القصص القرآنيّ في مرآة الاستشراق (دراسة نقدية)

القصص القرآنيّ في مرآة الاستشراق (دراسة نقدية)

تأليف :

الدكتور محمود كيشانه

مقدمة المركز

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين أبي القاسم محمد بن عبد الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى آله الطيّبين الطاهرين(عليهم السلام)، ومن تبعهم بإحسان إلى قيام يوم الدين.

اشتمل القرآن الكريم في مواضع كثيرة من آياته على بيان مفصَّل لقصص الأمم السابقة وأحوالها وقصص أنبيائه ورسله(عليهم السلام) وسيرتهم الدعويّة في أقوامهم، قال الله تعالى: ( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)[1]؛ ممّا لم يكن للناس اطّلاع عليه أو علم ودراية به:(  تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا ۖ فَاصْبِرْ ۖ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ)[2]، أو كانوا منه على اشتباه أو انحراف عن واقعه وحقيقة أمره:(إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ ۚ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلَّا اللَّـهُ ۚ وَإِنَّ اللَّـهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)[3]، فقدّمه إليهم بالحقّ مصدّقًا لما جاء في كتب الأديان السماويّة السابقة، ومصحِّحًا لما حرّفته أيدي أتباع هذه الأديان وما تعمّدته من طمس أو تزييف للوقائع والحوادث التاريخيّة المفصليّة في حياة البشريّة وافتراء وتشويه لأنبياء الله ورسله(عليهم السلام).

ولم يكنْ إيراد القرآن الكريم لهذا القصص لأجل تسلية الناس والترويح عن أنفسهم، بل كان إيراده له رحمةً لهم؛ ليهديهم إلى سنن الهداية الإلهيّة التكوينيّة والتشريعيّة الجارية في التاريخ الإنسانيّ وقوانينها التي تجري فيهم، وستجري فيمن يأتي بعدهم إلى يوم القيامة. لكنّ التعرّض لنفحات قصص القرآن والانتفاع به غير متيسَّر؛ إلا لمن آمن بالقرآن وسكنت تعاليمه في قلبه ووقف عند حدوده ومواعظه وزواجره.

وأمام هذا الواقع نجد أنّ أغلب المستشرقين قد تجاهلوا -عن قصد أو عن قصور معرفيّ ومنهجيّ- خصوصيّات القصص القرآنيّ، فاستشكلوا عليه تارةً لجهة مصدره؛ فزعموا أنّه مستقى من قصص الكتب السماويّة السابقة، أو من قصص الحضارات والثقافات التي كانت سائدةً قبل نزول القرآن في شبه الجزيرة العربيّة أو في بلاد ما بين النهرين أو بلاد فارس...، وتارةً لجهة محتواه بأنّه متناقض في ما بينه، أو مخالف لمعطيات العلم والتاريخ والكتب السماويّة السابقة...، وثالثة لجهة فنّيّته لناحية تكراره في أكثر من مورد بما يؤدّي إلى ملل القارىء، أو لجهة غموضه، أو إيجازه، أو تجاوزه لسرد بعض الحوادث والوقائع... وغيرها من الشبهات التي أثارها المستشرقون على القصص القرآنيّ؛ والتي تكشف عن حقد وضغينة تجاه القرآن الكريم والإسلام ورسوله الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومحاولة للنيل من قدسيّتهم، في مجافاة مريبة للحقيقة وتجاهل عجيب لبديهيّات المنهج العلميّ في البحث والتحقيق، أو تكشف عن عدم إتقان للغة العربيّة كما هو حال بعضهم، وقصور في فهم خصوصيّات القصص بشكل عامّ، والقصص القرآنيّ بشكل خاصّ.

فلقد بات من الواضح أنّ السمة الغالبة في المناهج المعتمدة عند المستشرقين قائمة على الشك، والانتقائيّة، والإسقاطات الفكريّة، والموروثات والرواسب الثقافية والعقدية التي يقوم فكرهم ومشروعهم على أساسها، ولا سيّما في دراستهم للقرآن الكريم وما يرتبط به من علوم وأبحاث ودراسات....، ولهذا فقد نسج المستشرقون مبكّراً أوجه شبه كثيرة ومتنوّعة ين التوراة والانجيل من جهة، وبين القرآن من جهة أخرى. إضافة إلى المحاولات الكثيرة التي بُذلت لاعتبارهما المرجعيّة المصدريّة للقرآن الكريم. ولعلّ ما نُسِج حول القصص القرآني هو المصداق الأوضح والأجلى لهذا المنحى عند المستشرقين الذين تناولوا القصص القرآني، في ضوء ما يحملون من موروثات فلسفية ودينية.

فإنّ طريقة عرض القصص القرآنية استرعت اهتمام المستشرقين، فضلاً عن مطابقتها لكثير ممّا جاء منها في التوراة والانجيل، فأعملوا فؤوس الهدم من خلالها في القرآن، اعتماداً منهم على مناهجهم التأريخية أو المقارنة أو غيرها فقد عزوا ذلك بسبب هذا التشابه الكبير في القصص بين القرآن الكريم وبين التوراة والانجيل إلى أنّ القرآن من تأليف النبي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّ معلوماته في هذه القصص مستوحاة من أخبار الديانتين اليهودية والنصرانية أو منقولة عنهما، من نحو قصص الطوفان والخلق وخروج النبي موسى من مصر وقصّة النبي يوسف(عليه السلام)، وغيرها من القصص الأخرى التي ضمّتها الكتب المقدّسة المذكورة.

 ويعزو أغلب المستشرقين مصدر هذه القصص الى الرهبان والقسس ممّن كـان يسكن جزيـرة العرب وما جاورهـا كسوريـا، واتصال النبي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) بهـم، أو عن طريق الأحبار الذين دخلوا الإسلام في المدينة فأخذوا يروون أو يعلّمون المسلمين بعضها، حتى أصبحت ثقافةً يتعامل بها الناس في عموم الجزيرة، وهذا الأمر يسّر على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) -بحسب زعمهم- الإفادة منها بوصفها إرثاً وثقافة في الجزيرة العربية. ولم يبتعد الحداثويون العرب عن هذا المشهد، إذ قلّد أكثرهم المستشرقين في المباني المنهجية والشبهات والمصاديق...، حيث كرّروا ما ركَّز عليها المستشرقون فيما يتعلّق بالقصة القرآنية هي: التشابه والتكرار، والسرقة والتقليد للكتب السماوية الأخرى، وغيرها.

ومن هنا، فقد انبرى الباحثون قديماً وحديثاً؛ من منطلق غيرتهم ودفاعهم عن القرآن والإسلام ورسوله الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم)، لنقد دراسات المستشرقين للقصص القرآنيّ وتفنيد مزاعمهم الواهية وردّ شبهاتهم المُغرِضَة. ويأتي هذا الكتاب «القصص القرآنيّ في مرآة الاستشراق -دراسة نقديَّة-»؛ بوصفه أحد الدراسات النقديّة المبذولة في هذا الصدد.

الحمدلله رب العالمين

المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيّة

--------------------------------

[1] سورة يوسف، الآية 111.

[2] سورة هود، الآية 49.

[3] سورة آل عمران، الآية 62.

 

مقدمة المؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم

حازت الدراسات القرآنيَّة على اهتمام المستشرقين منذ بدء الاستشراق، وذلك بعد أن أدركوا ضرورة الوقوف على مضامين القرآن الكريم؛ قراءةً، وترجمةً، وتفسيرًا، وبحثًا فيه، وفي مصدره، ولغته، وأسلوبه، و...، بحيث يكاد لا يخلو شأن من شؤونه، ولا مجال من مجالاته، أو مسألة من مسائله إلَّا وأخضعوها للبحث والدراسة. وتأتي مسألة القصص القرآنيّ في تعداد القضايا التي أَوْلاها المستشرقون -قديمًا وحديثًا- عظيم اهتمامهم، فطرحوا فيها الفرضَّيات، وتعدَّدت حولها الآراء والمواقف بعد أن أعملوا فيها العديد من المناهج.

ومن ثمَّ، فإنَّ الوقوف على قضيَّة القصص القرآنيّ من منظار الاستشراق يكشف -لنا- كثيرًا من خلفيّاتهم، ويجيب عن حقيقة موقفهم منه، ويساعد على تقويم قراءتهم له، فإلى أيِّ مدى كانوا منصفين في هذه القراءة؟ وهل قادتهم إلى بيان وجه الحقّ فيه؟ أم أغمطوه حقَّه وحاولوا تشويهه وأثاروا حوله الشبهات والأباطيل؟!

وهنا تكمن أهمِّيَّة هذه الدراسة، خصوصًا وأنَّها لم تقف عند حدود الاستشراق المعاصر وحده، كما لم تقف عند حدود الاستشراق القديم وحده، وإنَّما حاولت الوقوف على موقفيهما معًا من القصص القرآنيّ، لتستبين منهجيَّاتهما وآراءهما، ومدى تأثُّر الاستشراق المعاصر بالاستشراق القديم في موقفه من هذا القصص. فتقف بذلك على حقيقة النظرة التي ينظر بها الاستشراق إلى الإسلام من خلال هذه القضيَّة القرآنيَّة المحوريَّة، كما تحاول الوقوف على مدى اتِّفاق الاستشراق المعاصر مع الاستشراق القديم أو اختلافهما في نظرتهما إلى هذه القضيَّة؛ وذلك من خلال عرض مواقف المستشرقين وآرائهم ومناهجهم في دراستهم للقصص القرآنيّ، واضعةً إيَّاها في ميزان النقد المبنيّ على قاعدة معرفيَّة دينيَّة، ومبيِّنةً -في الوقت ذاته- المنطلقات التي ينطلقون منها، وكذلك الأغراض التي يهدفون إليها، والمناهج التي يسيرون عليها.

وفي هذا الصدد، تجيب هذه الدراسة عن مجموعة من الإشكاليَّات، تتمثَّل في الأسئلة الآتية: ما هو القصص القرآنيّ؟ وما هي أهمِّيَّته؟ وكيف تناوله المستشرقون بالدراسة؟ وما هو موقفهم منه؟ وما هي القراءات التي قدَّموها لتفسيره؟ وما هي حقيقة الاقتباس الذي يروِّجونه حوله؟ وما هو واقع التكرار المدّعى في القصص القرآنيّ؟ وكيف ربط المستشرقون موقفهم من القصص بموقفهم من بعض القضايا الإسلاميَّة؟ وما هي المناهج التي أقاموا عليها آراءهم وقراءاتهم له؟

وفي ضوء معالجة هذه الإشكاليَّات، ارتسمت مباحث هذه الدراسة؛ وفق الآتي:

مقدّمة: تبيِّن قضيِّة الدراسة، أهدافها، الإشكاليَّات التي انبنت عليها، المحاور التي تعالجها، والمنهج الذي اعتمدته.

مدخل: القصص القرآنيّ -تعريفه وأهمِّيَّته-

الفصل الأوَّل: القصص القرآنيّ وموقف المستشرقين منه، ويتضمَّن أربعة مباحث:

المبحث الأوّل: دعوى الاقتباس والتشابه والتحريف

المبحث الثاني: دعوى التكرار في القصص القرآنيّ

المبحث الثالث: دعوى أسطوريَّة القصص القرآنيّ

المبحث الرابع: من القصص القرآنيّ إلى قضايا إسلاميَّة أخرى -افتراءات استشراقيَّة-

الفصل الثاني: القراءات الاستشراقيّة للقصص القرآنيّ ومناهج المستشرقين، وفيه مبحثان:

المبحث الأوَّل: القراءات الاستشراقيَّة للقصص القرآنيّ

المبحث الثاني: مناهج المستشرقين في القصص القرآنيّ 

خاتمة: وفيها خلاصة ما انتهت إليه هذه الدراسة من نتائج.

المؤلِّف