فهرس المحتويات

ـ مقدمة  المركز | 7

ـ مـدخل إلى الحرب الناعمة | 9

ـ خمسة عوامل دفعت الإدارة الأميركية لإعتماد خيار الحرب الناعمة | 11

ـ القوة الناعمة في حسابات الصين وروسيا وبريطانيا وألمانيا واليابان وإيران | 13

ـ القوة الناعمة ثمرة تحالف قطاع تكنولوجيا الاتصالات والخارجية الأميركية | 18

ـ السيطرة على النخبة واحتلال طوبغرافيا المجال العام وظيفة الحرب الناعمة | 23

الباب الأول: الأصول النظرية للحرب الناعمة | 29

ـ أولاً: مفهوم القوة الناعمة تعريفها وأركانها | 31

ـ ثانياً: مؤشرات قياس القوة الناعمة؟ | 35

ـ ثالثاً: ما الفرق بين القوة الناعمة والحرب الناعمة؟ | 37

ـ رابعاً: سيرة صاحب نظرية القوة الناعمة تكشف أهميتها الاستراتيجية | 42

ـ خامساً: الدواعي الإستراتيجية لاعتماد أميركا خيار القوة الناعمة | 45

ـ سادساً: موارد ومصادر الحرب الناعمة | 56

ـ سابعاً: الحرب الناعمة والحرب العسكرية في غرفة العمليات المشتركة | 59

ـ ثامناً: الفرق بين الحرب النفسية والحرب الناعمة والغزو الثقافي | 63

ـ تاسعاً: الدبلوماسية الرقمية من أبرز أدوات الحرب الناعمة | 70

ـ عاشراً: أركان الحرب الناعمة / خطة وقيادة وفرصة وحملة منسقة | 74

ـ حادي عشر: استراتيجيات وتكتيكات الحرب الناعمة | 78

ـ ثاني عشر: أبحاث النفس والدماغ تدخل ميدان الحرب الناعمة | 84

ـ ثالث عشر: الحرب الناعمة والمدرسة الأميركية في البرمجة السلوكية | 88

الباب الثاني: تطبيقات ونماذج ومنظمات الحرب الناعمة | 93

أولاً: وثيقة رسمية تبين دور الجامعات الأميركية في القوة الناعمة | 94

ـ ثانياً: دور العلوم والمناهج في القوة الناعمة الأميركية | 98

ـ ثالثاً: توصيات معهد راند للبحوث الدفاعية الأميركية حول الكتب العربية | 103

ـ رابعاً: توجيه مصادر المعرفة على محركات البحث على شبكة الإنترنت | 107

ـ خامساً: معاهد أميركية لتدريب الناشطين على الثورات الناعمة | 108

ـ سادساً: وزارة الخارجية الأميركية تنشر وثيقة إعداد خطة الإتصالات الإستراتيجية والحملات الإعلامية الفعالة للجمهور العربي | 119

ـ سابعاً: الخارجية الأميركية تكرم الناشطين العـرب بجوائـز ناعمة | 120

ـ ثامناً: تغلغل القوة الناعمة الأميركية من خلال أدوات التكنولوجيا | 122

ـ تاسعاً: 250 فضائية عربية في خدمة الحرب الناعمة الأميركية | 128

ـ عاشراً: الحرب الناعمة على ضوابط الحجاب الإسلامي | 131

ـ حادي عشر: التبادل الثقافي مع الشباب المسلم لإستكشاف أميركا | 132

الباب الثالث: الحرب الناعمة نقاط القوة والضعف | 135

ـ مقدمة | 136

نقاط قوة الحرب الناعمة / الشعارات الخادعة والتكنولوجيا:

ـ أولاً: الحرب الناعمة توظف الواجهات الإنسانية والإعلامية للخداع | 136

ـ ثانياً: جاذبية أدوات ووسائل الإتصال والإعلام والمنتجات التكنولوجية | 140

ـ ثالثاً: البرمجة المتدرجة والبطيئة من أبرز نقاط قوة الحرب الناعمة | 143

ـ رابعاً: الحرب الناعمة وتكتيكات التمويه والإستتار عبر الوكلاء والعملاء | 146

ـ خامساً: التلاعب بالعقول عبر التجزئة وتأطير القضايا والمصطلحات | 147

ـ نقاط ضعف الحرب الناعمة/ الفوضى والإزدواجية والإنكشاف :

ـ أولاً: الفوضى الإعلامية الناجمة عن مفارقة الكثـرة الغــزيـرة | 150

ـ ثانياً: الإزدواجية وضعف المصداقية أبرز نقاط ضعف الحرب الناعمة | 151

ـ ثالثاً: انكشاف تكتيكات ونقاط ضعف التكنولوجيا وأسلحة القوة الناعمة | 153

ـ رابعاً: مخرجات الحرب الناعمة ونتائجها تعتمد على أدائنا ومقاومتنا | 156

ـ مصادر ومراجع الكتاب | 159

 

العتبة العباسية المركز الاسلامي للدراسات الاستراتجية سلسلة مصطلحات معاصرة 11 الحرب الناعمة الأسس النظرية والتطبيقية علي محمد الحاج حسن
هذه السلسلة تتغيا هذه السلسلة تحقيق الاهداف المعرفية التالية: أولا:الوعي بالمفاهيم واهميتها المركزية في تشكيل وتنمية المعارف والعلوم الانسانية وادراك مبانيها وغاياتها ،وبالتالي التعامل معها كضرورة للتواصل مع عالم الافكار ، والتعرف على النظريات والمناهج التي تتشكل منها الانظكة الفكرية المختلفة. ثانيا:ازالة الغموض حول الكثير من المصطلحات والمفاهيم التي غالبا ما تستعمل في غير موضعها أو يجري تفسيرها على خلاف المراد منها.لاسيما وان كثيرا من الاشكاليات المعرفية ناتجة من اضطراب الفهم في تحديد المفاهيم والوقوف على مقاصدها الحقيقية ثالثا:بيان حقيقة ما يؤديه توظيف المفاهيم في ميادين الاحتدام الحضاري بين الشرق والغرب،وما يترتب على هذا التوظيف من آثار سلبية بفعل العولمة الثقافية والقيمية التي تتعرض لها المجتمعات العربية والاسلامية وخصوصا في الحقبة المعاصرة. رابعا:رفد المعاهد الجامعية ومراكز الابحاث والمنتديات الفكرية بعمل موسوعي جديد يحيط بنشأة المفهوم ومعناه ودلالاته الاصطلاحية ،ومجال استخداماته العلمية،فضلا عن صلاته وارتباطه بالعلوم والمعارف الاخرى. المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية

مقدمة المركز 

ـ مقدمة  المركز7

ـ مـدخل إلى الحرب الناعمة9

ـ خمسة عوامل دفعت الإدارة الأميركية لإعتماد

خيار الحرب الناعمة11

ـ القوة الناعمة في حسابات الصين وروسيا وبريطانيا

وألمانيا واليابان وإيران13

ـ القوة الناعمة ثمرة تحالف قطاع تكنولوجيا

الاتصالات والخارجية الأميركية18

ـ السيطرة على النخبة واحتلال طوبغرافيا المجال

العام وظيفة الحرب الناعمة23

الباب الأول: الأصول النظرية للحرب الناعمة29

ـ أولاً: مفهوم القوة الناعمة تعريفها وأركانها31

ـ ثانياً: مؤشرات قياس القوة الناعمة؟35

ـ ثالثاً: ما الفرق بين القوة الناعمة والحرب الناعمة؟37

ـ رابعاً: سيرة صاحب نظرية القوة الناعمة

.تكشف أهميتها الاستراتيجية42

ـ خامساً: الدواعي الإستراتيجية لاعتماد أميركا خيار القوة الناعمة45

ـ سادساً: موارد ومصادر الحرب الناعمة56

ـ سابعاً: الحرب الناعمة والحرب العسكرية في

غرفة العمليات المشتركة59

ـ ثامناً: الفرق بين الحرب النفسية والحرب الناعمة والغزو الثقافي63

ـ تاسعاً: الدبلوماسية الرقمية من أبرز أدوات الحرب الناعمة 70

(4)

مقدمة المركز 

ـ عاشراً: أركان الحرب الناعمة / خطة وقيادة

وفرصة وحملة منسقة74

ـ حادي عشر: استراتيجيات وتكتيكات الحرب الناعمة78

ـ ثاني عشر: أبحاث النفس والدماغ تدخل ميدان الحرب الناعمة84

ـ ثالث عشر: الحرب الناعمة والمدرسة

الأميركية في البرمجة السلوكية88

الباب الثاني: تطبيقات ونماذج ومنظمات الحرب الناعمة 93

أولاً: وثيقة رسمية تبين دور الجامعات الأميركية في القوة الناعمة 94

ـ ثانياً: دور العلوم والمناهج في القوة الناعمة الأميركية 98

ـ ثالثاً: توصيات معهد راند للبحوث الدفاعية الأميركية

حول الكتب العربية 103

ـ رابعاً: توجيه مصادر المعرفة على محركات

البحث على شبكة الإنترنت107

ـ خامساً: معاهد أميركية لتدريب الناشطين على الثورات الناعمة108

ـ سادساً: وزارة الخارجية الأميركية تنشر وثيقة إعداد خطة الإتصالات

الإستراتيجية والحملات الإعلامية الفعالة للجمهور العربي119

ـ سابعاً: الخارجية الأميركية تكرم

الناشطين العـرب بجوائـز ناعمة120

ـ ثامناً: تغلغل القوة الناعمة الأميركية من

خلال أدوات التكنولوجيا122

ـ تاسعاً: 250 فضائية عربية في خدمة

الحرب الناعمة الأميركية 128

ـ عاشراً: الحرب الناعمة على ضوابط الحجاب الإسلامي 131

(5)

مقدمة المركز 

ـ حادي عشر: التبادل الثقافي مع الشباب

المسلم لإستكشاف أميركا132

الباب الثالث: الحرب الناعمة نقاط القوة والضعف135

مقدمة136

نقاط قوة الحرب الناعمة / الشعارات الخادعة والتكنولوجيا:

ـ أولاً: الحرب الناعمة توظف الواجهات

الإنسانية والإعلامية للخداع136

ـ ثانياً: جاذبية أدوات ووسائل الإتصال

والإعلام والمنتجات التكنولوجية140

ـ ثالثاً: البرمجة المتدرجة والبطيئة من

أبرز نقاط قوة الحرب الناعمة143

ـ رابعاً: الحرب الناعمة وتكتيكات التمويه

والإستتار عبر الوكلاء والعملاء146

ـ خامساً: التلاعب بالعقول عبر التجزئة

وتأطير القضايا والمصطلحات147

ـ نقاط ضعف الحرب الناعمة/ الفوضى والإزدواجية والإنكشاف :

ـ أولاً: الفوضى الإعلامية الناجمة عن

مفارقة الكثـرة الغــزيـرة150

ـ ثانياً: الإزدواجية وضعف المصداقية

أبرز نقاط ضعف الحرب الناعمة151

ـ ثالثاً: انكشاف تكتيكات ونقاط ضعف

التكنولوجيا وأسلحة القوة الناعمة153

ـ رابعاً: مخرجات الحرب الناعمة ونتائجها

تعتمد على أدائنا ومقاومتنا156

ـ مصادر ومراجع الكتاب159

(6)

مقدمة المركز 

تدخل هذه السلسلة التي يصدرها المركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية في سياق منظومة معرفية  يعكف المركز على تظهيرها، وتهدف الى درس وتأصيل ونقد مفاهيم شكلت ولما تزل مرتكزات أساسية في فضاء التفكير المعاصر.

وسعياً الى هذا الهدف وضعت الهيئة المشرفة خارطة برامجية شاملة للعناية بالمصطلحات والمفاهيم الأكثر حضوراً وتداولاً وتأثيراً في العلوم الإنسانية، ولا سيما في حقول الفلسفة، وعلم الإجتماع، والفكر السياسي، وفلسفة الدين والاقتصاد وتاريخ الحضارات.

أما الغاية من هذا المشروع المعرفي فيمكن إجمالها على النحو التالي:

أولاً: الوعي بالمفاهيم وأهميتها المركزية في تشكيل وتنمية المعارف والعلوم الإنسانية وإدراك مبانيها وغاياتها، وبالتالي التعامل معها كضرورة للتواصل مع عالم الأفكار، والتعرف على النظريات والمناهج التي تتشكل منها الأنظمة الفكرية المختلفة.

ثانياً: إزالة الغموض حول الكثير من المصطلحات والمفاهيم التي غالباً ما تستعمل في غير موضعها أو يجري تفسيرها على خلاف المراد منها. لا سيما وأن كثيراً من الإشكاليات المعرفية ناتجة من اضطراب الفهم في تحديد المفاهيم  والوقوف على مقاصدها الحقيقية.

(7)

ثالثاً: بيان حقيقة ما يؤديه توظيف المفاهيم في ميادين الاحتدام الحضاري بين الشرق والغرب، وما يترتب على هذا التوظيف من آثار سلبية بفعل العولمة الثقافية والقيمية التي تتعرض لها المجتمعات العربية والإسلامية وخصوصاً في الحقبة المعاصرة.

رابعاً: رفد المعاهد الجامعية ومراكز الأبحاث والمنتديات الفكرية بعمل موسوعي جديد يحيط بنشأة المفهوم ومعناه ودلالاته الإصطلاحية، ومجال استخداماته العلمية، فضلاً عن صِلاته وارتباطه بالعلوم والمعارف الأخرى. وانطلاقاً من البعد العلمي والمنهجي والتحكيمي لهذا المشروع فقد حرص لامركز على أن يشارك في إنجازه نخبة من كبار الأكاديميين والباحثين والمفكرين من العالمين العربي والإسلامي.

 *      *       *

يندرج مصطلح الحرب الناعمة في إطار المصطلحات المستحدثة والتي دخلت ميدان الفكر السياسي ومداولاته خلال السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين.

ترافق نشوء المصطلح مع انتقال العلاقات الدولية إلى تاريخ جديد من التوترات والاحتدامات وكان من أبرزها انفراد الولايات المتحدة الأميركية بالقرار الدولي وسعي مفكريها الاستراتيجيين إلى صياغة نظريات تدخل في سياق تسويغ هيمنتها الأيديولوجية على العالم.

شكلت نظرية الحرب الناعمة، أو القوة اللينة بحسب المفكر الاستراتيجي الأميركي جوزيف ناي واحدة من أبرز النظريات والأطروحات التي جرى تداولها في العالمين العربي والإسلامي، ويقصد منها تحقيق الهيمنة عبر الغزو الثقافي والفكري وتدمير الولاءات والهويات الوطنية والدينية والأخلاقية.

والله ولي التوفيق

(8)

مقدمة

مـدخل إلى الحرب الناعمة

ليس جديداً أن تقوم الدول بممارسة التأثير والنفوذ بمختلف أشكاله على غيرها من الدول والشعوب، فهذا ديدن الدول منذ فجر التاريخ ونشوء الدول، سواء بواسطة السفارات والقنصليات وعبر الوسائل الدبلوماسية والثقافية والإعلامية المختلفة، وهو ما تقوم به الجماعات والمنظمات والأحزاب بطبيعة الحال في نطاق التأثير السياسي، وتمارسه الشركات في النطاق الإقتصادي والتجاري، وهو الوظيفة الطبيعية للوسائل الإعلامية في المجال العام، وصولاً إلى ما يقوم به الأفراد في العلاقات الشخصية والاجتماعية، والجميع دولاً وأحزاباً وشركات وأفرداً يستهدفون تحقيق غايات ثقافية وسياسية واقتصادية وعسكرية لحسابهم.

كما ليس جديداً أن تقوم الجيوش والدول بممارسة الحرب النفسية والدعاية ضد أعدائها المفترضين، فهذا ديدن الجيوش منذ برع القادة العسكريون في الممالك الصينية القديمة من أمثال سون تزو وجنكيزخان في استخدام سياسات الإرعاب النفسي وبث الخوف، وصولاً الى القرن العشرين مع غوبلـز وزير الدعاية والحرب النفسية في حكومة الزعيم الألماني أدولف هتلر (19381944).

(9)

ودشنتها المخابرات المركزية الأميركية CIA في القرن العشرين مع تأسيس وحدة العمليات الدعائية وبزوغ النظرية الأولى للسيطرة على الرأي العام من خلال تقنيات هندسة المزاج The Engineering Of Consent التي ابتكرها عالم النفس الأميركي إدوارد برنايز Edward Bernays التي كانت تمهد الأرضية الإعلامية والنفسية للعمليات السرية والانقلابات التي حصلت في 80 بلداً حول العالم[1].

وقامت بريطانيا بنفس الوظيفة ضمن دائرة العمليات النفسية التابعة للجيش البريطاني زمن الحرب الباردة، عندما كانت قناة BBC الشهيرة جزءاً عضوياً من هيئة الرصد والاتصالات الحكومية التابعة للجيش البريطاني، قبل أن تعلن عام 2012 أنها قناة مستقلة عن الدولة البريطانية، مع العلم أنها صنفت بأنها أعظم أدوات القوة الناعمة البريطانية وفق الوثائق الرسمية المنشورة على موقع مجلس اللوردات البريطاني[2].

وليس جديداً ممارسة التأثير السياسي واللغوي والثقافي والاجتماعي من قبل دولة استعمارية على إحدى مستعمراتها، كما في النموذج الفرنسي مع حالة الجزائر.

(10)

لكن الجديد هو وصول نطاق ومدى وفن التأثير والنفوذ إلى مستوى غير مسبوق من حيث التخطيط والمنهجية والشمولية والإعداد والتجهيز، بما قد يضاهي أعمال الحرب والعدوان العسكري، بحيث أصبحت تشكل عملاً عدوانياً بديلاً لشن الحرب العسكرية في حالات معينة

خمسة عوامل دفعت الإدارة الأميركية لإعتماد خيار الحرب الناعمة:

1ـ عامل الديمغرافيا: حيث أدى التزايد السكاني إلى تضخم حجم وانتشار سكان المدن، الأمر الذي أدى الى وضع عائق ضخم أمام اتباع النظرية العسكرية الكلاسيكية التي كانت تقوم على مبدأ السيطرة الخاطفة على الأراضي واحتلال المواقع العسكرية وبالعموم كسب الجغرافيا كإستراتيجية وحيدة لفرض جدول الأعمال السياسي على الأعداء.

2ـ التكنولوجيا السياسية: حيث وصل عدد الفضائيات إلى اكثر من 10 آلاف فضائية وامتدت شبكات الإنترنت إلى مليار مشترك ومستخدم.

وبلغت أجهزة الخليوي ما يقارب مليار هاتف محمول وهو ما غير في قواعد الجغرافيا السياسية في العالم، واصبح متاحاً أمام وكالة الأمن القومي الاميركي التجسس على معظم الناس ومعرفة آرائهم والتنبأ باتجاهاتهم ووضع البرامج الثقافية والسياسية

(11)

والإعلامية المناسبة لتوجيههم وفق نظرية القوة الناعمة للحصول على ما تريده الإدارة الأميركية.

وما كشفه الموظف المنشق عن وكالة الأمن القومي الأميركي إدوارد سنودن من عمليات تجسس فاق كل تصور، حتى أن الغربيين أنفسهم تعجبوا من مقدار التجسس وشموليته، والتجسس يمكّن الإدارة الأميركية من تصميم موارد القوة الناعمة ومدّها بالمعطيات والبيانات المطلوبة، حتى أن باحثاً كندياً قال في مؤتمره الصحافي أن برامج ويندوز 98 الأشهر في برامج تشغيل أجهزة الكومبيوتر الشخصية والمكتبية في العالم من صناعة وتصميم وبرمجة وكالة الأمن القومي الأميركي[1].

3ـ فشل خيار الحسم العسكري: كانت الحروب العسكرية تقوم على الضربات الجوية والتوغل البري واحتلال المواقع العسكرية، واستراتيجيات مكافحة التمرد في حال واجه الاحتلال مقاومة شعبية عقائدية منظمة، سواء كانت المنظمات دينية أو قومية أو حتى ماركسية.

4ـ تحول الميزان الاقتصادي الدولي: وحدث الانتقال من الغـرب باتجاه الشرق، ومن أميركا وأوروبا باتجاه آسيـــا الصاعدة ومجموعة البريكس الصين والهند وروسيا والبرازيل وجنوب افريقيا وصعود المحور الإيراني المتحالف مع محور البريكس.

(12)

5ـ حسابات الكلفة المالية والسياسية والبشرية: حيث إن الكلفة المالية للحرب الناعمة لا تتجاوز انفاق مئات ملايين الدولارات، في حين أنفقت الإدارة الأميركة 3 آلاف مليار في حربي العراق وافغانستان، أي هي نسبة 1 إلى 100، ولا يقتل في الحرب الناعمة أي مواطن أميركي، في حين قتل عشرات آلاف الجنود في حروب أميركا العسكرية، كما أن الكلفة السياسية للحرب الناعمة لا تقارن بالحرب العسكرية، ففي حال فشلت الحرب الناعمة لا أحد يحاسب الإدارة الأميركية عليها،

القوة الناعمة في حسابات الصين وروسيا وبريطانيا وألمانيا واليابان وإيران:

وقد بدأت مقولة «الحرب الناعمة» بالإنتشار دولياً، فتبنت الصين نظرية القوة الناعمة، وشخصت أجهزتها وجود حرب ثقافية وحرب ناعمة تقودها الإدارة الأميركية وحلفاؤها لضرب الصين من الداخل، وتفكيك هويتها الثقافية وتفكيك مكوناتها القومية، حيث أنشأت شركة غوغل العالمية بدعم من وزارة الخارجية الأميركية مواقع بمختلف اللهجات القومية الصينية[1] كما اشترت الشركة الأميركية والت ديزني مساحات ضخمة في أبرز المدن الصينية كشنغهاي[2].

(13)

واعتمدت الصين المقولة في برامجها بشكل لافت في ضوء مؤتمر الحزب الشيوعي الصيني الذي انعقد عام 2011، وسحبت بموجب هذا التوجه 88 برنامجاً تلفزيونياً أميركياً وغربياً كانت تبث من على شاشات وشبكات التلفزيون الصيني، وتبنت «استراتيجية المواجهة الثقافية والسياسية» و»استراتيجية الاستثمار في الإنتاج السينمائي والتلفزيوني والثقافي والإعلامي والتعليمي والاتصالي، خاصة الإنترنت».

وقد نصت وثيقة «الأمن الثقافي الوطني» التي أقرتها قيادة الحزب الشيوعي الصيني على وجوب «مواجهة التحديات الثقافية والإيديولوجية على المستوى الدولي، التي ازدادت تعقيداً، وهو ما يفرض تعزيز القوة الثقافية الصينية ومقاومة تسلسل القوى المعادية، واعتماد مبدأ التنمية الثقافية وعملية الإصلاح الثقافي»[1].

وأقدمت الصين على إجراءات لتحصين شبكة الإنترنت الصينية من التلاعب والاختراق، لأن هدف الأعداء «إضعاف الصين وتفتيتها وتقسيمها» وفق تصريح الرئيس الصيني هوجنتاو[2].

وانتشرت في الصحافة الصينية مفردات من قبيل «القوة الناعمة» و»الحرب الناعمة»، و»سباق التسلح الناعم»، ما دل على إدراك

(14)

القيادة الصينية لحجم المخاطر المحدقة بجبهتها الثقافية والسياسية الناعمة[1].

كما دخلت القوة الناعمة قاموس روسيا الاتحادية بشقيها الدفاعي والهجومي.

في الشق الهجومي أدرجت روسيا القوة الناعمة في برامجها الخارجية منذ سنة 2012 من خلال تصريحات للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ورئيس الوزراء ديميتري ميدفيديف، ووزير الخارجية سيرغي لافروف[2] ويتم ذلك من خلال مد النفوذ الخارجي لروسيا وزيادة انتشارها الإعلامي والإنساني والمعلوماتي والتنموي والتعليمي ـ استقطاب الطلاب الأجانب - وفق ما شرحه نائب وزير الخارجية الروسي جينادي غاتيلوف[3].

وفي الشق الدفاعي، قررت الإدارة الروسية منع الوكالة الأميركية للتنمية الدوليــة USAID من العمل على جميع الأراضي الروسية بموجب تشخصيها للمخاطر الثقافية الناعمة الوافدة من أميركا من خلال هذه الوكالة التابعة بصورة رسمية لوزارة الخارجية الأميركية،

(15)

كما اقرت قانون في البرلمان الروسي يحل مئات منظمات المجتمع المدني الروسية التي تمولها الإدارة الأميركية والدول الغربية[1].

فيما أفردت بريطانيا عام 2012 وحدة عمل خاصة في مجلس اللوردات البريطاني تحت اسم «لجنة القوة الناعمة والنفوذ البريطاني» وذلك بهدف تحقيق مجموعة أهداف نذكر منها:

1ـ إعادة تقييم القوة الناعمة البريطانية وتحديد المؤسسات المعنية.

2ـ إدراك منافع ومزايا نظرية القوة الناعمة وتعريفها للنخبة البريطانية.

3ـ الاستثمار المالي في القطاعات المنتجة للقوة الناعمة والنفوذ البريطاني.

وللغاية عقدت عشرات الجلسات مع خبراء في الجامعات البريطانية والأميركية، ومنها جلسة خاصة مع منظر القوة الناعمة جوزيف ناي لمناقشة نظريته، وسبل تطبيقها في السياسات الخارجية البريطانية[2].

في حين حازت ألمانيا على لقب أكثر الدول تميزاً وفق مؤشرات ومقاييس القوة الناعمة حسب مجلة مونوكول الدولية للعام2013،

(16)

وبالمقابل، خصصت اليابان عدة مؤتمرات وندوات لتقييم أسباب تراجع قوتها الناعمة في العالم[1].

وبطبيعة الحال حظيت الحرب الناعمة باهتمام خاص في إيران في ضوء توجيهات سماحة السيد الخامنئي دام ظله، فحظيت بعناية من أغلب المسؤولين والقادة على مستوى رئيس الجمهورية، ووزراء الأمن والاستخبارات، الثقافة والإرشاد، الخارجية، الدفاع، الحرس الثوري الإسلامي، المرجعيات الدينية في قم المقدسة.

كما أسست الجمهورية الإسلامية في إيران مؤسسة خاصة، ومقـر يضم غرفة عمليات مخصصة لمواجهة الحرب الناعمة، وخصصت كليات ومعاهد ومراكز تدريبية للغاية، كما أصدرت عشرات الكتب، وعقدت عشرات المؤتمرات للتعريف بسبل المواجهة.

وفي لبنان حظيت مقولة الحرب الناعمة باهتمام حزب الله، فوجه إليها سماحة الأمين العام ونائبه في أكثر من مناسبة، وحظيت باهتمام سائر قيادة حزب الله، وبعض الإعلاميين والباحثين والمثقفين الموالين لخط المقاومة.

(17)

القوة الناعمة ثمرة تحالف قطاع تكنولوجيا الاتصالات والخارجية الأميركية

في عالم اليوم الذي يشهد انفجاراً للمعلومات، لم يعد هناك فرص كبيرة لنجاح واستقرار الحكومات من خلال الانقلابات العسكرية، وبسبب ضعف أدوات العمل الدبلوماسي الجغرافي التقليدي - دبلوماسية السفارات والقنصليات - ذات السمات الهادئة والبطيئة في معترك الديناميات الدولية المتسارعة، وأيضاً بسبب ضعف أدوات القوة العسكرية التقليدية كما بيّنا في المدخل.

لذا اصبحت عقيدة التكنولوجيا السياسية political technology هي من يتحكم بعقل وزارة الخارجية الأميركية، وهي عقيدة معقدة تحتاج إلى مراكز أبحاث معمقة لإدراك أبعادها ودينامياتها ورصد تفاعلاتها وبرامجها.

ويكفي لإدراك فكرة التكنولوجيا السياسية إجراء عملية تصفح سريعة لموقع وزارة الخارجية الأميركية والبحث عن تطبيقات برنامج المجتمع المدني 02، 03 وهي تطبيقات هدفها تأسيس مجتمع مدني وشبكات شبابية ناشطة ونخبة سياسية جديدة قادرة على التواصل والتأثير السياسي عبر منافذ التكنولوجيا تويتر/ يوتيوب / فيسبوك / المدونات الشخصية/ الخ لصنع المعادلات والأجندات وفق الرغبات الأمريكية. والأخطر هو نشر الثقافة السياسية، وأساليب وأنماط الحياة الأميركية.

ومن يبحث في أرشيف موقع وزارة الخارجية الأميركية يعثر على

(18)

مئات وآلاف الأبحاث والمقالات التي تتحدث عن تلك العقيدة، ويكتشف مقدار تغلغلها في بنية العقل الأميركي الراهن.

ويكفي أن نشير الى كتاب «العصر الرقمي» الذي صنفه كل من جارد كوهين مدير قسم غوغل للأفكار Idea Google وهو في نفس الوقت عضو لجنة تخطيط السياسات في الخارجية الأميركية، وإليك روس مستشار شؤون التقنيات في الخارجية الأميركية، وإريك شميدت المدير التنفيذي لشركة غوغل العالمية Google للتأكد من هذا المنحى[1].

ورغم خطورة عقيدة «التكنولوجيا السياسية» إلا أنها تعرضت لانتقادات شديدة في شقها المتصل بمنطقة الشرق الأوسط، قادها الجيل الأميركي السابق من أمثال هنري كيسنجر وزير الخارجية الأميركي الأشهـر، واصفاً إياها بإستراتيجيات «القوى الإلكترونية» التي لن تتمكن من شطب القوى والمؤسسات التقليدية كالجيوش والتنظيمات والشبكات الإسلامية[2] وهو نقاش يعكس تجاذب المفاهيم والأجيال لدى الإدارة الأميركية. وهو ما يساعد على فهم نقاط ضعف الحرب الناعمة.

وتقضي عقيدة التكنولوجيا السياسية التي تعد الأداة الفعلية للحرب الناعمة، بتعديل ميادين ووظائف الحروب والمشاريع

(19)

والإستراتيجيات السياسية والعلاقات الدولية، والانتقال من الميدان العسكري إلى الميدان الناعم، وبدلاً من الضغط من أعلى، أي الضغط على الحكومات والأنظمة والجيوش، يتم الضغط من أسفل، أي عن طريق منظمات المجتمع المدني وشبكات الناشطين، وبدلاً من الضغط عن طريق السفارات والعلاقات والتصريحات الرسمية، يجب الانتقال للتحرك في الميادين والشوارع العامة، ونقل الملفات من النقاشات الثنائية بين الإدارة الأميركة والحكومات، إلى مستوى النقاشات والحوارات الفضائية، وعبر شبكات الإنترنت ومواقع يوتيوب youtube / ومواقع التواصل الاجتماعي مثل تويتر وفيسبوك وبدلاً من استراتيجية نشر الكتب أيام الحرب الباردة، تم إعداد برامج وأدوات (رسائل SMS / whatsapp) لنشر الثقافة الأميركية من خلال الهواتف الذكية، وبدلاً من هدر الجهود وقضاء الأوقات المرهقة في بناء التحالفات والعلاقات مع الأحزاب التقليدية واستقطاب النخب الثقافية والسياسية، تم استقطاب وتدريب آلاف الناشطين وفق أحدث البرامج والتقنيات التي تنتجها التكنولوجيا السياسية الأميركية. وتم إنشاء آلاف المنظمات الشبابية، وتمويل وتوجيه آلاف منظمات المجتمع المدني وناشطي شبكات الإنترنت في شتى أصقاع العالم.

وبناء عليه، بدلاً من السيطرة عبر الحروب العسكرية المكلفة والعمل الدبلوماسي والسياسي الطويل الأجل، تم اعتماد الدبلوماسية الشعبية والرقمية، واصبحت التحركات تدار عن بعد عبر ناشطين من أبناء جلدة الشعب المستهدف، بعد إعداد دليل

(20)

للتكتيكات وطرق تنظيم الاحتجاجات الميدانية ورفع الشعارات الإصلاحية والمطلبية وتعبئة الحشود وارباك السلطات عبارة عن 198 تكتيكاً[1]. بما يكفل إحتلال الميادين العامة وإثارة الغبار الاعلامي وتبديل جدول الأعمال السياسي تمهيداً للوصول إلى قلب وتحويل الأوضاع السياسية في أقصر فترة زمنية ممكنة.

وما شاهدناه مع نماذج الثورات الملونة والمخملية والناعمة في شوارع صربيا وأوكرانيا وفنزويلا وطهران وتونس ومصر وطرابلس الغرب ودمشق وصولاً إلى روسيا والصين يؤكد هذه العقيدة، مع الإشارة إلى أن أسماء هذه الدول والأنظمة وردت حرفياً ضمن لائحة الدول المعرضة للتغيير السياسي وفق استراتيجيات الأمن القومي الأميركي، حسب وثائق رسمية صارة عن دوائر البنتاغون ووزارة الخارجية وبعض المراكز البحثية النافذة، ومنذ عقد من الزمن على الأقل.

وبناء عليه، تقضي المعادلة الجديدة بأن .«تغيـر الأدوات التكنولوجية يؤدي الى تغير ميادين التغيير، ويؤدي الى تغيير في كتلة الفاعلين واللاعبين والناشطين»

وهكذا انتقلت اللعبة الأميركية من التعويل على كتلة الفاعلين واللاعبين الحكوميين ـ الدول والجيوش والمؤسسات والأحزاب السياسية التقليدية ـ إلى كتلة الفاعلين غير الحكوميين، كالشبكات القومية والدينية، ومنظمات المجتمع المدني، والقادة الناشطين.

(21)

ومن يقرأ تقارير مجمع الاستخبارات القومي الأميركي يضم 17 جهاز أمنياً التي تصدر كل 4 سنوات، وهي تعكس تماماً العقل الأمني والسياسي الأميركي، يعثر على 3 كلمات مفتاحية هي اللاعبين غير الحكوميين/ الشبكات / الناشطين. 

وما سبق يسمى في الإستراتيجيات الأميركية بمبدأ جذور العشب Grass Roots، ويمكن شرحه اختصاراً بأنه يقوم على البناء التدريجي للحركات الشعبية المسماة ديموقراطية، من خلال تقديم الدعم والتدريب للناشطين والقادة الميدانيين فيها، وصناعة نجوميتهم من خلال وسائل الإعلام، وتمكينهم من خطف القضايا المطلبية والسياسية والاجتماعية للضغط على الحكومات والأنظمة المستهدفة تحت عناوين حقوق الإنسان والديموقراطية، من خلال برنامج ودليل جاهز يبدأ بتسمية الحركة والمنظمة بما يتلاءم والمناخ السياسي في كل دولة حركة اوتبور - وتعني المقاومة الشعبية - في بلغراد بدولة صربيا / حركة كفاية المصرية / حركة 6 ابريل المصرية / حركة كفا الأوكرانية التي تزعمت الثورة البرتقالية / حركة كمارا التي تزعمت الثورة في جورجيا / الحركة الخضراء في إيران عام 2009 / الخ ). ومن ثم البدء بتنظيم الأنشطة والاحتجاجات الصغيرة، وتعبئة الجماهير تحت شعارات مطلبية وسياسية، ورفع الشعارات والرايات والأعلام وتكتيكات التحرك الميداني.

ولاحقاً يتم اختراق صفوف الناشطين عبر عمليات سرية وطرق ذكية، من خلال استقطاب هذه الحركات والمنظمات ودعوتها الى مؤتمرات دولية لدعم الناشطين، وتأمين انتسابها إلى عضوية

(22)

الاتحاد الدولي للمنظمات الشبابية التي يديرها جارد كوهين وجيمس غلاسمان، وهما من الضباط المحركين في الخارجية الأميركية[1] أو من خلال منظمة فريدوم هاوس «بيت الحرية» التي تمول عشرات المنظمات والشبكات العربية والعالمية، ويديرها رسمياً «جيمس ولسي» المدير السابق لوكالة[2] (CIA) أو عبر منظمة الليبرالية الدولية التي تديرها الخارجية الأميركية، أو من خلال منظمة فريدريش ايبرت الألمانية، التي تديرها الاستخبارات الألمانية.

السيطرة على النخبة واحتلال طوبغرافيا المجال العام وظيفة الحرب الناعمة

عملية السيطرة على النخبة والنفوذ لأجل النفوذ إلى العملية السياسية له معادلاته وقواعد، حيث إن النخبة في أي مجتمع لا تزيد عن 1 % وفق أقصى التقديرات، وضمن هذه النسبة الضئيلة أيضاً يوجد نخبة النخبة نسبة 1 % من أصل 1%)، فيما تلتحق الغالبية الساحقة من مجموع الرأي العام مع اتجاهات نخبة النخبة، ويكفي التلاعب الناجح بجزء من نخبة النخبة لدفع المجموع نحو اتجاهات وسيناريوهات محددة، تمكن الإدارة الأميركية من تحريك اللعبة السياسية في أي بلد، في ظل مشاريع سياسية جاهزة

(23)

وخرائط فعالة للتغيير السياسي، ما يؤدي الى سقوط النخبة بحالة من المفاجأة والذهول، وهو ما حدث مع ذهول يانكوفيتش الرئيس الأوكراني الموالي لروسيا في تحرك عام 2014، وتفكك حاشيته السياسية، وهربه من البلاد، وسقوط نظامه بأيدي الغرب، كما حدث مع تجربة الثورة البرتقالية عام 2004 .

وهو ما حدث سابقاً في حالة الإتحاد السوفياتي عام 1989 حيث سببت غفلة النخبة السوفياتية عن المخطط الأميركي والغربي، الذي تمكن من السيطرة على 1 % فقط من النخبة السوفياتية، مترافقاً مع الإسناد الإعلامي والألاعيب والمناورات السياسية وعناصر الخدعة والمفاجأة والذهول من سقوط أكبر كتلة دولية كانت تمتلك أهم جهاز استخبارات في القرن العشرين، وفق تعبير الإمام الخامنئي دام ظله[1].

وحدث ما يشابهه في ايران عام 2009 عندما تمكنت اميركا وحلفاؤها من التلاعب ببعض النخبة الإيرانية ـ أي أقل من 1 % من النخبة ـ واستطاعت دفع النظام الايراني إلى منزلقات خطيرة، لولا يقظة وحكمة قائد الثورة الإسلامية الامام الخامنئي أعزه الله.

ولعل أحداث أوكرانيا عام 2014 وسقوط النظام في غضون بضعة أشهر إلا دليلاً واضحاً على نمط عمليات الحرب الناعمة، فالثورة البرتقالية الأوكرانية، وما جرى في ميادين مدينة كييف، تم التمهيد له قبل عشر سنوات وفق ما نشرته صحيفة «ترود» الروسية

(24)

بوثيقة تحت عنوان «ظل برجينسكي»[1] ومفاده ان الولايات المتحدة وألمانيا ودولاً غربية أخرى زرعت في أوكرانيا 399 منظمة دولية و421 منظمة خيرية و179 منظمة غير حكومية لدعم الثورة البرتقالية في أوكرانيا حليفة الغرب، وبينت الوثيقة ان ميزانيات هذه المنظمات تتراوح بين 300 ألف و500 ألف دولار في الأسبوع الواحد. وكان الهدف من وراء ذلك العمل على إضعاف المجال الاقتصادي الحيوي بين روسيا وأوكرانيا، لأن الوحدة الاقتصادية بين هاتين الدولتين تهدد بالضرروة المشروع الرأسمالي الغربي بخطر يشبه خطر مشروع الإتحاد السوفياتي سابقاً. وعملت هذه المنظمات غير الحكومية كذلك على ترويج مجموعة من المفاهيم والمصطلحات «المشاركة» و«التمكين» و«التنمية السياسية» وكذلك «لمجتمع المدني» وسيطرة من خلالها على المجال الفكري والثقافي والسياسي والميداني أي السيطرة على طوبغرافيا المجال العام وقيادة النخبة في أوكرانيا.

ومن هنا، عندما تحين فرصة الحرب الناعمة المناسبة وتتشكل البيئة السياسية الملائمة ويبدأ التحول التدريجي للنخب ولاتجاهات الرأي العام تبدأ عشرات الجهات المجهزة بالتدخل لإسناد العملية ويبدأ الفرز بين إصلاحي ومحافظ مع ولاية الفقيه وضد ولاية الفقيه في إيران و مع المقاومة وضد المقاومة ومع ثقافة الحياة وثقافة الموت في لبنان و مع الديكتاتور وضد

(25)

الديكتاتور في سوريا و مع ديكتاتورية ورجعية روسيا أو مع انفتاح الغرب في أوكرانيا و «سيطرة الطبقات المسحوقة أو مع التحالف مع أميركا في فنزويلا» وتبدأ أفلام الفيديو التي يرسلها الناشطون الى الفضائيات بالظهور لتأجيج وتسخين الأجواء، وتبدأ الدول والمنظمات الدولية بإدانة القمع والاستبداد...وحينها يبدو المشهد منسقاً وكأننا أمام غرفة أركان تدير عمليات على الجبهة، وليس أمام تحركات وديناميات عفوية.

ومن هنا، إذا كان الطرف المستهدف نظام دولة أو حزب أو منظمة في حالة غفلة وإسترخاء وعدم إدراك ورصد كلي للمشهد والصورة، يتولد جراء موجات القوة الناعمة عناصر المفاجأة والذهول والارتباك، ويبدأ الطرف المستهدف بإصدار ردات فعل عشوائية غير مدروسة، كأن يتأخر في تحليل المشهد، أو يأمر باطلاق النار على المتظاهرين المضللين حيث لا يجب ولا يجوز، أو أن يأمر باعتقال قائد من قادة النخبة المضللة حيث لم تحن اللحظة الملائمة بعد، فيبدأ الخلل بالتسلل الى الجبهة، وتزداد حظوظ وفرص نجاح الحرب الناعمة. حينها يتسلل إلى الساحة العملاء المدربون بالاستناد إلى التصرفات غير المدروسة التي يؤديها بعض الغافلين في النظام أو الحزب المستهدف، خصوصاً ان الجهات المعادية تعرف طريقة تصرف وسلوك الجهات المستهدفة، وانماط ردود افعالها في حالات مماثلة، نتيجة دراسات وأبحاث سابقة، وفي ضوئها يجري احتلال المشهد السياسي وتنفيذ المخططات وإجراء التحولات

(26)

المرسومة، وهو ما اعترف به منسق عمليات المرحلة الإنتقالية ومسؤول ملف المعارضة السورية في الخارجية الأميركية فريدريد هوف حول معرفته بـ»قاموس انماط سلوك النظام السوري»[1].

من هنا تكمن أهمية إدراك ومعرفة أصول الحرب الناعمة وتطبيقاتها، فهي ليست كلمات مجردة. بل ملف تخصصي، يحتاج إلى معرفة وتدريب ورصد ومهارات في أدوات التكنولوجيا السياسية الأميركية، ولا يمكن لأي شخص مسؤول في عالم اليوم أن يواجه مخططات الأعداء وهو لم يضغط يوماً على كبسة زر كيبورد الكومبيوتر، أو لم يتصفح موقعاً على شبكة الإنترنت مثلاً.

تماماً كما قد يدرك أي إنسان عادي مفهوم «الحرب العسكرية» بمعناها الإجمالي، لكنه لا يصبح جنرالاً ولا ضابطاً ولا حتى جندياً يستطيع مواجهة هذه الحرب، بل يحتاج الأمر لسنوات من التدريب والتخصص وصقل المهارات وكسب المعارف.

وقد يتفرج أي فرد على ألف مباراة في كرة القدم، لكنه لا يصبح لاعباً محترفاً.

وهو ما ينطبق على الحرب الناعمة، فقد ندرك ونتصور معناها الإجمالي، لكننا لن نصبح جنوداً أو ضباطاً، إلا بعد الإلمام بمجموعة من المعارف والتدريبات واتقان مجموعة من المهارات

(27)

من خلال ورش وندوات ودورات تدريبية للتعرف على أدوات وأسلحة وتطبيقات الحرب الناعمة والخطط والإستراتجيات والتكتيكات المرسومة، ورصد الأهداف المعادية، وتقصي نقاط الضعف في جبهة العدو، وسد الثغرات في جبهتنا.

 

(28)

 

 

 

 

 

 

الباب الأول

الأصول النظرية

 للحرب الناعمة

 

(29)

 

 

 

 

أولاً: مفهوم القوة الناعمة تعريفها وأركانها

ثانياً : مؤشرات قياس القوة الناعمة؟

ثالثاً: ما الفرق بين القوة الناعمة والحرب الناعمة؟

رابعاً: سيرة صاحب نظرية القوة الناعمة تكشف أهميتها الاستراتيجية

خامساً: الدواعي الإستراتيجية لاعتماد أميركا خيار القوة الناعمة

سادساً : موارد ومصادر الحرب الناعمة

سابعاً : القوة الناعمة السالبة لإضعاف جاذبية القوة الناعمة للآخرين.

ثامناً: أشباه ونظائر الحرب الناعمة في التاريخ المعاصر.

تاسعاً : الحرب الناعمة والحرب العسكرية في غرفة العمليات المشتركة.

عاشراً: الفرق بين الحرب النفسية والحرب الناعمة والغزو الثقافي.

حادي عشر: الدبلوماسية الرقمية من أبرز أدوات الحرب الناعمة.

ثاني عشر: أركان الحرب الناعمة / خطة وقيادة وفرصة وحملة منسقة.

(30)

ثالث عشر: استراتيجيات وتكتيكات الحرب الناعمة:

رابع عشر: أبحاث النفس والدماغ تدخل ميدان الحرب الناعمة

خامس عشر: الحرب الناعمة والمدرسة الأميركية في البرمجة السلوكية.

 

أولاً: مفهوم القوة الناعمة تعريفها وأركانها:

عرف منظر «القوة الناعمة» البروفسور جوزيف ناي القوة الناعمة قائلاً «انها القدرة على الجذب لا عن طريق الإرغام والقهـر والتهديد العسكري والضغط الإقتصادي، ولا عن طريق دفع الرشاوى وتقديم الأموال لشراء التأييد والموالاة، كما كان يجري في الإستراتيجيات التقليدية الأميركية، بل عن طريق الجاذبية، وجعل الآخرين يريدون ما تريد»[1].

وتنشأ القوة الناعمة من «الجاذبية الثقافية لبلد ما، والمثل السياسية التي يحملها، والسياسات التي ينتهجها في الواقع، وعندما تبدو السياسات الأمريكية مشروعة بنظر الآخرين تتسع القوة الناعمة الأمريكية. وعندما نجعل الآخرين يعجبون بالمُثل التي نؤمن بها، ونجعلهم يريدون ما نريد فإننا لن نضطر الى الإنفاق كثيراً على موارد السياسات التقليدية - العصا والجزرة - أي على عوامل الإرغام العسكري والإغراء الاقتصادي. ومن أهم المثل الأميركية التي

(31)

لها قدرة على تحريك وجذب الآخرين نحو الديمقراطية وحقوق الانسان وإتاحة الفرص للأفراد»[1].

وأضاف «القوة الناعمة ليست شبيهة بالتأثير فقط، إذ ان التأثير قد يرتكز على القوة الصلبة للتهديدات والرشاوى المالية، وهي أكثر من مجرد الإقناع أو القدرة على الاستمالة بالحجة، ولو أن ذلك جزء منها، بل هي ايضاً القدرة على الجذب، والجذب كثيراً ما يؤدي إلى الإذعان» وهي أيضاً «القدرة على تشكيل تصورات الآخرين وترجيحاتهم وخياراتهم وجداول أعمالهم، عبر الإيحاء للآخرين مثلاً أن جدول اعمالهم السياسي بعيد عن الواقع»[2].

وعند تعريف القوة الناعمة من خلال السلوك تصبح ببساطة «القوة الجاذبة المفضية إلى السلوك المرغوب والمطلوب».

وفي مقابلة مع جوزيف ناي قال «القوة الناعمة تعتمد على ما يجري في ذهن وعقل المتلقي»[3].

وفي مجال آخر أكد جوزيف ناي قوله الخطير «لا يمكن لأية حملة تواصل استراتيجي مهما كبرت وتوسعت من أن تؤثر في المجال العام للآخرين وهي تروج لشعارات ومطالب وقضايا وقيم وسياسات غير مرغوب بهــا شعبياً»[4].

(32)

لكن روبرت غايتس وزير الدفاع الأميركي السابق عرّف القوة الناعمة وفق خلفيته العسكرية واصفاً لها بأنها «القدرة على تحديد وتوجيه السلوك بدلاً من فرض الإرادة»[1].

في حين عرّفها مايكل آيزنشتات الباحث المتخصص في الدراسات الأمنية والعسكرية في معهد واشنطن لدراسات الشرق الادنى[2] بأنها «استخدام الأقوال والأفعال والصور الانفعالية في إطار حملة إستراتيجية للتواصل، طويلة المدى لتشكيل الحالة النفسية لبلد معادٍ لأميركا مثل إيران». وحدّد أن نسبة الأقوال والتصريحات الإعلامية يجب أن تشكل20 % من حملة التواصل الإستراتيجي الناعمة، في حين تتشكل 80 % الباقية من برامج وأفعال وتحركات ملموسة على الارض»[3].

وعرفتها الباحثة «آنا سيمونز» أستاذة مادة التحليل الدفاعي في كلية الدراسات العليا للبحرية الأميركية NPS بأنها «الجيل والنمط الرابع من حروب المستقبل، بالنظر إلى تبدل موازين الحروب العسكرية التقليدية، وفشل نمط حرب المدن، ونمط مكافحة التمرد، وتتميز بأنها تستهدف السيطرة على الناس، من خلال الدبلوماسية

(33)

العامة والاتصالات الإستراتيجية وعمليات المعلومات والتلاعب بالمفاهيم والمشاعر، بعيداً عن احتلال وتدمير المدن ومهاجمة المواقع والقواعد العسكرية واستخدام سلاح الجـو، وغيرها من الأسلحة[1].

وبناء على مجمل التعريفات، تتشكل القوة الناعمة من خمسة أركان وقدرات هي:

1ـ القدرة على تشكيل تصورات ومفاهيم الآخرين وتلوين ثقافتهم وتوجيه سلوكياتهم.

2ـ القدرة على تشكيل جدول الأعمال السياسي للآخرين سواء الأعداء أو المنافسين.

3ـ القدرة في جاذبية النموذج والقيم والسياسات وصدقيتها وشرعيتها بنظر الآخرين.

4ـ القدرة على فرض إستراتيجيات الاتصال على الآخرين «من يتصل أولاً وكيف».

5ـ القدرة على تعميم رواية وسرد الوقائع «الفائز اليوم من تفوز روايته للأحداث».

(34)

ثانياً: مؤشرات قياس القوة الناعمة؟

طرح أكثر المتابعين سؤالاً عن قابلية القوة الناعمة للتطبيق، كما طرحها صاحب نظرية القوة الناعمة نفسه، وقال إن قادة كبار يطرحون عليه هذا السؤال رغم أنهم في مواقع قيادية عليا..! وأجاب بأن تطبيق القوة الناعمة يحتاج لتوفر شروط، لأن «تحويل الموارد الناعمة إلى واقع متحقق ومنتج للقوة يحتاج إلى خطط استراتيجية جيّدة التصميم وقيادة بارعة، واستغلال للفرص المناسبة والملائمة»[1].

وتكون القوة الناعمة في حالة تشغيلية عندما يمتثل الآخرون طواعية للرغبات والطلبات والقيم والسياسات الأميركية من خلال جاذبيتها، ولو مع ملاحظتهم لمظاهر هذه القوة، دون أن يلمسوا وطأة هذه الجاذبية عياناً. فالمغناطيس يحدث حوله حقل جاذبية، دون مشاهدة قوة هذه الجاذبية. أما بالنسبة للموارد فانها الموجودات التي تنتج مثل هذه الجاذبية.

ويمكن معرفة مدى الجاذبية من خلال الاثار والانعكاسات التي تنتجها، كما يمكن قياسها عبـر استطلاعات الرأي، وغيرها من المؤشرات والأبحاث المركزة.

وفي الحقل السياسي تقاس القوة الناعمة من خلال دراسة وقياس التفاعلات السياسية التي تحرزها. ويضيف أن «مشكلة

(35)

الفجوة بين تقييم قوة الموارد ونتائجها السلوكية تطرح أيضا في مجال القوة العسكرية، فلا يمكن التنبؤ بنتائج القوة العسكرية لدولة ما بصورة مسبقة في حال وقعت معركة عسكرية مسلحة، حتى لو كان لدينا إحصاء دقيق لعدد الدبابات والطائرات والصواريخ والقطع، وتشكيلات المشاة والبحرية وسلاح الجو وما شاكل. وكمثال على تحقق القوة الناعمة من دولة لا تمتلك أي إمكانيات عسكرية أو اقتصادية هو دولة الفاتيكان التي تمتلك تأثيراً قوياً جداً في العوالم الكاثوليكية والمسيحية والدولية[1]، وفي استعارة عربية للمثل، قال رئيس الحكومة المصرية السابق حازم الببلاوي بأن «مؤسسة الأزهر الشريف من أهم مصادر القوة الناعمة المصرية».

واليوم أصبح هناك مؤشرات وتصنيفات لدرجات القوة الناعمة للدول والحكومات، فوفق تصنيف أجرته مجلة «مونوكل» الدولية حلت ألمانيا في مرتبة أكبر «قوة ناعمة» في العالم متبوّئة بمركز الصدارة على حساب بريطانيا والولايات المتحدة بإنجازاتها الثقافية والرياضية، ومتانة اقتصادها، وذكاء دبلوماسيتها[2].

ويشمل التصنيف السنوي للقوة الناعمة الذي تجريه مجلة مونوكل 30 بلدًا تنال أكبر قدراً من إعجاب الدول والشعوب الأخرى، من خلال الثقافة والرياضة والمطبخ الوطني والتصاميم

(36)

والدبلوماسية والابتكارات التقنية، والمؤشرات العلمية والتعليمية، والأداء الحكومي، وما شاكل.  

وقالت مجلة مونوكل إن المستشارة الألمانية انغيلا ميركل «قد تُصوَّر على أنها استاذة صارمة في انجاز المهمات ولكن يبدو أن لها جانبًا ناعمًا، أو أن للبلد الذي تقوده، مثل هذا الجانب الناعم».  

وأضافت المجلة أن صعود ألمانيا بوصفها أكبر قوة ناعمة في العالم ليس مستغربًا، فهي كانت تقليديًا حاذقة في السعي إلى تحقيق افكارها وقيمها واهدافها باستخدام أدوات دبلوماسية وثقافية واقتصادية. وهي «بأدائها الأشياء البسيطة أداء حسناً دون ضجيج تصبح قوة دولية، والباقون منا يشعرون بالارتياح إلى ذلك».  

وجاءت بريطانيا بالمركز الثاني بين القوى الناعمة في حين احتلت الولايات المتحدة المركز الثالث في المسح الدولي الذي جرى على أساسه تصنيف القوى الناعمة لعام 2013. 
 

ثالثاً: ما الفرق بين القوة الناعمة والحرب الناعمة؟

إلى اليوم لم تعترف الإدارة الأميركية بشن الحروب ناعمة، وقد حاول كتّاب أميركيون في بعض المجلات الأميركية المتخصصة بالقضايا الدولية مثل مجلة فورين بوليسي وغيرها طرح إشكالية على نظرية ومصطلح الحرب الناعمة، فقالوا «ان النظام الإيراني سوق لمصطلح الحرب الناعمة بمهارة وذكاء لأجل الاستفادة منها

(37)

في الدعاية المضادة ورصف الصفوف الداخلية، ولاختراع حرب وهمية تبرر الإجراءات القمعية والبوليسية للمعارضة الإيرانية»[1].

وهذا ما يتطلب إدراج فقرة خاصة لتوضيح مبهمات تلك الإشكالية والإجابة عليها.

نقول أولاً أن مفردة الحرب وفق التعريف الكلاسيكي للموسوعات العسكرية هي «فن استخدام موارد القوة العسكرية في نزاع مسلح بين دولتين أو أكثر من الكيانات غيـر المنسجمة، الهدف منها إعادة تنظيم الجغرافيا السياسية للحصول على نتائج وغايات»[2] أو هي «شكل من أشكال العلاقات الدولية يستخدم فيها العنف المسلح أو هي «فن تحقيق مطالب جماعية باستخدام القوات المسلحة»[3].

وأضاف إليها كارل فون كلاوزفيتز أحد أهم المنظرين العسكريين المعاصرين رؤيته العميقة عندما قال «الحرب نزاع مسلح بين المصالح الكبرى تسيل فيها الدماء، وبهذا تختلف عن النزاعات الأخرى، وهي أداة لحماية مصالح الدول وتوسيع دائرة نفوذها، وهي عمل عنيف يقصد منها اجبار الخصوم على الخضوع لإرادة الدولة او الدول التي تشن الحرب، وهي عمليات مستمرة

(38)

من العلاقات السياسية، وامتداد للسياسة، لكنها تقوم على وسائل مختلفة، فلكل عصر نوعه الخاص من الحروب، وظروفه الخاصة، وتحيزاته المميزة»[1].

وجاء في كتاب «فن الحرب» للقائد العسكري الصيني الشهير سون تزوه Sun Tzu وهو أحد أبرز المراجع المعتمدة في المعاهد العسكرية العالمية أن «أولى مبادئ الحرب أعمال تؤدي إلى خداع وتضليل ومفاجأة وحيرة العـدو»[2].

وبالرجوع الى مصدر النظرية من خلال كتاب «القوة الناعمة Soft Power» نجد أن صاحبها جوزيف ناي تجنب عمداً استخدام كلمة «حرب war» وأكثر من استخدم كلمة قوة Power، وهو نوع من الخداع والتضليل، قصد منه ترويج وتسويق نظريته كفكرة دبلوماسية في العلاقات الدولية.

حيث إن التدقيق في عشرات النصوص في سياق أبحاثه ومقالاته تظهر أنه قرنها دائماً بالقوة الصلبة العسكرية، فتحدث في فصل خاص عن المزج بين القوة الصلبة العسكرية والاقتصادية والقوة الناعمة، وأن المزج سيعطي «القوة الذكية». وهو ما يؤكد أنه قصد بالدلالة التضمنية والالتزامية ووفق قواعد المنطق ممارستها بالتزامن والتنسيق مع الحروب الصلبة العسكرية والاقتصادية، وليس كنظرية منفصلة.

(39)

وفي ضوئها، دعا ناي في أكثر من مناسبة بأن تعمل القوة الناعمة بانسجام وتوافق تام مع القوة الصلبة العسكرية قائلاً «ينبغي ان تعمل القوة الناعمة بتمازج وتداخل تام مع القوة الصلبة، فالحاجة ماسة إلى سيف القوة الصلبة لأجل تحقيق السيطرة والسطوة العسكرية، في حين تعمل القوة الناعمة على الاستمالة والجذب والإقناع، وتلك هي القوة الذكية Smart power بالمزج بين القوتين[1].

وأضاف ناي «بصفتي نائب سابق لوزير الدفاع الأميركي لا يمكن لأحد أن يشك في مدى معرفتي وإقتناعي بأهمية القوة العسكرية الصلبة، ولكننا لن ننجح بالسيف وحده. ولقد نجحنا بمواجهة الإتحاد السوفياتي ليس بالقوة العسكرية والردع العسكري فحسب، وليس من خلال عمليات الحرب الباردة، بل بسبب القوة الناعمة التي قدر لها أن تساعد في تحويل الكتلة السوفياتية من الداخل، ولو استغرق ذلك عشرات السنين.

فالعبرة الأهم هي الصبر والنفس الطويل والمزج والتوازن بين القوتين الصلبة والناعمة وتلك هي القوة الذكية»[2].

وعندما ينتقد جوزيف ناي الإدارة الأميركية لاستخدامها المفرط للقوة العسكرية، والقول إنها أضرت بقوتها الناعمة على المدى البعيد، يعني أن القوة الناعمة يجب أن تكون رديفا لاستخدام آلات

(40)

وأدوات الحرب العسكرية، لكنها تعمل في نفس الحقل والميدان، لتحقيق نفس الأهداف.

وكما أشرنا في المدخل فإن مصطلح «الحرب الناعمة» وليس فقط القوة الناعمة أصبح يدرس في الكليات العسكرية الأميركية كنوع وشكل من حروب المستقبل للقرن[1].

ويكفي أن نشير إلى أن من وضع وروّج فكرة القوة الناعمة هم قيادات وكوادر عملوا في وزراة الدفاع الأميركية كنواب ومساعدين لوزراء الدفاع، أو كباحثين في مراكز الدراسات والأبحاث المرتبطة بدوائر القرار الأميركي، وبالتالي فهؤلاء من متخرجي المؤسسات العسكرية والأمنية والبحثية المرتبطة بالإدارة الأميركية، وليسوا من متخرجي كليات الفنون الجميلة أو كليات العلوم الإنسانية والاجتماعية.

وبناء عليه، يعد الاستخدام المركز والمخطط لموارد القوة الناعمة بصورة من قبل دولة معادية ـ خاصة الإدارة الاميركية ـ أنها تشن حرباً ناعمة، وليس له تفسير آخر.

(41)

رابعاً: سيرة صاحب نظرية القوة الناعمة تكشف أهميتها الاستراتيجية.

تسلط السير الذاتية لأصحاب النظريات، وكذلك المواقع والمناصب التي شغلوها ضوءاً على التقييمات الفعلية لأية مقولة أو نظرية وتعكس أهميتها الإستراتيجية.

البروفيسور جوزيف ناي Joseph Nye مواليد 1937 وقد بدأ التنظير لمقولته القوة الناعمة سنة 1990 أي لحظة سقوط الإتحاد السوفياتي، ولهذه الإشارة أهمية في بيان جوهر النظرية وسياقها التاريخي.

وشغل في السبعينات 1977 – 1979 منصب رئيس فريق الأمن القومي لنزع السلاح النووي، ومساعد نائب وزير الخارجية لقضايا الأمن والعلوم والتكنولوجيا.

واعتلى بين عامي 1993 – 1994 رتبة أعلى منصب في الاستخبارات كمدير لمجلس المخابرات القومية الأميركية NIC (مجمع يضم 17 جهازاً استخباراتياً).

وعين بمنصب نائب وزير الدفاع الأميركي للشؤون الأمنية والدولية في عهد الرئيس بيل كلينتون (1996 - 1998).

تفرغ بعد أحداث 11 ايلول 2001 ونجاح الحزب الجمهوري بالسيطرة على السلطة للعمل الأكاديمي، فاستلم منصب عميد كلية الدراسات الحكومية في جامعة هارفرد، وهي إحدى أعرق

(42)

الجامعات الأميركية، وحاز مؤخراً على كرسي الزمالة الأميركية، وهو أرفع جائزة تعطى لمن يقدم أطروحات ومنجزات تخدم الدولة الأميركية. وهو الآن يعمل بصفة رسمية كمستشار في مؤسسات الإدارة الأميركية في عهد الرئيس الحالي باراك أوباما. وقد أصدر لغرض شرح نظريته مجموعة من الكتب أهمها:

ملزمون بالقيـــادة (Bond TO Lead 1990)، مفارقة القوة الاميركية (The Paradox of American power 2002) القوة الناعمــــة وسيلة النجاح في السياسة الدولية( Soft Power 2004) مستقبل القوة في القرن الحادي والعشرين (The future of power 2011).

وقد وظف جوزيف ناي ثنائية الصلب / الناعم المستعملة في تقسيم أجهزة وقطع الكومبيوتر الذي يتألف من أدوات ناعمة software وأدوات صلبة hardware لتسويق فكرته ومشروعه.

ويقوم مشروعه على تحويل المعركة من الميدان العسكري الصلب حيث التكلفة الاقتصادية والبشرية والإعلامية والأخلاقية والسياسية الباهظة من رصيد الولايات المتحدة الأميركية، إلى الميدان الناعم وأدواته التكنولوجية والإتصالية والثقافية والإعلامية والسياسية، حيث التفوق لأميركا وحلفائها.

ورغم إيمانه بتفوق أميركا في القدرات والمعدات والوسائل العسكرية، لكنه كان دائماً واثقاً أيضاً من تراجع أهمية القوة العسكرية ومكانتها ووظيفتها الدولية، خاصة في المعارك الطويلة

(43)

التي لا تحسم بسرعة، مقابل إيمانه بصعود القوة الناعمة ومفاعيلها ونواتجها التدريجية الأقل كلفة على الصعد البشرية والمالية والسياسية.

ويرى أن أعداء الولايات المتحدة الأميركية - ورغم أن البعض منهم منظمات بدائية في مؤشرات وحسابات القوة العسكرية والتكنولوجيا كحركة طالبان والقاعدة أثبتوا أنهم يمتلكون قدرات كبيرة على تبديد أوهام وحدود القوة الأميركية عبر ميزان التفوق في عقائد القتال والمعارك الطويلة والصمود والصبر الذي تفتقر إليه الولايات المتحدة الأميركية.

وكان شديد الانتقاد لما سمي في عرف معاهد الأبحاث الأميركية مقولة «عسكرة السياسات الأميركية» لأنه كان على يقين من أنها ستقود أميركا إلى الفشل والإخفاق، فهو ينتمي إلى الحزب الديموقراطي وتيار الليبرالية الأميركية الواقعية الجديدة ويعارض تيار المحافظين الجدد وسياسات الحزب الجمهوري العسكرية التي قادها جورج بوش 2000 - 2008.

(44)

خامساً: الدواعي الإستراتيجية لاعتماد أميركا خيار القوة الناعمة

يشير الادب الخاص بتغيير الدول لإستراتيجياتها الخارجية إلى أن هناك أربعة أنماط وفقًا للمفكر تشارلز هيرمان[1] (Charles Hermann):

أولا: ما يمكن وصفه بالتغير «التكيّفي»، ويقصد به التغيّر في مستوى الاهتمام الموجه إلى قضية ما مع بقاء أهداف السياسة وأدواتها تجاه التعاطي مع تلك القضية كما هي من دون المساس بها أو تغييرها.

وثانياً: وهو ما يطلق عليه التغيّر «البرنامجي»، والذي ينصرف إلى تغيير أدوات السياسة ووسائلها من دون أي تغيير فيما يتعلق بالأهداف والغايات المقصودة من ورائها.

وثالثاً: ما يسمى بالتغير «الهدفي»، وفي هذا النمط تتغير أهداف السياسة ذاتها ومن ثم تتغير أدواتها ووسائلها بالتبعية.

ورابعاً: التغير «التوجهي»، وهو أكثر الأنماط الأربعة جذريةً إذ ينصرف إلى تغيّر يمس التوجه العام للسياسة الخارجية للدولة بما في ذلك تغيّر الاستراتيجيات وما يتبعها من أهداف وغايات ووسائل وأدوات. ولا يمكن فهم أي تغيير في الإستراتيجية بمعزل عن البيئة التي تطبق فيها.

(45)

ويمكن القول بأن سلسلة الهزائم العسكرية الأميركية والأطلسية في حربي أفغانستان والعراق وفي لبنان وغزة وبمواجهة إيران ومحور المقاومة، والصعود الآسيوي الصيني الروسي ودول البريكس والأزمة المالية الاميركية والغربية التي اندلعت عام 2008 من العوامل التي دعت إلى إعادة صياغة السياسة الخارجية الأمريكية وساهمت في انتخاب باراك أوباما رئيساً للولايات المتحدة نهاية عام 2008 وهزيمة مرشح الحزب الجمهوري جورج بوش الابن.

وبحضور كبار قادة المؤسسة العسكرية الأميركية وعلى رأسهم وزير الدفاع السابق ليون بانيتا، Leon Panetta، ورئيس هيئة أركان القوات المشتركة وقادة الأسلحة المختلفة، ومن على منصة مؤتمر صحفي عقده في مقر وزارة الدفاع، أماط الرئيس الأمريكي اوباما اللثام عن أهم ملامح المراجعة الإستراتيجية، أو ما أصطلح على تسميته بـ «الإستراتيجية الدفاعية الأمريكية الجديدة وتعزيز استدامة قيادة الولايات المتحدة للعالم - أولويات دفاع القرن الواحد والعشرين»:

Sustaining U.S. Global Leadership: Priorities for st Century Defense

وتتكون الوثيقة من 128 صفحة، وقد استغرق وقت صياغتها عاماً كاملا، وشارك في إعدادها 700 شخصية من وزارة الدفاع ومنظومات التسليح ومراكز الدراسات المعنية وخبراء عسكريين بهذا الشأن.

(46)

وما يثير الانتباه حقا أن هذه الاستراتيجية قد صدرت بعد مرور حوالي عام ونصف تقريبا على صعود هذه الإدارة (ادارة اوباما). وهذا يعني أن إدارة أوباما الديمقراطية، قد ظلت طوال العام والنصف تقريباً بلا استراتيجية أمن قومي، وهو ما دفع العديد من المراقبين إلى اعتماد وجهة نظر افترضت أن إدارة أوباما تبنت استراتيجيات حقبة بوش.

ويمكن القول إن السطور الأولى في هذه الاستراتيجية تلخص أزمة العقل السياسي الأميركي المعاصر، الذي مازال أكثر تمسكاً بمشروع السيطرة على العالم، وهي السيطرة التي أطلق عليها الحزب الجمهوري تسمية «الهيمنة الأميركية على العالم» وأطلق عليها الحزب الديمقراطي تسمية «قيادة أميركا للعالم»، ورغم الفرق الشكلي فإن المضمون هو نفسه بين القيادة والهيمنة.

ومن جديد تلك الإستراتيجيات اعتماد الحروب الذكية في المجال العسكري ودبلوماسية القوة الذكية في السياسة الخارجية.

الحرب الذكية عرّفها ليون بانيتا وزير الدفاع الأميركي السابق بأنها «الجمع بين القصف المنظّم والدقيق التصويب، والقوة الجوية والبحرية الضاربة، والتفوّق الإلكتروني والمعلوماتي». وهي تحوّل جوهري من عقيدة الحرب على جبهتين أو بمسرحي عمليات إلى عقيدة القيادة من الخلف، Leading From Behind، أو الحرب الخاطفة ذات العمليات الجوية والبحرية المحدودة، بفرق خاصة خفيفة، وتوظيف لمنظومة مُعقّدة

(47)

ومتكاملة لأحدث تقنيات التشويش والتجسس والاختراق والتنصت، وتكنولوجيا المعلوماتية والحرب التكنولوجية واستخدام الطائرات دون طيار Drones.

أما دبلوماسية القوة الذكية فقد عرفتها وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون في جلسة استماع في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ بتاريخ 13 كانون الثاني 2009 بما حرفيته «أنا أعتقد أن الزعامة الأميركية كانت ضعيفة وغائبة، لكنها الآن ما زالت مرغوبة. فعلينا أن نستخدم القوة الذكية، أي مجمل الأدوات المتاحة في تصرفنا - من دبلوماسية واقتصادية وعسكرية وقانونية وثقافية - ونختار الأداة الملائمة، أو مجموعة الأدوات، لكل حالة. وسنقود بالدبلوماسية، لأنها هي الأسلوب الذكي. لكننا نعلم أيضا أن القوة العسكرية ستكون ضرورية في بعض الأحيان وسنعتمد عليها لحماية شعبنا ومصالحنا حينما وأينما تطلب الأمر إليها كملاذ أخير، وندرك أنه في الوقت الذي تستمر فيه ديمقراطيتنا في إلهام الناس حول العالم، أن تأثيرها يكون عظيما عندما نفي نحن ونلتزم بتعاليمها»[1].

ان سياق القوة ـ عامل الارتباط بين القوة وتأثيرها في لحظة ما ـ قد تغيـر بفعل عوامل لها صلة بالعولمة وانتشار وسائل الإعلام والإتصال والمعلومات، ويقظة المشاعر القومية والإقليمية، ولعدم ردعية السلاح النووي، وضعف شهوة الغزو والاستعمار العسكري لدى الدول الكبرى، وتغيير وتبدل أشكال القوة، لأن معادلات القوة لا تعمل إلا في السياق والإطار الذي توجد فيه علاقات

(48)

وموازين القوى، فالدبابات مثلاً لا تعطينا النتائج المرغوبة في حرب المستنقعات ولا تصلح لحروب الغابات، ومدفعية الميدان لا تنتج مفاعيلها في مجال الدفاع الجوي.

والحرب الإلكترونية السيبيرية لا تواجه بالسفن البحرية، فلكل حرب اسلحتها الفعالة وتوجهها أسلحة مضادة لها تناسب سياقها، واليوم تبدل سياق القوة مرجحاً موارد القوة الناعمة»[1] وأضاف «لقد أضحى من الصعب، في العالم المعاصر، استخدام العصا، إذ القوة العسكرية أصبحت ـ على الرغم من ضرورتها كسياسة ردع وإكراه - صعبة جداً، وأصبحت الحرب أمراً مكلفاً من الناحية المادية...ومثار مزايدة ومناهضة من هنا أو هناك. ومن الواضح لدي ان معظم مفاصل التاريخ مصوغة على أساس وزن كل دولة في العلاقات الدولية، مقاسا بالقوة العسكرية التي تحتكم إليها، أي بالجيوش المدربة والمنظمة، والأسلحة المتفوقة، وجلد الجنود والمقاتلين ومهاراتهم، إلا أن هذا المعيار ـ العسكري ـ لم يعد حاسماً أو فريداً في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، بل لربما أصبح عبئاً اقتصادياً، ومصدر نزيف بشري ومادي، قد يؤدي للضعف والتراجع، وربما للانهيار».

ويستند جوزيف ناي لنجاح تجربة القوة الناعمة مع الاتحاد السوفياتي، فـ «الجماهير السوفياتية كانت تشاهد الأفلام، وتتمثل خلفياتها السياسية، وعبرها استطاعت ذات الجماهير، معرفة أن الناس بالغرب لا تقف في طوابير لاقتناء الطعام، وتقيم في مساكن مستقلة، ولديها سياراتها الخاصة».

(49)

ومن ناحية أخرى «القوة الناعمة هي الأقل كلفة والأكثر فعالية اليوم لتوفير القدرة على التأثير في سلوك الآخرين والحصول على النتائج والأهداف المتوخاة دون الاضطرار الى الاستعمال المفرط للوسائل العسكرية الصلبة، وهي الأقدر على تشكيل خيارات الآخرين وجدول أعمالهم السياسي، وكل دولار يُصرف في مجالات القوة الناعمة أفضل وأجدى بأضعاف من 100$ تصرف مجالات القوة الصلبة العسكرية أو العقوبات الإقتصادية»[1].

وتطابق تبريرات جوزيف ناي مع خطاب وزيرة خارجية أميركا السابقة هيلاري كلينتون في مجلس العلاقات الخارجية للكونغرس من أن «أميركا غير قادرة على حل مشاكل العالم وحدها، لكن العالم لا يستطيع حل مشاكله بدون أميركا» وهو ما يفرض التعاون الدولي لمعالجة مشكلات العالم بدلاً من شن الحروب، ومن هذه المشكلات التغيّر المناخي والبيئي / النفط والطاقة / الزيادة السكانية / العملات والذهب / انتشار الإرهاب / قرصنة الانترنت / انتشار الأسلحة / حقوق الملكية الفكرية والمعلوماتية / الخ.

 ولهذا ينصح جوزيف ناي من يتصدى للعمل في الإستراتيجيات والسياسات الدولية أن يعرف أن «القوة لها ثلاثة أشكال: القوة الصلبة العسكرية والقوة الاقتصادية والقوة الناعمة».

والقوة متداخلة بطبيعتها، فالقوة الصلبة لا تنفصل عن القوة الناعمة ولا عن القوة الاقتصادية، فأشكال القوة الثلاث تشكل أبعاد القوة والتفوق والهيمنة والسيطرة في السياسة الدولية.

(50)

وجدول أعمال السياسة العالمية قد أصبح اليوم مثل لعبة الشطرنج ثلاثية الأبعاد، لا يمكن الفوز بها إلا اذا لُعبت بطريقة عامودية وأفقية، ومشكلة بعض اللاعبين والزعماء أنهم لا يستطيعون اللعب إلا في اتجاه أو بعد واحد ـ أي إما إعلان وشن الحروب العسكرية أو فرض العقوبات الاقتصادية[1]».

وقد احصى بعض الباحثين فروقاً تعطي الأرجحية لخيار الحرب الناعمة على الحرب العسكرية[2] لكننا أضفنا إليها فروقاً كامنة نعرضها وفق الجدول الآتي:

الرقم

الحرب الناعمة

الحرب الصلبة العسكرية

1

لا يعلن عنها رسمياً، ويمكن التنصل منها.

يعلن عنها رسمياً، ولا يمكن انكارها.

2

لا تحتاج الى ذرائع معقدة لتسويقها في الكونغرس أو لدى الرأي العام.

لها اجراءات معقدة لتحصيل موافقة الكونغرس، وإقناع الرأي العام.

3

ميزانية الحرب الناعمة غير ضخمة وتقدر بمئات ملايين الدولارات.

ميزانية الحرب العسكرية ضخمة، تقدر بمئات مليارات الدولارات حربي العراق وافغانستان كلفت 3000 مليار $

(51)

الرقم

الحرب الناعمة

الحرب الصلبة العسكرية

4

لا تقع أي خسائر بشرية في الجانب الأميركي - لا دماء - صفـر تقريباً

الحرب العسكرية تكلف عشرات آلاف القتلى والجرحى والمعوقيين نفسياً.

5

تستخدم الادوات المدنية: التكنولوجيا + الهواتف الذكية + الإنترنت + الجامعات + المطاعم والاسواق Malls + المنظمات غيـر الحكومية + الناشطين.

تستخدم الأسلحة العسكرية: سلاح البـر والمشاة + المدفعية والمدرعات والصواريخ + البحر+ الجو + سلاح الإشارة + الاستخبارات.الخ

6

تتفرق الصفوف بمواجهتها، ويبذل القائد جهوداً لإقناع الشعب بوقوعها.

تتوحد وتلتحم جهود الشعب بمواجهة العدوان العسكري الأجنبي لو حصل.

(52)

الرقم

الحرب الناعمة

الحرب الصلبة العسكرية

7

أهدافها: احتلال المجال العام، شل الجهاز المفاهيمي، سيطرة البديل المرغوب أمريكياً على مقاليد الحكم.
استراتيجياتها: مفاجأة النخبة، بث التفرقة وشق الصفوف.
تكتيكاتها: الاستطلاع السياسي والبحثي للساحة المستهدفة، تدريب وتحريك الناشطين، اختراع الشعارات، خطف المطالب، التدرج، السرية، الخداع، شق الصفوف، اثارة الغبار السياسي، اتهام الخضوم، بث الإشاعات والمعلومات الكاذبة لتدمير وتفكيك قوة الخصم بصورة ناعمة.

اهدافها: احتلال الاراضي، تدمير المواقع والمنشأت، التفاوض لوقف اطلاق النار أو للهدنة، فرض الشروط السياسية المطلوبة.
استراتيجياتها: الهجوم العسكري الكاسح، الضربات الجوبة الحاسمة، التوغل البري السريع.
تكتيكاتها: الاستطلاع الميداني، الاستخبارات العسكرية، تأمين خطوط الإمداد، الانزال خلف خطوط العدو، الالتفاف،المحاصرة بالنيران، القصف المدفعي الكثيف.

8

تعتمد المنظمات والشبكات العميلة والمعجبة بالنموذج الأميركي. أي تستخدم الآخرين.

تفرض على الإدارة الأميركية استخدام قواتها وتحريك أجهزتها العسكرية.

(53)

الرقم

الحرب الناعمة

الحرب الصلبة العسكرية

9

بعد الحرب الناعمة لا يوجد إعادة إعمار، لأنه التدمير والتفكيك استهدف المفاهيم.

بعد الحرب تبذل جهود مضنية لتمويل اعادة إعمار وبناء منشآت الدولة المستهدفة، وحل الآزمات الإنسانية والاقتصادية.

10

قد تشن الحرب الناعمة على مجموعة جبهات في وقت واحد.

يصعب شن الحرب العسكرية على أكثر من جبهتين في وقت واحد.

11

لا تتصف بالعدوانية ولا تستفز الآخر، وتتأخر المقاومة الناعمة بمواجهتها.

تتصف بالعدوانية وتستفز الآخر، وتؤدي سريعاً لنشوء المقاومة المسلحة بمواجهتها.

12

لا تسبق الحرب الناعمة اية اتصالات دبلوماسية لشرح الموقف.

تحتاج الى تحضير الأجواء لاقناع المجتمع الدولي والأمم المتحدة ولو شكلاً بالموقف.

13

فرص ونتائج الحسم السريع أفضل، حيث يسقط النظام بعملية خاطفة نموذج أوكرانيا 2014

فرص الحسم السريع أقل. وقد تؤخذ بعض الأراضي بالمباغتة لكن يصعب تدمير كيان الدولة والنظام بعملية سريعة نماذج العراق وافغانستان وفيتنام والصومال.

(54)

الرقم

الحرب الناعمة

الحرب الصلبة العسكرية

14

لا تتابع وكالات الأنباء مجرياتها اليومية إلا في حالات ولحظات السقوط اوكرانيا / جورجيا.. الخ، أو في حالات الصمود ايران / سوريا / حزب الله.

تتابع وكالات الانباء كامل عمليات التحضير والاستعداد والحروب النفسية والتوقعات والسيناريوهات ونتائج العمليات العسكرية.

15

لا تصطدم الإدارة الأميركية بالمنظمات الدولية في حالة الحرب الناعمة.

تتحمل الدولة المعتدية في الحالة العسكرية تبعات دولية، وتحاسب في مجلس الأمن.

16

استعداداتها تكون متدرجة وصامتة وسرية

يصعب اخفاء ضجيج الاستعدادات العسكرية

17

يصعب ادراك مؤشرات الحرب الناعمة بالعيان، تحتاج إلى رصد وتقييم معقد.

يمكن رصد مؤشرات الحرب بالاستخبارات والرادارات والرصد الالكتروني.

18

لا تسجل وقائعها في الذاكرة التاريخية، لأجل السرية التي تكتنف أحداثها.

تبقى أحداثها وصورتها ماثلة بطرق مختلفة، لأن أضرارها وخسائرها مادية حسية.

(55)

الرقم

الحرب الناعمة

الحرب الصلبة العسكرية

19

ترتكز على تقاطع مصالح مشترك مع فئة او تيار سياسي في الجبهة المستهدفة.

ترتكز على المصالح القومية للدولة المعتدية دون مراعاة لأية فئة في الجبهة المستهدفة.

20

خسارة الحرب الناعمة لا تؤدي إلى تبعات سياسية على الادارة الاميركية.

تؤدي الحرب العسكرية الى تبعات سياسية ضخمة للطرف المعتدي، لأنها لها كلفة باهظة نموذج حربي العراق وافغانستان.

 

سادساً: موارد ومصادر الحرب الناعمة

حدد جوزيف ناي موارد القوة الناعمة في ثلاثة محاور:

1- الثقافة والمثل الأميركية في الأماكن التي تكون جذابة للآخرين.

2- القيم السياسية عندما يطبقها بإخلاص في الداخل والخارج.

3- السياسات الخارجية عندما يراها الآخرون مشروعة وذات سلطة أخلاقية ومعنوية.

ونفس المورد قد يكون جذاباً ومكروهاً منفراً في آن واحد، فانتاج هوليود من الأفلام مكروه لدى علماء الدين في إيران كما يقول جوزيف ناي، لكنه جذاباً للشباب والفتيان في إيران أيضاً، والأفلام الأميركية مكروهة في السعودية لكنها جذابة في الصين.

(56)

في حين أن المصادر المنتجة لموارد القوة الناعمة هي:

1- مصانع هوليـــود وجيوش الفنانين والممثلين الأميركيين، والإنتاج السينمائي.

2- جيوش الطلاب والباحثين الأجانب الوافدين للدراسة في الجامعات والمؤسسات التعليمية، فهم سيشكلون جيوش يحملون معهم آلاف النوايا الطيبة والودائع الحسنة عندما يعودون الى بلدانهم واوطانهم ويتقلدون المراكز والمواقع العليا وسيصبحون سفراء غير رسميين لخدمة أميركا.

3- المهاجرون ورجال الأعمال الأجانب في قطاع الأعمال الأميركي.

4- شبكات الإنتــــرنت ومحركات البحث العالمية Google وYahoo وتويتـر وفيسبوك وغيرها والمواقع الأميركية المنتشرة في الفضاء الالكتروني.

5- برامج التبادل الثقافي والعلمي الدولي والمؤتمرات الدولية.

6- الشركات الاقتصادية العابرة للقارات خاصة قطاع الإتصالات والمعلوماتية.

7- الرموز والعلامات التجارية مثل كوكا كولا وماكدونالدز وغيرها.

8- مشاريع وكالة التنمية الدولية الأميركة USAID.

9- وسائل الإعلام الأميركية الدولية CNN / واشنطن تايمز / الخ.

(57)

10- نفوذ الإدارة الأميركية في المنظمات الدولية مجلس الأمن / الأمم المتحدة / منظمة التجارة الدولية الغــات / الخ.

وبالإجمال ترتكز القوة الناعمة على كل المؤثرات والأدوات سواء كانت إعلامية أو سينمائية أو ثقافية أو تعليمية أكاديمية أو تجارية أو دبلوماسية وعلاقات عامة، وكل مصدر ومورد لا يدخل ضمن تصنيف القدرات العسكرية والقوة الصلبة.

ويلاحظ أن جوزيف ناي حدد الموارد التي تعزز القوة الناعمة الأميركية دون الموارد التي تدمر أو تضعف القوة الناعمة للخصوم والأعداء والمنافسين، وذلك لدواعي السرية.

وفي هذا الضوء، ندرك أن مصطلح الحرب الناعمة راكم معاني المصطلحات السابقة عليه، من خلال تطور تاريخي رسمته أحداث عسكرية وجيوسياسية مفصلية نهايات القرن العشرين، وبدايات القرن الواحد والعشرين، تحت تأثير قفزات التطور الهائلة التي حدثت في عالم وسائل الإتصال والإعلام متمثلة بالجيل الربع للتكنولوجيا (الهواتف النقالة / الفضائيات/ الإنترنت / شبكات التواصل الإجتماعي).

وبمعنى أخص، الحرب الناعمة منتج جديد ابتكر ليتناسب مع متطلبات بيئة القرن 21، تشتق روحها من الحرب الباردة، بمواجهة عقائد جديدة الصحوة الإسلامية وبلدان وقوى ونظم تواجه المشروع الأميركي الإسرائيلي في المنطقة محور المقاومة في إيران وصولاً إلى سوريا الممانعة وقوى المقاومة ولمقارعة من تصنفهم أميركا

(58)

بالمنافسين لها على الساحة الدولية كدول البريكس وخاصة الصين وروسيا ومواجهة الدول المارقة فنزويلا / كوبا / كوريا /..الخ.

 

سابعاً: الحرب الناعمة والحرب العسكرية في غرفة العمليات المشتركة

بينا في فقرة سابقة أن الحرب الناعمة أصبحت ركناً من أركان العقيدة القومية الأميركية، وجزءاً من الإستراتيجية الأميركية للمنطقة. لكن ينبغي أن نحدد الجهات العملياتية التي تتولى تنفيذ الوظائف والأهداف أي هيئة أركان الحرب الناعمة.

من يطلّع على أرشيف المخابرات الاميركية CIA التي تسربت بصورة علنية على شكل وثائق مؤخراً28 وما تسرب من وثائق نشرها موقع ويكيليكس يفهم ترابط الإستراتيجيات والسياسات وآليات التخطيط والتحرك مع نمط عمل الأجهزة

(59)

والأذرع التنفيذية للإدارة الأميركية التي يعهد إليها مباشرة تنفيذ الحرب الناعمة.

لكن البعض وقع في خطأ منهجي وتوهم أن الحرب الناعمة هي حرب إعلامية تارة أو حرب ثقافية أو سياسية تارة اخرى، أو حرب إقتصادية مرة، منفصلة عن الحروب الإستخباراتية والعسكرية والنفسية. فطرح إشكالات عن الخيط الجامع بين المسلسلات التلفزيونية والحروب العسكرية، والجامعات مع الحروب البرية، والمطاعم مع الحروب الأمنية، والعقوبات الإقتصادية مع الحروب النفسية..؟

القراءة المعمّقة والفاحصة لوثيقة الميثاق الرسمي لوكالة المخابرات المركزية الاميركية CIA تفك هذا اللغز، حيث يعثر على عنوان يشرح بعضاً من هذه الروابط وينص على «إغتيال وحذف شخصيات مؤثرة في الجبهة المعارضة للنظام المستهدف في سبيل دعم أهداف نفسية ودعائية في إطار خطة تحرك كبرى، وتسليح جماعات منشقة عن النظام المستهدف» و»شراء ذمم زعامات وكتاب صحف ومدراء إذاعات ودور نشر ومحطات تلفزيونية لتهيئة الأرضية أمام الأعمال السرية»[1].

كما أن الباحث الأميركي ستيف هامونز Hammons Steve وصف هذا التشابك بمقولته «القوة التجاوزية الفائقة» قائلاً «ترتكز القوة الفائقة على دمج مجموعة من موارد القوة الصلبة والناعمة، وتتضمن استخدام الدبلوماسية، والموارد الثقافية، والعمليات الإنسانية،

(60)

والعمليات الاستخباراتية القائمة على المعلومات البشرية، وعمليات الحرب النفسية، والعمليات العسكرية، والتكنولوجيا المتقدمة»[1].

وبناء عليه، هناك غرفة عمليات مشتركة لتنسيق الجهود على 3 جبهات:

أ- جبهة الحرب الناعمة لتدمير القوة الناعمة لـ»الهدف» وإضعاف جاذبيته.

ب- الحرب الصلبة العسكرية والنفسية للإحتواء والردع وزعزعة الأركان، ويدخل من ضمنها دعم المنشقين والمجموعات التكفيرية كما سنبين.

ت- الضغوطات الإقتصادية والحصار والعقوبات لشل موارد الهدف.

وتتألف غرفة العمليات المشتركة من الوزارات والوكالات الآتية:

1ـ وكالة الإستخبارات الأميركية CIA (تتولى جمع المعلومات وإعداد الدراسات والأبحاث عن النظم والجهات والشخصيات المستهدفة، وإدارة الحرب النفسية، وتجنيد العملاء، وتنفيذ الإغتيالات والانقلابات والثورات الملونة، وتعمل من خلال السفارات الأميركية حول العالم، ومن خلال محطات ومكاتب منفصلة ومستترة بشركات تجارية).

(61)

2ـ وزارة الخارجية الأميركية: تتولى الدبلوماسية والوكالات المدنية والتواصل مع الشخصيات والقوى السياسية من خلال السفارات.

3ـ وكالة التنمية الدولية الأميركية USAID: تتولى إدارة المشاريع التنموية في مختلف دول العالم، وتمويل منظمات المجتمع المدني، ولها في لبنان 12 مكتباً في مختلف المناطق والمحافظات.

4ـ هيئة حكّام البث الحكومي الأميركي: تدير قنوات البث التلفزيوني والفضائي وشبكات الإنترنت الحكومية، وتسمى في الإعلام «مكتب الدبلوماسية العامة»، مركزها واشنطن.

5ـ وزارة الدفاع (البنتاغون): تتولى قيادة الجيوش والقواعد العسكرية الأميركية المنتشرة حول العالم، وتدير الحرب الصلبة والنفسية، وجمع المعلومات الإستخباراتية وإعداد الدراسات الإستطلاعية حول البيئة والأرضية السياسية للخصوم والأعداء والتوصيات الإجرائية حيالها، خاصة من خلال مركز الأبحاث الدفاعية المعروف باسم RAND وله فروع في قطر والإمارات.

6ـ وكالة الأمن القومي: تتولى جمع المعلومات الإلكترونية عبر التنصت على إشارات واتصالات معظم دول وشخصيات وقادة العالم، سواء الإتصالات السلكية أو اللاسلكية، وجمع المعلومات عن طريق شبكات الإنترنت العالمية كشركة Google ومواقع التواصل الإجتماعي كتويتر وفيسبوك، لا بل أن هذه المواقع مملوكة وتابعة تنظيمياً لوكالة الأمن القومي والبنتاغون، ويندرج منها أيضاً التنصت على مجمل الهواتف الذكية الجديدة

(62)

الأكثر استعمالاً، وخاصة عبر برامج وتطبيقات التشغيل المجانية كالواتس أب Whats app، وهو ما دفع «لجنة تشخيص الجرائم» في الجمهورية الإسلامية في إيران لإصدار قرار يعتبر هذه الشركة محظورة لارتباطاتها السرية بالوكالات الأمنية الأميركية[1].

وقد فجر العميل الأميركي الفار إلى روسيا «إدوارد سنودن» فضيحة مدوية عندما بين أنشطة هذه الوكالة وبين حجم اختراقها لشبكات الإتصالات العالمية، بما في ذلك هواتف الحلفاء (من بينها التنصت على هاتف المستشارة الألمانية انجيلا ميركل).

 

ثامناً: الفرق بين الحرب النفسية والحرب الناعمة والغزو الثقافي

كانت الحرب النفسية تكتفي بتحقيق التأثير والدعاية والتلاعب بالرأي العام والإقناع السياسي «ولو دون توفّر أدلة ذات صدقية» كما كان يعرفها قسم هندسة المزاج ودائرة الحرب النفسية والدعاية في وكالة المخابرات المركزية الامريكية CIA أثناء الحرب الباردة[2]، أو «التأثير في السكان المدنيين غير المسلحين بهدف جمع المعلومات ومضاعفة الإنشقاق والإرتداد في صفوف العدو» وفق تصور الإستخبارات البريطانية[3].

(63)

في حين عرفت موسوعة المعطيات الحرة الحرب النفسية بأنها «الإستعمال المخطط والمُمنهج للدعاية ومختلف الأساليب النفسية للتأثير على آراء ومشاعر وسلوكيات العدو بطريقة تسهل الوصول للأهداف. كما أنها وسيلة مُساعدة لتحقيق الإستراتيجية القومية للدولة. وتُشن في وقت السلم والحرب على السواء، وتُستخدم فيها كل إمكانيات الدولة، ومقدراتها سياسية، واقتصادية، وعسكرية، وإعلامية وغير ذلك»[1].

هذه الوظائف للحرب النفسية كانت تصلح في زمن الحرب الباردة والحروب التي سبقتها الحربين العالميتين الأولى والثانية وقد انتهت صلاحيتها ولم تعد تجدي نفعاً في عصر العولمة والمعلومات كما صرح جوزيف ناي، لأن توسع وسائل الإعلام وانتشارها بين أيدي الجميع وظهور لاعبين من غير الدول ـ شبكات ومنظمات وناشطين ـ غير مفاهيم المصداقية والشرعية السياسية والسلطة التي كانت تحتكرها الدول، ما أدى الى القفز نحو اتجاهات ووظائف جديدة أنتجت الحرب الناعمة، وتوسعت وظائفها لتشمل:

1ـ تشكيل التصورات والمفاهيم العامة.

2ـ بناء البيئة والأرضية السياسية الملائمة لترسيخ قواعد السياسات المطلوبة.

3ـ نزع الشرعية والمشروعية والصدقية عن الخصم نظاماً أم قيادة.

4ـ تغيير شخصية النظام والقيادة لدى الخصم واستبدالها بقوى وشخصيات بديلة.

(64)

5ـ قلب الحقائق وتحويل نقاط القوة الى نقاط ضعف والفرص إلى تهديدات.

6ـ جذب جمهور الطرف المستهدف نحو المفاهيم والقيم بدون بصمات واضحة.

وقد لخص سماحة الإمام الخامنئي دام ظله الفرق بين الحرب النفسية والحرب الناعمة بجملة واحدة قائلاً «الحرب النفسية فرع من فروع الحرب الناعمة، لتبديل إرادة الخصم وتغيير حساباته»[1].

وفي دراسة لمركز قيم ورد أن الحرب الناعمة لا تعد منهجاً جديداً مقابل مناهج الحرب النفسية والدعاية، بل هي تطور في الوظائف والأهداف ناجم عن تطور كمي ونوعي هائل في وسائل ووسائط الإتصال والإعلام[2]، ويمكن اعتبار الحرب الناعمة افرازاً طبيعياً وحتمياً مرتبطاً بسعة إنتشار ونوعية أدوات الجيل الرابع من وسائط تكنولوجيا الاتصال والإعلام الفضائيات / أجهزة الإتصال الخليوية الرقمية / مواقع وصفحات الإنترنت / شبكات التواصل الاجتماعي/ البرمجيات[3] (Software).

وللإيضاح سنعرض نصاً نشره موقع وزارة الخارجية الأميركية حول برنامج المجتمع المدني 0.2 كأحد برامج القوة الناعمة، بما يشير لنوعية هذا الإنقلاب:

(65)

«لقد أحدثت التطورات الأخيرة في تكنولوجيا الاتصال كالهواتف النقّالة ومنصات الشبكات الإجتماعية ثورة في طريقة تبادل المعلومات، والإتصالات، والتنظيم، ومناصرة مصالحنا. تملك هذه التطورات القدرة على تعزيز المجتمع المدني حيث تتواجد حاليا ً- ويمكنها تنميته حيث لا تتواجد. فمن خلال خفض الحواجز أمام إنتاج وتوزيع المعلومات، أصبح الملايين من منتجي ومستهلكي وسائل الإعلام الجديدة قادرين على التنظيم، والتواصل، والتعلم، والمشاركة في بلدانهم ومجتمعاتهم الأهلية بكفاءة لم يسبق لها مثيل. ومع امتلاك التكنولوجيا الرقمية، تم تمكين الأفراد الذين كانوا دون صوت في السابق، من المشاركة في النطاق العام وتوسيع تنوع الآراء المتوفرة. ومن أجل الخوض الناجح عبر هذه البيئة من وسائل الإعلام الجديدة، يجب على صانعي السياسة، والاستراتيجيين، والمنظمات غير الحكومية، والحكومات مقاومة الإغراء للعمل والاتصال من خلال نموذج القرية العالمية الذي أصبح قديم الطراز الآن، وأن يعتمدوا على البيئة المحلية، من الأسفل إلى الأعلى، وعلى البيئة المعادية لمواقع تويتر، ورسائل فيسبوك، وتحديثات فور سكوير. لقد ترك الناس مع أجهزتهم الخاصة. المجلة الإلكترونية «تثقيف المجتمع المدني 0.2 وهذا هو المقصود بالفعل من عبارة وسائل الإعلام الاجتماعية. إن أسهل طريقة للتذكر كيف تعمل وسائل الإعلام الرقمية هي النظر ببساطة إلى أصابعك العشرة. التكنولوجيا الرقمية تعيد وسائل الإعلام مرة أخرى إلى يديك[1].

(66)

«لقد صُممت مبادرة المجتمع المدني 0.2 لمساعدة المنظمات الصغيرة التي تعمل للصالح الاجتماعي من أجل زيادة قدراتها عن طريق استخدام تكنولوجيات التواصل. أما الهدف فهو إقامة شبكة طويلة الأمد، ذاتية الاستدامة من التكنولوجيات، والمتطوعين، ومناصري المجتمع المدني، تكرس اهتمامها على تعزيز عمل المجتمع المدني في القرن الحادي والعشرين».

وبناء عليه، تنتمي الحرب النفسية والدعاية إلى الحقبة السابقة على انتشار التكنولوجيا الجديدة، وهي وان اشتركت مع الحرب الناعمة في الهدف لجهة استهداف تطويع إرادة العدو الدول والنظم والرأي العام والمنظمات والجماعات ولكنهما تختلف في الأساليب والوسائل.

في الأساليب ترتكز الحرب الناعمة على الإستمالة والإغواء والجذب وزرع الأمل وتقاسم القيم والأهداف والشعارات المشتركة مع الطرف الآخر المستهدف، دون أن تظهر للعيان ودون أن تترك أي بصمات، أي تصدير الأمل وجاذبية النموذج، والوعود بحياة أفضل وفق أسلوب الحياة الأميركي والغربي، وتحكيم العقلانية والمعايير العقلانية، ونيل الحريات الفردية لأقضى الحدود، واطلاق الغرائز ونشر الإباحية الجنسية والتحرر الاجتماعي والفردي وامتلاك الأمل بالمستقبل.

في حين ترتكز الحرب النفسية والدعاية على إرغام العدو وتدمير إرادته وإرعابه وتخفيض مستوى معنوياته بصورة مباشرة وعلنية، أي فرض الإرادة وتصدير الخوف والأرعاب.

(67)

وتختلف الحرب النفسية عن الحرب الناعمة في كمية ونوعية الوسائل المستخدمة، حيث تعاظمت وتوسعت الأدوات الإعلامية والإتصالية لدى الرأي العام في الوقت الراهن، بحيث إن الوسائط والأدوات المستخدمة في الحرب الناعمة أصبحت في متناول الجميع بلا إستثناء ودخلت إلى كل البيوت 24 / 24 ساعة من خلال شاشات التلفزيون والإنترنت والهواتف الخليوية، بحيث غرقت الدول بالمقروءات والمسموعات والبصريات والأخبار والمنتجات الإعلامية بلا أي قيود رقابية في ظل عولمة إعلامية وثقافية ومعلوماتية فورية ومفتوحة ومتفاعلة ومترابطة بشكل لا سابق له وبأثمان وتكاليف مالية مجانية أو شبه مجانية.

في حين كانت الحرب النفسية والدعاية تعتمد على مخاطبة كتل منظمة ومتراصة ومتماسكة جيوش / حكومات / قيادات المنظمات ونخب الأحزاب / الرأي العام ككتلة ضخمة وعقل جمعي واحد، وليس كأفراد وشبكات كما يحصل اليوم. وكانت الحرب النفسية تعتمد أدوات عصرها إذاعات وتلفزيونات حكومية قليلة جداً ومحدودة الإنتشار/ بضعة صحف حكومية وشبه حكومية / دور نشر وكتب ومنشورات تخضع للرقابة الحكومية - وتزخر وثائق القرن العشرين بأنشطة المخابرات البريطانية والأميركية في شراء دور النشر والكتاب والمثقفين- وكذلك الإذاعات التي كانت الأكثر انتشاراً، كإذاعة صوت أوروبا الحرة الموجهة نحو الجمهور الشيوعي في أوروبا الشرقية زمن الحرب الباردة.

أما مفردة الغزو الثقافي فهو مصطلح أطلقه أوائل التسعينات

(68)

وتحديداً عام 1992 ولغاية أوائل القرن 21 الإمام الخامنئي دام ظله على حالة «الغزو الحضاري والثقافي التي تعني اغراق المجتمعات الإسلامية بأفكار وقيم وأنماط تفكير وعادات وسلوكيات أميركية وغربية لغاية ادخال تعديلات مؤثرة في هوية الكيان الثقافي الإسلامي بغية استبداله بهوية حضارية وثقافية زائفة لأجل مكاسب سياسية واستعمارية»[1]. وقد صاغها الإمام الخامنئي دام ظله كرد على مقولة العولمة Globalization التي انتشرت أنذاك.

وبالأصل مصطلح الغزو الثقافي ينتمي تاريخياً وزمنياً إلى الجيل التكنولوجي الثالث السابق حيث كان صراع النخب الفكرية والثقافية يتم عبر المنابر الفكرية والكتب ودور النشر والمطبوعات والإذاعات الحكومية، وقد صاغه كتاب اليسار الشيوعي خلال فترة السبعينات خلال مواجهاتهم الفكرية والثقافية مع المعسكر الغربي.

في حين أن مقولة الحرب الناعمة - وليس القوة الناعمة - استعملت من قبل الإمام الخامنئي في شهر حزيران من عام 2009 أثناء وقوع الفتنة الرئاسية في إيران.

وكخلاصة، يرتكز الغزو الثقافي على تصدير المحتوى الثقافي والأنماط الحضارية واللغات الأجنبية ونشرها في ساحات الآخرين لتحقيق وتسهيل الأهداف السياسية والاقتصادية والعسكرية، في

(69)

حين أن الحرب الناعمة أكثر تخطيطاً وتركيزاً، وتعتمد على الجيل التكنولوجي الرابع، وأصبحت شكلاً حربياً قائمة بذاته، لدرجة أنها يمكن أن تشكل في حالات كثيرة بديلاً للحرب العسكرية.

 

تاسعاً: الدبلوماسية الرقمية من أبرز أدوات الحرب الناعمة

ان الحديث عن القوة الناعمة والحرب الناعمة، يقودنا الى البحث عن أسس وأركان العقيدة السياسية الجديدة للخارجية الأميركية التي تتولى قيادة الحرب على ساحتنا.

وبناء عليه تم مراجعة مواقع وزارة الخارجية الأميركية بلغته الأصلية الإنكليزية والموقع المخصص لبرنامج الإعلام الخارجي يترجم النصوص والخطابات إلى العربية وقد وجدنا من خلال التدقيق أن مفردة التكنولوجيا دخلت في صلب البرامج السياسية حول العالم، وأصبح هناك عقيدة التكنولوجيا السياسية وفق تعبير بعض أعضاء لجنة تخطيط السياسات Techno – Political Age.

ومن بين هذه الإستراتيجيات الجديدة الدبلوماسية الرقمية Digital diplomacy والدبوماسية الإلكترونية E- diplomacy التي نظر لها أعضاء في لجنة تخطيط السياسات في الخارجية الأميركية أمثال أليك روس مستشار الإبتكار والمعلومات وجارد كوهين المدير السابق لقسم غوغل للأفكار google idea ومدير ملف المنظمات الشبابية وإريك شميدت المدير التنفيذي لشركة google

(70)

ومستشار أوباما للشؤون التقنية، وتقوم استراتيجية الدبلوماسية الرقمية على بناء علاقات واتصالات مباشرة مع قطاع الشباب والناشطين وكافة فئات وشعوب العالم، خاصة في الشرق الأوسط، بعيداً عن الدبلوماسية التقليدية الرسمية التي تمارسها السفارات والقنصليات التي يمكن تسميتها بالدبلوماسية الجغرافية والمكانية.

فالعالم الإفتراضي لشبكات الإنترنت والتكنولوجيات الجديدة يعتبر امتداداً فعالاً للواقع السياسي وفق غارد كوهين. وحيث أن 60 % من أبناء الشرق الأوسط هم من فئة الشباب، وبفعل نظرية التغييـر الجيلي التي نظر لها هنتغتون في كتابه «النظام السياسي لمجتمعات متغيّرة» وما يصاحبها من تغيير وظيفي في الإطار السياسي والمؤسساتي ينبغي الإتصال بالقوى السياسية الشابة والجديدة من الناشطين والمدونيين والصحفيين والشباب، وإجتذاب ملايين المشتركين على شبكات الإنترنت في ايران وتركيا ومصر وتونس واليمن وليبيا ولبنان وسائر الدول العربية نحو المشروعات والأهداف والسياسات الأميركية بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، والتعرف على نخبة الناشطين، وإشراكهم في برامج تدريبية مقدمة لتوظيف هذه الطاقات لاحقاً عبر عملية تضخيم Amplifire تقني ـ سياسي للأصوات العربية المطالبة بالحرية والديموقراطية والتغيير السياسي بعد توجيهها نحو تحقيق الأهداف والسياسات الأميركية وفق الوصف الحرفي للمستشار التقني السياسي للخارجية الأميركية «إليك روس»[1].

(71)

وقد شاهدنا كيف فعلت كاميرات الهواتف الخليوية التي بثت على أفلام اليوتيوب YouTube والفايسبوك فعلها في تحريك الشوراع العربية.

وهكذا، أصبح بإمكان الإدارة الأميركية من خلال شركات الإنترنت التحكم بواسطة برامج تقنية عالية لها أهداف سياسية بجهود وميول وإتجاهات الشباب والناشطين وتحريكهم عن بعد، تماماً كما يحرك مشغل الكومبيوتر بواسطة الفآرة Mouse شريط الأدوات Menu bar في برمجيات الكومبيوتر.

والتشبيه ليس فيه تعدي على الحقيقة، فها هو إليك روس يقول عن شبكات الإنترنت أنها «تشي غيفارا القرن الحادي والعشرين»، وهي كلمة خطيرة تختصر الإستراتيجية التقنية - السياسية الجديدة للإدارة الأميركية. وتستبطن الإشارة إلى اهمية هذه الشبكات المستوى القيادي.

هذه الإستراتيجية كانت مادة للإنتقاد الحاد من طرف وزير خارجية أميركا الأشهـر هنري كيسنجر عندما إنتقد الإعتماد المفرط على «القوى الإلكترونية» التي لم ولن تتمكن من إزاحة اللاعبيين التقليديين «الجيوش والإسلاميين» من اللعبة السياسية، مشبهاً الثورات العربية بأنها «لحظة إنترنت[1] 

والحديث عن ضعف التكنولوجيا السياسية أمام القوى

(72)

الكلاسيكية المنظمة كالجماعات الإسلامية فيه شيء من الصحة كما سنرى لاحقاً، وهو يتطابق مع التحليل الصهيوني 100 % ويتطابق مع إتجاهات «الإستشراق الغربي» في تحليل قضايا العالمين العربي والإسلامي، ويتوافق مع وجهة نظر القوى اليمينية في الإدارة الأميركية، التي ترى بمجموعها أن في «الإسلام» طاقة ثقافية متجذرة في الحياة السياسية الإسلامية لا يمكن صهر عناصرها بالكامل تحت تأثير أمواج التكنولوجيا السياسية الغربية كما هو واقع الحال مع بقية دول ومناطق العالم»[1].

ونموذج نشر وثائق ويكيليكس التي بدأ نشرها من تونس في شهر كانون الأول من عام 2010 وسبقت إندلاع الاحتجاجات العربية بإسبوع واحد إحدى هذه الوسائل الرقمية الذكية، وهي مقال على عمليات التضخيم التقني السياسي Amplifire.

وبناء عليه، يفهم قول جوزيف ناي قائلاً «إن وثائق ويكيليكس رغم انها وثائق حكومية مسروقة تشكل إحدى مظاهر القوة الأميركية الناعمة».

وسبب هوس مستشاري هيلاري كلينتون وباراك أوباما بالدبلوماسية الرقمية، هو النجاح الذي لاقاه هؤلاء المستشارون خلال تنظيمهم حملة أوباما الإنتخابية العام 2008، فقد أكد خبراء الحملات الإنتخابية ان شركات الإنترنت ووسائل الإعلام كانت العامل الأبرز خلف نجاح أوباما، وهو ما شجعهم على وضع

(73)

إستراتيجيات الدبلوماسية الرقمية في مشاريع وزارة الخارجية الأميركية في عهد أوباما. 

 

عاشراً: أركان الحرب الناعمة / خطة وقيادة وفرصة وحملة منسقة

إن تنفيذ وظائف الحرب الناعمة ذات الطبيعة الحساسة والمعقدة، ووضعها موضع التطبيق يتطلب موارداً وطاقات وجهوداً بشرية كبيرة، وتخطيطاً وتحليلاً سياسياً لتوجيه الأحداث، ومراكز للإبحاث، وأجهزة استخبارات توفر المعلومات والمعطيات، وامكانات تكنولوجية وإتصالية وإعلامية ضخمة، ومهارات وخبرات، وصبر إستراتيجي ونفس طويل، وغرفة عمليات تتولى التنسيق.

وقد أوضحها صاحب مقولة القوة الناعمة «ان القوة الناعمة تقوم على عرض السياسات في سياقها الدولي، وتحقيق الإتصال الإستراتيجي عن طريق تطوير مجموعة مواضيع تشبه الحملات الإعلانية والإعلامية والإنتخابية، وبناء شبكة علاقات مع شخصيات أساسية في البيئة المستهدفة (مفاتيح)، وفرصة ملائمة»[1].

وبناء عليه، تتطلب الحرب الناعمة:

1- بسط موارد القوة الناعمة في الساحة المستهدفة جامعات/ مشاريع تنموية/ علاقات عامة / مراكز أبحاث/ ومنظمات مجتمع مدني / وسائل إعلام واتصال/ الخ.

(74)

2- تجهيز مواد ومواضيع ورسائل وأفكار وشعارات سياسية وإعلامية وثقافية ودبلوماسية تتلائم مع البيئة المستهدفة البيئة السياسية اللبنانية وبيئة حزب الله أو البيئة السياسية الإيرانية مثلاً.

3- بناء شبكة علاقات عامة ووسطاء للقيام بوظيفة تسويق وترويج الأفكار والأخبار والتحليلات والتوجيهات السياسية والثقافية والإعلامية نموذج شخصات شيعة السفارة الأميركية التي نشرتها جريدة الأخبار اللبنانية.

4- دراسات واستطلاعات ومعطيات حول البيئة السياسية المستهدفة ومدى جاهزية الجمهـور والنخبة لتلقي مضمون المواد والرسائل الناعمة.

5- غرفة عمليات موحدة وقيادة عليا رفيعة المستوى لتنسيق الأنشطة والإتصالات وتوزيع الأدوار والشعارات وفقاً لتخطيط عالي المستوى.

6- ظروف ومناسبات وفرص ملائمة نموذج الإنتخابات الإيرانية 2009.

فالقوة الناعمة تعتمد على تجهيز المواد والمواضيع والشعارات وفق معادلة قوامها «من يتواصل مع من وتحت أي ظرف»[1] و»من هي الرواية الفائزة بنظر الجمهور والرأي العام، لأن المنتصر في الحرب اليوم هو من تفوز روايته للأحداث»[2].

(75)

وقضية الظرف التي تحدث عنها جوزيف ناي هي جوهر الحرب الناعمة، وتحتاج موارد القوة الناعمة كي تتحول الى عملية مؤثرة في البيئة السياسية للخصم الى سياق ومناسبة خاصة ولحظة درامية حسب تعبير بعض الخبراء.

ويقصد بالظرف الملائم قابلية الأحداث الجارية لصناعة الفرصة الذهبية لتوظيف الموارد الناعمة، من مثل وقوع عمليات إغتيال لشخصيات سياسية أو قتل لمواطنين أثناء الإحتجاجات والتظاهرات لأجل إراقة الدماء وإشعال الحماسة وخلق الحساسيات والقصص الإنسانية المثيرة، ومثل إرتكاب أعمال شغب وحرق وتكسير ممتلكات وبث الإضطرابات والفوضى، أو إطلاق أحد الفاعلين موقف طائفي أو سياسي أو فكري شاذ يحدث عمليات تبادل إتهامات وتشهير وتلطيخ سمعة بين مجموعتين متنازعتين، وغيرها من الأحداث القابلة للتوظيف.

وإذا لم تتوفر هذه الفرصة وكان هناك قرار من الإدارة الأميركية بصناعتها توكل المهمة لـ CIA وهي وكالة بارعة في فبركة وصناعة الأحداث ابتداءاً من الإغتيالات الى فرق القناصة لقتل المتظاهرين والتفجيرات عن طريق الاختراق الاستخباراتي للأطراف الأخرى تنظيم القاعدة والمنظمات التكفيرية مثلاً.

كما أن نوعية الطرف الذي يتولى عمليات الحرب الناعمة مهم جداً، فينبغي تجنب التورط الأميركي المباشر، وتمرير الرسائل بطريقة غير مباشرة لأن حساسية الجمهور اتجاهه أكبر[1].

(76)

لهذا نرى منظر الحرب الناعمة يركز كثيراً على ضرورة العمل عبر الوكلاء، فهي اشد فاعلية من مباشرة التأثير العلني، وهذا جزء من الطبيعة المخادعة والماكرة للحرب الناعمة لأن «أفضل الناطقين بإسم الأفكار والأهداف الأميركية هم غير الإميركيين أي الوكلاء المحليون .

وتأدية الوظائف التي ذكرناها سابقا يحتاج إلى «بناء حملات قد تستغرق اعواماً وسنوات، وليس مجرد اياماً أو أشهراً - فتكتيكات وأساليب الإتصال الإستراتيجي غير المباشر أي بواسطة الوسائل الإعلامية والإلكترونية والدبلوماسية والخفية للتأثير في جدول الاعمال السياسي لبلد آخر تحتاج الى تطوير مجموعة من المواضيع والشعارات على طريقة الحملات الاعلانية والانتخابية والسياسية في الغرب، ويستلزم ذلك تخطيطاً وأحداثاً رمزية وظرفية ومد اتصالات وبناء علاقات على مدى سنوات ـ لا تقل عن سنة - كي نتمكن من إبراز هذه الشعارات والمواضيع المركزية والدفع بالسياسة المطلوبة ـ من قبل أميركا ـ قدماً إلى الأمام»[1].

وبعد تشكيل التصورات العامة والبيئة السياسية في ساحة الخصم يتهيأ المسرح للكثير من الأحداث والأعمال والاجراءات اللاحقة من قبل الوكالات الأمنية والإستخباراتية والعسكرية والسياسية، وتبدأ النتائج بالظهور عادة خلال المناسبات المؤثرة كالإستحقاقات الإنتخابية مثلاً حيث نشهد إنعكاسات هذه التأثيرات والعمليات، لأن العدو لن يجد أفضل منها

(77)

فرصة لإستغلالها والنفوذ من خلالها لتحريك عملائه وقواعده وسياساته، فالمبدأ الذي تعمل عليها فلسفة الحرب الناعمة هي القدرة على إجتذاب الناس نحو البيئة والسياق والفخ السياسي المستهدف في إطار وغلاف وظرف ملائم كالإنتخابات أو تحت شعار مطلبي او إصلاحي، وهذا أسهل من ارغام الناس على تنفيذ التوجيهات المباشرة بصورة وصريحة وكخلاصة «ادارة دفة الأحداث بأسلوب ناعم بدون أي بصمات»[1].

 

حادي عشر: استراتيجيات وتكتيكات الحرب الناعمة[2]:

كما بينا، الحرب الناعمة كأية حرب لها إستراتيجياتها وتكتيكاتها وأسلحتها، بمعنى أنها ليست حالة صراع ثقافي أو حضاري وفق القواعد المتعارفة، بل هي حرب مخططة، وبطبيعة الحال من أبرز سمات الحرب «سرية المخططات والأدوات»، ولن يكشف العدو أهدافه وخططه وأدواته إلا بعد مرور عقود على إنجاز الأهداف، ما لم يحصل تسريب عن طريق الخطأ.

لكننا حاولنا وفق منطق الإستقراء جمع المعطيات المتناثرة، وفق ما أوردته بعض المؤسسات والشخصيات الأميركية الرسمية،

(78)

ونقلناها لأجل الدقة بصورة حرفية أو شبه حرفية كما وردت في الوثائق والمستندات[1]:

أـ  نماذج من استراتيجيات الحرب الناعمة[2]:

1ـ ضرب وإضعاف الموارد الناعمة للعدو المستهدف، عن طريق التشكيك المتواصل بشرعيته السياسية ومصادر قوته لتحقيق الإرهاق والإرباك وخلخلة الأركان.

2ـ التشهير الإعلامي المتواصل لتشويه صورة الطرف المستهدف وتفكيك رموزه، ووضعه في دائرة الإتهام الدائم.

3ـ تقديم الدعم العلني لتيار أو فئـة على حساب تيار أو فئة آخرى في نفس الساحة المستهدفة، بهدف خلق بيئة من الإتهامات المتبادلة وايجاد فرز واستقطاب يسمح بالدخول على الخط للتلاعب بجدول الأعمال السياسي للهدف.

4ـ استغلال نقاط الضعف في بعض الشخصيات القيادية في جبهة الخصم لخلق توترات وحساسيات وعداوات مع الشخصيات المنافسة وتسعير حمى الصراع على المواقع عبر تسريب الإشاعات والأخبار وتضخيم صورة الشخصيات وخاصة المعارضة وصناعة نجوميتها الإعلامية والجماهيرية.

(79)

5ـ صناعة بيئة سياسية وثقافية وشعبية وإعلامية متوترة من خلال التشكيك والجدل والمناقشة في قضايا وموضوعات فكرية وسياسية حساسة تؤدي الى إحداث تناقضات وحساسيات بين الفصائل والأجنحة المختلفة.

6ـ استدراج الهدف إلى الملفات السياسة الداخلية والدولية المعقدة، بما يؤدي إلى توريطه بأزمات سياسية مع غيره من التيارات والحكومات، واغراقه بالتنازلات، وإبعاده عن هدفه المركزي في مواجهة أميركا والغرب والصهيونية، وصولاً لإثبات فشل الحركات والقوى الإسلامية في تلبية الإحتياجات والمتطلبات الدولية والسياسية المعاصرة[1].

8ـ ضرب وتشويه صورة علماء الدين والمؤسسات الدينية بهدف تقليص دورهم ولأجل العمل على ادخال اصلاحات وتعديلات على المناهج الدينية.

9ـ تعديل وظيفة المساجد وكل مؤسسات ومنابع ومصادر «الصدق والحقيقة».

10ـ إبراز مخالفة النظم والحركات الاسلامية لمواثيق ومقررات الإمم المتحدة ومنظومات الأمن والسلام الدوليين ومقتضيات حقوق الانسان وقيم التسامح الديني وتبنيها للعنف والإرهاب كمنهج وإستراتيجية.

(80)

11ـ دعم وصناعة تيار الإسلام المدني المعتدل، وإيجاد شبكة إسلامية دولية مرتبطة بأميركا والغرب، وتعمل وفق معاييره وضوابطه، من مثل دعم شبكة فتح الله غولين الداعية الإسلامي التركي خاصة أن مقره يقع في ولاية بنسلفانيا[1].

12ـ تقليص الوجود العسكري وزيادة الاستثمار في المجال الثقافي والمدني والإعلامي والتنموي والإقتصادي والإستخباراتي في العالمين العربي والإسلامي.

13ـ بث وترويج ثقافة سياسية أميركية المجتمع المدني / المنظمات غير الحكومية / مراقبة الانتخابات / الشرعية السياسية / رفع شعار تمكين المرأة / الحريات / ثقافة النضال السلمي واللاعنف / الخ.

ب- نماذج عن تكتيكات الحرب الناعمة[2]:

1ـ تنويع مصادر البث التلفزيوني والإعلامي والشبكي شبكات وبرامج الإنترنت)، ودعم المنظمات غير الحكومية الناشطة في الميادين الاجتماعية والمطلبية والسياسية، والمنظمات الناشطة على شبكات الإنترنت، حيث تقل إمكانيات الرقابة الحكومية،

(81)

ويسهل إستدراج جيل الشباب، وهذا ما فصله جارد كوهين رئيس قسم التخطيط السياسي في وزارة الخارجية الاميركية باستراتيجية «الديمقراطية الرقمية» قائلاً «أصبح الشباب في الشرق الأوسط ناضجين لتقبل تأثيرات السياسات والأفكار الأميركية من خلال بوابات ومنافذ تكنولوجيا وأدوات الإتصال والإعلام والمعلومات المفتوحة»[1].

2ـ زيادة مصداقية الحملات الإعلامية من خلال البحث عن شخصيات محلية لها نوع من التغطية والمصداقية الجماهيرية خاصة من المعارضين والمنشقين عن النظم والحركات الإسلامية.

3ـ فتح قنوات الإتصال السياسي والدبلوماسي مع الدول الإسلامية أو مع الحركات الإسلامية المركزية بهدف إستدراجها وتوريطها في اتفاقات مفخخة لتلطيخ سمعتها ونزع مصداقيتها في الشارعين العربي والإسلامي عبر رسم الشكوك حولها وتسعير شهية الحساسيات في بيئتها الداخلية .

4ـ تركيز الضوء الإعلامي على الشخصيات والجماعات الإسلامية المتطرفة بهدف بث التفرقة وإشغال المذاهب والفرق الإسلامية ببعضها (والحركات التكفيرية المنتشرة اليوم كداعش وأشباهها نموذج واضح لهذا التكتيك).

5ـ استقطاب الشخصيات الإسلامية الليبرالية - ذات الأفكار

(82)

الإلتقاطية ـ ودعمها بهدف إضعاف تأثير الحركات الاسلامية المناهضة للقيم والسياسات الغربية.

6ـ تدريب مجموعات من الناشطين للتحرك على شبكة الإنترنت بهدف رفد القنوات الإعلامية العالمية بالمادة المطلوبة - للتشهير والتشويه - وقد صدر قانون الكونغرس الأميركي لتقديم الدعم «لضحايا الرقابة على شبكات الإنترنت»

 

7ـ تقديم المنح الدراسية لإجتذاب الشباب المسلم نحو المال والأعمال والتخصصات العلمية لأجل بناء كادرات متأمركة مفيدة في المستقبل.

8ـ زيادة برامج تدريب الضباط والعلاقات الثنائية مع قادة الجيوش الإسلامية.

9ـ تفعيل شبكة العلاقات مع أبناء الجاليات المسلمة والمغتربين المسلمين المقيميين في الغرب بهدف إشراكهم في برامج ناعمة.

(83)

10ـ تمويل منظمات المجتمع المدني وتدريب الناشطين في المنظمات الأهلية.

11ـ توسيع نشاط الجامعات الأميركية وتفعيل برامجها الناعمة.

12ـ تمويل مشاريع تنموية واقتصادية صحية وتعليمية وبيئية/ ألخ للنفوذ الى الساحات المستهدفة عن طريق وكالات الأمم المتحدة أو بعض الواجهات الإنسانية الأخرى.

ثاني عشر: أبحاث النفس والدماغ تدخل ميدان الحرب الناعمة

تعتبر الإستخبارات الأمريكية CIA ووزارة الدفاع البنتاغون أول من بدأ برعاية أبحاث ومحاولات للسيطرة على الدماغ والعقل البشري والادراك الحسي من خلال تطوير وسائل وتقنيات مادية كيمياوية / إلكترونية / كهرمغناطيسية /... بهدف تجنيده وتوجيهه وضبط سلوكه وفقا للأجندات والمشاريع والأهداف الأميركية.

بدأت التجرية عن طريق عمليات نفسية وحسية لبرمجة وعي وسلوك المجندين والعملاء والجواسيس الذين يعملون مع وكالة CIA، ومن ثم حصلت عمليات على أسرى العدو أثناء إجراء التحقيقات بهدف انتزاع المعلومات، رغبة في تحويلهم إلى عملاء مزدوجين ولضمان أعلى درجات الثقة بهم الكوريين والكوبيين وغيرهم.

وتواصلت المحاولات مستعينة بأمهر الأطباء وعلماء النفس،

(84)

وشارك فيها أكثر من 44 جامعة و12 مؤسسة استشفائية وطبية، وبقيت طي الكتمان حتى عام 1977 حين كشفت عنها صحيفة النيويورك تايمز على غلاف صفحتها الأولى تحت عنوان صادم «CIA تسعى لأسر واستعباد العقل البشري»، وقد أثارت هذه القضية أنذاك ضجة كبيرة في الاوساط الاميركية والعالمية، وقد عطلت مجموعة عوامل سير هذه الابحاث، ومنها كلفتها المالية والبشرية العالية وعدم ضمان وموثوقية نتائجها، والمعارضة الشديدة التي واجهتها بعد انكشاف أمرها[1])، فانتقلت هذه المحاولات نحو البحث في حقول التاثير والبرمجة بالوسائل النفسية وما فوق النفسية البارابسيكولوجي عبر استغلال آخر ما توصلت اليه أبحاث الدماغ وتسخير أدوات الجيل الرابع من وسائل الإتصال والإعلام والمعلومات..

وفي العام 1995 أجرت وزارة الدفاع الأميركية البنتاغون ابحاثاً على الفص الأيمن من الدماغ حيث توجد القشرة المتكونة حديثاً Neocortical التي يمكن تشبيهها بمنظومة إعلامية تستقبل المؤثرات الخارجية، وتساهم في إحداث تأثيرات عميقة في العقد العصبونية Neural Nodes للعقل البشري[2].

وتطورات الأبحاث من مستوى الفرضيات الى مستوى النظريات التي تؤكد وجود تأثيرات حقيقية على المشاهد للتكنولوجيا من خلال حلقات رباعية مترابطة يرمز إليها بـ OODA والتي تلخص

(85)

أربع آليات يمارسها الذهن البشري وفق الآتي:

1ـ مراقبةObserve   2ـ توجيه  Orient  3ـ قرار Decide  4ـ فعل Act.

وتعمل وسائل الإعلام والتواصل على إحداث الخلل والإضطراب في آلية عمل تلك الحلقات بهدف إحداث التأخير في نمطه عملها الدوري.

 وقدمت دراسات وأبحاث اعتمدت أحدث انجازات المدرسة السلوكية الأميركية التي ترتكز على عقيدة تقول «ان صناعة بيئة محددة تحمل منظومة من القيم سيعطي نتائج محددة من السلوكيات» تلك البيئة يتم صناعتها بمساعدة علوم البرمجيات اللغوية وعلوم أعصاب الدماغ والبارابسيكولوجي ونشرها عبر منجزات تكنولوجيا الإعلام والإتصال التي بلغت ذروتها في العقدين الأخيرين[1].

وقد توسعت الأبحاث من التفكير في إرباك وبرمجة عقل شخص أو مجموعة أشخاص إلى مستوى برمجة وتضليل وتوجيه سلوك رأي عام وعقل جماعي وعقل نظام سياسي، وشعب كامل، وكذلك إستهداف جيوش ودول وأحزب ومنظمات...

واستعيرت للغاية بعض التقنيات والوسائل التي كانت تعتمد في الإستجوابات العسكرية وفي الحرب الصلبة وفق عقيدة الصدمة والترهيب المتغلغل في العقل الأميركي لتمتد تأثيراته إلى التطبيقات السياسية والإقتصادية والإعلامية والثقافية، وجرى تطبيقها في برامج الحرب الناعمة[2].

(86)

فكما يؤخذ الشخص الخاضع وفق تقنية الإستجوابات العسكرية عبـر مهاجمته بألوان وأصناف المؤثرات والصدمات والتهديدات الحسية والصلبة وكذلك ألوان وأصناف المؤثرات والإغراءات والإغواءات لـ «شل جهازه الفكري وتحطيم معنوياته والمس بمعتقاداته الإيمانية والدينية وتشتيت قدرته على التركيز والوعي وسلبه لإرداته» كما جاء حرفياً في وثيقة كراس الإستجوابات لدى[1] [CIA].

ويتم الأمر وفق جرعات تتناسب مع مراحل وحاجات التحقيق للسيطرة على وعي المستجوب وإرداته لكي يستسلم للمحققين ويدلي بكل ما يريدون....فان الشيء نفسه يحدث في حالة القوة الناعمة من خلال السعي للسيطرة على حالة جماهيرية أو شعبية عامة سواء كانت دولة او حزب، عبر أسرها وأخذها رهينة ومهاجمتها بكل الوسائل بغية العبث بوظيفتها الطبيعية وتوجيهها نحو السلوك المستهدف، فيتم توجيه مجموعة من المؤثرات المتناسبة مع مقتضى الحال وظيفتها الفعلية إزالة ومحو وتنظيف المكونات الذهنية والنفسية السابقة للفرد أو الجماعة والبدء بعملية القيادة النفسية والفكرية عبر التلاعب بالمشاعر العامة وتضليل العقل الجمعي وتدمير وجرثمة - من مصدر مفردة جرثومة - الروح الجمعية العامة، خاصة أن التقنيات الموظفة حالياً معقدة وماكرة لدرجة لا تصدق، فهي «قادرة على دحر كل الدفاعات والموانع الطبيعية للإنسان» وفق تعبير الباحث ويلسون براين صاحب كتاب «خفايا الإستغلال الجنسي في وسائل الإعلام»[2].

(87)

ثالث عشر: الحرب الناعمة والمدرسة الأميركية في البرمجة السلوكية

تعني عملية برمجة الوعي في مضمونها التقني كجزء من الحرب الناعمة «التأثير والتلاعب بالوعي بهدف السيطرة عليه والتحكم بتصرفاته وسلوكياته ومواقفه وتوجيهه نحو أفكار ونماذج وسلوكيات جديدة، وعلى أقل التقادير إحداث نوع من الإضطراب النفسي وبلبلة الأفكار المفضية إلى حالة من التقاعس والتشوش والإضطراب النفسي والسلوكي، لأن خلق بيئة فكرية ونفسية مضطربة للأفراد والجماهير شرط لازم لتحضير الأرضية الضرورية لتقبل النماذج والسلوكيات المصممة مسبقاً طبقاً للمدرسة السلوكية التي تشكل جوهر العقل الأميركي»[1].

وكي تحدث هذه البرمجة يجب تعريض الجمهور لمواد ومعطيات ومواضيع ومعلومات مركزة على جمهور محدد أصبح يعتمد بشكل شبه كلي في تواصله وتلقيه المعرفي والثقافي والترفيهي وحتى الإجتماعي على وسائل الإتصال والإعلام خاصة التلفزيون والإنترنت، ولا يحتاج الأمر لكثرة استدلال، يكفي ان نشير إلى إحصاء علمي كشف أن الجمهور يتعرض لوسائل الإعلام بمعدل 3- 4 ساعات يومياً، أي ما يوزاي 1000 ساعة سنوياً، مقابل 800 ساعة تعليم يتعرض لها التلامذة والطلاب في المدارس والجامعات.

ويؤدي هذا التعرض المشاهدة او الإستماع او التصفح أو القراءة إلى حدوث أثار ومضاعفات هائلة في صوغ وتشويش الأذهان وتوجيه ميولها النفسية والجمالية والإستهلاكية.

(88)

لكن يبقى الأخطر برمجة الوعي الثقافي والديني والسياسي، خاصة لدى الشرائح الرخوة الأكثر تعرضاَ للتأثير الأطفال والمراهقين والشباب.

وتؤكد بعض الدراسات والأبحاث العلمية أن 80 % من مصادر التلقي المعرفي والثقافي لدى الإنسان تعود في منابعها ومصادرها لعناصر حسية بصرية وسمعية[1] وتشارك هذه المعطيات الحسية المختزنة عبر تفاعلها في الذاكرة وفي عمليات صناعة المعرفة الذاتية عبر الوعي واللاوعي في 20 % الباقية، وهذا ما يؤكد لنا أن الجهاز المعرفي والإدراكي للإنسان هو جهاز حسي بنسبته الغالبة، وربطاً بذلك فإن الجهاز العصبي الذي ينفذ أوامر الجهاز الإدراكي ينفعل ويتفاعل مع المعطيات والمواد الحسية أشد الإنفعال ويترك بصماته الفيزيولوجية والبيولوجية على الدماغ.

وإذا ذهبنا نحو المزيد من التشريح الدقيق ودائما بحسب الأرقام والأبحاث العلمية نشير إلى ان العقل والدماغ البشري يستقبل المعطيات والمواد والرسائل الإعلامية عن طريق وسائل الإتصال والإعلام المختلفة تلفزيون / اذاعة / فضائيات / صحف ومطبوعات ومجلات / مواقع انترنت / اعلانات / أجهزة الإتصال الخليوية / الخ بمعدل يصل لمليوني جزئية Beta في الثانية الواحدة، يدخل منها إلى الوعي نسبة قليلة جداً قد تقل عن 10 % في حين يذهب القسم الباقي 90 % إلى اللاوعي محدثاً آثاره البطيئة عبر عمليات التأثير

(89)

وآليات الإتصال والتفاعل بين اللاوعي والوعي في أروقة وعوالم العقل الباطن.

وكما هو معروف فان اللاوعي نظام تخزيني وترميزي هائل في الذاكرة، ومن الناحية التقنية تحصل عمليات التفريغ والإستبدال لمعطيات ومكونات الوعي بما يشبه تقنية الإثقال البصري المعروفة والتي تقوم على تحميل الوعي كمية مواد بصرية وسمعية أكثر من قدرته على التحمل، فتحدث عملية الإفاضة، فيدفعها ويصدرها بالضرورة إلى اللاوعي مضخماً إياه بأجزاء ونتف من المعلومات والصور والأفكار والآراء التي لم يجر معالجتها وتصنيفها وتصريفها بحكمة ورشد ووعي.

وكلما امتلأ العقل الباطن بها زادت نسبة تشوش الجهاز الفكري والنفسي للفرد، فالعقل الباطن والعقل الظاهر يتعاكسان في الطبيعة، وكلما اشتدت فعالية احدهما ضعفت فعالية الآخر، وهذا ما يؤدي في النهاية إلى عدم الإنسجام والتوازن بل قد يحدث الصراع بين العقل الباطن والعقل الظاهر، فينتج عنه سلوكيات مزدوجة كالنفاق والرياء والتناقض بين الأقوال والأفعال[1]، الأمر الذي يشاهده بالعيان في سلوك أغلبية الناس هذه الأيام، حيث اللايقين واللامبالاة اتجاه قضايا مقدسة، وأمواج من الضياع والتيه والتشتت الفكري والروحي والنفسي والتفسخ القيمي والإجتماعي وتبرير وتقبل الباطل بسهولة منقطعة النظير.

(90)

واستطراداً، فلوا افترضنا أننا قمنا بعملية برمجة إعلامية مضادة وبذلنا المساعي لإعادة الناس إلى جادة الصواب، يصبح من الصعب محو المعطيات والمواد المغلوطة والمزورة التي دخلت إلى الدماغ والعقل البشري.

ولو افترضنا ان جماعة تعرضت لضخ اعلامي سلبي في قضية ما، ليس من السهولة ان تخرج منه دون مضاعفات سلبية، هذا اذا قطعت الخطوات المطلوبة وتابت وعادت إلى رشدها.

ولهذا، العقل الإنساني لا يستطيع محو أثار المعطيات المختزنة دون ان تترك بصماتها وتشوشاتها السلبية، وقد يستطيع استقبال وإضافة معلومات صحيحة وجديدة وضمها الى المعلومات المغلوطة القديمة، ولكن التفاعل والتسرب سيحصل بين اللاوعي والوعي حتماً، ولو بصورة لا إرادية، ومهما حاول الإنسان ضبط وعيه وشعوره فان دوائر اللاوعي واللاشعور ستطلق بالحد الأدنى محفزات وإيحاءات ذاتية يصعب التفلت منها، ولو في حالات الإسترخاء والنوم وعالم الأحلام، وهذا التحول يحدث بأسلوب تدريجي ـ جرعة بعد جرعة ـ في غضون أسابيع وأشهر وليس في ساعات أو ثواني.

(91)
(92)

 

 

 

 

 

 

الباب الثاني

تطبيقات ونماذج

 ومنظمات الحرب الناعمة

 

(93)

أولاً: وثيقة رسمية تبين دور الجامعات الأميركية في القوة الناعمة

يعد موضوع الجامعات الأميركية المنتشرة في افغانستان ومصر ولبنان والأمارات والأردن وغيرها من المواضيع التي أثارت جدلاً واسعاً لجهة تطبيقها لبرنامج سياسي وثقافي خفي كما يرى معظم الباحثين، في حين يخالف آخرون تلك النظرة.

وقد تحدث صاحب نظرية القوة الناعمة كثيراً عن أهمية الجامعات الأميركية في القوة الناعمة، قائلاً بتفاخر أن 46 رئيس حكومة حول العالم من خريجي الجامعات الأميركية، وهم من أهم موارد القوة الناعمة.

وفي هذا الإطار، كتب عضو مجلس أمناء الجامعة الأميركية في أفغانستان كريس تايلور مقالة نشرها في مجلة فورين بوليسي الأميركية متحدثاً عن دور الجامعات الأميركية في بسط القوة الناعمة[1]، ونظرا لكونها صادرة عن عضو مجلس أمناء هذه الجامعة، سننشر مقتطفات حرفية منها تكشف لنا دور الجامعات الأميركية في العالمين العربي والإسلامي كأداة في الحرب الناعمة، قال تايلور:  «بعد أحد عشر عاما من القتال ستتوج في نهاية المطاف بانسحاب القوات الأمريكية في عام 2014، لم يتم الوصول إلى حل في أفغانستان ولا إلى تسوية.

(94)

ولذلك، فإن النجاح في المنطقة على المدى الطويل في المنطقة يتطلب إتباع نهج أكثر دقة يبعث على إعادة التفكير لا الاعتماد على الإرث السابق، وما هو مطلوب ليس أكثر من مجرد التزام جديد مع الإستثمار الذكي في الأذرع الأخرى للنفوذ.

وفي هذا السياق فإن التعليم من أهم موارد القوة الناعمة لنا لتحقيق ذلك. وقد ثبت بالفعل أن التعليم نقطة جذب قوية في كابول، حيث ارتفعت نسبة الالتحاق بالدراسة في الجامعة الأمريكية في أفغانستان من 56 طالبا في عام 2006 إلى 1،800 في عام 2012، ولا يزال النمو مستمراً.

وتأسست الجامعة الأمريكية في كابول في عام 2004 من قبل كبار رجال الأعمال وأعيان ووجهاء مدنيين أفغان، وعلى غرار الجامعات الأمريكية  الناجحة في بيروت والقاهرة، فإن هذه الجامعة (AUAF) ليس لها توجهات طائفية، وتشترك مع المؤسسات التعليمية في المرحلة الجامعية، الدراسات العليا ومناهج التنمية المهنية.

في مايو 2011، تخرجت أول دفعة من الجامعة (AUAF)، وعددها 32 طالبا: 9 نساء و23 رجل، مع منحتين دراسيتين (منح فولبرايت). وفي عام 2012، تخرج 52، مع 6 منح فولبرايت.

الجامعة تجذب الطلبة من البشتون والهزارة والأوزبك والطاجيك والتركمان وغيرهم الكثير. وبهذه الطريقة، فإنه يمكن تهيئة بيئة مناسبة لتبادل الثقافات تتفاعل فيها عقول الشباب الأفغاني، مستفيدة من تنوع هائل لمختلف القبائل خدمة لمعنى واحد، وهو وحدة أفغانستان وتقدمها.

(95)

وفي حين يعتبر التعليم أداة فعالة في إستراتيجية القوة الناعمة، فإنه يؤثر في الأمن القومي أيضا. ذلك أن معدل الإلمام بالقراءة والكتابة منخفضا في أفغانستان بما يشكل تحديا كبيرا لبرامج التدريب الإستراتيجي لجيشها وقوات شرطتها ووكالاتها الحكومية، ويضعف قدرتها على احتمال تحمل المسؤولية عن أمنها في عام 2014.

في البداية، تم تمويل الجامعة بمنحة من USAID وبدعم من لورا بوش ، ثم بعدها نمت وتطورت جامعة (AUAF) بأبعد من ذلك الدعم. ولدى الجامعة الآن حملة قوية لجمع 80 مليون دولار على مدى خمس سنوات، وهي جزء من 108 مليار دولار قيمة ميزانية العمليات في أفغانستان في العام 2012. ويبدو أن التعليم هو الصفقة التامة في هذه الأيام.

ومع مراجعة الولايات المتحدة لخياراتها الإستراتيجية الحالية، فإن الاستثمار في الجامعة الأميركية في أفغانستان أمر له معنى. فالتطرف يسحر يومياً الشباب المحبط، ولكن هذا يحصل بسبب عدم وجود رسالة أقوى وأكثر إيجابية تحتضنهم.

الإلتزام بالجامعة الأميركية في أفغانستان يجلب معه جيل جديد من القادة الأفغان الذين سيدفعون بأفكار جديدة لمكافحة التطرف ورفض الفساد وتبني المساواة بين الرجل والمرأة وإقامة علاقات إقليمية على المدى الطويل وإسماع صوت الشباب الأفغان الذين هم مستقبل بلادهم وبناء مجتمع معتدل وحر. يجب أن نتحمل هذه المسؤولية اليوم.

(96)

نشر الموقع الإخباري السويسري تقريراً يسلط الضوء حول ملف القوة الناعمة للجامعة الأميركية في القاهرة، ولأهميته في محورنا، نقتبس منه النص الآتي[1]:

تشويه وتغريب!

الإعلامية المصرية الدكتورة ليلى بيومي، المهتمة بمتابعة ملف الجامعة الأمريكية بالقاهرة تختلف مع القائلين بحياد الجامعة جملة وتفصيلا، بحيث تقول: «إن الجامعة الأمريكية بالقاهرة مؤسّـسة بحثية تقوم بمتابعة ورصد الظواهر الحياتية للمجتمع المصري من خلال البحوث والدِّراسات والزيارات الميدانية واستطلاعات الرأي، التي تجريها للوصول إلى نتائج حقيقية لمعرفة توجّهات المجتمع المصري، وذلك كله لخدمة صانِـع القرار في الولايات المتحدة، هذا بالإضافة إلى استخدمها في تشويه صورة مصر في الخارج».

وتقول د. ليلى بيومي: «المتابع لشؤون الجامعة يكتشِـف أنها تسعى لإغراق الشباب المصري في دوّامة التغريب من خلال المناهِـج التي تدرسها وأسلوب الحياة والنّـمط المعيشي الذي تدعمه، وذلك وِفق النموذج الغربي، البعيد عن قِـيمنا ومبادئِـنا، لكنها تتعجّـب لأنه سُـرعان ما ينقلِـب السِّحر على السَّـاحر، فيُـصبح لدى الخرّيج رغبة شديدة في الالتزام بتعاليم دينه، لدرجة أنها أحيانا تأخذ ردّ فعل عكسي لدى خرّيجيها فيلجؤون إلى مزيد من التدَيُّـن، بل ويصل الأمر بالفتاة التي ترتدي أحدث خطوط الموضة، أن ترتدي النِّقاب».

(97)

وتواصل بيومي، «وفي اعتقادي الشخصي، أن مصر لم تُـجنٍ شيئا إيجابيا من الجامعة طوال 90 عاما، وإنما تأثّـرت تأثيرًا سلبِـيا، حيث خسِـرت الكثير من صفوة أبنائها، ممّـن تمّ تغريبهم عن وطنهم وإبعادهم عن دِينهم، ومن يُـدقِّـق النظر، يجد أن خرِّيجيها هُـم أقلّ معرفة بدِينهم وأكثر جهلا بشريعة ربِّـهم إذا ما قُـورنوا بأقرانهم، حتى من خرِّيجي الجامعات المصرية غير الدِّينية».

واختتمت د. ليلى بيومي حديثها قائلة: «ولا يخفى على مُـتابع راصد أن الجامعة الأمريكية بالقاهرة لم تخرِّج لمصر طوال التسعين عامًا طبيبًا واحدًا أو مهندسا واحدا ولا عالِـما واحدا في أي فرع من فروع العلوم الطبيعية، ولا مخترعا ولا مبتكرا، بينما ساهمت الجامعات الحكومية، ذات الإمكانات المتواضعة، في تخريج مئات، بل ألوف العلماء والمفكِّـرين والمخترعين والمبتكِـرين، ممّـن يُـشار إليهم بالبنان، وهم ملء السمع والبصر، يكرّمون في مختلف المحافل الدولية»، مشيرة إلى أنها «ركّـزت على «البيزنس» والسياسة والدبلوماسية، في محاولة للسيطرة على حكومات العالم العربي أو ترويضها».

 

ثانياً: دور العلوم والمناهج في القوة الناعمة الأميركية

كما كتب الدكتور والباحث المصري الأميركي الجنسية أحمد زويل[1] مقالة حول ما أطلق عليه دور «العلوم الناعمة»، سنقوم بنشر

(98)

مقتطفات حرفية لتوضيح دور النخبة العربية في بسط نفوذ القوة الأميركية الناعمة:

«في عالمنا اليوم، يُعتقد عادة أن القوة الناعمة لأميركا تكمن في شعبية أفلام هوليوود والكوكاكولا وماكدونالدز وستاربكس بمختلف أنحاء العالم». ولكن تظهر الحقائق شيئا مختلفا عن ذلك.

وفي استطلاع رأي أجري مؤخرا وشمل 43 دولة، قال 79 % ممن استطلعت آراءهم إن أكثر ما يعجبهم في الولايات المتحدة هو ريادتها في مجال التقنية والعلوم. وجاءت الأعمال التي أثمرها قطاع الترفيه الأميركي في المرتبة الثانية ولكن بفارق كبير. وكطالب أجنبي شاب خلال السبعينات من القرن الماضي، كان أكثر شيء يثير الإعجاب لدي وله صلة بالولايات المتحدة، هو ما يقدره الكثيرون في العالم لأميركا في الوقت الحالي، فقد أعجبتُ بالثقافة الفكرية المنفتحة وجامعاتها العظيمة وإمكانياتها في مجال الاكتشاف والإبداع.

وعبر تسخير القوة الناعمة للعلوم لخدمة الدبلوماسية، يمكن لأميركا أن تؤكد رغبتها في استخدام أفضل ما في تراثها وثقافتها لبناء علاقات أوسع وأفضل مع العالم الإسلامي وما وراءه.

وقد شعرتُ بجدوى هذه القوة الناعمة عندما جئتُ إلى الولايات المتحدة عام 1969 لبدء دراسات عليا في جامعة بنسلفانيا. واكتشفتُ حينها كيف تمثل العلوم لغة عالمية، إذ يمكنها إيجاد روابط جديدة بين الأفراد وفتح العقول أمام أفكار تتجاوز نطاق

(99)

الفصول الدراسية. وغرست الفترة التي قضيتها أتعلم خلالها داخل أميركا في داخلي تقديراً أكبر لقيمة الخطاب الأكاديمي واستخدام الوسائل العلمية من أجل التعامل مع قضايا معقدة. وبُذرت حبوب جديدة من التسامح السياسي والثقافي، ونمت هذه البذور.

ولكن، ربما يتمثل أهم شيء أقدره في مدى ما تجسده العلوم من القيم الأساسية لما سماه المؤسسون الأميركيون «حقوق الإنسان» وفقاً لما هو موجود في الدستور الأميركي: حرية التعبير والتفكير وهما عنصران ضروريان للتطور الإبتكاري في العلوم، بالإضافة إلى الإلتزام بتوفير فرص متكافئة لأن الإنجاز العلمي لا علاقة له بالخلفيات العرقية والثقافية.

وفي يناير كانون الثاني الماضي، وبعد أن عينني الرئيس الأميركي باراك أوباما كأول مبعوث علمي لأميركا داخل منطقة الشرق الأوسط، بدأت جولة دبلوماسية إلى مصر وتركيا وقطر. وقابلت مسؤولين من كافة المستويات الحكومية ومسؤولين بالأنظمة التعليمية في هذه الدول، بالإضافة إلى علماء في الاقتصاد وأقطاب في القطاع الصناعي وكتّاب وناشرين وممثلي وسائل إعلام. واكتشفت في هذه الجولات أشياء مقلقة، ولكن عثرت على أسباب هامة للتفاؤل.

وتمثل الجانب المقلق في حقيقة أن التعليم داخل الكثير من الدول ذات الأغلبية المسلمة لا يرتقي إلى مستوى المعايير الدولية على نحو خطير. ويمثّل القصور في نظام التعليم والعوائق الاقتصادية المنتشرة وقلة فرص العمل المتاحة أمام الشباب مصدر إحباط

(100)

ويأس في مجتمعات مسلمة كثيرة. ويرجع ذلك بدرجة كبيرة إلى الحكم الضعيف والفساد المتنامي، بالإضافة إلى الزيادة السكانية.

ولكن، كانت هناك أيضا الكثير من الإشارات الإيجابية، حيث تقطع دول بها أغلبية مسلمة، مثل ماليزيا وتركيا وقطر، خطوات كبيرة هامة في مجال التعليم وفي مجال التنمية الاقتصادية والتقنية. وتعد مصر والعراق وسورية ولبنان والمغرب وإندونيسيا نماذج للدول التي لا تزال غنية بالمواهب الشابة.

وفي الوقت الحالي، تميز الكثير من المسلمين الموجودين في الغرب في مجالات متنوعة، بدءا من العلوم والتقنية والتجارة إلى الفنون والإعلام. ويمكن أن تساعد هذه الإنجازات، والقيم التي تمثلها، العالم الإسلامي على استعادة جزء من إرثه العظيم كرائد في العلوم من خلال تكملة الجهود والتطلعات المحلية.

ومن المؤكد أن تعزيز العلاقات مع هذه الأغلبية المعتدلة سيصب في صالح الولايات المتحدة، حيث تجد هذه الأغلبية نفسها محصورة في صراع مع أقلية من المتعصبين. ويؤمن معظم الناس الذين قابلتهم في منطقة الشرق الأوسط بنوايا الرئيس أوباما، التي أوضحها في خطابه من القاهرة العام الماضي، ويرحبون باحتمالية وجود شراكات تعليمية وعلمية أقوى مع الولايات المتحدة. ومع ذلك، هناك من عبّر عن بعض الشكوك. وقال لي مسؤول بارز: «لقد أدلى الرئيس أوباما بخطاب رائع داخل القاهرة، ولكن هل يسمح المناخ السياسي

(101)

داخل الولايات المتحدة، ولا سيما الكونغرس الأميركي، له بالعمل على تحقيق ما تعهد به؟».

ويجب البدء بالتأكيد على ثلاث نقاط تُعزز من احتمالية النجاح في ذلك.

أولا: تحتاج الولايات المتحدة إلى تحديد سياسة شاملة متساوقة لاستخدام الدبلوماسية العلمية مع الدول ذات الأغلبية المسلمة. وعلى الرغم من الكثير من الجهود التي تبذلها منظمات خاصة وعامة، فإن مبادراتها لا تزال شيئا بسيطا.

ثانيا: يجب أن يركز جهد أكثر تكاملا على تحسين التعليم وتعزيز البنية التحتية التقنية والعلمية التي ستفضي إلى مكاسب اقتصادية حقيقية وتقدم سياسي واجتماعي. ومن وسائل إيجاد ثروة بشرية في مجال العلوم، على سبيل المثال، أن تقوم الولايات المتحدة بتشجيع ودعم مختبرات بسيطة لعلوم الأرض داخل المدارس الابتدائية مع توفير التدريب اللازم للمدرسين. وبالنسبة للطلاب الأكبر سنا، أقترح برنامجا جديدا وهو برنامج «إعادة تشكيل التعليم والتنمية». وسيكون له أهمية بالنسبة للمسلمين. ومن خلال هذا البرنامج يمكن للولايات المتحدة دعم بناء مراكز التميز في العلوم والتقنية لتخدم المراكز التعليمية للطلاب الموهوبين في المدارس الثانوية والجامعة بمختلف أنحاء المنطقة.

ثالثا: يجب أن تكون هذه الجهود تتمة، وليس بديلا، للجهود الأميركية من أجل تعزيز حقوق الإنسان والحكم الديمقراطي في

(102)

العالم الإسلامي. ويجب على الولايات المتحدة أيضا الإستمرار في السعي من أجل الوصول إلى حل عادل للنزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي يعتمد دولتين تنعمان بالأمن، مع العمل على جعل منطقة الشرق الأوسط خالية من الأسلحة النووية.

وستمضي هذه الجهود في طريقها من أجل تحفيز التقدم وإعادة توجيه طاقات المنطقة إلى قنوات جديدة بناءة تعود بالنفع المشترك. وبهذا، يمكن لقوة العلوم الناعمة أن تعيد صياغة الدبلوماسية العالمية. وإذا تمكنا من تحقيق الرؤية التي حددها الرئيس أوباما في القاهرة، ربما يسجل التاريخ هذا الخطاب كمدخل إلى مرحلة من التغيير التحوّلي، يحب الأميركيون مقولة «الأفعال أعلى صوتاً من الأقوال»، وما نريد في الوقت الحالي هو الأفعال[1].

 

ثالثاً: توصيات معهد راند للبحوث الدفاعية الأميركية حول الكتب العربية

نسلط الضوء على وثيقة منشورة من قبل مركز البحوث الدفاعية التابع للبنتاغون الأميركي تثبت الإهتمام الخاص برفع توصيات تستهدف تأمين أفضل السبل لنشر نوعية محددة من العناوين والمواضيع والاصدارات والكتب في العالم العربي، وذلك

(103)

بالإستفادة من تجربة نشر الكتب أيام الحرب الباردة ضد الإتحاد السوفياتي.

واحدى الامور الهامة في هذا المناخ هو كيفية تجاوز الشك المفهوم الموجود لدى الجماهير الأجنبية تجاه أنشطة إعلامية برعاية حكومات. فخلال الحرب الباردة، تم حل هذه المشكلة من خلال استخدام الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

هذه الشراكة سمحت للحكومات الأميركية والبريطانية بالبقاء على مسافة من أنشطة الترويج الإعلامي التابعة لها وفي نفس الوقت ضمان التزام المجموعات الخاصة التي تدعمها بكل هدف من أهداف السياسة الخارجية الأساسية للدولة.

أما الدرس الآخر المستمد من الحرب الباردة فهو دراسة الجمهور - الهدف بعناية  وتحديد المصادر الإعلامية التي يرجح تأثيرها عليه أكثر من غيرها. وكما كان الحال في الحرب الباردة، فإن النخبة المثقفة في العالم العربي، والمحددة على نطاق واسع، هي الفئة القارئة المرجحة غالباً، والمتأثرة بالمادة المطبوعة.

أما الدرس الثالث فهو القيمة المادية غير السياسية في محاربة التطرف. وكانت المواد المثمنة أكثر من غيرها لدى جماهير الإتحاد السوفياتي وأوروبا الشرقية تلك التي تعوِّض الفراغ الفكري في حياتهم، وليس تلك التي تحارب الشيوعية مباشرة.

(104)

لتجاوز هذه العوائق (الرقابة، السوق، والتوزيع)، نحن نؤيد سلسلة من التوصيات السياسية، معظمها يشتمل على أعمال لمؤسسات غير حكومية وحلفاء دوليين آخرين، وليس عملاً حكومياً أميركياً علنياً:

1- جعل الرقابة بنداً في أجندة متماسكة في محادثات ثنائية مع حلفاء إقليميين.

2- العمل مع محاورين أوروبيين لترويج وتعزيز أعمال ذات مواضيع بناءة، كما في معارض الكتاب الدولية.

3- تعزيز جوائز الأدب العربي.

4- مساعدة الأفراد في الحصول على أعمال محظورة من خلال التوزيع من شخص لشخص ومن خلال النشر عبر الانترنت.

5- دعم الإصلاح التعليمي وتعزيز برامج محو الأمية.

6- الترويج لمؤلفين محددين في الولايات المتحدة وفي بلدانهم الأصلية.

7- تحويل أو تبني مادة مطبوعة ذات مواضيع بناءة في وسائل إعلامية أخرى لتصل إلى جماهير أوسع.

8- استخدام تقنيات جديدة في تكنولوجيا الانترنت لتجاوز عائقيْ الرقابة والتوزيع.

9- المساعدة في توسيع المكتبات ومحلات الكتب.

(105)

وتعرج الدراسة على الحرب الباردة، نقتطف نصاً مهماً منها «خلال الحرب الباردة أسست دائرة الأبحاث والمعلومات (IRD)، وهي مؤسسة سرية في مكتب الخارجية البريطانية مسؤولة عن تنظيم وتنسيق جهود بروباغندا الحرب الباردة لبريطانيا، دار النشر الخاصة بها (Smith، 1980). وكلفت مؤسسة (IRD) بأعمال أدبية واقعية (غير خيالية)، ما سمح لها بصنع ترتيبات محلية لطباعة وترجمة وتوزيع الكتب.

كانت سلسلة الكتب معروفة بـ«كتب الخلفيات»، والتي استمرت حتى عام 1970 وكانت مؤلفة من حوالي 100 عنوان. وفي معظم الحالات، كانت مؤسسة (IRD) تثق بمصادر سرية، غالباً ذات خلفية استخبارية، للكتابة حول مواضيع تريد الحكومة البريطانية الإضاءة عليها. وتضمنت هذه المواضيع أموراً مثل طبيعة الشيوعية، السياسة السوفياتية في أوروبا الشرقية، والسياسات الاجتماعية والاقتصادية السوفياتية. وأفسح المجال أمام الكتاب للوصول إلى مواد مصادر تم جمعها بشكل سري بينما كان هؤلاء يعملون أبحاثهم حول الموضوع. وما أن ينتهي المنشور، حتى تشتري مؤسسة (IRD) كميات كبيرة من كل عنوان من عناوين الكتب لتوزيعه في الخارج.

(106)

رابعاً: توجيه مصادر المعرفة على محركات البحث على شبكة الإنترنت

قد يعتقد البعض أن البحث على شبكة الإنترنت عن المعطيات والأخبار والمقالات هو بحث حر ونزيه وعفوي، لكن الوقائع تؤكد عكس ذلك.

وما أن يطلب الباحث أحد العناوين والموضوعات الربيع العربي مثلاً أو الشيعة أو البحث عن أحد الشخصيات أو المراجع العلمية، أو البحث عن تعريف لأحد المفاهيم، تأتي النتائج موجهة نحو مواقع محددة، ومن ابرز المواقع التي يوجه اليها محرك البحث google على سبيل المثال موقع موسوعة المعطيات الحرة Wikipedia الذي يتصدر موقعها لوائح نتائج البحث. وبامكان أي شخص إجراء التجربة والوصول إلى هذه الخلاصة.

وقد يقول القائل ان هذه الموسوعة حرة ويكتبها أفراد ليس لهم أية خلفيات سياسية أو فكرية، لكن المعطيات والوثائق تدحض هذه النتيجة، فموسوعة ويكيبيديا ليست موسوعة حرة كما تطلق على نفسها، فهناك باعتراف مديرها البريطاني جيمي ويلز. فرق عمل تتولى تدقيق وتنقيح المعلومات التي يدرجها الهواة من الكتاب العرب وغير العرب.

ولهذا، تعتبر Wikipedia من أكثر المواقع في احصاءات ترتيب الزيارات على مستوى العالم، سيما من قبل طلاب وتلاميذ المدارس والجامعات، وقد بلغ معدل الزيارات الشهرية حوالي

(107)

470 مليون زائر وفق مدير الموسوعة، وباعتراف جيمي ويلز الذي قام بزيارة الى لبنان وعدد من البلدان العربية للتنسيق مع بعض المؤسسات التكنولوجية والمراكز البحثية فان ويكيبيديا تنسق مع شركة google وغيرها من الشركات العالمية، وعدد موظفيها حوالي 100 موظف[1].

 

خامساً: معاهد أميركية لتدريب الناشطين على الثورات الناعمة

تكشف الوثائق الرسمية المنشروة على موقع معهد السلام الأميركي USIP التابع للكونغرس والذي يعين اعضاء إدارته الرئيس الأميركي عن تمويل معاهد تدريبية لتوجيه وتدريب الناشطين في المنظمات الشبابية حول العالم، وخاصة في البلاد العربية على برامج وتصاميم جاهزة للإحتجاج والعصيان والتعبئة الجماهيرية بهدف قلب واسقاط الأنظمة الحاكمة من خلال تقديم ورشات ودورات تدريبية لتعليم وإعداد الكوادر والناشطين المرتبطين بالمشروع الأميركي على اكتساب الخبرات وتلقي التوجيهات في البناء الفكري والسياسي لقيادة الثورات «الناعمة والملونة»[2].

(108)

وكلفت مراكز أبحاث بالتشاور مع مدربين دوليين بوضع خطوات وآليات تفصيلية لهذه التصاميم والبرامج، ووصل الأمر إلى حد تكليف مهندسين في المعلوماتية لوضع مخططات وبرامج تطبيقية إفتراضية مزودة بخرائط ومجسمات ثلاثية الأبعاد تشبه ألعاب الكومبيوتر بغرض المزيد من الإتقان والإحتراف ولغاية دراسة كل السيناريوهات والبدائل الناجعة.

وقد أكدت الوقائع والأحداث الجارية حالياً في المنطقة صدق هذه المعطيات، وثبت بما لا يدع مجالاً للشك بالفيلم الوثائقي الذي أنتجته مؤسسة إعلامية غربية ونشرته عدة مواقع على شبكة الإنترنت، وفيه يعترف عدد من الناشطين المعروفين على المستوى العربي بتلقيهم تدريبات على قيادة وإدارة الثورات والإنقلابات «الناعمة والملونة» وعرض الفيلم على عدة قنوات تلفزيونية عربية[1] الفيلم المتوفر على موقع يوتيوب youtube يتحدث فيه المدرب الصربي سرجيو بوبوفيتش رئيس منظمة «أوتبور» ـ تعني باللغة العربية المقاومة الشعبية ـ وشعارها قبضة اليد، وهو نفس الشعار الذي استنسخته عشرات المنظمات حول العالم، وقد نشطت أوتبور في تنظيم الإحتجاجات في دولة صربيا لإسقاط ميلزوفيتس، وهي منظمة معروفة بإرتباطاتها الأميركية كما يؤكد الموقع الرسمي لمعهد السلام الأميركي.

(109)

وقد اعترف سرجيو بوبوفيتش في الفيلم الوثائقي بأنه درّب في

 

مركزه المعروف في العاصمة الصربية بلغراد تحت إسم CANVAS مئات الناشيطن والحقوقيين من 37 بلداً حول العالم على خطط وتصاميم إستراتيجيات وتكتيكات إسقاط الأنظمة من خلال تحريك الإحتاجات المدنية والسلمية.

وتحدث بوبوفيتش عن ناشطين من إيران ومصر وتونس وسوريا وفنزويلا وأوكرانيا وجورجيا وقيرغيزيستان.

وفي الواقع، تشير جنسيات الناشطين إلى الدول التي شهدت إحتجاجات وانقلابات دعمتها أميركا والغرب في السنوات العشر الأخيرة 2004 – 2014.

وقد فصل بوبوفيتش آليات وتكتيكات تنظيم ثورات ناعمة وملونة تقوم على «إعتماد مبدأ الهجوم والعصيان المدني والشعبي والتحرش بالأمن والشرطة، ومحاصرة وإحتلال المقرات الرسمية

(110)

والتواجد عبر المخيمات في الأماكن والميادين العامة، وإضفاء الأحداث الدرامية والرمزية على الواقع العام، وسبل تنظيم المسيرات الجماعية الناجحة، وكتابة البيانات والشعارات والرايات الإعلامية، وإعتماد الأناشيد والأغاني واللباس واللون الموحد، وعرض الأنشطة الفكاهية وقرع الطبول والموسيقى والمزامير الخاصة التي تؤدي الى زيادة الحماسة وتجتذب المزيد من الجماهير وتحافظ على تماسك الإحتجاجات وتدعم بقائها في الشوراع والميادين العامة وترفع معنويات الحشود الجماهيرية[1].

وتحدث في الفيلم الوثائقي رؤساء منظمات شبابية وحقوقية من بلدان أوروبا الشرقية كأوكرانيا وجورجيا وصربيا، ومن عدة بلدان عربية كتونس ومصر وسوريا واليمن، وبلدان أميركا اللاتينية كفنزويلا.

وسننشر وثيقة أخرى نشرتها صحيفة اليوم السابع المصرية الذائعة الصيت حول عودة ناشطين مصريين من ورشة تدريبة أجريت لهم في بلغراد في صربيا عام 2009 قبل الربيع العربي بسنوات تحت عنوان «فريدوم هاوس تدرب الشباب المصرى على الثورة البرتقالية» لتأكيد المطلب المشار إليه[2]: «15 شاباً مصرياً تلقوا تدريبات على

(111)

تفكيك النظام، وكيفية التخلص منه بعد الخلاص من وهم داخلي يقول بأن الحكام يسيطرون على مقاليد الأمور، لذا يجب إزاحة هذا الوهم أولاً، ثم مساعدة الآخرين على التخلص منه، كبداية لحشد الجميع للنضال السلمي وتغيير النظام».

جاء ذلك ضمن برنامج متكامل للتدريب النظري عن «استراتيجيات الكفاح السلمي»، تلقاه عدد من الشباب المصري تحت إشراف الناشط شريف منصور نجل الدكتور أحمد صبحي منصور، والناشطة سارة أحمد فؤاد فى منتجع باليتش فى صربيا ضمن برنامج أعد خصيصًا لجيل جديد من نشطاء العالم الثالث، ليتمكنوا ـ حسب البرنامج الذي تموله مؤسسة فريدوم هاوس بالتعاون مع بعض المنظمات المحلية ـ من خلق جيل جديد لدعاة الديمقراطية، إلى النضال السلمي ضد السلطة.

ويقول برنامج التدريب إن المظاهرات لا يجب أن تكون هى الخيار الأول، ويفضل أن يكون الأخير، لأنها خيار مكلف وغير مضمون العواقب، ولا بد من الإعداد الجيد لها حتى لا يقع منظموها تحت طائلة الظروف المناخية السيئة، أو موانع للمشاركين، ويفضل قضاء الوقت فى تجميع الناس حول الفكرة، بدلًا من تجميعهم للوقوف أمام الشرطة ويخسرون من الاصطدام معها.

تولى التدريب فى مدينة باليتش أعضاء مركز كانفاس، بجانب أعضاء مؤسسين لحركة أتبور «أكاديمية التغيير فى صربيا»، وحاضر سيردجيا بوبوفيتش حول الآليات التي قامت بها حركة أتبور فى الدعاية للكفاح السلمي.

(112)

أيضا شرح المصريون الخمسة عشر هذه الوسائل كمرجع للأحزاب وحركات الإحتجاج فى مصر، ومن خلال ورش العمل التي شارك فيها المتدربون، تم تنظيم مظاهرة افتراضية، وتخطيط مشروع على المدى القصير، يحقق أهداف الكفاح السلمي على المدى الطويل، والتدريب على كيفية إحراج النظام إعلامياً دون اللجوء للمظاهرات والأساليب الصدامية العنيفة».

ولمزيد من الدقة سننشر وثيقة رسمية للكتاب الذي مولته الإدارة الأميركية وترجم منذ العام 2005 إلى اللغة العربية لتدريب الشباب والناشطين[1]:

ونشير الى أن الكتاب ترجم بعنوان آخر هو «أسلحة حرب اللاعنف» من قبل أكاديمية التغيير في الدوحة - قطر التي يديرها الدكتور هشام مرسي صهر الشيخ يوسف القرضاوي،[2].

وهناك معطيات موثقة عن اعتراف رسمي لهشام مرسي مدير الأكاديمية نشرته مؤسسة الدوحة Doha Institute والمركز العربي الذي يديره عزمي بشارة من تدريب 40 ناشطاً

(113)

من كل محافظة مصرية على استراتيجيات اللاعنف قبل ثورة 25 يناير 1120.[1]

ونشر مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت نسخة عربية من كتاب اللاعنف عام 2011، كما نشر الكتاب من قبل الدار العربية للعلوم – ناشرون في بيروت.

وفيما يلي مقتطفات حرفية من مقدمة الكتاب لغاية توضيح الأهداف:

العنوان الأصلي للكتاب في نسخته الصربية «الكفاح السلمي 50 - نقطة حاسمة».

هذا الكتاب بداية لتطبيق استراتيجيات العمل السلمي في الحملات الحقيقية. التقنيات التي وضحت في الفصول الـ 15 التالية قد استخدمت بنجاح في أنحاء كثيرة من العالم. المؤرخ البريطاني أريك هابسوم شرح بأن القرن العشرين «زمن التطرف» نظرا للحروب المدمرة التي شنت خلال المائة سنة الماضية، وكذلك التأثير بالأفكار المتطرفة التي استخدمت لتبرير تدمير كافة فئات الشعوب والأديان. وفي نفس الوقت انتشار الديمقراطية و الاستقرار الاقتصادي، فاحتمال عودة هذه النزاعات يبقى وارداً اليوم، كما هو الحال لفرصة اللاعنف كبديل.

احتوى الكتاب على دروس استوعبت من نضالات سلمية

(114)

طويلة وصعبة ضد أنظمة غير ديمقراطية ومعارضين أخرين لأبسط حريات الانسان.

كتب هذا الكتاب لهؤلاء النشطاء العاملين أو الذين يفكرون في بناء مجتمعات عادلة و أكثرحرية وتفتحاً.

الخمسون نقطة الحاسمة هي عن استراتيجية كفاح اللاعنف، مهيئة عبر ثلاثة أقسام موضوعية. الأول «قبل أن تبدأ»، يقدم لك مجموعة جداول أساسية للمفاهيم والتحاليل. الثاني «الشروع في البداية» يعلمك المهارات البسيطة التي أتقنها مطبقو استراتيجية اللاعنف، كصياغة الرسالة والتخطيط للعمل الشعبي. الثالث «تسيير حملة اللاعنف»، يعلمك مهارات متطورة، كتسيير حملة اللاعنف. الرابع «العمل تحت القمع»، يحاول أن يظهر لك كيف تعمل بأمان. والقسم الأخير يقترح عليك طرق ملموسة لتطوير مهاراتك ومعلوماتك.

يضم كل قسم فصولا منظمة حول سؤال رئيسي وإجابته: إذا فهمت الجواب لسؤال ما، فإنك تكون قد فهمت نقطة حاسمة لاستراتيجية اللاعنف. يمكنك قراءة سؤال معين يهمك، أو فصل أو قسم بكامله.

فلمساعدتك كل نقطة تشرح أولا، ثم يعطى لها مثال، قضية مدروسة، أو تمرين تطبيقي والذي يمكن أن يساعدك في تطوير مهاراتك ومعرفتك. إضافة لإعطائك نصائح تطبيقية أكثر، خاصة مواد مهمة تظهر في سلسلة من النصائح القصيرة، والتي يمكن لك أن تفهمها وتطبقها بسهولة.

(115)

المؤلفون يتمنون وهم على يقين من إيصال الخمسين نقطة الحاسمة بهذه الطريقة سوف يساعدك على معرفة تسيير استراتيجية عمل اللاعنف، لذلك يمكن أن تفوز بحقوقك، تتحرر من القمع، تتصدى للاحتلال، تحقق الديمقراطية أو تبني العدل في وطنك – وبذلك فولادة «عصر تطرف» آخر غير محتمل.

بعض النماذج من ضمن 198 تكتيكاً لإستراتيجيات اللاعنف لإسقاط النظم:

1- الخطب الشعبية.

2- رسائل المعارضة أو الدعم.

3- تصريحات المنظمات والمؤسسات.

4- بيان شعبي موقع.

5- الإعلانات عن لائحة الإتهامات.

6- عرائض جماعية أو كتل اتصالات مع جمهور أوسع نطاقا.

7- الشعارات، الرسوم والرموز.

8- رفع اللافتات ، الملصقات وعرض الاتصالات.

9- المنشورات، الكتيبات والكتب.

10- نشر المقالات في الصحف والمجلات.

11- الأشرطة، الراديو والتلفاز والإنترنت.

(116)

12- الكتابة في الجو والكتابة في الأرض. والمراسلة، الرسائل القصيرة المكثفة ورسائل البريد الالكتروني هذا الأسلوب طوّر في صربيا عام 2000 على يد (OTPOR المقاومة) خلال حملة اللاعنف ضد سلوبودان ميلوسوبيتش.

13- الوفود والبعثات.

14- الجوائز الساخرة.

15- الكواليس الجماعية.

16- الإضرابات.

17- الانتخابات الصورية. أعمال رمزية عامة

18- عرض الأعلام والألوان الرمزية.

19- إرتداء الرموز.

20- الصلاة والعبادة.

21- تسليم رموز مجسمة.

22- الإحتجاجات العارية.

23- تدمير الممتلكات الخاصة.

24- أضواء رمزية.أساليب عمل اللاعنف

25- عرض لوحات.

26- الرسم كإحتجاج.

(117)

27- إشارات وأسماء جديدة.

28- أصوات رمزية

29- استصلاح رمزي.

30- حركات غير مؤدبة / الضغط على الأفراد.

31- مطاردة المسؤولين.

32- تعنيف المسؤولين.

33- الإخاء.

34- سهرات / الدراما والموسيقى.

35- القصص الفكاهية والمزح المضحك.

36- أداء المسرحيات والموسيقى.

37- الغناء ، المواكب.

38- المسيرات.

39- الاستعراضات

40- المواكب الدينية

41- الحج.

42- مواكب السيارات / تكريم الموتى

43- الحداد السياسي.

(118)

44- جنازات صورية.

45- جنازات برهانية.

46- التحية في أماكن الدفن......[1]

 

سادساً : وزارة الخارجية الأميركية تنشر وثيقة إعداد خطة الإتصالات الإستراتيجية والحملات الإعلامية الفعالة للجمهور العربي

نشر مكتب برامج الإعلام الخارجي الموجه الى العالم العربي وثائق تدريب على كيفية إعداد خطط إعلامية فعّالة[2]، وهي بطبيعة الحال لم تنشر لتدريب الناشطين والإعلاميين العرب لإعداد حملات ضد المصالح الأميركية والصهيونية، بل لمواجهة محور المقاومة وتيار الصحوة الإسلامية تحت عنوان مواجهة «التطرف». وفيما يلي بعضاً من نص الوثيقة يبين تشابه الحملات التي تشن على جبهتنا مع التوجيهات الأميركية:

تكمن الخطوة الأولى في التواصل الناجح مع الجمهور والبرامج الناجحة في أن تعرف ما تريد تحقيقه ووضع خطة استراتيجية لتوصيلها.

(119)

والإتصالات الاستراتيجية هي عملية محدّدة بدقة من أجل التوصل إلى تحقيق أهداف الاتصالات على المدى الطويل. إنها تتطلب مجموعة متنوعة من العوامل بما فيها المعلومات المستدامة والمتسقة، والتنسيق، والاتصالات التي تكمل بعضها داخليًا وخارجيًا مع كل من الجمهور العام والجمهور المستهدف في التوقيت المناسب.

وينبغي أن تكون الاستراتيجية مدعومة بخطة بحث جيدة لقياس سلوك واتجاهات الجمهور، وتحديد مجموعات الجمهور واختبار السبل المؤدية لتغيير السلوك أو الأنماط المعتادة. وتتطلب الاستراتيجية الفعّالة أيضاً رصد وتقييم مدى تحقق الأهداف، وإن لم تكن تتحقق، فما الذي ينبغي فعله. والتخطيط الاستراتيجي لاتصالاتك يساعدك على ألا يقتصر موقفك مما يجري على مجرد أن تكون لك ردود أفعال على الأحداث وما يُثار من قضايا.

 

سابعاً: الخارجية الأميركية تكرم الناشطين العـرب بجوائـز ناعمة

في خطاب لها خلال الاحتفال بتوزيع جوائز الديموقراطية كشفت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون دور المعاهد الأميركية في تدريب الناشطين العرب[1]، وحددت ارتباطهم بأهداف السياسات الأميركية، وفيما يلي بعضاً من النص الحرفي المقتبس من الخطاب:  «أعتقد أن من المهم الإعتراف بأنه عندما

(120)

كانت الشوارع في المدن العربية هادئة، كان المعهد الديمقراطي القومي يعمل على الأرض، ينشئ العلاقات، ويدعم الأصوات التي ستحول لاحقاً الشتاء العربي الطويل إلى ربيع عربي جديد.

والآن، قد لا نتمكن من معرفة متى وأين سيطالب الناس الشجعان بحقوقهم في المرة التالية، ولكن يمكن الرهان بشكل مضمون أن المعهد الديمقراطي القومي موجود هناك الآن، لأن الحرية لا تعرف نصيراً لها أفضل منه. فمنذ تأسيسه قبل ما يربو عن ربع قرن، أصبح المعهد الديمقراطي القومي وأشقاؤه في عائلة صندوق المنح القومية للديمقراطية NED عناصر حيوية في جهود انخراط أميركا مع العالم.

وكذلك نستفيد نحن، لأن الديمقراطيات تصنع شركاء أقوى وأكثر استقراراً. فإنهم يمارسون التبادل التجاري بدرجة أكبر، ويبتكرون أكثر، ويحاربون أقل فإن دعمنا للديمقراطيات العـربية الناشئة هو بمثابة استثمار لا يمكننا تحمل كلفة عدم القيام به».

وفي خطاب آخر ألقاه وليام بيرنز[1] وكيل وزارة الخارجية الأميركية أمام الفائزين بجائزة الديمقراطية للعام 2011 من المؤسسة القومية للديمقراطية NED:

«شكراً لكم نيابة عن وزارة الخارجية،. وشكراً لكم أعضاء الكونغرس، وممثلي منظمات حقوق الإنسان، وعلى وجه الخصوص رئيس المؤسسة القومية للديمقراطية، غيبهاردت.

(121)

واسمحوا لي أن أعبر للشخصين الذين نكرمهما اليوم، زهراء سعيد، وجميل بالطيب، عن مدى اعتزازي بامتياز الإنضمام إلى المؤسسة القومية للديمقراطية لتكريمكما في هذا المساء.

لقد غيرّ المسار الذي حركتموه أنتما وأعداد لا تحصى من المواطنين الآخرين في تونس ومصر على مدى الأشهر القليلة الماضية وجه التاريخ. لقد اخترقتما حاجز الخوف وحققتهما الحريات التي طال السعي إليها لبلديكما، وأسرتما خيال المنطقة والعالم. يستطيع العديد من الموجودين في هذه القاعة أن يفتخر بالدعم المقدم للمجتمع الأهلي على مدى سنوات عديدة- وهم يفعلون ذلك عن حق. ولكن هذه الثورات لا تتعلق بنا. فهي من صنع، ولأجل، وتجاه المواطنين الشجعان العاقدي العزم الذين قاموا بها.

فالإثنان اللذان نكرمهما في هذه الليلة ناشطان ضليعان بجهودهما الخاصة. كما أنهما يمثلان أيضاً رمزاً للكفاح، وللتضحيات، ولآمال ملايين الناس حول العالم في الحصول على الحقوق الأساسية والحريات الأساسية.

 

ثامناً: تغلغل القوة الناعمة الأميركية من خلال أدوات التكنولوجيا

عرضنا مدى تعويل الإدارة الأميركية على نشر التكنولوجيا لبسط

قوتها الناعمة وتغذيتها بأسباب التأثير والفعالية، ومع أن

(122)

التكنولوجيا تبدوا للوهلة الأولى محايدة بوصفها أدوات تقنية، لكن الدراسة العميقة لديناميات عمل هذه التكنولوجيات والجهات المسيطرة على البرامج والمحتويات الرقمية والتوجيهات غير المباشرة للشباب والناشطين والمستخدمين تؤكد العكس، خاصة أن المشرف على إدارة شبكات الإنترنت هو مجلس الإبتكار والمعلومات الذي يديره إريك شميدت الرئيس التنفيذي لشركة Google وهو تابع للخارجية الأميركية وتحت إشراف البيت الأبيض مباشرة، ما يجعل التكنولوجيا أعظم قوة بيد الإدارة الأميركية، وهي بحق أهم من ترسانتها النووية كما عبر جوزيف ناي منظر القوة الناعمة.

سنعرض دراسة تحت عنوان «الإنترنت في العالم العربي..رقم ومعلومة» اعدتها الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان تبين مدى تغلغل هذه القوة[1]:

- عدد سكان العالم العربي نحو 342 مليون نسمة.

- عدد مستخدمي الانترنت في العالم العربي نحو 103 مليون مستخدم.

- عدد خطوط الهاتف المحمول في العالم العربي يزيد عن 270 مليون خط.

(123)

- عدد خطوط الهاتف الأرضي في العالم العربي نحو 40 مليون.

- عدد مستخدمي الفيس بوك 43 مليون مستخدم تقريبا.

- عدد مستخدمي تويتر نحو 1،5 مليون مستخدم.

- أقل نسبة لمستخدمي تويتر بالنسبة لعدد السكان هي السودان نحو 9500 مستخدم من اجمالي عدد السكان البالغ نحو 45مليون «قبل انفصال الجنوب».

- أعلى نسبة لمستخدمي تويتر في البحرين حيث تبلغ نحو 160 ألف من اجمالي عدد السكان البالغ نحو 1،5مليون شخص.

- أعلى نسبة استخدام لتويتر بالنسبة لعدد مستخدمي الانترنت في البحرين ، حيث تبلغ نحو 160 ألف مستخدم لتويتر بنسبة 22% من عدد مستخدمي الانترنت.

- أكبر عدد لمستخدمي الانترنت مقارنة بعدد السكان في الامارات ، نحو 5،7 مليون مستخدم انترنت ، من اجمالي عدد السكان والمقيمين حوالي 8.2 مليون نسمة.

- مصر والسعودية تتصدران قائمة مستخدمي تويتر، نحو 400 ألف مستخدم ، ومقارنة لعدد السكان بين مصر والسعودية ، فتعد السعودية في الصدارة.

- أكبر عدد لمستخدمي الانترنت في العالم العربي في مصر ، نحو 31 مليون مستخدم ، وأقل عدد في الصومال نحو 110ألف مستخدم.

(124)

- أكبر عدد لخطوط الهاتف المحمول في مصر 92 مليون خط وعدد السكان نحو 82 مليون ، ومقارنة لعدد السكان فإن الإمارات الأولى بعدد 11،9 مليون خط ، لعدد سكان نحو 8،2 مليون نسمة.

- العراق أعلى نسبة لمستخدمي فيس بوك حيث يبلغ 100 % من مستخدمي الانترنت ، نحو 1،5 مليون لكل منهما.

- أعلى نسبة لمستخدمي الفيس بوك في مصر ، 11 مليون مستخدم ، ومقارنة لعدد السكان فإن الأردن الأعلى استخداما له حيث يبلغ عدد المستخدمين نحو 2،1 مليون من حوالي 6،7 مليون نسمة.

- أقسى الدول في حجب المواقع هي السعودية ، واقلها حجبا هي العراق وتونس ولبنان.

- أكثر الدول عقابا وملاحقة قانونية للنشر على موقع تويتر هي الكويت.

- أفضل مستخدمي فيس بوك في العالم العربي ، مستخدمي الانترنت في مصر يليها تونس ، ثم السعودية.

- أفضل مستخدمي موقع يوتيوب بين المستخدمين العرب ، مستخدمي سوريا ، يليها المغرب.

- أقل عدد مستخدمي تويتر نسبة لعدد مستخدمي الانترنت في اليمن ، 6 ألاف مستخدم لتويتر من اجمالي نحو 4،3 مليون مستخدم انترنت.

(125)

وقد أكدت دراسة لمجلة الإكسبرس الفرنسية أن النسبة الكبرى من المتصفحين والمستهلكين العرب لخدمات الإنترنت 90 % والبالغ عددهم حوالي 75 مليون مستخدم للشبكة هم من الشباب والأطفال والمراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 14 و34 عاما[1] وكشفت دراسة لمؤسسة الفكر العربي حول المحتوى العربي على الإنترنت ان هناك 42000 موقع وصفحة الكترونية عربية مسجلة رسمياً على شبكة الانترنت حسب إحصاءات الإتحاد الدولي للإتصالات، غالبيتها مواقع ترفيهية وسياحية وشعرية ونسائية وغنائية وسينمائية ومدونات شخصية، وان من بين 320 مليون عملية بحث تجري شهرياً ويقوم بها المتصفحون العرب على شبكة الإنترنت، خاصة على محركات البحث العالمــــية Google وYahoo وغيرها يذهب أكثر من 60 % منها نحو عناوين وموضوعات ترفيهية وفنية وغنائية وسينمائية[2].

وبالنسبة إلى المواقع الأجنبية غير العربية، وخاصة المواقع غير الأخلاقية مواقع الإباحية الجنسية فيتعذر احصاؤها حتى من قبل القائمين على شبكة الانترنت، وهي الأخطر على الأجيال العربية، حيث تؤكد بعض المؤشرات حجم انتشارها الواسع!.

فضلاً عن آلاف غرف الدردشة التي تضج وتعج باللغـو والعبث وهدر الطاقات والأوقات، وكل طرق الإبتعاد عن سبيل الله. هذا على الصعد الأخلاقية والثقافية.

(126)

أما على المستوى الأمني والإستخباراتي، فتؤكد الدراسات الغربية حجم التخريب والتلاعب الأمني الناعم بأجيالنا الشابة. وبالإستناد إلى معلومات صحيفة اللوموند الفرنسية في تحقيقها المنشور تحت عنوان «حرب الإنترنت» فإن 58 % من المواقع التي تأسست بعد 11 أيلول 2001 هي فروع لأجهزة الإستخبارات الغربية والاسرائيلية[1].

ومن يقرأ نص وثيقة الأمن القومي الأميركي للعام 2010 يكتشف حجم المفردات المتصلة بعالم شبكات الإنترنت وصلتها بأجهزة الإستخبارات الأميركية، والوصية بضرورة الإنخراط الفعال عبر توظيف الموارد والأموال في عالم الإنترنت بما يخدم المصالح الأميركية العليا، والبحث عن جذب واستقطاب المبدعين في صناعة برامج الإنترنت، والتحفيز الدائم لتكنولوجيا أمن الإنترنت لما له من أهمية في تحقيق الأمن القومي سواء لكون الإنترنت احدى أدوات وبرامج القوة الناعمة أو لأجل جمع المعلومات الإستخباراتية والتجنيد[2].

وقد قامت وزارة الدفاع الأميركية البنتاغون بشراء عدد كبيـر من حقوق برامج التواصل الإجتماعي كفيسبوك Facebook وغيره وأدخلتها في صلب برامجها[3] لدرجة أن البنتاغون أعتبر أن برامج الإنترنت والفضاء الإلكتروني أصبحت ضمن «مجاله الوظيفي»[4].

(127)

ومن يراجع موقع الخارجية الأميركية ويضع كلمة «أنترنت» في محرك البحث الخاص بالموقع يجد عشرات الخطابات لوزراء ومسؤولين في الوزارة حول الإنترنت ودوره في نشر القيم والسياسات والبرامج الأميركية. 
كما استحدثت الإستخبارات الإسرائيلية وحدة متخصصة بحرب الإنترنت وتكنولوجيا المعلومات أعلن عنها العام 2011. وأطلق القادة الصهاينة على هذا المجال «حرب السايبر» Syber War. ويكفي الإشارة الى خطاب الرئيس الصهيوني في عمان وحديثه عن دور الإنترنت و«السياسة الناعمة» في تغيير العالم العربي.
ويمكن الإشارة في هذا الصدد إلى ما كشفته صحيفة «لاتريبيون» الفرنسية من ان ضابط الإستخبارات الاسرائيلي «أدون وردان» المعروف في الوسط المخابراتي داخل وخارج الكيان الاسرائيلي هو نفسه دانييال دوميلو الذي أطلق موقع «شباب حر» الذي استقطب أكثر من 10 ملايين زائر منذ انطلاقته العام 2003.

 

تاسعاً: 250 فضائية عربية في خدمة الحرب الناعمة الأميركية

دلت دراسة على ملكية القنوات التلفزونية العربية التي تزيد عن 500 قناة محلية وفضائية تقدم برامج عامة ومتخصصة وأخبار 

(128)

ومنوعات ووثائقيات أن ما يزيد عن 250 قناة تلفزونية على الأقل تمتلكها دول محور ما يسمى «الإعتدال العربي» الموالي للإدارة الأميركية والغرب.

ومع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه القنوات مملوكة بصورة رسمية لدول عربية أو لقادة وأمراء عرب نافذين يدورون في الفلك الأميركي والعربي الموالي له، لم يتم احتساب القنوات التي يتم النفوذ إليها بطريقة غير مباشرة من خلال الأسهم الخاصة برجال أعمال مستثمرين موالين للمشروع الاميركي العربي، أو عبر الإعلانات التجارية التي تلعب دور التمويل السري، والتي يصل عددها إلى 100 قناة يأتي على رأسها بعض القنوات الدينية الممولة من دول عربية لأهداف تحريضية طائفية ومذهبية وتقدم خدمات جليلة للأجندات الأمريكية والصهيونية.

ويكفي أن ندرس ونشاهد نوعية ما تقدمه هذه القنوات 250 قناة لجهة تقليدها واتباعها للغرب شكلاً ومضموناً من خلال محاكاة البرامج، أو عبـر بث المسلسلات والأفلام الأجنبية المدبلجة

والسهرات المبتذلة والطب التجاري والفلك والسحر والشعوذة والمنامات والعقارات والرياضة والهواتف والطهـو والمأكولات والسهرات والمسلسلات والبرامج المسماة واقعية Realtv التي تجمع الشباب والفتيات في قاعات وغرف واحدة وهي تتمحور حول 3 محاور:

1ـ هتك المحرمات والقيم الإجتماعية والدينية تحت مدعى الحداثة والإنفتاح والحرية.

(129)

2ـ تحطيم صورة الدين والتدين والعلماء والفتاوى والمقدسات وبيان نقاط ضعفها.

3ـ تقديم النموج الليبرالي الأميركي والغربي في أساليب وأنماط الحياة العبثية.

وفي دراسة لنوعية هذه القنوات نجد أن 70 % من البرامج مصدره التدفق الإعلامي والمعلوماتي والإخباري الأفلام والمسلسلات والإعلانات المستورد من الوكالات والشركات الأميركية والغربية والتركية والصهيونية. لأن الإنتاج المحلي لا يفي بـ30 % من الإحتياجات، فيما يقتصر الإنتاج المحلي الوطني على البرامج غير الجذابة، أو المقلدة للإنتاج الأجنبي، وتمــر فيه الخيوط الفكرية والسياسية الأميركية والغربية.

هذا الشلال الإعلامي يستهدف تحويل أنظار الشباب والجماهير عن القضايا الإسلامية والعربية الأصيلة والمحقة بطبيعة الحال، وهدفه خلق تيار شعبي وشبابي لا يعرف عن الإسلام إلا الإسم والرسم، والتمهيد للتطبيع الثقافي والسلوكي الأميركي والغربي والصهيوني.

وكي لا نبقى في اطار التحليلات النظرية نورد شاهداً يدل على حجم الجهد المبذول في مجال الإختراق والتلاعب بوسائل الإعلام والاتصال العربية والاسلامية، وفق ما سرّبه موقع ويكيليكس ونشرته قناة الجزيرة القطرية من وثيقة تبيّن درجة التنسيق الإعلامي والثقافي الأميركي السعودي لبث نوعية خاصة من المسلسلات الهادفة الى

(130)

تثقيف الجمهور الخليجي والسعودي والعربي بالثقافة الأمريكية، فقد كشفت الوثيقة عن عشرات اللقاءات والإجتماعات التنسيقية السرية التي تعقد بين مسؤولين امريكيين وسعوديين للإتفاق على بث سلسلة برامج ومسلسلات أميركية كالمسلسل الأمريكي المعروف Friends ومسلسل ربات بيوت يائسات Desprate housewives الذي يعرض على قناة MBC التابعة لأحد الأمراء السعوديين، وحصلت نفس اللقاءات مع مدراء قنوات أخرى كقناة ميلودي Melody وأوربيت وروتانا Rotana وغيرها من القنوات التابعة للأمير السعودي الوليد بن طلال، وأدت هذه المسلسلات إلى صناعة جمهور عريض وواسع في السعودية والخليج وسائر البلدان العربية متأثـر بالنمط الثقافي الأميركي المناهض للقيم الإسلامية والعربية[1].

 

عاشراً: الحرب الناعمة على ضوابط الحجاب الإسلامي

هي الحرب الناعمة التي يعيشها الحجاب في رحلة الغزو الثقافي، التي بدأت تنخر في جذوره، والتي أفقدته معناه، وإلبسته مصطلحات جديدة من «عاريات العقول»… راقصات الحجاب..حجاب الألوان المزركشه…غطاء الرأس.. والتي ساهمت في إنحراف الحجاب عن مساره، وسلوكه طريق أخرجه عن إطاره

(131)

المتعارف عليه، وأدخله الى عالم الموضه الغير مألوفة، موضة الرأس بألوانها المزركشة مع تحجيم الجسد[1].

 

حادي عشر: التبادل الثقافي مع الشباب المسلم لإستكشاف أميركا

في إطار برامجها لتنميط طرائق تفكير الشباب المسلم والعربي على الأفكار والقيم الأميركية، وبهدف تغيير نظرتهم اتجاه أميركا، تنظم وزارة الخارجية الأميركية رحلات للشباب يافعين من مختلف بلدان العالمين العربي والإسلامي، وفيما يلي نص الوثيقة[2]: «يقضي 170 يافعاً من 12 دولة فضلا عن الضفة الغربية وقطاع غزة السنة الدراسية الحالية في الولايات المتحدة، كمشاركين في اول برنامج تبادل

ثقافي لوزارة الخارجية الأميركية لطلاب ثانويين من بلدان غالبية سكانها من المسلمين لتشكيل مجموعة من أصحاب النوايا الحسنة».

ويقيم الطلاب مع عائلات مضيفة في 25 ولاية أميركية والعاصمة واشنطن اثناء التحاقهم بمدارس ثانوية، ويتلقون تدريبا

(132)

في المهارات القيادية ويتعرفون على المجتمع الأميركي وقيمه من خلال نشاطات في مدارسهم والمجتمعات التي يلتحقون بها، فيما يساعدون في تعريف الأميركيين عن بلدانهم وثقافاتهم. وحينما يعودون الى اوطانهم فانهم سيطبقون ما يتلقونه من مهارات قيادية ويتشاطرون مع أسرهم واصدقائهم وزملائهم في الدراسة ما تعلموه عن أميركا. والمشروع الذي يعرف بـ«يس» أو YES وهو اختصار لبرنامج «التبادل الشبابي والدراسي» هو جزء من مبادرة «الشراكات من اجل التعليم» الأرحب التي اطلقها مكتب الشؤون التربوية والثقافية للوزارة للتواصل مع مشاركين اصغر سنا وأكثر تنوعا في العالمين العربي والإسلامي.

ومن خلال برامج مثل «يس»، استنادا لمساعدة وزير الخارجية للشؤون التربوية والثقافية باتريشا هاريسون، فان دائرتها تبذل مجهودا خاصا «للتواصل مع سكان أصغر سنا وأعمق وأوسع نطاقا» فيما تساعد هؤلاء الأحداث على استكشاف أميركا بمعزل عن الأفكار الخاطئة وعناوين الصحف ليصبح هؤلاء جزءا من مجموعة جديدة من أصحاب النوايا الحسنة الذين يمكنهم ان يساعدوا في إقامة جسور بين بلادنا وبلادهم.

(133)
(134)

 

 

 

 

 

 

الباب الثالث

الحرب الناعمة

نقاط القوة والضعف

 

(135)

 

مقدمة

كي نتمكن من مقاومة الحرب الناعمة، لا بد من دراسة نقاط قوتها، ونقاط ضعفها، تماماً.

ونشير إلى أننا لم نفرد باباً خاصاً للفرص والتهديدات، لأننا سنضمنها في طيات نقاط القوة ونقاط الضعف، فنقاط القوة متلاحمة ومتشابكة مع التهديدات، فمثلاً انتشار تكنولوجيا الإعلام والإتصال بدون تسليح الجمهور بالوعي والروح النقدية يعتبر تهديداً لثقافتنا ونقطة قوة للعدو في نفس الوقت.

وبالمقابل فان نقاط الضعف متلاحمة ومتشابكة مع الفرص. فمثلاً ازدواجية أميركا تعد من أهم نقاط ضعف الحرب الناعمة التي تشنها الإدارة الأميركية، وهي تعتبر فرضة لنا لنسف مصداقية السياسات والشعارات والبرامج الأميركية، وبناء عليه، كل نقطة قوة للعدو تشكل تهديداً لنا بالضرورة، وكل نقطة ضعف للعدو تشكل فرصة كبيرة أمامنا بالضرورة، وفيما يلي ملخصاً لأبرز هذه النقاط:

نقاط قوة الحرب الناعمة / الشعارات الخادعة والتكنولوجيا

أولاً: الحرب الناعمة توظف الواجهات الإنسانية والإعلامية للخداع

تعمل موارد وأسلحة القوة الناعمة بوسائل وواجهات مدنية وتنموية واعلامية وانسانية، ولهذا تحدث في جبهتنا حالة من

(136)

التضليل والخداع، بل قد يصل الحال إلى تعاون البعض في ساحتنا معها عن غفلة وسوء إدراك.

وعلى سبيل المثال، شبكة قنوات BBC البريطانية كانت حتى سنوات تابعة رسمياً لهيئة الإتصالات والرصد الحكومية الخاصة بمنظومة الجيش البريطاني، ومن ثم ربطت بوزارة الخارجية البريطانية، وبقيت بصورة رسمية وعلنية حتى عام 2013 على هذا النحو، منذ سنة اعلنت الشبكة في بيان خروجها من الارتباط الرسمي بوزارة الخارجية البريطانية...! وللقناة شبكة مراسلين في كل أصقاع العالم، يتجولون ويعدون التقارير والاستطلاعات ويجمعون أدق المعلومات عن جبهتنا.

ووكالة رويترز للأنباء، تعد الجهاز العلني للمخابرات الخارجية البريطانية في MI6، فهي تحصل على أدق المعلومات الفورية بصورة علنية وبعنوان إعلامي.

ووكالة التنمية الدولية الأميركية USAID هي الفرع الخارجي التنموي لوكالة CIA وتدار من قبل وزارة الخارجية الأميركية وسفارتها المنتشرة حول العالم. ولها في لبنان 12 فرعاً موزعة في جميع الأراضي اللبنانية.

وكثيرون لا يعرفون أن الكثير من المطاعم الأميركية المشهورة ـ دون تسميتها ـ هي واجهات لوكالة CIA وقد ثبت ذلك بعد اعتقال حزب الله لخلية الجواسيس.

(137)

وكثيرون لا يعرفون أن منظمة الأمم المتحدة نفسها من أدوات القوة الناعمة الأميركية، وهي مخترقة بقوة من قبل CIA من رأسها حتى أخمص قدميها، حتى أن الأمين العام الحالي للأمم المتحدة «بان كي مون» هو حسب المستندات والوثائق ضابط تم تجنيده من قبل وكالة CIA منذ الخمسينات عندما كان متطوعاً في الصليب الأحمر الكوري الجنوبي، وأوصلته CIA إلى موقع وزير خارجية كوريا الجنوبية، قبل أن توصله إلى وظيفة أمين عام الأمم المتحدة[1]. وها هو السفير الأميركي السابق في لبنان جيفري فيلتمان، والذي شغل بعد سفارة اميركا في لبنان منصب نائب وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى ملف إيران خاصة يصبح مساعداً لـ«بان كي مون» للشؤون الدولية والقانونية.!.

وفي ضوئها، تعتبر جميع وكالات الأمم المتحدة المتخصصة الإغاثة / اللاجئين / الزراعة / الطفولة / برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP / الخ ضمن الأجندة الأميركية الناعمة، وهي تستطيع العمل في كل الساحات تحت هذه العناوين. فضلاً بطبيعة الحال عن قوات حفظ السلام الدولية ـ اليونيفيل مثلاً ـ التي لها بحث طويل.

وكثيرون لا يعرفون أن «منظمة فريديريش نومان» تابعة لليبرالية الدولية التي تدرب أجيال الشباب العرب على مواثيق حقوق الإنسان ومعايير الديموقراطية من لبنان وصولاً الى قطاع غرة ـ لها فرع في قطاع غزة ـ وسائر الدول العربية والإسلامية، هي منظمة تابعة للمخابرات الألمانية.

(138)

وكثيرون لا يعرفون أن الأسلحة التي كانت تتدفق إلى المقاتلين الشيشان في حربهم ضد روسيا، كانت تصل عبر منظمة أطباء بلا حدود الدولية[1].

ومنظمة العفو الدولية «Amnesty» ومقرها في لندن ـ بريطانيا، تديرها موظفة سابقة في وزارة الخارجة الأميركية..!. وبالمناسبة ساهمت هذه المنظمة بتدريب الكثير من الناشطين ضد النظام في إيران، وأصدرت مئات البيانات المعادية لإيران.

ومثلها منظمة هيومان رايتس وتش الأميركية، التي تنتمي الى وزارة الخارجية الأميركية، وتنسق مع معهد السلام التابع للكونغرس، وقد ورد اسم المنظمة في الكثير من الوثائق الأميركية التي تؤكد ضلوعها في أنشطة الحرب الناعمة، كما اتهمتها إيران رسمياً بلعب دور ميداني وإعلامي في أحداث فتنة العام 2009 هذه الواجهات التي تتخذ من الشعارات الإنسانية والمشاريع التنموية وحقوق الإنسان والديموقراطية ستاراً لها تعمل بأجندات تضعها الإستخبارات، وهدفها رصد الدول والتأثير بأجنداتها السياسية.

إذاً، أدوات الحرب الناعمة تتستر بلباس مدني انساني وتنموي، ولا تظهـر الأجندة الحقيقية للعيان، لكنها تحدث أثارها وامتدادها بقوة جاذبيتها وقوة تضليلها لدى جمهور ونخبة الطرف المستهدف....تماماً كما حدد وظيفتها جوزيف ناي.

(139)

ثانياً: جاذبية أدوات ووسائل الإتصال والإعلام والمنتجات التكنولوجية

ان نشـر أدوات التكنولوجيا الإعلامية والإتصالية هو من أهداف القوة الناعمة الأميركية، لأن الأداة والوسيلة الإعلامية والإتصالية هي رسالة بحد ذاتها وفق مقولة مفكر الإعلام مارشال مكلوهان The Medium is the Message وهي نفس المقولة التي تتبناها وزارة الخارجية الأميركية في وثائقها وبياناتها. فالتكنولوجيا نظام وإيديولوجيا بحد ذاتها وفق المفكر الغربي هابرماس[1].

وبطبيعة الحال، ما يصلنا من التكنولوجيا هو رأس الخيط في اللعبة، في حين أن جبل التكنولوجيا يقع تحت سيطرة الإدارة الأميركية وأجهزتها الأمنية، وما يرمى إلينا من فتات منتجات التكنولوجيا هو الخيط الذي يربطنا باللعبة الأميركية، وهذا ما بيناه

 

(140)

في مدخل الكتاب من تلاعب موقع فيسبوك بمواد المستخدمين للتأثير في مشاعرهم.

وبناءً عليه، يشعـر جمهورنا بالدهشة التي تحدثها هذه الوسائل والمنتجات، ويتعامل معها بصداقة تامة، وتبدأ العلاقة بالتوطد مع الوسيلة يوماً بعد يوم، وصولاً إلى حالة من الإذعان الناجم عن الإدمان.

وقد يقول قائل، وهل يمكن تفادي استعمال التكنولوجيا، والإجابة بطبيعة الحال «لا يمكن»، وهذا ما جعلنا نضعها ضمن نقاط القوة الناعمة الأميركية.

لكن بالمقابل، يمكن البحث عن نقاط الضعف في التكنولوجيا، ويمكن تدريب جمهورنا على التعامل الحذر والنقدي العقلاني معها، وتوظيفها بما يحقق أغراضنا، لا أغرض العدو.

وفي علم اجتماع التكنولوجيا، تؤدي الوضعيات الفيزيائية التي تفرضها الوسائل على المتلقي، كوضعية الجلوس الطويلة والثابتة أمام الشاشة أو بـوجه شاشة شبكة الإنترنت أو القدرة حمل الهاتف ووضعه في الجيب، والتلاعب بشاشة الهاتف بأصابع اليد Touch مثلاً، تؤدي إلى أثار برمجية نفسية وذهنية بمعزل عن محتواها ومضمونها أو الرسائل التي تحملها.

فهي تترك بصماتها الاستباقية في العقول والقلوب قبل استلام أية رسالة أو مضمون أو محتوى، وهذا ما أشار إليه مفكر الإعلام البارز مارشال مكلوهان، ومبتكر علم الميديولوجيا المفكر الفرنسي ريجيس دوبرية.

(141)

ويعد المراهقون والشباب وأبناء الجيل الجديد من أكثر المستهلكين لخدمات التلفزيون والإنترنت وفق إحصاءات مراكز الأبحاث العربية والدولية.

ومن أبرز نقاط قوة الحرب الناعمة المستندة إلى وسائل تكنولوجيا الإعلام والإتصال والمعلومات تحقيق 3 أهداف (الإستلاب/ الإبهـار/ التشويش العقائدي).

يستيقظ الجمهور في بلادنا على دهشة التكنولوجيا، ويبدأ بالبحث عن سـر التطور الهائل لدى المستكبر الأميركي والغربي، وبالموازاة يثيره التخلف والضعف في مجتمعاتنا، وبما أنه لا يجد من يقدم له شرحاً منطقياً لسـر الفجوة التكنولوجية وأسبابها الحضارية وبما أنه لا يجد أية إجابات شافية على أسئلته وإشكالاته، يلجأ للاستدلال والبحث الذاتي المغلوط عبر اجتراح الأجوبة المستمدة من معارفه واستنتاجاته الناقصة، فتنحفـر في أعماقه إجابات خاطئة تقنعه بأن هذا التطور التكنولوجي يستبطـن تطوراً مـوازياً على مستوى المناهج الفكرية والثقافية والسياسية والأخلاقية، فينذجب وينبهر بصورة عفوية وتلقائية، ويبدأ بالإلتحاق بالشعارات والنماذج والقيم التي تحملها هذه التكنولوجيا في طياتها، والتي تشكل بمجموع الثقافة الأميركية والغربية الوافدة إلينا، وهو

ما يسميه جوزيف ناي قوة الرواية الأميركية لنموذج الإنسان العصري، وقصة النجاح الأميركية، والحلم الأميركي، أي الإنسان

(142)

التكنولوجي الرقمي[1] الحر والليبرالي المتفلت من الأيديولوجيات الدينية والقومية، الذي يحمل الهاتف الذكي، ويأكل المأكولات السريعة من المطاعم الأمريكية، ويلبس اللباس الأميركي، ويفكر وفق المناهج الأمريكية، ويأخذ علمه من المصادر الأمريكية، ويتكلم اللغة الإنكليزية، ويعجب أخيراً بالسياسات الأمريكية.

ولو لم تؤدِ القوة التكنولوجية الساحرة إلى الجذب والإذعان كما قال جوزيف ناي، فهي ستفضي بالضرورة - بالحد الأدنى - إلى حالة من التشوش والإضطراب القيمي والسلوكي لدى للجمهور المتلقي، وتفضي حالة من اللاإيمان العقائدي واللايقيـن النفسي، وتدفع إلى نوع من العبثية واللامبالاة، وهي الأرضية الملائمة والخصبة لنمو وازدهار موارد وبرامج القوة الناعمة.

 

ثالثاً: البرمجة المتدرجة والبطيئة من أبرز نقاط قوة الحرب الناعمة

ومن أبرز نقاط قوة الحرب الناعمة أيضاً، البرمجة المتدرجة، فعملية برمجة الوعي تحصل بصورة متدرجة وبطئية وخفية وسلسة، وفق أدوات وأساليب ناعمة وماكرة، ولا يأتي التأثير بصورة فورية ومباشرة وقهرية وإكراهية كما في الحرب العسكرية.

(143)

ومن هنا تفترق الحرب الناعمة عن الحرب العسكرية التي تنتج مفاعيلها بصورة قهرية ومحسوسة ومادية وظاهرة للعيان، لا تنغرس في الوعي، بل تفرض المفاهيم قهراً على العقول والقلوب والأبدان.

وقد شرحنا في الباب الأول فقرة الحرب الناعمة وعلم النفس كيفية التأثير على مداخل اللاشعور واللاوعي. وهي مؤثرات تحفر عميقاً في النفس والقلب والعقل من خلال مجموعة أدوات يومية تمس حاجات الناس وتعاملاتها الإنسانية.

فوسائل الإعلام والمعلومات تقدم الترفيه والتسلية والمسلسلات والأخبار والدردشة والتواصل الإجتماعي والتصفح الحر على الإنترنت.

وفي المجال الثقافي والتعليمي ـ الجامعات والمنح الدراسية ـ تقدم أفضل المناهج العلمية الأمريكية والغربية العلوم الناعمة.

وفي مجال التنمية، تقدم التمويل للمشاريع الأهلية والبلديات، والقروض والتدريب.

وفي المجال السياسي، التدريب على الديموقراطية والترويج لمعايير حقوق الإنسان وتعليم وسائل المعارضة وتنظيم الإحتجاجات والتعبئة (السياسية الثقافية السياسية).

وفي مجال الحريات ترفع شعارات الحرية الفردية والفكرية والشخصية وحرية النقد والتعبيرعن الرأي. وفي المجال الإقتصادي، ترفع شعارات الفرص والأعمال والربـح والتجارة الحرة والبيزنيس

(144)

والحياة الرغيدة والرخاء. وهي عينة من شعارات وقيم الحرب الناعمة.

وتعد شبكات الإنترنت، وخاصة شبكات التواصل الإجتماعي الأخطر على الإطلاق من بين أدوات القوة الناعمة لما لها من ميزات في استدراج الشباب الى ساحة حميمية تتيح لهم خيارات تفاعلية وتواصلية واسعة، وتقدم لهم مواداً بمعزل عن أية رقابة أو توجيه، فتحدث لهم نوع من الإدمان المفضي إلى التقاعس والتخاذل واللامبالاة، ويحصل لهم تشوشات في رؤية القضايا والأحداث، واضطراب في الحكم والتقييم على الوقائع والأشخاص، لدرجة أن الإنسان فقد الإيمان والعقيدة الراسخة والهوية الثقافية، فهو الآن يفكر ويتفلسف أكثر مما يصدق ويؤمن كما يقول خبراء التربية والإعلام.

ومجتمعاتنا غير محصنة كفاية بوجه الأمواج والبرامج العدوانية ذات الطبيعة التدريجية والصامتة والهادئة، لا تثير حساسيتنا العدوانية الناعمة لو صح التعبير، التي تستخدم تكتيك التسلسل الذكي، أو «غرز السكين بغطاء المخمل الناعم» حسب تعبير الإمام الخامنئي، وهي كـ«الشرك في الدين، تدب كدبيب النمل» كما ورد في الحديث.

(145)

رابعاً: الحرب الناعمة وتكتيكات التمويه والإستتار عبر الوكلاء والعملاء

كما في التكتيك العسكري، حيث التمويه والاستتار للجنود والمقاتلين خلف الصخور والأشجار والتراب، وما شاكل، يتستر العدو لتمرير برامجه وأفكاره ورسائله الخادعة والمضللة من خلال بعض المؤسسات الثقافية والخدماتية والإعلامية والسياسية والتنموية الوطنية والإقليمية والدولية.

وهو ما أشار اليه جوزيف ناي بكلمته الخطيرة «ان أفضل الناطقين باسم الأفكار والأهداف الأميركية هم غير الإميركيين من الوكلاء»[1] فالجرعة الإعلامية السامة لا تؤتي أكلها إلا عن طريق الخداع والسرية.

ولهذا السبب ألغت الإدارة الاميركية قناة الحرة، بموجب دراسة طلبها الكونغرس الأميركي، بينت ضعف تأثيرها عربياً وإسلامياً، وتقرر اعتماد استراتيجية شراء البرامج وساعات البث من بعض القنوات العربية، ومنها عدة قنوات لبنانية بارزة.

وفي مجال التنمية والخدمات تتسلل القوة الناعمة عبر منظمات المجتمع المدني والمنظمات الأهلية التي تبحث عن التمويل والدعم لمشاريعها.ووفق احصاء لبناني رسمي، تبين أن هناك ما لا بقل عن 5000 منظمة وجمعية لبنانية، يتلقى معظمها التمويل الأجنبي والأمريكي والعربي[2].

(146)

وهكذا يحدث التسلسل عبر وكالات منظمة الأمم المتحدة المتخصصة الأطفال / الإغاثة / التعليم والمدارس/ اللاجئين / الزراعة والمياه / التعاون الإقتصادي / برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP.

وهناك عشرات المعاهد الأوروبية الألمانية والسويدية والفرنسية والبريطانية المنتشرة على جميع الأراضي اللبنانية، وفي سائر البلاد العربية والإسلامية، دون أن تثير أية حساسيات لدى الجمهور، ويتعامل معها بلا حساسية، فهي بنظره ليست مواقع وثكنات عسكرية، وليست مظاهر احتلال أجنبي، وليست عدوان عسكري.!! هي بنظر الجمهور منظمات إنسانية تنموية اعلامية جاءت للمساعدة، ومن هنا يدخل عنصر الخداع، ومنها تتسلل عناصرالجذب والتضليل والبرمجة الناعمة.

 

خامساً: التلاعب بالعقول عبر التجزئة وتأطير القضايا والمصطلحات

من أهم نقاط الحرب الناعمة استخدامها لترسانة من المصطلحات والكلمات الهجومية، التي تضع الآخر في مواقع الدفاع ورد التهمة وفك العزلة، وتملك قوة إقناعية وإغوائية وتضليلية وتحريضية وانفعالية وتهويلية فتاكة لدى شريحة محددة من الأشخاص، ونوعية محددة من الأذهان والنفوس التي لها القابلية والإستعداد.

(147)

وكأمثلة لهذه الكلمات: الديموقراطية / حقوق الإنسان / الإرهاب / السلام / الحداثة / التعاون /..الخ.

وقد أسهب في بحث هذه الترسانة الباحث الغربي الشهير فيليب تايلور صاحب كتاب «المتلاعبون بالعقول».

كما فصل فيها بمهارة فائقة الباحث اللبناني الدكتور كلود يونان في كتابه النوعي «التضليل الكلامي وآليات السيطرة على الرأي»، وبينا ان المكنة الإعلامية الأميركية والغربية تعتمد أساليب مبتكرة تقوم على تجزئة الأخبار/ تأطير القضايا / قولبة الأحداث / تفريغ الرموز / توجيه المعطيات / فبركة المصطلحات / صناعة الكلمات الرنانة والمضللة في سبيل السيطرة الفكرية والنفسية على الآخرين.

وقد شرح كلود يونان تأثير الكلمات وقوة سحرها في ووقعها الذهن والنفس، وبين أنه لا يضاهيها حتى تأثير القوة المادية الإكراهية.

وتتحكم الإدارة الأميركية والغرب والشبكات الصهيونية بـ 90 % من المنتجات والمصادر الإخبارية والإعلامية، ومن خلال عنصر السرعة والفورية في التعامل مع الأخبار والمواد الإعلامية والتعليق عليها، تصل الرسائل إلى جمهورنا، قبل أن نتمكن من رصدها ودراستها والنهوض للرد عليها[1].

(148)

ومن البديهي بمن لديه التمكن من السيطرة والتحكم بالأخبار والمواد من توجيه وتأطير الأفكار والمعطيات والقضايا، وقولبتها، فيتم تكبير بعض القضايا الصغرى، وتصغير بعض القضايا الكبرى، واستخدام الاشاعات وسلاح الأكاذيب، وتسمية الأحداث والقضايا بمصطلحات تتناسب مع الأجندات والأهداف المعادية ارهاب وعنف بدل مقاومة مسلحة شرعية / ديموقراطية مقابل الاستبداد والديكتاتورية / قمع المعارضة مقابل حرية التعبير وحقوق الإنسان / الاستعمال المفرط للقوة بدلاً عن مصطلح أعمال العدوان لتبرئة الجانب الصهيوني / الميليشات بدل المقاومة / خطر السلاح النووي الإيراني على السلم العالمي رغم أنه لم يثبت وجود هذا السلاح /...الخ).

وتستند مكنة الحرب الناعمة على استراتيجية عدم قدرة الطرف الآخر من التقاط انفاسه وحزم أمره وتجيهيز نفسه للرد على تلك المطصلحات والكلمات، وعدم تمكنه من توضيحها وكشفها أمام الجمهور، لأن عامل الزمن وقلة الإمكانات الإعلامية تخدم الطرف المهيمن على المجال الإعلامي.. وقديماً قال المفكر الأميركي مارك توين «يمكن لكذبة واحدة ان تقطع نصف العالم قبل أن تتهيأ وتتحضر الحقيقة للظهوروالبيان»[1].

 

(149)

نقاط ضعف الحرب الناعمة/ الفوضى والإزدواجية والإنكشاف

أولاً: الفوضى الإعلامية الناجمة عن مفارقة الكثـرة الغزيرة

تعاني وسائل الإعلام في هذه الأيام من نقطة ضعف خطيرة هي كثرتها وفيضانها، وهي تتولى يومياً بث وترويج شلالات من المعلومات والصور والمعطيات والأفكار تصل لدرجة الفوضى في خيارات المشاهدين أو المتصفحين.

وهذا الأمر يتطابق مع المعادلة الرياضية «كثرة العرض تؤدي إلى نـدرة الإنتبـــاه والتركيز».

فمثلاً شبكة الإنترنت وحدها أصبحت تحمل من المعطيات ما يقدر لو طبعت ورقياً بعشر مرات المساحة والمسافة بين الأرض وكوكب بـلوتو، وحسب اللغة العلمية حوالي 487 مليار غيغابيت[1].

وقد تجاوز عدد القنوات التلفزيونية المحلية والفضائية الـ10 آلاف محطة وقناة، الأمر الذي أفقد القائمون على إدارتها وسائل السيطرة والتحكم بالشكل المركز والموجه لخيارات وإهتمامات وميول الجمهور، وقد سمى جوزيف ناي هذه الحالة «مفارقة الكثرة الغــزيــرة».

(150)

كما عالجها ريجيس دوبرية صاحب كتاب علم الإعلام العام الميديولوجيا بجملة مختصرة «هناك الكثير من الرسائل مع القليل من المستلمين والمستقبلين لها».

هذه القضية تعد نقطة ضعف استراتيجية للقوة الناعمة، لأنها تحتم على أي جهة تنظيم ومنهجة حملة إعلامية مركزة تحتاج إلى جهود تنسيقية عالية لتحصيل الفعالية، وهو ما أشارت إليه وثيقة وزارة الخارجية الأميركية حول «خطوات وإرشادات لتنظيم حملات إعلامية فعالة».

وتفتح نقطة الضعف هذه فرصاً كبيرة لإستغلال تشتت القوة الناعمة الأميركية، عبر تنظيم حملات إعلامية مضادة والتركيز على جملة نقاط وقضايا مركزة وطرحها وشرحها للجمهور بشكل متكرر في الخطب والمناسبات والبرامج والورش ووالدورات ومختلف التدابير، بأسلوب جذاب، ما يعيد إيقاظ الوعي وترسيخ الإيمان، ويرفع ثقة الجمهور بالأهداف والمبادئ والقيم الصحيحة، ويقوم بالبرمجة المضادة.

 

ثانياً: الإزدواجية وضعف المصداقية أبرز نقاط ضعف الحرب الناعمة

النقطة الثانية التي اعترف بها مؤلف القوة الناعمة جاءت تحت عنوان «الإزدواجية الأميركية» فاعتبر ان كشف التناقض الهائل بين الأقوال والأفعال في السياسات والرسائل والسلوكيات والبرامج

(151)

هي عنصر التدمير الإستراتيجي للأهداف والسياسات التي تتوخاها الإدارة الاميركية[1] لأن المصداقية هي الشحنة المؤثرة في كل العمليات الناعمة، سواء كانت إعلامية أو ثقافية أو تنموية أو سياسية.

فالإدارة الأميركية تدعي الديموقراطية في سوريا، وبالمقابل تحمي نظم الخليج، وتدعي السلام وهي تدعم الكيان الصهيوني، وتدعي السلم الدولي وهي من شن عشرات الحروب التي أدت الى ملايين القتلى والجرحى في افغانستان والعراق واليمن وغيرها.

وتدعي حق الإنسان في الخصوصية، وتتجسس على جميع أفراد ودول وقادة العالم، بمن فيهم أقرب أصدقائها (يلاحظ فضيجة وثائق العميل الأميركي ادوارد سنودن).

ولهذا يمكن من خلال كشف الأزدواجية تعطيل كل الأهداف الإعلامية الناعمة من خلال إستراتيجية نسف المصداقية وبيان الحقائق، واقناع الناس والجمهور المستهدف عبر توجيه مجموعة من الرسائل والحملات الإعلامية المضادة الموجهة إليه بصورة منطقية وبرهانية وعلمية، وبيان خبث أهداف العدو، وعدم صدقيته. وهناك كتاب غربيون أسهبوا في بيان النفاق الأميركي، ومنهم المفكر الأميركي نعومي شومسكي. ويمكن الإستناد إلى كتبهم ومقولاتهم، فهم أدرى بأميركا وكذبها وخداعها.

(152)

وفي ضوئها، يجب توعية جمهورنا بأن وكالة التنمية الأميركية لا يمكن أن تستهدف التنمية الاقتصادية والثقافية الحقيقية في مناطقنا، وان المطاعم الأميركية ليست مخصصة لتقديم الغذاء فقط، وان الجامعات الأميركية أوكار للحرب الناعمة، بل هي واجهات حربية ومخابراتية ناعمة بلباس مدني وتنموي وتجاري، وغيرها من الحقائق. أي المطلوب زرع الشك الدائم، ونسف الصدقية، ونزع القناع عن كل البرامج والموارد الأميركية الناعمة ابتداءاً من المسلسلات وصفحات التواصل الاجتماعي مروراً بالجامعات وصولاً الى نمط المآكولات.

 

ثالثاً: انكشاف تكتيكات ونقاط ضعف التكنولوجيا وأسلحة القوة الناعمة

رغم اختلاف ساحة المعركة ونوعية الأسلحلة والمقاتلين، تعتمد الحرب الناعمة بصورة مركزية على أحدث تكنولوجيات الإعلام وتكتيكاتها، شأنها شأن الحروب العسكرية التي تعتمد على أحدث التكنولوجيات والتكتيكات العسكرية.

وكما كشفت الحروب العسكرية لأميركا نقاط ضعف الجيش الأميركي، وبينت تكتيكاته ومناوراته، وحدود قوته العسكرية، كذا الأمر في الحروب الناعمة.

(153)

وقد شنت أميركا عشرات الحروب الناعمة حول العالم، وانكشفت نقاط ضعفها.

إذاَ للحرب الناعمة تكتيكات ومعادلات وثغرات، فوسائل الإعلام والإتصال مثلاً ليست إلا وسائل ووسائط وأدوات لها تكتيكات وأساليب مجربة بمعظمها، ويمكن للباحث الراصد سبــر أغوارها ودراستها من خلال التعامل معها، والتعرف على ثغراتها وفرصها وميكانيزمات عملها.

ومعظم التكتيكات والفبركات والبرامج التلفزيونية والإعلامية الأميركية جربت في انحاء العالم، في الدول اللاتينية والآسيوية والأوروبية، قبل ان تنتقل إلى مجتمعاتنا وجبهاتنا، وقد كشفت جميع نقاط ضعفها منذ زمن بعيد. وقد وجدنا أن الكثير من التكتيكات هي نفسها التي استعملت زمن الحرب الباردة (1950 – 1990).

ولهذا ينبغي رصد أسرار ونقاط ضعف هذه الحرب وأدواتها واسلحتها، وتثقيف الجمهور عليها، خاصة أن جمهورنا يجهل بمعظمة أسرار هذه الأدوات الإعلامية والتكنولوجيا والإتصالية وتكتيكات تسلل العدو من خلالها.

ولهذا، ترتكز فعالية وسائل الإعلام والإتصال ومعظم مورد القوة الناعمة الامريكية على كيفية تعامل الجمهور وطريقة استجابته لها، فالإنسان هو القيمة الحقيقية الصافية التي تصاغ على اعتابها كافة إستراتيجيات عالم وسائل الإعلام والإتصال.

(154)

وتعامل الجمهور واستجابته التفاعلية - سلوك الجمهور - اتجاه القوة الناعمة الأمريكية قابل للرصد والقياس بطرق ومؤشرات تقنية شبه يقينية، وبالتالي يمكن في ضوء النتائج والبيانات، بناء عمليات البرمجة المضادة.

وفي مجال أسلوب العدو في تدريب الناشطين على احتلال الميادين العامة لإسقاط الأنظمة والحكومات، وتكتيكات الثورات الملونة، فقد أصبحت معروفة، وهي متوفرة في بعض الوثائق منذ منتصف التسعينات، فضلاً عن الأفلام الوثايقية التي تناولتها، فالتكتيكات التي استعملت في شوارع طهران ودمشق وبيروت ظهرت في فنزويلا عام 2002 ضد القائد الفنزولي الثوري هوغو شافيز الذي كان يحمل بيده دائماً أثناء خطابه ضمن برنامجه التلفزيوني الإسبوعي كتاب «تكتيكات الكفاح السلمي وأسلحة اللاعنف للدكتور جين شارب المفكر السياسي لوكالة CIA»، ومن ثم استعملت تكتيكات الكتاب في اوكرانيا وجورجيا منذ عشر سنوات، ولكنه لم يرصد في بلادنا، رغم انه ترجم الى اللغة العربية منذ عام 2006 في بلغراد عاصمة صربيا. ووزع في بيروت والبلاد العربية، كتاب جين شارب، هو نفس علم وشعار منظمة أوتبور الصريية. من هنا تكمن أهمية خاصية الرصد المبكر في مواجهة الحرب الناعمة.

وروسيا مثلاً طردت وكالة التنمية الأميركية USAID من سائر الأراضي الروسية بموجب قانون رسمي، لأن برامج وتكتيكات هذه الوكالة قد اصبحت معروفة ومفضوحة.

(155)

ولهذا يمكن رصد هذه التجارب، واكتشاف عشرات التكتيكات، وتوفير الاستعداد لها، ونشرها الثقافة المضادة لها في ساحتنا، وتدريب كوادرنا عليها، وتوجيه الجمهور حول سبل مقاومتها.

 

رابعاً: مخرجات الحرب الناعمة ونتائجها تعتمد على أدائنا ومقاومتنا

للحرب الناعمة مدخلات ومخرجات : فمدخلات الحرب الناعمة Inputs هي الموارد والمصادر التي أشرنا اليها في البابين الأول والثاني الجامعات / المشاريع التنموية / المنظمات غير الحكومية / تدريب الناشطين / برامج وسائل الإعلام والإتصال / الرسائل والشعارات والمواضيع الثقافية والسياسية / الخ.

أما المخرجات Outputs فهي السلوكيات المرغوبة أميركياً، اسقاط النظام في إيران وتغيير سياساته / شطب الرئيس الأسد من سوريا/ إضعاف حزب الله وشطبه من المعادلات الإقليمية وإفقاده شرعية المقاومة / محاصرة روسيا والصين /..الخ ).

وما بين المدخلات والمخرجات هناك منظومة تقود وتشغل المدخلات لتحقيق المخرجات. وبناء عليه، فان تصرف الطرف المستهدف يحدد النتائج والمخرجات.

فالحرب الناعمة تستغل مثلاً حالة غفلة أو سذاجة اللاعبين المؤثرين لدى النظام أو الجهة المستهدفة ونمط ادائهم وتعاملهم مع القضايا والأحداث.

(156)

وكما شرحنا في الباب الأول، تعد الحرب الناعمة جزءاً من جهود غرفة عمليات مشتركة، وهي تعمل في إطار منظومة متشابكة ومتفاعلة تشتغل على الميادين والمحاور العسكرية والنفسية والسياسية والثقافية والإقتصادية والأمنية والإعلامية والتربوية في إطار لعبة شطرنج واحدة.

وفي ضوء بيانات المدخلات Inputs تشتغل لعبة الشطرنج الناعمة، فتحرك الضغط الإقتصادي تارة، والقوة الناعمة تارة، وتلوح بالمواجهة الصلبة والعسكرية تارة أخرى، ولكل حجر أو بيدق في اللعبة تأثيره على النتائج والمخرجات Outputs.

ومن وظائف الحرب الناعمة دفع أعدائها إلى الزاوية وجعلهم يتصرفون بعصبية وقلة حذاقة وقلة ذكاء، وكلما تورط النظام أو المنظمة المستهدفة بالأخطاء، يكون قد مهد الطريق للقوة الناعمة الأميركية، فيزداد رصيدها، أي أنها تعطي نتائج هندسية وليس حسابية، بمعنى ان الخسائر تتعمق وتتضاعف.

وبالخلاصة نرى أن مخرجات Outputs الحرب الناعمة عبارة عن علاقة حب نحو قيمة، وعلاقة طرد ونفور اتجاه قيمة مقابلة، وسلوك كاره ومبتعد عن سياسة وسلوك منجذب ومقبل على سياسة، ونقطة شرعية لهذا النظام ونقطة نزع شرعية عن ذاك النظام.

والذي حملنا على تصنيف مخرجات الحرب الناعمة في خانة نقاط الضعف العدو هو ان موارد ومدخلات هذه الحرب بيد العدو 90 %، لكن المخرجات بأيدينا 90 %، أي أن نجاح الحرب الناعمة

(157)

يستند الى طبيعة أدائنا وسلوكنا، وهو ما يسمح لنا بنسف الحرب الناعمة في حال التفتنا الى مخططاتها.

وهذه المعادلة شرحها بدقة ودهاء منظر القوة الناعمة قائلاً «أن القوة الناعمة تعني التلاعب وكسب النقاط على حساب جدول أعمال الآخرين دون أن تظهر بصمات هذا التلاعب، وفي نفس الوقت إعاقة فعالية الآخرين في التعبير عن جدول أعمالهم وتصوراتهم الخاصة، وهي علاقات جذب وطرد وعلاقات حب وكراهية وعلاقات حسد وإعجاب، وهو ما نعنيه بان القوة الناعمة جعل الآخرين يريدون ما نريد»[1].

(158)

مصادر ومراجع الكتاب

- جوزيف ناي، القوة الناعمة ، مكتبة العبيكان 2007

- تيم واينر، إرث من الرماد تاريخ CIA ، شركة المطبوعات للنشر والتوزيع 2010

- فرنسيس بال، الميديا، ترجمة فؤاد شاهين، دار الكتاب الجديد. طبعة اولى 2008

- برمجة الوعي،. سامي الموصللي. دار شعاع 2008

- بروس بمبر، الديمقراطية الأمريكية وثورة المعلومات، دار الحوار الثقافي 2006.

- نعومي كلاين. عقيدة الصدمة، شركة المطبوعات للنشر والتوزيع ط 2009

- فيليب تيلور، قصف العقول. الدعاية للحرب منذ العالم القديم حتى العصر النووي، مجلة عالم المعرفة.

- هيربرت شيللر، المتلاعبون بالعقول.. مجلة عالم المعرفة

- د. أحمد نوفل. الحرب النفسية. دار الفرقان. ط 1989

- خوارق اللاشعور. علي الوردي، الوراق للنشر. ط 2 عام 2008

- دور وسائل الاعلام في الصراع السياسي والثقافي. الشيخ علي ضاهر. دار الهادي.

(159)

- لتقرير العربي الثالث للتنمية الثقافية. اصدار مؤسسة الفكر العربي. ط 2010

- مجلة اذاعات عربية، صادرة عن اتحاد اذاعات الدول العربية، أعداد 2002 / 2005

- موقع مركز دراسات قناة الجزيرة على الانترنت www.aljazeera.net

- موقع وكالة تابناك الايرانية على الانترنت www.tabnak.ir.

- موقع اسلام اون لاين على الاننرنت www.islamonline.net

- موقع شام برس على الانترنت www.champress.net

- موقع تلفزوين المنار على الانترنت www.almanartv.com.lb

- جريدة الاخبار اللبنانية.

- جريدة السفير اللبنانية.

- موقع وزارة الخارجية الأميركية - الديجيتال IIP– قسم الإعلام الخارجي.

- موسوعة المعطيات الحرة Wikipedia

- موقع قناة روسيا اليوم. العربي.

 - موقع قناة BBC. العربي.

(160)
المؤلف في سطور علي محمد الحاج حسن - استاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية . الكتب المؤلفة : 1- الحكمة المتعالية عند صدر المتألهين ، مطبوع (دار الهادي) 2- الجامعة في فكر الإمام الخميني (ره) ، مطبوع في منتدى الفكر اللبناني 3- دراسة تحليلية في مسألة ربط الحادث بالقديم (رسالة ماجستير) الكتب المعربة (من الفارسية إلى العربية) 1- قاموس المصطلحات الفلسفية عند صدر المتألهين ، جعفر سجادي ، مطبوع (معهد المعارف الحكمية) 2- سراج الصعود (شرح رسالة الحق اليقين للشبستري) ، محسن بينا، مطبوع (معهد المعارف الحكمية) 3- الإسلام والأسرة ، حسين بستان نجفي ، مطبوع (مركز الحضارة) 4- شرح تمهيد القواعد ، آية الله جوادي آملي ، يتم إعداده للطبع (معهد المعارف الحكمية) 5- تأملات في الفكر السياسي للإمام الخميني ، د. كوشكي ، مطبوع (جمعية المعارف) 6- الإنسان والمرشد والطريق ، يتم إعداده للطبع (جمعية المعارف) 7- الفن والجمال في الإسلام ، آية الله محمد تقي جعفري ، لم يطبع 8- مذكرات عزت شاهي ، محسن كاظمي ، يتم إعداده للطبع 9- شرح رسالة زاد المسافر لملا صدرا ، الآشتياني ، 10- عقيدة المهدوية في العرفان الاسلامي ، محمد امين صادق ارزكاني 11- فلسفة التربية والتعليم في الاسلام ، مطبوع ، مركز الابحاث والدراسات التربوية . 12- السيرة التربوية للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل البيت (عليهم السلام) ، يتم اعداده للطباعة . بالأضافة إلى عشرات المقالات التي طبعت في مجالات مختلفة......
هذا الكتاب الحرب الناعمة الأسس النظرية والتطبيقية يندرج مصطلح الحرب الناعمة في إطار المصطلحات المستحدثة والتي دخلت ميدان الفكر السياسي ومداولاته خلال السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين . ترافق نشوء المصطلح مع انتقال العلاقات الدولية إلى تاريخ جديد من التوترات والاحتدامات وكان من أبرزها انفراد الولايات المتحدة الأمريكية بالقرار الدولي وسعي مفكريها الاستراتيجيين إلى صياغة نظريات تدخل في سياق تسويغ هيمنتها الأيديولوجية على العالم . شكلت نظرية الحرب الناعمة ، أو القوة اللينة بحسب المفكر الاستراتيجي الأمريكي جوزيف ناي واحدة من أبرز النظريات والأطروحات التي جرى تداولها في العالمين العربي والإسلامي ، ويقصد منها تحقيق الهيمنة عبر الغزو الثقافي والفكري وتدمير الولاءات والهويات الوطنية والدينية والأخلاقية . المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية http://www.iicss.iq [email protected]
 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف