نقد الحضارة الغربية في فكر مالك بن نبي

نقد الحضارة الغربية في فكر مالك بن نبي

تأليف

عماد الدين إبراهيم عبد الرزاق

مقدمة المركز

تهدف سلسلة «نحن والغرب» إلى إحياء وتفعيل الحركة المعرفية والنقدية حيال قيم الغرب في الثقافة العربية والإسلامية المعاصرة.

تقوم منهجية هذه السلسلة على تظهير أعمال مفكرين وعلماء من الذين أثروا الثقافة العربية والإسلامية بإسهامات نقدية وازنة في سياق المساجلات والمناظرات مع الأفكار والمفاهيم الغربية ولا سيما منها التي ظهرت بالتزامن مع تدفقات الحداثة وما رافقها من عمليات توسع استعماري إلى بقية العالم.

إن المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية إذ يقدّم هذه السلسلة إلى القرّاء يحدوه الأمل بأن يُسهم هذا المسعى المعرفي في تنشيط فضاءات التفكير النقدي وتأسيس مناخات فكرية جادّة في العالمين العربي والإسلامي.

 * * *

يسعى مؤلف هذا الكتاب إلى الإضاءة على شخصية المفكر النهضوي الجزائري مالك بن نبي ودوره في إحياء الفكر النقدي للغرب بين النخب العربية والإسلامية في خلال النصف الأول من القرن العشرين المنصرم. كما يبين المرتكزات الفكرية الأساسية التي أقام عليها بن نبي مشروعه الحضاري ولا سيما لجهة المقاومة الثقافية للاستعمار الجديد.

والله ولي التوفيق

المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية

مقدمة الكتاب

 يعتبر مالك بن نبي علم من أعلام الفكر الإسلامي العربي في القرن العشرين، وهوأحد رواد النهضة الفكرية الإسلامية، ويعد من أكثر المفكرين المعاصرين الذين نبهوا إلى ضرورة العناية بمشكلات الحضارة. والمتأمل في أعماله الفكرية، يجدها تعالج مسألة واحدة تدور حول محور واحد، هومشكلة الحضارة، باعتبار أن الحضارة هي الإطار الذي ينظم كل هذه الأجزاء التي نسميها في مكان ما مشكلة سياسية، وفي مكان آخر مشكلة اقتصادية، وفي مكان ثالث مشكلة أخلاقية. ومن هنا يرى مالك أن مشكلة كل شعب في جوهرها هي مشكلة حضارية، ولا يمكن لشعب أن يفهم أويحل مشكلته ما لم يرتفع بفكرته إلى الأحداث الإنسانية، ولم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أوتهدمها. ولقد كان مالك بن نبي مفكرًا مبدعًا، وصاحب نظرية عميقة في البناء الحضاري، وامتلكت أفكاره مكونات القوة، بتركيزها على القضايا الأساسية المحورية في العالم الإسلامي، فأهتم بمشكلات الحضارة والنهضة والثقافة وغيرها، وكانت جهوده في بناء الفكر الإسلامي وفي دراسة المشكلات الحضارية متميزة سواء من حيث الموضوعات التي تناولها، أومن حيث المناهج التي اعتمدها في ذلك. وكان صاحب إنتاج غزير وخصب، فألف سلسلة كتب تحت عنوان (مشكلات الحضارة) ثم الظاهرة القرآنية، ومشكلة الثقافة، شروط النهضة، وجهة العالم الإسلامي، المسلم في عالم الاقتصاد، الفكرة الأفريقية الأسيوية. وغيرها من الكتب المهمة التي كانت في طليعة اهتمامه بمشكلات وهموم وطنه العربي والإسلامي. ولقد أهتم مالك في فكره ومشروعه الإصلاحي التجديدي بالحضارة الغربية، وإلقاء الضوء على أهم سلبياتها وكذلك ايجابيتها. ودرس بعمق هذه الحضارة، وحاول الوصول إلى الحقائق الموضوعية التي يسير وفقها منطق التاريخ، الذي صار من أهم مميزاته في أواخر القرن العشرين، أن الإنسانية موحدة في مصيره ومتشابكة مما حتم عليه الغوص في عمق الظاهرة الحضارية عبر التاريخ. ولقد وضح مالك بن نبي في دراسته للظاهرة الحضارية الغربية إلى بعض سمات هذه الحضارة، ويرى أن أهم ما يميز الحضارة الغربية المعاصرة هي إشعاعها العالمي(عالميتها المركزية) ومحاولة بسط هيمنتها ونفوذها على العالم، وماديتها التي تشكل رؤيتها إلى الكون والتاريخ، وكذا فعاليتها الانجازية على المستوى الاجتماعي والمادي، ثم نزعتها إلى الجمال التي ترجع إلى الجذر. ومن هنا يدعونا مالك بن نبي إلى البحث في جذور الحضارة الغربية ومألاتها وواقعها الحالي، وما أضافته من انجازات إلى التراث البشري، وما أحدثته من فوضى في العالم، لذا يدعونا إلى التفرقة بين مستويين من التحليل: المستوى الأول يرتبط بإعطاء حكم قيمي، وأما الثاني فهويرصد الظاهرة في حركتها على مسرح التاريخ وميدان التغيير الاجتماعي، أي كما في الواقع. ومن هذا المستوى الأخير يمكن أن نلحظ مظاهر الهيمنة الغربية على العالم، وانتشار منتجاتها الحضارية في كل مكان، وتحكمها في مسيرة الإنسانية خلال القرنين الأخيرين على الأقل. ورغم نقد أبن نبي لنموذج الحضارة الغربية وهيمنتها على العالم، إلا أنه ينظر للموضوع أيضا من زاوية اجتماعية ـ تاريخية، إذ أن الإنسانية مع الحضارة الغربية اقتربت بينها المسافات، وتوحدت مشاكلها وأمالها، بشكل جعل المصير الإنساني مشتركًا وموحدًا. ورغم أن الاستعمار الغربي استنزف العالم كله، وشمل كل قطر، فقد وحد هموم الإنسانية وجعلها كلها تتعرض لهيمنة النموذج الغربي. وفي هذا السياق يرى مالك أن أوروبا أوالحضارة الغربية لم ترد تمدين العالم، ولكنها وضعته على طريق الحضارة حين جعلت تحت تصرفه الوسائل المادية ليتبع الطريق، وحين أمدته بإرادة للسير فيه، ويشير إلى أن الموجة الأوربية لم تأت للعالم بغمرة الرفاة المادي فحسب، مثل المنتجات الإليكترونية والصناعية، بل أنها قد أتته أيضا بتروك روحية لاجدال فيها. ويستمر مالك في نقده للحضارة الغربية ويرى أن هذه الحضارة التي تقدمت بفعل اطراد عملها وضميرها، يبدوأنها تعاني من فصام بين هذين العاملين، فالعلم يرفعها نحوالتوحد مع الإنسانية، بينما ضميرها متخلف عن تقدمها العلمي، مما جعلها تحاول أن تجعل من إشعاعها العالمي نوعًا من الهيمنة التي تؤكد التمركز الغربي. وفي محاولة لتعرية هذه الحضارة الغربية من نغمة تفوقها المادي، يرى أن هذه الحضارة ينقصها البعد الإنساني الحقيقي، ذلك أن فيها فصاما بين علمها وروحها، فهي من جهة العوامل الفنية التقنية تدفع بالإنسانية ـ ولومن غير قصد إلى التوجه العالمي، أما من جهة روحها وضميرها فأنه مثقل بثقافة الإمبراطورية، أي ثقافة السيطرة، المتجذرة في اللاشعور الغربي. وهذه الروح جعلت من هذه الحضارة تهمل إنسانية الإنسان، لأنها ظلت تتعامل مع الإنسان غير الغربي باعتباره هامشًا  وملحقًا بالمركز الغربي، لأنه أبن المستعمرات. ويرى أبن نبي أن الاستعمار الغربي سبب ونتيجة في الوقت نفسه، فهومن جهة نتيجة لثقافة الإمبراطورية المتأصلة في النفسية الأوروبية، تلك الثقافة التي تقوم على أساطين السيادة والاستعمار. ويجب أن نلفت الانتباه إلى حقيقة مهمة وهي أن منظور أبن نبي في دراسة الحضارة الغربية يقوم على نظريته في الدورة الحضارية التي تشكل المدخل الأساسي والرئيس لنقد مالك للحضارة الغربية. وسوف نعرض لتلك النظرية بالتفصيل بعد ذلك. وبعين الفاحص الخبير والناقد البصير يضع أبن نبي يده على مشكلة العالم الإسلامي  ويحلل تلك الصلة والعلاقة مع الغرب، ويرى أن الحاجة إلى معرفة الغرب أمر مهم وضروري لمعرفة عوامل ضعف وقوة الحضارة الغربية، ولذا يقول أن هذا الإشعاع العالمي الشامل الذي تتمتع به ثقافة الغرب، هوالذي جعل من فوضاه الحالية مشكلة عالمية، ينبغي أن نحللها وأن نتفهمها في صلاتها بالمشكلة الإنسانية عامة، وبالتالي بالمشكلة الإسلامية، وهذا لا يجعل العالم الإسلامي تابعًا في حلوله للغرب، وإنما يتطلب منه أن يعرف التجارب حتى يتحقق من مدى نسبيتها ومدى قابليتها للنقل والاستفادة، فإذا ما أدرك العالم الإسلامي أن صدق الظواهر الأوربية مسالة نسبية، فسيكون من السهل عليه أن يعرف أوجه النقص فيها ويدعونا إلى عدم الأخذ بالنموذج الغربي حرفيًا، بل ما يصلح لمجتمعنا الإسلامي وظروفنا.ويرى أن المسلم يحكم على النظام الأوروبي الذي يحيط به أوالذي يستشعر وجوده في مطالعاته المبتورة، فأفكاره عن الحضارة الأوروبية الغربية تصدر عن الحكم المبتسر. ويجب أن نلفت الانتباه إلى أن نقد مالك للحضارة الغربية كان بمنظار الناقد الذي عايش تلك الحضارة بمشاعره ولم يكتف بالتأمل فيها من الخارج، ولقد تغلغل في أعماق الحضارة الغربية بفضل دراساته وزواجه وعلاقاته وقراءاته، وطول المدة التي عاشها في باريس. لذا يشير إلى أن الغرب تجربة تعد درسًا خطيرًا لفهم مصائر الشعوب والحضارات، فهي تجربة مفيدة لبناء الفكر الإسلامي، وتحقيق الوعي ألسنني. ومن هنا يرى ضرورة فهم الغرب في عمقه وتحديد خصائصه، ومعرفة ما يتميز به من ايجابيات وسلبيات، حتى لا تكون معرفتنا به سطحية مبتسرة، وأفكارنا عامة وغير نابعة من اطلاع متأمل. ويجب أن نوضح أن أفكار مالك متكاملة ومتداخلة، فلا نستطيع نقد الحضارة الغربية في فكره بدون الحديث عن موقفه من الحضارة ونظريته عن الثقافة والحديث عن الاستعمار بكل أشكاله، ومصطلحات مثل معامل الاستعمار والقابلية للاستعمار كل هذا سوف نوضحه بالتفصيل من خلال هذا الكتاب.

ويتكون هذا الكتاب من مقدمة عامة وأربعة مباحث وخاتمة ثم قائمة بالمراجع. المبحث الأول بعنوان (حياته ومؤلفاته) والمبحث الثاني وحدة الثقافة والحضارة عند بن نبي) أما المبحث الثالث فيندرج تحت (مفهوم الاستعمار) والمبحث الرابع(موقف مالك من الحضارة الغربية).