فهرس المحتويات

 

 

الفهرس

 

مقدمة المركز5

مقدمة الكتاب6

المبحث الأول: حياته ومؤلفاته11

المبحث الثاني: وحدة الثقافة والحضارة عند بن نبي15

المبحث الثالث: مفهوم الاستعمار29

المبحث الرابع: موقف مالك من الحضارة الغربية43

خاتمة البحث83

مراجع البحث87

(3)

مقدمة المركز

تهدف سلسلة «نحن والغرب» إلى إحياء وتفعيل الحركة المعرفية والنقدية حيال قيم الغرب في الثقافة العربية والإسلامية المعاصرة.

تقوم منهجية هذه السلسلة على تظهير أعمال مفكرين وعلماء من الذين أثروا الثقافة العربية والإسلامية بإسهامات نقدية وازنة في سياق المساجلات والمناظرات مع الأفكار والمفاهيم الغربية ولا سيما منها التي ظهرت بالتزامن مع تدفقات الحداثة وما رافقها من عمليات توسع استعماري إلى بقية العالم.

إن المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية إذ يقدّم هذه السلسلة إلى القرّاء يحدوه الأمل بأن يُسهم هذا المسعى المعرفي في تنشيط فضاءات التفكير النقدي وتأسيس مناخات فكرية جادّة في العالمين العربي والإسلامي.

 * * *

يسعى مؤلف هذا الكتاب إلى الإضاءة على شخصية المفكر النهضوي الجزائري مالك بن نبي ودوره في إحياء الفكر النقدي للغرب بين النخب العربية والإسلامية في خلال النصف الأول من القرن العشرين المنصرم. كما يبين المرتكزات الفكرية الأساسية التي أقام عليها بن نبي مشروعه الحضاري ولا سيما لجهة المقاومة الثقافية للاستعمار الجديد.

والله ولي التوفيق

المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية

(5)

 

مقدمة:

 يعتبر مالك بن نبي علم من أعلام الفكر الإسلامي العربي في القرن العشرين، وهوأحد رواد النهضة الفكرية الإسلامية، ويعد من أكثر المفكرين المعاصرين الذين نبهوا إلى ضرورة العناية بمشكلات الحضارة. والمتأمل في أعماله الفكرية، يجدها تعالج مسألة واحدة تدور حول محور واحد، هومشكلة الحضارة، باعتبار أن الحضارة هي الإطار الذي ينظم كل هذه الأجزاء التي نسميها في مكان ما مشكلة سياسية، وفي مكان آخر مشكلة اقتصادية، وفي مكان ثالث مشكلة أخلاقية. ومن هنا يرى مالك أن مشكلة كل شعب في جوهرها هي مشكلة حضارية، ولا يمكن لشعب أن يفهم أويحل مشكلته ما لم يرتفع بفكرته إلى الأحداث الإنسانية، ولم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أوتهدمها. ولقد كان مالك بن نبي مفكرًا مبدعًا، وصاحب نظرية عميقة في البناء الحضاري، وامتلكت أفكاره مكونات القوة، بتركيزها على القضايا الأساسية المحورية في العالم الإسلامي، فأهتم بمشكلات الحضارة والنهضة والثقافة وغيرها، وكانت جهوده في بناء الفكر الإسلامي وفي دراسة المشكلات الحضارية متميزة سواء من حيث الموضوعات التي تناولها، أومن حيث المناهج التي اعتمدها في ذلك. وكان صاحب إنتاج غزير وخصب، فألف سلسلة كتب تحت عنوان (مشكلات الحضارة) ثم الظاهرة القرآنية، ومشكلة الثقافة، شروط النهضة، وجهة العالم الإسلامي، المسلم في عالم الاقتصاد، الفكرة الأفريقية الأسيوية. وغيرها من الكتب المهمة التي كانت في طليعة اهتمامه بمشكلات وهموم وطنه العربي والإسلامي. ولقد أهتم مالك في فكره ومشروعه الإصلاحي التجديدي بالحضارة الغربية، وإلقاء الضوء على أهم سلبياتها وكذلك ايجابيتها. ودرس بعمق هذه الحضارة، وحاول الوصول إلى

(6)

الحقائق الموضوعية التي يسير وفقها منطق التاريخ، الذي صار من أهم مميزاته في أواخر القرن العشرين، أن الإنسانية موحدة في مصيره ومتشابكة مما حتم عليه الغوص في عمق الظاهرة الحضارية عبر التاريخ. ولقد وضح مالك بن نبي في دراسته للظاهرة الحضارية الغربية إلى بعض سمات هذه الحضارة، ويرى أن أهم ما يميز الحضارة الغربية المعاصرة هي إشعاعها العالمي(عالميتها المركزية) ومحاولة بسط هيمنتها ونفوذها على العالم، وماديتها التي تشكل رؤيتها إلى الكون والتاريخ، وكذا فعاليتها الانجازية على المستوى الاجتماعي والمادي، ثم نزعتها إلى الجمال التي ترجع إلى الجذر. ومن هنا يدعونا مالك بن نبي إلى البحث في جذور الحضارة الغربية ومألاتها وواقعها الحالي، وما أضافته من انجازات إلى التراث البشري، وما أحدثته من فوضى في العالم، لذا يدعونا إلى التفرقة بين مستويين من التحليل: المستوى الأول يرتبط بإعطاء حكم قيمي، وأما الثاني فهويرصد الظاهرة في حركتها على مسرح التاريخ وميدان التغيير الاجتماعي، أي كما في الواقع. ومن هذا المستوى الأخير يمكن أن نلحظ مظاهر الهيمنة الغربية على العالم، وانتشار منتجاتها الحضارية في كل مكان، وتحكمها في مسيرة الإنسانية خلال القرنين الأخيرين على الأقل. ورغم نقد أبن نبي لنموذج الحضارة الغربية وهيمنتها على العالم، إلا أنه ينظر للموضوع أيضا من زاوية اجتماعية ـ تاريخية، إذ أن الإنسانية مع الحضارة الغربية اقتربت بينها المسافات، وتوحدت مشاكلها وأمالها، بشكل جعل المصير الإنساني مشتركًا وموحدًا. ورغم أن الاستعمار الغربي استنزف العالم كله، وشمل كل قطر، فقد وحد هموم الإنسانية وجعلها كلها تتعرض لهيمنة النموذج الغربي. وفي هذا السياق يرى مالك أن أوروبا أوالحضارة الغربية لم ترد تمدين العالم، ولكنها وضعته على طريق الحضارة حين جعلت تحت تصرفه الوسائل المادية ليتبع الطريق، وحين أمدته بإرادة للسير فيه، ويشير إلى أن الموجة الأوربية لم تأت للعالم بغمرة الرفاة المادي فحسب، مثل المنتجات الإليكترونية والصناعية، بل أنها قد أتته أيضا بتروك روحية لاجدال فيها. ويستمر مالك في نقده للحضارة

(7)

الغربية ويرى أن هذه الحضارة التي تقدمت بفعل اطراد عملها وضميرها، يبدوأنها تعاني من فصام بين هذين العاملين، فالعلم يرفعها نحوالتوحد مع الإنسانية، بينما ضميرها متخلف عن تقدمها العلمي، مما جعلها تحاول أن تجعل من إشعاعها العالمي نوعًا من الهيمنة التي تؤكد التمركز الغربي. وفي محاولة لتعرية هذه الحضارة الغربية من نغمة تفوقها المادي، يرى أن هذه الحضارة ينقصها البعد الإنساني الحقيقي، ذلك أن فيها فصاما بين علمها وروحها، فهي من جهة العوامل الفنية التقنية تدفع بالإنسانية ـ ولومن غير قصد إلى التوجه العالمي، أما من جهة روحها وضميرها فأنه مثقل بثقافة الإمبراطورية، أي ثقافة السيطرة، المتجذرة في اللاشعور الغربي. وهذه الروح جعلت من هذه الحضارة تهمل إنسانية الإنسان، لأنها ظلت تتعامل مع الإنسان غير الغربي باعتباره هامشًا  وملحقًا بالمركز الغربي، لأنه أبن المستعمرات. ويرى أبن نبي أن الاستعمار الغربي سبب ونتيجة في الوقت نفسه، فهومن جهة نتيجة لثقافة الإمبراطورية المتأصلة في النفسية الأوروبية، تلك الثقافة التي تقوم على أساطين السيادة والاستعمار. ويجب أن نلفت الانتباه إلى حقيقة مهمة وهي أن منظور أبن نبي في دراسة الحضارة الغربية يقوم على نظريته في الدورة الحضارية التي تشكل المدخل الأساسي والرئيس لنقد مالك للحضارة الغربية. وسوف نعرض لتلك النظرية بالتفصيل بعد ذلك. وبعين الفاحص الخبير والناقد البصير يضع أبن نبي يده على مشكلة العالم الإسلامي  ويحلل تلك الصلة والعلاقة مع الغرب، ويرى أن الحاجة إلى معرفة الغرب أمر مهم وضروري لمعرفة عوامل ضعف وقوة الحضارة الغربية، ولذا يقول أن هذا الإشعاع العالمي الشامل الذي تتمتع به ثقافة الغرب، هوالذي جعل من فوضاه الحالية مشكلة عالمية، ينبغي أن نحللها وأن نتفهمها في صلاتها بالمشكلة الإنسانية عامة، وبالتالي بالمشكلة الإسلامية، وهذا لا يجعل العالم الإسلامي تابعًا في حلوله للغرب، وإنما يتطلب منه أن يعرف التجارب حتى يتحقق من مدى نسبيتها ومدى قابليتها للنقل والاستفادة، فإذا ما أدرك العالم الإسلامي أن صدق الظواهر الأوربية مسالة نسبية، فسيكون

(8)

من السهل عليه أن يعرف أوجه النقص فيها ويدعونا إلى عدم الأخذ بالنموذج الغربي حرفيًا، بل ما يصلح لمجتمعنا الإسلامي وظروفنا.ويرى أن المسلم يحكم على النظام الأوروبي الذي يحيط به أوالذي يستشعر وجوده في مطالعاته المبتورة، فأفكاره عن الحضارة الأوروبية الغربية تصدر عن الحكم المبتسر. ويجب أن نلفت الانتباه إلى أن نقد مالك للحضارة الغربية كان بمنظار الناقد الذي عايش تلك الحضارة بمشاعره ولم يكتف بالتأمل فيها من الخارج، ولقد تغلغل في أعماق الحضارة الغربية بفضل دراساته وزواجه وعلاقاته وقراءاته، وطول المدة التي عاشها في باريس. لذا يشير إلى أن الغرب تجربة تعد درسًا خطيرًا لفهم مصائر الشعوب والحضارات، فهي تجربة مفيدة لبناء الفكر الإسلامي، وتحقيق الوعي ألسنني. ومن هنا يرى ضرورة فهم الغرب في عمقه وتحديد خصائصه، ومعرفة ما يتميز به من ايجابيات وسلبيات، حتى لا تكون معرفتنا به سطحية مبتسرة، وأفكارنا عامة وغير نابعة من اطلاع متأمل. ويجب أن نوضح أن أفكار مالك متكاملة ومتداخلة، فلا نستطيع نقد الحضارة الغربية في فكره بدون الحديث عن موقفه من الحضارة ونظريته عن الثقافة والحديث عن الاستعمار بكل أشكاله، ومصطلحات مثل معامل الاستعمار والقابلية للاستعمار كل هذا سوف نوضحه بالتفصيل من خلال هذا الكتاب.

ويتكون هذا الكتاب من مقدمة عامة وأربعة مباحث وخاتمة ثم قائمة بالمراجع. المبحث الأول بعنوان (حياته ومؤلفاته) والمبحث الثاني وحدة الثقافة والحضارة عند بن نبي) أما المبحث الثالث فيندرج تحت (مفهوم الاستعمار) والمبحث الرابع(موقف مالك من الحضارة الغربية).

(9)
(10)

 

 

 

 

 

المبحث الأول

حياته ومؤلفاته

(11)

 

هومالك بن الحاج عمر بن الخضر بن مصطفى بن نبي، ولد في مدينة قسطنطينية إحدى المدن الجزائرية في السادس من ذي القعدة 1323هـ- 28 من كانون الثاني يناير 1905. ويرى أن ولادته في تلك الفترة من الزمن مكنته من الشهادة على القرن حيث أتيحت له الفرصة للاتصال بالماضي والمستقبل، ولذا يقول في ذلك أن من ولد بالجزائر عام 1905 يكون قد أتى في فترة يتصل فيها وعيه بالماضي الممثل في أواخر تطوره، وبالمستقبل في أوائل صائغيه[1].

وكان مالك غزير الإنتاج الفكري في جميع مجالات الفكر والثقافة، وترك لنا مؤلفات عديدة تشهد على عقليته الموسوعية، وسعة اطلاعه، وحبه للثقافة والفكر. ولعل من أبرز هذه المؤلفات: الظاهرة القرآنية عام 1946، شروط النهضة 1948، وجهة العالم الإسلامي 1954، حديث في البناء الجديد 1960، مشكلة الثقافة 1959، الصراع الفكري في البلاد المستعمر، أفاق جزائرية،بين الرشاد والتيه 1978.

التكوين الفكري: يجب الإشارة هنا إلى وجود عدة جوانب ومقومات لعبت دورًا محوريًا في التكوين الفكري لشخصية مالك بن نبي لعل أبرزها: حب القراءة ومطالعة جميع ما يقع تحت يده من مادة فكرية، كذلك حب المناقشة وممارستها في مجال الأفكار[2].

أيضا من أهم المؤثرات الفكرية الأسرة حيث كان لأسرة مالك بن نبي أثر ملموس في تحديد اتجاهه الفكري الذي عرف به، فقد كانت أسرته محافظة، تتسم بعاطفة

إسلامية واعية، وكان تأثير والديه من جانبين: 1-الجانب الإيماني حيث في

(12)

كتابه(الظاهرة القرآنية) في الإهداء إلى والديه يقول إلى روح أمي إلى أبي إلى الوالدين اللذين قدما لي في المهد أثمن الهدايا، هدية الإيمان، فقد حرصا على توجيهه الوجهة المستقيمة. 2- التوجيه العلمي فقد حرصا على تعليم أبنهما، فألحقاه بالمكتب القرآني ثم بالمدرسة الوحيدة في البلد حينما أتيحت له الفرصة[1].

(13)
(14)

 

 

 

 

 

المبحث الثاني

وحدة الثقافة والحضارة في فكر بن نبي

(15)

 

بداية يجب الإشارة إلى نقطة مهمة ومحورية وهي أننا لا نستطيع أن ندرس الحضارة بوجه عام في فكر مالك، ولا موقفه من الحضارة الغربية بوجه خاص بدون دراسة موقفه من الثقافة، لأن الثقافة والحضارة مرتبطان ارتباطًا وثيقًا في فكر مالك بن نبي، لذا من الأهمية بمكان أن نلقي الضوء على مفهوم الثقافة عنده.

بداية تبرز الثقافة عند مالك بن نبي باعتبارها ذات علاقة وظيفية بالحضارة، تهيئ لقيامها، وتحافظ على استمرارها في تحديدها من ناحيتين: الأولى تقويض البناء السابق لها، والذي تكمن في طياته جراثيم التخلف والركود. الثانية: إعادة البناء بواسطة منهج تربوي يحدد أسلوب حياة المجتمع، وسلوك أفراده، بما يتفق وانجاز حضارة. ونود أن نلفت الانتباه في هذا السياق إلى أن السبيل الصحيح عنده هوإدراك الثقافة وفهمها باعتبارها واقعًا اجتماعيًا، والتخطيط لها بناء على ذلك الفهم. لذا فهويتناول تعريف الثقافة من ناحيتين: الناحية الأولى في ضوء تفسيرها، باعتبارها واقعًا تاريخيًا. الناحية الثانية في ضوء وظيفتها في البناء باعتبارها منهجًا تربويًا، فهي باعتبارها واقعًا اجتماعيًا ـ تمثل مجموعة من الصفات الخلقية، والقيم الاجتماعية التي تؤثر في الفرد منذ ولادته، وتصبح لاشعوريا العلاقة التي تربط سلوكه بأسلوب الحياة في الوسط الذي ولد فيه. فالثقافة بيئة مكونة من الألوان والأصوات والأشكال والحركات والأشياء المأنوسة والمناظر والصور، فهي بيئة تمارس مفعولها، في الوسط الذي يتشكل داخله الكيان النفسي للفرد، بالصورة نفسها التي يتم بها تشكل كيانه العضوي داخل مجال الجوالحيوي الذي ينتظمه، فنحن لا نتلقى الثقافة وأنما نتنفسها ونتمثلها بالطريقة نفسها، والتي يتم بمقتضاها تنفسنا وتمثلنا لأوكسجين الهواء[1].

(16)

بناء على ذلك التعريف للثقافة عند مالك يتضح لنا أن تفسيرها يرجع إلى العنصر النفسي، والعنصر الاجتماعي، والعلاقة المتبادلة بينهما حسب مرحلتهما التاريخية. فالثقافة هي الجوالعام الذي يطبع أسلوب الحياة في مجتمع معين، وسلوك الفرد فيه بطابع خاص يختلف عن الطابع الذي نجده في حياة مجتمع أخر[1].

ومن هنا يرتكز هذا التعريف للثقافة على أساس رؤية مالك لمشكلة الحضارة، باعتبار قيامها على أساس مبدأ معين يميزها عن غيرها من الحضارات وتشكل تجسيده في التاريخ بحسب مرحلتها، باعتبار مرورها بمراحل في النتائج. فهذا التعريف الشامل للثقافة هوالذي يحدد مفهومه، فهي المحيط الذي يعكس حضارة معينة، والذي يتحرك في نطاقه الإنسان المتحضر، وبناء على ذلك يمكن أن نعيد تصنيف العناصر التي تتكون منها الثقافة كما يلي:

    1- عناصرها النفسية سلوك الفرد.

    2- عناصرها الاجتماعية (أسلوب الحياة في المجتمع).

    3- العلاقة المتبادلة بين هذه العناصر التي تحدد سلوك الفرد بأسلوب حياة، وأسلوب حياة المجتمع بسلوك الفرد[2].

ثم أخيرًا المبدأ أوالمثل الأعلى، ففاعلية العناصر الثلاثة تتحقق بقدر ما يكون تجسيده في الواقع، وتقل الفاعلية بقدر ما يختل تجسيده في الواقع. ثم بعد ذلك يتحدث عن الثقافة الإسلامية وكيف أنها ثقافة متميزة عن غيرها من الثقافات الأخرى، فإذا كانت الثقافة الغربية هي ثمرة الإنسان، والثقافة الماركسية هي ثمرة المجتمع، فأن الثقافة الإسلامية هي ثمرة الإسلام. ثم يعرج بعد ذلك مالك بن نبي على تعريف الثقافة باعتبار وظيفتها (التخطيط والثقافة) ويتناول تعريف الثقافة من

(17)

ناحيتين: الأولى باعتبارها واقعة اجتماعية، الثانية باعتبار وظيفتها في صورة منهاج تربوي، يمكن من تحقيقها عمليا عن طريق تركيب عناصرها بصورة فنية. ويتضح لنا من خلال هذا التعريف أنه يمثل تحديد للثقافة بصورة ايجابية، يجب أن يسبقه تحديد سلبي بالنظر إلى الواقع الإجتماعى. فلأبد من تحديد الأوضاع من جانبين الأول: تحديد سلبي يصفي رواسب الماضي. والثاني: تحديد ايجابي يتمثل في منهاج تربوي أودستور للحياة الكريمة[1].

فالتحديد السلبي أمر لازم لتصفية الإطار الإجتماعى من الرواسب قبل البناء، فمن أول واجبات المجتمع الناهض تصفية عاداته وتقاليده، وإطاره الخلقي والإجتماعى، مما فيه من عوامل ميتة أوعوامل قتاله، حتى يصفوالجوللعوامل الحية والداعية إلى الحياة. فالفكرة الميتة هي فكرة خذلت أصولها، وانحرفت عن نموذجها المثالي، ولم يعد لها جذور في محيط ثقافتها الأصلي. وأما الفكرة القاتلة فهي فكرة فقدت شخصيتها وقيمتها الثقافية، بعد أن فقدت جذورها التي ظلت في مكانها في عالمها الثقافي الأصيل. ويرى مالك أن كلا الجانبين خيانة للأفكار، مما يجعلها سلبية أوضارة[2].

فعملية تركيب العناصر الثقافية تتم تلقائيًا وبصورة عادية، فإذا ما وصل مجتمع معين تطوره الطبيعي، فأنه يؤدي عملية تركيب ثقافته بصورة تلقائية، وتنحصر في تنظيم المقومات الثقافية في وحدة متجانسة، تمثل ثقافته، وليس هذا منهجًا يقوم على أساس تنظيم الثقافة وإنما هي ظاهرة. وفي ضوء هذا التحليل يتضح لنا أن ظاهرة التثقيف تشترك فيها عدة عوامل: الأول عالم الأشخاص، الثاني عالم الأفكار، الثالث عالم الأشياء، الرابع عالم العناصر والظواهر الطبيعية. وبهذا يمكن التوصل إلى العنصر الجوهري الأول من عناصر الثقافة وهوالمبدأ الأخلاقي، فالشرط الأول

(18)

العام لتحقيق مشروع ثقافة هوإذا الصلة بين الأشخاص أولًا، فأساس كل ثقافة هوبالضرورة تركيب وتأليف لعالم الأشخاص[1].

المبدأ الثاني هوالروح الأخلاقية أوالمبدأ الأخلاقي، فالروح الأخلاقية تتكون لدى الجماعة انطلاقا من الدين السماوي، فالمبدأ الأخلاقي يستند إلى الدين، ويستمد منه الدوافع والغايات التي تحدد للمجتمع التاريخي وجهته، من أجل ذلك لأبد من تحديد ثقافة ما. العنصر الثالث هوالذوق الجمالي والذي يحدد صورة العلاقات، فهوالذي يطبع الصلات الاجتماعية بطابع خاص، فيضفي على الأشياء الصورة التي تتفق مع الحساسية والذوق العام، من حيث الألوان والأشكال، فيحقق بذلك فرقا بين الثقافة والعلم، فالعلم تنتهي مهمته عند إنشاء الأشياء وفهمها، بينما الثقافة تستمر في تجميل الأشياء وتحسينها[2].

فبالذوق الجميل الذي ينطبع في فكر الفرد، يجد الإنسان في نفسه نزوعًا إلى الإحسان في العمل، وتوخيًا لكريم من العادات. فالإطار الحضاري بكل محتوياته متصل بذوق الجمال، بل الجمال هوالإطار الذي تتكون فيه أي حضارة.

مما سبق يتضح لنا ارتباط مفهوم الثقافة عند مالك بن نبي بالحضارة، وكيف أن هذه العلاقة تمثل علاقة وثيقة لا تنفصم عراها،فالثقافة تساعد في قيام الحضارة، فهي بمثابة المقدمة الطبيعية والمنطقية لقيام تلك الحضارة. ورأينا أن الثقافة تتحدد من زاويتين: الأولى تتمثل في تقويض البناء السابق، أي القضاء على التخلف والركود، ثم استخدام المنهج التربوي في تجديد المجتمع وتطوره ودفعه للأمام. من هنا رأينا أن الثقافة تمثل واقعًا تاريخيًا، كما أنها تمثل أيضا منهجًا تربويًا يساعد على تهذيب وتشكيل حس ووجدان المجتمع. كما أن الثقافة تمثل تكاملًا بين الجانب النفسي والجانب العضوي، فهي مزيج من الجانبين، وبذلك تعمل على

(19)

إحداث التوازن بين المطالب المادية والمطالب الروحية، لأن الفرد أو الإنسان يجمع بين الاثنين، وإذا أراد أي مجتمع أن ينهض ويتطور عليه الأخذ بالجانبين، والثقافة تجمع بين هذين الجانبين. بناء على ذلك نرى أن الثقافة تمثل منظومة متكاملة تجمع بين العوامل النفسية والاجتماعية. ثم رأينا كيف أن الثقافة الإسلامية تمثل منظومة فريدة ومتميزة عن غيرها من الثقافات، لأن الثقافة الغربية تعتمد على الجانب المادي، أما الثقافة الإسلامية فأنها تجمع بين المادة والروح، ومن هنا تمثل علامة فارقة في تاريخ الثقافات.  

مفهوم الحضارة عند مالك بن نبي: يجب أن نلمح إلى ملحوظة مهمة وهي أن فكرة الحضارة،هي المحور الرئيس، والإطار الأساسي الذي تدور حوله وفي نطاقه أفكار مالك بن نبي، فالمشكلات كلها تدور في فلك نظريته عن الحضارة، وتندرج تحت تلك المشكلة، أي مشكلة الحضارة. فمشكلة كل شعب كما يرى هي في جوهرها، مشكلة حضارته[1].

ولذا وضع إنتاجه الفكري تحت عنوان(مشكلات الحضارة) انطلاقًا من تلك الرؤية حيث يقول (كتبي كلها بعناوينها المختلفة أدرجت تحت عنوان عام هومشكلات الحضارة، لأن المجتمع لا يعاني عندما تحل به أزمة سوى مشكلة واحدة، هي مشكلة حضارته في طور من أطوارها يتلاءم، أولًا يتلاءم مع ضرورات الحياة، فعندما يتحقق شرط الانسجام تكون الحضارة مزدهرة، وإن لم يتحقق هذا الانسجام تحل بالمجتمع في هذا الطور من أطوار حياته كل المحن التي يعانيها تحت أسماء مختلفة من استعمار، إلى جهل إلى فقر، بينما في الحقيقة كلها أعراض لمرض واحد هوفقدان الحضارة[2].

بناء على ذلك،فأن إيضاح رؤيته لتلك المشكلة هوالمفتاح الرئيس لكل أفكاره،

(20)

ولا مكان لفهمها، ومن دونه لا يمكن أن يتوصل قارئ مالك بن نبي إلى هدفه الذي يقصد إليه، بل أن قارئه قد يتوهم أن مالكا قد ناقض نفسه. والسؤال المحوري الذي يطرح نفسه هنا ما الحضارة في فكر مالك بن نبي؟ وما هي نظريته في دورة الحضارة؟ الإجابة لقد عرف مالك الحضارة من عدة جوانب: الأول الحضارة باعتبار جوهرها، فهي بهذا الاعتبار تتطابق مع معنى الثقافة عنده، فقد عرف الحضارة بأنها عبارة عن مجموعة من القيم الثقافية المتخصصة[1]

فالثقافة هنا هي جوهر الحضارة، وبهذا المعنى يفسر التحضر، فمعناه أن يتعلم الإنسان كيف يعيش في جماعة، ويدرك في الوقت نفسه الأهمية الرئيسية لشبكة العلاقات الاجتماعية في تنظيم الحياة الإنسانية، من أجل وظيفتها التاريخية[2].

أيضا عرف الحضارة باعتبار المبدأ الذي تتأسس في ضوئه، وطبيعة مجتمعها، فهويعرفها من هذا الجانب، بأنها إنتاج فكرة حية تطبع على مجتمع في مرحلة ما قبل التحضر، الدفعة التي تجعله يدخل التاريخ، فيبني هذا المجتمع نظامه الفكري طبقا للنموذج المثال الذي اختاره، وعلى هذا النحوتتأصل جذوره في محيط ثقافي أصيل، يتحكم بدوره في جميع خصائصه التي تميزه عن الثقافات الاخري، والحضارات الاخري[3].

الجانب الثالث الذي تناول منه مالك الحضارة باعتبار عناصر التي تتركب منها، فهي من هذا الجانب بناء مركب اجتماعي يشمل ثلاثة عناصر فقط، وهذه العناصر هي الإنسان والتراب والزمن، وكل حضارة تتكون من هذه العناصر الثلاثة مهما بلغت درجة تعقيدها كحضارة القرن العشرين[4].

(21)

ويشير في هذا السياق إلى أن كل حضارة تستلزم رأس مال أولي مكون من الإنسان والتراب والوقت، فهي مركب من هذه العناصر الأساسية، ولأبد من أن يركبها العامل الأخلاقي، أعني تماسكها، ومن دون هذا العامل يوشك أن تتمخض العملية عن كومة لا شكل لها مثقلين عاجزة أن تأخذ اتجاها أوتحتفظ به[1].

إذن الحضارة عند مالك تتكون من جانبين: جانب معنوي، وجانب مادي، الجانب المادي متوقف على الجانب المعنوي، ونتيجة له في الواقع. ويلاحظ في هذا السياق أن تعريف الحضارة عند مالك هوتعريف لها من الناحية الاجتماعية، أي بالنسبة إلى مجتمع معين.أما من الناحية الكونية،  أي باعتبار التاريخ الإنساني، فهي محددة بالغاية التي تتجه إليها، فالحضارة الإنسانية تكشف في سيرها عن خطة للمجموع، يتجه بواسطتها التاريخ نحونقطة معينة، تحقق وحدة العالم التي كانت، ولا تزال الظاهرة الجوهرية في التاريخ[2].

بناء على ما سبق يتضح لنا أن الحضارة ذات عناصر ثلاثة هي الإنسان ـ التراب ـ والزمن، والإنسان هوالعنصر الأساسي من تلك العناصر الثلاثة، إذ أن العنصرين الآخرين يشكلان المجال الذي تظهر فيه عبقرية الإنسان وفاعليته. وتركيب العناصر الثلاثة إنما يتم بواسطة الدين، والذي يحقق بتركيبه حضارة من الحضارات، تؤدي وظيفة اجتماعية تتمثل في تحقيق الضمانات، لذلك المجتمع في أمور معاشة وهذا يشمل الحضارات كلها منذ ادم إلى أخر الدنيا. وبالنسبة إلى تحديد العناصر أولا الإنسان، من خلال أن الله جعله خليفة في الأرض. ثانيًا الأرض: ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين، والتعبير عن هذا العنصر بالأرض أولى وأحق من التعبير بالتراب، باعتبار علاقة الإنسان بالأرض وكونها علاقة استخلاف. ثالثًا: الزمن

(22)

مستقر ومتاع إلى حين، من هنا الحضارة تحتاج إلى جانبين: الأول عناصر هي العناصر الثلاثة، الإنسان ـ الأرض ـ الزمن. الثاني: منهج يوضح كيفية أداء الإنسان لوظيفة (الوحي). فالعناصر الثلاثة ترجع في حقيقتها إلى كلمة الله ومصيرها في النهاية إليه(كما بدأكم تعودون) وعلى هذا الأساس فالحضارة هي ثمرة موقف الإنسان من الوحي، باعتبار أن موقف الإنسان من الوحي سيكون أحد أمور ثلاثة: الأول التطبيق الحق، ويمثل مرحلة ظهور الحق وكمون الباطل، أوالحضارة الربانية وسمتها الانسجام مع السنن في المعاد والمعاش في نطاق الوحي. الثاني الإخلال في التطبيق، وهويمثل مرحلة التباس الحق بالباطل، وفيه تتحول الحضارة تدريجيا من حضارة ربانية، إلى حضارة شيطانية فهو مجتمع مفتون، وسمته الإخلال بالانسجام مع السنن في المعد والمعاش. الثالث: إقصاء التطبيق، وهويمثل مرحلة ظهور الباطل وكمون الحق أوالحضارة الشيطانية، وسمتها مراعاتها السنن من ناحية المعاش من دون المعاد خارج نطاق الوحي. إذن الحضارة عند مالك تتركب من إنسان+تراب+زمن. وهذه المعادلة تجمع العناصر الأساسية للحضارة نفسها باعتبارها مركبا لا يتكون في أصله من أشياء ومنتوجات حضارية، بل من أصول تفرضها طبيعة المنتوجات وشروط تطور الإنتاج[1]

إذن كل منتوج حضاري= مجموع إنسان + مجموع تراب + مجموع وقت. ولكن مجموع منتوجات حضارته هوالحضارة نفسها في صورة غير مركبة، وجميع إنسان هوالإنسان نوعا، وجميع تراب هوالتراب نوعا، وجميع الوقت هوالوقت نوعا والنتيجة في صورتها الحقيقية حضارة = إنسان + تراب + وقت[2].

ولما كان المسلم هوالإنسان الوحيد الذي يمكنه أن يحقق التوازن، لذا فإننا نستطيع أن نحصر المعادلة السابقة بالشكل التالي: الحضارة فقط الإنسان المسلم،

(23)

وليست العناصر الثلاثة كافية في تكوين الحضارة بل يجب إضافة مركب للحضارة متمثل في الدين. ويجب أن نلفت الانتباه إلى هناك ثمة قواعد تشكل أساسا لنظريته في التفسير الحضاري لعل أبرزها: أولًا أن الله عز وجل هوالخالق ومنه المبتدأ وإليه المصير. ثانيا: أن التاريخ الإنساني أوالحضارة الإنسانية تسير في خط صاعد، وتتجه نحوغاية محددة تجلى الإرادة الإلهية.

ثالثا: أن الدين قانون للحياة شانه شأن القوانين الطبيعية والسنن الكونية، وهوعامل أساسي في تكوين كل حضارة[1].

رابعا: أن الدين السماوي هوالأساس في تركيب الحضارات سواء كان ذلك بشكل مباشر أوغير مباشر، وبالتالي فهناك نمطان من الحضارات، الحضارة الدينية، والحضارات الأرضية وكل واحدة تشكل دورة كاملة. 

خامسا: أن التاريخ البشري عبارة عن مجموعة من الدورات يكمل بعضها بعضا، وكل دورة منها تشكل حضارة معينة لمجتمع معين. وتتميز الدورات بالاتي: كل دورة عبارة عن وحدات متشابهة وليست مماثلة، كل منها محدد بشروط نفسية زمنية، خاص بمجتمع معين. فكل دورة تمر بأطوار ثلاثة: يبدأ الأول منها بظهور دين، ثم يبدأ أفولها بتغليب جاذبية الأرض عليها في الطور الثالث (الغريزة) بعد أن تتجاوز الطور الأول (الروح) ثم الطور الثاني العقل، وتختتم الدورة وهذا هوقانون الحضارة[2].

ويشير مالك في هذا السياق إلى أن هناك فرقا بين الحضارة الإنسانية والحضارة في نطاق ما، فالأولى تسير بخط صاعد، بعكس الثانية في تسير بخط دوري، ومن ثم فهناك تكامل بين سير الحضارة الإنسانية، والدورات الاجتماعية، فكلما

(24)

تجاوزت الحضارة الإنسانية، الحضارة الاجتماعية في نطاق مجتمع ما، فأن الدورة في نطاق هذا المجتمع تتوقف، وتبدأ دورة آخري في ظروف جديدة، حيث تهاجر بقيمها إلى بقعة آخري، وتستمر في الهجرة بحيث تشكل في كل هجرة تركيًبا خاصًا للإنسان والتراب والوقت حضارة جديدة[1].

كما أن وصول الحضارة إلى المستوى العالمي أوالنطاق الإنساني هوخاتمة الدورات، وليس بعده سوى الكسوف الكلي للعالم. ويجب أن نشير إلى أن مالك قد تناول الحضارة في النطاق الإنساني باعتبار غايتها، أما في النطاق الاجتماعي فباعتبار نتيجتها أومدى تحقيقها للضمانات اللازمة لتقدم الإنسان، فهويرى أن التاريخ الكوني ذوغاية ومغزى، أما التاريخ الاجتماعي فهومرتبط بسلسلة من الأسباب داخل رقعة الحضارة[2]

لذا فتفسير الحضارة يتأتي من ثلاثة جوانب عنده: الجانب الأول من ناحية المجتمع أي بالنسبة إلى ثقافته ورقعته الجغرافية. الجانب الثاني من ناحية الإنسان باعتباره عاملا نفسيا زمنيا مؤثرا في بناء الحضارة. الثالث من ناحية العلاقات الإنسانية. فالجانبان الأولان يفسران الحضارة في النطاق الاجتماعي لمجتمع ما، أما الجانب الثالث فهويفسر الحضارة الإنسانية كلها من حيث اتجاهها التي تسير نحوه، فهو يكشف عن الأحداث في توقع[3].

وإذا القينا الضوء على تفسير الحضارة من الجانب الأول (المجتمع) سوف نرى أن مالك عندما حدد مفهوم الحضارة، فانه فرق بين نمطين من المجتمعات، البدائي والتاريخي، حيث يجعل الحضارة مختصة بالنمط الأخير، لذا فأول الخطوات في تفسير الحضارة من ناحية المجتمع هي تحديد مجتمع الحضارة، والتفرقة بينه وبين

(25)

المجتمع الذي يقع خارج إطار الحضارة كما يحددها هو، والمجتمع الطبيعي أوالبدائي هوالذي لم يعدل بطريقة محسة المعالم التي تحدد شخصيته منذ كان، وهذا نموذج المجتمع الساكن مثل المجتمعات الموجودة في مستعمرات النحل والقبيلة العربية في العصر الجاهلي[1]

الثاني: المجتمع التاريخي الذي ولد في ظروف أولية معينة، ولكنه عدل عن بعض صفاته الجذرية ابتداء من هذه الحالة الأولية، طبقا لقانون تطوره، وهذا النوع هوالمجتمع المتحرك، وهويمثل مجتمع الحضارة، باعتبار الحضارة ليست كل شكل من أشكال التنظيم للحياة البشرية، ولكنها شكل نوعي خاص بالمجتمعات النامية. ويرى مالك أن كل مجتمع تاريخي  ـ معاصر مندثر يحتل مركزًا محددا يمثل جميع مراحل التطور التي حددها التاريخ في مراحل ثلاث: - الأولى تمثل مرحلة المجتمع قبل التحضر،  الثانية: مرحلة المجتمع المتحضر، الثالثة مرحلة المجتمع بعد التحضر، ويرى مالك أن الدورة التاريخية والأطوار الثلاثة هي النهضة والأوج والأفول[2]

فكل حضارة معينة تقع بين حدين اثنين، الميلاد والأفول، فالنقطة الأولى تكون الحضارة فيها متجهة إلى أعلى، أي في حالة صعود، أما النقطة الثانية فالحضارة متجهة إلى أسفل، أي في حالة أفول، فطور الأفول النازل هوعكس طور النهضة الصاعد، وبين الطورين الأولين يوجد بالضرورة توازن معين أوطور وسيط، وهوطور الأوج، أي طور انتشار الحضارة وتوسعها. فالحضارة تمر بمراحل ثلاث الأولى: الروح وتبدأ بظهور دين معين وتسير باتجاه صاعد بحيث تسجل أعلى الدرجات لنموالقيم النفسية والاجتماعية.والمرحلة الثانية هي العقل وهي مرحلة الانتشار والتوسع للحضارة، ثم المرحلة الثالثة والأخيرة وهي مرحلة الأفول أي تبدأ القيم النفسية والاجتماعية الدخول في مرحلة الغريزة[3].

(26)

ثم يفسر مالك الحضارة من الجانب الثاني(الإنساني) ويرى أن تفسير الحضارة من زاوية الفرد هوأحد جوانب التفسير لمشكلة الحضارة، ذلك باعتبار الإنسان الفرد عاملاً نفسيًا زمنيًا مؤثًرا في بناء الحضارة، فإنسان أي حضارة في نظره، يمر بالأطوار الثلاثة: الروح، العقل، الغريزة. وفي هذا السياق يشير مالك إلى أن الإنسان بالنسبة لصلته بالحضارة سيكون في أحد أوضاع ثلاثة الأول: الإنسان قبل الحضارة. الثاني: الإنسان أثناء الحضارة. الثالث: الإنسان بعد الحضارة. ومن هنا يفسر مالك بن نبي وضع الفرد بالنسبة للحضارة في إطار العلاقة بين الدين والإنسان، أي من خلال الفعل ورد الفعل الذي يتولد منذ بداية اطراد الحضارة عندما يدخل الدين محيط المجتمع، فينقله إلى مرحلة التحضر، فاطراد الحضارة  يدخل فيه عاملان: الأول الدين الذي يحرك الحضارة، ويبدأ منذ دخوله محيط المجتمع اطراد حضارة ذلك المجتمع الثاني الإنسان الفرد المعتنق لذلك الدين. فيرى مالك أن الإنسان في المرحلة السابقة للحضارة يكون على حالته الطبيعية، أوفي مرحلة الفطرة، حينما يدخل الدين محيط المجتمع ـ يؤكد على أثر الدين باعتباره العامل الأساسي في تركيب الحضارة من الناحية العلمية[1].

مما سبق يتضح لنا كيف أن مفهوم لحضارة من المفاهيم المحورية والمركزية في فكر مالك بن نبي، فكل أفكاره تدور حول هذا المفهوم. ويجب أن نلفت الانتباه هنا أن مالك بن نبي تناول مفهوم الحضارة من عدة جوانب، على سبيل المثال نظر إليها باعتبار جوهرها، وهي في هذا النطاق وهذا الإطار تتطابق مع الثقافة،لأنه عرف الحضارة بأنها مجموعة من القيم الثقافية المتخصصة. كذلك تناول مالك الحضارة باعتبارها بناء اجتماعي مركب يتضمن ثلاثة عناصر هي الإنسان والتراب والزمن، وكل حضارة تتكون من هذه العناصر الثلاثة، مع الآخذ في الاعتبار أن أهم عنصر في ذلك هوالإنسان. والى جانب هذه العناصر الثلاثة يوجد

(27)

عنصر رابع فعال وهوالدين. وأكد مالك من خلال عرضه لمفهوم الحضارة على أهمية التوازن الحضاري بمعنى التوازن بين العناصر المادية، والعناصر الروحية، فلا يطغى أي عنصر على الآخر، وأن لا نهتم بعنصر على حساب الآخر، ومن أهم سمات الحضارة الإسلامية، وأهم ما يميزها عن باقي الحضارات، فهي حضارة تهتم بالجانب المادي مع الجانب الروحي، حضارة تحدث التوازن بين العامل المادي والعامل الروحي، بعكس الحضارات الإنسانية الاخري مثل الحضارة الغربية التي تهتم بالجانب المادي على حساب الجانب الروحي، ومن هنا أضحى الإنسان في ظل الحضارة الغربية ترس في أله، وتحول إلى شي من الأشياء تلك الظاهرة التي عرفت بالتشيؤ أي تحول الإنسان مثله مثل أي شي إلى سلعة تباع وتشترى، ومن هنا تم تفريغ الحضارة الغربية من محتواها الروحي، وأصبحت خاوية على عروشها،بلا قيم وبلا روح مما جعلها تحمل عوامل أفولها وانهيارها بين جوانبها. كما أكد مالك من خلال تناوله لظاهرة الحضارة على ما يعرف بالدورة الحضارية، والتي تمثل من وجهة نظرنا سنة وناموس الله في الكون، كل حضارة لها مراحل تطور تبدأ من الضعف إلى الأوج إلى الانهيار والأفول، مثل أي ظاهرة طبيعية في الكون، ومثل الإنسان نفسه يبدأ بمرحلة الطفولة، ثم الشباب، ثم الشيخوخة، وهذا يذكرنا بنظرية أبن خلدون في العمران البشري، عندما شبه تطور الحضارة بمراحل نموالكائن الحي. وهذا التحليل الدقيق للحضارة من جانب مالك ينم على عمق الرؤية، واستقراء الواقع، وقراءة للأحداث.

(28)

 

 

 

 

 

المبحث الثالث

مفهوم الاستعمار

(29)

 

بداية نود الإشارة إلى أن حديث مالك بن نبي عن الاستعمار يمثل حلقة في سلسلة أفكاره المتشابكة والمتداخلة والتي مهد من خلالها للدخول إلى الحضارة الغربية ونقدها. فأفكار مالك تمثل سلسلة متشابكة، بمثابة عقد إذا أغفلنا فكرة انفرط العقد، وأصبح هناك حلقة مفقودة. فالحديث عن الاستعمار يمهد لكيف غزا الاستعمار العالم الإسلامي سواء كان هذا الغزوعسكريا أوثقافيًا أوحضاريًا كما سوف نرى بعد ذلك.

لقد كان مالك بن نبي من مؤيدي الحركات الإصلاحية، وهوالكاتب الذي غاص في أعماق مشكلة المسلم النفسية والاجتماعية والاقتصادية، وأثار العديد من القضايا مثل مسالة الحق والواجب، والدورة الحضارية والقابلية للاستعمار وغيرها من المشكلات التي تنم عن اهتمام مالك بقضايا وهموم وطنه وأمته الإسلامية. من هنا كان مالك عميقا في تحليله لواقع المسلمين، وعميقا في معرفته بخبايا الاستعمار والمستعمرين، ومعاناة الشعوب الإسلامية من الاستعمار، الذي ما يزال مستمرا حتى يومنا هذا. وكان هدف مالك من وراء هذا الجهد الكبير الذي استغرق من وقته وحياته، هوإعادة بناء وعي المسلم فردا ومجتمعا وأمته، ووعي الإنسان بصفة عامة. ولقد تناول مالك الحديث عن مشكلة الاستعمار وتجاوزها إلى مشكلة القابلية للاستعمار، وخاصة أنه عاش في فترة الاحتلال ووقف على وضعية الجزائريين خاصة والعالم الإسلامي عامة، ورأى تلك الوضعية النفسية التي وصل إليها الجزائريين، فقد قام الاستعمار بدراسة المجتمع الجزائري، وقام بتحطيمه نفسيا واجتماعيا واقتصاديا وفكريا وحتى دينيا، كما قام بنشر الخرافات والأباطيل وحطم ثقته بأبناء بلده من مصلحين ومقاومين، فأصبحت نفسيته قابلة للاستعمار، وهذا ما جعل مالك يتمنى، بأن المسلم لم يقم بلعن الاستعمار في الماضي، بل يلعن القابلية للاستعمار. كما تناول أيضا كيفية تلاعب الاستعمار بالأفكار

(30)

ليحقق مأربه من خلال الطرق العلمية، التي ينتجها والتي تدخل في إطار الصراع الفكري، ويسرد لنا من خلال كتابه (الصراع الفكري في البلاد المستعمرة ) المعاناة والعراقيل التي كان يتعرض لها عند نشر مقالة أوكتاب. ولم يغفل مالك بن نبي عن التطرق إلى قضية الاستشراق لما يمثله من حلقة من حلقات الاستعمار، وعن دور الاستشراق في التكريس لفكرة هيمنة الغرب على الشرق، وصار الاستشراق أداة تخدم الحملات الاستعمارية. وتكمن أهمية موضوع الاستعمار أن مالك أعطى تصورا خاصا للاستعمار من خلال الأساليب التي كان يعتمد عليها المستعمر في مغالطة الشعوب، عن طريق الطرق العلمية التي كان وما يزال ينتهجها إلى الآن، كما أنه في نظره محاربة الاستعمار تقتضي التخلص من القابلية للاستعمار التي تتسبب في ضعف البلدان الإسلامية، وتكمن الأهمية أيضا في أنه كان دائما يعطي الحلول لكي يتخلص العالم الإسلامي من الاستعمار، كما أنه من المفكرين القلائل الذين درسوا الثورة من جانبها الاجتماعي، فأعطاها تحليلًا خاصة من واقع المجتمع. من هنا كان تحليل مالك لفكرة الاستعمار تحليلا عميقًا واقعيًا. وفي هذا السياق نشير إلى بعض المصطلحات الهامة التي أشار إليها مالك من خلال عرضه لفكرة الاستعمار. 

1-المعامل الاستعماري: يقصد بمصطلح المعامل ما يفرضه الاستعمار على حياة الفرد من عامل سلبي، فهوعامل خارجي يفرض على الكائن المغلوب على أمره الذي يسميه المستعمر الأصلي نموذجًا محددًا من الحياة والفكر والحركة[1].

ويشير إلى أن هذا المعامل يؤثر في حياة الفرد في جميع أطواره، يؤثر فيه وهوطفل، فالاستعمار تعود أصوله إلى روما حيث وضعت المدينة طابعها الاستعماري في سجل التاريخ، وعلى العكس لم يكن العهد الاستعماري مستعمرًا بما في الكلمة من معنى مادي منحط. ويجب أن نلفت الانتباه هنا أن مالك قد أسس لمفهوم

(31)

المعامل الاستعماري عبر عنصرين: العنصر الأول روح القيصرية التي تهدف عبر الاستعمار إلى إنقاص القيمة الأساسية لمكونات الشخصية الجزائرية المستمدة من روح الحضارة الإسلامية في أساسها الإنساني. العنصر الثاني: أن هذا الواقع الذي أنشأته روح القيصرية والاستعمار قد أيقظ الشعب الجزائري ووضعه أمام الخروج من مأزق الاستعمار والتمرد عليه، فهذان العنصران هما اللذان يحددان الشروط الموضوعية الكفيلة بالخروج من مأزق الاستعمار، وذلك بتحديد أسباب الدخول في هذا المأزق ودراستها، بعد أن افتقد المسلم حصانته التاريخية.

2- القابلية للاستعمار: هذا المصطلح من أشهر المفاهيم التي أطلقها مالك بن نبي، وهويعني غالبا التخلف الحضاري الذي أصاب المسلمين في العصور الأخيرة، مما جعلهم لقمة سائغة للاستعمار، حيث كانت هناك فوضى اجتماعية معيبة وتقاعس في أداء الواجبات وقلة العلم والمعرفة[1].

وعامل القابلية للاستعمار كما يرى مالك هوالعامل الداخلي المستجيب للعامل الخارجي، أنه رضوخ داخلي عميق لعامل الاستعمار يرسخ الاستعمار ويجعل التخلص منه مستحيلًا، فالعالم الإسلامي  أضاع أكثر من قرن في معالجة مرض سماه الاستعمار، إلا أن المرض الحقيقي لم يكن الاستعمار بل مكونات ذلك الاستعمار، والدليل على ذلك هوواقعنا اليوم ن وهوأن الاستعمار غادر هذه المساحة من الأوطان، ولكن هل نشعر أن الأوضاع الاجتماعية أوالخلقية أوالثقافية، أوالإنسانية قد تغيرت بطريقة جوهرية [2].

كما أن القابلية للاستعمار تمثل جملة أوضاع وشروط فكرية نفسية واجتماعية سلبية، تضع المجتمع في حالة من الضعف والقصور والعجز إزاء التحديات المحيطة بهن فيجد نفسه في حالة وهن حضاري يفقده القدرة على رد التحديات

(32)

ويخضع لها فكرها ن فنجد مثلًا تلك الفتن والصراعات الداخلية الناتجة عن التعصب العرقي أحيانا وعن السياسات الانتخابية أحيانًا آخري، ويجب أن نلفت الانتباه هنا إلى أن مالك بن نبي لا يعتقد بحتمية ظهور القابلية للاستعمار عند حالة استعمارية، فيضرب المثل بألمانيا واليابان اللتين وقعتا تحت الاحتلال، ولكنهما لم تظهر فيهما القابلية للاستعمار[1]

ويرى مالك أنه لكي نتخلص من الاستعمار وجب علينا التخلص أولا من القابلية له، فيقول أن القضية عندنا منوطة أولا بتخلصنا مما يستغله الاستعمار في أنفسنا من استعداد لخدمته من حيث نشعر أولا نشعر، ومادام له سلطة خفية على توجيه الطاقة الاجتماعية عندنا، وتشتيتها على أيدينا، فلا رجاء في الاستعمار ولا أمل في الحرية، مهما كانت الأوضاع السياسية وقد قال أحد المصلحين، أخرجوا المستعمر من أنفسكم يخرج من أرضكم. ويرى مالك أن الاستعمار يعمل على تطبيق الحكمة القائلة (فرق تسد) فتصبح أوضاعنا غير قادرة على الشعور بدور الاستعمار إلّا حينما يصدر ضجيجًا، كضجيج الدبابة والمدفع. ومن أساليبه أن يغتال رجلاً واحدًا حتى يثبت الفوضى والاضطراب، أويشتري ضمير أحد الزعماء السياسيين الذين تتجسد فيهم، في فترة معينة طاقة البلاد الحيوية وفكرة نضالها[2].

فالاستعمار يستغل في المستعمر ضعف بصره ويريه ما يرى هو، فنحن ندرك جيدا النشاط الاستعماري عندما يكون مرئيا واضحا، كأنه لعبة أطفال، ولكننا لا ندرك مجال هذا النشاط ولا وسائله منذ اللحظات التي يصبح فيها دقيقا كلعبة الشيطان[3]

من هنا يشير مالك إلى أن الاستعمار هومجرد بذرة صغيرة حقيرة، ما كان لها

(33)

أن تنبت وتؤتي آكلها لولم تهيأ له التربة الخصبة في عقولنا ونفوسنا. فيرضخ لما رسمه له المستعمر من حدود لحركاته وأفكاره وحياته، فمثلا يقبل ما يطلقه عليه الاستعمار من نعوت بل يدافع عنها، كلفظ الأهالي الذي استعمله حتى المثقفون إبان الاستعمار الفرنسي للجزائر في نعت أنفسهم، فالمستعمر يريد البطالة للحصول على يد عاملة بثمن بخس ويريد جهلا وانحطاط في الأخلاق لكي تنشر الرذيلة بين المستعمرين[1].

ثم يتطرق مالك إلى الحديث عن دور الاستعمار في المحافظة على مكاسبه الاستعمارية، ويشير إلى 1- مرحلة الثورة: تعامل الاستعمار مع مختلف الثورات التي تقوم ضده وفق خطط إستراتيجية وتحطيم تلك الثورات التي كانت تهدف إليها، فكلما كانت هناك بوادر تكون حركة ثورية تسارع إلى خلق ثورة مضادة وإطلاقها، عن طريق الاستعانة بعملائه أوخريجي مدارسه الفكرية والخلقية والسلوكية، وتكون وظيفة هذه الثورة المزيفة استثمار الوضع النفسي والسياسي للجماهير المهيأة من طرف الثوار الحقيقيين كما يمكن توظيف هولاء المزيفين مستقبلا للسيطرة على أجهزة الحكم ومختلف المؤسسات الإستراتيجية التي تتحكم في تسيير شؤون البلاد[2].

ولنجاح خططه هذه لجأ إلى العديد من الطرق من بينها: الأخطاء المولدة أي باستطاعة الاستعمار إدخال مجموعة من العوامل لتغيير مسار الثورة وتوجيهها بعيدًا عن هدفها الرئيسي مثلما حدث للثورة الفلسطينية  والثورة الجزائرية، لذا يقول مالك نحن نواجه المجتمع الإسلامي في عهد ما بعد التحضير أخطاء مولدة، أي أنها أتت إليه من عالم ثقافي آخر، قام بدور المولد، وهولا يعتبر المندسون في الثورة الفلسطينية. ثم يشير إلى حقيقة مهمة في هذا السياق وهي أن الاستعمار يدرك

(34)

مسبقا تركيبتنا النفسية واستجابتنا السلوكية التي لا تقوم على أساس العقل، وإنما هي مجرد ردود أفعال، فهويعلم عن أشياء كثيرة نجهلها نحن عن أنفسنا، فهويدرك بأن صورة الاستعمار مرتبطة في ذهن المسلم بصورة شيطان كما يعلم، بأنه حينما يقول شيطان اثنان زائد اثنان يساوي أربعة، فأن المسلمين سيقولون ليسوا هذا لأن شيطان قال ذلك. ويشير مالك إلى أن الاستعمار لا يتوقف عن التربص بمصير الشعوب الضعيفة إذ يخضع للمراقبة والتوجيه للزعماء السياسيين الذين استطاعوا من خلال صدقهم وشجاعتهم أن يكسبوا قلوب الجماهير، فيصبح الزعيم الذي تجسدت في ذاته أفكار الثورة والتغيير أوالنهضة محل اهتمام كبير.

2- مرحلة الاستقلال: يقوم الاستعمار باختلاس ثمار النصر العسكري الذي أرغمه على سحب حيويته فيقوم باللعب على وترين مختلفين في ظاهرهما لكنهما يحققان نفس النتيجة وهما وتر التفكك ونشر الرذيلة وفساد الأخلاق، ووتر اللذة المؤقتة الوهمية[1].

وهذا ما حدث فعلا حيث أن الاستقلال الذي ظن العالم الإسلامي أنه قد حصل عليه في هذا القرن،ظل استقلال مفرغا من محتواه ومعناه، وذلك لأن المسلمين جهلوا ما ترتب عليه من مسؤوليات، فإن كان الاستعمار الفكري قد رحل بعصاه فقد بقى غزوا فكريا في الصميم حتى غدًا هذا الاستقلال المزعوم خاويًا عمليًّا من المضمون، وواقع التخلف الحضاري الذي يحياه العالم الإسلامي يفوق ضرره وخطره الاستعمار المكشوف ذاته[2].

وحقيقة تم اغتيال الثورة ومصادرة الاستقلال، وساد الاقتناع عند بعض ضحايا اللعبة الاستعمارية من أجيال ما بعد الاستقلال بأن قادة الثورات وصانعي التاريخ العربي المعاصر ساهموا في تخلف الأمة ومراوحتها مكانها بسبب مواجهة المستعمر

(35)

وإخراجه من البلاد، متجاهلين وظيفة الاستعمار في البلاد المستعمرة، هي استعباد أهلها وليس تحضيرهم. ويجب أن نشير في هذا السياق أن الاستعمار لا يسمح لأي كان أن يشوش ويفسد عليه لعبته المسلية على حساب غفلة أبناء العالم العربي والإسلامي ويقوم بتوظيف قوته المادية لحماية مخططاته التدميرية وإرغام الجميع على السير وفق ما رسم من خطط مسبقا  وكل من يرفض الانضمام إلى القطيع أما باسم المبدأ أوالأخلاق أوالعزة وغير ذلك من المبررات له لغته الخاصة التي يخاطب بها. لذا يرى مالك أن بصمات الاستعمار موجودة في مختلف الأزمات التي تظهر هنا وهناك في العالم العربي والإسلامي، بل أنها ظاهرة في مختلف المشاريع الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي قد تعلن عليها الشعوب أملاً في إخراجها من سجن التخلف، فهذه البصمات تظهر إما في شكل استفادة الاستعمار بطريقة مباشرة أوغير مباشرة من هذه المشاريع، كما قد تظهر في ذلك الجهد التخريبي وألتدميري لمشاريع أصحاب النوايا الصادقة والجادة[1]

دور الاستعمار في السيطرة على الحياة السياسية: تعتبر السياسة ذات أهمية كبيرة في نهضة الشعوب والأمم، وكان مالك يرى أن للسياسة ارتباطا بالحضارة، لهذا لم يغفل الاستعمار عن هذا الجانب. وركز جهوده وسخر كل إمكانياته للسيطرة على الحياة السياسية للشعوب المستضعفة، فقام باستبدال السياسة التي تقوم على الأفكار المجردة، بالسياسة التي تقوم على الأفكار المجسدة في شخص الزعيم. ومن خلال هذا المحور يركز مالك علي الصراع الفكري في البلاد المستعمرة. فالاستعمار يقوم بتشجيع الأفكار المجسدة فتحل الفكرة المجردة في شخص لتنشئ صورة سياسية خاصة وهذا يحكم شذوذها عن مقاييس العقل. ويرى مالك أن من أسباب النجاح التي أدت بالاستعمار إلى اختراق السياسة العربية هي استغلاله ذلك الميل والنزوع إلى السهولة التي تميز نفسية مسلم ما بعد الموحدين، ولما

(36)

كانت نفسية ما بعد الموحدين تقوم سلوكياتهم على أساس عاطفي فأن الاستعمار لا يفرط في استثمار هذه الأرضية الملائمة، فيشغل هذه الاستعدادات، ويقر أسبابها النفسية بخطط تربوية مناسبة في البلاد المستعمرة لأنها ليست في ثقافتها الموروثة عن عهد انحطاط ما يقاوم أسباب الانحراف في نفسية شعوبها فيصل إلى أن يصنع بتلك الاستعدادات سياسته (عاطفية ـ شهوانية) تتفق مع مصالحه، فهويضعها حينما يربط عواطف الشعب الطيبة بشهوات مركب أفراد معينه[1].

ويجب أن نلفت الانتباه إلى أن هم الاستعمار الوحيد أن يسود الهدوء ويشتد الظلام الدامس من أجل إبقاء الرأي العام في قيود لا تراها إلا عين بصيرة وحتى يبقى الفكر في أغلال ما يسمى (الواقعية) وهي جحود الواقع وحتى تبقى السياسة سوف تشترى فيه الضمائر. ولإلهاء الجماهير وتركها تابعة تجري وراء السراب يقوم الاستعمار باستخدام مجموعة من المخدرات العقلية كي لا تشعر بطول الانتظار فنجده يخرج من شنطته الآلات الأكثر تعقيدا، مثل تلفظ بخطب وطنية، وتقدم هذه الآلات للجماهير المنخدعة،لكي تلهيها وتمسكها بعيدا عن ساحة الواجبات والعمل وتقدم في صورة أوثان مزينة مجهزة لتأخذ الأبصار وتذهل الألباب[2].

ويقوم عملاء الاستعمار باستخدام آلية تمكنه من السيطرة على قلوب الجماهير وعقولهم، وتتمثل في استغلال الحقد الذي تكنه للاستعمار،فيقوم بتبني الخطابات الأكثر تشددًا وتطرفا والتي لا تترك مناسبة تمر إلا وهي تتهجم الاستعمار وتصفه بأبشع الصور، وهكذا تنقاد الجماهير تحت تأثير الخطب النارية. ومن هنا أشار مالك إلى أن كلمة استعمار هي أخطر سلاح يستخدمه الاستعمار، وأحكم فخ ينصبه للجماهير، وما من خائن يدسه الاستعمار في الجهة التي تكافح فيها الشعوب المستعمرة إلا وكلمة استعمار التي تفتح لها أبواب مغلقة في عواطف الجماهير

(37)

وبهذه وغيره من الشعارات المثيرة، يتمكن الاستعمار من وضع الطابع البدائي على سياسة البلاد المستعمرة ليقرر لنفسه بذلك انتصارات الحاضر والمستقبل[1].

وتتمثل خطة الاستعمار التي تقتضي في حالة التطبيق أولًا: أن يضرب الاستعمار كل قوة مناهضة له، تحت أي راية تجمعت، ثانيًا أن يحول كل الظروف بينها وبين أن تتجمع تحت راية أكثر فعالية ورغم كل هذه الجهود التي يقوم بها الاستعمار لإخفاء بصماته إلا أن الملاحظة البسيطة تؤكد وجود مجالات اتفاق بين السياسة التي تقوم بها على أساس هضمي، وبين المصالح الإستراتيجية للاستعمار.

دور الأفكار في ترسيخ الاستعمار: لقد قام الاستعمار الفرنسي باستعمال جميع الوسائل لمحوشخصية الشعب الجزائري وقطع صلته بدينه وبلغته في إطار مشروع الاستحقاق والتتبيع، فحرص كل الحرص على سياسة التجهيل الشاملة لمحوعقيدة شعب اثبت الدراسات أنه كان أكثر تعليما من المستعمرين أنفسهم الذين كانت نسبة تشكل 45% منهم. ومن الوسائل التي استخدمت لتجهيل الشعب هوالحرب ضد الأفكار وثقافة المجتمع الجزائري، فأصبح مجتمعا يقوم على الدروشة والأوثان والخرافات مما أدى هذا بحركة الإصلاح أن تتعطل،فيعمل خبراء الصراع في الغرب على صياغة وتوجيه الأفكار في العالم الإسلامي، بما يحقق أهداف الاستعمار الإستراتيجية إدراكا منهم أن إلحاق الهزيمة بالعدوفي أفكاره وقيمه الثقافية هوأكبر هزيمة تلحق شعب من الشعوب، لأنها تتضمن ولاءه وتستلب إرادته وتسلب شخصيته وتمحوهويته، فلا عجب أن تهتم الدول الغربية اليوم، وعلى رأسها الولايات المتحدة بالنظام التربوي في البلاد الإسلامية مطالبة بمراجعته[2].

(38)

ومن أهم آليات الاستعمار في فكر مالك بن نبي الغزوالفكري الذي يسعى إلى عزل الشعوب المستعمرة عن المجتمع العالمي، كما يسعى إلى توجيه فكر المسلم، خاصة وأن هذا التوجيه يقوم على أساس دراسة مخبريه دقيقة، وهذه المختبرات تنجح في تقديم المسلمين للرأي العام العالمي على أنهم برابرة متوحشون اقرب في سلوكهم إلى البدائية منها إلى الحضارة، فتعلن حالة الطوارئ في المطارات والمواني للتحذير من كل ما هومسلم. وهكذا ينجح أساتذة الصراع الفكري في عزلنا عن المجتمع العالمي، كما يعزل مكافح الصراع الفكري عن المجتمع الخاص[1].

ولأن يحكم الاستعمار قبضته على الشعوب المستضعفة، فأنه يسعى لتستمر مرحلة صبيانتها طويلا، فهويريد تحطيم كل إرادة، أوشبه إرادة تدفع الإنسان المستعمر إلى التقدم والحضارة ببرنامج يتضمن كل ما يتطلب هذا التحطيم المعنوي، تلويث أخلاقي يحط أولا من قبضة الفرد الشخصية، ومن كفاءته ومن جهده في المسابقة الاجتماعية. وفي هذا السياق يسعى الاستعمار لفتح فضاء واسع تحرر من خلاله مختلف الانحرافات والخطط، فهويحارب الأفكار المجردة التي تقوم بالدور المعدل، فالضعف الفكري الذي تعاني منه الأمة يعتبر حليفا للاستعمار، فلا يفهمون حقيقة الشئ بل يكتفون بمظهرها وأعراضها المتغيرة. من هنا نجد أن الضعف الفكري هوأقوى العوامل تأييدًا ومساعدة لمساعي الاستعمار في جبهة الصراع الفكري[2].

الاستشراق في فكر مالك بن نبي: يعتبر الاستشراق من الآليات التي يعتمد عليها الاستعمار في إحكام قبضته على البلاد المستعمرة، ومن وسائل الغزو الفكري التي ينتهجها الاستعمار ويمارس تسلطه على البلاد المستعمرة. ولقد خصص مالك

(39)

بن نبي للاستشراق بحث قصير حول إنتاجهم وأثره في الفكر الإسلامي الحديث، ويجب أن نشير إلى أن مالك لم يعتن بالاستشراق كفكرة، بل أراد أن يدرس العامل النفسي لحملة فكرة الاستشراق. فالاستشراق من العوامل الهدامة التي لعبت دورًا محوريًا في غزوالشعوب فكريا، ومحاولة اطماس هوية الشعوب الإسلامية، وتأخر الأمة الإسلامية. وفي هذا السياق يرى مالك بن نبي أن الاستشراق في بدايته درس الفكر الإسلامي لتحقيق الهدف العالمي فيقول أن أوروبا عن طريق الاستشراق تريد اكتشاف الفكر الإسلامي وترجمته من أجل إثراء ثقافتها بالطريقة التي أتاحت لها فعلا تلك الخطوات الموفقة التي هدتها إلى حركة النهضة[1].

كما أن الهدف من الاستشراق هوالتشكيك في صحة رسالة النبي محمد وذلك عن طريق الطعن في ظاهرة الوحي، واعتبار هذا الوحي ذاتي والهام نفسي. ومن هنا لعب الاستشراق دورًا محوريًا في الفكر الاستعماري، وكان له أثره الكبير في العالم الغربي والعالم الإسلامي على السواء وإن اختلفت ردود الأفعال عند كلا الجانبين،لأن الاستشراق كان ولا يزال جزءًا من الصراع الفكري والحضاري بين الشرق والغرب، بل يمكن القول أن الاستشراق يمثل الخلفية الفكرية لهذا الصراع. ومن هنا فقد نجح الاستعمار وهويسعى إلى تحقيق أغراضه في استخدام بعض الحركات التي قامت بقبول سلطة المستعمر وقيام العديد من المستشرقين بإظهار الخلافات وتأكيد النقائص الفكرية والمذهبية بين جماعات المسلمين وشعوبهم، مع تزييف الكثير من مبادئ الإسلام وتعاليمه وقيمه حيث تقوم إستراتيجية الاستشراق على خلق مسافة بعيدة كل البعد عن الحضارة والعقلانية وكل هذا لتبرير الحملة الاستعمارية عليه[2].

(40)

وبناء على ذلك يمثل الاستشراق خطوة نحوالسيطرة الثقافية والسياسية، والدليل على ذلك هوارتباطه في بداية أمره بوزارة الشؤون الخارجية وكون معظم المستشرقين معتنقين للديانة اليهودية. ويرى مالك في هذا السياق أن الإنتاج الاستشراقي بكلا نوعيه كان شرًا على المجتمع الإسلامي لأنه ركب في تطوره العقلي عقدة حرمان سواء في صورة المديح أوالإطراء التي حولت تأملاتنا عن واقعنا في الحاضر.

(41)
(42)

 

 

 

 

 

المبحث الرابع

موقف مالك من الحضارة الغربية

(43)

 

لقد كان موقف مالك بن نبي محاولة رائدة فيما يتعلق بدراسة الظاهرة الحضارية عموما، والظاهرة الغربية بوجه خاص، ومدى صلتها بالوعي الإسلامي،وصلتها بالمشكلة الحضارية في العالم الإسلامي. ويمثل مالك بن نبي حلقة مهمة في مشروع دراسة الحضارة عموما ودراسة الحضارة الغربية بوجه خاص،لما يمثله من نقطة انطلاق منهجية مهمة لتعميق الوعي، وتأسيسه على قواعد بينة وإعطائه مداه الواسع، لنتمكن من تحديد موقع الحضارة الغربية ومكتسباتها المختلفة في المشروع الحضاري الإسلامي. وفي هذا السياق فأن مالك تناول دراسته للحضارة الغربية،ثم بين أهمية ومبررات التعامل مع الغرب،ثم حدد أهم الخصائص الحضارية للغرب. وهنا يجب أن نشير إلى أن الحضارة الغربية كبقية الحضارات التي مرت في التاريخ الإنساني لها خصائص ومميزات تتفرد بها. وقد عجز غالبية الباحثين عن فهمها، نظرا لجهلهم بالفكر الأوروبي وصياغاته الأولى. ويعتبر مالك بن نبي من المتفردين في فهم الحضارة الغربية،نظرًا لعدة عوامل نفسية واجتماعية اجتمعت فيه، فجاءت كتاباته مميزة في هذا المجال،فحلل الحضارة الغربية تحليلاً علميًا دقيقًا وموضوعيا. فذكر ايجابيتها وسلبياتها ووصل إلى نتيجة منطقية أنها تعيش في مراحلها الأخيرة لتفسح المجال لغيرها من الحضارات. ويجب أن نوضح حقيقة مهمة وهي أن المسلمين كان عندهم شغف بدراسة الآخر، مثل إرسال البعثات العلمية إلى الغرب،وكان مهمتها دراسة هذه الحضارات الغربية والاستفادة منها،كبعثة محمد على باشا المشهورة. ثم لما حل الاستعمار بديار المسلمين زادت الدراسات، إلا أن نتائجها كانت مؤسفة على الدوام ثم ظهرت فئة من خيرة الباحثين وكان مالك بن نبي على رأسها، الذين لم يقفوا من الحضارة الغربية موقف الضعيف، بل دعوا إلى فك عقدة النقص التي أصابت المسلمين والقضاء على مركب العظمة لدى الغربيين، فكان بحق هذا المفكر العظيم هومن حاز السبق

(44)

في فهم نفسية الغرب وثقافته عامة، وقوانين الحضارة ومعادلاتها خاصة، فكان طبيبا للمسلمين، وفيلسوفا للحضارة. لذا يقول المفكر أنور الجندي عن مالك أن مثل مالك بين مفكري العالم الإسلامي قليل، فهوالرجل الذي ورد مورد الغرب، وجاءنا منه نقيا صافيا، وقد حفظ الله له أصالته وأفاد مما وجد، نصاعة فكر، وبعد نظر، وعمق فهم، وقدرة على كشف تلك التحديات والشبهات والأوضاع التي عمد التغريب والغزوالثقافي على نصب شباكها، لتدمير الفكر الإسلامي، وإثارة إجراء الاضطراب والتخلل بين جوانبه[1].  

أولًا: المصادر الغربية في فكر مالك بن نبي: يجب أن نلفت الانتباه إلى شغف مالك بن نبي بالفكر الغربي قبل وصوله إلى باريس قلب الحضارة الغربية، فقد قرأ مالك بن نبي معظم الكتب الشهيرة في الأدب والفكر الغربي. وفي هذا السياق تزخر كتب مالك بن نبي بعناوين غربية كثيرة ومصطلحات متعددة وقراءات نقدية لنظريات غربية في المجالات الإنسانية والاجتماعية والنفسية. وكثيرًا ما اكتفى مالك بن نبي بذكر أسماء العلماء والمفكرين الغربيين دون ذكر مؤلفاتهم التي رجع إليها في كتاباته، أوتعريف بهذه الأعلام. لقد جمع مالك بن نبي بين ثقافة الإسلام وثقافة الغربيين وترك مالك بن نبي تخصصه العلمي ليشتغل بالفكر، ويتفرغ للكتابة فيه، فاستعان بالمنهج العلمي والرياضي على فهم الحضارة الغربية، والتعمق في دراستها، ولقد ساعدته العلوم الاجتماعية الحديث في قراءته للفكر الغربي وتفكيك رموزه والكشف عن أغواره[2].

ويجب أن نشير هنا إلى أن تصورات مالك بن نبي عن الغرب نابعة أيضًا من تجربة كبيرة في الوسط الأوروبي، ذلك أن مالك بن نبي عاش طويلاً في فرنسا، وزار معظم الدول الأوروبية الكبرى، فتعمقت معرفته بالمجتمع الغربي، كما

(45)

تعرف أكثر على العمق الحضاري للغرب من خلال زوجته الأوروبية واحتكاكه بعائلتها المرتبطة بالحياة الريفية، وقد أشار كثيرًا في مذكراته، وتابع عن قرب تطور الأفكار الفلسفية والأزمات السياسية والأخلاقية التي عرفها الغرب في القرن العشرين، ومالك لم يكتف بقراءة الكتب والصحف الغربية، وحضور محاضرات المستشرقين، بل تعلقت همته بزيارة المتاحف والمسارح والحي اللاتيني.كذلك خالط البعثات الطلابية العربية التي كانت محط أنظار دوائر الصراع الفكري.

ثانيًا: تاريخية العلاقة بين الإسلام والغرب: لقد خصص مالك بن نبي فصلًا  كاملاً في كتابه (وجهة العالم الإسلامي) للحديث عن تاريخ العلاقة مع الغرب، وفي هذا السياق يرى وهومحق في ذلك أن الأوربيون استفادوا كثيرًا من الحضارة الإسلامية خلال الحروب الصليبية إذ جنوا حصادا طيبا من الحضارة الإسلامية، والحروب شكلت حقا منعطفا في تاريخ الغرب المسيحي، فالاحتكاك بين الشعوب الأوروبية والإسلامية تحول بعد الحروب والمعارك إلى اكتشاف الآخر، والتعرف على عاداته وثقافته ولغته وحقيقته الدينية، وأدى ذلك إلى تغيير صورته الذهنية[1]

وفي العصر الحديث استولى الأوربيون على قسم كبير من العالم الإسلامي، وعرف المسلمون تحت حكمهم كل أشكال الاستغلال والعبودية، وان انتقد مالك بن نبي كثيرًا من هذه الممارسات الاستعمارية، فهويؤمن بوجود الشروط الأساسية في المجتمعات الإسلامية التي مهدت للاستعمار، ومكنته من السيطرة على العالم الإسلامي، وقد أطلق على هذه الشروط الداخلية مصطلح القابلية للاستعمار وعبر مالك بهذا الشكل أن الاستعمار ليس سببًا مباشرًا في تخلف العالم الإسلامي، وأنه لم يتمكن من السيطرة علينا بسبب تفوقه فحسب، بل الأرضية كانت صالحة للاستعمار والسيطرة. أن الاستعمار وجد حالة اجتماعية ونفسية تجذب إليها جسما خارجيا بعد أن فقدت جزءا كبيرا من مناعتها الحضارية، وبهذا نفهم الاستعمار

(46)

وباعتباره ضرورة تاريخية فيجب أن تحدث هنا تفرقة أساسية بين بلد مغزو ومحتل، وبلد مستعمر، ففي الحالة الأولى يوجد تركيب سابق للإنسان والتراب والوقت، وهويستتبع ضررًا غير قابل للاستعمار، أما في الحالة الثانية فأن جميع الظروف الاجتماعية التي تحوط الفرد تدل على قابليته للاستعمار، وفي هذه الحالة يصبح الاحتلال الأجنبي استعمارًا وقدرًا محتومًا[1].

وليست هذه الحالة المرضية التي عرفها العالم الإسلامي بعد سقوط دولة الموحدين، الإحالة ظرفية تزول بزوال أسبابها والمسلم قادر في نظر مالك أن يتجاوز هذه المرحلة، ويستفيد من أخطائه ليحي من جديد الوظيفة الاجتماعية للفكرة الدينية التي كانت دافعا حقيقيا لنهضة المسلمين في الماضي،ثم تعطلت بعد ذلك الحضارة الإسلامية بسبب تعطيل هذا العامل. ويرى مالك أن الحضارة الغربية هي في واقع الأمر حصيلة تراكم تتابع الحضارات السابقة كالصينية والإغريقية والرومانية والإسلامية، والمسيحية التي انتقلت إلى أوروبا، وكانت بمثابة محرك دفع الغرب نحوالنهضة الحضارية والتمدين. ولم تبق المسيحية هي الأساس الوحيد للحضارة الغربية، حيث انقسمت المسيحية بسبب الحروب الدينية والحركات الإصلاحية التي تزعمها كالفن ولوثر. ولذا يقول مالك قامت الحضارة الغربية في بدايتها على هيكل أخلاقي مسيحي أتاح لها التماسك والوثبة الضرورية لازدهارها، لكن تطورها قد غير هذا الأساس ألعقيدي شيئا فشيئا، إلى أن صار هيكلا مختلطا يتمثل فيه التفكير الكاثوليكي والبروتستانت، وما يسمى بالتفكير الحر والتفكير اليهودي[2].

ويشير مالك إلى أن تراجع الفكرة الدينية في الغرب أمام الأيديولوجيات الحديثة،سيكون لها واقع سلبي على الجوانب الأخلاقية والنفسية.

(47)

ثالثًا: نزعة الهيمنة الغربية: تحدث مالك عن مصادر القوة في الحضارة الغربية التي تهيمن على العالم المعاصر، وهذه الهيمنة لا تفسرها فقط أمكانتها المادية التي غزت العالم في مختلف مجالات الحياة. فالتكنولوجيا قائمة في مجتمعات تسود الفعالية، والنظام وحب العمل، وتذوق الجمال، واحترام القوانين، وترفض الفوضى والخمول. ويفسر مالك هذه المقومات بارتباط الإنسان الأوروبي بالتراب، وفي استقرار الإنسان على الأرض نتيجة السريعة، فنشأ العلم والفن، وترعرعا في مجتمع منظم لم يعد الفرد يخضع فيه لمزاجه المتقلب[1].

كما يشير في هذا السياق إلى أن الحضارة الغربية قد حققت هذا الهدف حين أوصلت مقدرة الإنسان إلى المستوى العالمي، وهويتجلى في حياة كل شعب وفي تشكيلاته السياسية، وفي ألوان نشاطه العقلي والفني والاجتماعي. ونجح الغرب في تحويل العالم الإسلامي إلى سوق لاستهلاك منتجاته الصناعية والثقافية، وبهذه الثقافة المادية يسعى الغرب إلى حكم الشعوب، وفرض نوع من القيصرية الطاغية، دون أن يهدف إلى نشر حضارة. إن الحضارة الغربية تطمح إلى هيمنة العالم في كل مجالات الحياة فهي تملي على الطفل اتجاهه في الحياة بحيث لا يختار طريقه فيه إلا وقد وضع نصب عينيه ما يأخذ من المجتمع لا ما يعطي، أنه يبحث عن حظه لا عن رسالته[2].

وهذه النزعة للهيمنة والسيطرة هي شعور عميق في الإنسان الأوروبي ورثه عن ثقافته، ويبقى متجذرا فيه، فالفرد الأوروبي يحمل جراثيم الكبرياء دائما، لأنه يتلقاها من الجوالامومي الذي يتكون فيه منذ الطفولة، ويتكون فيه تصوره للعالم وللإنسانية، فهويعتقد أن التاريخ والحضارة يبتدان من أثينا ويمران على روما. ويلفت الانتباه إلى تمكن الحضارة الغربية من فرض حضورها على مستوى العالم،

(48)

إذ استطاعت أن تنشر في العالم، وتنشر أفكارها ومواقفها وطرق تفكيرها، عبر وسائل الإعلام، وانتشار وسائل الاتصالات المختلفة والبعثات الأوروبية، وظهرت تيارات التغريب في العالم العربي. ومن هنا تبقى نظرة الغرب للأخر قائمة على تصور مادي بحت. ولقد بلغت أوروبا الغاية في الفن والصناعة ولكنها ارتدت عن المثل الأخلاقية، فلم تعد تعرف شيئا من الخير للإنسانية فيما وراء حدود عالمها الذي لا يمكن فهمه إلا بلغة المادة[1].

لقد أفرزت حركة التصنيع في أوروبا رغبة الأوربيين في التوسع عبر العالم،للحصول على المواد الأولية ومصادر الطاقة لمصانعها، فازدهرت الحركة الاستعمارية التي ادعت رسالة تحضير الشعوب الأخرى، في حين تسعى في حقيقة الأمر لتحقيق مصالحها الاقتصادية والحضارية. وقد كشف مالك عن أشكالها الظاهرية وصورها الباطنية في عديد من كتبه، وفي كتابه الصراع الفكري في البلاد المستعمرة، بشكل خاص ففيه وضح وبين الصور المختلفة للصراع الدائر في عالم الأفكار، ووضح ما كانت تضعه الدوائر الاستعمارية من وراء الستار تجاه البلاد المستعمرة، لكي تبقى هذه الأخيرة دائما تابعة لها فكريا وثقافيا، ومتخلفة اقتصاديًّا واستعمل مالك في هذا الكتاب منهج علم النفس التحليلي ليتعمق في دراسة نفسية الاستعمار، ويقدم قراءة تشريحية لسلوكياته، ويصف بشكل دقيق تأثيره على الإنسان المستعمر، ويرى أن الغرب قد استعمل وسائل متعددة للهيمنة على العالم الإسلامي، لم تقتصر على الجوانب العسكرية والاقتصادية، فكان المجال الثقافي عاملاً آخر في معادلة الصراع الفكري، وتتجلى بوضوح في الاستشراق الذي خدم التراث من حيث التحقق والترجمة.

رابعًا: مصير الحضارة الغريبة: هل تنجد وتنقذ الحضارة الغربية من الانهيار، وتبقى خالدة على الأرض، مخالفة بذلك كل النظريات التي تؤكد على زوال كل

(49)

حضارة؟ الإجابة لقد فقدت الحضارة الغربية الأسس التي قامت عليها في البداية، والتي كانت دافعا أساسيا لمسيرتها، فبفقدان قيمها الدينية والأخلاقية فقدت توازنها، اذ طغت المادة والعلم على حساب القيم، وما كان لحضارة أن تقوم إلا على أساس من التعادل بين الكم والكيف، بين الروح والمادة، بين الغاية والسبب، فأينما اختل هذا التعادل في جانب أوفي آخر كانت السقطة رهيبة فاضحة[1].

ويؤكد مالك كثيرًا على تخلى الغرب عن الدين كعامل أساسي في حياته الاجتماعية، فحضارة القرن العشرين أفقدت أوأتلفت قداسة الوجود في النفوس وفي الثقافة وفي الضمائر، ولقد أتلفت القداسة لأنها اعتبرتها شيئا تافها لا حاجة لنا بها، والسبب في ذلك نابع من الثقافة الغربية نفسها التي أخضعت كل شئ وكل فكرة إلى مقاييس الكم منذ عهد ديكارت. ويقول أيضا موضحًا مقاربته تركت أوروبا في سلة مهملاتها كل قداسة الأشياء، وكل القيم المقدسة، وفي آخر المطاف دار عليها صولجان علمها وطغيانها العقلي كثعبان التوى على صدرها يضيق عليها الأنفاس، أوروبا لا تتنفس التنفس الطليق، بل تتنفس تحت ضغط عالم الأشياء المتراكمة. لذا يفسرها بعد ذلك قائلًا إذ بقدر ما تراكمت الأشياء، وبقدر ما تراكمت الإمكانيات الحضارية اضمحلت القاعدة الأخلاقية الروحية المعنوية التي تتحمل في كل مجتمع عبء الأثقال الاجتماعية والأثقال المادية، إذ لأبد من قاعدة روحية متينة حتى تتحمل هذه الأعباء التي ترزخ تحتها أوروبا أوالحضارة الغربية اليوم وهي في خضم الأشياء التي تنتجها التكنولوجيا[2].

والحضارة الغربية التي تسير العالم بفضل قوتها الاقتصادية والصناعية غير قادرة على حل المشكلات التي تهدد العالم، والتي أفرزها الجشع الغربي وهويرمي

(50)

إلى الربح السريع والهيمنة، ويغض الطرف عن النتائج الخطيرة التي يتركها من ورائه خاصة العالم الثالث ـ من تلوث وتخلف وأمية وأمراض مزمنة وظلم سياسي وحروب أهلية[1]،فالغرب ينتج، ولكنه عاجز عن توزيع ما ينتجه وأوروبا العقلية التي أبدعت الأله تجر نفسها في منتهى العجز عن مواجهة مشكلات الإنسانية وعلاجها.

والسؤال المطروح الآن هل تنقذها المسيحية من الأفول؟ أن فشل الحضارة الغربية مس شطريها المسيحي والعلماني، فحتى المسيحية بدأت فعلا تفقد المبررات التي يجب تقديمها للشبان القسيسين وللمرآة على حد سواء. ولذا انتهى مالك إلى قوله الحضارة الغربية التي فقدت معنى الروح تجد نفسها بدورها على حافة الهاوية،ولا يستطيع أن ينقذها طويلا الاقتصاد التكاملي لمواجهة ضرورات داخلية وخارجية جديدة، وذلك إشارة إلى تأسيس السوق الأوربية المشتركة[2].

خامسًا: الحوار أم الصراع الحضاري مع الغرب: انتقد مالك موقف المسلمين من الحضارة الغربية التي تتسم بالتناقض والتطرف كالموقف الذي يعتبر الغرب النموذج الصالح الجدير بالإتباع، والطرح الآخر الذي يصر أن الغرب هوالخصم اللدود، والعدوالمتآمر. ويرى مالك على عكس هولاء أن الغرب ليس كله شر، والشرية مدينة له في كثير من المجالات لاسيما الجانب التقني، أن أوروبا لم تحكم العالم فحسب، بل أنها قد غيرته أيضا، فالعالم الراهن قد وجد تحت وطأة سوطها اللعين، والحق أن هذا هوالشكل المزدوج الذي يكون جملة الدور التاريخي الذي قامت به أوروبا منذ قرنين من الزمان، فلوأننا لم نتحدث إلا عن عصاها السحرية كما يفعل الاستعمار، فلسنا نستخدم سوى شهادة زور في التاريخ. ولم تكتمل بعد الصورة فأضاف قائلاً ولكننا أيضا نقدم شهادة آخري مزورة لوأننا اقتصرنا

(51)

منهجيا على التحدث عن سوطها، فأوروبا لم ترد تمدين العالم، هذا حق، ولكنها وضعته على طريق الحضارة حين جعلت تحت تصرفه الوسائل المادية ليتبع هذا الطريق[1].

وهنا يتسم موقف مالك تجاه الغرب بالموضوعية، فهولا ينكر دوره في توفير أسباب الراحة البشرية،بفضل إسهامه الكبير في تسخير الموارد الطبيعية، واستغلال الثروات المادية، وتطوير وسائل النقل والمواصلات. إنما ينتقد بشدة الأساليب التي يلجأ إليها في تعامله مع العالم الثالث بشكل عام والعالم الإسلامي بشكل خاص، وحينما يتعلق الأمر بإشكالية الحوار مع الغرب، فأن مالك يرى أن الحوار لا يكون مثمرًا إلّا إذا عرفنا بشكل دقيق المنطلقات الدينية والفلسفية والتاريخية للحضارة، وهي التي تحدد طبيعة علاقتها بغيرها من الحضارات ولا تكتفي فقط بالمشاهد الراهنة التي لا تعبر بالضرورة عن حقيقة الغرب. فبدون فهم الموروث الثقافي والديني للغرب، ومعرفة توجهاته المستقبلية، تبقى علاقتنا بالغرب مبنية على دوافع ظرفية، من مصلحة اقتصادية وأطماع سياسية، أوضغط عسكري،وهذه العلاقة من وجهة نظره بعيدة عن التفاعل الحضاري المبني على الاحترام والتبادل، والذي يأمل فيه مالك إذا ما أدرك العالم الإسلامي أن صدق الظواهر الأوروبية مسألة نسبية، فسيكون من السهل عليه أن يعرف أوجه النقص فيها، كما سيتعرف على عظمتها الحقيقية، وستصبح بعد ذلك الصلات والعلاقات مع الغرب أعظم خصبًا لتظفر الصفوة المسلمة إلى حد بعيد بمنوال تنسج عليه فكرها ونشاطها، ولا شك أن هذا الإشعاع العالمي الشامل الذي تتمتع به ثقافة الغرب، هوالذي يجعل فوضاه الحالية مشكلة عالمية، ينبغي أن نحللها وأن نتفهمها في صلاتها بالمشكلة الإنسانية عامة، وبالتالي بالمشكلة الإسلامية. وفي هذا السياق يعزز فكرته في النهاية حيث يؤكد على أن تحليلاً

(52)

كهذا يتيح للمسلم حتما أن يقف أمام نظام أوروبا بوصفه إنسانًا لا مستعمرًا، وبذلك تنشأ حالة من التقدير المتبادل والتشارك الخصيب[1].

ويجب أن نلفت الانتباه إلى أن مالك قد درس الغرب في كيانه الحضاري، وحلل بشكل دقيق صوره المختلفة، ونزع القناع عن وجهه الاستعماري، وعلى الرغم من معاناته النفسية، بسبب كشفه لأسرار الصراع الفكري، الرامي إلى تعطيل المشروع الحضاري الإسلامي، أنصف مالك الغرب في أحكامه، فلم ينكر دوره الفعال وإسهامه الضخم في البحث العلمي، وتوفير أسباب الراحة المادية للبشرية. ولم يرى مانعا في التفاهم مع الغرب، وتنظيم علاقات معه تكون قائمة على الاحترام المتبادل،والتفاهم المشترك. وتنبه مالك إلى الأخطار التي تهدد الحضارة الغربية. والتقت  تصوراته في كثير من الأحيان مع تصورات علماء وفلاسفة غربيين عبروا عن بداية أفول الحضارة الغربية، بسبب تهميشها للدين والأخلاق، وثقة الإنسان الغربي العمياء في الفكر والعلم المادي وعجزها عن حل المشكلات الإنسانية التي أفرزتها حركة التصنيع،والتطور السريع الذي شاهدته أوروبا في القرنين التاسع عشر والعشرين، وقد بين مالك الشروط التي تمكن المسلمين من العودة إلى مجدهم الأول، وكان هاجسه الأكبر أن يقوموا بأداء رسالتهم التصورية في ظرف تعرف فيه الحضارة الغربية المهيمنة بدايات انحلالها. ويؤكد مالك على أنه يوجد واقع استعماري هوذلك المعامل الاستعماري، ويقول لقد تكلم البعض في شأن المعامل بلسان السياسة فطالبوا بالحقوق التي هضمها الاستعمار وأغفلوا الواجبات، وأصبح هذا الكلام من أروع مظاهر المأساة التي يعانيها الجنس البشري  في عصرنا، ويقول أيضًا نحن نريد أن نبحث علميا في بلادنا، ولكي ننتج المقياس الصحيح في درس الاستعمار، يلزمنا أن نراه في أعماق التاريخ، وأن نوسع نطاق البحث فيه، لأنه ليس بالشئ الذي يخص علاقات الجزائر بفرنسا، ولكنه يهم بصفة

(53)

عامة علاقات الحضارة الغربية بالإنسانية. ومن هنا يعتبر مالك بن نبي أن الاستعمار من الوجهة التاريخية نكسة في التاريخ الإنساني، لأننا إذا بحثنا عن أصوله نجد أنه يعود إلى روما. لذا يرى أن المعامل الاستعماري في الواقع يخدع الضعفاء، ويخلق في نفوسهم رهبة ووهما ويشلهم عن مواجهته بكل قوة، وأن هذا الوهم ليتعدى أثره إلى المستعمرين أنفسهم فيغريهم بالشعوب الضعيفة، ويزين لهم احتلالهم إذ يحاولون إطفاء نور النهار على الشعوب المتيقظة ويدقون ساعات الليل عند غرة الفجر، وفي منتصف النهار لترجمته إلى العبودية والتقدم[1].  

ومن هنا المعامل الاستعماري يعمل ليضيف نشاط الحياة في البلاد المستعمرة حتى تكون مصبوبة في قالب ضيق يهيئه الاستعمار في كل جزئية من الجزئيات خوفا من تتيح الحياة المطلقة لمذاهب الإنسان،على أنه من الناحية الجدلية هذا الاعتبار خارجي بكيفية ما، لأنه يرينا كيف يؤثر الاستعمار على الفرد من الخارج، ليخلق منه نموذج الكائن المغلوب على أمره، والذي يسميه المستعمر في لغته الأهلي.

ويجب أن نشير إلى حقيقة مهمة وهي أن مالك بن نبي في إطار وسياق دراسته للحضارة الغربية تناول عددًا من القضايا المهمة ولعل أهم هذه القضايا قضية المجتمع الإسلامي قبل النهضة وأثر العالم الغربي.

أولًا: المجتمع الإسلامي قبل النهضة: يتناول مالك مشكلات المجتمع الإسلامي المعاصر بالتحليل والتركيب في ضوء نظريته عن الحضارة والثقافة، من أجل ذلك يربط بين هذا المجتمع ومجتمع الحضارة الإسلامية السابق في مرحلته الثالثة (الأفول) باعتبار المجتمع الإسلامي المعاصر امتدادًا لمجتمع ما بعد الموحدين، ويكشف من خلال ذلك الربط السلبيات والمعائب التي وقع فيها

(54)

العالم الإسلامي، وحدت من تقدمه منذ محاولته تحقيق نهضته، والمعوقات التي حالت دون استفادته من اتصاله بالغرب، ويرجعها إلى ما يدين به المجتمع الحاضر لذلك المجتمع السابق. من أجل ذلك فدراسة النهضة في العالم الإسلامي في إنتاج مالك لا يمكن أن تكون شاملة ما لم يدرس عصر الانحطاط، فالظاهرتان متصلتان[1].

ومن خلال دراسة ظاهرة الانحطاط تتجلى نظرية مالك في القابلية للاستعمار التي يراها السبب أوالتمهيد لوقوع الاستعمار. ويرى مالك أن ظاهرة الانحطاط في الحضارة الإسلامية كما يراها هي النتيجة الطبيعية للانفصال الذي حدث للحضارة الإسلامية بين الفكر والضمير بعد معركة صفين وأخذت الحضارة الإسلامية منذ ذلك الوقت منعطفا آخر أدى بها إلى البعد عن الروح وظهور مجتمع ما بعد الحضارة، حين بلغت عوامل التعارض الداخلية قمتها، وانتهت إلى وعدها المحتوم بتمزق عالم واهن وظهور مجتمع جديد، له معامله وخصائصه واتجاهاته التي تجلى مرحلة الانحطاط[2].

وفي هذه المرحلة تافل الثقافة والحضارة، بحيث يظهر في المحيط الاجتماعي أثر ذلك التحول بدخول المجتمع مرحلة ما بعد الحضارة ويصيب التحول في الوقت نفسه الإنسان الذي يصبح خارج إطار الحضارة، وتأمل تلك المرحلة يجلووضع الثقافة فيها، بحيث يمكن إيضاح معالمها الرئيسية، أوسماتها التي تكشف عن الأمراض السارية في ذلك المحيط الاجتماعي وانعكاساتها السلبية على مجتمع النهضة التي تقعد به عن التحرك الجاد نحوتحقيق نهضته. والسمة الأولى هي تحلل العلاقات بين أشخاص المجتمع وأثرها في عوالم الثقافة، حيث أن تحلل شبكة العلاقات الاجتماعية يبرز أثرها في عالم الثقافة بانقطاع العلاقة بين

(55)

عوالمها الاخري، الأفكار والأشياء، ويتجلى ذلك في عدم استخدام الوسائل رغم وجودها أوسوء استخدامها[1].

فالشخص في ذاته ليس مجرد فرد يكون النوع، وإنما هوالكائن المعقد الذي ينتج حضارة، وهذا الكائن هوفي ذاته نتاج حضارة، إذ هويدين لها بكل ما يملك من أفكار وأشياء. أن تمزق لعالم الثقافة، باعتبارها المحيط الذي يصوغ كيان الفرد، كما أنها مجموع من القواعد الأخلاقية والجمالية والمنطق العملي والصناعة. فالعلاقة الفاسدة في عالم الأشخاص لها نتائجها السريعة في عالم الأفكار وفي عالم الأشياء والسقوط الاجتماعي الذي يصيب عالم الأشخاص يمتد لا محالة إلى الأفكار والأشياء[2].

 ثانيًا: أثر العالم الغربي على المجتمع الإسلامي: يرى مالك بن نبي أن العالم الغربي اتسم من ناحية تركيبه بتكوين معين اشتركت في إيجاده عناصر ثلاثة:

الأول: النزعة النفعية المادية فهومجتمع تغلغل فيه النزوع إلى المنفعة بشكل واضح نظرا لارتباطه بالأرض،وقد ازدادت تلك النزعة عبر التاريخ رسوخا وقوة،وكان لها في ما بعد أكبر الأثر في الاستعمار واستغلال الشعوب. الثاني: الدين النصراني حيث كان له ولاشك أثر في تركيب حضارة المجتمع الغربي، وإذا كان هذا الأثر قد انتزعه من الفوضى والهمجية البدائية بما وجه إليه من روح أخلاقية، فقد كان للعنصر الأول من ناحية أخرى أثر في جعل تلك الأخلاق ذات بعد نفعي، ويتجلى ذلك في استعمار الشعوب الإنسانية واستعبادها. الثالث: ما هيأته له فلسفة ديكارت من مناخ عقلي أتاح الفرصة أمامه لتنظيم ضروب نشاطه الأساسية تنظيمًا علميًا، كيما تدفعه دفعا مثمرًا إلى الازدهار الصناعي الذي نتج منه تطوره[3].

(56)

ومن هنا حدث الانفصال بين العلم والضمير في العالم الغربي أوالحضارة الغربية، وأصابها ما أصاب غيرها من قبل، وأسلمها هذا في النهاية إلى الفوضى نتيجة الانقسامات التي تعرضت لها من جراء ذلك الانفصال بين العلم والضمير، وقد حدث الانفصال الأول في مجال الأخلاق بسبب حركة الإصلاح، ثم تلته انشقاقات تدل على تخلف الضمير النصراني عن مواجهة الفجوة التي تفصله عن نزعته العقلية الناتجة عن التطور العلمي. أما الانفصال الثاني فقد حدث في المجال السياسي بقيام الثورة الفرنسية التي حطمت التوازن الاجتماعي التقليدي لتحل مبادئها في المساواة محل المبادئ السابقة، ولكنها لم تستطع المحافظة على التوازن، فاستمرت الانشقاقات في ذلك المجتمع، حتى ظهر الانفصال الأخير في المجتمع الغربي بين الطبقة البرجوازية والبروليتاريا، بحيث أصبح هذا المجتمع منشقا في النهاية إلى معسكرين، الطبقة العاملة الحاملة لواء المادية الجدلية، ومعسكر البرجوازية الحاملة للواء المادية العملية، بحيث أصبح التعارض قائما، ليس في المجال الفلسفي فقط وإنما في المجال السياسي[1].

هذه فترة من تاريخ أوروبا، وقد أصابها الانفصال في أوضاعها الأخلاقية والسياسية والاجتماعية، وهي الفترة المعاصرة لجبروت العصر الاستعماري ولبوادر النهضة الإسلامية الأولى، وبهذه الدفعة المادية المزدوجة، دفعة البرجوازية ودفعة البروليتاريا، تجلت أوروبا للوعي الإسلامي، فأدرك نفوذها في تطوره الفكري، والسياسي، فهولم يكتشف في أوروبا هذه الحضارة، بل اكتشف فوضى كانت تتعاظم  داخلها الانفصالات طبقا لعاملين كان لهما في هذا الشأن وزن كبير هما: سرعة النموالعلمي والتوسع الاستعماري [2].

ويجب أن نشير هنا في هذا السياق أن هذان العاملان هما الحاكمان لتطور

(57)

أوروبا، وتعاظم الفوضى فيها، فكلما تقدمت في المجال العلمي، زادت الشقة بين العلم والضمير، فهي قد حققت وحدة العالم  من الناحية المادية بسبب التقدم العلمي، ولكنها مدفوعة بمنطق القوة والرغبة في استعباد الإنسانية واستغلالها إلى التناقض مع ما حققته من ناحية التقدم العلمي، فهي بضميرها المتخلف تحاول إعادة العالم إلى وضعه في القرن التاسع عشر[1].

من هنا نرى أنه رغم تقدم الحضارة الغربية على صعيد المجال المادي والتكنولوجي، وما حققته من طفرات في هذا المجال أدى إلى رفاهية الحياة المادية، إلا أن هناك فجوة على مستوى الروح، وشعور الإنسان بالغربة والاغتراب، وهوما يعرف بالتشيؤ أي أصبحت قيمة الإنسان تقاس بما ينتجه من سلع ومنتجات، وأصبح الإنسان مثله مثل السلع تقاس بقانون العرض والطلب. ومن هنا حدثت فجوة بين الجانب المادي والجانب الروحي وأصبح هناك انفصال بين الجانب المادي والروحي، وحدث التمزق بين الجانبين، فالحضارة الغربية على المستوى المادي حققت نجاحا كبيرا وسيطرت علي الطبيعة، وأصبح الإنسان الغربي يشعر بهذا التفوق المادي التكنولوجي، ولكن على الجانب الروحي هناك ضعف روحاني، وهذا عكس الحضارة الإسلامية التي فيها توازن بين الروح والمادة وهوما اسماه مالك في مؤلفاته باسم التوازن الحضاري، أي حضارة تجمع بين التراب وقبضة الروح، يوجد فيها توازن بين مطالب الجسد أي المطالب المادية ومطالب الروح ومن هنا حققت الحضارة الإسلامية مطلب التوازن أوالتعادلية الحضارية التي فشلت فيه الحضارة الغربية فشلاً ذريعًا، وهذا ما جعلها تسقط في براثن تشيئوالإنسان وفقدان القيم الروحية.فأي حضارة تحتاج إلى الجانبين، ولا يطغى جانب على جانب.

ومن هنا غرقت أوروبا في حماة المادية، وأصبح كل شئ فيها خاضعا للكم

(58)

والوزن والنسبية، فقد بذلك على الجانب الأخلاقي والإنساني بدافع العاملين السابقين. ويجب أن نشير هنا إلى أن هذا الوضع أثر في المجتمع الإسلامي حيث اتصلت أوروبا بذلك المجتمع، وقد حدث الاتصال بينهما في العصر الحديث من ناحيتين: الأولى بواسطة الاستعمار: أي بدخول الاستعمار إلى البلاد الإسلامية والعربية وكان هذا أواتصال في العصر الحديث بين الحضارة الغربية والمجتمع الإسلامي. الثانية: بواسطة أبناء المجتمع الإسلامي الذين تلقوا التعليم في المدارس الأوروبية. أي عن طريق إرسال البعثات إلى الدول الأوروبية لتلقي التعليم هناك ومن أشهر البعثات في العصر الحديث بعثة محمد على إلى فرنسا، والتي كانت أحد أهم مفاتيح النهضة العلمية الحديثة في مصر. وإذا رجعنا إلى الوسيلة الأولى في اتصال المجتمع الإسلامي بالعالم الأوروبي نجد أن هذا تم عن طريق الاستعمار، فأوروبا استهدفت المجتمع الإسلامي في توسعها الاستعماري، بدافع الصليبية من ناحية أي الحروب الصليبية، والنفعية من ناحية آخري، ويقوم أي يقوم مالك بعملية تقويم للاستعمار الأوروبي من الناحية الاجتماعية، طبقًا لنظريته في القابلية للاستعمار. ومن تلك الرؤية فأنه ينظر إلى أثار الاستعمار الايجابية والسلبية وينتقد أولئك الذين لا يرون الغرب إلا من زاوية واحدة حيث يقول أن أوروبا لم تحكم العالم فقط، بل غيرته أيضا، فالعالم الراهن قد وجد تحت وطأة عصها السحرية، أوتحت وطأة سوطها اللعين، والحق أن هذا هوالشكل المزدوج الذي يكون جملة الدور التاريخي الذي قامت به أوروبا منذ قرنين من الزمان، فلوأننا لم نتحدث إلا عن عصاها السحرية كما يفعل الاستعمار، فلسنا نستخدم سوى شهادة زور في التاريخ، وكنا أيضا نقدم شهادة آخري مزورة لوأننا اقتصرنا منهجيا على التحدث عن سوطها. فأوروبا لم ترد تمدين العالم، هذا حق، ولكنها وضعته على طريق الحضارة حين جعلت تحت تصرفه الوسائل المادية،ليتبع هذا الطريق،حين أمدته بإرادة للسير فيه[1].

(59)

من هنا يتضح لنا أن مالك بن نبي كان موضوعيًا في الحكم على الحضارة الغربية فهولم يرفضها وينتقدها لمجرد النقد، بل تناولها في إطار موضوعي، ويعترف بأن هذه الحضارة لها جانب ايجابي وآخر سلبي، الايجابي ساعد في وضع العالم في طريق التقدم والرقي، والجانب السلبي هواستعمار العالم والغزوالاستعماري للشعوب. ومع ذلك لا يمانع مالك أن نأخذ كل ما هوايجابي من الحضارة الغربية، وبما يعود على شعوبنا العربية والإسلامية بالنفع والفائدة، فليس كل ما في الغرب شر، ويجب ألا نرفض كل ما يأتي من الغرب لمجرد أنه من الغرب، بل يجب أن يكون هناك موضوعية في التعامل مع الأخر، وأقصد بالآخر هنا الغرب وحضارته، لا نرفض لمجرد العداء فقط، بل يجب أن نرى الحقيقة بمنظار الموضوعية، من هنا جاء موقف مالك من الحضارة الغربية بالتعامل الموضوعي، ومنهج الحياد الفكري، بمعنى لا أملك انطباع مسبق أوفكرة مسبقة، بل أتعامل على ارض الواقع. فقد اعترف مالك للحضارة الغربية بتفوقها في الجانب المادي الذي يجب أن نأخذ به إذا أردنا أن نحقق تفوقًا علميًا، وبنفس الرؤية المتوازنة اعترف بإخفاق الحضارة الغربية في الجانب الروحي، وفشلها في هذا الجانب.

وهكذا يرى مالك أن الاستعمار رغم ما حمله من دمار، فهومن ناحية آخري وعلى غير قصد منه قد حمل خيرًا لتلك الشعوب المستعمرة حين استفزها باستعماره لها،فنفضت الغبار عن نفسها، وتكون لديها بباعث رد الفعل وعي ذاتي. وعلى هذا فهناك إذا جانب ايجابي للاستعمار حين يحرر الطاقات التي طال عليها زمن الخمود،على الرغم من أنه يعتبر من جانب آخر عاملًا سلبيا،حين يتجه إلى تحطيم هذه الطاقات،بتطبيقه قانون المعامل الاستعماري، ولدينا في هذا الصدد واقع ذو دلالة، فأن التاريخ لم يسجل مطلقا استمرار الواقع الاستعماري، إذ أن قوى الإنسان الجوهرية تتغلب أخيرًا على جميع ضروب التناقض. وليس معنى هذا أن المستعمر يفد إلى المستعمرات ليحركها، وإنما يجئ ليشلها،كما يشل العنكبوت

(60)

ضحية وقعت في شباكه،ولكنه في نهاية الآمر يغير ظروف حياة المستعمر من جذورها، فيساعده بذلك على تغيير نفسه[1].

وفي ضوء تلك الرؤية يقوم مالك دور الأوروبي المستعمر في العالم فيرى أن الأوروبي قام منذ قرنين بدور نافع في تاريخ العالم، ومهما كان موقفه من انفصال عن بقية الإنسانية المحتقة في نظره، والتي لا يرى فيها سوى سلم مجده، فأنه قد أنقذ العالم الإسلامي حينما منح نشاط الأوروبي إنسان ما بعد الموحدين إلهامًا جديًدا لقيمته الاجتماعية، حين نسف وضعه الاجتماعي الذي كان يعيش فيه راضيا بالدون، وحين سلبه وسائله التي كان يتبطل بها هادئ البال حالما. فإنسان أوروبا قام دونما قصد بدور المفجر الذي نسف معسكر الصمت والتأمل والأحلام، وبذلك شعر إنسان ما بعد الموحدين، كما شعر بؤذي الصين، وبرهمي الهند،بهزة انتفض بعدها مستيقظا،ليجد نفسه في إطار جديد لم تصنعه يداه وأمام ضرورتين ملحتين، فهوملزم على الرغم من تأخره وانحطاطه، بأن يحافظ على الحد الأدنى من كرامته، وهوأمر يتطلبه الإسلام لجميع معتنقيه، وهوملزم أيضا بأن يضمن لنفسه الحد الأدنى من الحياة، في مجتمع قاس لا يعول ألبته صعلوكا يعيش على الغارة، أومتزهدًا يعيش على صدقات الناس، أوولدًا محظوظًا يعيش على موارد أسرته، فقد زالت من الوجود كل إمكانات التبطل من ذلك الحين. لقد وجد المسلم أن عليه أن يبحث عن أسلوب في المعيشة يتفق وشرائط الحياة الجديدة في المجالين: الخلقي والاجتماعي[2].

وهكذا فأن مالك يرى أن للاستعمار أثرًا ايجابيًا غير مباشر ـ من الناحية المادية وكذلك من الناحية الروحية، ويلاحظ هذا الأخير بالذات في حركات الإصلاح التي قامت في النصف الأخير من القرن التاسع عشر الميلادي،فيقول لقد سببت

(61)

حرية أوروبا جروحا شنيعة للإنسانية وأحدثت قروحا رهيبة في بدنها، ولكنها في الوقت نفسه قد فتحت ثغرات في المجتمعات التي انسحبت من التاريخ، أوالتي لم تدخله بعد، ومن هذه الثغرات جاءت نسمة جديدة، نسمة باعثة تحي أشكالًا بليت، وتحرك حياة جمدت، وكلما أردنا تحليل الأسباب التاريخية لهذه النهضات التي حددت العالم المستعمر خلال نصف القرن الماضي فأننا نجد تأثير أوروبا، فجميع النهضات التي رأت النور في ضمير الشعوب المستعمرة قد تغذت في الضمير نفسه الذي أودعته فيه الموجة الاستعمارية[1] .  

ثالثًا: واقع نهضة العالم الإسلامي: يقرر مالك أن العالم الإسلامي،خرج من فترة الركود التي ابتدأت منذ أفول حضارته بعد سقوط الموحدين  في المغرب،ودخل في عهد جديد هوعهد النهضة التي ابتدأ مع صيحة جمال الدين الأفغاني التي أطلقها في العالم الإسلامي. ويجب أن نشير في هذا السياق أن مالك يقوم واقع النهضة الإسلامية في ضوء نظريته عن الحضارة من حيث تطابقها واختلافها مع قانون الحضارة. فهويحدد معنى النهضة أولا بشكل عام فيقول إذا راجعنا تاريخ القرن التاسع عشر وجدنا أن النهضة كانت ظاهرة عامة في مختلف البلاد المستعمرة،وأن أسبابها تتصل بالظروف النفسية والاقتصادية والسياسية الجديدة التي كونها المستعمر في تلك البلاد، فالنهضة كانت الفعل الذي ردت به الشعوب المستعمرة في تلك الظروف[2].

وهذا التحديد للنهضة يتيح لمالك عقد مقارنة بين هذه الشعوب المستعمرة، فهويلاحظ اختلاف رد الفعل المتمثلة في محاولات النهوض في عدة جهات في العالم الإسلامي، وفي اليابان وفي الهند وفي الصين،

(62)

ويكتشف من خلال المقارنة سبب نجاح بعض تلك التجارب، وإخفاق الاخري[1].

ومن هنا فقد وجه مالك اهتمامه لمشكلة النهضة محاولا تقويمها، وتحديد مواطن الخلل فيها فهويقول أن من الواجب أن نضع نصب أعيننا المرض بالمصطلح الطبي، لكي تكون لدينا فكرة سليمة، فأن الحديث عن المرض والشعور به لا يعني بداهة الدواء، ونقطة الانطلاق هي أن الخمسين عامًا الماضية تفسر لنا الحالة الراهنة التي يوجد فيها العالم الإسلامي اليوم، والتي يمكن أن تفسر بطريقتين متعارضتين، فهي من ناحية النتيجة الموفقة للجهود المبذولة طوال نصف قرن من الزمان من أجل النهضة. وهي من ناحية آخري النتيجة الخائبة لتطور استمر خلال هذه الحقبة دون أن تشترك الآراء في تحديد أهدافه واتجاهاته[2].

ومن هنا يرى أن العالم الإسلامي إذا اشتد عليه المرض هرع إلى الصيدلية لآخذ علاج مسكن له، وتلك في حال العالم الإسلامي الذي دخل إلى صيدلية الحضارة الغربية دون تحديد للمرض ودوائه. من أجل ذلك، لم يصل بعد إلى تركيب حضارته، وإنما هي بادرة حضارة أومرحلة إرهاص، وجه فيها العالم الإسلامي جهوده الاجتماعية هادفا إلى تحصيل حضارة، مع أن هناك مجتمعات قد ابتدأت نهضتها في وقت قريب من الوقت الذي ابتدأ فيه العالم الإسلامي نهضته، واستطاعت تحقيق النهضة، كالمجتمع الياباني والصيني في ما بعد[3].

وفي ضوء ذلك يرجع مالك أسباب الإخفاق إلى ناحيتين: الأولى نفسية، تتمثل في المعادلة الشخصية لإنسان ما بعد الموحدين، والتي تنضح برواسب ذلك الماضي وتحمل جراثيم التخلف المعوقة لكل جهود النهضة. إن النهضة بحاجة

(63)

إلى الإنسان الجديد، الذي يعود إلى التاريخ الذي خرجت منه حضارتنا منذ عهد بعيد. وصياغة هذا الجهاز الجديد الذي يسمى الإنسان، لا تفهم بمجرد إضافة جديدة إلى معلوماته القديمة،لأنه سيبقى هوقديما في عاداته الفكرية، وفي مواقفه أمام المشكلات الاجتماعية، وفي فعاليته بإزائها وعلى الأخص في عدم فعاليته[1].

الثانية فكرية: فهناك علاقة وثيقة بين الأفكار، ومقاييس النشاط، وأي خلل يصيب هذه العلاقة، أو أي غياب لها أوغفلة عنها سيؤدي بالنشاط إلى الاستحالة أوالإخفاق، وتنقسم هذه العلاقة إلى ثلاثة أقسام: 1-قسم يتعلق بصياغة الأفكار، ويتمثل في المناهج.2-قسم يتعلق بصياغة الأشخاص من الناحية النفسية، والفكرية والسياسية والعضوية.3-قسم يتعلق بصياغة الأشياء من الناحية التقنية والاقتصادية والاجتماعية، ويظهر أثر فساد أي جزء من هذه الأجزاء في أحكام المجتمع وأوجه نشاطه أوفي سلوك أفراده، وتصرفاتهم[2].

الثالثة: الخطأ في تحديد الوسائل المناسبة: للغاية المنشودة، والإمكانات، وهذا ينبني على الأمر الأول، إذ الخطأ في تحديد الغاية أوالغموض فيها، يترتب عليه الخطأ في تحديد الوسائل والإمكانات ويتجلى ذلك في عكس قانون الحضارة، فالقانون يفرض أن الحضارة هي التي تلد منتجاتها، ولكن النهضة في العالم الإسلامي تعكس هذا القانون حينما تحاول بناء الحضارة من منتجاتها[3].

ويمكن إيضاح ذلك بالمقارنة مع النهضة اليابانية، فاليابان استوردت الأشياء من الغرب، في الوقت الذي استورد فيه العالم الإسلامي هذه الأشياء ولكنها لم تحدث في العالم الإسلامي الأثر الذي أحدثته في نهضة اليابان، ويستنتج من هذا أن الأشياء لا تؤدي مفعولها الاجتماعي، تلقائيا ولا تؤثر وحدها في صياغة العملية

(64)

الاجتماعية، وإنما تؤثر بقدر ما يضاف إلى مفعولها من دوافع نفسية، وتوجيهات فكرية معينة، فالشعب الياباني، كان يريد من الأشياء التي استوردها من الغرب وسائل يواجه بها بناء الحضارة. أن محاولة بناء الحضارة بواسطة منتجاتها أمر مستحيل من ناحيتين: الأولى كيفية، لأن الحضارة وأن باعت منتجاتها، فهي لن تبيع روحها، والحضارة كما تقدم تعريفها هي مجموعة من العلائق بين المجال الحيوي والبيولوجي، حيث ينشأ ويتقوى هيكلها، وبين المجال الفكري حيث تولد وتنموروحها، فعندما نشتري منتجاتها فإنها تمنحنا هيكلها وجسدها لا روحها.

الثانية: ناحية كمية، وذلك لكثرة الأشياء التي يلزم شراؤها من جهة، ولحاجة الشراء إلى رأس مال لا يستطيع العالم الإسلامي دفعه من جهة آخري، ولوأمكن ذلك لما أدى إلا إلى تكديس منتجات الآخرين، أوتكوين حضارة شيئية[1].

ومن البين والواضح أن العالم الإسلامي يعمل منذ نصف قرن على جمع أكوام من منتجات الحضارة، أكثر من أن يهدف إلى بناء حضارة، وقد تنتهي هذه العملية ضمنا إلى أن نحصل على نتيجة ما، بمقتضى ما يسمى بقانون الأعداد الكبيرة، أعني قانون المصادقة، فكوم ضخم من المنتجات المتزايدة دائمًا يمكن أن يحقق على طول الزمن، ومن دون قصد حالة حضارة، ولكننا نرى فرقا شاسعا بين هذه الحالة الحضارية، وبين تجربة مخططة مثل التي ارتسمت روسيا منذ أربعين عامًا، والصين منذ عشر سنوات [2].

أن القانون يقضي بأن السبب في كل اطراد طبيعي هوالذي يحدد الأثر ومخالفة هذا الوضع تقضي بإخفاق التجربة، وهذا هوواقع العالم الإسلامي الذي يسير بعكس القانون محاولا بناء الحضارة من منتجاتها، ومخالفا بذلك المنطق السليم والمنهج الصحيح.

(65)

وهناك جانب آخر لضعف النهضة الإسلامية يتمثل في طريقة اختيار النموذج إذ أن لكل حضارة نموذجها، والنموذج يحدد المنهاج وينسجم معه، من أجل ذلك فلأبد من حساب ارتباط الآمرين معا مهما كانت الظروف، ولاختيار النموذج لأبد من تجارب الآخرين، لتحصيل الجوانب الايجابية وتجاوز سلبيات تلك التجارب، وثمة ثلاثة نماذج أمام العالم الإسلامي: الأول ـ المجتمع الغربي الذي بني نهضته خلال قرون. الثاني: اليابان حيث كون حضارته مع المحافظة على تقاليد وفكره المحافظ.

الثالث: النموذج الروسي حيث كون حضارته بوسائله معتمدا على العقل الصناعي فقط[1].

وفي هذا السياق يشير مالك إلى أن العالم الإسلامي لم يختر إلى الآن النموذج، ولقد كان من المتوقع بحكم اتصاله بالبحر الأبيض المتوسط أن نراه يتجه نحوالغرب محتفظا بأصالته في تعديل النموذج الغربي، بل أكثر من ذلك في تطويعه لتطوره الخاص آخذا في اعتباره تأخره من جهة، ومناهج التعجيل بحركة التاريخ من جهة آخري، تلك المناهج التي ظهر تأثيرها في بلاد آخري خلال نصف قرن.

بناء على ما سبق نرى أن مالك بن نبي يدعوالعالم الإسلامي إلى محاولة السير في ركب التقدم، وضرورة الاختيار بين النماذج الثلاثة التي عرضها والتي تمثل التقدم الحضاري، ويدعونا إلى الأخذ بالتقدم الغربي في الحضارة، لكن مع مراعاة أصالتنا وعاداتنا وتقاليدنا، ليس أخذ التقدم الحضاري باندفاع وتهور وبدون تمييز، بل بالفحص والتدقيق، وأخذ ما يناسب فكرنا الإسلامي وثقافتنا، وهوما نستطيع أن نطلق عليه قضية الأصالة والمعاصرة، أي الآخذ من الغرب ما يصلح لبيئتنا العربية الإسلامية،وما يتفق مع قيمنا ومبادئنا الإسلامية، وهنا التوازن الذي يدعوإليه مالك

(66)

مرارًا وتكرارًا، محاولة أن نحقق التوازن الحضاري، لا نرفض كل ما يجئ من الغرب لكونه من الغرب، ولا نهلل ونرحب بكل ما جاء من الغرب لكونه من الغرب، وهذا التوازن يحقق الهدف من النهضة الإسلامية، التي تحاول أن تجمع عناصر حضارية غربية، وفي نفس الوقت تحافظ على القيم والمبادئ والثقافة الإسلامية. والطامة الكبرى في رأي مالك أننا كعالم إسلامي لم نختر أي نموذج من النماذج الثلاثة التي أشار إليها مالك في حديثه.

ومن هنا يرى مالك أن النهضة الإسلامية حيث تتجلى مراكزها الثقافية لا تعطي الدليل على أنها قد اختارت نموذجها، وإنما يمكن القول أنها تنموتحت تأثير نموذج غامض لم تختره، بل فرض عليها تلقائيًّا، وهي في محاولتها احتذاء الغرب، قد سقطت في تبعية مطلقة، تسير فيها وراء عثرات الطريق الغربي، وتقليد كل محاولاته السابقة، مع أن الوقت كما يرى مالك لا يكفي لتكرار تجربة الغرب، لذا فأولى بها الاستفادة من الطرق المختصرة التي اثبت نجاحها من قبل الآخرين، فالأمر ليس نقلا أوتبعية، وإنما هواستفادة في ما هوجوهري ومهم، من دون الوقوف عند المظاهر والأشكال التي عني بها العالم الإسلامي، وكأنها هي قيم العالم الغربي وفضائله الأساسية. أن العالم الإسلامي باختياره الضمني للنموذج الغربي بهذه الطريقة، قد مسخ هذا النموذج وتنكر له تنكرًا كاملاً في ما يتعلق بفضائله الواقعية وقيمه العامة[1].

إذن مشكلة الحضارة تتجسم دائما في الشروط نفسها التي تملى علينا، أنه يجب إحداث التركيب التاريخي التكويني للإنسان، والتراب والوقت، فلقد واجهت اليابان هذه المشكلة بطريقة منهجية عن قصد، بحيث اختارت النموذج الغربي وهي تعلم ما هوجوهري رئيسي في اختيارها، فأن المشكلة قد واجهت العالم الإسلامي، وهي في طريقها إلى أن تنحل من تلقاء نفسها، بقوة الأشياء لا بحكم الفكر. تلك

(67)

هي رؤية مالك بن نبي لواقع النهضة الإسلامية، والتي يرى أنها ثمرة للمحاولات التي قامت بها الحركات التاريخية في العالم الإسلامي المتمثلة في تياري الإصلاح والحركة الحديثة. ويرجع مالك الحركات التي قامت للنهوض في العالم الإسلامي إلى تيارين: الأول ـ تيار الحركات الإصلاحية: ويعني بها جميع الحركات التي قامت في العالم الإسلامي والتي تنادي بالعودة إلى الإسلام، والنهوض على أساس ذلك. ويرى أن هذا التيار مرتبط بالضمير المسلم، وهوأقرب لتحقيق فكرة النهوض من التيار الآخر[1].

الثاني: تيار الحركة الحديثة: ويرى أنه أقل عمقا وأكثر سطحية، وهويمثل مطامح طائفة اجتماعية جديدة تخرجت في المدرسة الغربية، ويقصد به جميع الحركات التي قامت تنادي بتبني  الحضارة الغربية مع التنكر للأصول الإسلامية. وفي هذا السياق يشير مالك إلى أن كلا التيارين قد أحدث أثرا معينا في العالم الإسلامي  يختلف من حيث سلبياته وايجابياته. ومن هنا يشير إلى تأثير كل تيار على حده في النهضة الإسلامية.

أولا: تيار الحركة الإصلاحية: يرى مالك أن هذا التيار قد خط طريقه في الضمير المسلم، كما ظهر أثره في المجال الفكري، إذ أن الحركات الإصلاحية المعاصرة التي تشكل الترسانة الفكرية لمحاولات تلك الحركات في مجال التغيير قد اعتمدت ذلك الرصيد وامتد أثرها في العالم الإسلامي وأخذت طابعًا جديدًا على يد جمال الدين الأفغاني[2].

ومن هنا يلفت مالك الانتباه إلى أن الحركة الإصلاحية منذ الأفغاني،قد أخطأت طريقها عدا بعض الاستثناءات، ويتجلى ذلك الخطأ بانطلاقها من الطور الثاني في الحركة الحضارية ـ طور العقل متجاوزة طور الروح، حيث وضعت المشكلة في

(68)

إطار علم الكلام، ومحاولة تجديد الإنسان من هذا الطريق، فكان هذا هوالسبب الأساسي في ضعف الحركة الإصلاحية وعجزها عن تحقيق التغيير المنشود، فإنسان ما بعد الموحدين لأبد لإدخاله الحضارة مرة آخري.

ثانيًا: تيار الحركة الحديثة: يرى مالك أن هذا التيار يرجع إلى الطائفة المتخرجة في المدرسة الغربية من أبناء العالم الإسلامي، وحركتهم في حقيقتها خالية من المعنى، مأخوذة من المدرسة الغربية مع بعض العناصر الاخري التي يلتقطها الشباب المقيم في أوروبا. وهي تهدف إلى إدخال عناصر ثقافية جديدة إلى الحياة الإسلامية، لانتشال العالم الإسلامي من الفوضى السياسية[1].

ويشير مالك إلى أن أثار رواسب ثقافة ما بعد الموحدين ظهرت على الحركة الحديثة، كما ظهرت في الحركة الإصلاحية من قبل فطبعت صلة الطبقة المثقفة بالثقافة الغربية بمسمياتها بحيث كانت صلة المثقف بالغرب تتم في نطاق ضيق لا يتجاوز الاهتمام الشخصي الذي اتصل من أجله بالغرب، مما أدى إلى إدراك صورة ممسوخة من تلك الثقافة[2]. فقد كان الراحل إلى الغرب من أنباء العالم الإسلامي احد صنفين:

الأول: الطالب الذي رحل لاكتساب شهادة علمية.

الثاني: السائح الراحل للتجول والاطلاع. وقد أنتجت تلك الصلة في تجهل الظواهر وأسرارها تبعية عمياء للغرب، فكانت الاستعارة لأشياء الغرب وأفكاره في إطار التبعية، فانعكس ذلك على تطور العالم الإسلامي، بحيث كانت المرحلة الأولى من مراحل تجديده مرحلة تتميز باقتناء أشياء الغرب من دون معرفة كيفية إبداعها، فأنتج هذا تطورا في الكم زاد من الحاجات، من دون أن يحقق وسائل إشباعها. وقد استمرت تلك السطحية، ونمت بقدر ازدياد الفئة المتخرجة في المدرسة الغربية[3].

(69)

من هنا نري أن مالك يدعم تيار النهضة، فهوالتيار الأقرب لإحداث تغيير في المجتمع الإسلامي، هذا التيار يسمى بالتيار الإصلاحي الذي يسعى إلى تحقيق مقومات النهضة الإسلامية، والحفاظ على مبادئ وقيم المجتمع الإسلامي. أما تيار الحركة الحديثة فهوتيار يمثل هولاء اللذين يعجبون بالحضارة الغربية، وينبهرون بها، وهم الذين تلقوا تعليمهم في الغرب من خلال البعثات التي أرسلت إلى الغرب. هولاء يريدون تطبيق كل مبادئ الحضارة الغربية على المجتمعات الإسلامية دونما مراعاة لاختلاف الظروف والأحوال في المجتمعات الإسلامية عن المجتمعات الغربية، فكل مجتمع له ظروفه الخاصة التي تختلف عن المجتمعات الاخري، فما يصلح للتطبيق في الغرب، لا يصلح للتطبيق في الشرق، وما يتفق مع الغرب لا يتفق مع الشرق، والكارثة أن هذا التيار يتعصب لكل ما هوغربي، ويدعوإلى الأخذ بكل ثقافة وحضارة الغرب، بغض النظر أن كان هذا يصلح للتطبيق في المجتمعات الإسلامية أم لا. لذا يدعومالك بن نبي إلى الاطلاع على نموذج الحضارة الغربية ودراسته بموضوعية، وبدون تعصب مسبق لهذا النموذج، مع الآخذ في الاعتبار أن لكل مجتمع خصوصية تختلف عن المجتمع الآخر، ولكل مجتمع عاداته وتقاليده وقيمه ومبادئه.

وفي سياق دراسة مالك بن نبي للحضارة الغربية، ودعوته لتعرف على معالم هذه الحضارة، يرى أن إدراك الفرق بين الدورة الحضارية الإسلامية والدورة الحضارية الغربية لا يدفع إلى الانعزال عن بقية الإنسانية، والتعلم من التجارب التي يتم انجازها،وبخاصة في ظل عالم يشهد انحسار الحدود وتقريب المسافات بين الشعوب والأمم والحضارات، مما يدفعنا إلى تحديد مكاننا من منطلق واقع اجتماعي معيش. من هذه الرؤية الواقعية والموضوعية ينطلق مالك بن نبي معتبرا أن العالم يتجه نحوالتوحد، ولا يمكن للعالم الإسلامي أن يعيش في عزلة، وعلى الرغم من أن حلول مشكلات العالم الإسلامي لا تأتي من خارج حدوده، فأنه مطالب أن

(70)

يتعلم من التجارب الإنسانية، ومنها التجربة الغربية، التي شهدت انجازات كبرى، كما شهدت إخفاقات رهيبة في جوانب آخري تتصل من قريب أومن بعيد بالمشكلة الحضارية الإسلامية في بعض جوانبها ولهذا ينبغي أن ينشأ علم خاص بدراسة الحضارة الغربية، وطرق التعامل معها والسياق الحضاري لعلاقتنا بها. وفي هذا المضمار فأن مالك بن نبي كان شديد الاهتمام بمعرفة الغرب وفق منظور حضاري متكامل لما لهذه الحضارة من حضور وإشعاع وتدخل في نشأة أوتطور لكثير من المشكلات التي تعاني منها وتواجهها. لذا يضع مالك عدة فروض وأسس في دراسة الحضارة الغربية منها: الحاجة إلى معرفة الغرب وتحديد طبيعة الصلة به: يقول مالك وهويتحدث عن صلة الغرب بالمشكلة الحضارية في العالم الإسلامي، ولا شك أن هذا الإشعاع العالمي الشامل الذي تتمتع به ثقافة الغرب، هوالذي يجعل من فوضاه الحالية مشكلة عالمية، ينبغي أن نحللها ونتفهمها في صلاتها بالمشكلة الإنسانية عامة،وبالتالي المشكلة الإسلامية. وهذا لا يجعل العالم الإسلامي تابعا في حلوله للغرب، وإنما يتطلب منه أن يعرف التجارب حتى يتحقق من مدى نسبيتها ومدى قابليتها للنقل والاستفادة، فإذا ما أدرك العالم الإسلامي أن صدق الظواهر الغربية مسالة نسبية، فسيكون من السهل أن يعرف أوجه النقص فيها،كما سيعرف جوانب عظمتها الحقيقية، وتصبح الصلات مع العالم الغربي أكثر خصوبة[1]. ومن هنا يسمح للنخبة المسلمة أن تمتلك نموذجها الخاص، تنسج عليه فكرها ونشاطها، فالأمر يتعلق بكيفية تنظيم العلاقة وعدم الوقوع في الاضطراب كلما تعلق الأمر بالغرب. فالعالم الإسلامي منذ بداية الجهود التجريدية الحديثة يضطرب، كلما تعلق الأمر بالغرب، غير أن هذا الأخير لم يعد له ما كان يتمتع به من تأثير ساحر، وجاذبية ظفر بها على عهد أتاتورك، فالعالم الغربي صار حافلا بالفوضى، ولا يجد فيه المسلم الباحث عن النظام نموذجا يحتذي به، بقدر ما يجد فيه نتاج تجربة هائلة ذات قيمة لا تقدر، على الرغم ما تحتوي من أخطاء، بل بسبب ما بها من

(71)

أخطاء. فالغرب تجربة تعد درسا خطيرًا لفهم مصائر الشعوب والحضارات، فهي تجربة مفيدة لبناء الفكر الإسلامي، وتحقق الوعي السني الذي ينسجم مع البعد الكوني لحركة التاريخ، ذلك البعد الذي يسبغ على حركة انتقال الحضارة قانونا أزليا. وحتى تنظم هذه العلاقات ويستفاد من هذه التجربة البشرية ويدرك مغزى التاريخ، لأبد من فهم هذا الغرب في عمقه وتحديد خصائصه، ومعرفة ما يتميز به من ايجابيات وسلبيات، حتى لا تكون معرفتنا به سطحية مبتسرة، وأفكارنا عنه عامة وغير نابعة من اطلاع متأمل، وبالتالي يكون وعينا  به مشوهًا أوجزئيًا. ولهذا ينتقد مالك بن نبي النخب المسلمة في صلتهم بأوروبا، بأنها صلة تجارية أووظيفية، بدل أن تكون صلة تأمل وإدراك لسر حركة التاريخ في أوروبا والغرب عموما. ولهذا يرى مالك أن عددا كثيرا من المسلمين لم يرحل في طلب العلم بالغرب، ودراسته في جوهره. فالحركة الحديثة لا تعدوعلى هذا مستوى يتخبط فيه مجتمع فقد توازنه التقليدي، إذ هي مكونة في جوهرها من عناصر خالية المعنى، مأخوذة من المدرسة الاستعمارية، ثم يضاف إلى هذه العناصر بعض العناصر الاخري التي التقطتها الشبيبة الجامعية، التي نشأت في طبقة متوسطة، وأقامت في أوروبا إقامة قصيرة لم تهدف إلى معرفة الحضارة الغربية[1]

ومن ثم وجدنا المسلم يحكم على الحضارة الغربية والنظام الغربي الذي يحيط به أوالذي يستشعر وجوده في مطالعاته المبتورة، فأفكاره عن الحضارة تصدر عن ذلك الحكم المبتسر، وعن تلك العلاقة السطحية الوظيفية أوالتجارية بينه وبينها، وهذا مرض متجذر في ذاتنا منذ قرون مضت، حينما صار الفكر الإسلامي عاجزًا عن إدراك حقيقة الظواهر،فلم يعد منها سوى قشرتها.

من هنا يتبن لنا دعوة مالك بن نبي إلى دراسة الحضارة الغربية بعمق، والتعرف على سماتها وخصائصها، وجوانبها الايجابية والسلبية، وليس مجرد الانبهار

(72)

بالغرب، وكأنه يدعونا إلى منهج جديد في الدراسة وهومنهج التعرف الموضوعي على الآخر ودراسته بكل أبعاده، وفهم ثقافته وليس مجرد التبعية الفكرية والثقافية للغرب. ويرى كذلك أن دراسة الغرب تعتبر دراسة مفيدة للفكر الإسلامي، لأنه بمثابة التعرف على خبرة وتجارب الآخرين، وهذه التجارب تكون مثمرة في جوانب كثيرة، وتضاف إلى رصيد وخبرة الشعوب. فالغرب من وجهة نظر مالك بن نبي يمثل خبرة وتجربة خصبة ثرية في جوانب كثيرة، والتعرف على هذه الخبرة وتلك التجربة مهم ومفيد للعالم الإسلامي، لكي يفهم الحضارة الغربية. أنها دعوة لدراسة الغرب بلا تحفظ مسبق، أوانطباعات مسبقة أوعقد مركبة، أوأي حساسية مسبقة، يجب أن نتجرد من كل أفكار مسبقة أوانطباعات مسبقة نحملها في ذهننا عن الغرب، وفي الوقت نفسه لا ندخل مجال الدراسة ونحن منبهرين أونحمل فكرة أن الغرب أعلى في كل شي، بل يجب أن تكون الدراسة موضوعية متجردة، نفهم الغرب كما هوبلا زيادة أونقصان، أنها دعوة رصينة من مالك بن نبي دعوة باحث موضوعي يضع الأشياء في نصابها الحقيقي، بلا تكلف أوتصنع أوانبهار.

من هنا كان مالك بن نبي من الداعين إلى دراسة الحضارة الأوروبية، كظاهرة بارزة وفعالة في حياة البشرية منذ قرون ليست بالقليلة، وهذه المعرفة تكون كالتالي:

1- معرفة تاريخها: يرى مالك بن نبي انه لكي ننهض من جديد وهذا سيقع لا محالة لا يكفي فيه أن نعرف أنفسنا فقط، بل علينا أن نعرف العالم الذي نحن جزء منه. ومن هنا أعاب على المسلمين جهلهم بتاريخ الأمم الاخري بشقيها القديم والمعاصر، والتي حققت قفزات حضارية عظيمة تثير الإعجاب والتقدير كالتجربة اليابانية والألمانية والصينية، وعلى رأسها طبعا التجربة الغربية، وهي تجربة فريدة وغنية يجب أن نخضعها للدراسة، ونستفيد منها إلى أقصى الحدود الممكنة، فتجربة الغرب مفيدة للعالم الإسلامي في حالته الوقفية هذه[1].

(73)

لأن التعمق في هذه الظاهرة الحضارية المتكررة في التاريخ الإنساني، تساعدنا في فهم العوامل التي تبني الحضارات أوتهدمها وبالتالي نستطيع حل مشاكلنا بصورة صحيحة. ومن هنا يرى مالك أن هذا الجهل الغير مبرر بتاريخ الغرب، أوقعنا في سطحية قاتلة، فأصبحنا نفهم الأشياء على ظاهرها بدون الولوج إلى جوهرها، فنحن أما فقدنا حاسة النقد أوعطلناها عن العمل. والأدهى أن هذه السطحية موجودة أكثر في فئة الطلبة، الذين درسوا في البلاد الغربية، فجهلهم بتاريخ أوروبا، جعلهم يعجزون عن إدراك الحضارة الغربية، وكيف أنها في طريق التحلل والزوال[1].

ولهذا أصبحت زيادة عددهم تعني نماء السطحية في المجتمع الإسلامي.

2- معرفة ثقافتها: كل حضارة تمتلك ثقافة مميزة، والحضارة الغربية من هذه الحضارات، التي ساهمت ثقافتها في تشكيلها وتحريكها. فالثقافة هي الإطار العام الذي تكون الحضارة وتتحكم فيها. ولهذا يرى مالك بن نبي أن جهلنا المتواصل بالغرب راجع إلى أننا ما زلنا لم نعرف جيدًا الثقافة الغربية من حيث مصادر تكوينها

وخصائصها، وقد وجه لوما مباشرًا للطلبة الذين يذهبون للدراسة في الغرب، في أنهم يتعلمون العلم واللغة لا الثقافة، فهم تهمهم منفعتهم العاجلة فقط[2].

لهذا لم تقدم هذه الفئة شيئا للأمة، بل وقعت في السطحية المهلكة، ولا خير في زيادة عددها.

3- خصائص الحضارة الغربية: يجب أن نشير بداية إلى أن قراءة مالك بن نبي المتأنية والطويلة للحضارة الغربية، جعلته يصل إلى بواطن هذه الحضارة، فيحللها تحليلا قويًا جدًا، ويقف على عبقريتها الخيرة،وعبقريتها الشريرة. وهذا ما عجز عنه بقية الباحثين، فكان مالك بن نبي هوأول من فك لغز الحضارة الغربية، بعد

(74)

محمد إقبال رحمه الله وبيان خصائص الحضارة الغربية تكمن كالتالي: أولًا: الحضارة الغربية علمانية في ظاهرها دينية في جوهرها ـ لذا يقول مالك عن الأفكار والحضارة أن دور الأفكار في حضارة ما لا يقتصر على مجرد الزينة والزخرفة، كزخارف المدفأة في المنزل مثلا، فهولا يصح كذلك إلا حينما يصبح المجتمع في عصور ما بعد التحضر[1].

وفي هذا السياق يشير إلى أن الدين من ضمن الأفكار التي تبقى تتحكم في الإنسان شعوريا أولا شعوريا حتى لدى الملحد، فالإنسان يبقى على الدوام كما يقول علم الاجتماع حيوانًا دينيًا. من هنا نلفت الانتباه إلى أن المسيحية لعبت دورًا بارزًا في تشكيل الثقافة الأوروبية وصياغتها،يقول المؤرخ جيزوتلكم السمة العظيمة الأصيلة للحضارة الأوروبية، منذ تطورت وتحت تأثير الإنجيل، تأثيره الظاهر والخفي، المنكر أوالمرضي حيث عاش القهر والحرية وكبرا معًا. ومازال هذا التأثير الديني واضحًا في ثقافتنا إلى اليوم.ورغم تبنيها للعلمانية يقول مالك فكل حدث يسجله الزمن في ملحمة من ملاحم التاريخ الأوروبي، هوفي الواقع نوع من التجسيد للفكرة المسيحية[2]

فالظاهرة المسيحية والظاهرة الأوروبية في رأي مالك بن نبي شيئًا واحدًا، أوبعبارة أخرى الظاهرة الثانية تولدت من الظاهرة الأولى، وبقيت متعلقة بها، ومهما حاولت الخروج من إطارها فأنها لن تستطيع الخروج عنها بدليل أن قوانين أوروبا الحديثة لاهوتية في أساسها، وأن حاولوا إصباغها بالصبغة المدنية أو تضليلنا بأنها مدنية علمانية بحتة، فالحقيقة أنها دينية في جوهرها[3].

(75)

لذا يرى مالك أن وقوفنا على هذه الأصول والروابط التي تربطها بالحضارة الأوروبية،يفيدنا في تحليل هذه الحضارة تحليلًا صحيحا حتى وإن تزينت بأنواع الزينة،للتضليل والتمويه. كما يفيدنا أيضا،في فهم القران الكريم، فلا يتصور بحال أن ندرس الإسلام أوالقرآن بعيدًا عن تاريخ الأديان، وقد أكد مالك على ذلك في دراسته للظاهرة القرآنية. ويجب أن نشير إلى أن تطلع مالك بن نبي إلى تأسيس رؤية جديدة عن علاقة المسلمين بالغرب والى بناء فكر حضاري جديد، يجعله يتحدث بلغة المحفز للبحث الموسوعي وألتوثيقي لتوسيع مدارك الباحث المسلم، وذلك بإضافة شرط آخر إلى شروط المفسر، وهومعرفة تاريخ الأديان[1].

ثانيًا: اليهود هم روح الحضارة الغربية: لعل من أمتع الأمور والقضايا التي تناولها مالك بن نبي، قضية أن اليهود هم روح الحضارة الغربية، واستقصائه للعلاقة الوطيدة التي تربط اليهود بالحضارة الغربية. فقد كان مالك من ضمن الكتاب والمفكرين الذين كتبوا عن العلاقة الغامضة التي تربط اليهود بالحضارة الأوروبية منذ أن هاجروا إليها، وتوصل إلى أن اليهود هم آباء تلك الحضارة وروحها، وأنهم لا يعتبرون كما يتصور البعض جزءًا هامشيًا في مسيرة التاريخ الأوروبي، فجاء كتاب مالك بن نبي القيم (وجهة العالم الإسلامي) الجزء الثاني ليكشف الحقيقة كاملة، ويزيل الستار الذي ظل قائما قرونا طويلة،وقد وفق مالك في فك سر هذه العلاقة الغامضة التي تربط اليهود بالحضارة الأوروبية منذ هاجروا، ومن هنا فقد أجاد في ذلك إلى أبعد الحدود، بل كان أول من طرح أسئلة لم تطرح من قبل مثل، لماذا اتجه اليهود أثناء الشتات إلى الغرب المتخلف دون الشرق المتحضر؟ فأرجع ذلك إلى طبيعة الأوروبي المتفتحة وتقبله للآخر، مما شجع اليهود على اختيار هذا المكان، عكس طبيعة الشرقي الذي تتحكم فيه النزعة الدينية الرافضة للآخر[2].

(76)

هذا الذكاء اليهودي والذي رآه البعض في البداية غير ذلك ـ سهل عليه مهمة السيطرة على الأوروبي في جميع عصوره، بداية من الحضارة الأوروبية إلى وقتنا الحاضر وأصبحت له كلمته المسموعة في أوروبا، وتحديد مصيرها وفق ما يريد هو،حتى أصبح هو روح الحضارة الغربية وعقلها المفكر، وبعبارة أصبح تاريخها الأصيل. هذا الموقع أو ما اسماه مالك فاعلية النفوذ سهل عليهم توجيه المسار الأوروبي،كما خططوا له، طبعا بأيدي أوروبية، فكانوا هم من أعلنوا الثورة على التقاليد وهم وراء دفع أوروبا إلى الغزووالاستعمار، وهم وراء إدخال الديمقراطية إلى أوروبا من خلال ثورة كرومويل وهم وراء المطالبة بحقوق الإنسان لتحقيق خطتهم في العالم[1].  

باختصار أصبح الأوروبي لا يستطيع التفكير أوالعيش إلا في طيف أوطبقة الجدلية اليهودية وأصبح هومطية اليهود لتحقيق أهدافهم. لذا يقول مالك بن نبي أن الأوروبي كان نوعًا من الأله الجاهزة لمهمة إسرائيل. ومن هنا فأن المجتمع الأوروبي كما يرى مالك يعمل الآن بكامل طاقته لمصلحة اليهودي. وفي هذا السياق يشير مالك إلى أن هتلر هوأول أوروبي حاول فهم سر أوروبا الغامض مع اليهود.

ثالثًا: الروح العنصرية: داء فتاك أصاب الحضارة الغربية كلها أكثر مما أصاب الحضارات السابقة، وقد استشرى هذا المرض مع مرور الوقت في جسمها وتصاعدت درجته،حتى أصبح مرضا مزمنا متأصلاً في الشخصية الأوروبية، لا تستطيع العيش بدونه، فهوباختصار أصبح روحها إلى درجة أنها احتقرت كل الأجناس[2].

من هنا نرى التحليل العميق والموضوعي للحضارة الغربية من جانب مالك بن

(77)

نبي، والذي يدل على خبرة واطلاع واسع بأهم سماتها وخصائصها،وداءات هذه الحضارة، فهوتحليل موضوعي غير متحيز أومتعصب، بل يدرس هذه الحضارة بموضوعية وحيادية،بروح الخبير بها، العالم ببواطن أمورها، الذي يقف على أهم سماتها، وجوانبها الايجابية والسلبية. وينفذ إلى أغوارها ويقوم بنقدها بعين الخبير الناقد، الذي يعرف جوانب هذه الحضارة.

سادسًا: نقد عالمية الحضارة الغربية عند مالك بن نبي: بداية لقد درس مالك بن نبي الحضارة الغربية وخصائصها بعمق،وحاول الوصول إلى الحقائق الموضوعية التي يسير وفقها منطق التاريخ، الذي صار من أهم ميزاته في أواخر القرن العشرين أن الإنسانية موحدها في مصيرها ومتشابكة في علاقتها. ومن هنا يؤكد مالك على ضرورة معرفة ايجابيات وسلبيات عالمية الحضارة الغربية، بعدما توصل مالك بن نبي من خلال دراسته لفوضى العالم الإسلامي، عند النتيجة التالية أن اضطراب الفكر الإسلامي فرض عليه الوقوف وقفة وسطية بين استحالة الرجوع إلى الوراء أي إلى مرحلة ما بعد الموحدين،والسير إلى الإمام سيرًا أعمى في حركة نحوالغرب، فقد حاول مالك بن نبي أن يدرس فوضى العالم الغربي للوصول إلى نتيجة تمكن الإنسان المسلم من فهم هذا العالم فيحسن الاستفادة منه. ويرى مالك أن تحليل الحضارة الغربية وتشريحها هوالذي يتيح للمسلم الوقوف عند نظام أوروبا باعتباره إنسانا وليس مستعمرًا، كما أن هذا التحليل والتشريح هوالذي يكشف ويؤكد لنا عالمية الحضارة الغربية.

أولًا: ايجابيات عالمية الحضارة الغربية: يمكن ملاحظة مظاهر الهيمنة على العالم في هذا الإطار، من خلال انتشار منتجاتها المتنوعة في كل ميدان وفي كل بقاع العالم، ومن هنا تعتبر الحضارة الغربية عالمية،خاصة وأنها استطاعت توحيد المشكلة الإنسانية، حيث أن العبقرية الغربية تمكنت من تحقيق هذا التوحيد حين أوصلت مقدرة الإنسان إلى المستوى العالمي، وهويتجلى في حياة كل شعب

(78)

وفي تشكيلاته السياسية. وهكذا سادت مفاهيم الغرب ونظرياته المختلفة في شتى مجالات المعرفة والعلم والسياسة والاقتصاد، ويمكن القول أن الحضارة الغربية قربت المسافات بين مختلف أجناس الإنسانية ووحدت مشاكلها وأمالها وطموحاتها حتى أصبح المصير الإنساني واحدًا، كما أن من صور تلك العالمية تبني معظم شعوب العالم أنظمة أنماط الحياة التي أبدعها الغرب، مع انتشار النموذج الاستهلاكي الغربي، بالإضافة إلى انتشار الإنتاج الصناعي والتكنولوجي الغربي في العالم كله، بل في كل بيت في العالم وليس في مجتمع فقط فالعالم أخذ يتأمرك[1].

ومن هنا نلاحظ فرض الحضارة الغربية لنفسها على معظم شعوب العالم، حيث سادت مفاهيم الغرب ونظرياته في العلم والمعرفة. أن هذا الانتشار قد ينظر إليه باعتباره نوعًا من هيمنة الحضارة الغربية، وهذا صحيح غير أن مالك بالإضافة إلى تأكيده على الطابع الذي تتميز به الحضارة الغربية من محاولة تصدير نموذجها وجعله مرجعا ومثالا،فأنه ينظر إلى الموضوع من زاويته الاجتماعية، التاريخية، إذ أن الإنسانية مع الحضارة الغربية اقتربت بينها المسافات وتوحدت مشاكلها وأمالها،بشكل يجعل المصير الإنساني مشتركًا وموحدًا[2]

ثانيًا: سلبيات عالمية الحضارة الغربية: أبرز تلك المظاهر يتمثل في الاستعمار الغربي،الذي شمل كل شعوب المعمورة خاصة الضعيفة، منها أوالمسالمة خلال القرن التاسع عشر والقرن العشرين إلى اليوم، أن ظاهرة الاستعمار الغربي كانت غزوًا للبلدان من أجل توفير مصادر الطاقة وابتعادًا عن الجوانب الروحية والإنسانية وجشعًا من الإنسان الغربي عمومًا والأوروبي خصوصًا، وبهذا انهارت القيم الاجتماعية مع طغيان قانون الغاب، لذا يقول

(79)

مالك أن أوروبا حققت المعجزات في عالم الاكتشافات وعالم العلوم، ولكنها فقدت في أعماق نفسها البعد الذي كان يروح عليها، ويسندها في وقت المحن لأنه يربطها بوجود الله. فحضارة القرن العشرين أفقدت أوأتلفت قداسة الوجود في النفوس وفي الثقافة وفي الضمائر. أن هذه الصورة البشعة التي مورس في إطارها الاستعمار الغربي، هي التي جعلت المستعمر يظهر في صورة المستهتر الجشع والمتسلط العنصري وهي التي جعلته يحدد الخطط اللازمة لتزوير الحقائق التاريخية المتعلقة بالبلدان والشعوب المستعمرة ولجعل القواعد والأسس الصحيحة لها مجرد أمور شاذة،حيث حاول مثلًا أن يجعل الأخلاق تتخلف عن ركب المدنية والدين رجعية يعيق تقدم العلوم والصناعات، وهكذا دواليك يستمر في تزوير المفاهيم، ومن ثم يحاول استنادا إلى هذه الشواذات التي وضعها هوأن يضع قواعد جديدة تناسب مصالحه وتحقق أطماعه، تمهيدا لربط كل شي بالموقف الاستعماري[1].

ومن أمثلة ذلك مصطلح السيادة المشتركة الذي يعني تعاون المستعمر مع المستعمر من اجل تطوير البلدان المستعمرة، وهوأمر مغالط ومزور ومخادع بكل وضوح الهدف منه استغباء المستعمر لنهب مختلف خيراته وثرواته. إذن الحضارة الغربية تتميز بالعالمية التي تكمن في أنها ولوعن غير قصد ـ وضعت على طريق التاريخ شعوبا أقصيت عنه بسيرها في دروب الخرافات والأساطير،وبثت إرادة السير في هذا السبيل، عندما نزعت عنها ما بقي لها من حجب التبطل، وأزالت ما كانت تعيش عليه هذه الشعوب من أوهام ورثتها عن أجداد أسسوا حضارتهم ذات يوم، مثلما كان الأمر مع القدوم الأوروبي إلى العالم الإسلامي[2].

(80)

وبناء على ذلك يرى مالك أن إرادة القوة التي لا تفارق حضارة القرن العشرين فهي قانون للنفسية الغربية، قانون يسجل التأخر الخلقي لإنسان الغرب، حتى كأنه يعيش في القرن التاسع عشر، فأوروبا المدفوعة بضاعتها في العالم قد انتكست دائما بإخلافها إلى قاعدة الانطلاق الفكري الذي انطلق منها الاستعمار فهي تعود إلى العنصرية واحتقار الإنسانية. ونستنتج من ذلك أن عالمية الحضارة الغربية ناقصة جدا من حيث البعد الإنساني الحقيقي، ولهذا يمكن أن نحكم عليها بكونها عالمية متمركزة حول ذاتها ـ تتعامل مع غيرها من شعوب ودول العالم كهوامش وأطراف دون فاعلية، وهنا نتوقف عند وصية مالك بن نبي للإنسانية جمعاء، وللإنسان الافروسيوي والإنسان المسلم خصوصا،هي الوصية المتمثلة في وجوب أن يسعى كل واحد من الناس يغزوا ميدان المواطنة العالمية في عالم كان يعيش فيه منبوذا تحت ضغط الاستعمار والقابلية للاستعمار، ولكن في مقابل هذا التوقع، أوروبا تنطوي على محورها أوتنسحب من العالم لتراوغ الإنسانية التي لم تع تسيطر عليها، بل يجب أن نبين لها أن منها لا يصدر عن القوة، إنما يصدر عن تطور وعيها ليتسع لوجود الآخرين، ولن تستطيع الإنسانية دخولًا في العهد العالمي مع ما يثقل كاهل أهلها من مركبات نقص موروثة عن الاستعمار والقابلية للاستعمار[1].

من هنا وفيما سبق يتضح لنا كيف أن للحضارة الغربية جوانب ايجابية وجوانب سلبية. الجوانب الايجابية تتمثل في التقدم التكنولوجي والصناعي، ومن هنا سادت منتجاتها العالم أجمع وليس مجتمع بعينه، ومن هذه الميزة أصبحت الحضارة الغربية عالمية بمعنى أنها سادت العالم بهذا التقدم في المجال العلمي التكنولوجي، وأصبحت منتجاتها تغزوكل سوق في العالم، وكل العالم يستهلك هذه المنتجات، وبهذا صبحت تتحكم في العالم عن طريق هذه المنتجات.

(81)

أما الجانب السلبي فانه يتمثل في الاستعمار الغربي بكل أشكاله سواء المادية العسكرية أوالثقافية الاجتماعية، وهذا ما نطلق عليه العولمة ومحاولة إزالة الحدود والحواجز بين الدول بحيث أصبح العالم قرية صغيرة، ومحاولة الغرب السيطرة على الشرق وتهديد هويته، وهذا هوالجانب القبيح في وجه الحضارة الغربية. لذا يدعونا مالك إلى التنبه واليقظة في التعامل مع الحضارة الغربية في جميع مجالاتها.

(82)

خاتمة البحث

رأينا فيما سبق أن مالك بن نبي يعد من أكثر المفكرين المعاصرين الذين نبهوا إلى ضرورة الاهتمام والعناية بمشكلات الحضارة، وهذا واضح وجلي في معظم مؤلفاته، والتي لودققنا النظر فيها سوف نراها تعالج مسألة واحدة تدور حول محور واحد هومشكلة الحضارة،وذلك على اعتبار أن الحضارة هي الإطار العام الذي ينضوي وينطوي تحته باقي مجالات الحياة. وفي هذا السياق نشير إلى أن مالك بن نبي كان صاحب نظرية عميقة في البناء الحضاري،ومن هنا فأن أفكاره امتلكت مكونات القوة بسبب تركيزها على القضايا الأساسية والمحورية في العالم الإسلامي،فاهتم بمشكلات الحضارة والنهضة والثقافة. وبناء على ذلك جاءت معظم مؤلفاته تحت عنوان (مشكلات الحضارة) وتعتبر سلسلة مميزة في الفكر والإبداع الثقافي، لذا درس بعمق الحضارة، وحاول أن يتفهم عوامل نشأتها وسقوطها، ومميزات كل حضارة،وأي منطق تاريخي تتبع. لذا اهتم بدراسة الحضارة الغربية في مميزاتها وسلبياتها وايجابيتها، وحاول التعرف عليها عن قرب، ولما لا وهوعاش في فرنسا ردحًا من الزمن، وتزوج من فرنسية، لذا تعامل مع تلك الحضارة عن قرب، درسها بعمق، تعرف على جوانب ايجابيتها وسلبيتها، لذا تعامل مع تلك الحضارة بحيادية ونظرة موضوعية. ودون تطرف أوتعصب. لذا جاء نقده لتلك الحضارة بمثابة جرس إنذار للعرب والمسلمين لكيفية التعامل مع تلك الحضارة، وأي منهج يتبعون، وعاب على المسلمين طريقة التعامل مع الحضارة الغربية المعاصرة، لأنهم يتعاملون بتعصب وعدم موضوعية وأفكار مسبقة وانطباعات ليست ايجابية. من هنا جاءت دراسته للحضارة الغربية

(83)

دراسة موضوعية رصينة بدون انطباعات مسبقة أوأفكار متحيزة،حاول في نقده للحضارة الغربية أن يضع أمامنا كل جوانب القوة والضعف في تلك الحضارة، ويكشف النقاب عن مميزاتها وعيوبها. وفي هذا السياق يرى أن أهم ما يميز الحضارة الغربية هوإشعاعها العالمي (عالميتها المركزية) ومحاولة بسط هيمنتها ونفوذها على العالم، وماديتها التي تشكل رؤيتها إلى الكون والتاريخ،وكذلك فعاليتها الانجازية على المستوى الاجتماعي والمادي. لذا يدعونا إلى التفرقة بين مستويين ونحن بصدد دراسة الحضارة الغربية المعاصرة، المستوى الأول يرتبط بإعطاء حكم قيمي، أما الثاني فهويرصد الظاهرة في حركتها على مسرح التاريخ وميدان التغيير الاجتماعي. ومن هذا المستوى الأخير يمكن أن نلحظ مظاهر الهيمنة الغربية على العالم، ويجب أن نلفت الانتباه هنا أنه على رغم نقد مالك بن نبي لنموذج الحضارة الغربية  وهيمنتها على العالم، إلا أنه ينظر للموضوع أيضا من زاوية اجتماعية ـ  تاريخية إذ أن الإنسانية مع الحضارة الغربية اقتربت بينها المسافات، وتوحدت مشاكلها وآمالها، بشكل جعل المصير الإنساني مشتركًا وموحدًا، ورغم أن الاستعمار الغربي استنزف العالم كله، وشمل كل قطر فقد وحد هموم الإنسانية وجعلها كلها تتعرض لهيمنة النموذج الغربي وفي هذا السياق يرى مالك أن الحضارة الغربية لم ترد تمدين العالم، ولكنها وضعته على طريق الحضارة حين جعلت تحت تصرفه الوسائل المادية ليتبع الطريق، وحين أمدته بإرادة للسير فيه، ويشير إلى أن الموجة الأوروبية  لم تأت للعالم بغمرة الرفاة المادي فحسب، مثل المنتجات الاليكترونية والصناعية، بل أنها قد أتته بتروك روحية لاجدال فيها. ومن خلال تحليله للحضارة الغربية يرى أن هذه الحضارة تعاني من فصام واضح لأنها تركز على العوامل المادية التكنولوجية، في الوقت الذي تهمل

(84)

فيه الجانب الروحاني ألقيمي، فالعلم يرفعها نحوالتوحد مع الإنسانية،بينما ضميرها متخلف عن تقدمها العلمي،مما جعلها تحاول أن تجعل من إشعاعها العالمي نوعا من الهيمنة التي تؤكد التمركز الغربي. وفي هذا السياق حاول مالك أن يعري ويكشف زيف هذه الحضارة الغربية وخصوصا في نغمة تفوقها المادي، ويرى أن هذه الحضارة ينقصها البعد الإنساني الحقيقي. ويفسر بعد ذلك هذا الفصام بين العلم والروح، فهي من جهة العوامل الفنية التقنية تدفع بالإنسانية ـ ولومن غير قصد إلى التوجه العالمي، أما من جهة روحها وضميرها فأنه مثقل بثقافة الإمبراطورية أي ثقافة السيطرة، المتجذرة في اللاشعور الغربي، وهنا يجب أن نشير إلى حقيقة مهمة وهي أن منظور أبن نبي في دراسة الحضارة الغربية يقوم على نظريته في الدورة الحضارية التي تشكل المدخل الأساسي والرئيسي لنقد مالك للحضارة الغربية. وفي هذا السياق كان تحليل مالك للحضارة الغربية تحليل ينم عن رؤية ثاقبة وسعة اطلاع وغزير علم، لذا يرى أن الحاجة إلى معرفة الغرب أمر مهم وضروري لمعرفة عوامل ضعف وقوة هذه الحضارة، ومن هنا أشار مالك بن نبي إلى أن الإشعاع الذي تتمتع به ثقافة الغرب هوالذي يجعل من فوضاه الحالية مشكلة عالمية، ينبغي أن نحللها وأن نتفهمها في صلاتها بالمشكلات الإنسانية عامة، وبالتالي بالمشكلة الإسلامية، وهذا لا يجعل العالم الإسلامي تابعا في حلوله للغرب، وإنما يتطلب منه أن يعرف التجارب حتى يتحقق من مدى نسبيتها ومدى قابليتها للنقل والاستفادة، فإذا ما أدرك العالم الإسلامي أن صدق الظواهر الأوروبية مسالة نسبية،فسيكون من السهل عليه أن يعرف أوجه النقص فيها. من هنا يدعونا مالك بن نبي إلى عدم الآخذ بالنموذج الغربي حرفيا، بل ما يصلح لمجتمعنا الإسلامي وظروفنا، أي ما يتفق مع عاداتنا وتقاليدنا وظروفنا

(85)

فقط. ومن خلال منهجه الموضوعي في الحكم على الحضارة الغربية يرى مالك بن نبي أن المسلم يحكم على النظام الأوروبي الذي  يحيط به أوالذي يستشعر وجوده في مطالعاته المبتورة، فأفكاره عن الحضارة الأوروبية الغربية تصدر عن الحكم المبتسر. لذا يشير مالك إلى أن الغرب يمثل تجربة تعد درسًا خطيرًا لفهم مصائر الشعوب والحضارات، فهي تجربة مفيدة لبناء الفكر الإسلامي وتحقيق الوعي السني. ومن هنا يرى ضرورة فهم الغرب في عمقه وتحديد خصائصه، ومعرفة ما يتميز به من ايجابيات وسلبيات.

(86)

مراجع البحث

1 - مالك بن نبي: مذكرات شاهد للقرن، دار الفكر المعاصر، بيروت، 1970، ص8.

-2 المرجع السابق:ص111.

3 - مالك بن نبي: الظاهرة القرآنية، ترجمة عبد الصبور شاهين، دار الفكر، دمشق، ص75.انظر أيضا. إبراهيم عاصي: جلسة مفتوحة مع مالك بن نبي، د.م،مؤسسة الأقصى، 1973، ص9.

4 - مالك بن نبي: مشكلة الثقافة، دار الفكر، دمشق، 1979، ص139.

5 - مالك بن نبي: تأملات الواقع، دار الفكر، دمشق،2002، ص142.

6 - مالك بن نبي: آفاق جزائرية، مكتبة عمار، الجزائر، ص107.

7 - مالك بن نبي: مشكلات الثقافة، ص68.

8 - مالك بن نبي: مشكلات الأفكار في العالم الإسلامي، دار الفكر، دمشق، 2007، ص209.

9 - مالك بن نبي: مشكلة الثقافة، ص60-61.

10 - مالك بن نبي: تأملات الواقع، ص146.

11 - مالك بن نبي: شروط النهضة، ترجمة. عمر مسقاوي، عبد الصبور شاهين، دار الفكر، دمشق، 1979، ص19.

(87)

12 - مجلة الفكر الإسلامي: السنة الثانية، عدد يوليو، 1973، ص45.

13 - مالك بن نبي: مشكلة الثقافة، ص98.

14 - مالك بن نبي: ميلاد مجتمع، ترجمة. عبد الصبور شاهين، دار الفكر، دمشق، 1974، ص88.

15 - مالك بن نبي: مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، ص83.

16 - مالك بن نبي: تأملات في الواقع، ص198.

17 - مالك بن نبي: فكرة الأفريقية الأسيوية في ضوء مؤتمر باندونج، دار الفكر، دمشق، 1979، ص76.

18 - مالك بن نبي: وجهة العالم الإسلامي، ص159-160.

19 - مالك بن نبي: المسلم في عالم الاقتصاد، دار الفكر، دمشق، 1979، ص40.

20 - مالك بن نبي: شروط النهضة، ص45.

21 - مالك بن نبي: وجهة العالم الإسلامي، ص163.

22 - مالك بن نبي: شروط النهضة، ص53.

23 - مالك بن نبي: وجهة العالم الإسلامي، ص164.

24 - المرجع السابق: ص23.

25 - المرجع السابق: ص63.

26 - مالك بن نبي: ميلاد مجتمع، ص7.

(88)

27 - مالك بن نبي: شروط النهضة، ص65.

28 - المرجع السابق: ص66.

29 - مالك بن نبي: وجهة العالم الإسلامي، ص24.

30 - مالك بن نبي: شروط النهضة، ص150.

31 - المرجع السابق، ص47.

32 - محمد شاويش: مالك بن نبي والوضع الراهن، دار الفكر، دمشق، ط1، 2007، ص8.

33 - محمد العاطف: معوقات النهضة وكيفية علاجها في فكر مالك بن نبي، رسالة ماجستير، الجزائر، 2008، ص42.

34 - مالك بن نبي: ميلاد مجتمع، ص84.

35 - المرجع السابق: ص86.

36 - مالك بن نبي: شروط النهضة، ص157.

37 - محمد العاطف: معوقات النهضة وكيفية علاجها في فكر مالك بن نبي، ص54.

38 - المرجع السابق: ص56.

39 - مالك بن نبي: من أجل التغيير، دار الوعي، 2013، ص102.

40 - محمد العاطف: معوقات النهضة، ص62.

41 - مالك بن نبي: الصراع الفكري في البلاد المستعمرة، ص27.

(89)

42 - مالك بن نبي: في مهب المعركة، ص17.

43 - مالك بن نبي: الصراع الفكري في البلاد المستعمرة، ص29.

44 - المرجع السابق: ص38.

45 - المرجع السابق: ص45.

46 - المرجع السابق: ص81.

47 - مالك بن نبي: إنتاج المستشرقين وأثره في الفكر الإسلامي الحديث، ص9.

48 - المرجع السابق: ص23.

49 - أنور الجندي: أعلام القرن الرابع الهجري، مكتبة الانجلوالمصرية، دت، ص139.

50 - مولود عويمر: مالك بن نبي رجل الحضارة، ص124.

51 - مالك بن نبي: وجهة العالم الإسلامي، ص40.

52 - المرجع السابق: ص93.

53 - مالك بن نبي: مشكلة الثقافة، ص105.

54 - مالك بن نبي: وجهة العالم الإسلامي، ص42.

55 - المرجع السابق: ص168.

56 - المرجع السابق: 169.

57 - مالك بن نبي: وجهة العالم الإسلامي، ص161.

(90)

58 - مالك بن نبي: دور المسلم ورسالته في الثلث الاخري من القرن العشرين، دار الفكر المعاصر، بيروت، 2002، ص45.

59 - مالك بن نبي: وجهة العالم الإسلامي، ص168.

60 - المرجع السابق: 170.

61 - مالك بن نبي: فكرة الأفريقية الأسيوية، دار الفكر، دمشق،1981، ص49.

62 - مالك بن نبي: وجهة العالم الإسلامي، ص125-127.

63 - مالك بن نبي: شروط النهضة، ص22-23.

64 - مالك بن نبي: وجهة العالم الإسلامي، ص34-35.

65 - المرجع السابق: ص225.

66 - مالك بن نبي: فكرة كومنولث إسلامي،  مكتبة عمار، دار الفكر، بيروت، ص73-75.

67 - مالك بن نبي: ميلاد مجتمع، ص26-27.

68 - مالك بن نبي: وجهة العالم الإسلامي،ص38.

69 - المرجع السابق: ص112.

70 - المرجع السابق: ص116.

71 - مالك بن نبي: فكرة الأفريقية الأسيوية في ضوء مؤتمر باندونج، ص36.

72 - المرجع السابق: ص249.

(91)

73 - مالك بن نبي: وجهة العالم الإسلامي، ص85-86.

74 -المرجع السابق: ص41-42.

75 - مالك بن نبي: وجهة العالم الإسلامي، ص253.

76 - مالك بن نبي، تأملات الواقع، ص183.

77 - مالك بن نبي: آفاق جزائرية، ص52.

78 - مالك بن نبي: شروط النهضة، ص40-42.

79 - المرجع السابق: ص44.

80 - مالك بن نبي: تأملات الواقع، ص191.

81 - مالك بن نبي: مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، ص76-77.

82 - مالك بن نبي: شروط النهضة، ص43.

83 - مالك بن نبي: تأملات، ص193.

84 - مالك بن نبي: شروط النهضة، ص43.

85 - مالك بن نبي: فكرة الأفريقية الأسيوية في ضوء مؤتمر باندونج، ص33-35.

86 - المرجع السابق: ص84-85.

87 - مالك بن نبي: وجهة العالم الإسلامي، ص45-47.

88 - جودت سعيد: حتى يغيروا ما بأنفسهم، دار الثقافة للجميع، دمشق، ط4، 1997، ص9.

(92)

89 - مالك بن نبي: وجهة العالم الإسلامي، ص57.

90 - مالك بن نبي: في مهب المعركة، ص132.

91 - مالك بن نبي: وجهة العالم الإسلامي، ص59-60.

92 - المرجع السابق: 123.

93 - المرجع السابق: ص45.

94 - المرجع السابق: ص124.

95 - المرجع السابق: ص66.

96 - المرجع السابق: ص67.

97 - مالك بن نبي: مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، ص42.

98 - مالك بن نبي: ميلاد مجتمع، ص62.

99 - مالك بن نبي: الظاهرة القرآنية، ص63.

100 - المرجع السابق: ص112.

101 - مالك بن نبي: وجهة العالم الإسلامي، ص49.

102 - المرجع السابق: ص70.

103 - المرجع السابق: ص84.

104 - مالك بن نبي: مذكرات شاهد للقرن، ص95.

105 - المرجع السابق:ص97.

(93)

106 - اسعد السحمراني: مالك مفكرا أخلاقيًا، دار النفائس، بيروت، 1984، ص40.

107 - بدران مسعود بن الحسن: الظاهرة الغربية في الوعي الحضاري، أنموذجًا مالك بن نبي، ص154.

108  -مالك بن نبي: مجالس دمشق، دار الفكر، دمشق، 2005، ص177.

ا.د/عماد الدين إبراهيم عبد الرازق - أستاذ ورئيس قسم الفلسفة - كلية الآداب - جامعة بني سويف - مصر.

(94)