فهرس المحتويات

سلسلة القرآن في الدراسات الغربية 5 القصص القرآني في مرآة الاستشراق دراسة نقدية تأليف : الدكتور محمود كيشانه العتبة العباسية المقدسة المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية

فهرس الكتاب 

مقدِّمة المركز7

مقدِّمة المؤلِّف11

المدخل13

الفصل الأوَّل: القصص القرآنيّ وموقف المستشرقين منه

المبحث الأوَّل: دعوى الاقتباس والتشابه والتحريف23

المبحث الثاني: دعوى التكرار في القصص القرآنيّ55

المبحث الثالث: دعوى أسطوريَّة القصص القرآنيّ67

المبحث الرابع: من القصص القرآنيّ إلى قضايا إسلاميَّة أخرى

افتراءات استشراقيَّة81

الفصل الثاني: القراءات الاستشراقيَّة للقصص القرآنيّ ومناهج المستشرقين

المبحث الأوَّل: القراءات الاستشراقيَّة للقصص القرآنيّ99

المبحث الثاني: مناهج المستشرقين في القصص القرآنيّ119

خاتمة148

المصادر والمراجع152

(5)
(6)

مقدمة المركز

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين أبي القاسم محمد بن عبد الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وعلى آله الطيّبين الطاهرين عليهم‌السلام ، ومن تبعهم بإحسان إلى قيام يوم الدين.

اشتمل القرآن الكريم في مواضع كثيرة من آياته على بيان مفصَّل لقصص الأمم السابقة وأحوالها وقصص أنبيائه ورسله عليهم‌السلام وسيرتهم الدعويّة في أقوامهم، قال الله تعالى:  (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)[1]؛ ممّا لم يكن للناس اطّلاع عليه أو علم ودراية به: (تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا ۖ فَاصْبِرْ ۖ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ)[2]، أو كانوا منه على اشتباه أو انحراف عن واقعه وحقيقة أمره: (إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ ۚ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلَّا اللَّـهُ ۚ وَإِنَّ اللَّـهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)[3]، فقدّمه إليهم بالحقّ مصدّقًا لما جاء في كتب الأديان السماويّة السابقة، ومصحِّحًا لما حرّفته أيدي أتباع هذه الأديان وما تعمّدته من طمس أو تزييف للوقائع والحوادث التاريخيّة المفصليّة في حياة البشريّة وافتراء وتشويه لأنبياء الله ورسله عليهم‌السلام .

ولم يكنْ إيراد القرآن الكريم لهذا القصص لأجل تسلية الناس والترويح عن أنفسهم، بل كان إيراده له رحمةً لهم؛ ليهديهم إلى سنن الهداية الإلهيّة التكوينيّة والتشريعيّة الجارية في التاريخ الإنسانيّ وقوانينها التي تجري فيهم، وستجري فيمن يأتي بعدهم إلى يوم القيامة. لكنّ التعرّض لنفحات

(7)

قصص القرآن والانتفاع به غير متيسَّر؛ إلا لمن آمن بالقرآن وسكنت تعاليمه في قلبه ووقف عند حدوده ومواعظه وزواجره.

وأمام هذا الواقع نجد أنّ أغلب المستشرقين قد تجاهلوا -عن قصد أو عن قصور معرفيّ ومنهجيّ- خصوصيّات القصص القرآنيّ، فاستشكلوا عليه تارةً لجهة مصدره؛ فزعموا أنّه مستقى من قصص الكتب السماويّة السابقة، أو من قصص الحضارات والثقافات التي كانت سائدةً قبل نزول القرآن في شبه الجزيرة العربيّة أو في بلاد ما بين النهرين أو بلاد فارس...، وتارةً لجهة محتواه بأنّه متناقض في ما بينه، أو مخالف لمعطيات العلم والتاريخ والكتب السماويّة السابقة...، وثالثة لجهة فنّيّته لناحية تكراره في أكثر من مورد بما يؤدّي إلى ملل القارىء، أو لجهة غموضه، أو إيجازه، أو تجاوزه لسرد بعض الحوادث والوقائع... وغيرها من الشبهات التي أثارها المستشرقون على القصص القرآنيّ؛ والتي تكشف عن حقد وضغينة تجاه القرآن الكريم والإسلام ورسوله الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، ومحاولة للنيل من قدسيّتهم، في مجافاة مريبة للحقيقة وتجاهل عجيب لبديهيّات المنهج العلميّ في البحث والتحقيق، أو تكشف عن عدم إتقان للغة العربيّة كما هو حال بعضهم، وقصور في فهم خصوصيّات القصص بشكل عامّ، والقصص القرآنيّ بشكل خاصّ.

فلقد بات من الواضح أنّ السمة الغالبة في المناهج المعتمدة عند المستشرقين قائمة على الشك، والانتقائيّة، والإسقاطات الفكريّة، والموروثات والرواسب الثقافية والعقدية التي يقوم فكرهم ومشروعهم على أساسها، ولا سيّما في دراستهم للقرآن الكريم وما يرتبط به من علوم وأبحاث ودراسات....، ولهذا فقد نسج المستشرقون مبكّراً أوجه شبه كثيرة ومتنوّعة ين التوراة والانجيل من جهة، وبين القرآن من جهة أخرى. إضافة إلى المحاولات الكثيرة التي بُذلت لاعتبارهما المرجعيّة المصدريّة للقرآن الكريم. ولعلّ ما نُسِج حول القصص القرآني هو المصداق الأوضح والأجلى لهذا المنحى عند المستشرقين الذين تناولوا القصص القرآني، في ضوء ما يحملون من موروثات فلسفية ودينية.

(8)

فإنّ طريقة عرض القصص القرآنية استرعت اهتمام المستشرقين، فضلاً عن مطابقتها لكثير ممّا جاء منها في التوراة والانجيل، فأعملوا فؤوس الهدم من خلالها في القرآن، اعتماداً منهم على مناهجهم التأريخية أو المقارنة أو غيرها فقد عزوا ذلك بسبب هذا التشابه الكبير في القصص بين القرآن الكريم وبين التوراة والانجيل إلى أنّ القرآن من تأليف النبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - ، وأنّ معلوماته في هذه القصص مستوحاة من أخبار الديانتين اليهودية والنصرانية أو منقولة عنهما، من نحو قصص الطوفان والخلق وخروج النبي موسى من مصر وقصّة النبي يوسف عليه‌السلام، وغيرها من القصص الأخرى التي ضمّتها الكتب المقدّسة المذكورة.

 ويعزو أغلب المستشرقين مصدر هذه القصص الى الرهبان والقسس ممّن كـان يسكن جزيـرة العرب وما جاورهـا كسوريـا، واتصال النبي محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم -  بهـم، أو عن طريق الأحبار الذين دخلوا الإسلام في المدينة فأخذوا يروون أو يعلّمون المسلمين بعضها، حتى أصبحت ثقافةً يتعامل بها الناس في عموم الجزيرة، وهذا الأمر يسّر على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم -  -بحسب زعمهم- الإفادة منها بوصفها إرثاً وثقافة في الجزيرة العربية. ولم يبتعد الحداثويون العرب عن هذا المشهد، إذ قلّد أكثرهم المستشرقين في المباني المنهجية والشبهات والمصاديق...، حيث كرّروا ما ركَّز عليها المستشرقون فيما يتعلّق بالقصة القرآنية هي: التشابه والتكرار، والسرقة والتقليد للكتب السماوية الأخرى، وغيرها.

ومن هنا، فقد انبرى الباحثون قديماً وحديثاً؛ من منطلق غيرتهم ودفاعهم عن القرآن والإسلام ورسوله الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - ، لنقد دراسات المستشرقين للقصص القرآنيّ وتفنيد مزاعمهم الواهية وردّ شبهاتهم المُغرِضَة. ويأتي هذا الكتاب «القصص القرآنيّ في مرآة الاستشراق -دراسة نقديَّة-»؛ بوصفه أحد الدراسات النقديّة المبذولة في هذا الصدد.

الحمدلله رب العالمين

المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيّة

(9)
(10)

مقدمة المؤلف 

بسم الله الرحمن الرحيم

حازت الدراسات القرآنيَّة على اهتمام المستشرقين منذ بدء الاستشراق، وذلك بعد أن أدركوا ضرورة الوقوف على مضامين القرآن الكريم؛ قراءةً، وترجمةً، وتفسيرًا، وبحثًا فيه، وفي مصدره، ولغته، وأسلوبه، و...، بحيث يكاد لا يخلو شأن من شؤونه، ولا مجال من مجالاته، أو مسألة من مسائله إلَّا وأخضعوها للبحث والدراسة. وتأتي مسألة القصص القرآنيّ في تعداد القضايا التي أَوْلاها المستشرقون -قديمًا وحديثًا- عظيم اهتمامهم، فطرحوا فيها الفرضَّيات، وتعدَّدت حولها الآراء والمواقف بعد أن أعملوا فيها العديد من المناهج.

ومن ثمَّ، فإنَّ الوقوف على قضيَّة القصص القرآنيّ من منظار الاستشراق يكشف -لنا- كثيرًا من خلفيّاتهم، ويجيب عن حقيقة موقفهم منه، ويساعد على تقويم قراءتهم له، فإلى أيِّ مدى كانوا منصفين في هذه القراءة؟ وهل قادتهم إلى بيان وجه الحقّ فيه؟ أم أغمطوه حقَّه وحاولوا تشويهه وأثاروا حوله الشبهات والأباطيل؟!

وهنا تكمن أهمِّيَّة هذه الدراسة، خصوصًا وأنَّها لم تقف عند حدود الاستشراق المعاصر وحده، كما لم تقف عند حدود الاستشراق القديم وحده، وإنَّما حاولت الوقوف على موقفيهما معًا من القصص القرآنيّ، لتستبين منهجيَّاتهما وآراءهما، ومدى تأثُّر الاستشراق المعاصر بالاستشراق القديم في موقفه من هذا القصص. فتقف بذلك على حقيقة النظرة التي ينظر بها الاستشراق إلى الإسلام من خلال هذه القضيَّة القرآنيَّة المحوريَّة، كما تحاول الوقوف على مدى اتِّفاق الاستشراق المعاصر مع الاستشراق القديم أو اختلافهما في نظرتهما إلى هذه القضيَّة؛ وذلك من خلال عرض

(11)

مواقف المستشرقين وآرائهم ومناهجهم في دراستهم للقصص القرآنيّ، واضعةً إيَّاها في ميزان النقد المبنيّ على قاعدة معرفيَّة دينيَّة، ومبيِّنةً -في الوقت ذاته- المنطلقات التي ينطلقون منها، وكذلك الأغراض التي يهدفون إليها، والمناهج التي يسيرون عليها.

وفي هذا الصدد، تجيب هذه الدراسة عن مجموعة من الإشكاليَّات، تتمثَّل في الأسئلة الآتية: ما هو القصص القرآنيّ؟ وما هي أهمِّيَّته؟ وكيف تناوله المستشرقون بالدراسة؟ وما هو موقفهم منه؟ وما هي القراءات التي قدَّموها لتفسيره؟ وما هي حقيقة الاقتباس الذي يروِّجونه حوله؟ وما هو واقع التكرار المدّعى في القصص القرآنيّ؟ وكيف ربط المستشرقون موقفهم من القصص بموقفهم من بعض القضايا الإسلاميَّة؟ وما هي المناهج التي أقاموا عليها آراءهم وقراءاتهم له؟

وفي ضوء معالجة هذه الإشكاليَّات، ارتسمت مباحث هذه الدراسة؛ وفق الآتي:

مقدّمة: تبيِّن قضيِّة الدراسة، أهدافها، الإشكاليَّات التي انبنت عليها، المحاور التي تعالجها، والمنهج الذي اعتمدته.

مدخل: القصص القرآنيّ -تعريفه وأهمِّيَّته-

الفصل الأوَّل: القصص القرآنيّ وموقف المستشرقين منه، ويتضمَّن أربعة مباحث:

المبحث الأوّل: دعوى الاقتباس والتشابه والتحريف

المبحث الثاني: دعوى التكرار في القصص القرآنيّ

المبحث الثالث: دعوى أسطوريَّة القصص القرآنيّ

المبحث الرابع: من القصص القرآنيّ إلى قضايا إسلاميَّة أخرى -افتراءات استشراقيَّة-

الفصل الثاني: القراءات الاستشراقيّة للقصص القرآنيّ ومناهج المستشرقين، وفيه مبحثان:

المبحث الأوَّل: القراءات الاستشراقيَّة للقصص القرآنيّ

المبحث الثاني: مناهج المستشرقين في القصص القرآنيّ 

خاتمة: وفيها خلاصة ما انتهت إليه هذه الدراسة من نتائج.

المؤلِّف

(12)

مدخل

القصص القرآنيّ

ــ تعريفه وأهمِّيَّته ــ

حاز القصص في القرآن الكريم حيِّزًا محوريًّا؛ لما له من أهمِّيَّة في استخلاص العظة والعبرة من بين ثناياه، فلم يكنْ مجرَّد قصَّة تُروى بهدف التسلية أو التسرية، وإنَّما كان ذا هدف كبير في خدمة العقيدة الإسلاميَّة، خاتمة الرسالات السماويَّة.

يقول الله -تعالى- في خطابٍ موجَّهٍ إلى نبيِّه الأكرم محمَّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :(إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ)[1]،(نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ)[2]. فما هي حقيقة القصص القرآنيّ؟ وما هي أهمِّيَّته؟ وما هو موقف المستشرقين منه؟

أوَّلًا: حقيقة القصص القرآنيّ:

إنَّ القصص القرآنيّ هو ذلك القصص الذي يخبرنا عن الأمم السابقة، والرسالات السماويَّة السابقة على النبيّ محمَّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ إظهارًا لما يتضمَّنه من حقائق وعظات، وإخبارًا للناس بالحوادث التاريخيَّة؛ شحذًا لهممهم على التفكُّر والتدبُّر والتأمُّل. و»الأمَّة الإسلاميَّة بحاجةٍ ماسَّةٍ إلى أن تعمِّق فهمَها وإدراكها للقَصَص القرآنيّ؛ لتنهل منه أساليبَ العراك مع الحياة، والطُّرقَ الموصِلَة إلى خلافة الله في أرضه، من خلال إقامة دينه والثبات

(13)

عليه، والوقوف بعزمٍ وحزمٍ أمام الدعوات المناوِئة له، والزَّوابع المستهزئة به أو بشيءٍ من أصوله وآدابه النَّبيلة».

ولعلَّ الأسلوب القصصيّ مناسب لطبيعة الإنسان الذي يرنو إلى سماع قصص الأولين، وتهفو إليه نفسه؛ لما يقوم عليه من ترابط الأحداث التي يتكوَّن منها وتراتبها وتناسقها، بحيث يسمعها الإنسان، فيبدأ في تشكيلها وتجسيدها في ذهنه، ويحوِّلها في مخيِّلته من قصَّة مسموعة إلى قصَّة محسوسة، يكون أثرها في النفس والعقل أبلغ من أيِّ أسلوب تلقينيّ أو خطابيّ؛ كونها لامست القلب والعقل. وهذا ما نجده بالفعل في القصص القرآنيّ؛ إذ «إنَّ المسلمين المتأمِّلين حينما يتلون القَصَص القرآنيَّ فإنَّهم يخالجهم شعور حاضرٌ مع القصَّة، حتَّى كأنّما نُفِخَت الحياةُ في القرون الهامدة، فأصبحوا يشاهدونها كفاحًا؛ ليرِيَهم الله مَنْ سبَقهم من الأمم، في فرحهم وتَرَحهم، وجِدِّهم وهَزْلهم، وتصديقهم للرُّسل وتكذيبهم، وإيمانهم وكفرهم، وسُخريَّتهم وتسليمهم».

ثانيًا: أهمِّيَّة القصص القرآنيّ:

يتمثَّل الهدف الأساس من القصص القرآنيّ في ترسيخ أصلٍ شرعيّ، أو تثبيت مبدأٍ أخلاقيّ. وما تَظْهَر أو تُصوَّر من أهدافٍ أخرى، إنَّما تندرج جميعها تحت هذا الهدف الأساس وتدور في فلكه، ومنها:

إنَّ القصص القرآنيّ يعمِّق الصلة الإيمانيَّة بالله تعالى: فالتدبُّر والتأمّل في آيات القصص يكشف عن أنَّ الهدف منها يتعدَّى كونها مجرَّد إخبارٍ عن تاريخ الأمم السابقة وأحوالها؛ فإذا ما تأمَّل المرء في تاريخ السابقين وأحوال الماضين الذين لم يستجيبوا لدعوة التوحيد، وعرف ما كانوا عليه من الخطأ في موقفهم تجاه بارئهم، ورأى عدل الله تعالى في عقابهم، خشي تحقُّق الوعيد الإلهيّ في حقِّه، وخاف ملاقاة مصيرهم، وأثَّر ذلك على سيره وسلوكه؛ فإن كان على ضلال مَنْ سبقه عاد واستقام، وإن كان على هدى من ربِّه ثبت على ما هو عليه واشتدَّ إيمانه ويقينه. وعليه، ففي القصص القرآنيّ زيادة للشحنة الإيمانيَّة وتقوية للوازع الدينيّ.

(14)

إنَّ في القصص القرآنيّ منهجًا تربويًّا وأسلوبًا تعليميًّا منقطع النظير: فالقصص القرآنيّ يعمل على توجيه المسلم إلى مسار تربويّ، فيربِّيه على عدم مخالفة أوامر الله وتعاليمه، بل يربِّيه على الالتزام بها والسير بمقتضاها؛ ففي قصَّة النبيّ موسى عليه‌السلام تربية على ما يجب أن تكون عليه علاقة العبد بربِّه؛ من خلال عرض ما خالف فيه بنو إسرائيل أمر ربِّهم، وكذلك في قصَّة النبيّ يوسف عليه‌السلام -مثلًا- تربية على ما يجب أن تكون عليه علاقة الابن بوالديه، وبإخوته، وبقومه، علاقات ملؤها العطف والمودَّة والرحمة.

وكذلك في القصص القرآنيّ إرشاد للمسلم إلى مسار تعليميّ يستطيع من خلاله أن يتعلّم الكثير؛ يتعلَّم منه العرب؛ بوصفهم أمَّةً كانت غارقة في الأمِّيَّة والجهل قبل الإسلام حوادث الأمم السابقة وأخبارهم وموقفهم من الرسل الكرام. كما يستطيع المسلم أن يتعلّم منه ألَّا يتَّخذ المواقف نفسها التي أودت بهم إلى سخط الله -تعالى-، واتِّخاذ مواقف مغايرة فيها رضاه جلَّ جلاله. وهذا بحدِّ ذاته رحمة من الله -تعالى- بأمَّة محمَّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وهدى من الله لهم؛ مصداقًا لقوله -تعالى-:(إِنَّ هَـٰذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ 76 وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ77)[1].

يقدِّم دروسًا عظيمةً في الصمود، والشجاعة، والحبّ، والتوبة، والصدق، والثقة بالله تعالى[2].

هذا، وعلى الرغم من أهمِّيَّة القصص القرآنيّ وآثاره المتميِّزة على القارئ المتأمِّل والمتدبِّر فيها، لم يدرك المستشرقون هذه الأهمِّيَّة، أو أنَّهم أدركوها -كما هو المرجَّح بالنسبة إلى الكثير منهم- فسارعوا إلى تشويهها والطعن فيها انقيادًا لتعصُّبهم وحقدهم. فالقصص -في واقع الأمر- وسيلة استخدمتها الكتب السماويَّة من أجل تعريف الناس بأحوال الأمم السابقة عليهم؛ لأخذ العظة والعبرة.

(15)

يقول الله -تعالى-: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)[1]، ويقول سبحانه:(ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْقُرَىٰ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ ۖ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ 100 وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ۖ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّـهِ مِن شَيْءٍ لَّمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ 101وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ 102 إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ 103)[2]، ويقول -جلَّ جلاله- أيضًا: (حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ 110 لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ 111)[3].

إنَّ ما كان يجب أن يشغل بال المستشرقين هو أنَّه كيف لنبيٍّ لم يكن عنده علم بأخبار الأمم السابقة أن يحصل على كلِّ هذه الأخبار؟ نعم، هم حاولوا أن يربطوا -بإجحافٍ- بين هذا القصص و«بحيرا الراهب»، مع العلم أنَّ النبيَّ الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يلتقِ به سوى لحظات. أتُرى عرف عنه في خلال هذه اللحظات ما يحتاج إلى سنين طوال، وما يحتاج إلى أن يتعلَّم لأجله العديد من اللغات؟! أليس هذا بأدعى -بدلًا من جحودهم وإنكارهم- إلى الإقرار بأنَّه من عند الله -تعالى-، وإلى تصديق قوله -جلَّ وعلا-:(ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۚ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ)[4]، وقوله -تبارك وتعالى-:(تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا ۖ فَاصْبِرْ ۖ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ)[5]، وقوله -جلَّ جلاله-: (نَحْنُ نَقُصُّ

(16)

عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـٰذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ)[1]، وقوله -عزَّ وجلّ-: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [2]، وقوله -سبحانه-:(ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْقُرَىٰ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ ۖ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ 100 وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ۖ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّـهِ مِن شَيْءٍ لَّمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ 101 وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ 102 إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ 103)[3]، وقوله -تعالى-: (وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ۚ وَجَاءَكَ فِي هَـٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ) [4]، وقوله -عظم شأنه-: (إِنَّ هَـٰذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ 76 وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ 77)[5].

 فهذه مجموعة من الآيات التي تُبيِّن أهمِّيَّة القصص القرآنيّ، وتكشف حكمة الله -تعالى- وعلمه بأنَّ أقوامًا ستأتي وتنكر هذا القصص أو تشكِّك فيه وتجعله في خانة الأساطير؛ ولهذا جاءت الردود قاطعةً، مفعمةً بالتأكيد على أنَّ القصص القرآنيّ حقٌّ؛ كونه من لدن عليم حكيم. ففي القصص إخبارٌ بأحوال السابقين، وعبرةٌ، وهدىً ورحمةٌ، وبيانٌ لوجهٍ من وجوه إعجاز القرآن الكريم ونبوَّة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

وقد أجملت الموسوعة القرآنيَّة المتخصِّصة هذه الأهداف، فذهبت إلى أنَّ من ميزات القصص القرآنيّ أنَّه -مضافًا إلى كونه مثبتًا بأسلوبٍ بديع، مع المحافظة على الغرض الأصليّ وهو التشريع- توافرت فيه مجموعة من الفوائد، منها:

(17)

«إنَّ غاية علم أهل الكتاب كانت نقل أخبار الأوَّلين، فلمَّا جاء القرآن بقصصه متحدِّيًا ومعجزًا لهم؛ لأنَّ هذه الأخبار كان لا يعلمها إلَّا الراسخون في العلم منهم، فقال -سبحانه وتعالى-(تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا ۖ فَاصْبِرْ ۖ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ)[1]، فنفى عن المسلمين صفة الأمِّيَّة التي ادَّعتها اليهود، وصفة الجهل التي ادَّعتها النصارى.

 ومنها: تكليل هامة التشريع الإسلاميّ بذكر تاريخ المتشرِّعين، وذلك من أدب الشريعة؛ لأنَّه لا يتعرّض لقصص السابقين؛ إلَّا لذكر ثبات إيمانهم وصبرهم، كما ذكر في قصَّة أهل الكهف، ولا يذكر نسبهم ولا حسبهم.

 ومنها: فائدة ظهور المثل العليا في الفضيلة وزكاء النفوس؛ كفائدة من التاريخ، وترتّب الأحداث، والعلاقة بين التعمير والتخريب والشرّ والخير»[2].

ثالثًا: موقف المستشرقين من القصص القرآنيّ:

يمثِّل موقف المستشرقين من القصص القرآنيّ -سواء في الاستشراق القديم أو الاستشراق المعاصر- موقفًا متربِّصًا إلى حدٍّ كبير، تبدو فيه النزعة التعصُّبيَّة الغربيَّة من جانب، أو النزعة التبشيريَّة من جانبٍ ثان، أو النزعة الانتقاميَّة من جانبٍ ثالث، وكلّها لا تمتّ إلى البحث العلميّ الموضوعي والمتكامل أو المنهجيَّة العلميَّة بصلة، لكنّ هذا لا ينفي وجود قلَّة قليلة من المستشرقين الذين كانوا ينتهجون نهجًا علميًّا في دراساتهم القرآنيَّة. يقول أحد الباحثين: «إنَّ طريقة عرض القصص القرآنيَّة استدعت اهتمام المستشرقين، فضلًا عن مطابقتها لكثيرٍ ممَّا جاء منها في التوراة والإنجيل، فأعملوا فؤوس الهدم من خلالها في القرآن، واعتمادًا منهم على مناهجهم التأريخيَّة أو المقارنة، أو غيرها، فقد عزوا ذلك بسبب هذا التشابه الكبير في القصص بين التوراة والإنجيل إلى أنَّ القرآن من

(18)

تأليف النبيّ محمَّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وأنَّ معلوماته في هذه القصص مستوحاة من أخبار الديانتين اليهوديَّة والنصرانيَّة، أو منقولة عنهما، من نحو: قصص الطوفان والخلق، وخروج النبيّ موسى عليه‌السلام من مصر، وقصَّة النبيّ يوسف عليه‌السلام، وغيرها من القصص الأخرى التي ضمَّتها الكتب المقدَّسة المذكورة»[1].

إذن، فإنَّ أوَّل ما يظهر في موقف المستشرقين من القصص القرآنيّ هو الجور وعدم الإنصاف، وهذا يؤدّي إلى فساد النتائج المستخلصة بالأساس؛ لأنَّهم تعاملوا معه على أنَّه كلام غير إلهيّ، وإنَّما عدّوه منتجًا بشريًّا، فقد تعاملوا معه على طريقة اللاهوت الطبيعيّ، وفرقٌ كبيرٌ بين اللاهوت الطبيعيّ والقرآن الكريم؛ ذلك أنَّ «اللاهوت الطبيعيّ هو قراءة كتاب الطبيعة، وليس كتاب الوحي الذي نعرف به الله»[2]، وأصحاب اللاهوت الطبيعيّ هم أولئك الذين يزعمون أنَّ معرفة الله لا يمكن أن تُكتسب إلَّا من خلال الطبيعة، ومن ثَمَّ استبعدوا الكتب السماويَّة في معرفتهم المزعومة، معتمدين على العقل وتجاربهم العاديَّة؛ بدعوى أنَّ الطبيعة تكشف لنَّا عمَّا نحتاجه من معرفة الله تعالى؛ ما قادهم إلى التعامل مع الكتب المقدَّسة -ومنها القرآن الكريم- وكأنَّها لا تختلف عن أيِّ كتاب بشريٍّ آخر، فحدث ما حدث من جورٍ وعدم إنصاف.

وفي الدراسات الاستشراقيَّة المعاصرة -وبالخصوص الاستشراق اليهوديّ وربيبه الاستشراق الإسرائيليّ- توجيه للاهتمام ناحية القصص القرآنيّ من زاوية التشابه القائم بينه وبين قصص التوراة والإنجيل، ولهذا «خلفيَّة تتعلَّق بكتابات الاستشراق اليهوديّ حول هذه القضيَّة، والتي تطوَّرت حديثًا، وأصبحت تُطرح في إطار دراسة ما بات يعرف في الاستشراق الإسرائيليّ بـ «قصص الأنبياء المشتركة بين اليهوديَّة والإسلام»، أو «المشتركات بين اليهوديَّة والإسلام»، وكذلك في ما

(19)

يتعلَّق بالحوار الدينيّ بين الإسلام واليهوديَّة من جانب، وبين الأديان التوحيديَّة السماويَّة الثلاثة من جانب ثان»[1].

وفي الخلاصة: لقد تعدَّدت مواقف المستشرقين من القصص القرآنيّ، وكذلك سهام النقد التي رموه بها، ولكنَّها كلّها مواقف ونقود مبنيَّةٌ على أرضيَّةٍ واحدةٍ متمثِّلةٍ بزعمهم أنَّ القرآن صناعةٌ بشريَّةٌ محمَّديَّة.

(20)

 

 

 

الفصل الأوَّل:

القصص القرآنيّ

وموقف المستشرقين منه

 

 

 

المبحث الأوَّل: دعوى الاقتباس والتشابه والتحريف
المبحث الثاني: دعوى التكرار في القصص القرآنيّ
المبحث الثالث: دعوى أسطوريَّة القصص القرآنيّ
المبحث الرابع: من القصص القرآنيّ إلى قضايا إسلاميَّة   أخرى-افتراءات استشراقيَّة-
(21)
(22)

 

 

 

 

 

 

1- المبحث الأوّل

دعوى الاقتباس والتشابه والتحريف

(23)
(24)

إنَّ مراجعة مواقف المستشرقين وكلماتهم حيال القصص القرآنيّ تكشف عن أنَّ لهم في قضيَّة علاقة القرآن بالكتب المقدَّسة والأديان السماويَّة الأخرى دعاوى ثلاث: دعواهم اقتباس القرآن في قصصه من الكتب السماويَّة الأخرى، ودعواهم وجود تشابه قصصيّ بين القرآن والكتب السماويَّة الأخرى، ودعواهم تحريف القرآن للقصص التوراتيّ.

أوَّلًا: دعوى الاقتباس من الكتب السماويَّة الأخرى:

يدَّعي العديد من المستشرقين أنَّ القصص القرآنيّ هو تقليد للقصص الموجود في الأديان السماويَّة السابقة على الإسلام وكتبها، محاولين التشكيك في أصالة القرآن من جانب، ومتغافلين عن أنَّ الكتب السماويَّة مصدرها واحد.

ويعتبر الاستشراق الإسرائيليّ المعاصر من أكثر مدارس الاستشراق استلهامًا لهذه الفكرة وإيمانًا بها، وربَّما يرجع السبب في ذلك إلى البحث عمَّا يدعم موقف هذا الكيان ويعضده بشتَّى الطرق، حتى لو كانت إحدى هذه الطرق هي البحث في القرآن وإقحام النصوص؛ كي تشي بوجود علاقةٍ من نوعٍ ما بين الإسلام واليهود؛ بحثًا عن مخرجٍ تاريخيٍّ لأزمة الوجود التي يعانونها على أرضٍ مغتصبة.

وترجمة «أوري روبين» لمعاني القرآن الكريم إلى اللغة العبريَّة خير مثال على هذا الأمر؛ فهي لم تكن مجرَّد ترجمة، بل كانت نقدًا لموضوعات قرآنيَّة في كثير من جوانبها، ومنها محاولته ردّ القصص القرآنيّ إلى مصادر يهوديَّة ومسيحيَّة ووثنيَّة، كما فعل -مثلًا- مع الآيات التي تتحدَّث عن بدء الخلق، حيث «علَّق على الآية 35 من سورة البقرة: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَـٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ)بردِّها إلى قصَّة الخلق الواردة في سفر التكوين 1/17...»[1]. وتظهر أهمِّيَّة هذه الترجمة في احتوائها على كثيرٍ من التعليقات والهوامش

(25)

التي تناولت معظم الآيات القرآنيَّة، فشملت جميع سور القرآن ما عدا سورتي: الضحى والعصر، مضافًا إلى ملحَقَيْن، فبلغ عدد صفحاتها 543 صفحة. وعليه، فهي تمثِّل مجلَّدًا عن القرآن الكريم يحتوي على ترجمةٍ لمعانيه إلى العبريَّة، ونقدٍ لآياته من وجهة نظر استشراقيَّة إسرائيليَّة من خلال التعليقات الهامشيَّة على الآيات القرآنيَّة[1]، فخرجت بذلك عن كونها ترجمة عاديَّة؛ لأنَّ الترجمة تقف عند حدود نقل النصِّ من لغةٍ إلى أخرى، من دون أن تكون محمَّلة بأفكار المترجم ومعتقداته وأيديولوجيَّاته، أمَّا وقد حمَّل «روبين» ترجمته بأفكاره ومعتقداته وأيديولوجيَّته، فإنَّه انتقل من كونه مترجمًا أمينًا إلى كونه مترجمًا متحيِّزًا، وهنا تكمن الإشكاليّة؛ لأنَّ القارئ سوف تشغله تلك التعليقات والهوامش وتثير انتباهه، ومن ثمَّ تتحكَّم في رأيه وفي الموقف الذي يتَّخذه من القرآن. وبذلك انتقلت الترجمة من كونها وسيلةً للتواصل مع الآخر وبناء جسورٍ ثقافيَّةٍ معه إلى علاقةٍ من العداء التي اصطنعتها هذه الأقلام المؤدلَجة.

وقد شغلت هذه الترجمة التي قام بها في التعليقات والهوامش حيِّزًا من الاهتمام[2]، حيث جمعت بين كونها تعليقات تفسيريَّة تقدِّم مرئيَّات المترجم، وبين كونها تعليقات شارحة مكمِّلة للترجمة عمد من خلالها إلى شرح عددٍ من الألفاظ والآيات القرآنيَّة والتعليق عليها، فقدَّم من خلال هذه التعليقات والهوامش عددًا من الفرضيَّات حول الآيات القرآنيَّة، كان محورُها الرئيس ردَّ الآيات القرآنيَّة إلى مصادر خارجيَّة غير أصيلة، هي المصادر اليهوديَّة والنصرانيَّة والوثنيَّة، وهي الفرضيَّة الأساس المتعلِّقة بمصدر القرآن الكريم، وقد ضمَّ إليها فرضيَّات أخرى تتعلَّق بإسقاط روبين لمفاهيم سياسيَّة وفكريَّة معيَّنة على الآيات القرآنيّة، تخدم أيديولوجيَّته الاستشراقيَّة الإسرائيليَّة[3].

(26)

لكنَّ «روبين» ومَنْ سار على دربه يتغافلون عن شيءٍ مهمّ، وهو أنَّ المصدر الإلهيَّ لهذا القصص واحد، ومن ثمَّ كان من الطبيعيّ أن يتشابه في بعض أجزائه بين القرآن والتوراة، بل هذا التشابه هو بحدِّ ذاته دليلٌ على وحدة المصدر؛ وهو الله تعالى. وثمَّة شيء آخر لم ينتبه إليه «روبين» أيضًا، أو انتبه إليه وتعمَّد تغافله، وهو أنَّ القصص القرآنيّ مختلف في كثيرٍ من جزئيَّاته مع القصص التوراتيّ أو غيره؛ بدليل قصَّة بدء الخلق ذاتها التي يردّها «روبين» إلى سفر التكوين، فهناك اختلافٌ بين خلق حوَّاء في ما إذا كان بعد دخولها الجنَّة أم قبل ذلك؟ ففي حين يأخذ «سفر التكوين/2» بالرأي الأوَّل، يؤكِّد القرآن على خلقها قبل دخول آدم الجنَّة؛ لقوله -تعالى-: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ)[1]. وكذلك في ما يتعلَّق بسبب الأكل من الشجرة والخروج من الجنَّة، فإنَّ هناك اختلافًا -أيضًا-، ففي حين يشير «سفر التكوين/3» إلى أنَّ الأفعى هي التي أغوت حوَّاء للأكل من الشجرة، وحوَّاء هي التي أغوت بدورها آدم لأن يأكل منها، فخرجا من الجنَّة، يُرجع القرآن ذلك إلى غواية الشيطان في قوله -تعالى-: (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ 120 فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۚ وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ 121)[2]؛ ما يعني أنَّ القرآن لا يلقي باللوم على حوَّاء كما أوحت التوراة، وإنّما يلقي باللوم على آدم عليه‌السلام.

وقصَّة الخلق التي تمسَّك بها «روبين» لإثبات اقتباس القرآن من التوراة في سفر التكوين خاصَّة هي التي تقضي على محاولته أو فرضيَّته هذه من الأساس؛ ذلك أنَّ كمِّيَّة الاختلاف في التفاصيل بين الروايتين تنسف رأي «روبين» من أساسه. نعم، إنَّ القرآن والتوراة يشتركان في أنَّ الخلق استغرق ستَّة أيَّام، لكنَّ الاختلاف يكمن في أنَّ التوراة تزعم أنَّ الله -تعالى- استراح في اليوم السابع، كما جاء في سفر التكوين من الإصحاحين الثاني والثالث، بينما ينفي القرآن أن يكون الله -تعالى- قد استراح أو مسَّه تعبٌ أو نصب؛ وذلك في قوله -تعالى-:

(27)

(لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ) [1]، وفي قوله -سبحانه-: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ)[2].

ومن خلال هذا الاختلاف الجوهريّ يتبيّن أنَّ هناك رواية لا تنزِّه الإله، وهي الرواية التوراتيَّة، ورواية تنزِّه الله -تعالى- عن التشبُّه بالبشر، فتنفي عنه فعل الراحة أو الاستراحة، وهي الرواية القرآنيَّة. ألا يثبت هذا التنزيه أنَّ القصص القرآنيّ لا يقتبس من القصص التوراتيّ؟! وهل جاء النبيّ محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بهذا التنزيه من عنده؟ أم هو من لدن حكيمٍ خبير؟ ومن جانبٍ آخر، فإنَّه بناءً على هذا التنزيه الذي تقوم عليه الرواية القرآنيَّة ينبغي أن يحكم ببراءتها من الاقتباس من الرواية التوراتيَّة. وعليه، ألم يكن الأجدر بـ «روبين» وغيره أن ينتبه إلى هذا الاختلاف الجوهريّ؟ فلو كان ممَّن يحفظون للعلم هيبته وللأديان قيمتها لاتَّجه بكلِّيَّته إلى التنزيه الذي جاءت به الرواية القرآنيَّة، ولكنَّه لم يفعل وارتضى لأيديولوجيَّته أن تقوده وتسيِّره .

ويعدُّ «أوري روبين» من أبرز المستشرقين المعاصرين الذين ركَّزوا على قضيَّة التأثير اليهوديّ والمسيحيّ في القصص القرآنيّ، محاولًا التأثير على القارئ؛ وكأنَّه يوجِّهه إلى فرضيَّة خاطئة، تقوم على أنَّ القصص القرآنيَّ في القرآن إنتاجٌ بشريٌّ أخذه النبيّ محمَّد من الكتب السماويَّة السابقة، فتراه يركِّز في كتابه «بين الكتاب المقدَّس والقرآن» على هذه القضيَّة تحديدًا متنقِّلًا بين السور القرآنيَّة، محاولاً البحث عمَّا يشفع لأفكاره، فيتطرَّق إلى أجزاء من قصَّة النبيّ موسى عليه‌السلام؛ محاولًا التأكيد على هذا التأثير، قائلًا: «إنَّ الآيات من (22-26) من سورة المائدة تستند إلى قضيَّة الجواسيس التي عرضها الكتاب المقدَّس، ففي النسخة الكتابيَّة -عند عودة الجواسيس الذين أرسلهم موسى إلى أرض كنعان مع تقرير عن الجبابرة في أرض كنعان[3]- يفقد بنو إسرائيل قلبهم ويأبون دخول هذه الأرض،

(28)

ويعبِّرون عن رغبتهم في العودة إلى مصر، فكان عقابهم الهلاك في البريَّة، والتيه مدَّة أربعين سنة»[1].

ومن ثمَّ، فإنَّ «أوري روبين» يعمد إلى التأثير على القارئ الغربيّ في أنَّ القرآن يسير على نهج الكتاب المقدَّس في القصص القرآنيّ، وأنَّه يقتبس هذا القصص منه، ويحاول بذلك أن يصل به إلى نتيجةٍ يرضاها، وهي أنَّ القرآن مأخوذ من الكتب السابقة عليه، فلا وجود لإسلام حقيقيّ ولا لدينٍ اسمه الإسلام؛ لأنَّه حسب ظنِّه منتجٌ بشريٌّ. إذن، فلماذا ينتقد كلَّ رأي يكشف عن هذا التوجُّه اليهوديّ منذ القدم، حيث يقول: «إنَّ وجهة النظر القائمة على أنَّ الزنادقة نماذج انشقاق يهوديَّة ومسيحيَّة لا تعكس فقط التفسير القرآنيّ، ولكنَّها تعكس -مضافًا إلى ذلك- مقولات صريحة لرجال الدين»[2]؟ وما الذي قدَّمه اليهود للإسلام منذ ظهور الإسلام حتَّى يُغيِّر المسلمون هذه النظرة؟! أليست توجُّهات «روبين» ذاتها وأفكاره تسير في الاتِّجاه ذاته؟! فكيف ينتقد هذه النظرة؟! إنَّه وغيره إن أرادوا من المسلمين تغيير هذه النظرة، فعليهم هم أوّلًا أن يغيِّروا من نظرتهم إلى الإسلام وإلى النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، أمَّا أن يطلبوا تغيير تلك النظرة في الوقت الذين يصوِّرون فيه النبيّ محمَّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في صورة السارق الذي سرق القصص القرآنيّ من التوراة، فذلك يمثِّل منطقًا معوجًّا، وعقلانيَّةً مريضةً.

وإذا كان «روبين» يزعم اقتباس القرآن من التوراة مستدلًّا -أيضًا- بقصَّة النبيّ موسى عليه‌السلام، فلماذا يحاول إظهار المتشابه في هذه القصَّة من دون أن يشير إلى الاختلافات الجوهريَّة التي تؤكِّد بموضوعيَّة استقلاليَّة القصص القرآنيّ عن القصص التوراتيّ في هذه التفاصيل، والتي تؤكِّد بدورها مصدره الإلهيّ؛ إذ يستحيل على البشر أن يصلوا إلى هذه التفاصيل من دون عونٍ إلهيّ.

هذا من جانب، ومن جانبٍ آخر فإنَّ القصص التوراتيّ يحوي أخطاءً عدَّة على صعيد الحقائق التاريخيَّة وعلى صعيد الحقائق العلميَّة. فإذا كان القرآن يقتبس

(29)

من اليهوديَّة، فلماذا ضرب صفحًا عن هذه الأخطاء، ولم ينقلها كما هي؟ أليس ذلك لأنَّه كتاب من لدن حكيم عليم؟

وأليس اختلاف الرواي بين قصَّة النبيّ موسى عليه‌السلام القرآنيَّة وبين تلك التوراتيَّة مرجِّحًا للحكم بصدق الرواية القرآنيَّة، دون الرواية التوراتيَّة؟! ففي حين أنَّ الرواي للقصَّة القرآنيَّة هو الله -تعالى-، تجد أنَّ الراوي للقصَّة التوراتيَّة هو شخص ما جاء بعد وفاة النبيّ موسى عليه‌السلام بمدَّة طويلة، قيل أربعة قرون[1]! فلو كان «روبين» منصفًا حقًّا لتناول ذلك أو أخذه بعين الاعتبار وهو في صدد مقارنته بين القصص القرآنيّ والقصص التوراتيّ، ولكنَّه أغفل هذا كلَّه، وقدَّم الرواية التوراتيَّة التي فيها تدخُّل بشريّ على الرواية القرآنيَّة الإلهيَّة، بل جعل الرواية التوراتيَّة هي الأصل واعتبر الرواية القرآنيَّة آخذةً عنها ومقتبسة منها! لقد كان لزامًا على «روبين» أن يوجِّه نظره إلى هذه المسألة ويلتفت إليها ويتنبَّه لها؛ فإنَّ إلهيَّة الخطاب القرآنيّ كافية للحكم بمصدر القصص القرآنيّ. وفي القرآن الكريم إشارة واضحة إلى هذا الأمر، حيث يقول -تعالى-: (وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ 44 وَلَـٰكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ ۚ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَـٰكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ 45 وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَـٰكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ 46)[2]؛ فهذه الآيات وغيرها تؤكِّد أنَّ المتحدِّث -هنا- هو الله -تعالى-، وذلك في معرض بيان دليل واضح على مصدر هذا القصص القرآنيّ. ثمَّ إنَّ التوراة الحاليَّة أكبر حجمًا من تلك التي كانت على عهد موسى عليه‌السلام؛ إذ كانت مجرَّد أناشيد، ووصايا عشر، ونبوءات يعقوب وموسى[3]، فكيف زاد حجم التوراة بهذه الصورة التي تمثِّل أضعاف ما كانت عليه

(30)

أيَّام النبيّ موسى عليه‌السلام؟ ألا يحكم ذلك ببشريَّة التوراة وقصصها التوراتيّ؛ نتيجة ما دخل عليها وعليه من إضافاتٍ بشريَّةٍ أخلَّت بالأصل؟! 

هذا، ولم يكن «روبين» أوَّل مستشرق في مدرسة الاستشراق الإسرائيليّ المعاصر ممَّن يزعم اقتباس القرآن قصصه من التوراة، وحاول ردّ الرواية القرآنيَّة إلى الرواية التوراتيَّة، بل سبقه إلى ذلك -أيضًا- المستشرق اليهوديّ «إبراهام جايجر»؛ حيث ألَّف كتابًا سمَّاه: «ما الذي اقتبسه محمَّد من اليهوديَّة؟» محاولًا السير في دراسته وفق منهج المقابلة والمطابقة، باحثًا في تأثير القصص التوراتيّ في القصص القرآنيّ. وهنا تكمن الإشكاليَّة؛ إذ إنَّنا نعتقد أنَّ الاستشراق اليهوديّ الذي يمثِّله «جايجر» وغيره كان له تأثير كبير في الاستشراق اليهوديّ المعاصر، فالكلّ يبدأ من قاعدةٍ راسخةٍ في ذهنه قوامها أنَّ ما جاء في القرآن إن هو إلَّا اقتباس من العهد القديم. وهذا ما يتنافى مع المنهج العلميّ.

إنَّ الإشكاليَّة تكمن في أنَّ بعض المستشرقين لديهم قناعاتٍ راسخة وفروضًا تعسُّفيَّة، واعتقادات شبه يقينيَّة بأنَّ الإسلام نسخة مكرَّرة عن الديانات السابقة، وأنَّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اقتبس أغلب مبادئه وتعاليمه من الكتب المقدَّسة. وهذا ما يفسِّر هرع المستشرق اليهوديّ لعقد مقارنة ظالمة بين نصوص التوراة وآيات القرآن الكريم، والتنقيب عن أوجه النظائر بين كتابه والقرآن والقصص الواردة فيهما، ليصبح محمَّد قصرًا مستمدًّا هذه المعارف من التوراة[1].

وهذا الموقف نجده عند «جايجر» بصفته واحدًا من ممثِّلي الاستشراق اليهوديّ؛ فقضيَّة عدم الإنصاف في ربطهم بين الآيات القرآنيَّة ونصوص التوراة واضحة بشدَّة، وما أكثر ألوان التعسُّف التي يتَّخذونها منهجًا في هذا الربط! فمنهجهم واحد، وطريقتهم -أيضًا- واحدة، تقوم على تتبُّع الألفاظ والآيات، ثمَّ يعمدون إلى مناهج تحليليَّة ومقارنة تستند إلى منهج إسقاطيّ واضح، فتأتي النتائج المستخلصة أبعد ما تكون عن الإنصاف، بحيث يظهر عليها مجافاة الحقيقة تمامًا، وإن تزيَّن بزيٍّ

(31)

علميّ. فـ «جايجر» -على سبيل المثال- ظلَّ يبحث وينقِّب عن أوجه الأشباه والنظائر؛ لعقد مقارنة في غاية الغرابة، فضلًا عن أنَّه لم يعتمد في هذه المقارنة إلَّا على المصادر العبريَّة التي يرجع تاريخها إلى ما قبل البعثة المحمَّديَّة، ولا شكَّ في أنَّ هذا منهج مبتسر يخالف أسس المنهج العلميّ[1].

وعلى الرغم من أنَّ تلك الفرضيَّات غير العلميّة التي جاء بها «جايجر» وغيره عن اقتباس القرآن من القصص التوراتيّ تتهاوى أمام دليل واحد، وهو كون النبيّ محمَّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمِّيًّا لا يجيد القراءة والكتابة، فلو كان يجيد القراءة والكتابة؛ فلربَّما كانت حجَّتهم هذه مقبولة من الناحية الشكليَّة، لكنَّ الله -تعالى- أراد أن يسدَّ أمام هؤلاء طرقهم كلّها إلى الطعن في نبيِّنا الكريم.

وليت «جايجر» أو غيره اعترف بأمِّيَّة النبيّ الكريم؛ فقد كان صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يجيد القراءة والكتابة بشهادة المعاصرين له من قريش المؤمنين منهم والمشركين، ألا يدري أنَّ الكفار قد وقفوا من دعوته موقف المعارضة الشديدة؟! وكانوا لا يفوِّتون فرصة من الطعن فيه، ومع ذلك لم يشكِّك أحد في أمِّيَّته، بل أقرُّوا بها؛ إذ «لو كان غير ذلك لهاجمه هؤلاء المشركون واتَّهموه أنَّه يؤلِّف القرآن من عنده أو أنَّه اقتبس من كتب أهل الكتاب، وقد عاش الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بين ظهرانيهم أربعين عامًا رجلًا أمينًا صادقًا اشتهر بالأمانة، والشرف، وعفَّة اللسان، ولين الجانب، وصدق في القول، وسماحة في التعامل»[2]. وهذا دليل منطقيّ واقعيّ لا تصمد فرية جايجر وغيره أمامه؛ لأنَّه دليل عقليّ يتكىء على وقائع تاريخيَّة لا تقبل جدلًا أو نقاشًا من أيّ نوع.

والغريب أنَّ من المستشرقين من يعمد إلى التشكيك في قضيَّة أمِّيَّة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم؛ بهدف النيل منه، والنيل من الإسلام، على الرغم من أنَّها قضيَّة ثابتة بنصوص القرآن والسنَّة النبويَّة! وهنا سؤال يُطرح: ما علاقة هذه القضيَّة (أمِّيَّة النبيّ) بقضيَّة القصص القرآنيّ؟ أو بعبارة أخرى: ما الذي يريده الاستشراق من الربط بينهما أو إثبات علاقة

(32)

بينهما؟ يمكن القول إنَّ الهدف من هذا الربط أو إثبات هذه العلاقة هو هدف جلي وبارز؛ لأنَّهم يحاولون من إثبات أنَّ النبيّ الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان على دراية بالقراءة والكتابة أن يرتِّبوا عليها نتيجةً فاسدة، مفادها أنَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قرأ في الكتب السابقة على الإسلام، واقتبس منها ما يتعلَّق بالقصص القرآنيّ، وسجَّل اقتباساته هذه في القرآن.

فقضيَّة أمِّيَّة النبيّ والتشكيك فيها وإثارة الشبه والأكاذيب حولها كانت محاولة لإثبات عمليَّة الاقتباس المزعوم التي يقول بها هؤلاء المستشرقون، ولكنَّ القرآن يجيب على هذا التشكيك ويحسم هذه  القضيَّة في قوله -تعالى-: (وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ)[1]، كما حسمت السنَّة النبويَّة هذه المسألة -أيضًا- في حديث النضر بن محمَّد بن المبارك، قال: «حدثنا محمَّد بن عثمان العجلي، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: اعتمر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في ذي القعدة فأبى أهل مكَّة أن يدعوه أن يدخل مكَّة حتى قاضاهم على أن يقيم بها ثلاثة أيّام، فلمَّا كتبوا الكتاب كتبوا هذا ما قاضى عليه محمَّد رسول الله، فقالوا: لا نقرّ بهذا، لو نعلم أنَّك رسول الله ما منعناك شيئًا، ولكن أنت محمَّد بن عبد الله، فقال: أنا رسول الله، وأنا محمَّد بن عبد الله، وليس يحسن يكتب، فأمر فكتب مكان رسول الله محمَّدًا، فكتب هذا ما قاضى عليه محمَّد بن عبد الله أن لا يدخل مكَّة بالسلاح إلَّا السيف في القرب، ولا يخرج منها بأحد يتَّبعه، ولا يمنع أحد من أصحابه إن أراد أن يقيم بها»[2].

وهذا كلّه يقضي على فرية المستشرقين بالتشكيك في قضيَّة أمِّيَّة النبيّ الكريم، ويسدّ عليهم بابًا من أبواب التشكيك في القصص القرآنيّ وغيره من النصوص القرآنيَّة التي شكَّكوا فيها بدعوى أنَّ الرسول كان يجيد القراءة والكتابة.

ومضافًا إلى ذلك، فإنَّ لنا استفسارًا مؤدَّاه: إذا كان محمَّد قد أخذ القصص

(33)

القرآنيّ عن الكتب السابقة، فلماذا لم تسجِّل سيرته ذلك؟ حيث إنَّ حياته كانت مسجَّلة ومدوَّنة بشكل جيِّد، وقد وثَّق الصحابة والتابعون كلَّ ذلك[1]، فلماذا لا نجد فيها ما يشير إلى زعم الأخذ والاقتباس من قريب أو من بعيد؟!

ولو كان كلام «جايجر» وغيره من أصحاب فرضيَّة اقتباس القصص القرآنيّ من التوراة -سواء في الاستشراق القديم، من أمثال: «نولدكه»، و«جولدتسهير»، وغيرهما، أو في الاستشراق المعاصر، من أمثال: «شالوم زاوي»، و«جاك بيرك»، و«وليام فيدرر»، وغيرهم- صحيحًا لوجب على النبيّ محمَّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يكون ملمًّا باللغة العبريَّة؛ فضلًا عن السريانيَّة واليونانيَّة، أو كما يرى أحد الباحثين لوجب أن يكون عنده مكتبة ضخمة تحوي آلاف المراجع والكتب الخاصَّة بالتلمود، والأناجيل الأربعة، والمجامع الكنسيَّة، واختلافات المذاهب المسيحيَّة، ومؤلَّفات فلاسفة اليونان وأدبائها[2].

وكان «موقف جايجر» هذا موضع نقد بعض المستشرقين أنفسهم، فقد انتقده «يوهان فوك» ذاته، حيث عدَّه في مرحلة من مراحل الاستشراق التي تحمل التعصُّب والعداوة للإسلام، فضلًا عن التخبُّط والسذاجة في تناول النصِّ القرآنيّ، بداية من «بطرس الأكبر» وحتَّى «إبراهام جايجر»[3]

ومن جانبٍ آخر، فإنَّ النبيَّ محمَّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رسول أرسله الله -تعالى- من زمرة الرسل الذين أُرسلوا لهداية العالم مبشِّرين ومنذرين، وليس أمامنا إلَّا أن نختار خيارًا واحدًا من خيارين اثنين لا ثالث لهما: إمَّا أن نؤمن بأنَّ الله تعالى يختار من يشاء ويُرسله بتعاليم مفهومةٍ وموثَّقةٍ في نصوصٍ معلومةٍ للجميع ويؤيِّده بنصره الذي يؤيِّد به من يشاء، ونبيُّنا محمَّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو من هؤلاء الرسل بل أكملهم، وإمَّا أن

(34)

ننكر الاصطفاء الإلهيّ من أصل، ونزعم بعدم وجود تواصل بين السماء والأرض، ولا نؤمن بقضيَّة الرسل كافَّة[1].

وفي الحقيقة، إنَّ المستشرقين -ولا سيَّما المنتمين منهم إلى العقيدة اليهوديَّة أو النصرانيَّة- لا يستطيعون إنكار أنَّ الله -تعالى- يختار الرسل لهداية الناس، وأنَّه يرسلهم بتعاليم مفهومةٍ، وأنَّ محمَّدًا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يدخل في زمرة هؤلاء المصطفين؛ فإنَّ إنكارهم هذا يستلزم إنكار نبوَّة موسى وعيسى عليه‌السلام؛ لأنَّهم -في هذه الحالة- لا يُنكرون شخصًا بقدر ما يُنكرون مبدأً هم أوَّل من يعترفون ويقرُّون به بحقِّ أنبيائهم. هذا في ما يتعلَّق بالفرضيَّة الأولى، أمَّا الفرضيَّة الثانية فهي حجَّة عليهم -أيضًا- كسابقتها؛ إذ إنَّهم لا يستطيعون أن ينكروا قضيَّة الاصطفاء الإلهيّ للرسل، أو أن ينكروا التواصل بين السماء والأرض بواسطة الرسل، وإلَّا انتقلوا بذلك من الاستشراق إلى الإلحاد.

والسؤال الذي يفرض نفسه -هنا- هو: هل مبدأ جواز اتِّصال السماء بالأرض عن طريق الوحي مبدأٌ مسلَّم به أم غير مسلَّم به؟ إذا كان هذا المبدأ مسلَّمًا به فليس هناك معنى لأن تحتكره اليهوديَّة والمسيحيَّة وتمنعه عن الإسلام! وإذا لم يكن مسلَّمًا به فلا مجال فيه للديانات جميعًا[2]!

ثمَّ إنَّه كيف يدَّعي المستشرقون أنَّ محمَّدًا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو مقتبس القصص التوراتيّ؛ ثمَّ يدعي بعضهم أنَّ القرآن كان نتاج هلوسة! فكيف يستقيم هذا مع ذاك؟ ولقد كان لـ«جاري ميلر»[3] رأيٌ مهمٌّ في هذه القضيَّة، وهو أنَّه إذا كان القرآن -كما تزعمون- من عقل محمَّد، فمن المتوقَّع أن يعكس بعضًا ممَّا يدور في ذهنه؛ فهناك العديد من الموسوعات والكتب التي تدَّعي أنَّ القرآن نتاج هلوسة محمَّد، ولكن إذا كانت هذه الادِّعاءات صحيحة، وأنَّ القرآن نشأ عن بعض المشاكل النفسيَّة في عقل محمَّد، فإنَّ الدليل كان سيظهر في القرآن نفسه، فهل يوجد مثل هذا

(35)

الدليل[1]؟ بالطبع لا يظهر مثل هذا الدليل؛ ذلك أنَّ القرآن لا يخالف ناحية علميَّة، ولا يخالف المعارف التاريخيَّة، ولا يتعارض مع المنطق السديد، حتى أنَّ المستشرقين بآرائهم ونظريَّاتهم وكتبهم التي حاولوا فيها النيل من القرآن لم يستطيعوا أن يقدِّموا لنا دليلًا واحدًا مقنعًا لما يذهبون إليه، وإنَّما كانت آراؤهم مجرَّد فرضيَّات لا ترقى إلى مستوى الدليل العلميّ والمنطقيّ، فضلًا عن أنَّها لا تثبت أمام الانتقادات العلميَّة التي وُجِّهت إليها من قبل المفكِّرين المسلمين.

ولا شكّ أنَّ فرية الهلوسة التي يحمل لواءها بعض المستشرقين لا تثبت أمام النقد العلميّ، فإذا كان ما نزل على النبيّ محمَّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هلوسة، فماذا نسمِّي ما نزل على موسى وعيسى عليهما‌السلام مثلًا؟ فإذا كنتم لا تنكرون أن ينزل الوحي على هذين النبيّين عليهما‌السلام، أي ليس نتاج هلوسة، فلماذا تنكرونه على النبيّ محمَّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتدَّعون أنَّه هلوسة؟! إذ من الواجب أن يكون الإنسان منطقيًّا مع ذاته، فلا يقبل شيئًا ويرفضه في الوقت ذاته، إلَّا أن يكون قائده في ذلك الهوى والتعصُّب، فذلك شأنٌ آخر.

فالوحي الذي نزل على النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليس هلوسة أو نوعًا من المرض النفسيّ كما يزعمون، وإنَّما هو ظاهرة روحيَّة اصطفى الله -تعالى- لها بعضًا من عباده؛ وهم الأنبياء، واتَّخذهم وسيلة بينه وبين عباده؛ لتبليغ أوامره ونواهيه وتعاليمه، فالوحي نوع اتِّصال بين الرسل والأنبياء من جانب وربِّ العالمين من جانب آخر، وهذه الظاهرة يشترك فيها الأنبياء جميعًا، محمَّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وموسى وعيسى عليهما‌السلام وغيرهم من أنبياء الله -تعالى-. ومن ثمَّ، فإنَّ من يتَّهم أحدهم بالهلوسة فإنَّه يتَّهم بها الجميع؛ إذ ليس من المنطقيّ أن يُثبتها لنبيّ وينفيها عن آخر.

ومن جانبٍ آخر، فهل تنتج الهلوسة تنسيقًا وانسجامًا من أيِّ نوع؟! بالطبع لا، فكما أنَّه لا ينتج عن الفوضى ابداعًا، كذلك لا ينتج عن الهلوسة والصرع انسجامًا. وبناءً عليه، فإنَّ الدقَّة والانتظام والتناسق والانسجام التي يظهر عليها القرآن لخير دليل على نقض اتِّهامهم الرسول بالهلوسة، ودليل على أنَّه من لدن

(36)

حكيمٍ خبير. فالقرآن نفسه صدّ منيع تجاه أيّ شبهة أو زعم من قبل المستشرقين أو غيرهم.

وقد سلك هذا المسار -أيضًا- جملة من المستشرقين، أمثال: المستشرق الألمانيّ اليهوديّ «هاينريش شباير»[1] في كتابه: «قصص أهل الكتاب في القرآن»[2]، والمستشرق اليهوديّ «إبراهام كاتش»، صاحب كتاب «اليهوديَّة في الإسلام»، وكذلك المستشرق الإسرائيليّ المعاصر «شالوم زاوي»[3]، الذي كان متأثِّرًا بـ«إبراهام كاتش»، باعترافه بأنَّ هناك حاخامات مثقَّفين أثَّروا في محمَّد الذي تهوَّد تقريبًا -من وجهة نظره[4]-، بل إنَّه يزعم أنَّ المعارف التي اكتسبها النبيّ محمَّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم استقاها من أقوال اليهود والنصارى، ووثائقهم الموجودة في معابدهم في الحجاز واليمن والحبشة[5].

ولا شكَّ في أنَّ ما يقوله «زاوي» وغيره من المستشرقين الذين يمثِّلون الاستشراق المعاصر ما هو إلَّا ترديد لأقوال السابقين، أمثال: «إبراهام كاتش»، و«جولدتسهير»، وغيرهما ممَّن قالوا بهذه الآراء التي لا تستند إلى دليل.

ولا غرابة في أقوالهم هذه، سواء أكانوا معاصرين أم كلاسيكيِّين، فقد أنبأ القرآن منذ نزوله عن هذه الأباطيل كلِّها التي يعمدون إليها بعقولهم القاصرة منذ أكثر من 1400عام، وأنَّ المعارضين والمناوئين افتروا على النبيّ محمَّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الفرية ذاتها. يقول الله -تعالى-: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ

(37)

الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ)[1]، ويقول -أيضًا-: (وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلً)[2]. فالفرية قديمة، والمستشرقون القدامى والمعاصرون ليسوا أكثر من مجرَّد مقلِّدين لصانعي الشبه القديمة ومحاكين لهم؛ بدليل ما ذكره القرآن. وهذا يقود إلى قضيَّة بالغة الأهمِّيَّة، وهي أنَّ هؤلاء القوم يعيدون تقديم الشبه القديمة التي ظهرت في صدر الدعوة الإسلاميَّة، ولكن بِزيٍّ جديد، ومن وراء ستار الحداثة والتقدُّميَّة، لكنَّ الناظر إليها يجد الصدأ الذي يعلوها؛ لظهورها على الساحة منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا.

وما ذهب إليه «شالوم زاوي» -هنا- وأخته في الاستشراق «حافا لازاروس يافا» سبقهما إليه باعتراف «زاوي» عدد من المستشرقين، هم: «جولدتسيهر»، و«إبراهام كاتش»، كما ردَّده آخرون، أمثال: «غوستاف لوبون»، و«ريتشارد بل»، و«جورج سيل»، و«كاسميرسكي»، و«إبراهام جايجر». وهناك كتب كاملة تحمل عناوين تفيد ما ذهب إليه المستشرقون الإسرائيليُّون؛ إذ يبرز الزعم بأخذ محمَّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لدينه من اليهود واضحًا في عناوين الكتب والأبحاث[3].

ومن الكتب القديمة التي استقى منها الاستشراق المعاصر شبهاته[4]، يمكن ذكر:

ـ كتاب «الراهب بحيرا والقرآن»، لمؤلِّفه: «كراديغوا»، عام 1898م

ـ كتاب «السامريُّون في القرآن»، لمؤلِّفه: «جوزيف هاليفي»، عام 1908م

ـ كتاب «عيسى في القرآن»، لمؤلِّفه: «جروهمان»، عام 1914م

ـ كتاب «القرآن... الإنجيل المحمَّدي»، لمؤلِّفه: «سترستين»، عام 1918م

(38)

ـ كتاب «الإسرائيليَّات في القرآن»، لمؤلِّفه: «يوشع فنكل»، عام 1932م

ـ كتاب «عناصر نصرانيَّة في القرآن»، لمؤلِّفه: «أزنير»، عام 1935م

ـ كتاب «القصص الكتابيّ في القرآن»، لمؤلِّفه: «شباير»، عام 1939م

ـ كتاب «النصرانيَّة واليهوديَّة في القرآن»، لمؤلِّفه: «برمشتارك»، عام 1953م

ففي هذه الكتب يُرجِع مؤلِّفوها القصص القرآنيّ إلى الكتاب المقدَّس، من دون بيان أوجه الاختلاف بين الاثنين؛ ذلك أنَّ القرآن الكريم تناول هذا القصص بأسلوب ومعالجة وحقائق مختلفة عمَّا هي عليه في الكتاب المقدَّس. وليس صحيحًا الزعم بأنَّ هناك اقتباسًا لمجرَّد ورود القصَّة هنا وهناك، بل لا بدَّ أوَّلًا من دراسة طريقة تناول القرآن والكتاب المقدَّس لهذا القصص، والوقوف على الاختلافات الجوهريَّة بين هذا وذاك، وتحديد مدى مطابقة كلٍّ منهما للمعارف العلميَّة المعرفيَّة والتاريخيَّة الثابتة وانسجامهما معها.

ويمكن تطبيق ذلك على قصَّتي النبيّ نوح والنبيّ لوط عليهما‌السلام الواردتين في الكتاب المقدَّس والقرآن الكريم؛ حيث إنَّ الأوَّل يظهرهما عليهما‌السلام في صورة مزرية، يشربان الخمر إلى حدِّ السكر، ويرضيان بالفاحشة في أهل بيتهما، بينما على العكس تمامًا يظهرهما القرآن في صورة نبيَّين مكرَّمين اصطفاهما -تعالى- لرسالته؛ لما وجده -تعالى- فيهما عليهما‌السلام من مؤهِّلات النبوَّة وشروطها. إذن، هل يصحّ -على الرغم من هذا الاختلاف الجوهريّ بين القصَّتين في الكتابين- القول بنقل القرآن القصَّة عن الكتاب المقدَّس أو اقتباسه منه؟!!

وهذا ما حاول «مونتجمري وات»[1] الإيهام به في كتابه «محمَّد في مكَّة»؛ عندما أسَّس وجود تشابه بين القصص القرآنيّ والقصص ذاته في التوراة والإنجيل، ليرتِّب على ذلك نتيجة مكذوبة مفادها: أنَّ الباحثين الغربيِّين يجدون صعوبة في مقاومة الإغراء في أن يصلوا إلى نتيجة مؤدَّاها أنَّ القرآن من عمل محمَّد[2].

(39)

فقد دأب المستشرقون -في غالبَّيتهم- على إثبات أنَّ القصص القرآنيّ مقتبس من المعتقدات اليهوديَّة الشعبيَّة، أي المعتقدات غير المستمدَّة من نصوص التوراة ذاتها، وأنَّ مادَّته كانت موجودة في كتبٍ كثيرة ظهرت في يد بعض أتباع الكنائس في جنوب سوريا والجزيرة العربيَّة[1]. وفي هذا المسار نفسه سار «كانون سل»؛ عندما زعم أنَّ القصص الذي نزل على النبيّ محمَّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وإنْ كان لا يتطابق مع نصوص التوراة، غير أنَّه يتماشى -في نظره- مع الأسطورة اليهوديَّة وحكاية الأخبار، زاعمًا أنَّه كان لمحمَّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعض معارف اليهود، وأنَّه استقى رواياته منهم؛ لتتَّخذ لاحقًا صيغتها الحالية في القرآن[2]. وهذا يكشف عن أنَّ المستشرقين يحاولون بشتَّى الطرق جعل القصص القرآنيّ مقتبسًا من الديانات السابقة، وليتهم وقفوا عند حدود الكتب السماويَّة من التوراة والإنجيل في إثبات دعواهم، بل أقحموا كتبًا بشريَّة لكهنةٍ ورهبانٍ وادَّعوا اقتباس القرآن منها وأخذه عنها. وفي هذا السياق نفسه تأتي دراسات المستشرق الإسرائيليّ أوري روبين.

إنَّ قصص آدم، ونوح، وإبراهيم، وإسحاق، وإسماعيل، ويعقوب، ويوسف، وداود، وسليمان، وعيسى، وهود، وصالح عليهم‌السلام، لها وجودها في الديانة اليهوديَّة؛ كما الحال في الإسلام، ولكن هل وجودها هنا؛ كوجودها هناك؟ بالطبع الأمر مختلف جدًّا، فهل صورة هذا القصص في القرآن؛ كصورة القصص في التوراة؟ بالطبع لا أيضًا، فلماذا الإصرار -إذن- على ردِّ هذا القصص إلى الديانة اليهوديَّة؟ 

هذا الأمر يتجلَّى في أنَّ بعض القصص القرآنيّ أو حتَّى بعض التفاصيل الواردة فيه، ولا سيَّما قصص داود وسليمان ويوسف عليهم‌السلام، لم يجد المستشرقون الإسرائيليُّون شبيهًا لها في التوراة، فحاولوا إيجاد مشابهات لها عمدًا في الكتب الدينيَّة (المدراشيم) و(الآجادا) اليهوديَّة؛ لردِّها إليها، وهي كتب لعددٍ من الحاخامات اليهود الأوائل، ولا سيَّما خلال العصر الوسيط، وهي كتب مليئة بالقصص، والأساطير، والمواعظ

(40)

الدينيَّة حول الحاخامات اليهود. وعلى الرغم من أنَّ هذه الكتب كتبت بعد القرآن الكريم من الناحية التاريخيَّة، وليست سابقة عليه؛ إذ كتبت وبدأت تظهر للوجود في بداية القرن الرابع عشر الميلاديّ[1]. وهذه الدعوى لا تختلف كثيرًا عمّـا ذهب إليه المستشرق مونتجمري وات، من أنَّ القصص الذي ورد في المصادر اليهوديَّة والمسيحيَّة ليس في الأسفار المعتمدة التي وردت في العهدين القديم والجديد، وإنَّما أرجعها إلى أعمال الأحبار والكتابات الأبوكريفيَّة التي ألحقت بالعهد الجديد[2].

ومن تلك الكتابات التي ترجع القصص القرآنيّ إلى (الآجادا) و(المدراشيم) مقالة المستشرق الإسرائيليّ «إيتان كولبرغ»[3] في «الموسوعة العبريَّة العامَّة حول القرآن» التي يرى فيها أنَّ ثمَّة آياتٍ كثيرة متأثِّرة بهما؛ حيث تتضمَّنان قصصًا لمن سبق محمَّدًا من الأنبياء السابقين عليه، مثل: آدم، ونوح، وإبراهيم، وهود، وصالح، وغيرهم من أنبياء الله عليهم‌السلام.

والوقوف على حقيقة (المدراشيم) يكشف عمَّا يمثِّله هؤلاء المستشرقين الذين يشوِّهون القصص القرآنيّ ويكيلون الاتِّهامات إليه، من وصمة عار في جبين العلم والبحث العلميّ؛ فهي عبارة عن خطبٍ ومواعظ وتفاسير كتبها بعض الحاخامات اليهود، وهي لا تهتمّ بالنصّ، بقدر ما تهتمّ بما وراء النصّ، ومن ثمَّ، فهي نصوص وقصص بشريَّة محضة، لكنَّ هذا لا ينفي أنَّها اهتمَّت بالجانب التشريعيّ. أمَّا (الآجادا) فهي الكتب التي اهتمَّت بالجانب غير التشريعيّ.

والسؤال -هنا- أنَّه على فرض التسليم بأنَّ (الآجادا) و(المدراشيم) قد كتبا قبل نزول القرآن وبعثة النبيّ محمَّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، فكيف تسنَّى للنبيّ الكريم أن يطَّلع عليهما؟! وهل كان على دراية بتلك اللغة التي كتبا بها ؟! أتراه قد قرأها في لغتها الأعجميَّة وهو أمِّيّ لا يعرف القراءة والكتابة العربيَّة؟! ولنقل أنَّه تعلمها، فكيف تعلَّمها؟!

(41)

ومتَّى تعلَّمها؟! أتراه تعلَّمها من «بحيرا الراهب» الذي قابله في إحدى الرحلات؟! أم من «ورقة بن نوفل»؟! ولو كان تعلّمها، فلماذا لم يُعلم أهل قريش بذلك، وقد كانوا أوَّل من يذيعون عنه؟! أمَّا إذا كانت (الآجادا) و(المدراشيم) قد كتبا بعد القرآن بقرون -وهو ما نرجِّحه، وما هو ثابت فعلًا- فإنَّ الحجَّة تظلّ واهية، ولا تصمد أمام النقد الصحيح. وعليه، فالصحيح هو القول إنَّ كلًّا من (المدراشيم) و(الآجادا) اللاحقتين للقرآن قد أخذا عن القرآن واستفادا منه وليس العكس، ولا سيَّما في حالة ما إذا لم تسجِّل التوراة بعض قصص الأنبياء أو بعض تفاصيله، وسجَّلت (الآجادا) و(المدراشيم) بعضها.

والقول باقتباس القرآن من الكتب السابقة عليه ما هو إلَّا نتيجة خاطئة بناها المستشرقون على مقدِّمة خاطئة، مفادها أنَّه ما دامت التوراة والإنجيل سابقة على الإسلام فقد استفاد منهما، واقتبس أجزاءً من ثناياهما، فجعلوا القصص القرآنيّ منهما؛ استنادًا إلى قاعدة اللاحق والسابق. وتلك هي الإشكاليَّة الكبيرة التي وقع فيها المستشرقون الكلاسيكيُّون والمعاصرون ممَّن تحاملوا على القرآن الكريم.

فالاستشراق اليهوديّ -الذي يمثِّل الاستشراق الكلاسيكيّ- سار على هذا النهج، وبه تأثَّر الاستشراق الإسرائيليّ[1]؛ فقد أصرَّ إصرارًا كبيرًا على وصف القصص القرآنيّ بأنَّه اقتباس من اليهوديَّة، فـ«الاستشراق الإسرائيليّ في كثير من كتاباته يصرّ على القول بتأثُّر القرآن بكتب دينيَّة يهوديَّة لاحقة له، والأغرب من ذلك أنَّه بالتحليل الفيلولوجيّ (اللغويّ) لبعض القصص الواردة في هذه الكتب الدينيَّة المتأخِّرة (الآجادا والمدراشيم) ثبت أنَّها هي التي اقتبست من القصص القرآنيّ، ولا سيَّما أنَّها كتبت في بيئة ثقافيَّة وحضاريَّة عربيَّة-إسلاميَّة، مثل بغداد وفلسطين والشام»[2].

وبناءً على ما تقدَّم يظهر أنَّ قضيَّة اقتباس القصص القرآنيّ من التوراة أو غيرها من قبيل القضايا التي لا تصمد أمام النقد السليم؛ وفق المعطيات العقليَّة

(42)

والعلميَّة والدينيَّة، فلا العقل يقبل هذا الزعم، ولا العلم يؤيِّده، ولا الدين يترك له فرصة لذلك، وإنَّما هذه القضيَّة هي قضيَّة محض افتراءٍ، يغذِّيه التعصُّب للعقيدة، ولا يسير وفق منهجٍ علميٍّ سديد.

ثانيًا: دعوى التشابه القصصيّ في القرآن الكريم:

من المعروف أنَّ هناك تشابهًا غير قليل بين القصص القرآنيّ والقصص الموجود في الكتب السماويَّة الأخرى، وهو ما اتَّخذه بعض المستشرقين المعاصرين والقدماء دليلًا على أنَّ القرآن اقتبس من هذه الكتب، في محاولة منهم للادِّعاء بأنَّ النبيّ الأكرم قد جاء بالقرآن عامَّة وهذه القصص خاصَّة من عنديَّاته. وهذا -لا شكَّ- إفك كبير وافتراء على الله -تعالى- وعلى رسوله الذي لا ينطق عن الهوى؛ إذ إنَّ القصص القرآنيّ، وإن كان متشابهًا في كثيرٍ من جزئيَّاته، فذلك لأنَّ جميع الأديان والكتب السماويَّة نزلت من مشكاة واحدة، مصدرها ربّ العالمين، ومن الطبيعي -بما أنَّ المصدر واحد- أن يكون هناك تشابه بينها في ما ورد منها في الكتب السماويَّة؛ حيث إن فرضيَّة التناقض أو التنافر فيها مستحيلة؛ لأنَّ المعين والمنبع الذي ظهرت منه إلهيّ، فكيف يكون إلهيًّا وفيه تناقض؟! وهذا فرض لا يستقيم، فضلًا عن كونه مستحيلًا.

ومن جانبٍ آخر، فإنَّ هذا التشابه أو الذي يسمُّونه اقتباسًا لا يصمد أمام النصوص التي يقدِّمها العهد القديم أو العهد الجديد، فكيف نتَّهم القرآن بذلك، وهناك روايات تقدِّمها الكتب المقدَّسة تختلف مع المعارف العلميَّة والتاريخيَّة، بخلاف القرآن الذي جاءت قصصه متوافقة معها؟!! والدليل على ذلك قصَّة بدء الخلق في العهدين القديم والجديد مثلًا، التي انتقدها المستشرق «موريس بوكاي»[1] بشدَّة، نتيجة الأخطاء العلميَّة التي انبنت عليها، مبيِّنًا أنَّ هناك روايتين:

الأولى: في الإصحاح الأوَّل، والآيات الأولى في الإصحاح الثاني. وقد انتقد هذه

(43)

الرواية بناءً على أنَّها لا تثبت أمام النظرة العلميَّة السديدة، نتيجة ما انبنت عليه من أخطاء، ناظرًا إلى هذه الرواية على أنَّها بناء خياليّ مبتكر، يهدف إلى أمرٍ آخر لا علاقة له بمعرفة الحقيقة[1].

 الثانية: هي التي ذُكرت في سفر التكوين، وهي رواية سابقة على الرواية الأولى بما يقرب من ثلاثمئة عام. وقد انتقدها «بوكاي» -أيضًا-؛ استنادًا إلى أنَّها لا تشير إلى تشكُّل الأرض أو السماء بوجهٍ واضحٍ جليّ[2].

أمَّا القرآن الكريم، فيقدِّم قصَّة بدء الخلق بصورة تختلف عن مثيلتيها السابقتين، حتَّى أنَّ «موريس بوكاي» عدَّ فيها إثارات علميَّة عديدة، لم يكن ليجدها في الروايتين السابقتين اللتين قدَّمتهما التوراة، من قبيل: الكواكب الموجودة في الكون غير كوكب الأرض، والمخلوقات الموجودة في السماء أو الأرض أو ما بينهما، وغيرها ممَّا كشف عن بعضه العلم الحديث، الأمر الذي جعل «بوكاي» يحكم بأنَّ الرواية القرآنيَّة -هنا- لا تتعارض مع المنظور العلميّ وواقعه، على خلاف نظرته إلى روايتي التوراة اللتين عدَّهما قد ابتعدتا عن المنظور العلميّ.

ويمكن قياس القصص القرآنيّ كلّه على قصَّتي نوح وبدء الخلق؛ لننتهي إلى حقيقة مؤكّدة، وهي أنَّ القصص القرآنيّ كلّه لا يتعارض مع المنهج العلميّ. وقصَّة نبيّ الله يوسف عليه‌السلام خير شاهد ومؤيِّد؛ بما تحمله من مضامين تاريخيَّة ومعرفيَّة لا يمكن أن يثبت التاريخ والمعارف العلميَّة عكس ما جاء فيها، وكذلك قصَّة النبيّ موسى عليه‌السلام من مولده إلى نهاية رسالته، مرورًا بعلاقته بفرعون وتبليغ رسالته والصدّ والمنع الذي واجهه؛ ما لا يتنافى مع معطيات العلم والتاريخ. كلُّ ذلك يؤدِّي إلى الحكم -بما لا ريب فيه- بأنَّ القصص الذي يقدِّمه القرآن الكريم وحيٌ من عند الله تعالى، ولم يكن من تأليف النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم -كما يزعم المستشرقون- بدليل عدم معارضته للعلم الحديث. في حين نرى الأمر خلاف ذلك في القصص الذي تقدِّمه

(44)

التوراة أو الإنجيل الذي لا يثبت أمام متطلّبات العلم الحديث والمعارف الحديثة ومقتضياتهما.

وفي المقابل، يظلّ الزعم بأنَّ القصص القرآنيّ من تأليف محمَّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فكرةً راسخةً عند المستشرق الفرنسيّ «بلاشير»[1]، ومن سار على رأيه من المستشرقين؛ فهو يرى أنَّ التشابه موجود بين القصص القرآنيّ والقصص اليهوديّ المسيحيّ، ملمِّحًا ببشريَّة القرآن تحت تأثير العوامل المحيطة به من الخارج، مستندًا في ذلك إلى السور المكِّيَّة الأولى، في محاولة منه للاستدلال على ما ذهب إليه[2]. وتأكيدًا على هذا التوجُّه، يقول «بلاشير»: «هكذا يعالج -هنا- موضوع النبيّ المبشّر في الصحراء كما نرى، بالاستناد إلى قصص قوميَّة، وإلى قصص مأخوذة من القرآن، أمَّا مع القصص التوراتيَّة فلم يكن من التوازي بدّ، والقرآن يتَّبع عن كثب الديباجة التوراتيَّة عامَّة»[3].

وبالوقوف عند الادِّعاء الخاصّ بأنَّ السور المكِّيَّة الأولى دليل تأثير العوامل المحيطة بالنبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليه من الخارج؛ فإنَّ تأثيرات الخارج -هنا- إمَّا البيئة القرشيَّة، وإمَّا تأثير العقائد السابقة على الإسلام سواء أكانت يهوديَّة أم مسيحيَّة. وواضح أنَّ بلاشير يعوِّل على المؤثِّر الثاني ويستند إليه، ولعلَّه لم يلتفت إلى السور المكِّيَّة نفسها التي كأنَّها تخاطبه وأمثاله بما فيها ممَّا يكفي لدحض فريته وشبهاته، فالمتأمِّل في مميِّزات السور المكِّيَّة وسماتها يجد أنَّها تحمل ردًّا على هذه الشبهات؛ فالسور المكِّيَّة تدعو من ضمن ما تدعو إليه من خلال قصصها -أو حتَّى في سياقاتها غير القصصيَّة- إلى التوحيد الخالص، في حين يقوم القصص التوراتيّ في صورته المحرَّفة على ما يتنافى مع التوحيد الإلهيّ الخالص، حتَّى أنَّهم ادَّعوا كون عزير ابن الله، وهذه مسألة تدلّ على جوهر الاختلاف بين القصص القرآنيّ والقصص التوراتيّ؛ ما

(45)

ينقض فرية بلاشير وغيره من أساسها. ثمَّ إنَّ السور المكِّيَّة تشتمل على تحدِّي الإتيان بسورة من مثله، فكيف يشتمل القرآن على التحدِّي بشيءٍ متشابه أو مقتبسٍ من كتاب آخر، كما يزعم بلاشير وغيره؟!  وقضيَّة التحدِّي القرآنيّ هذه لا تقف عند حدِّ التحدِّي المستقبليّ كما هو شائع، بل هو تحدٍّ على نحو القضيَّة الخارجيَّة، يحسم فيه القرآن عجز البشر عن الإتيان بمثله، سواء لمن هو موجود في زمن نزول الآيات، أو لمن سيأتي، أو حتَّى لمن تقدَّم ومضى. وبعبارة ثانية: هو تحدٍّ على طول خطِّ الزمن يشمل الحاضر والمستقبل والماضي أيضًا، فلا أحد في الماضي جاء بمثله، ولا هو شبيه بشيءٍ من الكتب قبله، ولن يكون بمقدور أحد في الحاضر والمستقبل الإتيان بمثله، وليس لكتابٍ في المستقبل أن يكون شبيهًا به قيد أنملة. وهذا هو التحدِّي القرآنيّ الإلهيّ المعجز الذي تتهاوى أمامه شبهة هذا المستشرق وغيره.

هذا فضلًا عن أنَّ الأسلوب الذي تتميَّز به السور المكِّيَّة لا وجود له في التوراة والإنجيل، وهو أسلوب المقارعة ومحاججة الآخر المختلف في العقيدة سواء أكان مشركًا أم كافرًا، الأسلوب الذي مكَّن من الردّ على العقائد الأخرى، وعلى مواجهة الشبه والأباطيل التي تحاك ضدّ القرآن. فعلامَ يستدلّ بلاشير وغيره بالسور المكِّيَّة، وهي تحمل كلّ هذه المضامين التي تهدم فكرته من الأساس؟!

ومن أهمِّ مميِّزات السور المكِّيَّة أنَّها تتناول القصص القرآنيّ في إطار تنقية العقيدة السليمة لدى المسلمين ممَّا شابها من الأمم السابقة، وهذا في حدِّ ذاته أمر بالغ الأهمِّيَّة. وهذا القصص موجود في مختلف السور القرآنيَّة، من قبيل: سورة الأعراف، والأنعام، ويونس، وهود، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء، والحجّ، والمؤمنون، والفرقان، ويوسف، وإبراهيم، والحجر، والنحل، والإسراء، والشعراء، والنمل، والقصص، والعنكبوت، ويس، والصافات، وص، وغيرها من السور التي تتناول القصص القرآنيّ بتفاصيل أخرى لم ترد في النصّ التوراتيّ، وبمعلومات أصحّ تتَّفق مع الحقائق التاريخيَّة والوقائع العلميَّة؛ ما يثبت ويؤكِّد أنَّ مقولة بلاشير هي فرية بالكامل، وادِّعاء لا دليل عليه، بل الدليل قائم على خلافه وضدِّه.

(46)

ولم تقف الفرية عند حدود «بلاشير»، بل ذهب إليها -أيضًا- المستشرق «سيدرسكي»[1] الذي كتب كتابًا عنونه بـ «أصول الأساطير الإسلاميَّة في القرآن وفي سِيَر الأنبياء»، أرجع فيه القصص القرآنيّ إلى مصادر يهوديَّة ومسيحيَّة، من قبيل: قصص النبيّ آدم عليه‌السلام، ودخوله الجنَّة، ونزوله منها، وقصص النبيّ إبراهيم، ويوسف، وموسى، وعيسى، وداوود، وسليمان عليهم‌السلام​[2]؛ محاولًا إرجاع كلّ آية تناولت إحدى هذه القصص إلى كتاب «الآجاداه» العبريّ والأناجيل المسيحيَّة المختلفة؛ مستندًا في ذلك إلى ما كان يذيعه المستشرق كليمان هوار من أنَّ القرآن مستقى جميعه من المصادر اليهوديَّة والمسيحيَّة، وقد أكَّد له في رسالة مرفقة في مقدَّمة هذا الكتاب أنَّه سيجد المصادر الحقيقيَّة للقصص القرآنيّ التي استقى منها مخبرو «محمَّد» معلوماتهم[3].

وهذا الكلام -أيضًا- عارٍ عن الصحَّة؛ إذ إنَّ الأنبياء الذين يستشهد بقصصهم هؤلاء المستشرقين لم يكن القصص القرآنيّ حولهم متوافقًا مع ما ورد بشأنهم في القصص التوراتيّ. وهذا واضح في قصَّة بدء الخلق -التي تقدَّم الحديث عنها- وكذلك في قصَّة النبيّ إبراهيم عليه‌السلام الذي يدَّعون أنَّ هناك تشابهًا بين قصَّته في القرآن وقصَّته في التوراة، على الرغم من أنَّ الواقع خلاف ذلك تمامًا؛ فبينما يُعلي القرآن من شأنه ومكانته عليه‌السلام ، ويرفعه إلى أعلى المقامات، ويصفه بما يليق بأنبياء أولي العزم من الرسل، كما في قوله  -تعالى-: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّـهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)[4]، تصوِّره التوراة بما لا يليق بنبيٍّ كريم، وتصفه بصفات لا تقال في حقِّ نبيٍّ مرسل اختاره الله -تعالى- لرسالته، من قبيل وصفه بأنَّه: كاذب، جبان، ديوث يتاجر بعرض زوجته، وشهوانيّ يخالف الأعراف بزواجه من أخته.

(47)

فالقصَّة التوراتيَّة قرأت تصرُّفات النبيّ إبراهيم عليه‌السلام قراءة مادِّيَّة بحتة، وقاستها بمقياس تصرُّفات سائر البشر، بل أرذلهم، ونسبت إليه ما لا يليق بمقام الإنسانيَّة؛ فضلًا عن مقام النبوَّة والاصطفاء الإلهيّ وتحمُّل الرسالة الربَّانيَّة، متغافلةً بذلك عن الجوانب الروحيَّة الإيمانيَّة العديدة في شخصَّيته عليه‌السلام؛ فأين دعوته أبيه وقومه إلى عقيدة التوحيد، ولماذا لم تذكرها التوراة؟! ولماذا لم تُشِرِ التوراة لبنائه الكعبة المشرَّفة وابنه إسماعيل، ودعوته إلى حجِّ بيت الله الحرام، وهي القضيَّة المحوريَّة في حياة إبراهيم الإنسان والنبيّ؟! لماذا تحدَّث القرآن عن كلِّ هذا وتغافلت عنه التوراة؟ لماذا هذا الإصرار في القصَّة التوراتيَّة على إظهار إبراهيم عليه‌السلام بصورة الرجل المادِّيّ الدنيويّ المنكبّ على تحقيق مطالبه الحياتيَّة وشهواته وملذَّاته، المحبّ للحياة؛ مأكلها، ومشربها، وأموالها، وثرواتها، وأراضيها، ومواشيها، وما فيها؟ بينما يقدِّمه القرآن على أنَّه الإنسان الأنموذج والقدوة والأسوة الحسنة:(قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ)[1]، جعله الله للناس إمامًا: (وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا)[2]. أفهل يبقى مجال بعد ذلك للقول بتشابه القصص القرآنيّ بالقصص التوراتيّ؟! وهل يستقيم بعدئذٍ الحديث عن اقتباس القرآن من التوراة وأخذه عنها؟ ألا يثبت هذا كلّه ما في هذه المقولات من افتراءات وشبهات تدحضها أدنى مقارنة بين النصَّين؟  

وأمَّا ما ورد في سفر التكوين من وصف إبراهيم بالمضياف، والكريم، والمخلص، والوفي، والأمين، وما يتَّسم به من الرِّقة، والحنان، والعطف[3]، فلا يعبِّر إلَّا عمَّا يحمله القصص التوراتيّ بين طيَّاته من تناقضٍ واضحٍ وصريحٍ، ويشكِّل دليلًا إضافيًّا على استحالة اقتباس القرآن من التوراة؛ إذ كيف يمكن لكتابٍ في غاية الانسجام والتناسق أن يأخذ عمَّا هو في غاية التناقض ويتَّخذه مصدرًا من مصادره؟!    

ثمَّ إنَّ هذا الاختلاف بين القصص القرآنيّ والقصص التوراتيّ لا يقتصر على قصَّة

(48)

النبيّ إبراهيم عليه‌السلام، بل يعمّ جميع قصص الأنبياء؛ يوسف، وموسى، وعيسى، وداوود، وسليمان، وغيرهم من الأنبياء عليهم‌السلام.

وممَّا يذهب إليه «سيدرسكي» -أيضًا- فى كتابه «أصول الأساطير الإسلاميَّة في القرآن وفي سِيَرِ الأنبياء» هو القول باقتباس القرآن معلوماته وأخباره عن مولد السيِّد المسيح عليه‌السلام من الباب العاشر من «إنجيل متَّى»[1] الذي ورد فيه حرفيًّا: «في اليوم الثالث من رحتلهما عبر الصحراء المحرقة رأت مريم نخلة، فقالت ليوسف: أودّ أن أستريح قليلًا تحت ظلِّها، فقادها يوسف إلى النخلة وأنزلها على مطيَّتها، وعندما جلست مريم رفعت رأسها إلى قمَّة النخلة ووجدتها مليئة بالرطب، فقالت ليوسف: أرغب فى تذوُّق رطب هذه النخلة إذا كان الأمر ممكنًا، فقال لها يوسف: أنا مندهش من طلبك هذا، ألا ترين ارتفاع الشجرة وأنت تحلمين بأكل رطبها؟ إنَّ ما ينغّصني الآن هو نقصان الماء، فليس لدينا مياه نستقى منها نحن ودوابنا».

لكنَّ «سيدرسكي» وغيره -هنا- لا يؤمنون بأنَّ المصدر واحد، وهو المصدر الإلهيّ، ومن ثَمَّ فليس من الغريب أن يتشابه بعص القصص القرآنيّ، لا كلّه، مع بعض ما ورد في قصص الكتب السماويَّة الأخرى، ومنها الإنجيل؛ إذ ما دام المصدر واحدًا، فلا بدَّ أن يكون هناك تشابه. ولكن من الضروريّ معرفة أنَّ وجود تشابه ما لا يشكِّل دليلًا على بشريَّة القرآن، ولا علامة على أنَّ القصص القرآنيّ مأخوذ من القصص الإنجيليّ أو غيره.

ثمَّ إنَّ إنجيل متَّى الذي يتَّكئ عليه «سيدرسكي» -هنا- مفقود الأصل، وهو ما يقوِّي الزعم بعدم الاعتماد عليه، خاصَّة وأنَّ النسخة الموجودة والمنتشرة الآن عبارة عن ترجمة، ولا يمكن التأكُّد من صحَّة هذه الترجمة من عدمها مع فقدان الأصل. وهذا ما كان على «سيدرسكي» أن يتنبَّه إليه، بدلًا من محاولة الاستدلال على توجُّهاته العقديَّة وأيديولوجيَّاته التي تنبني على تعصُّبٍ واضح؛ كونها تبرز جوانب في القصص القرآنيّ هنا وهناك، وتغفل جوانب أخرى؛ تحقيقًا لتلك الأهداف غير

(49)

العلميَّة. هذا، فضلًا عن أنَّ إنجيل متَّى كُتب من قبل أناس لم يعرفوا المسيح، ولم يعايشوه، ولم يتلقّوا منه، ولم يكونوا من حوارييه، فكيف يطمئنّ «سيدرسكي» إليه؟! وليت «سيدرسكي» ذكر إنجيل برنابا -أقرب الأناجيل إلى العقيدة الإسلاميَّة- كونه يتكلَّم عن عيسى النبيّ الإنسان، وليس عن عيسى الإله، أو ابن الإله. 

ومهما خَفَت عليهم أدلَّة اختلاف القصص القرآنيّ عن قصص الإنجيل أو حاولوا إخفاءها في ما يتعلَّق ببعض جوانب قصَّة النبي عيسى عليه‌السلام، يبقى هناك دليل ناصع ساطع لا يمكن تجاهله، يتمثَّل في قيام بنية القصَّة القرآنيَّة حول النبيّ عيسى عليه‌السلام على مبدأ التوحيد، ونفي ما عداه، وقيام بنية القصَّة الأنجيليَّة على مبدأ التثليث، وهو اختلاف جوهريّ وعميق بين القصصين، لا يبقي مجالًا للشكِّ في استقلاليَّة القصص القرآنيّ وتفرّده في هذا الجانب. 

وكذلك يشكِّل التناقض الواضح بين المعتقد المسيحيّ والقصص الإنجيليّ حول النبيّ عيسى عليه‌السلام دليلًا إضافيًّا على الاختلاف، وسهمًا لاذعًا من سهام النقد التي يمكن توجيهها إلى ما ذهب إليه «سيدرسكي»، وإشكالًا محكمًا لا يمكن ردّه؛ فبينما يُعتبر عيسى في المعتقد الكنسيّ ابن الله، بل الابن الوحيد، وأنَّ الله قدَّمه ضحيَّة على الصلب؛ فداءً للبشر وتخليصًا لهم من الخطيئة الأولى التي ارتكبها آدم عليه‌السلام، يذهب إنجيل لوقا إلى ما يناقض ذلك تمامًا وينسب عيسى إلى أبيه «يوسف النجَّار»[1]، فما بين العقيدة المسيحيَّة بألوهيَّة عيسى وبين النصّ على بشريّته في إنجيل لوقا[2] إلَّا تناقض واضح، لا نجده في قصَّة النبيّ عيسى عليه‌السلام القرآنيَّة، التي جاءت في نسقٍ منظَّمٍ متناغمٍ، ينفي عنه عليه‌السلام ما ادَّعوه من ألوهيَّة، ما يكفي في نفي التشابه بين القصص القرآنيّ والقصص الإنجيليّ، وإبطال زعم اقتباس الأوَّل من الثاني.

(50)

ثالثًا: دعوى تحريف القرآن للقصص التوراتيّ:

يزعم بعض المستشرقين أنَّ القرآن الكريم كان تحريفًا للقصص التوراتيّ، وقد حمل هذه الفرية المستشرق المجريّ «جولدتسهير»[1] الذي كان يدَّعي أنَّ القصص القرآنيّ جاء مخالفًا للأصل التوراتيّ، محاولًا الاستدلال على كلامه هذا بما لا يصمد أمام البحث العلميّ السديد؛ زاعمًا أنَّ القرآن في قصَّة الذبيح ما عنى إلَّا إسحاق في بداية الأمر، فقد كان في ظنِّ «جولدتسهير» أنَّه هو الضحيَّة عند النبيّ إبراهيم عليه‌السلام، وأنَّ هذا الرأي لم يكن موضع شكٍّ أبدًا، بل كان هو الرأي السائد في القرن الهجريّ الأوَّل، والذي كانت عليه أقدم التفاسير؛ ليخلص إلى أنَّ ورود إسماعيل في القرآن على أنَّه هو الذبيح تحريفٌ لما جاءت به التوراة[2]. وكأنَّ هذا المستشرق يتَّخذ من التوراة معيارًا يقيس به صدق الكتب التالية لها من عدمه، وهذا يعدّ قمَّة التعصُّب، ناسيًا تلك الأخطاء الكبيرة التي تظهر في نسخة التوراة المتداولة، والتي تتنافى في كثيرٍ من جزئيَّاتها مع العقل والمنطق، فضلًا عن العقيدة الإسلاميَّة الصحيحة. فهل تعدُّ التوراة معيارًا على الرغم من أنَّ الثابت -حتَّى في نصوصها- أنَّها كُتبت بعد موت موسى بقرون؟! ثمَّ هل فهم هذا المستشرق وغيره نصوص التوراة التي تتحدَّث عن هذه القصة جيِّدًا؟! هل استطاع أن يدرك التناقض الواضح بين هذه النصوص التي تحكم بأنَّ الذبيح هو إسماعيل لا إسحاق؟!

إنَّ الدليل على كون الذبيح هو إسماعيل واضح في القرآن وفي التوراة، على الرغم من حركة التمويه التي قام بها كاتب التوراة كسبًا لشرف ليس لهم؛ فنصوص القرآن تؤيِّد أنَّ الذبيح إسماعيل، ومنها قوله -تعالى-: (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ 100 فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ 101 فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ

(51)

اللَّـهُ مِنَ الصَّابِرِينَ 102 فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ 103 وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ 104 قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ 105 إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ 106 وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ 107 وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ 108 سَلَامٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ 109 كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ 110 إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ 111 وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ 112 وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ ۚ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ 113) [1] فهذه الآيات تتحدَّث عن بشرى الغلام الحليم الذي بلغ مع والده السعي، وقصّ عليه رؤياه في المنام، واستجاب الغلام لأمر الله -تعالى-، ثمّ بعد أن صدَّق إبراهيم الرؤيا، كان نتيجة ذلك أمرين: أن فداه الله -تعالى- بذبحٍ عظيم، وبشَّره بغلام آخر هو إسحاق نبيًّا من الصالحين، فليس الغلام الأوَّل الذي بشَّره به الله -تعالى- إلَّا إسماعيل؛ إذ يستحيل أن يكون الذبيح إسحاق، وهل يعقل أن يقدَّم للذبح والفداء ثمّ يبشَّر النبيّ إبراهيم به؟! فسياق الآيات يدلُّ على أنَّ إسماعيل هو الذبيح الابن الأكبر لأبيه، ثمَّ كانت بعد ذلك البشارة بمولد إسحاق.

لكن قد يعترض «جولدتسيهر» أو غيره بأنَّ القرآن يسوق هذه الرواية من وجهة النظر الإسلاميَّة التي يعترض عليها «جولدتسهير» ذاته ومن سار على دربه. إذن، فلنتناول الرواية كما وردت في التوراة؛ ليظهر أنَّ التوراة تكشف -بين السطور- عن الذبيح إسماعيل خلافًا لما تدَّعي؛ إذ جاء في التوراة: «خذ ابنك وحيدك الذي تحبُّه إسحاق، واذهب إلى أرض المريا وأصعده هناك محرقة على أحد الجبال الذي أقول لك»[2]. والمعروف أنَّ إسماعيل هو الابن البكر، ما يعني أنَّه كان وحيد أبيه قبل ولادة إسحاق، فكيف يكون إسحاق وحيد والده وهو الابن الثاني، علمًا أنَّ إسماعيل ظلَّ حيًّا طيلة حياة والده، وهو الذي جهَّزه عند موته.

وهناك أدلَّة أخرى من التوراة -أيضًا- تثبت ذلك، منها: «فبكّر إبراهيم صباحًا، وأخذ خبزًا وقربة ماء، وأعطاهما لهاجر، واضعًا إياهما على كتفها والولد، وصرفها،

(52)

فمضت وتاهت في برية بئر سبع»[1]، ومنها: «وسكن في برية فاران وأخذت له أمّه زوجة من أرض مصر»[2]. بمعنى أنَّ إسماعيل سكن مع أمِّه في بئر سبع، وبعدها انتقل إلى فاران التي كانت تطلق على جبال مكَّة وبعض ضواحيها، فالمقصود هنا إسماعيل لا إسحاق، وقصَّة الذبح حصلت في ذلك الموقع من الحجاز، ومن ثمَّ فإنَّ المقصود هو إسماعيل، ولو كان المقصود إسحاق لكانت أحداث القصَّة في الشام حيث يسكن.

ومن الناحية العقليَّة، لو كان إسحاق هو الذبيح، فكيف يتَّفق ذلك مع ما وعد الله -تعالى- به إبراهيم في ابنه إسحاق من الذريَّة والنسل؟! فهل يعده بالذريَّة والنسل في الوقت الذي يقدِّمه قربانًا؟! فهذا لا يتّفق مع عقل أو منطق. 

ومن ثمَّ، نفهم أنَّه إذا كان هناك تحريف في القصص، فإنَّ هذه التُّهمة يجب أن تنسب إلى القصص التوراتيّ لا إلى القصص القرآنيّ؛ لأنَّ القصص القرآنيّ لا يخالف منطقًا، ولا عقلًا، ولا علمًا، ولا حقيقةً من الحقائق التاريخيَّة، في حين نجد في غيره تناقضًا لا يقبله علم، ولا عقل، ولا منطق، فضلًا عن منافاته للحقائق التاريخيَّة الثابتة.

(53)
(54)

 

 

 

 

 

 

2- المبحث الثاني

دعوى التكرار في القصص القرآنيّ

 

 

(55)
(56)

يأخذ بعض المستشرقين على القصص القرآنيّ أنَّه قصص مكرَّر في أكثر من سورة من السور القرآنيَّة. ومن أقبح ما قيل بحقِّ القصص القرآنيّ من هذه الجهة هو ما صرَّح به المستشرق «موير» بقوله إنَّ تكرار القصص القرآنيّ مرَّة بعد مرَّة يصيبه بالغثيان، ويسبِّب تعبًا لقارئ القرآن[1].

وممَّن أثار من المستشرقين شبهة التكرار في القصص القرآنيّ -أيضًا- المستشرق المعاصر «جاك بيرك»[2] الذي أبدى امتعاضه ممّـا سمّـاه تكرارًا، وتباينًا، وتناقضًا فيه، مدَّعيًا أنَّ هذا التكرار مغاير للأثر البلاغيّ، ومُصدِرًا حكمه -على أساس هذه المغايرة- بعدم استقامة بعض السور[3]. لكنْ من الواضح أنَّ «بيرك» يجهل اللغة العربيَّة ومضامينها وبلاغتها؛ إذ لا تكرار في القرآن، ولفظ التكرار لفظ غير دالٍّ على حقيقة الأمر، قاصر وغير معبِّر عن المعنى العميق والغاية السامية من إيراد القصَّة القرآنيَّة، أمَّا اللفظ الدالّ على المراد الوافي بالغاية والقصد من تعدُّد معارض القصَّة الواحدة في سور كثيرة؛ إنَّما هو التصريف؛ لما في هذه اللفظة من معنى ردِّ الشيء من حالة إلى حالة، أو إبداله بغيره[4]. وهذا ما بيَّنه الزركشيّ في حديثه عن قصَّة نبيّ الله موسى عليه‌السلام؛ حيث قال: «إنَّ الرجل كان يسمع القصَّة من القرآن، ثمّ يعود إلى أهله، ثمّ يهاجر بعده آخرون، يحكون عنه بعد صدور من تقدَّمهم، فلولا تكرار القصّة لوقعت قصَّة موسى عليه‌السلام إلى قوم، وقصَّة عيسى عليه‌السلام إلى قوم آخرين، وكذلك سائر القصص، فأراد الله -سبحانه وتعالى- اشتراك الجميع فيها، فيكون فيها إفادة لقوم، وزيادة تأكيد وتبصرة لآخرين وهم الحضور»[5].

(57)

وللتصريف بهذا المعنى دور بلاغيّ هدفه الرئيس تغذية النفس بما يثبِّت فؤادها عن طريق تكرار هذا القصص، فلا تملّ من سماعه، ولا يغالبها الضجر، وهذا دليل قويّ على أنَّ القرآن لم يكن من صنع النبيّ محمَّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم؛ كما يزعمون، وإنَّما هو من عند الله ربِّ العالمين. وإدراك سرّ التكرار يتوقَّف على  معرفة أسرار البلاغة العربيَّة ودقائقها وحكمها وأحكامها، وهو ما يفتقده «جاك بيرك» تمامًا؛ لذلك أطلق أحكامًا فاسدة على الخطاب القرآنيّ[1].

ومِنَ الباحثين مَنْ يُقرّ بالتكرار، لكنَّه يجعل له هدفًا واضحًا؛ وهو التأكيد، فتكرار بعض القصص ليس المقصود منه على رأي هذا الفريق التصريف، كما أنَّه ليس المقصود منه مجرَّد الحكاية، وإنَّما التأكيد على قضيَّةٍ ما، أو مغزى ما، أو هدفٍ ما لا يظهر إلا للمتأمِّل في النصِّ القرآنيّ.

فضلاً عن أنَّ لتكرار القصص -مضافًا إلى ما فيها من العظة والعِبرَة- دور بلاغيّ لا يتأمَّله إلَّا المدقِّق؛ بحيث يظهر المعنى الواحد في مجموعة من الصور المتعدِّدة، والأساليب البليغة، كما أنَّ تكرار هذا القصص في هذه الصورة المتعدِّدة والأساليب البليغة يعني إظهار اهتمام القرآن به، فينطبع في ذهن المؤمن أو قارئ القرآن هذا الاهتمام وتلك العناية الربَّانيَّة، فضلًا عمَّا يقوم به من ترسيخ المعاني المرادة منه في النفس.

لكنْ من المهمّ أن ندرك جيِّدًا أنَّ تكرار الحديث عن قصَّة ما في القرآن ليس معناه تكرار أحداثها؛ لأنَّ القرآن الكريم يتناول أحداث القصَّة الواحدة في أكثر من موضع، بحيث يكون كلّ موضع منها مكمّلًا لبقيَّة المواضع، فتكون القصَّة مكتملة، ليس في موضع واحد، ولكن في أكثر من موضع، وهذا ما نجده -على سبيل المثال لا الحصر- في قصَّة النبيّ نوح وقصَّة النبيّ موسى عليهما‌السلام ؛ فقصَّة نوح عليه‌السلام تتوزَّع على بعض السور القرآنيّة، وخاصَّةً سورتي: هود ونوح، وفي سورة هود كلّها يتناول القرآن جانبًا من القصَّة مغايرًا لما في سورة نوح ومكمِّلًا له في الوقت نفسه، ففي السورة

(58)

الأولى يهتمّ القرآن بقصَّة الطوفان وما قبله وما بعده من أحداث، في حين اهتمَّت سورة نوح بالكشف عن الخبايا النفسيَّة في الموضوع، والعوامل التي أدَّت بقومه إلى الكفر بدعوته ومناصبته العداء. ومن ثمَّ، يرى أحد الباحثين أنَّ سورة نوح تكشف عن المحتوى المعبِّر عن شخصيَّة البطل ومعاناته من قوم بلغ بهم المرض النفسيّ مبلغًا، لا يمكن معه الاستمرار في دعوتهم إلى عبادة الله تعالى، في حين يختلف الأمر تمامًا  في سورة هود، فهي تبيِّن الكثير من الأحداث التي رافقت النبيّ نوح عليه‌السلام من الدعوة إلى الله -تعالى- إلى نفور القوم منها، وصناعة السفينة، ثمَّ حادث الطوفان العظيم، من دون الخوض في الواقع النفسيّ والذاتيّ؛ لأنَّ سياق الأحداث لا يستوجب ذِكْر ذلك؛ بخلاف سورة نوح، حيث إنَّ حادث الطوفان قد غطَّى على مجمل الأحداث الأخرى؛ باعتبارها أحداثًا صغيرة بجوار الحدث الضخم[1].

وعليه، تكشف القصَّة القرآنيَّة عن النبيّ نوح عليه‌السلام وقومه عن أنَّ تكرار الحديث عن القصَّة كان له أبعاد مهمَّة لم تقف عليها الرواية اليهوديَّة، وهذا أمر يؤكِّد على أنَّ القرآن لم يستلّ قصصه من التوراة أو الإنجيل كما يزعمون.

إنَّ قصَّة نوح التي رُويت في التوراة لا تذكر ما كان عليه الواقع النفسيّ لقوم نوح، وإنَّما اكتفت الرواية بحدث الطوفان فقط، وهذا فارق مهمّ لم يقف عليه المستشرقون قديمًا وحديثًا، بل لم يتحدَّثوا عنه، ولو كانت رواية القرآن مستلَّة من التوراة لاكتفى القرآن بالحديث عن ظاهرة الطوفان فقط، من دون ذكر حال قوم نوح[2].

ليس هذا فحسب، بل إنَّ المستشرق «موريس بوكاي» في كتابه عن «التوراة والإنجيل والقرآن الكريم والعلم» انتقد وجود روايتين لقصَّة الطوفان؛ فهناك الرواية اليهوديَّة التي ظهرت أوَّل ما ظهرت في القرن التاسع قبل الميلاد، وهناك الرواية الكهنوتيَّة التي ظهرت في القرن السادس قبل الميلاد، وتحمل الروايتان تناقضات ظاهرة للعيان، حيث يعتبرهما حكايتين للطوفان تختلف فيهما العوامل التي أدَّت

(59)

إلى الطوفان، كما يختلف زمن وقوعه، ويختلف عدد الحيوانات التي حملها نوح في السفينة. أفليس في وجود روايتين -هنا- تكرار للقصَّة؟! فلماذا لم تُتَّهم التوراة بالتكرار؟! أفليست الروايتان تتناقضان تناقضًا بيِّنًا؟! هل هناك من المستشرقين أو غيرهم -باستثناء موريس بوكاي- من انتقد هذا الأمر؟ فكيف نتَّهم كتابًا منزَّهًا وهو القرآن بالتكرار الذي يدعو للغثيان، مع أنَّ هذا التكرار، إنْ وُجِدَ؛ إنَّما لأغراضٍ تتعلَّق بتتمَّة القصَّة وبيان أبعادها المتعدِّدة في كلِّ موضع؟! في حين تشهد كتب أخرى؛ كالعهد القديم تكرارًا في قصصها، وفي كلِّ مرَّة يتناقض هذا القصص ويضرب بعضه بعضًا، فالأولى أن يوجَّه النقد إلى قصص العهد القديم، لا أن يوجَّه إلى القرآن.

ومن جانبٍ آخر، فإنَّ القصص القرآنيّ، وإنْ تكرَّر في القرآن، فليس فيه أيّ تناقض البتَّة؛ إذ لا  تناقضَ -مثلًا- من أيِّ نوع بين قصَّة نوح وقومه الواردة في سورة هود، وبين ما ورد منها في سورة نوح، أو غيرهما من السور، كما أنَّه لا تناقض -أيضًا- في أحداث قصَّة النبيّ نوح عليه‌السلام على مدار ورودها في القرآن الكريم، بخلاف ما هي عليه في التوراة. وانتقد المستشرق «بوكاي» التناقض الظاهر في قصَّة نوح في العهد القديم، من جهة عدم توافقها على ما هي عليه في تلك الوضعيَّة التوراتيَّة مع المعارف العلميَّة الحديثة. وقد اعتمد «بوكاي» على الفصول (6، 7، و8) من سفر التكوين لرواية الطوفان، وبصورة أدقّ لروايتَي الطوفان؛ لأنَّ هناك روايتين غير موضوعتين الواحدة إلى جانب الأخرى، بل بعض الفصول في تلاحمٍ ظاهريّ خلال تتابع مختلف المراحل، وهي مفرَّقة في مقاطع متداخل بعضها مع بعض، وفي هذه الفصول الثلاثة تناقضات جليَّة يمكن تفسيرها بأنَّها ناتجة عن وجود مصدرين متمايزين: المصدر اليهوديّ، والمصدر الكهنوتيّ[1].

أمَّا عن مخالفة رواية الطوفان التوراتيَّة الكهنوتيَّة للمعارف الحديثة، فيستند «بوكاي» في ذلك إلى المعطيات التاريخيَّة التي تضع إبراهيم عليه‌السلام في ما بين عام 1800 و1850 قبل الميلاد، وإذا كان الطوفان -كما يشير إليه سفر التكوين في أنسابه- يقع قبل ثلاثة قرون تقريبًا من إبراهيم عليه‌السلام، فلا بدَّ من أنَّه وقع في

(60)

القرن الواحد والعشرين أو الثاني والعشرين قبل الميلاد، وهذا الزمن -الذي تسمح المعارف العلميَّة بتأكيده- ازدهرت فيه في عديد من المناطق على الأرض مدنيات انتقلت آثارها إلى الأجيال اللاحقة[1].

ومن ثمَّ، ينتقد «بوكاي» الرواية التوراتيَّة في العهد القديم من جانبين:

الأوَّل: أنَّها أعطت حادثة الطوفان بعدًا عالميًّا

والثاني: أنَّ زمن الطوفان، كما حدَّدته الرواية الكهنوتيَّة، لا يمكن أن يحدث فيه الطوفان.

وهذان الجانبان يختلف فيهما القرآن اختلافًا كبيرًا؛ إذ لم يصبغ الطوفان بصبغة عالميَّة، ولم يحدِّد زمنًا معيَّنًا له، فرواية القرآن عنده رواية شاملة، ولا تتعارض مع وجهة النظر التاريخيَّة[2]. وكذلك لفت الانتباه إلى أنَّ عمر النبيّ نوح عليه‌السلام في الرواية الكهنوتيَّة عند حدوث الطوفان لا يتوافق مع الناحية التاريخيَّة له، فضلاً عن أنَّ التاريخ يذكر وجود حضارات أخرى معاصرة لم تخضع لتأثيره؛ ردًّا على الزعم بعالميَّة الطوفان. ومن ذلك كلِّه ينتهي بوكاي بنتيجتين مهمَّتين:

الأولى: تناقض الرواية التي تقدِّمها التوراة للطوفان دليل -لا يقبل الشكّ- على تعديل البشر للكتب المقدَّسة السابقة على الإسلام وتحريفها

الثانية: قصَّة الطوفان الواردة في القرآن هي تنزيل من لدن حكيمٍ خبيرٍ؛ بمعنى أنَّها صدرت من المنبع الإلهيّ، ولا دخل للبشر فيها[3].

وفي هذا دليل واضح على أنَّ القصص القرآنيّ لم يكنْ تكرارًا ولا اقتباسًا من اليهوديَّة أو المسيحيَّة؛ لما في هذه الروايات من مغالطات وتناقضات مع المعارف التاريخيَّة؛ ما يحكم باستحالة أخذ النبيّ محمَّد عن أيٍّ من الديانتين في القصص

(61)

القرآنيّ، بل إنَّ «الموضوعيَّة لتفترض علينا أن نسجِّل هذا الواقع الذي يتَّخذ كلّ أهمِّيَّته بوجه تأكيدات أولئك الذين يدَّعون دونما سندٍ أنَّ محمَّدًا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كاتب القرآن، وأنَّه قد توسَّع بالنقل عن التوراة. إنَّنا نتساءل -هنا- عن الحجَّة، وعمَّن صرفه عن أن ينسخها، على الأقلّ في ما يخصّ نسب عيسى، ليدرج في القرآن بدلًا منه التصحيح الذي جعل نصّه بعيدًا عن كلِّ انتقاد يثار من المعارف الحديثة، بينما نصوص الأناجيل بالمقابل ونصوص العهد القديم هي من هذه الزاوية غير مقبولة أبدًا؟!»[1].

لكنَّ قضيَّة التعلُّل بتكرار القصص القرآنيّ؛ للنفاذ منها إلى اتِّهام القرآن والإسلام عامَّة، وحياكة الشبه والأباطيل حوله أمر لا أساس له؛ لأنَّ لهذا القصص منهجيَّةٌ يقوم عليها في القرآن الكريم ذاته، ويمكن بيان أوجه هذه المنهجيّة في الآتي:

الوجه الأوَّل: بيان جانب جديد من جوانب القصَّة:

إنَّ منهجيَّة القصص القرآنيّ تتجلَّى في أنَّه في كلِّ موضعٍ تتكرَّر فيه القصَّة يلاحظ أنَّ هناك جانبًا جديدًا لم يكن موجودًا في المواضع السابقة؛ ففي كلِّ موضع ثمَّة إضافة جديدة حول القصَّة، ولها في الوقت ذاته أهمِّيَّتها المحوريَّة؛ باعتبارها بابًا من أبواب العبرة والعظة. وتُلحَظُ هذه المنهجيَّة في جميع قصص القرآن، بدءًا من قصَّة النبيّ آدم عليه‌السلام ومرورًا ببقيَّة القصص القرآنيّ حول النبيّ إبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء والرسل الكرام عليهم‌السلام. فقصَّة آدم عليه‌السلام -على سبيل المثال- لها في كلِّ موضع من المواضع التي وردت فيها في القرآن جانبًا جديدًا لم يُبيَّن في المواضع السابقة، وهذا ما يظهر جليًّا في قراءة سريعة لمواضع قصَّة النبيّ آدم عليه‌السلام الواردة في القرآن الكريم، ولما جاء فيها:

فالموضع الأوَّل: المتمثِّل بالآيات (30-38) من سورة البقرة[2]، هو موضع تعليميٌّ

(62)

من الدرجة الأولى، أراد الله -تعالى- تعليم آدم عليه‌السلام تعليمًا يتضمَّن في ما يتضمَّنه مجموعة من الضوابط، تُعرِّضه للعقاب في ما لو تعدَّاها؛ ومنها أكله من الشجرة الذي كان موجبًا لعقابه، وهو الخروج من الجنَّة.

وفي الموضع الثاني: المتمثِّل بالآيات (11-24) من سورة الأعراف[1]، جانب جديد من القصَّة، يصوِّر الحوار الذي دار بين الله -تعالى- وإبليس، وتكبُّر إبليس وطرد الله -تعالى- له من الجنَّة؛ بيانًا للسبب الذي يجعل إبليس يوسوس لآدم وزوجته؛ كي يخرجا من الجنَّة، والمسالك التفصيليَّة التي أغواهما من خلالها حتَّى أكلا من الشجرة، وهذه كلُّها جوانب لم تكن موجودة في الموضع الأوَّل المذكور في سورة البقرة، ثمَّ ِتبيِّن الآيات التالية الغاية من قصَّة آدم؛ وهي العبرة والعِظَة، التي من شأنها ردع الناس عن الافتتان بالشيطان كما افتُتِن به أبواهم، ودعوتهم في المقابل إلى سلوك مسلك الطاعة والخضوع لله العزيز الجبَّار.

أمَّا الموضع الثالث: المتمثِّل بالآيات (28-47) من سورة الحجر[2]، فيكشف عن

(63)

جانبٍ ثالثٍ، يتمحور حول بيان المادَّة التي خُلِق منها آدم؛ وهي الحمأ المسنون، ونفخ الروح فيه بعد تسويته، وأنَّ الشيطان ليس له سلطان إلَّا على الغاوين الذين اتَّبعوا سبيله.

وأمَّا الموضع الرابع: المتمثِّل بالآيات (61-65) من سورة الإسراء[1]، فتظهر الجنبة الجديدة فيه في أمرين؛ الأوَّل: الخلق من الطين؛ باعتباره أصل الحمأ المسنون، والثاني: قوله -تعالى-: وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا) [2].

وفي الموضع الخامس: المتمثِّل بالآية (50) من سورة الكهف[3]، إضافة جديدة -أيضًا، وهي الإشارة إلى جنس إبليس، وأنَّه من الجنّ، ولكنَّه خالف أمر الله -تعالى- في السجود لآدم.

وكذلك في الموضع السادس: المتمثِّل بالآيات (115-123) من سورة طه[4]، ثمَّة إضافات عمَّا ورد في المواضع السابقة، من قبيل: التأكيد على آدم بأنَّ الشيطان

(64)

عدوٌّ له ولزوجته، والوعد من الله -تعالى- لآدم بأنَّه لن يجوع ولن يظمأ ولا يعرى في الجنَّة، وظهور سوآتهما عندما خالفا أمر الله -تعالى- بأكلهما من الشجرة، وثمَّ طفقهما يخصفان عليهما من ورق الجنة. فهذه كلُّها ملامح وإضافات جديدة لم تَرِد في المواضع السابقة.

 ولم يخلُ الموضع السابع والأخير: المتمثِّل بالآيات (71-85) من سورة ص[1]، من إضافة -أيضًا-، تظهر في قوله -تعالى- مخاطبًا إبليس: (فَإِنَّكَ رَجِيمٌ)، بما يحمله هذا اللفظ من معنى اللعنة على إبليس من قِبل الله –تعالى-. 

فممَّا تقدَّم يتَّضح أنَّ كلام «جاك بيرك» الذي ادّعى أنَّ تكرار القصص أفقد القرآن الاستقامة هو كلام عارٍ عن الصحَّة تمامًا؛ لأنَّ كلَّ موضع من المواضع السبعة التي ظهرت فيها قصَّة آدم عليه‌السلام في القرآن يحمل معنى جديدًا وإضافة يستلزمها سياق الآيات، ويسلِّط الضوء على جانبٍ آخر من جوانب القصَّة؛ تأكيدًا على الغايات السامية من سردها، وأهمّها العِظَة والعِبْرَة من هذا القصص القرآنيّ، ومن ثمَّ فالتكرار لم يفقد هذا القصص الاستقامة، بل بالأحرى كان دليلًا على استقامة القرآن وقصصه؛ كونه ينبني على منهجيَّة واضحة يجهلها بيرك وأنصاره؛ لعدم فهمهم للُّغة العربيَّة وتعمُّقهم في سبر أغوارها.

-الوجه الثاني: التكرار بهدف التأكيد:

تتجلَّى منهجيَّة القصص القرآنيّ في ما يتعلَّق بمسألة التكرار في التأكيد -أيضًا- الذي هو وجه من وجوه البلاغة في القرآن الكريم؛ ففي القصص القرآنيّ مضامين وغايات سامية يتمّ التأكيد عليها من خلال تكرار القصَّة، ومن هذه المضامين والغايات: تثبيت فؤاد النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وتثبيت قلوب المؤمنين على الطاعة، وأخذهم العبرة

(65)

والعظة؛ لكيلا يقعوا في ما وقع فيه السابقون من مخالفة تعاليم الله -تعالى-، ويلقوا بذلك جزاءهم؛ وهو الخسران المبين، إلى غير ذلك من الغايات.

الوجه الثالث: مراعاة الجانب النفسيّ للقارئ:

للقرآن -مضافًا إلى ما تقدَّم- منهجيَّة أخرى في القصص القرآنيّ؛ وهي مراعاة الجانب النفسيّ للقارئ -خلافًا لما يزعمه المستشرق «موير» من أنَّ القصص القرآنيّ يصيبه نفسيًّا ويثير لديه الغثيان- فللقصص القرآنيّ تأثير كبير في النفوس؛ حيث يأخذ بمجامع القارئ، ويجعله متفاعلًا مع النصِّ مشدودًا إليه، ويكون تكرار القصص أداة لانطباع مضمون القصَّة وأهدافها في النفس الإنسانيَّة التي تؤثِّر –في ما إذا انطبعت- على الدوافع التي توجِّه بدورها أفعال الإنسان.

ثمَّ إنَّ للتكرار وجهًا بلاغيًّا آخر، لم يستطع المستشرق «جاك بيرك» إدراكه؛ فتكرار القصَّة الواحدة بألفاظٍ متعدِّدة في كلِّ مرَّة وجه من وجوه الإعجاز البلاغيّ الذي يتمتَّع به القرآن، خصوصًا وأنَّ القصّة الواحدة تتفاوت في كلِّ موضع طولًا وقصرًا، إيجازًا وإطنابًا، إجمالًا وتفصيلًا، كلّ ذلك مع المحافظة على مضمون القصَّة وجوهرها، وهذا ما يُلحظ واضحًا في مختلف القصص القرآنيّ، وهو -بحدِّ ذاته- وجه من وجوه التحدِّي القرآنيّ للبشر بأن يأتوا بسورة من مثله، ذلك التحدِّي الذي تحدَّى الله -تعالى- به العرب، ولو كان في تكراره شيء ممَّا يفتريه المستشرقون ومن سار على دربهم لكان العرب -أهل البلاغة والفصاحة- أوَّل من أشاروا إليه وانتقدوه، والحال أنَّهم لم يفعلوا.

(66)

 

 

 

 

 

 

3- المبحث الثالث

دعوى أسطوريَّة القصص القرآنيّ

 

(67)
(68)

يدَّعي بعض المستشرقين المعاصرين، تبعًا لمن تقدَّمهم، أنَّ القصص القرآنيّ خياليّ وغير واقعيّ، ولا يمتّ إلى الحقيقة والواقع بصلة. وتلك الفرية قالها صناديد الكفر في الجاهليَّة، وقد حكى القرآن الكريم قولهم هذا: (وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا)[1]. وعليه، فلم يأتِ الاستشراق قديمه ومعاصره بجديد في دعواهم عن القصص القرآنيّ أو عن غيره؛ فهم ينهلون من معينٍ واحد، هو معين التعصُّب والرغبة في تشويه الدين الإسلاميّ عامَّة؛ وذلك بالتشويش على بعض ثوابته، ومحاولة النيل منها. 

ولـ «جاك بيرك» حصَّته -أيضًا- من هذه الدعوى والفرية، فقد خصَّص مبحثًا في كتابه، عنونه بـ: «دحض الأسطرة وقضيَّة الوجود»، وذهب فيه إلى أنَّ القرآن صناعة بشريَّة استعان بالأساطير المتمثِّلة في قصص الأنبياء[2].

لقد أوَّل «جاك بيرك» القصص القرآنيّ تأويلًا غريبًا، على غرار تأويلات أستاذه «كزيمرسكي»؛ إذ ادَّعى أنَّ القرآن يبتكر شخصيَّات ويختلق مشاهد، زاعمًا أنَّ قصصه شبيه بقصص العرب والمغامرات، آخذًا من سورة الكهف أنموذجًا على ذلك[3].

لكنَّ «بيرك» ما لبث أن ناقض رأيًا قاله في الربط بين القصص والأسطرة، عندما ذهب إلى أنَّ القصص القرآنيّ استعادةٌ للقصص المنصوص عليه في التوراة والإنجيل، وأنَّه سار على نهج الإنجيل خاصَّة[4]؛ إذ يقول: «وعلى كلِّ حال، عندما نعيد قراءة سورة الكهف، فإنَّنا نسأل أنفسنا إذا كان من حقِّنا أن نفصل واقعة السبعة النيام عن الوقائع الأخرى الموجودة في هذه السورة؛ ذلك أنَّها تحتوي على واقعتين -أيضًا-

(69)

لهما مظهر أسطوريّ: واقعة رحلة موسى العجائبيَّة، وواقعة الفاتح ذي القرنين الذي يشبِّهه بعضهم بإسكندر المقدونيّ»[1].

ويحاول «جاك بيرك» الإيحاء بأنَّه ينكر حمل القصص القرآنيّ -وخاصَّة ما يتعلَّق برحلتَي موسى والخضر في سورة الكهف- على المعنى الظاهريّ، وإن قَبِلَها على منحى تأويليّ، بيد أنَّه في الأحوال كلِّها، وعلى الرغم من أنَّه كان متحفِّظًا ومؤدَّبًا في اختيار كلماته، لكنَّ كلماته هذه لا تُحمَل سوى على إنكار القصَّتين واتِّهام القرآن بالأسطرة فيها؛ فمشهد مجمع البحرين في رحلة موسى هو عنده مشهد روحيّ لا أكثر، ويبدو أنَّ بيرك يستخدم الروحيّ والأسطوريّ بمعنى واحد؛ ما يعني أنَّ القصَّة بعيدة عنده عن الواقع، وهنا تكمن الخطورة؛ لأنَّه في الوقت الذي تبدو فيه قراءة «بيرك» وهي تحمل بعض المعاني الإيجابيَّة، خاصَّة في ما يتعلَّق بالجانب اللغويَّ للقرآن في بعض قراءته له دونها كلّها، يظهر أنَّه ينحو منحى من يضع السمّ في العسل؛ بطرح فكرة مغلوطة بين السطور، أو محاولة التشكيك في أحداث قصَّةٍ ما أو جزءٍ منها، وهذا يمثِّل إشكاليَّة في قراءتنا لبعض القراءات الاستشراقيَّة؛ إذ ربَّما نزهو بسمتها الإطرائيّ والمدحيّ، ونتغافل عمَّا بها من عوار يجب ردّه وبيان تهافته.

والدليل على ذلك ما يذهب إليه هذا المستشرق أنَّ موسى سافر في مشهدٍ غريب، بحثًا عن مجمع البحرين، وأنَّ هذا الأمر معلوم من وجهة نظره في أنَّه لن يحمل سوى معنىً روحيًّا، وموسى من وجهة نظره -أيضًا- يلتقي تلك الشخصيَّة الغامضة؛ شخصيَّة الخضر، التي تؤدِّي -بحسب كلّ المفكِّرين- دور الوسيط بين السماء والأرض، فالخضر في نظر «بيرك» يقوم بأعمال إجراميَّة في الظاهر، ولكنَّها تستجيب بشكلٍ متناقضٍ لمقصد سامٍ. أمَّا الإسكندر عنده، فإنَّه ينطلق إلى لقاء الشمس جهة الشرق، ثمّ ينتهي من هذا الطرح الغامض إلى التساؤل الذي يحمل في مضمونه شكًّا واستنكارًا مؤدَّاه: هل بإزاء ذلك نجرؤ على التأويل؟[2].

(70)

وثمَّة أمور عدَّة مثيرة للشكّ في هذا الرأي خاصَّة، وفي اتّجاه «بيرك» عامَّة، منها:

الأوَّل: وصفه مشهد موسى في مجمع البحرين بالمشهد الغريب، من غير أن يبيِّن أسباب غرابته، هل هي راجعة لأسباب عقليَّة أم لغيرها؟ وما يدعو إلى الريبة في ذلك أنَّه كان يستطيع أن يستخدم لفظ عجيب إذا كان مقصده حسنًا، لكنَّه استخدم لفظ غريب الذي قد يحمل شيئًا من النقد غير الصريح.

الثاني: نظرته للمشهد على أنَّه يحمل معنى روحيًّا، وهو يستخدم هذا اللفظ (الروحيّ)  بمعنى المثاليّ أو المتعالي عن الواقع كما يبدو.

الثالث: وصفه للخضر بالشخصيَّة الغامضة، وكان بإمكانه -أيضًا- أن يستخدم لفظ العجيبة؛ بدلًا من الغامضة.

الرابع: استفهامه الاستنكاريّ في نهاية رأيه، عندما يقول: فهل نجرؤ على التأويل؟ وكأنَّه يستنكر هذه القصَّة وأحداثها، ومن ثمَّ يحاول أن يبحث عن تأويلٍ لها يتماشى مع اتِّجاهه أو رؤيته الخاصَّة.

ولكنَّ السؤال الذي يطرح نفسه بقوّة -هنا- هو: لماذا وقف «بيرك» من قصَّتَي الخضر وذي القرنين في القرآن هذا الموقف؟! لماذا ادَّعى أنَّ هاتين القصَّتَين من قبيل الأسطورة؟ هل لأنَّهما لم تردا في أيٍّ من العهدين القديم والجديد؟ مع العلم أنَّ هناك من يحاول أن يعمد إلى فرضيَّة الربط بين ذي القرنين والنبيّ سليمان عليه‌السلام، أو بين ذي القرنين وكورش في كتب العهد القديم؛ لينطلق إلى القول بأنَّه ما دامت القصَّتان قد وردتا في العهد القديم فإنَّ القرآن قد اقتبسهما. لكنَّ الشيء المؤكَّد الذي لا مرية فيه أنَّ هاتين القصَّتين تمثِّلان إعجازًا في القرآن يتحدَّى بهما المخالفين من أهل العقائد الأخرى، ودليلًا على الإعجاز التاريخيّ في القرآن.

وهذا ما يكشف عن عدم منهجيَّة علميَّة أو بحثيَّة يستند إليها المستشرقون في آرائهم ونظريَّاتهم، ولا سيَّما في ما يتعلَّق بالقصص القرآنيّ؛ فهم إذا وجدوا شيئًا من القصص القرآنيّ في الكتب السابقة ادَّعوا الاقتباس، وإذا لم يجدوا لها أصلًا في

(71)

تلك الكتب اتَّهموها بالأسطوريَّة؛ وما ذلك إلَّا لانطلاقهم من فكرة بشريَّة القرآن، ومحاولاتهم الكثيرة والمتكرِّرة بهدف تشويهه والنيل منه، وبُعْدِهم عن أيِّ منهجيَّة علميَّة في مقاربة المواضيع المرتبطة بالقرآن الكريم.

لكنَّ هذا لا يمنع من الإشارة إلى بعض الجوانب الإيجابيَّة في قراءة جاك بيرك للقصص القرآنيّ، حيث يشير إلى القيم الحقيقيَّة التي جاءت بها قصَّة رحلة النبيّ موسى عليه‌السلام وقصَّة رحلة ذي القرنين؛ إذ يرى أن قصَّة موسى تستطيع أن تضع نقيضًا للحوافز الإنسانيَّة القصديَّة الصوريَّة التي لا تُدرك بالذكاء الإنسانيّ، وإنَّما بتوسُّط سلطةٍ ما، أو إرشادٍ ما، وثمَّة من يقول إنَّها لا تُدرك إلَّا بالتدريب[1]. أمَّا القصّة الثانيَّة فيرى فيها أنَّ مقاربة ذي القرنين عن طريق متابعة بيان رحلته التي تتَّصف -أيضًا- بجرأة أعظم من رحلة موسى في نظره؛ لتتجاوز حدود اللغة والعالم المسكون؛ لكي يُقام على خطواته القصوى آخر معقل من معاقل العدل والصناعة والعقل[2].

فـ«بيرك» انطلق بالقيم التي توحي بها الآية من مجرَّد قيم محدودة؛ كما فهمها البعض، تنحصر فيمن وقعت فيها بأحداثها المتراكبة، إلى قيمٍ أرحب وأوسع تعمّ الإنسانيَّة كلَّها، واستخلص منها قيم العدل والإتقان والعقل، وهي مبادئ إنسانيَّة لا يمكن تغافلها أو الدوران حولها، بل إنَّ فيها خدمة للإنسانيَّة ولقيم الحياة. فالأمر لم يكنْ مجرَّد قصٍّ فقط، أو ذِكْرٍ لأحداث في الأمم الماضية، وإنَّما هو ترسيخٌ لقيمٍ ربَّما تناستها البشريَّة في خضمِّ سعيها نحو المادِّيَّة، وكأنَّها تسير في طريقٍ مزروعٍ بالشوك.

لكنَّ هذا لا يقتضي غضّ الطرف عن أنَّ عددًا من آرائه تُمثِّل طعنًا في الإسلام، وقد فطن إلى هذه القضيَّة المترجم منذر عياشي، مترجم كتاب «إعادة قراءة القرآن»؛ حيث انتهى إلى أنَّ «بيرك» يريد طعنًا في القرآن من طرفٍ خفيّ، متأسِّفًا من أنَّ الناتج العلميّ لهذا المقصد يخرج به عن غاية العلم وقيمه؛ ليدخل به في إطار المماحكة الضحلة والسجال غير العلميّ[3]. ولا شكَّ أنَّه ينطلق في ذلك من

(72)

الفرضيَّة التي يعتمدها المستشرقون؛ وهي أنَّ القرآن صناعة محمَّديَّة، لا إلهيَّة[1]، وهي التي تفسِّر بعضًا ممَّا يذهب إليه في القصص القرآنيّ وغيره، وإنْ لم تكن تفسِّر كلَّ ما يذهب إليه. وهذا يعني أنَّ الاستشراق المعاصر لا يختلف كثيرًا عن الاستشراق القديم، فهو يتَّفق معه في الثوابت والمنطلقات، باستثناء عدد قليل من المستشرقين الذين انتهجوا نهجًا علميَّا، ومن ثمَّ، فلا تخدعنا العبارات المنمَّقة والأساليب المرهفة عن الوقوف عند بعض المضامين الخبيثة التي ربَّما تتخفَّى وراء بعض الإشادات هنا أو هناك من بعض المستشرقين المعاصرين.

ولقد فطن بعض الباحثين إلى موقف بيرك هذا، ومحاولاته الدائمة الساعية لإثبات وجود خلل أو تناقض في القرآن الكريم، والتي ساق في سبيلها جملة من المؤثِّرات، والعوامل الظرفيَّة، والبيئة الاجتماعيَّة التي من شأنها أن تكون قد أسهمت في ذلك[2]؛ فقد أومأ «بيرك» بطرفٍ خفيٍّ إلى أنَّ هناك تأثيراتٍ ثلاثة كان لها دورها -في ظنِّه أو مخيِّلته- في القرآن الكريم[3]، وهي:

ـ الفكر اليونانيّ القديم

ـ الشعر الجاهليّ

ـ مصادر متنوِّعة، وعلى رأسها الإنجيل.

وعليه، فإنَّ هذه الفرضيَّات تقوم أوَّلًا على الزعم بأنَّ الإسلام أخذ على عاتقه جزءًا من الميراث الجاهليّ، ثمَّ تحمّل طرفًا من ميراث اليونان، بعد أنْ أضفى على كلٍّ منهما تعديلاتٍ استعلائيَّةٍ صارمةٍ حسب ظنَّه، وثانيًا على ادِّعاء وجود تناقضٍ في القرآن، من خلال الذهاب إلى أنَّ هذا الأمر كان ملاحظًا قبل ذلك في الشعر

(73)

الجاهليّ، وثالثًا على مصدريَّة الإنجيل، أو ما سمَّاه «جاك بيرك» عدوى المصادر في القرآن، وخاصَّة في مجال القصص القرآنيّ، موضوع هذه الدراسة. 

أمَّا بالنسبة إلى الفرضيَّة الأولى القائمة على الربط بين القصص القرآنيّ والقصص الأسطوريّ في الفكر اليونانيّ أو الإغريقيّ القديم، فإنَّ واقع الأمر يكشف زيف هذا الادِّعاء؛ إذ إنَّ القصص الأسطوريّ اليونانيّ يقوم على مخالفات عقديَّة يأباها الإسلام، من قبيل: فكرة التماثل بين الإله والإنسان التي تعدّ من أبرز خصائص الأسطورة الإغريقيَّة؛ ذلك أنَّها تفترض عالَمًا شبيهًا بالإنسان، تظهر فيه تعدُّديَّة الآلهة، وهي فكرة مرفوضة إسلاميًّا، كما تظهر فيه فكرة الصراع بين الآلهة في ما بينهم، وفي ما بينهم وبين البشر، وتلك فرية كبيرة لا تدانيها فرية أخرى. فكيف يدَّعي جاك بيرك ما يدَّعيه؟!

وفكرة التماثل هذه تظهر في كلِّ شيء، فلا مجال في الأسطورة اليونانيَّة لآلهة منزَّهة، تتَّسم بالتقديس والتعالي عن الموبقات، لا مجال لآلهةٍ تنشر الخير، وتدعو الإنسانيَّة إليه، بل الأسطورة اليونانيَّة تصوِّر هذه الآلهة؛ وكأنَّها في حلبة من المصارعة، تغالب بعضها بعضًا، وتتصارع مع بعضها بعضًا، في مماثلة فجَّة بين العالم الإلهيّ والعالم الإنسانيّ. فهل في القصص القرآنيّ شيء من هذا ؟! ثمَّ هل يصمد ادِّعاء بيرك بعد هذا؟!

إنَّ الآلهة في الأسطورة الإغريقيَّة في الحضارتَين الكريتيَّة والآخيَّة، وفي غيرهما، قد تكون أقلّ حكمة وكياسة من بعض البشر، فهي تصوِّرها وهي تغضب لأتفه الأسباب، فلا مجال لعقلٍ ولا لحكمةٍ، بل لا مجال للعناية بالإنسان والرعاية له ولحاجاته. وفي ذلك مماثلة تفترض تصوير الآلهة في صورة الأدنى، وهذا من تخاريف الأسطورة اليونانيَّة. فهل يقال عن القصص القرآني المنزَّه عن هذه الترهات أنَّه على شاكلة الأسطورة اليونانيَّة، أو أنَّه تأثَّر بها؟!

بل إنَّ العلاقة بين العالمين في هذه الأسطورة اليونانيَّة القديمة تحكمها المنفعة، ولا شيء غيرها، وهي منفعة قد تكون متبادلة، وقد تكون غير متبادلة، فالآلهة

(74)

تتَّخذ من البشر أداةً لتحقيق أغراضها، وهي في الغالب أغراض دنيئة، والبشر تتَّخذ من الآلهة أداةً لتحقيق الكسب على الأرض، وهو في الغالب كسب سلطويّ أو مادِّيّ.

ثمَّ إنَّ الآلهة في الأسطورة اليونانيَّة في الحضارتين آلهة تتّبع شهواتها الجنسيَّة؛ ألم تحكِ الأسطورة الكريتيَّة كيف حلَّ الإله زيوس في جسد الثور المقدَّس؛ ليلد الماينوتور من زوجة مينوس باسيفائي؟! هم في الأسطورة دعاة حرب، لا دعاة سلام، ودعاة شرّ، لا دعاة خيرٍ في الغالب، لا همَّ لهم إلَّا التفكير في صنع الدسائس ونشرها بين البشر، وهذه كلُّها من صفات البشر لا صفات الإله. وقد تخيَّل الإغريق في أشعارهم آلهتهم في صورة البشر تمامًا؛ يأكلون، ويشربون، ويتصارعون مع بعضهم بعضًا، فعالَم الآلهة في الأسطورة الإغريقيَّة عبارة عن انعكاسٍ لحياة الطبقة الأرستقراطيَّة في العصر الهومريّ، ولكلِّ طائفة معبودها أو معبودتها[1].

والآلهة في الأسطورة اليونانيَّة خاضعةٌ لفكرة الزمن؛ بمعنى أنَّ لكلِّ مرحلةٍ تاريخيَّةٍ آلهتها التي صنعتها العقول البشريَّة. وعلى الرغم من أنَّ هناك آلهة كبرى في التاريخ اليونانيّ، وهي راسخة في الذهن اليونانيّ القديم، لكنَّ هذا لم يمنعها من اختراع آلهةٍ أخرى، فالآلهة في الأسطورة الكريتيَّة، والآخيّة، وغيرهما تصنع على عين البشر، لا العكس. وعليه، فإنّ لبعض الآلهة في تلك الأسطورة زمنٌ محدَّد، ثمّ تتلاشى من محيط الأسطورة، ويتوقَّف عندها ذكر الذاكرين.

فالأسطورة في تلك الفترة وغيرها تنبني على مماثلةٍ واضحةٍ بين عالَمَيْن ما أبعد الشقّة بينهما: عالَم الألوهيَّة، وعالَم الإنسان. وهذا دليل واضح على بدائيَّة العقل الذي طرحها، وبدائيَّة المرحلة التاريخيَّة التي كان فيها. بينما جاء القصص القرآنيّ لينفي علاقة المماثلة هذه نفيًّا تامًّا وقاطعًا، ويثبت أنَّ الله -تعالى- ليس كمثله شيء.

(75)

وهذا كلُّه يهدم فرضيَّة «بيرك» الأولى من أساسها؛ كونها لا تقف على أرضيَّة علميَّة راسخة، بل إنَّ الشواهد والأدلَّة العقليَّة والمنطقيَّة تثبت بطلانها. فالقصص القرآنيّ يخالف الأسطورة اليونانيَّة القديمة اختلافًا تامًّا، ولو كان «بيرك» وغيره من السائرين في ركابه يدينون بالأمانة العلميَّة لما ذهبوا إلى ما ذهبوا إليه في حقّ القصص القرآنيّ، بل لقالوا خلافه.

أمَّا فرضيَّة التأثُّر بالشعر الجاهليّ فهي فرضيَّة أوهن من بيت العنكبوت، حيث يدَّعي المستشرقون تأثُّر القرآن بشعر أميَّة بن الصلت، وامرؤ القيس، أو غيرهما من الشعراء، وهو الزعم الذي يتبنَّاه «بيرك» أيضًا. ولكن الردّ -هنا- يكون في أنَّه لو كان هذا الزعم صحيحًا، فلماذا لم يؤثَر عن العرب معارضتهم للقرآن بدعوى أنّه اقتباس من هؤلاء الشعراء، مع الأخذ بعين الاعتبار كم كان العرب حَفَظَة؟! بمعنى أنَّ مَلَكَة الحِفْظ عندهم كانت حاضرة، ولو كانت مثل هذه الأشعار قد مرَّت عليهم لقالوا عند سماع القرآن أنَّه منحول من الشعر الجاهليّ، ولكنَّهم لم يفعلوا، على الرغم من إلمامهم بالشعر العربيّ، فدلّ ذلك على أحد أمرين؛ الأوَّل: أنَّ هذه الأشعار كُتبت بعد نزول القرآن، فتكون بذلك متأثِّرة بالقرآن لا العكس، والثاني: أن تكون هذه الأشعار منحولة أو مكذوبة على أصحابها.

أمَّا الفرضيَّة الثالثة والأخيرة، فرضيَّة التأثُّر بالإنجيل وغيره من المصادر، فقد تقدَّم الردّ عليها في الفصول السابقة، خاصَّة وأنَّ هذه الفرضيَّة تنبني على أساس واهٍ من لقاء النبيّ محمَّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم العابر لـ«بحيرا الراهب»، وعلى بعض التشابه بين القصص هنا وهناك، الناتج في الأساس عن وحدة المصدر. مع أنَّ نظرةً بسيطة في سيرة النبيّ الكريم تظهر أنَّه كان أمِّيًّا لا يجيد القراءة والكتابة، فضلًا عن أنَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يكن على درايةٍ ولا علمٍ باللغة العبريَّة، ولم يُعرف من العرب من كان له إلمام بها في تلك الفترة، حتَّى مع وجود بعض اليهود في عصره، فلم يكن له علاقة بهم إلَّا في حدود ما يديم السلم بين اليهود والمسلمين في المدينة، مضافًا إلى الاختلافات الجوهريَّة الموجودة بين القصص هنا والقصص هناك.

(76)

هذا من جانب، ولكن على الجانب الآخر فإنَّ هناك من ينطلقون من قضيَّة باطلة ويستخلصون منها نتيجة باطلة، وتتمثَّل هذه المقدِّمة الباطلة بادعائهم أنَّ القصص القرآنيّ ما جاء إلا للتسلية والترويح، والنتيجة الأشدّ بطلانًا هي أنّ القرآن لا يلزم منه تقرير حقيقة تاريخيَّة، محاولين الاستدلال بقصَّة أبرهة وأصحاب الفيل التي ذكرها الله -تعالى- في القرآن؛ مدَّعين أنَّها مختلقة وليست حقيقيَّة، وذلك في سياق التشكيك في الحقيقة التاريخيَّة المتضمَّنة في القصص القرآنيّ؛ لجعلها أقرب إلى الأسطورة والخيال في ذهن الإنسان المسلم. وهذا ما صرَّح به المستشرق «موير» عندما زعم أنَّ القصص القرآنيّ هو مزج للحقيقة بالخيال، وأنَّ التصوير الروائيّ القرآنيّ أشبه بتفاهة طفوليّة[1].

وقد نهض بعض المفكِّرين المسلمين للردّ على هذه الفرية الاستشراقيَّة، ومِن هؤلاء: محمَّد سعيد البوطي الذي فرَّق بين الأسطورة والقصص القرآنيّ، حيث يُعرِّف الأسطورة بأنَّها حصيلة الأخيلة الشعبيَّة التي تُروى غالبًا على شكل قصصٍ وحكايات، وأنَّه لمَّا كان الإنسان بفطرته الأصيلة يتمتَّع بخيال يتَّسع اتّساع الطبيعة التي يعيش ويتقلَّب فيها، في مقابل الواقع المحدود الذي يعيش محاصرًا في أقطاره، فما كان من شأن هذا الخيال إلَّا أن يجمح بصاحبه إلى ما وراء ذلك الواقع المحدود، سابحًا في أرجاء الطبيعة كلِّها، دون أن تفيده شروط أو تصدّه حدود؛ ليكون ذلك عزاءً وتعويضًا له عن واقعة الضيِّق الذي حبس في داخله، ولولا إطلالة الإنسان من داخل واقعه، الذي يعيش فيه على الطبيعة المحيطة به من خلال نوافذ الخيال الذي متَّعه الله بها، لتحوّل الواقع إلى سجن ضيّق خانق، لا يورث صاحبه إلا الكمد والشقاء، مهما كان شأنه، ومهما كان نوع الحياة التي يعيشها[2].

ثمَّة جزئيَّة أخرى تمثِّل ردًّا على هذا الاتِّجاه الاستشراقيّ القائم على ادِّعاء الأسطورة في القصص القرآنيّ؛ وهو أنَّ الآثار الموجودة حاليًّا في زماننا هذا تشهد بأنَّ القصص القرآنيّ حقّ، وليس خرافيًّا كما يحاولون أن يزعموا، فما تزال آثار ثمود،

(77)

وعاد، وغيرهما باقية ماثلة أمام الجميع، تؤيِّد صدق ما ذهب إليه القرآن، وقِس على ذلك ما ذكره القرآن عن فرعون مصر وغرقه، ولا زال بدنه إلى يومنا هذا موجود في المتحف المصريّ. 

وعليه، فإنَّ القصَّة في القرآن الكريم حقيقة، ليس للخيال والأساطير نصيبٌ منها في شيء، فكلّ ما ورد في القرآن الكريم من قصص إنَّما هو حقائق لا شك فيها، وصدق لا يستطيع الناس جميعًا أن يجدوا فيها مطعنًا؛ لأنَّ القرآن الكريم كتاب أنزله الله بالحقّ، وبالحقّ نزل[1].

والغريب أنَّ هؤلاء القوم يظنُّون أنَّ القصص القرآنيّ من قبيل القصص الأدبيّ، فيضعون هذا وذاك في خانة واحدة، وهذا خطأ كبير؛ إذ إنَّ هناك فرقًا كبيرًا بينهما، كالفرق بين السماء والأرض، وهذا إن دلّ على شيء فإنَّما يدل على تعصُّبهم، أو على الأقلّ ضعف تحصيلهم لعلوم اللغة العربيَّة وآدابها. إنَّ القصص الأدبيّ مبنيٌّ على نوعٍ من الخيال الفنِّيّ، وهذا ما لا وجود له في القصص القرآنيّ؛ ذلك أنَّ الأخير مبنيٌّ على حقائق تاريخيَّة لا مجال فيها لهذا النوع من الخيال الأسطوريّ، وإنَّما يوجد في القرآن خيال من نوع آخر، وهو الخيال التعبيريّ الذي يلبس الحقيقة التاريخيَّة بعدًا جماليًّا، وهناك فرق شاسع بين هذا وذاك. وهذا ما يؤكِّده أحد الباحثين، قائلًا: «الخيال في القصص القرآنيّ خيال تعبيريّ، وأمَّا الخيال في القصص الأدبيّ فخيال فنِّيّ»[2].

إنَّ القرآن الكريم لا يستخدم في القصص لفظ الحكاية بدلًا من القصَّة؛ لأنَّ الحكاية تقليد وليست واقعًا، وقصص القرآن واقع، وتتناول أحد آثار التاريخ وأنبائه، وتصحِّح قصصًا أخرى مثلها من التوراة، وتأتي بما لم تأتِ به التوراة، وجميعها من الماضي[3]. لذلك تميِّز قصصه خصائص فريدة عن غيره من القصص، من: واقعيَّة صادقة، وجاذبيَّة في العرض والبيان، وشموليَّة في الموضوع، وعلوّ في الهدف، وتنويع في المقصد والغرض، ووضوح في الإعجاز.

(78)

إنَّ أصحاب هذا الادِّعاء قد التبس عليهم أمر الخيال وحديث البلاغيِّين القدامى عنه، ونسوا أو تجاهلوا أنَّ الخيال ضربان: خيال قصصيّ، وخيال تعبيريّ. وهي مسألة مهمَّة لا بدَّ من الفطنة إليها حال درس القصص القرآنيّ على منهاج أدبيّ مستقيم؛ ففي القرآن الكريم ألوانٌ من الخيال التعبيريّ، وليس فيه مثقال ذرَّة من الخيال القصصيّ[1].

ولكن إذا كان ما يقوله هؤلاء -من الزعم بأنَّ القصص القرآنيّ قصص خياليّ- حقًّا، فهل لهم أن يأتوا بسورة من القرآن يطبِّقون عليها منهجهم هذا؟! قطعًا الإجابة ستكون بالنفي، فهم لا يستطيعون ذلك؛ لا لخلل عندهم، ولكن لكذب موقفهم، والسؤال -هنا- هو: لماذا لم يقدِّم هؤلاء خلاصة رأيهم هذه عن طريق تطبيق منهجهم هذا على قصَّة واحدة من قصص القرآن، ويشرحونها الشرح الأدبيّ الذي يزعمونه في القرآن، والذي يثبت وجهة نظرهم في احتواء القرآن على قصص خياليّ لا واقعيّ؟ الغريب في الأمر أنَّه لم يُسمع بهذا في الأوَّلين ممَّن أُرسل إليهم النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، ولماذا لم يرفع اليهود في المدينة -وَهُمْ مَنْ هُمْ في معاداة الإسلام ومحاولة النيل منه على الدوام- هذا الشعار؟ فلو كان موضوع القصص الخياليّ صحيحًا لكان اليهود أوَّل من أشاروا إليه؛ نيلًا من الإسلام والمسلمين، لكنَّهم لم يفعلوا.

وهذا يقود إلى أنَّ القصص القرآنيّ قصص واقعيّ تاريخيًّا، فهو يمثِّل الواقعيَّة التاريخيَّة، ويتناول القضايا والحوادث المثبتة من الناحية التاريخيَّة، وليس فيه شبهة خيال هنا أو هناك. أمَّا الذين يصوِّرونه على أنَّه صورة من صور التشويق والإثارة، فهؤلاء لا يعلمون عن القصص القرآنيّ شيئًا؛ لأنَّ القصص القرآنيّ ما كان مجالًا للتشويق أو الإثارة، وإنَّما كان وقائع تاريخيَّة في ثياب تعبيريَّة بديعة. والمتأمِّل في قصَّة الكهف -على سبيل المثال- يجد تلك الحقيقة ماثلة وبقوَّة؛ فقد اشتملت قصَّة أهل الكهف على أمورٍ تدلّ دلالة قويَّة على عدم صلتها بالأسطورة[2].

(79)

وإذا كان هذا يتعلَّق بقصَّة أصحاب الكهف، فإنَّه بالنظر إلى حادثة الفيل التي ذكرها القرآن، يظهر -أيضًا- أنَّها لا تشتمل على خيال قصصيّ كما يحاول أن يوحي المستشرقون بذلك، وإنَّما هي قصَّة واقعيَّة تاريخيَّة حقيقيَّة؛ إذ أجمع مؤرِّخو العرب والمنصفون من الكتَّاب الغربيِّين على وقوع حادثة الفيل بين حكَّام اليمن ومكَّة، على نحو تؤيِّده الرواية الصحيحة، ويمليه منطق الأحداث. واستقراء قصَّة الأدب في العصر الجاهليّ، يكشف عن أنَّ حادثة الفيل حادثة لها خطرها في تاريخ الحجازيِّين خاصَّة والعرب عامَّة، ولا غرو إذا ما هتف شعراء الحجاز بالقصيد يصبُّون جامّ غضبهم على المعتدي الأثيم.

وما ثبت في قصَّة الكهف وقصَّة الفيل ثبت في القصص القرآنيّ كلّه؛ بدليل اتِّفاقه مع الحقائق التاريخيَّة أو مع المعارف العلميَّة كما سبق التأكيد على ذلك؛ ما يؤكِّد على أنَّ القصص القرآنيّ حقيقة لا خيال فيها، حيث يمثِّل تحدّيًا للمشركين وأهل الكتاب الذين ناصبوه العداء، ومن ثمَّ كان هذا القصص دليلاً على إعجاز علميّ يعمد المستشرقون إلى محاولة التقليل منه.

 

(80)

 

 

 

 

 

 

4- المبحث الرابع

من القصص القرآنيّ إلى قضايا إسلاميَّة أخرى

                 ــ افتراءات استشراقيَّة ــ

 

(81)
(82)

يعمد بعض المستشرقين إلى الانتقال من نقد القصص القرآنيّ إلى تشويه الإسلام ذاته من خلال إثارة الشبهات حول مجموعة من القضايا المتعلِّقة في بعض جوانبها بهذا القصص. ويعتبر كلٌّ من «فرانتس بوهل»، و«ديفيد باورز» زعماء هذا الاتِّجاه، ويشاركهم في ذلك «جاك بيرك»، و«وليام فيدرر»، وغيرهم. حيث تناول كلٌّ منهم قضيَّة متعلِّقة بالقصص القرآنيّ، محاولًا التشكيك في هذا القصص من خلال التشكيك في القضيَّة ذاتها. وفي ما يأتي عرضٌ لهذه القضايا:

القضيَّة الأولى:

ذهب المستشرق «فرانتس بوهل»[1] إلى أنَّ قصَّتَي صالح وهود تناقضان دعوى النبيّ محمَّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أنَّه لم يرسل من قبله نبيّ إلى العرب[2]. وقد حاول «تيودور نولدكه»[3] إثارة شبهات حول بعض الحوادث التي حدثت في بداية الدعوة المحمَّديَّة سيرًا على هذا الاتِّجاه؛ إذ من المعروف أنَّ حادثة نزول القرآن على النبيّ محمَّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بدأت بقوله -تعالى-: (اقْرَأْ)[4]، ولكنَّ «نولدكه» فسَّرها تفسيرًا غريبًا وشاذًّا، حيث ذهب إلى أنَّ معناها (عِظْ)؛ ليرتِّب على ذلك نتيجة أرادها، مفادها: إنَّ كلمة (قرآن) لم يصيبها التطوُّر في اللغة العربيَّة، وإنَّها مأخوذة من كلمة سريانيَّة على وزن (فعلان)[5]، وأصحاب هذا التوجُّه هدفهم التشكيك في مصداقيَّة القرآن ذاته ومصدره[6].

(83)

إذن، اتِّهام هذا المستشرق ليس موجَّهًا إلى القصص القرآنيّ فحسب، بل هو موجَّه إلى القرآن جملة، وهو في ذلك يتَّخذ منهجًا مخالفًا لما ظهر عليه موقف المستشرقين في الأفكار السابقة؛ ذلك أنَّه يتَّخذ من القصص القرآنيّ منطلقًا لا لنفيه وادِّعاء كذبه، ولكن للادِّعاء بأنَّ هذا القصص يثبت تناقض النبيّ محمَّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والقرآن الذي أثبت أنَّه نبيّ العرب.

لقد اتَّخذ هذا المستشرق من بعض الآيات القرآنيَّة منطلقًا لمزاعمه، ومن هذه الآيات: قوله -تعالى-: (لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) [1]، وقوله -سبحانه-: (لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) [2]، وقوله -عزَّ وجلّ-: (لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ)[3]، وقوله -جلَّ جلاله-:(وَمَا آتَيْنَاهُم مِّن كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا ۖ وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِيرٍ)[4]؛ إذ ذهب إلى أنَّ هذه الآيات تثبت عدم وجود رسل أُرسلت إلى العرب قبل الإسلام، في الوقت الذي يزعم أنَّ قصَّتَي صالح وهود تثبتان غير ذلك، محاولًا الاستدلال ببعض الآيات التي تبيِّن وجود رسل قبل الإسلام، من ذلك قوله -تعالى-: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ۚ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ)[5]، وقوله -تعالى-: (وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّـهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ ۖ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ هَـٰذِهِ نَاقَةُ اللَّـهِ لَكُمْ آيَةً ۖ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّـهِ ۖ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ )[6]، مدَّعيًا أنَّ في ذلك تناقضًا بين هذه الآيات؛ ما يعني زعمه أنَّ القصص القرآنيّ يقدِّم مادَّة تاريخيَّة متضاربة ومتناقضة.

(84)

والمستشرقون هنا يحاولون ضرب الآيات بعضها ببعض للوصول إلى الغاية التي يريدونها، مع أنَّه ليس بين هذه الآيات أيّ تضاربٍ أو تناقض؛ إذ إنَّ الآيات الأولى تبيِّن أنَّ الذين أنذرهم النبيّ محمَّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم ينزل عليهم قبل القرآن شيء، ولم يكن هناك نذير قبله فيهم، أي إنَّ الآيات -هنا- فيمن وقع عليهم فعل الإنذار؛ وهم قريش، فقد كانت أمَّة جاهلة لم ينزل فيهم نذير قبل محمَّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم؛ بدليل أنَّهم كانوا يقولون لو جاءنا نذيرٌ أو أُنزل علينا كتاب لكنَّا أهدى من غيرنا، فلمّا أنْ منَّ الله -تعالى- عليهم كذّبوا وكفروا. في حين أنَّ المراد من قوله -عزَّ وجلّ-: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ۚ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ)[1] هو أنَّه ليس هناك أمَّة لبني آدم إلا وقد أرسل الله -تعالى- لها نذيرًا.

وهذا دليلٌ واضحٌ على عدم إلمام المستشرقين بالعلوم الإسلاميَّة، ولا سيَّما في ما يتعلَّق بجانبها اللغويّ؛ إذ من الواضح لمن يتأمَّل في الآيات الأولى أنَّها لم تقصد بـ «القوم» عموم العرب منذ البدء وإلى عصر الدعوة المحمّديَّة، وإنَّما تقصد ذلك الجيل الذي يستوعب قوم العرب الذين عاصروا نبوَّة محمَّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وآبائهم القريبين. وهذا هو الواقع حقًّا؛ حيث انقطع الوحي الالهيّ فترة من الزمن، ولم يُرسل رسول لهم أو يظهر نبيّ بينهم. وعليه، فلا تناقض بين الآيات الأولى والثانية[2].

القضيَّة الثانية:

إنَّ قضيَّة الانطلاق من الالتفاف على القصص القرآنيّ لنقد قضايا عقديَّة أو دينيَّة معيَّنة لم تقف عند هذا الحدّ، بل تبرز -ومن دون مواربة- عند المستشرق المعاصر «جاك بيرك» في حديثه عن قصَّة زواج النبيّ محمَّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من السيِّدة زينب[3]، الزوجة

(85)

السابقة لابنه بالتبنِّي زيد[1]. فهذا المستشرق لم يُنكر حدوث القصَّة، ولكنَّه أوَّلها تأويلًا يذهب به إلى حيث يتَّهم الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في خُلُقه وشخصيَّته، فيقول: «إنَّنا لا نستطيع أن نذكر مثالًا أكثر تصوُّرًا، وأكثر نطقًا من مثل زواج زينب، إحدى زوجات محمَّد، فلقد كانت زوجة ابنه زيد بالتبنِّي...، علمًا بأنّ التبنِّي في الجزيرة العربيَّة، في ذلك العصر، كان يعدّ قرابة حقيقيَّة في أعراف الناس وعاداتهم، وإذا كان الأمر كذلك، فقد نزل وحيٌّ إلهيٌّ ألغى مشروعيَّة التبنِّي، بل منع ممارسته[2]،   

(86)

قال الله -تعالى-: (مَّا جَعَلَ اللَّـهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ۚ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ ۚ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ ۖ وَاللَّـهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) [1].

فهذا النصّ يحمل اتِّهامًا صريحًا إلى الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ادّعى فيه «بيرك» شغف الرسول بزينب وحبّه لها، وهي ما زالت زوجة لابنه بالتبنِّي[2]. وهذا كلّه كلام مخالف للواقع، بل الأدهى من ذلك أنَّ هذا المستشرق يتَّهم الرسول -حاشاه- بالفصل بين النظريَّة والتطبيق، أي يصفه بأنَّه نقض التعليمات التي جاء بها وارتكب ما يخالفها، وهذا ما يعبِّر عنه بقوله: «وفي غضون ذلك طلَّق زوجته، وإذ ذاك استطاع الرسول أن يتزوَّج المرأة الشابَّة؛ وذلك من أجل هذين السببين، وإنَّه لمن الصعب على المرء أن يجد مثالًا أكثر نموذجيَّة عن اصطدام معيار صوريّ مع واقعة هي من الحادث، والإنسانيّ، والشخصيّ، وهذا أمر صعب فهمه إلى حدٍّ بعيد بالنسبة إلى إنسان معاصر وضع نفسه بداية في إطار ذهنيّ نقديّ شكّاك إزاء الشرق»[3].

وهذا يكشف عن أنَّ الاستشراق المعاصر يعمد -في جزءٍ منه- إلى العبور من خلال القصص القرآنيَّ ذاته إلى نقد العقيدة الإسلاميَّة؛ بدليل موقف «جاك بيرك» هذا؛ فهو يدَّعي أنَّ المثاليّ والصوريّ والمعياريّ -الذي يقصد به، على ما يبدو،

(87)

القواعد والتعليمات التي جاء بها الإسلام عن طريق النبيّ محمَّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - تهاوى أمام المطالب البشريَّة، والغرائز النفسيَّة؛ محاولًا اتِّخاذ قصَّة زواج النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من السيِّدة زينب معبرًا إلى هذه القراءة التشكيكيَّة.

وعلى هذا الزعم -أيضًا- سار المستشرق «ديفيد باورز»[1] الذي عمد إلى الحديث عن قصَّة العلاقة بين رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وزيد، قائلًا: «الرواية القرآنيَّة القصيرة والفاعلة تطرح مجموعة من الأسئلة التي تحتاج إلى إجابة، نعلم ذلك، فقد كان زيد متزوِّجًا من امرأة، أصبحت زوجة للنبي.... ملابسات هذا الزواج غير واضحة، فقد كان زيد ابن النبيّ بالتنبنِّي»[2].

وهذه النظرة هي النظرة ذاتها التي نظرها «جاك بيرك»، ويبدو أنَّها توجُّه غربيّ متعمَّد، يتجاوز سلبَ محمَّد حقَّه، متماديًا -وفق منهج إسقاطيّ- إلى حدِّ التشويه والنيل منه؛ تحقيقًا لأهداف غير علميَّة وغير منطقيَّة.

الغريب أنَّ هناك من نظر إلى هذا التوجُّه الذي سار على هديه «ديفيد باورز» على أنَّه سدٌّ لما في السيرة النبويَّة من فجوات، وكأنَّ السيرة كانت ناقصة حتَّى يأتي «باورز» ليكملها! يقول: «في الفصل الأوَّل يتَّجه «باورز» إلى سدِّ الفجوات في السيرة، إذ من مصادر أدبيَّة أخرى نعلم أنَّه عندما تمَّ بيع زيد شابًا إلى العبوديَّة لخديجة بنت خويلد -التي كانت زوجةً لمحمَّد- قدَّمته هديَّة لزوجها الذي اعتدى عليه لاحقًا، وتبنَّاه في سنوات زيد الأولى، وقد وجد «باورز» شبهًا بينه وبين يوسف في الكتاب المقدَّس»[3]. فـ«باورز» ينطلق من هذه القضيَّة إلى محاولة تشويه النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من خلال هذه القصَّة في كتابه المعنون بـ: «محمَّد ليس أبا أحد من رجالكم ...صناعة النبيّ الخاتم»[4]، وهو من عنوانه هذا يحاول أن يتَّهم الإسلام

(88)

أو النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالفبركة والبدعة، أو الادِّعاء بأنَّه النبيّ الخاتم، وهذا يقود إلى فهم حقيقة النظرة التي ينظر بها الغرب إلى الإسلام.

فـ«باورز» يعمد إلى لَيِّ عنق النصوص؛ سواء الدينيَّة أو التاريخيَّة؛ لكي يصل إلى ذلك الهدف المبنيّ على تلك النظرة، ومن ثمَّ يحاول أن يجد شبهًا لشخصيَّة زيد في الإنتاج الدينيّ اليهوديّ، وإن كان قد وجد شبهًا بعيدًا بين زيد ويوسف عليه‌السلام، فإنَّه حاول أن يوهم بأنَّ هناك شبهًا بينه وبين شخصيَّة يهوديَّة تدعى ابن إليعازر خادم إبراهيم عليه‌السلام، بهدف الوصول إلى أنَّ زيدًا الذي تبنَّاه النبيّ محمَّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو صورة من صور شخصيَّات الكتاب المقدَّس[1]؛ تحقيقًا لهدفهم غير المضمر بأنَّ القرآن صناعة محمَّديَّة.

بل لم يكتفِ بهذا، وإنَّما لجأ إلى مزيدٍ من تشويه صورة النبيّ، كما فعل غيره؛ فادَّعى أنَّ زواج زيد من زينب تمَّ فسخه بقضاءٍ إلهيٍّ، وأنَّ النبيّ خلال زيارة لمنزل زيد ألقى نظرة إليها فافتتن بها، وأنَّ زيدًا لمَّا أحسَّ ذلك عرض على النبي تطليقها ليتزوَّجها، وأنَّ النبيّ رفض أوَّلًا، ثمَّ قَبِل بعد نزول الأمر الإلهيّ، ثمّ ينتهي إلى أمرٍ غريبٍ -أيضًا- وهو أنَّ هذا الزواج أثار مخاوف تشريعيَّة وأخلاقيَّة[2].

ولم يأنف هذا المستشرق من إيراد الأكاذيب، ومحاولة البحث عمَّا يؤيِّد وجهة نظره في أنَّ قصَّة زيد تشبه قصصًا من الكتاب المقدَّس. يقول أحد الغربيِّين شارحًا موقف «ديفيد باورز»: «قصَّة زيد تتَّكئ على مؤامرة أكثر تعقيدًا، وهي شبيهة بقصَّة خادم إبراهيم ابن أليعازر وقصَّة بتشبع. فمحمَّد كالملك داوود وإبراهيم كليهما، وزيد يشبه أوريا الحثّي وإسماعيل كما في الحلم، وهذا يعني وجود علاقة بين الشخصيَّات الإسلاميَّة والكتاب المقدَّس، حتى وإن كانت مقلوبة في بعض الأحيان، فبينما الملك داوود غير قادر على السيطرة على رغبته الجنسيَّة عند رؤية بتشبع، فإنَّ محمَّدًا يقدر على ذلك، ويستمرّ في رفضه، إلى أن يتزوَّج زينب بغياب العقوبة الإلهيَّة»[3].

(89)

ولقد كانت هذه الدراسة مثار نقد الباحثين المنصفين؛ لما انطوت عليه من بُعدٍ خياليّ لا يطابق ما عليه حقيقة القصَّة، وما تحويه من آراء سمَّاها مفبركة، ومن ثمّ يقول: «صار التحريف في الدراسات الإسلاميَّة مهزلة من العيار الثقيل، فإنَّ هذه الدراسة -يقصد دراسة «باورز»- مزيجًا من الجاذبيَّة والتشويق، لكنَّها تقوم على ادِّعاءات قدَّمها «باورز»، هذه الادِّعاءات ليست متواضعة أو محصورة في نطاق بعض القضايا الصغيرة، لكنَّ صاحبها يدَّعي أنَّه أوضح لنا أصول الإسلام، كلّ ذلك بالاستناد إلى لفظةٍ واحدة، وتنبني هذه الدراسة التي نحن بصددها على سلسلة من الافتراضات الافتراضيَّة أو تحديدًا الخياليَّة»[1].

إنَّ هذه الدراسة التي جاء بها «باورز» تفترض -كما هو حال أغلب الدراسات الاستشراقيَّة في حقل العقيدة الإسلاميَّة- أنَّ هناك مشكلة حول تاريخ النصّ القرآنيّ، وكأنَّ القرآن كان ناقصًا ليكمله هؤلاء المستشرقون. وهذا ما يظهر بوضوح في قول «آرثر جيفري»: «إنَّ مادَّة كتابه مهداة إلى المسلمين كمساهمة في إشكاليَّة تاريخ النصّ القرآنيّ، فلسنوات عديدة كنت أجمع الموادّ لنصٍّ نقديٍّ للقرآن»[2].

القضيَّة الثالثة:

إنَّ المتأمِّل في ما كتبه «وليام فيدرر»[3] يجد أنَّه يسير على درب «جاك بيرك» و«.ديفيد باورز» حذو القذّة بالقذّة، فقد كتب كتابًا بعنوان: «ما الذي يحتاجه كلّ أمريكيّ أن يعرفه عن القرآن؟»، جمع فيه مجموعة من الأباطيل والأكاذيب حول الدين الإسلاميّ، موجِّهًا إيَّاها ضدّ النبيّ محمَّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والقرآن الكريم؛ من خلال إثارة بعض القضايا المتعلِّقة بالقصص القرآنيّ -بصورة قريبة ممَّا وجدناه عن «ديفيد

(90)

باورز» و«جاك بيرك»- حيث يدَّعي أنَّ محمَّدًا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم استقى معارفه الموجودة في القرآن من الديانات السابقة عليه: اليهوديَّة، والمسيحيَّة، والزرادشتيَّة، والمانويَّة، والوثنيَّة الجاهليَّة في بلاد العرب.

وأوَّل اتِّهام للقصص القرآنيّ في هذا الكتاب هو في مقاربته لقصَّة الإسراء والمعراج، فالرجل من بدايات كتابه يقدِّم سمًّا زعافًا، فيدَّعي العلميَّة والوصول إلى الحقائق المجهولة، ثمّ تجده يحمل حملةً شعواء على القرآن والرسول الكريم، وهذا ما يظهر في تناوله لقضيّة الإسراء والمعراج؛ إذ يقول: «إنَّ الكاهن أردا فيراف ارتحل محلّقًا في الجنَّات السبع، كما الحال في قصَّة محمَّد عن الإسراء والمعراج في رحلته المزعومة إلى الجنّات السبع»[1].

وهو يعتمد -هنا- على قصَّة كتاب «أردا فيراف» الزرادشتيَّة، وفيه يسرد رحلة رجلٍ صالحٍ يطوف في العالم الآخر في المنام[2]. وهو بذلك يحاول أن يرمي من طرفٍ خفيٍّ -وربَّما بطريقة بارزة- إلى أنَّ النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نسج حادثة الإسراء والمعراج على منوال قصَّة أردا فيراف؛ كي يوهم بأنَّ هذه القصّة من عنده وليس من وحي الله تعالى. وهذا يؤكِّد على الغاية ذاتها التي كان يقوم عليها الاستشراق القديم، وهي الغاية التي تشكِّك في القصص القرآنيّ؛ للزعم بأنَّ مصدره النبيّ محمَّد وليس الله -تعالى-، وهذا هو دأب المتعصِّبين من المستشرقين.

ولكنْ إذا كان زعم «وليام فيدرر» ينبني -هنا- على أنَّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان على معرفةٍ بالأديان السابقة عليه، فكيف يستقيم ذلك مع أنَّ شبه الجزيرة العربيَّة لم تكن تعرف قبل الإسلام غير الوثنيَّة التي كانت الدين الشائع؛ بجوار القلَّة من أتباع الديانات السماويَّة اليهوديَّة والمسيحيَّة؟! كيف ذلك والنبيّ لم يكن يجيد القراءة والكتابة؟! كيف ذلك ولم تسمع العرب بتلك القصص من قبل، لا القصَّة ذاتها، ولا

(91)

قصة شبيهة بها؟! ولو كانت قصَّة «أردا فيراف» معروفةً في شبة الجزيرة العربيَّة لردَّ العرب على محمَّدٍ عندما حدَّثهم بحادثة الإسراء والمعراج.

ومن جانبٍ آخر، فإنَّ هذه القصة مأخوذة -على أشهر الآراء- من العصر الساسانيّ، ومكتوبة باللغة الفارسيَّة، فهل كان محمَّدًا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على إلمام باللغة الفارسيَّة؟! أم تراه عاش في العصر الساسانيّ؟! قد يقال إنَّها وصلت إليه عن طريق الحكاية، ولكن كيف ذلك، والحال أنَّ لا مصادر تاريخيَّة تشي بظهور هذه القصَّة في شبه الجزيرة العربيَّة؟! ولماذا -وهو الأهمّ- لم يعترض أهل قريش على حادثة الإسراء والمعراج، ولم يقولوا إنَّ هذه الحادثة موجودة عند «أردا فيراف»؟! إنَّ قريشًا كانت العدو الأوَّل لمحمَّد النبيّ، ولو كانت هذه القصّة معروفة في البيئة العربيَّة في تلك الفترة لاتَّخذتها ذريعةً للانتقام منه وتشويه صورته أمام القبائل، ولقالوا إنَّ محمَّدًا يأتينا بقصص الفرس.

 ومن ضمن القضايا التي اعترض عليها «فيدرر» -أيضًا- زاعمًا خطأ القرآن الكريم فيها هو ما تناوله من قصَّة النبيّ عيسى عليه‌السلام والسيِّدة مريم عليها‌السلام ، مع العلم أنَّ معتقد فيدرر يمنعه من إنكار القصَّة، وكيف ذلك وهو يقيم مذهبه هذا على أسس تعصُّبيَّة صرفة للعقيدة المسيحيَّة؟! ولكنَّ «فيدرر» ينكر التصوُّر الإسلاميّ الذي قدَّمه القرآن الكريم لهذه القصَّة؛ فبعد أن يستعرض موقف الفرق المسيحيَّة من ولادة المسيح وطبيعته، أبشريَّة كانت أو إلهيَّة بحسب معتقدهم، وبعد نقد موقف الإسلام من تلك القضيَّة، يجزم بأنَّ المسيح ابن الله في أوسع معاني كلمة (ابن)، فهو يزعم أنَّ (ابن) تطابق الكلمة ذاتها في اللغة اليهوديَّة (الهبرو)، أي باني اسم العائلة[1].

ولعلَّ «وليام فيدرر» -هنا- يسير على درب المستشرق «سيدرسكي» الذي كان يسمِّي القصص القرآنيّ بالأساطير الإسلاميَّة، ويرجعها إلى مصادر يهوديَّة ومسيحيَّة، ومن بينها قصَّة ولادة المسيح التي كانت جزءًا من افتراءاته، مضافًا إلى شبهات أخرى أثارها؛ إذ إنَّه أخطأ فى استنتاجه باقتباس القرآن لقصَّة مريم وابنها من

(92)

إنجيل متَّى؛ وذلك من وجوهٍ عدَّة، منها: زعمه أنَّ القرآن قد خلط بين «مريم» أمّ المسيح وبين «مريم» أخت موسى وهارون وجعلهما واحدة. وهذا خطأ فادح يدلّ على عدم فهم المستشرقين لأسرار اللغة العربيَّة، واشتقاقاتها، وبلاغتها، ومجازها. فمريم أمّ المسيح من ولد هارون أخ موسى، فنسبت إليه بالأخوّة؛ لأنَّها من ولده، كما يقال للتميميّ: يا أخا تميم، وللعربيّ يا أخا العرب. بينما تنصُّ الرواية القرآنيَّة على أنَّ مريم حينما جاءها المخاض إلى جذع النخلة، تمنَّت الموت؛ لخوفها من تلوُّث سمعتها، فناداها من تحتها بعدم الحزن والأسف؛ لأنَّها ولدت العظيم من الرجال ذي الخصال الحميدة، فأكلت الرطب من النخلة، وشربت الماء النقيّ العذب الزلال[1].

ومن القضايا التي يثير الاستشراق المعاصر شبهاته وأباطيله حولها هي طفولة المسيح، فـ«وليام فيدرر» يزعم أنَّ القرآن تأثَّر في الحديث عن طفولة المسيح بإنجيل الطفولة، وهو الإنجيل الذي يراه «فيدرر» مجهولًا ومشكوكًا في نصوصه، وقد كتبه -في رأيه- شخص ليس الرسول على كلِّ حال، بعد وفاة السيِّد المسيح بمئات السنين، ومن ثمَّ فهو يعدُّ من قبيل الخيال، وعليه فهو غير محتفى به في الأوساط اللاهوتيَّة التي يمثِّلها علماء الكتاب المقدَّس[2].

وبذلك، فهو يحاول بشتَّى الطرق الادِّعاء بأنَّ القصص القرآنيّ حول الطفولة الأولى للسيِّد المسيح  مسروق من أحد الأناجيل المسيحيَّة المجهولة، وغير المعترف بها؛ كي يوحي بأنَّه إذا كان المصدر الذي أُخذ منه فاسدًا، فإنَّ القرآن في قصصه القرآنيّ فاسد أيضًا؛ لينتهي إلى النتيجة التي أرادها هو، واقتفى فيها أثر المستشرقين السابقين، وهي أنَّ القرآن من نحل محمَّد، وأنَّه ليس له مصدر إلهيّ على الإطلاق.

وليس هذا فحسب، بل لقد اتَّخذ «وليام فيدرر» من بعض القضايا العقديَّة المسيحيَّة سبيلًا إلى نقد القصص القرآنيّ حول صلب المسيح، وقضيَّة التثليث،

(93)

وغيرها من القضايا التي أظهرها القرآن بوضوحٍ من خلال تناوله لها. فممَّا ادَّعاه -على سبيل المثال- أنَّ القصص القرآنيّ حول قضيَّة الثالوث كان يشوبه الارتباك والتخبُّط، بل ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، عندما ادَّعى أنَّ حديث القرآن عن تحريف الأديان السابقة لكتبهم لا أساس له، وأنَّ الإنجيل ليس محرَّفًا[1].

لكن إذا كان كلام «وليام فيدرر» وغيره من أصحاب هذا الرأي صحيحًا، فكيف نفسِّر تلك الانتقادات العلميَّة التي وُجِّهت إلى هذه القضيَّة، وتلافاها القرآن الكريم؟! أترى أنَّ الرسول الأكرم محمَّدًا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تلافاها من تلقاء نفسه؟ وهل كانت لديه القدرة على تدارك هذه الأخطاء الواردة في القصص الإنجيليّ بذاته؟ أم أنَّ هذا دليل على أنَّه تلقَّاه عن عالمٍ قديرٍ، يملك خزائن السموات والأرض؟ لقد انتبه «بوكاي» إلى هذه القضيَّة قائلًا: «ينبغي أن نلاحظ أوَّلًا لدى الموازنة بين القرآن والأناجيل أنَّه ما من موضوعٍ من موضوعات الأناجيل أثار انتقادات من وجهة نظر العلم .. قد ذكر في القرآن، فعيسى في القرآن موضوع أحاديث كثيرة، منها: إخبار عمران بولادة ابنته مريم، وإخبار مريم بولادة عيسى المعجزة، وطبيعة عيسى بوصفه رسولًا وضع في المرتبة الأولى بين الجميع، وله وصف المسيح، والوحي الذي خاطب به الناس، وصدّقت به التوراة وعدلها، ثمّ إرشاده، وحواريه، والمعجزات، وارتفاعه أخيرًا إلى الله، ودوره في اليوم الآخر»[2]. ثمّ يردف «بوكاي» مؤكِّدًا على التوجُّه العلميّ في القرآن قائلًا: «فعيسى مدعومًا في القرآن ابن مريم، ونسبه أساسًا لوالدته، كما هو منطقيّ؛ لأنَّه لا أب له في الحياة، وبهذا يفترق القرآن عن إنجيلَي متّى ولوقا اللذين -كما تقدَّم- جعلا نسب عيسى متَّصلًا بأجداده من ناحية الذكور. لقد وضع القرآن عيسى من خلال نسبه الأموميّ على خطِّ نوح، وإبراهيم، ووالد مريم عمران كما هو في القرآن سورة 3 آية 33-34»[3]. ويقصد بذلك قول الله -تعالى-: (إِنَّ اللَّـهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ 

(94)

وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ 33 ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ ۗ وَاللَّـهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ 34) [1] التي تعني أنَّ عيسى من نسل نوح وإبراهيم عبر والدته مريم ووالدها عمران. ومن ثَمَّ «لا توجد في القرآن أخطاء الأناجيل الاسميَّة المتعلِّقة بنسب عيسى، واستحالات النظام النسبيّ الذي لدى العهد القديم  في ما يتعلَّق بنسب إبراهيم»[2].

ومن ذلك يتَّضح أنَّ الطابع الاستشراقيّ في التعامل مع القصص القرآنيّ -فضلًا عن غيره من قضايا الإسلام- هو طابع ينطلق من منطلق هجوميّ. ومن ثَمَّ، كان أفضل شيء في مواجهته هو الطابع الذي ينطلق من منطلق دفاعيّ هجوميّ في الوقت ذاته، وهذا ما هو عليه «موريس بوكاي»؛ فالرجل كانت لديه القدرة على دحض الشبه والأباطيل الاستشراقيَّة التي تتعلَّق بالقصص القرآنيّ بأسلوبٍ دفاعيٍّ من خلال بيان تهافتها أمام المنهج العلميّ السليم، ومن خلال ردّ الكرة عليهم بوضعهم أمام شبهة في القصص التوراتيّ الإنجيليّ لا يستطيعون الخروج منها إلَّا بالتسليم والإذعان. وقد يدلّ على ذلك تعامله مع قصَّة الطوفان، فقد عرض الرجل للنصوص هنا وهناك، وأخضعها جميعًا للمعارف التاريخيَّة والعلميَّة؛ لينتهي في النهاية إلى توافق الرواية القرآنيَّة معها، ومخالفة الروايات الأخرى لهذه المعارف في أجزاء كبيرة منها، كلّ ذلك وفق هذا الطابع وهذا المنطلق.

والحقيقة أنَّ هذا الطابع بمنطلقه هذا يعتبر وسيلة مهمَّة لردِّ الشبه والأباطيل التي تحاك ضدَّ الإسلام، ومنها القصص القرآنيّ. ويمكن ملاحظة هذا الأمر في المناظرات التي تجري بين خصمين أو أصحاب اتِّجاهين مختلِفَيْن، حيث يميل الأوَّل إلى عرض شبهته، ثمّ يعقِّب الثاني بردّ هذه الشبهة، والانطلاق منها إلى رمي الأوَّل بشبهة مضادَّة، بما يشبه الكرّ والفرّ، أو بما سمَّيناه الدفاع ثمّ الهجوم. ثمَّ إنَّ هذا النوع كان مشاعًا في البيئة الإسلاميَّة بصورة واضحة؛ لما كان يعجّ فيها من مناظرات

(95)

بين الإسلام والديانات الأخرى. وهذا ما يبدو واضحًا عند مستشرقٍ كـ«موريس بوكاي»، وعند غيره من أعلام الفكر الإسلاميّ خاصّةً.

 ومن القصص القرآنيّ الذي حاول الاستشراق المعاصر إثارة الشبهات حوله قصَّة رفض القرآن لموت المسيح عليه‌السلام ، وأنَّه ما قُتِل وما صُلِب، وإنَّما ألقى الله -تعالى- شبه النبيّ عيسى على غيره الذي صلب وقتل هو[1].

وهذا يؤكِّد الهدف الثاني الذي يرومه المستشرقون -القدماء منهم والمعاصرون- من نقد القصص القرآنيّ، وهو الإيهام بأنَّ القرآن من صنع محمَّد الذي يُطلق عليه «كانون سيل» اسم محرِّر القرآن[2].

(96)

 

 

 

الفصل الثاني:

القراءات الاستشراقيَّة للقصص

القرآنيّ ومناهج المستشرقين

 

 

 

 

المبحث الأوَّل: القراءات الاستشراقيَّة للقصص القرآنيّ
المبحث الثاني: مناهج المستشرقين في القصص القرآنيّ
(97)
(98)

 

 

 

 

 

 

1- المبحث الأوّل

القراءات الاستشراقيَّة للقصص القرآنيّ

 

(99)
(100)

ظهر جليًّا، في ما تقدَّم في الفصل الأوَّل، أنَّ نقد الاستشراق للقصص القرآنيّ كان يقوم على نهج غير علميّ؛ حيث كانت تقودهم في ذلك روح تعصُّبيَّة؛ إمَّا مسيحيَّة غربيَّة، أو يهوديَّة. فالاستشراق كان في الغالب بتوجيهٍ كنسيٍّ، سواء أكان مؤسَّسيًّا وتنظيميًّا من الكنيسة، أو بدافعٍ شخصيٍّ تحت إلحاحات عقديَّة؛ وذلك لتشويه هذا القصص وتحريفه عن مقاصده السامية التي سِيق لأجلها.

والغريب في الأمر أنَّ الاستشراق المعاصر، أو ما يمكن تسميته الاستشراق الجديد سار على الدرب ذاته في الغالب؛ إذ كان همُّه الأوَّل الانتقاص من القرآن؛ بما يتضمَّنه من قضايا وموضوعات؛ أهمّها: القصص القرآنيّ، مقتفيًا في ذلك أثر الاستشراق القديم الذي تملَّكته روح متعصِّبة إلى أبعد حدّ، كانت البذرة الأولى لما يُطلق عليه الآن في الغرب بـ «الإسلاموفوبيا».

إنَّ تشويه المصادر الأساس للإسلام والتشكيك فيها كان هدفًا رئيسًا من أهداف الاستشراق الكلاسيكيّ والمعاصر، وخاصَّةً الاستشراق المعاصر في ثوبه الإسرائيليّ؛ حيث يعدُّ هذا الهدف من الأهداف التي يشترك فيها الاستشراق اليهوديّ والصهيونيّ والإسرائيليّ والغربيّ، فهذه المدارس المتعدِّدة كلّها أو المراحل الاستشراقيَّة المتتالية حاولت قدر إمكانها تشويه المصادر الأساس للإسلام (القرآن الكريم، والحديث الشريف)؛ وذلك للتشكيك في مدى مصداقيَّتها وصحّتها؛ لأنَّ الوصول إلى هذا الهدف معناه في النهاية النجاح في القضاء على الدين الإسلاميّ. أمَّا الاستشراق الإسرائيليّ فقد لجأ إلى محاولة تشويه القرآن الكريم والتشكيك في مصادره، وكانت أبرز أدواته في ذلك إعداد ترجمات عبريَّة غير أمينة مشوِّهة لمعاني القرآن الكريم، مع تزويدها بحواشي وهوامش تردّ المادَّة القرآنيَّة إلى مصادر يهوديَّة، مسيحيَّة، ووثنيَّة[1].

(101)

وإذا كانت القراءات الاستشراقيَّة -في الغالب- قراءات عقديَّة؛ بمعنى أنَّها تقرأ الإسلام عامَّة والقصص القرآنيّ خاصَّة؛ وهي محمَّلة بنظرتها العقديَّة والدينيَّة إليه، وهي -في الغالب- نظرة تعصُّبيَّة لا تعطي الإسلام قيمته الحقيقيَّة دينًا؛ وإنَّما تعمل على تقويضه وتهميشه ومحاولة النيل المستمرّ منه، فإلى جانب هذه القراءات العقديَّة هناك قراءات أخرى؛ كالقراءة السياسيَّة التي تعمل على محاولة تفسير القصص القرآنيّ تفسيرًا تحاول من خلاله كسب شرعيَّة سياسيَّة، مضافًا إلى القراءة الثقافيَّة التي تحاول الانطلاق من التشابه بين بعض القصص، أو تفاصيل القصص هنا وهناك؛ لإقامة أطر ثقافيَّة.

القراءة العقديَّة:

يمكن القول إنَّ القراءة الدينيَّة العقديَّة هي من أشدّ القراءات التي ينطلق منها الاستشراق القديم والمعاصر في الغالب؛ لأنَّ النظرة إلى الإسلام على أنَّه دينٌ من صنع محمَّد لا تزال تستحوذ على العقليَّة الاستشراقيَّة، نتيجة الهدف الدينيّ الذي تسعى إليه، وهو الإعلاء من اليهوديَّة أو المسيحيَّة؛ بحسب العقيدة التي ينتمي إليها كلُّ مستشرق.

وهذا ما يبدو واضحًا في الاستشراق اليهوديّ، ومن بعده الاستشراق الإسرائيليّ المعاصر؛ ففي مراجعة لكلمات مستشرقيهم في المصادر العبريَّة، يظهر أنَّ «الهدف الأوَّل من وراء الاستشراق اليهوديّ هو هدف دينيّ بحت، لا ريب فيه على الإطلاق، ويتمثَّل في محاولة إضعاف الإسلام وتشويهه والتشكيك في قيمه عن طريق إثبات فضل اليهوديَّة عليه، والزعم بأنَّ اليهوديَّة هي مصدر الإسلام الأوَّل»[1].

ويمكن القول: إنَّ الآراء اليهوديَّة المنبثقة من القراءة العقديَّة كان لها نفوذها في الحركة الاستشراقيَّة قاطبة، بل قد تحكَّمت في الذهنيَّة الاستشراقيَّة إلى وقتنا الحاضر؛ فالفكرة المسيطرة على الذهنيَّة الاستشراقيَّة في ما يتعلَّق بالقرآن وشخصيَّة النبيّ محمَّد صنعتها أقلام الاستشراق اليهوديّ، وشاركت في ذيوعها ونشرها، إلى

(102)

أن وصلت إلى الاستشراق المعاصر، وهي الفكرة التي تقوم على تأثُّر النبيّ محمَّد باليهود في عصره واقتباس القرآن والقصص القرآنيّ خاصَّة من التوراة. والغريب في الأمر أنَّ تلك المزاعم بدأت تتردَّد منذ بداية البعثة المحمَّديَّة، وردَّ عليها القرآن منذ أكثر من ألفٍ وأربعمئة عام.

وقد ذهب بعض الباحثين إلى أنَّ «روبين» كشف في ترجمته لمعاني القرآن الكريم عن دوافع جدليَّة ودينيَّة، مضافًا إلى دوافع أخرى حرَّكته نحو ترجمته؛ بدليل أنَّها تقوم على محاولة الطعن في القرآن ذاته، والادِّعاء بأنَّه ليس مصدرًا إلهيًّا، وأنَّه صناعة بشريَّة؛ إذ عمد في مقدِّمته إلى استخدام الفعل العبريّ יצר (يتسار) بمعنى أنتج الشيء أو صنعه بيديه ونسبه إلى النبيّ محمَّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ للإيماء بأنَّ القرآن الكريم من صنع يديه، وفعل ذلك رغم وجود كلمة השראה التى تعني (الوحي). واستند «روبين» في زعمه هذا على ما يدَّعيه بعض الباحثين اليهود من أنَّ القرآن الكريم ليس مُنَزلًا من الله إلى رسوله الكريم، بل إنَّه كُتب أو أُلِّف -وقد استخدم المترجم بالتحديد الفعل العبريّ المشتق من مادَّة כתב كتب- خارج الجزيرة العربيَّة، وبعد وفاة محمَّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بسنواتٍ طويلة[1].

هذا فضلًا عن أنَّه قد مهَّد لادِّعائه هذا في كتابٍ له صدر قبل سنوات عدَّة، بعنوان: «התנ"ך והקוראן» (التناخ (العهد القديم) والقرآن)، حين ذهب إلى أنَّ القرآن ركَّز على قضيَّة اختيار الله لبني إسرائيل؛ حتى يؤكِّد على أنَّ هؤلاء أخلُّوا بالتزاماتهم تجاه الله، وبسبب ذلك حكم عليهم بالتشتُّت، وأنَّ القرآن يحاول إثبات ذلك بالإكثار من الإشارة إلى القصص الواردة في العهد القديم، ويتحدَّث عن الآثام التي ارتكبها بنو إسرائيل؛ وهم في طريق خروجهم من مصر إلى الأرض الموعودة[2].

ويمكن أن يُضمّ إلى هذه القراءة الدينيَّة الاستنتاج الذي انتهى إليه «وليام فيدرر» في كتابه؛ حيث انتهج نهج تشويه القصص القرآنيّ؛ بهدف الانتصار للعقيدة

(103)

المسيحيَّة، وما قامت عليه من قضايا، ولا سيَّما ما يتعلَّق بولادة المسيح وقضيَّة الصلب، وغيرهما من القضايا التي يعمد إلى قراءتها قراءة دينيَّة تعصُّبيَّة واضحة، خاصَّةً في محاولة الاستدلال على قضيَّته بحشد مجموعة من الأدلَّة الواهية التي لا تصمد أمام المنهج العلميّ والتاريخيّ السديد.

إنَّ قراءة «وليام فيدرر» العقديَّة لا تختلف كثيرًا عن تلك القراءة العقديَّة التي قام بها «أوري روبين»، أو «شالوم زاوي»، أو غيرهما. الاختلاف الوحيد يكمن في أنَّ قراءة الأوَّل تنطلق من الانتصار للعقيدة المسيحيَّة، وقراءة الثاني تنطلق من الانتصار للعقيدة اليهوديَّة، لكنَّ «فيدرر» كان أكثر صراحة في الكشف عن قراءته عندما استند إلى قضايا خلافيَّة محوريَّة بين الإسلام والمسيحيَّة، فانطلق إلى تأكيد رأي عقيدته من خلال النفاذ إلى القصص القرآنيّ، ومحاولة مقارنته ببعض القصص الوارد في الإنجيل أو في مصادر أخرى غير إنجيليَّة، كالذي انتهى إليه في مقاربته لقصَّة الإسراء والمعارج.

ولا مانع من أن يُدافع «وليام فيدرر» عن عقيدته، أو أن يتحصَّن بها، لكنَّ الدفاع عنها والتحصُّن بها شيء، والتعصٌّب لها لدرجة مخالفة العلم والمنهج والضمير شيءٌ آخر، والحال أنَّ الذي أوحى به فيدرر أنَّه يتعصَّب تعصُّبًا مقيتًا، لا مجرَّد دفاع أو تحصُّن لعقيدته، ومن ثَمَّ كانت قراءته للقصص القرآنيّ قراءة عقديَّة لا تستند على منهجٍ، ولا علمٍ، ولا حقائق تاريخيَّة، ولكن كلّ ما كانت تستند إليه ليس شيئًا أكثر من التعصُّب للعقيدة المسيحيَّة. لقد درس «وليام فيدرر» القصص القرآنيّ من منطلق أنَّ القرآن كتاب معادٍ للمسيحيَّة، وهي نظرة مستلَّة من نظرته إلى الإسلام عامَّة على أنَّه دين معادٍ للمسيحيَّة، وربَّما اليهوديَّة أيضًا، وتلك النظرة هي التي تُلقي بظلالٍ كثيفة على قراءتهم العقديَّة للقصص القرآنيّ خاصَّة، والإسلام عامَّة.

إنَّ الدور الدينيّ الذي ينطلق منه «فيدرر» -هنا- باعتباره أحد ممثِّلي الاستشراق المعاصر هو ذلك الدور الذي انطلق منه الاستشراق القديم، بل يمكن النظر إلى دوره على أنَّه دور مكمِّل له؛ ففي الاستشراق القديم كان السبب الدينيّ هو السبب الرئيس

(104)

الذي توارت خلفه الأسباب الأخرى، وهذا ما اعترف به المستشرق المعاصر «رودي بارت» عندما ذهب إلى أنَّ العلماء ورجال اللاهوت في العصر الوسيط كانوا على اتِّصال بالمصادر الأولى في تعرُّفهم على الإسلام، وكان الاتِّصال بها على نطاق واسع، ولكنَّه يعترف -أيضًا- بأنَّ كلَّ محاولة لتقييم هذه المصادر على نحو موضوعيّ نوعًا ما كانت تصطدم بحكمٍ سابق، يتمثَّل في أنَّ هذا الدين المعادي للنصرانيَّة لا يمكن أن يكون فيه خير، وهكذا كان الناس لا يولون تصديقهم إلا لتلك المعلومات التي تتَّفق مع هذا الرأي المتَّخذ من قبل، وكانوا يتلقّون منهم كلّ الأخبار التي تلوح لهم مسيئة إلى النبيّ العربيّ وإلى الدين الإسلاميّ[1].

لكن إذا كان للاستشراق القديم دوافعه، من نحو: سرعة انتشار الإسلام، وانتصار المسلمين في الحروب الصليبيَّة، ورفض الإسلام لعقائد التثليث، وبنوَّة المسيح، والصلب والفداء، والنظرة إلى الإسلام على أنَّه يمثِّل عقبة أمام الديانة الكنسيَّة، وغيرها من الأسباب العقديَّة، فما الدوافع التي أملت على «وليام فيدرر» -بوصفه واحدًا من ممثِّلي الاستشراق المعاصر- هذه القراءة العقديَّة المتعصِّبة؟!

إنَّ القراءة العقديَّة للقصص القرآنيّ لم تقف عند كلٍّ من «روبين» و«فيدرر»، فلم يكونا غير مجرَّد مثالين من قائمة طويلة وضاربة في عمق الاستشراق وإلى الآن، يُذكر منها أيضًا -على سبيل المثال لا الحصر- «إبراهام جايجر» و«جاك بيرك»؛ فالمتأمِّل في كلمات المستشرق «إبراهام جايجر» يجد كلَّ آرائه في القصص القرآنيّ تنطلق من قراءة عقديَّة لا قراءة علميَّة منهجيَّة، وقد زعم وفق هذه القراءة اقتباس القرآن قصصه من التوراة، حتى أنَّه صوَّر الأمر وكأنَّ القرآن نهل قصصه كلّها من التوراة، وهذا غير حقيقيّ. كما أنَّ المتأمِّل في آراء «جاك بيرك» حول القصص القرآنيّ يجد أنَّها تستند إلى هذه القراءة أيضًا، وهي تنتهي إلى ما انتهى إليه جايجر من آراء ملفَّقة وغير أمينة تجاه القصص القرآنيّ.

(105)

يضاف إلى «جايجر» و«بيرك» في هذه القراءة «جيمس وايت»[1] الذي كتب كتابًا بعنوان: «ماذا يحتاج كلّ مسيحيّ أن يعرف عن الإسلام؟»، ينطلق فيه من منطلقٍ لاهوتيّ محض؛ ما يعني أنَّ القراءة هنا قراءة عقديَّة من الدرجة الأولى؛ إذ يعرض في هذا الكتاب بعض القضايا العقديَّة المرتبطة ببعض القصص القرآنيّ المتعلِّق بالسيِّد المسيح عليه‌السلام ، فهو يتناول قضايا من نحو: المسيح في القرآن، القرآن وقصَّة الصلب، القرآن وقضايا الميزان والخلاص، ونبوءات محمَّد في الإنجيل، وهو وإنْ وقف عند حدود القضايا المتعلِّقة بالسيِّد المسيح في القرآن دون غيرها، فإنَّ قراءته لها جاءت قراءة عقديَّة، ويظهر ذلك جليًّا من خلال ما ذكره المؤلِّف في بداية كتابه من أنَّه يهدف من هذا الكتاب إلى تشريف المسيح الإله كما يقول، ومباركة شعب الله (يقصد المسيحيِّين)، وتزويدهم بالردود ضدَّ ما أطلق عليه «المزاعم الإسلاميَّة عامَّة والقرآنيَّة خاصَّة»[2]. وعليه، فهي قراءة تقوم في الأساس على نزعة عقديَّة.

بل يمكن القول: إنَّ مَن زعم اقتباس القصص القرآنيّ من الكتب السابقة عليه، أو تشابهه الكلّيّ معها، أو تحريفه لها إنَّما يسير وفق هذه القراءة العقديَّة، ليس لمجرَّد أنَّه قال بذلك، بل لأنَّه يبني رأيه على محاولة عدم إنصاف الإسلام؛ تحقيقًا لهدفه العقديّ. ولو أنَّ هذه القراءة -حقًّا- غير عقديَّة لأثبت هؤلاء المستشرقون خلاف ذلك؛ حيث ارتكزوا على بعض القصص، أو بعض تفاصيله الموجود في القرآن والكتب السابقة عليه من دون أن يفصحوا عن الكمّ الهائل من الاختلافات التي تزيد على التشابهات بمراحل، ولو فعلوا ذلك لوجدوا الحقيقة ماثلة أمامهم، ولأنصفوا العلم والمنهج العلميّ، لكنَّهم لم يفعلوا، لا لشيء، إلَّا لتحقيق أهداف قراءتهم العقديَّة هذه. وهذا ما صرَّح به بعضهم عندما أكَّد على أنَّ المستشرق لا

(106)

يؤلِّف من كتبه إلَّا ما يكون مفيدًا للمبشِّرين في عملهم؛ كي يكون عونًا للحلقات الدراسيَّة في الكنيسة في دراسة مسائل الإسلام[1].

ونحن نعتقد أنَّ تلك القراءة ذات النزعة العقديَّة تنطلق أوَّلًا لإثبات مجموعة من المعلومات السابقة التي يحاول فيها الباحث تأكيدها بشتَّى السبل، من دون مراعاة أدبيَّات المناهج العلميَّة ومنطلقاتها وأسسها؛ وذلك تمريرًا لقراءته الدينيَّة، ومحاولةً لإجبار الآخر على الانصياع لها، ولكسب تعاطف أتباع تلك العقيدة التي ينتسب إليها وتأييدهم.

إنَّ فئة المستشرقين يندرج تحت لوائها بعض ممَّن مارسوا العبث بعلوم الدين الذين لا يؤمنون بالدين الذي أخضعوه لدراستهم[2]. وقد تناول «فاخ» هذه القضيَّة عندما أكَّد على أنَّ الانتماء والالتزام بالدين للباحث في الأديان لا شكَّ يؤثِّر على فهمه لها ويحدِّده، ولكنَّه في الوقت نفسه يمكِّنه من أنْ يكون حسَّاسًا تجاه البعد الروحيّ للأديان، دينه ودين الآخرين على السواء[3].

 وتمثِّل هذه القراءة العقديَّة للاستشراق قراءةً عبثيَّة، وتعدُّ نتيجةً منطقيَّةً لتلك القراءات المتحيِّزة ضدّ الإسلام، والتي بنى عليها الاستشراق القديم أركانه؛ لأسبابٍ تتعلَّق به وحده. وهذا هو السبب الجوهريّ في كونه لم يصِل في الماضي إلى فهمٍ جيِّد للإسلام دينًا وحضارةً، كما أنَّه لن يتمكَّن من الوصول إلى هذا الفهم في الحاضر والمستقبل، ما دامت تسيطر على عقل المستشرق ووجدانه عوامل التحيُّز المختلفة، ومن ثَمَّ فلا أملَ في إصلاح الحال ما دام الاستشراق يستمرُّ على حاله، وتتحكَّم به دوافعه وأهدافه غير العلميَّة[4].

(107)

القراءة السياسيَّة:

تعدُّ القراءة السياسيَّة واحدة من القراءات التي يعمل عليها الاستشراق المعاصر في بعض جوانبه، وليس كلّ جوانبه. ويبقى الهدف السياسيّ هدفًا من ضمن أهداف الاستشراق المعاصر، ولكنَّه مختلف في ذلك عن مثيله في الاستشراق القديم؛ فالاستشراق القديم كان يمهِّد للاحتلال أو لشرعنة وجوده في الأراضي العربيَّة والإسلاميَّة، أمَّا الاسستشراق المعاصر فينحصر هدفه السياسيّ -من خلال تناوله للقصص القرآنيّ موضوع هذه الدراسة- في شرعنة وجود الكيان الصهيونيّ، أو كسب التأييد له، أو محاولة تصوير الوضع على أنَّه تبادل ثقافيّ وغيره.

وتظهر هذه القراءة أوَّل ما تظهر في الدراسات الاستشراقيَّة الإسرائيليَّة المعاصرة؛ إذ من المعروف سلفًا أنَّ هناك عداءً تاريخيًّا بين اليهود والمسلمين، بلغ ذروته في عصرنا الحاليّ؛ نتيجة الممارسات التي يمارسها الكيان الصهيونيّ المحتلّ؛ فهذا الكيان يحاول بشتَّى الطرق أن يُشرْعِنَ وجوده بشتَّى الطرق والوسائل غير المشروعة دينًا وعرفًا وقانونًا، ومن ثمَّ يسير الاستشراق الإسرائيليّ المعاصر على النهج ذاته، محاولًا كسب شرعيَّة زائفة لوجوده على الأرض. 

وبالنسبة إلى القصص القرآنيّ، فإنَّ الكتابات الاستشراقيَّة الإسرائيليَّة المعاصرة[1]، أو حتَّى القديمة منها، لا تتناول القصص القرآنيّ إلَّا في ثوب القصص التوراتيّ، أي إنَّها لا تعترف له بشيءٍ من الذاتيَّة أو الخصوصيَّة. وهنا يشير أحد الباحثين إلى أنَّه ليس «في الكتابات الاستشراقيَّة الإسرائيليَّة ما يقول صراحة بخصوصيَّة القصص القرآنيّ وتناوله عن قصص الكتاب المقدَّس، لكن وردت بعض الكتابات الاستشراقيَّة الإسرائيليَّة التي تقول بوجود بعض الاختلافات، أو أنَّ هناك قصصًا وردت في القرآن تعود لشخصيَّات دينيَّة لم ترد في العهد القديم، أو أنَّ هناك بعض اختلافات في بعض أسماء الشخصيَّات الواردة بقصص القرآن الكريم عن تلك الواردة في العهد القديم»[2].

(108)

وهذا يعني أنَّ القصص القرآنيّ يُمثِّل بالنسبة إليهم محورًا من المحاور التي يحاولون من خلالها ادِّعاء وجود وشائج وطيدة بين المسلمين واليهود؛ كي ينطلقوا بعدها إلى إقرار الأصل الساميّ أصلًا جامعًا بين الاثنين، ما يُسهِّل عليهم حينها القول بشرعيَّة الوجود على الأرض المغتصبة، باعتبار أنَّ القصص القرآنيّ تأثَّر بالقصص التوراتيّ، وهذا يمثِّل -حسب زعمهم- دليلًا على قوَّة الوشائج بين الديانتين، التي يمكن أن يؤسَّس عليها تبادل ثقافيّ واجتماعيّ يمكِّن من التعايش السلميّ بينهم على الأرض.

ويظهر هذا الأمر واضحًا عند «أوري روبين» في ترجمته لمعاني القرآن الكريم إلى العبريَّة، وكأنَّ الرجل جعل هدفه الرئيس من هذه الترجمة تشويه الإسلام؛ لأغراض سياسيَّة تخدم صورة دولته المحتلَّة، أكثر من كونها أغراضًا علميَّة. وهذا الأمر لا يظهر في ترجمته لمعاني القرآن في جانب القصص القرآنيّ فقط، بل تعدَّى ذلك إلى كلِّ ما يتعلَّق بالآيات القرآنيَّة من موضوعات، عنوانها الرئيس خدمة السياسة الإسرائيليَّة، وتلميع صورة الكيان المحتلّ أمام العالم، وإظهار الإسلام في صورة الدين المعتدي الذي جاء لهلاك العالم بمفاهيم الجهاد والقتال التي يحتويها.

فإنَّ «الاستشراق الإسرائيليّ تميَّز بغلبة الطابع السياسيّ عليه؛ حيث إنَّ معظم اهتماماته وموضوعاته التي تناولها بالدراسة كانت سياسيَّة، وحتَّى الدينيَّة منها، أو اللغويَّة، أو الأدبيَّة، أو التاريخيَّة تمَّ استخدامها وتطويعها لخدمة أغراض سياسيَّة، ولعلَّ من أبرز الأمثلة على ذلك ما أورده البروفيسور «أوري روبين»، صاحب أحدث ترجمة عبريَّة لمعاني القرآن الكريم صدرت في إسرائيل عام 2005م، في تعليقات ترجمته وهوامشها، من بعض الإسقاطات السياسيَّة على آيات القرآن الكريم، ولا سيَّما المتعلِّقة منها بالقتال والجهاد وعلاقة المسلمين بأهل الكتاب»[1].

وقد يدلّ على هذه القراءة السياسيَّة زعمهم أنَّ القرآن سرق قصصه من الديانة اليهوديَّة، واتِّخاذهم ذلك مطيَّة للقول بأنَّ المسلمين سارقون؛ وصولًا إلى النتيجة

(109)

التي يريدونها، وهي أنَّه بما أنَّ القرآن سرق القصص، وأنَّ المسلمين سارقون، فإنَّهم سارقو الأرض التي يعيشون عليها، وهي أرض اليهود التي اغتصبوها منذ قرون؛ ما يعني أنَّ محاولاتهم الفاشلة في ادِّعاء سرقة القصص القرآنيّ للقصص التوراتيّ ليست هدفًا في ذاتها، وإنَّما مطيَّة لأهدافٍ سياسيَّة يحاولون بها تأكيد قضيَّة الوجود المزعوم.

ويمكن القول: إنَّ موقف الاستشراق الإسرائيليّ المعاصر يعدُّ امتدادًا للموقف اليهوديّ الذي اتَّخذه المستشرقون اليهود الذين لم تمنع جنسيّاتهم الأوروبيَّة من كشف الأهداف اليهوديَّة التي ينطلقون منها. وإذا كانت هناك عوامل ثلاثة رئيسة سيطرت على اتِّجاهات الحركة الاستشراقيَّة منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وهي تحديدًا: التنصير، والاستعمار، والصهيونيَّة، فإنَّ الأخيرة استطاعت أن تُكيِّف الأوَّل والثاني لتحقيق أغراضها؛ إذ لا يؤثِّر على الصهيونيَّة أن يتنصَّر العالم الإسلاميّ كلّه، كما لا يؤثِّر عليها أن تحتلَّ القوى الاستعماريَّة الشرق كلّه؛ ما دام الاتِّفاق بين هذا الثالوث على تحقيق الاستعمار اليهوديّ لفلسطين قائمًا[1].

كلّ تلك القراءات وغيرها تقوم على قراءة متعصِّبة للمصادر الإسلاميَّة؛ بقصد التوهين من قيمة ما تقدِّمه في تغيير مسار التاريخ الإنسانيّ. ويمكن فهم هذه القراءة وفق تقسيم الغرب للشعوب الغربيَّة على أنَّها جنس آريّ، ووفق التقسيم اليهوديّ للشعوب؛ إذ زعموا أنَّهم شعب الله المختار، وهذا ما جعل الغرب يتبنَّى تفسير العالم -تاريخه ومعتقداته- وفق نظرة الأفضليَّة التي يغذِّيها هذا التقسيم، باعتبار أنَّهم أفضل الشعوب قاطبة، وأنَّ غيرهم في أدنى الأجناس والأمم، وهذه النظر الفوقيَّة هي التي أتت بالاحتلال والوصايا على الدول؛ لأنَّها وفق هذه النظرة مجبولة على العوار والنقص[2]. والهدف من ذلك «إضعاف مُثُل الإسلام وقيمه العليا من جانب، وإثبات تفوُّق المُثُل الغربيَّة وعظمتها من جانب آخر، وإظهار أيَّة دعوة تدعو للتمسّك بالإسلام بمظهر الرجعيَّة والتخلُّف»[3].

(110)

وقد ألقت تلك النظرة بظلالها على قراءة المستشرقين للقصص القرآنيّ، فجعلته إمَّا سائرًا في محاكاة العهد الجديد وفق النظرة الغربيَّة الاستعلائيَّة، أو مقتفيًا أثر العهد القديم وفق النظرة اليهوديَّة الفوقيَّة الانتقائيَّة. وهذا ما جعل التعصُّب ظاهرًا بصورة لا يمكن نكرانها في دراساتهم حول هذا القصص، من دون أن يكلِّفوا أنفسهم مؤونة البحث عن الخصائص التي يتميَّز بها في القرآن، ليحكموا بأهمِّيَّته وأثره، أو عن وحدويَّة المصدر الذي جاء منها هذا القصص عامَّة.

هذه القراءة السياسيَّة قائمة منذ نشأة الدراسات الاستشراقيَّة ذاتها؛ فقد كان للاستشراق منذ بداياته الأولى قراءات سياسيَّة انبنت على غاية سياسيَّة، قوامها الاستيلاء على الشرق فكريًّا وعقليًّا جنبًا إلى جنب الحركات الاحتلاليَّة، ثمّ استمرَّت هذه القراءة في أداء دورها إلى الآن، وبعد انتهاء مرحلة الاحتلال العسكريّ التي بدأت أولى خطواتها مع الحروب الصليبيَّة.

وعليه، يمكن القول: إنَّ كلَّ ما يتعلَّق بنقد القصص القرآنيّ في الاستشراق المعاصر، ومن قبله الاستشراق القديم هو في التحليل الأخير يصبّ في بعض جوانبه في القراءة السياسيَّة؛ فمن المعروف أنَّه من أهمّ أهداف الدراسات الاستشراقيَّة التي تشوِّه الإسلام -مضافًا إلى أهدافٍ أخرى- هو إضعاف الجانب الروحيّ والمعنوي في نفوس المسلمين؛ كي تقلّ مقاومة هذين الجانبين. وهذا ما يؤكِّد أنَّ نقد المستشرقين للقصص القرآنيّ كان موضوعًا من موضوعات إضعاف المقاومة الروحيَّة عند المسلمين، وهذه واحدة من وسائل السيطرة السياسيَّة؛ ما يعني أنَّ القراءة السياسيَّة للقصص القرآنيّ كان من ضمن أهدافها تشويه الحقائق عند المسلمين؛ بما يقلِّل من الحماسة الدينيَّة لديهم، وصولًا إلى فقدانهم ثقتهم بدينهم، وارتمائهم تلقائيَّا في أحضان الغرب؛ ما يسهِّل السيطرة السياسيَّة عليهم. وهذا لا يعني أنَّ نقدهم القصص القرآنيّ هو الأسلوب الوحيد الذي يحاولون به تحقيق سيطرة الغرب السياسيَّة، ولكنَّه إحدى الوسائل ذات الأهداف البعيدة التي يحلمون أن تقود إلى هذا.

(111)

ولعلَّ المتأمِّل في كتاب «ديفيد باورز» المعنون بـ: «ما كان محمَّد أبا أحد من رجالكم»، لا يستطيع أن يستشفّ غير هذا، فهذا المستشرق إنَّما يقوم بتسييس قصَّة زيد في القرآن، منتقلًا من مجرَّد الحديث عن القصَّة في القرآن إلى نقدها؛ بناءً على قراءةٍ سياسيَّةٍ لا وجود لها إلَّا في خياله؛ إذ تقوم قراءته السياسيَّة هذه على أنَّه يجب ألَّا يكون للنبيّ ولد، وإذا ولد له ولد فلا بدَّ من أن يموت صغيرًا، فهو يعتقد أنْ ليس لمحمَّدٍ أولاد ذكور، بل ماتوا جميعًا صغارًا، ولم يصلوا إلى مرحلة الشباب أو الرجولة، وأنَّه تبنّى زيدًا وكان محبوبًا لرسول الله، وسمّي زيد بن محمَّد، ثمّ ينطلق «ديفيد باورز» إلى ما هو أبعد من ذلك، بحيث يكشف عن حقيقة قراءته السياسيّة هذه، فيذهب إلى أنَّه لو كان لمحمَّد ابنًا لما كان النبيّ الخاتم، كما أنَّه لو كان النبيّ الخاتم لما اتَّخذ ولدًا، مدَّعيًا أنَّه لكي يضمن مكانه؛ بوصفه نبيًّا خاتمًا، قام بالتخلُّص من زيد، عن طريق إرساله إلى معركة مؤتة[1].

 وهذه قراءة سياسيَّة من الدرجة الأولى تستند إلى شيءٍ غير واقعيّ، وهو أنَّ النبوَّة وراثة، أوجبت على محمَّدٍ أن يتخلَّص من زيد؛ حفاظًا وضمانةً لصفة النبيّ الخاتم. وهذه القراءة تفترض أنَّ النبوَّة منصبٌ سياسيٌّ، وأنَّه من لوازم هذا المنصب السياسيّ أن يتوارثه الأبناء؛ كما كان يحدث قديمًا، فالربط بين النبوَّة والملك واضح بشدَّة في قراءة هذا المستشرق. وهذا أوَّل ملمح من ملامح القراءة السياسيَّة للقصص القرآنيّ عند «ديفيد باورز»، والملمح الثاني يظهر في زعمه بأنَّ النبيّ انتقم من زيدٍ بإرساله إلى الغزوة ليموت، ومن ثمَّ -بناءً على هذا الزعم- لا يرثه، ويبقى بذلك النبيّ الخاتم على هذا الزعم غير الواقعيّ والمجافي تمامًا للحقيقة، والملمح الثالث أنَّ هذا الفهم يقوم على تقسيم ميراث الأنبياء إلى قسمين: قسم نسل إسحاق، وقسم نسل إسماعيل، وللأوَّل -على هذا الزعم- كلّ حقوق الولاء والاعتراف بالنبوَّة، في حين ينظرون للثاني على أنَّه محض افتراء؛ استكمالًا لفرية السيادة العالميَّة وشعب الله المختار، وهنا يكمن السبب السياسيّ في رفضهم لنبوَّة محمَّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتشويههم لها.

(112)

لكنَّ هذه القراءة تسير في إطار النظرة العامَّة التي تنظرها اليهوديَّة إلى الأنبياء عامَّة، فهي على الدوام تنظر إلى الأنبياء نظرة تشنيعٍ وتشويهٍ ونقص، وهذه النظرة تظهر بارزة في سفر صموئيل الثاني وقد أعرضنا عن إيرادها لقبحها...[1].

وهذه النظرة المنبثقة من العهد القديم ذاته هي التي اصطبغت بها نظرة اليهود تجاه الأنبياء، ومن ثمَّ فلا غرابة في أن ينظروا هذه النظرة إلى النبيّ الأكرم محمَّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ فهي نظرة ترى في النبوَّة ملكًا وجاهًا وسلطانًا، يفعل من خلالها الأنبياء ما يفعله الملوك. وتلك قراءة سلطويَّة تنزع نزوعًا سياسيًّا رذيلًا.

وهنا يطرأ سؤال ردًّا على تلك القراءة المزعومة التي يقول بها «ديفيد باورز»، وهو أنَّه لو كان للنبيّ محمَّدٍ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رغبة في الزواج من زينب بنت جحش قبل زواجها من زيد، فلماذا لم يصرِّح بذلك خاصَّة وهي ابنة عمِّه؟! لماذا يكتم ذلك إلى أن تزوَّجها زيد، ثمّ يدبّر له القتل كما يزعم «باورز»؟! فكيف يُعقل أنّ الرسول انتقم منه لهذا السبب؟! إذن، فهل هناك دليل على كلام «باورز» هذا، أو شواهد تاريخيَّة تؤيِّده؟! الإجابة هي بالنفي قطعًا؛ فقراءته -هنا- مجرَّد استنتاجات لا تستند إلَّا إلى هوى ورغبة في قراءة قصَّة زيد قراءة سياسيَّة، تنظر إلى النبيّ محمَّدٍ على أنَّه طالب جاهٍ وسلطانٍ سياسيٍّ وليس نبيًّا.

إنَّ هذه القراءة السياسيَّة التي قام بها «باورز» قراءةٌ مردودٌ عليها بالدليل؛ فلقد عرض زعماء قريش على النبيّ محمَّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الجاه والملك والسلطان في مقابل أن يتنازل عن النبوَّة والرسالة، ولكنَّه رفض، فلو كان طالب جاهٍ أو سلطانٍ سياسيٍّ لما رفض هذا العرض منهم. وهذا دليلٌ ناصعٌ على أنَّ النبوَّة ليست ملكًا، وأنَّ الرسالة الإلهيَّة لا تجتمع مع الشهوات السياسيَّة، وأنَّ محمَّدًا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نبيٌّ لا ملك، ورسولٌ لا طالب سلطان. 

وفي هذا السياق، فإنَّ الدراسات الاستشراقيَّة حول القرآن -عدا القليل منها- التي يقوم بها المستشرقون المعاصرون في الغرب يقيمونها على قراءتَيْن مزدوجتَيْن:

(113)

قراءة عقديَّة ، وقراءة سياسيَّة. وإنْ ظهرت القراءة العقديَّة للوهلة الأولى ولم تظهر القراءة السياسيَّة، فإنَّ الأخيرة حتمًا تظهر ولو من بين ثنايا السطور.

هذه الدراسات الاستشراقية تتَّخذ من نقد القرآن أو القصص القرآنيّ -سواء في كتابات خاصَّة، أو عن طريق دراسته ضمن موضوعات قرآنيَّة أو إسلامية أخرى- مطيَّة لتحقيق أهدافٍ عقديَّة سياسيَّة في آنٍ واحد. وهي -في رأينا- تتماشى مع التوجُّه العالميّ الذي ينظر إلى الإسلام نظرة ازدراء، ويعمل على إضعافه سياسيًّا، واستنزاف خيراته وثرواته، كما أنَّها تصبُّ في إطار الإسلاموفوبيا التي تمثِّل توجُّهًا سياسيًّا عالميًّا -أيضًا- تجاه الإسلام والمسلمين. وفي هذا السياق نفهم توجُّه برنارد لويس.

فـ«برنارد لويس» تناول بعض القضايا القرآنيَّة، ومن أهمِّها القصص القرآنيّ، لكنَّه لم يتناولها في كتابٍ خاصٍّ، وإنَّما جعلها متفرِّقة في عددٍ من كتبه، والمهمّ فيها هو موقفه من القصص القرآنيّ الذي زعم أنَّه مقتبس من العهد القديم[1]؛ حيث يرى أنَّ النبيَّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقع تحت تأثير اليهوديَّة والنصرانيَّة، وأنَّ الرواية القرآنيَّة تشي بأنَّه قد أخذ معلوماته ومعارفه حول هذا القصص من التجَّار الذين استقوا معلوماتهم بدورهم من المدراشيم والأبوكريفيا. فمع أخذ العلم بأنَّ «برنارد لويس» هذا هو مهندس خريطة تقسيم الشرق الأوسط لغاياتٍ سياسيَّة تصبّ في مصلحة اليهود والصهيونيَّة، يسهل حينها إدراك أنَّ نقده للقصص القرآنيّ، والادِّعاء باقتباسه من العهد القديم ما هو إلا حلقة من حلقات القراءة السياسيَّة التي تقدَّم التأكيد عليها.

القراءة الثقافيَّة:

ويقصد بالقراءة الثقافيَّة تلك القراءة التي تبحث عن قنوات اتِّصالٍ بين الإسلام والكتب السابقة من خلال القصص القرآنيّ، بيد أنَّه يمكن القول إنَّ هذه القراءة على نوعين: الأولى قراءة ثقافيَّة غير خالصة؛ كونها تختلط بأهدافٍ عقديَّة أو سياسيَّة من قبل المستشرق القائم على هذه القراءة، وهذه القراءة تتمثَّل في

(114)

جهود المستشرقين اليهود الإسرائيليّين بصورة بارزة، والثانية قراءة ثقافيَّة خالصة، وهي تلك القراءة التي لا تختلط بأيِّ أهدافٍ أيًّا كان نوعها؛ باستثناء الهدف الثقافيّ. وهذه القراءة بنوعيها تنظر إلى القصص القرآنيّ على أنَّه من مصدرٍ واحد، وتعمد إلى تثقيف القارئ أيًّا كانت جنسيَّته بأصل القصص القرآنيّ وأهدافه. ويعدّ المستشرق المعاصر «موريس بوكاي» زعيم هذه القراءة.

ولكن -قبل عرض قراءاتهم الثقافيَّة هذه- ينبغي التأكيد على أنَّه تبقى لكلّ قصص ملامحه المميِّزة له، التي تحكم بمصداقيَّته؛ كما في القرآن، أو عدم مصداقيَّته؛ كما ورد في رواية العهد القديم.

القراءة الثقافيَّة غير الخالصة:

درس بعض المستشرقين المعاصرين القصص القرآنيّ في سياق عمليَّة التبادل الثقافيّ والحضاريّ بين المسلمين واليهود في فترة العصور الوسطى، كما يظهر ذلك عند المستشرقة الإسرائيليَّة «حافا لازاروس يافا»[1] التي عمدت إلى إبراز تأثير تفسير بعض القصص القرآنيّ، أو تفسير أسماء بعض الشخصيَّات التي ورد ذكرها في القرآن -ومن أبرزها عزير- على الاتِّجاهات والمدارس اليهوديَّة في نقد العهد القديم في فترة العصر الوسيط، وما ينسحب على ذلك من وجود حالة تبادلٍ ثقافيٍّ وحضاريٍّ ودينيٍّ بين اليهود والمسلمين خلال هذه الحقبة التاريخيَّة[2]. وفي هذا السياق، حاولت أن تُبيِّن الاختلافات في قصَّة عزير بين القرآن من جانب والتوراة من جانبٍ آخر، وأثر القراءة العربيَّة في التبادل الثقافيّ، ولو كان ذلك من وجهة نظر المستشرقة -حسب فهمنا لقراءتها- في إطار الأعمال النقديَّة المتبادلة، خاصَّة بعد تدخُّل القراءات الإسلاميَّة للنصِّ القرآنيِّ، وتدخُّل أعلام اليهود في قراءة النصِّ التوراتيّ؛ ما ولَّد تبادلًا معرفيًّا من نوعٍ آخر حسب فهمها[3].

(115)

فكتاب «حافا لازاروس» يمثِّل عرضًا لتلك الجهود العلميَّة التي قام بها المسلمون في دراسة التوراة، ومن ثمّ فقد عمدت إلى الوقوف على آراء العلماء المسلمين في الكتاب المقدَّس، وبيان مناهجهم التي انتهجوها في دراسته، وكذلك مصادر المعرفة الإسلاميَّة به، وكيف تعاملوا مع هذه المصادر، مع التركيز على العطاء الإسلاميّ في هذا المجال، ومدى تأثيره في تطوُّر علم نقد الكتاب المقدَّس في الغرب في العصر الحديث[1]. ذلك كلّه كان في إطارٍ من البحث عن التبادل الثقافيّ بين الشعوب؛ إذ كانت تعتقد أنَّه يجب النظر إلى هذه الموضوعات بنظرة جديدة؛ فقد تكون العوالم مختلفة، لكنَّها يمكن أن تكون متداخلة ومتشابكة[2].

وفي السياق ذاته، تأتي كتابات المستشرق الإسرائيليّ «مائير بار آشير»[3] الذي عمد بدوره إلى إبراز تأثير قصص الأنبياء في العهد القديم والقرآن في التبادل الثقافيّ بين المسلمين واليهود في فترة العصر الوسيط أيضًا، فكتب دراسة بعنوان: «أسس التفاسير الإسماعيليَّة والفاطميَّة القديمة للقرآن»، وذلك ضمن أبحاثٍ تعنى بتفاسير القرآن والعهد القديم خلال العصر الوسيط، صدرت في كتاب في القدس عام 2007م[4].

لكنَّ لهذه الدراسات أهدافًا بعيدة، لا تقتصر على حجم التبادل الثقافيّ بين المسلمين واليهود، وإنَّما ترمي من طرف خفي إلى البحث عن سندٍ تاريخيٍّ للتطبيع مع الكيان الإسرائيليّ.

 وتبقى هذه القراءة الثقافيَّة في إطار القراءة الثقافيَّة غير الخالصة؛ كونها تنبني على بعد سياسيّ لا يمكن إنكاره؛ إذ ما زال الكيان الإسرائيليّ يحاول التطبيع مع الدول المحيطة التي تأبى ذلك، محاولًا الدخول من هذه الأبواب علَّها تحقِّق أهدافه البعيدة.

(116)

القراءة الثقافيَّة الخالصة:

يعدّ «موريس بوكاي» رائد القراءة الثقافيَّة الخالصة، والبعيدة تمام البعد عن أيِّ أهدافٍ غير علميَّة أو منهجيَّة، وهذا ما أثبته في مؤلَّفه القيِّم عن التوراة والإنجيل والقرآن والعلم الحديث، الذي عالج فيه من ضمن ما عالج بعض القصص القرآنيّ. وقد كان منهج «بوكاي» يعرف للعلم أمانته، ويحفظ للدين هيبته؛ ولذا فقد استند في قراءته إلى معطيات الأدلَّة العلميَّة، والمعارف التاريخيَّة التي كان لا يتخلَّى عنها وهو بصدد تشكيل رأيٍ أو تكوين فكرة.

وقراءة «بوكاي» قراءة ثقافيَّة خالصة كونها تقدِّم مادَّة معرفيَّة بعيدة عن معطياتٍ أيديولوجيَّة، أو مقدّمات يكتنفها التعصُّب للدين أو المذهب، فهي قراءة متحرِّرة من قيود المعارف السابقة، وضّح فيها الآراء، مبيِّنًا ما فيها من حقيقة أو زيف. وهذه القراءة هي التي قادته إلى إدراك اتِّساق القصص القرآنيّ مع العلم والحقائق التاريخيَّة، وعدم اتِّساق القصص التوراتيّ والإنجيليّ مع العلم والحقائق التاريخيَّة.

فهي قراءة تحمل مضمونًا ثقافيًّا تزامل العلم ولا تعاديه، تنطلق من الضمير وليست بعيدةً عنه، غايتها العلم والمعرفة، لا التشويه من أجل التشويه، أو إشاعة الأباطيل من أجل مكاسب سياسيَّة أو عقديَّة، كما كانت غيرها من القراءات.      

وهذه القراءة الثقافيَّة يمكن أن ينضوي تحت لوائها -أيضًا- الباحث «أ. هـ. جونز» في دراسته المعنونة بـ: «السرد والنصّ والتلميح في العرض القرآنيّ للنصوص»[1]؛ فهو يستند في دراسته على شخصيَّة النبيّ أيوب عليه‌السلام ومكانته بين الأنبياء، مبيِّنًا الآيات التي ورد ذِكْره فيها، ومعتبرًا أيّوب علامة على الصبر في الأدبيَّات الإسلاميَّة، على الرغم من كونه يشغل ذِكْره عدد آيات قليلة في القرآن، إذ يرى أنَّه على الرغم من تلك المساحة القليلة المخصَّصة له في القرآن التي قد يظنّ أنَّ مكانته أقلّ، فإنَّ

(117)

أهمِّيَّته في القرآن لا لبس فيها[1]. وقد حاول التحقُّق من ذلك الدور من خلال طرقٍ عدَّة:

ـ الطريق الأوَّل: النصّ المتداخل والمنقول من الصحابة والأتباع، وهو من مأثورات التفسيرات التي يسمِّيها «جونز» تقليديَّة.

ـ الطريق الثاني: إبراز دور النبيّ أيّوب عليه‌السلام ، وجاذبيّته وسط الأنبياء الذين يجري تقديمهم؛ بوصفهم شركاء، والتأكيد على التحوُّلات التي تظهر في كلِّ الآيات التي تذكره.

ـ الطريق الثالث: السياق الأوسع الذي أنشأته السور والآيات، حيث تقوم الكلمات والعبارات بعمل شبكة معقَّدة شديدة التأثير؛ بحيث تثير عمليَّات داخليَّة تشدّ الانتباه إليها من خلال وجهات نظر متعدِّدة.

وقد ربط دراسته هذه بالبحث اللغويّ، فَتَنَاوُلُه للقصص القرآنيّ هناك كان ينطلق فيه من أساسٍ لغويّ، ومن ثمَّ فهو يرى أنَّ فاعليَّة هذا العرض المقدَّم تعدّ مستمدَّة من العبقريَّة اللغويَّة للقرآن التي تؤدِّي بهذا إلى لقاءٍ حيويٍّ مع جوانب إيقاع الوحي، بحيث لا يقلّ مباشرة عن الأيقونة المرئيَّة في التقليد الغربيّ[2].

وبناءً عليه، فإنَّ القراءة الثقافيَّة الخالصة قراءة منزَّهة عن الغايات والمقاصد غير العلميَّة، يهدف أصحابها إلى نشر الفكرة المعرفيَّة للناس في صورتها العلميَّة والمنهجيَّة المجرَّدة من كلِّ غاية غير الغاية العلميَّة، ومن هنا تبدو كونها ثقافيَّة في أنَّها تقوم بتثقيف القارئ تجاه قضايا ثار حولها لغطٌ كبير من قبل المستشرقين.

(118)

 

 

 

 

 

 

2- المبحث الثاني

تعدُّد مناهج المستشرقين في القصص القرآنيّ

(119)
(120)

لا شكَّ في أنَّ المستشرقين اعتمدوا على مجموعة من المناهج التي تناولوا بها الدراسات والعلوم الإسلاميَّة عامَّة، والقصص القرآنيّ خاصَّة. وهذه المناهج متعدِّدة، ولا تقف عند منهجٍ واحدٍ بعينه، وهي تختلف باختلاف الأشخاص، بل باختلاف طبيعة القضيَّة ذاتها. ويجب الانتباه إلى أنَّه مع ضرورة التسليم بأهمِّيَّة اتِّباع منهجٍ ما في أيِّ دراسة من الدراسات، لكن من الخطورة بمكان أن نظنَّ بأنَّ منهجًا بعينه يصلح لدراسة الظواهر المختلفة، إنَّ هذا المنهج قد يفيدنا فقط في دراسة ظاهرة محدَّدة أو موضوع بعينه في بيئة معيَّنة، بينما يأتي بنتائج خاطئة إذا ما جرى تطبيقه على موضوعٍ آخر مشابه في بيئة أخرى[1]. كما يجب الانتباه إلى أنَّ الدوافع المسبقة القائمة على التعصُّب، أو محاولة الانتصار لكلِّ ما هو غربيّ لن تجدي معها هذه المناهج نفعًا؛ إذ إنَّ التعصُّب، أو الاعتماد على الأهواء يقضي على الناحية العلميَّة لأيِّ دراسة كانت، وهذا ما يعاني منه الاستشراق المعاصر ومن قبله الاستشراق القديم سواء بسواء.

وهذا ما يفسِّر الكثير من القضايا اللا علميَّة في كتابات المستشرقين؛ إذ نجد غالبيَّة المستشرقين يأتون بكلامٍ غريبٍ لا يمتّ إلى العلميَّة بصلة، لا يبدو أنَّ هناك دافعًا وراءه إلَّا التعصُّب، وهذا ما نجده بوضوحٍ في مجال القصص القرآنيّ.

وفي ما يأتي عرض لمناهج المستشرقين في دراسة القصص القرآنيّ:

المنهج التأريخيّ:

 يعدُّ المنهج التأريخيّ من المناهج الأكثر شيوعًا في دراسة القصص القرآنيّ، وهو يقوم على جمع الحوادث التاريخيَّة التي يُظنُّ أنَّ لها علاقة بالقصص القرآنيّ، فيعمد إلى تبويبها وترتيبها، ثمَّ إصدار حكمه عليها، ظنًّا أنَّه الحكم

(121)

الصواب في هذه القضيَّة. والغريب في الأمر أنَّ المستشرقين تعاملوا مع هذا الأمر على مقتضى ما يجب في دراسة المسيحيَّة في أوروبا، فالمسيحيَّة نشأت في بيئة دينيَّة مكتظَّة بالعوامل المؤثِّرة من الخارج -كالبابليَّة والآشوريَّة وغيرها- على النصِّ الدينيِّ المسيحيِّ ذاته، ومن ثمَّ كان من السهل على الباحث أن يردّ مكوّنات المسيحيَّة إلى عناصرها الأولى. ولكنَّ هذا المنهج لا يحقِّق الموضوعيَّة في دراسة الظواهر الفكريَّة الإسلاميَّة؛ لأنَّها موضوعات فكريَّة مستقلَّة، وليست مادِّيَّة تاريخيَّة، ومن ثمّ تكون النتائج المستخلصة من تطبيق هذا المنهج على الدراسات الإسلاميَّة خاطئة ومضلّلة[1].

فالمستشرقون في غالبيّتهم يرجعون القصص القرآنيّ -حسب منهجهم التاريخيّ- إلى القساوسة والرهبان الذين كانوا يجاورون الجزيرة العربيَّة في بلاد الشام أو يعيشون في جزءٍ من محيطها، أو إلى أصحاب الديانة اليهوديَّة الذين كانوا يسكنون المدينة المنوَّرة، وبعض المناطق المجاورة، فضلًا عن أنَّهم يقيمون منهجهم هذا على ما كان من الكعبة؛ بوصفها قبلة لذوي الديانات السماويَّة قبل الإسلام، حيث أتاها اليهوديّ والنصرانيّ والمشرك، وغيرهم، وكلٌّ كان يحمل معه إرثه الثقافيّ الذي نشأ عليه، ومن ذلك الإرث -بالطبع- أخبار الأمم السابقة وقصص السلف، وهذا في نظرهم ما جعل محمَّدًا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مُلِمًّا بأخبار الأمم السابقة.

لقد اتَّخذ المستشرقون من قصَّة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع «ورقة بن نوفل» ذريعة للقول بأنَّه أخذ عنه بعضًا ممَّا في الكتب السماويَّة من قصص، خاصَّة وأنَّ المجتمع المكِّيّ كان ملتقى لعددٍ من الديانات التي كان يزور أتباعها الكعبة، وليس هذا فحسب، بل لقد ذهب المستشرقون إلى أنَّ هذا القصص نتيجة الأسفار التجاريَّة التي كان يقوم بها النبيّ الأكرم محمَّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، سواء في فترة مصاحبته لعمِّه أبي طالب، أو في فترة العمل بتجارة السيِّدة خديجة عليها‌السلام .

(122)

مع أنَّ الثابت تاريخيًّا خلاف ما انتهى إليه المستشرقون هنا، فلم تذكر المصادر التاريخيَّة الموثوقة أنَّ الرسول الأكرم التقى بـ«ورقة بن نوفل» إلَّا مرَّة واحدة، وهي تلك التي كان فيها بصحبة السيِّدة خديجة بعد نزول الوحي، فهل كانت هذه المرّة كفيلةً بأن يأخذ عنه النبيّ القرآن بما يتضمّنه من قصص كما يزعمون؟! بالطبع لا؛ لأنَّ القرآن الكريم يحكي بعض الأحداث التي حدثت في حياة النبيّ الأكرم وبعد وفاة «ورقة بن نوفل» بسنين؛ كغزوة بدر، وغزوة حنين، وغيرها من الأحداث؛ وهي كثيرة، فهل كان ورقة بن نوفل يتنبَّأ بالغيب؟!

ثمَّ إنَّ الحديث الذي يتعلَّل به المستشرقون لإثبات علاقة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بورقة يثبت أنَّ اللقاء كان بعد نزول الوحي، ولم يكنْ قبله، وهذا ينسف شبهة المستشرقين من أساسها، خاصَّة إذا علمنا أنَّ «ورقة» لم يلبث أنْ مات بعد هذا اللقاء الوحيد، قبل أن يبلّغ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دعوته، لا سرًّا ولا جهرًا. ولقاء النبيّ محمَّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بورقة اقتصر على الاستفسار عمَّا رآه في الغار من حال جبرائيل عليه‌السلام ، ولم يرد في هذا اللقاء بحسب ما جاء في كتب الحديث والسيرة النبويَّة؛ ما يدلّ على أنَّ الرسول سأل عن قصص الأمم السابقة، فضلاً عن تشريعاتٍ، أو تعاليم، أو غيرها. فهل كان محمَّدٌ أحبَّ إلى ورقة من نفسه؟! بالطبع لا. إذن، فلو كان القرآن بما يشمله من قصص من لدن ورقة، فلماذا لم ينسبه ورقة لنفسه ويدَّعي لنفسه الرسالة؟! كلّ هذا يقود إلى أنَّ قضيّة اقتباس النبيّ من «ورقة» ما هي إلى فرية كبيرة من صنع المستشرقين، لكنَّها لا تثبت أمام النقد الموجَّه لها عقلًا ودينًا.

وهذا يقودنا في الوقت نفسه إلى شيءٍ من الأهمِّيَّة بمكان، وهو أنَّ المنهج التاريخيّ عند المستشرقين منهج منقوص؛ كونهم يعتمدون على بعض الروايات الثابتة تاريخيًّا، فيعمدون إلى تفسيرها وتحليلها حسب هواهم؛ لإثبات شيء هم يريدونه، أو يضخّمون الحدث، ثمّ يبنون عليه نتائج لا يتحمّلها، كما حدث في حادثة ورقة بن نوفل، أو حادثة بحيرا الراهب. والأغرب أنَّهم يتَّكئون على بعض الحوادث دون غيرها،

(123)

وبعض الروايات دون غيرها، فيكون المنهج التاريخيّ لديهم منهجًا مصابًا بالعوار؛ لأنَّه لم يشمل كلَّ الأحداث التاريخيَّة حول القضيَّة حيِّز الدراسة.

ولو كان هؤلاء يعتمدون المنهج التاريخيّ حقًّا لربطوا النصوص التاريخيّة بعضها ببعض، ونظروا إليها على أنَّها تُشكِّل وحدة واحدة، ولو فعلوا ذلك لكان أجدى لهم وللبحث العلميّ، لكنَّهم آثروا النظر إلى هذه النصوص على أنَّها في جزر منعزلة، وراحوا يسقطون عليها من أيديولوجيَّاتهم وأفكارهم السابقة التي لا تنتمي إلى المنهج العلميّ، وإنَّما تنتمي إلى الأهواء والعصبيَّات.

والمتأمِّل في مقدار ما حِيك من قِبَل المستشرقين في هذا الأمر يجد أنَّ القصص القرآنيّ ظلَّ خاضعًا في ذهنيَّتهم لهذا المنهج الذي اصطنعوه، لكنَّه لمّا كان غير كافٍ للوفاء بأغراضهم، فقد كانوا يمزجون بينه وبين منهج التأثير والتأثّر، أو منهج المقابلة والمطابقة، وهذا الأمر واضح جليّ سواء بسواء في اتِّجاهات المستشرقين الكلاسيكيِّين والمستشرقين المعاصرين أو الجدد. ويمكن الاستدلال على ذلك بقضيَّة «بحيرا الراهب» التي ادَّعى من خلالها المستشرقون أنَّ القرآن من انتحال محمَّد متأثِّرًا في ذلك بتلك الحوادث التاريخيَّة التي رواها له، فقد جمعوا حولها العديد من الروايات، ثمّ عملوا على تبويبها وترتيبها وإصدار حكم وفق هواهم قوامه أنَّ القرآن من صنع محمَّد. ولمَّا أعوزتهم السبل، وحاولوا التدليل على تلك القضيَّة المزعومة، وعندما وجدوا أنَّ قضيَّة «بحيرا الراهب» فارغة من داخلها، ولا تقوم دليلًا على زعمهم، لجأوا إلى قضايا التأثير والتأُّثر، والزعم بأنَّ القرآن أخذ من التوراة والإنجيل، وفق منهجهم هذا.

مع أنَّ المتأمِّل في رواية «بحيرا الراهب» لا يجد فيها شيئًا من هذا الزعم؛ إذ يلاحظ من الرواية[1] أنَّه لم يَدُرْ بينه وبين الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أيُّ حوارٍ من أيِّ نوع،

(124)

وإنَّما كان حوار «بحيرا» مع عمِّه أبي طالب أو مع شيوخ القافلة، فمن أين أخذ الرسول القرآن وقصصه؟! أتراه أخذهما في هذا اللقاء العابر الذي لم تذكر الرواية أيّ حوار دار بين الرسول و«بحيرا»؟! ثم إنَّ الرواية تكشف -أيضًا- أنَّ هذا اللقاء على فرض حدوثه، فهو لم يتكرَّر، ولم يسبِق أنْ التقيا قبلها؛ بدليل ما ذكرته الرواية من أنَّ «بحيرا» خرج إلى القافلة، ولم يكن يخرج إليهم من قبل، في دلالة على أنَّه كان أوَّل لقاء بمحَّمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فضلًا عن كونه اللقاء الأخير.

وهنا تَرِد الأسئلة السابقة نفسها: إذا كان «بحيرا» قد علَّم النبيَّ محمّدًا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم القصص القرآنيّ أو القرآن؛ كما يزعم المستشرقون؛ ما يعني أنَّ «بحيرا» كان يوحَى إليه، فلماذا لم ينسب هذا الراهب القرآن لنفسه، ويدَّعي أنَّه النبيّ المرسل؟! أتراه كان يحبّ محمَّدًا ويفضّله على نفسه، ولم يكنْ قريبه ولا صاحبه ولا من أهله، وكلّ ما جمعهما كان لقاءً واحدًا فقط؟! فذلك كلّه دليل على تهافت هذه الفرية التي يشيعها المستشرقون ومن والاهم هنا وهناك.

إنَّ إنجيل لوقا يشير إلى أنَّ النبيّ عيسى عليه‌السلام كان جالسًا وسط المعلِّمين يسمعهم ويسألهم، وأنَّهم بهتوا من فهمه وأجوبته[1]، فهل معنى هذا أن نزعم بأنَّ المسيح أخذ الإنجيل من هؤلاء المعلِّمين؛ لأنَّه كان يجالسهم ويسمع لهم؟! فإن قال المستشرقون وغيرهم لا، فهذا يُمثِّل اعترافًا ضمنيًّا منهم بكذب دعواهم حول حادثة «بحيرا الراهب»؛ لأنَّ المسيح ظلَّ جالسًا مع المعلِّمين ثلاثة أيَّام في الهيكل حسبما أخبر إنجيل لوقا، بينما كان لقاء النبيّ محمَّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ببحيرا لم يتجاوز مدَّة إعداد الطعام للقافلة، فهل يقال إنَّ محمَّدًا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أخذ القرآن في هذه المدَّة القصيرة عنه، ولا يقال ذلك عن عيسى الذي مكث مع المعلِّمين هذه المدَّة الأكبر؟!   

(125)

ومن ثَمَّ، فإنَّ هذا المنهج التاريخيّ الذي استخدمه المستشرقون -ولا يزالون إلى اليوم- هو منهج قائم على عدم الصدق بالمصادر؛ قرآنًا وسنّةً؛ ولذا لا يأخذون بكلِّ ما تقوله المصادر الإسلاميّة؛ إلَّا ويعملون فيه معاول النقد، ولا يقيمون وزنًا؛ إلَّا لما يثبت أمام النقد التاريخيّ الذي اصطنعوه، أو لما يبدو وكأنَّه ثابت أمامه. وهذا ما قال به «رودي بارت»[1]. وهو ما يفسِّر حجم الاهتمام بقضيَّة «بحيرا الراهب» وتضخيمها وتصويرها على أنَّها هي المموِّل لمحمَّدٍ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لصياغة القرآن عامَّة والقصص القرآنيّ خاصّة، وهذا أمر غاية في الغرابة، ولا يقف أمام النقد السليم. ومن ثَمَّ، كان هذا المنهج منهجًا عاريًا عن العلميَّة مغلَّفًا بروح تعصُّبيّة بغيضة، وهنا مكمن الخطورة.

وفي هذا السياق التاريخيّ استخدم «أوري روبين» طرق ومناهج علم الإسكاتولوجيا -علم يبحث عن لاهوت البدايات، ونهاية الكون، أو الأحداث الأخيرة قبل نهاية الكون- على بعض الآيات القرآنيَّة التي تتضمَّن قصصًا قرآنيًّا، وتحديدًا على قوله -تعالى- في سورة الكهف:(قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا 103 الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا 104 أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا 105 ذَٰلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا 106) [2]، فينظر إليها على أنَّها تتحدَّث عن الكفَّار؛ باعتبارهم أكبر الخاسرين من أنواع الفرقة الإسرائيليَّة[3]. مع العلم بأنَّ الآيات تشير في الغالب إلى اليهود والنصارى الذين لم يستجيبوا لأوامر الإسلام وتعاليمه، فاليهود كفروا برسالة محمَّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والنصارى أنكروا جزءًا من النعيم الأخرويّ؛ كالطعام والشراب.

(126)

وقد حاول «روبين» استخدام هذا العلم وطُرُقه في بعض آيات القرآن الكريم أيضًا؛ منها: الآية 69 من سورة التوبة التي تحكي عن جزءٍ من مخالفة الأمم السابقة لأوامر الله -تعالى-، فكانت العاقبة الخسران المبين، قال -جلَّ جلاله-: (كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُم بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا ۚ أُولَـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)[1]. فيرى «روبين» أنَّ هذه الآيات -وفق منهجه هذا- تشير إلى بعض الذنوب، وأنَّها تنصّ على أنَّ أولئك الذين من قبلكم كانوا أقوى وأكثر ثراءً، وسعدوا بنصيبهم كما فعل المعاصرون؛ أي انغمسوا في الكفر، ومع ذلك فشلت أعمالهم في هذا العالم وفي العالم المستقبليّ. ويشير «روبين» -أيضًا- إلى أنَّ المفسِّرين يفسِّرون هذا المقطع على أنَّه تحذير للمؤمنين بمصير أولئك الذين انغمسوا في الأفعال الخاطئة؛ ولتأكيد هذا المعنى -كما يقول[2]- سجَّل الطبريّ في تعليقه على هذه الآية مأثورات ابن عبَّاس الذي فسَّر (من قَبْلِكُم) ببني إسرائيل، قائلًا: «ما أشبه الليلة بالبارحة كالذين من قبلكم هؤلاء بنو إسرائيل شُبِّهنا بهم، لا أعلم إلَّا أنَّه قال: والذي نفسي بيده لتتبعنّهم حتَّى لو دخل الرجل منهم حجر ضبّ لدخلتموه»[3].

وهو -في الواقع- لم يستخدم هذا العلم وطرقه إلَّا وهو محمَّلٌ بفكرة اقتباس القرآن من التوراة؛ إذ تظلُّ هذه الفكرة تسيطر على أيِّ مستشرق يهوديّ، سواء أكان يمثِّل الاستشراق القديم أو الاستشراق المعاصر. والدليل على ذلك هو ما يزعمه «روبين» من أنَّ مصطلح «من قبلكم» يتبع تعريفًا إضافيًّا يشير إلى الأمم المعاصرة على أنَّها أصل السنَّة التي يقلِّدها المسلمون، موسِّعًا تعريف نطاق بيان السنَّة إلى

(127)

كلِّ ما كان يُنظر إليه على أنَّه قادم من بيئة غير إسلاميَّة[1]. ولكنّ السنَّة بمعناها الموسَّع الذي انتهى إليه «روبين» مغاير لمعنى السنَّة في الإسلام؛ فالسنَّة بمعناها الاصطلاحيّ الإسلاميّ تعني ما تركه الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من قولٍ أو فعلٍ أو تقرير، أمَّا السنن بمعنى سنن السابقين وقصصهم فهي للعِظَة والعبرة، وليس معناها الاقتباس والمحاكاة؛ كما يفهمها «روبين» حسب معطياته الأيديولوجيَّة.

 ومن جانبٍ، فإنَّ ما ذكره «روبين» ممَّا سمَّاه (مأثورات ابن عبَّاس) ليس إلَّا حديثًا للرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فعن أبي سعيد الخدريّ أنَّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: «لتتبعُنَّ سَنَنَ من كان قبلَكم، شبرًا بشبرٍ، وذراعًا بذراعٍ، حتَّى لو دخلوا جُحْرَ ضبٍّ تبعتُمُوهم، قلنا: يا رسولَ اللهِ، اليهودُ والنصارى؟ قال: فمَنْ؟»[2]. والكلام يحمل -هنا- على الاتِّباع المذموم، لا الاتِّباع المحمود والاقتباس؛ كما ذهب «روبين»، وهذا خطأ كبير؛ لأنَّ «روبين» يقمِّش القضيَّة لتكون مناسبة لما يدعو إليه من اقتباس الإسلام والقصص القرآنيّ عن اليهوديَّة، فأخرج مضمون النصِّ من معناه الأصليّ إلى معنى آخر يريده تحقيقًا لأهدافٍ تعصُّبيَّة صِرْفَة. ثمَّ إنَّ نصَّ الحديث يُمثِّل قراءة في المستقبل، أو نبوءة لما سيقوم به المسلمون من التأثُّر بغيرهم في حياتهم وتقليدهم لهم ومخالفة منهج الله –تعالى-، خلافًا لما يذهب إليه «روبين» من أنَّه يعبِّر عن اقتباس في الماضي ومحاكاة للشرائع أو التعاليم أو القصص اليهوديَّة.

ولنا على هذا المنهج التاريخيّ في القصص القرآنّي ملاحظات نقديَّة عدَّة، أبرزها:

أ.  الملاحظة الأولى: التطبيق الخاطئ للمنهج والاستخدام الناقص له:

من المعلوم أنَّ المنهج التاريخيّ عبارة عن تجميع الأدلَّة من الماضي، وترتيبها وتصنيفها، ثمَّ تحليلها ونقدها، ثمَّ استخلاص الحقائق المؤكَّدة منها بناءً على الأدلَّة والشواهد التي تمَّ جمعها، تلك الحقائق التي تفيد في قضيَّة معيَّنة أو موضوع علميّ محدَّد.

(128)

لكن يلاحظ من دراسات المستشرقين استخدامهم لهذا المنهج استخدامًا ناقصًا، إلى حدٍّ يمكن معه وصف هذا النقص بالعوار.

ب. الملاحظة الثانية: النقص في الأدلَّة:

لم يجمع المستشرقون عند تطبيقهم لهذا المنهج على القصص القرآنيّ كلّ الأدلَّة، هذا إذا صحَّ وصفها بالأدلَّة. ومن ثمّ، فإنَّ فقر الأدلَّة التي جرى جمعها وضحالتها يشكِّل خطأً فادحًا وإشكالًا جوهريًّا ورئيسًا في تطبيق المستشرقين لهذا المنهج؛ إذ إنَّ كلَّ ما جُمع من أدلَّة في هذه القضيَّة موضوع الدراسة هو حادثتان: حادثة «ورقة بن نوفل»، وحادثة «بحيرا الراهب»، مضافًا إلى بعض الحوادث الأخرى التي لا تثبت دليلًا، وهذا أدَّى بدوره إلى نتائج فاسدة؛ ففقر الأدلَّة يقود إلى فقر النتائج، وسوء جمع الأدلَّة يقود حتمًا إلى سوء النتائج المستخلصة.

ج. الملاحظة الثالثة: عدم الدقَّة في تبويب الأدلَّة والقرائن وتحليلها:

افتقر هذا المنهج في تطبيقه من قِبل المستشرقين إلى الدقَّة في جمع القرائن والأدلَّة وعرضها وتبويبها؛ فضلًا عن تحليلها. وهذا ما أدَّى بدوره إلى خطورة النتائج المستخلصة وعدم ثبوتها أمام ميزان النقد؛ فإنَّ سوء جمع الأدلَّة وعرضها وتحليلها يقود حتمًا إلى سوء النتائج المستخلصة.

د. الملاحظة الثالثة: المبالغة في النتائج:

عندما استخدم المستشرقون هذا المنهج جمعوا بعض الحوادث، وغفلوا أو تغافلوا عن كثير، والغريب أنَّهم استنتجوا نتائج مبالغًا فيها وغير صحيحة بناءً على هذه الحوادث القليلة التي استخدموها؛ بوصفها مقدِّمات بنوا عليها نتائجهم، فكيف يُعقل أن يُتَّخذ من حادثة «ورقة بن نوفل» أو حادثة «بحيرا الراهب» دليلًا على أنَّهما مصدر القصص القرآنيّ والتعاليم التي جاء بها الإسلام؟! في الوقت الذي لا تقودنا هاتان الحادثتان أو غيرهما إلى النتائج التي

(129)

انتهوا إليها، بل على العكس تقودان عقلًا ومنطقًا إلى غيرها؛ باعتبار أنَّ اللقاء في كلِّ حادثة كان لقاءً واحدًا، واستغرق لحظات لا يمكن أن تقود إلى ما قادتهم إليه من نتائج.

منهج التأثير والتأثُّر:

يقوم هذا المنهج في الأساس على نفي الأصالة عن القصص القرآنيّ، والزعم بأنَّه نتيجة التأثُّر بالكتب السابقة: اليهوديَّة والمسيحيَّة. وقد استخدم المستشرقون هذا المنهج -كما تقدَّم- في كلِّ ما يتعلَّق بالقصص القرآنيّ، وليس هذا فحسب، بل طال دراساتهم الكثيرة عن الوحي الإلهيّ، والأحاديث النبويَّة، والعلوم الإسلاميَّة؛ محاولين تناولها على أنَّها مجرَّد تقليدٍ ومحاكاةٍ للغرب. وهذا ما يظهر من ردِّهم التصوُّف الإسلاميّ إلى مصادر غير إسلاميَّة: فارسيَّة أو هنديَّة، ومن ردِّهم الفلسفة الإسلاميَّة إلى مصادر يونانيَّة.

ويعدُّ هذا المنهج من المناهج الشائعة في دراسة القصص القرآنيّ من قبل المستشرقين، لكنَّهم لم يستخدموه الاستخدام العلميّ؛ إذ لو استخدموه استخدامًا علميًّا لانتهوا إلى نتائج مغايرة لتلك النتائج المزعومة التي انتهوا إليه، وما ذلك إلَّا لأنَّهم انتهجوا منهج التعصُّب؛ بدليل أنَّهم كانوا يستندون إلى مجرَّد ذِكْر القصَّة في القرآن للزعم بأنَّها تمثِّل تأثُّرًا بما ورد في التوراة والإنجيل، من دون دراسةٍ حقيقيَّةٍ لمضامين القصَّة هنا وهناك، حتَّى مع التزام بعضهم بهذا؛ طبقًا لمنهج المقابلة والمطابقة، فإنَّ الأمر -أيضًا- لم يخلُ من التعصُّب.

ولا شكَّ أنَّ الاستشراق المعاصر يقتفي أثر الاستشراق القديم في البحث التاريخيّ؛ بهدف إظهار القصص القرآنيّ في صورة مشوَّهة وفي سياقات مغايرة، بحيث يظهر بصورة المقتبس من الأديان الأخرى، أو بصورة المشوِّه للقصص الموجود في التوراة والإنجيل.

(130)

وقد عوَّل الاستشراق الكلاسيكيّ والمعاصر على منهج التأثير والتأثُّر في قراءاتهم الاستشراقيَّة للقرآن، وخاصة في قضيَّة القصص القرآنيّ موضوع هذه الدراسة. هذا المنهج يُستخدم بجوار منهجٍ مشابهٍ بعض الشيء، وهو منهج المقابلة والمطابقة -فضلًا عن مناهج أخرى- وهو المنهج الذي يصف بصدق موقف الاستشراق من القصص القرآنيّ؛ لسببٍ واضحٍ، وهو أنَّ منهج المستشرقين يقوم على محاولة إثبات شيءٍ واحدٍ، وهو تأثُّر القرآن واقتباسه من التوراة والإنجيل، وهذا يعني أنَّ القرآن في مرحلةٍ تأثَّر بهما على هذا الزعم، من دون أن يكون له تأثير فيهما من أيِّ جانبٍ؛ استكمالًا لفهم هؤلاء المستشرقين. أمَّا منهج المقابلة والمطابقة فيقوم على أمرين: مقابلة نصوص القصص القرآنيّ بنصوص التوراة والإنجيل، ومطابقته بهما؛ بهدف الانتهاء من هذه المقابلة وتلك المطابقة إلى تأثُّر القرآن الكريم بالتوراة أو بالإنجيل أو بالاثنين معًا. وهذا المنهج هو ما يكشف عن العقليَّة التعصُّبيَّة التي تحكم عمل المستشرقين في حقل الدراسات الإسلاميَّة، وخاصَّة في الدراسات القرآنيَّة، وأكثر خصوصيَّة في القصص القرآنيّ.

ومن ثَمَّ، فإنَّه بناءً على منهج التأثير والتأثُّر، وكذلك منهج المقابلة والمطابقة، انطلق المستشرقون في محاولة للادِّعاء بأنَّ القصص القرآنيّ مأخوذ من الديانتين اليهوديَّة والمسيحيَّة؛ وذلك نظرًا إلى التشابه بين هذا القصص العظيم وبين ما ورد من قصصٍ في هاتين الديانتين، متأثِّرين في ذلك بتلك المناهج التي اصطنعوها لمحاولة نقد الإسلام ونقضه، وإظهاره بصورة بشريَّة؛ بدعوى أنَّ القرآن من إنتاج محمَّد، وليس إلهيّ المصدر. وعليه. فإنَّ منهج التأثير والتأثُّر الذي تنبني عليه معظم الفرضيَّات الاستشراقيَّة، يستند إلى فرضيَّة رئيسة؛ مفادها: أنَّ النصّ القرآنيّ هو اقتباس محمَّديّ من كتب اليهود والنصارى المقدَّسة، وهي فرضيَّة مصدرها أيديولوجيَّاتٌ استشراقيَّةٌ نابعةٌ من أفكارٍ إمبرياليَّةٍ استعماريَّة[1].

(131)

إنَّ الاستشراق بوصفه جناحًا علميًّا لذلك الاستعمار عمد إلى تطوير فرضيَّة أنَّ الإسلام المنتشر في الشرق ومصادره الدينيَّة الرئيسة ليس مصدرها الوحي، أو حتَّى نتاج ظروف فكريَّة وحضاريَّة أصيلة في المنطقة العربيَّة، بل هو اقتباس وانتحال، أو هرطقة يهوديَّة ونصرانيَّة كان سببها محاولة نبيّ الإسلام التشبُّه بأهل الكتاب أو محاكاة تقاليدهم، أو على الأقلّ استمالتهم له في بداية دعوته. وقد وجد الاستشراق في ذلك التشابه بين القصص القرآنيّ وبعض قصص العهدين القديم والجديد أفضل ذريعةٍ للتدليل على هذه الفرضيَّة القائلة بأنَّ القرآن ما هو إلَّا تلفيق من العهدين القديم والجديد[1].

وهذا ما تكشف عنه الدراسات الاستشراقَّية الإسرائيليَّة المعاصرة، بوصفها امتدادًا طبيعيًّا للدراسات اليهوديَّة عامَّة، وما سبقها من الدراسات الاستشراقيَّة الغربيَّة التي نحت هذا المنحى. لكنَّ الأمر يعود من جديد في سياق الاستشراق الإسرائيليّ؛ تحقيقًا لأهداف أبعد من كونها دينيَّة، وهي أسباب سياسيَّة معنيَّة بمحاولة تحقيق الوجود والشرعيَّة على الأراضي المغتصبة.

إنَّهم يعمدون إلى القول بأنَّ البيئة المحيطة بالنبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كانت ذات تأثيرٍ عليه وعلى ما ورد في القرآن الكريم؛ بحجَّة أنَّ بعضًا من القصص القرآنيّ أخذه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الوفود التي كانت تأتي للحجِّ في الكعبة قبل الإسلام، كما يعمدون إلى الحكم على كلِّ قصَّة وردت في القرآن بأنَّها مأخوذة من بعض البيئات العربيَّة التي كانت على دراية بالتوراة والإنجيل وما ورد فيهما من قصص. وهذا المنهج ظهر في أغلب المدارس الاستشراقيَّة القديمة التي اهتمَّت بدراسة القرآن، ويظهر في الاستشراق المعاصر جليًّا، فالاستشراق الإسرائيليّ بما يضمّه من مستشرقين معاصرين -على سبيل المثال «أوري روبين»- الذي اهتمَّ بهذا المنهج، وإنْ كان قد مزج بينه وبين منهج المقابلة والمطابقة، كما يظهر ذلك عنده وعند غيره.

(132)

ولهذا المنهج جذوره في الاستشراق الكلاسيكيّ القديم، فالمستشرق «هاملتون جيب»[1] أشار في كتابه «المذهب المحمَّديّ» إلى شيءٍ من هذا، عندما ردَّ الإسلام في عمومه إلى الظروف المحيطة والعقديَّة التي كانت سائدة في تلك الفترة، والتي كان لها الأثر البالغ في تشكيل شخصيَّة محمَّد، وتأثيره القويّ في النصوص القرآنيَّة[2]، وعلى رأسها القصص القرآنيّ بالطبع. وممَّن اعتمد على هذا المنهج -أيضًا- المستشرق المجريّ «جولدتسيهر» في دراساته التي قام بها؛ إذ يقول: «فتبشير النبيّ العربيّ ليس إلَّا مزيجًا منتخبًا من معارف وآراء دينيَّة، عرفها بفضل اتِّصاله بالعناصر اليهوديَّة والمسيحيَّة التي تأثَّر بها تأثُّرًا عميقًا، والتي رآها بأنَّها جديرة بأن توقظ في بني وطنه عاطفة دينيَّة صادقة، وهذه التعاليم التي أخذها عن تلك العناصر الأجنبيَّة كانت في وجدانه ضرورة لإقرار لونٍ من الحياة في اتِّجاه يريده الله»[3].

وهو لا يقصد بالتعاليم -هنا- الأوامر فقط، بل يقصد بالتعاليم الإسلام بكلّه؛ أي بما يشمل من قصص قرآنيّ موضوع هذه الدراسة؛ إذ يُرجع هذا المستشرق كلَّ شيءٍ إلى تأثُّر النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم باليهوديَّة والمسيحيَّة. إذن، فكلّ ما ينطوي عليه الإسلام هو في نظر هذا المستشرق نتيجة التأثُّر بالعقائد السماويّة السابقة على الإسلام، والإسلام في نظره ليس له من فضل إلَّا محاكاة ما جاء فيها من تعاليم وتقليده.

أمَّا تطبيق منهج التأثير والتأثُّر على موضوع القصص القرآنيّ، فعليه بعض الملاحظات النقديَّة، وهذا بدوره أدَّى إلى فساد النتائج التي تمخَّض عنها؛ لأنَّ المنهج السليم من ناحية التطبيق يأتي بنتائج حقيقيَّة، بينما يأتي الخطأ في تطبيقه بنتائج عكسيَّة لا تمتُّ إلى الحقيقة بصلة. ومن هذه الملاحظات:

(133)
الملاحظة الأولى: الاعتماد على التشابه الظاهريّ:

اعتمد المستشرقون في إثبات علاقة التأثير والتأثّر على مجرَّد التشابه الظاهريّ بين النصوص المتعلِّقة بالقصص القرآنيّ، من دون محاولة فهم المضمون الذي تحتوي عليه؛ لأنَّ اهتمامهم بالمضمون كان سيكشف لهم عن كثيرٍ من مواطن الاختلاف بين القصص القرآنيّ وغيره من القصص التوراتيّ والإنجيليّ. فالمستشرقون استخدموا هذا المنهج استخدامًا هامشيًّا عني بالقشور دون الجوهر، وبالشكل دون المضمون؛ ولذا كانت نتائجه كارثيَّة من الناحية العلميَّة والمنهجيَّة.

الملاحظة الثانية: تتعلَّق بجوانب التأثير والتأثّر:

يثبت التأثير والتأثّر بجانبين: جانب النقد الخارجيّ للنصّ، وجانب النقد الداخليّ. الأوَّل يهتمّ بالجوّ المحيط بالنصِّ؛ من بيئةٍ وخلافه، والثاني يتعلَّق بمضمون النصّ وجوّانيّته.

وبالنسبة إلى  الجانب الأوَّل كان من المفترض أن يبيِّن المستشرقون المراحل أو الحلقات التي مرَّ بها القصص حتَّى وصل إلى النبيّ محمَّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ كما يزعمون، والنظر إليها على أنَّ كلّ مرحلة أو حلقة منها تكمّل المرحلة التي قبلها، وكأنَّها جميعًا سلسلة متَّصلة، لكنَّهم لم يفعلوا ذلك، وآثروا النظر إلى بعض الحلقات المتناثرة منفصلة العرى، وبنوا عليها منهجهم في التأثير والتأثُّر، فالمستشرقون يعتمدون على حلقتَيْن منفصلتَي العرى، ولا تثبتان أمام ميزان النقد، هما: حادثة «ورقة بن نوفل»، وحادثة «بحيرا الراهب»، وقد تقدَّم في الصفحات السابقة ما تنطوي عليه كلٌّ منهما من عوار، وقد جال المستشرقون حول هاتين الحلقتَيْن وضخّموهما؛ لمحاولة التأكيد على قضيَّة التأثير والتأثُّر المزعومة، مع استماتتهم في محاولة إثبات أنَّ محمَّدًا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان على دراية بالقراءة والكتابة حتَّى تكتمل خطّتهم الهدّامة. لكنَّ هذا لم يثبت أمام الحقائق التاريخيَّة التي كانت عليها حياة النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

(134)

وأمَّا في الجانب الثاني المتعلِّق بالنقد الداخليّ للنصّ، فلا علاقة تأثُّر حقيقيَّة للقصص القرآنيّ بنظيره في التوراة والإنجيل، إلَّا ما يعدّ منها متوافقًا؛ باعتبار وحدويّة المصدر، بل بالأحرى هناك اختلافات كبيرة بين مضامين نصوص القصص القرآنيّ وبين مضامين نصوص القصص التوراتيّ والإنجيليّ. والمتأِّمل في قصص الأنبياء -آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وغيرهم من الأنبياء عليهم‌السلام - يجد كم الاختلافات كبير جدًّا، بصورة يستطيع أنْ يحكم معه القارئ بسهولة أنَّه ليس هناك ما يسمَّى بالتأثير والتأثُّر الذي زعمه المستشرقون في القصص القرآنيّ.

منهج المقابلة والمطابقة:

وهو من المناهج الأكثر شيوعًا في الاستشراق بنوعيه: القديم والمعاصر، وقد تقدَّمت الإشارة إلى شيءٍ من هذا المنهج في الاستشراق الإسرائيليّ، خاصَّة عند «أوري روبين» وغيره من متصدِّري الاستشراق الإسرائيليّ. وهو منهج يقوم على مقابلة النصوص بعضها بعضًا، ومحاولة مطابقتها؛ للانتهاء منها إلى القول بوجود تطابق بين النصوص القرآنيَّة والنصوص التوراتيَّة إذا كان المستشرق يهوديًّا، أو النصوص الإنجيليَّة إذا كان المستشرق مسيحيًّا.

ولا يخلو هذا المنهج -أيضًا- من تعصُّب أصحابه؛ لأنَّ المستشرقين في الوقت الذي يُطبِّقون فيه هذا المنهج تجدهم يقصدون إثبات وجود تطابقٍ بين النصِّ القرآنيّ وغيره من النصوص في الكتب السابقة لمجرَّد وجود تشابه هنا أو هناك، فيحكمون على الفور باقتباس القرآن من الكتب السابقة عليه.

يعتمد هذا المنهج في الأساس على مقابلة النصوص والمقارنة بينها، وتحليلها إلى مكوِّناتها الرئيسة، وإرجاعها إلى مصادر أخرى في المرحلة السابقة عليها. وعليه، ينبني هذا المنهج على أساس فرضيَّات وأحكام مسبقة، وهنا «يكمن الخطأ في هذا المنهج من جراء فرضيَّة علميَّة رسخت في ذهن المستشرقين؛ طبقًا لأحكام

(135)

مسبقة مفادها أنَّ هذه النصوص القرآنيَّة التي يدرسونها ليست إلَّا صورة لما ورد هنا وهناك قبل بعثة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فكلَّما تطابقت ملامح نصٍّ قرآنيّ مع نصٍّ سابقٍ سارعوا بردِّ ذلك إلى ثقافة الرسول التاريخيَّة، وإلى اطِّلاعه على ما جاء في الكتب السابقة، أمَّا حين يوجد اختلاف فلا يردُّون ذلك لما حلَّ بنصوصهم من تغييرٍ وتبديلٍ وتحريف، وإنَّما يلصقون تهمة التحريف والتبديل بالإسلام ذاته»[1].

وإلى هذا المنهج يمكن إرجاع أغلب القضايا التي أثاروها عن القصص القرآنيّ، سواء ما يتعلَّق منها بقضيَّة الاقتباس أو التشابه أو دعوى أسطورة القصص القرآنيّ؛ فإنَّ «وليام فيدرر» -على سبيل المثال- وبناءً على هذا المنهج وغيره، لا يرجع بعض القصص القرآنيّ إلى الكتب السماويَّة السابقة فحسب، بل يرجعها إلى قصَّة أسطورة «أردا فيراف»؛ بزعم أنَّ القصص القرآنيّ يقوم على سرد أسطوريّ غير واقعيّ، وهذا فيه من المغالطة ما فيه. 

وأغلب الظنّ أنَّ الاستشراق الإسرائيليّ المعاصر يسير على هذا المنهج في المقابلة والمطابقة؛ تحقيقًا لأمرين: دينيّ، وسياسيّ. أمَّا الدينيّ، فيتمثَّل بزعمهم أنَّ القصص القرآنيّ مأخوذ من القصص اليهوديّ؛ حتَّى يكسبوا لأنفسهم مصدريَّة دينيَّة تحقِّق لهم زعامتهم الساميَّة المزعومة، وأمَّا الأمر السياسيّ، فلا يظهر بصورة مباشرة، وإنَّما يُعرف من محاولة التأكيد على وجود تبادل ثقافيّ، يتَّخذونه أرضيَّة لتحقيق هدفهم في تعاونٍ سياسيٍّ يحقِّق لكيانهم الشرعيَّة المفقودة.

ويمكن ردّ هذا المنهج -مع بعض الاختلافات في الغايات والأهداف شيئًا ما- إلى بعض زعماء الاستشراق القديم الذين استخدموا هذا المنهج في ردِّ القصص القرآنيّ إلى مصادر يهوديَّة أو مسيحيَّة، لكنَّ جميع هذه المحاولات كان مصيرها الفشل؛ لضعف الحجَّة التي استند إليها، وللعوار الواضح في تطبيق المنهج. فقد عمد «بلاشير» في كتابه «معضلة محمَّد إلى الحديث عن القصص القرآنيّ وفق

(136)

هذا المنهج، بل لقد ظهر في كتابه مدح لأولئك المستشرقين الذين انتهجوا هذا المنهج، وعمدوا إلى محاولة إيجاد تشابهٍ بين القصص القرآنيّ والقصص الكتابيّ[1]. ومن ثَمَّ، فلا مفرَّ من القول إنَّ هذا المنهج متغلغل في الذات الاستشراقيَّة منذ بدء الاستشراق ذاته، بل لا مفرَّ من القول إنَّ هذه المحاولات باءت بالفشل الذريع؛ نتيجة ما قامت عليه من أخطاء منهجيَّة، وروحٍ تعصُّبيَّة واضحة.

والمقابلة في هذا المنهج -منهج المقابلة والمطابقة- انتقائيَّةٌ، والمطابقة فيه معدومة؛ إذ إنَّ المستشرقين يعمدون وهم بصدد القصص القرآنيّ إلى مقابلة بعض أجزاء القصَّة القرآنيَّة -وليس القصَّة كلّها-؛ لتشابهها مع غيرها من أجزاء القصص التوراتيّ والإنجيليّ، معرضين عن أجزائها الأخرى التي تبيِّن مظاهر الخلاف بينها وبين هذا القصص، ثمّ يبنون على ذلك نتيجةً فاسدةً مؤدَّاها أنَّ القصص هنا وهناك متطابق، ومن هنا فهي مقابلة انتقائيَّة تعمد إلى تحقيق الأحكام المسبقة والفرضيَّات العقديّة التي تحكَّمت في أذهان المستشرقين، فالمستشرقون تقودهم الأحكام المتغلغلة في أذهانهم إلى انتقاء ما يُثبت -من وجهة نظرهم- توجُّهاتهم وأيديولوجيَّاتهم العقديَّة. 

إنَّ المقابلة التي كان يصطنعها المستشرقون حول القصص القرآنيّ كانت تعمد -أيضًا- إلى الإعلاء من شأن القصص التوراتيّ أو الإنجيليّ، وإلى الحطّ من قدر القصص القرآنيّ؛ ولذا فهو لم يعنَ باستخلاص المضامين والأحوال التي كانت تتوارد فيها القصّة القرآنيَّة لأهدافٍ سياقيَّةٍ وبلاغيَّة؛ فإنَّ القصَّة القرآنيَّة قد تكرَّرت في القرآن أكثر من مرَّة، لكنَّها في كلِّ مرَّة كانت تحمل -كما تقدَّم- جانبًا جديدًا لم تكشف عنه من قبل، ومن ثَمَّ فإنَّ إغفال المستشرقين هذا الأمر معناه أنَّهم أخضعوا المنهج لأهدافٍ غير علميَّة.

(137)

أمَّا التطابق الذي حاول المستشرقون إيجاده فلم يحدث إلَّا في أذهانهم؛ لأنَّ المطابقة تنبني على المقابلة، وبما أنَّ المقابلة كانت منقوصة، فمن غير المتوقَّع عقلًا أن تنتج المطابقة. فالمطابقة تقتضي أن يطابق الشيء الشيء بالكلِّيَّة، وهذا ما لا يمكن أن يكون بين القصص القرآنيّ وغيره؛ لأنَّ هذا القصص ينبني على اختلافاتٍ كبيرة عن القصص في التوراة والإنجيل، فضلًا عن أنَّ هذا القصص يحمل في طيَّاته أصولًا عقديَّة تختلف بالكلِّيَّة عن الأصول العقديَّة في كلٍّ من التوراة والإنجيل، وهذا من أهمّ الأدلَّة على أنَّ القصص القرآنيّ يختلف في الكثير من تفاصيله ومضامينه عن القصص هنا وهناك، وخير مثال على ذلك قصَّة النبيّ عيسى عليه‌السلام في القرآن التي تحمل أصلَيْن عقديَّيْن ينسفان بالكلِّيَّة قضيَّة المطابقة أو الاقتباس أو التأثُّر أو ما شاكل ، وهما: أصل التوحيد من خلال التأكيد في القصَّة على نفي التثليث، وقضيَّة الصلب التي نفاها الإسلام، في حين قالت بها أناجيل الكنيسة -باستثناء إنجيل برنابا- تخليصًا للبشريَّة من ذنوب آدم أبي البشريَّة وفق الفهم الكنسيّ. ولا يقف الأمر عند قصَّة النبيّ عيسى عليه‌السلام فقط، بل يتعدَّاها إلى القصص القرآنيّ كلِّه الذي جاء مصحِّحًا لكلِّ ما جاء في القصص الكتابيَّة الأخرى من أخطاء عقديَّة وتاريخيَّة، وهذا أمر يقضي على فرضيَّة المطابقة من جذورها. 

المنهج الإسقاطيّ:

لا يمكن إهمال هذا المنهج في الدراسات الاستشراقيَّة عامَّة؛ إذ إنَّ المستشرقين قديمًا وحديثًا، باستثناء المنصفين منهم، يدرسون القصص القرآنيّ، وهم ليسوا بمنأى عن توجُّهاتهم وأيديولوجيَّتهم. والمنهج الإسقاطيّ منهج يقوم على تصوُّرات ذهنيَّة في عقليَّة المستشرق تحمل مجموعة من الأفكار التي لا وجود لها في الحقيقة، وإنَّما توجد في تلك الذهنيَّة فقط، ثمَّ يحاول أن يوجد هذه التصوُّرات عنوةً من خلال فرض فروضٍ وهميَّة، والتماس مواقف بعيدة عمَّا تقدِّمه المعطيات الموجودة في النصِّ القرآنيّ.

(138)

وهذا المنهج -بالطبع- لا يؤدِّي إلى نتائج علميَّة في الدراسات الإسلاميَّة؛ فقد قاموا بعمليَّة إسقاطٍ تعسُّفيَّة لتصوُّرات ذهنيَّة، وأطلقوا أحكامًا عامَّة، لا تراعي خصائص الحضارة الإسلاميَّة ومبادئها. إنَّهم يحاولون لَيَّ النصوص وتطويعها، وتفسيرها وتحليلها لتتوافق مع أحكامهم المسبقة؛ من أجل الوصول إلى نتائج علميَّة افتراضيَّة، لا تتَّفق بحالٍ مع البحثِ العلميِّ النزيه[1].

فالباحث عندما يضع في ذهنه صورة فكريَّة معيِّنة لا وجود لها من الناحية الفعليَّة، يعمل على إيجاد المبرِّرات من أجل إسقاطها على الواقع الثقافيّ والحضاريّ لتفسيره؛ وفقًا لهواه ومزاجه، وثقافته، وبيئته الدينيَّة[2].

إذن، يعمد هذا المنهج إلى إسقاط تصوُّراته، وأيديولوجيَّاته، وفروضه اللامنطقيَّة على القصص القرآنيّ؛ بهدف إثبات فرضيَّة المحاكاة والاقتباس؛ ولذا هو يسير في مواقفه منه على هذا المنهج الذي يطمس الحقيقة؛ رجاء تحقيق هدف ليس له نصيبٌ من الواقع. والغريب في هذا المنهج أنَّه حين يجد المعطيات والحقائق تسير عكس ما يريد تراه يلوي عنقها؛ كي يهدمها وينفيها، على الرغم من ثبوتها.

وعليه، فقد يتَّفق هذا المنهج مع تصوُّرٍ مشابهٍ يُطلق عليه «المنهج العكسيّ» في دراسة الظواهر الإسلاميَّة، وهو المنهج الذي يأتي إلى أوثق الأخبار وأصدقها، فيقلبها عمدًا إلى عكسها، وفقًا لتصوُّرٍ مسبقٍ مسيطرٍ على المستشرق وحاكمٍ عليه؛ ما يؤدِّي به إلى إصدار أحكامٍ تعسُّفيَّة ليس لها علاقة بالموضوعيَّة أو التحليل العلميّ السليم[3].

والغريب في هذا المنهج -أيضًا- أنَّ أصحابه يعمدون إلى الادِّعاء بخطأ القصص

(139)

القرآنيّ في حال اختلافه مع القصص الوارد في التوراة والإنجيل، مع أنَّ الأمر خلاف ذلك؛ إذ إنَّ القصص التوراتيّ والإنجيليّ هو الذي يحوي اختلافات جوهريَّة تتناقض مع القصص القرآنيّ، ومع الحوادث التاريخيَّة الثابتة كما تقدَّم بيان ذلك. لكنَّ المنهج الإسقاطيّ يظهر -هنا- بوضوح، بحيث يتَّهمون القصص القرآنيّ بما هو جدير بالقصص التوراتيّ والإنجيليّ في قسمٍ كبيرٍ منه.

فهذا المستشرق «هربرت ويلز»[1] -على سبيل المثال- يُقِيمُ دراساته على بعد تخيُّليّ إسقاطيّ واضح، فقد تخيَّل النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رجلًا دفعته التطلُّعات والطموحات في سنِّ الكهولة إلى إنشاء وتأسيس دينٍ جديد ليكون في زمرة القدِّيسين، فاخترع في ظنِّه عقائد خرافيَّة وآدابًا سطحيَّة، ثمَّ  نشرها في قومه، واتَّبعه رجال منهم[2].

وتأتي في هذا السياق -أيضًا- دراسة «إبراهام جايجر» المعنونة بـ: «اليهوديَّة والإسلام»، فهي دراسة تسقط كلَّ الأفكار والتصوُّرات المسبقة في ذهن المستشرق على القرآن الكريم من جوانب عدَّة؛ لغويَّة، وعقديَّة، وتشريعيَّة، وغيرها من الجوانب، ومن أهمّها القصص القرآنيّ؛ إذ خصَّص «جايجر» النصف الثاني من كتابه للحديث عنه بدءًا من قصَّة آدم عليه‌السلام إلى ما سمَّاه بالقدِّيسين بعد سليمان. 

تناول «إبراهام جايجر» القصص حول آدم ونوح وإبراهيم وموسى عليهم‌السلام ، ذاهبًا إلى تأثُّر القرآن الكريم بالتوراة واليهوديَّة عامَّة، ومنتهيًا إلى النتيجة التي أرادها، وهي أنَّ القصص القرآنيّ –على حدِّ زعمه- هو اقتباس محمَّديّ من القرآن؛ إذ يقول: «جمعت كلّ الإيماءات التاريخيَّة معًا، وعندما نرسلها نرى فيها بشكلٍ غير مشكوكٍ فيه التحقُّق من الفرضيَّة التي وضعناها في البداية، أي أنَّ محمَّدًا استعار كمًّا كبيرًا

(140)

من اليهوديَّة، إنَّه تعلَّم ذلك الذي سمعه من التقاليد الشفويَّة، وكان يُغيِّر المادَّة أحيانًا بما يتناسب مع غرضه»[1].

لكنّ «جايجر» ومَنْ على شاكلته لم يفطنوا إلى أنَّ الوحي الإسلاميّ الذي جاء بهذا القصص مكمِّل للوحي الذي جاء باليهوديَّة والمسيحيَّة؛ ما يعني أنَّ المصدر الذي جاءت منه واحد، يشترك فيه الجميع، وبالتالي خطأ ما ذهب إليه «جايجر» من الاقتباس من اليهوديَّة؛ لأنّ الأصل واحد، فكيف يقتبس محمَّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن اليهوديَّة ومصدرهما واحد؟ فإذا كان المصدر واحدًا فلا اقتباس إلَّا من المصدر، وهذا ينفي فرضيَّة اقتباس القصص القرآنيّ عن اليهوديَّة أو غيرها، وإنَّما الاقتباس -هنا- هو من المصدر الإلهيّ الذي جاء به الوحي.

وعلى المنوال نفسه تسير دراسة «رودي بارت» في كتابه «محمَّد والقرآن»، فقد ذهب إلى أنَّ الحياة الاجتماعيَّة المحيطة بالنبيِّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كانت ذات تأثير عليه؛ محاولًا الاتِّجاه إلى أنَّ ما أحاط به من يهود ومسيحيِّين وعرب أثَّر في الشخصيَّة المحمديَّة[2]، وهو في ذلك لم يأتِ بجديد؛ إذ لا يزال يردِّد ما سبق أن قاله غيره من المستشرقين ممَّن تناولوا النصَّ القرآنيَّ على أنَّه نصٌّ بشريٌّ من تأليف محمَّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . مع أنَّ هناك بعض الدراسات التي تُعالج القضيَّة معالجة مختلفة عن تلك المعالجات السابقة، حتَّى إنَّ أحدهم انتقد فرضيَّة بشريَّة القرآن، قائلًا: «إنَّ الفرضيَّة التي تتذرَّع ببشريَّة القرآن فرضيَّة لا مبِّرر لها» ثم يؤكِّد ذلك، قائلًا: «إنَّ القرآن يجب أن يُسند إلى الله بكلِّ تأكيد»[3].

ويعدّ المنهج الإسقاطيّ -في نظرنا- الأكثر شيوعًا في الدراسات الاستشراقيَّة إلى جانب مناهج أخرى؛ بدليل الفرضيَّة الرئيسة التي ينطلق منها هؤلاء، وهي أنَّ

(141)

القرآن من صنع محمَّد. وفي إطار هذه الفرضيَّة يُسقط المستشرقون كلَّ أفكارهم الذهنيَّة المسبقة عن الإسلام على نصوص، وخاصَّة القصص القرآنيّ، فتخرج الأحكام غير معبرة عن المنهج العلميّ السليم، وإنَّما محمَّلة بأفكار استباقيَّة في ذهن المستشرق ذاته وتصوُّره.

المنهج التحليليّ:

المنهج التحليليّ -في حقيقته- منهج علميّ في ما إذا طُبِّق بعيدًا عن التعصُّب والأهواء والأفكار المسبقة، فهو من أنفع المناهج العلميَّة، لكن إذا استخدم في ضوء هذه الأمور اللاعلميَّة، فإنَّ النتائج حينها سوف تكون غير معبِّرة عن الواقع، ولن تفيد العلم والمعرفة في شيء.

يقوم هذا المنهج على تحليل القضيَّة وتجزئتها إلى مجموعة من المكوِّنات، ثمَّ إعادة تجميعها وبناء أفكاره المستوحاة عليها، فالمنهج التحليليّ في دراسته للظاهرة يعمد إلى ردِّها إلى عناصرها الأوَّليَّة؛ كالظروف الدينيَّة أو الاجتماعيَّة أو السياسيَّة. وتكمن خطورة تطبيق هذا المنهج في حتميَّة تأثُّر المستشرق ببيئته وثقافته ودينه وحضارته، ومن ثمَّ لا يمكن أن يصل إلى نتائج سليمة في دراسته للظاهرة الإسلاميَّة، فإنَّ الأخذ بهذا المنهج قد أدَّى إلى الحكم على الحضارة الإسلاميَّة بالجدْب، وعلى الدين بالجمود، وعلى الوحي بالاضطراب، وعلى التوحيد بالتجريد، وعلى الشعوب بالتخلَّف[1].

لكنَّ المشكلة ليست في المنهج؛ بوصفه منهجًا؛ لأنَّ المنهج عبارة عن خطوات علميَّة مدروسة من شأنها أن تؤدِّي إلى نتائج حقيقيَّة، بيد أنَّ المشكلة فيمَنْ يُطبِّق المنهج، ممَّن يُخضِعه لأهوائه وأغراضه وأيديولوجيّته، وهذا ما يبدو واضحًا في معظم نتاجات المستشرقين قديمًا وحديثًا، وخاصَّة في ما يتعلَّق بقضيَّة القصص القرآنيّ التي قالوا فيها كلامًا كثيرًا، فقد كان المستشرقون ينظرون إلى مرحلة القرآن الكريم على أنَّها آية

(142)

وقصَّة وسورة وكلمة من منظار منهجهم التحليليّ، فجعلوه مكوِّنات وعناصر متباعدة الأجزاء؛ ليحلو لهم بعدها أن يقولوا ما يشاؤون.

وتجدر الإشارة إلى أنّ بعض المستشرقين لم يعجبهم هذا المنهج، فالمستشرق السويديّ «تور أندريه»[1] -مثلًا- له كتاب بعنوان: «محمَّد -حياته وعقيدته-» ينقد فيه المنهج التحليليّ الذي سار عليه بعض المستشرقين في العديد من دراساتهم، مؤكِّدًا على أنَّ النبوَّة في جوهرها لا يمكن تحليلها إلى عناصر جزئيَّة بهدف التأليف بينها في ما بعد لإصدار الأحكام وفق هذا المنهج، ويلخِّص «أندريه» مهمَّة الباحث في العمل بموضوعيَّة على إدراك كيفيَّة صدور وحدة جديدة وأصيلة من مختلف العناصر والمؤثِّرات؛ إذ إنَّ الإسلام لا ينكر الصِّلات الموجودة بينه وبين اليهوديَّة والمسيحيَّة؛ باعتبار الأصل الذي صدرت منه، لكنَّ ذلك لا يعني النظر إليه على أنَّه مجموع هذه العناصر والمؤثّرات وفق المنهج التحليليّ الذي ساروا عليه[2].

وهناك بعض الدراسات التي تنطلق منها المجلَّات العلميَّة المهتمَّة بالدراسات القرآنيَّة تحمل في جعبتها -على الرغم من جِدَةِ موضوعاتها- كثيرًا من الأفكار القديمة التي تقوم على هذا المنهج التحليليّ المنقوص، فـ«أنجيلكا نويفيرت» في دراستها بعنوان: «Negotiating Justice: A Pre-Canonical Reading of the Qur’anic Creation Accounts1 (Part I)»، على الرغم من جِدَةِ موضوعها، لكنَّها تحمِّلها بعض الأفكار الاستشراقيَّة القديمة تجاه القصص القرآنيّ؛ كالقول بأنَّ القرآن موجّه للكتاب المقدَّس، وأنَّه يظهر هيكلًا معقّدًا للدراما البدائيَّة، متحدِّثة عن الحوار المذكور في القرآن بين الله -تعالى- وإبليس على أنَّه صفقة جرى التعاقد عليها[3].

(143)

وقد بنى المستشرقون المنهج التحليليّ على ما يمكن تسميته «منهج التغرير»، أو ما يسمَّى عند بعض الدارسين «منهج البناء والهدم»؛ فهذا المنهج يبدأ من الإيجابيَّات أوَّلًا، ثمَّ يردفها بالسلبيَّات من وجهة نظره، وفي القصص القرآنيّ يضع أتباع هذا المنهج من المستشرقين السمّ في العسل، فبينما يعترفون بحقيقة القصص القرآنيّ، سريعًا ما يسحبون بالمقابل هذا الاعتراف منه؛ بزعمهم أنَّه تقليد ومحاكاة للقصص اليهوديّ والمسيحيّ.

وعليه، يقوم هذا المنهج على أمرين: أوَّلهما البناء والهدم، وثانيهما التغرير أو ما يسمَّى في باب البلاغة بالذمّ بما يشبه المدح. فالمستشرق يبدأ بكيل الثناء والمدح في القضيَّة موضوع الدراسة، ثمّ ما يلبث أن يُجرِّده من أيِّ أصالة، مع كيل الاتِّهامات لمضامينه وأركانه الرئيسة، وهذا أسلوب من أساليب التغرير؛ لأنَّه يحاول أن يُغرِّر بالقارئ في بادئ الأمر بما اصطنعه من مديحٍ فيطمئنّ له، حتَّى إذا ما اطمئنّ له كال له الشُبَه والأباطيل حوله.

لكنّ الإشكاليَّة الكبرى تكمن فيمَنْ يُغرَّر بهم من باحثين ومفكِّرين، فيكيلون المدح والثناء للمستشرق، دون أن يفطنوا إلى حقيقة منهجه، وطبيعة الغرض الخفيّ الذي يتخفّى وراءه، بل منهم من يقتبس نصوصًا لهذا المستشرق على أنَّه أشاد بالإسلام فيظنّ القارئ الأمر حقيقة، فيقبلون على كتابه دون أن يفطنوا إلى الحقيقة، ويتأثَّرون به وبمنهجه وأفكاره.

 وأشهر هؤلاء المستشرقين الذين يتَّبعون هذا النهج هو «غوستاف لوبون» في كتابه «حضارة العرب»؛ إذ في الوقت الذي يثني فيه على الإسلام، وما حقَّقه من طفرة ملموسة في جزيرة العرب، معدِّدًا تلك الطفرات في جوانب متعدِّدة، فإنَّه سرعان ما ينزع عنه كلّ ذلك، فيزعم أنَّ القرآن -بما يشمله من قصص قرآنيّ- هو من صنع محمَّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، بل يتَّهم النبيَّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مرَّة بالجنون ومرَّة بالصرع[1]. ويزامل

(144)

«لوبون» في هذا المنهج المستشرق «هاملتون جيب» في كتابه «دراسة في حضارة الإسلام»، الذي سمَّى ما قام به محمَّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثورة لرفعه من فكرة الله -تعالى- وإلباسها ثوب التقديس والتنزيه، لكنَّه ما لبث أن نظر إلى الإسلام على أنَّه تطوُّر للمعتقدات السابقة عليه، كالمعتقدات اليهوديَّة والمعتقدات المسيحيَّة[1].

المنهج الشكِّيّ:

المنهج الشكِّيّ هو المنهج الأمّ الذي تعود إليه كلّ المناهج السابقة التي تدرس القصص القرآنيّ خاصَّة والعلوم الإسلاميَّة عامَّة، فما من منهج منها إلَّا وللمنهج الشكِّيّ فيه دور وأثر؛ فقد عالج المنهج التاريخيّ القصص القرآنيّ في قالب شكِّيّ، وكذلك منهج التأثير والتأثُّر، ومنهج المقابلة والمطابقة، والمنهج الإسقاطيّ، والمنهج التحليليّ، وحيثما حلَّ المستشرق بمنهجٍ من المناهجٍ كان الشكُّ أداته الرئيسة.

انطلق بعض المستشرقين في دراستهم للقصص القرآنيّ من منهج ديكارتيٍّ واضحٍ قائمٍ على الشكِّ؛ تطبيقًا لمقولة ديكارت: أنا أشكُّ إذن أنا موجود. فشكَّكوا في القصص القرآنيّ من ضمن ما شككوا فيه من مضامين النصِّ القرآنيّ، وكانت أغلب دراساتهم تنطلق من هذا المنطلق، وهو المنهج الذي أخذ به المستشرقون المعاصرون أيضًا. ومن المهمّ التأكيد على أنَّ الشكَّ في حدِّ ذاته لبناءِ نسقٍ معرفيٍّ أمرٌ لا غبار عليه، أمَّا الشكّ من أجل التشكيك وتمرير بعض الأفكار والأيديولوجيَّات فهو مكمن الإشكاليَّة والعوار.

 فهناك من شكَّك بناءً على هذا المنهج في القصص القرآنيّ من الأساس، وهناك من شكَّك في مصدريَّته الإلهيَّة مدَّعين أنَّه من صنع النبيّ محمَّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهناك من زعم اعتمادًا على شكِّه أنَّه تقليد ومحاكاة للقصص التوراتيّ الإنجيليّ. وتعدّ مواقفهم

(145)

هذه من القصص القرآنيّ من إفرازات هذا المنهج الذي كان هدف أصحابه من دراسة القصص القرآنيّ مجرَّد الشكّ، ولا شيء غيره.

هذا الشكّ في القصص القرآنيّ يحمل عند المستشرقين صورًا عدَّة، منها:

أ. الشكّ الإقصائيّ: ويُقصد به الشكّ الذي يرفض حدوث القصّة من أساسها؛ بزعم مخالفتها للعقل. وهذا الشكّ يتزعمه مستشرقون ذوو نزعة إلحاديَّة.

ب. الشكّ التلازميّ: ويُقصد به الشكّ الذي يقود في نظرهم إلى شكٍ آخر جديد، فالشكّ في قضية قرآنيَّة عندهم يقود إلى شكٍّ في قضيَّة قرآنيَّة أخرى. ويعتبر «آرثر جفري» رائد هذا النوع من الشكّ وإمامه.

ج. الشكّ التأثيريّ أو شكّ الأثر: ويُقصد به ذلك النوع من الشكّ الذي كان ينطلق منه المستشرقون في بحثهم عن مصدر القصص القرآنيّ في التوراة والإنجيل، من خلال البحث عن المؤثِّرات التي أثَّرت في سير القصص القرآنيّ. وقد سار على هذا الرأي بعض المستشرقين الأوائل.

بيد أنَّه يجب التأكيد على أنَّ المستشرقين حالة نقدهم للقصص القرآنيّ أو أيّ قضيَّة أخرى، كانوا يمارسون نوعًا من التمسُّك بعقيدتهم التي يؤمنون بها.

ولا شكَّ في أنَّ القصص القرآنيّ كان هدفًا رئيسًا من أهداف المستشرقين، فأعملوا المنهج الشكِّيّ فيه؛ حتى يصلوا إلى أغراضهم وغاياتهم التي حددوها سلفًا. وهذا يفسِّر تركيزهم على هذا المنهج في دراساتهم، فهو يكفل لهم حسب رؤيتهم التشكيك في كلِّ شيء؛ إذ إنَّ الشكَّ في قضيَّة قرآنيَّة يقود عندهم إلى الشكِّ في أخرى، بل يقود إلى الشكِّ في الأصل. وعليه، فإنَّهم استندوا إلى التشكيك في القصص القرآنيّ ونقده؛ لأنَّه يقود إلى التشكيك في القرآن ذاته، أي في مصدر القصص القرآنيّ خاصَّة والدين الإسلاميّ عامَّة.

(146)

ومن ثَمَّ، نفهم من المناهج المتقدِّمة كلِّها أنَّ أصحابها يدَّعون العلميَّة والمنهجيَّة في دراستهم للقصص القرآنيّ، في حين أنَّ آراءهم التي قصدوا بها النيل من الإسلام تفتقر إلى الأدلَّة العلميَّة، مضافًا لما فيها من التشكيك الواضح في أصالته، والتجاهل التامّ لمصداقيّته، والإنكار المتعمَّد للاختلافات الجوهريَّة بينه وبين غيره من القصص الذي ورد في المصادر السابقة.

 

(147)

خاتمة

يمكن القول إنَّ هذه الدراسة تمخَّضت عن مجموعة من النتائج والأفكار؛ إذ إنَّنا ندرك أوَّلًا طبيعة الدوافع التي أملت على المستشرق المعاصر ومن قبله المستشرقون القدماء، وهي في الغالب الأعمّ كانت أهدافًا لا تمتُّ إلى العلميَّة والمنهجيَّة بصلة، باستثناء بعض الكتابات التي انطلقت من ناحية علميَّة منهجيَّة، كـكتابات «موريس بوكاي» الذي انتهى به منهجه إلى الدخول في الإسلام . فالدوافع التي أملت على الاستشراقَيْن: القديم والمعاصر هي دوافع تصبّ -في التحليل الأخير- في نزع القداسة عن الإسلام بدعوى أنَّ القرآن منتج بشريٌّ صاغه محمَّد من الظروف الثقافيَّة والتاريخيَّة في عصره، وهذا ما لا يثبت أمام العقل والمنطق والحقائق التاريخيَّة.

وقد اهتمَّ المستشرقون بالقصص القرآنيّ في صورتين:

- الصورة الأولى: تأليف الكتب الخاصَّة بالقصص القرآنيّ نقدًا

- الصورة الثانية: التي ربَّما كانت هي الأكثر انتشارًا، وهي عبارة عن قضايا متناثرة في بعض كتب المستشرقين هنا أو هناك بصورة جزئيَّة.

وشغل القصص القرآنيّ حيِّزًا كبيرًا من العقليَّة الاستشراقيَّة، فاتَّخذوه معبرًا للتنفيس عمَّا بداخلهم من أخبارٍ مسبقة عن الإسلام، وبرزت عندهم أفكار، من قبيل: تكرار القصص القرآنيّ، اقتباس القرآن من القصص التوراتيّ والإنجيليّ، أسطرة القصص القرآنيّ، وغيرها من القضايا التي انبنت على تطبيقهم مجموعة من المناهج: المنهج التاريخيّ، منهج التأثير والتأثُّر، منهج المقابلة والمطابقة، المنهج الإسقاطيّ، المنهج التحليليّ وغيرها من المناهج التي امتزجت بنقد وتشويه الإسلام.

(148)

لقد أثبتت هذه الدراسة أنَّ موقف المستشرقين من القصص القرآنيّ كان موقفًا مجافيًا للحقيقة؛ إذ حصر المستشرقون موقفهم منه في اقتباسه من قصص التوراة والإنجيل، أو تكراره، أو وصفه بالأسطرة والخيال، أو اتِّخاذه مطيَّة لنقد بعض القضايا الإسلاميَّة وتشويهها. وهي كلّها قضايا لا تصمد أمام النقد العلميّ والتاريخيّ؛ لأنَّ هذا الموقف يعبِّر عن تعصُّبٍ مقيتٍ للمعتقد الدينيّ أو المذهب السياسيّ، ولا يمتّ بأيَّة صلة إلى الحقائق التاريخيَّة ولا المعطيات المنهجيَّة. وقد اتَّخذت الدراسة موقفًا نقديًّا من هذا الموقف بفروعه المختلفة، مبيّنةً ما ينطوي عليه من عوار.

إنَّ القصص القرآنيّ لم يكن مجرَّد أقاصيص وروايات ملفَّقة من هنا أو هناك، كما يحاول أن يُصوِّر المستشرقون الذين يظنُّون أنَّه من صنع قَصَّاصٍ يفتري الكذب، أو حكّاءٍ يدلّس على الناس. فالقرآن لم يكن هذا، بل كان قول الحقّ والصدق، وإلَّا فليأتِ المستشرقون بدليلٍ عقليٍّ واحد ومحدَّد على صدق وجهة نظرهم، ولكنَّهم لا يمتلكون مثل هذا الدليل؛ إذ إنَّ آراءهم هي مجرَّد استناجات مقصودة بدافع التعصُّب ليس إلَّا، وبالتالي فهي لا ترقى إلى مستوى الدليل.

وقد عمدت الدراسة -أيضًا- إلى لفت النظر إلى أنَّ القراءات الاستشراقيَّة للقصص القرآنيّ لم تقف عند حدود القراءة العقديَّة الدينيَّة، وإنَّما تجاوزتها إلى نوعين آخرين من القراءة: القراءة السياسيَّة التي تحاول أن تستخدم قضيَّة القصص القرآنيّ لكسب سياسيٍّ بمحاولة إثبات تشابهٍ بينه وبين القصص التوراتيّ، والقراءة الثقافيَّة التبادليَّة التي كانت تحاول أن تقيم على هذا التشابه أرضيَّة من التبادل الثقافيّ في ظاهره، لكنَّه كان يهدف إلى تطبيع العلاقات السياسيّة بين العرب وإسرائيل في باطنه؛ ما يعني أنَّ القراءة الثانية كانت وسيلة من وسائل الكسب السياسيّ.

كما أظهرت الدراسة كيف استغلّ المستشرقون المناهج العلميَّة لتحقيق أهدافهم من دراسة القصص القرآنيّ، فقد تنوَّعت المناهج التي استخدموها، وعرج

(149)

الاستشراق القديم والمعاصر بهذه المناهج المتعدِّدة إلى اتِّجاه آخر يتنافى مع العلميَّة والمنهجيَّة ويخدم البرنامج الواضح لغاياتهم؛ فالمنهج التاريخيّ جرى استغلاله لتمرير أيديولوجيَّاتهم وأفكارهم المسبقة حول القصص القرآنيّ والإسلام عامَّة، وكذلك منهج التأثير والتأثُّر ومنهج المقابلة والمطابقة استُغِلَّا لادِّعاء بشريَّة النصِّ القرآنيِّ بما يتضمَّنه من قصص، والمنهج الإسقاطيّ والمنهج التحليليّ والمنهج الشكِّيّ كلّها كانت مطيَّة لتشويه القصص القرآنيّ والادِّعاء باقتباسه ومحاكاته للقصص التوراتيّ والإنجيليّ، حيث استُغلَّت هذه المناهج أسوأ استغلال، وابتعد بها المستشرقون عن روح الأمانة العلميَّة، فاحتوت آراؤهم واستنتاجاتهم على مغالطات كثيرة؛ نتيجة البعد القائم على التعصُّب والأيديولوجيا. ولو أنَّ المستشرقين تركوا للمناهج العلميَّة السديدة أن تقودهم لكان لدراساتهم حول القصص القرآنيّ والدراسات الإسلاميَّة عامَّة نتائج أخرى مغايرة كلِّيًّا لما نتج عنهم.

ومن الملاحظ أنَّ القضايا المثارة حول القصص القرآنيّ لم تختلف في الاستشراق القديم والمعاصر إلَّا في التفاصيل والجزئيَّات الصغيرة، أمَّا الخطوط العريضة فقد كانت واحدة في الغالب، فاللاحق يكرِّر ما قاله السابق، وإن زاد عليه تفصيلة هنا أو جزئيَّة هناك. وقد تطرَّق القرآن ذاته إلى قضيَّة الطعن في القصص القرآنيّ، وكأنّه يورد شبهات القدماء والمحدّثين، والتي لم تخرج عن الادِّعاء ببشريَّة هذا القصص، أو كونه أسطورة، أو إنكاره تحت دعاوى أخرى لا ترقى إلى مستوى البرهان.

ولا يزال الاستشراق الإسرائيليّ -الذي يعدّ صورة من صور الاستشراق المعاصر- يثير شبهاته حول الدراسات القرآنيَّة عامَّة والقصص القرآنيّ بصورة خاصَّة، وهو في ذلك يعدُّ امتدادًا للاستشراق اليهوديّ الأمّ الذي يعدّ صورة من صور الاستشراق القديم؛ ولذا فقد انتهج الأوَّل نهج الثاني حذو القذّة بالقذّة، فانتهى إلى ما انتهى إليه من نتائج غير علميَّة، لا تقدِّم إلَّا مزيدًا من الاحتقان والكراهيَّة بين الغرب والشرق.

(150)

وإذا كان المترجمون اليهود السابقون لمعاني القرآن الكريم قد تحدَّثوا في تقديمهم لترجماتهم عن التأثيرات التوراتيَّة في القرآن الكريم، فإنَّ «روبين» قد ذهب بعيدًا في التشكيك في الوحي الإلهيّ المنزل على نبيّ الإسلام محمَّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . ومعنى هذا أنَّه لم يتلافَ أخطاء سابقيه كما ادَّعى، بل أضاف إليها ادِّعاءات وافتراءات تضع العديد من علامات الاستفهام أمام مقاصد ترجمته وتوقيت صدورها. ومن الجدير بالذكر في هذا الشأن الإشارة إلى موقف سبق أن عبَّرت عنه الدكتورة «حافا لازاروس يافا» المعروفة بمؤلَّفاتها العديدة في علوم القرآن الكريم والدراسات الإسلاميَّة، حين ذكرت في كتابها «עוד שיחות על דת האסלאם» (كلام عن الإسلام) أنَّ القرآن الكريم هو كتاب منَزَّل من الله -تعالى- إلى نبيِّه محمَّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأنَّه لا نظير له في هذا الكون[1].

(151)

المصادر والمراجع

أوَّلًا: المصادر والمراجع العربيَّة:

1- القرآن الكريم.

2- العهد القديم.

3- إنجيل لوقا.

4- ابن حبان، محمَّد: صحيح ابن حبان، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، ط2، بيروت، مؤسَّسة الرسالة، 1414هـ.ق/1993م.

5- إدريس، محمَّد جلاء: الاستشراق الإسرائيليّ في المصادر العبريَّة، لا ط، القاهرة، العربيّ للنشر والتوزيع، 1995م.

6- البار، محمَّد علي: الله جلَّ جلاله والأنبياء في التوراة والعهد القديم دراسة مقارنة، ط1، دمشق، دار القلم؛ بيروت، الدار الشاميَّة، 1990م.

7- بارت، رودي: الدراسات العربيَّة والإسلاميَّة في الجامعات الألمانيَّة، ترجمة: مصطفى ماهر، لا ط، لا م، دار الكتاب العربيّ، 1967م.

8- بارت، رودي: محمَّد والقرآن، ترجمة: رضوان السيِّد، ط1، الإمارات، دار شرق وغرب للنشر، 2009م.

9- البخاري، أبو عبد الله محمَّد بن إسماعيل: صحيح البخاري، لا ط، بيروت، دار الفكر، 1401هـ.ق/ 1981م.

10- بخوش، عبد القادر: مناهج الاستشراق المعاصر في الدراسات الإسلاميَّة، ط1، الكويت، دار الضياء، 2014م.

11- بدوي، عبد الرحمن: دفاع عن محمَّد ضدّ منتقديه، ترجمة: كمال جاد الله، لا ط، لا م، الدار العالميَّة للكتب، لا ت.

12- بكر، محمَّد إبراهيم: قراءات في حضارة الإغريق القديمة، لا ط، القاهرة، الهيئة العامَّة المصريَّة للكتاب، 2002م.

(152)

13- بلاشير، ريجي: القرآن نزوله تدوينه ترجمته تأثيره، تعريب: رضا سعادة، ط1، بيروت، دار الكتاب اللبنانيّ، 1974م.

14- بلير، جون سي: مصادر الإسلام بحث في مصادر العقيدة وأركان الديانة المحمَّديَّة، ترجمة: مالك مسلماني، لا ط، لا م، لا ن، لا ت.

15- البهنسي، أحمد صلاح: التعليقات والهوامش لترجمة أوري روبين العبريَّة لمعاني القرآن الكريم دراسة نقديَّة، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة القاهرة، كلِّيَّة الآداب، 2012م.

16- البوطي، محمَّد سعيد رمضان: هذه مشكلاتهم، ط1، بيروت، دار الفكر المعاصر، 1990م.

17- بوكاي، موريس: التوراة والإنجيل والقرآن والعلم، ترجمة: حسن خالد، ط3، بيروت؛ دمشق، المكتب الإسلاميّ، 1411هـ.ق/1990م.

18- بيرك، جاك: إعادة قراءة القرآن، ترجمة وتعليق: منذر عياشي، ط2، حلب، مركز الإنماء الحضاريّ، 2005م.

19- البيهقي، أحمد بن الحسين: دلائل النبوَّة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة، تحقيق وتعليق: عبد المعطي قلعجي، ط1، بيروت، دار الكتب العلميَّة، 1405هـ.ق/1985م.

20- الترمذي، أبو عيسى محمَّد بن عيسى: الجامع الكبير (سنن الترمذي)، تحقيق وتخريج الأحاديث وتعليق: بشَّار عوَّاد معروف، ط1، بيروت، دار الغرب الإسلاميّ، 1996م.

21- جايجر، إبراهيم: اليهوديَّة والإسلام: ترجمة: نبيل فيَّاض، ط1، بيروت؛ بغداد، دار الرافدين، 2018م.

22- جولدتسيهر، إجناتس: العقيدة والشريعة في الإسلام، ترجمة: يوسف موسى بالاشتراك، لا ط، القاهرة، لا ن، 1948م.

23- جولدتسيهر، إجناتس: مذاهب التفسير الإسلامي، تحقيق ودراسة: عبد الحليم  النجَّار، مصر، مكتبة الخانجي؛ بغداد، مكتبة المثني، 1955م.

24- جيب، هاملتون: دراسة في حضارة الإسلام، ط2، بيروت، دار العلم للملايين، 1974م.

25- الحاج، ساسي سالم: الظاهرة الاستشراقيَّة وأثرها على الدراسات الإسلاميَّة، ط1، لا م، مركز دراسات العالم الإسلاميّ، 1991م.

26- الحاج، ساسي سالم: نقد الخطاب الاستشراقيّ في الظاهرة الاستشراقيَّة وأثرها في الدراسات الإسلاميَّة، لا ط، لا م، دار المدار الإسلاميّ، 2002م.

(153)

27- حسن، محمَّد خليفة: أزمة الاستشراق الحديث والمعاصر، الرياض، عمادة البحث العلميّ في جامعة الإمام محمَّد بن سعود الإسلاميَّة، 1421هـ.ق/2000م.

28- الحفني، عبد المنعم: موسوعة القرآن العظيم، ط1، القاهرة، مكتبة مدبولي، 2003م.

29- حنفي، حسن: دراسات إسلاميَّة، ط2، لا م، دار التنوير، 1982م.

30- الخراشي، سليمان بن صالح: نظرات شرعيَّة في فكرٍ منحرف، ط1، القاهرة، مكتبة التوحيد، 1427هـ.ق/2007م.

31- راغين، بو شعيب: الإحداثيَّات المبتدعة في قراءة جاك بيرك الاستشراقيَّة للقرآن الكريم، لا ط، لا م، لا ن، لا ت.

32- الزركش، بدر الدين: البرهان في علوم القرآن، ط1، القاهرة، دار إحياء الكتب العربيَّة عيسى البابيّ الحلبيّ وشركاه، 1957م.

33- زقزوق، محمود حمدي: "الاستشراق والخلفيَّة الفكريَّة للصراع الحضاريّ"، كتاب الأمَّة، ط1، لا م، لا ن، لا ت.

34- زقزوق، محمود حمدي: الإسلام في الفكر الغربيّ، لا ط، الكويت، دار القلم، 1401هـ.ق/ 1981م.

35- الزيني، محمَّد عبد الرحيم: الاستشراق اليهوديّ رؤية موضوعيَّة، ط1، مصر، دار يقين للنشر والتوزيع، 1432هـ.ق/2011م.

36- السجستاني، أبو بكر عبد الله بن أبي داوود سليمان بن الأشعث: كتاب المصاحف، تصحيح ووقوف على الطباعة: آرثر جيفري، ط1، مصر، المطبعة الرحمانيَّة، 1355هـ.ق/ 1936م. 

37- سل، كانون: تطوُّر القرآن التاريخيّ، ترجمة: مالك مسلماني، لا ط، لندن، لا ن، 2011م.

38- شباير، هاينريش: قصص أهل الكتاب في القرآن، ترجمة وتقديم وتعليق: نبيل فيَّاض، ط1، بيروت، دار الرافدين، 2018م.

39- الشرقاوي، محمَّد عبد الله: الاستشراق والغارة على الفكر الإسلاميّ، لا ط، القاهرة، دار الهداية، 1989م.

40- الطبريّ، محمَّد بن جرير: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تقديم: خليل الميس، ضبط وتوثيق وتخريج: صدقي جميل العطَّار، لا ط، بيروت، دار الفكر، 1415هـ.ق/1995م.

(154)

41- عثمان، عبد الكريم: معالم الثقافة الإسلاميَّة، ط16، لا م، مؤسَّسة الرسالة، 1992م.

42- عزوزي، حسن بن إدريس: ملاحظات على ترجمة معاني القرآن الكريم للمستشرق الفرنسيّ جاك بيرك، لا ط، فاس (المغرب)، لا ن، لات.

43- العلمي، مبارك: من قصص القرآن الكريم، لاط، لا م، لا ن، 2000م.

44- فوك، يوهان: تاريخ حركة الاستشراق.. الدراسات العربيَّة والإسلاميَّة في أوروبا حتَّى بداية القرن العشرين، نقله عن الألمانيَّة: عمر لطفي العالم، ط2، لا م، دار المدار الإسلاميّ، 2000م.

45- لوبون، غوستاف: حضارة العرب، ترجمة: عادل زعيتر، لا ط، القاهرة، مؤسَّسة هنداوي للتعليم والثقافة، لا ت.

46- المحص، عبد الجواد: أباطيل الخصوم حول القصص القرآنيّ، لا ط، الإسكندريَّة، الدار المصريَّة، 2000م.

47- مطبقاني، مازن: الاستشراق والاتِّجاهات الفكريَّة في التاريخ الإسلاميّ .. برنارد لويس نموذجًا، لا ط، الرياض، مكتبة الملك فهد الوطنيَّة، 1995م.

48- نقرة، التهامي: القرآن والمستشرقون في مناهج المستشرقين في الدراسات العربيَّة والإسلاميَّة، لا ط، تونس، المنظَّمة العربيَّة للتربية والثقافة والعلوم، 1985م.

49- النملة، عليّ بن إبراهيم: ظاهرة الاستشراق مناقشات في المفهوم والارتباطات، ط2، الرياض، 1424هـ.ق/2003م.

50- نولدكه، تيودور: تاريخ القرآن، تعريب: جورج تامر، لا ط، بيروت، لا ن، 2004م.

51- وات، مونتجمري: محمَّد في مكَّة، تعريب: عبد الرحمن عبد الله الشيخ، لا ط، القاهرة، الهيئة المصريَّة العامَّة للكتاب، 1994م.

52- يافا، حافا لازاروس: الإسلام ونقد العهد القديم في العصر الوسيط، ترجمة: محمَّد طه عبد الحميد، لا ط، القاهرة، مركز الدراسات الشرقيَّة في جامعة القاهرة، ضمن سلسلة الدراسات الدينيَّة والتاريخيَّة، 2008م.

ثانيًا: المصادر والمراجع الأجنبيَّة:

1- Awais, Ammar: 70 lessons from the stories of the quren, 2017

2- Chaudhry, Rashed Ahmed: Stories From Early Islam, India, 2017.

(155)

3- E. M Wherry, M. A: The Quran Comprising Sal’s Translation, and Preliminary Discourse, London, 1896.

4- Federer, William: What Every American Needs to Know About the Qur’an - A History of Islam & the United States, 2007.

5- Itani, Talal: The Quran Translated To Englishi, Published By Clear Quran, Dallas, Beirut, 2000.

6- Jeffery, Arther: Materials for the history of the text of the quran, the old codices, Leiden e, j Brill, 1937.

7- Johns, A. H.: Narrative, Intertext and Allusion in the Qur’anic Presentation of Job, journal of quranic studies, vol 1, 1999.

8- Miller, Gary: The Amazing Quran, Abul Qasim Publishing House, 2006.

9-  Neuwirth, Angelika: Negotiating Justice: A Pre-Canonical Reading of the Qur’anic Creation Accounts (Part I), journal of quranic studies, Vol 2, Issue1, 2000.

10-  Pavlovitch, Pavel: The Condensations of Sacred History, On David Powers’ Biography of Zayd, AL-QANTARA, XXXVI 2, julio-diciembre 2015.

11-  Powers, Muḥammad is Not the Father of Any of Your Men. The Making of the Last Prophet, Philadelphia, penn: university of Pennsylvania.

12- Robert G., Morrison: Natural Theology and the Qur’an, journal of qur’anic studies, 2013.

13-  Rubin, Uri: Between Bible and Qur’an: The Children of Israel and the Islamic Self-Image, The Darwin press. ING, PRINCETON, NEW GERSEY, 1999.

14-Saeed, Abdullah: Rethinking ‘Revelation’ A as aprecindition for Reinterpreting the qur’an Qur’anic Perspective, journal of quranic studies, vol 1, 1993.

15- Walid A. Saleh :Review ARticle Muḥammad is Not the Father of Any of Your Men: The Making of the Last Prophet, by David S. Powers. University of

(156)

Pennsylvania Press, 2009, [CIS 6.1–2 (2010) 251–264]  Comparative Islamic Studies.

16- White, James R.: What Every Christian Needs to Know About the Qur’an, Published  May 1st 2013 by Bethany House Publishers.

ثالثًا: الدوريَّات العربيَّة:

1- البهنسي، أحمد: "كتاب مصادر يهوديَّة في القرآن للمستشرق شالوم زاوي عرض وتقويم"، مجلَّة القرآن والاستشراق المعاصر (مجلَّة فصليَّة متخصِّصة تعنى بالاستشراق المعاصر للقرآن الكريم، تصدر عن المركز الإسلاميّ للدراسات الاستراتيجيَّة في بيروت التابع للعتبة العبَّاسيَّة المقدَّسة)، السنة الأولى، العدد 3، صيف 2019م.

2- الديبو، إبراهيم أحمد: "ابن حزم الأندلسيّ رائد الدراسات النقديَّة للتوراة"، مجلَّة جامعة دمشق للعلوم الاقتصاديَّة والقانونيَّة، المجلَّد 23، العدد الثاني، سنة 2007م.

3- عياد، محمَّد كامل: مجلَّة مجمع اللغة العربيَّة في دمشق، أكتوبر، 1969م، المجلَّد44، ج4.

4- مجموعة مؤلِّفين: الموسوعة القرآنيَّة المتخصِّصة، لا ط، القاهرة، المجلس الأعلى للشؤون الإسلاميَّة، 2007م.

5- النصراويّ، عادل عبَّاس: "محتوى النصّ القرآنيّ في فهم المستشرقين"، مجلَّة دراسات استشراقيَّة (مجلَّة فصليَّة محكّمة تعنى بالتراث الاستشراقيّ عرضًا ونقدًا، تصدر عن المركز الإسلاميّ للدراسات الاستراتيجيَّة في بيروت التابع للعتبة العبَّاسيَّة المقدَّسة)، السنة الثالثة، العدد 6، شتاء 2016م.

رابعًا: المواقع والروابط الإلكترونيَّة:

1. أبو غدير، محمَّد محمود: "ترجمة أوري روبين لمعاني القرآن الكريم بالعبريَّة"، على الرابط الآتي:

 http://www.alhiwartoday.net/node/565.

بابانا العلويّ، أحمد: "المستشرقون والدراسات القرآنيَّة"، على الرابط الآتي:

https://www.diwanalarab.com/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%AA%D8%B4%D8%B1%D9%82%D9%88%D9%86.

(157)

2. البهنسي، أحمد: "الاستشراق الإسرائيليّ ... الإشكاليَّة والسمات والأهداف"، مقال منشور على الرابط الآتي:

 https://vb.tafsir.net/tafsir35662/#.Xj3GYtSF7wc.

3. البهنسي، أحمد: "الاستشراق والاستشراق الإسرائيليّ (1/2)"، حوار منشور على موقع مركز تفسير للدراسات القرآنيَّة، على الرباط الآتي:

  https://tafsir.net/interview/18/al-astshraq-walastshraq-al-isra-iyly-1-2.

4. زناتي، أنور محمَّد: "المستشرق سيدرسكي القصص القرآنيّ مستقى من المصادر اليهوديَّة والمسيحيَّة"، معجم افتراءات الغرب على الإسلام، حرف السين، على الرابط  الإلكترونيّ الآتيّ:

https://rasoulallah.net/ar/articles/article/7502.

5. زناتي، أنور محمَّد: "المستشرق سيدرسكي القصص القرآنيّ مستقى من المصادر اليهوديَّة والمسيحيَّة"، معجم افتراءات الغرب على الإسلام، حرف الباء، على الرابط  الإلكترونيّ الآتيّ:

.http://rasoulallah.net/ar/articles/article/7172

6. الشريم، سعود: القصص القرآنيّ، موقع شبكة الألوكة الإلكترونيَّة، على الرابط الآتي:

 https://www.alukah.net/sharia/0/2169.

7. مينغانا، ألفونس: "التأثير السريانيّ على أسلوب القرآن"، ترجمة: مالك مسلماني، دراسة منشورة على الإنترنت في 18 كانون الثاني 2005م، ص3، على الرابط الآتي:

http://www.muhammadanism.org/Quran/documents/syriac_influence_quran_arabic.doc

8. موقع «المعرفة» الإلكترونيّ، على الرابط الآتي:

https://www.marefa.org/%D8%A3%D8%B1%D8%AF%D8%A7_%D9%88%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%81_%D9%86%D8%A7%D9%85%D9%87.

(158)
هذا الكتاب القصص القرآني في مرآة الاستشراق دراسة نقدية ، تتناول بالتحليل والمناقشة والنقد مجموعة من الإشكاليات المنهجية والمضمونية ، التي أثارها المستشرقون حول القصص القرآني ، والقران الكريم ، وكيف ربط المستشرقون - بناء على فهم القصص - موقفهم من الإسلام والقرآن والعقيدة وأفرط الكثير منهم في تقديم النقد اللاذع للأنبياء ، فضلا عن سعيهم لإسقاط الشرائع والرسالات السماوية ولهذا تشكل هذه الدراسة عملا مميزا واضافة نوعية للمكتبة الاستشراقية ، ولا سيما أن الباحث اعتمد منهجا وصفيا تحليليا مع المناقشة والنقد حيث تدعو الحاجة لذلك المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية http://www.iicss.iq [email protected]