فهرس المحتويات

العتبة العباسية المقدسة المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية سلسلة مصطلحات معاصرة 35 الميتافيزيقا أصل المفهوم وجذوره في تاريخ الفلسفة مهدي قوام صفري تعريب : حيدر نجف
هذه السلسلة تتغيا هذه السلسلة تحقيق الاهداف المعرفية التالية: أولا:الوعي بالمفاهيم واهميتها المركزية في تشكيل وتنمية المعارف والعلوم الانسانية وادراك مبانيها وغاياتها ، وبالتالي التعامل معها كضرورة للتواصل مع عالم الافكار ، والتعرف على النظريات والمناهج التي تتشكل منها الانظمة الفكرية المختلفة. ثانيا:إزالة الغموض حول الكثير من المصطلحات والمفاهيم التي غالبا ما تستعمل في غير موضعها أو يجري تفسيرها على خلاف المراد منها.لا سيما وان كثيرا من الاشكاليات المعرفية ناتجة من اضطراب الفهم في تحديد المفاهيم والوقوف على مقاصدها الحقيقة. ثالثا:بيان حقيقة ما يؤديه توظيف المفاهيم في ميادين الاحتدام الحضاري بين الشرق والغرب،وما يترتب على هذا التوظيف من آثار سلبية بفعل العولمة الثقافية والقيمية التي تتعرض لها المجتمعات العربية والاسلامية وخصوصا في الحقبة المعاصرة. رابعا:رفد المعاهد الجامعية ومراكز الابحاث والمنتديات الفكرية بعمل موسوعي جديد يحيط بنشأة المفهوم ومعناه ودلالاته الاصطلاحية ، ومجال استخداماته العلمية،فضلا عن صلاته وارتباطه بالعلوم والمعارف الأخرى. المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية

الفهرس

مقدّمة المركز5

مدخل7

الفصل الأول

الميتافيزيقا .. ماهية المفهوم وإمكانه 10

الفصل الثاني

المفهوم السينوي للميتافيزيقا26

الفصل الثالث

الميتافيزيقا بما هي علم "الوجود بما هو وجود "74

فهرس المراجع والمصادر80

(4)

مقدمة المركز

تدخل هذه السلسلة التي يصدرها المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية في سياق منظومة معرفية يعكف المركز على تظهيرها، وتهدف إلى بحث  وتأصيل ونقد مفاهيم شكَّلت ولمّا تزل مرتكزاتٍ أساسيةً في فضاء التفكير المعاصر.

وسعيًا إلى تحقيق هذا الهدف وضعت الهيئة المشرفة خارطةً شاملةً للعناية بالمصطلحات والمفاهيم الأكثر حضورًا وتداولًا وتأثيرًا في العلوم الإنسانية؛ ولا سيما في حقول الفلسفة، وعلم الاجتماع، والفكر السياسي، وفلسفة الدين، والاقتصاد، وتاريخ الحضارات.

أما الغاية من هذا المشروع المعرفي فيمكن إجمالها بالآتي:

أولًا: الوعي بالمفاهيم وأهميّتها المركزية في تشكيل وتنمية المعارف والعلوم الإنسانية وإدراك مبانيها وغاياتها، وبالتالي التعامل معها كضرورةٍ للتواصل مع عالم الأفكار، والتعرُّف على النظريات والمناهج التي تتشكّل منها الأنظمة الفكرية المختلفة.

ثانيًا: إزالة الغموض حول الكثير من المصطلحات والمفاهيم التي غالبًا ما تستعمل في غير موضعها أو يجري تفسيرها على خلاف المراد منها. لا سيما وأنّ كثيرًا من الإشكاليات المعرفية ناتجة من اضطراب الفهم في تحديد المفاهيم والوقوف على مقاصدها الحقيقية.

(5)

ثالثًا: بيان حقيقة ما يؤدّيه توظيف المفاهيم في ميادين الاحتدام الحضاري بين الشرق والغرب، وما يترتّب على هذا التوظيف من آثارٍ سلبيةٍ بفعل العولمة الثقافية والقيمية التي تتعرَّض لها المجتمعات العربية والإسلامية، وخصوصًا في الحقبة المعاصرة.

رابعًا: رفد المعاهد الجامعية ومراكز الأبحاث والمنتديات الفكرية بعملٍ موسوعيٍ جديدٍ يحيط بنشأة المفهوم ومعناه ودلالاته الاصطلاحية، ومجال استخداماته العلمية، فضلًا عن صِلاته وارتباطه بالعلوم والمعارف الأخرى.

وانطلاقًا من البعد العلمي والمنهجي والتحكيمي لهذا المشروع، فقد حرص المركز على أن يشارك في إنجازه نخبةٌ من كبار الأكاديميين والباحثين والمفكّرين من العالمين العربي والإسلامي.

 

 والله ولي التوفيق
(6)

مدخل 

تتناول هذه مفهوم الميتافيزيقا في نشأته اليونانية الأولى وفي تطوّراته المعرفيّة التي سرت في فضاءات الفلسفة ولا سيما في الفضاء الإسلامي.

كما تتطرّق إلى المرتكزات الفلسفية للمفهوم انطلاقاً من تعريفاته القديمة وصولاً إلى ما دأبت عليه الفلسفة الغربية في سياق تأصيلاته الحديثة.

لعلّ أبرز التحوّلات التي استجدت على التعريف الكلاسيكي للميتافيزيقا هو ما قدّمته الفلسفة الحديثة من تنظيرات وجدت تأسيساتها مع الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط. فقد رأى الأخير أن الميتافيزيقا هي العلم باللاّمحسوسات لكن سيبدو لنا كما لو أنه كان مضطرباً متردداً في هذا الخصوص حيث سيقدم لهذا السؤال جواباً مزدوجاً هو التالي:

1 ـ الميتافيزيقا هي العلم بالله والنفس والعالم.

2 ـ الميتافيزيقا هي العلم بالله والنفس وحرية الإرادة. لقد كان هذا التصور غير مسبوق ـ كما يُبين المؤلف ـ  لأنّه انبثق وأوجِد

(7)

في حقبة علم المعرفة الغربي الحديث، ولم تعتبر الميتافيزيقا أبداً مجرد علم باللامحسوسات لا في الفلسفة الإسلامية ولا في فلسفة القرون الوسطى، ولا حتى في الفلسفة اليونانية القديمة نفسها، أي: عند أرسطو على وجه التحديد. مهما يكن من أمر فإن ما يعترض عليه كانط على تعاليم أسلافه ليس الميتافيزيقا، بل هو شبح جسّدته تعاليمُهُ الخاصة، وهو ما سيتعرّض له هذا الكتاب بالتحليل والنقد.

الهيئة العلميّة
(8)

 

 

 

 

 

 

الفصل الأول

الميتافيزيقا.. ماهية المفهوم وإمكانه

(9)

 

 

 

الميتافيزيقا.. ماهية المفهوم وإمكانه

كانت الميتافيزيقا بالنسبة لأرسطوذ علم تبيين الواقع، وكان يحاول في إطارها أن يدرس الوجود كلّه دفعة واحدة من حيث أوصاف لا يستطيع أيُّ علم جزئي آخر دراستها. كان ينظر للميتافيزيقا (أو ما بعد الطبيعة، أو ما وراء الطبيعة) من زاوية تنكشف فيها أوجه معينة من الواقع غفلت عنها الدراسات الأخرى بالمرّة. بيد أن سوء فهمٍ كبير ظهر تدريجياً في الفلسفة الغربية، وخصوصاً من مطلع الحقبة الحديثة إلى زمن كانط، بخصوص ماهية الميتافيزيقا إلى درجة أن كانط اختزل موضوعها من الوجود كله إلى ثلاث قضايا كحدّ أقصى هي الله، والنفس، والعالم، وأوضح أن هناك حول كل واحدة من هذه القضايا ثلاث أو أربع مسائل معينة تمثل موضوع الميتافيزيقا. وبالنتيجة فإن ما أنكره كانط بعد جهد جهيد لم يكن، بحالٍ من الأحوال، الميتافيزيقا التي طرحها أرسطو ونضّجها وطوّرها الفلاسفة المسلمون. كان كانط يمشي في فضاء فارغ ويقاتل عدوّاً وهمياً خيالياً يتمثل في تصورٍ واهٍ للميتافيزيقا دسّه أساتذتُهُ في ذهنِهِ، من دون أن يكون لهذا التصور أيّ مصداق. لم يكن لكانط أي تصور واضح عن الصفات العامة للوجود التي طرحها أرسطو،

(10)

بل ويمكن القول، بشهادة كتاباته، إنّه وبتأثير من تصاعد حُمّى ما يسمّى بالتنوير في زمانه، لم يقرأ كتاب الميتافيزيقا لأرسطو أبداً، وعندما كان يواجه كلمة الميتافيزيقا تعود به الذاكرة إلى السنين التي كان يقضي فيها أوقاته بتدريس كتاب «الميتافيزيقا» لألكسندر بومغارتن. فكّر كانط لسنين طويلة، تمتد إلى إثني عشر عاماً، في عدم جدوى تصوره للميتافيزيقا، وخوفاً من عجزه عن استكمال مشروعه بسبب تقدّمه في السنّ، دوّنَ أفكاره المناهضة للميتافيزيقا في غضون ما لا يزيد عن خمسة أشهر[1]. وبعد فترة من الإقبال على مثل هذه الأفكار المناهضة للميتافيزيقا وعندما خمدت أخيراً حمّى معاداة الميتافيزيقا وما اكتنفها من مشاعر وعواطف، عاد الفلاسفة، وخصوصاً في النصف الثاني من القرن العشرين، ثانيةً إلى المفهوم الحقيقي الصحيح لميتافيزيقا أرسطو، والعالم يشهد اليوم انتشار كتب جديدة تحت عنوان الميتافيزيقا.

في هذا الفصل، والذي يمثل الفصل الأخير من هذه الدراسة، نحاول أولاً معالجة مفهوم الميتافيزيقا وإمكانها بالشكل الذي صاغه أرسطو وطوّره من بعده الفلاسفة المسلمون، وخصوصاً ابن سينا، على نحو واضح وكامل. ثم نستعرض بشكل موجز

(11)

المسار التاريخي لظهور التصور الخاطئ للميتافيزيقا والذي تلقاه كانط عن أسلافه.

 المفهوم الأرسطي للميتافيزيقا[1]

في مستهل كتابه المسمّى «ما بعد الطبيعة»[2]، يسمّي أرسطو ما نسمّيه الميتافيزيقا بالحكمة (سوفيا)، ويصفه بأنه بحث عن التبيينات (آيتياي) أو العلل، وعلم تبييني (إبستيمي). وكان يقصد أن الحكمة علم يقول لنا لماذا ذلك الشيء المعيّن هو ما هو عليه. علم التبيين إذن هو ذلك العلم العلمي، ويمكن ترجمة الإبستيمي ببساطة بأنه العلم العلمي. مراراً ما أطلق أرسطو على الميتافيزيقا اسم الإبستيمي، بل وفي الفصل الأول من كتاب «اپسيلن» من «ما بعد الطبيعة» يسمّي هذا العلم بالپروته اپيستمه (العلم العلمي الأول)[3] لأنه يعتقد أن الحكمة (ما بعد الطبيعة) تبحث عن أكثر التبيينات جذرية وتأصلاً، وهي التبيينات التي يسمّيها التبيينات والأصول الأولى، لأنها تبيّن وتفسّر كل الأشياء، أي جميع الأشياء الموجودة. وهكذا، يعرّف أرسطو قارئ كتابه «ما بعد الطبيعة» تدريجياً على القضية الرئيسية في الميتافيزيقا (الحكمة)، وهي: ما هو الوجود (تي

(12)

تو أن)؟ ولا يدّعي أرسطو أن هذا السؤال من اختراعه، بل على العكس يذهب إلى أن كل المفكّرين السابقين منذ القدم طرحوا نفس هذا السؤال، وكان نفس هذا السؤال مبعث حيرة وتيه، ولا يزال كذلك إلى الآن (ما بعد الطبيعة، زتا، 1، 1028 ب 2 ـ 4):

الواقع أنّ ما جرى البحث عنه دائماً، الآن ومنذ القدم، وكان دائماً سبب حيرة هو السؤال القائل: ما هو الوجود؟

وبهذا، فهو يعتقد أن المفكّرين قبله أيضاً حقّقوا في الوجود وتفلسفوا بشأن الواقع (ما بعد الطبيعة، آلفا الكبيرة، 3، 983 ب 1 ـ 3). في الفصول 1 ـ 10 من الكتاب الأول من «ما بعد الطبيعة» يذكر أرسطو بوضوح أسماء الفلاسفة الذين سبقوه إلى الخوض في قضية الوجود: طالس، وأناكسيمنس، وديوجنس، وهيپاسوس من أهل متاپونتوس، وهيراقليطس، وإمبادوقليس، وإنكساغوراس، وهرموتيموس من أهل كلازومناي،  وليوكيپوس وديمقريطس، والفيثاغوريين، وإفلاطون نفسه، ممن كانوا قد طرحوا السؤال عن الوجود. بل ويمكن حتى أن نقول إن هسيودوس أيضاً قد تابع هذه المسألة[1]. حتى أن أرسطو يَعِدُ بأنه يجب في المستقبل تصنيف هؤلاء المفكرين بحسب تقدّمهم في اكتشاف

(13)

القضية[1]، ولكن يلوح أنه نسي لاحقاً وعده هذا فلم يذكر شيئاً بهذا الخصوص.

في الفصل الافتتاحي من «ما بعد الطبيعة» يقرر أرسطو أن إثارة السؤال عن الوجود هو ثمرة حيرة وتيه (ثايومازين) الإنسان وتوقه إلى أداء واجبه الإنساني. يقول لنا في الفصل الأول إن سائر الحيوانات تعيش بتصوراتها وذكرياتها، ولا تتمتع بالتجربة (امپيريا) المتواصلة إلّا قليلاً، «أما الجنس البشري فيعيش بالفن (تخنه) والاستدلالات (لوغيسمويس) أيضاً»[2]. يذهب أرسطو إلى أن الفن خلافاً للحواس التي تتعامل مع الجزئيات، عبارة عن التوصّل إلى إدراكات كليّة (كاثولو)، وهذا من شأن الإنسان فقط. بالإضافة إلى ذلك فإن من فوارق الفن عن الحواس أن الحواس لا تستطيع أبداً تقرير لماذية (تو دياتي) شيء من الأشياء وإعطائها لنا وإتحافنا بها، بينما يَعْرِفُ الفنُّ «اللماذيةَ والتبيينَ (العلة) معاً»[3]. ولهذا السبب لا يتسنى اعتبار أيّ من الحواس بأنها حكمة[4]. الحكمة معناها الخوض في لماذية الأشياء والأمور، وخصوصاً اللماذات الأكثر كلية، والتي تتحفنا بالتبيينات (العلل) الأولى. إنها الوظيفة المعرفية

(14)

للجنس البشري، والتعاطي بها هو في الحقيقة أداءٌ لأكثر واجبات الإنسان المعرفيةِ إنسانيةً.

أما الفصل الثاني فيقول لنا إن الحيرة والتيه كانا المنطلق والخطوة الأولى نحو أداء هذه الوظيفة الإنسانية. وهذا كلام لا يصحّ بشأن الفلاسفة الأوائل وحسب، بل وحتى الآن أيضاً. الإنسان الذي يجد نفسه حائراً تائهاً سيشعر أنه جاهل، لذلك سيحاول إزالة جهله عن طريق كسب المعرفة. تبدأ الحكمة عن طريق حيرة الإنسان وتيهه حيال مسألة الوجود، وهكذا فسؤال الوجود ليس سؤالاً عادياً، إنما يعرض الوجودُ نفسَه كلُغزٍ على الإنسان من حيث هو إنسان، وهذه حقيقة يعضّدها ـ حسب رأي أرسطو ـ حتى تاريخ الفلاسفة الأوائل.

نظرة أرسطو لسؤال الوجود هذه نسخة أخرى لنظرة إفلاطون للموضوع. سبق إفلاطونُ أرسطو في الحديث عن حالة الحيرة إزاء الوجود. وفي محاورة السوفسطائي (242 ب فما بعد) خصوصاً، يطرح إفلاطون بوضوح الطابع الملغّز للوجود مع إشارات إلى معتقدات الماضين المتنوّعة في هذا المضمار. وربما (وربما أكثر من ربما) كان أرسطو عندما يتحدث عن لغز الوجود ويعتبره المحور الأهم لنقاشات الماضين والمعاصرين، ربما كان يستذكر تعليمات أستاذه.

(15)

معرفة أن الحكمة تبدأ من منطلق الحيرة والتيه تفضي إلى نتيجة فحواها أنه من الواضح إذن أن الحكمة تُطلَبُ من أجل المعرفة والعلم فقط، وليس لأيّ هدف نافع آخر[1]. والواقع يؤيد هذه الفكرة، لأن هذا العلم يُطلَبُ فقط عندما تتوفر للبشر مسبقاً كل ضروريات الحياة والأشياء التي يحتاجونها لرفاههم وراحتهم. إذن، من الجليّ إننا في بحثنا عن هذا العلم لا نبحث عن أية أرباح أو منافع أخرى غيره. وعليه، كما نقول: إن الإنسان الحرّ هو الإنسان الذي يعيش لنفسه وليس للآخر، كذلك:

نبحث عن هذه الحكمة كعلمٍ حرّ (اليوثران) فذّ فريد، لأنها موجودة من أجل نفسها[2].

وبالتالي، ينبغي النظر لهذا العلم الحرّ باعتباره عملاً إلهياً بمعنيين:

1 ـ التوفّر على مثل هذا العلم الحرّ فوق قدرة الإنسان، لأن طبيعة الإنسان مقيدة بقود شتى ولأسباب عديدة، وعلى حد تعبير سيمونيدس (Simonides) «الله (ثيوس) وحده هو الذي يستطيع التحلّي بهذه الميزة».

2 ـ من ناحية أخرى، يتناول هذا العلم الأمور الإلهية

(16)

(ثيوس) وموضوعه موضوع إلهي، لأن التصور هو أن الله موجودٌ بين علل كل الأشياء، وهو الأصل الأول. وهذا العلم يخوض في هذه العلل والأصول الأولى، وبالتالي سيكون الله أيضاً موضوعَ دراسة هذا العلم. يعتقد أرسطو أنه بالرغم من أن هذا العلم جدير بالله أكثر من أيّ عالـِمٍ آخر، وأن الله يمتلك هذا العلم إما بمفرده أو أكثر من كلِّ من سواه، فخلافاً لكلام سيمونيدس، وجرياً مع المثل القائل إن الشعراء كثيراً ما يكذبون، ولأن الألوهية ليست حسودةً بخيلةً، لذا يستطيع الإنسان أيضاً التوفر على هذا العلم[1]. وضعية الحكمة هذه تعني في الحقيقة أن «كل العلوم الأخرى في الواقع أكثر ضرورةً منه، لكن أيّـاً منها ليس بأفضل منه»[2]. وهكذا، بالمستطاع تسمية الحكمة من حيث المعنى الثاني بالإلهيات (ثيو لوغيكه)[3].

يتسنى من كل ما مرّ بنا من قولٍ استنتاجُ نتائج عدّة منها أن أرسطو عند ذكره لسمات الحكمة (سوفيا) في «ما بعد الطبيعة» استخدم مفردة سوفيا بمعنى أخص يعادل معنى ما بعد الطبيعة. لسوفيا كما يتبين مثلاً من «الأخلاق النيقوماخية، 6، 7» معنىً أوسعُ مما أراده أرسطو في البحوث السابقة. ويشمل هذا المعنى الأوسع حتى الطبيعيات والسياسة وكذلك مهارات

(17)

الفنون. على أنه يستخدم هذه المفردة هنا ـ خلافاً لباقي آثاره ـ بمعنى خاص، ويقصرها على علم واحد من بين العلوم والفنون. وهذا المعنى عبارة عن علم العلل الأولى أو العلم بأعمّ العلل وأكثرها كليةً. وهذا هو الشيء الذي أطلق عليه من بعده اسم علم ما بعد الطبيعة.

إذا كانت ما بعد الطبيعة علم العلل (التبيينات) الأولى أو العلل (التبيينات) الأعم والأكثر كليةً، إذن يمكن حالياً تشخيص سمتين إثنتين لها:

1 ـ ما بعد الطبيعة أو الميتافيزيقا هي علم التبيينات الأولى أو النهائية، أي علم التبيينات التي لا تحتاج إلى تبيين، وهي بذلك نهائية.

2 ـ الميتافيزيقا علم تبييني لكل شيء، أي إنه علم يطرح في الوقت نفسه تبييناً لكل الأشياء الموجودة، ويبيّن جانباً من صفات كل الأشياء الموجودة في آن واحد. يسمّي أرسطو الميتافيزيقا من حيث سمتها الثانية العلم الكلّي (كاثولو اپيستمه)[1]. طبعاً ليس قصده من العلم الكلّي أن الميتافيزيقا تبيّن كلَّ شيء حول كلِّ شيء. بعبارة أخرى، الميتافيزيقا تبين كلَّ شيء من حيث أنه موجود لا من حيث أن كلَّ واحد من هذه الأشياء شيء معين. وهكذا فالميتافيزيقا عبارة عن علم التبيينات والأصول النهائية

(18)

لكل شيء من حيث هو موجود لا من حيث أنه شيء معين. هنا يتلاقى التعريفان اللذان يطرحهما أرسطو للميتافيزيقا ويرتبطان أحدهما بالآخر. والحقيقة هي أن تعريفه الأول للميتافيزيقا باعتبارها علم التبيينات والأصول النهائية لكل شيء يفضي بشكل طبيعي إلى التعريف الثاني للميتافيزيقا باعتبارها علم تبيين الوجود من حيث هو وجود. يكتب أرسطو في هذا الصدد (ما بعد الطبيعة، گاما، 1، 1003 ألف 21 ـ 24):

ثمة علم يحقق في الوجود بما هو وجود (تو أن هي أن) والصفات التي يتصف بها بسبب طبيعته (تا تو تو هو پارخونتا كاث هو تو)[1]. وهذا ليس أيّـاً مما نسميه العلوم الخاصة، لأن أيّـاً من العلوم الأخرى لا تدرس الوجودَ بما هو وجود.

وعليه، متى ما خضنا في الميتافيزيقا نكون في الواقع:

قد درسنا أصول (آرخاي) وعلل الأشياء الموجودة، وواضح أننا هنا ندرس أصول الأشياء وعللها باعتبارها وجوداً[2]،

(19)

وليس الأشياء باعتبارها أشياء. فالأشياء بما هي أشياء تدرس في العلوم التي تسمّى علوماً خاصة، وليس في علم الميتافيزيقا. والواقع هو أن كل علم خاص (جزئي) يدرسُ طبقةً من الموجودات من حيث أن لها صفات معينة، أما في الميتافيزيقا فلا يقتصر البحث على طبقة معينة من الموجودات، إنما يندرج كل ما هو موجود من حيث كونه موجوداً ضمن نطاق البحث الميتافيزيقي، مهما كان ذلك الشيء الموجود ولأية طبقة من الموجودات انتمى، سواء للمحسوسات أو لغير المحسوسات، وسواء انتمى للأشياء الخالدة أو للأشياء الفانية. فلماذا كانت الميتافيزيقا هكذا؟ لأن الميتافيزيقا تبحث عن الأصول والتبيينات الأولى للوجود بما هو وجود، والوجه المشترك الأول لكل الموجودات مهما كانت هو أنها موجودة، أي إن لها وجودها[1]. وهكذا فإن مديات البحث الميتافيزيقي من حيث الموضوع هي بالضبط مديات الوجود، وإلى أين ما امتدت مساحة الوجود امتد معها تواجد الميتافيزيقا وحضورها. وكل من يطلق وصفاً أو تعريفاً للميتافيزيقا، عن عمد أو عن غير عمد، يتقلص بموجبه موضوعُ بحث الميتافيزيقا إلى شيء أو أشياء معينة، يكون في الواقع قد هبط بالميتافيزيقا إلى مستوى علمٍ خاصٍ (علم جزئي). الميتافيزيقا ليست غير محدودة بشيء

(20)

أو أشياء معينة وحسب، بل حتى لو افترضنا وجود علم يدرس كلّ الأشياء ولكن لا من حيث كونها موجودة بل من حيثيات أخرى، فإن هذا العلم لن يكون ميتافيزيقا. وأساساً، لا يمكن لأيّ علم أن يخوض في كل الجواهر، وإذا قال قائل بذلك لم يكن قوله هذا معقولاً أو محتملاً:

ففي هذه الحالة سيكون هناك علمٌ برهاني واحد فقط يَدرُسُ كلَّ الصفات، لأن أيّ علم برهاني يَدرُسُ الصفاتِ الذاتيةَ لموضوع معين بانطلاقه من المعتقدات المشتركة[1].

أي علم ذاك الذي يدرس الأعراض والصفات الذاتية لكلّ الجواهر؟ لا يوجد مثل هذا العلم، لأن كل علم يدرس الصفات الذاتية لجوهر معين، هو علم خاص أو علم جزئي كما يسمّى. على سبيل المثال ثمة علم خاص يدرس «الأشياء التي لا تنفصل عن المادة لكنها ليست غير متحركة» وهذا العلم الخاص هو «العلم الطبيعي»[2]. وإذن، فـ «عدد أجزاء الفلسفة بعدد أنواع الجواهر»[3]. وعلم الرياضيات هو الآخر لا يمكنه أن يدرس كل الجواهر لأنه أيضاً يتعامل مع أشياء غير متحركة، ولكن من المحتمل أنها غير موجودة منفصلةً عن المادة، بل

(21)

هي في المادة[1]. إذن، لا العلم الطبيعي ولا علم الرياضيات، لا يستطيعان الخوض في الصفات الذاتية لكل الجواهر. وعليه فتقييد الميتافيزيقا بدراسة الصفات الذاتية لجواهر معينة مثل الله أو النفس، أو لجوهر اعتباري مثل العالَم في كلّيته، هو تجاهل لماهية البحث في الميتافيزيقا. ليس أيُّ علمٍ يبحث في الصفات الذاتية لأمر معين بميتافيزيقا.

إذن، ألا يوجد علم واحد، بأيّ منهج كان، يستطيع البحث في كل الجواهر ودراستها؟ هذا سؤال يجد أرسطو نفسه أمامه في الفصل الثاني من الكتاب «بيتا» من «ما بعد الطبيعة» (977 ألف 15 ـ 20، الفقرة التي أوردنا ترجمتها أعلاه). هل مثل هذا العلم ممكن؟ لا مراء في أن أرسطو في هذه الفقرة وفي فقرات مماثلة من كتابه «ما بعد الطبيعة»، والتي أشرنا لها في الهامش رقم 19 من هذا الفصل، يطرح الشكل الصائب للمسألة، والذي طرح بعد ذلك بتعبير «إمكان الميتافيزيقا». الشخص الذي طرح هذه المسألة بهذا النحو، وبسبب موجة معاداة الأرسطية التي شاعت في تلك الحقبة التي تسمى عصر التنوير، لم يكن يتصور أبداً أن يكون أرسطو قد طرح مثل هذه المسألة، وبشكلها الصحيح، وقدّم لها إجابة معقولة. إنما تصور أنه طرح مسألة لم تكن مطروحة لدى إنسان من قبله، ولأن تصوره عن

(22)

أساس هذا العلم، كما سنرى في أواخر هذا الفصل، لم يكن تصوراً صائباً، لذا لم يستطع أن يجد لسؤاله المكرور إجابةً معقولةً، بل إن سؤاله، وبسبب ترعرعه ونشوئه الخاص في بيئة فهمٍ غير صحيحٍ للميتافيزيقا وفي مناخٍ معادٍ للأرسطية، كان في الأساس سؤالاً استنكارياً، وقد انصبّت كل جهوده على إنتاج جواب سلبي لهذا السؤال انطلاقاً من مقدماته غير الصائبة التي تبناها. لقد تصور، كشخص سمين من الورم، أن سؤاله وإجابته يغلقان إلى الأبد طريق البحث الميتافيزيقي، ويجففان، دفعةً واحدةً، الأحبارَ في أقلام كل الكتّاب الميتافيزيقيين، ويصدّانهم عن الكتابة حول الميتافيزيقا.

لقد كان أرسطو واعياً لقضية إمكان الميتافيزيقا التي يشار لها الآن باسم صعوبة (آپوريا) بيتا الثالثة، وقد كان جوابه عن هذه المسألة بالطبع جواباً إيجابياً: من بين الفلسفات النظرية يجب أن تكون الفلسفة التي تَدرُسُ فيما تَدرُسُ الجوهرَ غير المتحرك (الإلهيات) متقدمةً وفلسفةً أولى (الاسم الآخر للحكمة والميتافيزيقا). ولأن هذه الفلسفة أولى فهي كلية. وهي كلية بمعنى «أنها تختص بدراسة الوجود بما هو وجود، سواء ما هو الوجود أو صفاته التي يتصف بها بما هو وجود»[1]. إذن، إجابة أرسطو عن السؤال الكامن في صعوبة بيتا الثالثة،

(23)

والذي يعتبره سؤالاً صعباً أو مسألة صعبة، إجابة إيجابية من جهة واحدة فقط، ومن المهم التأكيد على هذه الجهة. لا يشك أرسطو أبداً في أنه لا يمكن لعلم واحد بمفرده دراسة الصفات الذاتية لكل الجواهر. وهذا يعني أن العلم الواحد لا يستطيع دراسة الخصوصيات الأصلية لكل شيء من حيث أن ذلك الشيء موجود، فهذه مهمة تقع على عاتق العلوم الخاصة (الجزئية بهذا المعنى). ولكن ثمة في هذه الغمرة علماً هو أولاً علمٌ نظريٌّ وثانياً ليس أيّـاً من العلوم الجزئية، أي علوم الطبيعيات والرياضيات والإلهيات، ومع ذلك فهو يدرس كل الجواهر التي تمثل موضوع بحث كل هذه العلوم النظرية، يدرسها من جهةٍ وحيثيةٍ معينةٍ كموضوع له. يدرس هذا العلمُ، والذي يسمّى الحكمة أو ما بعد الطبيعة، كل هذه الجواهر على الرغم من خصوصياتها المتفاوتة، من حيث وفقط من حيث كونها موجودة، ولها بسبب وجودها صفاتٌ خاصةٌ. والحقيقة هي أن الميتافيزيقا تدرس كل الجواهر من حيثية واحدة كلية، حيثية تتعلق بوجود الجواهر، وليس بأشياء معينة ولا بتفاوت الجواهر فيما بينها. بهذا المعنى، يعتقد أرسطو أن الميتافيزيقا ممكنة، بصفتها علماً واحداً هو علم الأصول الأولى والعلل والتبيينات الأولى والنهائية، وفي الوقت ذاته علماً بالوجود بما هو وجود وبالملحقات الذاتية للوجود بما هو وجود.

(24)

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني

المفهوم السينوي للميتافيزيقا

 

(25)

 

 

 

المفهوم السينوي للميتافيزيقا

يبحث ابن سينا في الفصلين الافتتاحيين من (إلهيات الشفاء) حول المسألة التي تقول: ما هو موضوع ما بعد الطبيعة؟ يرتكز الفصل الأول على فكرة أن فريقاً من الفلاسفة والباحثين أخطأوا بخصوص موضوع ما بعد الطبيعة، وجعلوا بعض أفكارها ومسائلها في محلّ موضوعها. من هنا كان الفصل الأول ذا منحى سلبي، وبهذا اختار ابن سينا عنوان هذا الفصل بالشكل التالي: «في ابتداء طلب موضوع الفلسفة الأولى لتتبيّن إنيّته في العلوم». وللفصل الثاني منحى إيجابي يحاول فيه ابن سينا أن يقول بمنتهى الوضوح ما هو موضوع ما بعد الطبيعة. لذلك نراه يختار عنوان الفصل كما يلي: «في تحصيل موضوع هذا العلم».

الشيء الأول الذي يقوله في الفصل الأول حول ما بعد الطبيعة هو أنهم قالوا إن هذا العلم، والذي يسمّى أيضاً العلم الإلهي، هو من أقسام العلم النظري، ويُبحثُ فيه في أمور هي من حيث الوجود والحدّ منفصلة عن المادة. وقالوا أيضاً إن العلم الإلهي علم يبحث فيه عن الأسباب الأولية للوجود

(26)

الطبيعي والرياضي وملحقاتهما، وعن مُسبِّب الأسباب ومبدأ المبادئ وهو الإله (تعالى جَدُّه) (ص4)[1]. ثم يقول إنهم يقولون إن الفلسفة الأولى، والتي يسمونها في الوقت نفسه الفلسفة الحقيقية، موجودة، وهذه الفلسفة الأولى هي التي تثبت وتصحح مبادئ العلوم الأخرى، وهذه الفلسفة هي الحكمة الحقيقية. ثم يعرّف الحكمة على ثلاثة أنحاء:

1 ـ  الحكمة هي أفضلُ علمٍ بأفضلِ معلومٍ.

2 ـ الحكمة هي أصحُّ المعارف وأكثرها يقينيةً.

3 ـ الحكمة عبارة عن العلم بالأسباب الأولية لكل شيء (الكل).

هل تتعلق هذه التعاريف الثلاثة بعلم واحد أم بعلوم مختلفة يسمى كل واحد منها حكمةً؟ يتابع ابن سينا بحثه بالقول إن ما بعد الطبيعة هي نفسها الفلسفة الأولى والحكمة المطلقة، والصور الثلاث أعلاه هي في الحقيقة صفاتٌ لعلمٍ واحد هو ما بعد الطبيعة (ص 5).

ثم يتناول ابن سينا الموضوع القائل إنه بخلاف تصور البعض، لا يجوز أن يكون وجود الله (تعالى جده) موضوعاً

(27)

لما بعد الطبيعة. ويستدل في هذا الشأن بما يلي: كما أثبتنا في كتاب البرهان بالتفصيل فإن وجود موضوع كل علم يُعَدُّ أمراً مفروغاً منه في ذلك العلم، فذلك العلم لا يدرس إلّا أحوال ذلك الموضوع[1]. ولا يمكن اعتبار وجود الله مفروغاً منه في ما بعد الطبيعة، لأن ذلك من مسائل ما بعد الطبيعة ومطلوباتها. فبغير ذلك لن يخرج الوضعُ عن حالين:

1 ـ إما أن يكون وجودُهُ أكيداً راسخاً مفروغاً منه في هذا العلم (ما بعد الطبيعة) ومطلوباً في علم آخر، أو:

2 ـ أن يكون مفروغاً منه في هذا العلم وفي الوقت ذاته غير مطلوب في أيّ علم آخر.

وواضح أن كلا هذين الوجهين باطل، إذ لا يجوز أن يكون وجوده (تعالى جده) مطلوباً في علم آخر، فما عدا علم الأخلاق وعلم السياسة، وعلم الطبيعيات، وعلم الرياضيات، وعلم المنطق، لا يوجد علم حِكمي آخر، والحال أن أيّ واحد من هذه العلوم الحِكمية لا تناقش إثبات الإله (تعالى جده)[2].

(28)

بل إن هذه العملية غير جائزة أساساً، بمعنى أن أيَّ علم من العلوم لا يُثبِت وجودَه، وليس هذا وحسب بل إن إثبات وجودِه في العلوم الأخرى غير جائز، لأن مسائل كل علم عبارة عن إثبات العرض الذاتي لموضوع العلم، والعرض الذاتي هو ما يلحق بالموضوع إما بسبب ذات الموضع نفسه أو بسبب أمر مساوٍ للموضوع. ومن جهة أخرى فإن موضوع مسألة العلم إما عينُ موضوع العلم، أو نوعٌ منه، أو عرضٌ ذاتي له، أو عرضٌ ذاتيّ لنوعٍ منه، وما يقوِّم العلم بحسب الماهيةِ أو بحسب وجودِ موضوعِ العلم، لا يجوز أن يكون مطلوباً في ذلك العلم. وعليه، لا يتسنى لأي علم، ما عدا الميتافيزيقا، أن يبحث في مبدأ كل الموجودات. وإذن، لا يمكن لوجود الله تعالى أن يكون مفروغاً منه في ما بعد الطبيعة، وأن يكون مطلوباً في علم غير ما بعد الطبيعة، وأن يصار إلى إثباته هناك.

والشق الثاني باطل أيضاً، أي إن من الباطل كذلك أن يكون وجوده تعالى مفروغاً منه في ما بعد الطبيعة ويكون مطلوباً في

(29)

علم غير ما بعد الطبيعة، لأن وجوده في هذه الحالة لن يكون مطلوباً أساساً في أيّ علم، وإذا كان الأمر كذلك فلن يخرج وضعه عن حالين:

1 ـ إما أن يكون بيّناً بذاته.

2 ـ وإما أن نيأس من تبيينه النظري.

الشق الأول ليس بصحيح، أي إنه ليس بيّناً بذاته لأننا يجب أن نسوق الدليل لإثبات وجوده تعالى. والشق الثاني غير صحيح أيضاً، بمعنى أننا لسنا يائسين من تبيينه النظري لأننا نمتلك الدليل على وجوده. أضف إلى ذلك أنه كيف يمكن لليائس من بيان وجود الله تعالى أن يؤمن بوجوده؟[1].

هذا السؤال يطرحه الشيخ الرئيس ابن سينا، والذين يقصدهم بسؤاله هذا هم الذين يَعتبِرون، واهمين، وجودَ الله بَدَهياً، أو يجرون مجرى كانط في استنباط وجود الله بطريقة شعورية من قبيل استنباطه أو بتعبير أدق الشعور به عن طريق الشعور بالواجب (الوظيفة) وما إلى ذلك. مثل هؤلاء النفر يكرّسون في الواقع أسس الإلحاد الحديث، ويدعون الإنسان

(30)

إلى شيء لا يستطيعون البرهنة على وجوده! لا ريب في أن مثل هذه البداهات المزعومة أو المشاعر الأخلاقية إذا وجدت لها أنصاراً وأتباعاً فإنها سوف تُقبَلُ في مجالات غير معرفية، والقبول غير المعرفي وغير العقلاني قبولٌ عملاني مؤقت، فإذا زالت أرضيات ذلك القبول غير العقلاني في موضع ما، زال القبول أيضاً.

على كل حال، النقطة التي يشدد عليها ابن سينا، فضلاً عن الفكرة أعلاه، هي أن وجود الله لا يمكنه إطلاقاً أن يكون موضوعاً لما بعد الطبيعة. وبغير ذلك فإن وجوده إما أن يكون بديهياً أو أن يعتبر تبيينُهُ النظري غير ممكن. سارت الفلسفة الغربية في عهديها الحديث والمعاصر في كلا الطريقين بشكل مستعار، وأنصار الفلسفة الغربية المسلمون، والذين لا يرغبون في التدبر في الفلسفة الإسلامية لأسباب عدة، يسيرون هم أيضاً في هذا الطريق أحياناً وفي ذاك الطريق أحياناً أخرى.

إذن، ما بعد الطبيعة وحدها هي التي تتحلى بأهلية النقاش حول وجود الله، وعليه لا يعود من الجائز أن يكون وجودُه موضوعاً لما بعد الطبيعة، لأنه ليس ثمة علمٌ يُثبِتُ موضوعَه.

والآن، إذا لم يكن وجود الله موضوعاً لما بعد الطبيعة فقد يقال إن موضوع ما بعد الطبيعة هو الأسباب القصوى

(31)

للموجودات. إذا قالوا هذا يردّ عليهم ابن سينا بالقول إن النظر في الأسباب ممكن على أربعة أشكال:

1 ـ النظر في الأسباب من حيث كونها موجودات.

2 ـ النظر في الأسباب من حيث إنها أسباب مطلقة.

3 ـ النظر فيها من حيث أن كل واحد من الأسباب الأربعة تختص به، أي من حيث أن هذا فاعلٌ وذاك قابلٌ، والآخر شيء آخر.

4 ـ النظر فيها من حيث أنها مجموعة تستحصل من كل تلك الأسباب الأربعة (ص 7).

ويدحض ابن سينا الشكل الثاني والثالث والرابع من بين هذه الأشكال الأربعة، ويوافق الشكل الأول بتفسيره الخاص الذي يعرضه له.

الشكل الثاني باطل، أي لا يمكن لموضوع ما بعد الطبيعة أن يكون النظرَ في الأسباب المطلقة حتى يبحث هذا العلمُ في أمور تلحق بالأسباب من حيث هي أسباب مطلقة. يتجلى بطلان هذا الوجه عن طريقين: الأول هو أن بعض المعاني التي تبحثها ما بعد الطبيعة ليست من الأعراض التي تختص بالأسباب من حيث هي أسباب، وذلك من قبيل بحوث الكلي والجزئي، والقوة والفعل، والإمكان والوجوب. مثل هذه

(32)

المعاني يجب أن تدرس في ما بعد الطبيعة، أولاً لأنها في حد ذاتها بالنحو الذي يعتبرُ البحثُ فيها ضرورياً، وثانياً لأنها ليست من الأعراض الخاصة بالعلوم الطبيعية أو الرياضية، ولا من الأعراض الخاصة بالعلوم العملية، لذلك فلا مندوحة من أن يكون البحث فيها من اختصاص العلوم النظرية التي تسمّى ما بعد الطبيعة أو العلم الإلهي.

أما الطريق الثاني لدحض الشكل الثاني وإظهار بطلانه فهو أن البحث حول أحوال الأسباب القصوى من حيث هي أسباب مطلقة فرعٌ على إثبات وجود مثل هذه الأسباب. وإثبات وجودها متوقفٌ على العلم بأنه توجد في عالم الوجود موجودات يتعلق وجودها بالأسباب الفاعلية، والصورية، والغائية، والمادية. بمعنى أنه ما لم يثبت أن في عالم الوجود سبباً ومُسبَّباً، ووجود الثاني (المُسبَّب) يتعلق بوجود الأول (السبب)، فلن يكون وجود السبب المطلق لازماً عند العقل، ولن يكون معلوماً أن هناك سبباً في العالم أصلاً. ولكن من ناحية أخرى، لا يمكن إثبات السببية والمُسبَّبية بين شيئين عن طريق الحس، فما يرشدنا إليه حسُّنا في هذا الخصوص هو مجرد التعاقب بين ذلكم الشيئين، وعندما يتعاقب شيئان تلو بعضهما ويأتي أحدهما تلو الآخر فلا يلزم ذلك أن «يكون أحدهما سبباً للآخر، والإقناع الذي يتكون في نفوسنا نتيجة

(33)

تكرار الإدراك الحسي ليس إقناعاً يقينياً، إلّا إذا علمنا أن الأمور الأكثرية أو الدائمية ليست تصادفية، إنما لها سبب ذاتي، وهذا السبب إما طبيعي أو اختياري. معرفة هذا الأمر ليست بيّنة أو أولية بل هي معرفة مشهورة، وإذا كانت فكرة (أن للأمور الحادثة مبدأ وأصلاً) فكرةً قريبةً من البداهة عند العقل، فهذا لا يعني أن بداهتها مقبولة، إنما ينبغي أن نسوق بياناً برهانياً لصالح هذه الفكرة، وبيانها البرهاني لا يساق إلّا في ما بعد الطبيعة. وإذن، فالأسباب القصوى والمطلقة من حيث كونها أسباباً مطلقة لا يمكن أن تكون موضوعاً للميتافيزيقا.

ومن هنا يتجلى بطلان الشكل الثالث أيضاً، لأن البحث في الأسباب القصوى، من حيث الوجود الاختصاصي لكلّ واحد، هو مطلوب ما بعد الطبيعة، وهذا بحدّ ذاته علامة على بطلان الشكل الرابع، لأن البحث في أجزاء مجموعةٍ متقدّمٌ على البحث عن نفس تلك المجموعة.

أما إذا كان النظر في الأسباب القصوى من حيث كونها موجودة، ومن حيث العوارض التي تَعرِض على الأسباب من حيث وجودها (أي الشكل الأول) فمن الضروري في هذه الحالة أن يكون الموجود بما هو موجود الموضوع الأصلي والأول لما بعد الطبيعة (ص 8 ـ 9)، ويكون البحث في الأسباب القصوى مطلوبها وكمالها.

(34)

في الفصل الثاني من المقالة الأولى من إلهيات الشفاء، يسير ابن سينا عبر طرق ثلاثة نحو موضوع ما بعد الطبيعة فيثبت هذا الموضوع. الطريق الأول يمرّ من خلال دراسة موضوعات سائر العلوم النظرية، وهي العلم الطبيعي، والعلم الرياضي، وعلم المنطق، ويصل أخيراً إلى موضوع ما بعد الطبيعة.  في هذا الطريق يطرح ابن سينا نقطة على جانب كبير من الأهمية، وهي أن موضوعات كل واحد من هذه العلوم الثلاثة بدورها يمكنها أن تُدرَس ضمن موضوع ما بعد الطبيعة. بعبارة أخرى، يمكن أن ينظر لكلّ واحد من هذه الموضوعات الثلاثة، مضافاً إلى النظرة الخاصة لعلمه الخاص، يمكن أن ينظر له نظرة أخرى هي النظرة الميتافيزيقية. وهذا لا يعني أن كل ما يوجد في عالم الوجود يمكنه من جهة معينة أن يعتبر موضوعاً لما بعد الطبيعة. يدلّ بحثُ ابن سينا هذا دلالة واضحة على مدى فقر وضيق نظرة أمثال بومغارتن وكانط لما بعد الطبيعة، بل ومن قبلهما كريستيان فولف، ومن بعدهما أمثال اتين جيلسون، وكم كانت تصوراتهم لعلم ما بعد الطبيعة بعيدة عن حقيقة النظرة الميتافيزيقية.

دليل ابن سينا في هذا الطريق معقّد إلى حدّ ما، ويلوح أن محاولة تبسيطه من دون المساس بمحتواه، لن يحالفها التوفيق كثيراً. يقول بدايةً إن موضوع العلم الطبيعي ـ من

(35)

بين العلوم ـ هو الجسم، ولكن لا من حيث وجوده وكونه موجوداً، أو من حيث كونه جوهراً، أو من حيث أنه مؤلف من مصدرين هما الهيولي والصورة، وإنما من حيث أنه موضوع للحركة والسكون. وعلى ذلك فالعلم الطبيعي لا يُبحث بحثاً ميتافزيقاً، والعلوم التي تتفرع عن العلم الطبيعي وتقع تحته تبتعد من باب أولى عن البحوث الميتافيزيقية[1]. وكذا الحال بالنسبة للأخلاق حسب رأيه، فدراسة علم الأخلاق لموضوعاته لا يمكنها أن تُعدّ بحوثاً ميتافيزيقية.

أما موضوع علم الرياضيات أو المقدار المجرد عن المادة والموجود في الذهن (الهندسة)، أو المقدار الذي يؤخذ بنظر الاعتبار في الذهن مختلطاً بالمادة (الهيأة)، أو العدد المجرد عن المادة (الحساب)، أو العدد في المادة (الموسيقى)، فهذه العلوم تَبحث فقط في أحوال موضوعاتها وليس في وجود موضوعاتها. وموضوعات العلوم الواقعة تحت علم الرياضيات[2] بعيدة من باب أولى عن موضوع ما بعد الطبيعة.

أما موضوع علم المنطق فهو المعقولات الثانية المستندة إلى المعاني المعقولة الأولى من حيث كيفية الوصول من

(36)

المعلوم إلى المجهول، وليس من حيث وجودها العقلاني. وبالتالي لا يناقش أيّ علم من هذه العلوم وجود موضوعاته.

إذا أراد شخصٌ دراسة الجوهر من حيث هو موجود، ودراسة الجسم من حيث هو جوهر، ودراسة المقدار والعدد من حيث هما وجودان، ودراسة وجود الأمور الصورية التي ليست في المادة (الجواهر العقلية) أو في مادة غير الجسم (الصور المعقولة) فهو مضطر لتخصيص بحث مستقل لهذه الموضوعات، بحث يجب أن يكون مختلفاً عن البحوث الطبيعية، والرياضية، والمنطقية، والأخلاقية. لكل واحد من موضوعات العلوم أعلاه وجهٌ مباين للوجه الذي يُبحث في تلك العلوم. الجوهر الجسماني مثلاً والذي هو موضوع العلم الطبيعي، إذا نظر إليه فقط من حيث كونه جوهراً فلن تعود له علاقة بالمادة، إذ في غير هذه الحالة سيكون الجوهر جوهراً جسمانياً فقط، وهو ليس كذلك. أو العدد من حيث هو عدد لا يختص بالمحسوسات لأنه يطلق على الأمور غير المحسوسة أيضاً. وحتى المقدار نفسه هو اسم مشترك ويطلق على شيئين:

1ـ البعد المقوِّم للجسم الطبيعي، أي البعد الجوهري وهو نفسه الصورة الجسمانية.

2 ـ الكمّ المتصل الذي يطلق على الخط والمستوي والجسم المحدود.

(37)

المعنى الثاني هو المقدار في واقع العرض، بينما المعنى الأول هو الجوهر ولذلك يعتبر من مقومات الجسم. ليس أيٌّ من هذين المعنيين مفارقاً للمادة، ومع ذلك فالمقدار بالمعنى الأول هو مبدأ وجود الأجسام الطبيعية لأنه صورة جسمانية، ويُعدّ بمعيّة الهيولى من مبادئ الجسم الطبيعي. إذن، لا يستطيع هذا المعنى للمقدار أن يكون قائماً بالمحسوسات، لأن الواقع هو أن المحسوسات قائمة به. أما الكم المتصل فإذا نوقش من حيث وجوده وأي نوع من الوجود هو، فهذا النقاش لن يكون في الواقع حول المعنى الذي يتعلق بالمادة. وفي هذا الخضمّ فإن كون موضوع المنطق خارجاً عن المحسوسات أوضح. كل هذه الموضوعات، بالحيثيات المذكورة، لا يتسنى افتراض موضوع مشترك لها باستثناء الوجود ووجودها، فهي من هذه الحيثيات حالات الوجود وعوارضه، ولا يمكن لشيء أن يستوعبها كلها ما عدا حقيقة معنى الوجود. وعليه فإنها كلها، من هذا الحيث، تُناقَش في ما بعد الطبيعة. إذن، تَدرُس الميتافيزيقا (ما بعد الطبيعة) جانباً من صفات موضوعات العلوم الأخرى لا يتعلق بجسمانيتها، وكل هذه الموضوعات، من هذا الوجه، هي جزء من موضوع الميتافيزيقا.

الطريق الثاني الذي يسير فيه ابن سينا نحو موضوع ما بعد الطبيعة هو أنه توجد أحياناً أمور من الواجب على الإنسان أن

(38)

يحققها ويوحّدها في نفسه ويوضح ما هي، وهذه الأمور مشتركة بين العلوم. ومن هذه الأمور على سبيل المثال الواحد بما هو واحد، والكثير بما هو كثير، والموافق والمخالف والضد. كيفية تشارك العلوم في مثل هذه الأمور هي أن بعض العلوم تستخدم هذه الأمور فقط من دون أن تبحث في وجودها، وبعض العلوم تأخذ حدود تلك الأمور بنظر الاعتبار ولا تبحث هي الأخرى في وجودها. لا يضطلع أيّ علمٍ من العلوم المذكورة بالبحث حول هذه الأمور، وهذه المعاني في الوقت ذاته ليست من العوارض الخاصة لموضوع أي واحد من هذه العلوم الجزئية. ينبغي اعتبار هذه الأمور من عوارض الوجود بما هو وجود، وعليه فإن البحث حولها بحث ميتافيزيقي. لأن الموجود بما هو موجود أمر مشترك يشملها كلها دفعة واحدة، وبالتالي يجوز اعتبارها موضوعاً لما بعد الطبيعة.

الطريق الثالث هو أن موضوع ما بعد الطبيعة يجب أن يكون غنياً عن الإثبات، وما من شيء يتمتع بهذه السمة كالموجود بما هو موجود مثلما تبيّن لنا في فصول سابقة من هذا الكتاب. إذن، موضوع الميتافيزيقا الأول هو الموجود بما هو موجود (ص 10 ـ 13).

الواقع أن هذه الطرائق السينوية الثلاث تكشف بنحو من الأنحاء عن إمكانية علم الميتافيزيقا، والشيخ الرئيس في صدد

(39)

أن يقول: لماذا يجب أن نثبت ما بعد الطبيعة كعلم واحد، وما هو سبيل تثبيته؟ وهو يجيب عن مسألة إمكان ما بعد الطبيعة عن طريق آخر في موضع آخر[1] : مع أن الوجود ليس جنساً كما نعلم، ولا يطلق بالتساوي على الأشياء التي يطلق عليها، وذلك لأنه معنى واحد يطلق على الأمور على نحو التقديم والتأخير، بحيث يطلق أولاً على الجوهر ثم على غيره، مع ذلك لأنه معنى واحد، أي لأنه مشترك معنوي، تلحقه عوارض خاصة، ويمكن لعلم واحد بل ينبغي عليه أن يتكفل بالبحث في الوجود، كما أن الطبّ مثلاً يتكفل بالبحث حول كل الأمور المتعلقة بالصحّة.

يعتقد ابن سينا أن ما بعد الطبيعة أيضاً، شأنه شأن أي علم آخر، يتقسم إلى أجزاء، ويمكن رصد ثلاثة أجزاء له:

1 ـ جزء منه يبحث في الأسباب القصوى والسبب الأول.

2 ـ وجزء منه يبحث حول عوارض الموجود بما هو موجود.

3 ـ والجزء الثالث يبحث في مبادئ العلوم الجزئية.

يقول الشيخ الرئيس في معرض إيضاح الجزء الأول إن الأسباب القصوى تبحث في ما بعد الطبيعة لأنها أسباب

(40)

كل الموجودات المعلولة من حيث وجودها، والسبب الأول يبحث هنا من حيث أن كل موجودٍ معلولٍ، بما هو موجود معلول يستفيضُ من السبب الأول. أما مبادئ سائر العلوم الجزئية فتبحث في ما بعد الطبيعة على نحو عام وباعتبارها أحوالاً للوجود. أي إن البحث فيها بالشكل الذي يأخذها بنظر الاعتبار قبل تخصيصها لموضوع العلم الطبيعي. على سبيل المثال تناقش ما بعد الطبيعة مبدأ عدم التناقض وهو من عوارض الوجود بما هو وجود. ولكن عندما يُخصص هذا المبدأ لموضوع الرياضيات، ويقال مثلاً إن كل مقدار إما مشارك أو مباين، فلن يعود البحث عنه بحثاً ميتافزيقاً
(ص 14 ـ 15).

ويطرح الشيخ الرئيس تقسيماً آخر للأمور التي تبحث في ما بعد الطبيعة، وملاك هذا التقسيم علاقة هذه الأمور بالمادة. وخلال هذا التقسيم يوضح الشيخ الرئيس لماذا يسمّي ما بعد الطبيعة علماً إلهياً. الأمور التي تُبحث ويُبحث حولها في ما بعد الطبيعة على أربعة أقسام:

1 ـ بعضها مبرّأ تماماً عن المادة وعن التعلقات المادية، مثل ذات الواجب تعالى والعقول.

2 ـ وبعضها مخالط للمادة، لكنه يخالط المادة في مقام

(41)

سبب المادة ومقوّمها والمتقدم عليها، والواقع إن المادة ليست مقوماً له، مثل الصورة الجوهرية.

3 ـ والبعض الآخر قد يوجد أحياناً في المادة وقد لا يوجد فيها في أحيان أخرى. ويضرب ابن سينا نفسه مثالاً على هذا القسم الثالث بالعِليّة والوحدة. ولكن يتسنى القول إن الأمور العامة والمعقولات الفلسفية الثانية التي تعرض على الوجود بما هو وجود، ينبغي أن تدرج ضمن هذا القسم.

الشيء الذي من المهم جداً أن نعلمه بخصوص هذا القسم من حيث الإدراك الصحيح لماهية ما بعد الطبيعة، هو أن وجود مثل هذه المعاني في المادة ناجم فقط وفقط عن خصوصية وجودها الطبيعي، وليس عن الطبايع المشتركة أو وجوداتها المطلقة كما يتصور صدر المتألهين[1]، إذ كما يقول الشيخ الرئيس نفسه طبيعتها المشتركة بما هي هي لا تحتاج وجود المادة لتحققها، بالرغم من أنها تتحقق في المادة أيضاً. مثل هذه المعاني هي في الحقيقة، تبعاً للوجود وكالوجود، جسرٌ للربط بين الوجودات المادية والوجودات غير المادية. من باب التمثيل نأخذ العلية هنا بنظر الاعتبار: لأن العلية من عوارض الوجود بما هو وجود، فلا يستطيع أحد تقليص مديات إطلاق معناها على المحسوسات والماديات فقط، فمديات إطلاق هذا

(42)

المعنى في الحقيقة يتسع باتساع مديات الوجود بالضبط، فإذا كان الكلام حول الوجود المادي أطلقت العِليّة على الوجود المادي، وإذا كان الكلام عن غير الوجود المادي أطلقت العلية على الوجود غير المادي. والتعذر الذي زعم البعض أنهم وجدوه هنا ناشئ عن قصر فهم في خصوص وضع الوجود والمعاني التابعة له، وإلّا فلا يوجد في الحقيقة تعذّر ولا يوجد تقييد في الأمر. ويمكننا أن نضرب الوحدة مثالاً، فكل ما هو موجود هو واحدٌ مهما كان، وهذا من عوارض الوجود بما هو وجود، وتعذّر إطلاقه على الأمور غير المادية تعذّر وهمي، لأن تعيّن أي شيء كموجود معيّن يفيد وحدته، والوحدة هناك متواكبة دوماً مع الوجود. وعلى حدّ رأي الشيخ الرئيس فالواحد له أشد العلاقة بالموجود، وكل شيء هو هو بسبب تعيّنه واحداً: «الواحد شديد المناسبة للوجود»، و«کلّ شيء فإنما يصير هو ما هو بأن يکون واحداً متعيناً»[1].

وثمة نقطة أخرى هنا هي أن كل المفاهيم التابعة للوجود تطلق بشكل تشكيكي كما هو الأمر بالنسبة للوجود نفسه. بتعبير آخر إطلاق هذه المفاهيم مثل مديات إطلاقها تابعة لإطلاق الوجود. وهي مثل الوجود تطلق على كل شيء حسب ذلك الشيء.

(43)

4 ـ القسم الرابع من الأمور التي تبحث في ما بعد الطبيعة، هو الأمور المادية مثل الحركة والسكون. بيد أن ما يبحث من هذه الأمور في الميتافيزيقا ليس وضعها في المادة بل طريقة وجودها.

وعليه، تسمّى ما بعد الطبيعة علماً إلهياً من حيث أن له وجهة نظر غير مادية حتى بخصوص الأمور المادية. وبالطبع من الواضح أن هذا لا يعني أن ما بعد الطبيعة تبحث في المجردات وحسب، وإنما إذا قيل إن الميتافيزيقا تبحث في الأمور المفارقة فيجب أن يفهم من هذا القول أن رؤية الميتافيزيقا غير مادية، وكما أنها غير مادية فهي أيضاً غيرُ غيرِ مادية، بمعنى أنها لا تناقش الموجود المفارق من حيث مفارقته، بل تناقشه من حيث وجوده. وعلى العموم، لا يوجد شيء لا تملك ما بعد الطبيعة رأياً إلهياً حوله بهذا المعنى. يقول صدر المتألهين في «تعليقة على إلهيات الشفاء» (ج 1، ص 70):

ولأجل هذا يمكن للحكيم الإلهي أن يدرج كثيراً من المسائل الطبيعية والتعليمية والمنطقية في هذا العلم بحسب قوّة نظره وعموم قواعده وأحكامه.

3 ـ رؤية كانط للميتافيزيقا.. تاريخ رؤية غير صائبة

في القسمين السابقين من هذا الفصل تحدثنا عن تصور

(44)

أرسطو وتصور ابن سينا للميتافيزيقا باعتبارها علماً متعيناً له موضوع معين وهوية مشخصة. وتبين هناك ما هي الميتافيزيقا (أو ما بعد الطبيعة) وما هو موضوعها، وكيف يترابط منبتُها وإمكانُها مع بعضهما. وتجلّى لنا أن هذا التصوّر للميتافيزيقا يستبطن في داخله، في الحقيقة، طريقة بناء الميتافيزيقا وفي الوقت ذاته كيفية إمكانها. وعندما يُمحَّصُ هذا التصورُ ويفتح بابه بشكل جيد وواضح ستتجلى أيضاً بنيةُ الميتافيزيقا وإمكانُها.

مقابل هذا التصوّر الذي استسيغ ونُضِّج في الفلسفة الإسلامية، وجرت متابعته في القرون الوسطى على يد توما الأكويني، أطلق فرانسيس بايكون في نهايات القرن السادس عشر وبواكير القرن السابع عشر للميلاد، تصوّراً للميتافيزيقا يختلف تماماً عن مفهومها الشائع. «لم يكن لفرانسيس بايكون أفكاره وأعماله المميزة في مجال الفلسفة بمعناها الميتافيزيقي، وليس في كتاباته وآثاره الفلسفية شيء يدل على سعة وعمق اطلاعه حول الفلسفات القديمة والمعاصرة له»[1]، ومع ذلك نراه في تصنيفه للعلوم، يقسم الفلسفة أولاً إلى ثلاثة أقسام:

1 ـ الفلسفة الإلهية، وموضوعها الله.

(45)

2 ـ الفلسفة الطبيعية، وموضوعها الطبيعة.

3 ـ الفلسفة الإنسانية، وموضوعها الإنسان.

وإلى جانب هذه الأقسام الثلاثة من الفلسفة، يطرح بايكون قسماً آخر من الفلسفة هو الأساس المشترك بين كل العلوم، ألا وهو الفلسفة الأولى. ولا يورد بايكون هذا القسم ضمن تصنيفة لأنواع الفلسفة وأقسامها، إنما يذكر عنه شيئاً قبل طرحه لأقسام الفلسفة، ويعتبره أشبه بجذع شجرةٍ أغصانُها سائر العلوم المتفرعة عنها. والحقيقة هي أن الفلسفة الأولى عند بايكون عبارة عن مجموعة من المبادئ والأصول المشتركة بين كل العلوم مثل فكرة أن المقدارين المساويين لمقدار ثالث متساويان فيما بينهما، أو فكرة أن ما يفعله الله سيبقى إلى الأبد لا يضاف له شيء ولا ينقص منه شيء. ولا يناقش بايكون منشأ وأساس هذه المبادئ، وإلى جانب أنه يعتبر بعض هذه الأصول مبادئ للمنهج الاستقرائي، فهو يرى بنحو دوري أنها كلها حصيلة الاستقراء. كما أنه يعتبر طائفة من الصفات النسبية والعارضة نظير التماثل وعدم التماثل والإمكان، يراها من مباحث فلسفته الأولى[1]. وهكذا فالفلسفة الأولى عند بايكون لا تشترك مع الفلسفة الأولى عند أرسطو إلّا في الاسم، أما من حيث المحتوى والمسائل

(46)

المدروسة فلا صلة لها بالبحث عن «الوجود بما هو وجود».

الفلسفة الإلهية لدى بايكون، والتي سمّاها هو نفسه الإلهيات الطبيعية، تقف في مقابل الإلهيات المُنزلة، وكان يقصد منها غالباً البحث حول وجود الله والإيمان به. أما الفلسفة الطبيعية، والتي كان منشداً إليها كل انشداد، فقد اعتبرها على قسمين: 1 ـ الفيزياء، 2 ـ الميتافيزياء (الميتافيزيقا، أو ما بعد الطبيعة، أو ما وراء الطبيعة). موضوع الميتافيزيقا عنده هو «صور الأشياء، والغرض منها اكتشاف قوانين الطبيعة والتصرّف في الطبيعة»[1]. كما يقسّم بايكون الفلسفة الإنسانية إلى قسمين هما: 1 ـ علم الإنسان، 2 ـ السياسة. ويوزع علمَ الإنسان نفسه إلى صنفين هما: 1 ـ علم البدن، 2 ـ علم النفس.

وهكذا، يُستبعدُ بالمرة من تقسيم بايكون المفهومُ الأرسطي للميتافيزيقا، والذي يعدّ موضوعه الأول الوجود بما هو وجود، وتطلق الفلسفة على أمور وأشياء لم تكن البحوث حولها من ضمن بحوث ما بعد الطبيعة. وقد توصل الفيلسوف العقلي الألماني كريستيان فولف الذي عاش خلال عصر التنوير (1679 ـ 1754 م) إلى نفس هذا التحول والتغيير الذي تكوّن على خلفية معاداة الأرسطية، ولكن بصورة أخرى. أولاً اعتبر فولف الميتافيزيقا معادلة للفلسفة النظرية، وبذلك

(47)

غيّر موضوعها الذي شخّصه أرسطو، فكما علمنا، يعتقد أرسطو أن الميتافيزيقا (الفلسفة الإلهية) هي قسيم الفلسفة الطبيعية مثلاً، أما من وجهة نظر فولف للميتافيزيقا فيزول هذا التفكيك والفرز، ويتسع موضوع الميتافيزيقا. ثانياً يميّز فولف بين الميتافيزيقا العامة والميتافيزيقا الخاصة، ويرى أن موضوع الميتافيزيقا العامة، والتي يسمّيها أيضاً علم الوجود أو الأنطولوجيا (Ontology)، هو الوجود بما هو وجود. بيد أن هذا الحفاظ والإبقاء على المفهوم الأرسطي للميتافيزيقا لم يتجاوز حدود الاسم فقط، ذلك أن فولف اعتقد أن الوظيفة الأصلية للميتافيزيقا هي أن تجعل المفاهيم والأصول المألوفة، والتي عرّفت بكل وضوح، أحكاماً استنتاجية يمكن إطلاقها على كل متعلقٍ ممكنٍ للفكر (كل متعلقات التفكير الممكنة). وهكذا، لم تعد الميتافيزيقا بحثاً واقعياً حول الوجود بما هو وجود، بل مجرد تعليمة صورية حول الأصول المألوفة. ولم تعد ميتافيزيقا فولف تتحدث عن أحكام الوجود بما هو وجود، ولا تنبع من الوجود[1].

(48)

أمّا الميتافيزيقا الخاصة فيقسّمها فولف إلى ثلاثة علوم فلسفية هي: علم العالم أو الكون (cosmology)، وعلم النفس (psychology)، والإلهيات الطبيعية (Natural theology)، وهكذا لم يُخصِّص هذا الفيلسوف الألماني مكاناً لعلم الوجود بما هو وجود لا في الميتافيزيقا العامة ولا في الميتافيزيقا الخاصة. من جهة أخرى، ما سمّاه فولف علم وجود أو أنطولوجيا، لأنه اقتصر على تعليمة صورية محضة حول الأصول المألوفة، لذلك لم يكن له أي شأن أو علاقة بالعلل النهائية لكل الأشياء الموجودة ومنها الله باعتباره العلة الأولى. وقد حاول في الإلهيات الطبيعية فقط أن يثبت وجود الله عن طريق برهانين هما البرهان الوجودي والبرهان الكوسمولوجي، لكنه لم يبد أية محاولة لإثبات سائر التعاليم الدينية إثباتاً عقلانياً، وبذلك ترك تأثيراً مهماً في اللاهوت البروتستانتي خلال القرن الثامن عشر للميلاد.

لنعد الآن إلى قضية الميتافيزيقا العامة عند فولف (أو علم الوجود كما يسمّيه). لقد كان في هذا المضمار متأثراً برؤية ليبنتس، لذلك فمن أجل فهم قصده الأصلي من علم الميتافيزيقا العامة لا بدّ من الاطلاع على بعض معتقدات ليبنتس وخصوصاً حول حقائق الاستدلال (truths of reasoning)

(49)

وحقائق الواقع (truths of fact)[1]. من وجهة نظر ليبنتس، تبين حقائقُ الواقعِ الواقعَ الفعليَّ للأشياء. وعليه فحقائق الواقع غير ضرورية (contingent) وخلافُها ممكنٌ. أما حقائق الاستدلال فهي ضرورية ولا يمكن خلافُها. والواقع هو أن ضرورة حقائق الاستدلال ـ حسب رأي ليبنتس ـ تعني إمكانها الدائم، أي إن حقائق الاستدلال تعبّر عن الإمكان الدائم لموضوعاتها. تأثر فولف تأثراً عميقاً بهذا الجزء من فلسفة ليبنتس إلى درجة أنه قال: الفلسفة، بمعنى الميتافيزيقا العامة أو علم الوجود، عبارة عن «العلم بالأشياء الممكنة من حيث هي ممكنة»[2]. الإمكان من وجهة نظر فيلسوف عقلي مثل فولف هو فقط بمعنى إمكان التفكير من دون تناقض أو إدراك الموضوعات من دون تناقض. والحقيقة هي أن موضوع الميتافيزيقا وعلم الوجود من وجهة نظره، لم يعد الوجود بما هو وجود، بل هو مجرد الأصول الأولى للمعرفة، الأصول التي يمكن الحصول منها على قواعد يمكن بمساعدتها تعيين أي محتوى نفساني ممكن وأي محتوى نفساني متناقض وغير ممكن. وهذا يعني في الحقيقة كما هو الحال في فلسفة ليبنتس أن الفكر متقدم على الواقع وهو الذي يقونن الواقع ويقعّده، لأن «الممكن» وفقاً لرأيه لا يعني الممكنَ

(50)

الوجودي أو الممكنَ المنهجي، بل على العكس، بمعنى ذلك الشيء الضروري من حيث المفهوم وله اعتباره العيني بصورة متقدمة على كل موجود، لأنه يتوفر على عنصري الضرورة وكلية الفكر، وهذا في الواقع بمعنى التوفر على الاعتبار العيني.

خرّج فولف الكثيرَ من التلامذة. وقد فسّر تلامذتُه رؤيتَهُ حول موضوع الفلسفة بثلاثة أشكال كلية:

1 ـ ذهب بعضهم إلى أن موضوع الميتافيزيقا هو الوجود على نحو كلي.

2 ـ وذهب فريق آخر إلى أن الميتافيزيقا هي العلم بالموجودات غير المادية (المجردات).

3 ـ والفريق الثالث هم الذين قالوا إن الميتافيزيقا هي العلم بالأصول الأولى للمعرفة البشرية، الأصول التي تشتق منها أصول كل العلوم الأخرى. لم تعد الميتافيزيقا العلم بالوجود بما هو وجود، بل العلم بأصول المعرفة البشرية.

كما قد تبين ـ ربما ـ للقارئ لحد الآن، فإن هذا التبديل في المصطلحات وفي مفهوم الميتافيزيقا، والرؤية القائلة بأن الذهن متقدم على الواقع ويقونن الواقع، متأثرة غالباً بجانب من فلسفة ليبنتس نسمّيه النزعة الفطرية.

ينتمي اثنان من تلامذة فولف هما مارتين كنوتسن (1713

(51)

ـ 1751 م Martin Knutzen) والكساندر غوتليب باومغارتن (1714 ـ 1762 م Alexander Gottlibe Baumgarten) إلى الفريق الثالث. وقد كان الأول أستاذاً لكانط في جامعة كونيغسبرغ، وهو الذي أثار رغبة كانط في دراسة فيزياء نيوتن. والثاني دَرّسَ كانطُ كتابَه «الميتافيزيقا» منذ شهر مارس 1770 م عندما عُيّن أستاذاً عادياً للمنطق والميتافيزيقا في جامعة كونيغسبرغ وإلى سنة 1796 م، أي بعد 15 سنة من صدور الطبعة الأولى لكتاب كانط المعروف «نقد العقل المحض» في سنة 1781 م. لقد تعلم كانط التفسيرَ الثالث لموضوع الميتافيزيقا، وعنصرُهُ الأساسي هو تقدّم الذهن على الواقع وتقنين الذهن للواقع، تعلمه بشكل جيد من تلميذي فولف هذين، واستساغه برضا خاطر. لهذين التلميذين من تلامذة فولف أهمية كبيرة من حيث هذا التأثير الذي تركاه على كانط[1]، لأن استخراج أصول ومبادئ المعرفة البشرية ومبادئ كل العلوم من الذهن (= العقل، الفاهمة) فقط، وهو ما قَصَرَ هذان الشخصان موضوعَ الميتافيزيقا عليه بكل وضوح، هو في الحقيقة ذلك الشيء الذي سجّله كانط بعد ذلك باسمه تحت عنوان الوضع الكوپرنيكوسي في علم المعرفة، على النحو الآتي:

(52)

كان المفترض لحد الآن أن تكون معرفتنا كلها متطابقة مع الأشياء، بيد أن هذا الافتراض أفشل كلَّ المساعي لتوسيع معرفتنا حول الأشياء عن طريق إقامة شيء قبلي بواسطة المفاهيم حولها. لذلك علينا أن نجرّب ما لو كان ينبغي على الأشياء أن تطابق نفسها مع معرفتنا، هل يمكن والحال هذه أن نحقق نجاحات أكثر فيما يتعلق بوظائف الميتافيزيقا؟ هذا سيتطابق مع المطلوب بصورة أفضل، أي مع فكرة أنه يمكن التوفر على معرفة قبلية حول الأشياء، معرفة تعيّن شيئاً من الأشياء بنحو سابق ومتقدم على إعطاء الأشياء لنا ووضعها أمامنا. وعليه، يجب علينا بالضبط السير على خطوط الفرضية الأولى لكوپرنيكوس[1].

إذا تذوق شخصٌ ولو لمرة واحدة الطعم الحقيقي لهذه الجملات التي كتبها ناقد، شريطة أن لا يكون على علم بسوابق هذه الأفكار في الكتابات المعرفية لأسلاف كانط ـ وهو ما يتجلى بنحو من الأنحاء في نفس هذه الجملات ـ ولا يعرف شيئاً عن خلفية ظهور هذه الجملات، ويكون جاهلاً في الوقت نفسه للحظوة والقبول غير المعرفي الذي كان من نصيبها (لو أردتُ أن لا أخفي مشاعري عن القارئ، لوجب أن

(53)

أقول) إنه من المستبعد أن لا يصاب هذا الشخص بالغثيان[1]. فأولاً سياق جملاته (لاحظوا: كان المفترض لحد الآن أن...) بالشكل الذي يريد أن يوحي لنا وكأن كانط نفسه هو الذي بدأ تغيير مكان المطابِق والمطابَق أحدهما مكان الآخر. والحال أننا عندما نواجه هذا الكلام، نطلع من بعض نتائجه على شيء ظهر قبل مدد طويلة في الفلسفة الغربية الحديثة وتطور وانتشر إلى أن تحول أخيراً على يد ليبنتس وأسلاف كانط المباشرين إلى تبيينٍ لماهية الميتافيزيقا. لقد كان في حياة كانط الثقافية أفراد مناهضون للميتافيزيقا مثل كريستيان تومازيوس (1655 ـ 1725 م Christian Thomasius)، لذلك انتهز كانط الفرصة واستخدم ذلك، خلافاً لفلاسفة مثل ليبنتس وفولف، لمناهضة الميتافيزيقا. وذلك الشيء هو نفسه ما نسمّيه النزعة الفطرية ونعتقد أن منبته هو الفلسفة الغربية الحديثة. لو لم يكن افتراضٌ مسبقٌ باطلٌ اسمه النزعة الفطرية مقبولاً لديه فهل كان سيستطيع كتابة تلك الجملات ويعلن أن «هذا سيتطابق مع المطلوب بصورة أفضل، أي مع فكرة أنه يمكن التوفر على معرفةٍ قبلية حول الأشياء، معرفةٍ تعين شيئاً من الأشياء، بنحو سابق ومتقدم على إعطاء الأشياء لنا ووضعها أمامنا [أي إعطائها لنا من الخارج في عملية الإدراك الحسي]». النزعة الفطرية بالنسبة لكانط مبدأ

(54)

حتمي أكيد، وحتى هذا التبديل والانقلاب في المطابقة إنما يراه كانط مقبولاً وضرورياً من هذه الزاوية، بمعنى أنه يعتقد بأنه لو تقرر أن يتطابق ذهننا مع واقع الأشياء فلن تكون لدينا والحال هذه معرفة قبلية حول هذه الأشياء، وعدم التوفر على معرفة قبلية حالة غير ممكنة. أما إذا تطابقت الأشياء مع أذهاننا، فسيكون من السهل عندئذ أن نفهم كيف يمكننا أن نتوفر على معرفة قبلية بشأنها. لنقرأ معاً (Bxvii):

إذا وجب أن يتطابق الشهود مع طبيعة الأشياء، فلن أستطيع أن أفهم كيف أستطيع أن أعلم شيئاً حول الأشياء بنحو قبلي. أما إذا وجب أن تتطابق الأشياء (باعتبارها متعلقات الحواس) مع طبيعة ملكة الشهود عندنا، فلا أجد مشكلة في فهم مثل هذا الإمكان.

يمكن الاستنتاج بسهولة أن كانط بقي طوال عمره فيلسوفاً عقلياً بكل المعنى الفني للكلمة في تراث الفلسفة الغربية الحديثة، وقد كان الحق مع أمثال اديكس (Adickes)، وأردمان (B. Erdman)، وفايهينغر (Vaihinger) الذين خالفوا رأي أمثال فيشر (K. Fischer)، وذهبوا إلى أن كانط لم يكن في أي فترة من فترات حياته فيلسوفاً تجربياً[1].

(55)

يرى كانط أن هذا التفسير الثالث للميتافيزيقا، بالصيغة التي يصوغه هو بها، الشكل الوحيد الممكن للميتافيزيقا. لكننا شاهدنا أن تلامذة فولف عرضوا تفسيراً آخر للميتافيزيقا هو التفسير الثاني الذي يقول إن الموجودات غير المادية هي موضوع الميتافيزيقا. ولا يعدم كانط الفائدةَ من هذا التفسير أيضاً، لكنه اعتبره هذه المرة متعذراً طبقاً للتفسير الأول وحسب صياغته هو له. إذن، عندما يقول إن الميتافيزيقا غير ممكنة، فقصده هو الميتافيزيقا بالمعنى والتفسير الثاني. 
والحقيقة هي أن التفسير الثاني كما سيلاحظ القارئ بنفسه انبثق من قلب الميتافيزيقا الخاصة عند فولف. وكما مرّ بنا فإن الميتافيزيقا الخاصة تنتج ثلاثة علوم فلسفية: علم الكون، وعلم النفس، والإلهيات الطبيعية (العلم بالله). يعتقد كانط أن موضوع كل هذه الفلسفات الثلاث يقع خارج نطاق المحسوسات، بمعنى أن كل واحدة من هذه الفلسفات تتعامل مع تصور متعال (transcendental idea) وتعمل على دراسته والتحقيق فيه. ومراد كانط من التصور هنا واضح تماماً: 
مرادي من التصور مفهوم ضروري للعقل لا يمكن للتجربة الحسية أن تمنح أي متعلق مناظر له (383 B = 327 A). 
ولهذا السبب تحديداً يسمّي كانط التصورَ متعالياً. التصورات 

(56)

هي مفاهيم العقل المحض. حيث أنه يوجد في كتاب كانط النقدي من كل شيء ثلاثة أنواع أو أربعة أو حاصل ضرب ثلاثة في أربعة[1]، فمن البيّن مسبقاً أن عدد تصوّرات العقل ستكون عنده إمّا ثلاثة أو أربعة أو إثني عشر تصوراً. يقول كانط إن

(57)

عدد تصوّرات العقل هو ثلاثة. بل ويستدل لإثبات هذا العدد بأن حاصله هو (391 B = 334 A): النسب التي توجد في كل تمثلاتنا (representations) عبارة عن: 1 ـ بالنسبة إلى الذهن، 2 ـ بالنسبة إلى الأشياء. ثم يتابع قائلاً:

إذا ركّبنا التقسيمات الفرعية مع التقسيم الأصلي، فستكون كل نسب التمثلات التي نستطيع أن نصنع على أساسها مفهوماً أو تصوراً، ثلاث نسب: 1 ـ بالنسبة إلى الذهن. 2 ـ بالنسبة إلى كثرة الشيء في مضمار الظاهريات. 3 ـ بالنسبة إلى كلّ شيء بشكل كلّي.

ويقول بعدها إنّ كل المفاهيم المحضة ترتبط بشكل كلّي مع الوحدة التركيبية للتمثلات، أما المفاهيم المحضة للعقل (التصورات المتعالية) فترتبط مع الوحدة التركيبية غير المشروطة لكل الشروط بشكل كلّي. وعليه، يمكن ترتيب كل التصورات المتعالية ضمن ثلاث طبقات: تشمل الطبقة الأولى الوحدة المطلقة للذهن المفكر، وتشمل الطبقة الثانية الوحدة المطلقة (غير المشروطة) لمجموعة من شروط الظاهريات، وتشمل الطبقة الثالثة الوحدة المطلقة لشرط كل متعلقات الفكر بنحو كلي. عندها يقول كانط إن الذهن المفكر هو موضوع علم النفس، ومجموع كل الظاهريات هو موضوع علم الكون، والشيء الذي يضم في داخله أرقى شرط لإمكان كل ما يمكن

(58)

التفكير فيه (أي وجود كل الوجودات) هو موضوع اللاهوت الطبيعي (الإلهيات الطبيعية ـ العلم بالله):

وهكذا يُعِدُّ العقلُ المحضُ التصوّرَ لتعليمةٍ متعاليةٍ هي تعليمة النفس (علم النفس التعقلي psychological rationalis)، ولعلمِ «الكون» المتعالي (علم الكون التعقلي rationalis cosmologica)، وأخيراً للمعرفة المتعالية بالله (علم الله التعقلي theologia rationalis)[1].

التوصيف الذي يقدمه كمپ اسميث لاستدلال كانط هذا توصيف لافت وبليغ جداً. يقول:

الأسلوب المعماري ترك تأثيره الكارثي مرة أخرى.

وكانط نفسُهُ غير راض ـ بسبب نقص استدلاله نقصاً واضحاً ـ عن طريقة وصوله من نسبتين إلى ثلاث نسب، ومنها إلى ثلاثة مواضيع. نقص استدلاله وهشاشته واضحة إلى درجة أنه يَعِدُ فوراً (335 A) بأنه في المستقبل، وعند إيضاح الفكرة بشكل كامل، سيتضح كيف ينتقل العقل عن طريق القياسات الثلاثة الحملية والشرطية والانفصالية إلى هذه المواضيع الثلاثة. بيد أن استدلالاته اللاحقة أيضاً لها نفس هذه السمة، أي إنها من عندية ولا تعكس إلّا محاولاته الداخلية للعثور على ثلاثة

(59)

موضوعات غير مادية لثلاثة فروع من الفلسفة.

الهامش العجيب الذي كتبه كانط لـ (395 B) يفصح بصورة أفضل عن اضطرابه في هذا الخصوص. يكتب في هذا الهامش الذي أضافه في الطبعة الثانية من «نقد العقل المحض»، مما يدل على استمرار اضطرابه في هذا الخصوص لسبعة أعوام، وعلى أنه ثمرة تفكيره طوال هذه الأعوام السبعة:

الموضوع الحقيقي للميتافيزيقا في بحوثها هو ثلاثة تصورات فقط: الله، والحرية، والخلود[1] ـ وهي مترابطة مع بعضها إلى درجة أنه عندما يتركّب المفهوم الثاني مع المفهوم الأول فيجب أن يفضي إلى المفهوم الثالث كنتيجة ضرورية. أي موضوع آخر قد يتناوله هذا العلم ليس سوى أداة لخدمة الوصول إلى هذه التصورات وتكريس حقيقتها. إنه يحتاج إلى هذه التصورات لا بقصد العلم الطبيعي بل لتجاوز الطبيعة. التبصّر في هذه التصورات يجب أن يجعل اللاهوت (العلم بالله) والأخلاق، والدين أيضاً عن طريق توحيد اللاهوت والأخلاق، وبالنتيجة أسمى أهداف وجودنا، يجب أن يجعلها جميعاً بشكل كامل وجامع تابعةً لقوة العقل النظري. في الاستعراض المنظم لهذه التصورات، سيكون النظام المذكور، أي النظام التركيبي، هو الأنسب. أما في البحث الذي ينبغي أن

(60)

يتقدم عليه بالضرورة فإن النظام التحليلي، أي النظام المعكوس أكثر مقبولية لاستكمال خطتنا، فهو يمكّننا من أن نبدأ مما نحصل عليه من التجربة المباشرة، فنسير من تعليمة النفس إلى تعليمة العالم، ومنهما إلى معرفة الله.

وليس اعتباطاً أن الذين كتبوا بحوثاً أو دراسات أو كتباً حول كانط ونظرته للميتافيزيقا، عندما أرادوا تشخيص موضوع الميتافيزيقا من وجهة نظره، ذهب فريق منهم إلى أن هذا الموضوع هو النفس، والعالم، والله. وقال فريق آخر إنه النفس، والحرية، والله. لم تكن غايتنا من عرض الترجمة الدقيقة لذلك الهامش على القارئ الكريم مجرد إلفات نظره إلى اضطراب كانط، ولو كانت تلك فقط غايتنا لكان من السهل استعراض فقرات كثيرة من كتابه الذي يقول عنه جاناثان بنت (Jonathan Bennet) إنه «ملئ بالأخطاء والغموض» وإنه «وجد في كل صفحة منه تقريباً خطأ»[1]، وهي العملية التي سبق لنورمن كمپ اسميث أن نهض بها على أحسن وجه في شرحه المهم لـ «نقد

(61)

العقل المحض»، إنما غايتنا من ذلك أن يتأمل القارئ العزيز في كيفية إلغاء العالم من موضوعات الميتافيزيقا الثلاث. العالم باعتباره مجموع كل الظواهر ليس أمراً حقيقياً ـ بخلاف الله والنفس ـ بل هو أمرٌ اعتباري، وهذا يعني خروج العالم عن نطاق الموضوعات غير الجسمانية للميتافيزيقا، والذي اعتبره الفريق الثاني من شرّاح فولف شرطاً لموضوع الميتافيزيقا. أساس رأي كانط هو أن يقول إن موضوع الميتافيزيقا يتجاوز نطاق الطبيعة المحسوسة، وعليه ليس من الجائز أن يَستخدِمَ العقلُ مفاهيمَ الفاهمة بشأن هذه الموضوعات، وهكذا ستكون الميتافيزيقا ممتنعةً متعذرةً بوصفها العلم بالمجردات. والحقيقة أن كانط قرّر للميتافيزيقا بشكل مغلّف وغير علني أربعةَ موضوعات، ولكن لأنه لم يكن يعرف أربعة أنواع من القياس، حتى يوصِل العقلَ ـ بدافع المطامح المجنّحة الفارعة ـ عن طريق كلِّ واحدٍ من هذه القياسات إلى أحد تلك الموضوعات، ومن جهة أخرى لأن العالم ـ من بين تلك الموضوعات الثلاثة الأولى ـ لا يمكنه أن يُعَدَّ جوهراً مجرداً وذاتاً (نومن) هي نتيجةٌ لأحد تلكم القياسات الثلاثة، لذلك يضطر أحياناً إلى إحلال الحرية محلّ العالم. ولذلك سار الباحثون في هذا الخصوص في طريقين مختلفين. على سبيل المثال يقول كاپلستون في روايته لـ «نقد العقل المحض» إن موضوع الميتافيزيقا من وجهة

(62)

نظر كانط هو التصورات المتعالية الثلاثة: النفس، والعالم، والله. بينما يقول مايكل. جي. لوكس (Michael J. Loux) في كتاب «الميتافيزيقا، مدخل معاصر»[1] إن كانط كان يعتقد أن الميتافيزيقا تحاول الإجابة عن الأسئلة والمسائل المطروحة والقائمة حول خلود النفس، ووجود الله، وحرية الإرادة.

وهكذا توصّل كانط إلى مفهومين من الميتافيزيقا:

1 ـ ما كان حصيلة التفسير الثالث لتعاليم فولف، والذي عرضه أمثال باومغارتن وأستاذ كانط كنوتسن، واستساغه كانط وطوّره بوصفه ميتافيزيقا مقبولة وممكنة، وأطلق عليه اسم الميتافيزيقا النقدية.

2 ـ ما كان ثمرة التفسير الثاني، واعتبره كانط ـ وهو على خطأ ـ ميتافيزيقا تقليدية، وحاول إثبات تعذّره. والواقع أنه يضع هذين المفهومين أحدهما ضد الآخر، بمعنى أن السعي لإثبات تعذّر الميتافيزيقا يعني السعي العقلاني للعثور على إجابات المسائل المتعلقة بالواقعيات غير الجسمانية، والتي يعتبرها كانط ملكة علوم قد انقضى زمنها، ويقارنها بالهكوبا[2]، وهي في الوقت نفسه ميتافيزيقاه النقدية. والميتافيزيقا بهذا المعنى الأخير عبارة عن محاولة لتشخيص

(63)

أعمّ سمات وخصوصيات الفكر والتجربة البشريين.

وواضح كم هو الفرق بين ما يحاول كانط تكريس تعذّره باعتباره ميتافيزيقا تقليدية وبين الميتافيزيقا التقليدية الواقعية بوصفها العلم بالوجود بما هو وجود. يدل كتاب كانط على أنه لم يكن له حتى تصور غير صحيح عن هذه الثانية (الميتافيزيقا الحقيقية كعلمٍ بالوجود بما هو وجود)، بل كان غارقاً في ظلمات جهله بهوية الميتافيزيقا بوصفها علماً بالوجود بما هو وجود، لذلك راح يهاجم شبحاً صنعه أسلافه ذوو النزعة الفطرية وصنعته أيضاً خلفيته وسوابقه الثقافية. وبذلك فقد كرّس عن غير قصد مقولة صدر المتألهين: إن كل من يجهل بالوجود فسوف يسري جهله إلى أمّهات المسائل الفلسفية[1]. ومن المعروف أيّ ترهات سيطلقها مثل هذا الشخص إذا أراد بدل تعلم المسائل الفلسفية تعلماً صحيحاً أن يهاجم فجأة كل الذين اجترحوا محاولاتٍ عقليةً لأجل معالجة مسائل الميتافيزيقا الأصيلة، وأن يوجّه الإهانات لهم جميعاً بسبب جهله بالمهمة الرئيسية الملقاة على عاتقهم[2]. أو إذا أراد إفساح

(64)

مجال للإيمان فإن عمله هذا سينقلب إحياءً للإلحاد بطريقة جديدة.

إنّ نمط نظرة كانط للميتافيزيقا وتقليص حدودها إلى مستوى السعي لتشخيص أعمّ خصوصيات الفكر والتجربة البشريين هو مصدر كل ألوان الشك المعرفي الحديث، وجهله بالهوية الأصلية للميتافيزيقا وتصوره الغامض عنها باعتبارها علماً بالأمور الماورائية (supernatural) وتأكيده على تعذّرها كعلم، وبالتالي محاولته إقحام الإيمان بوجود الله فقط ضمن نطاق غامض هو نطاق الشعور بالواجب الأخلاقي، كانت كلها منشأ اللادينية الحديثة عند الذين يراجعونه دائماً من كل حدب وصوب، ويضعون أنفسهم في مواضع ينظرون فيها للأمور من زاويته ومنظاره. والواقع أن السبب الأهم لظهور النظرة الكانطية ـ كما هو معلوم ـ هو الرؤية الشديدة الانتزاعية التي تبنّاها العقليون فيما يتعلق بالميتافيزيقا. ونعتقد أن النزعة الفطرية لفلاسفة مثل ديكارت وليبنتس هي المكوِّن الرئيس لهذه الرؤية الانتزاعية، والتي ظهرت بعد ذلك عند كانط تحت مسمّى أكثر تطوراً هو الأمر القبلي. كان كانط يتصور أن أي فيلسوف ميتافيزيقي إنما يعرض شيئاً «جاء به من العقل المحض» أي إنه من مخلوقات العقل المحض[1]. وكلامه هذا في الواقع

(65)

اعتراض على أسلافه الفطريين والعقليين نظير ديكارت وليبنتس وفولف. وهذا الاعتراض في الحقيقة ليس على أصل النزعة الفطرية، لأن كانط قد سبقهم جميعاً من هذه الناحية، بل لأنهم بذلوا من دون مبرر محاولات لكسب معرفة حول العالم، وخصوصاً حول موجودات خارج نطاق عالم المحسوسات، حاولوا كسبها من العقل المحض نفسه ومنه فقط. وهذا هو الشيء غير الممكن أو المتعذّر حسب رأي كانط. فمن وجهة نظره كان الخطأ الذي وقع فيه أسلافه العقليون أنهم اعتبروا العقل المحض بحدّ ذاته مصدراً لبعض المعارف، والحال أن رصيد العقل المحض، الذي آمن به كانط أكثر من أسلافه العقليين، وهو الرصيد الذي يسمّيه كانط الأصول والمفاهيم القبلية، لا يفضي إلى إنتاج المعرفة إلّا وفقط إلّا إذا اجتمع مع معطيات الشهود الحسي. المعرفة تحصل من اجتماع هذين، أي معطيات العقل المحض من جهة ومعطيات الشهود الحسي من جهة أخرى. بيد أن مثل هذه المعرفة سوف لن يمكن إطلاقها إلّا على الظواهر الحسية. ومن هذه التعليمة بالتحديد ينتج امتناع حصول علم الميتافيزيقا، أي العلم بالأمور التي لا يمتد إليها الحس، فهي ما وراء الحس.

لقد كان لهذه التعليمة في المستقبل نتيجتان على الصعيدين المعرفي والديني. فعلى الصعيد المعرفي،

(66)

وخصوصاً في الحقبة المعاصرة، أفضت إلى مفاهيم من قبيل الإطار المفهومي (conceptual framework)، والشاكلة المفهومية (conceptual scheme)، والأطر اللغوية، وأحياناً أنماط الحياة (forms of life)، والنظم الفكرية (systems of thought)، وأساليب الكلام (modes of discourse)[1]، وانتقلت عن طريق مثل هذه المفاهيم إلى أنماط جديدة من النسبية والتشكيكية في مختلف المجالات المعرفية. يقول الفلاسفة الذين يؤيّدون الدور المعرفي لمثل هذه المفاهيم في الميادين المختلفة إن التصور الذي نحمله لنمط كينونة الأشياء ووجودها متأثر أشد التأثر بهذه الأطر والأشكال، وعليه فهذا التصور هو في الحقيقة القصّة التي يختلقها ويرويها الأشخاص ـ على أساس تلك الأطر والأشكال ـ حول بنية العالم. بعض الذين يحملون هذه العقيدة في الوقت الحاضر يذهبون، نتيجة التطرف فيها، حتى إلى أن مجرد مفهوم الشيء بمعزل عن الشاكلة المفهومية التي نصوغ تصوراتنا بواسطتها، هو مفهوم متناقض وغير منسجم مع ذاته[2]. طبعاً من الواضح أن طرح هذا التناقض هو في

(67)

الواقع إماطة للثام عن التناقض الكامن في تعاليم كانط نفسه حول مفهوم الشيء في نفسه. الحق مع الذين يطرحون هذا التناقض، لأن القول بحصول المعرفة على أساس نوع كفاءة المفاهيم والأصول الفطرية التي ينادي بها كانط، سيؤدي يقيناً إلى التناقض المعرفي. وليس من المعلوم أن كانط لم يكن واعٍ ومتفطناً لهذا التناقض. هذه النتيجة الجديدة بمثابة الإخفاق لكانط، لأنه كان قد حاول أن يدلل على أنه بالرغم من تعذّر الميتافيزيقا بالمعنى الذي فهمه منها، إلّا أن العلم الطبيعي ممكن وقطعي. وقد كانت فيزياء نيوتن بالنسبة له نموذجاً صالحاً جداً لمثل هذا العلم.

وقد كان الإخفاق الثاني لكانط ثمرة النتيجة الثانية التي أفضت إليها تعاليمه بشأن تعذّر الميتافيزيقا. لأنه اعتبر الميتافيزيقا علماً بالموجودات الخارجة عن نطاق الحس، وظنها غير ممكنة الحصول، ولأن أحد أهدافه المعلنة من هذه العملية هو «استبعاد العلم من أجل إفساح المجال للإيمان»، فقد حاول ـ بعد إقصاء الميتافيزيقا التي اعتقد أن من مهامها الرئيسة إثبات وجود الله ـ إقامةَ الإيمان بالله، الذي سلّم بوجوده كمبدأ موضوع، على أساس عناصر شعورية وعاطفية. ومن المعلوم كم سيكون مثل هذا الإيمان، حتى لو كان رصيناً متيناً من الناحية الشخصية، على صعيد الهوية الجمعية في

(68)

المجتمعات البشرية «أشبهَ بمحاولات الأطفال القبضَ على فقاعات الصابون»[1]. وجليٌّ بالنسبة للجميع أن كانط من هذه الناحية لم يكن مفكراً فاشلاً وحسب، بل إن أفكاره في هذا الخصوص أفرزت نتائج متناقضة، وأفضت إلى نظرية الإلحاد في الحقبة الحديثة. ويمكن أن نسجّل لتعليماته أخفاقاً آخر على مستوى التنوير، ليس له صلة مباشرة بموضوع بحثنا الآن.

كما يوافق كانط نفسُهُ، فإن:

أي فن كاذب وكل حكمة باطلة سوف يولّي زمانُها عاجلاً أو آجلاً، وسوف تؤدي هي نفسها إلى فناء نفسها في نهاية المطاف، وستكون نقطة ذروتها ورقيّها بداية انحطاطها[2].

والسبب في أن الفن الكاذب والحكمة الباطلة لمعاداة الميتافيزيقا عند كانط قد مُنيت بمثل هذا المصير منذ مدة طويلة (خصوصاً في بدايات عقد الستينيات من القرن العشرين للميلاد) وانقضى زمانها وأدبر، هو أنه بعد وصولها إلى الذروة، وخصوصاً في تعليمات رجال حلقة فيينا وعند الوضعيين المنطقيين عموماً، وفي الاستنتاجات المناهضة للميتافيزيقا المستمدة من تعاليم فيتغنشتاين المتأخرة، حدثت فجأة في النصف الثاني من القرن المنصرم عودةٌ سريعة وقوية إلى

(69)

الميتافيزيقا، وأضحت الميتافيزيقا منذ ذلك الحين فما بعد:

من بين أكثر المجالات الفلسفية نشاطاً وإنتاجاً. إن الميتافيزيقا اليوم تنمو بشكل لم يكن في السابق أبداً، وربما كان ذلك مؤشراً على أن حاجتنا للميتافيزيقا حاجة أصيلة بمقدار حاجتنا للفلسفة نفسها[1].

والآن، خمدت تلك الحمّى منذ وقت بعيد، وزالت تلك الرؤية، ولم يعد الفلاسفة يتحرّجون في الكتابة عن الميتافيزيقا حتى بمنحاها الأرسطي. وبعض هؤلاء الكتاب ينقدون المفهوم الكانطي للميتافيزيقا ويضعون مكانه المفهوم الأرسطي كأساس للكتابة عن الميتافيزيقا[2]. وبعضهم الآخر يجعل عنوان كتابه «إمكان الميتافيزيقا» وبعد مناقشة إمكانها يستعرض الميتافيزيقا بالمنحى الأرسطي[3]. وهكذا يدلُّ تاريخُ الفكر الفلسفي المعاصر على أن أية محاولة لإقصاء علم الميتافيزيقا ونبذه هي في الواقع تجاهلٌ للأسئلة التي لا يستطيع العلم التجربي الإجابة عنها وتركها من دون إجابات، وواضح أنه لا يوجد أي فكر فلسفي حقيقي بمستطاعه تجاهل تراكم مثل هذه الأسئلة المتعلقة عموماً بالبنية الكلية والنهائية للواقع،

(70)

والمرور عليها مرور الكرام. الإجابة السلبية التي يقدمها كانط للسؤال عن إمكان الميتافيزيقا، على الرغم من الاهتمام الذي حظيت به في الأوساط الفلسفية لأي سبب من الأسباب، لم تقنع أحداً، وفي الوقت الحاضر ما من كاتب أو باحث مختص بالميتافيزيقا استجاب لطلب كانط وكفّ قلمه عن الكتابة حول الميتافيزيقا، والنمو المطرد للبحوث الميتافيزيقية في الفلسفات المعاصرة تشير إلى أن انتصاره المؤقت في المعركة ضد الميتافيزيقا كان له أسباب غير معرفية ليس إلّا.

(71)
(72)

 

 

 

 

 

 

الفصل الثالث

الميتافيزيقا بما هي علم

"الوجود بما هو وجود"

(73)

 

 

 

الميتافيزيقا بما هي علم «الوجود بما هو وجود»

التبيين المعروض في هذا الكتاب لكيفية انبثاق مبدأ الهوية بوصفه مبدأ غير تجربي، وبضمنه انبثاق مبدأ عدم التناقض بوصفه تعذر التركيب العطفي بين الهوية وسلبها، كان بالشكل الذي يكشف عن بطلان التقسيم الثنائي لمصادر المعرفة البشرية إلى حسية وعقلية بالنحو المطروح في علم المعرفة الحديث. لقد دلّ هذا التبيين على أنه لا كلاهما ـ خلافاً لتعاليم فلاسفة مثل ديكارت، وليبنتس، وهيوم ـ مصدر للمعرفة بنحو مستقل عن الآخر، ولا تركيب معطياتهما ـ بخلاف عقيدة كانط ـ بنحو مستقل أحدهما عن الآخر يمكنه أن يكون مصدراً للمعرفة، لأن ذلك يتعارض من الأساس مع النزعة الفطرية التي تشكل الركائز الأساسية لكلا الطريقين المذكورين. لقد أوضح ذلك التبيين كيف أن عقل الإنسان عند مواجهة العالم المحسوس، يدرك المعقول ضمن إدراكه للمحسوس، وبذلك لا يتحقق إطلاقاً إدراك حسي خالص بمعنى الاستقلال التام عن العقل. تصوّرَ كانط أنه تجاوز النزعة التجربية والنزعة العقلية بمفهوميهما الشائعين، لكننا سبق أن أشرنا إلى أنه في تحقيقه حول مصدر المعرفة لم يتخلّ أبداً عن مبادئ النزعة العقلية الشائعة التي تَعتبِرُ بعضَ الأصول والمفاهيم المعرفية على الأقل فطريةً. العمل الوحيد الذي استطاع القيام به هو أن يعتبر تلك الفطريات فارغة

(74)

عبثية في غياب المعطيات الحسية، وفي حال امتزاجهما فقط (الفطريات والمعطيات الحسية) تكون المعرفة ممكنة، ولا يتسنى حصول المعرفة من أيّ منهما مستقلاً متفرداً. إذا كانت النزعةُ العقليةُ تَعتبِرُ ألف (العقلَ) مصدراً للمعرفة، وتَعتبِرُ النزعةُ التجربيةُ ب (الحسَّ) مصدراً للمعرفة، فما يقوله كانط هو أن المعرفة عبارة عن ألف ـ ب (العقل والحس). ومع ذلك ما انفك يعتقد أن كلّاً من ألف و ب يَمنحان ـ بشكل مستقل أحدهما عن الآخر ـ عنصراً من المعرفة على كل حال، والمعرفة تحصل من تركيبة هذين العنصرين. وقد دحض تبيينُنا كل شكل من أشكال استقلال هذين عن بعضهما، وأثبت أن أيّ واحد من هذين المصدرين لا يعطي بمفرده أيَّ شيء، بمعنى أنهما ما لم يعملا في آنٍ واحد فلن تحصل أية معرفة أو عنصر معرفي أو جزء من معرفة. وهكذا اتضح لماذا عندما ننظر إلى شخص مثلاً نتصور أننا نرى طول قامته أيضاً.

بطلان النزعة الفطرية يلغي ثنائيةً أخرى أيضاً ألقت بظلالها على الأحكام في علم المعرفة الحديث، وهي تقسيم الأحكام إلى قبلية وبعدية. لا توجد أية معرفة قبلية بالمطلق أي متقدمة على أية تجربة وسابقة لها بالمطلق (وهذا رفض للمعنى الكانطي الأعمق للقبلي)، وليس هذا وحسب بل ولا معنى لأيّ تبرير قبلي بالمطلق (وهذا رفض للمعنى الأحدث والمشذّب للقبلي). ومن الجليّ أن إلغاء هذه الثنائية يعني وهميةَ ثنائيةٍ أخرى كانت بدورها من محكمات علم المعرفة الحديث، إنها ثنائية تقسيم الأحكام إلى تحليلية وتركيبية. المقصود هو أنه إذا

(75)

كانت أية نزعة فطرية باطلة (وهي باطلة) فالحكم إذن تركيبي بالمطلق، ومحتواه مهما كان ـ وأؤكد هنا مهما كان ـ يجب أن يحصل فقط وفقط عن طريق مواجهة الإنسان للواقع.

لقد دلّ بحثُنا على أن مبدأ الهوية العقلائي، ومبدأ عدم التناقض تبعاً له، هما وصف للواقع، وهما أولاً وبالذات بمعنى حصول تصور دقيق لشيء يُتَصَوَّرُ بوصفه هوية معينة. ما من ذهن بشري مهما كانت درجة خلاقيته وقدراته بقادر على تكوين تصور لذلك المبدأ أو لهذا المبدأ من دون مواجهة الواقع والوقوف وجهاً لوجه أمامه. من هنا، نستنتج أن مفهومي الضرورة والكلية الكامنين في باطن كلا ذلكم المبدئين، كلاهما وصف للواقع، والتمييز بين الضرورة المنطقية والضرورة الواقعية كالثنائيتين المذكورتين أعلاه، هو الآخر وهمٌ باعتباره ثنائية ثالثة. كما دلّ هذا التبيين كيف تحتاج سائر البديهيات على الرغم من بداهتها إلى هذين المبدئين. وهذه الحاجة طبعاً لا تنتقص شيئاً من بداهة تلك البديهيات، فقد تمّ إيضاح أن حاجتها ليست من نوع الحاجة الاستنتاجية، بل هي من نوع الحاجة البنيوية والحُكمية[1].

ينبغي التنبّه إلى أن ذلكم المبدئين يصدقان على أية وضعية في العالم الواقعي، وعليه لا يمكن أخذهما بأيّ معنى سوى أنهما وصف للواقع. وهذا يعني أنهما يصدقان

(76)

على كل شيء مهما كان، وهذا بدوره يعني في الحقيقة أن ذلكم المبدئين هما من أوصاف الوجود بما هو وجود. يمكن الاستنباط بسهولة أن مفهومي الضرورة والكلية أيضاً، وتبعاً لهذين المبدئين، ولأنهما كامنان في ذات هذين المبدئين، ويمثلان على غرارهما وصفاً للواقع، فهما إذن وصف للوجود بما هو وجود. المفهوم الآخر الذي يُدرَك ضمن مبدأ الهوية هو مفهوم الوحدة، والمفهوم الآخر الذي يُدرَك مع إدراك مبدأ عدم التناقض هو مفهوم الكثرة، وكلاهما على هذا النحو من أوصاف الواقع، وبالتالي من أوصاف الوجود بما هو وجود.

عند دراسة المفاهيم الثانوية، والتي تمّ خلالها عرض معيار واضح لتمييزها تمييزاً تامّاً عن المفاهيم الأولية، تبيّن أنها هي الأخرى أوصاف للواقع وللوجود بما هو وجود، باستثناء أن بعضها لا يمكنها أن تعتبر لوحدها من صفات الواقع والوجود بما هو وجود، بل يمكنها ذلك بمعيّة المفهوم المقابل لها أو المتضايف معها سويةً وعلى شكل تركيبةٍ، فمفهوم الحدوث على سبيل المثال ينبغي أن لا يعتبر لوحده من أوصاف الواقع الكلي، لأن هذا المفهوم لا يستحصل من ذلكم المبدئين ولا من مفهوم «الوجود» المحوري من دون أي قيد، بل يستحصل من الوجود الخاص من قبيل: الوجود بما هو جسماني. أما إذا أخذناه مع مفهومه المقابل أي «القِدم» سويةً فيمكن أن يعدّا سويةً من أوصاف الوجود بما هو وجود، لأنه يمكن القول بسهولة إن الوجود من حيث هو وجود إما قديم أو حادث. وكذا الحال بالنسبة لمفاهيم

(77)

فلسفية ثانوية أخرى من قبيل الوجوب والإمكان، والعلة والمعلول، والقوة والفعل، وغير ذلك، فهي كلها من أوصاف الواقع، وما لم يواجه العقلُ الواقعَ فلن يستطيع إنتاج أيّ منها.

كما ينبغي الالتفات إلى نقطة تقول إن بعض الصفات الفلسفية الثانوية ليست وصفاً للوجود بما هو وجود، بل هي وصف للوجود بما هو مكمَّم أو جسماني أو مجرد. مثل هذه الأوصاف أيضاً إذا أخذت سويةً لكانت بمجموعها من صفات الواقع ومن صفات الوجود بما هو وجود. أما إذا أخذت بمفردها، كأنْ نأخذ مثلاً تلك الفئة من الصفات الثانوية التي تصف الوجود بما هو مكمّم أو بما هو جسماني أو بما هو مجرد، ففي مثل هذه الحالة ستكون كل فئة من هذه الصفات في الحقيقة صفة لحصة من الوجود والواقع. مثل هذه الصفات، بالمنظور الأخير، واضح أنها لا تستطيع أن تناقش في العلم المتعلق بالوجود بما هو وجود، وإنما يتولّى مناقشتها علمٌ خاص يدرس الواقع من الناحية الخاصة بهذه الصفات.

وقد أجلى التحقيقُ في هوية مفهوم الوجود أنه لا يحقّ لنا أن نعتبره من المفاهيم الفلسفية الثانوية، إذ قد تبين أنه يتحلّى بخصائص فريدة، خصائص إمّا لا تمتلكها المفاهيم الأخرى أو إذا امتلكتها فإن شمولها من حيث الإطلاق على الواقع أخصّ من شمول مفهوم الوجود، أو (وهذا هو الأهم، ويصدق مثلاً في مفهومٍ مثل مفهوم الوحدة الذي يساوي شموله شمولَ مفهوم الوجود) ليس لها من الناحية المعرفية أوليّةُ وأسبقيّةُ مفهومِ الوجود. وهكذا يُعدُّ أيُّ مفهوم ثانوي

(78)

آخر، مهما كان، تابعاً لمفهوم الوجود بسبب أن مفهوم الوجود أعمّ من كل المفاهيم الأخرى، وهذه التبعية إما على شكل تبعية المساوي للمساوي، أو على شكل تبعية الأخص للأعم، لكنها يجب أن تُعدَّ في كل الأحوال تبعية الوصف للموصوف، لأن أي مفهوم ثانوي آخر، مهما كان، هو وصفٌ للواقع ووصف للوجود بما هو وجود. من هنا يتبين أنه في كل قضية (عبارة) يكون الوجودُ محمولَها، ينبغي في الحقيقة اعتبار الوجود موضوعَها، ومثل هذه القضايا تنعقد بطريقة عكسية.

حيث إنه لا معنى لأن يثبت شيءٌ خارج حيّز الوجود، إذن، ستصدق الأحكامُ العامة للوجود بشأن أي موجود، وحتى إذا تبين بخصوص وجود موجودٍ ما أن له سمات وخصوصيات فريدة، فستبقى هذه الأحكام العامة، وهي وصفٌ للوجود بما هو وجود، صادقةً على ذلك الموجود. وهذا في الحقيقة بمعنى تبيين كيفية الانتقال من العالم المحسوس إلى العالم أو العوالم المعقولة. الصدق التشكيكي لمفهوم الوجود على الموجودات، والاشتراك المعنوي لهذا الصدق، يجب أن يعدّا المعيارين الرئيسين لهذا الانتقال. وهكذا يمكن قيام بحث ميتافيزيقي حول كلّ ما يوجد وكل ما هو موجود مهما كان. وهذا الإمكان ناجم عن الخصائص الفريدة الفذة لمفهوم الوجود وكيفية إطلاقه على الأشياء والموجودات.

(79)

فهرس المصادر والمراجع

1- النراقي، مهدي: شرح الإلهيات من کتاب الشفاء، به اهتمام مهدي محقق، تهران، انتشارات دانشگاه تهران، 1365 هـ ش. 

2- صدر المتألهين: شرح وتعليقه بر الهيات شفا،  تصحيح نجفقلي حبيبي، تهران، انتشارات بنياد حکمت اسلامی صدرا، 1382 هـ ش. 

3- ابن سينا: الشفاء، الإلهيات، تحقيق: الأب قنواتي و سعيد زايد، قم، منشورات مکتبة آية الله العظمی المرعشي النجفي، 1404 هـ ق.

4- جهانگيري، محسن: احوال و آثار فرانسيس بيکن، تهران، انتشارات علمی و فرهنگی، 1369 هـ ش. 
5- صدر المتألهين: المشاعر، به اهتمام هنری کربين، تهران، کتابخانه طهوري، 1363 هـ ش. 

6- کانت، ايمانوئل: تمهيدات، ترجمه غلامعلی حداد عادل، تهران، مرکز نشر دانشگاهی، 1367 هـ ش. 

7- مجلة «ذهن»، السنة السادسة، العدد 4، شتاء 1384 هـ ش، 2006 م. رقم التسلسل 24.

8- Aristotle: The Complete Works of Aristotle: The Revised Oxford Translation, Tow Vols. Edited by Jonathan Barnes, 
9- Coreth Emerich: Metaphysics, trans: Joseph Donceel, Herder and Herder, New York, 1968. Princeton University Press, Princeton, New Jersey, 1984
14. Leibniz, G. W.: New Essays on Human Understanding, trans: Peter Remnont and Jonathan Bennet, Cambridge University Press, London, 1996.
15. Kemp Smith, Norman: A Commentary to Kant’s Critique of Pure Reason, Humanities, New Jersey, 1984.
16. Locke Don: Perception, Routledge, London, 2002.
17.Locke John: An Essay Concerning Human Understanding, ed: Peter H. Nidditch, Oxford University Press, London, 1975.

(80)
المؤلف في سطور مهدي قوام صفري أستاذ مساعد بجامعة طهران دكتوراه فلسفة بجامعة طهران له مجموعة من المؤلفات باللغة الفارسية منها : النظرية الصورة في فلسفة أرسطو ، كيف يمكن قيام ميتافيزيقا ؟ ، التعرف على الإيبستمولوجيين ، التعرف على مصطلحات الإيبستمولوجيا . ترجمت له مجموعة من الكتب والمقالات منها : [برهان الشفاء] [في التضاد مع المنهج] ، [ترجمة وتفسير برهان الشفاء] ..... مقالاته المنشورة في المجلات الدولية : Mohammad Mahdi Saffari Mina Farzi Mahdi Ghavam Safari sohrab Moini and Mohammad Amin Mohmmadifar APPLYING IRANIN GUM TRAGACANTH TO IMPROVE TEXTURAL PROPERTIES OF MALTODEXTRIN MICROCAPSULES JOURNAL OF TEXTURE STUDIES NO (2012 ) Mohammad Bagher Ghomi and Mahdi Ghavam safari plato seeking for on Explanation in phaedo philosophical Investigations 12 no 24 (2018 : 219240) اشكال معروف وجود ذهن را ابن سينا حل كرده است نه ملا صدرا [إشكال وجود الذهن المشهور : حله ابن سينا لا الملا صدرا] ، كلية الإلهيات بجامعة طهران . له العديد من المقالات المنشورة في مجلات إيرانية مثل : ، التي تصدر عن كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة تبريز ، ... شارك في العديد من المؤتمرات الفلسفية داخل إيران وخارجها .
هذا الكتاب الميتافيزيقا تتناول هذه الدراسة مفهوم الميتافيزيقا في نشأته اليونانية الأولى وفي تطوراته المعرفية التي سرت في فضاءات الفلسفة ولا سيما في الفضاء الإسلامي . كما تتطرق إلى المرتكزات الفلسفية للمفهوم انطلاقا من تعريفاته القديمة وصولا إلى ما دأبت عليه الفلسفة الغربية في سياق تأصيلاته الحديثة . المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية http://www.iicss.iq [email protected]