وجودَ لأيِّ حقيقةٍ مطلقةٍ وشاملةٍ، وإنّما هي مجرّدُ أمرٍ فرديٍّ ونسبيٍّ، لذلك قال: «ما أحكم به، أحكم به لنفسي ولا يمكن للغير معرفة كُنهه بسهولةٍ».

إذًا، رفض هذا الفيلسوف وجود أيِّ حقيقةٍ في ذاتها، بل كلّ ما لدينا برأيه هو مجرّدُ تأويلاتٍ لما يجري حولنا؛ وليس هناك شيءٌ موجودٌ بحدّ ذاته، وحتّى إن افترضنا وجوده لكنّنا نبقى عاجزين عن معرفة كُنهه.[2]

(177)

خلاصة الفصل الثاني:

حينما نتتبع المسيرة التأريخية التي قطعها مركز برمنغهام للدراسات الثقافية، نلاحظ أنّه خضع لسلطة العديد من المذاهب والتيارات الفكرية مثل الماركسية والثقافوية والبنيوية وما وراء البنيوية وما بعد الحداثة، إلى جانب تأثّره بمختلف المبادئ الإبستيمولوجية المطروحة من قِبل دعاة ما بعد البنيوية.

هذا التأثّر تبلور في الدراسات الثقافية على ضوء نمط من المبادئ الأنطولوجية المادّية ذات الطابع التأريخاني والتي يرفض الباحثون على أساسها الرؤية الجوهرية (الماهيوية).

وأشرنا في نهاية الفصل إلى أنّ العلم وفق هذه الدراسات يُعتبر شأناً اجتماعيّاً وثقافيّاً، ولهذا الرأي مصدران أساسيان، أحدهما اعتقاد الباحثين الثقافيّين بكون المعرفة منبثقًة من نطاق الخطاب المطروح في المجتمع ونمط القدرة المفروضة عليه، والآخر اعتقادهم بعجز اللغة عن تصوير الحقيقة بذاتها؛ ومن هذا المنطلق أكّدوا على أنّ العلم يولد في المجتمعات البشرية إثر تداعياتٍ ثقافيةٍ وعلى ضوء الخطاب الحاكم عليها، وليست هناك أيُّ حقيقةٍ في ما وراء ذلك.

(178)

 

 

 

 

 

 

الفصل الثالث:

إبستيمولوجيا مدرسة برمنغهام

في بوتقة النقد والتحليل

(179)

الدراسات الثقافية خلال فترة تكوينها طوال القرن العشرين طرحت نفسها على الساحة بصفتها مدرسةً فكريةً انتهلت مبادئها من تياراتٍ ومذاهبَ إبستيمولوجيةٍ متنوّعةٍ، ورغم تعدّد مصادرها المعرفية إلا أنّها كانت بمثابة حلقاتٍ مترابطةٍ ضمن سلسلةٍ واحدةٍ تمخّضت عنها دراساتٌ ثقافيةٌ من طابعٍ جديدٍ ويتناغم مع مشارب الإنسان المعاصر؛ وكما ذكرنا في الفصل السابق، فإنّ تيار ما بعد البنيوية كان له الأثر البالغ في هذا المضمار باعتباره أنموذجاً متكاملاً للتيارات الفكرية الحديثة، وما زالت آثاره تنعكس في الدراسات والبحوث التي يدوّنها المعنيون بالشأن الثقافي حتّى يومنا هذا.[1]

على ضوء ما ذُكر أعلاه، سوف نتطرّق في هذا الفصل من الكتاب إلى بيان الأصول الإبستيمولوجية المعتمدة في مركز برمنغهام للدراسات الثقافية في إطارٍ نقديٍّ، حيث نتوسّع في البحث على غرار الأسلوب المتّبع في الفصل السابق ضمن مباحث أنطولوجيةٍ وأنثروبولوجيةٍ وإبستيمولوجيةٍ، وبما أنّ مدار البحث هنا إبستيمولوجيٌّ، لذلك خصّصنا مساحةً أكبر لتفاصيل هذا الموضوع كي يتحقّق الغرض.

المبحث الأوّل: أنطولوجيا الدراسات الثقافية في بوتقة النقد والتحليل:

لا يختلف اثنان في أهمية الدور الذي تفيه الأنطولوجيا في مناهج البحث العلمي بصفتها مضماراً فكريّاً تمتاز رؤيتها إلى

(180)

الكون بمعالمَ خاصّةٍ من حيث الأسلوب والفهم، ومن هذا المنطلق تتجلّى آثارها البارزة في المنظومة الفكرية لكلّ عالمٍ وفي واقع نظرته إلى الكون والكائنات، فهو على أساسها يدرك من أين ينشأ العلم وتتيح له استكشاف الأساليب الناجعة التي يطّلع في رحابها على حقيقة الوجود.

عالم الاجتماع الغربي كارل مانهايم قال في هذا الصدد: «لو اعتبرنا الأنطولوجيا متأخّرةً عن الإبستيمولوجيا، سوف يستحيل لنا تصوّر أيِّ قضايا إبستيمولوجيةٍ».

محور بحثنا هنا هو تحليل الأصول الأنطولوجية المعتمدة في مركز برمنغهام للدراسات الثقافية، ولكن قبل ذلك ننوّه على أنّ أهمّ معضلةٍ أنطولوجيةٍ يواجهها هذا المركز البحثي تتمثّل في التنزّل بمستوى الوجود إلى أطرٍ دنيويةٍ بحتةٍ مع تجاهل الحقائق الوجودية الميتافيزيقية -الماورائية- وإنكار الذات، ومن هذا المنطلق أنكر باحثوه كلّ ما يوصف بكونه وجوداً مطلقاً تتبلور في رحابه حقيقةٌ ثابتةٌ، فجميع جوانب الحقيقة برأيهم مرتكزةٌ على إيكولوجيا اجتماعيةٍ ومبادئ الخطاب السائد في المجتمع.

ولإثبات عدم صوابيّة رؤيتهم، نشير في ما يلي إلى جانبٍ من الرؤى الخاطئة التي اعتمدت كمرتكزٍ في دراساتهم وبحوثهم الثقافية:

(181)

1 ) إنكار الحقائق الملموسة:

أحد أهمّ الإشكالات الأنطولوجية على الدراسات الثقافية هو إنكار الحقائق الملموسة، حيث تتنزّل بمستوى المعنى الذي يحكي بوضوحٍ عن الواقع العيني وتعتبره بمثابة أمرٍ نسبيٍّ تجلّى إلى الوجود في رحاب المجتمع ولا يدلّ إلا على ارتباطٍ بين المدرِك (الإنسان) والمدرَك (المعنى)؛ ونتيجة هذا الكلام هي تجاهل الحقائق الملموسة وعدم الاعتماد عليها كمصادرَ أساسيةٍ لتقييم الأمور بحيث تُبْدَلُ بقضايا نسبيةٍ وسيميائيةٍ، وبما أنّ كلّ قضيةٍ نسبيةٍ وسيميائيةٍ تُدرج ضمن العناصر الاجتماعية، فالموضوع يتوقّف عند هذا الحدّ ويُدّعى أنّ الأصول والقضايا المتّفق عليها اجتماعيّاً هي صاحبة القول الفصل في تعيين حقيقة الأمر.

الجدير بالذكر هنا هو أنّ الحقيقةَ على ضوء نظرية الخطاب المطروحة من قبل ميشيل فوكو ومفهوم التلاعب اللغوي الذي أشار إليه، موكلةٌ إلى إيكولوجيا اجتماعيةٍ وتنصهر في باطن اللغة بحيث لا يبقى منها شيءٌ خارج هذا النطاق؛ لذا لو اعتقدنا بأنّ اللغة هي التي تصوغ نفسها وتتجدّد تلقائيّاً على مرّ العصور دون الاعتماد على أيِّ مصدرٍ حقيقيٍّ، فمن المستحيل بمكانٍ البتّ بوجود أمرٍ يقينيٍّ، لأنّ اللغة ليست سوى مجموعةٍ من القضايا السيميولوجية المَصُوغَة من قبل البشر ولا وجود لأيِّ حقيقةٍ في ما وراءَها.

أهمُّ موضوعٍ يُطرح للبحث والتحليل في هذا المضمار هو الحديث عن مبدأٍ ينمّ عن وجود عالَمٍ مستقلٍّ عن المعرفة الإنسانية

(182)

-عالَمٍ في ما وراء إدراك البشر- وهو مبدأ الحقيقة؛ ما يعني أنّ الحقائق ليست مجرّد تصوّراتٍ وإرهاصاتٍ ذهنيةٍ بشريةٍ، بل هي موجودةٌ بحدّ ذاتها بغضّ النظر عمّا إن كانت القوى الإدراكية للإنسان ذاتَ قابليةٍ في معرفتها أو لا، أي أنّها الشيء بنفسه وليس للإدراك أيُّ دورٍ في وجودها أو عدمها، وإنّما هو مجرّد وسيلةٍ لاستكشافها وفهمها.

2 ) إنكار الجوهرية (الماهيوية):

الباحثون الذين انخرطو في تيارَيْ ما بعد البنيوية وما بعد الحداثة تبنّوا رؤًى أنكروا على أساسها الوجود الجوهري وعزَوْا كلّ شيءٍ إلى المضمار اللغوي الذي هو في واقع الحال متزعزعٌ وفي تغيُّرٍ متواصلٍ، حيث أكّدوا في نظرياتهم على دور اللغة في صياغة المفاهيم الثقافية.

إذًا، هذه الرؤية تنكر الجوهرية (الماهيوية) في الوجود وتنيط هويّة كلِّ شيءٍ إلى سلسلة من القضايا النسبية الموجودة في أحد الأنظمة السيميائية،[1] ومن ثَمّ يدّعي أصحابها أنّ المعنى لا يتحقّق إلا على ضوء نسبته إلى البنية التي نشأ في رحابها، لذا ليس هناك أيُّ شيءٍ يدلّ على معنًى بحدّ ذاته، بل كلُّ شيءٍ يكتسب معناه بواسطة ارتباطه بأمورٍ أخرى.

الإشكال الذي يُطرح على هذه الرؤية يمكن تقريره كما يلي: لو قيل أنّ جميع المعاني تتنزّل إلى مستوى قضايا نسبيةٍ بحتةٍ بحيث لا يوجد أيُّ أمرٍ مستقلٍّ في الكون، فهذا الكلام غيرُ تامٍّ ولا يمكن

(183)

قبوله بتاتاً، لأنّ القول بوجود أيِّ نسبةٍ بين شيئين يجب أن ينبثق من الاعتقاد بوجود ما هو كائنٌ مستقلٌّ، وفي غير هذه الحالة تستحيل الفرضية المذكورة، إذ لو انعدمت المعاني المستقلّة -الذوات- فلا موضوعية للقول بوجود نسبةٍ في ما بينها.

نذكر المثال التالي كي يتّضح هذا الاستدلال بشكلٍ أفضلَ: هناك قضايا موجودةٌ في عالم الخارج، كقضية «فلانٌ واقفٌ»، وهنا يقال أنّ الموضوع والمحمول كلاهما موجودان في الخارج، وصدقها ينطبق على عالم الخارج باعتبار أنّ «فلاناً» موجودٌ على أرض الواقع، وينطبق أيضاً على النسبة الكائنة بين «فلان» والوقوف. إذًا، نتسنتج من هذا الكلام أنّ الاعتقاد بأيِّ شيءٍ أو بكلّ نسبةٍ -كالنسبة بين «فلان» و»واقف»- لا يمكن أن يصدق مطلقاً دون الإقرار بوجود أمرٍ أو معنًى مستقلٍّ حتّى وإن كان واحداً على أقلّ تقدير، مثل «فلان» في المثال المذكور، بل يمكن تصوّر تحقّق هكذا اعتقاد دون الإقرار بما هو مستقلٌّ وكائنٌ حقّاً في عالم الواقع؛ لأنّ كلَّ وجودٍ نسبيٍّ لا يمكن أن يتحقّق إلّا على ضوء وجود أمرٍ آخَر. لو افترضنا أنّ الوجود الآخر ليس سوى أمرٍ نسبيٍّ، ففي هذه الحالة أيضاً هو يفتقر في وجوده إلى أمرٍ غيره، وهلمّ جرّاً. وفي نهاية المطاف إذا لم ترتبط هذه الوجودات النسبية بأمرٍ مستقلٍّ، سوف يحدث التسلسل المنطقي الذي يعني التوالي والتكرار إلى ما لانهاية وهو محالٌ عقلاً.

إذًا، لا صوابيّة للرؤية التي تنكر الجوهرية كما هو الحال في الدراسات الثقافية، ولا محيص لأتباع هذا التيار الفكري من الإذعان بوجود أمرٍ مستقلٍّ، ولو كان واحداً على أقلّ تقديرٍ، فهناك ارتباطٌ بين

(184)

المعاني المستقلّة وغير المستقلّة، لذا ليست هناك أيُّ ذريعة تسوّغ إنكار الذوات المستقلّة.[1]

أضف إلى ذلك فالعلامة محمّد حسين الطباطبائي (رحمه الله) أكّد على أنّ طبيعة العلم على خلاف طبيعة الحركة والكينونة، وهي الشاخص الوحيد لعالم المادّة ولا دور للمباحث العلمية في هذا المضمار؛ إذ نستشفّ من الإدراك المتوالي لأمرٍ ما أنّ الشيء الذي أدركناه في بادئ الأمر هو ذات الشيء الذي تعلّق به إدراكنا في المراحل التالية، وحتّى لو نسينا أمراً ما ثمّ تذكّرناه مرّةً أخرى، فهو ذاته ولم يتغيّر قبل النسيان وبعده؛ لذا إن افترضنا أنّ هذا المدرَك لا ينمّ عن أمرٍ حقيقيٍّ في الحالتين ولا يتّصف بثبوتٍ يضمن وجوده بعينه على أرض الواقع، ففي هذه الحالة لا موضوعية لتحقّق أيّ معرفة ولا مصداقية لكلّ ما يعرفه الإنسان، ومن ثمّ لا يمكن لأحد ادّعاء أنّه يمتلك معرفة بأمرٍ ما.[2]

إذًا، فحوى ما ذكرنا هنا هي عدم وجود أيِّ ثمرةٍ للتوالي والتكرار سوى الوحدة والكلّية، فهما في مقابل التشتّت وعدم الانتظام.

الجدير بالذكر هنا هو أنّ الاعتقادَ بجوهرية الوجود وازعٌ لنظم شؤون الإنسان وعلى ضوئه يتمّ تفنيد الانفعال الذي هو في واقعٌ نتيجةً لإنكار الجوهر، وهذه الحقيقة لم تؤخذ بعين الاعتبار في المبادئ الفلسفية التي تتقوّم بها الدراسات الثقافية في مركز برمنغهام.

(185)

كما ينبغي التنويه هنا على ضرورة استناد الرؤية الجوهرية إلى تعاليمَ دينيةٍ كي لا نقع في فخّ الاستبدادية (النزعة الكلّيانية) (totalitarianism) ، وإلا فالنتيجة الحتمية للإعراض عن الدين في هذا المضمار هي الابتلاء بمعضلات العالم المعاصر ومتاهاته التي انعكست بوضوحٍ في فكر ما بعد الحداثة.

3 ) إنكار السرد الفوقي (ما وراء السرد):

ذكرنا في المباحث الآنفة أنّ الباحثين المعنيين بالدراسات الثقافية تأثّروا إلى حدٍّ كبيرٍ بفكر ما بعد الحداثة، ومن هذا المنطلق أنكروا مسألة السرد الفوقي الذي يُصطلح عليه أيضاً بما وراء السرد وما وراء الرواية؛ والإشكال الذي يُطرح عليهم هنا يمكن تلخيصه كما يلي: ألا يدلّ هذا الموقف بحدّ ذاته على سردٍ فوقيٍّ؟ فقد صرّح هؤلاء بضرسٍ قاطعٍ بأنّ عهد السرد الفوقي قد ولّى دون عودةٍ، ولكن ربّما يكون هذا النفي منطلقاً لولادة سردٍ فوقيٍّ آخرَ![1]

لا يخفى على أحدٍ أنّ النظرية التي تفنّد مسألة السرد الفوقي ضمن انتقادها الإيديولوجيا الشمولية، هي في الواقع تؤدلج شموليّاً أيضاً، إذ إنّ ثمرة إنكار السرد الفوقي من قبل مفكّري ما بعد الحداثة هي رفض كلّ تنظيرٍ وتفنيد كلّ تقنينٍ؛ لكنّهم غفلوا عن أنّهم وقعوا في فخّ التنظير أيضاً، فلا محالة من لجوئهم إليه.

الجدير بالذكر هنا أنّ ما يتمخّض عمّا طرحه دعاة رفض السرد

(186)

الفوقي يتلخّص في مسألتين محوريتين كالتالي:

الأولى: التنزّل بالمعرفة إلى مستوى قضايا بيولوجيةٍ وثقافيةٍ وتأريخيةٍ وسياسيةٍ واجتماعيةٍ بشريةٍ، مع إنكار القيم الإبستيمولوجية.

الثانية: تجريد جميع القضايا غير الإبستيمولوجية من كلّ طابعٍ شموليٍّ، أي نفي الكلّانيّة (Holism) عنها.

ونظراً لتأثر هذه الدراسات بفكر ما بعد البنيوية، فهي ترفض كلّ أمرٍ يوصف بأنّه كلّيٌّ وشموليٌّ، وذلك لأنّها تعتبر كلَّ سردٍ فوقيٍّ حصيلةً تمخّضت عن سلطة أحد الكيانات النافذة التي تفرض ما تريد بالعنف والتهديد والترهيب بهدف تهميش الطرف المقابل ومن ثَمّ اجتثاثه من الأساس؛ لذا ادّعى الباحثون المختصّون بالشأن الثقافي أنْ لا اعتبار لكلّ سردٍ أو روايةٍ إلا في نطاقها التطبيقي، وبالتالي لا محيص من الإذعان إلى تعدّد الروايات. من جملة النتائج التي تترتّب على هذا الكلام الاعتقادُ بعدم وجود أيِّ لغةٍ ثابتةٍ، وعلى ضوئها لا بدّ من القول بأنّ معنى العالم محمولٌ على عالَمٍ آخرَ.

المسألة الأخرى الجديرة بالبحث والتحليل في هذا السياق، فحواها أنّ معارضة الرؤية الشمولية لا يمكن أن تُقبل إلا حينما يُفرض التعميم بالإجبار والإكراه؛ إذ يبدو أنّ المعارضين للشمولية غفلوا عن كون التنوّع في حياة البشر وتعدّد متطلّباتهم وكثرة القضايا التي تُطرح في مجتمعاتهم، أمراً مشتركاً قد يسري من مجتمعٍ إلى آخرَ ويتمّ تبنّيه كأصلٍ ثابتٍ، ما يعني أنّه ذو طابعٍ عامٍّ وشموليٍّ. لكن مع ذلك نلاحظ أنّ مفكّري ما بعد البنيوية تجاهلوا الفكر الشمولي

(187)

والعلاقات الرابطة بين المجتمعات البشرية ولم يعترفوا بكلّ تلك القضايا المشتركة بين البشر.

وفي هذا السياق تجدر الإشارة هنا إلى نمط الرؤية الجزئية -المحدودة- ذاتِ الطابع المحلّي في الدراسات الثقافية، وهي بطبيعة الحال في مقابل الرؤية الشمولية المشار إليها؛ إذ لا تتقوّم بأيّ معيارٍ قطعيٍّ وثابتٍ ٍ يمكن الاعتماد عليه لتقييم القضايا التي تُطرح للبحث والتحليل وبيان ما يترتّب عليها.

المبحث الثاني: أنثروبولوجيا الدراسات الثقافية في بوتقة النقد والتحليل:

الهوية من وجهة نظر باحثي الدراسات الثقافية مجرّدُ ردّةِ فعلٍ أو استجابةٍ لأحداثٍ متنوّعةٍ في حياة البشر، لذا فهي لا تجسّد حقيقةً ثابتةً متكاملةً منذ لحظة تكوينها ولا قابلية لها لصياغة نتاجاتٍ ثقافيةٍ جديدةٍ، وإنّما هي مجرّدُ حصيلةٍ أو نتاجٍ لا يمكن أن يبلغ درجة التكامل مطلقاً لكونها في حركةٍ دائبةٍ لا تتوقّف ودائماً تتبلور في باطن التمثيل الذهني لا خارجَه.

المواضيع وفق هذه الرؤية تتبلور من خلال سلوكياتٍ ثقافيةٍ وتُولد لأجل مقاصدَ من هذا القبيل، كما يمكن إنتاجها ضمن قضايا ثقافيةٍ متنوّعةٍ، مثل عضوية الفرد في الأسرة وطبيعة الحِرف والمشاغل والشؤون الاقتصادية وشتّى القضايا الإقليمية؛ وهذه الأمور ذاتُ طابعٍ اجتماعيٍّ. أضف إلى ذلك فالإنسان في رحاب هذه الرؤية لا يُعتبر فاعلاً حرّاً وعاقلاً ذا إرادة، كما أنّ فكره خاضعٌ

(188)

بالكامل للظروف الزمانية والثقافية التي تكتنف حياته.

وفي ما يلي نشير إلى أهمّ الإشكالات التي تَرِد على أنثروبولوجيا الدراسات الثقافية:

1 ) إنكار وجود هويةٍ إنسانيةٍ مشتركةٍ:

إحدى نقاط الضعف التي يُؤاخذ عليها مركزُ برمنغهام للدراسات الثقافية تتمثّل في وجهة النظر المتبنّاة إزاء الهوية الإنسانية، فباحثوه يدّعون أنّ الإنسان يكتسب قيمته الحقيقية وتُصقل هويته في رحاب الكيان الجماعي الذي يعيش في كنفه ومن ثمّ تتبلور شخصيته التي تميّزه عن غيره من أقرانه البشر على ضوء أدائه الاجتماعي وشتّى علاقاته وارتباطاته معهم.

نستنتج من هذا الكلام أنّ الدراسات الثقافية متأثّرةٌ في شتّى جوانبها بأصول ما بعد البنيوية التي تتمحور حول كون الشخصية الإنسانية لا تنمّ عن موضوعٍ واحدٍ ومنسجمٍ يمكن اعتباره مصدراً لمعانٍ ثابتةٍ، وعلى هذا الأساس فهم من هذه الناحية يتبنّون رؤيةً لا تتناغم مع ما يتبنّاه أتباع النزعة الإنسانوية.

إذًا، باحثو الدراسات الثقافية طرحوا الآراءَ ذاتها التي صيغت في منظومة تيار ما بعد البنيوية ورفضوا القول بجوهرية الوجود الإنساني، ومن هذا المنطلق لا يبقى مجالٌ لاستقصاء مكامن جوهر الإنسان وتحليلها لكونها مجرّد موضوعٍ علميٍّ، ويترتّب على ذلك ادّعاء عدم وجود أيِّ هويةٍ إنسانيةٍ في ما وراء الهويتين

(189)

الثقافية والاجتماعية، فهي منصهرةٌ بالتمام والكمال في باطن البنية الاجتماعية.

لا شكّ في أنّ هذه الرؤية تُسفر عن حدوث خللٍ معرفيٍّ ولا يبقى على أساسها أيُّ نظامٍ يسير الإنسان على نهجه، حيث يبقى ضالّاً وتائهاً في هذا العالم ولا يعرف إلى أين يتّجه وماذا عليه أن يفعل؛ والجدير بالذكر هنا أنّ هذه المعضلة الأنثروبولوجية لا ترد على الفكر الإسلامي نظراً لرقي مبادئ الفلسفة الإسلامية التي تؤكّد على وجود نَظْمٍ وجوهرٍ ومركزٍ في عالم الوجود، وبالتالي فالإنسان مخلوقٌ في رحاب هذه الحقائق الثابتة.

التعاليم القرآنية تؤكّد على أنّ خلقة جميع البشر تستبطن فطرةً إلهيةً، لذا بإمكانهم معرفة الدين الحقّ، ولا تبديل لهذه الفطرة مطلقاً؛ حيث قال تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ).[1]

ولا نرى بأساً هنا في الإشارة إلى جملةٍ من القضايا الواضحة الدالّة على وجود الفطرة في النفس الإنسانية بصفتها أمراً مشتركاً وجوهراً كامناً في باطن جميع البشر:

- الرغبة في العبادة.

- النزعة إلى الجمال.

(190)

- الشعور بوجوب الحفاظ على سلامة النفس.

لا ريب في أنّ هذه المسائلَ وأخرى نظيرةً لها، موجودةٌ لدى كلّ إنسانٍ في كلّ مكانٍ وعلى مرّ العصور، لكنّها قد تتراوح بين الشدّة والضعف من شخصٍ إلى آخر؛ والخصائص الفطرية المشتركة التي وصفها القرآن الكريم بكونها فطرةً مستودعةً في باطن الإنسان، تعدّ مؤشّراً واضحاً على وجود جوهرٍ مشتركٍ بين جميع البشر؛ وهذا الرأي بطبيعة الحال يتعارض بالكامل مع من أنكر وجود جوهرٍ في الحياة.

إضافةً إلى الفطرة الإلهية، أكّد القرآن الكريم أيضاً على وجود نَظْمٍ في الكون، وثمرته الإيمان بوجود إلهٍ واحدٍ ونظامٍ توحيديٍّ في الحياة؛ فالآيتان الثالثة والرابعة من سورة المُلك ضمن تأكيدهما على النَّظْم العظيم والتامّ في الكون، دعتَا جميع البشر إلى تحقيق هدفٍ واحدٍ، وهو الهدفُ ذاتُه الذي وضعه الله عزّ وجلّ لهم. ثمّ أشارتا إلى أنّ العالم من أقصاه إلى أقصاه قد خُلق في رحاب نَظْمٍ مشتركٍ وعلى يد خالقٍ واحدٍ دعا الإنسان مراراً إلى التأمّل في النظم المذهل لعالم الوجود كي يستلهم منه يقيناً يسوقه نحو التوحيد.

2 ) إنكار إرادة الإنسان الحرّة:

مفهوم «موت الموضوع» الذي أشرنا إليه في الفصل السابق يُراد منه موت الإنسان الذي يُعتبر فاعلاً حرّاً وعاقلاً يمتلك إرادةً مستقلّةً بحيث لا تخضع هويته الإنسانية لسلطة الظروف الزمانية والثقافية، وعلى هذا الأساس يمكن القول أنّ موت الموضوع يدلّ على أنّ

(191)

الفاعل المدرك لا يمتلك وعياً منسجماً وموحّداً، بل هو قد تهيكل وعيه وإدراكه في رحاب المبادئ اللغوية.

الهدف الأساسي للعلوم الإنسانية بحسب هذه الرؤية لا يكمن في بناء شخصية الإنسان، وإنّما الهدف هو تفتيت شخصيته؛[1] وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ بعض مفكّري ما بعد البنيوية من أمثال ميشيل فوكو حاولوا محو تلك المفاهيم التي يمكن الاعتماد عليها لمعرفة حقيقة الإنسان، ومن هذا المنطلق لا يمكن ادّعاء أنّه يمتلك وعياً ذاتيّاً، بل هو مجرّد ظاهرةٍ اجتماعيةٍ لا أكثر، حيث تتبلور هويته في رحاب خلفيات اجتماعية.

وأمّا مفهوم «موت المؤلِّف» المشار إليه سابقاً أيضاً، فهو الآخر في موازاة مفهوم موت الموضوع، لذلك يرد عليه إشكالٌ جادٌّ أيضاً؛ إذ لا يمكن القول بأنّه يدلّ على أيِّ معنًى ما لم نعتقد بكون الفاعل المدرك واعياً وصاحب إرادةٍ حرّةٍ، ما يعني أنّ موت المؤلِّف غيرُ ممكنٍ إلا على ضوء الاعتقاد بوجود هوية إنسانية.

المبادئ الأنثروبولوجية التي يتبنّاها المتصدّون للدراسات الثقافية في مركز برمنغهام يمكن اعتبارها متطرّفةً في نسبة الموضوع إلى الظروف الزمانية، فقد ادّعوا أنّ الإنسان ثمرةٌ للتأريخ؛ كما زعموا أنّه لا يمتلك أيَّ هويةٍ في ما وراء هويته الثقافية والاجتماعية لكونه ينصهر نوعاً ما في العلاقات والمكوّنات الاجتماعية، ومن هذا المنطلق لا يذعنون بامتلاكه إرادةً حرّةً بحيث يرفضون رأي

(192)

من يعتبره فاعلاً حرّاً ذا إرادةٍ مستقلّةٍ ويسير وفق ما يمليه عليه عقله لكونه متحرّراً من قيود الزمان والثقافة السائدة في مجتمعه.

إذًا، حصيلة ما ذُكر هي أنّ الدراسات الثقافية تنكر وجود هويةٍ إنسانيةٍ موحّدةٍ ومنسجمةٍ تضمّ في رحابها معانيَ ثابتةً، وبهذا يتبنّى باحثوها نهجاً يتعارض مع ما ذهب إليه دعاة النزعة الإنسانوية.

هذه الرؤية التي سادت بين أصحاب الريادة في الدراسات الثقافية، ناشئةٌ من وجهة نظرهم تجاه اللغة، إذ رفضوا كونها ظاهرةً عالميةً وشموليةً، كما لم يقبلوا رأي من اعتبرها أمراً فرديّاً، فقد ادّعوا أنّ كلَّ لغةٍ سواءً أكانت محليةً أم عامّةً، لا بدّ وأن تضرب بجذورها في ثقافةٍ معيّنةٍ. تجدر الإشارة هنا إلى أنّ هذا الرأي له ارتباطٌ بالتحوّلات اللغوية التي شهدتها المباحث الفلسفية المعاصرة، حيث طرأت على الفلسفة في العصر الحديث تغييراتٌ واسعةٌ في مضمار اللغة التي تعتمد عليها في طرح تحليلاتها، وذلك من خلال اللجوء إلى أساليب التلاعب اللغوي والصياغات اللفظية والتأويلات الهرمنيوطيقية والتأكيد على ضرورة تحليل النصوص والاعتماد على العلوم اللغوية؛ وهذه الحالة تدلّ بوضوحٍ على ابتعاد فلاسفة العصر الحديث عن الموضوع الأساسي وتهميشه إلى حدٍّ ما، فالموضوع في الحقيقة يعرّف نفسه ويثبت وجوده في رحاب اللغة، لذا لا تبقى اللغة برأيهم مجرّدَ وسيلةٍ للتفاهم بين البشر، وإنّما تصبح أصيلةً وارتكازيةً لدرجةِ أنّها تصنع الحقائق.

من البديهي أنّ رؤيةً كهذه تجاه الإنسان تتعارض بالكامل

(193)

مع المبادئ الإنسانية في الفلسفة الإسلامية، فالإنسان في رحاب المبادئ الفلسفية الإسلامية ذو بعدين، أحدهما بدنيٌّ والآخر روحيٌّ. البعد البدني مادّيٌّ بطبيعة الحال لكنّ البُعدَ الثاني عبارةٌ عن وجودٍ مجرَّدٍ، ولا شكّ في أنّ التشابه الكبير بين البشر لا يمكن اعتباره عقبةً في معرفة البون الشاسع الكائن بينهم؛ وبطبيعة الحال هناك عواملُ خارجيةٌ وفيزيولوجيةٌ ونفسيةٌ كثيرةٌ لها تأثيرٌ على سلوك الإنسان وفقاً للرؤية الإسلامية، لكنّها لا تسلبه إرادته الحرّة، إذ مع كلّ هذه المؤثّرات الخارجية يبقى صاحبَ إرادةٍ حرّةٍ، وهذه الميزة لها ارتباطٌ وثيقٌ بالبعد الروحي من كيانه.

إضافةً إلى ما ذُكر فالإنسان ذو مقامٍ رفيعٍ وكرامةٍ بين سائر الكائنات، وله فضائله السامية التي لا يمكن لأيِّ مخلوقٍ آخرَ أن ينافسه فيها، ومن جملتها قابلياته العقلية والفكرية وإرادته الحرّة؛ ورغم أنّه خاضعٌ لبعض قيود الحياة المادّية والمبادئ الثقافية والاجتماعية والظروف الزمانية، لكنّه على ضوء إرادته الحرّة له القابلية على إضفاء تغييراتٍ إلى شخصيته وحتّى إلى الكيان الاجتماعي الذي يعيش في كنفه.

المبحث الثالث: إبستيمولوجيا الدراسات الثقافية في بوتقة النقد والتحليل:

الرؤى الأنطولوجية والأنثروبولوجية التي تبنّاها مفكّرو مركز برمنغهام للدراسات الثقافية تمخّضت عن رواج نزعةٍ فكريةٍ تقلّل من شأن المعرفة والحقيقة في شتّى القضايا الاجتماعية والثقافية

(194)

بحيث يتمّ اختزالهما دون مسوّغٍ، وهذا الأمر بطبيعة الحال تترتّب عليه نتائجُ لا تخلو من مؤاخذاتٍ، ومن جملتها ما يلي:

- إنكار الحقيقة.

- عدم الإذعان بارتباط الحقيقة مع الخطاب والقدرة.

- الاختزال الإبستيمولوجي.

- فقدان المعايير الثابتة لتقييم الأمور.

- الوقوع في فخّ القول بالنسبوية.

كما نلاحظ فهذه الأمور تُعدّ نقاطَ خللٍ في إبستيمولوجيا الدراسات الثقافية، لذا سوف نسلّط الضوء عليها في هذا القسم من البحث ضمن تحليلٍ نقديٍّ.

بما أنّ الرؤى الأنطولوجية والأنثروبولوجية في هذا المركز تتجلّى بهيئتها الواقعية ضمن الأسس الإبستيمولوجية المعتمدة في التنظير، لذا سوف تتّضح لنا مكامنُ ضعفها على ضوء نقد هذه الأسس في المباحث التالية:

أوّلاً: الخلط بين الإدراكات الحقيقية والاعتبارية:

مشكلة الخلط بين الإدراكات الحقيقة والاعتبارية في الدراسات الثقافية التي تُدوَّن على ضوء التوجّهات الفكرية في مركز برمنغهام للدراسات الثقافية تسبّبت بطرح الكثير من الإشكالات على إبستيمولوجيا هذه الدراسات.

(195)

كمقدّمةٍ للبحث نشير إلى أنّ الإدراكات تنقسم إلى صنفين، فهي حقيقيةٌ واعتباريةٌ،[1] أمّا الحقيقية فيُراد منها المعارف والإدراكات التي لها مصداقٌ خارجيٌّ بحيث لا تخضع لإرادة الإنسان وسلوكه، مثل العلم بوجود أرضٍ وسماءٍ. وأمّا الاعتبارية فيُراد منها المعارف والإدراكات المرتبطة بسلوك الإنسان والمجتمع بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشرٍ، مثل امتلاك علمٍ بالقضايا الرمزية كاللغة والثقافة، وكأن يكون الإنسان مسؤولاً في وظيفةٍ ما أو مالكاً لشيءٍ ما؛ فهذه الأمور من صناعة الذهن البشري باعتبارها وسائلَ معتمدةً لتلبية متطلّبات الفرد والمجتمع في الحياة.[2]

لا شكّ في أنّ الاختلاف الكائن بين الإدراكين الحقيقي والاعتباري حريٌّ بالاهتمام، والاهمّ من ذلك الالتفات إلى تداعيات الإدراكات الاعتبارية من الناحية الإبستيمولوجية ودورها في صياغة مبادئ العلوم الإنسانية، وممّا قاله العلامة محمّد حسين الطباطبائي في هذا السياق: «الإنسان كائنٌ يخلق الاعتبار، فحياته ممتزجةٌ مع قضايا اعتباريةٍ لا يمكنه مواصلة حياته بدونها».[3] لو تتبّعنا البحوث المدوّنة في مركز برمنغهام للدراسات الثقافية وتحرّينا الآراء المنقولة عن الباحثين المعنيين بها، يثبت لنا أنّهم لا يميّزون بين الإدراكين الحقيقي والاعتباري، بل يتجاهلونه بالكامل ما يعني أنّهم من

(196)

الناحية الإبستيمولوجية يخلطون بين الأمرين بداعي القول بمطلق المعرفة.

إذًا، التمييز بين الإدراكين المشار إليهما ضرورةٌ لا مناص منها، وإلا سيواجه الباحث مشاكلَ إبستيمولوجيةً عديدةً وتُطرح على آرائه ونظرياته إشكالاتٌ لا يمكنه تفنيدها بشكلٍ مقنعٍ؛ وهذا ما واجهه الباحثون في مركز برمنغهام، حيث جعلوا الأمور الاعتبارية كالحقيقية وإثر ذلك عمّموا الأساليب المعتمدة لصياغة ما هو اعتباريٌّ على القضايا الحقيقية وبالتالي عجزوا عن معرفة الاختلاف الكائن بينهما، ولم يجدوا بدّاً من القول بأنّ المعرفة بأسرها غيرُ ثابتةٍ وتُدرج ضمن المتغيّرات لكونها برأيهم خاضعةً للإرهاصات النفسية ومنبثقةً من اقتضاءاتٍ اجتماعيةٍ وثقافيةٍ.

ثانياً: المبالغة في توسيع نطاق الإيكولوجيا الثقافية والاجتماعية:

هناك إشكالٌ جادٌّ يُطرح على باحثي مركز برمنغهام للدراسات الثقافية يتمثّل في مبالغتهم في توسيع نطاق الإيكولوجيا الثقافية والاجتماعية، حيث تنزّلوا بشأن جميع القضايا والأسس الاجتماعية بادّعاء أنّ كلَّ واحدٍ منها ناشئٌ من إيكولوجيا اجتماعيةٍ وخاضعٌ للخطاب المطروح في المجتمع والثقافة السائدة فيه والسلطة التي تبسط نفوذها عليه.

يا ترى ما الداعي الذي يجعلنا نتصوّر أنّ جميعَ الحقائق والسيميولوجيات والرموز منبثقةٌ من الأسس الخطابية والثقافية الحاكمة على المجتمع الذي نعيش في كنفه؟ من المؤكّد أنّ الإشكال

(197)

الذي يُطرح في هذا المضمار جليٌّ للعيان بالنسبة إلى القضايا والإدراكات الحقيقية والمتمثّلة بالعناصر المحسوسة التي يشاهدها الإنسان ويلمسها على أرض الواقع، فهناك أمورٌ يعتبرها مفكّرو تيار ما بعد البنيوية ومن حذا حذوهم مجرّدَ إيكولوجيا اجتماعيةٍ، أي أنّها إدراكاتٌ اعتباريةٌ ولدت من رحم البيئة الاجتماعية؛ لكنّنا لو أمعنّا النظر فيها بدقّةٍ وتمحيصٍ لوجدناها تضرب بجذورها في الفطرة الإنسانية، مثل الضحك الذي لا يمكن لأيِّ مجتمعٍ بشريٍّ أن يخلوَ منه بصفته علامةً على البهجة والسرور، فهو بطبيعة الحال سلوكٌ عامٌّ، لذا لو ادّعى أحدٌ بأنّه تابعٌ لثقافةٍ خاصّةٍ أو نتيجةٌ لإيكولوجيا اجتماعيةٍ، نردّ عليه بكون عموميته تفنّد هذا الادّعاء، إذ لو كان كذلك لما عمّ البشرية جمعاء في كافّة الأزمنة والأمكنة؛ وحتّى لو افترضنا إمكانية عموميته رغم كونه إيكولوجيّاً، ففي هذه الحالة يمكن أن يصدر كردّة فعلٍ لإرهاصاتٍ نفسيةٍ متنوّعةٍ تختلف من مجتمعٍ إلى آخرَ، حيث يحتمل أن ينمّ عن الحزن والبؤس في أحد المجتمعات أو عن الغضب في مجتمعٍ آخرَ، إلا أنّنا لا نلاحظ هذه الانعكاسات في أيّ مكانٍ من العالم مطلقاً. ومثالٌ آخرُ على ما ذُكر، هو أنّ جميع الناس في كلّ آنٍ ومكانٍ ومن جميع الأعراق والجذور البشرية عندما يشعرون بالألم يعربون عنه بألفاظٍ معروفةٍ ومتداولةٍ في ما بينهم مثل كلمة «آه» وما شاكلها، فهذه الألفاظ تعرف دلالتها الحقيقية في كلّ مجتمعٍ بشريٍّ مهما كانت ثقافته، بل حتّى في المجتمعات المتخلّفة حتّى وإن افترضنا أنّها لا تنطق بلغةٍ خاصّةٍ.[1]

(198)

المثالان المذكوران وما يناظرهما من أمثلةٍ لا حصر لها، تُثبت بضرسٍ قاطعٍ وجود حقائقَ ثابتةٍ، بل يمكن على أساسها إثبات أنّ بعض القضايا حتّى وإن كانت في ظاهرها تبدو كأنّها ثقافيةٌ أو اجتماعيةٌ، لكنّها في واقع الحال تضرب بجذورها في حقائقَ راسخةٍ وثابتةٍ في حياة البشرية بحيث يمكن إدراكها في جميع الثقافات والمجتمعات دون استثناءٍ، وبيان ذلك كما يلي: كلُّ إنسانٍ يدرك الكثير من القضايا التي تتلخّص في نوعين رئيسَيْن، فمنها ما هو محسوسٌ ومنها ما ينمّ عن أمورٍ غيرِ محسوسةٍ. النوع الثاني من الإدراك قد يتمحور حول ذات الإنسان ومشاعره وخلجاته النفسية، مثل الشعور بالحزن والسرور. وقد يكون مجرّدَ أوهامٍ تصوغها مخيّلته على ضوء مقتضياتٍ شخصيةٍ أو اجتماعيةٍ، والأخيرة تنشأ بطبيعة الحال إثر حاجته للتعامل مع سائر أعضاء مجتمعه، وهي التي توصف بأنّها قضايا اعتباريةٌ.

الجدير بالذكر هنا أنّ كلا النوعين من الإدراكات له ميزاته ومقتضياته الخاصّة وتترتّب عليه آثارٌ معيّنةٌ، ومن البديهي أنّ كلّ واحدٍ منهما موجودٌ بحدّ ذاته ووجوده يتناسب مع بنيته الأساسية، لذا ليس من الصواب بمكانٍ تعميم خصائص أحدهما على الآخر.

هناك موضوعٌ في غاية الأهمية في السياق المذكور والضرورة تقتضي أن يؤخذ بعين الجدّ والدقّة، وتقريره كما يلي: الإدراكات الاعتبارية التي توصف بكونها قضايا إيكولوجيةً ثقافيةً أو اجتماعيةً أو عاطفيةً، هي في الواقع ليست منبثقةً فقط من مبادئَ ثقافيةٍ واجتماعيةٍ وعاطفيةٍ بحيث يُدّعى عدم انسجامها مع الحقائق

(199)

الموجودة على أرض الواقع، وإنّما هي مَتقوّمةٌ أيضاً على حقائقَ خارجيةٍ، لكن غاية ما في الأمر أنّ طابعها الأنطولوجي يختلف عن أنطولوجيا الحقائق الخارجية؛ والأدلّة التالية تثبت ما ذكرنا:

1 ) لو تمكّن الإنسان من خلق المفاهيم الاعتبارية دون الاعتماد على حقائقَ خارجيةٍ، فلا بدّ من الإذعان حينئذٍ بعدم قابليتها بتاتاً على الارتباط مع هذه الحقائق، ونظراً لعدم إمكانية تحقّق هذا الارتباط وإثر تكافؤ المفاهيم المذكورة أنطولوجيّاً مع كلّ أمرٍ موجودٍ على أرض الواقع، فهي في هذه الحالة يجب أن تصدق على كلّ أمرٍ خارجيٍّ؛ إلا أنّ الأمر ليس كذلك بتاتاً، فهما مختلفان عن بعضهما بالكامل من الناحية الأنطولوجية، فالقضايا الاعتبارية تولد في الذهن بمعونة المفاهيم الحقيقية. 

2) بما أنّ القضايا الاعتبارية تنشأ في ذهن الإنسان استجابةً لمتطلّباته في الحياة، لذا لا بدّ أن تُصاغ بنحوٍ يتناسب مع هذه المتطلّبات بحيث تمكّنه من تحقيقها، والواقع أنّ الحاجة هي المعيار في صوابيّة كلِّ مفهومٍ اعتباريٍّ، ومن هذا المنطلق لا صحّة لأيِّ اعتباريٍّ إلا إذا كان مدعاةً لتلبية متطلّبات الفرد والمجتمع؛ وهذه العلقة تعدّ برهاناً على وجود ارتباطٍ بين القضايا الاعتبارية والحقيقية، إذ لو ادّعى أحدٌ أنّها -أي القضايا الاعتبارية- مجرّدُ أوهامٍ وتصوّراتٍ بحتةٍ، ففي هذه الحالة لا بدّ له من الإقرار بعدم نجاعتها في تلبية أيِّ حاجةٍ للفرد والمجتمع.

3) لو قيل أنّ كلَّ قضيةٍ اِعتبارية لا تتقوّم في وجودها على أيِّ

(200)

حقيقةٍ خارجيةٍ، فلا بدّ من الإذعان حينئذٍ إلى اتّكائها على قضيةٍ اعتباريةٍ أخرى، وكذا هو الحال بالنسبة إلى هذه القضية، ودواليك من تكرار في القضايا الاعتبارية المتكّئة على بعضها البعض؛ ومن ثمّ لا مناص من الوقوع في فخّ التسلسل المنطقي والتكرار المتوالي اللامتناهي. إذًا، يجب أن تكون هناك قضيةٌ حقيقيةٌ تتقوّم بها القضية الاعتبارية كي لا يحدث التسلسل الذي هو محالٌ عقلاً.[1]

الحصيلة النهائية لجملة ما ذُكر بخصوص الإيكولوجيا الثقافية المتبنّاة في مركز برمنغهام، يمكن تلخيصها بما يلي:

1) حينما يُروَّج في إحدى الثقافات مفهومٌ اعتباريٌّ ليس له مطابقٌ في عالم الخارج، فهذا لا يعني أنّه منتَجٌ من قبل الناس جرّاء اقتضاءاتٍ ثقافيةٍ ألزمتهم بذلك؛ لأنّ ذهن الإنسان لا يمتلك القدرة على ذلك وغاية ما يؤدّيه من دورٍ هو أنّه يُجري بعض التغييرات على المفاهيم التي تحكي عن حقائقَ خارجيةٍ، لذا فهو يعمل فقط على التطبيق بين المفاهيم الحقيقية ومصاديقها غير الواقعية.[2]

إذًا، يجب الإقرار بأنّ كلَّ قضيةٍ اعتباريةٍ وثقافيةٍ ترتبط بنحوٍ ما بإحدى الحقائق الخارجية الثابتة وتتقوّم بها.

2) نمط ارتباط المفاهيم والقضايا الاعتبارية مع الحقائق الخارجية ليس على نسقٍ واحدٍ في جميع الموارد، فبعض المفاهيم الاعتبارية تنشأ بهدف تلبية حاجة الإنسان الشخصية، وبعضها يُصاغ

(201)

لأجل تلبية متطلّباته الاجتماعية كما لو اتّفق الناس على دلالة اللون الأحمر على الخطر في مواردَ معيّنةٍ، لذا فالإنسان في لحظة صياغة هذا النمط من الاعتبارات الاجتماعية يكون بحاجةٍ إلى التعامل مع أقرانه في المجتمع والتواصل معهم والارتباط بهم، وثمرة ذلك أنّنا حينما نتطرّق إلى شرح وتحليل كلِّ قضيةٍ اعتباريةٍ ينبغي لنا الالتفات إلى أوجه الاختلاف الكائن بينها وبين نظائرها من اعتبارياتٍ أخرى.

خلاصة الكلام أنّ عدم التمييز بين الإدراكات الحقيقية والاعتبارية إلى جانب التأكيد أكثر من اللازم على كون الحقيقة تُولد من رحم الخطاب السائد في المجتمع، يسفران دون شكٍّ عن التقليل من شأن المعرفة والتنزّل بها إلى مستوًى ثقافيٍّ ونفسيٍّ، أي اختزالها دون مسوِّغٍ؛ وهذا الموضوع سوف نسلّط الضوء عليه في ما يلي:

ثالثاً: التنزّل بشأن المعرفة إلى مستوًى إيكولوجيٍّ ثقافيٍّ ونفسيٍّ (الاختزال الإبستيمولوجي):

ذكرنا في المباحث الآنفة أنّ المعنيين بالبحث العلمي في مركز برمنغهام للدراسات الثقافية تبنّوا مبادئَ إبستيمولوجيةً تتناغم مع ما طُرح من قِبل روّاد تيارَيْ ما بعد البنيوية وما بعد الحداثة، واتّبعوا نظرية الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه في تعريف الحقيقة.

نستشفّ ممّا ذُكر أنّ الحقيقة في الدراسات الثقافية تنشأ في رحاب مفهومَيِ القدرة والخطاب، فهذه هي حصيلة المبادئ الإبستيمولوجية المشار إليها وثمرة نظرية نيتشه بالتحديد، لكن يَرِد على هذا الرأي

(202)

إشكالٌ جادٌّ، ألا وهو التنزّل بشأن المعرفة وتقليل مستواها إلى مجرّد أمرٍ ثقافيٍّ ونفسيٍّ، حيث تُنسب إلى بعض القضايا المرتبطة بحياة الإنسان مثل القدرة والخطاب السائد في المجتمع، أي أنّها تُفرض عليه بالإجبار باعتبارها نتيجةً لأمرٍ ما وليست أصلاً ثابتاً؛ لذا يطرح الناقدون هنا العديد من الإشكالات التي لا نقض لها.

لا شكّ في أنّ الاختزالية (Reductionism) عادةً ما تنشأ من الترديد في أكسيولوجيا المعرفة، وهذا الترديد يعني إنكار كون المعرفة أمراً حقيقيّاً، فهو إذاً يفنّد الحقيقة من أساسها ولا يُبقي لها أثراً؛ وتجدر الإشارة هنا إلى أنّه يمكن أن يحدث في جوانبَ عديدةٍ ويتجلّى على هيئة صورٍ متنوّعةٍ، فأحياناً يكتنف الذهن بخصوص المناهج الإبستيمولوجية، وأحياناً يطرأ عليه ضمن مواضيعَ إبستيمولوجيةٍ معيّنةٍ.

نوضح ما ذُكر بمثالٍ: أسلوب البرهنة في منطق أرسطو يفيد العلم، بينما أساليب الخطابة والجدل والشعر وكذلك المغالطات، لا تستتبع تحقّق أيّ علمٍ معتبرٍ. كما أنّ الأساليب التجريبية -الوضعية- تؤكّد على أنّ التجربة هي التي تفيد العلم، لذا كلّ أسلوبٍ غيرِ تجريبيٍّ على هذا الأساس لا يُفيدنا بأيِّ علمٍ معتبَرٍ. بعض وجهات النظر أناطت الحقيقة إلى قضايا محدّدةٍ، وقيّدت العلم المفيد بما تحقّق في عهدٍ معيّنٍ، والمقصود هنا الرؤية التجريبية طبعاً؛ فهي تعتبر عالم الطبيعة فقط موضوعاً للعلم وفي الحين ذاته تتجاهل جميع المواضيع الميتافيزيقية وتجرّدها من كلّ اعتبارٍ من منطلق الاعتقاد بكون القضايا الحقيقية موجودةً في نطاق عالم الطبيعة فقط

(203)

وضمن القضايا المحسوسة التي يمكن وأن تخضع للتجربة العينية.

الجدير بالذكر هنا أنّ الفلاسفة المعاصرين الذين انضووا تحت مظلّة ما بعد البنيوية وما بعد الحداثة، أنكروا أكسيولوجيا المعرفة ورفضوا الحقيقة، حيث ادّعوا بطلان الحقيقة بشكلٍ مطلقٍ لكونها -برأيهم- لا يمكن أن تصدق على شيءٍ ولا يمكن أن تُمثّل ولا يمكن أن يُحكى عنها من الأساس؛ فكلّ شيءٍ يُذكر أو يُمثَّل أو يُحكى عنه ليس سوى ثمرةٍ للخطاب المطروح والقدرة التي لها السيادة في الحياة، ومن هذا المنطلق اعتبروا العلم مجرّدَ فرعٍ ثانويٍّ يتشعّب من الثقافة وليس له أيُّ مقامٍ خارج هذا النطاق، لذا لا يمكن تصوّر أيِّ هيئةٍ مستقلّةٍ له، فهو بكلّ أساليبه ومكوّناته الأساسية متأثّرٌ بالثقافة التي يتبلور في رحابها؛ ومن ثَمّ فإنّ كلَّ تغييرٍ ثقافيٍّ عادةً ما يؤدّي إلى حدوث تغييرات في البنية المعرفية والعلمية للبشر، وهذه التغييرات تُعدّ عقبةً تحول دون المقارنة بين مختلف الفروع العلمية.

العلمُ استناداً إلى هذه الرؤية ذو هويةٍ ثقافيةٍ وتأريخيةٍ وحضاريةٍ، لكون الثقافة هي التي تصوغه وفقاً لمتطلّباتها في كلّ آنٍ ومكانٍ، وبالتالي تجعله متناغماً مع سائر أجزائها الإبستيمولوجية.[1]

الملفت للنظر أنّ الاختزالية تُعتبر نقطةَ ضعفٍ تُؤاخَذ عليها جميع التيارات الإبستيمولوجية التي كان لها تأثيرٌ على الدراسات الثقافية المدوَّنة من قِبل باحثي مركز برمنغهام، وعلى رأسها الماركسية والبنيوية والسيكولوجية التحليلية وما بعد البنيوية وما بعد

(204)

الحداثة؛ وكما هو معلومٌ فهي تضرب بجذورها في العهود الفلسفية القديمة ولم تَخْلُ منها النظرياتُ التي طُرحت في رحاب الفلسفة الحديثة ومن قِبل روّاد الحركة التنويرية، لذلك انعكست بوضوحٍ في الدراسات المشار إليها.

الفيلسوف الألماني الشهير إيمانوئيل كانط اعتبر الذهن نافذةً ينظر الإنسان من خلالها إلى الكون، فهو برأيه كالنظّارة التي تمكّن روحه من رؤية الحقائق ولا سبيل لذلك غيرها؛ واستنتج من ذلك أنّ الذهنَ عنصرٌ فاعلٌ في معرفة الكون وليس منفعلاً -أي أنّه مؤثِّرٌ وليس متأثّراً- وبالتالي فالتصوّرات الذهنية لها دخلٌ في تحقيق المعرفة لدى الإنسان. الحصيلة النهائية لهذه الرؤية هي أنّ المعرفة التي يمتلكها الإنسان تقتصر على الأمور الحسّية التي تتبادر إلى الذهن فقط، أي الظواهر -الفينومينات- وليس لها أيُّ ارتباطٍ بالأمور غير الحسّية، أي الذوات -النومينات-.

تلاه الفيلسوف الألماني كارل ماركس الذي تأثّر بهذه النظرية وادّعى على ضوئها أنّ الإنسان يدرك الحقيقة بشكلٍ لاشعوريٍّ، وإدراكُه لها متقوّمٌ بمقامه الاجتماعي، وفي هذا السياق وصف بعض القضايا الإبستيمولوجية بكونها إيديولوجياتٍ تنشأ في رحاب الأنظمة السياسية والاقتصادية ولا تتقوّم إلا بها، والمعروف عنه أنّه سعى إلى الإبقاء على العلم خارجاً عن النطاق الإيديولوجي.[1]

بعد ذلك حان الدور لعالم النفس النمساوي الشهير سيغموند

(205)

فرويد في التنظير، وممّا قاله في ما يخصّ موضوع بحثنا: «ليس لدينا إلا القليل من العلم بأمورنا النفسية»، وفي هذا السياق تبنّى رؤيةً تتعارض مع ما ذهب إليه سائر الفلاسفة، حيث ادّعى أنّ المضمار النفسي للإنسان أوسع نطاقاً بكثيرٍ من مضمار وعيه، وهو بكلّ تأكيدٍ خاضعٌ لتأثير الجانب اللاواعي في نفسه؛ وقد تكتنف ذهنَه تصوّراتٌ حول الحقائق الخارجية ومن ثمّ يبادر إلى الاستدلال عليها.

فضلاً عمّا ذُكر، فالفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه الذي طرح نظرياته في أوائل القرن التاسع عشر، أكّد على أنّ القدرة هي الهدف الأوّل للإنسان، ومن ثَمّ تُدرج جميعُ رغباته الأخرى تحت هذه المظلّة، لأنّ الإرادة لا تتحقّق إلى على ضوء الاقتدار، وهذه قاعدةٌ تحكم جميع المجتمعات البشرية، ومن البديهي أنّ أمراً  كهذا له تأثيرٌ حتميٌّ على الجانب المعرفي.

الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو الذي ذاع صيته بعد نيتشه، هو الآخر طرح الفكرةَ نفسَها، الأمر الذي جعله يشكّك تدريجيّاً بكافّة القوى الإدراكية التي يمتلكها الإنسان.

وفي خضمّ هذه الآراء والنظريات شُرّع البابُ على مصراعيه لفلاسفة ما بعد البنيوية وأتباعهم من روّاد الدراسات الثقافية، حيث سلكوا نهجاً إبستيمولوجيّاً اختزاليّاً بعد أن قلّلوا من شأن المعرفة وتنزّلوا بها إلى مستوى القدرة والظروف التأريخية والثقافية والاجتماعية، وهذه الرؤية تستتبع بطبيعة الحال تبنّي نهج شكوكيٍّ ونسبويٍّ على صعيدَيِ الإدراك والحقائق، لذا لا نبالغ لو قلنا أنّ الاختزالية، التي تُسفر عن حدوثِ معضلةٍ معرفيةٍ توصف بكونها انتقاصاً إبستيمولوجيّاً، ليست أمراً جديداً في الأوساط الفكرية، بل

(206)

ظاهرةً قديمةً تركت بصماتها على الدراسات الثقافية المعاصرة أيضاً.

لا يختلف اثنان في أنّ الظروف البيولوجية والثقافية التي تكتنف حياة الإنسان الذي يمتلك علماً وإدراكاً، لها تأثيرٌ على طبيعة تحليله لما يجول حوله، فهذا التحليل يتراوح بين الشدّة والضعف بحسب ظروف بيئته الاجتماعية؛ لكن ما مدى هذا التأثير يا ترى؟ وكيف يمكن أن يتحقّق؟ وهل هناك تأثيرٌ من هذا النمط على مضمون القضايا الإبستيمولوجية؟

نقول في الإجابة عن هذه الأسئلة: لا غرو في ادّعاء أنّ تأثّر الحقيقة بالخطاب السائد والقدرة الحاكمة يعني طروء تغيير على المواضيع الأساسية -البنائية- جرّاء عواملَ اجتماعيةٍ وضمن ظروفٍ ثقافيةٍ معيّنةٍ، ومن ثَمّ يمكن قبول رأي من اعتبر الأوساط العلمية لا تتبنّى أيّ قواعدَ أو معاييرَ فكريةٍ مستقلّةٍ في خضمّ هذا التغيير؛ لكن صوابّة هذا الكلام مشروطٌ بعدم إنكار وجود مصدرٍ أو معيارٍ أو منهجٍ إبستيمولوجيٍّ مستقلٍّ تتبلور في رحابه المعاني الشمولية لهذه المواضيع بحيث يمكن تقييم مدى صدقها أو بطلانها على أساسه.

ولو فسّرت القضايا الاجتماعية والظواهر الطبيعية في نطاق الخطاب السائد في المجتمع واُدُّعِيَ أنّ معرفة حقائق الكون مرهونةٌ بمفاهيم يصوغها ذهن الإنسان على ضوء لغته وثقافته وظروفه الاجتماعية بهدف تلبية متطلّباته التي يفرضها عليه زمانه، فهذا التفسير يعدّ وازعاً للتشكيك بالمفاهيم التي تحكي عن الحقيقة ومن ثَمّ لا يمكننا الاعتماد عليه لمعرفة مدى صوابها أو بطلانها.

إذًا، لو اُدُّعِيَ أنّ الحقيقةَ ثمرةٌ طبيعيةٌ للقدرة والظروف الزمانية وقيل أنّها تتبلور في مضمار الخطاب الثقافي والاجتماعي باعتبار أنّ

(207)

الإيكولوجيا الاجتماعية ذاتُ تأثيرٍ على المضمون الإبستيمولوجي، فالنتيجة المحتومة لهذا الادّعاء هي زوال أكسيولوجيا المعرفة من أساسها والتقليل من شأنها إلى أدنَى مستوًى لتصبح مجرّدَ وسيلةٍ للرواية والكشف، وبالتالي لا يبقى لنا مجالٌ لتمييزٍ بين ما كان صائباً منها عمّا كان خاطئاً، لأنّ مضامينها وفق هذه الرؤية لا تتعدّى كونها مجرّدَ قضايا اجتماعيةٍ وبيولوجيةٍ ذاتِ ارتباطٍ ببيئة الإنسان الاجتماعية وظروفه المعيشية وما تكتنفه من قضايا متنوّعةٍ طوال مسيرة حياته، ولا سيّما لغته التي هي في الواقع أمرٌ إيكولوجيٌّ ووضعيٌّ. يترتّب على ما ذُكر ضرورة اعتبار الإدراك والحقيقة أمريْن نسبيّيْن، ومن ثَمّ تفنيد الحقيقة من أساسها.

تجدر الإشارة هنا إلى عدم سداد رأي من أنكر تأثير الظروف والعلاقات الاجتماعية على المضمون الإبستيمولوجي بشكلٍ مطلقٍ، فالتأثير هنا كائنٌ بالفعل لكنّه لا يتجاوز مستوى العلل الصورية، ما يعني أنّ الخلفيات والسلوكيات الاجتماعية أو شتّى متطلّبات الإنسان الاجتماعية هي التي تخلق في ذهنه اتّجاهاتٍ معيّنةً يمكن أن يسلكها للاطّلاع على الحقائق العلمية من مصادرها الإبستيمولوجية، كما يمكنه السير في أفق هذه الاتّجاهات لتقييم المفاهيم التي يتلقّاها وفق أسسٍ علميةٍ. وعلى الرغم من أنّ هذه الاتّجاهات تحدّد نطاق العلم تناسباً مع دلالات المفاهيم وتداعياتها الاجتماعية، إلا أنّها لا تؤثّر على المضمون الإبستيمولوجي من حيث قيمته المعرفية وجانبه الكشفي؛ لذا لا نبالغ لو قلنا أنّ صحّة أو سقم إحدى القضايا الإبستيمولوجية لا يمكن إثباتهما عن طريق

(208)

اللجوء إلى النزعات الشخصية والجماعية والعواطف والمصالح الفردية وحتّى الاجتماعية.[1]

كما أشرنا آنفاً فإحدى تبعات القول بوجود تأثيرٍ للعناصر غير المعرفية مثل السلطة والمجتمع على القضايا الإبستيمولوجية، هي اعتبار الإدراك أمراً نسبيّاً؛ ففي هذه الحالة ينسب هذا الإدراك إلى متغيّراتٍ خارجيةٍ، لذا لا يمكن اعتباره حينئذٍ عامّاً ولازماً.

من المؤكّد أنّ أصحاب هذا الرأي غفلوا عن كونهم أناطوا المعرفة والإدراك إلى أمرٍ له بدائلُ كثيرةٌ بصفته متغيّراً، فكلّ مجتمعٍ له ظروفه الخاصّة وفيه الكثير من العناصر التي يمكن أن تُبْدَلَ بعناصر أخرى، مثل الثروات المالية وحتّى المناخ، وهذا التحوّل وعدم الثبوت يسفر بطبيعة الحال عن ظهور بعض الصفات المكتسبة في كلّ مجتمع بحسب ظروفه البيئية.

التنزّل بالمضمون الإبستيمولوجي إلى مستوًى اجتماعيٍّ وبيولوجيٍّ حتّى وإن كان وازعاً للاعتقاد بوجود ارتباطٍ بين المعرفة ومختلف الأحاسيس الإنسانية والنزعات الاجتماعية، ومع أنّه يمنح العلم قابليةً لأن يصبح مضماراً للنقد والتحليل؛ لكنّه سببٌ أساسيٌّ في تجريد الحقيقة من اعتبارها.

بطبيعة الحال لو تجاهلنا نقاط الضعف المشار إليها وانتهجنا ذات المسلك الإبستيمولوجي الذي لا يتجاوز نطاق القضايا الثقافية والاجتماعية، ستَرِد علينا الإشكالات التالية:

(209)

1 ) عدم إمكانية امتلاك معرفةٍ مطلقةٍ،

استناداً إلى المبادئ الإبستيمولوجية المعتمدة في الدراسات الثقافية لا يمكننا امتلاك أيِّ معرفةٍ مطلقةٍ، ومن ثَمّ لا تتاح لنا أيُّ فرصةٍ لكشف الحقائق.

ذكرنا آنفاً أنّ باحثي مركز برمنغهام للدراسات الثقافية تبنّوا آراء ونظريات الفيلسوف فريدريك نيتشه ليسخروا من رغبة الإنسان الجامحة في كسب المعرفة لدرجة أنّهم رجّحوا القضايا الأسطورية على الحقائق الثابتة، فمن مقولاته الشهيرة في هذا المضمار أنّ الحقيقة أمرٌ خاطئٌ، وهي ليست سوى تبلورٍ لقرارٍ أو عقيدةٍ. إذًا، نيتشه لا يعتقد بوجود حقيقة في الكون، وحتّى إن وُجدت فهي برأيه مكنونةٌ ولا يمكن التعرّف عليها، فكلّ إنسانٍ برأيه يبادر إلى تفسير ما يجري في الحياة على ضوء رؤيته الشخصية، وبالتالي لكلّ إنسانٍ عالمه الخاصّ به.

نستشفّ من هذا الكلام أنّ الحقيقة لا تتّصف بالكمال والتعالي والعقلانية والشمولية برأي هؤلاء، وليس هناك ترجيحٌ، أي لا يمكن ترجيح تأويل (ألعوبة لغوية) على تأويلٍ آخر (ألعوبة لغوية أخرى) لكون الحقائق مجرد نتاجٍ لظروفٍ وارتباطاتٍ ثقافيةٍ ولغويةٍ، كما أنّها وسيلةٌ للسعي وراء كسب مشروعيةٍ واقتدارٍ ومن ثمّ التربّع على عرش سلطةٍ نافذةٍ.

إنّ ما ذهب إليه هؤلاء هو في الواقع رصاصة الرحمة التي أطلقت على روح الحقيقة، فيا ترى ما هي الحقيقة التي قصدها نيتشه في

(210)

نظرياته؟! عن أيِّ حقيقةٍ تحدّث؟! إنّه لم يقصد سوى مجموعةٍ من الاستعارات والكنايات والقضايا التصوّرية، إذ إنّ الحقيقة حتّى وإن بلغت الذروة في الخطأ، لا يمكن للإنسان تفنيدها، والصدق في هذه الحياة يعني استعمال الاستعارات السائدة بين أهل اللغة.

هناك بعض التساؤلات التي تُطرح على نيتشه وأتباعه في هذا المضمار، وهي بحاجةٍ إلى إجاباتٍ شافيةٍ: هل إنّ كلامك حقيقةٌ أو لا؟! لو قلت أنّ هذا الكلام يمكن تفسيره بصورٍ عديدةٍ، فكيف يمكن للمخاطب عندئذٍ فهم المقصود منه؟! وإن ادّعيت أنّ الهدف من الحقيقة هو نيل المشروعية والاقتدار، فمن له القدرة على تسخيرها لهذا الغرض؟! لا شكّ في أنّ اللهث وراء القدرة يبطل هذا الادّعاءات ويزعزع أركان كلّ تحليلٍ ونقدٍ آخرَ.

إذًا، لا يمكن لأحد إنكار وجود حقائقَ مطلقةٍ، ناهيك عن وجود حقائقَ فرعيةٍ ومرحليةٍ؛ وعلى الرغم من أنّ أتباع النظرية المذكورة لا يعتقدون بكون كلامهم تبلوراً للحقيقة بذاتها بحيث يمكن تأويله بصيغٍ متنوّعةٍ، لكن مع ذلك نجد البعض اتّخذه كمرتكزٍ لطرح آراء ونظرياتٍ واتّخاذ مواقفَ عمليةٍ إزاء شتّى القضايا، بل أصبح أيضاً مصدراً لتوسيع نطاق البحوث العلمية التي تدوّن في هذا المضمار.

ومن جملة الإشكالات التي تَرِد على الرأي المذكور، ما يلي:

أ - صاحب هذا الرأي يسعى إلى تحقيق النتيجة التي يرجوها وامتلاك علمٍ بها اعتماداً على استدلاله، وهو على أقلّ تقديرٍ يحاول على أساس رأيه هذا إقناع الطرف المقابل بما يتبنّاه من أفكارٍ، أي

(211)

أنّه يتوقّع أن يمتلك الآخرون علماً بصوابّة ادّعائه؛ في حين أنّ أساس ادّعائه هو عدم إمكانية امتلاك أيِّ معرفةٍ!

ب - إقرارنا بوجود خطأٍ في فهمنا يعني بكلّ تأكيدٍ وجود إدراكٍ حقيقيٍّ لدينا بعدم تطابق فهمنا مع الواقع، وهذا يدلّ بوضوح على اعترافنا بامتلاك علم على أنّنا نعاني من خطأ في الفهم.

ج - إقرارنا بوجود خطأ في فهمنا يعني بكلّ تأكيد أنّنا نعلم بوجود حقيقةٍ لم تُستكشف من قبل إدراكنا جرّاء الخطأ الذي وقعنا فيه، وإلا فليس هناك أيُّ معنًى لادّعاء حدوث خطأٍ في الفهم.

د - إقرارنا بوجود خطأٍ في فهمنا يدلّ على علمنا المؤكّد بالفهم الخاطئ المرتكز في ذهننا ومعرفتنا المتحقّقة بالصورة الذهنية التي نمتلكها بخصوص إحدى القضايا.

هـ - إقرارنا بوجود خطأٍ في فهمنا يقتضي بكلّ تأكيدٍ وجود فاعلٍ يرتكب الخطأ مع حسٍّ أو عقلٍ مسبّبٍ لهذا الخطأ.

و - إقرارنا بوجود خطأٍ في فهمنا حتّى وإن كان باطلاً وضرباً من المغالطات الواضحة، لكنّه مع ذلك يُعدّ بحدّ ذاته استدلالاً عقليّاً يمكن اللجوء إليه لإثبات حجّية العقل والإدراكات التي تنشأ في رحابه.

ز - إقرارنا بوجود خطأ في فهمنا يعني بكلّ تأكيد وجود علمٍ آخرَ لَديْنا، وهو أنّ إدراكنا بوجود خطأٍ في فهمنا لا يمكن أن يكون صائباً إن كان فهمنا خاطئاً حقّاً.

(212)

إذًا، هذا الاستدلال يقتضي الاعتراف بوجود أكثر من علمٍ حول قضيةٍ ما، لذا كيف يمكن لأحدٍ إنكار وجود علمٍ مطلقٍ أو التشكيك به؟![1]

2 ) نسبوية المعرفة:

النسبوية المعرفية أو النسبوية في المبادئ الإبستيمولوجية تعني عدم وجودٍ أيِّ حقيقةٍ شاملةٍ حول الكون، فهو لا يتّصف بأيِّ خصائصَ ذاتيةٍ بحيث يمكن تفسير طبيعته بأساليبَ مختلفةٍ.

الرؤية النسبوية في هذا الصدد تعني عدم فاعلية الضوابط والأحكام القانونية ما لم ترتكز على خلفياتٍ معيّنةٍ أو مبادئَ اجتماعيةٍ أو أطرٍ خاصّةٍ أخرى، إلى جانب عدم وجود أيِّ رؤيةٍ فوقيةٍ لها القابلية على أن تكون معياراً شاملاً لتقييم جميع المبادئ والخلفيات الارتكازية. المعرفة بحسب هذه الرؤية لا بدّ أن تخضع في جميع الأحوال لخلفياتٍ تأريخيةٍ وثقافيةٍ ومفهوميةٍ معيّنةٍ لا تشترط صحّتها إلا على صعيد إنتاج المعرفة.

الباحثون المختصّون بالدراسات الثقافية من خلال اتّباعهم اتّجاه ما بعد البنيوية، وعلى ضوء إنكارهم وجود كلّ أمرٍ عامٍّ وشاملٍ؛ رفضوا رأي من يعتقد بوجود خلفياتٍ تساعد على تحقّق أمورٍ عامّةٍ وشاملةٍ، فحسب قواعد الفكر ما بعد البنيوي يجب تأويل المعرفة تناغماً مع الظروف والخلفيات الأنطولوجية للعلم بصفتها ثمرةً لعلومٍ متعدّدةٍ متقاطعةٍ ومتنازعةٍ مع بعضها. هذا

(213)

النمط من التعدّدية مرتكزٌ في أساسه على نسبويةٍ إبستيمولوجيةٍ، لذا يستحيل على الإنسان أن يستكشف الحقيقة بحذافيرها، وطبقاً لهذه النسبوية أيضاً لا يحقّ لأيِّ أحدٍ إجبار الآخرين على الاعتقاد بوجودِ حقيقةٍ مطلقةٍ.

لا شكّ في أنّ النتيجة المحتومة لتصوّر أنّ الحقيقة أمرٌ نسبيٌّ وادّعاء كون الإنسان عاجزاً عن إدراك أيِّ حقيقةٍ مطلقةٍ، هي القول باتّصاف جميع المعتقدات بجانبٍ من الحقيقة فقط، ما يعني عدم وجود أيِّ عقيدةٍ تتطابق معها بالتمام والكمال؛ لذلك لا يوجد أيُّ معيارٍ محدَّدٍ يمكن الاعتماد عليه للمقارنة بين القيم والمعتقدات.

بناءً على ما ذُكر يمكن تلخيص الإشكالات العلمية التي تَرِد على النسبوية الإبستيمولوجية في ثلاث نقاطٍ كما يلي:

الإشكال الأوّل: الاعتماد على رؤيةٍ نسبويةٍ في المبادئ الإبستيمولوجية يستتبع تناقضاً، إذ إنّ عبارة «المعرفةُ نسبيةٌ» لو كانت بحدّ ذاتها نسبيةً، فهذا يعني وجود معرفةٍ مطلقةٍ؛ وإن كانت هذه العبارة مطلقةً، ففي هذه الحالة تناقض نفسها بنفسها.

الإشكال الثاني: النزعة النسبوية تعدّ ضرباً من الإنكارية لكونها تتجاهل أهمية التمييز بين الاستدلال الصحيح والاستدلال السقيم، ومن ثَمّ يترتّب عليها ضربٌ من الفوضوية الإبستيمولوجية، والنتيجة الحتمية لها في نهاية المطاف وقوع صاحبها في فخّ الشكوكية.

الإشكال الثالث: لو أذعنّا للنسبوية الإبستيمولوجية سوف لا نتمكّن بتاتاً من بلوغ مرحلةٍ نهائيةٍ نُثبت على أساسها صوابّة

(214)

آرائنا، وإثر ذلك تُقطع جميع أواصر الحوار ولا يبقى أيُّ أثرٍ للفهم والإدراك.

إذًا، حصيلة ما ذُكر هي أنّ المعرفة لا يمكن أن تتّسم بطابعٍ كلّيٍّ وتبقى رهينةً للتصوّرات الذهنية.[1]

3 ) الشكوكية:

الدراسات الثقافية في مركز برمنغهام انتهت إلى رؤًى نسبويةٍ وشكوكيةٍ جرّاء اعتماد مدوّنيها على نظرة الخطاب المطروحة من قبل ميشيل فوكو ونظرية الألاعيب اللغوية المستوحاة من تيار ما بعد البنيوية.

لا شكّ في أنّ من يدّعي نسبوية الإدراك لا يَسُوغ له بحسب القواعد المنطقية الإدلاء برأيه حول ضوابط الحقيقة وشروط تحقّقها بصفتها معياراً لسائر المعارف، لذا لا خيار له سوى حذف مفهومَيِ الخطأ والصواب بالكامل من القاموس الإبستيمولوجي، أو أنّه يعتبرهما أمرين نسبيين، وفي هذه الحالة يسقط في فخّ الشكوكية.

فضلاً عمّا ذُكر فالنهج الشكوكي يتقوّم بحدّ ذاته بعددٍ من الركائز الإبستيمولوجية اليقينية، إذ يتوجّب على من يتبنّاه امتلاك يقينٍ للإدلاء برأيه، وإلا فمن المستحيل لأحدٍ ادّعاء وجود شكٍّ بأمرٍ ما دون أن يعتمد على مرتكزاتٍ يقينيةٍ يتوصّل من خلالها إلى هذه النتيجة.

(215)

الجدير بالذكر هنا هو أنّ الشكوكيين يناقضون أنفسهم حينما يستدلّون على مزاعمهم، لذا لا نبالغ لو قلنا أنّهم ينتحرون علميّاً لكون شكوكيتهم بحدّ ذاتها متقوّمةً على بعدّة أمورٍ يقينيةٍ من جملتها ما يلي:

- اليقين بوجود خطأٍ إجماليٍّ.

- اليقين بوجود حقيقةٍ على أرض الواقع.

- عدم الإذعان بمطابقة المعرفة مع الحقيقة الموجودة على أرض الواقع.

- اليقين بوجود صورٍ ذهنيةٍ.

- اليقين بوجود مصدريْن إدراكيّيْن لدى الإنسان هما الحسّ والعقل.

- اليقين بأنّ مصدرَيِ الإدراك المشار إليهما أعلاه يقعان في الخطأٍ.

- اليقين ببعض المعتقدات، مثل استحالة اجتماع النقيضين، إذ لو وصفت المعرفة بكونها خاطئةً ففي هذه الحالة يحدث تناقضُ عند القول بعدم خطأ هذا الوصف، لأنّه ضربٌ من المعرفة.

إذًا، لا يمكن للشكوكيين الاستناد إلى أيّ استدلالٍ لإثبات آرائهم في عين إنكارهم لتحقّق المعرفة اليقينية لكون استدلالهم بحدّ ذاته ينقض زعمهم بوجود شكّيةٍ مطلقةٍ بكلّ شيءٍ، ومن ثَمّ يصبح شكّهم مدعاةً لانتحارهم علميّاً.[1]

(216)

4 ) إنكار التمثيل الحقيقي:

إنكار التمثيل الحقيقي هو أحد المواضيع التي جعلت الدراسات الثقافية في مركز برمنغهام عرضةً للنقد والاستشكال، فهو يقتضي تفنيد التمثيل اللغوي.

تجدر الإشارة هنا إلى أنّ أزمة التمثيل في عصرنا الراهن اجتاحت مضمارَيْ إبستيمولوجيا ما بعد البنيوية وإبستمولوجيا ما بعد الحداثة، ومن ثمّ ألقت بظلالها على الدراسات الثقافية التي تأثّرت بفلاسفة صاغوا نظريات تفنّد التمثيل وعلى رأسهم الفيلسوفان لودفيج فيتجنشتاين النمساوي وفريدريك نيتشه الألماني، فالأوّل أكّد في نظرياته على مبادئَ نسبويةٍ لغويةٍ وبالتالي ادّعى عدم إمكانية حدوث أيِّ تمثيلٍ للحقيقة على أساسٍ لغويٍّ، لذلك تقوّمت الدراسات الثقافية المعاصرة على فكرة بطلان التمثيل الحديث ووصفته بأنّه أمرٌ موهِمٌ نظراً لتأثّرها بتيار ما بعد الحداثة، بل اعتبرته أمراً مصطنعاً وعقيماً لكونه يخلو من كلّ إبداعٍ ويدخل الإنسان في متاهاتٍ لا مخرج منها ولا يروي ظمأه المعرفي؛ ومن ثمّ زعم كتّابها أنّه وازعٌ لشرعنة السلطة والاستحواذ على القدرة.

في ما يلي نسلّط الضوء على واقع التمثيل في الدراسات الثقافية ضمن ثلاث نقاطٍ:

أ - إنكارُ التمثيل في الدراسات الثقافية مستوحًى من النظرية النسبوية الإبستيمولوجية التي يتبنّاها المعنيون بهذه الدراسات، لذا لا

(217)

بدّ من تسليط الضوء عليهما بصفتهما أمريْن متلازميْن مع بعضهما.[1]

إنكار التمثيل في هذه الدراسات هو في الواقع ضربٌ من النسبوية تسفر عن عجز ٍكبيرٍ في تقييم القضايا العلمية، وكما أشرنا آنفاً فالرؤية النسبوية بحدّ ذاتها تناقض نفسها وتنقض مرتكزاتها من الأساس، لأنّ كلّ ما يتمّ إثباته على ضوئها يعدّ نسبيّاً، وبالتالي لا بدّ من إنكاره أيضاً.

الإشكال الآخر الذي يَرِد على هذه الرؤية هو انتهاؤها إلى شكوكيةٍ بحتةٍ، وبما أنّنا انتقدنا الشكوكية وأثبتنا بطلانها سابقاً لا نجد ضرورةً لتقرير الإشكال من جديدٍ.

ب - إنكار التمثيل في الدراسات الثقافية يعدّ نتيجةً لرأي من اختزل الحقيقة وتنزّل بها إلى مستوى قضايا إيكولوجيةٍ اجتماعيةٍ، وهذا الادّعاء يوجب القول بعقم اللغة عن كشف الحقيقة.

المعنيّون بالدراسات الثقافية حذوا حذو ميشيل فوكو وفريدريك نيتشه لينكروا وجود حقائقَ مستقلّةٍ، ومن هذا المنطلق رفضوا فكرة التمثيل الذهني الذي له القابلية على تصوير الحقائق الخارجية، ورفضهم هذا متفرّعٌ على ادّعائهم عدم إمكانية تحقّق أيِّ صورةٍ ذهنيةٍ توصف بأنّها موجودةٌ مسبقاً، وعلى هذا الأساس أنكروا قدرة الذهن على تصوير الحقيقة كما هي.

رأيهم باطلٌ بكلّ تأكيدٍ، وقد فنّدناه آنفاً وأثبتنا عدم امتلاكهم أيَّ دليلٍ يمكن الاستناد إليه في إنكار الحقيقة، كما ليس لديهم أيُّ

(218)

برهانٍ يُثبت صوابّة زعمهم بكون المعاني والمفاهيم تولد من رحم إيكولوجيا اجتماعيةٍ.

ج - المؤاخذة الأخرى التي تَرِد على رأي من أنكر التمثيل يمكن تقريرها كما يلي: إنكار التمثيل يتمخّض عنه إنكار قابليات الإنسان على الكتابة والإعراب عن رغباته، لأنّ عدم الإذعان بإمكانية تحقّقه يعني تصوّر صدور الألفاظ منّا دون إرادةٍ، أي أنّ الألفاظ لا تمتّ بأيِّ ارتباطٍ بما نشاء وإنّما هي مرتبطةٌ في ما بينها.

اللغة تُعرَّف بأنّها تمثيلٌ للحقيقة، فهي واسطةٌ يمكن للإنسان الاعتماد عليها كي يوضّح لأقرانه البشر رغباته وعلى ضوئها يدركون مقصوده وإرادته، في حين أنّ إنكار التمثيل يستوجب قطعاً إنكار هذه القابليات جملةً وتفصيلاً.

5 )  عدم وجود معيارٍ معتبرٍ:

من جملة الإشكالات الأخرى التي تطرح على إبستيمولوجيا مركز برمنغهام للدراسات الثقافية، هو فقدان المعيار المناسب لتقييم مواضيع البحث، إذ اعتماد باحثيه على مفهومَيِ الخطاب والقدرة يحول دون اتّباع مبادئَ إبسيتمولوجيةٍ ثابتةٍ وشاملةٍ وقطعيةٍ يمكن أن تُتّخذ كقواعدَ معتبرةٍ في كلّ آنٍ ومكانٍ؛ فقد اعتبروا الثقافة والمجتمع والرؤى الشخصية عناصرَ مؤثّرةٍ بشكلٍ مباشرٍ وحتميٍّ على العلم وعلى جميع الأسس الإبستيمولوجية بحيث لا تنشأ أيُّ حقيقةٍ إلا تحت مظلّة هذه العناصر.

(219)

ويمكن تقرير هذا الإشكال كما يلي: كلُّ مدّعًى لا صوابّة له إلا أن يثبت بأدلّةٍ وبراهينَ استدلاليةٍ مقنعةٍ، والاستدلال بطبيعة الحال يقتضي وجود علمٍ من قبل صاحبه، أي أنّ كلَّ رأيٍ لا يُصدّق ما لم يرتكز على قواعدَ ثابتةٍ يمكن الاستناد إليها لتشخيص الصواب من الخطأ وعدم الخلط بينهما؛ لكنّا لا نجد هذه الركيزة الاستدلالية في الدراسات الثقافية، إذ لا وجود لقواعدَ ثابتةٍ، ناهيك عن كونها تُنكر كلَّ معرفةٍ وحقيقةٍ.

إذًا، يترتّب على إنكار قابلية الإنسان في معرفة الحقائق الثابتة التي تجسّد معاييرَ لقبول أو رفض خطابٍ ما، وجوب الإذعان بأنّ كلَّ خطابٍ لا بدّ وأن يُطرح وفق معاييره الخاصّة، ومن ثَمّ كلّما تغيّر هذا الخطاب فلا محيص من تغيّر المعايير مع تغيّره وزوالها مع زواله.

كلُّ خطابٍ حسب القواعد المنطقية حينما يواجه خطاباً آخرَ منافساً له فهو بطبيعة الحال يتمسّك بقابلياته المكنونة في بنيته الخطابية ويعتبرها معياراً لإثبات ما يُدّعى على أساسه، ما يعني أنّنا إن أردنا تبنّي أيَّ خطابٍ، علينا أوّلاً قبوله! هذا الكلام يعني توقّف الشيء على نفسه، أي أنّه دورٌ منطقيٌّ، فهو مجرّد دورانٍ في حلقةٍ مفرغةٍ.

ثمرة جملة ما ذكر أعلاه هي أنّ الالتزام بالاتّجاه الإبستيمولوجي المتعارف في الدراسات الثقافية يقتضي القول بانعدام المعيار المعتمد لتقييم القضايا المطروحة للبحث، إذ على أساس هذه

(220)

الرؤية لا يوجد أيُّ جانبٍ مشتركٍ بين الخطابات المطروحة في المجتمعات البشرية لكون كلّ خطابٍ يتقوّم على فرضياتٍ معيّنةٍ لا يمكن إثباتها أو تفنيدها في رحابه ولا في رحاب أيِّ خطابٍ آخرَ، فهي يجب وأن تُقبل فحسب بغضّ النظر عن إمكانية إثباتها أو عدم ذلك، وبالتالي فمن يرفضها يمكنه فقط عدم الإذعان للخطاب الذي يُطرح على أساسها.

ولا ريب في أنّ إنكار قدرة الإنسان على إدراك الحقائق الثابتة بصفتها معاييرَ ثابتةً يمكن الاعتماد عليها لتسويغ الانخراط في الخطاب المطروح أو الإعراض عنه، يعدّ عقبةً أساسيةً أمام الدراسات الثقافية لكونه يجرّدها من كلّ قابليةٍ على نقد وتحليل الحقائق الاجتماعية والثقافية؛ والطريف أنّ هذه الوجهة الإبستيمولوجية قد تمّ تبنّيها من قِبل الباحثين المعنيين بالدراسات المشار إليها رغم كونهم يتبنّون نهجاً انتقاديّاً في تقييم القضايا الثقافية، ما يدلّ على عدم تمسّكهم بمبادئهم الإبستيمولوجية؛ وبيان ذلك كما يلي: لو اعتمدنا على هذا النهج الإبستيمولوجي -المتّبع في الدراسات الثقافية- سوف لا يبقى لدينا أيُّ معيارٍ ثابتٍ يمكن اللجوء إليه لتحليل القضايا الثقافية ونقدها، فعلى سبيل المثال إن كانت ظاهرة التمييز العنصري متعارفةً في أحد المجتمعات وكان السبب في رواجها يعود إلى عدم تعارضها مع الخطاب الحاكم والأسس الثقافية السائدة فيه، يا ترى أيّ معيار يتيح لنا نقدها وتحليلها لإثبات كونها ظاهرةً غيرَ إنسانيةٍ؟!

فضلاً عمّا ذُكر، لو أنّنا قبلنا المبادئ الإبستيمولوجية المذكورة،

(221)

ففي هذه الحالة تنقطع أمامنا كلّ السبل ونعجز عن اتّخاذ مواقفَ إصلاحيةٍ نرتقي على ضوئها بواقعنا الثقافي إلى مستوًى أفضلَ.

رابعاً: تداعيات المنهجية الإبستيمولوجية في الدراسات الثقافية:

نتطرّق في ما يلي إلى بيان النتائج التي تترتّب على المنهجية الإبستيمولوجية المعتمدة من قبل باحثي مركز برمنغهام للدراسات الثقافية:

1 ) تجاهل الأصول الثقافية الراسخة

التنزّل بمستوى الإبستيمولوجيا إلى محض قضايا إيكولوجيةٍ ثقافيةٍ واجتماعيةٍ لا يستتبع فقط تجريدها من جانبها المعرفي، وإنّما إضافةً إلى ذلك يستدعي عجزاً عن إدراك الأصول الثقافية الراسخة.

تجدر الإشارة هنا إلى إمكانية تعريف الثقافة في رحاب التراث الفلسفي الثري للفيلسوف المسلم صدر الدين الشيرازي -ملا صدرا- كما يلي: صورةٌ من الإدراك العقلي أو الوهمي أو التصوّري، وهذه الصورة تنشأ بواسطة بعض البشر ثمّ يتمّ تعميمها لتصبح إدراكاً اجتماعيّاً مشتركاً بحيث تبسط نفوذها على إرادتهم وسلوكياتهم العامّة.[1]

المعاني الدلالية بحسب مبادئ فلسفة ملا صدرا على ثلاثة أنماطٍ، فهي عقليةٌ ووهميةٌ وتصوّريةٌ، ولكلّ واحدٍ منها خصوصياته الذاتية التي تتناسب مع طبيعته، وهي بطبيعة الحال تجريديةٌ وبحدّ

(222)

ذاتها تُعدُّ بديهيةً وأزليةً، أي أنّها ليست قضايا تأريخيةً أو ثقافيةً أو اجتماعيةً كما يدّعي البعض؛ فضلاً عن كونها ذاتَ طابعٍ فاعلٍ ومؤثِّرٍ، فهي ليست راكدةً وهامشيةً، بل بنيتها التكوينية تقتضي ارتباطها بشتّى الأحكام والقضايا، وكلّ واحدٍ منها له تداعياته التكوينية العامّة التي لا تقتصر على زمانٍ أو مكانٍ بالتحديد ويمكن للإنسان إدراكها، لذا تسفر عن صياغةِ أنظمةٍ سيميائيةٍ متنوّعةٍ.

الإنسان في عالم الطبيعة لديه دوافعُ ورغباتٌ متنوّعةٌ، ويسير بإرادته الخاصّة نحو الحقائق المجرّدة ليرتبط معها بإدراكٍ وإقبالٍ، ومن ثمّ يسوقها في مضمار وجوده ونشاطاته الحياتية لتتجلّى في المرحلة الثانية بذهنه وأفكاره دون أن تتجرّد عن طابعها الأوّل وميزاتها الأساسية؛ ونظراً لوجود ارتباطٍ وطيدٍ -يبلغ درجة الاتّحاد- بين الإنسان وسلوكه، فهي تتبلور أيضاً ضمن شتّى سلوكياته.[1]

خلاصة ما ذُكر هي أنّ الإنسان ينزّل المعاني الدلالية إلى أرض الواقع عن طريق سلوكياته المتنوّعة بعد أن تنطبع في ذهنه بحيث تنعكس في مختلف نشاطاته اليومية، فعندما يرتبط مع أحد المفاهيم بوعيٍ وإرادةٍ ويمتزج كيانه معه، يجد نفسه مضطرّاً لأن يبحث عن المفاهيم الأخرى التي وُلد ذلك المفهوم من رحمها؛ وبهذا الشكل تتنوّع المفاهيم والمعاني الدلالية في حياته ضمن شبكةٍ متناسقةٍ ومتماسكةِ الأجزاء.

إذًا، الإنسان، وفق هذه الرؤية، يُمضي حياته في رحاب مفاهيمَ

(223)

متّحدةٍ مع كيانه وعلى أساسها يضع المعالم العامّة لشخصيته، والأكثر من ذلك أنّه يسعى إلى ترويج هذه المفاهيم بين أقرانه البشر كي يتمكّن بمعيتهم من العيش تحت مظلّتها؛ ومن الممكن أنّه ينجح في مهمّته هذه بحيث يستقطب الآخرين نحو فكره ليتّحدوا مع المفاهيمِ المذكورةِ ذاتِها فتصبح في ما بعد حقائقَ مشتركةً تنمّ عن روحٍ واحدةٍ تتجلّى في شخصيات الكثير من الناس وتمتزج مع كيانهم، وبالتالي يخضعون لنظامِ دلاليٍّ معيَّنِ يطلق عليه «ثقافة» فيتّحدون تحت مظلّته بشكلٍ حقيقيٍّ.[1]

الثقافة في الحقيقة هي عبارةٌ عن صورةٍ دلاليةٍ تنطبع في الذهن البشري العامّ وتتبلور في السلوكيات الاجتماعية المشتركة، والمفاهيمُ في رحابها يتّسع نطاقها وتخرج من بحبوحة الذهن وتتجاوز نطاق الإدراك الفردي المحدود لتنعكس في واقع الحياة الجماعية والسلوكيات العامّة بحيث تُصاغ على ضوئها شتّى المعتقدات والعادات، وتنشأ تحت مظلّتها مختلف المكوّنات الاجتماعية، وتتبلور فيها العديد من أنماط السلوك البشري.

النطاق الثقافي وفق هذا التعريف يعمّ كافّة القضايا الاعتقادية والفكرية والإدراكية والأكسيولوجية، وحتّى القوانين والأعراف والتقاليد والمثُل الرمزية؛ وهذه الأمور الثقافية تسود في المجتمع عن طريق النشاطات التعليمية ومن ثمّ تتّسم بطابعٍ شموليٍّ، ولا شكّ في أنّ المجتمع الذي تُصاغ في بنيته ثقافةٌ خاصّةٌ إذا كان واسع النفوذ ومترامي الأطراف، ففي هذه الحالة تتّخذ ثقافته صبغةً أكثر

(224)

عموميةً وتنتشر في نطاقٍ أوسعَ، والعكس صحيح؛ ولو كان محدوداً وضيّق النطاق، فهنا لا تصدر منه سوى ثقافةٍ محدودةِ النطاق يُصطلح عليها اليوم بأنّها ثقافةٌ فرعيةٌ أو ثانويةٌ.

تجدر الإشارة هنا إلى أنّ الثقافات الفرعية التي عادةً ما تمتاز بطابعٍ خاصٍّ يميّزها عن غيرها، يمكن أن تولد من رحم ثقافةٍ عامّةٍ واسعةِ النطاق؛ والعمومية الثقافية هي واحدة من القيود المطروحة في تعريف الثقافة، وعلى أساسها تخرج من التعريف جميع أنماط المعارف الفردية والخاصّة، وحتّى الحقائق والأمور الخارجة عن حيطة معرفة الإنسان، كما نستشفّ من تعريف الثقافة أنّها ذاتُ طابعٍ إبستيمولوجيٍّ وجماعيٍّ، وذاتُ مستوياتٍ عديدةٍ، ما يعني تبلور مختلف المبادئ الرمزية والمعتقدات الأساسية ضمن أطرٍ متنوّعةٍ تتمثّل في اللغة والآداب والتقاليد والقوانين والأساطير والعلوم والمعارف والمبادئ الفلسفية والأديان، وكلّ واحدٍ من هذه المفاهيم يتبلور ضمن مستوًى ثقافيٍّ معيّنٍ.

المستويات الثقافية العامّة المشار إليها يمكن تلخيصها في ثلاثة أطرٍ أساسية ٍكما يلي:

المستوى الأوّل: أوّلُ مستوًى ثقافيٍّ هو المرتكز الأهمّ والدعامة الأساسية للثقافة، ويتمثّل بما يلي:

- المعتقدات الأساسية.

 -الرؤية المتبنّاة تجاه الوجود.

(225)

- المبادئ الإيديولوجية العامّة.

لا نبالغ لو قلنا أنّ هذا المستوى هو البنية التحتية لكافّة المظاهر الثقافية في المجتمع والتي تتجلّى على هيئة قيمٍ وقوانينَ ومواقفَ وسلوكياتٍ متنوّعةٍ، لذا يمكن اعتباره إيديولوجيا ثقافيةً أو مستوًى عقائديًّا ثقافيًّا.

المستوى الثاني: تنضوي في هذا المستوى الأصول الثقافية الأكسيولوجية وغير الأكسيولوجية والقوانين المتعارفة في أحد المجتمعات البشرية.

حينما تتّضح رؤية المجتمع إزاء ما يجري حوله وتتبلور على هيئة إيديولوجيا، تنشأ في رحابه مجموعةٌ من القيم والمبادئ العليا وتنبذ كلّ مسألةٍ تتعارض معها؛ وهي تندرج طبعاً تحت مظلّة هذا المستوى.

المستوى الثالث: هذا المستوى الثقافي تتبلور في رحابه شتّى المبادئ الرمزية والسلوكيات الفردية في المجتمع والتي تنشأ على ضوء معتقدات وأصول وصفت في المستوى الثاني بكونها إيديولوجيَا ثقافيةً.

لا ريب في أنّ كلّ ثقافة في أبسط مستوياتها عادةً ما تعتمد على مجموعةٍ من المبادئ الرمزية والإيكولوجية، مثل اللغة والسلوكيات الاجتماعية، وهذه الأمور في الحقيقة ثمرةٌ لإيكولوجيا اجتماعيةٍ لكون الحياة في المجتمع الواحد تقتضي وجودها على ضوء اتّساقٍ جغرافيٍّ وتأريخيٍّ يتناسب مع واقع هذا المجتمع. مع ذلك ينبغي الاشارة إلى

(226)

أنّ المثُل الثقافية حتّى وإن نشأت في رحاب الإيكولوجيا المشار إليها، وعلى الرغم من أنّها تعمّ شتّى العلاقات والمكوّنات الاجتماعية؛ إلا أنّ الثقافة بحدّ ذاتها وبوجودها المحض خارجةٌ عن هذا النطاق.[1]

الجدير بالذكر هنا أنّ المستويات الثقافية لا تقتصر على ما ذُكر، بل هناك مستوياتٌ أخرى ليس من الضروري لها أن تنشأ في نطاقٍ إيكولوجيٍّ اجتماعيٍّ، إذ رغم عدم إمكانية ظهور مستوياتٍ ثقافيةٍ عديدةٍ دون الاعتماد على اللغة والمبادئ التي تتبلور في رحاب الإيكولوجيا الاجتماعية، لكن ليس من الصواب بمكانٍ التنزّل بمستوى جميع المستويات الثقافية إلى هذا الحدّ، إذ بعض المستويات الثقافية قد تتضمّن حقائقَ ثابتةً تتجلّى على هيئة خطٍّ ولغةٍ وأساليبَ تعبيريةٍ أخرى.

إذًا، يمكن القول أنّ كلَّ ظاهرةٍ تلج في مضمار الثقافة لا تدلّ بالضرورة على كونها ثمرةً لإيكولوجيا اجتماعيةٍ، وإنّما قد تُدرج ضمن أمورٍ أخرى تجسّد حقائقَ خارجيةً أو تضرب بجذورها في حقائقَ ثابتةٍ بحيث يمكن إثبات وجودها عن طريق الاستدلال.

كلُّ ظاهرةٍ ثقافيةٍ يمكن تصوُّرها ضمن ثلاثة مضامير على أقلّ تقديرٍ، وذلك كما يلي:

المضمار الأوّل: الثقافة العامّة التي تعمّ الفرد والمجتمع على حدٍّ سواءٍ.

(227)

المضمار الثاني: الثقافة الفردية التي تنشأ لدى الإنسان في نطاق معلوماته الشخصية.

المضمار الثالث: الثقافة التي تتبلور في ذات الشيء وحقيقته.

ومن المؤكّد أنّ كلّ واحدةٍ من هذه الظواهر لها أحكامها الخاصّة ضمن مضمارها الخاصّ.

بعد هذه التوضيحات المسهبة نعرّج على إبستيمولوجيا الدراسات الثقافية، لبيان طابعها بخصوص ما ذُكر، فنقول: الأسس الإبستيمولوجية لهذه الدراسات تدلّ على ارتباط الحقيقة مع الخطاب السائد والقدرة كما ذكرنا في المباحث الآنفة، وهذا الرأي يندرج ضمن المضمار الأوّل من المضامير الثلاثة أعلاه؛ لكنّ نتيجته القطعية هي تجاهل المضمارين الآخرين، إذ يعتقد باحثو مركز برمنغهام بأنّ جميع الظواهر الثقافية منوطةٌ بإيكولوجيا اجتماعيةٍ، وهو اعتقادٌ مرفوضٌ بطبيعة الحال، فلو طُرح هذا الرأي بشكلٍ كلِّيٍّ وعلى نحو الإطلاق، سيبقى ناقصاً وغيرَ تامٍّ من حيث الدلالةُ، بل هو خاطئٌ بكلّ تأكيدٍ لأنّ بعض الظواهر في الحياة قبل أن تلج في مضمار الثقافة العامّة، تجسّد قضايا حقيقيةً وذاتيةً ثابتةً، ولا يختلف اثنان في أنّ القضايا الشائعة والمعارف العامّة[1] في كلّ ثقافةٍ تندرج ضمن هذا النوع.

من البديهي أنّ تجاهل الدراسات الثقافية بعضَ المقتضيات

(228)

الإبستيمولوجية، ولا سيّما حين تطرّقها إلى دراسة وتحليل الثقافات البشرية التي تستبطن في كيانها معتقدات دينيةً أصيلةً ومتقنةً؛ يُسفر عن حدوث خللٍ معرفيٍّ يعجز الباحث في ظلّه عن فهم هذه الثقافة بشكلٍ صحيحٍ ومن ثَمّ لا يُتاح له إجراء دراسةٍ معتبرةٍ ومتكاملةٍ حولها.

2 ) الإخفاق في تحليل واقع المشتركات الثقافية:

الاعتقاد بالنسبوية الإبستيمولوجية يُعدّ عقبةً تحول دون امتلاك الباحث فهماً صائباً للمشتركات الثقافية بين شتّى المجتمعات البشرية، فهذا الاعتقاد الذي تبنّاه باحثو مركز برمنغجهام للدراسات الثقافية يمكن أن تترتّب عليه نتائجُ إيجابيةٌ مثل احترام التعدّد الثقافي والتنوّع القومي، فكما أنّ كلّ قومٍ وجماعةٍ بطبيعة الحال يختلفون من حيث ميزاتهم التكوينية كلون البشرة والبنية البدنية، عمّن سواهم من أقرانهم البشر الذين يقطنون بقاعًا أخرى في العالم، كذلك يختلفون عنهم في مختلف الشؤون الثقافية والاجتماعية كاللغة وأسلوب الحوار العرفي والأعراف والتقاليد لكون هذه الأمور عادةً ما تتبلور في المجتمع تناسباً مع مقتضياته وطبقاً لحاجة أعضائه؛ وإثر ذلك تتنوّع الأسس الثقافية لتسود في كلّ مجتمعٍ ثقافةٌ من نمطٍ خاصٍّ.

ولكن لو أسفر هذا الاعتقاد عن تجريد الإنسان من كلّ قدرهٍ تتيح له معرفة الحقائق الاجتماعية وتشخيص القيم الثقافية، فلا بدّ من التشكيك بصوابيته، إذ لا يمكن لأحدٍ إنكار وجود مجموعةٍ

(229)

من القيم والأصول المعتبرة في المجتمعات البشرية كافّةً، ومثال ذلك الإحسان إلى الآخرين ومساعدتهم، فهذا السلوك مستحسَنٌ وضروريٌّ في الحياة ولا ينكره أيُّ مجتمعٍ؛ ومثل الإيثار والعفو اللذين يعتبران أمرين ممدوحين ومتناسقين مع الأصول الثابتة في الحياة البشرية. وفي مقابل هذه الخصال الحميدة، هناك صفاتٌ رذيلةٌ تنبذها جميع المجتمعات البشرية مثل الظلم والقتل وسلب حقوق الآخرين لتحقيق مآربَ شخصيةٍ، فهي مرفوضةٌ وغيرُ مستحسنةٍ.

هذه القيم والأصول المشتركة تحكي عن وجود تفاهمٍ شاملٍ واتّفاقٍ عامٍّ بين مختلف الشعوب والثقافات رغم الاختلاف الكبير في بعض القضايا، حيث نجد هذه المشتركات في جميع المجتمعات البشرية تجري على نسقٍ واحدٍ لدرجة أنّها لا تختلف من مجتمعٍ إلى آخر؛ لذا لو ادّعى أحدٌ أنّها مجرّد قضايا إيكولوجيةٍ اجتماعيةٍ ولا تضرب بجذورها في بأيٍّ من الحقائق الثابتة، يُطرح عليه السؤال التالي: ما السبب في عدم زوال هذه المشتركات ورواجها في المجتمعات البشرية كافّةً على مرّ العصور؟! أضف إلى ذلك ليس هناك أيُّ مؤشّرٍ يدلّ على عدم رواجها بين المجتمعات السالفة والحديثة.

المرتكز الأساسي في إبستيمولوجيا الدراسات الثقافية هو كون المعرفة أمراً نسبيّاً ولا نصيب لها من الحقيقة والواقع، وهذه الرؤية تستتبع عجز الباحث عن طرح تحليلٍ معتبرٍ ومتكاملٍ للمشتركات الثقافية بين البشر لكونه وفق رؤيته النسبوية يرفض كلّ حكمٍ وقاعدةٍ

(230)

خارج أطرٍ خاصّةٍ اجتماعيةٍ أو غيرِ اجتماعيةٍ، ومن ثَمّ فهو لا يقبل بأيِّ رؤيةٍ شاملةٍ تندرج تحت مظلّتها جميعُ العناصر والخلفيات الثقافية.

العلم بهذا الاعتبار لا ينفكّ مطلقاً عن أطرٍ تأريخيةٍ وثقافيةٍ ودلاليةٍ خاصّةٍ بحيث لا تنشأ لدينا أيُّ معرفةٍ صائبةٍ ومشروعةٍ إلا ضمن ظروفٍ معيّنةٍ، كما أنّ مشتركاتٍ كهذه بدل أنّ تدلّ على وجود حقائق عامّةٍ وثابتةٍ في جميع المجتمعات البشرية، يتنزّل الباحث بشأنها إلى مستوى مقتضياتٍ بيئيةٍ وإقليميةٍ، أو أنّه يعتبرها ضرباً من الصدفة لا غير؛ وبالتالي يحرم نفسه من استكشاف حقيقتها ويبقى عاجزاً عن بيان الموضوع كما هو حريٌّ به.

3) عقم الاستدلال على ذاتية الثقافة:

بعض المفكّرين الأكاديميين أكّدوا على أنّ الاستدلالات التي تطرح من قِبل زملائهم المعنيين بالدراسات الثقافية لإثبات ذاتية الثقافة، تتضادّ من أساسها مع القول بكون الثقافة تنشأ في رحاب القدرة؛ ويبدو أنّ هذه الآراء يُراد منها فقط تأجيل تحليل موضوع الحتمية الاقتصادية أو السياسية إلى زمانٍ آخر؛[1] ومن المؤكّد أنّ هذا النقد الأكاديمي يرد على العهد الأوّل من الدراسات الثقافية وما تمخّضت عنه من معطياتٍ على ضوء نظريات أنطونيو غرامشي ولويس ألتوسير.

(231)

4 ) تجاهل القضايا العامّة:

بعض الباحثين من أمثال هارّيس (Harris) انتقدوا الدراسات الثقافية لكونها لا تُعير أهمية للقضايا الاجتماعية الجذرية كما ينبغي، وفي الحين ذاته تؤكّد بشكلٍ مبالغٍ فيه على تحليل النصوص والمبادئ السيميائية فيها والقراءات التي يجب وأن تطرح حولها، كما لم يكترثوا بالمكوّنات الاجتماعية وغير الاجتماعية التي تنتج هذه النصوص.

وفي هذا السياق تهجّم المفكّر ميغان موريس (Meaghan Morris) على الدراسات الثقافية متّهماً إيّاها بالانحطاط، فقد قال أنّ باحثي مركز برمنغهام للدراسات الثقافية اكتفوا بإجراء دراسةٍ بعد أخرى دون أن يكترثوا -كما تقتضي أصول البحث العلمي في هذا المضمار- بمسائل القدرة والشروط التي تحدّد نطاقها وكيفية السيطرة على جموحها.[1]

انتقاد موريس يختلف عن الانتقاد الأوّل الذي نقلناه عن هارّيس، حيث أكّد في نقده على الرمزية وفكّ الرموز في وسائل الإعلام.

5 ) الإخفاق في صياغة المفاهيم:

باحثو مركز برمنغهام للدراسات الثقافية لم يحقّقوا نجاحاً ملموساً على صعيد صياغة المفاهيم، بل اعتمدوا على ما صيغ منها من قبل سائر المدارس الفكرية، ما يعني أنّهم تأثّروا بهذه المدارس

(232)

التي من جملتها السيميولوجية والوظائفية الجديدة والماركسية الجديدة، ولا شكّ في أنّ مدرسة فرانكفورت هي الأكثر تأثيراً في هذا المضمار.

6 ) غموض مفهوم الثقافة واختزاله:

من المؤاخذات التي تُطرح على المعنيين بالدراسات الثقافية في مركز برمنغهام أنّهم اختزلوا مفهوم الثقافة إلى حدٍّ ما، حيث اعتبروا جميع مظاهر الاختلاف الثقافي بمثابة قضايا سياسيةٍ، الأمر الذي يعني أنّ السياسة من وجهة نظرهم هي الثقافة بحدّ ذاتها، لذا فالثقافة بزعمهم لا يمكن تصويرها بصفتها مضماراً للكفاح السياسي.

الثقافة في رحاب الدراسات الثقافية يتّسع نطاقها لتعمّ جميع المفاهيم الاجتماعية التي نقصد منها هنا النهج العامّ في الحياة، لكنّنا إن تبنّينا هذه الفكرة واعتبرنا الثقافة تضاهئ جميع المفاهيم الاجتماعية ونمط الحياة، ولو ادّعينا أنّ النشاطات السياسية تحكي عن جميع العلاقات الاجتماعية في أجواءَ معيّنةٍ؛ فالنتيجة الحتمية هي اتّحاد السياسة مع الثقافة ليصبحا وكأنّهما موضوعٌ واحدٌ.

بما أنّ الثقافة وفق هذه الرؤية تعمّ المجتمع بأسره، لذا يمكن وصف كلّ نزعةٍ ثقافيةٍ بكونها سياسيةً، وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ الدراسات الثقافية المعاصرة صهرت السياسة في الثقافة.[1]

(233)

7 ) الالتزام السياسي:

الالتزام السياسي في الدراسات الثقافية البريطانية قد يُعمَّم أحياناً ليُطرح في سائر الدراسات والبحوث الأكاديمية، وفي هذه الحالة ربّما يتواكب مع نزعاتٍ تُحفّز من يتبنّاها على تصوير بعض القضايا الثانوية والشاذّة وكأنّها مسائُل رومانسيةٌ. فضلاً عن ذلك فبعض الأفعال المنافية للأعراف الاجتماعية أو الخارجة عن نطاق القانون، قد تطرح بصورةٍ إيجابيةٍ لتوصف وكأنّها أنماطٌ من المقاومة. كذلك حين تقييم بعض الثقافات الفرعية الخاصّة بحياة الشباب، يتمّ تجاهل أهمّ جوانبها السلبية مثل العنصرية بشكلٍ عامٍّ والتمييز العنصري ضدّ المرأة واستخدام العنف ضدّ الآخرين.[1]

8 ) ضعف الأساليب التطبيقية:

الكثير من المشاريع الفكرية التفسيرية -باستثناء نظرية التلقّي- لا تتقوّم على أصولٍ راسخةٍ ولا تلتزم جانب الحياد من الناحية الأكسيولوجية ناهيك عن خلوّها من المنهجية المعتمدة في البحوث والدراسات الجامعية الكلاسيكية مثل السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا؛ وإثر ذلك اتّصفت قراءة النصوص بشكلٍ انطباعيٍّ (تأثّريٍّ) أو شموليٍّ، وانحازت إلى جهةٍ معيّنةٍ من الناحية السياسية.[2]

(234)

9 ) عدم التقيّد بنطاقٍ نظري محدّدٍ:

الدراسات الثقافية المدوّنة من قبل باحثي مركز برمنغهام، نظراً لكثرتها وتنوّعها، لا يمكن أن تندرج ضمن نطاقٍ نظريٍّ معيّنٍ، وبعض المفاهيم المطروحة فيها تمتاز بطابعٍ كلِّيٍّ ودلالاتها غامضةٌ ما أدّى إلى عدم تناغمها نوعاً ما مع مناهج البحث العلمي المتعارفة في الأوساط الأكاديمية.

لا شكّ في كون الاعتماد على أنماطٍ متنوّعةٍ من مناهج البحث العلمي والنظريات والأصول السيميائية يعدّ وازعاً للتشكيك بمدى فاعلية استحواذ مدرسةٍ فكريةٍ نقديةٍ واحدةٍ على الساحة، فعندما شاعت الرؤية النسبوية من حيث المنهج والمضمون في عصر ما بعد الحداثة، شهد المركز المذكور إقبالاً واسعاً من قبل الأوساط الفكرية استناداً إلى خصائصه التي تتناغم مع ما ذُكر؛ إذ كلُّ مدرسةٍ فكريةٍ ما لم تتبنّ هدفاً معيّناً ومنهجاً ثابتاً وإذا لم تسلّط الضوء في نظرياتها على موضوعٍ واحدٍ، ففي هذه الحالة تتعرقل مسيرتها وتتخلّف عن ركب سائر المدارس الفكرية ولربّما تزول بالكامل.

10 ) عدم فاعلية البحوث العلمية:

الدراسات والبحوث العلمية المدوّنة من قِبل باحثي مركز برمنغهام للدراسات الثقافية، لم تكن ذات تأثيرٍ فاعلٍ كما ينبغي، والطريف أنّهم أقرّوا بهذه الحقيقة واعترفوا بعدم كفائتها وعدم إمكانية التعويل عليها (not reliable) لأن تصبح عامّة وشمولية.

(235)

خلاصة الفصل الثالث:

الرؤية الاختزالية بشكلٍ عامٍّ بصفتها ظاهرةً حديثةً تستتبع القول بنسبية الإدراك والحقائق، إلا أنّ الاختزالية التي انطبعت في الذهن الغربي على ضوء تيار ما بعد الحداثة تبلورت بوضوحٍ في الدراسات الثقافية، ومن هذا المنطلق تبنّى الباحثون المعنيون بها رؤًى تقوّمت على القول بنسبوية الإدراك والحقائق؛ وعلى ضوء إنكارهم القيمة المعرفية للمبادئ الإبستيمولوجية وتنزيلها إلى مستوى سائر الإدراكات والعلوم البشرية، قلّلوا من شأنها لتُصوّر وكأنّها مجرّد خطابٍ ومبادئَ لغويةٍ لا غير، وإثر ذلك تمّ اختزال جميع الطبقات الثقافية والمبادئ الإبستيمولوجية الكامنة فيها بعد أن اعتبروها صرف إيكولوجيا اجتماعيةٍ؛ لذا لم تُبقِ دراساتهم مجالاً لافتراض وجود معتقداتٍ ومبادئَ منبثقةٍ من آفاقٍ معرفيةٍ تتعدّى نطاق الإدراك البشري.

النسبوية والشكوكية اللتان تُعتبران ثمرةً لهذه الرؤية تُسفران بطبيعة الحال عن التفرّد بمعيارٍ واحدٍ فقط لتقييم القضايا الاجتماعية واستقصاء المعضلات الثقافية بشتّى أنواعها، وهذا المعيار هو الخطاب لا غير، ناهيك عن أنّ أتباع هاتين المدرستين الفكريتين يشكّكون بقدرة البشر على التفاهم في ما بينهم ولا يُذعنون بإمكانية وجود أواصر حوارٍ موحّدٍ ومشتركٍ يجمعهم تحت مظلّةٍ واحدةٍ.

إذًا، الاختزالية التي تغلغلت في باطن الدراسات الثقافية والمستوحاة من فكر ما بعد البنيوية تُعدّ وازعاً لوقوع الباحثين في

(236)

فخّ النسبوية الإبستيمولوجية والشكوكية، وبالتالي ينجم عنها إنكار الحقائق؛ فلو قيل لهم: ما هي الحقيقة برأيكم؟ لأجابوا: هي عبارةٌ عن جيشٍ متحرِّكٍ من الاستعارات والكنايات والصور البلاغية، وليست سوى أخطاءَ غفل الإنسان عن كونها غيرَ صائبةٍ! ومن ثَمّ فهي كالعملة المعدنية التي مسح أحد وجهيها ووجهها الآخر، فلم تعد ذات قيمةٍ نقديةٍ! إنّها مجرّد قطعةٍ معدنيةٍ لا قيمة لها.[1]

من المؤكّد أنّ إنكار الحقيقة من أساسها لا يُبقي أيّ مجالٍ للبحث والتحليل حول شتّى القضايا، وبطبيعة الحال لا يحقّ لمن يُنكرها المبادرة إلى طرح قضايا إبستيمولوجيةٍ؛ لأنّ إنكاره مطلقٌ ويُغلق جميع المنافذ لاستكشاف الحقائق، ما يعني تفنيد المعرفة من أساسها، لذا كيف يمكنه ادّعاء أنّه يُجري دراساتٍ وبحوثًا إبستيمولوجيةً؟!

خاتمة الكتاب

في بداية عقد الخمسينيات من القرن المنصرم تأسّس مركز برمنغهام للدراسات الثقافية كمقرٍّ للبحوث العلمية التي تتمحور مواضيعها حول دراسة وتحليل الثقافة الشعبية العامّة في بريطانيا، ومن ثمّ تفرّعت عليه العديد من التوجّهات الفكرية التي تبنّت قراءاتٍ متنوّعةً في مجال البحوث والدراسات الثقافية لتبسط نفوذها في مضمار العلوم الإنسانية بشتّى بقاع العالم.

الجدير بالذكر هنا أنّ حجر الأساس للأصول النظرية في هذا

(237)

المركز البحثي وُضع من قبل أبرز المفكّرين في تلك الآونة، وعلى رأسهم إدوارد بالمر تومبسون E. P. Thompson 1924م - 1993م وريتشارد هوغرت Richard Hoggart 1918م وريمون وليامز Raymond Williams 1921م - 1988م وستيوارت هول Stuart Hall 1932م - 2014م، حيث استلهم الباحثون المنضوون تحت مظلّته آراءهم اعتماداً على مدوّنات هؤلاء، ولا سيّما كتاب «أغراض محو الأمّية» لريتشارد هوغرت، وكتاب «الثورة الطويلة» لريمون وليامز، وكتاب «صنع الطبقة العاملة الإنجليزية» لإدوارد تومبسون؛ فهذه الكتب الشهيرة اُعتُبرت بنيةً تحتيةً للدراسات والبحوث الثقافية التي تُدوّن في هذا المركز، وتشترك جميعها في ميزةٍ أساسيةٍ تتمثّل في اعتبار ثقافة النخبة الاجتماعية أمراً واقعاً لا يمكن تغييره.

وأمّا السمة الفارقة لنتاجات باحثي مركز برمنجغهام والتي تُميّزه عن سائر المدارس الفكرية الناشطة على صعيد العلوم الاجتماعية فيمكن تلخيصها بما يلي:

- تنوّع نظرياتهم وكثرتها.

- طبيعة المناهج البحثية والمواضيع المطروحة في نتاجاتهم الثقافية.

- تأثّرهم بالفلسفة الاجتماعية الأوروبية.

- طغيان الرؤية الماركسية على بحوثهم.

- تبنّيهم نهجاً انتقاديّاً.

(238)

- تصويرهم الثقافة بكونها شأناً مستقلّاً بذاته.

- اعتبارهم الثقافة مضماراً للصراعات الإيديولوجية.

- رفضهم الفهم الكلاسيكي للثقافة.

- تصدّيهم للآراء الوضعية المعتمدة في تحليل القضايا الثقافية.

- اهتمامهم بالقضايا الفرعية في مقابل القضايا العامّة.

- تأكيدهم على دور المخاطَب باعتباره عنصراً مؤثّراً.

- تصويرهم العناصر الثقافية بصفتها مؤشّراتٍ دالّةً.

- الاهتمام بشؤون المجتمع المعاصر.

- تسليطهم الضوء على طبيعة السلوك الثقافي.

- عدم انخراطهم في تيار المنهج التشاؤمي السائد في مدرسة فرانكفورت.

وقد اعتمدوا على أساليبَ متنوّعةٍ في تدوين بحوثهم لكنّها ترتكز في الأساس على مناهجَ بحثٍ نوعيةٍ، ويمكن تلخيصها بشكلٍ عامٍّ ضمن ثلاثة مناهجَ، هي المنهج الإثنوغرافيّ ومنهج تحليل المضمون ومنهج نظرية التلقّي.

من البديهي أنّ هذه البحوث حالها حال سائر البحوث العملية التي يتمّ تدوينها في مختلف فروع العلوم الإنسانية من حيث ارتكازُها على أسسٍ سوسيولوجيةٍ وثقافيةٍ وسياسيةٍ محدّدةٍ، وهذه الأسس ساهمت بشكلٍ ملحوظٍ في رواجها على نطاقٍ واسعٍ

(239)

والترحيب بها من قِبل بعض الأوساط الفكرية؛ وهناك العديد من العوامل التي ساعدت على نشأتها وازدهارها أهمها تلك الأحداث التي شهدها العالم في منتصف القرن العشرين، ولا نبالغ لو قلنا أنّ أهمّ تحوّلٍ اجتماعيٍّ ساهم في بلورتها على هيئتها المعهودة هو اهتمام البشرية في تلك الآونة بالشؤون الثقافية بعد سريانها في شتّى مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعلمية.

أضف إلى ذلك ما طرأ على الفكر الوضعي (التجريبي) الذي بسط نفوذه بين الأوساط الفكرية آنذاك، فقد واجهت الاتّجاهات الوضعية نقداً لاذعاً وجادّاً وثبت إخفاقها في مضمار العلوم الاجتماعية والإنسانية، لذلك بدأ المفكّرون يبحثون عن بديلٍ مناسبٍ يسدّ الفجوة التي حدثت في هذا المضمار؛ وبالفعل فقد بدأ البديل يظهر بالتدريج بعد أن اجتاحت الساحةَ خطاباتٌ جديدةٌ همّشت ما طرحه الأسلاف، وإثر هذه الظاهرة الشاملة تزعزعت أركان الفكر الوضعي التجريبي في نطاق العلوم الإنسانية فانتعشت العلوم الاجتماعية والمعرفية لتُطرح جرّاء ذلك نظرياتٌ جديدةٌ في الفلسفة السوسيولوجية والدراسات الثقافية.

لو ألقينا نظرةً عامّةً على تأريخ الدراسات الثقافية لاستطلاع مراحل نشأتها وازدهارها، لوجدناها تأثّرت إلى حدٍّ كبيرٍ بالعديد من النظريات والمدارس الفكرية طوال مسيرتها الحافلة، وعلى رأسها الماركسية والثقافوية والبنيوية وما بعد البنيوية وما بعد الحداثة والسيكولوجيا إضافةً إلى استحسانها نظريتَيِ التلقّي والتباين؛ فقد تركت بصماتها الملحوظة على واقع هذه الدراسات من جميع

(240)

النواحي، لكن على مرّ الزمان تبلور اتّجاه ما بعد البنيوية أكثر من غيره في رحابها ليصبح ركيزةً أساسيةً وسمةً بارزةً لها.

من جملة ما تمتاز به النظريات المطروحة من قِبل باحثي مركز برمنغهام للدراسات الثقافية أنّها تتقوّم برؤيةٍ تتّصف إلى حدٍّ ما بطابعٍ أنطولوجيٍّ مادّيٍّ تأريخانيٍّ، ومن هذا المنطلق أنكروا الجوهرية (الماهيوية)، حيث رفضوا رأي من اعتبر الإنسان ذا كيانٍ جوهريٍّ يستحقّ البحث في كُنهه واستكشاف معالمه؛ كما تبنّوا رؤيةً تتعارض مع محورية الإنسان في سلوكياته، أي أنّهم لم يرتضوا بكونه في بنية شخصيته الاجتماعية ذا إرادةٍ حرّةٍ وواعيةٍ، وإثر ذلك شكّكوا بفاعليته على مستوَيَيِ الفكر والعمل، ناهيك عن تشكيكهم بقابلياته الإدراكية.

حينما نستقصي أهمّ البحوث العلمية المدوّنة في هذا المركز نجدها من الناحية النظرية تتمحور بشكلٍ أساسيٍّ حول قضايا إبستيمولوجيةٍ وتستبطن أسئلةً واستفهاماتٍ بخصوص العلم والحقيقة؛ وهي بطبيعة الحال متأثّرةٌ باتّجاه ما بعد البنيوية.

إبستيمولوجيا ما بعد البنيوية أو ما يسمّى بإبستيمولوجيا ما بعد الحداثة، هي انعكاسٌ لما طرحه الفليسوف الألماني فريدريك نيتشه تجاه الحقيقة حينما وصفها بكونها جيشاً متحرّكاً من الاستعارات والكنايات والصور البلاغية؛ لذا فالجمل والعبارات وفق هذا الوصف ليست سوى قضايا تتّسم بالصدق أو الكذب.

وفي هذا السياق ننوّه على أنّ الرؤى ما بعد البنيوية المطروحة

(241)

في هذه الدراسات أصبحت وازعاً لتسليط الضوء إلى حدٍّ كبيرٍ على اللغويات والتمثيل الذهني، كما جعلت الباحثين يقطعون بوجود ارتباطٍ وطيدٍ بين الحقيقة من جهةٍ، والخطاب والقدرة من جهةٍ أخرى.

حينما نمعن النظر في إبستيمولوجيا الدراسات الثقافية، أوّل ما يخطر في الذهن هو أنّها ليست متكاملةً وفيها الكثير من النقص ونقاط الخلل من شتّى النواحي المعرفية؛ ومن أمثلة ذلك أنّها تعزو الحقيقة في نشأتها ودوامها إلى مسألَتَيِ الخطاب والقدرة، وهذا التصوّر في واقع الحال ناجمٌ عن عدم التمييز بين الإدراك الحقيقي والاعتباري، إذ الأخير كما هو واضحٌ من عنوانه ليس سوى أمرٍ يصوغه ذهن الإنسان. ولا ريب في أنّ تجاهل هذا الاختلاف من قبل الباحثين المعنيين بالدراسات الثقافية أسفر عن حدوث اختزاليةٍ في مبانيهم الإبستيمولوجية.

وتجدر الإشارة هنا إلى أمرٍ في غاية الأهمية، وهو أنّ الاختزالية الإبستيمولوجية تعدّ ميزةً فارقةً لجميع التيارات الفكرية التي انصهرت الدراسات الثقافية في بوتقتها، وبالأخصّ الماركسية والبنيوية والسيكولوجية التحليلية وما بعد البنيوية وما بعد الحداثة.

الاختزالية ظاهرةٌ تضرب بجذورها في عهودٍ سحيقةٍ، وكما ذكرنا، فقد ألقت بظلالها على بحوث مركز برمنغهام للدراسات الثقافية لكونه من جملة المراكز الفكرية التي تتفرّع على الحركة التنويرية ويتبنّى باحثوه مبادئ الفلسفة الحديثة، وأشرنا أيضاً إلى أنّ هذه

(242)

الظاهرة الإبستيمولوجية منبثقةٌ من المذهب البنيوي، وانعكست آثارها على تيار ما بعد البنيوية لتتبلور في إطار نسبويةٍ إبستيمولوجيةٍ وشكوكيةٍ، وبالتالي إنكار الحقائق الثابتة، لدرجة أنّ نيتشه عرّفها بكونها جيشاً متحرّكاً من الاستعارات والكنايات والصور البلاغية، بل بالغ أكثر في التقليل من شأنها واختزالها حينما وصفها بالأخطاء! فهي برأيه ليست سوى أخطاءَ غفل الإنسان عن كونها خاطئةً ولا صواب لها! ومن ثمّ هي كالعملة المعدنية التي مسح أحد وجهيها ووجهها الآخر فلم تعد ذات قيمةٍ نقديةٍ! إنّها مجرّد قطعةٍ معدنيةٍ لا قيمة لها برأي نيتشه.

النتيجة المحتومة لهذه الرؤية هي التنزّل بشأن المعرفة إلى مجرّد مظهرٍ للاقتدار، واعتبارها صرفَ قضايا تأريخيةٍ وثقافيةٍ واجتماعيةٍ، الأمر الذي ينتهي إلى التشكيك بالحقائق وزعم أنّ الإدراك أمراً نسبيّاً؛ ومن المؤكّد أنّ الشكوكية والنسبوية تعمّمان في هذا المضمار على كلّ شيءٍ.

من المؤكّد أنّ التنزّل بمستوى المضمون الإبستيمولوجي إلى مجرّد عناصرَ اجتماعيةٍ وثقافيةٍ حتّى وإن اعتبر مدعاةً لإثبات وجود ارتباطٍ بين الجانب العاطفي للإنسان ونزعاته الاجتماعية، ومع أنّه يستبطن قابليةً على تحليل القضايا وفق منهجٍ نقديٍّ، إلا أنّه يُسفر عن نتيجةٍ سلبيةٍ لا تُحمد عقباها، ألا وهي تدنيس الحقيقة وزعزعة أركانها.

على ضوء هذه الاختزالية لا تبقى أيُّ قيمةٍ معرفيةٍ للأسس

(243)

الإبستيمولوجية، كما تفتقد الإدراكات والمعارف البشرية هويتها الأصيلة لتصوّر وكأنّها مجرّدُ انعكاساتٍ للخطاب السائد في المجتمع وصرفَ قضايا لغويةٍ، ومن ثمّ يُدّعى أنّ جميع الأسس الثقافية والإبستيمولوجية هي عبارةٌ عن إيكولوجيا اجتماعيةٍ؛ وثمرة كلّ هذه المقولات الفكرية تكمن في تفنيد جميع المعتقدات والقيم في ما وراء الإدراك البشري البحت، فالنسبوية والشكوكية المنبثقتان من الاختزالية الإبستيمولوجية في الدراسات الثقافية تضطرّان الباحث لأن يتخلّى عن كلّ معيارٍ لتحليل القضايا الثقافية وتقييمها ما خلا الخطاب، ناهيك عن تشكيكه بإمكانية التفاهم بين البشر ورفضه احتمال وجود أيِّ مرتكزٍ يساعد على طرح حوارٍ مشتركٍ وموحَّدٍ في ما بينهم.

فضلاً عن ذلك هناك نتائجُ أخرى تترتّب على ما ذكر، ومن جملتها ما يلي:

- عدم طرح استدلالاتٍ وبراهينَ دامغةٍ لإثبات ذاتانية الثقافة.

- عدم الاهتمام بالقضايا الاجتماعية الجذرية.

- عدم فهم الثقافة على حقيقتها ومن ثَمّ غموض ما يطرح بخصوصها.

- عدم وجود أسسٍ منهجيةٍ وأصولٍ نظريةٍ واضحةٍ.

- التنزّل بمستوى الثقافة إلى صرفِ قضايا سياسيةٍ.

على الرغم من كلّ ما ذكر، فالدراسات الثقافية في عصرنا الراهن

(244)

أصبحت فرعاً علميّاً هامّاً في مختلف الجامعات ومراكز البحوث العلمية، حيث انتشرت نظرياتها بشكلٍ ملحوظٍ في الأوساط الفكرية الإيرانية خلال السنوات الأخيرة؛ والتحليل العلمي النزيه يقتضي الإشارة إلى جوانبها الإيجابية بطبيعة الحال، فهي إلى جانب ما ذُكر من سلبيات فيها العديد من نقاط القوّة التي يمكن تلخيصها بما يلي:

- قابليتها العالية لطرح تحليلٍ نقديٍّ حول شتّى القضايا.

- اعتمادها على مناهج بحثٍ نوعيةٍ.

- اهتمامها بالمفاهيم الثقافية.

- تنوّع منهاهجها.

- اهتمامها بمختلف الجوانب الثقافية.

- عدم إهمالها القضايا الفرعية والثانوية إلى جانب تحليلها القضايا العامّة والشاملة.

- احترام الاختلاف الثقافي بين المجتمعات البشرية.

- عدم إهمالها الثقافات الفرعية.

من الطبيعي أنّ هذه النقاط الإيجابية ساهمت إلى حدٍّ كبيرٍ في إقبال الأوساط الفكرية عليها على الرغم من كونها فرعاً علميّاً جديداً فرض نفسه في عرصة العلوم الإنسانية المترامية الأطراف.

وفي الختام نشير إلى أنّ باحثي مركز برمنغهام للدراسات الثقافية

(245)

على الرغم من نجاحهم في إبداع منهجياتٍ فاعلةٍ وابتكارهم أساليبَ جديدةٍ في البحث العلمي، لكنّهم يُؤاخَذون على مبادئهم الإبستيمولوجية، حيث لا يجد المتتبّع في مدوّناتهم العديد من العناصر الإبستيمولوجية الهامّة، وهذه ظاهرةٌ ملحوظةٌ ولا يمكن لأحد إنكارها، لذا يمكن أن تُدرج كمعضلةٍ إلى جانب الإشكالات الجادّة التي تَرِد عليها والتي لا يمكن التغاضي عنها مطلقاً؛ ومن البديهي أنّ هذه النقاط السلبية لها تداعياتها السلبية أيضاً على الدراسات والبحوث الثقافية التي يقدّمونها للبشرية.

بما أنّ كلّ نظريةٍ لا بدّ أن تتقوّم بأصولٍ وقواعدَ وفرضياتٍ خاصّة إبستيمولوجيةٍ وغيرِ إبستيمولوجيةٍ، ونظراً لكونها تتبلور وتشيع ضمن نظامٍ ثقافيٍّ وإبستيمولوجيٍّ واضحِ المعالم، فهي حينما تتجاوز المضمار الثقافي الذي طُرحت في رحابه لتتغلغل في مضاميرَ ثقافيةٍ أخرى، تترتّب عليها بطبيعة الحال تداعياتٌ إبستيمولوجيةٌ وأخرى ثقافيةٌ لا حصر لها؛ وهذا هو حال النظريات التي تُطرح من قبل باحثي الدراسات الثقافية في بريطانيا، حيث نجد كلّ بحثٍ علميٍّ يُدوَّن على ضوئها سرعان ما يتمّ تداوله في الأوساط الثقافية العالمية ليحمل إليها تلك النواقص الإبستيمولوجية، ومن ثمّ يوهم المخاطبين بقضايا لا صوابّة لها جرّاء عدم تكامل أركانه ويخلق لديهم تصوّراتٍ عقيمةً بخصوص المواضيع التي تُسطّر في صفحاته.

 

(246)

مصادر الكتاب 

الكتب

1) القرآن الكريم.

2) تقي آزاد أرمكي، نظريه هاي جامعه شناسي (باللغة الفارسية)، الطبعة الأولى، منشورات «سروش»، إيران، طهران، 1997م.

3) تقي آزاد أرمكي، ساختار وتأويل متن (باللغة الفارسية)، منشورات «مركز»، إيران، طهران، 2001م.

4) جون ستوري، مطالعات فرهنگي درباره فرهنگ عامه (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية حسن يابنده، منشورات «آگه»، إيران، طهران، 2007م.

5) دومينك ستريناني، مقدمه اي بر نظريه هاي فرهنگ عامه (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية ثريا باك نظر، منشورات «گام نو»، إيران، طهران، 2001م.

6) فيلب سميث، درآمدي بر نظريه فرهنگي (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية حسن بويان، منشورات مكتب البحوث الثقافية، إيران، طهران، 2002م.

7) أندرو إدجار وبيتر سيجويك، مفاهيم بنيادي نظريه فرهنگي (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية مهران مهاجر ومحمّد نبوي، منشورات «آگه»، إيران، طهران، 2008م.

8) كرس باركر، مطالعات فرهنگي: نظريه وعملكرد (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية مهدي فرجي، منشورات مركز الدراسات الثقافية والاجتماعية، إيران، طهران، 2008م.

(247)

9) توم باتامور، نظريه انتقادي مكتب فرانكفورت (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية حسين علي نوذري، الطبعة الأولى، منشورات «ني»، إيران، طهران، 1996م.

10) نورمان بليكي، پارادايم هاي تحقيق در علوم انساني (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية وأعدّه وقدّم له وعلّق عليه كلٌّ من حميد رضا حسني ومحمّد رضا إيمان ومسعود ساجدي، منشورات مركز دراسات الحوزة والجامعة، إيران، قم، 2012م.

11) حسين بشيريه، نظريه هاي فرهنگ در قرن بيستم (باللغة الفارسية)، منشورات مؤسّسة «آينده پويان» الثقافية، إيران، طهران، 2000م.

12) تد بينتون وإيان جرايب، فلسفه علوم اجتماعي - بنيان هاي فلسفي تفكر اجتماعي (باللغة الفارسية)، ترجمته إلى الفارسية شهناز مسمي برست ومحمود متحد، منشورات «آگه»، إيران، طهران، 2005م.

13) مهري بهار، مطالعات فرهنگي: أصول ومباني (باللغة الفارسية)، منشورات «سمت»، إيران، طهران، 2005م.

14) خسرو بارسا، پسا مدرنيسم در بوته نقد: مجموعه مقالات (باللغة الفارسية)، منشورات «آگاه»، إيران، طهران، 1996م.

15) حميد بارسا نيا، علم وفلسفه (باللغة الفارسية)، منشورات مركز بحوث الثقافة والفكر الإسلاميين، إيران، قم، 2004م.

16) حميد بارسا نيا، جهان هاي اجتماعي (باللغة الفارسية)، منشورات «كتاب فردا»، إيران، قم، 2012م.

(248)

17) حميد بارسا نيا، روش شناسي انتقادي حكمت صدرايي (باللغة الفارسية)، منشورات «كتاب فردا»، إيران، قم، 2011م.

18) جنكيز بهلوان، فرهنگ شناسي (باللغة الفارسية)، منشورات «پيام امروز»، إيران، طهران، 1999م.

19) مايكل بين، فرهنگ انديشه انتقادي (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية بيام يزدانجو، الطبعة الثالثة، منشورات «مركز»، إيران، طهران، 2003م.

20) ليسلي جونسون، منتقدان فرهنگ: از ماتيو آرنولد تا ريموند ويليامز (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية ضياء موحد، منشورات «طرح نو»، إيران، طهران، 2008م.

21) حميد رضا جلائي بور وجمال محمّدي، نظريه هاي متأخر جامعه شناسي (باللغة الفارسية)، الطبعة الأولى، منشورات «ني»، إيران، طهران، 2008م.

22) ألن أف. تشالمرز، چيستي علم: درآمدي بر مكاتب علم شناسي فلسفي (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية سعيد زيبا كلام، منشوارت «سمت»، إيران، طهران، 2010م.

23) محمّد حسين زاده، پژوهشي تطبيقي در معرفت شناسي معاصر (باللغة الفارسية)، منشورات مؤسّسة الإمام الخميني للتعليم والبحوث، إيران، قم، 2003م.

24) شاهرخ حقيقي، گذر از مدرنيته: نيچه - فوكو - ليوتار - دريدا (باللغة الفارسية)، الطبعة الأولى، منشورات «آگه»، إيران، طهران، 2004م.

25) هيوبرت دريفوس وبل روبنيو، ميشيل فوكو فراسوي ساختار گرائي و هرمنوتيك (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية حسين بشيريه، الطبعة الثانية، منشورات «ني»، إيران، طهران، 2001م.

(249)

26) سيمون دورينج، مطالعات فرهنگي (باللغة الفارسية)، ترجمته إلى الفارسية حميرا مشير زاده، منشورات مؤسّسة «آينده پويان»، إيران، طهران، 2008م.

27) رونالد روبرتسون، جهاني شدن تئوري هاي اجتماعي وفرهنگ جهاني (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية كمال بولادي، منشورات «ثلاث»، إيران، طهران، 2007م.

28) محمّد رضائي، درآمدي بر مطالعات فرهنگي (باللغة الفارسية)، منشورات شعبة الجهاد الجامعي في كلّية العلوم الاجتماعية بجامعة طهران، إيران، طهران، 2005م.

29) كرس روجك، مطالعات فرهنگي (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية برويز علوي، منشورات «ثانيه»، إيران، طهران، 2001م.

30) باولين ميري روسنايو، پسا مدرنيسم وعلوم اجتماعي (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية محمّد حسين كاظم بور، منشورات «آتيه»، إيران، طهران، 2001م.

31) جورج ريترز، نظريه هاي جامعه شناسي در دوران معاصر (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية محسن ثلاثي، منشورات «علمي»، إيران، طهران، 2005م.

32) مادان ساراب، راهنماي مقدماتي بر پسا ساختار گرائي وپسا مدرنيسم (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية محمّد رضا تاجيك، الطبعة الأولى، منشورات «ني»، إيران، طهران، 2003م.

(250)

33) ستيوارات سيم، ساختار گرائي وپسا ساختار گرائي (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية بابك محقق، منشورات مؤسّسة تأليف لترجمة ونشر التراث الثقافي، إيران، طهران، 2009م.

34) ستيفن سيدمان، كشاكش آرا در جامعه شناسي (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية هادي جليلي، الطبعة الأولى، منشورات «ني»، إيران، طهران، 2007م.

35) علي رضا شايان مهر، دائرة المعارف تطبيقي علوم اجتماعي (باللغة الفارسية)، الجزء الأوّل، الطعبة الأولى، منشورات «كيهان»، إيران، طهران، 1989م.

36) علي رضا شايان مهر، دائرة المعارف تطبيقي علوم اجتماعي (باللغة الفارسية)، الجزء السادس، الطعبة الأولى، منشورات «كيهان»، إيران، طهران، 1989م.

37) محمّد ضميران، ميشيل فوكو: دانش وقدرت (باللغة الفارسية)، منشورات «هرمس»، إيران، طهران، 2002م.

38) محمّد حسين طباطبائي، أصول فلسفه وروش رئاليسم (باللغة الفارسية)، منشورات «صدرا»، إيران، طهران، 1995م.

39) محمّد حسين الطباطبائي، نهاية الحكمة، منشورات جامعة المدرّسين، إيران، قم، 2007م.

40) نعمت الله فاضلي، انسان شناسي مدرن در ايران معاصر (باللغة الفارسية)، منشورات «نسل آفتاب»، إيران، طهران، 2009م.

41) محمّد تقي فعالي، درآمدي بر معرفت شناسي ديني ومعاصر (باللغة الفارسية)، منشورات «معارف»، إيران، طهران، 1998م.

(251)

42) ميشيل فوكو، حقيقت و قدرت (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية بابك أحمدي، منشورات «مركز»، إيران، طهران، 2006م.

43) ميشيل فوكو وآخرون، قدرت فرا انساني يا شرّ شيطاني (باللغة الفارسية)، تنقيح ستيفن لوكس، ترجمه إلى الفارسية فرهنك رجائي، منشورات مؤسّسة الدراسات والبحوث الثقافية، إيران، طهران، 1991م.

44) علي أصغر قره باغي، تبار شناسي پست مدرنيسم (باللغة الفارسية)، منشورات مكتب البحوث الثقافية، إيران، طهران، 2001م.

45) حميد عضدان لو، آشنائي با مفاهيم اساسي جامعه شناسي (باللغة الفارسية)، منشورات «ني»، إيران، طهران، 2009م.

46) تشارلز فريدريك كوبلستون، تاريخ فلسفه (باللغة الفارسية)، الجزء السابع، ترجمه إلى الفارسية بهاء الدين خرم شاهي، الطبعة الرابعة، منشورات العلم والثقافة، إيران، طهران، 2007م.

47) إيان كريب، نظريه اجتماعي مدرن (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية عباس مخبر، الطبعة الثانية، منشورات «آگه»، إيران، طهران، 2002م.

48) نعمت الله كرم اللهي، كراسةٌ دراسيةٌ تحت عنوان «روش تحقيق در علوم اجتماعي» (باللغة الفارسية)، جامعة باقر العلوم (ع)، إيران، قم.

49) ستينار كوفال، مضامين پست مدرنيته (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية حسين علي نوذري، منشورات «نقش جهان»، إيران، طهران، 1996م.

50) لويس كوزر، زندگي وانديشه بزرگان جامعه شناسي (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية محسن ثلاثي، منشورات «علمي»، إيران، طهران، 1990م.

(252)

51) داني كوش، مفهوم فرهنگ در علوم اجتماعي (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية فريدون وحيدا، منشورات مركز بحوث الإذاعة والتلفزيون، إيران، طهران، 2005م.

52) ديفيد لايون، پسا مدرنيسم (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية محسن حكيمي، منشورات «آشيان»، إيران، طهران، 2001م.

53) جون ليخت، پنجاه متفكر بزرگ از ساختار گرائي تا پست مدرنيسم (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية محسن حكيمي، الطبعة الأولى، منشورات «خجسته»، إيران، طهران، 1998م.

54) جان فرانسوا ليوتار، وضعيت پست مدرنيسم (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية نوذري، الطبعة الأولى، منشورات «گام نو»، إيران، طهران، 2001م.

55) جمال محمّدي، درباره مطالعات فرهنگي (باللغة الفارسية)، منشورات «جمشيد»، إيران، طهران، 2005م.

56) محمّد تقي مصباح اليزدي، آموزش فلسفه (باللغة الفارسية)، منشورات «أمير كبير»، إيران، طهران، 2004م.

57) مرتضى مطهري، مسئله شناخت (باللغة الفارسية)، الطبعة الثالثة عشرة، منشورات «صدرا»، إيران، طهران، 2008م.

58) حسن معلمي، معرفت شناسي ومباحث جديد كلامي (باللغة الفارسية)، منشورات مؤسّسة «بوستان كتاب»، إيران، قم، 2010م.

59) محمّد مهدي زاده، نظريه هاي رسانه انديشه هاي رايج وديدگاه هاي انتقادي (باللغة الفارسية)، منشورات كلّية الإذاعة والتلفزيون، إيران، طهران، 2000م.

(253)

60) أندرو ميلنر وجيف برافيت، درآمدي بر نظريه فرهنگي معاصر (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية جمال محمّدي، منشورات «ققنوس»، إيران، طهران، 2006م.

61) حسين علي نوذري، صورت بندي مدرنيته وپست مدرنيته (باللغة الفارسية)، منشورات «نقش جهان»، إيران، طهران، 2000م.

62) حسين علي نوذري، نظريه انتقادي مكتب فرانكفورت در علوم اجتماعي وانساني (باللغة الفارسية)، منشورات «آگه»، إيران، طهران، 2005م.

63) جلين وورد، پست مدرنيسم (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية قادر فخر رنجبري وأبو ذر كرمي، الطبعة الأولى، منشورات «ماهي»، إيران، طهران، 2005م.

64) ستيوارت هول، معنا - فرهنگ وزندگي اجتماعي (باللغة الفارسية)، منشورات «ني»، إيران، طهران، 2012م.

- المقالات

1) عباس علي أميري، نگاهي انتقادي به مباني معرفت شناسي فمينيسم، مجلّة «معرفت» الفصلية، العدد 121، 2007م.

2) وحيد حسين زاده، مقالة نشرت في مجلّة «فرهنگ عمومي» الفصلية، العدد 12.

3) علي أصغر سلطاني، تحليل گفتمان به مثابه نظريه وروش، مجلّة «علوم سياسي» الفصلية، العدد 28، 2004م.

(254)

4) حسين شرف الدين، مكتب مطالعات فرهنگي، مجلّة "معرفت" الشهرية، العدد 126، 2008م.

5) يونس شكر خواه، جامعه اطلاعاتي: چند ديدگاه بنيادي، مجلّة «رسانه» الفصلية، السنة الحادية عشرة، العدد 22، 2000م.

6) نعمت الله فاضلي، مطالعات فرهنگي، مجلّة "سوره انديشه" الشهرية، 2011م.

7) محمّد إلياس قنبري، ساختار - ساختار گرائي - ساختار شكني - پسا ساختار گرائي، الموقع الإلكتروني لاتّحاد علم الاجتماع في إيران، 2009م.

8) نعمت الله عبد الرحيم زاده، من كانتي ومطالعات فرهنگي، نشرية "همشهري"، العدد 28، 2008م.

9) محمّد آصف عطائي، معيار نقد، مجلّة "پاسدار اسلام»، العددان 291 و 292، 2005م و 2006م.

10) مينو نيكو وآخرون، شناخت مخاطب با رويكرد استفاده ورضايت، مجلة «سروش» الفصلية، 2002م.

11) مهرداد وابخش وفاروق كريمي، ميشيل فوكو وقدرت، مجلّة «مطالعات سياسي» الفصلية، ربيع عام 2004م.

(255)

المصادر الإنجليزية

1) Andrew Edgar and Peter Sedgwick, Cultural theory: The key concepts, 2 nd edition, N Y: Rout ledge, 2005.

2) Chris Barker, Cultural studies: Theory and practices, London: Sage publication, 2003.

3) Turner Graeme, British cultural studies, second ed. London and New York, Rout ledge, 2003.

4) Mark Gibson and John Hartley, International Journal of cultural studies, 1998, vol. 1 (1).

5) Stuart Hall, Representation: Cultural representation and signifying practices, London: Open University Press, 1997.

6) Pierre Bourdieu, The field of cultural production, Cambridge, Polity Press, 1993.

7) Chris Rojek, Cultural studies, Cambridge, Polity Press, 2007.

(256)
المؤلف في سطور حسن حاج محمدي دكتور في فلسفة علم الاجتماع جامعة باقر العلوم ، قم . مؤلفات وبحوث : 1- المشاركة في تأليف كتاب مدخل إلى فلسفة علم الاجتماع . 2- دراسة مقارنة لعلاقة النظر والواقع عند المذاهب الواقعية والفلسفة الإسلامية . 3- الأمن الاجتماعي في الفقه الشيعي . 4- النظرية اللسانية عند العلامة الطباطبائي وغيرها .
هذا الكتاب مدرسة برمنغهام يتناول هذا الكتاب بالعرض والتحليل التاريخي والنقد مدرسة برمنغهام وهي تيار فكري أخذ التسمية نفسها لمركز برمنغهام للدراسات الثقافية وهذا المركز هو أحد المراكز الهامة الناشطة في مجال العلوم الاجتماعية وقد انعكست آثاره بشكل ملحوظ في مختلف الدراسات والبحوث الثقافية . في عقد الخمسينات من القرن المنصرم وضعت الدعائم الأساسية لهذا المركز بمدينة برمنغهام البريطانية كمقر ثقافي تتمحور نشاطاته حول دراسة وتحليل الواقع الثقافي لعامة الناس والبحوث العلمية التي تجرى في رحابة واسعة النطاق من حيث الآراء ومناهج البحث العلمي والأساليب النقدية وهي كلها ترتكز بشكل أساسي على تحليل شتى الشؤون الثقافية في المجتمعات البشرية . من المقدمة المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية http://www.iicss.iq [email protected]