مدرسة برمنغهام

مدرسة برمنغهام

ماهيتها ورؤاها في بوتقة النقد والتحليل

تأليف

حسن حاج محمدي

ترجمة

أسعد مندي الكعبي

مقدمة المركز

تدخل هذه السلسلة التي يصدرها المركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية في سياق منظومة معرفية يعكف المركز على تظهيرها، وتهدف إلى درس وتأصيل ونقد مفاهيم شكلت ولما تزل مرتكزات أساسية في فضاء التفكير المعاصر.

وسعياً إلى هذا الهدف وضعت الهيئة المشرفة خارطة برامجية شاملة للعناية بالمصطلحات والمفاهيم الأكثر حضوراً وتداولاً وتأثيراً في العلوم الإنسانية، ولا سيما في حقول الفلسفة، وعلم الإجتماع، والفكر السياسي، وفلسفة الدين والاقتصاد وتاريخ الحضارات.

أما الغاية من هذا المشروع المعرفي فيمكن إجمالها على النحوالتالي:

أولاً: الوعي بالمفاهيم وأهميتها المركزية في تشكيل وتنمية المعارف والعلوم الإنسانية وإدراك مبانيها وغاياتها، وبالتالي التعامل معها كضرورة للتواصل مع عالم الأفكار، والتعرف على النظريات والمناهج التي تتشكل منها الأنظمة الفكرية المختلفة.

ثانياً: إزالة الغموض حول الكثير من المصطلحات والمفاهيم التي غالباً ما تستعمل في غير موضعها أويجري تفسيرها على خلاف المراد منها. لا سيما وأن كثيراً من الإشكاليات المعرفية ناتجة من اضطراب الفهم في تحديد المفاهيم والوقوف على مقاصدها الحقيقية.

ثالثاً: بيان حقيقة ما يؤديه توظيف المفاهيم في ميادين الاحتدام الحضاري بين الشرق والغرب، وما يترتب على هذا التوظيف من آثار سلبية بفعل العولمة الثقافية والقيمية التي تتعرض لها المجتمعات العربية والإسلامية وخصوصاً في الحقبة المعاصرة.

رابعاً: رفد المعاهد الجامعية ومراكز الأبحاث والمنتديات الفكرية بعمل موسوعي جديد يحيط بنشأة المفهوم ومعناه ودلالاته الإصطلاحية، ومجال استخداماته العلمية، فضلاً عن صِلاته وارتباطه بالعلوم والمعارف الأخرى. وانطلاقاً من البعد العلمي والمنهجي والتحكيمي لهذا المشروع فقد حرص لامركز على أن يشارك في إنجازه نخبة من كبار الأكاديميين والباحثين والمفكرين من العالمين العربي والإسلامي.

*    *    *

يتناول هذا الكتاب بالعرض والتحليل التاريخي والنقد مدرسة برمنغهام، وهي تيار فكري أخذ التسمية نفسها لمركز برمنغهام للدراسات الثقافيّة. وهذا المركز هو أحد المراكز الهامّة الناشطة في مجال العلوم الاجتماعيّة، وقد انعكست آثاره بشكلٍ ملحوظٍ في مختلف الدراسات والبحوث الثقافيّة.

في عقد الخمسينيات من القرن المنصرم وضعت الدعائم الأساسيّة لهذا المركز بمدينة برمنغهام البريطانية كمقرٍّ ثقافيٍّ تتمحور نشاطاته حول دراسة وتحليل الواقع الثقافي لعامّة الناس؛ والبحوث العلميّة التي تجرى في رحابه واسعة النطاق من حيث الآراء ومناهج البحث العلمي والأساليب النقدية، وهي كلها ترتكز بشكلٍ أساسيٍّ على تحليل شتّى الشؤون الثقافيّة في المجتمعات البشرية.

والله ولي التوفيق

مدخل

مركز برمنغهام للدراسات الثقافيّة هو أحد المراكز الهامّة الناشطة في مجال العلوم الاجتماعيّة، وقد انعكست آثاره بشكلٍ ملحوظٍ في مختلف الدراسات والبحوث الثقافيّة.

في عقد الخمسينيات من القرن المنصرم وضعت الدعائم الأساسيّة لهذا المركز بمدينة برمنغهام البريطانية كمقرٍّ ثقافيٍّ تتمحور نشاطاته حول دراسة وتحليل الواقع الثقافي لعامّة الناس[1]؛ والبحوث العلميّة التي تجرى في رحابه واسعة النطاق من حيث الآراء ومناهج البحث العلمي والأساليب النقدية، وهي قاطبةً ترتكز بشكلٍ أساسيٍّ على تحليل شتّى الشؤون الثقافيّة في المجتمعات البشرية[2].

الجدير بالذكر أنّ الدراسات الثقافيّة باتت اليوم تخصُّصاً هامّاً في مختلف المراكز العلميّة والجامعيّة بحيث اتّسع نطاق النظريّات التي تُطرح في رحابها وراجت على نطاقٍ واسعٍ في الأوساط العلمية، ولا يُختلف في الدور الهام للنظريات التي يطرحها الباحثون والمفكّرون في مضمار العلوم الإنسانية، وإذا أردنا استثمار مبانيها بالتمام والكمال لا بدّ لنا حينئذٍ من استقصاء الأساليب المعتمدة فيها ومعرفة كافّة جوانبها النظريّة والبنيويّة.

مركز برمنغهام، بحسب طبيعته البحثيّة، يندرج ضمن سائر مراكز العلوم الاجتماعيّة التي تتبنّى مبادئَ معرفيّةً وفلسفيّةً متنوّعةً، ولكن على الرغم من ذلك هناك بعض المؤاخذات التي ترد على نشاطاته العلميّة، لذا تقتضي الضرورة إجراء دراساتٍ وبحوثٍ نقديّةٍ بخصوص نقاط الضعف الكامنة فيه؛ ومن هذا المنطلق تمّ تدوين الكتاب الذي بين يدي القارئ الكريم، حيث اتّبع مؤلّفه نهجاً نقديّاً لتقييم الأصول النظرية المتبنّاة في دراسات هذا المركز.

التحليل النقدي للمبادئ النظرية الحاكمة في مركز برمنغهام يجب أن يتقوّم على منهجيّةٍ بنيويّةٍ وأن يجرى وفق الأسلوب المعتمد في صياغة النظريّات العلميّة والذي هو بطبيعة الحال مقدّمٌ على النظريّات؛ لذا اتّبعه مؤلّف الكتاب وتطرّق على ضوئه إلى إجراء تحليلٍ علميٍّ بهدف بيان طبيعة الأصول العامّة وشتّى الوسائل المتّبعة في عملية البحث، لذا فهو من هذه الناحية يتّصف بصبغةٍ فلسفيّةٍ.

المبادئُ الوضعيّة التي يرتكز عليها المنهج البنيوي والتي تُصاغ النظريّات العلميّة على أساسها عبارةٌ عن مرتكزاتٍ أنطولوجيّةٍ وأنثروبولوجيّةٍ وإبستيمولوجيّةٍ[3]، وكما هو معلومٌ فالمباحث الأنطولوجيّة تتمحور حول مجموعةٍ من الأسئلة التي تستفسر عن قضايا من هذا القبيل، ومن جملتها ما يلي: هل يرتضي العلم بوجود شيءٍ يُوصف بكونه حقيقيّاً؟ ما هو التفسير العلمي الصحيح للأمر الحقيقي؟

وأمّا المباحث الأنثروبولوجيّة فتُطرح في رحابها أسئلةٌ حول دور الإنسان في الوجود وكلّ ما يمتّ بصلةٍ بكيانه؛ في حين أنّ المباحث الابستيمولوجية، يتمّ فيها تسليط الضوء على حقيقة العلم والمعرفة وشتّى السبُل الكفيلة لاستكشاف الحقائق[4].

من المؤكّد أنّ معرفة الاستنتاجات الفلسفيّة الصائبة لكلّ نظريّةٍ تستوجب إلمامَ الباحث بالأطر العامّة لمختلف التيارات الفكريّة التي لها تأثيرٌ في صياغتها، فالتنظير العلمي لا يقتصر على الخلفيات الإبستيمولوجيّة فقط، وإنّما هناك خلفياتٌ أنطولوجيّةٌ مؤثّرةٌ على مضمونه، وهذه الخلفيّات عادةً ما تغرس في نفس المنظّر دوافعَ خاصّةً لطرح ما يجول في خاطره من مبادئَ اجتماعيّةٍ وثقافيّةٍ في رحاب نظرياتٍ؛ لذا يُقال أنّ منهجيّة العلوم الإنسانيّة تتجاوز نطاق ارتباط النظرية بالمبادئ الفلسفيّة وتدور في فلك تحليل دور العناصر غير الإبستيمولوجيّة ذات التأثير في ظهور إحدى النظريّات، ومن جملة هذه العناصر ما يعتبره المفكّرون خلفياتٍ اجتماعيّةً وفكريّةً، كذلك التيارات والاتّجاهات المؤثّرة على المنظومة الفكريّة للمنظّر، وهذه الأمور تندرج في واقع الحال ضمن الخلفيات الأنطولوجيّة.

بناءً على ما ذُكر، تطرّق مؤلّف الكتاب إلى تحليل المبادئ النظرية لمدرسة برمنغهام الفكريّة ضمن ثلاثة فصولٍ بحسب الترتيب التالي:

الفصل الأوّل: معالم مركز برمنغهام للدراسات الثقافيّة وأهدافه، ويتضمّن المفاهيم والمصطلحات الأساسيّة التي يمكن الاعتماد عليها في هذا المضمار.

الفصل الثاني: المبادئ النظرية المعتمدة في البحوث والدراسات التي يتمّ تدوينها في هذا المركز ضمن مختلف المجالات الأنطولوجيّة والأنثروبولوجيّة والإبستيمولوجيّة.

الفصل الثالث: نقد المبادئ الإبستيمولوجية المعتمدة في البحوث والدراسات التي يتمّ تدوينها في هذا المركز وذلك بأسلوبٍ نقديٍّ.

قبل الولوج في موضوع البحث، لا نرى بأساً في ذكر تفاصيلَ حول المفاهيم الأساسيّة التي سنشير إليها، وذلك كما يلي:

المدرسة الفكريّة (school)

هذا المصطلح يدلّ على الآراء ووجهات النظر التي تتمحور حول مبدأٍ فكريٍّ معيّنٍ، فكلُّ مدرسةٍ فكريّةٍ عادةً تطرح نظرياتها في رحاب توجّهاتٍ فكريّةٍ خاصّةٍ[5]، وهي بطبيعة الحال تؤسّس على ضوء توجّهاتٍ خاصّةٍ لمفكّرٍ أو عددٍ من المفكّرين، تحظى آراؤهم بتأييدٍ من قِبَل البعض، لذلك يبادر هؤلاء إلى الدفاع عنها والاستدلال على صوابّة أصولها وقواعدها.

الجدير بالذكر هنا هو أنّنا غير قادرين على تحديد ميزةٍ فارقةٍ وصيغةٍ ثابتةٍ للتمييز بين النظريّة (theory) والمدرسة الفكريّة (school)، إذ حتّى ما يوصف بحسب العرف الأنثروبولوجي الأوروبي بأنّه «مدرسةٌ فكريّةٌ»، نجد علماء الاجتماع الأمريكان يصطلحون عليه بـ «نظريّة»؛ ولكن على الرغم من ذلك يمكن ذكر فارقٍ معيَّنٍ بينهما فحواه أنّ المدرسة الفكريّة أكثرُ شموليّةً وعموميّةً من النظريّة على ضوء التوجّهات التي ترتكز عليها وشتّى النظريات المطروحة من قبل أتباعها، إذْ كلُّ مدرسةٍ عادةً ما تنضوي تحتها العديد من التوجّهات والنظريّات التي يتطرّق أصحابها إلى تحليل الشؤون الاجتماعيّة العامّة وما يرتبط بالمكوّنات الاجتماعيّة الصغيرة ومختلف المراكز والمؤسّسات إلى جانب تسليطهم الضوء على شتّى التطوّرات الاجتماعيّة؛ لذا يمكن لكلّ مدرسةٍ أن تتبنّى عدداً من النظريّات أو الكثير منها[6].

الثقافة (culture)

ذُكرت العديدُ من التعاريف لبيان المعنى الدلالي لمصطلح «ثقافة»، والباحث ريمون وليامز قال: «أعتبرها واحدةً من مصطلحيْن أو ثلاثة مصطلحاتٍ معقّدةٍ للغاية في اللغة الإنجليزيّة، لذا لا بدّ من بيان دلالتها ضمن عدّةِ فروعٍ علميّةٍ مستقلّةٍ عن بعضها وفي رحاب شتّى التوجّهات الفكريّة كي تتّضح لنا المفاهيم الأساسية التي تستبطنها»[7].

التعاريف التي ذكرت للثقافة تمحورت حول جانبها التطبيقي، ويمكن تصنيفها ضمن عدّةِ جوانبَ كما يلي:

1) تعاريفُ تأريخيةٌ:

هذه التعاريف ترتكز على التراث الاجتماعي لمجموعةٍ من البشر على مرّ تأريخهم.

2 ) تعاريفُ سيكولوجيّةٌ:

تُطرح في هذه التعاريف المبادئ الأساسية والأساليب التي يتسنّى للإنسان على ضوئها الانسجام مع بيئته ومجتمعه.

3 ) تعاريفُ بنيويةٌ:

يتمّ التأكيد في هذه التعاريف على الأسس البنيوية التي سادت في أحد المجتمعات طوال تأريخه.

4 ) تعاريفُ تفصيليّةٌ:

تتضمّن هذه التعاريف بيان العناصر التي تتقوّم بها الثقافة بشكلٍ عامٍّ ودون تقييدها بخلفيةٍ محدَّدةٍ[8].

لا شكّ في عدم إمكانية بيان تفاصيل جميع التعاريف التي أريد منها بيان طبيعة الثقافة ضمن هذا الكتاب، ومن ناحيةٍ أخرى قد لا تتحقّق الفائدة المرجوّة من بيانها بشكلٍ مُسهَبٍ، لأنّ التدقيق بهذا الموضوع بإسهابٍ لا يدخل في هدفنا هنا؛ لذا سوف نكتفي بتوضيح عددٍ منها ثمّ نذكر التعريف المناسب.

عالِمُ الأنثروبولوجيا البريطانيُّ إدوارد تايلور وسّع نطاق الثقافة إلى أقصى حدٍّ، ومن هذا المنطلق طرح لها تعريفاً عامّاً وشاملاً، حيث قال: «إنّها في أوسع نطاقٍ دلاليٍّ أنثروبولوجيٍّ تعني ذلك المفهوم العامّ المعقّد الذي يعمّ كافّة أنماط المعارف والمعتقدات والقيم والفنون والأخلاق والحقوق والأعراف والتقاليد، كما يشمل سائر القابليات التي يمتلكها الإنسان والطباع التي يكتسبها بصفته عضواً في مجتمعٍ ينضوي تحت مظلّته»[9].

عالِمُ الاجتماع الأمريكيُّ بروس كوهين بدوره سلّط الضوء على الجانب الروحي للثقافة، وعلى هذا الأساس ذكر تعريفاً مقتضباً لها مؤكّداً على كونها أمراً اكتسابيّاً، حيث قال: «إنّها تجسّد مجموعة من السلوكيّات المكتسبة والأصول الاعتقاديّة لأعضاء أحد المجتمعات البشرية»[10].

عالمُ الاجتماعُ البريطانيُّ أنطوني جيدنز الذي يُدرج اسمُه ضمن قائمة أشهر علماء الاجتماع في العصر الحديث، عرّف الثقافة بأنّها «القيم التي تتبنّاها مجموعةٌ من البشر، وهي عبارةٌ عن قوانينَ يتّبعونها وسلعٍ ينتجونها»[11]. وثقافة أحد المجتمعات برأيه تتضمّن جوانبَ غيرَ محسوسةٍ، مثل المعقتدات والأفكار والقيم التي تصوغ المضمون الثقافي، وتتضمّن كذلك جوانبَ محسوسةً، كالرموز والتقنيّة التي يتبلور المضمون الثقافي في رحابها[12].

الجدير بالذكر هنا أنّنا قادرون على طرح تعريفٍ أكثرَ شموليةً للثقافة ممّا لاحظنا في التعاريف المذكورة أعلاه، وهو كالتالي: الثقافة جزءٌ من معرفةٍ ترسّخت في الشعور المشترك بين الناس أو في باطن المجتمع أو في مختلف جوانب الحياة العامّة للبشر.

المعرفة في هذا التعريف طبعاً لا يُقصد منها الإدراكُ الذهني فحسب، بل المقصود دلالتها العامّة التي تضمّ بين طياتها المشاعر والأحاسيس والنزعات والمعتقدات والعادات والأعراف؛ وكلّ إدراكٍ سواءً كان بسيطاً أو راسخاً في ذات الإنسان كمحرّكٍ له في تبنّي آرائه واتّخاذ قراراته أو في مواجهة ذاته، فهو ينصبّ في بوتقة الثقافة ويصبح جزءاً منها في ما لو اتّسم بميزةٍ شاملةٍ وجماعيةٍ[13].

الثقافة وفق هذا التعريف تشمل المعتقدات والشؤون الإدراكية والمبادئ والقوانين والأعراف والتقاليد والرموز التي تنتقل من جيلٍ إلى آخر، حيث تُكتسب عن طريق التعليم؛ وبهذا فهي تتّصف بميزةٍ جماعيةٍ، ولو أنّ إحدى الثقافات ترسّخت بين مجموعةٍ من البشر على نطاقٍ واسعٍ وشاملٍ، فهي تتّسم بكلّ تأكيدٍ بطابعٍ عامٍّ، لكنّها إن كانت محدودةً سوف تصبح خاصّةً أو فرعيةً.

تجدر الإشارة هنا إلى وجود ثقافاتٍ خاصّةٍ وفرعيةٍ في باطن الثقافة العامّة والشمولية، كما أنّ الطابع الجماعي للثقافة هو عبارةٌ عن قيدٍ يُخرج من تعريفها شتّى المعارف الشخصية والشؤون الخاصّة والقضايا الخارجة عن نطاق معرفة البشر[14].

 الدراسات الثقافيّة (cultural studies):

المعنى الدلالي لمصطلح الدراسات الثقافيّة في هذا المبحث يختلف عمّا هو متعارَفٌ في الدراسات والبحوث الأكاديميّة، حيث يشير إلى مضمارٍ جديدٍ من العلوم الإنسانية، فهي دراساتٌ تنضوي تحتها علومٌ عامّةٌ وأخرى مشتركةٌ بين شتّى الفروع التخصّصية؛ لذلك ما زال الغموض يكتنف الحدود التي تفصلها عن سائر مجالات العلوم الإنسانيّة.

أضف إلى ذلك فهذه الدراسات ليست من سنخ البحوث المتعارفة في العلوم الفيزيائيّة أو الاجتماعيّة أو اللغويّة رغم أنّها تبلورت على ضوء هذه العلوم[15]، ويمكن إطلاقها على مجموعةٍ من الدراسات والبحوث والنظريّات والمناهج والنشاطات النقدية التي تتمحور بشكلٍ أساسيٍّ حول تحليل شتّى الظواهر والنشاطات الثقافيّة[16].

في العقود الماضية ظهرت بين الأوساط الفكريّة فروعٌ علميّةٌ خاصّةٌ بالدراسات الثقافيّة تزامناً مع تأسيس مركز برمنغهام في بريطانيا بفضل مساعي بعض المفكّرين، ومن جملتها فرع علم الاجتماع الثقافي في الولايات المتحدة الأمريكية، وفرع دراسات ما وراء البنيوية في فرنسا، وفرع الدراسات الثقافيّة العامّة في أستراليا وكندا وبعض البلدان الأخرى؛ كما تمّ تأسيس العديد من المراكز العلمية التي تتبنّى تحليل قضايا مشتركةٍ تختلف نوعاً ما مع الأنموذج الكلاسيكي البريطاني؛ إلا أنّ الدراسات الثقافيّة في بريطانيا التي تُعدّ مهداً لهذا المدّ الفكري العالمي، قد بسطت نفوذها في شتّى أرجاء المعمورة واستحوذت على مقاليد الأمور بحيث باتت كلُّ دراسةٍ في المضمار الثقافي تُنسب إليها وأينما دار الحديث عن نشاطاتٍ فكريّةٍ كهذه تتبادر إلى الذهن تلك الدراسات والبحوث التي يتمّ تدوينها في هذا البلد[17].

الدراسات الثقافيّة في عصرنا الراهن تسير نحو التخصّص أكثر ضمن أطرٍ بحثيّةٍ أكاديميةٍ، لذا فهي تتنوّع يوماً بعد يومٍ وتظهر فيها فروعٌ جديدةٌ وأروقةُ بحوثٍ علميّةٍ لم تكن موجودةً سابقاً ما أدّى إلى ترسيخها في الأوساط العلميّة وتثبيت دعائمها بين المفكّرين والباحثين بشتّى مشاربهم الفكريّة؛ وهذه الدراسات ذات ارتباطٍ وطيدٍ ببعض تخصّصات البحث العلمي مثل المواضيع المنضوية تحت فرعَي الأنثروبولوجيا (Anthropology) والسوسيولوجيا (Sociology)، وفي هذا المضمار يُطلق عليها أنثروبولوجيا الثقافة وسوسيولوجيا الثقافة، لكن مع ذلك هناك بونٌ شاسعٌ بينها وبين مواضيع من هذا النمط. وجه الشبه بين الدراسات الثقافيّة والأنثروبولوجيا أنّهما يتمحوران حول دراسة الأجناس البشرية، إلا أنّ الدراسات الثقافيّة لا تتعمّق إلى حدٍّ كبيرٍ في هذا الموضوع، الأمر الذي جعل علماء الأنثروبولوجيا يوجّهون نقداً لها، حيث يدّعون أنّ المعنيين بشؤون البحث العلمي الثقافي لا يعيرون اهتماماً بالقضايا الأنثروبولوجية ولا يدقّقون في تفاصيلها الأساسية، لذلك فإنّهم لا يمتلكون فهماً عميقاً ودرايةً بواقع حياة المجتمعات البشرية التي يُجرون بحوثهم ودراساتهم بخصوصها. وجه الشبه الآخر بينهما يكمن في أنّ الباحث في رحابهما يسعى إلى طرح رؤيةٍ شموليةٍ ذاتِ طابعٍ ثقافيٍّ عامٍّ ومشتركٍ، فعالم الأنثروبولوجيا عادةً ما يتطرّق في دراساته إلى تحليل واقع أحد المجتمعات أو إحدى القضايا الثقافيّة من شتّى النواحي الاقتصاديّة والسياسيّة والاجتماعية والتأريخية، وفي هذا السياق يلجأ إلى عددٍ من العلوم بحيث يتجاوز نطاق الفرع العلمي التخصّصي وإثر ذلك يتوصّل إلى نتائجَ ذاتِ ارتباطٍ بموضوعٍ مشتركٍ بين عدّةِ فروعٍ علميّةٍ؛ وأمّا الدراسات الثقافيّة من هذه الناحية فهي تحكي عن علمٍ له ارتباطٌ بعدّة فروعٍ علميةٍ أيضاً، حيث يتمّ اللجوء فيها إلى النقد الأدبي والنظريّات السوسيولوجيّة والإثنوغرافية، فإلى جانب قيام الباحث ببيان مختلف مبادئ تحليل الخطاب والعديد من القضايا العلمية ومناهج البحث المعتمدة في الأوساط الفكريّة، يبادر بعد ذلك إلى التركيب في ما بينها[18].

إلى جانب التشابه الموجود بين الدراسات الثقافيّة والبحوث الأنثروبولوجية، هناك الكثير من أوجه الاختلاف بينهما، فالدراسات الثقافيّة غالباً ما ترتكز على مبادئَ بنيويةٍ ورؤًى ماركسيّةٍ، بينما البحوث الأنثروبولوجيّة تتمحور مواضيعها في معظم الأحيان حول نقد الظاهراتية والوظائفية وفلسفة اللسانيات؛ وخلاصة الكلام أنّ الباحث في الشأن الثقافي يبادر إلى تحليل النصّ في حين أنّ عالم الأنثروبولوجيا يقوم بتحليلٍ لغويٍّ[19].

مباحث الأنثروبولوجيا الثقافيّة تدور في فلك الثقافة وطبيعة ارتباطها بالبيئة التي تتبلور فيها وشتّى التحوّلات التي تشهدها، والباحثون في هذا المضمار يسلّطون الضوء على المبادئ العامّة والمشتركة للسلوك البشري أكثر من التأكيد على تنوّع ثقافاتهم، كما تتمحور دراساتهم حول سلوك الإنسان أكثر من ارتكازها على المعتقدات.

تجدر الإشارة هنا إلى أنّ المواضيع المطروحة للبحث في مجال الأنثروبولوجيا الثقافيّة تتمحور حول المبادئ الثقافيّة المستوحاة من معطياتٍ تجريبيّةٍ[20]؛ وهي تختلف عن المواضيع المطروحة للبحث في رحاب السوسيولوجيا الثقافيّة، فالباحث في علم الاجتماع يتطرّق مثلاً إلى تحليل واقع الثقافة، بينما الباحث المعني بالدراسات الثقافيّة يتبنّى ضرباً من البحوث التي تتمحور حول تحليل الخطاب، حيث يسلّط الضوء على مجموعةٍ من الرؤى والأفكار والرموز والمسائل الوظيفية المرتبطة بأساليب الحوار في شتّى أنماط العلوم ومسائلها الأساسية، كما يبادر إلى بيان بعض المواضيع الخاصّة والنشاطات الاجتماعية والأطر المؤسّساتية في المجتمع[21].

الاختلاف الهامّ الآخر بينهما يكمن في منشأ كلٍّ منهما، فالسوسيولوجيا الثقافيّة ولدت من رحمٍ أمريكيٍّ في حين أنّ الدراسات الثقافيّة أبصرت النور من رحمٍ بريطانيٍّ، ويمكن تلخيص مجمل الاختلافات بينهما ضمن الموارد التالية:

- المبادئ الوضعية والهرمنيوطيقيّة،

- مناهج البحث النوعية والكمّية،

- المنشأ الجغرافي -البريطاني والأمريكي-،

- المنشأ الفكري السوسيولوجي وغير السوسيولوجي،

- الانحياز أو الحياد علميّاً.

------------------------------------

[1] - جون ستوري، مطالعات فرهنگي درباره فرهنگ عامه (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية حسن يابنده، منشورات «آگه»، إيران، طهران، 2007م، ص: 14.

[2] - سيمون دورينج، مطالعات فرهنگي (باللغة الفارسية)، ترجمته إلى الفارسية حميرا مشير زاده، منشورات مؤسّسة «آينده پويان»، إيران، طهران، 2008م، ص: 11.

[3] - حميد بارسا نيا، روش شناسي انتقادي حكمت صدرايي (باللغة الفارسية)، منشورات «كتاب فردا»، إيران، قم، 2011م، ص 76.

[4] - تد بينتون وإيان جرايب، فلسفه علوم اجتماعي - بنيان هاي فلسفي تفكر اجتماعي (باللغة الفارسية)، ترجمته إلى الفارسية شهناز مسمي برست ومحمود متحد، منشورات «آگه»، إيران، طهران، 2005م، ص 40 - 42.

[5] - علي رضا شايان مهر، دائرة المعارف تطبيقي علوم اجتماعي (باللغة الفارسية)، الجزء الأوّل، الطعبة الأولى، منشورات «كيهان»، إيران، طهران، 1989م، ص 231.

[6] - غلام عباس توسلي، نظريه هاي جامعه شناسي (باللغة الفارسية)، ص 5 - 6.

[7] - فيلب سميث، درآمدي بر نظريه فرهنگي (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية حسن بويان، منشورات مكتب البحوث الثقافية، إيران، طهران، 2002م، ص 13.

[8] - وحيد حسين زاده، مقالة نشرت في مجلّة «فرهنگ عمومي» الفصلية، العدد 12، ص 53.

[9] - داني كوش، مفهوم فرهنگ در علوم اجتماعي (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية فريدون وحيدا، منشورات مركز بحوث الإذاعة والتلفزيون، إيران، طهران، 2005م، ص 27.

[10] - بروس كوهين، مباني جامعه شناسي (باللغة الفارسية)، ص 108.

[11] - أنطوني جيدنز، جامعه شناسي (باللغة الفارسية)، ص 36.

[12] - للاطّلاع أكثر، راجع: المصدر السابق، ص 35.

[13] - حميد بارسا نيا، روش شناسي انتقادي حكمت صدرايي (باللغة الفارسية)، منشورات «كتاب فردا»، إيران، قم، 2011م، ص 22.

[14] - المصدر السابق.

[15] - كرس باركر، مطالعات: فرهنگي نظريه و عملكرد (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية مهدي فرجي، منشورات مركز الدراسات الثقافيّة والاجتماعية، إيران، طهران، 2008م، ص 13.

[16] - مايكل بين، فرهنگ انديشه انتقادي (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية بيام يزدانجو، الطبعة الثالثة، منشورات «مركز»، إيران، طهران، 2003م، ص 678.

[17] - فيلب سميث، در آمدي بر نظريه فرهنگي (باللغة الفارسية)، ص 241.

[18] - نعمت الله فاضلي، إنسان شناسي مدرن در إيران معاصر (باللغة الفارسية)، منشورات «نسل آفتاب»، إيران، طهران، 2009م، ص: 160 - 169.

[19] - مهري بهار، مطالعات فرهنگي: أصول ومباني (باللغة الفارسية)، منشورات «سمت»، إيران، طهران، 2005م، ص: 65.

[20] - المصدر السابق، ص: 70.

[21] - كريس باركر، مطالعات فرهنگي: نظرية وعملكرد (باللغة الفارسية)، ص: 14.