فهرس المحتويات

رؤى نقدية معاصرة 4 محمد عابد الجابري دراسة النظريات ونقدها مجموعة باحثين العتبة العباسية المقدسة المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية
(4)

المحتويات

كلمة المركز7

ـ المنهجيَّة الفكريَّة لمحمّد عابد الجابري

قاسم إبراهيمي بور9

ـ دراسة العقل العربي وتحليله من منظار محمّد عابد الجابري

السيِّد محسن ميري121

ـ محمّد عابد الجابري والقطيعة الأخلاقيَّة (دراسة ونقد)

السيِّد هاشم الميلاني151

ـ الشموليَّة والانتقائيَّة في منهج ونظريَّة العقل السياسي العربي عند الجابري

حامد فتحي حامد عبد الواحد169

ـ التعاطي بين الفلسفة والشريعة في كتاب «نحن والتراث» لمحمّد عابد الجابري

مسلم طاهري كل كشوندي ويحيىٰ بوذري نجاد211

ـ التاريخيَّة والبنيويَّة في فكر محمّد عابد الجابري (بحث ونقد)

فرامرز ميرزا زاده241

ـ الاتِّجاه الكلامي لمحمّد عابد الجابري في نقد التراث الشيعي

محمّد عليّ مهدي راد ومحمّد موسوي مقدَّم ومريم شمس عليئي273

ـ قَصص القرآن الكريم من وجهة نظر محمّد عابد الجابري

محمّد عليّ مهدوي راد وأمير عطاء الله جبَّاري ونرجس بهشتي305

(5)
(6)

كلمة المركز

يُعتَبر الفكرُ المعاصر مكوِّنًا أساسيًّا في المنظومة الفكريَّة الإسلاميَّة، والتراث المعاصر لا يختصُّ بطبيعة الحال بالعالم الإسلامي فحسب، وإنَّما له ارتباطٌ بجميع الثقافات والكيانات الجماعيَّة التي تضرب بجذورها في تاريخ البشريَّة.

يتبلور هذا الفكر على أرض الواقع حينما تشهد الساحة ظهور فكرٍ «آخر» بصفته ثقافةً وسلسلةَ مفاهيم دلاليَّة منافسة، فالزمان والمكان إلى جانب المنافسة التي تحدث على ضوء مجموعةٍ من المفاهيم التي يطرحها «الآخرون»، كلُّها أُمورٌ تُحفِّز المدارس الفكريَّة والثقافات الأصيلة للعمل على التأقلم مع الظروف الجديدة، وفي الحين ذاته تُحفِّزها على السعي للحفاظ على حيويَّتها وخصوصيَّاتها التي تُميِّزها عن «الآخر».

لو أنَّ التاريخ شهد في بعض مراحله إقبال العلماء المسلمين على التّراث الفلسفي الإغريقي باعتباره نطاقًا منسجمًا من الناحية الدلاليَّة، وذا مضامين عميقة لدرجة أنَّ بعض الفلاسفة من أمثال الفارابي وابن رشد ولجوا في فضائه الفكري وحاولوا إقامة تعريف معانيهم ورؤاهم الدِّينيَّة متلائمًا مع هذا الآخر الدخيل، ففي العصر الراهن باتت الثّقافة والحضارة الغربيَّتان الحديثتان المتقوِّمتان على أُسُسٍ علمانيَّةٍ وتوسُّعيَّةٍ، تُمثِّلان «الآخر» بالنسبة إلينا ولسائر الثقافات غير الغربيَّة.

النظام الدلالي المنبثق من الفكر الغربي قد أسفر عن إيجاد تحدّياتٍ كبيرةٍ لـ «ذاتنا الإسلاميَّة» بفضل تفوُّقه سياسيًّا واقتصاديًّا، ونطاق هذا التحدِّي يتَّسع أكثر يومًا بعد يومٍ؛ لذلك طُرِحَت العديد من الحلول لمواجهته؛ وقد استسلم بعضهم لواقع الأُمور بعد أنْ شعروا بالخشية من الغرور الغربي، فراحوا يبحثون عن الحلِّ في العالم الغربي نفسه، لذا دعوا بانفعالٍ إلى ضرورة ملائمة «ذاتنا» مع هذا «الآخر»؛ إلَّا أنَّ آخرين سلكوا نهجًا مغايرًا ودعوا إلى تفعيل تراث «ذاتنا» وأكَّدوا على أنَّ الحلَّ لا يتبلور في ديار منافسنا، وإنَّما هو كامنٌ في ديارنا. نعم، تراثنا المعاصر هو ثمرةٌ لكلِّ حلٍّ يمكن أنْ يُطرَح في هذا المضمار.

(7)

وعليه فإنّ المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيّة، قد اهتمّ في أحد مشاريعه البحثيّة المهمّة بالفكر المعاصر، وتحدّياته وآفاقه، ولتحقيق هذه الغاية، يعمل فريق بحثيّ متخصِّص على تدوين دراساتٍ وبحوثٍ علميَّةٍ نقديّة ومعمّقة حول الإنجازات الفكريَّة التي تحقَّقت على صعيد ما ذُكِرَ إلى جانب تقييمها، وفي هذا السياق بادر الباحثون فيه إلى استطلاع المشاريع الفكريَّة لأبرز العلماء والمفکِّرين في العالم الإسلامي من الذين تنصبُّ نشاطاتهم الفكريَّة في بوتقة الفكر المعاصر؛ لبيان واقع مسيرة إنتاجهم الفكري وكيفيَّة تبلور آرائهم بصياغتها النهائيَّة. وتسليط الضوء على مسيرة الإنتاج الفكري الهادف إلى إيجاد خلفيَّاتٍ ومباني فكريَّة ونظريَّاتٍ تحت عنوان «المنهجية التأسيسية»، من خلال دراسة وتحليل مدى نجاح الفكر المعاصر أو إخفاقه بشكلٍ صريحٍ وشفَّافٍ. يتضمَّن هذا الجزء مجموعة من مختلف الآثار والنظريَّات لعدد من المفكِّرين الذين يتبنَّون مشارب فكريَّة متنوِّعة؛ حيث تمحورت مساعيهم البحثيَّة حول بسط شتَّى المسائل المرتبطة بالعلوم المعرفيَّة.

ومحمّد عابد الجابري من المؤلِّفين المكثرين، صنّف الكثير من المؤلَّفات في هذا المجال وغيره، وحرصًا على المنهجيّة العلميّة في قراءة فكر الآخر وتحليله ونقده أو الموافقة عليه، فقد قسّمنا مباحث هذا الكتاب إلى قسمين، تناولنا في القسم الأول المنهجية الفكريّة للجابري؛ وذلك من خلال تظهير مسار تبلور المشروع الفكري لمحمّد عابد الجابري؛ حيث نقوم بطرح خلفيَّاته ومبانيه وآرائه ونظريَّاته ومناقشتها وتحليلها. وبيَّنا في القسم الثاني القضايا التي طرحها في آرائه ونظريَّاته، وقمنا بدراسات تحليليَّة ذات طابع نقدي؛ بغية أنْ تتَّضح لنا آفاق هذا المشروع ومدى نجاحه أو فشله في رحاب أُسُس الثقافة الإسلاميَّة.

وفي الختام نتقدَّم بالشكر الجزيل إلى جميع الفضلاء الذين أسهموا بشكل وآخر في تحقيق هذا العمل وإنجازه.

والحمد للّه رب العالمين
المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيّة
(8)

القسم الأول:

المنهجية الفكريّة

لمحمّد عابد الجابري

قاسم إبراهيمي بور[1]

المقدّمة:

لماذا تخلَّف المسلمون بينما شهد الآخرون تقدُّمًا وتطوُّرًا كبيرًا[2]؟ ولماذا لم تؤدِّ الأوضاع الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة في العالم العربي «في القرون الوسطى» إلى انتهاج النّظام الرأسمالي؛ كي يتمكَّن من تحقيق التقدُّم والتطوُّر كما هو حاصل في أُوروبا[3]؟ كيف وصل الأُوربيُّون إلى مثل هذه القوَّة والمكانة؛ بحيث تقدَّموا على المسلمين وأصبحوا يدَّعون السلطة عليهم[4]؟ إنَّ هذه الأسئلة ـ والكثير من الأسئلة الأُخرى مثلها ـ قد شغلت أذهان المسلمين بعد أنْ وقف العالم الإسلامي على الحداثة منذ القرن التاسع عشر للميلاد. وقد اتَّخذ المفكِّرون المسلمون في معرض الإجابة عن الأسئلة أعلاه، ثلاثة اتِّجاهات رئيسة. فهناك من ذهب منهم

(9)

إلى الاعتقاد بأنَّ الحداثة ظاهرة تفوق الزمان والمكان، واقترح التخلِّي عن التراث والأخذ بالحداثة، وهناك من دعا إلى نبذ الحداثة بالكامل والتبعيَّة الكاملة للتراث، وهناك من طالب بالتعاطي المدروس مع الحداثة والاستفادة من نقاطها الإيجابيَّة من جهة، والاستفادة من التراث من جهة أُخرى. ومن وجهة النّظر الأخيرة تُعَدُّ الحداثة ظاهرةً تاريخيَّةً ومحدودةً بالشرائط والظروف الزمانيَّة الخاصَّة، وليس من شأنها أنْ تحلَّ مشكلة من مشاكل العالم الإسلامي، ومن ناحية أُخرى فإنَّ التشبُّث بالتّراث لا يعمل لوحده على حلِّ المشكلة أيضًا. وعلى هذا الأساس يجب من هذه الناحية أنْ نعمل على التلفيق الدقيق والمنطقي بين التراث والحداثة. وإنَّ أتباع هذه النظريَّة أنفسهم ينقسمون بدورهم إلى قسمين؛ القسم الأوَّل: يعمل على تقييم الحداثة وإعادة قراءتها من زاوية التراث، والقسم الثاني: يعمل على تقييم التراث وإعادة قراءته من زاوية الحداثة. ومن بين المفكِّرين الذين ينتمون إلى هذا القسم المفكِّر المغربي محمّد عابد الجابري؛ حيث سعى من خلال اتِّخاذ الاتِّجاه الحديث إلى التعرُّف على جذور التّراث، ويعمل بذلك على دراسة ظاهرة تخلُّف العالم الإسلامي. إنَّ الاهتمام بظاهرة التخلُّف في العالم الإسلامي، وإنْ كان يستدعي اهتمام المسلمين بمختلف الأبعاد الاقتصاديَّة والعسكريَّة وما إلى ذلك، بيد أنَّ البُعد السياسي من بين أكثر الأبعاد استحواذًا على اهتمامهم. إنَّ السياسي من هذا التخلُّف يُؤكِّد على وضعيَّةٍ خاصَّةٍ تفقد فيها الدولة وتركيبة النّظام السياسي جدوائيَّتها، وتُعتَبر متخلِّفة بالقياس إلى الدولة والأنظمة السياسيَّة الأُوربيَّة[1]. بيد أنَّ الدكتور الجابري يبحث منعطفات العقل العربي على مدى التاريخ، ويدرس نسبة ذلك مع التخلُّف في ضوء الاتِّجاه المعرفي الإبستمولوجي. وسوف نتناول في

 

(10)

هذه الدراسة بحث ونقد نظريَّات تكوين العقل العربي عند الدكتور الجابري التي تُشكِّل القسم الأكبر من مشروعه الفكري، بالإضافة إلى إيضاح الإشكالات المعرفيَّة والمنهجيَّة والتاريخيَّة الواردة على هذا المشروع.

طريقة التحليل:

إنَّ طريقة التحليل في هذه الدراسة تقوم على المنهجيّة التأسيسيّة بوصفها أُسلوبًا معرفيًّا من الدرجة الثانية؛ حيث يتمُّ التعرُّض فيها إلى ارتباط المبادئ والأُصول الوضعيَّة للنظريَّات من خلال الاتِّجاهات والنظريَّات في داخل العلم والتداعيات المنطقيَّة للمبادئ والأُصول الوضعيَّة والأخطاء المنهجيَّة لنظريَّة ما، وفيما لو تمَّ العدول من قِبَل نظريَّة ما عن مبادئها المعلنة أو عن مبادئها الضمنيَّة وغير المعلنة، يتمُّ العمل على تحديد مكمن الانحراف في ذلك، أو يتمُّ العمل على إظهار تلك المبادئ المضمرة والكامنة من ذلك العلم. إنَّ المنهجيّة التأسيسيّة تعمل - من خلال إظهار مباني نظريَّة ما وتحديدها - على بلورة الأرضيَّة لانتقادها على المستوى المبنائي أيضًا[1].

طبقًا لطريقة المنهجيّة التأسيسيَّة، يبدأ مسار التنظير بمسألة. بيد أنَّ المسألة والنظريَّة التي يتمُّ تصويرها في عمليَّة البيان، تقع تحت تأثير طائفتين من المبادئ؛ الطائفة الأُولى: المبادئ المعرفيَّة والإبستمولوجيَّة التي تعمل على بلورة رؤية المفكِّر إلى الوجود والمعرفة والإنسان، والطائفة الثانية: المباني غير المعرفيَّة والتي تتحدَّث عن الخصائص والصفات الفرديَّة للمفكِّر وحاضنته وبيئته الاجتماعيَّة والسياسيَّة والاقتصاديَّة. والنقطة التي لا يجب التغافل عنها هي أنَّ نسبة هاتين الطائفتين من المباني إلى النظريَّة تنطوي على اختلافٍ هامٍّ؛ وذلك لأنَّ المباني المعرفيَّة تحتوي على

(11)

نسبة داخليَّة مع النظريَّة؛ بمعنى أنَّ كلَّ تغيير في المباني يُؤدِّي إلى حدوث تغيير في محتوى النظريَّة. وأمَّا نسبة المباني غير المعرفيَّة فهي نسبة خارجيَّة؛ بمعنى أنَّ شخصيَّة المفكِّر وظروفه وشرائطه الاجتماعيَّة والسياسيَّة والاقتصاديَّة لا تُؤثِّر في النظريَّة ذاتها، بل إنَّ هذه المبادئ تُوفِّر الأرضيَّة لتبلور النظريَّة أو تحول دون تبلورها[1].

وعليه يجب بيان مسألة الجابري في ضوء هذا النموذج وهذه الطريقة؛ فنعمل على بيان سيرته وحياته الشخصيَّة، وشرائطه وظروفه الاجتماعيَّة والسياسيَّة والاقتصاديَّة، وأنْ نشرح مبادئه ومبانيه المعرفيَّة، والأهمّ من ذلك كلِّه نبحث في نسبة هذه الأُمور إلى نظريَّته، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى تناول نظريَّته بالنقد والتحليل.

مسألة الجابري:

إنَّ مسألة الجابري تكمن في تخلُّف العالم الإسلامي؛ حيث يتناولها بالبحث والدراسة في ضوء الاتِّجاه المعرفي والإبستمولوجي. فهو يقول:

لماذا لم تتمكَّن الفلسفة [المفاهيم، والمناهج، والآراء] في التجربة الثقافيَّة العربيَّة من الصمود والانتشار وتعميم العقلانيَّة؟ ... لماذا لم تستطع النهضة العربيَّة في «القرون الوسطى» من أنْ تشقَّ طريقها نحو التقدُّم المطَّرد كما فعلت النهضة الأُوروبيَّة[2].

أو يقول:

أين كان يقع العلم العربي من «حركة» الثقافة العربيَّة وتموُّجاتها، وبالتالي [أين

(12)

كان يقع هذا العلم العربي] من «تطوُّر» العقل الذي ينتمي إلى هذه الثقافة[1]؟

لقد عمد الدكتور محمّد عابد الجابري إلى مواصلة البحث في هذه المسألة بالتحليل والإجابة ضمن مشروعه الذي أطلق عليه عنوان نقد العقل العربي. وقد عمد إلى بيان مشروعه في نقد العقل العربي ضمن أربع مراحل، وهي: تكوين العقل العربي، وبنية العقل العربي، والعقل السياسي العربي، والعقل الأخلاقي العربي. وقد ذهب الجابري في المرحلتين الأُوليين إلى القول بأنَّ الحداثة الأُوروبيَّة ليست مناسبة لإيجاد الحركيَّة في الثقافة العربيَّة. وإنَّما يتلمَّس طريق الحداثة في النقد المنهجي للثقافة العربيَّة. وذلك لاعتقاده بأنَّ هذا الأمر يعمل على خلق الدوافع من أجل إيجاد التحوُّل من داخل الثقافة العربيَّة، ويُمهِّد الطريق إلى ازدهارها. وعلى هذا الأساس فإنَّ الحداثة يجب أنْ تتجلَّى قبل كلِّ شيء في المناهج والأساليب والآراء، والغاية من ذلك إطلاق الإنسان المسلم وتحريره من القيود الأيديولوجيَّة والعاطفيَّة التي طغت عليها البصمات والقوالب العامَّة والمطلقة، حتَّى أخرجتها من خصائصها التاريخيَّة والنسبيَّة.

الخلفيَّات:

وُلِدَ الدكتور محمّد عابد الجابري في مدينة «الفجيج» في المغرب بتاريخ 27/ ديسمبر/ سنة 1936م. ومارس مهنته الأُولى في مدرسة المحمّديَّة سنة ١٩٥٣م بوصفه معلِّمًا. وفي عام 1956م نجح في الحصول على شهادة الدبلوم والوثيقيَّة التجريبيَّة في التعلُّم الابتدائي. الأمر الذي أتاح له بعد ذلك بسنة أنْ ينخرط في سلك وزارة التربية والتعليم بوصفه معلِّمًا بشكل رسمي. وقد شارك الدكتور الجابري في الاعتراضات الثوريَّة التي انطلقت في مراكش في الخامس والعشرين من يناير

(13)

سنة 1958م، وبعد تأسيس جريدة «التحرير» في الثاني من أبريل من السنة ذاتها، التحق بالهيئة التحريريَّة لهذه الصحيفة بوصفه مديرًا لتحريرها. وفي شهر أُكتوبر من هذه السنة التحق بكلّيَّة العلوم الإنسانيَّة في الرباط بغية مواصلة دراسته الجامعيَّة؛ حيث بدأ دراسة الفلسفة في تلك الجامعة. وفي شهر يونيو من عام 1961م حصل على شهادة الفلسفة. وفي شهر يوليو من عام 1963م أُلقي عليه القبض ضمن حملة تصفويَّة في صفوف اتِّحاد القوى الشعبيَّة مع سائر أعضاء هذا الاتِّحاد، ثمّ أُفرج عنه بعد ذلك بشهرين؛ لعدم توفُّر الأدلَّة الكافية على إدانته. وفي شهر مارس سنة 1964م لعب دورًا في تأسيس مجلَّة «الأقلام»، ثمّ عمل في تحرير هذه المجلَّة حتَّى عام 1983م بعد إغلاقها بسبب انفصال مديرها عن «الاتِّحاد الاشتراكي». ثمّ أُلقي عليه القبض ثانيةً في شهر مارس من سنة 1965م مع مجموعة من المعلِّمين إثر أحداث تلك الفترة؛ ليُطلَق سراحه هذه المرَّة بسبب عدم توفُّر الأدلَّة الكافية لإدانته أيضًا. وفي عام 1967م نجح الدكتور الجابري في الحصول على شهادة الدبلوم في التعليم العالي في حقل الفلسفة. وفي شهر تشرين الأوَّل من عام 1967م التحق الدكتور الجابري بكلّيَّة العلوم الإنسانيَّة في العاصمة الرباط بوصفه أُستاذًا مساعدًا. وفي شهر تشرين الأوَّل من عام 1986م قام برفقة بعض الأصدقاء بتأسيس مجلَّة «فلسطين» الأُسبوعيَّة. وفي عام 1970م تمكَّن من الحصول على شهادة الدكتوراه في الفلسفة. وكانت اللّجنة التحكيميَّة لتقييم أُطروحته على مستوى الدكتوراه، مؤلَّفة من هيئة مغربيَّة / فرنسيَّة. وبذلك كان الدكتور محمّد عابد الجابري هو أوَّل شخص يُمنَح شهادة الدكتوراه في الفلسفة في مراكش. وفي عام 1971م تمَّ اختياره أُستاذًا في التعليم العالي. وفي عام 1972م لعب دورًا في التمهيد لاعتراضات مراكش في تلك السنة. وفي الخامس من نيسان سنة 1981م

(14)

استقال من المكتب السياسي للاتِّحاد؛ ليتفرَّغ إلى العمل الثقافي والعلمي الخالص. وفي شهر كانون الأوّل من سنة 1997م قام ـ مع محمّد إبراهيم بو علو، وعبد السلام بن عبد العليِّ ـ بتأسيس مجلَّة «فكر ونقد»، حيث تولَّى رئاسة تحرير هذه المجلَّة. وفي شهر تشرين الأوَّل من عام 2002م تقاعد الجابري بعد خمسة وأربعين سنة من الخدمة بوصفه أُستاذًا في مختلف الأروقة العلميَّة والتعليميَّة، وتفرَّغ إلى العمل في حقل الدراسات القرآنيَّة. وفي نهاية المطاف رحل الدكتور الجابري عن هذه الدنيا عام 2010م عن عمر ناهز الأربعة وسبعين عامًا.

أعمال الدكتور الجابري:

في عام 1971م قام الدكتور محمّد عابد الجابري بدراسة نظريَّة ابن خلدون في كتابه: «العصبيَّة والدولة: معالم نظريَّة خلدونيَّة في التاريخ». وفي عام 1973م، تعرَّض إلى المشاكل التي يعاني منها النظام التربوي والتعليمي في المغرب، في كتابه: «من أجل رؤية تقدُّميَّة لبعض المشكلات الفكريَّة والتربويَّة». وفي عام 1976م، أنجز كتاب «مدخل إلى فلسفة العلوم» برؤية حديثة ومختلفة تمامًا عن أعماله السابقة. وفي عام 1980م صدر كتابه «نحن والتراث» الذي شكَّل منعطفًا في أعماله الفكريَّة. وفي عام 1984م أصدر كتاب «تكوين العقل العربي» ليُمثِّل المرحلة الأُولى من مشروعه الأصلي في نقد العقل العربي. وفي عام 1986م ألَّف كتاب «بنية العقل العربي». وفي عام 1990م ألَّف كتاب «العقل السياسي العربي». وفي نهاية المطاف أكمل المرحلة الأخيرة من مشروعه الفكري في نقد العقل العربي من خلال تأليفه لكتاب «العقل الأخلاقي العربي» سنة 2001م. وفي أثناء هذه الفترة الزمنيَّة التي عمل فيها على تدوين مشروعه في نقد العقل العربي كانت له أعمال أُخرى في سياق إحياء عقل «ابن رشد» بوصفه نموذجًا يحتاج إليه المجتمع الراهن مقتبسًا

(15)

من التراث الفلسفي للعالم المعاصر، وفي السنوات الأخيرة من عمره انصرف الجابري إلى حقل الدراسات القرآنيَّة. وكان آخر عمل له - وهو يحظى بأهمّيَّة على مستوى الحجم - هو كتاب «مدخل إلى القرآن الكريم».

المؤثِّرون على الدكتور الجابري:

لقد عمل الدكتور الجابري على الاستفادة من الإبستمولوجيا التكوينيَّة لجان بياجيه، والإبستمولوجيا العقلانيَّة للالاند وباشلار، وبنيويَّة وفلسفة التاريخ لهيغل وماركس[1]. كما كان لكتاب «نقد العقل الخالص» لإيمانويل كانط، وكتاب «تكوين العقل العلمي» لغاستون باشلار، بدورهما تأثير ملحوظ على نظريَّة الدكتور الجابري في نقد العقل العربي[2]. وقد صرَّح الدكتور الجابري بنفسه في هذا الشأن قائلًا:

أنا مطَّلع بشكل كامل على أفكار كانط وباشلار وفوكو وغيرهم من فلاسفة الغرب، وقد قرأت مؤلَّفات ديكارت، وإسبينوزا، ولايب نتز، وجون لوك، وديفد هيوم. ومن ناحية أُخرى درست وفهمت أفكار ابن خلدون والغزالي وابن رشد والفارابي وابن سينا والجويني والباقلاني والرازي والطوسي بشكل أعمق. لقد استفدت من هؤلاء جميعًا، ولكنِّي لست تابعًا لأيِّ واحدٍ منهم، بل أعتبر نفسي مستفيدًا لثمار أفكارهم[3].

وفي الحقيقة فإنَّ الدكتور محمّد عابد الجابري من خلال نقده لمفاهيم

(16)

ونظريَّات هؤلاء المفكِّرين والفلاسفة، إنَّما يسعى إلى الحصول على نظريَّات ومفاهيم متأصِّلة وقابلة للاستفادة في المجتمعات الإسلاميَّة. بيد أنَّ الجابري قد تأثَّر بالفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو بشكل أكبر من تأثُّره بالآخرين. ومن هنا نجد أنَّ المفاهيم المفتاحيَّة لدى الجابري، من قبيل: الخطاب، والأبستميَّة، والسلطة، هي ذات مفردات ومفاهيم ميشيل فوكو. كما أنَّ الدكتور الجابري يتعرَّض إلى جنيولوجي في الأُسلوب والمنهج بتأثير من فوكو أيضًا[1].

مبادئ المشروع الفكري للدكتور الجابري وأركانه:

في مقام بيان كلِّ قضيَّة، يجب العمل على نقد مبادئها ومبانيها ومقدّماتها أيضًا. إنَّ الكثير من العقائد والنتائج التي تبدو مقبولة في ظاهرها قد تقوم على أدلَّة ومقدّمات غير منطقيَّة أو فاقدة للأدلَّة المعتبرة؛ بحيث لا يمكن الاعتقاد والقبول بها إلَّا بوحي من السطحيَّة والسذاجة[2]. وعلى هذا الأساس يجب في نقد نظريَّة ما أنْ نعمل على كشف المبادئ الخاصَّة لتلك النظريَّة. كما يجب النظر فيما إذا كانت مبادئ تلك النظريَّة منسجمة فيما بينهما أم لا؟ أو ألا تكون متنافية فيما بينها في الحدِّ الأدنى. كما يجب في حدود الإمكان تقسيم المباني إلى أصليَّة وفرعيَّة، والعمل على إيضاح النظام الارتباطي بين المباني أيضًا؛ إذ لو كان النظام الارتباطي بين المباني طوليًّا، فإنَّه بعد إبطال المباني الأصليَّة، يتمُّ إبطال جميع المباني القائمة عليها بالتّبع أيضًا[3]. وقد تمَّ تحديد سبعة مبانٍ وأركان من بين مباني الدكتور الجابري بوصفها هي الأهمّ وذات التأثير الأعمق على نظريَّته، وهي عبارة عن:

(17)

1 - أنَّ الفكر ثمرة يفرزها المجتمع.

2 - أنَّ السياسة من أهمّ العناصر المؤثِّرة على الساحة المعرفيَّة.

3 - أنَّ اللغة إطار للفكر ومحدّدة لثغور المعرفة.

ومن بين هذه المباني الثلاثة يُعتَبر المبنى الأوَّل «الفكر ثمرة يفرزها المجتمع» مشتملًا على ارتباط طولي وأصلي بالنسبة إلى المبنيين الأُخريين.

4 - أنَّ للعقل بُعدًا تاريخيًّا.

5 - أنَّ العقل العربي عقل قِيَمي وأخلاقي.

وهذان المبنيان بدورهما يشتملان على ارتباط طولي أيضًا؛ حيث يُعَدُّ اعتبار العقل تاريخيًّا هو الأصل، ويُعَدُّ اعتبار قِيَميَّته وأخلاقيَّته فرعًا على ذلك.

6 - أنَّ هناك تنافيًا ذاتيًا بين البيان والعرفان والبرهان.

7 - أنَّ الدِّين ساكت تجاه الأُمور الدنيويَّة.

ليس هناك ارتباط مباشر بين هذين المبنيين الأخيرين. بيد أنَّ القبول بسكوت الدِّين في ساحة الأُمور الدنيويَّة، من شأنه أنْ يُمهِّد الأرضيَّة للفصل بين الأنظمة المعرفيَّة.

1 - الفكر والمجتمع:

يذهب الدكتور الجابري إلى الاعتقاد بأنَّ التفكير إنَّما هو نتاج الارتباط مع بيئته الاجتماعيَّة / الثقافيَّة[1]، وأنَّ التقدُّم والازدهار الفكري للمجتمع يشبه نموَّ

(18)

الجسم. إنَّ الناس يستفيدون في التغذية من تلك الأطعمة التي فرضتها عليهم العادات السلوكيَّة. إنَّ نمط الاستهلاك والتغذية مؤثِّر للغاية في الفيزياء والنموِّ الجسدي للمجتمع. وإنَّ أُسلوب التفكير من هذا النوع أيضًا. بعبارة أُخرى: إنَّ نمط التفكير هو نوع من العادة والسلوك الذي ينتقل من جيل إلى جيل آخر. وإذا أمكن لنا أنْ نُذكِّر المجتمع بأنَّه كانت له عادات وسلوكيَّات عقلانيَّة، أمكن لنا أنْ نساعده على تغيير عاداته[1]. إنَّ العقل ينمو في أحضان البيئة. وإنَّ الغايات والأهداف التي تسعى وراءها العقول، والأساليب التي يتتبَّعونها في كيفيَّة التفكير، وما تعتبره في نهاية المطاف مدعاة للعزَّة والافتخار، تختلف عن بعضها. بمعنى أنَّ تعقُّل الأشخاص إنَّما يتناسب مع البيئة التي نشأوا وترعرعوا فيها. إنَّ هذا العقل وهذا النوع من التفكير يتَّخذ لون البيئة ورائحتها. ومن هنا نجد أنَّ التفكير والعقل الفرنسي يكتسب طبيعة الثقافة والحضارة الفرنسيَّة، وأنَّ التفكير والعقل الإنجليزي يكتسب طبيعة الثقافة والحضارة الإنجليزيَّة، كما أنَّ التفكير والعقل الشرقي – ولا سيّما التفكير والعقل الهندي والياباني أو الصيني - يكتسب طبيعة بيئته؛ حيث يقوم في الغالب على أساس من الأساطير[2]. إنَّ المفكِّر إنَّما يُفكِّر بثقافته. ومن هنا فإنَّ المفكِّر العربي هو الذي يُفكِّر في ضوء الثقافة العربيَّة، وليس هو الذي يُفكِّر في مورد الثقافة العربيَّة. وعلى هذا الأساس فإنَّ الدكتور الجابري يعتبر الفارابي مفكِّرًا عربيًّا؛ وذلك لأنَّه إنَّما تعرَّض إلى مسائل الثقافة اليونانيَّة في إطار الثقافة العربيَّة وفي أحضانها وبيئتها[3]. يقول الدكتور الجابري:

(19)

إنَّ التفكير بواسطة أيَّة ثقافة إنَّما يعني التفكير في إطار المنظومة المرجعيَّة والتي تتألَّف محاورها وعناصرها الأساسيَّة من أُطُر وقواعد تلك الثقافة، وعلى رأسها التراث الثقافي والبيئات الاجتماعية والنظرة إلى المستقبل، بل وحتَّى الرؤية إلى العالم والوجود والإنسان كما تُحدِّده القواعد والأُسُس في تلك الثقافة[1].

وقد أطلق الدكتور الجابري على هذا الإطار الفكري في موضع آخر تسميته بـ «العقل المكوَّن»، ويراه مشتملًا على جميع المبادئ والقواعد التي تفرضها الثقافة العربيَّة على المنتسبين لها بوصفها أساسًا لاكتساب المعرفة[2].

وعلى هذا الأساس فإنَّ الدكتور الجابري لا يرى بحثه في مورد تكوين العقل العربي ـ الذي هو بحث معرفي إبستمولوجي ـ من الناحية العلميَّة على مستوى الفيزياء والرياضيَّات. فهو يقول:

إنَّ الموضوع مورد البحث عندنا هو جزء منَّا، كما أنَّنا جزء منه، وقد امتزجنا به سواء شئنا ذلك أم أبينا[3].

بمعنى أنَّ العلوم بأجمعها ليست على درجة واحدة من العلميَّة. كما يذهب الدكتور الجابري إلى أبعد من ذلك، حيث يدَّعي أنَّ الحكم في خصوص ماهيَّة العلم لا يعود إلى المنطق فقط، وإنَّما يعود إلى التاريخ أيضًا. كما أنَّنا لا نعتبر من العلم كلَّ ما أطلق عليه عبد الرحمن بن خلدون عنوان العلم، وربَّما سيأتي يوم لا يذهب فيه الآخرون إلى القول بعلميَّة ما نراه اليوم علمًا[4].

(20)

يتعيَّن على الدكتور الجابري أنْ يجيب عن الأسئلة الآتية: هل الارتباط والعلاقة بين التفكير والمجتمع داخلي أم خارجي؟ بمعنى: هل المجتمع والبيئة الفكريَّة هي التي تعمل على تعيين الفرد والشخص، أم أنَّها تُعيِّن حتَّى نوعيَّته ومحتواه الفكري أيضًا؟ ومن ناحية أُخرى هل تخضع جميع أقسام وأصناف التفكير لتأثير البيئة؟ وبعبارة أُخرى: ألَا يوجد لدينا تفكير خالص يفوق الطبيعة والبيئة ويكون عابرًا وشاملًا لجميع الكون والعالم؟ من ذلك على سبيل المثال: هل الأبحاث الشهوديَّة والعقليَّة والتجريبيَّة البحتة خاضعة لتأثير البيئة أيضًا؟

2 - السياسة والمعرفة:

في سياق القول بالمبنى الأوَّل «تأثُّر التفكير بالمجتمع»، يذهب الدكتور الجابري إلى تظهير عنصر السياسة، ويعمل في بيان علل تخلُّف العالم العربي وأسبابه، على جنيولوجي (تتبُّع جذور) المعرفة، كما يعمل على تحليل العلاقة بين السياسة والمعرفة ودراستها وتأثير ذلك على الثقافة العربيَّة. يذهب الدكتور الجابري إلى الادِّعاء بأنَّ السياسة من أهمّ العناصر المؤثِّرة في إنتاج المعرفة. ولكن حيث إنَّ السياسة على مدى التاريخ العربي لم تكن بحاجة ماسَّة إلى العلوم البرهانيَّة، فإنَّها لم تأخذها على محمل الجدِّ ولم تنظر إليها بنظرة شاملة. وفي المقابل فإنَّ السياسة في مذهب أهل السُّنَّة قد استندت إلى العلوم البيانيَّة، كما استندت في مذهب التشيُّع إلى العلوم العرفانيَّة، وحيث إنَّ العقل في العلوم البيانيَّة ينظر إلى النصِّ، وفي العلوم العرفانيَّة ينظر إلى الأُمور الأُخرويَّة، فإنَّ العقل العربي إنَّما تبلور وعمل على صياغة الثقافة العربيَّة بعد إلغاء الطبيعة، وتجاهل علل الظواهر وأسبابها. وعليه من الطبيعي أنْ لا نشهد تقدُّمًا أو تطوُّرًا في هذه الثقافة. يذهب الدكتور الجابري إلى الادِّعاء بأنَّ العقل إنَّما يمكن له الازدهار في ضوء ارتباطه بالطبيعة،

(21)

وذلك إنَّما يتمُّ من خلال بسط العلوم البرهانيَّة وتوسيعها على طريقة ابن رشد، في حين أنَّ ابن رشد إنَّما حظي بالاهتمام في أُوروبا لا في العالم العربي.

كما يتعيَّن على الدكتور الجابري في هذا الخصوص أنْ يُحدِّد موقفه من العلاقة الداخليَّة والخارجيَّة القائمة بين السياسة والمعرفة. الأمر الآخر أنَّ الحقائق التاريخيَّة تشهد على الضدِّ من هذا المبنى الذي يتَّخذه الدكتور الجابري؛ إذ لم يكن الأمر كما لو أنَّ أهل السُّنَّة قد اكتفوا بالعلوم البيانيَّة أو أنَّ التشيُّع قد اكتفى بالعلوم العرفانيَّة.

3 - اللغة والمعرفة:

إنَّ الدكتور الجابري لا يعتبر اللغة مجرَّد وسيلة للتفكير فقط، بل ويراها قالبًا يتبلور فيه التفكير أيضًا[1]. إنَّ اللغة مستودع آمن للمعاني، وهي نموذج تتبلور المعرفة على أساسه. وعلى هذا الأساس فإنَّ اللغة هي التي ترسم حدود المعارف البشريَّة. إنَّ اللغة عامل أساسي ـ وقد يكون قطعيًّا في بعض الأحيان ـ في تعيين وتأطير رؤية الناطقين بها والأشياء المحيطة بهم[2]. وقد عمد الدكتور الجابري بعد بيان رأيه حول اللغة إلى دراسة اللغة العربيَّة. وقد قسَّم اللغة العربيَّة إلى نوعين: اللغة الفصحى، واللغة الدارجة. وإنَّ اللغة الفصحى على الرغم من قدرتها الاستيعابيَّة والكتابيَّة والتفكيريَّة العالية ومكانتها الداخليَّة السامية، إلَّا أنَّها لا تستطيع التعبير بشكل جيِّد عن أشياء العالم المعاصر. بمعنى أنَّها تفتقر إلى تلك الثروة اللفظيَّة الضروريَّة للتعبير عن الأبعاد العلميَّة والصناعيَّة والتكنولوجيَّة للعالم المعاصر. إنَّ المعيار في صحَّة وصوابيَّة الألفاظ والمفردات في هذه اللغة -

(22)

التي هي لغة علميَّة وقانونيَّة - هو القياس والسماع (البيئة التجريبيَّة والواقعيَّة)، ومن هنا فإنَّها تكون لغة غير تاريخيَّة ولا تقبل التحوُّل. ومن ناحية أُخرى تعمل اللغة الدارجة على اقتباس بعض الأسماء من سائر اللغات، وبذلك تكون أكثر ثراءً من اللغة الفصحى. بيد أنَّ اللغة الدارجة لا تحتوي على المقدار الكافي من أدوات وآليَّات التفكير. إنَّ اللغة الدارجة ليست لغة للثقافة والتفكير. وإنَّ المستنيرين العرب الذين يستخدمون اللغة الدارجة، يرزحون في عالمين مقفرين؛ عالم اللغة العامّيَّة، وعالم اللغة الفصحى. في حين أنَّ المفكِّر العربي إذا كان مطَّلعًا على لغة أُخرى، سوف يمتلك ثلاثة تصوُّرات عن العالم. فهو يُفكِّر بلغة أجنبيَّة، ويكتب باللغة الفصحى، ويتكلَّم باللغة الدارجة[1].

إنَّ اللغة العربيَّة ـ بما لها من خصوصيَّتين غير تاريخيَّة وحسّيَّة ـ تعمل على نقل عالم حياة البادية إلى الإنسان المعاصر. إنَّه عالم فقير، وغير عميق، وحسِّي، وطبيعي، وغير تاريخي. وقد قام النحويُّون وأصحاب البلاغة ـ من خلال الرجوع إلى كلمات وأشعار العصر الجاهلي والبدوي ـ إلى اختيار المعايير البدويَّة للَّغة. ومن هذه الناحية كانت أشعار وقصائد المحدَثين بالنسبة لهم تُمثِّل باقة أزهار عطرة، ولكنَّها غضَّة سرعان ما يعتريها الذبول وتجد طريقها إلى سلال النفايات بعد فترة وجيزة من قطافها، في حين أنَّ أشعار المتقدِّمين بمنزلة المسك والعنبر، كلَّما حرَّكته زادت عبقًا وتضوُّعًا، وانتشرت رائحتها الزكيَّة على شتَّى الاتِّجاهات. إنَّ القانون الذي تقرُّه هذه اللغة يقول: إنَّ الجديد مصيره النبذ، والقديم يبقى خالدًا، وهذا كلُّه يُشكِّل مانعًا يحول دون التعمُّق والتأمُّل والتعابير الفلسفيَّة[2].

(23)

وحيث إنَّ الدكتور الجابري لا يعترف بالشهود (أي المعرفة الوجدانية) بوصفه مصدرًا معرفيًّا، فقد اتَّخذ مثل هذا الموقف؛ إذ لا مكان للَّغة في المعارف الشهوديَّة أصلًا. يضاف إلى ذلك أنَّ العلاقة بين المعارف العقليَّة من نوع العلاقة المنطقيَّة، ولا ربط لها باللغة.

4 - العقل وبُعده التاريخي:

يذهب الدكتور الجابري - بتأثير من آندريه لالاند - إلى تقسيم العقل إلى قسمين، وهما: العقل المكوِّن[1]، والعقل المكوَّن[2]. إنَّ مهمَّة العقل المكوِّن ـ من وجهة نظر لالاند ـ تكمن في جعل المفاهيم وتأسيس الأُصول والمباني. وهي مَلَكة مودعة في وجود جميع الأشخاص على السواء، وتجعل الإنسان قادرًا على الإدراك والتمييز بين الأشياء والكلّيَّات والضروريَّات. إنَّ العقل المكوِّن عبارة عن الأُصول والقواعد العامَّة، والأُطُر، والمفاهيم، والأساليب وجميع العناصر التي يمكن لها أنْ تُؤثِّر بنحو من الأنحاء على ثقافة ما، وتُؤدِّي إلى خلق خطاب جديد[3]. وعلى هذا الأساس فإنَّ خصوصيَّة هذا العقل تكمن في الخلَّاقيَّة والإيجاد. إنَّ هذه الأُطُر والأُصول العامَّة تفرض نفسها على الشرائط والعناصر المتوفِّرة وتُخضِعها لتأثيرها[4]. وأمَّا العقل المكوَّن ـ الذي يُمثِّل القاعدة والأساس للحضارة الراهنة ـ فإنَّه يختلف من عصر إلى آخر، بل وحتَّى من شخص إلى شخص آخر. إنَّ العقل المكوَّن يتغذى

(24)

على الآراء والأفهام وما إلى ذلك، وهو عبارة عن العقلانيَّة الحاكمة والجارية والتأسيسيَّة التي تشتمل على مجموعة من القواعد، وتسود الثقافة وأُسلوب التفكير وسلوك الناس[1]. إنَّ العقل المكوِّن من خلال نشاطه الذهني الذي يطرح المباني والشواخص والمعايير، ينتهي في نهاية المطاف ليصل إلى العقل المكوَّن، ومن هنا يتمُّ إيجاد الثقافة. يذهب لالاند إلى الاعتقاد بأنَّ العقل المكوَّن يُعَدُّ  ـ من وجهة نظر أُولئك الذين لم تحتويهم الروح الناقدة في مدرسة المؤرِّخين والفلاسفة ـ أمرًا مطلقًا. إنَّ هؤلاء هم أُولئك الذين يقولون: إنَّ العقل الفاعل والمكوِّن لدى الأجداد والأسلاف، قد أنتج بالنسبة لهم منتجًا باسم العقل المكوَّن والعقل الثقافي الذي يحكمهم[2]. إنَّ مراد الدكتور الجابري من العقل العربي هو العقل المكوَّن الذي يقوم على أساس الثقافة العربيَّة والوعي الناشئ عنها. إنَّ الثقافة العربيَّة في مختلف المراحل التاريخيَّة من شأنها أنْ تأخذ بأيدينا وتُرشِدنا إلى العقل المكوَّن. ونحن إنَّما نستطيع الوصول ـ من خلال الاستناد والاعتماد على العقل المكوَّن ـ إلى معايير جديدة لتحقيق التحوُّل والتقدُّم، ولهذه الغاية يجب إخضاعه للنقد والنقاش العلمي.

وعلى هذا الأساس فإنَّ الدكتور الجابري لا يريد من العقل هنا تلك القوَّة المدركة للإنسان والتي تكون في قبال الإدراك الحسِّي والخيالي، والوارد في التعريف المشهور في الفلسفة والميتافيزيقا بوصفه من الخصائص الذاتيَّة للإنسان. كما أنَّه لا يريد بالعقل مضامين الأفكار والآراء لدى الأشخاص والجماعات والتي تُؤدِّي

(25)

إلى ظهور الهواجس والمثاليَّات الأخلاقيَّة والغايات السياسيَّة والاجتماعيَّة، والتي يتمُّ التعبير عنها أحيانًا بالأيديولوجيا. بل إنَّ مراده من العقل عبارة عن أداة وإطار إنتاج هذه المضامين والأفكار. وكأنَّ ذات هذه الأداة والإطار بدورهما نتاج معطيات الثقافة والحضارة والبيئة والشرائط الاجتماعيَّة الخاصَّة، ولن تكون مشتملة ـ بطبيعة الحال ـ على ماهيَّة ثابتة وخصائص تفوق الزمان والمكان[1]، والأمر الآخر أنَّه يتحدَّث عن العقل العربي المرتبط بالبيئة الجغرافيَّة والاجتماعيَّة واللغويَّة والعلميَّة للعالم العربي، دون العقلانيَّة العربيَّة؛ إذ إنَّ الدكتور الجابري يرى العقلانيَّة العربيَّة باطلة بالكامل[2]. إنَّه يذهب إلى الاعتقاد بأنَّ الأُصول والقواعد العقليَّة ترزح تحت تأثير الحياة الاجتماعيَّة، ويعتريها التحوُّل بسبب التغيُّر الحاصل في الحياة الاجتماعيَّة. ولذلك فإنَّ نمط الحياة والمنطق الناجم عنها يكتسب في المجتمعات البدائيَّة والزراعيّة والصناعيَّة ـ التجاريَّة شكله الخاصُّ به. ومن هنا نجد أنَّ اليونانيِّين ـ حيث كانوا يُصوِّرون العلاقة بين الكون والطبيعة بتأثير من حياتهم الاجتماعيَّة الخاصة؛ ومن ذلك على سبيل المثال أنَّهم كانوا يتَّبعون النظام الإقطاعي وتقسيم الأراضي إلى مقاطعات تديرها حكومات محلّيَّة - فقد ذهبوا إلى الاعتقاد غيبيًّا بتعدُّد الآلهات المتنوِّعة. كما أنَّ المنطق الأُرسطي بدوره كان عاجزًا عن تفسير خصائص الأجسام الذرّيَّة وتوصيفها، بمعنى أنَّ المنطق الأُرسطي إنَّما كان يُلبِّي احتياجات الفيزياء الكلاسيكيَّة. ومع اكتشاف عالم الذرَّة، عمد العقل البشري - العقل العملي - إلى خلق قوانين وقواعد جديدة، وبعبارة أُخرى: أبدع منطقًا جديدًا عنوانه عدم القطعيَّة. والخلاصة هي أنَّ العقلانيَّة في

(26)

عصرنا تقوم في الأساس على العقلانيَّة التجريبيَّة، وليس العقلانيَّة والتفكير الذي كان مطروحًا في الأزمنة الغابرة على المستوى الذهني.

5 - العقل العربي ومحوريَّة القِيَم:

من خلال القول بأنَّ التفكير هو نتاج المجتمع، يتَّجه الدكتور الجابري إلى دراسة المبادئ الوجوديَّة للعلم، ولهذه الغاية يذهب في مشروعه إلى إجراء مقارنة بين الحضارات الثلاثة: اليونانيَّة والعربيَّة والأُوروبيَّة. والسبب في اختيار هذه الحضارات الثلاثة - دون غيرها - يعود إلى أنَّ الدكتور الجابري إنَّما يرى هذه الحضارات الثلاثة - اليونانيَّة، والعربيَّة، والأُوروبيّة الحديثة - هي وحدها التي عملت - من خلال إنتاج العلم والمعرفة - على تقديم النظريَّات في العلم، وأنَّ هذه الحضارات الثلاثة هي وحدها التي قامت بالتفكير بواسطة العقل، وقامت بالتفكير في مورد العقل أيضًا. وذلك لأنَّ التفكير في مورد العقل هو بلا شكٍّ أسمى وأفضل من التفكير بواسطة العقل[1]. إنَّ الدكتور الجابري يعترف بأنَّ مصر والهند والصين وبابل وغيرها من المُدُن الأُخرى، كانت تمتلك حضارات كبيرة، وكانت هذه الحضارات تساهم في إنتاج المعرفة. ولكنَّه يقول: إنَّ البنية العامَّة في ثقافات هذه البلدان ـ على أساس المعطيات الراهنة ـ عبارة عن بناء يقوم على أساس من السحر وما إلى ذلك من الأُمور، ولم تكن قائمة على العلم والمعرفة[2].

إنَّ الدكتور الجابري في دراسته لهذه الحضارات الثلاثة يتأسَّى بكاسدروف، حيث يذعن بأنَّ إطار النظام في كلِّ ثقافة يتمُّ تعيينه بواسطة الصورة التي تُكوِّنها تلك الثقافة عن الله والإنسان والطبيعة، وعلاقة هذه المفاهيم الثلاثة مع الواقع

(27)

الخارجي[1]. إنَّ الدكتور الجابري من خلال الإذعان لهذا المبنى، توجَّه ـ في إطار مقارنة الثقافات الثلاثة: اليونانيَّة والأُوروبيَّة والعربيَّة ـ إلى المفكِّرين اليونانيِّين والأُوروبيِّين، وأخذ يدرس آراءهم حول الموضوعات الثلاثة أعلاه. وإنْ كان في خصوص الثقافة العربيَّة يتصرَّف بشكل مختلف. إنَّ الدكتور الجابري في دراسته للعقل اليوناني يصل ـ من خلال بحثه في نظريَّة هراقليطس وأناكساغوراس ـ إلى نتيجة مفادها أنَّ العقل في التصوُّر اليوناني الأُرسطي كان يسعى إلى إدراك الأسباب وفهم العلل[2].

وفي مورد العقل الأُوروبي، يصل الدكتور الجابري - من خلال دراسته لأفكار إسبينوزا وكانط وهيغل وتحوُّلات هذه الأفكار في القرن العشرين للميلاد - إلى نتيجة مفادها أنَّ العقل في التصوير العلمي المعاصر ليس مجموعة من الأُصول، وإنَّما هو عبارة عن القدرة على القيام بأفعال وأُمور على أساس الأُصول؛ وعلى هذا الأساس فإنَّ العقل عبارة عن نشاط منظَّم أو لعبة تنطوي على قواعد تجب مراعاتها[3]، وإنَّ مصدر هذه القواعد هو الحياة الاجتماعيَّة. وعليه فإنَّ القواعد العقليَّة أو القواعد المنطقيَّة ـ بعبارة أُخرى ـ تتنوَّع وتتعدَّد بتكثُّر وتعدُّد الحياة الاجتماعيَّة. بمعنى أنَّ المجتمعات الزراعيَّة لها منطقها الخاصُّ بها، والمجتمعات الصناعية لها منطقها الخاصُّ بها[4].

وفي نهاية المطاف يذهب الدكتور الجابري إلى استنتاج أنَّ للعقل اليوناني والأُوروبي شاخصين؛ الشاخص الأوَّل: القول بأنَّ العلاقة بين العقل والطبيعة علاقة

(28)

مباشرة. والشاخص الثاني: الإيمان بقدرة العقل على تفسير أسرار الطبيعة واكتشافها. وعلى هذا الأساس فإنَّه بالنظر إلى العناصر الثلاثة: «الله والطبيعة والإنسان» في التفكير اليوناني الأُوروبي، لا يُشكِّل الله طرفًا ثالثًا مستقلًّا عن الطبيعة والإنسان. إذ إنَّ الآلهة الخالدة في الفكر اليوناني تتجسَّد على شكل إنسان، وإنَّ إله أفلاطون يُمثِّل الصانع، وإله أُرسطو هو المحرِّك الأوَّل، وإله المسيحيَّة ـ من خلال تجسُّده في المسيح ـ قد شكَّل طرفًا يقف في قبال الطبيعة. وفي العلم الحديث تمَّ ركن فكرة الإله جانبًا من الأساس، وإنْ كان هذا لا يعني بالضرورة عدم الاعتراف به[1]. وأمَّا في الثقافة العربيَّة فإنَّ الطبيعة هي التي لا تُشكِّل طرفًا مستقلًّا؛ لأنَّ الطبيعة تُمثِّل واسطة في التعرُّف على الله، والحال أنَّ الله في الثقافة الغربيَّة هو الواسطة في معرفة الطبيعة[2].

ومن ناحية أُخرى فإنَّ الدكتور الجابري من خلال دراسة المعنى اللغوي والقرآني للعقل والمفردات القريبة منه، مثل: القلب والفؤاد، وكذلك من خلال دراسة نظريَّة الجاحظ والشهرستاني في بيان الفرق والاختلاف بين الفكر العربي وغير العربي (حيث الجميع مرتبط وناظر إلى عصر الجاهليَّة)، يصل إلى نتيجة مفادها أنَّ المعرفة في الفكر العربي لا تسعى إلى اكتشاف العلل، ولا هي مسار يعثر فيه العقل على وجوده، بل هي ناظرة إلى تشخيص الخير والشرِّ. وبعبارة أُخرى: إنَّ العقل في الفكر العربي يحمل قيمة أخلاقيَّة، وأنَّه بدلًا من الطبيعة وظواهرها ناظر إلى تنظيم السلوك البشري؛ بمعنى أنَّ العقل مقرون على الدوام بعنصر الهويَّة والمسؤوليَّة. كما أنَّ الجاحظ والشهرستاني يريان أنَّ الفكر العربي ينطوي على قيمة

(29)

أخلاقيَّة، ويضعانه في قبال التفكير العيني والملموس[1]. وقد عمد الدكتور الجابري - في سياق دراسة وإثبات هذا الادِّعاء - إلى دراسة الثقافة العربيَّة وتحوُّلاتها. إنَّه يرى أنَّ الثقافة هي ذلك الشيء الذي يبقى بعد نسيان جميع الأشياء. إنَّ للثقافة جزءين؛ ثابت ومتغيِّر. وفي الحقيقة فإنَّ الجزء الذي يتعرَّض إلى النسيان هو الجزء المتغيِّر، وإنَّ الذي يبقى هو الثابت. وبعبارة أُخرى: إنَّ الذي يبقى هو الجزء الثابت من الثقافة العربيَّة، أي العقل العربي ذاته.

والخلاصة هي أنَّ العقل العربي عقل بياني، خلافًا للعقل اليوناني الذي هو عقل برهاني وفلسفي وانتزاعي، وكذلك خلافًا للعقل العرفاني أو الشهودي الذي يمتدُّ بجذوره في الثقافة الإيرانيَّة والهنديَّة والغنوصيَّة[2].

إنَّ العقل البرهاني والعقل العرفاني يعتبران من العقول المستوردة بالقياس إلى العقل البياني. إنَّ العقل البياني هو الذي يقوم على أساس النصِّ، من قبيل: البلاغة والتفسير والفقه والنحو. كما أنَّ أساس العقل البياني يقوم على المشابهة والقياس بين الأشياء. ويبحث عن العلاقة بين الفرع والكلِّ أو نسبة الجزء إلى الكلِّ. وفي هذا الصنف من العقل يكمن هناك نوع من النزعة التجريبيَّة. إنَّ هذا العقل يلعب أدوارًا متنوِّعة ومتعدِّدة في المواطن المختلفة. فقد عمد في علم البلاغة ـ مع ما لها من الجذور العميقة والطويلة في الأدب والشعر قبل الإسلام وبعده ـ إلى خلق عنصر التشبيه، وصنع في علم الكلام عنصر القياس الكلامي أو دلالة الأمر الشاهد على الغائب، وأسَّس القياس الفقهي في علم أُصول الفقه. ومن هنا فقد عمد

(30)

الدكتور الجابري من خلال العثور على هذه البنية إلى التعريف بالنظام المعرفي العربي بوصفه نظامًا بيانيًّا أو تشبيهيًّا[1].

يجب على الدكتور الجابري أنْ يُجيب في هذا الشأن عن الأسئلة الآتية: هل الثقافات الثلاثة: اليونانيَّة والغربيَّة والعربيَّة، وحدها هي العقلانيَّة حقًّا دون غيرها؟ وهل يمكن الاكتفاء في دراسة الثقافة بنظرة تلك الثقافة إلى الله والإنسان والطبيعة من الناحية المنطقيَّة؟ وأخيرًا هل يمكن اكتشاف رؤية الثقافة من خلال دراسة نظريَّات بعض العلماء حول هذه المقولات الثلاثة؟

٦ - عدم الجمع بين البيان والعرفان والبرهان:

إنَّ المبنى الأهمّ للدكتور الجابري -في بيان مسألة تخلُّف العالم الإسلامي، وتقديم حلٍّ من أجل تحقيق التنمية والتقدُّم- هو الاعتقاد بعدم تناغم الأنظمة المعرفيَّة الثلاثة، وهي: النظام البياني، والعرفاني، والبرهاني. وغايتنا الرئيسة والأساسيَّة من هذه الدراسة هي نقد هذا المبنى. إذ حتَّى لو ارتضينا سائر المباني الأُخرى وجميع المدَّعيات المعرفيَّة والتاريخيَّة للجابري، يبقى هذه الخطأ المبنائي لتقويض بناء نظريَّته، ويجعل حلوله عديمة التأثير وغير قابلة للقبول. يقول الدكتور الجابري: إنَّ تبويب العلوم يقوم عادةً على النماذج الخارجيَّة، من قبيل تقسيم الكائنات الحيَّة إلى برّيَّة وبحريَّة وبرمائيَّة. وهو يسعى إلى تقديم تبويبه على البنية الداخليَّة للمعرفة، أي آليَّاتها وأدواتها ومفاهيمها الأساسيَّة؛ معتقدًا أنَّ هذا التبويب يفتح أمامنا آفاقًا واسعة وجديدة، تمامًا على شاكلة تبويب وتصنيف الكائنات الحيَّة

(31)

إلى الفقريات واللَّافقريات (أو الرخويات)[1]. يذهب الدكتور الجابري إلى الاعتقاد بعدم جدوائيَّة تبويب العلوم إلى عقليَّة ونقليَّة؛ لأنَّ هذا التقسيم لا يُؤدِّي بنا إلى غاية علمية وناقدة. وعليه لا بدَّ من التوجُّه إلى تأسيس مبانٍ أُخرى[2]. ومن هنا فإنَّ الدكتور الجابري يعمل على تقسيم جميع العلوم والمعارف الموجودة في الثقافة العربيَّة الإسلاميَّة إلى ثلاث مجموعات، وهي: العلوم البيانيَّة، والعلوم العرفانيَّة، والعلوم البرهانيَّة.

العلوم البيانيَّة: وتشتمل على النحو والفقه والكلام والبلاغة، وهي بأجمعها تقوم على نظام معرفي واحد عنوانه منهج إنتاج المعرفة. إنَّ النظام البياني يقوم على ثلاثة أُصول، وهي:

1 - أصل الانفصال: الانفصال وعدم الترابط بين الأشياء.

2 - أصل التجويز: إمكان صدور كلِّ شيء من أيِّ شيء آخر، وإنكار العلاقة الضروريَّة العلّيَّة بين الأشياء.

3 - قياس الأمر الغائب على الأمر الحاضر[3].

العلوم العرفانيَّة: وتشمل التصوُّف، والفكر الشيعي، والفلسفة الإسماعيليَّة، والتفسير الباطني للقرآن الكريم، والفلسفة الإشراقيَّة، وعلم الكيمياء، والتنجيم والسحر وما إلى ذلك. والتي تبنى على منظومة معرفيَّة واحدة، تقوم على الكشف

(32)

والوصال والجاذبة والدافعة؛ بوصفها منهجًا وأُسلوبًا.

العلوم البرهانيَّة: يرى الدكتور الجابري أنَّ العلوم البيانيَّة ناظرة إلى المعقول الدِّيني، وأنَّ العلوم العرفانيَّة تنظر إلى اللَّامعقول العقلي، وأنَّ العلوم البرهانيَّة تنظر إلى المعقول العقلي[1]. إنَّ الدكتور الجابري بعد بيان هذا التبويب، عمد إلى دراسة الجذور التاريخيَّة للعلاقة بين هذه الأنظمة المعرفيَّة الثلاثة، واستنتج من ذلك أنَّ تاريخ الفكر العربي قد شهد حربًا مستمرَّة بين النظام المعرفي البياني والعرفاني، حيث كان كلُّ واحدٍ منهما يحمل أيديولوجيته الخاصَّة؛ وهما النظام البياني والأيديولوجي السُّنّي من جهة، والنظام العرفاني والأيديولوجي الشيعي من جهة أُخرى، ولذلك عندما يدخل النظام البرهاني إلى هذه الحلبة بوصفه طرفًا ثالثًا، يتمُّ تحديد وجهته منذ اللحظة الأُولى بواسطة هذا النزاع، ويغدو محكومًا بهذه الحرب[2]. وقد استنتج الدكتور الجابري من هذه الدراسة التاريخيَّة، التضادَّ الذاتي وعدم الانسجام بين هذه الأنظمة المعرفيَّة الثلاثة، ورأى أنَّ سيطرة النظام المعرفي البرهاني ـ على النحو الذي يُبيِّنه ابن رشد ـ هو الطريق الوحيد للخلاص.

7 - الدِّين والدنيا:

هناك الكثير من التفاسير المتنوِّعة والمختلفة في بيان جامعيَّة وشموليَّة الدِّين. فهناك من يرى أنَّ الدِّين مشتمل على جميع العلوم المرتبطة بالدنيا والآخرة، وهناك من ينتهج الحدَّ الأدنى ويقول: إنَّ الدِّين إنَّما يهتمُّ بالسعادة الأُخرويَّة فقط ولا شأن له بالدنيا، وهناك من النظريَّات ما سلك طريقًا وسطًا بين هاتين النظريَّتين. وقد اختار الدكتور الجابري سلوك الرأي الثاني والحدّ الأدنى في تفسير

(33)

الدِّين، مستندًا في ذلك إلى رواية منسوبة إلى النبيِّ الأكرم؛ إذ يقول: «أنتم أدرى بشؤون دنياکم»[1]. ويعدُّ الدِّين وحامل الدِّين صامتين وغير مجديِّين في حقل مسائل الحياة الدنيويَّة، ويرى كفاية العلم القائم على البرهان (والمستقلُّ بالكامل عن الدِّين) في تحقيق التقدُّم.

والثمرة المُرَّة لهذا الاتِّجاه والقول بالفصل بين العلم والدِّين، تتمثَّل في تخصيص سهم للعلم في هداية وإدارة الحياة البشريَّة، وتهميش سهم الدِّين في هذا المجال؛ إذ لا شكَّ في تقدُّم العلوم الجديدة وازدهارها، وقد تمَّ تفسير تضخُّم العلم بمعنى المزيد من تهميش الدِّين وعزله عن الحياة البشريَّة[2]، وهذا يعني بعبارة أُخرى «علمنة المجتمع».

الدكتور الجابري ومسألة الانحطاط:

يذهب الدكتور الجابري إلى الاعتقاد بأنَّ عصر النهضة في أُوروبا قد نشأ من تراثين، وهما: التراث المسيحي اليوناني، والتراث الفلسفي والعلمي للعالم العربي. أمَّا التراث الأوَّل فقد انشغل بمواجهة الغنوصيَّة، وقد أدَّت هذه المواجهة إلى بسط العقل الشامل سيطرته واستمراره، كما أدَّت إلى الفصل بين الدِّين والسياسة. كما قام التراث الفلسفي للعالم العربي بنقل فلسفة ابن رشد إلى أُوروبا، وهذه الفلسفة كانت من جهة تحمل أُرسطو في أحشائها، كما كانت تقوم من جهة أُخرى على الفصل بين الفلسفة والدِّين. وإنَّ التراث العلمي للعالم العربي من خلال انتقاله إلى أُوروبا قد عمل على تسريع عصر النهضة[3]. وقد كان يلتمس طُرُق الحلِّ عند

(34)

علماء المغرب [العربي] والأندلس؛ وذلك لاعتقاده بأنَّ هؤلاء العلماء والمفكِّرين كانوا بمنأى عن العوامل والتعقيدات السياسيَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة التي كان يعاني منها نظراؤهم في شرق العالم الإسلامي. ولذلك لم يكن لديهم أيُّ دافع أو حافز إلى السعي من أجل دمج وإدغام الدِّين في الفلسفة أو ضمِّ الفلسفة إلى الدِّين[1]. ومن هنا فإنَّ الدكتور الجابري يرى أنَّ طريق الخلاص يكمن في إعادة إصلاح عقلانيَّة ابن رشد، وإصلاح أُصول الفقه للشاطبي والفقه المقاصدي وإعادة إنتاج تاريخ ابن خلدون. وفي ذلك يقول الدكتور الجابري:

إنَّ ما ننشده اليوم من تحديث للعقل العربي وتجديد للفكر الإسلامي لا يتوقَّف على مدى استيعابنا للمكتسبات العلميَّة والمنهجيّة المعاصرة فقط.. بل يتوقَّف أيضًا على مدى قدرتنا على استعادة نقديَّة ابن حزم وعقلانيَّة ابن رشد وأُصولية الشاطبي وتاريخيَّة ابن خلدون[2].

يذهب الدكتور الجابري إلى الاعتقاد بأنَّ الأُسلوب الصحيح في إيجاد الفكر الحيوي يكمن في التأكيد على العقلانيَّة. وهي العقلانيَّة المنبثقة من التراث الثقافي لعالمها المعاصر. ويرى أنَّ هذه العقلانيَّة تتجلَّى في تراث فلاسفة من أمثال ابن رشد، ويعتقد أنَّ إحياء عقلانيَّة ابن رشد سوف يساعد على حلِّ الكثير من أزماتنا الفكريَّة المعاصرة[3].

إنَّ الشاطبي يُمثِّل الشخصيَّة التي أوصلت العقل العربي في حقل الأُصول إلى مركز الذروة. ثمّ تلاه ابن رشد في الفلسفة وابن خلدون في التاريخ والسياسة ليبلغا

(35)

بالعقل العربي منصَّة الذروة أيضًا[1]. يقول الشاطبي: كما أنَّنا في العقليَّات نستخرج الكلّي من استقراء الجزئيَّات، ولا يتَّضح المعنى الكلّي قبل العلم بالجزئيَّات، كذلك هو الشأن في الكلّيَّات الشرعيَّة أيضًا. غاية ما هنالك أنَّ الكلّيَّات العقليَّة تتَّضح من خلال المبادئ العقليَّة، بيد أنَّ الكلّيَّات الشرعيَّة تتَّضح من خلال قصد الشارع. وإنَّ أنواع قصد الشارع عبارة عن: وضع الشريعة، ووضع المفاهيم، ووضع التكليف ودخول المكلَّف فيه. والنوع الأوَّل ينظر إلى المصالح الأُخرويَّة والدنيويَّة، وهي تشتمل على الضروريات والحاجيَّات والتحسينيَّات. ولكي نعتبر هذه المسائل من مقاصد الشارع ليس لدينا دليل من النصِّ، بل كلُّ ما في الأمر والدليل الوحيد هنا هو روح المسألة.

يرى الدكتور الجابري أنَّ مشروع ابن خلدون يتلخَّص في الإبستمولوجيا والمعرفة المدركة لذاتها وموضوعاتها وأهدافها التي لا تقلُّ أهمّيَّتها وأصالتها - بالقياس إلى علوم عصرها - عن أهمّيَّة الإبستمولوجيا المعاصرة بالقياس إلى علوم عصرنا. إنَّ كتاب «مقدمة» ابن خلدون نتاج التبلور الذهني إلى عيني، والأيديولوجي إلى علمي. إنَّ ابن خلدون بعد الإخفاق في مجال السياسة اتَّجه إلى التاريخ، وبعد أنْ وقف على أخطاء المؤرِّخين وأوهامهم، وجد أنَّ التاريخ بحاجة إلى إعادة صياغة. إنَّ النقد الذي يورده ابن خلدون على المؤرِّخين، ليس ناشئًا من الاختلافات المذهبيَّة أو الأيديولوجيَّة، وإنَّما الغاية منه هو رفع مستوى التاريخ من الرواية القَصصيَّة إلى الرواية العلميَّة[2].

(36)

الدكتور الجابري وأُسلوب تجاوز الانحطاط:

لقد اتَّخذ الدكتور الجابري في بيان علل تخلُّف العالم العربي، اتِّجاهًا معرفيًّا إبستمولوجيًا. ومن هنا فإنَّه يتَّجه من ناحية إلى تحليل نصوص المفكِّرين المسلمين، ويعمل من ناحية أُخرى على بيان العلاقة بين الفكر والسياسة في الحاضنة التاريخيَّة / الاجتماعيَّة. يقوم أُسلوب الدكتور الجابري على ثلاثة أركان يقوم بينها ارتباط ديالكتيكي، وهي:

1 - التحليل البنيوي.

2 - التحليل التاريخي.

3 - إظهار العناصر الأيديولوجيَّة[1].

1 - النزعة البنيويَّة:

يذهب أصحاب النزعة البنيويَّة إلى الاعتقاد بأنَّه لا بدَّ في فهم المجتمعات البشريَّة من الاهتمام باكتشاف بنية النظام اللغوي الثابت الذي يخفي العلاقات الاجتماعيَّة وظواهرها في طيَّاته وطبقاته، ولا يوجد تجاهها وعي شعوري. يقول لوي اشتروس:

إنَّ الشرط اللَّازم والكافي لتحصيل الأُصول المعتبرة للبيان في مورد سائر المنظومات والسُّنَن أيضًا، هو أنْ نُدرك البنية الثابتة واللَّاشعوريَّة الكامنة في الطبقة التحتيَّة لكلِّ منظومة أو تراث[2].

(37)

يذهب الدكتور الجابري إلى اعتبار دراسات المستشرقين ودراسات الكثير من المفكِّرين والعلماء العرب في خصوص التراث دراسات جزئيَّة ومجتزأة وغير علميَّة[1]، ويرى أنَّ العلم العربي علم واحد، وأنَّ العالم العربي هو في وقت واحد فيلسوف ومتكلِّم ولغوي وفقيه وغير ذلك. وعلى هذا الأساس فإنَّ دراسة موضوع على مثل هذه السعة لا تأتي إلَّا من خلال الاتِّجاه الموسوعي والعامِّ والشمولي الذي يربط أجزاء مجموعة ما ببعضها[2]. إنَّه من خلال توظيف الاتِّجاه البنيوي يذهب إلى الاعتقاد بأنَّنا في الخطوة الأُولى يجب أنْ نذهب إلى النصوص من الدرجة الأُولى، وأنْ ننبذ الشروح والتفاسير. من الضروري في هذه المرحلة عند التعاطي مع رؤية صاحب النصِّ أنْ ننظر إلى رؤيته بوصفها كلًّا مترابطًا، حيث يكمن وراءها منطق واحد يحكم جميع المتغيِّرات والوقائع بحيث يستقرُّ كلُّ جزء من تفكيره في موضعه الطبيعي، ويكون مبرّرًا في مجموع فكره، أو يكون قابلًا للتبرير. يرى الدكتور الجابري في العثور على منطق واحد أو مسألة محوريَّة أمرًا بالغ التعقيد، ولكنَّه يذهب في الوقت نفسه إلى أنَّ هذا الأمر المعقَّد يمكن تذليله من خلال الرغبة والشوق إلى العثور على تناغم رؤية صاحب النصِّ وإقامة الارتباط بين مختلف أجزاء تفكيره، والتدقيق في الأنواع البيانيَّة التي يعمل على توظيفها، وتصوُّر المخاطبين لديه[3]. ومن هذه الزاوية يكون التراث والنصُّ مجموعة مترابطة بحيث تكتفي جميع أجزائها وعناصرها ذاتيًّا في تغذية بعضها.

إنَّ الأصل الأساسي والناجع في هذا الأُسلوب والمنهج يكمن في ترك المعنى

(38)

والتوجُّه إلى البنى. وبعبارة أُخرى: يجب أنْ نعمل - قبل اتِّخاذ أيِّ معنى - على دراسة مناسبات الألفاظ، ولذلك فإنَّ المجدي في معرفة وفتح رموز النصوص الأوَّليَّة ليس هو الفرضيَّات والتفاسير والشروح خارج النصِّ، وإنَّما هو التأمُّل في العلاقات البنيويَّة داخل الألفاظ القائمة على تشابه واختلاف العلامات[1]. إنَّ التأمُّل والتدبُّر وإمعان النظر هو الذي يُحرِّر القارئ من سطوة الفرضيَّات التقليديَّة والقديمة، والإرادات الناظرة إلى العالم الحديث. من خلال توظيف هذا الأُسلوب يمكن الاستفادة من العلاقات الداخليَّة في النصِّ في الحصول على المعنى من النصِّ ذاته.

وهذا هو الأُسلوب الذي سبق للدكتور الجابري أنْ اتَّخذه في بيان نظريَّة بنية العقل العربي؛ فقد ذهب الدكتور الجابري في كتاب بنية العقل العربي إلى النصوص الأصليَّة للفقهاء والأُصوليِّين والمتكلِّمين والنحاة وعلماء البلاغة مباشرةً، وسعى إلى رسم منطق واحد ومسألة محوريَّة واحدة لجميع هذه العلوم. وقد عمد إلى توظيف ذات هذا الأُسلوب بشكلٍ مستقلٍّ في مورد آثار العرفاء والفلاسفة أيضًا. إلَّا أنَّه لا يراعي الحياد العلمي بين آثارهم، ويعمد إلى انتهاج أُسلوب انتقائي؛ حيث يُخرج الأشخاص أو النصوص - التي لا تنسجم مع المنطق الواحد والمسألة المحوريَّة الواحدة التي أعدَّ لها مسبقًا - عن دائرة بحثه وتحقيقه.

2 - التحليل التاريخي:

بعد الفراغ من المرحلة الأُولى ـ وهي الاستفادة من الأُسلوب البنيوي ـ ننتقل إلى المرحلة الثانية، ألَا وهي توظيف منهج وأُسلوب التحليل التاريخي. وسوف نسعى في هذه المرحلة إلى ربط فكر المبدع للنصِّ، بسياقاته ومناشئه التاريخيَّة. إنَّ

(39)

السياق والمنشأ التاريخي يشتمل على الأبعاد الثقافيَّة والأيديولوجيَّة والسياسيَّة والاجتماعيَّة. تكمن أهمّيَّة الاستفادة من هذا الأُسلوب في جهتين؛ الجهة الأُولى: اختبار صوابيَّة الخطوة السابقة المتمثِّلة بتوظيف الأُسلوب البنيوي. إنَّ المراد من الصوابيَّة هنا ليس هو الصواب المنطقي؛ لأنَّ الصواب المنطقي إنَّما يتمُّ بحثه في المرحلة الأُولى وبالأُسلوب والمنهج البنيوي، وإنَّما المراد من الصواب هنا هو الإمكان التاريخي، والذي يمكن العمل ـ من خلال الاستناد إليه ـ على تحديد ثلاثة أنواع من الخطاب والتمييز بينها؛ النوع الأوَّل: الخطابات التي يمكن للنصِّ أنْ يعمل على بيانها. النوع الثاني: الخطابات التي لا يمكن للنصِّ أنْ يعمل على بيانها (الخطابات الممنوعة). النوع الثالث: الخطابات التي سكت عنها النصُّ رغم امتلاكه للقدرة والأدوات التي تُمكِّنه من بيانها[1]. إلَّا أنَّ الاستفادة من هذين الأُسلوبين لن يكون كافيًا، اللَّهُمَّ إلَّا بمساعدة من خطوته الأُسلوبيَّة الثالثة والتي تتمثَّل بتحديد العناصر الأيديولوجيَّة والعمل على تحييدها وحذفها.

يواصل الدكتور الجابري في الخطوة الأُولى والخطوة الثانية من أُسلوبه ذات أُسلوب ميشيل فوكو في جنيولوجي والحفريات. إنَّ الحفريات يعني البحث والتنقيب والحفر واستخراج المصنوعات وبقايا الحضارات البشريَّة من تحت التراب المتراكم فوقها. وأمَّا في حقل العلوم الإنسانيَّة القديمة، فيعني الاستفادة من الأُسلوب التاريخي لدراسة وقراءة المفاهيم والكلمات التي ظهرت للمرَّة الأُولى على ألسنة الأشخاص (الخطاب)، أو تمَّ استعمالها لأوَّل مرَّة حيث ترتَّب عليها بعض النتائج والآثار. فما هي الحاجة التي دعت إلى إيجاد هذه المفاهيم؟ وما

(40)

هو مدى استجابة هذه المفاهيم وتلبيتها لهذه الحاجة؟ ثمّ ما هي الاحتياجات والمفاهيم الجديدة التي عملت هذه المفاهيم بدورها على إيجادها[1]؟ وعلى هذا الأساس فإنَّ علم الإحاثة يعني دراسة بنية خطابات العلوم المتنوِّعة التي تتبع قواعد خاصَّة. وبعبارة أفضل: إنَّ فوكو يسعى من خلال هذا الأُسلوب إلى دراسة شرائط وظروف تأسيس العلوم[2]. إنَّ الحفريات عبارة عن دراسة تهدف إلى اكتشاف هذه المسألة، وهي: ما هي الأُسُس التي جعلت من المعرفة والنظريَّة أمرًا ممكنًا؟ وما هو الفضاء المنظَّم الذي تبلور العلم في صلبه؟ وما هي المقولات العريقة والتاريخية التي تبلورت الأفكار وتأسَّست العلوم على أساسها؟ وانعكست التجربة في الفلسفات وتبلورت العقلانيَّات من خلالها[3]. إنَّ لازم الحفريات المتبنَّى من قِبَل ميشيل فوكو هو الشرخ والفصام بين المراحل الفكريَّة ولا يقبل الاستمرار ويُؤكِّد على الفصام والانفصال[4]. ويرىٰ الدكتور الجابري هذا الانفصال بين الأنظمة المعرفيَّة الثلاثة، وهي: النظام البياني، والعرفاني، والبرهاني، وإلَّا فإنَّه في كلِّ واحد من الأنظمة المعرفيَّة المذكورة أعلاه، قد قال بأنَّ الأصل يقوم على الاستمرار والاتِّصال. إنَّ الحفريات يُمثِّل سعيًا إلى قراءة قواعد تبلور الخطابات ودراستها. وقد أطلق ميشيل فوكو على هذه القواعد تسمية المرحليَّة أو تبويب المعرفة. إنَّ المرحليَّة أو تبويب المعرفة عبارة عن أُطُر أو قوالب معرفيَّة أصليَّة وجذريَّة

(41)

تعمل في كلِّ مرحلة أو حقبة زمنيَّة خاصَّة على تحديد نوع الخطاب والعلم وما إلى ذلك من الأبحاث المعرفيَّة والعلميَّة في تلك المرحلة[1]. إنَّ المرحليَّات هي في الواقع عبارة عن قوانين وقواعد عامَّة غير مكتوبة، تفرض سيطرتها وسطوتها على المجتمع والعلوم لا شعوريًّا، وهي التي تُحدِّد ما الذي يجب الحديث عنه وما الذي لا يجب الحديث عنه، حيث تقوم بفرض ذلك بنفسها على الأشخاص ضمن قوالب لفظيَّة وقوليَّة. إنَّ اللغة والخطاب إنَّما هو ثمرة ونتاج نظام اجتماعي يفرض نفسه على المتكلِّم[2].

هذا هو المنهج والأُسلوب الذي انتهجه الدكتور الجابري غالبًا في معرض بيان نظريَّة تكوين العقل العربي. ولكنَّه من ناحية خاض في مجرَّد الأبعاد السياسيَّة، وتخلَّى صراحةً عن الأبعاد الثقافيَّة والاجتماعيَّة، ومن ناحية أُخرى لا يتحدَّث في خصوص الخطابات المحظورة والمقولات المسكوت عنها، كما أنَّه فيما يتعلَّق بخصوص الخطابات التي تعمل على بيان النصِّ يكتفي ـ بطبيعة الحال ـ بالعمل على انتهاج الأُسلوب الاختصاري في جمع خصوص الشواهد المتماهية مع نظريَّته، ويهمل ما لا ينسجم أو يتماشى معها.

3 - معرفة الأبعاد الأيديولوجيَّة:

الخطوة الثالثة في أُسلوب الدكتور الجابري تكمن في معرفة العناصر والأبعاد الأيديولوجيَّة الواضحة والخفيَّة الكامنة وراء الأفكار المعيَّنة، وإماطة اللثام عن المهمَّة الأيديولوجيَّة التي تضطلع بها كلُّ فكرة في الواقع السياسي والاجتماعي

(42)

الخاصِّ. وبطبيعة الحال فإنَّ الدكتور الجابري يقرُّ بأنَّ هناك نصوصًا غير أيديولوجيَّة. ومن دون هذه الخطوة لو اكتفينا بمجرَّد الاستفادة من أُسلوب التحليل التاريخي فقط، سوف يتَّخذ البحث منحىً انتزاعيًّا. وبهذه الخطوة التكميليَّة يمكن التمييز بين العناصر المعرفيَّة والأيديولوجيَّة، وتتوفَّر لنا إمكانيَّة تعيين المرحلة الزمنيَّة والتاريخيَّة لكلِّ نصٍّ بشكل دقيق. إذ في الخطوة الأُولى ومن خلال الأُسلوب والمنهج البنيوي يتمُّ لحاظ كلِّ نصٍّ على شكل وحدة زمنيَّة متَّصلة ببعضها، ويتمُّ تعليق تحديد المرحلة الزمنيَّة الخاصَّة بكلِّ نصٍّ. وفي هذه المرحلة يتمُّ إحياء المرحلة التاريخيَّة لكلِّ نصٍّ من جديد؛ كي تتَّضح نسبة التفكير إلى هذه الدائرة السياسيَّة والاجتماعيَّة. يُؤكِّد الدكتور الجابري على أنَّ التعريف بالأبعاد الأيديولوجيَّة هو وحده الكفيل بوضع النصِّ في إطاره الزماني والمكاني من العالم[1]. إنَّ الأفكار في ارتباط وثيق مع الحقائق الاجتماعيَّة والتاريخيَّة التي تتبلور في صلبها وتعمل على انعكاس هذه الحقائق، وإنَّ المسألة المحوريَّة للأيديولوجيا ليست سوى الهروب من مآزق وتحدّيات «الواقع الراهن» نحو «مستقبل» أكثر معقوليَّة وأقلّ تعقيدًا وإشكالًا[2]. إنَّ التعريف بالعناصر الأيديولوجيَّة يُمثِّل ضرورة لا تكتمل من دونها الخطوتان الأُسلوبيَّتان المتقدِّمتان، وإنَّ هذه المرحلة بالإضافة إلى الخطوتين السابقتين هي التي تعمل على تدعيم أركان وأُسُس التعاطي النقدي مع التراث الذي حرص الدكتور الجابري أبدًا على تثبيت وترسيخ دعائمه، ليعمل على توظيفه والاستعانة به في التعاطي مع التراث.

يتأسَّى الدكتور الجابري في الخطوة الثالثة من منهجيَّته - أي معرفة الأبعاد الأيديولوجيَّة - الحفريات عند ميشيل فوكو.

(43)

لقد عمد الدكتور الجابري إلى توظيف هذا القسم في كلٍّ من نظريَّة تكوين العقل العربي، ونظريَّة بنية العقل العربي أيضًا. بيد أنَّه أوَّلًا: لا يُوضِّح مراده من أيديولوجيَّة التفكير، وثانيًا: يصف بعض الأفكار بالأيديولوجيَّة، وبعضها الآخر بغير الأيديولوجيَّة دون مراعاة للحياد العلمي، ودون تقديم الشواهد الكافية والأدلَّة المتقنة.

حاليًا بعد بيان المقدّمات ندخل في صلب الوضوع، وهو كيفية سعي الجابري وتنظيره للخروج من أزمة الانحطاط، ونبدأ ببيان نظريته في نقد العقل العربي کمرتکز أساسي في مشروعه الفکري.

تكوين العقل العربي:

لقد قدَّم الدكتور الجابري في كتابه «تكوين العقل العربي» - من خلال تقسيم العقل إلى عقل مكوَّن وعقل مكوِّن - تعريفًا عصريًّا وتاريخيًّا للعقل، وقد سعى من خلال دراسة العقل العربي دراسة تاريخيَّة إلى بحث ومناقشة مصادر وآليَّات تكوينه في تضاعيف التحوُّلات الثقافيَّة للعرب منذ عصر الجاهليَّة وصولًا إلى المرحلة المعاصرة. إنَّ غاية الدكتور الجابري في المرحلة الأُولى من مشروعه المسمَّى بـ «تكوين العقل العربي» تهدف إلى بيان وتفسير يُؤدِّي إلى التغيير[1]. إنَّه يقول من خلال اتِّخاذه موقفًا ناقدًا:

إنَّ مشكلة التقدُّم في الفكر العربي يجب أنْ تُطرَح ليس في إطار الماضي فقط «هل كان هناك تقدُّم أم لا؟»، بل يجب أنْ تُطرَح في إطار المستقبل أيضًا «أي: كيف العمل لتحقيق التقدُّم؟»[2].

(44)

وقد عمل الدكتور الجابري في هذا القسم من مشروع نقد العقل العربي على تشريح العوامل والعناصر غير المعرفيَّة (السياسيَّة) المؤثّرة على الفكر في العالم العربي، وعلاقة الأنظمة المعرفيَّة ببعضها. وقد استنتج من تداخل العصور والصراع بين المراحل الثقافيَّة المختلفة في العالم العربي وجود التنافس بين الماضي والحاضر، معتقدًا أنَّ الطريق الوحيد لتحقيق التنمية والتقدُّم يكمن في التمسُّك بالعلوم البرهانيَّة، والحال أنَّه لم نشهد من الجانب النظري من العلوم البرهانيَّة سوى ترجمة ذلك القسم الذي يصبُّ في مصلحة الحُكَّام فقط، وأنَّ القسم النظري من العلوم البرهانيَّة (الجبر الخوارزمي، والنظريَّات التجريبيَّة لابن الهيثم، وتنجيم البيروني، وما إلى ذلك) كان بدوره خارجًا عن الصراع بين الأنظمة المعرفيَّة بشكل كامل. وعلى هذا الأساس فإنَّ العقل العربي لم يخضع لتأثير من الأنظمة المعرفيَّة البرهانيَّة، ومن هنا فإنَّه لم يتقن سوى فنِّ التقليد واجترار النظريَّات القديمة.

يرى الجابري أنَّ الثقافة تتكوَّن من جزئين؛ أحدهما ثابت، والآخر متغيِّر، وقال بأنَّ العناصر الثابتة وغير القابلة للتغيير من الثقافة العربيَّة هي التي صاغت العقل العربي، وأنَّ هذا العقل هو الذي حال دون تحقيق التغيير والتحوُّل في ثقافة العرب. وعلى هذه الشاكلة فإنَّ البنية العقليَّة الناشئة عن الثقافة تبقى كامنة في اللَّاشعور، وتعمل بدورها على الاضطلاع بإعادة تدوير المنتج الثقافي. إنَّ رؤية المفكِّرين العرب إلى الموضوعات الهامَّة، من قبيل: الوجود والإنسان والمجتمع والتاريخ، متأثِّرة بالثقافة العربيَّة، وإنَّ الضمير اللَّاواعي هو الذي يدير دفَّتهم من الناحية الفكريَّة والأخلاقيَّة، وبذلك فإنَّهم ينظرون إلى أنفسهم وإلى الآخرين من هذه الزاوية. وإنَّ هذا الأمر هو الذي عرقل مسار الثقافة العربيَّة وحال دون حركتها الانتقاليَّة. إنَّ الثقافة العربيَّة إنَّما تحظى بحركة اعتماد؛ حيث يكمن

(45)

السكون في ماهيَّتها ومضمونها[1]. كما قلنا يذهب الدكتور الجابري إلى الاعتقاد بأنَّ بنية الثقافة العربيَّة تخضع لتأثير ثلاثة أنظمة معرفيَّة: بيانيَّة، وعرفانيَّة، وبرهانيَّة، والعلاقات القائمة بين هذه الأنظمة الثلاثة. ومن هنا فإنَّه يعمل - في إطار إثبات مدَّعاه - على دراسة النظام المعرفي البياني في العالم العربي، وتسلُّل النظامين المعرفيَّين (العرفاني والبرهاني) من المجتمعات الأُخرى، والعلاقات القائمة بين هذه الأنظمة المعرفيَّة الثلاثة، دراسة تاريخيَّة؛ ليصل إلى نتيجة مفادها أنَّ بيان إنتاج ذات العالم العربي ناظر إلى النصِّ، وإنَّ العرفان الذي تسرَّب إلى العالم الإسلامي من الشرق ناظر إلى الآخرة، وأنَّ البرهان ـ الوارد من اليونان ـ هو وحده الناظر إلى الطبيعة وإلى علل وأسباب الظواهر، وهو الطريق الوحيد نحو التقدُّم. ولكن بمجرَّد دخول العرفان، بدأ صراعه مع البيان، وأنَّ البرهان عند وروده دخل في خضمِّ هذا الصراع لا شعوريًّا، وفي نهاية المطاف ومن خلال الدعم السياسي الممنوح من قِبَل مختلف الدول ودفاعها عن واحد من هذه الأنظمة المعرفيَّة، وجد البرهان نفسه مغلوبًا، وأصبح العقل العربي حبيس النصِّ أو الميتافيزيقا. إنَّ سبب تخلُّف العالم العربي يعود إلى تجاهل العقل البرهاني بوصفه الطريق الوحيد الذي يُمثِّل خشبة الخلاص.

إنَّ الدكتور الجابري يرى أنَّ حضارة الإسلام هي حضارة فقه؛ وذلك لأنَّ العقل العربي في جميع مجالات العلوم البيانيَّة، قد رزح تحت تأثير الفقه. ومن هنا يمكن القول: إنَّ العقل العربي عقل فقهي، وإنَّ إبداعه وإنجازه الوحيد يكمن في المقارنة بين الأصل والفرع، وبين القديم والجديد. وفي قبال العلوم البيانيَّة

(46)

- الناشئة بشكل كامل عن إبداع الأقحاح من المفكِّرين العرب - تقع العلوم العرفانيَّة التي هي أجنبيَّة وغريبة بالكامل، وخاضعة لتأثير النزعة الهرمسيَّة. لقد أحصى الدكتور الجابري خمسة شواخص للفكر الهرمسي، وسعى - من خلال تحديد هذه الشواخص في الأفكار العربيَّة - إلى تحديد أُسلوب وطريقة تسلُّل النزعة الهرمسيَّة إلى الثقافة العربيَّة. وقد ذهب الدكتور الجابري إلى الادِّعاء بأنَّ النزعة الهرمسيَّة قد بدأت بالظهور منذ عصر الغلاة الأوائل، واستمرَّت إلى عصر السهروردي والغزالي، وعملت على ترسيخ مفهوم العقل المستقيل في الثقافة العربيَّة. وأنَّ العلوم البرهانيَّة بدورها قد تمَّت ترجمتها بتأثير من الدوافع السياسيَّة، وانتقلت إلى الثقافة العربيَّة وهي مشجونة بالتوجُّهات الأيديولوجيَّة. إنَّ الأُمويِّين في الأندلس - في سعي منهم إلى البحث عن أيديولوجيَّة منافسة للفاطميِّين والعبَّاسيِّين - قد أسَّسوا للفقه المالكيَّة ولظاهريَّة ابن حزم الأندلسي. وإنَّ النزعة الظاهريَّة لابن حزم عملت بدورها على التمهيد لعقلانيَّة ابن رشد. ولكن مع نبذ ابن رشد صارت الغلبة للعرفان، الأمر الذي أدَّى إلى استقالة العقل بالكامل، حيث أدَّى ذلك إلى تخلُّف العالم العربي.

ولكي يُثبِت مدَّعاه، عمد الدكتور الجابري إلى ذكر الكثير من نماذج النزاع والصراع التي يرى أنَّ جذورها تعود إلى التضادِّ والتنافي بين هذه الأنظمة المعرفيَّة الثلاثة، وقد تبلورت في صلب الثقافة العربيَّة. يسعى الدكتور الجابري إلى البحث عن العلاقة القائمة بين هذه الأنظمة المعرفيَّة والعوامل الأيديولوجيَّة والمعرفيَّة التي لعبت دورًا في تكوين وبلورة العقل العربي[1]. ومن هنا فإنَّه يبحث في رسم مسار إنتاج النظام المعرفي للبيان، وأُسلوب تسلُّل النظام المعرفي العرفاني والنظام

(47)

المعرفي البرهاني وأساليب التعاطي والتعامل القائم بين هذه الأنظمة المعرفيَّة.

بنية العقل العربي:

لقد سعى الجابري في المرحلة الثانية من نظريَّته في كتاب «بنية العقل العربي» إلى إثبات أنَّ العقل العربي يتمتَّع ببنية واحدة[1]. وفي هذا القسم من مشروع نقد العقل العربي يعمل الجابري - من خلال تحليل محتويات ومضامين أعمال المفكِّرين المسلمين - إلى دراسة كيفيَّة تبلور الخطابات البيانيَّة والعرفانيَّة والبرهانيَّة، والعلاقة القائمة فيما بينها. ومن هنا فإنَّه يعمل على تحليل ومقارنة الاتِّجاهات والأساليب في الأنظمة المعرفيَّة الثلاثة: البيانيَّة والعرفانيَّة والبرهانيَّة. والنقطة الجديرة بالالتفات هي أنَّ «الاتِّجاه»[2] تابع لذوق وذهنيَّة ورؤية المفكِّر، ومن هنا لا يمكن نقد المفكِّر والقول له: «لماذا اخترت هذا الاتِّجاه»، في حين أنَّ «الأُسلوب»[3] أداة قياس عامَّة. وذلك لأنَّ الأُسلوب والمنهج يتعلَّق بمقام الحكم، ولهذا السبب يجب أنْ يكون بحيث يمكن للجميع أنْ يُصدروا حكمهم بشأنه. وبعبارة أُخرى: إنَّ الاتِّجاه المدخلي لاصطياد النظريَّة واقتناص النظريَّة هو الذي يستتبع وراءه الأُسلوب والمنهج المناسب[4].

1 - البيان:

إنَّ النظام المعرفي البياني القائم على مبدأ الانفصال ومبدأ التجويز ونظريَّة العناصر البسيطة، لا يُبقي مجالًا للتفكير في القانون والسببيَّة، كما أنَّه بالمناسبة

(48)

يُوفِّر الأرضيَّة لمسائل من قبيل: المعجزة، وقلب الطبائع، وتأثير الطلسمات، والسحر، والإصابة بالعين، وفوق ذلك كلُّه العرفان؛ بمعنى الحصول على المعرفة من الله مباشرةً. وبطبيعة الحال فإنَّ البيانيِّين لم يكونوا يقصدون الوصول إلى هذه النتيجة؛ وذلك لأنَّهم بشكلٍ عامٍّ يخالفون اللَّا عقل، سواء أكان على شكل سحر أم عرفان، وإنَّ العرفان يخالف البيان، وإنَّ بعض العلوم السحريَّة - من قبيل التنجيم - يُنقِض مبدأ التجويز.

ومن ناحية أُخرى فإنَّ إثبات القدرة المطلقة لله سبحانه وتعالى، ومسائل من هذا القبيل، دفعت بأصحاب النزعة البيانيَّة إلى النظر في بحث حدوث العالم، وغضِّ الطرف عن بحث النظام والانسجام وثبات العالم. فأخذوا العناصر البسيطة والانفصال وتخلَّوا عن النظام والاتِّصال. يرى الدكتور الجابري تأثير العوامل الدِّينيَّة والسياسيَّة على بيان هذه المسألة أيضًا، ولكنَّه بدلًا من ذلك يتعرَّض إلى العناصر المعرفيَّة.

يذهب الجابري إلى الاعتقاد بأنَّ اللغة العربيَّة - تلك اللغة المأخوذة من الأعراب - تهيمن على الفكر البياني، وأنَّ مقدّمات التفكير البياني (مبدأ التجويز ومبدأ الانفصال) - إنَّما ترتبط بها. إنَّ المحيط الجغرافي في شبه الجزيرة يحكي عن الانفصال. إنَّ الرمال والنباتات والحيوانات والإنسان والخيام تأتي بأجمعها على شكل منفرد ومنفصل. وإنَّ القبيلة بدورها عبارة عن مجموعة من الأشخاص والأفراد الذين تربط بينهم أواصر القرابة. وإنَّ القرابة بدورها أمر وهمي ويُمثِّل درجة من الانفصال وليس الاتِّصال[1]. خلافًا للمجتمعات التي تسكن في المُدُن وتلك التي تعيش على ضفاف البحار، حيث كلُّ شيء يُعبِّر عن الاتِّصال. وحتَّى السماء

(49)

تبدو في الصحراء صافية وزاخرة بالنجوم المنفصلات. وإنَّ الاتِّجاه البياني تحت تأثير اللغة العربيَّة يقوم على الانفصال. إنَّ الصحراء لا تزخر بالأشياء، وإنَّما هي خالية. ومن هنا يأتي تعريف المكان في المخيَّلة العربيَّة. إنَّ البيئة الصحراويَّة وتصوُّر الزمان لا يحتمل التغيير والحركة. وإنَّ الزمان يُقاس بالأحداث والوقائع، وحيث إنَّ الأحداث والوقائع منفصلة، سوف يكون الزمان بدوره منفصلًا تبعًا لذلك. إنَّ البيئة الصحراويَّة تحتوي على رتابة وإيقاع واحد مصحوب بتغيُّرات مفاجئة. إنَّ العادات والتقاليد مستقرَّة، ولكنَّها - بطبيعة الحال - تقترن بخوارق العادة أيضًا. إنَّ الرياح والأمطار غير منتظمة، وحتَّى الرمال وإنْ كانت تبدو ساكنة، ولكنَّها بعد مدَّة لا يبقى لها أثر. صحيح أنَّ النجوم ثابتة في أماكنها من السماء، وتُشكِّل بذلك علامة يهتدي بها المسافرون والمترحِّلون، بيد أنَّ المترحِّل والضاعن لا يعلم أبدًا متى يصل إلى مقصده. وعلى هذا الأساس فإنَّ الذي يصوغ وعي السُّكَّان في الصحراء ليس هو مبدأ السببيَّة أو قانون الحتميَّة، وإنَّما هو جواز وإمكان حدوث كلِّ شيء. إنَّ اللحظة الراهنة تشهد نظمًا مستقرًّا، ولكن هذا النظم المستقرَّ هو عرضة لاحتمال التغيير وخرق العادات.

طبقًا لمبدأ الإمكان والتجويز لن تكون هناك من نتيجة سوى الانفصال، وإنَّ السبب في التفكير العربي يُمثِّل واسطة بين الفاعل والفعل، ولكن الفاعل غائب أبدًا، وإنْ كان فعله حاضرًا. إنَّ الأحداث نادرة وغير منتظمة وتقع فجأة، وكأنَّ الفاعل مختار ليفعل ما يشاء.

إنَّ التفكير البياني والنشاط الفكري له يقوم على أصل التشبيه، وإنَّ الآليَّة المعرفيَّة للتشبيه هي التقارب. والتقارب يحدث أحيانًا بين شيئين موجودين، كما يوجد هذا التقارب في بعض الموارد من خلال الاستدلال. وحيث إنَّ الاتِّجاه البياني

(50)

قائم على الانفصال، فإنَّ التشبيه والقياس فيه يقوم بدوره على المقاربة أيضًا. وعليه فإنَّ آليَّة الاستدلال البياني في التشبيه البلاغي أو القياس الفقهي والكلامي والنحوي، إنَّما هي بيان للأشياء من خلال التقريب فيما بينها.

إنَّ علوم العرب في الجاهليَّة، من التنجيم والقيافة وقراءة الطوالع وقراءة الكفِّ والتفاؤل واستشراف الغيب والمستقبل، كانت بأجمعها تستخدم أداة ذهنيَّة واحدة للوصول إلى المعرفة، ألَا وهي الاستدلال على الظاهرة بواسطة الأثر والأمارة. وعليه فإنَّ الاختلاف بين القياس والاستدلال بالشاهد على الغائب لا يكمن في البنية والأداة والآليَّة، وإنَّما هو في قياس وصف مناسب في الشيء يوصلنا إلى الحكم، وفي استدلال الشاهد على الغائب يقوم الدليل والأمارة على إيصالنا إلى الغائب المطلوب. إنَّ الإنسان العربي كان يعرف ٢٨ نجمًا معروفًا، وكان يعمل على تطبيق زمانه عليها، ويتنبَّأ من خلالها بحدوث الرياح والمطر. إنَّ النجم هو الشاهد وإنَّ بزوغه وأُفوله هو الأمارة التي تُهدي إلى هطول المطر الذي يُمثِّل الغائب، وبطبيعة الحال فإنَّ الاقتران بينهما ليس ضروريًّا. كما أنَّ هناك حضورًا للاستدلال بالأثر في علم القيافة. وإنَّ القيافة على قسمين وهما: الأثر، والبشر. وإنَّ قراءة ودراسة آثار المتقدِّمين التي يبرع فيها العرب بشكل مذهل إنَّما هي ثمرة حياتهم في الصحراء؛ حيث يتعيَّن على الإنسان أبدًا أنْ يقتفي أثر العلامات والأمارات. وإنَّ علم القيافة بدوره هو دراسة العلامات الجسديَّة والفيزيقيَّة للتعرُّف على نسب الأشخاص. كما يسعى علم الاستبطان إلى دراسة العلامات الجسديَّة الفارقة من قبيل لون الجلد وطريقة كلام الشخص، بغية التعرُّف على أخلاقه وشخصيَّته. كما أنَّ قراءة الطالع من خلال التطيُّر إنَّما يأتي للتكهُّن والتنبُّؤ بواسطة الأمارة. وقد يصيب الكاهن والعرَّاف في كلامه في بعض الأحيان، ولكنَّه

(51)

يُخطئ في أغلب الموارد؛ وذلك لأنَّ العلاقة بين الأمارة والمطلوب ضعيفة جدًّا.

وعلى كلِّ حالٍ فإنَّه لا مكان في هذه العلوم العربيَّة للسببيَّة؛ بمعنى التقارن الضروري بين الأحداث. وذلك لأنَّ هذه العلوم تقوم على الاستدلال بالأمارة، وهي مجرَّد علامات وليست عللًا. إنَّ حاصل الاتِّجاه البياني إنَّما هو تقارن بعض الأشياء ببعض الأشياء الأُخرى. وعندما يقول أصحاب الاتِّجاه البياني: «والعرب تقول...»، إنَّما يقعون لا شعوريًّا تحت تأثير سلطة اللغة والثقافة الجاهليَّة والمبادئ الثلاثة القائمة على الانفصال والتجويز والمقاربة.

2 - العرفان:

يرى الدكتور الجابري أنَّ العرفان في الإسلام يدور حول محورين أساسيَّين، وهما: الظاهر - الباطن، والنبوَّة - الولاية. إنَّ الأُسلوب والاتِّجاه على الرغم من تداخلهما، إلَّا أنَّهما يمتازان مع بعضهما أيضًا، وإنَّ البحث عن الظاهر والباطن يرتبط بالأُسلوب والمنهج، وإنَّ البحث عن الولاية والنبوَّة يرتبط بالاتِّجاه. ومن حيثيَّة أُخرى يتمُّ طرح العرفان وبيانه بوصفه موقفًا كما يتمُّ طرح العرفان وبيانه بوصفه نظريَّة، ولكن الأوَّل يرتبط بالتصوُّف، والثاني يرتبط بالتشيُّع والمذهب الإسماعيلي والفلسفة الباطنيَّة.

صلة العرفان في الإسلام والعرفان قبل الإسلام: لو أخذنا البُعد السياسي من العرفان الشيعي والإسماعيلي، والبُعد البياني من عرفان التصوُّف، تبقى المادَّة العرفانيَّة التي هي تراث عرفان ما قبل الإسلام ولا سيّما النزعة الهرمسيَّة منه. وليس الاستنباط والإلهام أو الكشف من طريق آيات القرآن الكريم.

إنَّ العرفاء لا يرون أُسلوبهم من قبيل الحسِّ أو العقل، بل هو من قبيل

(52)

الكشف والشهود: نحن في الحدِّ الأدنى نؤمن بصدق دعوى البعض منهم. إنَّ العارف والساحر والكاهن يدَّعون الوصول إلى بعض الأسرار، وبطبيعة الحال فإنَّ أسرار العلم وأسرار العقل غير محدودة، وأمَّا العارف فإنَّه يرى أنَّ أسراره عبارة عن العلوم النهائيَّة وأنَّها تختصُّ بشخصه فقط. بمعنى أنَّ العارف لا يقارن الأسرار بالنسبة له، وإنَّما بالنسبة إلى الآخرين، ومن هنا يصل إلى الأنانيَّة.

نحن نعتقد أنَّ العقل يستطيع تفسير ما يقوم العرفاء باكتشافه. إنَّ الرؤية الفيثاغوريَّة فلسفة سرّيَّة تدَّعي معرفتها بالأسرار، وذلك من طريق أُسلوب المماثلة. إنَّهم لا يبحثون عن علل وأسباب الأشياء، وإنَّ التفكير الفيثاغوري هو المصدر الرئيس للفكر العرفاني، وله حضور قوي في الفلسفة الإسماعيليَّة. وأمَّا في خصوص القيمة المعرفيَّة والإبستمولوجيَّة فيجب القول: إنَّ مماثلة العمليَّات الذهنيَّة على أشكال وصور متعدِّدة ومراتب ودرجات متفاوتة. إنَّ المماثلة قد تكون على صورة تشبيه، أو تمثيل، أو قياس فقهي، أو قياس نحوي، أو من قبيل الاستدلال بالشاهد على الغائب، أو التناسب العددي، أو التناظر. وهي بشكل عامٍّ تنقسم إلى ثلاث مجموعات، وهي: التناسب العددي، والتمثيل، والتناسب الخطابي والشعري.

أ- أنَّ المماثلة من النوع الأوَّل، أي التناسب العددي - الذي هو من أقوى أنواع المماثلة - تختصُّ بعلم الرياضيَّات، ولا صلة لها بالكشف العرفاني.

ب- أنَّ المماثلة في النوع الثاني والتي تُسمَّى في المنطق بـ «التمثيل»، هي القياس النحوي والفقهي والكلامي. وقد عمد أُرسطو إلى تقسيم الاستدلال إلى قسمين، وهما: القياس والاستقراء، وأدخل التمثيل في قسم الاستقراء، وقال: إنَّه أضعف أنواع الاستقراء، وأقرَّ بأنَّ التمثيل في الاستقراء إنَّما يشتمل على قيمة

(53)

خطابيَّة فقط؛ لأنَّه مجرَّد تشبيه. والخلاصة هي أنَّ المماثلة بهذا المعنى قياس خطابي مفيد للظنِّ، وإنَّما هو مجرَّد أُسلوب خطابي بليغ.

ج- أنَّ المماثلة من النوع الثالث لها أشكال متنوِّعة، من قبيل: المماثلات الوجدانيَّة والذاتيَّة، الصوفيَّة أو الشعريَّة. هناك مناسبة بين شيئين أو أكثر، من قبيل: المناسبات المعتبرة في العلوم السرّيَّة والسحريَّة. وقوامها يكون في التناظر دون الضرورة. إنَّ هذا النوع من المماثلة ينطوي على نتائج مضحكة، ويقع في درجة أدنى من العقل.

إنَّ المماثلة ليس لها قيمة علميَّة إلَّا إذا كانت من نوع التناسب العددي. وعلى هذا الأساس فإنَّ الكشف العرفاني ليس فوق العقل على النحو الذي يقوله العرفاء، بل إنَّ هذا النوع ليس نتاج الحسِّ، ولا هو نتاج العقل الرياضي، وإنَّما هو نتاج معرفة خياليَّة تستقي من الدِّين والأساطير أو المعارف الشائعة، وهو غير قادر على مواجهة العالم الواقعي. إنَّ العرفاء يتصوَّرون حقيقة وراء الشريعة، وباطنًا وراء الظاهر. بيد أنَّ الحقيقة عندهم ليست حقيقة دينيَّة، ولا هي حقيقة فلسفيَّة، ولا هي حقيقة علميَّة، إنَّما الحقيقة عندهم اتِّجاه سحري إلى العالم يعمل على تقديم الأساطير.

3 - البرهان:

إذا كان البيان يُؤخَذ من النصِّ والإجماع والاجتهاد، ويسعى إلى الحصول على تصوُّر عن العالم يكون في خدمة العقيدة الدِّينيَّة، وإذا كان العرفان يُؤخَذ من الولاية، ويكون أُسلوبه الكشف، وغايته الاتِّحاد مع الله، فإنَّ البرهان يعمل على توظيف الحسِّ والتجربة وأحكام العقل للوصول إلى المعرفة اليقينيَّة.

(54)

يذهب الدكتور الجابري إلى الاعتقاد بأنَّ حضور البرهان في العالم العربي يختلف عن البيان والعرفان. فأوَّلًا: أنَّ أُسلوبه في الفكر والتصوُّر بالنسبة إلى العالم يختلف عمَّا هو موجود في ثقافة العرب، وثانيًا: أنَّ تأسيسه يكون بأداة العقل، ولا يمكن تأسيسه في الأصل من خلال الرجوع إلى القرآن والسُّنَّة[1]. إنَّ أُسلوب البرهان هو الأفضل، بل هو الأُسلوب الوحيد والمتعيَّن في الوصول إلى العلم، وإنَّ الاتِّجاه البرهاني إلى العالم هو الاتِّجاه الأكمل. بيد أنَّ البرهان عندما دخل إلى دائرة الثقافة العربيَّة وجد الصراع محتدمًا بين البيان والعرفان. إنَّ طرح النظام المعرفي الذي يكون مختلفًا من حيث الأُسلوب ومن حيث الاتِّجاه، ترتَّبت عليه مشاكل جمَّة.

لقد طرح الكندي ـ وهو أوَّل فيلسوف في الإسلام ـ حوارًا جزئيًّا. وقد أبدى الفقهاء معارضات جادَّة مع البرهان، واحتدم جدل كبير في هذا الشأن. ثمّ عمد الفارابي إلى إدخال مفاهيم في الثقافة العربيَّة لم يكن من الممكن من دونها فهم الوحدة في الأشياء وراء الاختلاف الظاهري بينها. لا بدَّ من الالتفات إلى أنَّ شرح المفهوم الكلّي ليس مجرَّد شرح للمفهوم فقط، بل هو انتقال مفهوم جديد ضمن بنية فكريَّة غير ملتفتة إلى ذلك المفهوم، وقد أنجز الفارابي هذه المهمَّة على أحسن وجه. يُطلِق الدكتور الجابري على هذه الظاهرة مصطلح تجديد العقل العربي، ويسعى إلى دراسة كيفيَّة تأسيس هذه الظاهرة في الثقافة العربيَّة.

بيد أنَّ الفلسفة في العالم الإسلامي لم تكن لها قراءة خاصَّة وواحدة ومستمرَّة[2]. لقد بدأ الكندي نشاطه من أُرسطو. أمَّا الفارابي فإنَّه لم يواصل مشروع الكندي ليعبر من خلاله، وإنَّما يعمل على الجمع بين اللَّاهوت الهرمسي لمدينة حرَّان والمدينة

(55)

الفاضلة لأفلاطون، وذلك لا على النحو الذي يقوله أفلاطون، وإنَّما على نحو قراءة الفارابي مع ما تشتمل عليه هذه القراءة من الهواجس السياسيَّة وما تنطوي عليه من الحواضن الاجتماعيَّة. وعلى الرغم من أنَّ ابن سينا قد ألبس النظام الفكري للفارابي حلَّة الميتافيزق الهرمسي، إلَّا أنَّه هو الآخر لم يواصل مشروع الفارابي، وإنَّما ارتبط بالهرمسيَّة من طريق الإسماعيليَّة. إنَّ فلسفة ابن سينا بدورها تتبلور على أساس محور النفس ومحور المعاد، وهو تلفيق بين إلهيات الفارابي وأُخرويات الإسماعيليَّة. كما أنَّه بحث كذلك في هواجس المتكلِّمين والمتصوِّفة والفلسفة أيضًا. وعليه فقد أصبح البرهان السينوي برهانًا للفلسفة والكلام والتصوُّف، ومشابهًا رسميًّا للبرهان في الثقافة العربيَّة الإسلاميَّة.

يذهب الدكتور الجابري إلى القول بأنَّ ابن سينا هو المتَّهم الأوَّل في بداية الانحطاط[1]. إنَّه يرى أنَّ الفلسفة السينويَّة تتبلور حول محورين رئيسين، وهما أوَّلًا: الارتباط بين الله والعالم؛ حيث يشتمل هذا المحور على البراهين الكلاميَّة، وثانيًا: الارتباط بين الإنسان والسماء؛ حيث يعمل هذا المحور على بلورة العرفان المشرقي.

لقد تجلَّى ذكاء ابن سينا في تمكُّنه من إخفاء الجذور الأيديولوجيَّة في ظلِّ الأفكار الفلسفيَّة، بشكل لا يمكن اكتشافه بسهولة. إنَّ منطق ابن سينا في كتاب «الشفاء» وإنْ كان يبدو في ظاهره أُرسطيًّا، ولكن جذوره غارقة في الرواقيَّة. كما أنَّ طبيعيَّات ابن سينا وإنْ كانت تبدو أُرسطيَّة، إلَّا أنَّها تقوم في الواقع على خدمة الإلهيَّات لا الفلسفة.

يُمثِّل الرازي نقطة التقاء بين الكلام والفلسفة؛ إذ إنَّ الكلام منذ ظهوره كان

(56)

معارضًا للفلسفة والفلاسفة في جميع الأزمنة، ويمكن ملاحظة ذروة هذه المعارضة في كتاب «تهافت الفلاسفة» للغزالي، و«مصارعة الفلاسفة» للشهرستاني. لقد قام الرازي في كتابه «المباحث المشرقيَّة» بإدخال الكلام في الفلسفة، وفي كتاب «المحصَّل» عمد إلى إدخال الفلسفة في الكلام، وفي تفسيره عمل على توسيع الآراء الفلسفيَّة والكلاميَّة. إنَّ كيفيَّة الاندماج بين هذين العلمين، هو الذي دفع بالكثير إلى اعتبارهما شيئًا واحدًا يتمثَّل في طريقة المتأخِّرين.

كان ابن باجة هو الفيلسوف الأوَّل في الأندلس حيث أسَّس لمشروع إعادة تأسيس العلم الطبيعي في الثقافة الإسلاميَّة، وكان هذا بدوره انعكاسًا لمشاريع ابن حزم.

قام ابن رشد بمواصلة مشروع ابن باجة، ووسَّع من دائرته ليشمل المنطق وما بعد الطبيعة أيضًا. لقد كان النشاط الفكري والنقدي لابن رشد يصبُّ في إطار نشاط ابن حزم. لم يكن الشاطبي وابن خلدون وحدهما المرتبطان بالنشاط الفكري لابن حزم وابن رشد فقط، بل سبق لابن تيميَّة قبلهما أنْ تأثَّر بابن حزم في اتِّجاهه الحنبلي في المسائل الأُصوليَّة، كما تأثَّر بابن رشد في علم الكلام أيضًا، إلى الحدِّ الذي اعتبر معه نظريَّة الجوهر الفرد من أخطاء المتكلِّمين، وكان يُشكل على نفي الطبائع والسببيَّة فيها. لقد اتَّفق ابن تيميَّة مع ابن رشد في جميع آرائه باستثناء بعض المسائل الهامشيَّة[1].

والخلاصة هي أنَّ غرب العالم الإسلامي من خلال تأكيده على المباني الفلسفيَّة، قال: إنَّ الفلسفة فلسفة، وليست دينًا أو شريعةً. وقال أيضًا: إنَّ الشريعة حقٌّ، وأمَّا الفلسفة فليست كذلك. إنَّ هذا الوعي كان من الدقَّة بحيث أثَّر حتَّى على

(57)

سلوك ابن رشد أيضًا. فهو على الرغم من منصبه قاضيًا للقضاة، كانت فلسفته فلسفة، وشريعته شريعة. إنَّه لم يخلط العلوم العقليَّة بالعلوم النقليَّة، ولم يكن منصبه الفلسفي متَّحدًا مع منصبه كقاضٍ للقضاة[1].

تقييم منهج الدكتور الجابري:

1 - عدم التقيُّد بالاتِّجاه العامِّ والشامل:

يذهب الدكتور الجابري من جهة إلى اعتبار العلوم العربيَّة - على الرغم من اختلافها - علمًا واحدًا، ويرى الموسوعيَّة والشموليَّة من الخصائص اللَّازمة للثقافة الإسلاميَّة، ويرى ضرورة الاتِّجاه الموسوعي والشمولي في كلِّ نوع من أنواع تقييمه، ومن ناحية أُخرى يعمل بنفسه - في مقام العمل - على تقسيم التراث إلى ثلاثة أنظمة معرفيَّة، وهي: البرهان، والبيان، والعرفان، وهذه المنظومات الثلاثة تشتمل أوَّلًا على آليَّات وأنشطة متباينة عن بعضها، ولا يقوم بينها أيُّ رباط سوى النزاع أو التصالح، وثانيًا: أنَّ نتائجها تختلف عن بعضها، بحيث إنَّ العرفان لا يصل إلى مستوى البيان، والبيان لا يصل إلى مكانة البرهان[2]. وهذا يعني عدم تقيُّد الدكتور الجابري بالاتِّجاه الشمولي الذي يتبنَّاه.

2 - تجاهل دعم السياسة للعلوم الطبيعيَّة:

إنَّ الدكتور الجابري الذي عمل على تظهير عنصر السياسة في توسعة العلوم وتنميتها، قد اعتبر العلوم التجريبيَّة هامشيَّة وخارج روابط الأنظمة المعرفيَّة ببعضها. بيد أنَّ الشواهد التاريخيَّة تحكي عن أنَّ الكثير من هذه العلوم كانت

(58)

تحظى باهتمام السياسة. من ذلك على سبيل المثال أنَّ اهتمام السياسة بالطبِّ وتداعياته المعرفيَّة جدير بالملاحظة.

لقد قام المنصور العبَّاسي بتوظيف جرجي بن بختيشوع بوصفه طبيبًا في البلاط، وتولَّى هذا المنصب بعده أولاده الذين تعلَّموا الطبابة على يديه. وطُلِبَ من يوحنَّا بن ماسويه أنْ ينقل علمه إلى المسلمين. وقام المأمون العبَّاسي بتنصيب حنين بن إسحاق رئيسًا لبيت الحكمة، وتصدَّى حنين ومساعدوه لمهمَّة جمع كافَّة التراث الطبِّي والعلمي من جميع أقطار العالم، وقاموا بترجمته إلى اللغة العربيَّة. وبذلك تمَّ التأسيس للطبِّ في المجال الإسلامي، وبدأ يتطوَّر بسرعة بالغة. وكانت أُولى معطياته تقييم ومناقشة مجمل التراث العلمي الإيراني والهندي التقليدي والقديم. وتمَّ التحقيق في هذا التراث، وتمَّت ترجمته وتدوينه بشكل منظَّم، وأُضيف إليه مسائل جديدة ومتناغمة مع الأُصول الكلّيَّة للدِّين والثقافة الإسلاميَّة. واكتسب الطبُّ مكانة مرموقة بوصفة سلطان العلوم الطبيعيَّة، وحيث كانت معرفة الطبيعة ومعرفة الدِّين تدعمان بعضهما ويُكمِّل أحدهما الآخر، فقد تمَّ تدوين عدد من الرسائل المربوطة بالعلوم الطبيعيَّة تحت عنوان التوحيد العامِّ. ومن بينها البحث التفصيلي لتعيين قوَّة جذب العناصر في قسم التوحيد من كتاب شرح المقاصد للتفتازاني. لقد أدَّى تطوير علم الطبِّ إلى إيجاد وتوسيع علم الصيدلة، وأدَّى هذا العلم بدوره إلى تطوير علم النباتات والكيمياء والفسيولوجيا والجراحة[1].

كان في بغداد وحدها ثمانمائة وتسعة وستُّون طبيبًا، حيث قدَّموا أنفسهم

(59)

لإجراء اختبار الحصول على إذن بممارسة المهنة، والذي كانت تقيمه حكومة المقتدر العبَّاسي سنة 389 للهجرة. ومنذ ذلك الحين خضع الأطبَّاء والصيادلة والمستشفيات لرقابة إدارة الحسبة[1]. لقد قام الرازي بتأليف أكثر كُتُبه الطبّيَّة في مدينة الريِّ، وأهداها إلى المَلِك منصور حاكم الريِّ الذي كان يُوفِّر له الدعم والحماية[2]. المثال الآخر هو الحاكم بأمر الله، الخليفة السادس في السلالة الفاطميَّة في مصر، حيث حكم مصر من عام 375 إلى 411 للهجرة. وقد بذل جهودًا كبيرة في عمران وازدهار البلاد، وقد دعا ابن الهيثم إلى مصر للاستفادة القصوى من نهر النيل[3].

3 - المعارضات النظريَّة:

1 - يذهب الدكتور الجابري تارةً إلى اعتبار علم الكلام مفيدًا للعلم، واعتبره تارةً أُخرى مفيدًا للظنِّ.

2 - ذهب الدكتور الجابري إلى الادِّعاء بأنَّ الشافعي قد قام بتدوين أُصول بسطت سيطرتها وهيمنتها على جميع أصحاب البيان والفكر العربي، ومن بين هذه الأُصول هو القياس. ولكنَّه قال في موضع آخر: إنَّ الأُصوليِّين قد أخذوا القياس بوصفه من المباني من علم الكلام.

3 - يذهب الدكتور الجابري إلى الادِّعاء بأنَّ اللزوم البياني - خلافًا للزوم المنطقي - ليس ضروريًّا، في حين أنَّه يذهب بنفسه إلى الاعتقاد بأنَّ اللزوم في الكلام المعتزلي يحكي عن الضرورة.

(60)

التقييم الأسلوبي:

1 - التفسير العصري لعصر التدوين:

إنَّ عصر التدوين الذي يروم الدكتور الجابري أنْ يقرأ واقعيَّة العقل العربي من خلال كوَّته في امتداد ماضيه ومستقبله، إنَّما هو في الواقع عصر مكوَّن حيث تكون ورشة تصنيعه في رؤية القادمين في المستقبل، كي يتمَّ جعلها بوصفها نموذجًا مرجعيًّا مفترضًا بالنسبة إلى رؤية الماضين. وبعبارة أُخرى: إنَّ عصر التدوين هذا ليس هو عصر تدوين ذلك العصر التدويني الذي تحقَّق وتكوَّن في زمانه، وأنَّه بحسب فرض الدكتور الجابري يستمرُّ لمئة عام (النصف الثاني من القرن الثاني، والنصف الأوَّل من القرن الثالث)، وإنَّما هو عصر تدوين تمَّ تكوينه في المرحلة الأخيرة[1].

تقوم الفرضيَّة المسبقة للدكتور الجابري على أنَّ الذهبي قد تكلَّم بكلام متطابق مع الواقع، وأنَّه على الرغم من الفاصلة الزمنيَّة الطويلة التي تفصله عن عصر التدوين بما يقرب من خمسة قرون، تمكَّن من رؤية ذلك العصر كما هو، دون أنْ يتعرَّض إلى خطأ من قِبَل الحواسِّ والإدراك الذي هو من لوازم كلِّ قراءة تشتمل على هذه الخصائص. في حين أنَّنا نعلم أنَّ هناك بشأن الذهبي موارد واضحة تُؤكِّد على أنَّه قد رأى شيئًا كان يريد هو أنْ يراه، وليس شيئًا موجودًا في عالم الواقع. وذلك لأنَّ الذهبي إنَّما كان في الواقع وارثًا لصورة من عصر التدوين حيث سبق لها أنْ تبلورت على يد الأجيال السابقة، وأنَّه نقل هذه الصورة المكوَّنة بعد إجراء بعض الإصلاحات والتعديلات عليها إلى الجيل الذي تلاه[2].

(61)

يُضاف إلى ذلك أنَّ الدكتور الجابري حيث لم يشاهد كلام الذهبي من كتابه، فقد قدَّم قراءة خاطئة عن عصر التدوين. ولو أنَّه قد شاهد كلام الذهبي بنفسه في كتابه، لما توصَّل إلى هذه النتيجة الخاطئة والقائلة بأنَّ الذهبي يقول بأنَّ تاريخ انطلاق التدوين في الإسلام قد بدأ منذ عام 143 للهجرة. وذلك لأنَّ الذهبي قد تحدَّث في كلامه عن بداية التصنيف دون بداية التدوين، ولم يكن الأمر كما لو أنَّ الذهبي يقول بأنَّ التدوين والتصنيف بمعنى واحد وأنَّهما مترادفان؛ إذ إنَّه بعد البحث حول التصنيف، انتقل إلى البحث حول التدوين، ويبدو أنَّ توهُّم الترادف بين التصنيف والتدوين هو الذي أوقع المستشرق إجناتس جولدسيهر في هذا الخطأ أيضًا؛ إذ ذهب التوهُّم بجولدسيهر إلى القول بأنَّ بداية تاريخ التدوين في الإسلام تعود إلى النصف الثاني من القرن الثاني. وقد أشار فؤاد سركين إلى هذا الخطأ في المجلَّد الأوَّل من دائرة المعارف «تاريخ التراث العربي»، وقال:

إنَّ هذا المستشرق الشهير (جولدسيهر) قد أخطأ في خصوص تحديد بداية عصر التدوين، ويعود سبب هذا الخطأ إلى أنَّه لم يُدرك الفارق الدقيق بين التدوين وتصنيف الحديث[1].

إنَّ النقطة الهامَّة للغاية والتي تمَّ تجاهلها والغفلة عنها، عبارة عن التدوين الأوَّل والذي يعني تدوين القرآن الكريم، والذي مثَّل النموذج الأوَّل لجميع التدوينات اللَّاحقة، والتي سعى الدكتور الجابري إلى القفز عليها مباشرةً نحو النصف الثاني من القرن الثاني، واعتبر هذه المرحلة هي وحدها التي تُمثِّل مرجعيَّة العقل العربي. وبطبيعة الحال ربَّما كان الجابري - كما قال بنفسه - قد مارس

(62)

التقيَّة، وإلَّا لو تحمَّل المجتمع العربي انتقاداته للقرآن الكريم، لما أبدى إباءً وتمنُّعًا من بيان هذا الأمر[1].

2 - خفض التاريخ المكتوب إلى التاريخ الشفهي:

يقول جورج طرابيشي: إنَّ النظام المعرفي من وجهة نظر الدكتور الجابري هو ذات النظام المعرفي أو الإبستميَّة عند ميشيل فوكو[2]، ومجموعة من المفاهيم والأُصول العمليَّة التي تُؤدِّي ضمن مرحلة تاريخيَّة ما، وفي مسار ثقافي لا شعوري إلى بلورة المعرفة[3]. وبطبيعة الحال فإنَّ النظام المعرفي عند الدكتور الجابري يختلف - من بعض الجهات - عن النظام المعرفي والإبستميَّة عند ميشيل فوكو أيضًا. فإنَّ الإبستميَّة من وجهة نظر فوكو - والتي تعمل على إضفاء نظم على جميع المعارف في عصر معيَّن - لها امتداد من حيث المكان، كما هي متحوِّلة من حيث الزمان، في حين أنَّ الأمر من زاوية الدكتور الجابري معكوس تمامًا. إنَّ النظام المعرفي لدى الدكتور الجابري يعمل على جعل المعرفة الواحدة عرضة للتفكيك والتنوُّع، ومن هذه الناحية تكون من حيث المكان متغيِّرة، ومن حيث الزمان ثابتة[4]. إنَّ ميشيل فوكو يصبُّ كلَّ جهده على التوصُّل فيما وراء ظاهرة الاختلاف والتكثُّر في ثقافة ما (الثقافة الغربيَّة) إلى وحدة في العمق، وأمَّا الدكتور الجابري فيبذل كلَّ سعيه في اتِّجاه العبور على ما يُعَدُّ وحدة في ثقافة ما (الثقافة العربيَّة الإسلاميَّة) من أجل الوصول إلى عمق الاختلاف لكي يُؤسِّس التكثُّر والتعدُّديَّة الجذريَّة والجوهريَّة والبنيويَّة في الذات والطبيعة العقليَّة التي أوجدت هذه

(63)

الثقافة. إنَّ ميشيل فوكو - خلافًا للدكتور الجابري - لا يؤمن على الإطلاق بأنَّ النظام المعرفي في ثقافة ما عبارة عن بنية لا شعوريَّة[1]. ثمّ إنَّ تعريف النظام المعرفي لثقافة ما بأنَّه بنية لا شعوريَّة يُؤدِّي إلى إلغاء الحيثيَّة المعرفيَّة لمصلحة الأنثروبولوجيا، وتنزيل للناحية الواعية والشعوريَّة من الثقافة إلى ناحيته العامَّة، أو بعبارة أُخرى: إيصال التاريخ المكتوب لتلك الثقافة إلى حضيض المرحلة ما قبل التاريخيَّة وغير المكتوبة[2].

3 - النقصان في المشاهدة:

إنَّ التفسير الخاطئ الذي يُبديه الدكتور الجابري عن عصر التدوين، وكذلك تعاطيات العقل المكوِّن والعقل المكوَّن، إلى تجاهله شواهد هامَّة في مشاهداته التاريخيَّة. فهو يعتقد أنَّ عصر التدوين قد بدأ مباشرةً بعد الانتقال الفجائي والدفعي مرَّة واحدة لعلم الحديث من الصدور إلى صفحات الكُتُب، دون أنْ تكون هناك في البين مرحلة أُخرى للتدوين. وإنَّه بهذا الاعتقاد فوَّت على نفسه فرصة قيِّمة بشأن دراسة ما كان كامنًا وراء ظاهرة إنتاج الحديث، وكانت تجول في أذهان هؤلاء الرجال. ثمّ إنَّه بسبب عدم امتلاكه إدراكًا وفهمًا صحيحًا للعقل المكوِّن والعقل المكوَّن، وبالتالي فإنَّه بسبب تصوُّره أنَّ عصر التدوين هو عصر العقل المكوَّن - في حين أنَّ عصر التدوين يُعَدُّ عصرًا نموذجيًّا ومثاليًّا من حيث نشاط وفاعليَّة العقل المكوِّن - قد تخلَّف عن الإدراك المعرفي لإمكان قراءة ديالكتيكيَّة، وجدليَّة والثنائيَّة المتبادلة في خصوص الحضارة العربيَّة / الإسلاميَّة. إنَّ ثنائية الحضارة العربيَّة / الإسلاميَّة عبارة عن: ناحية العظمة الأُولى للمرحلة

(64)

الإسلاميَّة الممتدَّة من القرن الأوّل إلى القرن الخامس للهجرة، وهذه هي الفترة الزمنية للعقل المكوِّن والفعَّال، والناحية الأُخرى مرحلة أُفول الحضارة الإسلاميَّة وانحطاطها؛ حيث اقترنت هذه المرحلة بسلطة العقل المكوَّن، وهي المرحلة التي تُغطِّي الفترة من القرن السادس إلى القرن الثالث عشر للهجرة[1].

4 - عدم الموضوعيَّة في الأُسلوب:

على الرغم من أنَّ الهدف الأساسي من تجزئة الخطاب النقدي وتحليله يكمن في التعريف بالأيديولوجيَّات التي تُشكِّل أساسًا للنصوص أو الخطابات، إلَّا أنَّ هذه التجزئة والتحليلات قبل أنْ يكون لها توجُّهًا إلى فكِّ الرموز والاكتشاف الأيديولوجي، تسعى إلى دعم وحماية أيديولوجيا خاصَّة كان المحلِّل يعرفها قبل التحليل، بمعنى أنَّ التجزئة والتحليل يلعبان دورًا مكمِّلًا بالنسبة إلى أيديولوجيَّة المحلِّل، في حين أنَّ العثور على الأيديولوجيَّات الكامنة وراء النصوص يحتاج إلى رؤية أيديولوجيَّة فيما وراء النصوص، والبحث عنها في مساحة أوسع حيث تتأثَّر بها الأيديولوجيَّة، بمعنى أنَّه يجب البحث عنها في حدود العقائد ونمط الآراء[2]. إنَّ الدكتور الجابري في تعريفه بالأبعاد الأيديولوجيَّة للنظام المعرفي في العالم الإسلامي، يسعى وراء البحث عن أيديولوجيَّته، وإنَّ هذا الاتِّجاه يُؤدِّي به إلى انتقاء الشواهد التاريخيَّة التي يريدها.

5 - الإبهام في مفهوم الأيديولوجيا:

إنَّ التعريف والتطبيق المختلف لبعض المفاهيم التي تلعب دورًا محوريًّا وجوهريًّا في الاتِّجاه التحليلي للخطاب النقدي، من قبيل الاستفادة الواسعة

(65)

النطاق من المفهوم الغامض والمتعدِّد الأبعاد لـ «الأيديولوجيا»، من بين الانتقادات الواردة على هذا الاتِّجاه[1]. إنَّ جزءًا هامًّا من مشروع الدكتور الجابري - دون أنْ يتحدَّث بوضوح في خصوص مفهوم الأيديولوجيا - قد تلخَّص في إظهار الأبعاد الأيديولوجيَّة للمشاريع المعرفيَّة التي تمَّ القيام بها بطلب من الحكومات، في حين أنَّ الإبهام والغموض الموجود في هذا المفهوم قد دفعه إلى التناقض في الكلام. بمعنى أنَّه ينتقد الشواهد التاريخيَّة التي لا تنسجم مع نظريَّته ويسمها بميسم الأيديولوجيا، وأمَّا الشواهد التاريخيَّة التي تنسجم مع نظريَّته ومشروعه فيعمل على وصفها بغير الأيديولوجيَّة من خلال التبرير لها ببعض التوجيهات.

6 - تجاهل شواهد النقض:

يتمُّ في هذا الأُسلوب تظهير الأيديولوجيَّات السياسيَّة والاجتماعيَّة في صلب المعطيات ومتنها، لا أنْ تظهر من طريق المعطيات. وبعبارة أُخرى: إنَّ هذا النوع من التحليل موضع شبهة، إذ إنَّ فهم «العثور» على هذه الأيديولوجيَّات إنَّما يتمُّ قبل ظهورها من طريق المعطيات، وهو أمر يثير الشبهة والريبة[2]. لقد آمن الجابري مسبقًا بأدلجة الكثير من المشاريع العلميَّة التي تتمُّ بطلب من الحكومات، ثمّ يسعى بعد ذلك ومن هذا المنطلق وراء العثور على شواهد تاريخيَّة أو شواهد معرفيَّة من نصوص هذا النوع من المشاريع، ويعمل على تظهيرها.

7 - عدم تنظيم الأُسلوب المعرفي:

الانتقاد الآخر أنَّ الأُسلوب المعرفي لتحليل الخطاب النقدي ليس منظَّمًا ولا

(66)

متقنًا؛ إذ يمكن لمختلف المحقِّقين أنْ يُقدِّموا تحليلات مختلفة عن النصوص المتنوِّعة، وهذا يعود في الغالب وقبل كلِّ شيء إلى غياب أُسلوب معرفي منظَّم في تحليل الخطاب النقدي[1]. بعبارة أُخرى: إنَّ الأُسلوب الذي انتهجه الدكتور الجابري، ليس على درجة كاملة من التنظيم بحيث لو انتهجه المفكِّرون الآخرون في تحليل التراث، فإنَّهم سوف يصلون إلى النتائج ذاتها التي توصَّل لها الدكتور الجابري.

8 - تجاهل النّزعة التجريبيَّة لجابر بن حيَّان:

يذهب الدكتور الجابري إلى اعتبار جابر بن حيَّان هرمسيًّا، وأنَّه كان واسطة لنقل علم الكيمياء. ولكنَّه يختار السكوت تجاه اهتمام جابر بن حيَّان بالأساليب التجريبيَّة ومنجزاته العظيمة. في حين كان جابر بن حيَّان عالمًا شهيرًا آثرَ الحياة الصوفيَّة، وأمضى جلَّ حياته في دار له في دمشق، وفي الوقت نفسه اتَّخذ من هذه الدار مختبرًا له يجري حيث يجري تجاربه في علم الكيمياء. وقد كان له دور كبير في تطوير علم الكيمياء حتَّى عُرِفَ هذا العلم بـ «فنِّ جابر بن حيَّان». لقد ألَّف جابر بن حيَّان أكثر من مائتي كتاب، ثمانون منها في علم الكيمياء. ولكن لم يصل لنا من تلك المؤلَّفات سوى النزر القليل. وقد تمكَّن من صنع معيار دقيق لقياس الوزن بحيث يستطيع وزن حتَّى الأجسام التي تقلُّ عن الرطل بـ (6480) مرَّة. وقد عرَّف جابر بن حيَّان المركَّب الكيميائي بقوله: «اتِّحاد العناصر ببعضها في أصغر الأجزاء التي لا تُرى بالعين المجرَّدة، دون أنْ تفقد خصائصها». والملفت للانتباه أنَّ دالتون قد توصَّل في تحقيقاته إلى النتيجة ذاتها بعد عشرة قرون. وبذلك فقد عمد جابر بن حيَّان إلى تفنيد هذه النظريَّة القديمة القائلة بأنَّ ماهيَّة الموادِّ الموجودة في المركَّب تفنى من أجل إيجاد

(67)

مادَّة جديدة. وقد عرَّف الاحتراق بأنَّه مسار تتحرَّر فيه الطاقة الكامنة في العناصر المحترقة، وتتحوَّل بعد ذلك إلى مادَّة غير قابلة للاشتعال والاحتراق. وقد تمكَّن جابر بن حيَّان استجابةً منه لطلب من الإمام الصادق عليه‌السلام من اختراع ورق مقاوم للنار، كما صنع حبرًا يُمكن رؤيته وقراءته في الظلام، كما تمكَّن من اختراع مادَّة إذا طُلي بها الحديد أصبح مقاومًا للصدأ، وإذا صُبِغَ بها القماش أكسبه مقاومة ضدَّ الماء والبلل، وكان لهذه المادَّة بالإضافة إلى ذلك خصائص تساعد في إنتاج الفولاذ والحفاظ على الأشخاص من تأثير العناصر السامَّة النباتيَّة والحيوانيَّة والمعدنيَّة، وكتب الكثير من الرسائل في هذين الأمرين، وكان يكتب ويشرح النتائج التي يتوصَّل إليها في مختبره بلغة واضحة ودقيقة، وكان ينصح بإقامة المختبرات الخاصَّة بالتجارب الكيميائيَّة بعيدًا عن المناطق السكنيَّة[1].

النقد المبنائي:

1 - خفض المبادئ النظريَّة إلى مبادئ غير معرفيَّة:

إنَّ النظريَّة العلميَّة تتأثَّر بمجموعتين من المبادئ. والمجموعة الأُولى هي المبادئ غير المعرفيَّة التي تنقسم بدورها إلى قسمين أيضًا، وهما: المبادئ غير المعرفيَّة الفرديَّة، والمبادئ الاجتماعيَّة. والمبادئ غير المعرفيَّة الفردية تشير إلى الخصائص الفرديَّة لشخص المنظِّر والمؤثِّرة في تكوين نظريَّته، وأمَّا المبادئ غير المعرفيَّة الاجتماعيَّة فتنظر إلى الحاضنة الثقافيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والسياسيَّة وما إلى ذلك من الأُمور التي تُؤثِّر على النظريَّة. والمجموعة الثانية هي

(68)

المبادئ المعرفيَّة، التي تنظر إلى رؤية الثقافة إلى الوجود والمعرفة والإنسان[1]. إنَّ مجموع هذه المبادئ تُشكِّل إطارًا عامًّا يُؤدِّي إلى تبلور بعض النظريَّات الخاصَّة. بمعنى أنَّها تعدُّ الأرضيَّة لتبلور النظريَّات أو تحول دون تبلور بعض النظريَّات الأُخرى. إنَّ بعض الانتقادات الواردة على نظريَّة الدكتور الجابري تخصُّ نزعته التقليليَّة في هذا الشأن. إنَّ الاهتمام المفرط الذي يُبديه الدكتور الجابري والمبالغ فيه بتأثير العناصر غير المعرفيَّة من جهة، وخفض وتقليل العناصر غير المعرفيَّة وكذلك العناصر المعرفيَّة إلى مستوى السياسة من جهة أُخرى، أدَّى إلى تخصيصه دورًا ضئيلًا لتأثير سائر العناصر غير المعرفيَّة وكذلك العناصر المعرفيَّة في تبلور وازدهار المعرفة، وهذا يخلق مشكلة كبيرة في بيان العقلانيَّة القائمة على الحقيقة والواقعيَّة. ومن بين العناصر غير المعرفيَّة المؤثِّرة في العقل العربي يمكن الإشارة إلى القَصص والأساطير، حيث قام الدكتور الجابري بتجاهلها، في حين أنَّ القَصص والأساطير وكلَّ ما جاء من المرحلة الجاهليَّة العربيَّة أو الثقافات الأُخرى وترك تأثيره على هذه الثقافة، يجب أنْ يحظى بالاهتمام[2]. ومن ناحية أُخرى إنَّ الدكتور الجابري بدلًا من العينيَّة يُؤكِّد على اللغة. صحيح أنَّ البروز والظهور الاجتماعي للمعرفة لا يمكن أنْ يتحقَّق دون الاستفادة من اللغة والظواهر التي تتبلور في حقل الاعتبارات الاجتماعيَّة، ولكن لا يمكن خفض التفكير إلى هذا المستوى من الاعتبارات الاجتماعيَّة. إذا كانت المعرفة العلميَّة للعالم رهنًا بالمفاهيم والقضايا التي يوجدها ذهن الإنسان في إطار اللغة والثقافة وقالب التعاملات والعلاقات

(69)

الاجتماعيَّة، لرفع احتياجاته التاريخيَّة، عندها سوف تتعرَّض الناحية المرآتيَّة والحاكية ومطابقة القضايا والمفاهيم المذكورة تجاه الحقيقة وناحية صدقها وكذبها إلى الاهتزاز والتشكيك، وسوف يُؤدِّي بنا ذلك إلى نسبيَّة الفهم ونسبيَّة الحقيقة تبعًا لذلك[1]. إذ إنَّ هذه العناصر كان لها دور في تكوين وبنية العقل العربي. وعلى هذا الأساس لا ينبغي خفض وتقليل العناصر غير المعرفيَّة المؤثِّرة على التفكير إلى مستوى السياسة واللغة، بل يجب أخذ جميع العناصر غير المعرفيَّة بنظر الاعتبار. ولكن لا ينبغي الاكتفاء بهذا المقدار فقط ، ويجب أخذ دور العناصر المعرفيَّة بنظر الاعتبار أيضًا.

2 - اتِّخاذ الاتِّجاه ما بعد الحداثوي في اعتبار علاقة العلم بالثقافة:

إنَّ الدكتور الجابري يخفض المشاريع العلميَّة وتنظيرات المفكِّرين والعلماء البارزين في العالم الإسلامي إلى مستوى المشروع السياسي والحكومي فقط، ومن دون أنْ يلتفت إلى المباني المعرفيَّة للمنظِّر وهواجسه العلميَّة يعمل على تقليل جميع مضامين ومحتويات النظريَّة ونتائج النشاط العلمي للعلماء إلى اتِّخاذ المسلك والاتِّجاه الأيديولوجي والاستجابة إلى مجرَّد طلب حكومي، وهذا يعود إلى مبنى الدكتور الجابري في خصوص العلاقة القائمة بين العلم والثقافة.

هناك نوعان من العلاقات الداخليَّة والخارجيَّة يمكن تصوُّرهما بين العلم والثقافة. يذهب الفلاسفة التجريبيِّين ـ من أمثال القائلين بالفلسفة الوضعيَّة ـ إلى الاعتقاد بالتباين بين العلم والثقافة، ولا يتحمَّلون وجود أيَّ نوع من أنواع العلاقة الداخليَّة بين العلم والثقافة[2]. وعلى هذا الأساس فإنَّ غاية ما يمكن للسياسة أنْ

(70)

تقوم به هو تعطيل بعض المشاريع، أو تساعد على ازدهار بعض المشاريع الأُخرى، ولكن لا يمكن لها أنْ تجعل محتوى المعرفة منساقًا وراءها ومتناغمًا معها. والرأي الثاني يرتبط بفلاسفة ما قبل المرحلة التجريبيَّة حيث يشمل الفلاسفة المسلمين والفلاسفة الأُوروبيِّين في مرحلة ما بعد الحداثة. ومن هذه الناحية يكون العلم محيطًا بالثقافة، بل إنَّ الثقافة في الأساس وجميع عناصرها من قبيل السياسة والاقتصاد، إنَّما هي من نتائج العلم، وجزء من المعرفة التي تسلَّلت إلى حقل الاجتماع. ومن هذه الناحية أيضًا والتي يمكن نسبتها إلى جميع العلماء المتَّهمين من قِبَل الدكتور الجابري، فإنَّ السياسة لا تستطيع إيجاد التحوُّلات الداخليَّة في العلم والمعرفة. وبالتالي فإنَّ القول الثالث يحكي عن إحاطة الثقافة بالعلم، وهو رأي فلاسفة ما بعد الحداثة، من أمثال: دريدا، وليوتار، وميشيل فوكو، ومن هذه الناحية التي قبل بها الدكتور الجابري أيضًا، يكون العلم والمعرفة أمران ثقافيَّان بالكامل ويقعان تحت تأثير عناصر مختلفة من قبيل الأُسطورة والسلطة. وإنَّ الدكتور الجابري يُؤكِّد بشكلٍ جادٍّ - بتأثير من ميشيل فوكو - على تأثير السياسة والسلطة، ويعتبر محتوى المعرفة أمرًا نسبيًّا بالكامل ورازحًا تحت تأثير الدول في تاريخ العرب. وبطبيعة الحال فإنَّه لم يتمسَّك بمبناه في هذا الخصوص ويقع في التناقض من هذه الناحية أيضًا. إنَّه يصف آثار الكندي - التي ألَّفها تلبيةً لتوصيات حكوميَّة - بالإسلاميَّة المحضة[1]، ويصف أعمال الفارابي -التي لا يمكن اعتبارها مشروعًا حكوميًّا- بالأيديولوجيَّة. ومن ناحية أُخرى فإنَّ فكر ابن رشد -الذي هو الآخر باعتراف الدكتور الجابري حصيلة مشروع حكومي أيضًا- بسبب الاتِّجاه الانتقادي لابن رشد، يعتبره مستقلًّا عن التأثير والتأثُّر السياسي، وفي المقابل يعدُّ فكر الغزالي أيديولوجيًّا وسياسيًّا بالكامل.

(71)

3 - سلوك الاتِّجاه العلماني:

إنَّ الدكتور الجابري يرى خروج العرفان من دائرة الإنتاج والبناء بشكلٍ تامٍّ وكاملٍ، وفي الوقت نفسه يراه مؤثِّرًا في الثقافة العربيَّة والإسلاميَّة، في حين أنَّنا نعلم أنَّ هذا الموضوع في تراثنا مرتبط أكثر من جميع الموضوعات الأُخرى بالقِيَم المعنويَّة والعرفانيَّة، وأنَّه يتمُّ التمسُّك بهذه القِيَم في العلوم بشكل أكبر من جميع القِيَم والمعاني. وفي المرحلة اللَّاحقة يسعى الدكتور الجابري إلى تجنُّب الناحية البيانيَّة في التراث، بزعم أنَّ العلوم البيانيَّة ليست يقينيَّة، في حين نعلم أنَّه ليس هناك في أيِّ جزء من أجزاء التراث ما هو أهمّ وأكثر قيمةً من العلوم البيانيَّة وتمسُّكًا به في العلوم من القِيَم العقلانيَّة. ولم يستثنِ الدكتور الجابري من هذا الحكم شيئًا آخر سوى الجانب البرهاني من التراث، وذلك على أساس مبنى أمثال ابن رشد - من المعروفين باعقادهم بضرورة الفصل بين الحكمة والشريعة - وعلى هذا الأساس فإنَّ المعيار الذي استند إليه الدكتور الجابري في نبذ العرفان، وإضعاف البيان، والحفاظ على مجرَّد البرهان الخالص، هو أصل العلمانيَّة. في حين أنَّ الحقَّ هو أنَّ هذا الأصل لا يمكن أنْ يكون مجديًا في تقييم الحقيقة الإسلاميَّة / العربيَّة القائمة على الاعتقاد القائل بأنَّ السلوك الدِّيني يشتمل على أداء سياسي، والدليل على ذلك ردود الأفعال الكثيرة المثارة في مخالفة هذا الاعتقاد على مدى القرن الأخير وأكثر، ولا يزال هذا الموضوع مثار جدل ونقاش من قِبَل الباحثين[1].

4 - خفض ملاك الصدق والكذب إلى مستوى العوامل الوجوديَّة:

الطائفة الأُخرى من الانتقادات الواردة على نظريَّة الدكتور الجابري إنَّما تنظر إلى منهجيَّته وأُسلوبه. فهو يسعى إلى اعتبار العلم ثقافة من أجل تقييم صدق

(72)

وكذب المفاهيم والقضايا، وبذلك فإنَّه يهتمُّ بالأسباب والعلل الوجوديَّة وعوامل وجودها أكثر من اهتمامه بالملاكات المعرفيَّة والمنطقيَّة، بمعنى أنَّه يمزج بين مقام الجمع ومقام الحكم (باصطلاح بوبري)، ويرى في بعض الأحيان كفاية العلل الوجوديَّة وكذلك الدوافع إلى تبلور شيء وظهوره، في رفضه أو إثباته على مستوى المضمون والمحتوى. إنَّه بتأثير من الفلاسفة الفرنسيِّين يقول بتاريخيَّة المعرفة، الأمر الذي يُؤدِّي به في نهاية المطاف إلى القول بالنسبيَّة[1]. إنَّ مجرَّد أنْ يحمل الفارابي هواجس تجاه الدِّين ويعمل لذلك على أسلمة الفلسفة، أو مجرَّد أنَّ بعض أجزاء الفلسفة قد تأثَّر بالهرمسيَّة، أو مجرَّد أنْ يكون مشروع الغزالي كان بتوصية من الدولة ونظام الحكم، لا يمكنه إثبات بطلان تلك الأفكار العظيمة بعد وصمها بالأيديولوجيا أو الهرمسيَّة. كما لا يمكن نبذ رؤية الدكتور الجابري وضربها بتهمة النزعة القوميَّة التي أُلصقت به من قِبَل الكثير من المفكِّرين.

5 - التفسير القِيَمي للعقل:

يذهب الدكتور الجابري إلى الاعتقاد بأنَّ العقل القرآني عقل يتمحور حول القِيَم. وأنَّ العقل في اللغة العربيَّة بدوره ليس أداة للتفكير، إنَّما العقل في هذه اللغة تابع بالكامل إلى السلوك؛ فهو تابع للفعل أو ترك الفعل. وأنَّ العقل في الشريعة الإسلاميَّة شرط في التكليف؛ فإنْ لم يكن هناك عقل، لا يكون هناك تكليف. كما أنَّ التكليف في الحقوق الإسلاميَّة يلازم بدوره امتلاك الحقِّ. إنَّ العقل العربي لا يفتح مجالًا لكشف العلاقات المجرَّدة بين الظواهر، وإنَّما الموجود في هذا العقل هو مجرَّد التمييز والتكليف فقط. وإنَّ العقل في القرآن الكريم إنَّما هو للتمييز فقط. إنَّ العقل العربي لا علاقة له بالعليَّة. إنَّ العقل العربي هو عقل

(73)

صيرورة، في حين أنَّ العقل البرهاني هو عقل كينونة[1]. كما ذهب آخرون من خلال دراسة الدلالات المعرفيَّة للعقل في القرآن إلى الاعتقاد بوجود اختلاف كبير بين العقل الفلسفي والعقل القرآني. وذلك لأنَّ العقل في القرآن ناظر إلى الدلالات والآيات والعلامات، وليس إلى الواقعيَّة ذاتها. إنَّ العقل القرآني ينظر إلى ظواهر العالم بشكل جزئي، ويعتبرها «آيات»، وبعكسه العقل الفلسفي المتأمِّل والمستدلُّ؛ حيث يسعى -من خلال الإدراك العامِّ للعالم- إلى تحليل الظواهر على المستوى المفهومي والمنطقي. إنَّ مداليل الآيات والعلامات التي يجب التعقُّل بشأنها، تكمن في الآيات التكوينيَّة على التوحيد والمعاد والنبوَّة، وفي الآيات التشريعيَّة لبطون آيات الوحي[2].

وقد ذهب الدكتور كامل الهاشمي إلى الاعتقاد بأنَّ الدكتور الجابري قد ارتكب خطأً فاحشًا على مستوى البحث العلمي؛ إذ يسعى إلى العثور على معنى العقل -الذي هو أمر حقيقي وموجود، وإنَّ غاية الفلسفة هي إثبات ورسم حدود هذين الأمرين للعقل- من كُتُب اللغة التي تعمل على مجرَّد البحث التطبيقي العامِّ لمعاني الأشياء، وليس تعيين ماهيَّة ووجود وعدم الشيء المنشود، في حين أنَّ هذين الموضوعين هما من الأبحاث الهامَّة التي ترتبط بالبحث الفلسفي دون البحث اللغوي[3]. كما ذهب الدكتور طه عبد الرحمن إلى الاعتقاد بأنَّ الجابري قد تطرَّف وبالغ في الإنكار والاعتراض على عقلانيَّة التراث التي تجمع بين القِيَم الأخلاقيَّة وحقائق الوجود، الأمر الذي دفعه نحو

(74)

تبنِّي رؤية انتزاعيَّة، في حين لو أنَّه نظر إلى التراث بواحدة من هذه النظريَّات الثلاثة، وهي أهمّيَّة العقلانيَّة عن القِيَم، وأهمّيَّة الواقعيَّة عن القِيَم، أو واقعيَّة القِيَم، وكان بصدد البحث عن ارتباط بين الأخلاق والواقعيَّة، وتوصَّل إلى الأهمّيَّة العمليَّة للخوض في التراث وبحثه وتحليله، لأمكنه العثور على مخرج من هذا المأزق[1].

إنَّ القرآن الكريم يدعو الناس إلى التدبُّر والتأمُّل في نظام الخلق وعجائب الكون وأحوال وآثار الكائنات بمختلف أنواعها، وكيفيَّة ظهورها، وبكلمة واحدة أنْ يقوموا بدراسة الآيات الآفاقيَّة والأنفسيَّة، ويدعو إلى التفكير والتدبُّر حولها، ويطلب منَّا أنْ نعمل على توظيف حواسِّنا وتشغيل عقولنا من أجل إدراك أسرار عالم الخلق[2]. إنَّ الله سبحانه وتعالى في هذه الطائفة من الآيات يعتبر العالم من آيات الله، وأنَّ النظم القائم في هذا العالم معبِّرًا عن وجود ناظم مدبِّر، وأنَّ دراسة ومطالعة هذا العالم والنظم الموجود فيه تُمثِّل واحدة من أهمّ طُرُق معرفة الله والتوصُّل إلى عظمة الخالق[3]. ولكن هل يتنافى هذا مع دراسة الطبيعة واكتشافها والسيطرة عليها؟

وحتَّى لو سلَّمنا بما يقوله الدكتور الجابري من أنَّ الآيات التي تتحدَّث عن العقل ومترادفاته، وكذلك الآيات التي تصف عالم التكوين[4]، إنَّما ترتبط وتنظر إلى معرفة الله. نقول مع ذلك: إنَّ هذا لا يتنافى مع إمكان اكتشاف العلل والأسباب والسيطرة على الطبيعة. إذ إنَّ العلماء هم وحدهم القادرون على فهم كتاب

(75)

التكوين[1]، وهم خصوص العلماء الذين حصلوا على العلوم التمهيديَّة والأوَّليَّة. وإنَّ جانبًا هامًّا من هذه المقدّمات إنَّما يمكن الحصول عليها من خلال علوم مثل: الرياضيَّات والفيزياء والكيمياء والنجوم والأحياء وما إلى ذلك؛ أي العلوم الطبيعيَّة[2]. إنَّما يمكن لنا التوصُّل إلى قوانين الطبيعة وعظمة نظام الخلق بمساعدة هذه العلوم والعلوم العقليَّة، ونلتفت إلى النظم والانسجام الموجود في الدور الذي يمنحه القرآن إلى العلوم التجريبيَّة من حيث معرفة الله، وأضحى هذا هو العنصر الرئيس في إقبال الباحثين والمحقِّقين المسلمين على هذا النوع من العلوم، ويجب في الحقيقة اعتبار تبلور وظهور الحضارة الإسلاميَّة الساطعة مدينًا إلى هذا الأمر إلى حدٍّ كبير. يقول آر. ليفي[3] في كتابه «بنية المجتمع الإسلامي»:

إنَّ الدافع وراء تحقيق أغلب المسلمين في العلوم، إنَّما هو من أجل مشاهدة عجائب الخلق وآثار عظمة الله. كما ذهب جورج سارتون في كتابه «مقدّمة على تاريخ العلم» إلى الاعتقاد بأنَّنا إذا أردنا أنْ نحصل على إدراك كامل للأسباب التي تدفع المسلمين إلى النشاط في مختلف الفروع والحقول العلميَّة، تعيَّن علينا ملاحظة الدور المحوري الذي يُمثِّله القرآن بالنسبة لهم. وقال في هذا الشأن: «أتساءل مرَّة أُخرى: كيف يمكن لنا التوصُّل إلى معرفة صحيحة بشأن علوم المسلمين، إذا لم نتمكَّن من إدراك تمحور تلك العلوم حول القرآن بشكل كامل[4]؟!

وعلى هذا الأساس لا يوجد هناك تنافٍ بين أنْ يسعى الإنسان في الطبيعة

(76)

ودراستها إلى معرفة الله سبحانه وتعالى، ويسعى في الوقت نفسه إلى اكتشاف العلل الطبيعيَّة والسيطرة على الطبيعة أيضًا.

وحتَّى ابن الهيثم - الذي يعدُّه الدكتور الجابري نفسه مفكِّرًا كبيرًا ومؤثِّرًا في تطوير أُوروبا - يمارس القراءة والبحث بهذا الدافع أيضًا؛ إذ يقول:

إنِّي لم أزل منذ عهد الصبا مرتابًا في اعتقادات هذه الناس المختلفة، وتمسُّك كلِّ فرقة منهم بما تعتقده من الرأي، فكنت متشكِّكًا في جميعه، موقنًا بأنَّ الحقَّ واحد، وأنَّ الاختلاف فيه إنَّما هو من جهة السلوك إليه، فلمَّا كملت لإدراك الأُمور العقليَّة، انقطعت إلى طلب معدن الحقِّ، وجَّهت رغبتي وحدسي إلى إدراك ما به تنكشف تمويهات الظنون، وتنقشع غيابات المتشكِّك المفتون، وبعثت عزيمتي إلى تحصيل الرأي المقرِّب إلى اللهِ (جلَّ ثناؤه)، المؤدِّي إلى رضاه، الهادي لطاعته وتقواه، فكنت كما قال جالينوس في المقالة السابعة من كتابه في «حيلة البرء»[1] يخاطب تلميذه: (لست أعلم كيف تهيَّأ لي، منذ صباي، إنْ شئت قلت باتِّفاق عجيب، وإنْ شئت قلت بإلهام من الله، وإنْ شئت قلت بالجنون، أو كيف شئت أنْ تنسب ذلك، أنِّي ازدريت عوامَّ الناس واستخففت بهم، ولم ألتفت إليهم، واشتهيت إيثار الحقِّ وطلب العلم، واستقرَّ عندي أنَّه ليس ينال الناس من الدنيا أشياء أجود ولا أشدّ قربةً إلى الله من هذين الأمرين)[2].

إنَّ العلوم الطبيعيَّة تُعَدُّ ـ من وجهة نظر التعاليم الإسلاميَّة ـ وسيلة لمعرفة الآيات الإلهيَّة في الطبيعة، وكذلك حلِّ المشاكل الفرديَّة والاجتماعيَّة للناس، دون الإخلال بتوازن الطبيعة. وإلَّا فسوف يتحوَّل العلم إلى معول هدم للمجتمعات

(77)

الإنسانيَّة وتلويث للبيئة[1]. إنَّ العلماء البارزين، من أمثال: ابن سينا، وأبي ريحان البيروني، وابن الهيثم، والخواجة نصير الدِّين الطوسي، لم يبحثوا عن المعادلات العلميَّة في القرآن الكريم أبدًا، رغم شدَّة اعتقادهم وتمسُّكهم بالقرآن وامتلاكهم معلومات واسعة في القرآن وعلومه.

وعلى الرغم من أنَّ القرآن الكريم كتاب هداية إلَّا أنَّ ما يزيد على العُشر من آياته -أي أكثر من 750 آية منه- يُشير إلى الظواهر الطبيعيَّة[2]. إلَّا أنَّها ليست لتعليم العلوم، وإنَّما الغاية منها في الغالب ترغيب الناس إلى طلب العلوم الطبيعيَّة والتعرُّف من خلالها على عظمة الخالق، والوصول إلى خالق الكون في نهاية المطاف[3]. بيد أنَّ الآيات العلميَّة في القرآن الكريم تنطوي على مفاهيم عامَّة وعلى العلماء المسلمين أنْ يلتفتوا إلى هذه المفاهيم. لا أنْ يصرفوا كلَّ همِّهم إلى إثبات الإعجاز العلمي للقرآن أو تناغمه مع العلم الحديث. نعم يمكن لمسائل من قبيل قانون الزوجيَّة العامِّ في المخلوقات (في الآية التاسعة والأربعين من سورة الذاريات)، والشفاء في العسل للناس (في الآية التاسعة والستِّين من سورة النحل)، أنْ تكون ملهمة لعلماء المسلمين في التنظير أو البحث التجريبي[4]. بمعنى أنَّ دراسة الآيات العلميَّة ومطالعتها في القرآن الكريم يجب أنْ تخلق دافعًا لدى المسلمين إلى التوجُّه نحو الطبيعة، لا أنْ يكتفوا بمجرَّد قراءته قراءة سطحيَّة[5].

يذهب العلَّامة الطباطبائي صاحب «تفسير الميزان» إلى الاعتقاد بأنَّ القرآن الكريم «يدعو في الكثير من آياته إلى التفكُّر في الآيات السماويَّة والنجوم المضيئة

(78)

والاختلافات العجيبة في أوضاعها والنظام المتقن الذي تسير عليه.. ويحثُّ على التفكير في خلق الأرض والبحار والجبال والأودية وما في بطون الأرض من العجائب، واختلاف الليل والنهار وتبدُّل الفصول السنوية.. ويدعو إلى التفكُّر في عجائب النبات والنظام الذي يسير عليه وفي خلق الحيوانات وآثارها وما يظهر منها في الحياة.. ويدعو إلى التفكُّر في خلق الإنسان نفسه والأسرار المودعة فيه، بل يدعو إلى التفكُّر في النفس وأسرارها الباطنيَّة وارتباطها بالملكوت الأعلى، كما يدعو إلى السير في أقطار الأرض والتفكُّر في آثار الماضين، والفحص في أحوال الشعوب والمجتمعات البشريَّة، وما كان لها من القَصص والتواريخ والعِبَر.. وبهذا الشكل الخاصِّ يدعو إلى تعلُّم العلوم الطبيعيَّة والرياضيَّة والفلسفيَّة والأدبيَّة وسائر العلوم التي يمكن أنْ يصل إليها الفكر الإنساني، ويحثُّ على تعلُّمها لنفع الإنسانيَّة وإسعاد القوافل البشريَّة.. نعم، يدعو القرآن إلى هذه العلوم شريطة أنْ تكون سبيلًا لمعرفة الحقِّ والحقيقة ومرآة لمعرفة حقائق الكون التي في مقدّمتها معرفة الله.. وأمَّا العلم الذي يُشغِل الإنسان عن الحقِّ والحقيقة فهو في قاموس القرآن مرادف للجهل»[1].

كما ذهب الدكتور مهدي گلشني إلى الاعتقاد بأنَّ علوم الطبيعة ليست مطلوبة للقرآن بالذات، وإنَّما هي مطلوبة من وجهة نظر القرآن بمقدار ما تُقرِّب الإنسان من الله والتدبُّر في خالق هذا العالم. إنَّ معرفة الطبيعة من شأنها أنْ تزيد من معرفة الإنسان بالله، كما يمكنها أنْ ترفع من قدراتهم على الاستفادة من الإمكانات والنِّعَم التي أودعها في الطبيعة من أجل خيرهم وسعادتهم الأبديَّة والخالدة[2].

(79)

وعلى الرغم من أنَّ غاية العلوم الطبيعيَّة من وجهة نظر القرآن الكريم هي زيادة معرفة الإنسان بخالقه والتقرُّب منه، ولكن يمكن أنْ نشير إلى سلسلة من المسائل بوصفها أهدافًا متوسِّطة تُشكِّل معرفتها مقدّمة للوصول إلى تلك الأهداف النهائيَّة. إنَّ هذه مسائل يتمُّ طرحها فيما يتعلَّق بالارتباط مع الظواهر الطبيعيَّة في القرآن الكريم[1]. وعليه ليس الأمر كما لو أنَّ الطبيعة ملغاة في التفكير الدِّيني، بل الطبيعة قائمة في مكانها الواقعي من المنظومة الكونيَّة، ويتمُّ الالتفات كذلك إلى مبدئها ومعادها أيضًا، وإنَّ هذا الأُسلوب يساعد على الفهم والكشف بشكلٍ أدقٍّ.

6 - ادِّعاء صمت الدِّين في الجانب الدنيوي:

إنَّ الرواية التي يستدلُّ بها الدكتور الجابري لإثبات الدِّين في حدِّه الأدنى، لم ترد في المصادر الروائيَّة لدى الشيعة. وأمَّا في مصادر أهل السُّنَّة، فقد وردت بصيغتين، وإحداهما هي تلك الصيغة التي يرويها الدكتور الجابري «أنتم أدرى بشؤون دنياكم»، وأمَّا الصيغة الأُخرى، فهي: «أنتم أعلم بشؤون دنياكم». وهناك رواية أُخرى في صحيح مسلم قريبة من هذا المضمون:

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الرُّومِيِّ الْيَمَامِيُّ، وَعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ المَعْقِرِيُّ، قَالُوا: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ - وَهُوَ ابْنُ عَمَّارٍ -، حَدَّثَنَا أَبُو النَّجَاشِيِّ، حَدَّثَنِي رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، قَالَ: قَدِمَ نَبِيُّ اللهِ صلى‌الله‌عليه‌وسلم المَدِينَةَ وَهُمْ يَأْبُرُونَ النَّخْلَ - يَقُولُونَ: يُلَقِّحُونَ النَّخْلَ -، فَقَالَ صلى‌الله‌عليه‌وسلم: «مَا تَصْنَعُونَ؟»، قَالُوا: كُنَّا نَصْنَعُهُ. قَالَ صلى‌الله‌عليه‌وسلم: «لَعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْرًا»؛ فَتَرَكُوهُ، فَنَفَضَتْ أَوْ فَنَقَصَتْ. قَالَ: فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ؛ فَقَالَ صلى‌الله‌عليه‌وسلم: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيٍ، فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ». قَالَ عِكْرِمَةُ: أَوْ نَحْوَ هَذَا، قَالَ المَعْقِرِيُّ: فَنَفَضَتْ وَلَمْ يَشُكَّ[2].

(80)

وأمَّا الحديثان الآخران، فقد وردا بهذا المضمون في سُنَن ابن ماجة أيضًا:

الحديث الأوَّل: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ سِمَاكٍ، أَنَّهُ سَمِعَ مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: مَرَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فِي نَخْلٍ، فَرَأَى قَوْمًا يُلَقِّحُونَ النَّخْلَ؛ فَقَالَ: «مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟»، قَالُوا: يَأْخُذُونَ مِنَ الذَّكَرِ فَيَجْعَلُونَهُ فِي الأُنْثَى. قَالَ: «مَا أَظُنُّ ذَاكَ يُغْنِي شَيْئًا». فَبَلَغَهُمْ، فَتَرَكُوهُ وَنَزَلُوا عَنْهَا. فَبَلَغَ النَّبِيَّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فَقَالَ: «إِنَّمَا هُوَ ظَنٌّ إِنْ كَانَ يُغْنِي شَيْئًا فَاصْنَعُوهُ، فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، وَإِنَّ الظَّنَّ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ، وَلَكِنْ مَا قُلْتُ لَكُمْ: قَالَ اللهُ، فَلَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللهِ»[1].

الحديث الثاني: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَهِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم سَمِعَ أَصْوَاتًا؛ فَقَالَ: «مَا هَذَا الصَّوْتُ؟»، قَالُوا: النَّخْلُ يُؤَبِّرُونَهُ، فَقَالَ: «لَوْ لَمْ يَفْعَلُوا لَصَلَحَ». فَلَمْ يُؤَبِّرُوا عَامَئِذٍ، فَصَارَ شِيصًا؛ فَذَكَرُوا لِلنَّبِيِّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فَقَالَ: «إِنْ كَانَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ دُنْيَاكُمْ فَشَأْنَكُمْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ دِينِكُمْ فَإِلَيَّ»[2].

وفي خصوص هذه الروايات يجب القول: إنَّ الروايات التي تُنقَل في الصحاح الستَّة، هي مورد اتِّفاق أغلب علماء أهل السُّنَّة من حيث السند، ولا يتمُّ النقاش في سندها عادةً. وأمَّا في خصوص موافقة مضمون هذه الطائفة من الروايات مع نصِّ القرآن الكريم، فهناك الكثير من الكلام والمناقشات بين علماء السُّنَّة أنفسهم. يضاف إلى ذلك أنَّ هذه الروايات لا تنسجم مع مباني الشيعة، ولا يمكن القبول بها سواء من حيث السند أو المحتوى.

(81)

وذلك لأنَّ معرفة الدِّين والإسلام إنَّما تتبلور إذا تمَّ لحاظ جميع مصادره المعرفيَّة وضمِّها إلى بعضها. ومن هنا يجب في البداية أخذ جميع آيات القرآن في مورد هذه المسألة بنظر الاعتبار، ومناقشتها وتقييمها بالمقدار الكافي. وذلك لأنَّ بعض الآيات يُفسِّر بعضها الآخر، لنتمكَّن بعد ذلك من القول: إنَّ القرآن يُقدِّم هذا المحتوى. ثمّ ننتقل في مرحلة لاحقة إلى الروايات ونعمل على إرجاع متشابهاتها إلى محكماتها، وننظر إلى الروايات المخصِّصة والمقيِّدة إلى جوار العموم والإطلاق، فإذا وجدنا في بعض الموارد رواية معارضة، قمنا برفع التعارض عنها من خلال النظر في أخبار علاج المتعارضات. وفي المرتبة الثالثة نعمل على عرض هذه الروايات على القرآن الكريم؛ إذ إنَّ القرآن - طبقًا للروايات ذات الصلة - هو المعيار والميزان لإثبات صحَّة الروايات، ومن هنا يجب نبذ الروايات المخالفة للكتاب والضرب بها عرض الجدار[1]. وعلى هذا الأساس ترد المناقشات الآتية في خصوص هذه الروايات:

1 - إنَّ مضمون هذه الروايات يتعارض مع آيات من القرآن الكريم. ومن ذلك يمكن الإشارة إلى الآيات التي تمَّ التأكيد فيها على الأخذ بجميع التعاليم النبويَّة دون استثناء، من قبيل قوله تعالى: [... وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ...][2]. وطبقًا لحديث «قرب النوافل» يُعتَبر المعصوم من أبرز مصاديق الواصلين إلى مقام الولاية، وإنَّ المعصوم الواصل إلى هذه الولاية الإلهيَّة العامَّة، تكون جميع شؤونه تحت العناية الإلهيَّة. وإنَّ قوله تعالى في وصفه نبيِّه بالقول: [وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى 3][3] لا يختصُّ بمسألة الوحي والقرآن فقط، ولا يتحدَّث النبيُّ من منطلق الأهواء النفسيَّة، بل إنَّ جميع أحواله وشؤونه مصونة من تدخُّل

(82)

الأهواء، وهي داخلة تحت رعاية الولاية الإلهيَّة. ومثل هذا الشخص يكون مشمولًا للتدبير الإلهي ومحصَّنًا بالإلهام والهداية الإلهيَّة والربَّانيَّة[1].

2 - هناك في النصوص الروائية لأهل السُّنَّة، روايات تعارض هذه الروايات، من قبيل ما رواه عمرو بن العاص في قوله:

كنت أكتب كلَّ شيء أسمعه من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أريد حفظه، فنهتني قريش؛ فقالوا: إنَّك تكتب كلَّ شيء تسمعه من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم، ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بشر يتكلَّم في الغضب والرضا؛ فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال: «اكتب فوَالذي نفسي بيده ما خرج منه [وأشار إلى فمه الشريف] إلَّا حقٌّ»[2].

3 - إنَّ النبيَّ الأكرم - طبقًا للمباني العقليَّة - معصوم بالمطلق في جميع الشؤون الفرديَّة والاجتماعيَّة والدِّينيَّة والأُخرويَّة، وهو مبرَّأ من جميع أنواع المعاصي والانحراف والخطأ والنسيان، وإنَّ تقسيم شؤون الرسالة ومقامات النبيِّ إلى أُمور دنيويَّة وغير دنيويَّة تقسيم مرفوض.

وهناك من المنظِّرين الشيعة من قال بأنَّ السلطة الأُمويَّة والعبَّاسيَّة هي التي عملت على اختلاق هذا النوع من الأحاديث لفصل الدِّين عن مسرح الحياة السياسيَّة والاجتماعيَّة. إذ لو قبل الناس بأنَّ النبيَّ يمكن أنْ يخطئ في مثل هذه الأُمور التي يفهمها أبسط الناس، فهل يمكن لهم الاعتماد بعد ذلك على كلامه فيما هو أجلّ وأخطر؟ ألن يُؤدِّي القبول باحتمال وجود الخطأ في تعاليم النبيِّ الدنيويَّة، إلى احتمال وقوع النبيِّ في مثل هذه الأخطاء حتَّى في التعاليم الدِّينيَّة والأُخرويَّة للنبيِّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وسلم؟!

(83)

4 - أنَّ هذه الروايات تفيد أنَّ النبيَّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم تكن لديه معرفة ودراية بكيفيَّة تلقيح وتأبير النخيل، وإنَّ هذا الأمر هو الذي دعاه إلى منع الناس من تلقيح نخيلهم يدويًّا على الطريقة السائدة بينهم؛ الأمر الذي أدَّى في نهاية المطاف إلى خسارتهم المادّيَّة واستيائهم نفسيًّا، وأنَّ النبيَّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد اعتذر لهم بالقول: «أنتم أعلم بشؤون دنياكم». إلَّا أنَّ هذا الادِّعاء لا ينسجم مع الحقائق التاريخيَّة؛ إذ حتَّى لو لم يكن النبيُّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد قام بتلقيح النخل بنفسه أبدًا، إلَّا أنَّه بالالتفات إلى حياته بين العرب لسنوات طويلة، لا يمكن القول: إنَّه لم يكن مطَّلعًا على طريقتهم المألوفة في تأبير النخيل. وحتَّى لو سلَّمنا أنَّ النبيَّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يكن مطَّلعًا على الطريقة الخاصَّة في تلقيح النخيل، يبقى هناك سؤال، وهو أنَّ النبيَّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وسلم كيف سمح لنفسه -وهو الإنسان الحكيم- أنْ يتدخَّل في أُمور لا دراية له فيها، ويتسبَّب بالإضرار المادّي للمزارعين وإيذائهم؟!

وعليه من الواضح أنَّ هذه الرواية لا يمكن القبول بها؛ وذلك لأنَّها تعاني من الكثير من الجهات، ابتداءً من الإشكال السندي، والمضموني، بالإضافة إلى تعارضها مع القرآن الكريم، وتنافيها مع مضمون روايات أُخرى، وصولًا إلى تهافتها مع الشواهد التاريخيَّة، وعدم انسجامها مع العقل. وأمَّا من ناحية أُخرى فإنَّ مبنى القبول بهذا النوع من الروايات من قِبَل بعض المفكِّرين، إنَّما يعود إلى مسألة جامعيَّة الدِّين الإسلامي، وهو ما سنبحثه لاحقًا.

وفي خصوص جامعيَّة الدِّين هناك طيف من النظريَّات حيث يقع في طرف منه الاتِّجاه الموسوعي، وفي الطرف الآخر منه الاتِّجاه الحصري إلى الدِّين. وفي الاتِّجاه الموسوعي بالإشارة إلى جامعيَّة وكمال الدِّين، يُعتَبر الدِّين مشتملًا على جميع حقائق الوجود، وملبّيًا لجميع ما يحتاج إليه الناس في حياتهم، ومبيِّنًا القوانين

(84)

الثابتة التي يتمُّ البحث عنها في العلوم المختلفة. وبناءً على هذا الرأي إمَّا أنْ تكون جميع الحقائق والأُمور العلميّة المختلفة -الأعمّ من الكلّيَّات والجزئيَّات- مذكورة في النصوص الدِّينيَّة بشكل صريح، أو أنَّ الدِّين إنَّما يقتصر في نصوصه على بيان مجرَّد الأُمور العلميَّة العامَّة، وإنَّ جزئيَّات الأُمور يجب استخراجها واستنباطها من صلب هذه الكلّيَّات بواسطة التفكير والتعقُّل[1]. وفي المقابل يقول الاتِّجاه الاختصاري بأنَّ الدِّين لم يتفوَّه ببيان جميع حقائق الوجود. وفي هذا الاتِّجاه يتمُّ القول بأنَّ هناك للدِّين ما يقوله بشكل خاصٍّ، بيد أنَّ البشر لم يكونوا يستطيعون سماعه من جهة أُخرى، وقد تمَّ بيان هذا الكلام بشكل واضح، وتمَّت الإشارة في بعض الأحيان وبمقتضى ذلك الغرض الأصلي إلى حقائق علميَّة مختلفة. وفي هذا الرؤية إذا كان هناك من ينشد غرضًا غير الغرض الأصلي الذي ينشده الدِّين، لن يستطيع الحصول عليه من خلال الرجوع إلى القرآن. وفيما يتعلَّق بموضوع الإنسان تعرَّضت النصوص الدِّينيَّة إلى بيان ذلك الجانب من الاحتياجات والخصائص الإنسانيَّة بالتفصيل، حيث ترتبط ارتباطًا وثيقًا بهدايته. وأمَّا في مورد سائر الخصائص والاحتياجات الأُخرى، فقد تمَّ تناولها على نحو الإجمال[2]. إنَّ الخوض في تفاصيل النظريَّات أعلاه والأدلَّة التي قيلت في تأييد أو ردِّ كلِّ واحدة من هذه النظريَّات، خارج عن إطار بحثنا في هذه المقالة. وأمَّا فيما يتعلَّق بنظريَّة الدكتور الجابري فنقول: حتَّى أُولئك الذين يذهبون إلى خفض الدِّين إلى المستوى الأدنى، يقرُّون بأنَّ الدِّين قد يتناول في بعض الحالات أُمورًا تخصُّ المسائل الاجتماعيَّة والعلوم الطبيعيَّة في إطار الهداية والاهتمام بالسعادة الأُخرويَّة، وقد

(85)

تحدَّثوا في هذا الشأن بشكل بالغ الدقَّة. من ذلك - على سبيل المثال - أنَّ قوله تعالى: (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ) [1] قد بيَّن نظريَّة دقيقة وصائبة تمامًا في حقل العلوم الطبيعيَّة. أو أنَّ القرآن الكريم يتحدَّث من جهة أُخرى عن خلق السماوات والأرض، ويقول: إنَّ الله سبحانه وتعالى قد خلق هذه المجموعة في ستَّة أيَّام، وأنَّه خلق الأرض في يومين، ثمّ باشر خلق السماوات[2]، وأنَّ السماوات والأرض كانتا في بداية أمرهما رتقًا ثمّ قام الله سبحانه وتعالا بفتقهما[3]. ومن ناحية أُخرى يحثُّ الناس على البحث والتحقيق في كيفيَّة خلق الله سبحانه وتعالى للسماوات والأرض، وكيف جعل لها معادًا ومصيرًا تتَّجه إليه[4]. يقول الله للذين يعيشون تجربة الواقع الموجود: إنَّ الذي بين أيديكم إنَّما يُمثِّل أبجديَّة الكون والوجود، وعليكم الانطلاق من هذه الأبجديَّة إلى اكتشاف أصل الخلق ومراحل التكوين التي أدَّت إلى ما نحن عليه الآن، وعليه ليس الأمر كما لو أنَّ المصادر النقليَّة للدِّين قد اكتفت بالحديث عن مجرَّد الأُمور التي تقصر يد التجربة والعلوم الطبيعيَّة عن بلوغها، والاكتفاء بحسب المصطلح بالمعارف الكلاميَّة فقط[5]، وهناك الكثير من هذا النوع من الآيات والروايات التي حظيت باهتمام المختصِّين في العلوم الطبيعيَّة وأضحت في الوقت نفسه منشأ للتحوُّل أيضًا.

الأمر الآخر أنَّه لا يمكن الفصل بين السعادة الأُخرويَّة للإنسان وبين سعادته

(86)

الدنيويَّة. وفي الأساس لا يمكن الفصل بين مختلف أبعاد الإنسان[1]. وذلك لأنَّ الحياة في الآخرة إنَّما هي ثمرة الحياة في هذه الدنيا ونتيجتها، ولذلك إذا أردنا أنْ نعمل على إصلاح آخرة الناس، وجب علينا إعداد دنياهم لتكون مسرحًا للقِيَم والفضائل الدِّينيَّة[2]. وذلك لأنَّ الدِّين يشتمل على برنامج لإسعاد الناس في الدنيا، كما له برنامج لسعادتهم في الآخرة[3]، وأنَّ تعاليم الدِّين الإسلامي تنظر إلى جميع أبعاد الحياة المادّيَّة والمعنويَّة للإنسان. إنَّ الدِّين يعمل على هداية الحياة الدنيويَّة للإنسان، وينفي جميع أنواع ترك الدنيا؛ وذلك لأنَّ الغاية الأساسيَّة التي ينشدها الدِّين هي ضمان وتوفير السعادة للإنسان في الدنيا والآخرة، ويلعب دورًا في كيفيَّة تنظيم دنيا الناس، وله النصيب الأوفر في ضمان الحياة المعنويَّة للناس ونجاتهم في الآخرة[4]. ومن هنا فإنَّ الله سبحانه وتعالى عندما يتحدَّث في القرآن الكريم عن خصائص عالم الوجود والكواكب السماويَّة والأرض والنباتات والحيوانات وخلق الإنسان، إنَّما يتحدَّث بشكل دقيق للغاية بوصفه خالق هذا العالم وهذه المنظومة الكونيَّة.

وبناءً على النظريَّة الاختصاريَّة يمكن القول بوجود ظاهر وباطن للقضايا الدينيَّة، واعتبار بعض القضايا ذات بطون متعدِّدة، وأنَّ الفهم الأعمق للنصِّ أمر ممكن[5]. ثمّ لو سلَّمنا أنَّ غاية الدِّين هي مجرَّد هداية البشر، يمكن أنْ نتساءل:

(87)

هل الهداية تقتصر على مساحة خاصَّة من حياة الإنسان؟ أم الهداية أمر ناظر إلى جميع الأبعاد الوجوديَّة للإنسان، ولذلك فإنَّ ما يرتبط بحياة الإنسان (بما في ذلك العلوم والمعارف) سوف يرتبط بهداية الإنسان؟ وبعبارة أُخرى: إنَّ القول بأنَّ غرض الدِّين إنَّما يقتصر على هداية الإنسان فقط، ولكن الكلام كلَّه في مدى سعة ومساحة هذه الهداية. وفي هذا النوع من الأبحاث ينطلق هذا السؤال مباشرةً، وهو: ما هي علاقة الهداية بالعلوم الطبيعيَّة؟ ربَّما أمكن القبول للوهلة الأُولى وفي نظرة بدويَّة أنَّ ارتباط هداية الإنسان بالعلوم الطبيعيَّة أقلّ من ارتباطها بالعلوم الإنسانيَّة، أو لا أقلّ بعض العلوم الإنسانيَّة، من قبيل: الاقتصاد والأخلاق. ولكن من الذي يرسم حدود وسعة هذه العلاقة؟ وهل نعلم مسبقًا ما هي المسألة التي ترتبط بهدايتنا؟ وما هي المسألة التي لا تربط بهدايتنا؟ أو نحن حتَّى في هذه المسألة - بالمناسبة - نحتاج إلى هداية إلهيَّة؟ بمعنى أنَّ الكثير من الأبحاث قد تبدو في الوهلة الأُولى منفصلة ولا ربط لها بالهداية، ولكن قد يكون هذا الأمر -الذي يبدو في ظاهره بسيطًا ومادّيًّا- أمرًا مؤثِّرًا في هداية الإنسان[1]. كما توجد في المصادر الروائيَّة مطالب تُمثِّل شاهدًا على نقد الاتِّجاه التقليلي الذي ينتهجه الدكتور الجابري. من ذلك على سبيل المثال، عندما يقول عليٌّ عليه‌السلام: «... سلوني قبل أنْ تفقدوني ...»[2]، أو عندما يصف خصائص الطاووس[3] على سبيل المثال، أو عندما يصف الإمام الصادق عليه‌السلام في «توحيد المفضَّل» خصائص بعض الحيوانات[4]، فإنَّه وإنْ لم يكن في مقام بيان مسائل العلوم الطبيعيَّة، ولكنَّه يُبيِّن

(88)

دقائق الأُمور في هذه المسائل بحيث يعجز حتَّى العلماء والمختصُّون في العلوم الطبيعيَّة. إذن حتَّى مع افتراض القبول بالحدِّ الأدنى والتقليلي من الدِّين، لا يمكن لرواية الدكتور الجابري أنْ تكون مقبولة بحال من الأحوال.

7 - إنكار المعرفة الحضوريَّة (أي غير مفهوميَّة):

يذهب الدكتور الجابري إلى إحالة اعتقاد نومينوس بالنفس الأمَّارة واللوَّامة إلى هيمنة الثنويَّة في فلسفته، ولا يطيق تطهير النفس من طريق المعرفة الحضوريَّة. لأنَّه يعتبر المعرفة الحضوريَّة جزءًا من الحكمة الشرقيَّة التي يسعى نومينوس إلى إضافتها إلى فلسفة أفلاطون وفيثاغورس. ودون أنْ نهدف إلى الدفاع عن نومينوس أو بحث رؤيته، نودُّ التذكير بتجاهل الدكتور الجابري لبيان النفس الأمَّارة واللوَّامة والمطمئنَّة في القرآن الكريم، وعلاقة المعرفة الحضوريَّة بالتطهير. إذ إنَّ الدكتور الجابري قد عمل على توظيف هذه المسائل في نقد العرفان. إنَّ الإنسان من وجهة نظر القرآن - كما ينسب الدكتور الجابري إلى الهرمسيَّة - ليس له ثلاثة أنفس، وإنَّما هي نفس واحدة تتَّصف بثلاثة أسماء من حيثيَّات مختلفة.

لقد عبَّر الدكتور عن جهود علماء الكيمياء - في دأبهم على التجارب المخبريَّة - بأنَّه سعي إلى العثور على قوَّة خفيَّة لتحويل المعادن إلى ذهب، وبتشبيه مع الفارق يصف التطهير من وجهة نظر العرفاء بأنَّه كذلك سعي إلى العثور على إكسير لتطهير النفس، يرى كلا الأمرين متأثِّرًا بالهرمسيَّة. ثمّ إنَّ الجابري يعتبر هذا التطهير -الذي يتمُّ بيانه للمعرفة الحضوريَّة لله- من خلال نبذ البرهان من قِبَل أصحاب النزعة الهرمسيَّة مستلزمًا لتقدُّم معرفة الله على معرفة الطبيعة، في حين أنَّ الدكتور الجابري قد ارتكب مغالطة في هذه المسألة. إنَّ كون النفس الإنسانيَّة تنقسم من بعض الحيثيَّات إلى النفس الأمَّارة، والنفس اللوَّامة، والنفس المطمئنَّة، وأنَّ اكتساب المعرفة

(89)

الحضوريَّة يرتبط بالتطهير، وأنَّ المعرفة الحضوريَّة لله ممكنة من طريق البرهان، وأنَّ الطريق الوحيد إلى ذلك هو التطهير، من الأبحاث التي ذكرت لها في محلِّه الكثير من الاستدلالات والشواهد القرآنيَّة، وأنَّ رأي الدكتور الجابري قابل للنقد. إلَّا أنَّ الخروج من ذلك بنتيجة مفادها أنَّ الطبيعة إذن لا يمكن التعرُّف عليها إلَّا من خلال هذا الطريق أيضًا، وأنَّ الأساليب التجريبيَّة والمشاهدة ليس لها دور في معرفة الطبيعة، لا هو نتيجة منطقيَّة للمدَّعيات المذكورة أعلاه، ولا هو بالشيء الذي يمكن نسبته إلى العرفان والعرفاء.

8 - النزعة التقليليَّة:

إنَّ الدكتور الجابري يُصنِّف جميع العلوم ضمن ثلاثة أنظمة معرفيَّة، وهي: النّظام المعرفي البياني، والنّظام المعرفي العرفاني، والنّظام المعرفي البرهاني، ويسعى إلى الدراسة التاريخيَّة للعلاقة بين هذه الأنظمة المعرفيَّة من خلال النزاع فيما بينها، ومن ناحية أُخرى فإنَّ الدكتور الجابري نفسه يُقدِّم شواهد سعى فيها جميع المفكِّرين والعلماء المسلمين تقريبًا إلى الجمع بين نظامين معرفيَّين في الحدِّ الأدنى، الأمر الذي يحكي عن تناغم الأنظمة المعرفيَّة. ومن ناحية أُخرى فإنَّ الدكتور الجابري يستنتج من حادثة تاريخيَّة نتيجة معرفيَّة. وحتَّى لو قبلنا وجود نزاع على طول التاريخ بين علماء الأنظمة المعرفيَّة، لا يمكن أنْ نستنتج من ذلك وجود التضادِّ الذاتي بين الأنظمة المعرفيَّة المذكورة. وبطبيعة الحال فإنَّ الدكتور الجابري قد تعرَّض إلى الأبحاث المعرفيَّة أيضًا، حيث تعرَّضنا إلى ذلك في الفصل الأخير بالنقد والمناقشة. إلَّا أنَّ أحد استدلالاته هي الاستفادة المعرفيَّة من الروابط والعلاقات التاريخيَّة بين العلوم، وهذا هو ما قام به توماس كوهين في كتابه «تاريخ الثورات العلميَّة».

بعد نقد المباني نتطرَّق لنقد بعض نظريَّات الجابري.

(90)

القسم الثاني:

نقد النظريَّات

1 - نقد نظريَّة تكوين العقل العربي:

الإدراك الناقص عن التعاطي بين العقل المكوِّن والعقل المكوَّن.

إنَّ الدكتور الجابري بسبب تحديده الزمني الخاطئ لعصر التدوين، وعدم إدراكه الصحيح لرأي لالاند في خصوص الديالكتيك والجدل القائم بين العقل المكوِّن والعقل المكوَّن، وكذلك بسبب تقسيمه البنيوي للأنظمة المعرفيَّة إلى البيان والعرفان والبرهان، لا يصل إلى غايته المنشودة[1]، وينتفض بوجه أبرز الممثِّلين للعقل المكوِّن في الحضارة العربيَّة الإسلاميّة، من أمثال: جابر بن حيَّان والرازي في العلم، والفارابي وابن سينا في الفلسفة، والقائلين بالقياس في الفقه واللغة، والقائلين بالاستنباط في التصوُّف، في حين أنَّه يُسارع في المقابل إلى إسعاف ونجدة بعض أبرز الممثِّلين للعقل المكوَّن من قبيل ظاهريَّة ابن حزم، وعصبيَّة ابن تومرت، وسلفيَّة ابن تيميَّة[2].

(91)
العلاقة بين معرفة الله والطبيعة:

يذهب الدكتور الجابري إلى الادِّعاء بأنَّ العقل العرفاني (العقل المستقيل) في الطبيعة هو الآخر يسعى إلى إثبات وجود الله أيضًا. وهنا يجب أنْ نتساءل: إذا كان الأمر كذلك، فهل يُشكِّل هذا الاتِّجاه عقبة دون معرفة الطبيعة والوصول إلى التنمية والازدهار، أم الأمر على العكس من ذلك تمامًا؛ إذ يُؤدِّي إلى الازدهار والتنمية؟ لو أنَّ الثقافة نسبت علَّة جميع الظواهر الطبيعيَّة والاجتماعيَّة إلى الله سبحانه وتعالى وتخلَّت عن دراستها والتفكير والتعقُّل حولها، فمن الواضح أنَّ العلم سوف يتعرَّض للجمود. وأمَّا لو تمَّ السعي بجدٍّ واجتهاد ومن خلال الاستعانة بالأساليب العلميَّة إلى دراسة علل الظواهر الطبيعيَّة والاجتماعيَّة، مع أخذ الله على الدوام بوصفه علَّة العلل، وربط جميع الدراسات التجريبيَّة وغير التجريبيَّة بمعرفة الله، فإنَّ العلم في مثل هذه الحال سيغدو بطبيعة الحال أكثر حيويَّةً وازدهارًا ممَّا لو تمَّ الاقتصار فيه على دراسة العلل التجريبيَّة فقط.

يقول الدكتور راجي الفاروقي[1]:

إنَّ معرفة الطبيعة ليست كاملة أبدًا؛ لأنَّها تشتمل على ظفَّتين لا محدودتين من العالم الصغير والعالم الكبير. حيث يحتوي الخلق على ظواهر لا متناهية الصغر أحيانًا، ولا متناهية العظمة والتعقيد في أحيان أُخرى. إنَّ دراسة كلِّ واحد من الظواهر الطبيعيَّة تُظهِر مزيجًا مذهلًا من العناصر المؤثِّرة فيه، ومزيجًا عميقًا من النتائج الحاصلة منه. وربَّما لو اعتبرنا كلَّ ظاهرة حقلًا كاملًا من العلل، وحقولًا كاملة من المعاليل، كان ذلك أقرب إلى الحقيقة من أنْ نعتبرها خطًّا أو سلسلةً

(92)

من العلل والمعاليل؛ إذ إنَّ كلَّ حقل عبارة عن عدد غير محدود من العوامل التي تجتمع في كلِّ نقطة من المكان والزمان، وتنتج منها حقول غير محدودة أُخرى من المعاليل. ومن هنا لا عجب في أنْ تكون دراسة ومطالعة آثار الطبيعة مشروعًا غير محدود، وهذا الأمر في الحقيقة يُمثِّل بحثًا حول الله سبحانه وتعالى، ودليلًا واضحًا على علمه المطلق وغير المحدود[1].

اتِّهام الاتِّجاه الأيديولوجي للآخرين:

يذهب الدكتور الجابري إلى اعتبار الكندي فيلسوف دولة المأمون، وقال بأنَّ له دوافع سياسيَّة (الدفاع عن سياسة المأمون)، وفي الوقت نفسه يرى أنَّ تفكيره هو تفكير إسلامي بحت على طريقة المعتزلة. ويرى أنَّ ابن حزم - على الرغم من اتِّجاهه النقدي - صاحب تفكير أيديولوجي أيضًا حيث يساند الدولة الأُمويَّة. وكان ابن باجة من وجهة نظر الجابري بدوره متحرِّرًا من القيود والأغلال السياسيَّة، وكذلك هو متحرِّر من القيود والأصفاد المعرفيَّة للثقافة العربيَّة، وكان يحمل هاجس البرهان. كما كان مشروع ابن رشد مشروعًا حكوميًّا أيضًا، بيد أنَّ الدكتور الجابري يعتبر تفكيره - بسبب الاتِّجاه النقدي - عاريًا عن جميع أنواع الهواجس الأيديولوجيَّة. وأمَّا الفارابي الذي هو وحده الذي يقول عنه الدكتور الجابري: إنَّه يمتلك هاجسًا فكريًّا، يعتبره حاملًا لفكر أيديولوجي. في حين أنَّ الفارابي باعتراف الجابري نفسه قد قام بما قام به ابن رشد نفسه. لقد عمد الفارابي إلى إصلاح ذلك الجانب من الفلسفة اليونانيَّة الذي لا ينسجم مع الفكر الإسلامي، لا على أساس الاتِّجاه الأيديولوجي، وإنَّما على أساس الأُسلوب المنطقي الذي يقوم

(93)

على حلِّ التعارض بين المعرفتين المتعارضتين. وقد قام ابن رشد بذات الشيء، ولكن حيث سبق للدكتور الجابري أنْ قبل بما قام به فقد اعتبره عملًا ذكيًّا، وقال: إنَّ هذا الإصلاح الذي قام به ابن رشد لم يؤدِّ إلى أدلجة تفكير ابن رشد، حيث عمد إلى تقديم أُرسطو إلى العالم العربي بشكل خالص.

تجاهل مكانة العقل في الفقه الشيعي:

لقد توصَّل الدكتور الجابري من خلال دراسته لتاريخ العلاقة بين اللفظ والمعنى في تفكير أصحاب الاتِّجاه البياني إلى نتيجة مفادها أنَّ النظام البياني منذ عصر الشافعي إلى السكَّاكي قد تكامل وتطوَّر بشكلٍ مستقلٍّ عن المنطق، وجاء بالأساليب الاستدلاليَّة التي تتناسب معه حيث يتمُّ الحديث عن اللَّازم والملزوم دون المقدّمة والنتيجة. إنَّ هذا الأمر يوجب الغفلة عن العلاقة الوثيقة القائمة بين اللغة والتفكير. إنَّ اللغة لم تكن تُعتَبر أداة للتفكير، وإنَّما وعاءً وظرفًا للتفكير. إنَّ هذه المسألة وعدم الالتفات إلى العقل وإنْ كانت قابلة للملاحظة والاهتمام في النحو والبلاغة، إلَّا أنَّها في الفقه والكلام ليست كذلك، وتُؤدِّي إلى الجمود والركود. إنَّ الدكتور الجابري في هذا المسار لا يأتي على ذكر البيانيِّين من الشيعة، في حين أنَّ مصادر الفقه من وجهة نظر الشيعة (باستثناء عدد قليل من الأخباريِّين) هي: القرآن الكريم، والسُّنَّة المطهَّرة -ممثَّلة بقول وفعل وتقرير النبيِّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أو الإمام المعصوم عليه‌السلام- والإجماع والعقل، وهو ما يُعرَف في مصطلح الفقهاء والأُصوليِّين بـ «الأدلّة الأربعة»[1]. ومن هذه الناحية يمكن القول: إنَّ دين الله يجب التعرُّف عليه إمَّا بالعقل أو بالنقل[2]. والنقل إمَّا هو القرآن أو

(94)

السُّنَّة. والسُّنَّة يتمُّ الكشف عنها إمَّا بواسطة الشهرة أو بواسطة الإجماع. والخبر على نوعين؛ إمَّا خبر متواتر، أو خبر واحد. والخبر الواحد إمَّا مستفيض أو غير مستفيض. وبالنسبة إلى الطريق الثاني إلى اكتشاف السُّنَّة ونعني به الشهرة، فهي تنقسم بدورها إلى أقسام؛ لأنَّ الشهرة إمَّا شهرة فتوائيَّة أو شهرة روائيَّة. وفيما يتعلَّق بالطريق الثالث لكشف السُّنَّة؛ أي الإجماع؛ فيجب القول: إنَّ الإجماع إمَّا محصَّل أو منقول، والعقل إمَّا من خلال المباني التجريبيَّة على تشكيل القياس أو من المباني التجريديَّة، أو من خلال التلفيق بينهما[1]. وعلى هذا الأساس فإنَّ العقل البرهاني أعمّ من العقل التجريبي والتجريدي[2]، الذي ينطلق من المبادئ الأوَّليَّة والبديهيَّة إلى المطالب النظريَّة، ويعمل على إيضاح المطالب العلميَّة من خلال إحالتها إلى المبادئ البديهيَّة، كما أنَّه يُعَدُّ في الفقه وفي أُصول الفقه، والأخلاق والحقوق السائدة من أدلَّة الشرع، ويكون مثل الدليل النقلي المعتبر كاشفًا عن حكم الله، ويُعَدُّ من مصادر المعرفة الدِّينيَّة[3].

2 - نقود على تحليل الجابري للنظام المعرفي البياني:

تجاهل أبعاد النظام المعرفي البياني:

لقد عمد الدكتور الجابري إلى تقسيم جميع العلوم إلى ثلاثة أقسام، وهي: البيان والعرفان والبرهان. ثمّ يُقسِّم العرفان إلى تصوُّف وعرفان باطني وما إلى

(95)

ذلك، ويُقسِّم البرهان إلى قسمين؛ وهما: البرهان النظري، والبرهان العملي، كما يُقسِّمه من ناحية أُخرى إلى برهان خالص، وبرهان أيديولوجي، وأمَّا النظام المعرفي البياني فيراه علمًا واحدًا موحَّدًا، ولا يلتفت إلى اختلاف النحاة والأُصوليِّين والفقهاء والمتكلِّمين وعلماء البلاغة حتَّى بين الشيعة والسُّنَّة في الحدِّ الأدنى. من ذلك أنَّه يقول ـ على سبيل المثال ـ بأنَّ الجميع قد ارتضى أُصول الشافعي باستثناء المنكرين للقياس، ولكنَّه لا يأتي على ذكر أسماء هؤلاء المنكرين للقياس، وما الذي يقولونه في هذا الشأن.

تجاهل مسألة السببيَّة من وجهة نظر المتكلِّمين الشيعة:

إنَّ الدكتور الجابري من خلال دراسته لمباني المتكلِّمين وتأثيرها في تعريف الزمان والمكان والحركة، يصل إلى نتيجة مفادها أنَّ السببيَّة عند المعتزلة والأشاعرة لا تقوم على العلاقة الضروريَّة بين الأحداث، وإنَّما هي مجرَّد علاقة اقتران ونتيجة فعل الله. فإنَّ الأشاعرة يُنكِرون مبدأ السببيَّة ويستبدلونه بالعادة، والمعتزلة -رغم اتِّجاههم العقلاني- يرتضون هذا القول أيضًا. وعلى الرغم من الانتقادات الواردة على كلام الدكتور الجابري في خصوص الأشاعرة والمعتزلة في هذا الشأن، إلَّا أنَّه لا يمكن التغاضي عن تجاهله لرؤية المتكلِّمين الشيعة حول السببيَّة. وذلك لأنَّ علم الكلام -بسبب اتِّساع رقعة موضوعه، وتكثُّر أهدافه، وتشعُّب أُصول بعض المسائل الكلاميَّة وجذورها، واتِّخاذ الاتِّجاهات المتنوِّعة في علم الكلام، واختلاف مستوى فهم المخاطبين وإدراكهم- يستعين بأساليب متنوِّعة. وبطبيعة الحال فقد كانت الغلبة في البين للمنهج والأُسلوب العقلي والنقلي، وحظي باهتمام خاصٍّ[1]. وعلى

(96)

هذا الأساس يمكن لنا أنْ ندرج المتكلِّمين -بشكلٍ عامٍّ- ضمن طيف يتمثَّل طرفاه بالنزعة النصّيَّة والنزعة العقليَّة. ويمكن تصنيف الجماعات والتيَّارات التي تندرج ضمن هذا الطيف على النحو الآتي: أصحاب الحديث، بوصفهم المناوئين للعقل بشكل متطرِّف. والمعتزلة، بوصفهم متطرِّفين في العقلانيَّة. والأشاعرة، بوصفهم النسخة المعتدلة لأصحاب النزعة النصّيَّة، قياسًا إلى أصحاب الحديث، ولا يزال هؤلاء الأشاعرة منذ القرن السادس حتَّى الآن يُمثِّلون المذهب الرسمي لعموم أهل السُّنَّة في الكثير من بلدان العالم الإسلامي[1]. والمتكلِّمين الشيعة - في نهاية المطاف - بوصفهم المعتدلين في العقلانيَّة؛ حيث يستفيدون من المفاهيم النقليَّة أيضًا. فالشيخ النراقي -على سبيل المثال- وهو من المتكلِّمين الشيعة، يقول [ما معناه][2]:

في إحدى يدي البرهان القاطع، وفي يدي الأُخرى الكلام القطعي للوحي[3].

وبطبيعة الحال فإنَّ الكلام الشيعي قد مرَّ بالكثير من المنعطفات. فمنذ القرن الرابع وحتَّى القرن السابع للهجرة - على سبيل المثال - نشاهد مواجهة محتدمة بين أصحاب النزعة العقليَّة وأصحاب النزعة النصّيَّة (النقليَّة)، ومنذ القرن السابع إلى القرن الحادي عشر للهجرة، نشهد صيرورة فلسفيَّة، ومنذ القرن الحادي عشر إلى هذه اللحظة نواجه ركودًا في الكلام الشيعي[4]. وعلى هذا الأساس بالالتفات إلى حضور البرهان في الكثير من الاتِّجاهات الكلاميَّة لدى الشيعة، لا يمكن لنا أنْ ننسب رأي سائر الاتِّجاهات الكلاميَّة مثل الأشاعرة في خصوص السببيَّة إلى الشيعة.

(97)
الانسجام بين القول بالفاعليَّة الإلهيَّة والضرورة العلّيَّة:

لقد عدَّ الدكتور الجابري القول بالفاعليَّة الإلهيَّة من قِبَل المتكلِّمين مستلزمًا لعدم القول بالضرورة العلّيَّة، وعمد إلى سلب ظرفيَّة الدراسات التجريبيَّة من الكلام الإسلامي. ولكن لا يوجد هناك تلازم بين هذين الأمرين. إنَّ هذا الاعتقاد لا يصدُّ المفكِّر -الذي يؤمن بالفاعليَّة الإلهيَّة في جميع الأحداث- عن السعي إلى التفكير والكلام بشأن العلّيَّة بمعنى الضرورة. إنَّ هذا العالم على يقين قطعي بأنَّ الله سبحانه وتعالى لا يُغيِّر سُنَنه اعتباطًا، وأنَّه يُبقي عليها ثابتة وأبديَّة لا تتغيَّر. إنَّ العلّيَّة من وجه نظر الغزالي ليست ضروريَّة ولا نشاطًا ميتافيزيقيًّا طبيعيًّا أعمى، بل إنَّه يرى أنَّ الله سبحانه وتعالى قد أعطى الطبيعة نظمها، وأنَّ هذا النظم يكتسب الضرورة بواسطة هذا اللطف والرحمة الإلهيَّة، والوجه المحدّد لذلك هو الإمكان أو عدم القطعيَّة، بمعنى أنَّ الأحداث الطبيعيَّة من نوع الظواهر الممكنة بالذات[1].

لقد كان علماء الغرب حتَّى الماضي القريب يدَّعون أنَّ علّيَّة القوانين الطبيعيَّة ضروريَّة، وكانوا يعتبرون الطبيعة نظامًا مستقلًّا ومغلقًا وميكانيكًا دون أيِّ خلل أو نقص، وأنَّه لا يحتاج إلى أيِّ شيء من خارجه لكي يعمل على تنظيمه. وأمَّا اليوم فهناك تشكيك في هذا الرأي بعد أنْ كان هو السائد بالمطلق في القرن التاسع عشر للميلاد. فقد تزعزعت هذه الرؤية بواسطة النسبيَّة، وعدم القطعيَّة، والأبحاث الفضائيَّة الذرّيَّة، والدراسات الأحيائيَّة[2].

(98)

وعلى هذا الأساس ذهب علماء ما بعد الحداثة إلى اتِّخاذ رؤية قريبة من رؤية المتكلِّمين، وقد ذهب البعض[1] إلى اعتبار رأي الغزالي -في هذا الشأن- رأيًا ندًّا قويًّا للنظريَّات الموجودة في هذا المجال. ولكن يبدو أنَّ الرأي القائل بالكلّيَّة المشروطة الذي قال به ابن سينا في البرهان من الشفاء، يُمثِّل جوابًا منطقيًّا ومتقنًا حيث أجاب به عن هذه المسألة قبل ألف سنة.

٣ - نقود على تحليل الجابري للنظام المعرفي العرفاني:

أُسلوب العرفاء في التأويل:

إنَّ للتأويل معاني مختلفة، ومن بينها: توجيه ظاهر اللفظ أو العمل المتشابه بشكل صحيح بحيث يكون مقبولًا للعقل ويتطابق مع النقل، وتفسير المنام، ونتيجة العمل. هذه ثلاثة معانٍ للتأويل وقد ورد استعمالها في القرآن. وهناك معنى رابع للتأويل لم يرد استعماله في القرآن الكريم، ولكنَّه قد استعمل في كلام المتقدِّمين. إنَّ التأويل بالمعنى الرابع، عبارة عن: انتزاع مفهومٍ عامٍّ وواسع من آية نزلت في موردٍ خاصٍّ. كما تمَّ التعبير عن التأويل بهذا المعنى في بعض الموارد بالبطن، بمعنى المفهوم الثانوي والخفي الذي لا يبدو من ظاهر الآية أيضًا. وفي المقابل «الظهر»، بمعنى المفهوم الأوَّلي الذي يُفهَم من ظاهر الآية بحسب الوضع والاستعمال. وهذا المعنى بدوره مورد تأييد الحديث النبوي، القائل: «إنَّ للقرآن بطنًا»[2]. وروي عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله في حديث آخر، أنَّه قال: «إنَّ منكم من يقاتل على تأويل

(99)

القرآن، كما قاتلت على تنزيله، وهو عليُّ بن أبي طالب»[1][2]. بيد أنَّ الدكتور الجابري قد تجاهل هذه الروايات النبويَّة، وأحجم عن ذكرها.

إنَّ للتأويل بالمعنى الأخير شرائط وقوانين يُؤدِّي عدم مراعاتها إلى فوضى في التأويل وصدوره دون ملاكات أو ضوابط، وسوف يكون التأويل في مثل هذه الحالة من قبيل التفسير بالرأي. إنَّ التأويل حيث يكون من أقسام الدلالة الباطنيَّة، ومن نوع الدلالة الالتزاميَّة غير البيِّنة، وهذا بدوره من أقسام الدلالة اللفظيَّة، ويحتاج إلى ملاكات محدّدة ومعيَّنة كي يخرج من دائرة التفسير بالرأي. إنَّ أوَّل شرط في التأويل هو رعاية التناسب والارتباط الوثيق بين المعنى الظاهري والباطني. والشرط الثاني للتأويل الصحيح، رعاية النظم والدقَّة في فرز خصائص الكلام الذي يتمُّ تأويله، وتجريده من القرائن الخاصَّة؛ كيما تتَّضح حقيقته ولبابه في قالب المفهوم العامِّ. وهذا الشرط هو الذي يتمُّ التعبير عنه في المنطق تحت عنوان «السبر والتقسيم»، وفي الأُصول بعنوان «تنقيح المناط». والشرط الأهمّ والأخير في صحَّة التأويل للوصول إلى المعنى الباطني للآية، هو أنْ يكون المفهوم المستنبط بحيث تكون نسبته إلى مورد الآية هي نسبة العامِّ إلى الخاصِّ. بمعنى أنْ يكون مورد الآية واحدًا من مصاديق المفهوم المستنبط[3]. وعلى هذا الأساس فإنَّ تأويل القرآن ليس كما يدَّعي الدكتور الجابري -في قوله: إنَّه مزاجي وذوقي بالكامل ولا يستند إلى معيار- بل إنَّه يشتمل على قواعد وضوابط.

ومن هنا يمكن تقسيم العرفاء في حقل التأويل إلى مجموعتين؛ مجموعة ناجحة، ومجموعة غير ناجحة. ويُعَدُّ أبو محمّد سهل بن عبد الله التستري (المتوفَّى سنة

(100)

283هـ)، وأبو عبد الرحمن السلمي (المتوفَّى سنة ٤١٢هـ)، وأبو القاسم القشيري (المتوفَّى سنة 465هـ)، ورشيد الدِّين الميبدي (من أعلام القرن السادس للهجرة)، في زمرة العرفاء الناجحين في التأويل، كما يُعَدُّ محيي الدِّين بن عربي (المتوفَّى سنة 638هـ) في زمرة العرفاء غير الناجحين في التأويل[1].

الخواطر الذهنيَّة والتداعي المفهومي:

يقول الدكتور الجابري:

إنَّ أُسلوب العرفاء في التأويل هو أُسلوب المماثلة. ولكن لا بدَّ من الالتفات إلى أنَّ العرفاء أثناء الاستماع أو تلاوة الآيات القرآنيَّة يحظون في بعض الحالات بعناية الحقِّ تعالى، وتظهر لهم إفاضات وإشراقات ملكوتيَّة تُلهِمهم التعمُّق في الآيات الإلهيَّة. إنَّ هذا النوع من الإلهامات والإفاضات الملكوتيَّة إنَّما يحصل من طريق تداعي المعاني، وليس له جهة تفسيريَّة أبدًا؛ لكي يُعَدّ من التفسير بالرأي أو التحميل على القرآن. إذ إنَّ هذه المفاهيم إنَّما تخطر على ذهن العارف وقلبه أثناء الاستماع إلى القرآن، لا أنْ يكون العارف منذ البداية قاصدًا تفسير القرآن أو تأويله على هذه الشاكلة[2].

ملاك قبول التأويلات:

لقد نقل الجابري بعض أنواع التأويل عن الأئمَّة الأطهار عليهم‌السلام، ثمّ قال: إنَّ هذه التأويلات وإنْ كانت مقبولة من وجهة نظر الشيعة؛ لكونها صادرة عن المعصوم من وجهة نظرهم، إلَّا أنَّها تحتاج إلى إثبات بالنسبة إلى الناظر الخارجي.

وفي معرض الجواب عن الدكتور الجابري لا بدَّ من القول: أوَّلًا: إنَّ للتأويل

(101)

ضوابط تقدَّم بيانها في الفقرة السابقة، ويمكن نقد جميع التأويلات ومناقشتها على أساس تلك الضوابط. وثانيًا: إنَّ الشيعة لا يقبلون قول المعصوم عن عصبيَّة كما توهَّم الدكتور الجابري، بل إنَّ الشيعة يرون قبل كلِّ شيء وجوب إثبات وصيَّة الإمام وعصمته بالأدلَّة النقليَّة والبراهين العقليَّة؛ ليتمَّ بعد ذلك تقييم ما يُنسَب إلى الأئمَّة من الروايات، ليتمَّ على أساسها رفض أو قبول هذه التأويلات المنسوبة إلى الإمام المعصوم عليه‌السلام. ومن الواضح أنَّ هناك منطقًا يحكم هذا التفكير، ويخضع له حتَّى غير الشيعة من أُولئك الذين يُسمِّيهم الدكتور الجابري بالناظر الخارجي.

اعتبار الإسماعيليَّة والشيعة الإماميَّة تيَّارًا واحدًا:

يقول الدكتور الجابري: إنَّ القاضي نعمان في تأسيس أُصول الشيعة، قد بدأ من حيث بدأ الشافعي. ثمّ قال: إنَّ القاضي نعمان الإسماعيلي يوجب عدم استخدام العقل في أُمور الدِّين، ويطرح بحث السؤال من أهل الذكر وإطاعة أُولي الأمر. ثمّ عمل الدكتور الجابري على تعميم هذا الرأي من القاضي نعمان على عموم الشيعة؛ في حين أنَّ الأُصوليِّين من علماء الشيعة يذهبون - خلافًا لتوهُّم الدكتور الجابري - إلى وجوب استعمال العقل.

العلاقة بين العرفان الشيعي والسياسة:

ذهب الدكتور الجابري إلى الادِّعاء بأنَّ عرفاء الشيعة قد وظَّفوا العرفان في خدمة السياسة، في حين أنَّ العرفان الشيعي إنَّما يُؤدِّي إلى بلورة النظريَّة السياسيَّة التي تناسبه، وهذا من ظرفيَّات العرفان الشيعي؛ [إذ يُوظِّف السياسة في خدمة قضيَّته][1]، لا أنَّه يعمل على توظيف العرفان في خدمة السياسة.

(102)

إنَّ العارف الشيعي وإنْ كان يُوجِّه همَّته إلى باطن العالم، إلَّا أنَّ اتِّجاهه نحو الباطن ليس على شاكلة الإعراض عن الظاهر والعدول عنه. وذلك لأنَّ الباطن والظاهر على الرغم من امتيازهما من بعضهما، ليسا أمرين مختلفين ويمكن فصلهما عن بعضهما. إنَّ سلوك العارف إلى الباطن يتمُّ من خلال الظاهر، ومن هنا فإنَّ الفلاح والسعادة التي يبحث عنها العارف في سلوكه الباطني ليس منفصلًا عن سلوكه وعمله الظاهري. إنَّ كلَّ عمل يقوم به العارف في الظاهر له باطن، وإنَّ هذا العمل يترك أثره على السلوك الباطني للعارف بما يتناسب مع باطنه، ومن هنا يكون العارف في سلوكه العرفاني مضطرًّا إلى مراقبة أعماله بشدَّة. وإنَّ الأثر الأوَّل لهذه الرؤية هو نفي الرؤية العلمانيَّة والدنيويَّة إلى السياسة. بمعنى أنَّ العارف يرى أنَّ مساحة الحياة السياسيَّة والاجتماعيَّة كما هي عمل دنيوي هي بالمقدار نفسه عمل أُخروي وعرفاني أيضًا. بل إنَّه في قياس نسبة الظاهر والباطن يصرُّ على عظمة الأبعاد المعنويَّة والسماويَّة للسلوك السياسي للإنسان. إنَّ العرفاء المسلمين في هذه الرؤية إنَّما ينطلقون من التأثُّر بالتعاليم القرآنيَّة والإسلاميَّة. إنَّ القرآن الكريم يصف الذين يقاتلون في سبيله ويدافعون عن حياض المجتمع الدِّيني بوصفهم أشخاصًا يُحِبُّهم الله سبحانه وتعالى: (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ)[1]. وإنَّ النبيَّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله يرى أنَّ رهبانيَّة أُمَّته عبارة عن تفانيها الاجتماعي: «إنَّما رهبانيَّة أُمَّتي الجهاد في سبيل الله»، ويرى أنَّ الاهتمام بشؤون المسلمين دليلًا على الإيمان: «من أصبح لا يهتمُّ بأُمور المسلمين فليس بمسلم»[2][3].

(103)
البيان الناقص للكيمياء:

إنَّ الدكتور الجابري قد عمل -خلافًا لما تعهَّد به في بداية مشروعه من تحليل آليَّة إنتاج المعرفة في العالم العربي من خلال الاتِّجاه الإبستمولوجي والمعرفي- على نقد التشيُّع والتصوُّف والكيمياء، دون أنْ يلتفت إلى أدواتهم الذهنيَّة التي تُؤدِّي إلى تبلور النظريَّات الخاصَّة بهم[1]. يعمد الدكتور الجابري إلى إدراج علم الكيمياء ضمن العلوم السرّيَّة التي تُنكِر الروابط العلّيَّة بين الأشياء، وتجعل من قلب الأعيان وخرق العادات أمرًا ممكنًا.

إنَّ الكُتُب الأُولى التي تمَّت ترجمتها إلى اللغة العربيَّة في العصر الفاطمي هي كُتُب الكيمياء. وإنَّ أوَّل من اشتغل واهتمَّ بهذا العلم هو خالد بن يزيد الملقَّب بـ «حكيم آل مروان». إلَّا أنَّ الشخص الأكثر شهرةً بالمطلق والذي اتَّخذ من الكيمياء حرفةً له هو جابر بن حيَّان. وإنَّ الغاية الأهمّ التي كانت تُنشَد من وراء علم الكيمياء هي العثور على مذيِّبٍ عامٍّ لجميع العناصر، وأنْ يتمَّ من خلال هذا العلم اكتشاف مادَّة تُحوِّل المعادن إلى ذهب، وأنْ يتمَّ الحصول على إكسير لعلاج جميع الأمراض والأوبئة. بيد أنَّ هذه الجهود أدَّت في طريقها إلى اكتشافات هامَّة، من قبيل: اكتشاف أساليب التقطير، والترشيح، والتكليس، والتحويل، والتبخير، والتصعيد، والتذويب، والتبلور، واكتشاف الكحول، والقلويات، والنشادر، ونيترات الفضَّة، والراسب الأحمر (أُوكسيد الزئبق)، والصوديوم، والتيزاب، ولا تزال بعض هذه العناصر تحتفظ بأسمائها العربيَّة ممَّا يدلُّ على منشأ اكتشافها. كما كانت للمسلمين ريادة في علم الأدوية والعقاقير، حيث كانوا من المؤسِّسين في هذا المجال، وبلغوا مرحلة متقدِّمة في معرفة خصائص الأدوية سواء تلك التي لها

(104)

جذور نباتيَّة أو معدنيَّة أو حيوانيَّة[1]. إنَّ جابر بن حيَّان الذي كان يعمل للبرامكة في بلاط هارون الرشيد وكان من خاصَّة أصحاب الإمام الصادق عليه‌السلام، قد توصَّل إلى اكتشافات علميَّة هامَّة، ومن بينها: أسيد السولفوريك (حامض الكبريتيك)، وهيدروكسيد الصوديوم، والزئبق، والإثمد[2]. وعلى هذا الأساس لا يمكن اعتبار مجرَّد الاتِّجاه نحو علم الكيمياء دليلًا على هيمنة العقل المستقيل، وتجاهل نتائجه العلميَّة بالمرَّة.

4 - نقد تحليل الجابري للنظام المعرفي البرهاني:

التقليل في أهداف الأنظمة المعرفيَّة:

يرى الدكتور الجابري أنَّ الغاية من النظام المعرفي البياني هي تقديم تصوُّر عن العالم، وأنَّ الغاية من النظام المعرفي العرفاني هي الاتِّحاد مع الله، وأنَّ الغاية من النظام المعرفي البرهاني هي الوصول إلى المعرفة اليقينيَّة، وفي الوقت نفسه يذهب الدكتور الجابري -من خلال بيان بعض أوجه الشبه في الأُسلوب والاتِّجاه- إلى إدراج النحو والفقه والكلام ضمن مجموعة واحدة من النظام المعرفي البياني، وبعد بيان هذا التشابه ذهب إلى استنتاج الاشتراك في الأهداف والغايات. ولكن يجب القول: إنَّ أهداف هذه العلوم وغاياتها مختلفة، فإنَّ علم النحو يندرج ضمن العلوم اللغويَّة والغاية منه فهم معنى النصِّ، وأمَّا الفقه والكلام -على حدِّ تعبير الدكتور الجابري- فإنَّهما يندرجان في زمرة الحكمة العمليَّة والعلوم الاعتباريَّة (في مقابل العلوم الحقيقيَّة)، وقد تمَّت بلورتهما لغاية تنظيم سلوك

(105)

الإنسان. وأمَّا الفلسفة والعرفان فيندرجان في زمرة الحكمة النظريَّة، ولغاية تقديم معرفة يقينيَّة عن العالم. وعلى هذا الأساس فإنَّ رؤية الدكتور الجابري تنطوي على مغالطة؛ حيث يسعى إلى أنْ ينسب اليقين إلى العلوم البرهانيَّة، وإضعاف البُعد المعرفي من العرفان. ومن الجدير ذكره أنَّ الكلام -من وجهة نظر الفلاسفة المسلمين- يندرج بدوره ضمن الحكمة النظريَّة أيضًا، ومن هذه الناحية فإنَّ الكلام يشترك في الهدف والغاية (تقديم المعرفة) مع الفلسفة والعرفان أيضًا.

اعتبار الفلسفة الإسلاميَّة أيديولوجيا:

يذهب الدكتور الجابري إلى القول بأنَّ فلسفة الفارابي فلسفة أيديولوجيَّة، وأنَّ فلسفة ابن سينا فلسفة هرمسيَّة، وأنَّ فلسفة ابن رشد وحدها هي الفلسفة الخالصة والتي تُمثِّل شرحًا دقيقًا لأُرسطو دون تدخُّل أو تصرُّف. بيد أنَّ الدكتور الجابري لا يُبيِّن مراده من الأيديولوجيا. ولكنَّه من ناحية يعتبر التفكير بشكلٍ عامٍّ متأثِّرًا بالمجتمع والنظام السياسي، ومن ناحية أُخرى يعدُّ المشاريع المعرفيَّة التي تتمُّ بمقترح من الحكومات والدول أيديولوجيًّا. ومن هنا فإنَّه يعتبر المشروع الفكري لأشخاص مثل الغزالي مقترحًا حكوميًّا، ومن هنا فإنَّه يعدُّه أيديولوجيًّا. ولكنه على الرغم من عدم اعتباره المشروع الفكري للفارابي وابن سينا مقترحًا حكوميًّا، إلَّا أنَّه يعتقد أنَّ الهواجس التي كان يحملها الفارابي أدَّت إلى إدخال فلسفة أُرسطو إلى الثقافة العربيَّة بشكل انتقائي ومحرَّف. كما كان ابن سينا متأثِّرًا بالتيَّار الهرمسي، وقد عرَّض الفلسفة إلى الانحراف. وفي المقابل فإنَّ ابن رشد رغم أنَّه كان يمارس التحقيق بتوصية من الحكومة ولكنَّه كان يتمتَّع بتوجُّه انتقادي، الأمر الذي أدَّى إلى عدم أدلجة مشروعه.

في حين أنَّ الدكتور الجابري نفسه يقرُّ بأنَّ ابن رشد قد سعى بدوره إلى تأويل

(106)

المنظومة الفلسفيَّة لأُرسطو بحيث لا يعمل على تحريفها من جهة، ويعمل من جهة على رفع ما يتعارض منها مع المفاهيم الإسلاميَّة بوضوح[1]. الأمر الآخر أنَّ الدكتور الجابري نفسه يسعى إلىٰ تأصيل النظريَّات الغربيَّة، ويعمل على تحديث آراء المتقدِّمين، ويرى أنَّ النظريَّات الغربيَّة لا يمكن لها أنْ تحلَّ مشاكلنا إلَّا بعد العمل على تأصيلها، بل إنَّه يعمل على تأصيل حتَّى المفاهيم أيضًا. وقد تحدَّث مفكِّرون آخرون من أمثال طه عبد الرحمن عن ضرورة تأصيل أيضًا، وقام بعض العلماء من أمثال ابن حزم -من الذين يمتدحهم الدكتور الجابري- بالعمل على تأصيل المنطق، ومع ذلك لا يَسمُه الجابري بمَيسم الأيديولوجيا. وعلى هذا الأساس فإنَّ التأصيل بحث معرفي ولا يمكن العمل على نفيه وإلغائه بوصمة الأيديولوجيا.

يرى طه عبد الرحمن أنَّ التقليد الفلسفي قد بدأ منذ دخول الفلسفة الإغريقيَّة إلى العالم الإسلامي، وقد استمرَّ هذا المسار التقليدي إلى هذه اللحظة باستثناء بعض الفترات. فهو يرى أنَّ تسلُّل المعارف من الثقافات والحضارات الأُخرى إلى صلب الحضارة والثقافة الإسلاميَّة دون تأصيلها، يُؤدِّي إلى ظهور الأُمور الناشزة وإضعاف وذبول التفكير الإسلامي، وقد عمل على ترويج الأمر ذاته بشأن الفلسفة أيضًا، حيث قال:

إنَّ الفلسفة حيث لم يتمّ تأصيلها على طبق المقتضيات اللغويَّة والاعتقاديَّة والمعرفيَّة في العالم الإسلامي، فإنَّها ظلَّت تبدو كما هي رقعة ناشزة في نسيج التفكير الإسلامي، كما أدَّت إلى عقم التفلسف في العالم الإسلامي، وما لم تتحرَّر الأُمَّة الإسلاميَّة من قيود الفلسفات غير المؤمِّمة، لن تتوفَّر الأرضيَّة المناسبة للحرّيَّة الفكريَّة وإحياء الحضارة[2].

(107)

وبعبارة أُخرى: إنَّه يرى أنَّ الفلسفة -إذا كان مراده منها فلسفة الفارابي- تقليديَّة، ويذهب إلى الاعتقاد بأنَّه كان يجب التدخُّل والتصرُّف في الفلسفة والعمل على تأصيلها، وهذا هو الشيء الذي يدعوه الدكتور الجابري بالأدلجة.

وبشكلٍ خاصٍّ فإنَّ ابن حزم من خلال تأليفه لكتاب «التقريب لحدِّ المنطق» قام بتدخُّل وتصرُّف وجرح وتعديل أساسي في منطق أُرسطو. وقد عرَّف وظيفة المنطق بأنَّها وظيفة بيانيَّة، وأكَّد على أنَّ المنطق يبحث كيفيَّة وقوع الأسماء على مسمَّياتها. وبعبارة أُخرى: إنَّ وظيفة المنطق تكمن في طريقة التسميات[1]. وبهذا التعريف ينفتح باب اللغة أيضًا؛ إذ المنطق لا يعود مجرَّد بحث التفكير، وإنَّما يغدو هو بحث التفكير من طريق اللغة؛ إذ إنَّ كيفيَّة وقوع الأسماء على مسمَّياتها إنَّما ترتبط بشكل أساسي باللغة. ومع ذلك فإنَّ ابن حزم يذهب إلى القول بالفصل بين اللغة والمنطق رؤية خاطئة، ولا يمكن اعتبار المنطق بوصفه آلة قانونيَّة تعصم مراعاتها الذهن من الخطأ في التفكير، ولا يوجد طريق إلى معرفة حقيقة الأشياء دون وساطة من الألفاظ واللغة. وحيث إنَّ اللغة مقدّمة على المنطق، وإنَّ لكلِّ لغة مقتضياتها المفهوميَّة، يذهب ابن حزم إلى الاعتقاد بأنَّ معياريَّة المنطق إنَّما تكون مقبولة في حقل تلك اللغة التي تمخَّضت عنه، ويلزم من تقدُّم اللغة على المنطق، حيث ينفتح الحديث على النحو أيضًا[2]. وعلى الرغم من كلِّ هذا التدخُّل والتصرُّف من قِبَل ابن حزم في المنطق، إلَّا أنَّ الدكتور الجابري لا يرى تفكيره أيديولوجيَّة، في حين أنَّ الفارابي قام بما يشبه مشروع ابن حزم وجميع المفكِّرين المستنيرين، ومن هنا فإنَّهم يُسَمُّون فلسفته فلسفة إسلاميَّة، وبالمناسبة

(108)

فإنَّ التفكير إذا لم يتأمَّم، فإنَّه سوف يستدعي الكثير من المشاكل المعرفيَّة وغير المعرفيّة، وهذا هو التفكير التقليدي.

تجاهل الأبحاث التجريبيَّة لابن سينا:

إنَّ الدكتور الجابري يتَّهم ابن سينا بالهرمسيَّة، وينسب الهرمسيَّة إلى أُمور غيبيَّة تعجز عن الاهتمام بالطبيعة واكتشاف العلل وأسباب الظواهر، في حين أنَّ ابن سينا على الرغم من انتماءاته الصوفيَّة، يُعَدُّ طبيبًا فطحلًا قام بتحوُّلات عميقة في تاريخ الطبِّ. وفي منظومته الفلسفيَّة لم يكن غير مهتمٍّ بالأُسلوب التجريبي فحسب، بل وإنَّه من خلال وضعه الأُسلوب التجريبي في موضعه الخاصِّ، والتفاته إلى حدود الأساليب المختلفة، خلق ظرفيَّة كبيرة للعلم التجريبي. وقد ذهب إلى الاعتقاد بأنَّ الأُمَّة الوسط قد وفت بحقِّ كلِّ ذي حقٍّ، حيث ترى الحواسَّ وكذلك القوى الباطنة شبكة للاصطياد، حيث تعمل كلُّ واحدة منها على توظيف كلِّ شيء في مجال عمله، وترى العقل النظري مستنبطًا أيضًا، ولا ترتضي تعطيل العقل العملي، وترى ما فوق طور العقل فوق جميع المراحل، ولا تراه عاريًا عن الحلية والمنطق والبرهان[1]. وهناك من بين مؤلَّفات ابن سينا ما اكتسب شهرة عالميَّة، من قبيل: الشفاء في الفلسفة، والقانون في الطبِّ. وظلَّ كتاب القانون من أهمّ الكُتُب الطبّيَّة على مدى قرون من الزمن. وقبل ابن سينا تمَّ تأليف كتابين هامَّين في الطبِّ في الحقل العلمي في العالم الإسلامي، وهما: كتاب الحاوي لمحمّد بن زكريا الرازي، وهو الآخر متَّهم بالهرمسيَّة من وجهة نظر الدكتور الجابري أيضًا، وكتاب كامل الصناعة الطبّيَّة أو الكتاب الملكي لعليِّ بن عبَّاس المجوسي. بيد أنَّ كتاب القانون

(109)

لابن سينا كان على مدى قرون -سواء في العالم الإسلامي أو في القارَّة الأُوروبيَّة- هو الكتاب الذي طغى على جميع الكُتُب الطبّيَّة الأُخرى[1]. إنَّ كتاب القانون يحتوي على مسائل في القوانين العامَّة للطبِّ والأدوية والعقاقير المركَّبة وغير المركَّبة والأمراض المختلفة. وقد تمَّت ترجمة هذا الكتاب إلى اللغات اللَّاتينيَّة مع بداية حركة الترجمة، كما تمَّت ترجمته حتَّى الآن إلى اللغة الإنجليزيَّة والفرنسيَّة والألمانيَّة أيضًا. وقد كان كتاب القانون يُعَدُّ لفترات طويلة منهجًا دراسيًّا في الطبِّ؛ حيث يُدرَّس في الجامعات الأُوروبيَّة، وكان يتمُّ تدريسه حتَّى عام 1650م بالإضافة إلى كُتُب جالينوس وموندينو في جامعة لوبون ومون بيليه. وقد بلغت شهرة واعتبار كتاب القانون في المحافل الطبّيَّة في العالم الإسلامي حدًّا قال معه النظامي:

لو بُعِثَ بقراط وجالينوس إلى الحياة لكان حقًّا عليهما أنْ يسجدا لهذا الكتاب[2].

كما أنَّ لابن سينا مؤلَّفات أُخرى في علم الطبِّ -غير كتاب القانون- ومن بين أهمّها: الأُرجوزة في الطبِّ، وهي منظومة من 1326 بيتًا. وقد أورد ابن سينا فيها خلاصة المسائل المذكورة في كتاب القانون. وفي القسم الأوَّل والعامِّ منه يتعرَّض إلى بيان المطالب الآتية:

1 - الفسيولوجيا وأمراض الأعضاء المتشابهة الأجزاء في البدن (الأبيات 213 فما بعد).

2 - أسباب الأمراض (الأبيات 238 فما بعد).

(110)

3 - علامات الأمراض (الأبيات 306 فما بعد).

وفي القسم الثاني الخاصِّ بالطبِّ العملي، يتمُّ تناول المسائل الآتية:

1 - الصحَّة والنظام الغذائي السليم والحركات الرياضيَّة (الأبيات 780 فما بعد).

2 - استعادة الصحَّة (الأبيات 989 فما بعد).

3 - الجراحة (الأبيات 1252 فما بعد).

كما صدرت ترجمة نصِّ الأُرجوزة مع ترجمتها إلى اللغة الفرنسيَّة واللَّاتينيَّة التي ترقى إلى القرن الثالث عشر للميلاد، بجهود من هنري جائييه وعبد القادر نور الدِّين في باريس سنة 1956م. هذا وأنَّ لابن سينا عددًا من الأُرجوزات الأُخرى في المسائل الطبّيَّة، وينبغي أنْ نذكر من بينها: «أُرجوزة لطيفة في قضايا بقراط الخمس والعشرين»، حيث يخوض في كتاب منتَحل لبقراط باسم «أسرار بقراط أو صندوق العاج»[1].

يُضاف إلى ذلك أنَّ لابن سينا مؤلَّفًا بعنوان «مقالة في أحكام الأدوية القلبيَّة»، كتبه باسم الشريف السعيد أبو الحسن بن الحسني، وهو يشتمل على قسمين. وفي القسم الأوَّل والعامِّ منه يحتوي على مسائل نظريَّة تتعلَّق بالفسيولوجيا والوظائف والأمراض القلبيَّة، وكذلك تأثير الاهتياج العاطفي (من قبيل: السرور، والحزن، والعُزلة، والخوف، والغضب، والكراهيَّة) على نشاط القلب. وفي قسمٍ خاصٍّ منه يدخل ابن سينا في وصف الأدويَّة والعقاقير المفيدة لتنظيم نشاط القلب، ويُعدِّد أسماء هذه الأدوية بحسب التسلسل الأبجدي. وبالإضافة إلى ذلك يمكن لنا أنْ نُسمِّي: «رسالة القوى الطبيعيَّة»، و«رسالة في الفصد»، و«رسالة معرفة التنفُّس

 

(111)

والنبض»، و«رسالة في البول»، و«رسالة شطر الغبِّ» (حول الحمَّى الدوريَّة)، و«رسالة في القولنج»، و«رسالة في ذكر عدد الأمعاء»، وغيرها من الرسائل الأُخرى.

وقد عمد ابن سينا بعد ذلك إلى تقسيم الطبِّ إلى قسمين: عملي ونظري، ويرى أنَّ البحث في حقل المسائل النظريَّة ليس من مهمَّة الأطبَّاء، وهو على الدوام يحظر على الأطبَّاء الدخول في مناقشتها وحتَّى الخوض فيها، ويرى أنَّ المناقشة في هذه الأُمور لا تنفع الطبيب، ويرى أنَّ معرفة حقيقتها إنَّما تتناسب مع أُصول صناعة أُخرى، وهي أُصول المنطق[1]. وبالتالي فإنَّه قد صرَّح في موضع آخر قائلًا بأنَّ الطبَّ من حيث هو طبٌّ، لا ينبغي أنْ يكون بصدد معرفة الحقيقة (بين نظريَّتي أُرسطو وجالينوس)، بل إنَّ هذا الأمر من مهامِّ الفيلسوف أو عالم الطبيعة[2].

وهو يقول:

في بعض هذه الأُمور (الطبّيَّة)، يجب على الطبيب أنْ يكون لديه مجرَّد تصوُّر علمي عنها، وعليه أنْ يؤمن بـ «هليَّة» وجودها بوصفها من الأُصول الموضوعة من قِبَل علماء الطبيعة؛ وذلك لأنَّ مبادئ العلوم الجزئيَّة أُمور مسلَّمة، ويتمُّ إثباتها وإيضاحها ضمن البراهين في علوم أُخرى، وبذلك تتسامى وتزدهر حتَّى تصل مبادئ جميع العلوم إلى مرحلة الفلسفة الأُولى (الحكمة الأُولى)، وهي التي تُسمَّى بـ «علم ما بعد الطبيعة».

ثمّ يضيف ابن سينا بعد ذلك قائلًا:

إنَّ جالينوس عندما يسعى إلى البرهنة على هذه الأُمور، لا يروم أنْ يبرهن عليها بوصفه طبيبًا، وإنَّما يريد البرهنة عليها بما هو فيلسوف ويتحدَّث عن علوم

(112)

طبيعيَّة. كما هو الأمر بالنسبة إلى الفقيه، عندما يسعى إلى إثبات صوابيَّة وجوب التبعيَّة للإجماع، لا يُثبِته بوصفه فقيهًا، وإنَّما بوصفه متكلِّمًا، بيد أنَّ الطبيب بما هو طبيب والفقيه بما هو فقيه، لا يمكن لهما البرهنة على هذه الأُمور، وإلَّا لزم من ذلك محذور «الدور»[1].

إنَّ أُسلوب ابن سينا الطبّي يقوم على المشاهدات السريريَّة. ابتداءً من الأمراض الجلديَّة والرئويَّة إلى اختلالات السلسلة العصبيَّة وأنواع الجنون[2]. وإنَّ الخصوصيَّة الأُخرى في أُسلوب ابن سينا ومنهجه في القانون تستند إلى التجربة وتطبيق العلاجات. وقد وضع في بداية القسم المرتبط بالأدوية سبع قواعد، حيث يجب على أساسها تطبيق الأساليب التجريبيَّة لتعيين خصائص وتأثير الأدوية والتوصية باستعمالها في الأمراض[3].

وعليه فإنَّ ابن سينا يفصل بين مقام الفلسفة والعرفان والفقه والعلوم الطبيعيَّة، وعلى الرغم من أنَّه يقيم علاقة منطقيَّة بين هذه العلوم، ولكنَّه يُحذِّر من التداخل فيما بينها. كما أنَّه في حقل الطبِّ يعمل من خلال الاتِّجاه التجريبي والمنسجم مع المباني الفلسفيَّة -بطبيعة الحال- على البحث والتحقيق، وقدَّم إبداعات واكتشافات وأساليب تستحقُّ الإشادة والثناء. بيد أنَّ الدكتور الجابري يتجاهل كلَّ ذلك ويمرُّ به مرور الكرام، ويعدُّ منظومته الفلسفيَّة عاجزة عن الاهتمام بالعلل والأسباب.

(113)
نقد طريقة حلِّ الجابري:

يسعى الدكتور الجابري من خلال رسم تاريخ واحد ومتواصل للتفكير المغربي وارتباطه بسياسة الدولة الأُمويَّة في الأندلس، إلى التعريف بالتفكير المغربي بوصفه واقعًا تحت النظام المعرفي البرهاني ومرتبطًا بفيلسوفي الأندلس، وهما: ابن باجة وابن رشد، في حين أنَّ التفكير العرفاني والبياني كان موجودًا في هذا القسم أيضًا. وأنَّ ابن حزم، والشاطبي، وابن خلدون، كانوا ـ خلافًا لما توهَّمه الدكتور الجابري ـ من القائلين بأصل التجويز دون السببيَّة، ويقيمون في ذيل النظام المعرفي البياني، كما أنَّ ابن الطفيل بدوره كان يُمثِّل النظام المعرفي البياني أيضًا[1].

من ذلك أنَّ ابن حزم ـ على سبيل المثال ـ يذهب إلى الاعتقاد بأنَّ ثبات الطبائع والارتباط فيما بينها ليس نتيجة للضرورة والحتميَّة النسبيَّة ـ كما توهَّم الفلاسفة- وإنَّما هو نتيجة للأمر الإلهي. وهذه هي السُّنَّة الثابتة التي لا يتطرَّق لها التبديل والتحوُّل أبدًا، ومن هنا فإنَّه يُجيز المعجزة وخرق القوانين[2]. كما أنَّ الشاطبي ينتقد أُسلوب الفلاسفة، ويعتبره مذمومًا من الناحية الشرعيَّة[3]. ومراد الشاطبي من السببيَّة هو مفهومها ومعناها الأشعري؛ حيث ينسب جميع الأفعال إلى الله، ويُفسِّر السببيَّة بالعادة[4]. كما تعرَّض ابن خلدون إلى إبطال الفلسفة، ولا يُبدي ارتياحًا تجاه بعض العلوم الأُخرى، من قبيل النجوم، بل يقول: من الأجدر تحريم هذه الصناعات على عموم سُكَّان المجتمعات والمُدُن؛ لأنَّ هذا النوع من العلوم يعود بالضرر على الدِّين. وقد عدَّ الفارابي وابن سينا من الضالِّين البارزين

(114)

في التاريخ[1]. فكيف يمكن إدراجه وفلاسفة مثل ابن رشد تحت سقف واحد؟! لو سلَّمنا أنَّ مراده من نقد الفلسفة هو نقد الفلسفة المشرقيَّة لابن سينا؛ إذن لماذا يعمد ابن خلدون إلى تفضيل التصوُّف، ويعمل على ترجيح العلوم النقليَّة؟ وهذه من العلوم التي يتحدَّث عنها بالتجليل والتقديس، وكذلك يعترف بعلوم السحر أيضًا. يُضاف إلى ذلك فإنَّ مفهوم السببيَّة من وجهة نظر ابن خلدون يخالف فهم الفلاسفة لهذا المعنى. فإنَّ ابن خلدون يُفسِّر السببيَّة بمعنى العادة، ولا يطيق تحمُّل الضرورة والحتميَّة[2]. إنَّ ابن خلدون يتمسَّك بالأُسلوب والمنهج النقلي حتَّى فيما يتعلَّق بعلم العمران أيضًا. وإنَّ ابن الطفيل في الحكم الأُموي في الأندلس -حيث يزعم الدكتور الجابري أنَّه يتمسَّك بالنظام المعرفي البرهاني من أجل مواجهة العبَّاسيِّين والفاطميِّين- كان يتولَّى منصبًا سياسيًا هامًّا، في حين أنَّ لابن الطفيل انتماءً عرفانيًّا وباطنيًّا واضحًا وصريحًا[3]. وعلى هذا الأساس فإنَّه على الرغم من أنَّ المباني والأدلَّة التي يسوقها الدكتور الجابري وكذلك الشواهد التاريخيَّة التي يذكرها، قابلة للخدش والردِّ، لا يمكن الجمع بينها وبين العلماء الذين يذكرهم ويعتبر طريق الحلِّ يكمن في الرجوع إليهم.

إنَّ سبب إعراض المسلمين عن العلوم الطبيعيَّة الذي أدَّى إلى تخلُّف العالم الإسلامي وهيمنة الكفر عليه، لا يكمن في قيمة العقل، بل إنَّ سبب انحطاط وتخلُّف المسلمين يعود إلى إعراضهم عن الدِّين القويم والقرآن الكريم. يذهب مالك بن نبي إلى القول بأنَّ الطريق الوحيد في حلِّ أزمة التخلُّف يكمن في عمليَّة

(115)

الإصلاح الثقافي. وهو يرى أنَّ القابليَّة للاستعمار هي التي عملت على تشويه روح الأُمَّة الإسلاميَّة. يذهب مالك بن نبي إلى الاعتقاد بأنَّ الحالة الاستعماريَّة الموجودة في المجتمعات الإسلاميَّة، قبل أنْ تكون معلولة للممارسات والانتماءات السياسيَّة للحُكَّام ورجال السياسة في المجتمعات المسلمة، إنَّما يمكن العثور على جذورها في قابليَّة الشعوب المسلمة للاستعمار، ويرى أنَّ نوع الحاكميَّة الموجودة في المجتمعات الإسلاميَّة تُمثِّل تابعًا للشرائط الداخليَّة والروحيَّة للمسلمين في العصر الحاضر[1]. ويرى مالك بن نبي حتَّى العوامل الخارجيَّة للاستعمار بدورها إنَّما تمكَّنت من تحقيق أهدافها وغاياتها استنادًا إلى هذا الواقع الداخلي؛ فلو لم تكون القابليَّة للاستعمار موجودة بين الأُمَّة الإسلاميَّة، لما أمكن للمستعمرين أنْ يتحكَّموا بمصير الحضارة الإسلاميَّة[2]. وعلى الرغم من أنَّ المستعمرين في أغلب الموارد هم الذين عملوا على إيجاد هذه الروحيَّة في المجتمعات الإسلاميَّة، إلَّا أنَّ الطريق الوحيد للخروج من هذا المأزق يكمن على كلِّ حالٍ في القضاء على هذه الروحيَّة المتمثِّلة بالقابليَّة للاستعمار التي انتشرت في عموم المجتمعات الإسلاميَّة الراهنة. وعلى هذا الأساس فإنَّ الواقع الموجود إنَّما يحتاج قبل كلِّ شيء إلى إصلاح ثقافي؛ بمعنى أنَّه يحتاج إلى تحرير النفس وإعتاقها من هذا الهوان الداخلي والقابليَّة للاستعمار، والذي هو بدوره معلول للتحوُّلات الداخليَّة، حيث يجب على الناس أنْ ينهضوا من أجل الحفاظ على كرامتهم الإنسانيَّة تجاه وظائفهم الاجتماعيَّة، وأنْ يخرجوا من قوقعة الأنا والفرديَّة وتأليه الذات. ومن هنا يمكن القول: إنَّ قابليَّتنا للاستعمار تعود إلى تقصيرنا في القيام بمسؤوليَّتنا الاجتماعيَّة[3].

(116)

كما يذهب الدكتور مهدي گلشني إلى القول في خصوص بيان تخلُّف الإسلام وهيمنة الكُفَّار على المسلمين:

إنَّ المسلمين في العصر الحاضر ما هم بالمؤمنين حقيقةً، وقد تجاهلوا مسؤوليَّاتهم ومهامَّهم الإسلاميَّة بالمرَّة. فلا وجود للاتِّحاد فيما بينهم، ولا هم يمتلكون الوعي والمعرفة اللَّازمة التي أوجبها الله عليهم من الولادة إلى لحظة الموت[1].

في هذا المجال ابن الأُخوَّة يقول:

وَهُوَ [أي: الطبُّ] مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، وَلَا قَائِمَ بِهِ مِنْ المُسْلِمِينَ، وَكَمْ مِنْ بَلَدٍ لَيْسَ فِيهِ طَبِيبٌ إلَّا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَلَا يَجُوزُ قَبُولُ شَهَادَتِهِمْ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَطِبَّاءِ مِنْ أَحْكَامِ الطِّبِّ، وَلَا نَرَى أَحَدًا يَشْتَغِلُ بِهِ وَيَتَهَافَتُونَ عَلَى عِلْمِ الْفِقْهِ لَاسِيَّمَا الْخِلَافِيَّاتُ وَالجَدَلِيَّاتُ، وَالْبَلَدُ مَشْحُونٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ مِمَّنْ يَشْتَغِلُ بِالْفَتْوَى وَالجَوَابِ عَنْ الْوَقَائِعِ. فَلَيْتَ شِعْرِي كَيْف يُرَخِّصُ الدِّينُ فِي الِاشْتِغَالِ بِفَرْضِ كِفَايَةٍ قَدْ قَامَ بِهِ جَمَاعَةٌ وَإِهْمَالِ مَا لَا قَائِمَ بِهِ؟.. هَيْهَاتَ قَدْ انْدَرَسَ عِلْمُ الدِّينِ فَاَللهُ المُسْتَعَانُ وَإِلَيْهِ المَلَاذُ بِأَنْ يُعِيدنَا مِنْ هَذَا الْغُرُورِ الَّذِي يُسْخِطُ الرَّحْمَنَ وَيُضْحِكُ الشَّيْطَانَ[2].

إنَّ التركيز على الفقه والأُصول، وتجاهل سائر العلوم، قد أدَّى إلى تنظيم الدِّين والأدوار والوظائف التي يتمُّ إيجادها من قبله على مستوى المجتمع وتركيزها في الغالب على الجماهير الواسعة من الناس العاديِّين، ونتيجةً لذلك لم يبقَ هناك

(117)

في هذه المنظومة الواسعة موضع للعلم والعلماء بالمعنى الواسع للكلمة بشكل نسبي[1]. وهذه المسألة لا تعود إلى التضادِّ الذاتي بين العلوم البيانيَّة وسائر الأنظمة المعرفيَّة الأُخرى، بل هي معلولة للأسباب الخارجيَّة.

وعلى هذا الأساس فإنَّ سبب تخلُّف العالم الإسلامي لا يعود إلى غلبة النظام المعرفي العرفاني والبياني، بل الأمر على العكس من ذلك تمامًا؛ إذ يمكن القول بأنَّ سبب التخلُّف يعود إلى الغفلة عن هذه الأنظمة المعرفيَّة وفصل الحقول المعرفيَّة عن بعضها، وإلَّا فإنَّ هناك في الأنظمة المعرفيَّة البيانيَّة نفسها توصيات ونصائح كثيرة في شأن الجهود والنشاطات العلميَّة.

يُؤكِّد القرآن الكريم على التدبُّر في المخلوقات والظواهر الطبيعيَّة؛ وذلك لأنَّ الإنسان إنَّما يمكنه الاستفادة من قوانين الطبيعة وآثارها وخصائص الكائنات المختلفة لتحسين واقع حياته من خلال التعرُّف عليها. يُؤيِّد ذلك الآيات التي تتحدَّث عن عالم الطبيعة بوصفه مسخَّرًا لخدمة الإنسان[2]. إنَّ الإنسان إنَّما يستطيع تسخير الطبيعة وإخضاعها لسلطانه بواسطة العلم، وبذلك يمكنه أنْ يكون مظهرًا لصفات الله تعالى في هذه الأرض. في حين أنَّ المسلمين قد تجاهلوا هذه الطائفة من الآيات بالمرَّة، وتولَّى الآخرون هذه المسؤوليَّة وأخذوها على عواتقهم[3]. وعليه فليس الأمر بسبب خصائص العقل البياني ـ كما يحلو للدكتور الجابري أنْ يدَّعي ـ ولا بسبب سيطرة الاتِّجاه القِيَمي للقرآن على العقل العربي، بل العكس هو

(118)

الصحيح، فالسبب في ذلك يعود إلى تجاهل القرآن والنزعة التقليليَّة الحاكمة على تفكير بعض الفِرَق الإسلاميَّة.

إنَّ القرآن الكريم في الكثير من آياته المختلفة يُؤكِّد على الاهتمام بالأُمور الحسّيَّة والعينيَّة. إنَّ هناك ما يزيد على العشرة بالمئة -أي ما يقرب من 750 آية من القرآن- من الآيات القرآنيَّة التي تُشير إلى الظواهر الطبيعيَّة[1].

يقول موريس بوكاي: هناك تناسب وتناغم تامٌّ بين آيات القرآن الكريم ومعطيات العلم الحديث. ويذهب بوكاي إلى الاعتقاد بأنَّ القرآن الكريم يحتوي على مطالب علميَّة، لا يمكن أنْ يكون قائلها هو إنسان يعيش في عصر
النبيِّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله[2]، في حين أنَّ المفكِّرين الإسلاميِّين يتجاهلون هذه الطائفة من الآيات، وهذا ليس نقصًا في العلوم البيانيَّة، وإنَّما هو نقص في العلماء البيانيِّين.

(119)
(120)

دراسة العقل العربي وتحليله

من منظار محمّد عابد الجابري[1]

السيِّد محسن ميري[2]

الملخَّص:

تعود جذور تقديم النماذج الجديدة عن العقلانيَّة من قِبَل المفكِّرين المسلمين إلى ما يزيد على قرن من الزمن؛ وذلك بهدف إعادة القابليَّات والمقدَّرات اللَّازمة إلى المجتمع الإسلامي، ومن أجل تدارك أنواع التخلُّف والإخفاقات السابقة، وكذلك من أجل التقدُّم والإبداع في المجالات العلميَّة والثقافيَّة والفنّيَّة والاجتماعيَّة. ومن بين هؤلاء المنظِّرين المفكِّر المغربي محمّد عابد الجابري، وهو إنْ لم يكن من أبرز هؤلاء المفكِّرين، فهو لا شكَّ واحد منهم. ومع الالتفات إلى أنَّ العقل والعقلانيَّة في هذه النماذج تُستَعمل أوَّلًا في معنى معاصر ومختلف بالكامل عن معناه المتعارف قديمًا، وثانيًا بوصفها وسيلة وأداة تُستَعمل في حلِّ الأزمات المعاصرة ومن أجل التقدُّم، يبدو من الضروري أنْ نعمل على دراسة هذه الأبحاث وتحليلها في حقل الدراسات الإسلاميَّة. وفي هذا المقال سوف نقوم بتحليل آراء الجابري ونقدها في حقل بيان أسباب تخلُّف المجتمعات العربيَّة.

(121)

المقدّمة:

بعد أنْ تعرَّف العالم الإسلامي عمومًا - والعالم العربي بشكلٍ خاصٍّ - على تقدُّم الغرب عن كثب[1]، أحسَّ المسلمون أنَّهم متخلِّفون عن الغرب في العلم والتقنيَّة بشكل كبير، وبذلك أخذوا يتساءلون على نحوٍ جادٍّ عن سبب تخلُّفنا وأسباب التقدُّم الخارق والسريع للغرب. ما هي العوامل والأسباب التي أدَّت بالغرب - الذي كان حتَّى القرون القريبة الأخيرة يستفيد على الدوام من المعطيات العلميَّة والتجريبيَّة والثقافيَّة للعلماء المسلمين، وكان مدينًا لهذه العلوم - ليتقدَّم في هذه المجالات ويتفوَّق على المجتمعات الإسلاميَّة على نطاق واسع جدًّا؟ وقد وضعهم هذا السؤال أمام أسئلة أُخرى، من قبيل: ما هو حجم الدور الذي لعبته الثقافة والتراث في ظهور هذه الأزمة؟ وما الذي يجب فعله من أجل حلِّ هذه الأزمة؟ هل هناك من أمل في الخروج من هذه الأزمة من خلال إقامة علقة جديدة بين التراث الثقافي مع التجديد؟

إنَّ هذه الأسئلة ونظائرها، إنَّما تجلَّت بشكل أكبر عندما تواجد الغربيُّون في البلدان الإسلاميَّة بغية استعمارها؛ حيث وقفت الثقافة الغربيَّة والشرقيَّة وجهًا لوجه. ومنذ ذلك الحين وحتَّى هذه اللحظة تصدَّى العلماء والباحثون والمفكِّرون المسلمون وغير المسلمين للإجابة عن هذه الأسئلة على مختلف الاتِّجاهات ومن مختلف الزوايا. تمَّت بلورة الكثير من المشاريع المختلفة على نطاق واسع؛ وقد توزَّعت هذه المشاريع ما بين تلك التي تدعو إلى القوميَّة العربيَّة، أو الاتِّجاهات الاشتراكيَّة والشيوعيَّة والسلفيَّة وما إلى ذلك، ثمّ واجهت هذه المشاريع الكثير من

(122)

الإشكالات والانتقادات بالتدريج، وانكشفت نقاط ضعفها، ثمّ تمَّ طرح مشاريع أُخرى. واستمرَّ الأمر على الوتيرة ذاتها حتَّى حلَّ عقد الستّينيات؛ حيث شهدنا حقبة تبلور مشاريع بعض المفكِّرين من أمثال: حسن حنفي، ومحمّد عابد الجابري[1]، ونظائرهما[2].

ومن بين أصحاب هذه المشاريع، ليسوا قليلين هم أُولئك الذين يرون أسباب تقدُّم الغرب تكمن في إنكار جميع الماضي العلمي والثقافي والمعرفي لهم برمَّته وفي مختلف المجالات، ويقترحون الوصفة ذاتها للمجتمعات الإسلاميَّة، ويذهبون إلى الاعتقاد بأنَّ الوصول إلى المنزلة المناسبة في المرحلة المعاصرة رهن باتِّباع ذات الأُطُر الثقافية والعلميَّة والقِيَم الغربيَّة في الفكر والحياة.

وهناك بطبيعة الحال آخرون يُفكِّرون بشكل مختلف تمامًا، ويأخذون التراث القديم برمَّته بوصفه أصلًا لا يقبل التغيير، ويغمضون أعينهم عن اختلافات المرحلة القديمة عن المرحلة الراهنة. إنَّ هؤلاء لا يكتفون بمجرَّد عدم تقديم حلٍّ

(123)

للخروج من هذه المشكلة، بل لا يعتقدون أساسًا بوجود هذه المشكلة، ويرون أنَّه إذا كان هناك من مشكلة فهي تنشأ من الابتعاد عن الأصالة والنقاء الثقافي للتراث، وكذلك من تأثُّر المجتمعات الإسلاميَّة بالغرب.

وهناك من حاول مسك العصا من الوسط، معتقدًا أنَّه لا يمكن العمل - في مجال التراث والتجديد - على الإثبات المطلق أو النفي المطلق، بل يجب على أساس الأُصول والأُطُر العمل على اختيار وتنظيم جديدين تشتمل فيهما الأُصول الثابتة والمتغيِّرة على العناصر المناسبة والمفيدة في كلتا المساحتين. وفي الحقيقة فإنَّ هذه الرؤية الثالثة تشتمل في واقع الأمر على طيف واسع يحتوي على آراء متنوِّعة ومختلفة.

وفي هذا الخصوص ومن بين المنظِّرين المسلمين المعاصرين هناك مفكِّرون بارزون إذا لم يكن محمّد عابد الجابري من أبرزهم، فهو في الحدِّ الأدنى في مرتبتهم. فهو لما يمتلكه من المعلومات الواسعة والمتنوِّعة، وكذلك معرفته وإحاطته بالآراء الجديدة، قد سعى إلى تقديم نموذج جديد عن العقلانيَّة العربيَّة / الإسلاميَّة، كي يكون بمقدور المجتمع العربي / الإسلامي، من خلال الإبداع والخلق في المجال الثقافي والاجتماعي والعلمي، أنْ يتدارك أنواع التخلُّف والإخفاقات القديمة، ويصل إلى مكانته اللَّائقة.

الجابري في نظرة عابرة:

وُلِدَ محمّد عابد الجابري (1935 - 2010م) في مدينة فكيك الواقعة إلى الشرق من المغرب. وفي أوائل عقد الخمسينيات كان من الناشطين في مكافحة الاستعمار الفرنسي، وكان من قادة حزب الاتِّحاد الاشتراكي للقوى الشعبيَّة ومفكِّريه، حيث

(124)

كان يحمل أفكارًا اشتراكيَّة وماركسيَّة. وقد أمضى فترة قصيرة في السجن مع مجموعة من قادة الحزب، وذلك في عام 1963م. وعندما وصل هذا الحزب إلى السلطة وتوفَّرت الفرصة للجابري في تولِّي منصبًا وزاريًّا، امتنع عن شغل هذا المنصب. وفي عام 1981م استقال من الحزب وترك النشاط السياسي؛ ليتفرَّغ إلى البحث العلمي والدراسات التحقيقيَّة. واصل محمّد عابد الجابري دراسته في حقل الفلسفة، وأتمَّ مرحلة الماجستير سنة 1967م، وفي عام 1970م حصل على شهادة الدكتوراه من كلّية الآداب في جامعة محمّد الخامس في الرباط، وكان عنوان أُطروحته: «العصبية والدولة: معالم النظريَّة الخلدونيَّة في التاريخ العربي والإسلامي». ثمّ مارس التدريس في الكلّيَّة ذاتها. وكانت وفاته سنة 2019م[1].

الأعمال والمؤلَّفات:

العصبيَّة والدولة: معالم النظريَّة الخلدونيَّة في التاريخ الإسلامي؛ أضواء على مشكلة التعليم بالمغرب؛ مدخل إلى فلسفة العلوم (مجلَّدان)؛ من أجل رؤية تقدُّميَّة لبعض مشاكلنا الفكريَّة والتربويَّة؛ نحن والتراث: قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي[2]؛ الخطاب العربي المعاصر: دراسة تحليليَّة نقديَّة؛ تكوين العقل العربي، بنية العقل العربي، السياسات التعليميَّة في المغرب العربي؛ إشكاليَّات الفكر العربي المعاصر؛ المغرب المعاصر؛ الخصوصيَّة والهويَّة.. الحداثة والتنمية؛

(125)

العقل السياسي العربي؛ حوار المغرب والمشرق؛ حوار مع الدكتور حسن حنفي؛ التراث والحداثة: دراسات ومناقشات؛ مقدّمة لنقد العقل العربي؛ المسألة الثقافيَّة؛ المثقَّفون في الحضارة العربيَّة الإسلاميَّة، محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد؛ مسألة الهويَّة: العروبة والإسلام... والغرب؛ الدِّين والدولة وتطبيق الشريعة؛ المشروع النهضوي العربي؛ الديمقراطيَّة وحقوق الإنسان؛ قضايا في الفكر المعاصر (العولمة، صراع الحضارات، العودة إلى الأخلاق، التسامح، الديمقراطيَّة ونظام القِيَم، الفلسفة والمدينة)؛ التنمية البشريَّة والخصوصيَّة السوسيوثقافيَّة؛ حفريات في الذاكرة من بعيد (وهي سيرة ذاتيَّة بقلم المؤلِّف ترصد مرحلة الطفولة حتَّى بلوغ السنة العشرين من عمره)؛ مقدمة تحليلية وشرح على إعادة طباعة مؤلَّفات ابن رشد؛ ابن رشد: سيرة وفكر 1998م؛ العقل الأخلاقي العربي: دراسة تحليليَّة نقديَّة لنظم القِيَم في الثقافة العربيَّة؛ سلسلة مواقف؛ في نقد الحاجة إلى الإصلاح؛ مدخل إلى القرآن الكريم؛ فهم القرآن الحكيم: التفسير الواضح حسب ترتيب النزول[1].

ومنذ عام 1984م فصاعدًا، يتمُّ طرح المشروع الأصلي للجابري، أي نقد العقل العربي، حيث ظهر لاحقًا على شكل كتاب من أربعة أجزاء. والقسم الأوَّل منه كتاب يحمل عنوان تكوين العقل العربي. حيث يتناول الجابري في هذا الكتاب ظهور وتبلور العقل العربي. وهذا الكتاب هامٌّ للغاية، وقد كان له تأثير بالغ على العالم العربي. وبعد ذلك بسنتين (سنة 1986م) ألَّف الجابري كتاب بنية العقل العربي. إنَّ هذين الكتابين يعملان على تكميل بعضهما من الناحية المضمونيَّة. وبعد أربع سنوات من ذلك (سنة 1990م) قام الجابري بنشر الكتاب الثالث من هذا المشروع تحت عنوان نقد العقل السياسي العربي. وفي عام (2001م) صدر

(126)

كتابه نقد العقل الأخلاقي العربي، وبذلك يكون قد أتمَّ مشروعه في نقد العقل العربي، ولكن هذا لم يضع حدًّا لنشاطه العلمي.

لقد أثارت آراء الجابري حول نقد العقل العربي ردود أفعال مختلفة، وصدرت مئات الكُتُب والمقالات والنقاشات في هذا الشأن[1]. وقد تراوحت هذه الانتقادات بين ما هو منصف وما هو مجانب للإنصاف. ومن بين منتقديه يمكن لنا الإشارة إلى كلٍّ من: حسن حنفي، وطه عبد الرحمن، وجورج طرابيشي، ومحمود أمين العالم، وكمال عبد اللطيف، وعليّ حرب، وحسين مروة[2]، وطيِّب تيزيني، ويحيى محمّد. إنَّ جورج طرابيشي وهو من المترجمين المبدعين للكُتُب والأعمال من الغرب إلى

(127)

اللغة العربيَّة، يقول: إنَّه أنفق ثمانية أعوام على أعمال الجابري. وقد عمل على مواجهة آراء الجابري من خلال مشروعه «نقد العقل العربي»، وهو يشتمل على الكُتُب الآتية: نظريَّة العقل (1996م)؛ وإشكاليَّات العقل العربي (1998م)؛ ووحدة العقل العربي الإسلامي (2002م)؛ ومذبحة التراث في العقل العربي المعاصر (1993م[1].

وبعد أنْ أنهى الدكتور محمّد عابد الجابري مشروعه في نقد العقل العربي، انتقل إلى إعادة قراءة فهم القرآن الكريم، وكانت آخر أعمال الهامَّة التي ألَّفها، عبارة عن: مدخل إلى القرآن الكريم، وفهم القرآن الحكيم: التفسير الواضح حسب ترتيب النزول (في ثلاثة مجلَّدات).

نقد العقل العربي:

خلافًا للكثير من أنواع الطرح الفلسفي الفارغ من الحقائق العينيَّة، والتي تتبلور في الخلأ، أو اهتمام المفكِّر بشكل صرف بتبيين عبارات العلماء السابقين وكلماتهم، والبحث في تحليل مضامينها، فإنَّ مشروع الدكتور محمّد عابد الجابري - مثل سائر أعماله - تصبُّ في الإجابة عن الأزمة الراهنة؛ لأنَّ المسألة التي تُشغِل اهتمامه هي مسألة عينيَّة. إنَّ مشكلته الأُولى تتمثَّل بالتخلُّف التاريخي للمسلمين العرب، ومشكلته الأُخرى تكمن في انهيار الشخصيَّة والهويَّة التاريخيّة العربيَّة / الإسلاميَّة، بعد هزيمة البلدان العربيَّة واحتلال الصهاينة للقدس سنة 1967م.

(128)

لقد كانت هذه الهزيمة شديدة الوطأة على العرب، وأخذ العالم العربي ولاسيّما المستنيرين العرب يعانون من الشعور بالذلِّ والهوان الذي لا تزال آثاره باقية عليهم.

يذهب الدكتور الجابري إلى الاعتقاد بضرورة العمل على حلِّ هذه الأزمة التي تسبَّبت في ركودنا وجمودنا وتخلُّفنا، وهذا يتوقَّف على قيامنا بنهضة إصلاحيَّة، وللقيام بهذه النهضة يتعيَّن علينا التأمُّل في العقل الحاكم على التراث العربي. وللوصول إلى هذه الغاية، يبدو من الضروري العمل على إعادة البحث على نطاق واسع في العناصر والمفاهيم والقضايا المرتبطة بالعقل العربي، وكذلك القراءات التي أُنجزت حول العقل العربي على مدى القرن المنصرم. وبذلك يمكن لنا التوصُّل إلى العناصر البنَّاءة وكذلك العناصر والأسباب التي أدَّت إلى الركود والتخلُّف، والعمل بعد ذلك على تأسيس ثقافة وعقل خلَّاق ومبدع.

وعلى حدِّ تعبيره فقد شهد القرن الأخير مختلف الخطابات المتعدِّدة، من قبيل: الخطاب السلفي، والماركسي، والقومي، والوطني، والشرق أوسطي، ولكي نتجنَّب الوقوع في أخطاء هذه الخطابات، والعمل على عدم تكرارها، يجب علينا الالتفات إلى تجربة القراءة التراثيَّة[1].

إنَّه في دراسة نقديَّة لخصوص المشاريع الإصلاحيَّة لهذه المرحلة قد توصَّل إلى نتيجة مفادها أنَّ الفكر العربي - بشكلٍ عامٍّ - يعاني في اللحظة الراهنة من العجز عن التحليل وعدم القدرة على دراسة المسائل الفكريَّة والسياسيَّة والاجتماعيَّة، وأنَّ التحليلات المطروحة جميعها -بما في ذلك تلك التي ظهرت في العقود المتأخِّرة- ذات طابع سلفي وغير مبدع، ونتيجة ذلك ليست سوى السلفيَّة واجترار الماضي

(129)

الذي هو مزيج من القراءات الأيديولوجيَّة للتراث. وعليه يجب الخوض في الجذور الرئيسة لتبلور هذه القراءة السلفية للتراث، وإذا لم يتمّ الاهتمام بهذا الأمر، فإنَّ جميع أنواع النقد والدراسة أو البحث والتحقيق سوف تعاني من آفة السلفيَّة والأدلجة، ولن تتمكَّن من حلِّ هذه العقدة العمياء أبدًا[1].

وكما قال أمثال محمّد وقيدي، يمكن تقسيم مشروع الدكتور الجابري في نقد العقل العربي إلى مراحل عدّة، وذلك على النحو أدناه:

1 - بحث ودراسة خصائص العقل العربي الراهن. وحيث يتعاطى هذا العقل مع مختلف الظواهر والموضوعات، يمكن لنا التوصُّل إلى هذا العقل من خلال دراسة هذا التعاطي. وقد عمد الجابري في كتابه «الخطاب العربي المعاصر» إلى متابعة هذه الغاية بوصفها مقدّمة لنقد هذا العقل.

2 - دراسة ومعرفة العقل العربي من حيث تبلوره وظهوره في التاريخ المنصرم، والوصول إلى جذوره التاريخيَّة. وقد ذكر الجابري في هذا القسم أنَّ العقل العربي نتاج ثلاثة أنظمة (بيانيَّة، وعرفانيَّة، وبرهانيَّة) متعارضة. وسعى إلى إظهار كيفيَّة التعاطي والتعارض بين هذه الأنظمة الثلاثة. وقد قام بهذه المهمَّة في كتابه «تكوين العقل العربي».

3 - دراسة بنية العقل العربي وآليَّاته وعناصره، والمفاهيم والأنظمة المعرفيَّة الثلاثة، وكذلك البنية الداخليَّة لكلِّ واحدٍ من هذه الأنظمة الثلاثة، ونسبتها إلى كامل بنية العقل العربي.

4 - مرحلة الإصلاح والتعديل، حيث تتمُّ هذه المرحلة من خلال الاتِّجاه القائم

(130)

على العقلانيَّة النقديَّة لجميع الأبعاد الفكريَّة والعمليَّة، ولاسيّما في فهم التراث[1].

وبذلك يمكن القول: أوَّلًا: إنَّ اتِّجاه الدكتور الجابري في هذا الشأن، اتِّجاه معرفي أبستمولوجي قائم على أساس الرؤية الخارجيَّة إلى الموضوع. وقد سعى إلى الابتعاد عن هذه الثقافة بشكل وآخر، وأنْ ينظر إلى هذه المسألة من زاوية أشمل هي من جنس المعارف الثانويَّة وبرؤية أبستمولوجيَّة، للتعرُّف على العناصر والعوامل المؤثِّرة في تبلور الثقافة العربيَّة، لعلَّه بزعمه ـ خلافًا للمشاريع الإصلاحيَّة الأُخرى ـ لا يقع حبيس الدوافع الأيديولوجيَّة والسياسيَّة. إنَّ الجابري -من خلال نقده للمنهج التقليدي والماركسي- يُقبِل على منهج هو مزيج من الأُسلوب البنيوي والتاريخي في الوقت نفسه، حيث يسعى إلى فتح ثغرة لنفسه من خلال فصل العناصر الأيديولوجيَّة عن العناصر المعرفيَّة والأبستمولوجيَّة[2][3]. وفي الوقت نفسه من الضروري الالتفات إلى هذه النقطة وهي أنَّ الذي يحظى بالأهمّيَّة عند الدكتور محمّد عابد الجابري ليس منهجًا أو أُسلوبًا محدّدًا بشكل مسبق، بل هو الأُسلوب الذي يستطيع النجاح على المستوى العملي، والذي يكون قادرًا على حلِّ المشاكل.

تحليل مفهوم العقل:

حيث إنَّ لتحليل مفهوم العقل مكانة خاصَّة في فهم مشروع الدكتور الجابري، وإنَّ منهجه يستند بدوره إلى هذا المفهوم، يجب العمل أوَّلًا على تقديم بيان واضح له. إنَّ المراد من العقل هنا ليس هو القوَّة العاقلة والإدراكيَّة للإنسان،

(131)

والذي يقع في قبال الإدراك الحسِّي والخيالي، ويرد في التعريف المشهور في الفلسفة والميتافيزيقا بوصفه من الخصائص الذاتيَّة للإنسان. كما أنَّه لا يريد بهذا العقل المضامين والأفكار الموجودة لدى الأفراد والجماعات والأقوام، وتُؤدِّي إلى ظهور الهواجس والغايات الأخلاقيَّة والأهداف السياسيَّة والاجتماعيَّة، ويتمُّ التعبير عنها أحيانًا بالأيديولوجيَّة. وإنَّما مراده من العقل هو الوسيلة والإطار لإنتاج هذه المضامين والأفكار. وكأنَّ هذه الوسيلة والإطار ليس نتاجًا لثقافة وحضارة وبيئة وظروف اجتماعيَّة خاصَّة، وذات ماهيَّة ثابتة وخصائص تفوق الزمان والمكان[1].

وفي الحقيقة فإنَّ الدكتور الجابري يُقسِّم العقل - تبعًا للالاند[2] - إلى قسمين، وهما:

1 - العقل المكوِّن (بكسر الواو)[3].

2 - العقل المكوَّن (بفتح الواو)[4].

إنَّ العقل المكوِّن عبارة عن الأُصول العامَّة، والأُطُر، والمفاهيم، والأساليب، وجميع العناصر التي يمكن أنْ تُؤثِّر -بشكل من الأشكال- في ثقافة ما، وتخلق خطابًا جديدًا. وعلى هذا الأساس فإنَّ خصِّيصة هذا العقل عبارة عن الإبداع والإيجاد. إنّ هذه الأُصول العامَّة والأُطُر تفرض نفسها على العناصر الموجودة، وتُخضِعها لتأثيرها.

(132)

أمَّا العقل المكوَّن (بفتح الواو) -والذي يتمُّ التعبير عنه بالعقل السائد أيضًا- فهو عبارة عن العقل الساري والجاري والأُصول والقواعد المؤسَّسة في ثقافة ما وفي مرحلة تاريخيَّة، والتي تكون مقبولة من قِبَل الجميع، وتحظى ضمن ذلك الإطار بقيمة مطلقة؛ وإنْ كان يمكنها -على الرغم من الاتِّجاه نحو الثبات والوحدة- أنْ تكون في كلِّ عصر بشكل مختلف عن العصر الآخر. وعلى هذا فإنَّ الأفكار والآراء والسلوكيَّات وسائر التجلّيات الثقافيَّة تقوم بأجمعها على ذلك الإطار، سواء علم بها أصحاب تلك الثقافة أم لم يعلموا. وعلى هذا الأساس فإنَّ العقل المكوَّن عبارة عن العقلانيَّة السائدة والجارية والمؤسَّسة التي تستدعي معها مجموعة من القواعد الثقافيَّة، وتكون حاكمة على ثقافة وأُسلوب تفكير وسلوك الناس[1].

وبطبيعة الحال هناك تعاطٍ متواصل بين هذين العقلين، وأنَّ بإمكان كلِّ واحدٍ منهما أنْ يترك تأثيره على الآخر، وأنْ يعمل كلُّ واحدٍ منهما على تغيير الآخر. ومن هنا فإنَّ الدكتور الجابري يعمل في أُسلوب دراسته على توظيف كلٍّ من نظريَّة العقل المكوِّن والعقل المكوَّن، ويذهب إلى الاعتقاد بأنَّ عموم أصحاب الثقافات وإنْ كانوا لا يلتفتون في العادة إلى بنية العقل المكوَّن وتحليله، وليس لديهم -بطبيعة الحال- بحث ونقاش في هذا الشأن، بيد أنَّ الذين يرومون إلى إجراء الإصلاح الحقيقي والجوهري، يجب عليهم الالتفات إلى هذا الأمر، كي يقوموا بعمليَّة التغيير والإصلاح بعد التعرُّف عليه[2].

والسؤال هو: هل تحظى جميع الثقافات والحضارات بهذا النوع من العقل أم لا؟ يُجيب الدكتور الجابري عن ذلك بقوله: بما أنَّ الثقافة العقلانيّة هي الثقافة

(133)

التي يُفكِّر أصحابها أوَّلًا حول الموضوعات المختلفة، وأنْ يتجنَّبوا الخلط بين العلم وبين الخرافة والأُسطورة والرؤية الإحيائيَّة بشأن الأشياء الطبيعيَّة، والإيمان بتأثير روح ونفس الأشياء الطبيعيَّة على الإنسان والمعرفة الإنسانيَّة، وأنْ يُفكِّروا ثانيًا ويتأمَّلوا حول ذات العقل (وهذه الخصِّيصة أهمّ بمراتب من الخصِّيصة الأُولى، أي التفكير العقلاني بشأن الأشياء). وبحسب المعلومات المتوفِّرة لدينا حتَّى الآن، لا يوجد في التاريخ سوى ثلاثة أنواع من العقل تتمتَّع بهذه الخصِّيصتين، وهذه الأنواع الثلاثة، عبارة عن: العقل العربي، والعقل اليوناني، والعقل الأُوروبي الحديث؛ بمعنى أنَّ هذه العقل المنظور إنَّما كان له حضور وسيادة في هذه الثقافات الثلاثة فقط، ولم يكن للشعوب الأُخرى في بابل والهند والصين وإيران وغيرها حظٌّ من هذا العقل. يذهب الدكتور الجابري إلى الظنِّ بأنَّ ثقافة هذه الشعوب تقوم على أُمور غير عقلانيَّة، من قبيل السحر والشعوذة والعرفان الغنوصي، والأُمور غير المعرفيَّة الأُخرى[1].

يبدو أنَّ الدكتور الجابري في بحث بنية العقل العربي - بالإضافة إلى رأي لالاند - يستفيد من نظريَّة بنية اللَّاشعور الجمعي لكلود لوي - شتراوس أيضًا. من ذلك مثلًا أنَّه في كتاب بنية العقل العربي يسعى إلى رؤية الثقافة العربيَّة بجميع مصادرها ومناشئها -التي هي من وجهة نظره عبارة عن ثقافة العصر الجاهلي، والثقافة الإسلاميَّة، والعرفان الغنوصي، والثقافة اليونانيّة- مرَّة واحدة[2]. ليُدرك بعد ذلك ما هي العناصر الأساسيَّة والبنيويَّة لهذه الثقافة وعناصرها التي تدخل

(134)

في لا وعي المجتمع العربي مع مرور الوقت بالتدريج، وتبلور عقلهم المكوِّن، ليتمَّ بذلك توفير الأرضيَّة للإصلاح وحلِّ الأزمة. وبذلك يكون عمله شبيهًا بما يقوم به الطبيب النفساني؛ حيث يتسلَّل إلى العقل الباطن واللَّاواعي للمريض، ويتعرَّف على أسباب أزمته النفسيَّة، ثمّ يقوم بسلسلة من الإصلاحات، ويعمل على إزالة عقده النفسيَّة.

إنَّه في دراسته وتحليله للعقل - مضافًا إلى وجوب دراسة الأجزاء الداخليَّة للعقل - يرى ضرورة قياس هذا العقل على العقول الأُخرى، ويذهب إلى الاعتقاد بأنَّه بعد إجراء هذه المقارنة بين هذين النوعين من العقول سوف يكون الوصول إلى النتائج القيِّمة أمرًا ممكنًا. من ذلك أنَّه في مقارنته بين العقل العربي والعقل الغربي -على سبيل المثال- يصل إلى نتيجة مفادها أنَّ هناك في العقل الغربي أصلين مصيريِّين وفي غاية الأهمّيَّة، وإنَّ العقل العربي يفتقر إلى هذين الأصلين، وهما:

1 - الأصل الأنطولوجي، بمعنى أنَّ هناك بين العقل والطبيعة ارتباطًا مباشرًا، وإنَّ العقل ليس شيئًا مستقلًّا عن الطبيعة.

2 - الأصل الإبستمولوجي، الذي هو عبارة عن إمكان كشف أسرار الطبيعة بواسطة العقل وإمكان الإدراك الصحيح والمتطابق مع الواقع بمساعدة العقل[1]. يرى الدكتور الجابري أنَّ سبب تقدُّم الغرب، وكذلك تخلُّف العرب يكمن في هذه النقطة؛

(135)
وذلك لأنَّ العقل في الثقافة اليونانيَّة، وكذلك في أُوربا الحديثة والمعاصرة، يحتوي على ارتباط وثيق مع الإدراك والكشف عن علل الأشياء وأسبابها؛ في حين أنَّ لهذه المفردة ونظائرها في الألفاظ والتفكير والثقافة العربيَّة (بل وحتَّى في الكتاب والسُّنَّة) ارتباطًا وثيقًا مع الأخلاق والسلوك، ويبتعد عن كشف علل وأسباب الأشياء والظواهر[1]. إنَّ مفهوم العقل في الثقافة اليونانيَّة / الأُوربيَّة - من وجهة نظر الدكتور الجابري - وإنْ تسلَّل إلى دائرة الأخلاق أيضًا، وأنَّهم قد بحثوا مسألة «أخلاق العقل»؛ أي الأخلاق القائمة على فكرة «الواجب» بالتفصيل، بيد أنَّ الفرق المهمَّ الذي يُميِّز العقل اليوناني / الأُوربي من العقل العربي، يكمن في أنَّ العقل الثاني تنطلق فيه الحركة من الأخلاق إلى العلم والمعرفة، وبعبارة أُخرى: إنَّ المعرفة تقوم على الأخلاق، وأمَّا في العقل الأوَّل فتكون المعرفة هي المبنى، والأخلاق تستند إليها. يذهب الدكتور الجابري إلى الاعتقاد بأنَّ هذا النمط من التفكير العربي هو أوَّلًا ليس في مقام الكشف عن العلاقات القائمة بين بعض الظواهر الطبيعيَّة وبعضها الآخر، وثانيًا أنَّ هذا العقل لا يستطيع العمل على اكتشاف ذاته، بل إنَّ المعرفة في هذه الثقافة شيء يعمل على التقييم بين الموضوعات ومتعلُّقات المعرفة، ويهتمُّ ببيان حسنها أو قبحها؛ سواء أكانت مرتبطة بالأُمور الفرديَّة أو الأُمور الاجتماعيَّة. وبعبارة أُخرى: إنَّ الوظيفة الهامَّة للعقل، بل وأمارة تحقُّق العقل، تكمن في استثارة الفرد وحثِّه وتشجيعه على القيام بالعمل الصالح، ومنعه من ارتكاب الأعمال الخاطئة. كما أنَّ هذه الخصِّيصة الأخلاقيَّة والقِيَميَّة لا تنحصر بدورها في الألفاظ المشتقَّة من مادَّة «ع ق ل»، بل تُرى في جميع الكلمات المشتملة على معنى مقارب لمعنى العقل، من قبيل: الذهن، والنُّهى، والحِجى، والفكر، والفؤاد أيضًا.
(136)

وعلى هذه الشاكلة يذهب الدكتور الجابري إلى الاعتقاد بأنَّ نمط العقل العربي يكمن في النظرة القِيَميَّة إلى الأشياء، ويهتمُّ بالبحث عن مكانة الأشياء ومنزلتها في منظومة القِيَم التي اختارها العقل العربي بوصفها مرجعيَّةً ونموذجًا يتأسَّى به. إنَّ هذا الاتِّجاه يحيل الشيء إلى قيمته، وبالتالي يُخفضه إلى المعنى الذي يمنحه له الفرد (والمجتمع والثقافة)، ويبتعد عن الرؤية العينيَّة. وفي قبال هذا الاتِّجاه يتمُّ طرح الرؤية العينيَّة بواسطة الاتِّجاه التحليلي والتركيبي، الذي يسعى إلى اكتشاف الأجزاء الجوهريَّة والذاتيَّة للشيء؛ ليتمَّ العمل بعد تحليل العناصر الأصليَّة على إصلاحها. وبذلك فإنَّه ليس في الثقافة الإسلاميَّة والعربيَّة فقط، بل وحتَّى في الكتاب والسُّنَّة لا يرى مكانة للعقل بمعناه النظري والفلسفي، حيث يسعى إلى اكتشاف الحقائق الخارجيَّة[1].

يذهب الدكتور الجابري إلى الاعتقاد بأنَّ كلَّ عقل - بما في ذلك العقل العربي - يستند إلى نموذجه المرجعي الخاصِّ، وإنَّ العقل العربي يحظى بنماذج مرجعيَّة عدّة؛ والنموذج المرجعي الأوَّل للعقل العربي عبارة عن عصر التدوين. إنَّه يقول: إنَّ النموذج المرجع بمنزلة السفينة العائمة فوق سطح البحر وعلى متنها شخص ينظر إلى العالم والبشر من هناك. إنَّ عصر التدوين بمثابة العدسات التي ينظر الشخص العربي أو العربي المسلم بواسطتها إلى العالم. يبدأ عصر التدوين منذ عام ١٤٣ للهجرة، وإنَّ المناطق المؤثِّرة في هذا النموذج عبارة عن: مكَّة المكرَّمة، والمدينة المنوَّرة، والشام، ومصر، والكوفة، واليمن. وبعض هذه الأقطار عربيَّة بالأصالة، وبعضها -مثل مصر- قد طاله الاستعراب لاحقًا. إنَّ هذا الإطار المرجعي يستند إلى نقل المطالب وذاكرة الأشخاص التي تُؤدِّي إلى جمع الروايات والمأثورات ثمّ العمل على تدوين المصادر[2].

(137)

إنَّ الدكتور الجابري يُطلِق على هذا النموذج المرجعي عنوان «العقل البياني». إنَّ هذا النظام المعرفي / البياني الذي يُمثِّل التراث العربي / الإسلامي الخالص، يتألَّف من شيئين، وهما: اللغة، والنصوص الدِّينيَّة. إنَّ مراده من اللغة ليس مجرَّد المعنى المتعارف لها فحسب، بل يريد منها العالم الثقافي الذي أشرب في هذه اللغة، بحيث أصبحت كلُّ كلمة حاملة لقِيَم وثقل مفهومي خاصٍّ[1].

إنَّ هذا النظام البياني الذي يستند إلى اللغة، يشتمل -بطبيعة الحال- على آليَّاته ومفاهيمه وتأثيراته الخاصَّة، وينتج نوعًا خاصًّا من المعرفة والسلوك. إنَّ هذا النظام يقوم على قياس الغائب على الشاهد والفرع على الأصل، ويُؤكِّد على أصل الانفصال ونفي السببيَّة بين الأشياء، ويضع الأساس في مسائله الثابتة على النقل واستقبال المطالب، دون أنْ يستعين بالعقل في تحليلها والتعاطي معها. إنَّ هذا النظام هو الذي يعمل في دائرة المعرفة على إنتاج علوم، من قبيل: اللغة، والفقه، والكلام، والبلاغة، ويكون كذلك في السياسة منشأ لظهور الدولة الإسلاميَّة في عصر الخلفاء الراشدين والدولة الأُمويَّة بعد ذلك أيضًا[2].

بعد النظام المعرفي / البياني، يصل الدور إلى النظام الثاني، ونعني به النظام المعرفي / العرفاني، والذي يستند إلى العرفان المانوي والغنوصي[3]، ذي الأُصول الفارسيَّة والهنديَّة ونظائر ذلك. وقد ذهب الدكتور الجابري إلى الاعتقاد بأنَّ هذا الاتِّجاه قد استمرَّ بعد ظهور الإسلام في التشيُّع وعبر مفكِّرين من أمثال ابن سينا، وكان له تأثيره على العالم الإسلامي. إنَّ الجابري يُطلِق على هذا النظام المعرفي العرفاني تسمية العقل المستقيل أو العقل اللَّا معقول حيث لا يشتمل على أيِّ

(138)

عقلانيَّة، ويرى أنَّ ابن سينا هو رمز هذا العقل المنحطِّ، حيث تسبَّب في التخلُّف والركود في العالم الإسلامي[1].

والنظام الثالث هو النظام المعرفي البرهاني، والمراد منه هو النظام اليوناني الأُرسطي، الذي تمَّ إدخاله إلى العالم الإسلامي باستدعاء من المأمون العبَّاسي؛ وكأنَّ غاية المأمون من ذلك لم تكن هي التعلُّق بمعرفة الحقيقة أو البحث عن الحكمة أبدًا، بل كان يهدف من وراء ذلك إلى القضاء على النظام العرفاني الشيعي فقط.

وقد ذهب الدكتور الجابري إلى الاعتقاد بأنَّ تاريخ العقل الإسلامي هو تاريخ الاختلاف والمواجهة بين هذه الأنظمة الثلاثة، وبعبارة أُخرى: إنَّه كان يُمثِّل تاريخ الاختلاف بين الآراء، وليس تأسيسًا للرأي. وعلى هذا الأساس فإنَّنا لم نتمكَّن من تحقيق نجاح في إيجاد العقل المكوِّن. إنَّ هذه الصراعات وإنْ لم تبلغ حدًّا بحيث تُؤدِّي إلى حذف الآخر، ولكن في نهاية المطاف كان النظام العرفاني (العقل اللَّا معقول أو العقل المستقيل) هو المنتصر في ساحة المواجهة، وقد تبلورت العصور الإسلاميَّة الوسطى مع سيادة هذا النظام الذي كان ابن سينا ممثِّله الأبرز، وحتَّى الغزالي اضطرَّ في نهاية الأمر إلى التماهي مع هذا النظام. ومن هنا فإنَّ عقلنا المكوَّن قد ظلَّ - خلافًا للعقل الغربي - على حاله من الجمود، ولم يحدث أيُّ تغيير أو تحوُّل بيننا على طول التاريخ، وتمَّ إغلاق باب التطوُّر والتقدُّم أمام العالم الإسلامي بالرتاج[2].

(139)

طريقة الحلِّ للخروج من الأزمة:

بعد هذا البيان عن بنية العقل العربي، يطرح هذا التساؤل نفسه ويقول: ما هي طريقة الحلِّ للخروج من هذه الأزمة؟ يذهب الدكتور الجابري إلى الاعتقاد بضرورة البحث عن اللحظة التاريخيَّة، ولا يمكن العثور على هذه اللحظة في نظام العقل العربي الراهن؛ بل لا بدَّ من تحقيق ذلك من خلال إحياء الاتِّجاه العقلي لابن رشد، ونقديَّة ابن حزم، وتاريخيَّة ابن خلدون، وأُصوليَّة الشاطبي[1]. وفي علم التاريخ وعلم العمران يجب الرجوع إلى مفهوم طبائع العمران، والقول بوجود قوانين تعمل على بلورة الحياة الاجتماعيَّة والأحداث التاريخيَّة، والإيمان بالعلّيَّة التاريخيَّة وعلاقة التعامل بين المجتمع والاقتصاد، والحوار بين العقل والتاريخ وما إلى ذلك، وهذا هو الشيء الذي يفتقر إليه النموذج المرجعي لعصر التدوين. وفي الفقه تجب علينا العودة إلى فكر الشاطبي وابن حزم أيضًا، وأنْ نتحرَّر من سلطة «اللفظ» و«السلف» و«القياس» المهيمن على العقل العربي[2]. وفي الفلسفة يجب الرجوع إلى ابن رشد الذي يُمثِّل اللحظة التاريخيَّة للفلسفة؛ وذلك لأنَّ ابن رشد كان يؤمن بأصلين هامَّين في الثقافة، وهما: أوَّلًا: أنَّ العالم يُمثِّل تجلّيًا للحكمة والعناية الإلهيَّة، وثانيًا: أنَّه لا تعارض بين العقيدة الدِّينيَّة وإرادة الإنسان؛ لأنَّ

(140)

إرادة الإنسان تُمثِّل مظهرًا للسُّنَّة الإلهيَّة، وعلى هذا الأساس يمكن للعقل أنْ يُدرك عِلَل الموجودات.

نقد ومناقشة آراء الجابري:

إنَّ آراء الدكتور الجابري على الرغم من النقاط البارزة فيها، تحتوي كذلك على الكثير من نقاط الضعف أيضًا، وإنَّ الخوض في جميع هذه النقاط يحتاج إلى مساحة كبيرة لا يتَّسع هذا المقال إلى استقصائها بأجمعها، ولكنَّنا نكتفي هنا بالإشارة إلى بعضها على النحو الآتي:

1 - يقتصر الدكتور الجابري في مشروعه على مجرَّد العناصر المعرفيَّة للعقل العربي، ويتناسى العناصر غير المعرفيَّة المؤثِّرة في هذا العقل، من قبيل: القصَّة والأُسطورة؛ في حين يجب على الناقد والحَكَم المحايد والواقعي ألّا يتجاهل أيَّ واحدٍ من العوامل والعناصر الواعية وغير الواعية المؤثِّرة على العقل المكوَّن والثقافة. يجب أنْ تُؤخَذ القَصص والأساطير وكلُّ ما تسلَّل من نافذة الجاهليَّة العربيَّة أو الثقافات الأُخرى، وترك تأثيره على هذه الثقافة، بنظر الاعتبار أيضًا.

وكذلك كما أصاب الجابري في بحث بنية العقل العربي، قائلًا: «إنَّ العقل العربي الذي تشكَّل - مثل سائر العقول الأُخرى - على طول التاريخ، لا يخلو أبدًا من العناصر الأيديولوجيَّة والسياسيَّة، ويجب على الشخص المعرفي والإبستمولوجي أنْ يسعى من أجل الفصل والتفكيك بين هذين الأمرين»، يجب عدم تجاهل تأثير السياسة بوصفها أمرًا غير معرفي على العناصر والعوامل الأُخرى، من قبيل: القصَّة والأُسطورة.

2 - إنَّ إنكار العقلانيَّة والنظام المعرفي والحضاري لبلدان مثل إيران والهند

(141)

ومصر ونظائرها، وتجاهل الشواهد التاريخيَّة الكثيرة في هذا الخصوص، من الإشكالات الأُخرى الواردة على الدكتور الجابري. طبقًا للكثير من الوثائق والشواهد فقد كانت إيران وبلاد فارس منشأ للكثير من العلوم اليونانيَّة والأُوربيَّة؛ إلَّا أنَّ الدكتور الجابري يتجاهل هذه الشواهد بشكل كامل. وقد عمد جورج طرابيشي - من خلال استناده إلى آثار مؤرِّخي العلم، من أمثال جون راو - إلى إظهار المعالم العلميّة والعقلانيّة للثقافات والحضارات الآنفة بوضوح، بل وتقدُّمها في بعض الموارد حتَّى على هذه الثقافات الثلاثة أيضًا[1].

3 - إنَّ الدكتور الجابري يرى أنَّ الخروج من هذه الأزمة يتوقَّف على العودة إلى عقلانيَّة ابن رشد -بسبب إيمانه بالأصلين الفلسفيَّين المذكورين- إلَّا أنَّ هذين الأصلين لا يختصَّان بابن رشد، فقد ذكر الكثير من الفلاسفة الإسلاميِّين -الذين شجبهم الدكتور الجابري- ذات هذا المطلب أو بشكل أعمق. ثمّ إنَّ مجرَّد الإيمان بهذين الأصلين لا يكفي وحده لحلِّ المشكلة؛ لأنَّ الكثير من المفكِّرين في العالم الإسلامي كانوا يؤمنون بهذا الرأي، ولكن الأزمة مع ذلك بقت على حالها من دون حلٍّ.

4 - إنَّ مشكلة الدكتور الجابري تكمن في نوع رؤيته إلى التراث. فهو لا يرى إلَّا تلك الأُمور التي يظنُّ أنَّها تساعد على حلِّ الأزمة. وبعبارة أُخرى: إنَّه ينظر إلى التراث من خلال عدسات الأزمة، وإنَّ التراث لا يحظى بالأهمّيَّة بالنسبة له إلَّا بمقدار مساعدته على حلِّ الأزمة. وعلى أساس هذا المنطق كلَّما كانت أبعاد الأزمة بحيث إنَّ الإبستمولوجي إذا أدرك -طبقًا لفهمه للأزمة والتراث وأُسلوب الاستفادة وعمليَّة الإحياء والإصلاح من التراث- عدم وجود شيء يمكن توظيفه في التراث، سوف يفقد التراث قيمته بالمرَّة، ولا تعود هناك إمكانيَّة لتصوُّر أيِّ

(142)

مكانة أو منزلة له. وعلى هذا الأساس فإنَّ رؤية الدكتور الجابري إلى التراث رؤية آليَّة وذرائعيَّة، لا تقوم على أساس نظريَّة التطابق وكشف الحقيقة. وعلى هذا الأساس لن يكون هناك -بطبيعة الحال- أيّ معيار عقلي ثابت، وسوف يتمُّ تعيين جميع المعايير على أساس الاحتياجات العمليَّة، وفي هذه الصورة لن يكون هناك -من الناحية الأُسلوبيَّة والمنهجيَّة- أيّ فرق ماهوي بين الدكتور الجابري والمنكرين للتراث الإسلامي. وعلى هذا الأساس يمكن القول: إنَّ الاتِّجاه العامَّ للدكتور الجابري يشير إلى إنكار التراث، وإنْ كان لا يعمد إلى إنكاره بالفعل. وعلى كلِّ حالٍ فإنَّ الدكتور الجابري ليس لديه أيّ نقطة ثابتة وغير قابلة للتغيير يمكنه الوقوف عليها بثبات ويعتبرها ملاكًا لمقبوليَّة وصوابيَّة وعقلانيَّة التراث؛ وكما صرَّح بنفسه قائلًا: إنَّه مثل ذلك الشخص الواقف على متن سفينة تجري على سطح الماء بشكل متواصل وليس لها نقطة ثابتة ولا يقرُّ لها قرار.

5 - إذا كان هناك أُسلوب يتناسب مع الأزمة، وبعبارة أُخرى: لو كان هاجس الخروج من الأزمة يدفعه نحو العودة إلى التراث، ففي مثل هذه الحالة فإنَّ الشيء الوحيد الذي يمكن له أنْ يراه وينتفع به من التراث، هو ذلك الشيء الذي يتناسب مع مشروعه؛ في حين أنَّه قد تكون هناك عناصر أُخرى وإنْ لم يكن لها دور في حلِّ الأزمة، إلَّا أنَّها تُؤثِّر في تعيُّن وتحديد ما نختاره من التراث، ومن خلال فصل تلك العناصر عن التعميم المذكور، تتعرَّض هويَّة الأجزاء إلى الضرر أيضًا. كما يرد الإشكال ذاته على هنري كوربان -الذي هو روحاني للغاية، ويتمثَّل هاجسه الرئيس في ضياع الروحانيَّة والمعنويَّات- أيضًا؛ وذلك لأنَّ كوربان بدوره حيث يجنح مشروعه نحو الأزمة، فإنَّه في الواقع قد وضع على عينيه عدسات لا تُظهِر من التراث إلَّا تلك الأشياء التي يحتاجها، وليست تلك الموجودة.

6 - إنَّ الدكتور الجابري في مشروعه -خلافًا للعقل السياسي والأخلاقي- لا

(143)

يُبدي اهتمامًا بالعقل الكلامي، والسبب في ذلك أنَّ بحث هذا الأمر يدخل ضمن دائرة اهتمام المصلحين دون الإبستمولوجيِّين؛ ولكن يبدو أنَّ هذا السبب غير وجيه؛ وذلك أنَّه حيث يعتبر الغاية من مشروعه هي تحريك العقل العربي، يجب - من أجل الوصول إلى مثل هذه الغاية الهامَّة - التعرُّف على البنية بكاملها، كما يجب التعرُّف على العناصر المختلفة المؤثِّرة في بلورة هذه البنية، ثمّ العمل بعد ذلك على تقديم المقترحات الضروريَّة واللَّازمة، ولا يمكن لذلك أنْ يتحقَّق من دون الاهتمام بالعقل الكلامي الذي يحتوي على جزءٍ هامٍّ جدًّا من العقل في الثقافة الإسلاميَّة.

7 - والإشكال الآخر المهمُّ للغاية الذي يرد على الدكتور الجابري، هو قلَّة اهتمامه بمفهوم العقل في الإسلام بشكلٍ عامٍّ، وعند الشيعة بشكلٍ خاصٍّ. إنَّ الجابري جاهل بالتشيُّع ومختلف الجماعات الشيعيَّة وعقائدهم بشكل كامل؛ بحيث إنَّ ذلك من شأنه أنْ يُزعزع مكانته بوصفه محقِّقًا بارزًا. إنَّ المطالب الخاطئة التي ينسبها الدكتور الجابري إلى الشيعة، تُثبِت أنَّه لا يمتلك أيّ معلومات موثوقة وعميقة عن المعارف الشيعيَّة، وأنَّ كلَّ ما يذكره في هذا الشأن مأخوذ بالدرجة الأُولى من المصادر الثانوية وغير الأصيلة، ثمّ إنَّ هذه المصادر عبارة عن مؤلَّفات الذهبي والشهرستاني ونظائرهما. إنَّ مؤلَّفات هؤلاء العلماء ذات نزعة معادية للشيعة، وهي زاخرة بالمعلومات الخاطئة. وفي هذا الشأن لا يمكن تجاهل التحليلات والتفسيرات الملغزة والباطنية للويس ماسينيون، وإلى حدٍّ ما هنري كوربان عن التشيُّع وتأثير ذلك في بلورة رؤية الدكتور محمّد عابد الجابري حول التشيُّع[1].

(144)

من ذلك -على سبيل المثال- أنَّ الدكتور الجابري يذهب -تبعًا للشهرستاني- إلى الادِّعاء بأنَّ جميع الشيعة -باستثناء الزيديَّة- يعتقدون أنَّ الإنسان مجبر ومضطر في المعرفة، وأنَّ المعرفة من طريق الاستدلال والنظر غير ممكنة، وأنَّ جميع أنواع الاستدلال وتوظيف القياس ـ الأعمّ من الفقهي أو المنطقي- مرفوضة[1]. إنَّ الدكتور الجابري بسبب جهله بالتراث الشيعي الإمامي الممتدّ على مدى خمسة عشر قرنًا من العقلانيَّة الاستدلاليَّة والمنطقيَّة، منذ عصر الأئمَّة المعصومين عليهم‌السلام وحتَّى الآن، وكان لها أفضليَّة كبيرة على سائر أنواع العقلانيَّة الأُخرى في العالم الإسلامي سواء على مستوى الأُسلوب والمنهج أو المضمون والمحتوى، يتَّهم التشيُّع بقلَّة أو عدم العقلانيَّة! هذا في حين أنَّ الروايات الشيعيَّة تُثبِت خلاف ذلك؛ من ذلك أنَّه يُؤثَر عن الإمام جعفر الصادق عليه‌السلام، أنَّه قال:

«إنَّ أوَّل الأُمور ومبدأها وقوَّتها وعمارتها التي لا ينتفع شيء إلَّا به، العقل الذي جعله الله زينةً لخلقه ونورًا لهم، فبالعقل عرف العباد خالقهم، وأنَّهم مخلوقون، وأنَّه المدبِّر لهم، وأنَّهم المدبَّرون، وأنَّه الباقي وهم الفانون، واستدلُّوا بعقولهم على ما رأوا من خلقه، من سمائه وأرضه، وشمسه وقمره، وليله ونهاره، وبأنَّ له ولهم خالقًا ومدبِّرًا لم يزل ولا يزول، وعرفوا به الحسن من القبيح، وأنَّ الظلمة في الجهل، وأنَّ النور في العلم، فهذا ما دلَّهم عليه العقل»[2].

لقد أشار الإمام عليه‌السلام في هذه الرواية إلى الكثير من الأُمور، والذي يرتبط ببحثنا منها هو أنَّ البناء المعرفي لجميع الأُمور يقوم على العقل. وبعبارة أُخرى: إنَّ هذا العقل متأصِّل بذاته في فهم الأُمور، وحتَّى وجود الله تعالى وإثبات صفاته من

(145)

الممكن أنْ يأتي من خلاله، وهكذا فإنَّ هذا العقل يمتلك القدرة على اكتشاف حُسن وقبح الأُمور.

يضاف إلى ذلك أنَّ ضعف كلامه الآخر القائل بأنَّ العقل في الثقافة الإسلاميَّة إنَّما يتمُّ طرحه في الأُمور الأخلاقيَّة فقط، وأنَّه ليس للعقل -بمعنى الكشف عن الحقيقة، دون أنْ يستند إلى الأخلاق- موضع في الثقافة الإسلاميَّة؛ لأنَّ العقل الذي يطرحه التشيُّع، ليس هو العقل الذي لا يستند إلى الأخلاق والتعبُّد وحتَّى الاعتقاد بالله فحسب، بل إنَّ جميع الحقائق وكذلك القِيَم الأخلاقيَّة وغير الأخلاقيَّة تستند إلى هذا العقل أيضًا.

يقول الشيخ المفيد؛ صراحةً:

إنَّ المعرفة بالله تعالى اكتساب، وكذلك المعرفة بأنبيائه عليهم‌السلام وكلِّ غائب، وإنَّه لا يجوز الاضطرار إلى معرفة شيء ممَّا ذكرناه، وهو مذهب كثير من الإماميَّة والبغداديِّين من المعتزلة خاصَّة، ويخالف فيه البصريُّون من المعتزلة والمجبِّرة والحشويَّة من أصحاب الحديث[1].

وعمد في موضع آخر إلى ردِّ مقولة الشهرستاني بشأن اعتقاد الشيعة باضطرار الإنسان إلى معرفة الله[2].

كما صرَّح الفقيه الشيعي الشهير العلَّامة الحلّي في كتابه (نهج الحقِّ وكشف الصدق)، بالأُمور الآتية:

(146)

أ- إمكان كشف الحقائق بواسطة الاستدلال والنظر مع الشرائط ذات الصلة واجتناب المغالطات الصوريَّة والمادّيَّة[1].

ب- أنَّ الأبحاث النظريَّة واجبة بحكم العقل (دون النقل).

ج- أنَّ معرفة الله تعالى واجبة بحكم العقل[2].

كما أنَّ مؤلَّفات الشيخ نصير الدِّين الطوسي، مثل كتابه القيِّم (أساس الاقتباس) في المنطق و(تجريد الاعتقاد)، تصبُّ بأجمعها في بيان الاستدلال لكشف الواقع أو منهج الاستدلال، ولا سيّما مؤلَّفاته المنطقيَّة -التي هي في الواقع امتداد لاتِّجاه المنطق الأُرسطي- فهي مقرونة بالإبداعات، مع إضافات معرفيَّة للمناطقة المسلمين.

ومن بين الاتِّهامات الأُخرى التي يكيلها الدكتور الجابري ضدَّ الشيعة، ربطه الفكر الشيعي بالاتِّجاه الهرمسي (الهرمسيَّة). إذ يرى الجابري أنَّ الهرمسيَّة تُمثِّل نوعًا من الاتِّجاه الباطني والرمزي الذي يُسقِط العقل عن الحجّيَّة، ويقيم قواعده الفكريَّة على الحدس والإلهامات الباطنيَّة، وهذا يتعارض مع أحكام العقل. إنَّ الجابري يذهب -تبعًا لماسينيون- إلى الاعتقاد بأنَّ الشيعة يأخذون فلسفة النبوَّة من الأفكار الهرمسيَّة، وقد اختاروا لأنفسهم نظريَّة الإمامة القائمة على وصيَّة النبيِّ، ومن هنا فإنَّهم يؤمنون بعصمة الإمام. يرى الجابري أنَّ جذور هذا الاتِّجاه الهرمسي تعود -بشكلٍ خاصٍّ- إلى أفكار هشام بن الحَكَم وهو من أصحاب الإمام الصادق عليه‌السلام، وقد كان متأثِّرًا بآراء الجهميَّة والديصانيَّة، حيث إنَّ تفكيرهم عبارة عن مزيج من الأفكار الأفلاطونيَّة المحدَثة والفيثاغوريَّة الجديدة والرواقيَّة المتأخِّرة[3].

(147)

وفي الإجابة على الدكتور الجابري، من الضروري أنْ نشير إلى نقطتين، وهما:

أ- في خصوص نفي العقلانيَّة أو تعليقها من قبل الشيعة، تقدَّم أنْ ذكرنا بعض المسائل في الجواب عن هذا الادِّعاء، واتَّضح أنَّ مباني وأُصول التفكير الشيعي تقوم على العقل المتأصِّل، وإثبات القضايا القائمة على وجود الواجب تعالى، ووحدته، والصفات والأفعال، والنبوَّة، والمعاد، والكثير من الأُصول الأُخرى، بواسطة البرهان العقلي.

كما أنَّ إثبات عصمة الأنبياء والأئمَّة الأطهار تقوم على هذا الأُسلوب أيضًا، وقد أقام الأئمَّة وأصحابهم العصمة على الأدلَّة العقليَّة، وليس على أساس الإلهامات الداخليَّة والحدس والظنِّ[1].

ب- هشام بن الحَكَم، من أبرز أصحاب الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليه‌السلام. وفي عصر الإمام الصادق وهشام بن الحَكَم كان المعتزلة منهمكين في نشاطهم العلمي، وكانوا يواصلون أبحاثهم العقائديَّة على شكل مناظرات ومباحثات وما إلى ذلك. وقد كان هشام بن الحَكَم -الذي يُمثِّل المدرسة الفكريَّة لأهل البيت عليهم‌السلام بطبيعة الحال- يقوم في الكثير من الموارد بمناقشة آراء المعتزلة بشكلٍ خاصٍّ ودراسة الخلفاء بشكلٍ عامٍّ، ويعمل -من خلال المشاركة في حلقات بحث المعتزلة (خفيةً وعلنًا)، وإثارة الأسئلة والدخول في نقاش معهم أو تأليف الكُتُب والمقالات- على نقد آرائهم وأفكارهم. وقد كان تأثيره في نقد المعتزلة بحيث قيل: إنَّ الكثير من منتقدي المدرسة الاعتزاليَّة -من أمثال: محمّد بن عيسى الورَّاق، وأحمد بن حسين الراوندي (صاحب كتاب: فضيحة المعتزلة)- قد أخذوا الكثير من انتقاداتهم على المعتزلة من هشام بن الحَكَم.

(148)

إنَّ المقدرة والذكاء الخاصَّ الذي كان هشام بن الحَكَم يتمتَّع به في إيصال الأفكار والتعاليم الخالصة لمدرسة أهل البيت عليهم‌السلام، وكذلك نشاط جهاز الخلافة العبَّاسيَّة في بثِّ الفرقة والاختلاف بين المسلمين، وإثارة الخلاف من قِبَل سائر الفِرَق ضدَّ التشيُّع، أدَّى إلى كيل حجم كبير من الاتِّهامات بحقِّ هشام بن الحَكَم، وهي تُهَم كثيرة تتراوح ما بين الزندقة والإلحاد والغلوِّ، من قِبَل المعتزلة وغيرهم من الفِرَق الأُخرى. ويمكن تتبُّع آثار وخيوط هذه الاتِّهامات ومشاهدتها بشكل واضح في مؤلَّفات إبراهيم بن يسار (المعروف بالنظام)، وكذلك في كتاب (مختلف الحديث) لابن قتيبة، وكتاب (الانتصار) للخيَّاط المعتزلي وغيرهم. إنَّ هذه الاتِّهامات لم تقتصر على المعتزلة فقط، بل نجد مثلها ما صدر عن الأشاعرة أيضًا، وذلك من قِبَل أشخاص مثل: أبو الحسن الأشعري في كتابه (مقالات الإسلاميِّين واختلاف المصلِّين)، وابن حزم الأندلسي في بعض أعماله ومؤلَّفاته.

وفي هذا المضمار يجب علينا ألّا نتجاهل صدور هذه الاتِّهامات بحق هشام ابن الحَكَم حتَّى من قِبَل قلَّة قليلة من الشيعة، وقد تمَّ وأد هذه المحاولات بطبيعة الحال في مهدها، من خلال الدفاع الصلب من الإمام الصادق عليه‌السلام عن هشام، الأمر الذي أبطل مفعول هذه الاتِّهامات إلى حدٍّ كبير. وكان سبب هذه العداوات يعود إلى النظرة السطحية للأُمور أو الأحقاد الشخصيَّة والحسد[1].

8 - إنَّ الاهتمام المفرط الذي يُبديه الدكتور الجابري بتأثير العناصر غير المعرفيَّة -من قبيل: السياسة- في بلورة المعرفة؛ بحيث أدَّى ذلك إلى تخصيصه دور هامشي لتأثير العناصر المعرفية في ظهور المعرفة وازدهارها، وهذا يخلق مشكلة كبرى في بيان العقلانيَّة القائمة على الحقيقة والواقع.

(149)

9 - إنَّ الدكتور الجابري في تقييمه لصدق وكذب التعاليم والقضايا، قبل أنْ يهتمَّ بالملاكات والمعايير المعرفيَّة والمنطقيَّة، يبحث في الأسباب الوجوديَّة وعوامل ظهورها؛ بمعنى أنَّه يخلط مقام الجمع والتبويب بمقام إصدار الأحكام، ويرى في بعض الأحيان كفاية العلل الوجوديَّة وكذلك الدوافع إلى وجود شيء ما، أمرًا كافيًا لرفض أو إثبات مضمونه.

10 - إنَّ الدكتور الجابري يذهب -بتأثير من الفلاسفة الفرنسيِّين- إلى الاعتقاد بتاريخيَّة المعرفة وزمنيَّتها، وهذا الأمر يُؤدِّي به في نهاية المطاف إلى القول بالنسبيَّة. وبالالتفات إلى وجود بعض الشواهد بين كلمات الجابري، فإنَّه يُنكِر إطلاق وحاكميَّة حتَّى الأُصول المعرفيَّة العامَّة. وهكذا فإنَّ هذه النسبيَّة تطال حتَّى آرائه الخاصَّة، وتُسقِطها عن الحجّيَّة والاعتبار أيضًا.

11 - إنَّ النّزعة القوميَّة التي يُظهِرها الدكتور محمّد عابد الجابري، وتأكيده على تفوُّق المغرب العربي على المشرق العربي، وإدخاله لهذه النزعة في أحكامه، هي من بين نقاط الضعف الأساسيَّة التي يعاني منها الجابري، وقد سبق أنْ ذكرنا بعض الشواهد والمصاديق على ذلك.

12 - كما أنَّ مشكلة استخفافه واحتقاره للثقافة الإسلاميَّة، في قبال تضخيمه للثقافة والحضارة الغربيَّة، هي الأُخرى مسألة لا يمكن التغاضي عنها ببساطة.

وعلى كلِّ حالٍ فإنَّه رغم الانتقادات الكثيرة التي ترد على الدكتور محمّد عابد الجابري، إلَّا أنَّ هذا لا يُقلِّل من أهمّيَّته وضرورة دراسة آرائه وأفكاره.

(150)

محمّد عابد الجابري والقطيعة الأخلاقيَّة

دراسة ونقد[1]

السيِّد هاشم الميلاني[2]

تمهيد:

لقد أثارت أعمال المفكِّر المغربي محمّد عابد الجابري (1936-2010م) جدلًا واسعًا في الوسط العربي والإسلامي بين قادح ومادح، منتقد ومؤيِّد، وما زالت كُتُبه تُطبَع وتُباع وتُقرَأ، وما زال الأتباع في الاتِّباع ترويجًا ونشرًا، وما زال المنتقدون في النقد والتحليل، حيث أنتج هذا الجدل الواسع كمًّا هائلًا من الكُتُب والدراسات.

ولو أمطنا الستار عن هذا الكمِّ الهائل للوصول إلى كُنه مشروع الجابري، لوصلنا إلى نتيجة واحدة، وهي أنَّه يحلم برسم معالم ناقصة لمدينة فاضلة على غرار من سبقه من فلاسفة ومفكِّرين، ولكن غاب عنه أنَّ المُدُن الفاضلة لا تتحقَّق سوى في مخيال المنظِّر والكاتب، وليس لها نصيب من الواقع إلَّا بهذا المقدار، ومدينة الجابري الفاضلة لم تكن بدعًا من تلك المُدُن، إنَّ الجابري يرى أنَّ مدينتنا نحن الآن في الدول العربيَّة والإسلاميَّة إنَّما هي مدينة الجبَّارين[3]، وعليه لا بدَّ من التخلُّص منها والوصول إلى المدينة الفاضلة.

(151)

ولأجل الخلاص من مدينة الجبَّارين والوصول إلى المدينة الفاضلة في مخيال الجابري؛ لا بدَّ من إحداث قطيعة شاملة مع:

1 - الماضي البعيد، وهو الموروث القديم بما فيه من ثقافة وسياسة واجتماع ومعرفة.

2 - الماضي القريب، وهو الموروث النهضوي في القرنين الأخيرين.

3 - المرجعيَّة الغربيَّة وهيمنة الاستعمار على مجال الفكر والسياسة والاقتصاد.

ولكن النتيجة العمليَّة الحاصلة من هذه القطيعة هي القطيعة مع الموروث الإسلامي القديم بصيغته المشرقيَّة؛ ليبقى مشروعه متمسِّكًا بالموروث الغربي من حيث اعتماد الآليَّات والمناهج نفسها، والموروث العربي بصيغته المغربيَّة، الذي يبدأ من العصر الجاهلي ويمرُّ بالدولة الأُمويَّة وينتهي عند ابن رشد، وكأنَّه يوحي بأنَّ الحالة الرشديَّة أو الفترة الرشديَّة هي التي ينبغي أنْ تكون بداية لتشييد عصر تدوين جديد لإعادة بناء شامل للثقافة القوميَّة العربيَّة، بأنْ تشمل كلَّ الثقافات المحلّيَّة والشعبيَّة داخل الوطن العربي طبعًا بشرط أنْ تكون بصيغة مغربيَّة حصرًا مع التفتُّح التامِّ على الثقافات الأجنبيَّة[1]، فكما أنَّ مرجعيَّة الموروث القديم تعود إلى عصر التدوين الأوَّل في أواخر الدولة الأُمويَّة وبدايات العصر العبَّاسي الأوَّل، فمرجعيَّة مدينة الجابري الفاضلة تعود إلى (الروح الرشديَّة) والثقافة الغربيَّة.

هذا حصيلة مشروع الجابري، وكلُّ ما يذكره من لزوم الاحتفاء بالتراث القديم وعدم رفضه نهائيًّا، إنَّما هو تلاعب بالألفاظ، ومراوغة مع التيَّارات الأُصوليَّة والسلفيَّة التي كان على صلة وثيقة بها سيّما السعوديَّة منها، ولكي لا يُرمى بالارتداد والإلحاد.

(152)

إنَّ عمليَّة رسم معالم المدينة الفاضلة الجابريَّة يحول دون تحقُّقها التراث، والتراث عند الجابري كلُّ ما هو حاضر فينا أو معنا من الماضي، سواء ماضيُّنا أم ماضي غيرنا، سواء القريب منه أم البعيد، وبهذا التعريف يدخل التراث المعنوي من فكر وسلوك، والتراث المادّي كالآثار وغيرها، ويشمل التراث القومي والإنساني[1].

وفي عبارة أُخرى يقول:

إنَّ التراث هو ما تراكم عبر التاريخ الفعلي للأُمَّة العربيَّة الإسلاميَّة، وهو مجموع أنواع الفهم الذي كوَّنه المسلمون لأنفسهم عن عقيدتهم وواقعهم وتاريخهم[2].

ومنطلق هذا الموروث القديم عند الجابري هو عصر التدوين، إذ يقول:

والثقافة العربيَّة هي مجموع التراث الفكري المنحدر إلينا من الحضارة العربيَّة في القرون الوسطى، أي في عصر التدوين الذي امتدَّ زمنه ما بين منتصف القرن الثاني ومنتصف القرن الثالث الهجري، وهو الإطار المرجعي للفكر العربي بمختلف ميادينه.

وهذا الموروث تأسَّس من خلال نُظُم معرفيَّة ثلاثة:

1 - نظام معرفي لغوي عربي الأصل.

2 - نظام معرفي غنوصي فارسي هرمسي الأصل.

3 - نظام معرفي عقلاني يوناني الأصل[3].

إنَّ الجابري يقارب التراث مقاربة إبستمولوجية؛ لأنَّه يرى أنَّ الدراسات

(153)

الإبستمولوجيَّة هي دراسات نقديَّة أساسًا، والفكر الإبستمولوجي هو فكر نقدي يقوم على نقد العلم للكشف عن مسبقات الفكر العلمي وخطواته وآليَّاته، بهذا المعنى فالإبستمولوجيا هي مراقبة الفكر العلمي لنفسه باستمرار، وبذلك فالدراسات الإبستمولوجيَّة تُمكِّن الإنسان من الروح النقديَّة، وكذلك يذهب الجابري إلى أنَّ الاستفادة التي يمكن أنْ نأخذها من الإبستمولوجيا المعاصرة في التعامل مع تراثنا تعاملًا نقديًّا كبيرة جدًّا؛ لأنَّنا نكتسب من خلالها روحًا نقديَّة أوَّلًا، وثانيًا نكتسب خبرة من خلال الممارسة النقديَّة للعلم ولتاريخ العلم، نتسلَّح بمفاهيم وأدوات عمل نستطيع توظيفها في تراثنا توظيفًا واعيًا[1].

والجابري بعد قراءته الإبستمولوجيَّة للتراث يصل إلى لزوم إحداث قطيعة معه، وهذه القطيعة الجابريَّة قطيعة شاملة ومتعدِّدة الجوانب بتعدُّد الموروث القديم وتنوُّعه ليشمل الفلسفة والفقه والأخلاق والسياسة والاجتماع، وهذا صرَّح به الجابري إذ يقول:

اللغة، الشريعة، العقيدة، السياسة، تلك هي العناصر الرئيسيَّة التي تتكوَّن منها المرجعيَّة التراثيَّة التي قلنا: إنَّه لا سبيل إلى تجديد العقل العربي تحديثه إلَّا بالتحرُّر من سلطاتها.

وفيما يلي نحاول أنْ نبحث القطيعة الأخلاقيَّة التي يرنو إليها الجابري للوصول إلى التجديد المنشود وإلى مدينته الفاضلة...

القطيعة الأخلاقيَّة:

خصَّص الجابري مجلَّدًا ضخمًا لعلم الأخلاق، وإنْ كان أكثره لا علاقة له بعلم

(154)

الأخلاق، بل أقرب ما يكون إلى السياسيَّة من علم الأخلاق، بمعنى السلوك الأخلاقي، عدا أنَّه ضخَّم حجم الكتاب بما لا فائدة فيه، ولا يمتُّ إلى أصل الموضوع بصلة من نقل الأقوال المطوَّلة، وشرح المشاريع المختلفة، وتلخيص الكُتُب المتنوِّعة.

ثمّ إنَّه يُقدِّم مقدّمات تأسيسيَّة منهجيَّة قبل الشروع في العمل، ليقول بأنَّ العقل الأخلاقي يُؤسِّسه ويُوجِّهه نظام القِيَم وليس النظام المعرفي، فالموضوع هو نُظُم القِيَم في الثقافة العربيَّة الإسلاميَّة التي تصوغ العقل الأخلاقي العربي[1]، ونُظُم القِيَم هذه قد توقَّفت عن النموِّ والحركة، ودخلت عصر الاجترار والجمود على التقاليد ابتداءً من القرن العاشر الهجري[2]، وإنَّ نظام القِيَم ليس مجرَّد خصال حميدة أو غير حميدة يتَّصف بها الفرد فتكون خُلُقًا له، بل هو بالدرجة الأُولى معايير للسلوك الاجتماعي والتدبير السياسي ومحدّدات لرؤية العالم واستشراف المستقبل[3]، فهو يُوسِّع في مدارات علم الأخلاق ليشمل الفردي والجمعي والسياسي.

ثمّ إنَّه يرى أنَّ محاولات تشييد نظام في القِيَم خاصٌّ بكلٍّ من الموروثين العربي والإسلامي، إنَّما بدأ بعد أنْ تغلغلت في الثقافة العربيَّة الإسلاميَّة نظام القِيَم الخاصَّة بالموروثات الأُخرى الوافدة: الفارسي، واليوناني، والصوفي، إذًا فبداية التأليف في نظام القِيَم الخاصَّة بالموروث العربي الخالص والإسلامي الخالص قد جاءت متأخِّرة جدًّا، لقد بدأت كنوع من ردِّ الفعل على هيمنة نُظُم القِيَم الوافدة على الساحة العربيَّة الإسلاميَّة، ولم تتجاوز مرحلة ردِّ الفعل هذه إلى مرحلة العمل الأصيل إلَّا بعد قرون[4].

(155)

بعد هذه المقدّمة يتطرَّق الجابري إلى تأسيس مقدّمة ثانية، ويتساءل عن المشكلة الأخلاقيَّة التي تتلخَّص في السؤال التالي: على أيِّ أساس تقوم الأخلاق؟ وبعبارة أُخرى: ما الذي يُؤسِّس الحكم الأخلاقي، اللَّذَّة، العرف، الدِّين، العقل، الضمير؟! فقد عرف التاريخ مدارس تعتمد كلًّا من هذه الأُسُس[1].

يرى الجابري أنَّ الدِّين عند الفقهاء يُغطِّي من الناحية المبدئيَّة جميع مظاهر الحياة بتشريعاته وأحكامه، وهو بمثابة القانون في المجتمعات المعاصرة، لكنَّه كالقانون مجاله محدود بالقياس إلى المجالات الأُخرى المتروكة للعرف والعادة والعقل... ثمّ إنَّ الفكر الإسلامي ميَّز بين أحكام الشريعة ومكارم أو آداب الشريعة، فأولى اهتمامًا كبيرًا بالأوَّل وأهمل الثاني، ممَّا يعني عند الجابري أنَّ الدِّين في الإسلام ليس هو أساس الأخلاق، بل إنَّ مصدر الحكم الأخلاقي هو العقل[2].

بعد هذا العرض السريع لبعض المقدّمات، يُقسِّم الجابري الأخلاق في الموروث الإسلامي إلى:

1 - أخلاق الطاعة.                     2 - أخلاق السعادة.

3 - أخلاق المروءة.                    4 - أخلاق الفناء.

5 - الأخلاق الإسلاميَّة.

ليخرج بنتيجة نهائيَّة تُعبِّر عن مشروعه، وهي أخلاق الدنيا والمصلحة.

وإليك بيانه:

(156)
1 - أخلاق الطاعة:

قد ورث الفكر العربي والإسلامي أخلاق الطاعة من الموروث الفارسي الكسروي، وقد دخل هذا الموروث الثقافة الإسلاميَّة أواخر العصر الأُموي[1]، وسببه عند الجابري يعود إلى كثرة الفتن الحادثة آنذاك، وكثرة المدارس الفكريَّة الجديدة، فرأى بنو أُميَّة لزوم تجاوز هذه الأزمة إلى استحداث قِيَم جديدة تُركِّز على وحدة المجتمع والدولة وضرورة الانسجام بينهما، وبما أنَّ ما يجمع المجتمع والدولة هو الدِّين، وما يُحقِّق الانسجام بينهما هو الطاعة لله ولصاحب الدولة، فإنَّ القِيَم المطلوبة هي التي تربط بين الاثنين: وحدة الدين والدولة وطاعة الله والخليفة، وتلك القِيَم كانت جاهزة في الموروث الفارسي، وقد أخذوه من خلال الترجمة[2].

ثمّ إنَّ هذا الموروث الفارسي انتقل إلى الثقافة العربيَّة على عهد هشام بن عبد المَلِك، والذي غرف منه كلٌّ من سالم وعبد الحميد الكاتب، وكذلك ابن المقفَّع؛ إذ كان أكبر ناشر ومروِّج للقِيَم الكسرويَّة وأيديولوجيا الطاعة في الثقافة العربيَّة الإسلاميَّة[3]، وهذه الدولة الكسرويَّة هي التي ما زالت قائمة إلى اليوم باسم دين الإسلام في الغالب[4].

ثمّ إنَّ الجابري يرى أنَّ النموذج الفارسي قد فرض نفسه ليس فقط على مستوى القِيَم الكسرويَّة التي تبنَّاها ملوك الأُمويِّين، بل فرض النموذج الفارسي نفسه كذلك على مستوى القِيَم المعارضة للقِيَم الكسرويَّة، فالغلاة الذين انتسبوا إلى الشيعة وتزعَّموا حركات معارضة مسلَّحة ضدَّ الأُمويِّين على عهد هشام بن عبد

(157)

المَلِك، كانوا يُوظِّفون القِيَم نفسها التي اعتمدتها الحركات المعارضة الكسرويَّة في عقر دارها[1].

2 - أخلاق السعادة:

إنَّ أخلاق السعادة في الثقافة العربيَّة تضرب بجذرها في الفكر اليوناني على ضوء آراء أفلاطون وأُرسطو وجالينوس، وقد تشعَّبت على ضوء تشعُّبها في الثقافة اليونانية إلى:

أ- نزعة علميَّة طبّيَّة (مرجعيَّتها جالينوس).

ب- نزعة فلسفيَّة (مرجعيَّتها أفلاطون وأُرسطو).

ج- نزعة تلفيقيَّة تقتبس من المرجعيَّات الثلاث[2].

إنَّ أوَّل ما انتقل إلى الثقافة العربيَّة من الموروث اليوناني في مجال الأخلاق والقِيَم، هو تلك النزعة الطبّيَّة الفيزيولوجيَّة التي كرَّسها جالينوس في هذا المجال من خلال قراءة أخلاق أفلاطون قراءة طبيب لا قراءة فيلسوف[3]، وذلك على يد الكندي والرازي الطبيب وثابت بن سنان وابن الهيثم، طبعًا وهذه النزعة الطبّيَّة خالية من تأثير القِيَم الكسرويَّة[4].

ثمّ مع الفارابي ينتقل الجابري إلى أُرسطو في الأخلاق، ولكن لا السعادة لجميع الناس مثلما عند أُرسطو، بل السعادة التي تخصُّ الفيلسوف، ومع الفارابي كذلك ينتقل إلى سياسة أفلاطون ولكن لا السياسة التي تعني بتشييد المدينة الفاضلة، بل

(158)

إلى آراء أهل المدينة الفاضلة أي النظريَّات والعقائد التي إذا عمل بها أهل المدينة صارت مدينتهم فاضلة، فنظام القِيَم عند الفارابي يجمع بين أفلاطون وأُرسطو وأشياء أُخرى[1].

ثمّ ينتقل الجابري إلى ابن باجة وابن رشد في المغرب الإسلامي، ليقول بأنَّ ابن باجة أراد أنْ يبني الأخلاق على العلم الطبيعي بالاعتماد على طبيعيَّات أُرسطو[2]، وبهذا لم يحدث قطيعة تامَّة مع نوع من الأخلاق والسياسة [أي الآداب السلطانيَّة] فقط، بل أحدث نقلة نوعيَّة في مجال القِيَم[3].

3 - أخلاق الفناء:

يرى الجابري أنَّ أخلاق الفناء وفكرة الفناء نفسها، أبعد ما تكون من أخلاق الحياة كما قرَّرها القرآن الكريم بآياته والنبيُّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بسلوكه، مثلما أنَّ فكرة الفناء لا تستقيم مع عقيدة التوحيد مثلما قرَّرها القرآن الكريم، وعليه لا بدَّ أنْ تكون هذه الفكرة وافدة إلينا إمَّا من الموروث الفارسي أو الموروث اليوناني[4].

ثمّ يسأل الجابري عن لغز انتشار أخلاق الفناء رغم تقاطعها مع قِيَم الحياة التي قامت عليها الدعوة المحمّديَّة ودولة الخلفاء ودولة الأُمويِّين، ويعزو ذلك إلى عاملين: خارجي وداخلي[5].

أمَّا العامل الخارجي فهو العرفان والتصوُّف الوافد من الخارج، العرفان

(159)

دخل ضمن الموروث اليوناني عبر مدارس الإسكندريَّة وأنطاكيَّة وأفاميَّة وغيرها، والتصوُّف عبر الموروث الفارسي، وقد انتشر في الكوفة والبصرة، وسبب انتشاره أنَّ الدولة الأُمويَّة استفادت من الموروث الفارسي الكسروي وأخذت منه أخلاق الطاعة لتُثبِّت حكمها، ثمّ إنَّ المعارضة الأُمويَّة جاءت واستخدمت السلاح نفسه وأخذت الموروث الفارسي بشقِّه الثاني أي المناهض للكسرويَّة وترجمته واستخدمته ضدَّ الحكم الأُموي، وهو أخلاق التصوُّف والفناء[1].

والجابري لا يفوته الغمز في الموروث الصوفي الفارسي؛ إذ يرى أنَّه لم يتزهَّد طلبًا للزهد والبُعد عن الدنيا، بل اتَّخذ الزهد وسيلةً لنيل مآربه السياسيَّة، يقول الجابري بهذا الصدد:

الجري وراء الزعامة كان إذن من جملة الدوافع التي كانت تُحرِّك أُمراء الزهد هؤلاء الذين ينتقلون وسط حاشية عريضة من الأشياع والأتباع يطلبون زعامة الآخرة في الدنيا بعد أنْ لم يتمكَّنوا من تحقيق زعامات دنيويَّة على قدر طموحاتهم، وبعبارة أُخرى: أخلاق الفناء تدَّعي أنَّ هدفها هو الفناء في الله، فهذا من الناحية النظريَّة فقط، أمَّا من الناحية الواقعيَّة فهي تنتمي إلى الولاية التي هي ملك روحي وبالتالي مادّي، لأنَّ من يملك الأرواح يملك الأبدان، أمَّا منزلة ملك الملوك (الله) فهي للقطب، فحقيقة القبطانيَّة هي الخلافة العظمى عن الحقِّ مطلقًا في جميع الوجود جملةً وتفصيلًا[2].

أمَّا العامل الداخلي في انتشار التصوُّف والعرفان، فيوعزه الجابري إلى الأزمات العميقة الموجودة في الضمير الدِّيني جرَّاء الحروب والفتن، وظهور شعارات ومعتقدات بعيدة عن روح الدعوة المحمّديَّة، فهذه الأزمات في الضمير الدِّيني

(160)

عبَّرت عن نفسها في مواقف الحياد والاعتزال والهروب إلى الأماكن المقدَّسة[1].

والخلاصة أنَّ القِيَم الأساسيَّة التي تحكم أخلاق الفناء إنَّما هي قِيَم كسرويَّة[2].

4 - أخلاق المروءة:

أخلاق المروءة هي أخلاق الموروث العربي الخالص، ويجد مرجعيَّته فيما قبل الإسلام أي العصر الجاهلي، والذي عرف امتدادًا واتِّساعًا وحضورًا قويًّا خلال العصر الأُموي[3]، ومصادر هذا الموروث العربي الخالص أوَّلًا وأخيرًا هي كُتُب الأدب[4]، ثمّ إنَّ مصطلح المروءة لقي رواجًا في العصر الأُموي تعبيرًا عن السلوك النموذجي الأرستقراطي القبلي الأُموي، الذي هو امتداد للأرستقراطيَّة القبليَّة العربيَّة في الجاهليَّة وصدر الإسلام[5].

إنَّ مفهوم المروءة في الذهن العربي يجمع الخصال المحمودة كلَّها، ويمنع من جميع الصفات المذمومة[6]، فالمروءة هي ملتقى مكارم الأخلاق يتمُّ تحصيلها ببذل الجهد والمشقَّة، وهي تكسب صاحبها احترامًا وتقديرًا، وتجعله قدوةً وكلمةً مسموعةً وسلطةً ونفوذًا، ومن هنا كان شيخ القبيلة الجامع لصفات المروءة يتحوَّل إلى سيِّد، فالمروءة من هذه الناحية هي الطريق نحو السؤدد الذي هو أسمى قيمة اجتماعيَّة في المجتمع العربي الجاهلي، هذا الطابع الاجتماعي المحلِّي للمروءة جعلها تبدو كفضيلة عربيَّة محضة، ويُؤيِّد ذلك أنَّ جميع من تحدَّثوا عن

(161)

المروءة نقلوا ذلك عن شخصيَّات عربيَّة من العصر الجاهلي وصدر الإسلام والعصر الأُموي، ونادرًا ما يُنقَل عن مرجع فارسي أو يوناني[1].

5 - الأخلاق الإسلاميَّة:

يشير الجابري إلى أنَّ الدِّين يحمل بين طيَّاته نظامًا للقِيَم الخاصَّة به، فالقرآن والحديث قرَّر الكثير من القِيَم، ولكن الدعوة إلى السلوك الأخلاقي شيء والتأليف العلمي في القِيَم الإسلاميَّة شيء آخر[2].

إنَّ الفقهاء ألحقوا بابًا في جوامعهم باسم الآداب الشرعيَّة، وزعموا أنَّه يُغني عن الكتابة في حقل معرفي يخصُّ القِيَم والأخلاق، واستمرَّ الأمر إلى ظهور التنافس بين أنصار الموروث اليوناني والموروث الفارسي للاستحواذ على الثقافة العربيَّة، ومن خلال هذه المنافسة بدأ يتكوَّن لدى بعض العلماء الشعور بالحاجة إلى علم أخلاق إسلامي يضاهي أو يمتصُّ الموروثات الأُخرى[3].

ثمّ يشرح الجابري ما قام به المحاسبي نحو تأسيس أخلاق إسلاميَّة معتمدة على القرآن وحده، وهو بمثابة خطوة أُولى لتكوين أخلاق إسلاميَّة، إذ ما صنعه كان أخلاق الدِّين والآخرة وقد غاب عنه أخلاق الدنيا.

(162)

حصيلة البحث والملاحظات:

١ - إنَّ الجابري بعد سرده لنُظُم القِيَم في الموروث الإسلامي والعربي، يحاول أنْ يُحدِث قطيعة معها لتأسيس نظام أخلاقي قيمي جديد هو (أخلاق الدنيا والمصلحة العامَّة)، وللوصول إلى هذا الهدف يحاول أنْ يجمع بين أخلاق المروءة والأخلاق الإسلاميَّة الخالصة من خلال فبركة علميَّة هو مضطلع فيها وابن بجدتها.

فمن جهة يمتدح أخلاق المروءة التي يجعلها عربيَّة أُمويَّة خالصة بوصفها أخلاق الدنيا بقطع النظر عن الدِّين[1]، وهو مهما حاول أنْ يتلاعب ويراوغ ليقول بأنَّها لا تعني معارضة الدِّين، لكن ينتهي في الأخير إلى أنَّها قيمة إنسانيَّة عامَّة[2]، ليُثبِت استقلاليَّتها مرَّةً ثانيةً عن الدِّين، ليقول:

وبعد هل نحتاج إلى القول: إنَّ المروءة قد بقيت تُمثِّل في الفكر العربي منذ العصر الأُموي إلى اليوم القيمة العليا التي لا تتحقَّق المدينة الفاضلة العربيَّة بدونها[3]؟

ومن جهة أُخرى يحاول أنْ يُحمِّل القرآن ويُضمِّنه نظريَّته، لذا يتَّجه نحو ما ورد من حثِّ القرآن على الإيمان والعمل الصالح، ليجعل العمل الصالح هو المحور الأساسي في أخلاق القرآن، ثمّ من خلال فبركة لغويَّة وتشابه بين الحروف يجعل العمل الصالح مساويًا للمصالح[4].

ثمّ يجعل الجابري العزَّ بن عبد السلام المغربي (ق ٧) المخترع الأوَّل لهذا الأمر، إذ إنَّه أدرك منزلة العمل الصالح أو المصالح بتعبير الفقهاء في نظام القِيَم الذي

(163)

أقرَّه القرآن[1]، إنَّه أوَّل من شيَّد الأخلاق الإسلاميَّة على القيمة المركزيَّة في الموروث الإسلامي الخالص: العمل الصالح أو المصلحة العامَّة بكيفيَّة خاصَّة[2]:

ففهم الإحسان الذي يأمر به القرآن على أنَّه الفعل الحسن الذي يُحقِّق اللَّذَّة المشروعة للنفس والبدن والعمل الصالح الذي ينفع الناس، لقد نظر إلى أحكام القرآن وأخلاق القرآن من منظور واحد هو المصلحة العامَّة[3].

هذه الخدعة في التسوية بين العمل الصالح الوارد في القرآن وهو سلوك أخلاقي بحت -يساوي باب العبادات في الفقه-، ومسألة المصلحة ومقاصد الشريعة الواردة في الفقه السُّنِّي -المساوية لباب المعاملات في الفقه- لا يتمكَّن أنْ يأتي بها سوى الجابري، إذ قد ألفنا منه التلاعب بالكلمات والجُمَل وتحريف المعنى والمحتوى، ولا يخفى على أحد الفرق بين المصطلحين، أي بين العمل الصالح والمصلحة العامَّة.

وبطبيعة الحال ستكون الأخلاق على ضوء هذه الكرامة الجابريَّة نسبيَّة وعرفيَّة تتغيَّر بتغيُّر المصالح في الأزمنة والأمكنة المختلفة.

2 - وممَّا يُؤخَذ على الجابري مثلما ذكرنا في مفتتح المبحث سرد النصوص وتلخيص الكُتُب من دون تدوين نظام عربي أخلاقي عقلاني، وهذا ما يورده حسن حنفي على الجابري إذ يقول:

ويغيب بناء الشعور الأخلاقي بالرغم من تعدُّديَّة أنواع الأخلاق، كما يغيب وصف الشعور الأخلاقي وراء موادِّه المختلفة من الكلام أو التصوُّف أو الأُصول، ومصادره عند الفرس واليونان والعرب قرب الإسلام، وإذا أراد أحد أنْ يُجيب عن سؤال: (ما العقل الأخلاقي العربي؟) لخرج بمادَّة تاريخيَّة مجمعة عن كُتُب

(164)

الأخلاق من خلال علوم الكلام والحكمة والتصوُّف والأُصول ومصادرها العربيَّة واليونانيَّة والفارسيَّة[1].

ويذهب فهمي جدعان المذهب نفسه أيضًا[2].

3 - الأمر الآخر هو المبالغة في تسييس الأُمور، وجعل الساحة السياسيَّة ساحة صراعات وأزمات سياسيَّة بين هذا الفريق أو ذاك، وللفرس القسط الأكبر من هذا التسييس، فجعل التاريخ الإسلامي تاريخ أزمات مهَّدت لاجتياح الفكر الفارسي واليوناني والصوفي[3].

لقد فسَّر الجابري دخول الأخلاق الفارسيَّة جرَّاء نزاع سياسي بين الدولة والمعارضين، وهذه الرؤية المسيَّسة لا تخرج من مناخ مؤدلج عاشه الجابري في وهمه وتحوَّل إلى هستريا فارسيَّة، ولكن يمكن تفسير هذه الظاهرة بشكل آخر مثلما قام بها مؤرِّخ الفلسفة والثقافة الإسلاميَّة ماجد فخري، إذ يرى أنَّ بعض المؤلِّفين الفرس في القرن العاشر شعروا بالحاجة إلى تصنيف مجموعات من الحِكَم الأخلاقيَّة والدِّينيَّة، لكي يُعزِّزوا في غمرة المشادَّة القوميَّة بينهم وبين العرب ادِّعاءهم بأنَّ الفرس القدماء كانوا أندادًا لليونان أو العرب في مضمار الأقوال الحكميَّة، أو من باب المنافسة للعرب المنشئين في التصنيف والتنميق والخطابة، مثلما صنع ابن المقفَّع الفارسي[4]، وعليه فتغيب النظرة المسيَّسة الجابريَّة.

4 - إنَّ الجابري محكوم في هذا الكتاب بالنظرة القوميَّة القويَّة والتوظيف

(165)

الأيديولوجي، «ولذلك سرعان ما يتجاوز كلَّ تدقيقاته وتصنيفاته ليُصدِر أحكامًا قاطعة تُلغي في كثير من الأحيان مسوِّغات الجهد الكبير في الجمع والتقميش والعمارة التوليفيَّة المحكمة»[1].

5 - وممَّا يُؤخَذ على الجابري أنَّه اعتمد في رسم أُسُس العقل الأخلاقي على الكُتُب والمؤلَّفات، ولم يستخلص سمات هذا العقل من الممارسات العقليَّة الجزئيَّة والكلّيَّة التي يمكن أنْ يُستَدلَّ عليها من المأثور من الأقوال والأحاديث والوقائع التي انتقلت بالرواية طبقة إلى طبقة حتَّى دُوِّنت[2].

6 - إنَّ الجابري لم يُثبِت أثرًا للحديث الشريف في العقل الأخلاقي عند المسلمين، ولا أفرد لذلك بحثًا مخصوصًا، وكذلك الأمر بالنسبة إلى القرآن الكريم لا يكاد يلحظ إفراد لذكر أثره التكويني في هذا العقل[3]، بل إنَّه باعد بين الشرع والعقل، فجاءت الأخلاق لقيطة في أرض بوار، لأنَّه لا يريد أنْ يقترب من الشرع ويحسب العقل بعيدًا عن الشرع[4]، وكذلك فهمي جدعان فإنَّه يرى أنَّ الأخلاق الدِّينيَّة لم تحتلّ المكانة التي تستحقُّها في تحليلات الجابري[5].

7 - يرى الجابري أنَّ أخلاق الطاعة ما زالت مستقرَّة في نفوس المسلمين، وهي من أهمّ أسباب التخلُّف وعدم النهوض، ويستنتج أنَّهم لم يدفنوا بعد أباهم أردشير، وهذه المقولة أثارت حفيظة الكثير، فقد ردَّ عليه حسن حنفي بأنَّ العرب إذا لم يدفنوا أباهم أردشير فكيف نمت حركات التحرُّر الوطني ضدَّ الاستعمار؟

(166)

وكيف قامت الثورات والهبَّات الشعبيَّة ضدَّ خلفاء أدرشير؟ كيف يمكن فهم استمرار المقاومة في فلسطين وكشمير؟ ألم يسقط الشهداء الذين واجهوا السلاطين؟ لأنَّ الساكت عن الحقِّ شيطان أخرس، ولأنَّ أفضل الشهادة كلمة حقٍّ في وجه سلطان جائر[1]. وكذلك يرى فهمي جدعان[2]، ورضوان السيِّد[3].

9 - يرى البعض أنَّ الجابري متأثِّر في نحت أخلاق المروءة ونسبتها إلى الجاهليَّة، من جولدسيهر في كتابه دراسات محمّديَّة، إذ عندما درس الحقبة الجاهليَّة في المجلَّد الأوَّل، عدَّ في الفصل التمهيدي أنَّ مفهوم الأخلاق المركزي في الجاهليَّة أو ما يُسمِّيه نظام القِيَم العربيَّة، هو المروءة، وجعل عنوان الفصل (مروءة ودين)، وتبعه الجابري[4].

وأخيرًا نُسجِّل للجابري مَعْلَمًا آخرًا في بناء مدينته الفاضلة، وهو إحداث قطيعة مع ماضيِّه الأخلاقي وتأسيس أخلاق الدنيا والمصلحة العامَّة، المصلحة التي تُعرَف من خلال عقل الإنسان وتضرب بجذورها في الجاهليَّة، أمَّا الإسلام وأخلاقيَّاته فلا خبر عنها في هذه المنظومة وهذه المدينة الفاضلة.

(167)
(168)

الشموليَّة والانتقائيَّة

في منهج ونظريَّة العقل السياسي العربي عند الجابري

حامد فتحي حامد عبد الواحد[1]

مقدّمة:

في ختام كتاب «العقل السياسي العربي» لمحمّد عابد الجابري، يطرح توصيات عدَّة للخروج من الوضع السياسي المأزوم للدول العربيَّة، وذلك بمنح معاني جديدة للمحدّدات الثلاثة للعقل السياسي العربي، وهي: (العقيدة، والقبيلة، والغنيمة)، فتتحوَّل القبيلة إلى التنظيم المدني السياسي الاجتماعي من أحزاب، ونقابات، وجمعيَّات حرَّة، ومؤسَّسات دستوريَّة. والغنمية تتحوَّل من الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد إنتاجي يدفع إلى السلطة. وتُستَبدل العقيدة إلى مجرَّد رأي، وتُحرِّر من سلطة عقل الطائفة والدوغمائيَّة الدِّينيَّة أو العلمانيَّة.

تلك المحدّدات التي شكَّلت المقولات القبليَّة، وسكنت المخيال الاجتماعي واللَّا شعور لدى ممارسي السياسة العرب منذ بعثة النبيِّ محمّد في مكَّة، وما زالت فاعلة حتَّى اليوم، وإنْ دخلها تغيير في المفاهيم. وبما أنَّنا في أزمة، وهذه المحدّدات هي المسؤولة بصفتها الفاعلة في التاريخ السياسي للعرب، لذلك فإنَّ تغييرها سينتج عنه تغييرًا إيجابيًّا في واقعنا ومستقبلنا السياسي، هكذا تحدَّث الجابري.

(169)

تبحث هذه الدراسة مشروع الجابري في شقِّه السياسي، فتتناول بالنقد المنهجيَّة، والتطبيق النظري للمفاهيم والفرضيَّات على أحداث التاريخ العربي / الإسلامي، وإمكانيَّة وجود عقل سياسي عربي واحد، يمكن دراسة مجمل تاريخه وفق محدّدات وتجلّيات هذا العقل، بمعنى أوسع: هل اكتشف الجابري نظريَّة كلِّ شيء التي تُفسِّر مجمل المسيرة السياسيَّة للعرب؟ ومدى فعَّاليَّة القول بعقل سياسي واحد؟

مدخل نظري: الإطار العامُّ للدراسة:

موضوع هذه الدراسة هو كتاب «العقل السياسي العربي - محدّداته وتجلّياته»[1]، وهو العمل الثالث من مشروع محمّد عابد الجابري بعنوان «نقد العقل العربي»، ويستكمل فيه مشروعه في نقد العقل العربي في مظهره السياسي، بعد أنْ تناول في كتابيه السابقين تكوينه وبنيته.

ينتقل في كتابه هذا إلى البحث في منطقة التقاء بنى العقل العربي مع الواقع السياسي العربي، أي من «عقل الفكر العربي» إلى «عقل الواقع العربي» بتعبيره. ثمّ يدرس في كتابه الرابع من هذا المشروع بعنوان «العقل الأخلاقي العربي - دراسة تحليليَّة نقديَّة لنُظُم القِيَم في الثقافة العربيَّة» المظهر الأخلاقي لهذا العقل، ليكتمل بذلك بحثه عن المعرفي والعملي والقيمي في العقل العربي.

يحتلُّ الواقع السياسي أهمّيَّة كبرى في التاريخ الإسلامي العامِّ، كونه الفاعل الأوَّل بعد النبوَّة في مسيرة هذا التاريخ، وقد سبق السياسي ما هو معرفي، وتداخل بشكل أساسي مع المعرفي والثقافي والأخلاقي، حتَّى إنَّه سبق زمنيًّا عصر التدوين

(170)

الذي اتَّخذه الجابري لحظةً تاريخيَّةً للعقل العربي، ممَّا يطرح تساؤل حول ترتيب مجمل مشروع الجابري الفكري، ويخلق أزمة في الربط بين الآليَّات المنتجة للمعرفة (النُّظُم الثلاثة: بيان، برهان، عرفان) وبين علاقتها بالتاريخ السياسي العربي، وتحديدًا الفترة المؤسَّسة وما تلاها من حادث مقتل عثمان، وصراع ثلاثي الجمل مع الخليفة عليِّ بن أبي طالب، ثمّ صراع عليٍّ مع معاوية، ثمّ سيادة الأُمويِّين على القرار السياسي العربي، وما تبع ذلك من ظهور الفِرَق الإسلاميَّة وصولًا إلى قيام الدولة العبَّاسيَّة، ثمّ عصر التدوين وفق رؤية الجابري.

يكشف الجابري في هذا العمل عن المحدّدات التي حكمت العقل العربي، وقادت مسيرته السياسيَّة حتَّى اليوم، ويُصنِّفها بأنَّها (العقيدة، والغنمية، والقبيلة)، ثمّ يحشد عدد واسع من النظريَّات الغربيَّة الحديثة من مجالات اجتماعيَّة عدَّة لربط هذه المحدّدات بمثيلاتها التي تحاول تفسير مسيرة التاريخ الإنساني، فنجد لديه أنَّ العقيدة تساوي الأيديولوجيا، وأنَّ الغنمية هي العامل الاقتصادي، والقبيلة هي المؤسَّسات التقليديَّة للسلطة المعبِّرة عن مصالح الفئات المهيمنة.

ويعتمد على جهاز مفاهيمي واسع لتبرير محدّداته التي وضعها، فيستعين بالمفاهيم الآتية: اللَّا شعور السياسي، وهو الذي يحكم الظاهرة السياسيَّة من الداخل، تفكيرًا وممارسةً. ومفهوم المخيال الاجتماعي الذي يقوم للعقل السياسي بمثابة النظام المعرفي للعقل النظري الفلسفي الكلامي الفقهي. ومفهوم المجال السياسي، وهو كيفيَّة ممارسة السلطة وعلاقتها بالفاعلين في مجتمع بعينه، ومنها المجال السياسي الأُوروبي مقابل المجال السياسي الإسلامي.

يربط الجابري بين جهازه المفاهيمي وبين محدّدات العقل السياسي الثلاثة، ثمّ ينتقل إلى تطبيق ذلك على التاريخ الإسلامي منذ ما قبل البعثة النبويَّة، حتَّى

(171)

العصر العبَّاسي، إذ إنَّه لا يرى أنَّ المجتمعات الإسلاميَّة والعربيَّة تطوَّرت عمَّا كان سائدًا في الفترة محلِّ الدراسة، بل هي تكرار لمحدّداتها وتجلّياتها، مع اختلاف المسمّيات والوسائل، «القبيلة والغنيمة والعقيدة محدّدات ثلاثة حكمت العقل السياسي العربي في الماضي وما زالت تحكمه بصورة أو بأُخرى في الحاضر»[1].

ويخلص من دراسته إلى ظهور أربعة تجلّيات لهذا العقل، وهي: دولة الملك السياسي، وميثولوجيا الإمامة، والحركة التنويريَّة المحدودة، والأيديولوجيا السلطانيَّة (الفقه السلطاني). وهذه التجلّيات هي الفاعلة في تطوُّر الدولة في العالم الإسلامي حتَّى اليوم، وخلص إلى ضرورة إعادة بناء هذه المحدّدات للسير في طريق التغيير الاجتماعي نحو الحداثة والديمقراطية.

تتكوَّن هذه الدراسة من مقدّمة، ومدخل نقدي لمنهجيَّة الجابري في هذا العمل، ثمّ محورين: الأوَّل يدرس الجهاز المفاهيمي والنظري الذي اعتمد عليه الجابري لتبرير محدّداته الثلاثة. والثاني يتناول كيفيَّة تطبيق المحدّدات في دراسة الواقع السياسي. ثمّ خاتمة تُلخِّص أهمّ النتائج.

يتناول المدخل النقدي والمحور الأوَّل دراسة الأُسُس التي اعتمد عليها في تشريحه للعقل السياسي العربي بفحص الصحَّة المنهجيَّة والجهاز المفاهيمي والنظريَّات التي يتبنَّاها الجابري، ومدى مناسبة ذلك لموضوع الدراسة وهو الواقع السياسي العربي، وذلك من خلال عرض المنهج ثمّ نقده والوقوف على الأخطاء المنهجيَّة. ويبحث المحور الأوَّل سيادة آليَّتي الشموليَّة والانتقائيَّة على منهج الجابري، والأشكال التي ظهرت بهما، فظهرت الشموليَّة في عدَّة أشكال وهي: (نزع طابع التطوُّر عن التاريخ السياسي العربي، تهميش الفاعلية الإنسانيَّة في

(172)

التطوُّر الاجتماعي لصالح محدّدات جمعيَّة أو مادّيَّة، ليُّ عنق النصوص والأحداث التاريخيَّة وتطويعها لخدمة فكرته، الجمع الجابري بين النصوص المتناقضة بحجَّة أنَّها جميعًا تُقدِّم زاويةً للحدث الواحد).

وتنوَّعت آليَّة الانتقائيَّة إلى أشكال عدَّة، وهي: (الانتقائيَّة النظريَّة، الانتقائيَّة المنهجيَّة، الانتقائيَّة النصوصيَّة، والانتقائيَّة التاريخيَّة).

ويختصُّ المحور الثاني ببحث كيفيَّة تطبيق الجابري لرؤيته النظريَّة على الواقع السياسي العربي، وإلى أيِّ مدى يمكن قراءته وفق المحدّدات التي طرحها الباحث، وهل نجح في تقديم تفسير شامل لمجمل الأحداث في هذا التاريخ، وذلك بتتبُّع الباحث في فصول كتابه عن المحدّدات والتجلّيات، والتدقيق في خطِّ سير الباحث في تناوله للأحداث المؤسِّسة لهذا التاريخ. وينتهي البحث بخاتمة عن أهمّ النتائج التي توصَّلت الدراسة إليها.

مدخل نقدي: عرض ونقد منهجيَّة الجابري:

ينبني عمل المؤلِّف في هذا الكتاب على مسلَّمة أوَّليَّة، يتحدَّد من خلالها موضوع البحث ثمّ المنهج، وهي «لكلِّ فعل محدّدات وتجلّيات، قد تكون المحدّدات دوافع داخليَّة بيولوجيَّة أو سيكولوجيَّة شعوريَّة أو لا شعوريَّة، وقد تكون تنبيهات أو تأثيرات خارجيَّة. أمَّا التجلّيات فهي المظاهر والكيفيَّات التي يتحقَّق الفعل فيها أو من خلالها أو بواسطتها»[1].

من تلك المسلَّمة ينتقل الجابري إلى وصف الفعل السياسي بأنَّه فعل له محدّدات وتجلّيات، بوصفه علاقات القوى داخل مجتمع محدَّد، والتي تُمارس من خلال سلطة

(173)

الحكم. ويستعين بمنهج التحليل البنيوي الذي سار عليه في كتابيه الأوَّلين (بنية وتكوين العقل العربي) بحثًا عن البنى الثابتة التي يتحدَّد العقل العربي بها والتجلّيات الثابتة التي ظهرت عن فعل المحدّدات والتنبيهات في هذا العقل.

يستخدم الجابري تنوُّع واسع من المناهج في بحثه، فبجانب البحث عن البنى الثابتة يلجأ إلى المنهج التاريخي وقراءة النصوص واستنطاقها، ويُحرِّر الجابري نفسه جزئيًّا من الالتزام بضوابط المناهج، إذ إنَّها جميعًا مسخَّرة لإثبات صحَّة نظريَّته الشاملة المفسِّرة للعقل السياسي الحاكم للظاهرة السياسيَّة، والتي تحدَّدت سلفًا قبل توظيف المناهج وترتيب الأفكار. يُعرِّف المنهج في مقدّمة كتابه بأنَّه «طريقة في البحث، ومبادئ تُلتَزم خلاله، ومفاهيم توظَّف فيه. والطريقة (= الاستقراء، الاستنتاج، المقارنة… إلخ)، والمبادئ (= التزام الموضوعيَّة، اعتبار العلاقات السببيَّة... إلخ) لا تتغيَّر بتغيُّر الموضوعات. أمَّا المفاهيم وهي المعاني الكلّيَّة التي يتمُّ بها تحويل موضوع البحث من موادٍّ خامٍّ خالية من المعنى والمعقوليَّة إلى معانٍ وعلاقات لها معقوليَّتها، فهي التي تختلف باختلاف الموضوعات»[1].

يُوظِّف الجابري المناهج وفق مخطَّط موضوع سلفًا، فيحشد تنوُّع واسع من الآليَّات المنهجيَّة في عمله، فتارةً يستقرئ وأُخرى يستنتج وثالثة يقارن، أو يُفكِّك ويعيد التركيب، سواء خلال تعامله مع النصوص أو الواقع بعد أنْ ساوى بينهما، وأصبحت النصوص لديه هي الواقع شريطة إعادة ترتيبها، وفق مفهوم العقل السياسي بمفاهيمه ومحدّداته وتجلّياته. فأصبحت النصوص مثل الواقع، دون بنية خاصَّة بها، فاستعمل الجابري الآليَّات نفسها في التعامل معهما، فتعرَّضت النصوص للتنحية أو التشكيك أو إعادة التركيب مثل أحداث الواقع، وأغفل الباحث أنَّ

(174)

المصادر تحتاج إلى منهاج خاصَّة لتُؤدِّي دورها المحدَّد كمنظار نتطلَّع من خلاله إلى زاوية ما من الماضي، وقد تكون زاوية موجَّهة أو منقوصة أو محرَّفة.

يتَّكل المؤلِّف على جهاز مفاهيمي متنوِّع، من حقول علميَّة متعدِّدة، بهدف تقديم الأساس النظري لمحدّدات العقل السياسي الثلاثة، فتصبح المفاهيم بمثابة الجزء الأكبر المتواري تحت الماء من جبل جليد في محيط، ويشمل الجزء الظاهر فوق السطح على المحدّدات الثلاثة.

استخدم الجابري المفاهيم بدلًا عن المنهج، رغم أنَّهما ليسا كذلك، فبدلًا من أنْ تقوم المفاهيم بدورها في توضيح المعنى المراد من استخدام المفهوم في البحث، قام الجابري باستخدام المفاهيم كنظريَّات صادقة تصلح لموضوعه قبل أنْ يفحصها، بل تحوَّلت إلى بديهيَّات بنى عليه حفره في التاريخ الإسلامي، فتحوَّل المنهج والتاريخ عنده من مادَّة أساسيَّة لبناء صرح البحث إلى مادَّة مساعدة لتشييد جدران ثانويَّة، لا تحمل الصرح بل تحجب العمدان الأساسيَّة عن الناظر.

ترتَّب على ذلك بناء معكوس للبحث العلمي؛ إذ يبدو أنَّ المؤلِّف توصَّل إلى صورة كاملة لهذا العقل بمحدّداته وتجلّياته من خلال قراءة استطلاعيَّة للتاريخ الإسلامي، ثمّ عمد إلى مزج مناهج بحثيَّة ونظريَّات تفسيريَّة عدّة لكي يُبرِّر وصوله إلى النتائج التي توقَّعها سلفًا.

هذا التوجُّه الشمولي نحو تفسير واحد صحيح صادق للعقل السياسي العربي هو سبب تشظّي المنهج والنظريَّات وتعدُّدها، ولا تقف آثار هذا التشظّي عند ذلك بل تمتدُّ إلى قراءة متقطِّعة وانتقائيَّة للمصادر، دون منهج نقدي للرواية التي هي عماد مصادر الجابري.

وضع طه عبد الرحمن يديه على تسبُّب الرؤية الشموليَّة لدى الجابري في كثير

(175)

من التناقض بين النظريَّة والتطبيق خلال نقده لعقل الفكر العربي، والتي استمرَّت معه في العقل السياسي، ويقول عبد الرحمن:

أمَّا السبب الأوَّل فهو التناقض الحاصل في قوله بالنظرة الشموليَّة، ويتجلَّى هذا التناقض في التعارض القائم بين التصوُّر النظري للتكامل عنده وبين التطبيق الذي سلكه فيه.

ويخلص إلى تناقض الجابري إذ قال بوحدة العلوم العربيَّة لكن توصَّل إلى ثلاث دوائر معرفيَّة منفصلة أنتجت هذه العلوم، ممَّا يعني أنَّ الشموليَّة التي رام الجابري في أوَّل بحثه أنْ تُعزِّز من البحث عن النُّظُم المعرفيَّة للعقل العربي الواحد انتهت به إلى القول بعقول ثلاثة.

أمَّا عن منهج الجابري في التعامل مع النصوص التاريخيَّة، التي استقى منها شواهده عن التاريخ العربي، فلم يكشف عن منهج للتعامل معها، سواء بحصر أُولى لمراجع كلِّ حدث، وفحص وتحقيق هذه المصادر، ونقد آليَّة الرواية، وغير ذلك من مناهج التعامل مع المصادر التاريخيَّة.

لاحظ جورج طرابيشي في نقده لمشروع الجابري أنْ استغل التراث في خدمة أحكامه المسبقة، فأعمل مشرطه في جسد التراث تقطيعًا وتركيبًا وحذفًا. فعندما تناول الجابري مفهوم العقل لدى أبي بكر الرازي من خلال نصوص كُتُبه، حذف الجزء الذي يتحدَّث فيه عن العقل كسلطة معرفيَّة، له أشكال ستَّة، واقتصر على شكل واحد لهذا العقل، وهو «ذلك أنَّ المقصود هنا ليس الإشادة بالعقل كسلطة معرفيَّة، بل كسلطة تقهر الهوى والشهوات، وبعبارة أُخرى: إنَّ العقل الذي يشيد به الرازي هنا هو «العقل المستقيل» الذي يقول بضرورة الحدِّ من الهوى في إطار عمليَّة التطهير الهرمسيَّة»[1].

(176)

حدث الأمر نفسه في دراسة الجابري لنصِّ الذهبي عن عصر التدوين[1] ويُرجِّح طرابيشي عدم رجوعه إلى مصدري السيوطي / الذهبي الذي جاء النصُّ عبرهما، والاكتفاء بنقله عن أحمد أمين في مؤلَّف «ضحى الإسلام»، دون نقد أو تحقُّق، ممَّا أوقعه في خطأ تاريخي حول فترة تدوين العلوم.

ولو أخضع الجابري الشاهد لقراءة تحليليَّة فعليَّة، لا لتلك القراءة التهويليَّة التي استعارها بلا أيِّ حذر نقدي من مؤلِّف «ضحى الإسلام» لما كان تعذَّر عليه أنْ يكتشف وجود تناقض، أو على الأقلّ تفاوت، ما بين التحديد المجهور به لتاريخ الانقلاب الموهوم (عصر التدوين) وبين زمن الوجود الفعلي للرجال الذين قادوا هذا الانقلاب[2].

ويقول طه عبد الرحمن:

على هذا فلا يعدو ادِّعاء الجابري بأنَّه يبحث في آليَّات إنتاج النصِّ التراثي، أنْ يكون مجرَّد بحث في خطاب القدامى بصدد هذه الآليَّات، أي بحثًا في المضامين وليس في الآليَّات[3].

ذلك ما أدَّى به إلى تبنّي النصوص بوصفها حقيقة مطلقة تعبر عن الواقع بصدق، وأنَّ قراءتها بعناية وإعادة تركيب أجزائها كفيل بالوصول إلى حقيقة العقل السياسي العربي، متجاهلًا أنَّ النصوص ذاتها هي خطاب من وضعها،

(177)

بقبليَّاته وأيديولوجيَّته ومناخ عصره بكلِّ ما فيه من أحداث، يُضاف على ذلك تنحيته للتراث الشيعي في موضوع هو أشدّ التصاقًا بجلِّ الفِرَق الإسلاميَّة خصوصًا الشيعة الذين شكَّلوا المعارضة الدائمة للأنظمة السياسيَّة.

بالإضافة إلى ذلك وقع الجابري في فخِّ التحيُّز الأيديولوجي مرَّةً أُخرى ضدَّ المكوِّن الشيعي، فبعد أنْ نحَّى العرفان جاء الدور على المظهر السياسي للشيعة، ألَا وهو نظريَّة الإمامة، والتي قام بتنحيتها عن العقل السياسي العربي، وربطها بالعقل المستقيل.

وبناءً على ذلك التحيُّز خرج بتجلّيات تتشابه مع النُّظُم المعرفيَّة الثلاثة (بيان، برهان، عرفان)، في إشارة مبطنة إلى الربط بين النظام المعرفي وبين الواقع، فإذا بالتجلّي الأوَّل وهو دولة المُلك السياسي يُذكِّر بالنظام المعرفي البياني ويُمكِّن إلحاق التجلّي الرابع الأيديولوجيا السلطانيَّة به، ويقرن بين ميثولوجيا الإمامة والنظام المعرفي العرفاني، والتجلّي الأخير وهو حركة تنويريَّة يُذكِّر بالنظام المعرفي البرهاني، رغم أنَّ هذه التجلّيات لا تخلو من تداخل للأنظمة الثلاثة.

يقول طه عبد الرحمن عن تناقض الرؤية الشموليَّة للجابري مع اشتغاله الذي اقتصر على الآليَّات الموجودة في التراث، دون تجاوز للبحث عن آليَّات إنتاج هذا الخطاب:

كانت الحصيلة أنْ قسَّم التراث إلى دوائر ثلاث سمّاها بالأنظمة المعرفيَّة، وهي: «البرهان» و«البيان» و«العرفان». وهذه عنده دوائر متباينة في آليَّاتها، لا رابط بينها إلَّا المصارعة أو المصالحة، ومتفاضلة في نتائجها، لا يرقى فيها العرفان إلى مستوى البيان ولا يسمو فيها البيان إلى مقام البرهان، ولا ينزل المرتبة العليا في هذا المقام إلَّا الفكر الرشدي[1].

(178)

ولم تخل التجلّيات الثلاثة من هذه المفاضلة السابقة؛ إذ إنَّ القارئ لكتابه يُدفَع بقوَّة لترتيب تنازلي يبدأ من الحركة التنويريَّة ثمّ دولة المُلك السياسي والأيديولوجيا السلطانيَّة وأخيرًا ميثولوجيا الإمامة. ويتَّفق مع ذلك طرابيشي ويقول:

فالبيان والعرفان والبرهان ليست مفاتيح للعقل العربي بقدر ما هي عند مؤلِّفنا أحكام قيميَّة لا يجمع بينها سوى تضادِّها ذي الطبيعة المانويَّة: فالعرفان رجس رجيم، والبرهان خير عميم، أمَّا البيان فهو فرس الرهان[1].

المحور الأوَّل: نقد (الجهاز المفاهيمي، الشموليَّة، والانتقائيَّة):

يُركِّز هذا المحور على نقد المفاهيم التي وظَّفها الجابري كآلّيَّة لقراءة آلّيَّات الفعل السياسي العربي وتحليلها، والصحَّة المنهجيَّة للحمولة المعرفيَّة التي خصَّها بها، وتحديدًا المفهوم الأساسي «العقل السياسي العربي». ثمّ يُرى تتبُّع ظهور الرؤية الشموليَّة في اشتغاله على التاريخ الإسلامي، والأشكال التي ظهرت من خلالها، وكيفيَّة تأثيرها على عمله، ثمّ يبحث توظيف المؤلِّف لآليَّة الانتقائيَّة في صورها المتعدِّدة، وأوجه التقصير المنهجيَّة والتحيُّزات.

أوَّلًا: نقد المفاهيم:
1 - مفهوم «العقل السياسي»[2]:

يتكوَّن العقل السياسي عند الجابري من «محدّدات الفعل السياسي بوصفه

(179)

سلطة تُمَارس في مجتمع وتجلّياته النظريَّة والتطبيقيَّة، الاجتماعيَّة الطابع»[1].

فهو عقل؛ لأنَّ «محدّدات الفعل السياسي وتجلّياته تخضع جميعًا لمنطق داخلي يحكمها ويُنظِّم العلاقات بينها، منطق قوامه مبادئ وآليَّات قابلة للوصف والتحليل». وهو سياسي؛ لأنَّ «وظيفته ليست إنتاج المعرفة بل ممارسة السلطة؛ سلطة الحكم، أو بيان كيفيَّة ممارستها»[2].

يتكوَّن هذا المفهوم المركزي من شقَّين: العقل والسياسة. يستلزم «العقل» وجود زمن لتكوينه، مثلما فعل الجابري مع العقل المعرفي العربي الذي حدَّده بعصر التدوين.

لقد تشكَّلت بنية العقل العربي إذن في ترابط مع العصر الجاهلي فعلًا، ولكن لا العصر الجاهلي كما عاشته عرب ما قبل البعثة المحمّديَّة، بل العصر الجاهلي كما عاشته في وعيهم عرب ما بعد هذه البعثة: العصر الجاهلي بوصفه زمنًا ثقافيًّا تمَّت استعادته وتمَّ ترتيبه وتنظيمه في عصر التدوين، الذي يفرض نفسه تاريخيًّا كإطار مرجعي لما قبله وبعده[3].

إذًا، فالزمن العربي ما قبل عصر التدوين لا يمكن الوقوف على أحداثه التاريخيَّة مباشرةً، بل علينا أنْ نقرأه من خلال ما كُتِبَ عنه في عصر التدوين، أي إنَّنا مطالبين بتفكيك وفحص الإنتاج المعرفي لعصر التدوين من أجل الوقوف على صورة أقرب للحقيقة عن العصر الجاهلي، وليس الجاهلي فقط.

عصر التدوين هو الإطار المرجعي الذي يتحدَّد به ما قبله، فصورة العصر

(180)

الجاهلي وصورة صدر الإسلام والقسم الأعظم من العصر الأُموي إنَّما نسجتها خيوط منبعثة من عصر التدوين، وهي نفسها الخيوط التي نسجت صور ما بعد عصر التدوين[1].

يبدأ زمن العقل السياسي من قبل البعثة المحمّديَّة؛ حيث تشكَّلت المحدّدات الثلاثة (قبيلة، غنيمة، عقيدة) في بنية مجتمع الجزيرة العربيَّة، ثمّ مع الفاعليَّة الدِّينيَّة في البعثة النبويَّة، وما تلاها بعد وفاة النبيِّ محمّد، وحكم خلفائه حتَّى ظهور أوَّل تجلٍّ وهو دولة المُلك السياسي مع بني أُميَّة.

ما سبق بمثابة تناقض منهجي؛ إذ تعامل الجابري مع زمن العقل السياسي بصفته زمنًا حقيقيًّا يمكن الوقوف على أحداثه من خلال المصادر التي تشكَّلت في عصر التدوين، وكأنَّ حديثه السابق عن دور عصر التدوين لا قيمة له هنا، وكذلك لم يعد الحديث عن تأثُّر العقل السياسي بالنظام المعرفي العربي مقبولًا.

العقل السياسي إذًا ليس بيانيًّا فقط، ولا عرفانيًّا فقط، ولا برهانيًّا وحسب، إنَّه يُوظِّف مقولات وآليَّات مختلف النُّظُم المعرفيَّة حسب الحاجة[2].

فما سبق هو بمثابة تفسير زمن سابق بآليَّات معرفيَّة تكوَّنت في زمن لاحق، ويترتَّب على ذلك فقدان مفهوم «العقل السياسي» لما يجعله عقلًا.

لا تقف تبعات هذا التناقض المنهجي على ذلك، بل تمتدُّ إلى مصداقيَّة قراءة التاريخ السياسي العربي كاملًا؛ وتصبح قراءةً للتاريخ السياسي الذي تشكَّلت صورته في عصر التدوين، إلَّا إذا أدرك الجابري ذلك، وبدأ ببناء زمن العقل السياسي أوَّلًا

(181)

قبل الشروع في التحليل أو استكشاف العقل السياسي العربي، وهو ما لم يفعله، بل انطلق في كتابه وكأنَّ المصادر النصوصيَّة تُقدِّم صورةً حقيقيَّةً لهذا الزمن[1].

وتصبح بالتالي المحدّدات الثلاثة للعقل السياسي لا أساس واقعي لها، فهي تصوُّرات أو تجلّيات أساسًا لعصر التدوين، أي إنَّ العقل السياسي وفق ما قرأه الجابري هو قراءة للعقل السياسي العربي الذي أنتج العقل العربي في عصر التدوين آليَّاته المعرفيَّة ومحدّداته وتجلّياته.

لماذا وقع الجابري في هذا الإشكال؟ الإجابة عن ذلك تظهر في الطابع الشمولي للجابري، والانتقائيَّة الزمنيَّة والنصوصيَّة التي تخدم هذا الطابع الشمولي، وهي محلُّ بحث لاحقًا.

هناك صفتان لهذا العقل السياسي، وهما: البراجماتيَّة، وعدم إنتاج المعرفة بل الاقتصار على التوظيف.

السياسة تقوم على البراغماتيَّة (اعتبار المنفعة)، فهل ننتظر من العقل السياسي أنْ يناقض موضوعه، ما منه يستمدُّ هويَّته[2]؟

تصبح البراجماتيَّة هي نتاج تفاعل محدّدات العقل الثلاثة، ويفترض الجابري أنَّ الفاعلين السياسيِّين على وعي بذلك، وربَّما يكون ذلك صحيحًا في حالة بني أُميَّة، إلَّا أنَّ الفعل السياسي لغيرهم (عمَّار بن ياسر ومجتمع العقيدة[3]، عليّ بن أبي

(182)

طالب، فصائل من الشيعة، والقُرَّاء والخوارج…)، هؤلاء لا يمكن تفسير سلوكهم السياسي بناءً على البراجماتيَّة فقط، إلَّا إذا اعتبر الجابري أنَّ البراجماتيَّة هي أيَّة مصلحة على أيَّة شاكلة، وذلك نوع من التوسُّع يُفقِد المفاهيم معناها، ووظيفتها الإجرائيَّة التفسيريَّة[1].

وهذا العقل غير مُنتج للمعرفة لكونه سياسيًّا، بل مهمَّته ممارسة السياسة وتوظيف المعرفة، إلَّا أنَّ ذلك أوقع الجابري في تناقض؛ فكيف يمكن تفسير التجلّيات النظريَّة المعرفيَّة مثل «ميثولوجيا الإمامة» ـ بتعبيره ـ وحركة التنوير التي قصد بها علم الكلام الإسلامي، والأيديولوجيا السلطانيَّة (فقه السياسة). ولا ينطبق عدم إنتاج المعرفة إلَّا مع التجلّي الأوَّل وهو دولة المُلك السياسي عند بني أُميَّة، والتي حكمت وفق منطق القبيلة.

يحمل ذلك على القول بأنَّ العقل السياسي هو عقل السلطة الحاكمة دون المعارضة التي مارست التنظير الفكري لمواجهة عسف السلطة، بل إنَّ الدولة الأُمويَّة ذاتها مارست التنظير الفكري من خلال مقولات الجبر[2]، وحقِّ قريش وحدها في الحكم، مباشرةً أو من خلال جهازها الفكري من الفقهاء.

2 - مفهوم «اللَّا شعور السياسي»:

يستحضر الجابري مفاهيم عدَّة مساعدة في قراءته للتاريخ السياسي العربي من خلفيَّة ماركسيَّة مُعاكسة؛ بمعنى أنَّ التفسير الماركسي للتاريخ كان حاضرًا بقوة

(183)

في ذهن الجابري، لسبب يرتبط بالرؤية الشموليَّة[1]، وعلاقته بالتفاسير الماركسيَّة العربيَّة. وحضور ذلك المفهوم يأتي لتدعيم محدّدات الجابري التي لا ترتبط بأُسلوب الإنتاج، إذ يرى أنَّ الماركسية عاجزة عن تفسير التطوُّر التاريخي.

يستعير المفهوم من المفكِّر الشيوعي دوبري[2]، وبصياغة الجابري هو «عبارة عن بنية قوامها علاقات مادّيَّة جمعيَّة تمارس على الأفراد والجماعات ضغطًا لا يُقاوَم. علاقات من نوع العلاقات القبليَّة العشائريَّة والعلاقات الطائفيَّة والعلاقات المذهبيَّة والحزبيَّة الضيِّقة، التي تستمدُّ قوَّتها المادّيَّة الضاغطة القسريَّة ممَّا تُقيمه من ترابطات بين الناس، تُؤطِّر ما يقوم بينهم بفعل تلك العلاقات نفسها من نعرة وتناصر، أو فرقة وتنافر»[3].

لا يضيف هذا التعريف جديدًا لغير الماركسيِّين من دارسي المجتمعات والسياسة؛ لعدَّة أسباب: أنَّ النظم الاجتماعيَّة بجميع أشكالها (قبيلة، حزب، مذهب…) تستمدُّ فعَّاليَّتها الاجتماعيَّة والسياسيَّة عن وعي، ولمراعاة مصالح أفرادها، بجانب أنَّها بنىٰ قائمة لأُسُس ومتطلّبات اجتماعيَّة وسياسيَّة وسلطويَّة مرتبطة بالاجتماع البشري؛ فهي مسار طبيعي لهذا الاجتماع ولم تكن مسارًا لا شعوريًا.

يقول دوبري:

هذه البنية تبقى قائمة رغم ما تتعرَّض له البنية الفوقيَّة في المجتمع من تغييرات نتيجة التطوُّر الذي يحدث في البنية التحتيَّة المقابلة لها[4].

(184)

هذه الاستمراريَّة في نقد الماركسيَّة تراءت لدوبري من خلال دراسته لما ترتَّب على تطبيق الاشتراكيَّة من بعث للقوى الاجتماعية والدِّينيَّة التي تنبَّأت الماركسيَّة بزوالها حال تغيُّر أُسلوب الإنتاج الرأسمالي إلى النمط الاشتراكي، وهو ما أشار إليه الجابري.

إلَّا أنَّ هذا النقد -رغم قوَّته- يظلُّ محكومًا بالأُفُق الماركسي؛ فوصف فعّاليَّة القوى الاجتماعيَّة التي لا تتأسَّس على أُسلوب الإنتاج الاقتصادي بأنَّها من مكنونات اللَّا شعور الجمعي السياسي هو بمثابة اعتراف بأولويَّة العامل الاقتصادي في التطوُّر التاريخي، وهو ممَّا يُعتَبر تحيُّزًا ماركسيًّا.

علاوةً على ذلك فإنَّ الوصف اللَّا شعوري ذاك يصادر حقَّ النُّظُم الاجتماعيَّة في الوجود، ويتناسى أنَّها لم تعد للظهور بل كانت قائمة، ولم تتراجع إلَّا بفعل آلة القمع الشيوعيَّة. وعودتها هي بمثابة تأكيد على إخفاق الشموليَّة الشيوعيَّة في مصادرة التنظيم الاجتماعي. مقابل ذلك تتيح النُّظُم الديمقراطيَّة فضاءً لوجود بنى اجتماعيَّة عدَّة، يُؤدِّي إلى تطوُّر جميع البنى نحو تحقيق مصالح أفرادها. وممَّا يحافظ على وجود هذه البنى ثابتةً، ومنها القبيلة أو العشيرة هو استمرار الحاجة الاجتماعيَّة إلى وجودها، وعدم حلول تنظيم اجتماعي بديل يحلُّ محلَّها أو يذوبها في بنيته.

ثمّ لو طبَّقنا هذا المفهوم على التاريخ الإسلامي، نجد جماعات جديدة تكوَّنت وخلقت شبكة مصالح عن وعي، وكانت فاعلة بقوَّة في هذا التاريخ، وهو ما سنجده في جماعة القُرَّاء، وما انبثق عنها من خوارج، وشيعة؛ فقد تكوَّنت هذه الجماعات على أُسُس واعية، أي إنَّ فاعليَّتها السياسيَّة كانت بعيدة عن مفهوم اللَّا شعور السياسي.

(185)

يريد الجابري من هذا التأكيد على اللَّا شعور الجمعي السياسي تبرير أحكامه المطلقة على العقل السياسي العربي[1] حتَّى اليوم؛ بجانب أنَّ هذا المفهوم يدعم رؤيته عند تناوله لدور عامل القبيلة في أحداث الفتنة، وظهور الخوارج؛ حيث يُفسِّرهما ببنية لا شعوريَّة تحمل آثار الصراع بين اليمنيَّة (معسكر عليّ، الخوارج) مقابل القيسيَّة (معسكر معاوية)، رغم أنَّ القوَّة الأساسيَّة لجيش معاوية كانت من قبائل يمنيَّة، وعلى رأسها قبيلة كلب.

رغم ذلك ينقلب الجابري على هذا المفهوم كما قدمه دوبري، «وظيفة هذا المفهوم عند دوبري هي إبراز ما هو عشائري وديني في السلوك السياسي في المجتمعات الأُوروبيَّة المعاصرة، ووظيفته بالنسبة إلينا ستكون بالعكس إبراز ما هو سياسي في السلوك الدِّيني والسلوك العشائري داخل المجتمع العربي القديم منه والمعاصر»[2]، دون تأسيس لهذا الانقلاب، إلَّا بمقولة «تبيئة المفاهيم الغربيَّة في بيئتنا العربيَّة» إلَّا أنَّ ذلك لا يكفي.

3 - مفهوم «المخيال الاجتماعي»:

وفق الجابري فهو مجموعة منظَّمة من التصوُّرات والتمثُّلات يعيد من خلالها المجتمع إنتاج نفسه، وتتعرَّف الجماعة على نفسها وعلى الآخر من خلاله. ويظهر هذا المخيال لأنَّ «الفعل الاجتماعي يفترض من أجل إنجازه أنْ يندمج كلُّ سلوك فردي في عمل يحمل طابع الاستمراريَّة، وأنْ تنتظم التصرُّفات وتتجاوب بعضها مع بعض طبقًا لقواعد ضمنيَّة متضمِّرة»[3].

(186)

ولهذا الفعل الاجتماعي بنية معقَّدة من القِيَم وعمليَّات التعيين والاندماج، المحمَّل بمعانٍ ودلالات، كما تفترض لغة رمزيَّة اجتماعيَّة، ومضمرة. وانتقالًا إلى التبيئة، فنجد أنَّ مخيالنا العربي هو الصرح الخيالي المليء بالمأثر والبطولات، ويسكنه رموز الماضي ما قبل الإسلامي، ثمّ الإسلامي. وهناك مخاييل فرعيَّة منها: المخيال الشيعي، والمخيال السُّنّي. أمَّا عن وظيفة هذا المفهوم فهي «يجد العقل السياسي مرجعيَّته في المخيال الاجتماعي وليس في النظام المعرفي»، إذ إنَّ المخيال الاجتماعي هو المسؤول عن اللَّاشعور السياسي للجماعة[1].

وأهمّيَّته للجابري تتمثَّل في «اللَّاشعور السياسي والمخيال الاجتماعي مفهومان إجرائيَّان يربطان العقل السياسي بمحدّداته ويُغذّيان تجلّياته، إنَّهما يُشكِّلان الجانب النفسي والاجتماعي»[2].

إذا كان اللَّا شعور السياسي يرتبط بالمحرِّك الخفيِّ للجماعة نفسها -إذا جاز القول- فإنَّ المخيال الجمعي يرتبط بالرؤية الواعية للفرد بصفته فردًا في جماعة، وهي الأُمَّة العربيَّة محلّ الدراسة. يفترض الجابري في هذا المفهوم عنصر الثبات على مستوى زمن تكوُّن العقل السياسي كافَّةً، ويدلُّ على ذلك إلحاقه تجلّيات هذا العقل إلى هذا المخيال.

وذلك يعني حركيَّة هذا المخيال خلال زمن تكوُّن العقل السياسي بسبب ظهور المخيال الفرعي، ويخلق ذلك سؤالًا حول سبب افتراض الجابري ثبات هذا المخيال عند زمن معيَّن، والإجابة تنقلنا إلى الرؤية الشموليَّة للمرَّة الثالثة؛ إذ إنَّ التحليل الشمولي يفترض ثبات الأُسُس التي شكَّلت العقل السياسي العربي حتَّى يظلّ ثابتًا يعيد إنتاج نفسه إلى اليوم.

(187)

يتجاهل استيراد هذا المفهوم طابع الحركيَّة والفاعليَّة لقرون إسلاميَّة عديدة، ويريد تصوير المجتمع العربي الإسلامي على أنَّه تكرار لمخيال ثابت. والقبول بالمخيال الاجتماعي يعيدنا إلى التناقض بين زمن العقل السياسي وزمن تكوين صورته في عصر التدوين؛ فمن ناحية استمرار هذا المخيال يعني أنَّه لم يتأثَّر بتشكيل صور الماضي في عصر التدوين، ويدعم ذلك التناقض المنهجي في اتِّخاذ رؤية الجابري عن عصر التدوين كمُشكل لصور الماضي، ومن ناحية أُخرى يكون استمرار هذا المخيال بمثابة قنطرة لحضور الماضي العربي قبل الإسلام حتَّى اليوم، وذلك ضروري؛ لأنَّ المحدّدات نشأت في ذلك الزمن.

يكشف ذلك عن ضعف منهجي خطير عند الجابري وهي تضحيته بما سبق أنْ قرَّره من أجل تأكيد القضيَّة محلّ البحث، ولذلك أمثلة منها تفسيره معارضة عثمان ابن عفَّان بأنَّها معارضة اليمنيَّة ضدَّ قريش، ثمّ توسيع التفسير لاحقًا ليتحدَّث عن دور جماعة العقيدة. إلَّا أنَّ ذلك لا يشغل بال الجابري ما دام سيصل به إلى تدعيم رؤيته «العقل السياسي كممارسة وأيديولوجيا ظاهرة جمعيَّة، يجد مرجعيَّته في المخيال الاجتماعي»[1].

4 - مفهوم «المجال السياسي»:

يُمثِّل اللَّا شعور السياسي والمخيال الاجتماعي الجانب النفسي -الاجتماعي، أو العنصر الذاتي- الجماعي في الظاهرة السياسيَّة. ويأتي معهما «المجال السياسي» الذي يُمثِّل الجانب المجتمعي أو الموضوعي من هذه الظاهرة، وهو الكيفيَّة التي تُمارَس بها السلطة السياسة[2].

(188)

يعود الجابري مرَّةً أُخرى إلى الماركسيّة لبحث كيفيَّة ممارسة السلطة في المجتمعات ما قبل الرأسماليَّة، التي ينتمي إليها مجتمعنا العربي -وفقه- فبدأ بانتقاد المادّيَّة الماركسيَّة، رافضًا تطبيقها على العالم العربي.

يستعين بعد ذلك بأبحاث برتراند بادي[1]، وجورج لوكاتش[2]، وموريس غودلييه[3]. يغرق الجابري في نقد التفسير الكلاسيكي للماركسيَّة الذي يستبعد البُنى الفوقيَّة كعامل في تطوُّر المجتمعات، ويستعين بآراء لوكاتش ليعيد شرعنة دورها، وكأنَّه يتوجَّه بالخطاب إلى ماركسيِّين.

لا يعنينا من مجمل ذلك سوى ما يتعلَّق بالمجال السياسي، وهو عمل الجابري على إيجاد دعم ماركسي لمحدّداته الثلاثة، من خلال شرعنة دور البنى الفوقيَّة في التطوُّر التاريخي جنبًا إلى جنب البنى التحتيَّة. لأنَّ العقيدة (الدِّين والأيديولوجيا)، والقبيلة (القرابة) هما من البُنى الفوقيَّة. أمَّا الغنيمة فهي البنى التحتيَّة إلَّا أنَّها ليست أُسلوبًا في الإنتاج، لذلك يلجأ الجابري إلى الماركسيَّة غير الرسميَّة[4] مرَّةً أُخرى بحثًا عن توصيف لها، ويجده في نمط الاقتصاد الخراجي أو الاقتصاد الريعي.

إلَّا أنَّ الانغماس في المفاهيم الماركسيَّة أبعد الجابري عن استكشاف مدخل بحثي ينطلق من الظاهرة العربيَّة ذاتها، وهو بحث ملكيَّة وسائل الإنتاج، وعلى رأسها الأرض الزراعيَّة، وعلاقتها بالمجال السياسي، ولو فعل ذلك لربَّما أضاف جديدًا فيما يتعلَّق بأثر غياب الإقطاع على النمط الغربي في عالمنا العربي (باستثناء جبل لبنان بتحفُّظ)، ووجود الإقطاع العسكري أو أنماط إقطاعات سلطانيَّة على وجود

(189)

طبقة من النبلاء مثل التي عرفتها أُوروبا، وكان لها دور هامّ في ظهور التمثيل النيابي، أو المجال السياسي.

5 - مفهوم «المحدّدات»:

وضع الجابري محدّدات ثلاثة وهي (العقيدة، الغنمية، والقبيلة) كدوافع وآليَّات لعمل العقل العربي. وقدَّم تعريفات لها في مطلع دراسته، إلَّا أنَّه عاد في منتصف الدراسة ليُوسِّع حمولة المعنى لها. فقد أصبحت القبيلة هي جميع القوى المعارضة للأُمويِّين من العرب والعجم، من الفقراء والأغنياء. والغنيمة لم تعد تعني مجرَّد التوزيع العادل للفيء والعطاء بإشراك الجند من الموالي فيها، بل باتت تعني إسقاط الجزية على كلِّ من أسلم من العجم، والعمل بما كان جاريًا من قبل بالنسبة للعرب الذين امتلكوا أراضي الخراج واعتبار أراضيهم من أراضي العشر. وهكذا أصبحت الغنمية تعني المصلحة الاقتصاديَّة لكلِّ فئة من الفئات التي تضرَّرت من السياسة الماليَّة الأُمويَّة وتقلُّباتها.

ومثل ذلك يقال عن العقيدة، لقد جمع العبَّاسيُّون في شعارهم الرئيسي، شعار الدعوة لـ «الرضا من آل محمّد» بين المضمون السياسي لميثولوجيا الإمامة، وهو حصر الخلافة في آل محمّد، وبين المضمون السياسي للشرعيَّة القرشيَّة، والمضمون الدِّيني السياسي للشورى باعتبار أنَّ الرضا معناه من يختاره الناس ويرضونه. هذا بالإضافة إلى توظيفهم لشعار «العمل بالكتاب والسُّنَّة»[1].

أدَّى هذا التوسُّع الكبير في معنى المفاهيم إلى فقدانها لوظيفتها الإجرائيَّة التفسيريَّة؛ فبهذا الشكل جمع الجابري جميع القوى والمصالح والأيديولوجيات في محدّداته الثلاثة، حتَّى أصبح تفسير العهد العبَّاسي بأيٍّ منها لا يضيف جديدًا، وهو ما ينسحب على

(190)

محاولة تفسير الواقع بهذه المحدّدات اليوم؛ فمفاهيم الجابري واسعة وفاقدة للمعنى، وما ذلك إلَّا أحد تجلّيات الطابع الشمولي.

يرى طرابيشي أنَّ إدراك الجابري لعجزه عن تشريح العقل السياسي العربي وفق نُظُمه المعرفيَّة الثلاثة دفعه إلى التخلّي عنها، واختيار محدّدات جديدة هي بمثابة نُظُم ثلاثة وهي العقيدة والقبيلة والغنيمة.

وواضح للعيان أين هو المأزق، فلو كان البيان أو العرفان أو البرهان نظامًا معرفيًّا ثابتًا للعقل العربي لكان العقل السياسي العربي خضع للتحديد نفسه[1].

ويعني ذلك بتعبير طرابيشي «إمَّا أنَّنا لسنا أمام تحليل إبستمولوجي قادر على الوصول إلى الثوابت البنيويَّة، وإمَّا أنَّنا لسنا أمام بنية ثابتة لعقل عربي كلّي تتكرَّر في جميع العقول الجزئيَّة التي يتمظهر بها»[2].

لجأ الجابري إلى حيلة أُخرى عندما أعجزته المفاهيم حتَّى بعد توسيعها، وهي إضافة مفاهيم جديدة لم يشر إليها في مقدّمته الطويلة، ربَّما لأنَّها كفيلة بالتشكيك في محدّداته وأُسُسه. وهذه المفاهيم هي: الكتلة التاريخيَّة، العامَّة والخاصَّة.

ويُعرِّف الكتلة التاريخيَّة بأنَّها «لا تعني مجرَّد تكتُّل أو تجمُّع قوى اجتماعيَّة مختلفة، ولا مجرَّد تحالفها، بل تعني كذلك التحام القوى الفكريَّة المختلفة الأيديولوجيات، مع هذه القوى الاجتماعيَّة، وتحالفها من أجل قضيَّة واحدة[3]. يكشف هذا المفهوم عن إخفاق محدّدات الجابري في تفسير التاريخ السياسي كما راهن، ويُبرز الطابع الشمولي في فكره، فما الفائدة من هذا المفهوم الذي لم يُضِف

(191)

جديدًا سوى زخرفة لفظيَّة؟ إذ بإمكان أيّ باحث مبتدئ أو ملاحظ يقظ قول ذلك عن مئات من القوى المشاركة في الثورات، أو من لهم مصلحة في التغيير.

بالنسبة للمفهومين التاليين العامَّة والخاصَّة فهما يُعبِّران عن تحوُّلات اجتماعيَّة كبيرة في المجتمع الإسلامي بدءًا من العصر العبَّاسي، وظهور الفكر المدني ومجتمعات الحضر الإسلاميَّة، وانضمام الموالي إلى المجتمع الإسلامي كأفراد فاعلين وعلى قدم المساواة، وهي تغييرات لا يمكن لمحدّدات الجابري استيعابها، لذلك رضخ أمام سطوة هذين المفهومين، وإنْ عاد ليصفهما بأنَّهما البنية السطحيَّة للمجتمع، وجعل محدّداته الثلاثة هي البنية العميقة الفاعلة[1].

ثانيًا: طابع الشموليَّة:

كشف الجابري عن طابع الشموليَّة بتحديد الهدف من مشروعه الفكري؛ وهو نقد العقل العربي في تجلّياته المعرفيَّة والسياسيَّة والأخلاقيَّة. أدَّى ذلك إلى اشتباك الجابري مع الماركسيَّة في عمله على العقل السياسي العربي، بسبب رغبته في الحلول محلَّها كنظريَّة شموليَّة لتفسير التاريخ العربي. ورغبةً منه في اكتساب شرعيَّة التفسير الشمولي منها، من خلال الاستناد إلى تنظيرات الماركسيَّة غير الرسميَّة.

أثَّر ذلك الطابع الشمولي على منهج الجابري في نقاط عدَّة سبق ذكرها، وهناك آثار أُخرى منها:

1 - نزع طابع التطوُّر عن التاريخ السياسي العربي، وأطلق أزمنة محدّدة، حيث ظنَّ الباحث أنَّ علاج أزمة الحاضر موجودة في التراث، وما علينا إلَّا البحث عنه لعلاج أزماتنا الراهنة.

(192)

السياسة عندنا بدأت تُمارَس باسم الدِّين والقبيلة، وما زالت كذلك إلى اليوم[1].

2 - الفاعليَّة الإنسانيَّة في التطوُّر الاجتماعي لصالح محدّدات جمعيَّة أو مادّيَّة، من خلال ربط فكر الفرد بفكر القبيلة، فيتحدَّث عن اللَّا شعور السياسي بوصفه يخصُّ الجماعة المنظَّمة وحدها كالقبيلة والحزب والأُمَّة، بينما نشأت فِرَق وجماعات إسلاميَّة من جهود أفراد ثمّ انتظمت في حراك جماعي، وليس أدلّ على ذلك من مسيرة الدِّين الإسلامي الذي بدأ بشخص النبيِّ وحده، وغير ذلك.

ويرى عليّ حرب أنَّ فصل الجابري بين الصراع الأيديولوجي في التاريخ الإسلامي، خصوصًا بين السُّنَّة والشيعة، وبين الوجوه المعرفيَّة والعلميَّة التي استُخدِمَت من قِبَل كلِّ طرف، وإقصاء نُظُم معرفيَّة منسوبة لفريق على حساب آخر لا مبرِّر له.

إنَّ الجابري يُلغي الفاعليَّة غير السُّنّيَّة السلطويَّة من فعَّاليَّة العقل العربي في جزئيَّته المعرفيَّة، وينسبها في المظهر السياسي بجانب المعرفي إلى العقل المستقيل، ممَّا يعني إلغاء تامٌّ لفاعليَّة المكوِّن الشيعي في المظهر السياسي. يقول حرب:

لكن إذا سلَّمنا أنَّ التباين الأيديولوجي كان يترافق مع تباين النُّظُم المعرفيَّة فلا معنى لأنْ نصف نظامًا معرفيًّا بأنَّه ينتمي إلى اللَّا معقول، سواء كان عرفانًا أو برهانًا أو بيانًا، وسواء كان هذا النظام يتكوَّن على أساس نبوي أم فلسفي. فلا يُشاد نظام معرفي دون منطق مهمٍّ كانت المقدّمات التي ينبني عليها. فالنُّظُم المعرفيَّة محتاجة إلى نصب البراهين وترتيب الأدلَّة. ولا نظام من دون عقل. ومن ضمن ذلك يستوي الفكر الشيعي والفكر السُّنّي[2].

(193)

3 - قادت الرؤية الشموليَّة الجابري إلى ليِّ عنق النصوص والأحداث التاريخيَّة وتطويعها لخدمة فكرته، ومن ذلك اعتماده على «البحث عن السياسي فيما هو ديني» حال غياب رؤية سياسيَّة واضحة. مثال ذلك تفسيره المتعسِّف لآيات قرآنيَّة، وتأويله لآيات العقاب الأُخروي بأنَّها تشريع بعقاب المشركين في الدنيا على يد المسلمين.

بالتالي الجزاء في الآخرة ينسحب على الدنيا أيضًا، إذ لا فاصل بينهما في المشهد، ومن هنا المضمون السياسي للدعوة المحمّديَّة في هذه المرحلة: إنَّ آخر المشركين الكافرين سيعاقبون في الدنيا كما في الآخرة ليس فقط بسبب كفرهم وشركهم، بل أيضًا بسبب استئثارهم بالمال وعدم الإحسان إلى الفقراء[1].

4 - تسبَّبت الشموليَّة في جمع الجابري بين النصوص المتناقضة بحجَّة أنَّها جميعًا تُقدِّم جزءًا من الحدث التاريخي، طالما أنَّ هناك تفسيرًا شموليًا لكلِّ الروايات فلا حاجة للصحَّة أو للصدق، ومن ذلك الاستشهاد بنصوص متناقضة حول موقف عليِّ بن أبي طالب والهاشميِّين من حادث السقيفة، ومبايعة أبي بكر بالخلافة، فلم يجد حرجًا في سردها جميعًا طالما أنَّه حكم بأنَّ محدّد القبيلة هو الذي زكَّى جميع المواقف[2].

ثالثًا: الانتقائيَّة (النصوصيَّة، والتاريخيَّة، والنظريَّة، والمنهجيَّة):

تعمل الانتقائيَّة كآليَّة خفيَّة لدعم الرؤية الشموليَّة للجابري، من خلال تسليط الضوء على أحداث ونصوص بعينها، وتناول نصوص وحوادث أُخرى على استحياء، ويقول حسن الإدريسي عن تعامل الجابري مع النصوص وتغطيته على ذلك

(194)

بالاستخدام الواسع للنصوص بحيث يمدُّ القارئ ببناء محكم يُعميه عن التدقيق أو التشكيك فيها:

تعود هذه الحالة في نظري إلى عوامل أذكر منها ما سبق أنْ أشار إليه «السيِّد يسين» فيما يتعلَّق ببراعة الجابري وإبداعه في صياغة الأنساق المغلقة. وقد تُؤدِّي براعة هذا الإغلاق إلى حجب رؤية المتلقِّي والقارئ لجذور التصوُّر، بل إنَّها تمنعه حتَّى من التشكيك في مصداقيَّة الاستدلالات أو نتائجها[1].

وللانتقائية مظاهر عدَّة، منها:

1 - الانتقائيَّة النظريَّة:

انتقاء نظريَّات مجزَّأة، وقد تكون متناقضة، ووضعها في ترتيب يخدم خطَّة المؤلِّف المسبقة. تسبَّب ذلك في إغفال أثر عوامل أساسيَّة في التجربة السياسيَّة الإسلاميَّة، وعلى سبيل المثال لم يُوفَّق الجابري في فهم طبيعة الإقطاع الإسلامي وتنوُّعه وآثاره.

مثال آخر وافق الجابري الماركسيِّين في تصنيف التاريخ وفق أُسلوب الإنتاج الاقتصادي، فتحدَّث عن المجتمع العربي حتَّى اليوم بوصفه مجتمعًا ما قبل رأسمالي، لكن في تحليل هذا المجتمع لجأ إلى الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع السياسي غير الماركسي، مستخدمًا عوامل القرابة، واللَّا شعور السياسي؛ لأنَّ الماركسيَّة لم تدعم تفسيره القائم على المحدّدات الثلاثة، التي تشتبك فيها عوامل القرابة (القبيلة)، الأيديولوجيا (العقيدة)، والغنيمة (العامل الاقتصادي).

(195)

يقول طه عبد الرحمن: إنَّ الجابري اقتبس وسائل فوقيَّة من مجالات ثقافيَّة غربيَّة مختلفة: فقه العلم التكويني (بياجيه)، فقه العلم العقلاني (لالاند وباشلار) والبنيويَّة وفلسفة التاريخ الهيغليَّة والماركسيَّة.

وصنَّف عبد الرحمن هذه الوسائل إلى صنفين: وسائل عقلانيَّة، وأُخرى فكرانيَّة. فمن الأُولى آليَّة القطيعة المعرفيَّة، وآليَّة التقابل، وآليَّة التنسيق الاستنتاجي، وآليَّة التأسيس وإعادة التأسيس، وآليَّة التأزيم، وآليَّة التفكيك، وآليَّة الترتيب وإعادة الترتيب. ومن الوسائل الفكرانيَّة المقتبسة: آليَّة التوظيف، وآليَّة الدمج، وآليَّة التصارع، وآليَّة الانعكاس، وآليَّة التبرير، وآليَّة الإحياء[1].

يتبيَّن من تعدُّد الآليَّات والنظريَّات وقوع الجابري في عمليَّة التجزئة والتشطير والانتقاء من جميع الحقول واستغلال جميع الأدوات المنهجيَّة بهدف الوصول إلى النتائج المحدَّدة سلفًا.

2 - الانتقائيَّة المنهجيَّة:

وهي التنقُّل بين عدد واسع من المناهج دون الالتزام بمنهج محدَّد يمكن من خلاله تتبُّع خطَّة عمل الجابري، وقياس نتائجه وفق لمنهجه، ويدعم ذلك حديثه عن المنهج بتعريفه بشكلٍ عامٍّ، دون التطرُّق لذكر مناهج محدَّدة، وكيفيَّة توظيفها في موضوعه، فاكتفى بذكر تعريف أدوات المنهج ومبادئه، والأخيرة لم يلتزم الباحث بها. ويقول إدريس هاني:

لم يعد مهمًّا اليوم الوقوف عند دقائق الأُمور وتفاصيل النقد الجابري للتراث. فلقد أوضح أكثر نُقَّاده ذلك التغليب الأعظم للأيديولوجي على المعرفي. ليس تغليبًا

(196)

نابعًا من اختيار حقيقي كما أشار الباحث مرارًا، بل التغليب الذي رافقه إهمال وتسامح كبير مع معطياته المعرفيَّة، سواء من حيث تقنيَّة التحليل والتركيب، أو من حيث تحصيل المعلومات وطريق التعاطي مع المصادر بانتقائيَّة تعسُّفيَّة لا تستجيب للضرورة المنهجيَّة[1].

3 - الانتقائيَّة النصوصيَّة:

استبعد النصوص الشيعيَّة في سرد التاريخ السياسي أو تفسير البنيان النظري والعقائدي للمذهب الشيعي، ومدوَّنة الحديث الشيعيَّة، واكتفى بالنصوص السُّنّيَّة، مع الرجوع المحدود لبضعة نصوص شيعيَّة في مواقف محدودة.

إنَّ موضوعنا هنا «ليس الحقيقة التاريخيَّة» في ذاتها، بل الكيفيَّة التي كان يقرأ الناس بها الحادث التاريخي، سواء زمن حدوثه أو في زمن لاحق، لأنَّه في كلتا الحالتين فإنَّ ما ينكشف لنا عبر تلك الروايات هو «العقل السياسي العربي» طريقة ممارسته العمليَّة والنظريَّة للسياسة[2].

لماذا إذًا غابت روايات الشيعة، أليست جزءًا ممَّا يرويه الناس عن الحدث التاريخي؟

غياب منهج نقدي موحَّد للتعامل مع المرويَّات التاريخيَّة والحديثيَّة، واستخدام النصوص بشكل واسع لتدعيم الفكرة المسبقة، والتشكيك في نصوص محدَّدة ورفضها دون الاستناد إلى منهج محدَّد، بل لأنَّها لا تتَّفق مع الفكرة. استشهد الجابري بمرويَّة عن الدهريِّين من كُفَّار مكَّة، وردت في السير والمغازي التي قبل

(197)

الجابري جميع أحداثها دون نقد، وفيها «تعلَّموا الزندقة من نصارى الحيرة»[1]، رغم أنَّ تحليل مضمون النصِّ يكشف عن تناقض كبير؛ فالعقيدة المسيحيَّة تخالف الدهريَّة، لكن الجابري لم يُشغِله ذلك، فهمُّه إثبات أنَّ دفاع هؤلاء عن الأصنام لم يكن عن سبب ديني، بل عن سبب مادّي، وهو الرغبة في عائدات زيارتها، وذلك ضمن محدّد «الغنيمة». مثال ثاني رفض النصَّ الذي يتحدَّث عن أسبقيَّة عليِّ بن أبي طالب في اعتناق الإسلام دون مبرِّر[2].

يقول عليّ حرب:

لكن عين الجابري تضيق عندما ينظر في النتاج العرفاني بسبب نزعته المركزيَّة. ونظرته تضيق عن استيعاب المجال الإسلامي لكي تقتصر على العالم العربي، ولكن ليس كلُّه، إذ هي تضيق أيضًا عن استيعاب هذا العالم لكي تنحصر في الدائرة السُّنّيَّة دون الدائرة الشيعيَّة، ثمّ تضيق أكثر فأكثر لكي تقتصر على أهل المغرب دون أهل الشرق، وبذا تتمركز العقلانيَّة في نظر الجابري عند عرب المغرب وسُنَّته، أمَّا الآخرون الواقعون خارج الدائرة المغربيَّة من عرب وغير عرب، من سُنَّة وشيعة، فإنَّهم يُقصَون إلى عالم اللَّامعقول، عالم الأُسطورة والسحر والتنجيم[3].

يتبع الانتقائيَّة النصوصيَّة عمليَّة التشكيك في نصوص بعينها؛ لأنَّ انتفائها يخدم فكرة الجابري، ومن ذلك نفيه نسبة كتاب «نهج البلاغة» لعليِّ بن أبي طالب في كتاب «بنية العقل العربي»، دون وجود تبرير علمي لهذا النفي، وكرَّر ذلك في نفيه لكثير من الأحاديث النبويَّة التي اعتمدها أبو حامد الغزالي. يقول الإدريسي:

(198)

لا يمكن من الناحية المنهجيَّة مؤاخذة الجابري على ممارسة التشكيك كآليَّة من آليَّات التمحيص في كلِّ المواقع، ولكن السؤال يتوقَّف على دعم هذا التشكيك بعلوم التخصُّص «علوم الحديث وتفرُّعاته»، أو الأخذ من ذوي الاختصاص مع الانتباه إلى الخلفيَّات الأيديولوجيَّة والمذهبيَّة التي تستبعدها الإبستمولوجيا، وأخطر ما يخلفه التشكيك هو الإلغاء، وقد تضخَّم هذا الإلغاء حتَّى بلغ بصاحب «نقد العقل العربي» إلى إلغاء تراث بأكمله[1].

ويقصد إلغاء الجابري للتراث العربي الإسلامي كافَّة عدا التراث المغربي الأندلسي.

4 - الانتقائيَّة التاريخيَّة:

وهي تسليط الضوء على أحداث محدَّدة لأنَّها تخدم رؤية المؤلِّف، وإغفال أحداث أُخرى أو تهميشها لأنَّها تعارض رؤيته. ومن ذلك إبراز دور «حركة المختار الثقفي» وأثره في الفكر الشيعي مقابل تهميش دور «حركة التوَّابين» والقُرَّاء وغيرهم.

المحور الثاني: نقد قراءة الجابري للتاريخ السياسي العربي:

يتناول هذا المحور مدى نجاح الجابري في تفسير التاريخ السياسي العربي، ومدى إمكانيَّة قراءة أحداث هذا التاريخ وفق محدّداته[2].

نجحت محدّدات الجابري في تقديم رؤية وصفيَّة للتاريخ السياسي في القرن الأوَّل الهجري، إلَّا أنَّها لم تُوفَّق في تحليل العديد من وقائعه، بجانب أنَّها لم تُضِف جديدًا على مستوى المفاهيم الإجرائيَّة؛ فلم يُنكِر أحد الباحثين الدور الفاعل لعامل القبيلة، منذ ما قبل البعثة حتَّى العصر الأُموي، وكذلك بالنسبة إلى محدّد الغنيمة

(199)

أو المصالح الاقتصاديَّة بالتعبير الحديث، وأيضًا مع محدّد العقيدة والذي عجز الجابري عن تفسيره في ضوء الفاعليَّة الإسلاميَّة ولجأ إلى ماضي القبائل اليمانيَّة الدِّيني، مثلما فعل مع النظريَّات الشيعيَّة في الإمامة، وينقسم ذلك إلى قسمين:

أوَّلًا: تفسير التاريخ العربي بالمحدّدات الثلاثة:

1 - من الدعوة إلى الدولة:
يقول الجابري:

بدون شكٍّ فإنَّ التمييز الذي أقامته قريش في معاملتها للمسلمين الأوائل إذا لم يكن قد ظهر له أثر وانعكاسات في صفوف الجماعة الإسلاميَّة زمن الدعوة، فإنَّ آثاره المكبوتة ستُحرِّكها وتُنمّيها ظروف وملابسات أُخرى عندما تتحوَّل الدعوة إلى دولة[1].

يقصد الجابري عمَّار بن ياسر ومجموعة المستضعفين من الصحابة، ويُؤسِّس بذلك لا شعورًا سياسيًّا في مجتمع الصحابة، ليكون محرِّكًا لهؤلاء في معارضة قريش؛ بمعنى أنَّ هؤلاء النفر يُحرِّكهم محدّد القبيلة من خلال اللَّا شعور، وعمل محدّد القبيلة هنا هو غياب الدعم القبلي لهم قبل الهجرة. لا يمكن البرهنة على ذلك، بل الأولى قراءة موقف ابن ياسر من منظور ديني واعي، لشخص يرى أعداء العقيدة يتولَّون السلطة، وكأنَّ أعداء الثورة بعد هزيمتهم يصعدون ثانيةً إلى الحكم، كما أنَّ معارضة ابن ياسر لم تُعلِن عن نفسها إلَّا بعد صعود الأُمويِّين مع عثمان بن عفَّان، وليس قبل ذلك.

يعود الجابري ثانيةً إلى حيلة إفراغ المفاهيم من المعاني إذا عجزت عن خدمة

(200)

رؤيته؛ فينتقص من قيمة محدّد القبيلة في زمن البعثة المحمّديَّة بقوله: «إنَّ القبيلة معزولة عن الغنيمة مقولة مجرَّدة وقالب فارغ». ويضيف:

قراءة الأحداث التي عرفتها الدعوة المحمّديَّة سواء في المرحلة المكّيَّة أم في المرحلة المدنيَّة قراءة تلبس نظارات الغنيمة هي وحدها التي تُعطي القبيلة مضمونًا، وتجعل التاريخ مقبولًا ذا معنى[1].

يُؤدِّي ذلك إلى التشكيك في قيمة مفهوم القرابة الأنثروبولوجي، والذي سبق وأنْ قرَّره الجابري في مقدّمته المنهجيَّة. ويتناقض مع ما تعنيه القبيلة كمحدّد من نصرة وتأطير للفرد ونعرة، وهي أُمور أقرَّها الجابري، إذ بدون استقلال هذا المحدّد يصبح الحديث عن تنافس بطون قريش على الشرف والمناصب، ورفض بني أُميَّة وبني مخزوم للنبوَّة بمنطق التنافس، وإسلام حمزة بن عبد المطَّلب نصرةً لابن أخيه، وعدم اعتداء بني مخزوم وبني أُميَّة على النبيِّ خوفًا من نشوب حرب بين بطون قريش، وغير ذلك من الأحداث التي مارست القبيلة بما هي بنية اجتماعيَّة المحرِّك الأساسي فيها بلا معنى.

يُطلِق الجابري حكمًا قاطعًا حول موقف قريش من النبيِّ تبعًا لما سبق وأنْ قرَّره عن قراءة القبيلة بمنظور الغنيمة، فيقول:

كانت قريش صريحة مع النبيِّ في هذا الأمر، فهي لم تدَّعِ أنَّ دينها هو الحقُّ بل كانت تقول: إنَّ ما جاء به محمّد هو الهدى، ولكن كانت تخاف أنْ تفقد امتيازاتها إنْ هي اتَّبعته[2].

(201)

ولا يُبرِّر الجابري حكمه هذا إلَّا بآية قرآنيَّة: (قَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا) [1]، وفي ذلك حكم شمولي وتعميم مرفوض لموقف قريش من البعثة، إذ كانت هناك معارضة لأسباب دينيَّة، ومن ذلك الآيات عن دين الآباء، وغير ذلك.

2 - من الردَّة إلى الفتنة:

تُعتَبر هذه المرحلة الأكثر فاعليَّة في التاريخ السياسي العربي، وهي منطقة خاض فيها باحثون آخرون لهم وزنهم منهم هشام جعيط[2] ممَّا يفتح الباب لعقد مقارنات. يبدأ الجابري بتفسير ردَّة القبائل بمحدّداته الثلاثة، وهي تفاسير مقبولة لأنَّها لشموليَّتها غطَّت مجمل الدوافع والنظريَّات المفسِّرة، بجانب أنَّها أضافت قراءة جيِّدة حول علاقة القبائل بالنبيِّ من منظور كونه زعيم قبلي -وفقهم-، وهي علاقة تنتهي بموت هذا الزعيم.

وينتقل إلى الثورة على عثمان «إنَّها ثورة العرب ضدَّ قريش من جهة، وثورة قريش على بني أُميَّة من جهة أُخرى»[3]. هي ثورة الفقراء ضدَّ الأغنياء. ونلاحظ هنا غياب عمدي لمحدّد العقيدة؛ لأنَّ ذلك يدعم تفسير الجابري التالي لحرب صفِّين بأنَّها حرب العرب ضدَّ قريش.

تظهر مثالب رؤية الجابري في المواضع التي عجز عن تحليلها بمحدّداته الثلاثة، ومنها موقف عائشة زوجة النبيِّ من تأجيج التمرُّد على عليِّ بن أبي طالب، واندلاع حرب الجمل، ولم يتناول الجابري كيفيَّة استجابة قبائل البصرة لدعوة ثلاثي الجمل

(202)

(عائشة، طلحة، الزبير)، واستبسال قبائل يمانيَّة في نصرة عائشة البعيدة كلُّ البعد عن وجود صلة قبليَّة معهم[1].

عندما تناول الجابري ظهور فئة الخوارج أرجع ذلك إلى تمرُّد قبائل ربيعة على انفراد اليمنيِّين والمضريِّين بقرار ومرشَّح التحكيم[2]، ولم يستطع النفاذ إلى عقليَّة هذه الفئة (هي جزء من القُرَّاء) أو تحليل عقيدتها الدِّينيَّة، والتي دفعتهم لفرض التحكيم، ثمّ التراجع عنه لاحقًا[3].

اهتمَّ الجابري ببحث فعَّاليَّة محدّد العقيدة في ردَّة أهل اليمن، ليُبرهن على استمرار العقائد الهرمسيَّة الغنوصيَّة في المخيال الاجتماعي لما انتقل منهم إلى العراق، حتَّى يعزو إليها لاحقًا ظهور نظريَّة الإمامة الشيعيَّة[4].

هذه العلاقة المتعدِّدة الأبعاد التي كانت تربط عليَّ بن أبي طالب بأهل اليمن على مستوى القبيلة والغنمية معًا (الخؤولة والمصاهرة والتجارة) ستجد التعبير عنها على مستوى العقيدة في ظاهرة الغلوِّ في شخصه أثناء حياته وبعد مماته، الغلوُّ الذي يجمع المؤرِّخون علىٰ أنَّ مصدره الأوَّل كان ابن سبأ[5].

ثمّ يقبل الجابري وجود شخصيَّة ابن سبأ -بتحفُّظ- وفق الرواية السُّنّيَّة، لتكون الجسر الذي تعبر عليه عقائد «من جملة إسرائيليَّات السياسيَّة: القول بالرجعة والوصيَّة والمهدي»[6] إلى الشيعة.

(203)

لا تكفي هذه القراءة للوضع العراقي لتبرير تضحياتهم في دعم عليِّ بن أبي طالب، ويُقدِّم هشام جعيط في كتابه «الفتنة» قراءة أوسع تتعلَّق بفكرة المجال العراقي مقابل المجال الشامي، كما يُقدِّم قراءة أوسع لحركة هجرة القبائل بين القطرين، وأثر ذلك على المعسكرين.

ثانيًا: تجلّيات العقل السياسي العربي:
1 - التجلِّي الأوَّل: دولة الملك السياسي:

يتحيَّز الجابري إلى معاوية بقوله:

والحقُّ أنَّ الإنسان إذا نظر بموضوعيَّة إلى ما حدث، فإنَّه لا بدَّ أنْ يرى في مُلك معاوية تأسيسًا جديدًا للدولة في الإسلام وإعادة بناء لها. لقد كان التأسيس الأوَّل على يد النبيِّ بعد الهجرة، والتأسيس الثاني على يد أبي بكر من خلال قراره الصارم بمحاربة أهل الردَّة[1].

ويتناسى حقائق عدّة، وهي أنَّ معاوية كان السبب الثاني بهذه الفوضى بعد تمرُّده على الخليفة عليٍّ، وأنَّه مسؤول عن أنهار الدماء التي سالت. ثمّ إنَّ دولة معاوية لم تعرف الاستقرار كما ظنَّ الجابري؛ بل ظلَّت المعارضة المسلَّحة على يد الخوارج تحديدًا حيَّة فيها، وكذلك ما ترتَّب عليها من حرب أهليَّة شاملة بعد اعتزال معاوية الثاني للحكم. ثمّ الإطاحة بالأُمويِّين في ثورة مسلَّحة، بجانب الاضطهاد الكبير الذي طال الجميع.

يصف الجابري دولة معاوية بأنَّها «لقد انتصرت القبيلة على العقيدة، انتصرت

(204)

قريش على السبئيَّة»[1]، كان عليٌّ ومعسكره جلَّهم من السبئيَّة لكون قطاع كبير منهم من اليمن، وهو ما ينطبق على معسكر معاوية أيضًا.

أمَّا عن محدّد العقيدة فيردُّه الجابري إلى القبيلة ويقول:

إنَّ الأُمور في القبيلة محكومة بجبريَّة لا ترحم. ومن هنا يجب القول: إنَّ العقيدة في القبيلة تقوم على الجبر[2].

أمَّا عن ارتباط الجبريَّة بالقبيلة فيقول:

كما يحدث دائمًا فإنَّ السبيل الوحيد للتخلُّص من الشعور بالفشل هو التعالي به، هو نسبته إلى الدهر والأيَّام، إلى القضاء والقدر[3].

والغريب أنَّ الجابري يُورد ذلك في حديثه عن بني أُميَّة المنتصرين.

ويُرجع هزيمة عليِّ بن أبي طالب إلى حكم قطعي، وهو «ممارسة اللَّاسياسة في السياسة» كونه أراد إبطال مفعول «القبيلة» و«الغنيمة»، وجعل الأمر كلَّه «عقيدة»، ويُعلِّق الإدريسي بقوله:

ولا ندري ما هو المفهوم المرجعي الذي يُحدِّده الجابري للممارسة العلويَّة التي اعتبرها (لاسياسيَّة في السياسة)، وعلى أيِّ أساس أقام فصلًا بين المجالين في تدبير الإمام عليٍّ[4].

2 - التجلِّي الثاني: ميثولوجيا الإمامة:

فسَّر الجابري عقائد الشيعة بمحدّداته الثلاثة: العقيدة، القبيلة، الغنمية، عن

(205)

طريق القبائل اليمانيَّة، التي دخلت في صراع تجاري مع قريش، وصراع ديني تبعًا لذلك، وصراع قبلي حول استعادة مُلك كندة. نقلت قبائل اليمن موروثها الدِّيني إلى البيئة العراقيَّة، ومن ثَمَّ مارس دوره في تشكيل المخيال والفكر الشيعي.

ينتقي الجابري حركة المختار بن أبي عبيد كدلالة لتفسير دور محدّد القبيلة في ظهور الفكر الشيعي، فحركة المختار تصبح عنده طموحًا قبليًّا تامّا، يُوظَّف في سبيله المخيال الدِّيني للقبائل اليمنيَّة.

إنَّ حركة المختار نفسها إنَّما قامت لتكون الوجه العملي التطبيقي لمعارضة أيديولوجيَّة ذات طابع ميثولوجي كانت تُشكِّل تيَّارًا بارزًا في صفوف أنصار عليِّ بن أبي طالب منذ الإعداد للثورة على عثمان. إنَّه التيَّار الذي يُنسَب إلى عبد الله بن سبأ[1].

ثمّ يضيف:

وظَّف المختار في حركته ومن أجلها فضلًا عن سجع الكُهَّان جملة أفكار ستصبح الأساس الذي ستقوم عليه النظريَّة الشيعيَّة في الإمامة، وهي من شكَّلت ميثولوجيا الإمامة عند غلاة الشيعة، ونظريَّة الإمامة عن المعتدلين منهم[2].

مارس الجابري انتقائيَّة في الأحداث التاريخيَّة هنا، فمن ناحية لم يُفسِّر «حركة التوَّابين» السابقة على المختار، بل تجاهلها؛ لأنَّها تخلق إشكاليَّة لمحدّداته الثلاثة. بجانب أنَّ الشيعة -كما ذكر- كان لهم استقلال نسبي عن حركة المختار، إلَّا أنَّه لم يتناولهم بصفتهم جزء من الفضاء الشيعي، بل بصفتهم القبليَّة وبمصالحهم الاقتصاديَّة فقط.

(206)

خلاصة الأمر أنَّ الجابري تابع تحيُّزه ضدَّ الشيعة، فبعد أنْ ساوى بين العرفان والعقل المستقيل، أنكر على الفكر الشيعي السياسي استقلاله وأصالته، ونسبه إلى العقل المستقيل أيضًا.

علامة المساواة التي يقيمها على هذا النحو ناقد العقل العربي بين «قطاع اللَّا معقول» وبين «الفكر الشيعي» ليست محض جرَّة قلم، بل هي واحدة من الثوابت التي يتصدَّى على ضوئها لتحليل هذا العقل أو لتشطيره بالأحرى بمبضعه المثلَّث النصال. فالشيعة أو «المعارضة الشيعيَّة» بتعبير أدقّ «عملت على توظيف نتاج العقل المستقيل كأساس إبستمولوجي لأيديولوجيتها، بل استقت منها فلسفتها الدِّينيَّة والسياسيَّة بصورة مباشرة[1].

3 - التجلِّي الثالث: حركة تنويريَّة:

لا يكشف هذا التجلّي عن شيء جديد معرفيًّا؛ إذ من البديهي أنَّ هناك تداخل بين الدِّين والسياسة، وتطوُّر المجتمع. ويطرح هذا التجلّي إشكاليَّة تتعلَّق بتفسير الجابري لدخول الموالي في الحركة الثقافيَّة والعلميَّة العربيَّة بشكل عظيم، فتفسيره لذلك يقوم على مبدأ الغنيمة؛ أي بحثهم عن الوجاهة والمكانة، وهو حكم تعسُّفي، يغفل تطوُّر المجتمع العربي الإسلامي ناحية استيعاب الموالي، الذين عبَّروا عن فعَّاليَّتهم المعرفيَّة من خلال الإنتاج العلمي. ووفقًا للجابري ماذا كسب غيلان الدمشقي من قوله بالقدر أو الثورة على الظلم إلَّا الإعدام؟ مفضِّلًا ذلك على الحظوة التي نالها لدى الأُمويِّين.

يستفيض المؤلِّف في استعراض تاريخ وأفكار الفِرَق الكلاميَّة الإسلاميَّة، وعلاقة

(207)

ذلك بالصراع السياسي، وهو في مجمله أقرب إلى السرد التاريخي الشائع.

4 - التجلِّي الرابع: الأيديولوجيا السلطانيَّة:

يأتي هذا التجلّي كإنتاج معرفي، يرتبط بواقع اجتماعي وسياسي جديد استقدم الجابري من أجله مفاهيم جديدة (الكتلة التاريخيَّة، العامَّة، والخاصَّة). ويتعلَّق هذا التجلّي ببحث تحوُّل مكانة الخليفة من شيخ القبيلة إلى السلطان، الذي يستمدُّ سلطانه من إرادة الله، ويصبح معبِّرًا عنها.

ويتبع ذلك تغييرًا في بطانة الحاكم من شيوخ القبائل إلى الخاصَّة، وتغيُّر بنية الجيش من القبائل العربيَّة إلى الجند النظامي، من غير العرب. بشكلٍ عامٍّ ينبني هذا الفصل على مفاهيم إجرائيَّة جديدة، ممَّا يجعلها منفصلة عن نظريَّة الجابري في العقل السياسي، وما نسبتها للتجلّيات إلَّا ضربًا من الشموليَّة والتعميم.

الخاتمة:

هل أضاف الجابري بناءً نظريًّا جديدًا يمكن الاستعانة به لفهم واقعنا اليوم كما قال؟

بالتأكيد لا، فلا يمكن استخدام أيًّا من مفاهيم الجابري للتوصُّل إلى حلول لواقعنا السياسي؛ لأنَّها مطَّاطة وواسعة لدرجة أنَّها تستوعب كلَّ شيء، وبالتالي تساوي بين كلِّ شيء، فلا تستطيع أنْ تُفسِّر شيئًا.

إنَّ ما نتعلَّمه من كتاب الجابري هو أنْ نبتعد عن آفة الشموليَّة في دراسة العلوم الإنسانيَّة، وأنْ نفصل بين الهمِّ الإصلاحي الأيديولوجي وبين الدرس

(208)

الأكاديمي؛ فالأوَّل هو أداة توظيفيَّة لنتاج الدرس الأكاديمي، ولا يجوز أنْ ينطلق الدرس من رؤى أيديولوجيَّة مسبقة.

والنظرة السريعة على الحلول التي يقترحها الجابري وهي منح المحدّدات الثلاثة معاني جديدة أوسع تقود المجتمع نحو المواطنة، والاقتصاد الحديث، والديمقراطيَّة، لا تتعدَّى كونها رؤية وعظيَّة متعالية لا علاقة لها بواقع النشاط السياسي الاجتماعي، الذي لا يتغيَّر إلَّا بتغيُّر عوامل عديدة تتعلَّق ببنيته الداخليَّة وعلاقته بالبنى الخارجيَّة التي يشترك معها.

وقع الجابري في مشكلة «النظرة الشموليَّة» للتراث، التي أراد بها التأكيد على وحدة هذا التراث إلَّا أنَّه خلص على خلاف ما بدأ، فبدلًا من الوصول إلى بنى ونُظُم واحدة لهذا العقل الواحد كما ظنَّ؛ إذ به يصل إلى ثلاثة نُظُم معرفيَّة متباعدة للمظهر المعرفي لهذا العقل. وحدث الأمر ذاته في العقل السياسي العربي، فبدلًا من أنْ يتقبَّل الجابري وجود تنوُّع واسع لتجلّيات هذا العقل السياسي، نراه يتَّجه إلى تحديد أربعة تجلّيات متباينة، لا يوجد روابط بينها، كأنَّها جزر منعزلة -بتعبيره- لنكتشف أنَّه لا وجود لعقل سياسي واحد كما لا وجود لعقل معرفي واحد عنده.

وقع الجابري في الأخطاء في بحثه عن العقل المعرفي العربي، فغلب عليه التحيُّز الأيديولوجي ضدَّ المكوِّن الشيعي في مظهره السياسي مثلما سبق، وتحيَّز ضدَّ النظام المعرفي العرفاني، وفي الحالتين وصم العرفان والإمامة بأنَّهما نتاج العقل المستقيل، والغريب عن الثقافة العربيَّة، والذي وفد إليها من الأفكار الهرمسيَّة السابقة على الإسلام، وكأنَّه يشنُّ حربًا على كلِّ ما هو شيعي.

أمَّا عن الانتقائيَّة بكلِّ صورها فلم تكن جديدة على الباحث، وتابع عليها

(209)

بشكل واضح في هذا العمل، ما بين انتقائيَّة للنصوص أو الأحداث أو النظريَّات والآليَّات المعرفيَّة، وهو ما يُبيِّن أنَّ الجابري لم يدرس التراث الإسلامي بما هو ظاهرة كائنة لها استقلالها ووجودها، بل كقطع من الحجارة المتناثرة التي تنتظر مخطَّط سابق لتنتظم خلاله.

فضلًا عن ذلك لجأ المؤلِّف إلى التلاعب في جهازه المفاهيمي كلَّما اقتضت الحاجة، أو كلَّما عجز بمفاهيمه المحدَّدة عن قراءة الأحداث التاريخيَّة، فراح يضيف ويُعدِّل فيها بلا حرج منهجي، ودون تبرير منهجي أو نظري للمفاهيم الجديدة، مثلما اشتقَّ مصطلح «الكتلة التاريخيَّة»، واستخدم مفهومي العامَّة والخاصَّة عند حديثه عن المجتمع الإسلامي في العصر العبَّاسي، بعد أنْ أدرك عدم كفاية محدّداته الثلاثة في استيعاب التغيُّر الاجتماعي الكبير.

(210)

التعاطي بين الفلسفة والشريعة

في كتاب «نحن والتراث» لمحمّد عابد الجابري

مسلم طاهري كل كشوندي[1]
يحيى بوذري نجاد[2]

الملخَّص:

تسعى هذه الدّراسة إلى تحليل آراء محمّد عابد الجابري وتقييمها بشأن التعاطي بين الفلسفة والشريعة في كتاب «ما و ميراث فلسفي مان»[3]؛ لنحصل على رؤية واضحة حول آرائه. كما تعمل هذه الدراسة على التحليل الخارجي ومناشئ هذا الكتاب؛ لأنَّ العناصر غير المعرفيَّة المؤثِّرة في بلورة التفكير، تُعَدُّ واحدة من أهمّ المقوِّمات التحقيقيَّة التي تجب دراستها في مناقشة آراء المفكِّرين، وفي هذا القسم سوف نتعرَّض إلى دراسة وبحث العناصر والخلفيَّات والمناشئ العلميَّة والفكريَّة والاجتماعيَّة للكتاب ومؤلِّفه، التي ساهمت في تبلور الكتاب على نحو الإجمال. ثمّ سنعمل في الأثناء على التحليل الداخلي وإظهار مكانة الكتاب وأثره، وفي هذا القسم سوف يتمُّ التعريف بالموضوعات الأصليَّة والمركزيَّة للمباني

(211)

الفلسفيَّة والمنهجيَّة المعرفيَّة، والفرضيَّات، والنظريَّات الهامَّة في هذا الكتاب، وأُسلوب الاستدلال والمنطق الحاكم والمهيمن على الكتاب، والآثار والمعطيات النظريَّة الهامَّة، وكذلك مصادر ومستندات الكتاب، وتحليلها أيضًا. وفي القسم الأهمّ من هذه الدراسة سوف نعمل على نقد وتقييم كتاب (نحن والتراث) لمؤلِّفه محمّد عابد الجابري، وفي هذا القسم سوف تكون لدينا تأمُّلات نهائيَّة في خصوص مضمون ومحتوى هذا الكتاب والتقييم البنيوي والأُسلوب المعرفي له.

المقدّمة:

لقد صدرت أوَّل طبعة لهذا الكتاب سنة 1980م على شكل مجموعة من المقالات قدَّمها الدكتور محمّد عابد الجابري، ليُعاد طبعها بعد ذلك مرَّات عديدة. وأُعيد طبعها سنة 2004م، من قِبَل دار نشر «المركز الثقافي العربي» في لبنان تحت عنوان «نحن والتراث: قراءة معاصرة في تراثنا الفلسفي». وقد جاءت الترجمة الفارسيَّة اعتمادًا على هذه الطبعة بالتحديد تحت عنوان «ما و ميراث فلسفي‌ مان»، حيث قام بأعباء ترجمة هذا الكتاب إلى اللغة الفارسيَّة: السيِّد محمّد آل مهدي. وقد صدرت هذه الترجمة الفارسيَّة في جزأين، حيث حمل الجزء الأوَّل عنوان «قراءة جديدة لفلسفة الفارابي وابن سينا»، وقد صدر هذا الجزء سنة1387ش في طهران عن دار نشر ثالث في 218 صفحة، وبلغ عدد نُسَخ هذه الطبعة 1550 نسخة. كما صدر الجزء الثاني من هذه الترجمة بعنوان «قراءة جديدة لفلسفة المغرب العربي والأندلسي» سنة ١٣٩١ش في طهران في 272 صفحة، عن دار نشر ثالث أيضًا، وقد بلغ عدد نُسَخ هذه الطبعة 1100 نسخة.

لقد سعى الجابري في الفصل الأوَّل من الجزء الأوَّل، بعنوان «مبادي قراءة

(212)

جديدة» - بالإضافة إلى بيان منهجه من خلال رسم بياني عن كيفيَّة انتقال الفلسفة اليونانيَّة والعلوم التابعة لها إلى المجتمع الإسلامي - إلى إظهار الشكل أو الأشكال التي اتَّخذتها مبادئ القراءة بالتوازي مع الكفاح الدِّيني والمذهبي المعاصر لها. ينقسم هذا الفصل إلى خمسة أقسام، وهي عبارة عن:

1 - قراءة معاصرة.

2 - قراءات كلُّها سلفيَّة.

3 - من أجل نقد علمي للعقل العربي.

4 - خطوات المنهج ومستويات القراءة: ضرورة القطيعة مع الفهم التراثي للتراث.

5 - عناصر الرؤية.. منطلقات القراءة.

والفصل الثاني بعنوان «مشروع قراءة جديدة لفلسفة الفارابي السياسيَّة»، حيث يسعى فيه الدكتور الجابري إلى بيان الاختلافات البنيويَّة للفكر اليوناني والفكر الإسلامي. وقد عمد -في سياق الوصول إلى هذه الغاية- إلى تقديم مدخل للقراءة الواعية لفلسفة الفارابي[1].

والقسم الأخير من هذا الفصل بعنوان «منهج وآفاق»، حيث يقترح الدكتور الجابري نوعًا من القراءة الجديدة التي تحتوي على خصائص أيديولوجيَّة، ويرى أنَّ الجهد الواعي للقراءة الأيديولوجيَّة أفضل بكثير من القراءة اللَّاواعية، وقال في هذا الشأن:

إنَّها قراءة أيديولوجيَّة ولا شكَّ.. ولكنَّه لأفضل ألف مرَّة أنْ نحاول قراءة تراثنا

(213)

قراءة أيديولوجيَّة تريد أنْ تكون واعية، من أنْ نستمرَّ في قراءته قراءة أيديولوجيَّة غير واعية، وقراءة مزيَّفة ومقلوبة[1].

وأمَّا موضوع وعنوان الفصل الثالث فهو عبارة عن «حفريات في جذور الفلسفة العربيَّة الإسلاميَّة في الشرق». لقد سعى الدكتور محمّد عابد الجابري في هذا الفصل من خلال الرؤية السلبيَّة إلى التراث الفلسفي الذي انتقل إلينا من مفكِّري الشرق الإسلامي، إلى الخوض في القاعدة الإبستيمولوجيَّة (المعرفيَّة) والنظرة الشموليَّة والأيديولوجيَّة لفلسفة شرق العالم الإسلامي.

وأمَّا عنوان الفصل الرابع، فقد تمَّ اختياره من قِبَل الدكتور الجابري على النحو الآتي: «الأصل المشرقي في الفلسفة المشرقيَّة السينويَّة: تيَّاران في الأفلاطونيَّة الجديدة». إنَّه في هذا الفصل وبـ «قراءة غير مباشرة» يسعى إلى العثور على عُقدة[2]، أو بعبارة أُخرى: العنصر المركزي للتفكير الزماني والمكاني والثقافي لابن سينا.

وأمَّا الفصل الخامس فقد تبلور حول موضوع «المشرقيُّون والمغربيُّون: الفلسفة والصراع الأيديولوجي». لقد ذهب الدكتور الجابري في هذا الفصل إلى الاعتقاد بأنَّ الخراسانيِّين (أو المشرقيِّين) قد ذهبوا إلى القول بإدغام الدِّين في الفلسفة والفلسفة في الدِّين، ومن ناحية أُخرى ذهب البغداديُّون (أو المغربيُّون) -خلافًا للمشرقيِّين- إلى القول بفصل الدِّين عن الفلسفة.

وفي الختام يأتي الفصل السادس ليختتم به الجزء الأوَّل من هذا الكتاب، حيث يحمل هذا الفصل عنوان «المضمون الأيديولوجي للفلسفة المشرقيَّة السينويَّة».

(214)

إنَّ هذا القسم يُمثِّل نوعًا من استنتاج بحث الدكتور الجابري حول الفارابي وابن سينا. إنَّ الجابري في ختام هذا الجزء من الكتاب يذهب إلى الاعتقاد بأنَّ ابن سينا هو المتسبِّب الرئيس في انحطاط الفكر والعقل في المرحلة الإسلاميَّة التالية له، وليس التراث الكلامي / الفكري للأشاعرة أو التيَّار الذي أقامه أبو حامد الغزالي من خلال تأليفه لكتاب «تهافت الفلاسفة»[1].

أمَّا الجزء الثاني من الترجمة الفارسيَّة لكتاب الدكتور محمّد عابد الجابري وقد تمَّ الاقتصار فيه على أربعة فصول، على النحو الآتي:

الفصل الأوَّل من الجزء الثاني عبارة عن «ظهور الفلسفة في المغرب والأندلس»، حيث يسعى الدكتور الجابري في هذا الفصل إلى دراسة الفلسفة المنقولة عن ابن باجة والوحدة الإبستيمولوجيَّة والأيديولوجيَّة لفلسفة المغرب والأندلس. ولكي يصل إلى هذه الغاية عمد أوَّلًا إلى قراءة رسالة «تدبير الموحِّد» لابن باجة.

وأمَّا الفصل الثاني من الجزء الثاني، فهو بعنوان «المدرسة الفلسفيَّة في المغرب والأندلس: مشروع قراءة جديدة لفلسفه ابن رشد». وقد تحدَّث الجابري في بيان غايته في هذا الفصل قائلًا:

تطمح هذه المحاولة إلى رسم معالم رؤية جديدة، أعمق وأشمل للفكر النظري الإسلامي في المشرق على عهد العبَّاسيِّين، وفي المغرب والأندلس على عهد الموحِّدين[2].

يسعى الدكتور الجابري في هذا الفصل إلى العثور على رؤية ابن رشد بشأن العلاقة بين الدِّين والفلسفة.

(215)

وأمَّا عنوان الفصل الثالث من الجزء الثاني، فهو «إبستيمولوجيا المعقول واللَّامعقول في مقدّمة ابن خلدون». يسعى الجابري في هذا الفصل إلى إصلاح الخطاب الإبستيمولوجي لابن خلدون.

والفصل الأخير من هذا الجزء، فهو بعنوان «ما تبقَّى من الخلدونيَّة: مشروع قراءة نقديَّة لفكر ابن خلدون»، وهذا الفصل بدوره يشتمل على العناوين الأربعة الآتية:

1 - الذاتي والموضوعي في إشكاليَّة ابن خلدون.

2 - تناقض المشروع الخلدوني وعوائقه الإبستيمولوجيَّة.

3 - الخلدونيَّة كعنوان لواقع نعيشه ولا نتحدَّث عنه.

4 - الخلدونيَّة وما سكتت عنه.

حيث يذهب الدكتور الجابري إلى الاعتقاد بأنَّ ابن خلدون يُمثِّل الحلقة الأخيرة في سلسلة العلماء المبدعين والمجدِّدين في الثقافة العربيَّة / الإسلاميَّة في القرون الوسيطة[1]. لقد ذهب الدكتور الجابري في القسم الأوَّل من هذا الفصل إلى الاعتقاد بأنَّ أُسلوب مواجهة ابن خلدون مع العلوم المعاصرة له بشكل أعمّ، وعلم العمران بشكل أخصّ، إنَّما هو نتيجة التلاقح الحاصل والمتحقِّق في تجربته. إنَّ المراد من الذهني في أمر ابن خلدون هو تجربته السياسيَّة الفاشلة، التي تحقَّقت خلال مشاركته ونشاطه في الحكومات التي عاصرها، ويُراد من العينيَّة والانفصال والانهيار ما حدث في رقعة العالم الإسلامي في عصر ابن خلدون.

(216)

موقع محمّد عابد الجابري واتِّجاهه في هذا الكتاب:

وُلِدَ محمّد عابد الجابري في السابع والعشرين من شهر كانون الأوَّل سنة 1936 للميلاد، في مدينة فكيك الواقعة إلى الشرق من المغرب[1]. أنهى دراسته على مستوى البكلوريوس في حقل فلسفة العلم والإبستيمولوجيا سنة 1964م، وأنهى دراسته على مستوى الماجستير سنة 1967م، وفي عام 1970م حصل على شهادة الدكتوراه من كلّيَّة الآداب في جامعة محمّد الخامس في الرباط، وكانت أُطروحته العلميَّة بعنوان «العصبيَّة والدولة: معالم النظريَّة الخلدونيَّة في التاريخ العربي الإسلامي»، وحصل على كرسي تدريس الفلسفة في هذه الجامعة. وكانت وفاته بتاريخ 3/5/2010م، عن عمر ناهز خمسة وسبعين عامًا. يُعَدُّ الدكتور الجابري من أزخر المفكِّرين العرب إنتاجًا، وقد كان لأعماله وآرائه انعكاس واسع في إبستيمولوجيا الفلسفة الجديدة. وقد كان بالإضافة إلى اللغة العربيَّة يُتقِن اللغة الفرنسيَّة والإنجليزيَّة بشكل كامل، ومن هنا فقد انتشرت كتاباته على نطاق واسع. لقد أراد الدكتور الجابري -من خلال نشر أعماله الكثيرة والمتنوِّعة في حقل الفلسفة والكلام والفقه والسياسة وتاريخ الإسلام- تقديم نوع من الرؤية الناقدة للشرق الإسلامي، وبذلك فقد تمكَّن من إقامة علاقة متبادلة بين المفكِّرين في المشرق العربي / الإسلامي، وأنْ يُقدِّم حوارًا نقديًّا في هذا المجال. وقد سعى في ضوء المنهج الإبستيمولوجي[2] إلى العمل على شرح وتحليل وتعريف أدوات التفكير العربي والإسلامي.

يتَّبع الدكتور محمّد عابد الجابري في كتاب «نحن والتراث» منهجًا قائمًا على

(217)

رؤية معرفيَّة وإبستيمولوجيّة ما فوق دينيَّة تدرس وتبحث في التراث الذي تركه لنا المسلمون الأوائل. ومن خلال هذا البحث يُقدِّم الجابري مشروعًا لمواجهة العالم الحديث. وعلى هذا الأساس فإنَّه يسعى لا إلى الاهتمام بمجرَّد قراءات المتقدِّمين من أمثال: الفارابي، وابن سينا، وابن الطفيل، وابن باجة، وابن رشد، وابن خلدون لمجموع التراث الإسلامي فحسب، بل ويعمل كذلك على نقد ومناقشة المبادئ المعرفيَّة وغير المعرفيَّة لهم، وكذلك أساليبهم ومناهجهم في مواجهة المسائل الناظرة إلى مكانهم وزمانهم أيضًا، وقد عمل من خلال الاستفادة من حقول العلوم الإنسانيَّة الحديثة على تقديم آراء جديدة حول السُّنَن الإسلاميَّة (التاريخ الفكري الإسلامي) القائمة على أساس تلك الحقول. وقد عمد الجابري في هذا الكتاب -ضمن بيان بعض الانتقادات على تفلسف وفلسفة الفارابي وابن سينا- إلى التعريف بابن رشد بوصفه مفكِّرًا منفصلًا عن النظام الفكري للمشرق الإسلامي، وأنَّه عاد إلى آراء أُرسطو مباشرةً ومن دون واسطة؛ وعمد إلى تطهير دائرة «الدِّين» و«العلم» من التلاقح الإبستيمولوجي الذي حصل في مرحلة الفارابي وابن سينا في السياق الحضاري للإسلام، ويُثني عليه لهذا السبب. كما يسعى الجابري في هذا الكتاب إلى الالتفات إلى الظروف والشرائط التاريخيَّة وعناصر ظهور التنوُّع في قراءات المسلمين للتراث. وبعبارة أُخرى: إنَّه - بدلًا من بحث هذه المسألة القائلة: «ما هو نوع التراث الذي يجب أنْ نعمل على الاستفادة منه، وما هو النوع الذي يجب تجنُّبه؟» - يسعى إلى الاهتمام بكيفيَّة الحصول على منهج مناسب من أجل التحوُّل في فهم التراث. ومن خلال هذه المقدّمة يمكن لنا المرور على بعض العوامل التي أدَّت بشكلٍ جادٍّ إلى تميُّز هذا الكتاب عن سائر الأعمال المشابهة له ضمن موارد عدَّة، من قبيل: عدم مواجهة الدكتور الجابري مع آراء الفارابي وابن

(218)

سينا مباشرةً، وقيام الجابري بفهم فلسفة هؤلاء المفكِّرين بواسطة آراء الآخرين من الغربيِّين، وأنَّ الفكر القومي للجابري قد أدَّى به في هذا الكتاب إلى إقامة تقسيم ذي وجهين على مثل هذا التفكير، وأنَّ الخصوصيَّة الأهمّ للاتِّجاه القومي للجابري تشتمل على نوع من «القوميَّة المعرفيَّة» بصبغة عربيَّة، وعلى أساسها يسعى الجابري إلى تطهير العالم الإسلامي من العقلانيَّة اللَّا عربيَّة. وبعبارة أُخرى: إنَّ تقسيمه العالم الإسلامي إلى شرق (سلبي من وجهة نظره)، وغربي (إيجابي من وجهة نظره)، يستند إلى جذور قوميَّة، ولا يقوم على أُسُس دينيَّة وإسلاميَّة. ومن هنا فإنَّ اهتمام الجابري في القسم الأوَّل من الكتاب ينصبُّ على نقد تاريخ فكر المشرق الإسلامي (ولا سيّما البارزين من أقطابه، من أمثال: الفارابي وابن سينا)، ويقوم القسم الثاني من هذا الكتاب على وصف وجوه الفكر الفلسفي لمغرب العالم الإسلامي وشرحها (من أمثال: ابن باجة، وابن الطفيل، وابن رشد، وابن خلدون)، حيث يُبدي الجابري ثناءً لا واعيًا إلى هذا القسم من التراث[1]. وقد أدَّت هذه الرؤية إلى إصدار الجابري أحكامًا مسبقة ومغرضة، وهي تعكس في بعض جوانبها منهجًا فكريًّا متناقضًا وغير مدرك في هذا الشأن.

إنَّ طرح مثل هذا المشروع الفكري من قِبَل الدكتور محمّد عابد الجابري دعا البعض إلى تكوين رؤية متعاطفة، وقام الكثير من المفكِّرين المسلمين بنقد هذه الآراء والأفكار ومناقشتها. ومن بين أهمّ الناقدين العرب لمحمّد عابد الجابري، يمكن لنا أنْ نذكر كلًّا من: حسن حنفي، وطه عبد الرحمن، وجورج طرابيشي، ومحمود أمين العالم، وكمال عبد اللطيف، وعليّ حرب، وحسين مروة، وطيِّب تيزيني، ويحيىٰ محمّد، ومن بين الناقدين الإيرانيِّين له: رضا داوري أردكاني، وغلام حسين إبراهيمي ديناني.

(219)

التحليل الخارجي ومناشئ الكتاب ومؤلِّفه:

لقد عمد الجابري في تحليله النظري والعملي إلى توظيف الكثير من النظريَّات والآراء المتنوِّعة، من قبيل: آراء عالم اللغويَّات لالاند، وباشلار، وجورج كانغيلم، وميشال فوكو، وبياجيه. وعلى الرغم من عاطفته المرهونة للتراث العربي (الإسلامي) الزاخر بالمنعطفات، إلَّا أنَّ للجابري كذلك عقلًا يقف على أعتاب الحداثة أيضًا. ولذلك من ناحية وبحسب اعتراف الجابري نفسه فإنَّ التأثير الأكبر على أفكاره كان قد أتى من قِبَل المفكِّرين الفرنسيِّين، حيث نجد هذا التأثير واضحًا في توجيه وهداية تفكير الجابري نحو التحليل التاريخي / البنيوي، ونقد العقل الفلسفي. ومن ناحية أُخرى فإنَّ تقديم مشروع جديد في صلب المجتمع الإسلامي (الأعمّ من الشرقي والغربي) يحتاج إلى عمق تاريخي ضارب بجذوره في الإرث الحضاري للإسلام؛ ومن هنا يمكن من خلال توظيف الجابري لمناهج التفكير الحديثة، والاستناد إلى التراث الفلسفي الإسلامي / العربي، مشاهدة نوع من التحوُّل في أفكاره، رغم أنَّ هذا التحوُّل يأتي على نحو تدريجي. لقد أشار الدكتور محمّد عابد الجابري إلى تحوُّله الفكري، وصرَّح بميوله الماركسيَّة سابقًا، وأنَّه قد تخلَّى عن الكثير من أفكاره وآرائه السابقة، ويمكن مشاهدة هذا التأثُّر في الكثير من أعماله المتنوِّعة[1].

التحليل الداخلي ومكانة الكتاب:

لقد سعى الدكتور محمّد عابد الجابري في القسم الأوَّل من كتابه «نحن والتراث» إلى بيان هذه الفرضيَّة القائلة: «هل العقل العربي والعقل الأُرسطي

(220)

(الذي ينزع إلى التجديد)، يُمثِّل تيَّارًا أصيلًا للفكر الفلسفي في التراث الإسلامي؟». ولتحقيق هذه المهمَّة، عمد الجابري أوَّلًا إلى تدوين المنهج المعرفي المهيمن على هذا الكتاب، ثمّ تعرَّض لدراسة أعمال عصر الفارابي وبيئته، وقام باتِّباع النهج ذاته في قراءة الأعمال الصادرة في عصر ابن سينا وبيئته أيضًا.

إنَّ الدكتور محمّد عابد الجابري يذهب -من خلال تقسيمه الثلاثي للقراءات الموجودة، من قبيل: الأُصوليَّة الدِّينيَّة[1]، والأُصوليَّة الليبراليَّة (بقراءة شبه استشراقيَّة)، والأُصولية الماركسيَّة[2]- إلى الاعتقاد بأنَّ «نقد طريقة الإنتاج النظري، أي «الفعل العقلي»، هو وحده الذي يمكن أنْ يكتسي الصبغة العلميَّة، ويُمهِّد الطريق بالتالي لقيام قراءة علميَّة واعية»[3]. وهي القراءة التي يصرُّ فيها على فصل «الذات عن الموضوع»، أو بعبارة أُخرى: ضرورة القطيعة مع الفهم التراثي للتراث[4]. ولا بدَّ في هذا المنهج من طيِّ ثلاثة مسارات، وهي كالآتي:

1 - المعالجة البنيويَّة: الاهتمام بمحوريَّة ومنظوميَّة رؤية تفكير صاحب النصِّ (من قبيل: الفارابي أو ابن سينا بوصفهما من أصحاب الفكر).

2 - التحليل التاريخي: حيث يتعلَّق الأمر أساسًا بربط فكر صاحب النصِّ الذي أُعيد تنظيمه بمجاله التاريخي بكلِّ أبعاده الثقافيَّة والأيديولوجيَّة والسياسيَّة والاجتماعيَّة (من قبيل: ارتباط ابن سينا والجغرافيا الفكريَّة لإيران القديمة بجميع أنواعها الثقافيَّة).

(221)

3 - الطرح الأيديولوجي (إزالة الأقواس التاريخيَّة): وهذا يرتبط في الحقيقة بذات النصِّ، والمواجهة المباشرة مع النصِّ من أجل تأويله المغرض، أو الحدس الرياضي في كشف المواضع المبهمة «الخاضعة للقراءة». وإنَّ الغاية من هذه المرحلة هي الكشف عن المضمون الأيديولوجي لفكر ما بوصفه الوسيلة الوحيدة لجعله فعلًا معاصرًا لنفسه ومرتبطًا بعالمه[1].

إنَّ من بين المحاور الأصلية لهذا الكتاب، تقديم قراءة جديدة للفلسفة السياسيَّة والدِّينيَّة للفارابي. وقد ذهب في بداية الأمر إلى الاعتقاد بأنَّ عظمة الفارابي بوصفه مفكِّرًا لا تخفى على أحد، ولكن هذه الحقيقة لا تحول دون النفوذ إلى عمق إشكاليَّة الفارابي. وبطبيعة الحال يجب أنْ لا يُؤدِّي هذا النفوذ إلى تقطيع أوصال المنظومة الفكريَّة للفيلسوف، أو بعبارة أُخرى: إنَّ طريقة مواجهة أو قراءة مفكِّر ما يجب ألا تكون «طريقة تجزيئيَّة وغير علميَّة». إنَّ الحلَّ الذي يُقدِّمه الدكتور الجابري في مواجهة هذا النقص الماثل في طريق الدراسات الإسلاميَّة الجديدة، قراءة ينبغي أنْ يكون فيها هذا الوجوب «بحيث تكون له رؤية شاملة تربط جميع الأجزاء بذلك الكلِّ الذي تميل إليه، وتسعى إلى التعرُّف على الروابط القائمة بين العالم والواقعيَّة»[2]. وقد ذهب الجابري إلى الاعتقاد بأنَّ المنظومة الفكريَّة للفارابي تقوم على المواءمة بين الفلسفة والدِّين. وهو مزيج يظهر فيه تلاقح بين الثقافة اليونانيَّة (الفلسفة) والثقافة العربيَّة (الدِّين). إنَّ نظرة الدكتور الجابري إلى دور الفارابي في هندسة الحضارة الإسلاميَّة / العربيَّة، تُعبِّر عن رؤية بنيويَّة تنظر إلى الفارابي بوصفه شخصيَّة تبلورت من صلب الحضارة العربيَّة / الإسلاميَّة بوصفها بنية عامَّة تعمل على إنتاج العنصر الإنساني في صلبها. يقول الدكتور الجابري في هذا الشأن:

(222)

إنَّ القارئ هنا ليس الفارابي كفرد من أفراد المجتمع يُحسِن التهجِّي والفهم، بل القارئ هو الحضارة العربيَّة / الإسلاميَّة، بكلِّ أبعادها الروحيَّة والفكريَّة والسياسيَّة والاجتماعيَّة والتاريخيَّة ممثِّلة في شخص الفارابي الفيلسوف[1].

إنَّ تخصيص المفكِّر بكتاب واحد، وتقديم تفسير منفرد عن ذلك الكتاب، يُمثِّل نوعًا من «الأُصوليَّة التفسيريَّة»[2] التي تسود الجابري في جميع مواطن القسم الأوَّل من الكتاب الخاصِّ بقراءته لتراث مشرق العالم الإسلامي. وفي هذا السياق يُقدِّم ثلاثة عوامل رئيسة في قراءة المفكِّر (بوصفها إطارًا منهجيًّا لمواجهة المفكر)، وهذه العوامل الثلاثة هي كالآتي:

1 - بيئة المفكِّر.

2 - عصر المفكِّر.

3 - البيئة الثقافيَّة التي تتمُّ فيها عمليَّة القراءة.

يرى الجابري أنَّ غاية الفارابي من إعادة قراءة أفلاطون وأُرسطو، والجمع بين رأييهما، هي الجمع بين آراء معاصريه؛ أي العمل على توحيد الرؤية الدِّينيَّة والفلسفيَّة والسياسيَّة والاجتماعيَّة، وإزالة الشكِّ والارتياب وتحقيق التعاون بين سائر الأفراد والفئات[3]. ولذلك فإنَّ خصوصيَّة هذه القراءة من قِبَل الفارابي -من وجهة نظره- «قراءة أيديولوجيَّة وهادفة»[4]. وهو تأويل قام به الفارابي في قراءته لهذين الفيلسوفين. «إنَّه تأويل يُحقِّق من جهة رغبة في نفس المؤوِّل،

(223)

ويستجيب لإشكاليَّته الفكريَّة العامَّة من جهة أُخرى»[1]. إنَّ المهمَّة الأُولى لهذا النوع من التأويل - من وجهة نظر الدكتور الجابري - بيان وحدة العقل الذي يتكفَّل به كتاب الفارابي (الجمع بين آراء الحكيمين)، وأمَّا المهمَّة الثانية فهي بيان قدرة العقل في تأويل كلّي يشمل النماذج الدِّينيَّة، وقد تبلور هذا الادِّعاء -من وجهة نظر الجابري- من قِبَل الفارابي في كتاب ميتافيزيق الفيض. والمهمَّة الثالثة إعادة إصلاح المجتمع والدولة من جديد، حيث استطرد الجابري في بيان اختلاف أُسلوب الغزالي عن الفارابي في المواجهة مع الفلسفة اليونانيَّة، حيث قام الغزالي بعد الفارابي باستدارة تجاه قراءة فلسفة اليونان، وكانت هذه الاستدارة تقوم على الاعتقاد القائل بأنَّ «الجمع بين الدِّين والفلسفة» غير ممكن؛ وعلى هذا الأساس عمد إلى تفكيك الفكر اليوناني -المترسِّخ في الفكر الإسلامي- «إلى قطع وأجزاء، وأصدر في كلِّ قطعة منها فتواه المعروفة»[2]. إنَّ الدكتور الجابري يعمل بشكل رئيس على تقييم جهود المفكِّرين الإيرانيِّين بالالتفات إلى جذورهم التي تعود إلى ما قبل الإسلام، وعند تقييمه للفكر العربي في المغرب الإسلامي، لا يعمل على إدخال عنصر «وضع العرب قبل الإسلام» ضمن التحليل، وفوق ذلك لا يصرُّ على إطلاق صفة «الإسلامي» على التفكير الفلسفي للعرب، ويرى أنَّ الدِّين الإسلامي هو في الأساس دين الفطرة، ويرى أنَّ دين الفطرة دين مجرَّد من الفلسفة[3]؛ لأنَّه في الأساس عقيدة لا صلة لها بالتلاقح بين الدِّين والفلسفة[4]. كما يذهب الدكتور الجابري إلى الاعتقاد بأنَّ الروح التي تسود المدرسة الفلسفيَّة في المغرب والأندلس

(224)

هي روح فصل الدِّين عن الفلسفة[1]. لا يرى الجابري في النزاع بين الفلاسفة المسلمين تسلية فكريَّة، وإنَّما يراه نموذجًا من نماذج الصراع الأيديولوجي[2].

ثمّ انتقل الدكتور الجابري بعد ذلك إلى قراءة آراء ابن سينا وعقائده. يرى الجابري أنَّ الفلسفة السينوية هي ذات الفلسفة الفارابيَّة[3]. وبعبارة أُخرى: «لقد تبنَّى ابن سينا المنظومة الفلسفيَّة للفارابي، ولم يقرأ من خلالها أُرسطو فحسب، وإنَّما قرأ جميع الفكر اليوناني.. لم يُضِف الشيخ الرئيس أيَّة عناصر جديدة إلى هذه المنظومة، ولم يحذف منها أيَّ شيء»[4].

ولكن يمكن اعتبار تمايز ما قام به ابن سينا عن الفارابي في «إبرازه عناصر معيَّنة محمِّلًا إيَّاها بالفعل ما كانت تتضمَّنه بالقوَّة»[5]. يسعى الدكتور الجابري إلى اختزال مجمل المنظومة الفلسفيَّة للشيخ الرئيس في «عنصر واحد وجوهري» وليس ذلك العنصر سوى (الأجرام السماويَّة)[6]. حيث قامت أركان منظومته الفلسفيَّة -ومن بينها الأبحاث الأنطولوجيَّة والإبستيمولوجيَّة وحتَّى الأنثروبولوجيَّة- على أساس هذا العنصر. يذهب الدكتور الجابري إلى الاعتقاد بأنَّ الشيخ الرئيس بتأثير من «العقل الإسماعيلي وتعاليم إخوان الصفا، يسعى إلى مزج الشريعة الإسلاميَّة بعبارات فلسفيَّة وإلهيَّة»[7]. لقد رصد ابن سينا بعض المهامِّ لـ «الأجرام السماويَّة»، ليس لها أيَّ سابقة في تاريخ الشريعة الإسلاميَّة، حيث اعتقد بأنَّ الأجرام السماويَّة

(225)

«تحسُّ وتتخيَّل علاوةً على أنَّها تعقل»[1]. فإنَّ سعادة الناس - بناءً على ذلك - إنَّما تكون في السماوات وليس في الأرض. إنَّ هذا المنهج الفكري السينوي يُمثِّل -من وجهة نظر الجابري- استمرارًا للأزمة التي بدأت في إبستيمولوجيا العالم الإسلامي بأعمال الفارابي[2]. ومن بين التيَّارات الثلاثة التي يستخلصها الدكتور محمّد عابد الجابري في تاريخ المعرفة الإسلاميَّة، وهي التيَّارات الآتية:

1 - التيَّار الإبستيمولوجي البياني (الذي يُمثِّل جانبًا من التراث العربي / الإسلامي، ونعني به النصوص الدِّينيَّة واللغويَّة).

2 - النظام الإبستيمولوجي العرفاني أو العقل المستقيل (المتأثِّر بتراث ما قبل الإسلام على الأساس الهرميسي).

3 - النظام الإبستيمولوجي البرهاني القائم على أساس الفلسفة والعلوم العقليَّة (والأُرسطيَّة بشكلٍ خاصٍّ)[3].

تقع فلسفة ابن سينا في القسم الثاني، أي: العقل المستقيل.

وبعد ذلك ينتقل الدكتور الجابري إلى البحث عن جذور فلسفة ابن سينا، حيث يرى أنَّ جذور هذه المدرسة الفلسفيَّة تنتهي إلى فرعين، وهما:

1 - تعاليم الروحانيِّين الصابئة الحرَّانيِّين، من جهة[4].

2 - تفسير الأفلاطونيَّة المحدَثة لأُرسطو، من جهة أُخرى[5].

(226)

بعد أنْ فرغ الدكتور الجابري من نقد منهج الفارابي وابن سينا في الفلسفة، انتقل إلى بحث النزاع بين الفلسفة المشرقيَّة والفلسفة المغربيَّة. وقد ذهب الجابري إلى الاعتقاد بدور الجغرافيا والوطن (مسقط الرأس) على تفكير الفيلسوف. يُطلِق الجابري على الخراسانيِّين تسمية «المشرقيِّين»، وهؤلاء في الأساس يؤمنون بفكرة الفيض، وكذلك إدغام الدِّين في الفلسفة والفلسفة في الدِّين، ويُمثِّل هذه الفلسفة كلٌّ من: الفارابي، وابن سينا، وإخوان الصفا، والإسماعيليَّة. وفي المقابل يذهب الدكتور الجابري إلى تسمية «البغداديِّين» بـ «المغربيِّين»، والشعار الأصلي لهؤلاء يتمثَّل بفصل الدِّين عن الفلسفة. ومن خلال هذه التقسيم الفاصل ذهب الدكتور الجابري إلى الاعتقاد بأنَّه علاوةً على التنافس السياسي المحتدم بين العراق وخراسان، كان هناك على الدوام تنافس علمي أيضًا[1]. وقال الدكتور الجابري في بيان خصائص المدرسة البغداديَّة:

إنَّ هؤلاء لم يكونوا مشَّائين إلَّا في المنطق، أمَّا في الميتافيزيقا فقد كانوا إسكندرانيِّين يتبنَّون التأويل الأفلوطيني لفكرة الفيض، وبعبارة أُخرى: كانوا الممثِّلين الرسميِّين في بغداد للأفلاطونيَّة الجديدة في صيغتها المغربيَّة[2].

ويرى الجابري أنَّ السبب الرئيس في عدم ترحيب هذه المدرسة بامتزاج الدِّين والفلسفة، هو الحفاظ على استقلاليّة دينهم، ولذلك كانوا يعملون بفصل الدِّين عن الفلسفة والفلسفة عن الدِّين[3]. وعلى كلِّ حالٍ فإنَّ النقطة التي يذكرها الدكتور الجابري حول التمايز بين هاتين المدرستين تكمن في «رأيهما حول العلاقة بين الدِّين والفلسفة».

(227)

وفي الختام يذهب الدكتور الجابري إلى الاعتقاد بأنَّ العصر الراهن هو عصر النقد الأيديولوجي[1]. وفي هذا السياق يسعى -من الموضع الأيديولوجي- إلى تعريض الشيخ الرئيس ابن سينا إلى أقسى الهجمات. ففي البداية يعتبر سنخ فلسفة ابن سينا من أخطر أنواع الفلسفة، وبعد ذلك يصف ابن سينا بأنَّه من أخطر الفلاسفة. وقد ذهب الجابري إلى القول بأنَّ فلسفة ابن سينا من تلك الفلسفات التي «نجحت في إخفاء مضمونها الأيديولوجي». وحيث يذهب الدكتور الجابري إلى القول بأنَّ المعيار في خطورة الفلسفة يكمن في عدم أدلجتها، فإنَّه يذهب إلى الاعتقاد بأنَّ ابن سينا قد تمكَّن بذكاءٍ تامٍّ من إخفاء أيديولوجيَّتها، وكسب بذلك احترام الآخرين (من المسلمين والأُوروبيِّين)، هذا في حين يذهب الدكتور الجابري إلى اعتباره من أخطر الفلاسفة وأنَّ فلسفته من أخطر أنواع الفلسفة[2]. ثمّ واصل الدكتور الجابري أحكامه غير المنهجيَّة القائمة على معياريَّة الفلسفة اليونانيَّة ومدرسة أُرسطو، قائلًا بأنَّ ابن سينا لم يكن في فلسفته أُرسطيًّا من الأساس، ويذكر في هذا السياق السؤال القائل: «لماذا قام المسلمون بإبراز ابن سينا في التيَّار المشَّائي بدلًا من إبراز الفارابي»[3]. ومن بين الانتقادات الأُخرى التي يوردها الدكتور الجابري على ابن سينا هي أنَّ الشيخ الرئيس كان يحمل فلسفة ثنويَّة، وقد استند الجابري في هذا الانتقاد إلى أنَّ ابن سينا يروم تفسير اللَّامعقول بواسطة المعقول[4]. وبعبارة أُخرى: إنَّ الفلسفة المشرقيَّة السينويَّة -من وجهة نظر الدكتور الجابري- تقوم على اتِّصال العقل والنصِّ؛ في حين أنَّه يُعرِّف فلسفة

(228)

المغرب الإسلامي بخصِّيصة الانفصال بين العقل والنصِّ. يذهب الدكتور الجابري إلى الاعتقاد بأنَّ ابن سينا لم يكن في هذه الأُمور بعيدًا عن أُرسطو فحسب، بل وقد ابتعد حتَّى عن «الواقعيَّة الدِّينيَّة» التي كرَّسها القرآن الكريم وغذَّاها المتكلِّمون فجعلوها أكثر عقلانيَّةً من فلسفة ابن سينا المشرقيَّة[1]. «لم تكن عمليَّة «التخريب الذاتي» التي مارسها عقل ابن سينا نتيجة لغياب الوعي الفلسفي والوعي العلمي لديه وحسب، بل كانت أيضًا نتيجة لغياب الوعي الأيديولوجي»[2]. بناءً على هذه الانتقادات يذهب الدكتور الجابري إلى الاعتقاد بأنَّ «مسار التخريب الذاتي للعقل السينوي» قد أضحى منشأً لانحطاط الفكر والعقل في المرحلة الإسلاميَّة اللَّاحقة له[3]. يرى الدكتور الجابري أنَّ ابن سينا هو «أكبر مكرِّس للفكر الغيبي الظلامي الخرافي في الإسلام»[4]. وقد رأى أنَّ الحافز الذي دفع ابن سينا إلى تأسيس الفلسفة المشرقيَّة كان حافزًا قوميًّا / أيديولوجيًّا[5].

في الجواب عن فهم الدكتور الجابري لفلسفة ابن سينا لا بدَّ من الإشارة إلى هذه النقطة، وهي أنَّ الشيخ الرئيس كان يعتقد بأنَّ الدِّين في العلوم النظريَّة - أو بعبارة أُخرى: العلوم الإنسانيَّة (التي تُمثِّل الفلسفة جزءًا منها) - إنَّما يُقدِّم الإطار العامَّ، وأنَّ العقل البشري هو الذي يعمل على بسطها وتفصيلها. الأمر الآخر أنَّه على الرغم من أنَّ خطاب ابن سينا يستدعي إلى الذهن شائبة الحقيقة الثنويَّة، كما كان ابن رشد يدافع عنها، ويعمل الرشديُّون اللَّاتينيُّون على الترويج لها في الغرب،

(229)

ولكن لا بدَّ من الإشارة إلى هذه المسألة، وهي أنَّ الذي كان يرمي إليه ابن سينا هو الاختلاف والتفاوت الطولي والتشكيكي في المعرفة. وعلى هذا الأساس عندما يعود التفاوت في الإدراك بين جماعتين من الناس إلى التفاوت الطولي والتشكيكي بين المراتب الإدراكيَّة لحقيقة ما، يكون القول بالحقيقة الثنويَّة فاقدًا للمعنى ومن دون مبرِّر. وذلك لأنَّ التفاوت الطولي والتشكيكي في المراتب المختلفة لشيء ما، لا يضرُّ بوحدته التشكيكيَّة.

نقد الكتاب وتقييمه:

بالالتفات إلى رؤية الجابري إلى الفلسفة، تتجلَّى هذه النقطة وهي أنَّ «الفلسفة» من وجهة نظر الجابري شيء مختلف عن ذلك الذي يريده أمثال الحكماء والفلاسفة من الفلسفة. وفي الأساس فإنَّ الدكتور الجابري يذهب إلى تعريف الفلسفة بواسطة الاتِّجاه الغزالي أو - بقول أكثر جرأةً -: إنَّه يُعرِّفها على أساس الاتِّجاه الأشعري. لقد كان الجابري يرى الفلسفة شكلًا من أشكال الإدراك، وأنَّه -مثل جميع أشكال الإدراك الاجتماعي- يعكس العلاقات القائمة في المجتمع، ويراه - بمعنى من المعاني - بيانًا للأهداف والتطلُّعات الاجتماعيَّة المعيَّنة.

ربَّما أمكن القول -تبعًا للعلَّامة الطباطبائي- بأنَّ الأفكار الإنسانيَّة في حقل الاعتباريَّات إنَّما هي انعكاس للمجتمع (حتَّى قبل التمسُّك بالدِّين وتلاحقه مع الفلسفة)، لا تختزل جميع الفلسفة في أنَّها تُمثِّل نوعًا من الوعي والإدراك الذي يعكس العلاقات القائمة في المجتمع، وتعمل بشكل وآخر على بيان الأهداف الاجتماعيَّة المعيَّنة. ومع ذلك يعمد الدكتور الجابري إلى نقد قراءة الفلسفة الإسلاميَّة من قِبَل ديبور وشارحه أبو ريدة من جهة، والشهرستاني وأتباعه من بين الباحثين العرب المعاصرين من جهة أُخرى، وغايته من ذلك «التخلّي عن المناهج الراهنة

(230)

في إعادة قراءة الفلسفة الإسلاميَّة، والتعرُّض إلى هذه الفلسفة الإسلاميَّة برؤية جديدة»[1]. ولكن الذي تحقَّق في هذا الكتاب لم يكن - في واقع الأمر - سوى تركيب لا منسجم من الأساليب الآنفة مقرونة بالأحكام المسبقة وغير العلميَّة؛ وعلى هذا الأساس فإنَّ من بين نواقص وعيوب الدكتور الجابري أنَّه لم يتمكَّن من الرجوع مباشرةً إلى أعمال فلاسفة المشرق الإسلامي (على حدِّ تعبيره). وإنَّ منشأ معرفته للفلسفة الإسلاميَّة (المتعيِّنة في أمثال: الفارابي وابن سينا)، لم تكن قائمة على المواجهة المباشرة لأعمالهم، وإنَّما رجع في ذلك إلى الناقدين للفارابي (بشكل أقلّ)، والناقدين للشيخ الرئيس (بشكل أكبر). ومن بينها: رسائل إخوان الصفا الإسماعيليِّين، وهم في الغالب من الباطنيِّين، والعشرون مسألة التي أوردها أبو حامد الغزالي في (تهافت الفلاسفة) على فلسفة الشيخ الرئيس، و«حكم في سبعة عشر موردًا منها بابتداع ابن سينا، وفي ثلاثة موارد منها حكم بكفره»، والمسائل السبعة التي ذكرها الشهرستاني في الملل والنحل وفي مصارعة الشهرستاني مع الشيخ الرئيس من إلهيَّات ابن سينا في كتاب الشفاء والنجاة والإشارات، وعمل على ردِّها، كما أنَّه قد استند بشكل رئيس إلى الإشكالات التي أوردها ابن رشد في فصل المقال... على فلسفة ابن سينا. وعلى الرغم من وضوح تناقض تحليل الكاتب في جميع مواضع هذا الكتاب، الأمر الذي يحمل القارئ والمخاطب على التشكيك في صدق وتماسك الأُسلوب التحليلي للمؤلِّف، إلَّا أنَّ الانتقاد الأهمّ الذي يورده الدكتور الجابري على فلسفة الفارابي وابن سينا، يكمن في سعيهما إلى تطبيق الآراء الأُرسطيَّة على الإسلام، وإقامة ارتباط بينهما، والنقطة المقابلة لهذه المسألة جهود أتباع ابن رشد الذين كانوا بصدد الاحتراز عن هذا المنهج الفكري. إلَّا أنَّ الدكتور الجابري يذهب في موضع من هذا الكتاب إلى القول: «إنَّ ابن رشد من خلال معرفته بالمنظومة الفكريَّة لأُرسطو، قال - معتمدًا

(231)

على نبوغه - ببعض الآراء التي لا نجدها في مجموع آثار أُرسطو[!]»، ومن هنا كان ابن رشد يسعى إلى تقريب مراد أُرسطو من الغاية الإسلاميَّة[1]. والسؤال الذي يمكن لنا أنْ نطرحه على الدكتور الجابري: هل يمكن -من وجهة نظرك من ناحية مع وجود «التأويل الحاذق» لابن رشد[2]- إنكار أيِّ تأويل لابن رشد في أعمال أُرسطو؟ ومن ناحية أُخرى: ألم تكن جهود الفلاسفة والحكماء الذين سبقوا ابن رشد، من أمثال: الفارابي والشيخ الرئيس، سوى أنَّهم كانوا يرومون -من خلال مقارنة الفلسفة اليونانيَّة (ولاسيّما أفلاطون وأُرسطو) بما تبلور في النظام الفكري الإسلامي- بناء نظام فلسفي مكمِّل لما كان متواصلًا في اليونان؟ من خلال الرجوع إلى المنهج المعرفي للدكتور الجابري يمكن القول بأنَّ المواجهة الفلسفيَّة لابن رشد مع آراء أُرسطو، تُؤدِّي إلى تبلور فلسفة أصيلة وخاصَّة[3]، تستحقُّ الانتساب إلى «ابن رشد» والاتِّصاف بـ «الإسلاميَّة». بيد أنَّ مواجهة فلاسفة مشرق العالم الإسلامي مع آراء أُرسطو لم تكن سوى امتزاج عقيم وغير مثمر.

يبدو أنَّ بعض المفكِّرين المعاصرين -من أمثال الدكتور الجابري- إذا كانوا يُصِرُّون على اعتبار ابن رشد من آخر فلاسفة العالم الإسلامي؛ فذلك لأنَّهم يعتبرون فلسفة الفارابي وابن سينا ومجمل الفلسفة الإسلاميَّة نوعًا من الانحراف، ويرون أنَّ ابن رشد قد تعرَّف على هذا الانحراف، وحدَّد طريق العودة إلى الفلسفة. لقد عمد ابن رشد إلى إعادة الفلسفة الإسلاميَّة من الجنوح نحو الكلام والإلهيَّات إلى الفلسفة المحضة، ونبَّه القروسطيِّين إلى العودة من مسار الكلام إلى الفلسفة. على الرغم من ازدهار

(232)

الفلسفة الإيرانيَّة بعد السهروردي والحكماء الإيرانيِّين بشكل كبير جدًّا، بيد أنَّ أكثر العرب والغربيِّين لم يشيروا إلى ذلك، وعلى خلاف هذا التيَّار الذي يُرى في الغرب ولدى المفكِّرين المجدِّدين الدِّينيِّين من العرب، لم يشر الحكماء المعاصرون أو اللَّاحقون لابن رشد في مشرق العالم الإسلامي إلى ابن رشد أبدًا. وكما هو الحال بالنسبة إلى الفخر الرازي، فإنَّ الخواجة نصير الدِّين الطوسي، وقطب الدِّين الرازي، وحتَّى صدر المتألِّهين، لم يذكر أيٌّ منهم اسم ابن رشد، في حين أنَّه كان قد ألَّف كتابًا في نقد الغزالي، وكان ينبغي ذكر اسمه. ويبدو أنَّ السبب في ذلك يعود إلى أنَّهم لم يكونوا ينظرون إلى ابن رشد بوصفه فيلسوفًا أو متعمِّقًا في الفلسفة، وإنَّما هو مجرَّد مقلِّد لأُرسطو. يقول ابن سبعين في كتاب بد العارف:

وهذا الرجل ابن رشد مفتون بأُرسطو ومعظِّم له ويكاد أنْ يُقلِّده في الحسِّ والمعقولات الأُولى، ولو سمع الحكيم يقول: إنَّ القائم قاعد في زمانٍ واحدٍ، لقال به واعتقده، وأكثر تآليفه من كلام أُرسطو[1].

إذن على الرغم من تأليف ابن رشد كُتُبًا في الانتصار للفلسفة، إلَّا أنَّه لم يحظ باهتمام مشرق العالم الإسلامي. وفي المقابل حظي ابن رشد باحتفاء أُوروبي، وقد اكتسبت الفلسفة -التي انتقلت من مشرق العالم الإسلامي إلى شمال أفريقيا والأندلس- صورة لم تكن متناسبة مع مسار الفلسفة في إيران ومشرق العالم الإسلامي، بيد أنَّ هذه الصورة للفلسفة الإسلاميَّة أصبحت منشأً لتحوُّل فكري في أُوروبا، وكان لها تأثير في التمهيد لعصر النهضة. لو كان ابن رشد منتميًا إلى مشرق العالم الإسلامي من حيث المساحة الفكريَّة -مثل معاصره الكبير (ابن عربي)- لما تمَّ الإعداد لأعماله وآثاره فحسب، بل لاتَّجه بنفسه نحو الشرق،

(233)

ولأصبح شيخ فلاسفة الإسلام، كما أصبح ابن عربي يُعرَف في جميع حوزات العرفان الإسلامي بوصفه الشيخ الأكبر[1].

لقد تظاهر الدكتور محمّد عابد الجابري في الفصل الأوَّل من الجزء الأوَّل من كتابه من خلال بيان منهجه وأُسلوبه في قراءة تراث الفكر الإسلامي، وكأنَّه في المواجهة المعرفيَّة والمنهجيَّة مع أيِّ واحدٍ من أجزاء التراث ـ سواء في شرق الإسلام أو في غرب الإسلام على حدِّ تعبيره ـ لن تكون هناك مواجهة قِيَميَّة وأخلاقيَّة، إلَّا أنَّ القارئ من خلال الرجوع إلى الفصول الأصليَّة من الكتاب، سوف يواجه تناقضًا كبيرًا في الطرح الابتدائي المرسوم من قِبَل الدكتور الجابري، حيث سيجد في هذا النظم المنهجي قِيَمًا مقبولة من قِبَل الدكتور الجابري بوصفها بديهيَّات غير معرفيَّة بالنسبة له، إذ يرى الناحية الشرقيَّة من التراث الإسلامي قاتمة ومنحطَّة جدًّا، وبمنهجه البحثي نفسه يُبرِّئ غرب العالم الإسلامي من أيِّ ضعف أو نقص. إلى الحدِّ الذي يعتبر معه جذور انحطاط الإسلام تكمن في التراث الفكري المشرقي في الإسلام الذي لا يعتبر شيئًا أصيلًا ومتجذِّرًا في الإسلام. إنَّ الجزء الأوَّل من الكتاب يسعى إلى إقامة اتِّصال بين فلسفة الفارابي وابن سينا في شرق العالم الإسلامي مع حكومات ذلك العصر، ويرى الفلسفة المشرقيَّة للإسلام أيديولوجيَّة (من الناحية المعرفيَّة، «حيث لها جذور في تيَّار الأفلاطونيَّة الجديدة من جهة، وجذور من العرفان الباطني للإسماعيليَّة من جهة أُخرى»[2]، ويراه من الناحية السياسيَّة قائمًا على إحياء الإمبراطوريَّة الإيرانيَّة، ومن الناحية الفكريَّة قائمًا على التفكير الحرَّاني

(234)

والغنوصي) حيث تعود جذوره إلى ما قبل الإسلام، إذ كانوا يسعون إلى إحياء وبقاء الحكومات الإسلاميَّة على طريقة وأُسلوب الإمبراطوريَّة الإيرانيَّة القديمة، ويعمل على تخطئة هذا المسار الفلسفي في جميع المواطن، وفوق ذلك كلِّه يرى أنَّ جذور انحطاط تفكير العالم الإسلامي تعود إلى هذا النوع من الفلسفة. ولكن عندما يقوم بتحليل فلسفة المغرب الإسلامي، لا يقوم في البداية في معرض التعرُّف على جذور هذه الفلسفة بالرجوع إلى تفكير العرب قبل الإسلام أبدًا، وعلى الرغم من أنَّه يقوم مجدَّدًا ببيان ارتباط الفلسفة بالحكومة (حيث كانت دولة الموحِّدين في حينها هي التي تحكم المغرب الإسلامي)، ويعتبر دور المفكِّرين والفلاسفة من أمثال: ابن باجة، وابن الطفيل، وابن رشد، في هذا الارتباط استمرارًا لحكم الموحِّدين بشكل ما، إلَّا أنَّ هذه المسألة لا تُمثِّل - من وجهة نظره - نقطة قاتمة وسلبيَّة لهذا الصنف من الفلاسفة.

دراسة مقدار ارتباط ومأزق مفاد الأثر مع المباني والأُصول الدِّينيَّة والإسلاميَّة:

يبدو أنَّ منشأ اهتمام محمّد عابد الجابري بفلسفة المشرق الإسلامي، يكمن في المسار الذي كان عليه أمثال الشيخ الرئيس والسهروردي؛ حيث السعي إلى إقامة فلسفة إسلاميَّة خالصة. وإنَّ طريقة حلِّه من أجل الخروج من هذا الوضع، كان بعكس ذلك يكمن في إعادة فلسفة أُرسطو إلى مكانتها الأصليَّة، حيث يُشاهَد هذا عند الدكتور الجابري في أعمال ابن رشد. وإنَّ الدكتور الجابري يذهب ـ متأسّيًا بالمخالفين للشيخ الرئيس من أمثال الغزالي ـ إلى الاعتقاد بأنَّ منهج الفارابي والشيخ الرئيس لا يكمن في إعادة فلسفة أُرسطو إلى آراء أفلوطين فحسب، بل ويمزجانها بالأقوال الكلاميَّة أيضًا. كما أنَّ الجابري -مثل ما هو ابن رشد- لا يرى

(235)

ضرورةً للجمع بين الفلسفة والدِّين، وذلك لاختلاف المسائل الدِّينيَّة عن المسائل الفلسفيَّة. يرى الجابري أنَّ إقحام النصوص الدِّينيَّة في نشاط الفيلسوف والبحث الفلسفي في المسائل الدِّينيَّة يُؤدِّي إلى الضلال. إنَّه يصرُّ على فصل الدِّين عن الفلسفة، وإنَّه من خلال تكراره لرأي ابن رشد حول العلاقة بين الدِّين والفلسفة لم يكن يدَّعي أنَّ الدِّين ليس عقليًّا، أو أنَّ الفلسفة لا تنسجم مع الدِّين، ولكنَّه كان يقول: حيث تكون هناك مساحة للوحي، لا يكون هناك موضع للفلسفة. (لا بدَّ من الالتفات إلى هذه النقطة وهي أنَّ السهروردي قد هاجم الفلسفة اليونانيَّة والأُوروبيِّين صراحةً، ولم يكن يراها إسلاميَّة، وكان يتَّهم أُرسطو بأنَّه قد أبقى على أبواب السماء مغلقة، في حين أنَّ ابن رشد - خلافًا له - لا يقول هذا الكلام). يذهب الدكتور محمّد عابد الجابري تبعًا لاتِّجاه المفكِّر السابق عليه جمال الدِّين العلوي - الفيلسوف والمفكِّر المغربي - من خلال التركيز على الاتِّجاه الفلسفي لابن رشد، والقراءة اليونانيَّة المتأثِّرة بفلسفته، ودون الالتفات إلى الاتِّجاه اللَّاهوتي والمشرقي في آراء ابن رشد، يعتبره مرشدًا للعرب المعاصرين في طريق الحداثة، ويرى في العقلانيَّة عودة إلى التفكير العقلاني الأُرسطي. إنَّ الرجوع إلى ابن رشد يأتي في اتِّجاه رؤية كيف قام ابن رشد بالجمع بين الدِّين والتجدُّد، بمعنى أنَّهم يسعون إلى استلهام نموذجهم منه في الجمع بين التراث والتجديد. ألم يكن ابن رشد قد حدَّد موقع الدِّين والفلسفة بحيث لا يضرُّ أيُّ واحد منهما بالآخر، وأنْ يكون لكلِّ واحدٍ منهما شأنه ومكانته الخاصَّة. إنَّ سبب اهتمام هذا الجيل من المجدِّدين العرب بابن رشد، يكمن في أنَّ ابن رشد قد مهَّد الطريق أمام الأُوروبيِّين للوصول إلى عصر النهضة، ولكن هل يمكن لهذا النموذج أنْ يساعدنا في المرحلة المعاصرة أيضًا؟ إنَّ ما يقال اليوم من أنَّ ابن رشد هو خاتم الفلاسفة الإسلاميِّين، يعود سببه إلى قولهم: إنَّ الفلسفة بضاعة غربيَّة خالصة، وإنَّ الفارابي وابن سينا قد عملا على حرف هذا

(236)

المسار، حيث واجها عقبة الغزالي، وكان ابن رشد هو الذي عمل على إحياء مسار النزعة الأُرسطيَّة مجدَّدًا. ولذلك فإنَّنا نجد في هذا الكتاب أنَّ الدكتور الجابري من خلال سعيه إلى ربط ثقافة تفكير الأندلس والمغرب العربي بأعمال وآثار اليونان ولاسيّما منهم أُرسطو[1]، ونفي ارتباط هذه الثقافة الفكريَّة بالجزء الأعظم من التفكير الإسلامي، يروم القول بأنَّ الفكر الموجود في الجزء الغربي من العالم الإسلامي، يمتلك أرضيَّة وظرفيَّة الاغتراب أكثر وأسبق من الجزء الشرقي من هذا العالم. في القسم الأوَّل من مشروع الدكتور الجابري تجاه قراءة التراث الإسلامي المرتبط بقراءة الفارابي وابن سينا، يحمل رؤية سلبيَّة بالكامل تجاه هذا التراث، ولا يعمل أبدًا على تأييد هذه الفلسفة بوصفها فلسفة إسلاميَّة. إنَّ الدكتور الجابري يذهب من خلال التوجُّه القومي إلى الاعتقاد بأنَّ «امتزاج الفلسفة بالدِّين والدِّين بالفلسفة في خراسان، يُشكِّل جزءًا من سياسة الدولة والأيديولوجيَّة الرسميَّة لها». وقد ذهب في بيان أسباب هذه المسألة إلى الاعتقاد قائلًا:

لا شكَّ في أنَّ هذه المسألة ترتبط بمذهب الشيعة السائد في تلك المنطقة[2].

ويرى أنَّ هذه الحالة تُمثِّل الخصِّيصة الأصليَّة لمدرسة خراسان «التي لا تزال آثارها ماثلة وحيَّة في الفكر الشيعي الإيراني»[3]. لا يذهب الدكتور الجابري إلى اعتبار هيمنة الفكر الشيعي في خراسان دليلًا سلبيًّا على الفلسفة في هذه المنطقة فحسب، بل وفي تحليل فلسفة المغرب الإسلامي حيث يكون هناك حديث عن الجذور المشرقيَّة للتفكير الفلسفي، فإنَّه ينسب جذور ذلك إلى الفكر الإسماعيلي (مع التأكيد على تشيُّعه) وابن سليمان الإسرائيلي، وابن جبرون (م: 416 - 463هـ،

(237)

صاحب كتاب منابع الحياة) (مع التأكيد على يهوديَّتهما)[1]، ويرى الجابري أنَّ هناك ارتباطًا طبيعيًّا بين الفكر اليهودي والفكر الشيعي في حلِّ بعض المسائل الفلسفيَّة من قبيل: الفيض، والنبوَّة، والتطهير، والسعادة الروحانيَّة[2]. وعلى الرغم من أنَّ «إظهار نسبة القول بمسألة فيض (صدور) وجود الأفلاك، هي من نسبة الحسِّ والخيال.. التي هي من المسائل الفلسفيَّة مع الأيديولوجيَّة أو اعتبارها أيديولوجيَّة بلا واسطة في الحدِّ الأدنى ليس من السهل جدًّا»[3].

الاستنتاج:

إنَّ من بين أهمّ الانتقادات الواردة على الدكتور محمّد عابد الجابري وقراءته للفلسفة في المغرب الإسلامي – ولا سيّما ابن رشد - ادِّعاؤه عدم وجود ارتباط مثمر ومنتج بين الدِّين والفلسفة. هذا في حين أنَّ لابن رشد في «فصل المقال في ما بين الحكمة والشريعة من الاتِّصال» بحثًا وافيًا حول «دوام الفيض وحدوث العالم» من جهة، ويسعى من جهة أُخرى إلى إدخال عنصر القياس البرهاني في الفقه، كما أنَّه يذهب - بالاستناد إلى كلام لابن باجة - إلى الاعتقاد بأنَّ «الوحي متمِّم للعلم، ولكن في مجال غير مجال العقل»[4]. بمعنى أنَّ العلم مجموعة من المعطيات العقليَّة والسماويَّة، بما هما حقلان معرفيَّان منفصلان ومستقلَّان عن بعضهما. يعمل الدكتور الجابري على توظيف هذه النقطة بوصفها دليلًا على اختلاف مسار العقل والوحي (الفلسفة والدِّين)، ويرى أنَّ التيّار الفلسفي في المغرب الإسلامي

(238)

تيَّار عقلاني، ولكن لا بمعنى الابتناء على الوحي، بل هو عقل يقوم على الرياضيَّات والمنطق والفلسفة، وعلى المقلب الآخر يرى التيَّار الفلسفي في المشرق الإسلامي ممتزجًا في الدِّين والقراءات الدِّينيَّة، ولذلك يرى أنَّ طريق العقل مختلف عن طريق الوحي في الوصول إلى العلم؛ في حين أنَّ للعلم ـ في الفلسفة الإسلاميَّة ـ مكانة مرموقة في حقيقة العالم. وللوصول إلى هذا العلم هناك بعض الأدوات، ومن بينها المصادر السماويَّة (من قبيل: عالم التشريع المتجلّي في الكُتُب المقدَّسة وإلهامات الأنبياء والأولياء الإلهيِّين)، والمعطيات العقلانيَّة (التي هي حصيلة التأمُّل في عالم التكوين والطبيعة). حيث هذان الأمران متمِّمان لبعضهما في الوصول إلى العلم، لا أنْ يتمَّ اعتبار المعطيات العقلانيَّة علمًا، ثمّ يعدُّ الوحي متمِّمًا لها.

(239)
(240)

التاريخيَّة والبنيويَّة في فكر محمّد عابد الجابري

بحث ونقد[1]

فرامرز ميرزا زاده[2]

الملخَّص:

إنَّ الماضي المشرق والحضاري للعالم الإسلامي، والمتخلِّف في اللحظة الراهنة، قد شكَّل معضلة شغلت ذهن الكثير من المفكِّرين المسلمين. وقد عمل كلُّ واحدٍ من المفكِّرين المسلمين علىٰ التعرُّض لهذه الظاهرة بما يتناسب وخلفيَّاته ونسيجه الفكري والفلسفي. وقد اتَّجه محمّد عابد الجابري - في سياق البحث عن حلٍّ للخروج من الفضاء الفكري العربي / الإسلامي المغلق - إلىٰ تحليل «السُّنَّة» و«ماضيها»، وحدَّد من خلال الرؤية التاريخيَّة والبنيويَّة، وفي إطار العقلانيَّة الانتقاديَّة، ثلاثة أنظمة فكريَّة وهي: البيانيَّة والعرفانيَّة والبرهانيَّة في بنيتها. إنَّ المنهج التاريخي والبنيوي عمد إلى توجيه الإطار الفكري لمحمّد عابد الجابري، حيث فرض عليه بعض الأبنية، بالإضافة إلى الخروج على بعض المتبنّيات في تحليل الفضاء الفكري العربي / الإسلامي. إنَّ هذه المقالة بعد البحث في المنهج الفكري لمحمّد عابد الجابري، تُثبِت أنَّ التاريخيَّة والبنيويَّة الموجودة في تفكيره قد أدَّت إلى أنْ تكون رؤيته من أجل الوصول إلى المطلوب رؤية أيديولوجيَّة، وهي أيديولوجيَّة

(241)

تنبثق عن النزعة العلميَّة الحديثة، والنزعة التاريخيَّة والبنيويَّة لرؤية محمّد عابد الجابري.

المقدّمة:

الدكتور محمّد عابد الجابري (1936 - 2010م)، مفكِّر مغربي، يُعَدُّ من المفكِّرين المرموقين في العالم العربي المعاصر، وقد أنهى دراساته الفلسفيَّة في الرباط. إنَّ المشروع الفكري المزدوج للدكتور محمّد عابد الجابري (التحقيق في فلسفة ابن رشد ونقد العقل العربي)، قد امتزج في مسار فكري يُمهِّد الأرضيَّة إلى قراءة علميَّة وواعية للتراث العربي / الإسلامي[1]. ومن هنا فإنَّ نقد العقل العربي قد أصبح الوجه البارز لشخصيَّته العلميَّة. يرى الجابري أنَّ العقل العربي / الإسلامي ثمرة ثقافة تقوم على ثلاثة أنظمة معرفيَّة، وهي: نظام اللغة العربيَّة أو البيان والنظام الغنوصي والهرمسي الهندي / الإيراني أو العرفان، والنظام العقلاني اليوناني أو البرهاني. يذهب الجابري إلى الاعتقاد بأنَّ هذا العقل إنَّما هو نتاج «العصر الثقافي» أي «عصر التدوين»، الذي بدأ منذ عام 143 للهجرة، واستمرَّ لما يقرب من قرن من الزمن، ولا يزال العقل العربي / الإسلامي يُفكِّر ضمن إطار هذه الحقبة الزمنيَّة. إنَّ هذه المسألة تُثبِت أنَّنا إذا أردنا التعرُّف على

(242)

راهن الفكر العربي / الإسلامي ومستقبله، يجب علينا التعرُّف على «ماضيِّه».

إنَّ هذه المقالة تسعى -من خلال بحث تأثير المنهج التاريخي والبنيوي على تفكير محمّد عابد الجابري- إلى تناول الانتقادات الواردة على تفكيره وتداعياته. تقوم فرضيَّتنا في هذا المقال على أنَّ التاريخيَّة والبنيويَّة في فكر الجابري أدَّت إلى حدوث شرخ معرفي في مسار العقلانيَّة العربيَّة / الإسلاميَّة، وعلى أساسها تمَّ تفضيل الفلسفة المغربيَّة على الفلسفة المشرقيَّة واعتبارها أكثر عقلانيَّة منها، الأمر الذي حمل الجابري على اعتبار فلسفة ابن رشد المغربي نموذجًا «للحضارة العربيَّة»، من أجل الوصول إلى «الحداثة العربيَّة». لم يكن الجابري في بيان هذه الرؤية بمأمن من التعاطي الأيديولوجي والكاسر للبنيويَّة. إنَّ دعامة هذا الانكسار البنيوي والرؤية الأيديولوجيَّة هو العلم الحديث الذي نظر الجابري من خلاله إلى تاريخ العالم العربي / الإسلامي.

مباني وأُسلوب وفكر الجابري

المباني والأصول:

يُعتَبر الدكتور محمّد عابد الجابري مفكِّرًا ومجدِّدًا معاصرًا في العالم العربي، وقد أثار جدلًا في عقد الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين للميلاد. وإنَّ من بين خصائصه البارزة عبوره من الخطاب الذي كان مهيمنًا على الفضاء الفكري التنويري في عقد الستِّينيات والسبعينيات من القرن الميلادي المنصرم، ورسم أُفُقًا أمام الباحثين والمحقِّقين، وكذلك بيان مفاهيم جديدة وكشفها في دائرة الدراسات النقديَّة للتراث العربي / الإسلامي. إنَّ الموضوع المنشود للدكتور الجابري هو نقد

(243)

التراث[1]. إنَّ غايته من تقديم مشروع التراث أو السُّنَّة هو «الاتِّحاد معها»، بمعنى الامتزاج بالسُّنَّة التي هي عبارة عن:

1 - النصوص وتاريخها الكامن في النسيج الاجتماعي والسياسي والاجتماعي للعرب.

2 - تعمل على تقييم الأوضاع الجوهريَّة على المستوى النظري والعملي على أساس العالم التاريخي.

3 - تُبيِّن أجزاء ماضٍ من شأنها -بوصفها من «الأُصول الأساسيَّة»- أنْ تعمل للأجيال القادمة.

ومن هنا فإنَّ منهج الدكتور محمّد عابد الجابري في تنشيط الفكر في العالم العربي / الإسلامي، يقوم على ضرورة العودة إلى «الماضي»، ولكن لا من أجل تقليده، وإنَّما من أجل الاستفادة منه. إنَّ إعادة تنظيم العلاقة والارتباط بين الماضي والحاضر والمستقبل، من طريق العودة إلى الماضي وإعادة تفسيره، أو ما ينظر إليه الجابري بوصفه «اتِّحادًا مع السُّنَّة»، أمر أساسي في إعلاء الحاضر[2]. بيد أنَّ الاتِّحاد مع السُّنَّة -بطبيعة الحال- يجب أنْ يكون برؤية انتقاديَّة، وأنْ يتمَّ توجيهه من خلال الرؤية العقلانيَّة الناقدة.

قبل البحث في رؤية أيِّ مفكِّر، يجب إلقاء نظرة على مبانيه الأنطولوجيَّة

(244)

والإبستيمولوجيَّة. إنَّ من أهمّ المناشئ الفكريَّة للمفكِّر، نوع الرؤية التي يمتلكها إلى الوجود والعالم. لقد عمد الدكتور محمّد عابد الجابري إلى طرح أفكاره وآرائه الأنطولوجيَّة الأصليَّة في كتابه «بنية العقل العربي». إنَّه في توضيح رؤيته يحيل إلى مصادر المعتزلة التي ينقسم الوجود على أساسها إلى قسمين، وهما: الله وعالم المخلوقات[1]. يذهب الدكتور الجابري إلى الاعتقاد بأنَّه من خلال الرجوع إلى الصفات التي يذكرها المعتزلة لله، سوف نصل إلى نتيجة مفادها أنَّه بواسطة هذه النظرة إلى الوجود، سوف تزول جميع أنواع الارتباط بين الله والمخلوقات باستثناء الوحي. ثمّ يُؤكِّد بعد ذلك على أنَّ عالم الخلق بأجمعه يشتمل على الجواهر والأعراض، وحيث إنَّ الأعراض في تغيُّر مستمرٍّ، فإنَّ هذه الخصِّيصة تُثبِت كونه حادثًا. كما أنَّه يُذعِن لاحقًا بأنَّ الجواهر بدورها لا تخلو من الأعراض أبدًا؛ ومن هنا فإنَّ عروض الأُمور الحادثة على الجواهر، سوف يُشكِّل دليلًا على حدوث الجواهر. وبعد ذلك يعمل على إثبات وجود الله سبحانه وتعالى على أساس حدوث عالم الوجود[2].

يتَّضح من مجموع أبحاث الجابري أنَّه في رؤيته الأنطولوجيَّة قد تأثَّر كثيرًا بفكر المعتزلة. وبالالتفات إلى البيئة وظروف المرحلة الزمنيَّة التي عاصرها الجابري، يمكن الادِّعاء بأنَّه في الإبستيمولوجيا -بالإضافة إلى تأثُّره بالمعتزلة- قد تأثَّر بالعقلانيَّة الحديثة أيضًا. يذهب المعتزلة إلى اعتبار العقل أساسًا لمنهجهم في دراسة الفكر الإسلامي. إنَّهم يذهبون إلى الاعتقاد بأنَّ الفهم الصحيح للكتاب والسُّنَّة إنَّما يكون بواسطة العقل. يقول القاضي عبد الجبَّار المعتزلي في هذا الشأن ما مضمونه:

(245)

إنَّ الدليل الأوَّل هو دلالة العقل؛ إذ به يمتاز الحسن من القبح، وبه تُعرَف حجّيَّة الكتاب والسُّنَّة والإجماع[1].

كما يذهب الجابري ـ بتأثير من المعتزلة ـ إلى القول بتقديم العقل على الوحي، إلَّا أنَّه وبتأثير من رؤية العلم الحديث ـ ولا سيّما فلسفة كانط - يعتبر العقل والوحي حقلين منفصلين عن بعضهما. يرى الجابري أنَّ العقل عبارة عن منظومة معرفيَّة متأثِّرة بشرائط ومقتضيات العصر والثقافة. وبعبارة أُخرى: إنَّه يرى أنَّ العقل شبكة أو منظومة من أُصول كسب المعرفة أو إعادة إنتاجها، إذ تتبلور ضمن إطار ثقافي معيَّن، وبهذا الاعتبار فإنَّه يتحدَّث عن عقول متنوِّعة[2]. ومن هنا يجب القول: إنَّ مفهوم العقل في رؤية الجابري يختلف اختلافًا جذريًّا عن مفهوم العقل في الحكمة والكلام الإسلامي.

إنَّ الجابري لا يقصد من كلمة العقل قوَّة التعقُّل ومحتواه، وإنَّما يُقدِّم بنية تتبلور فيها هويَّة الشعب وثقافته. بالالتفات إلى هذه الرؤية، يُعتَبر العقل العربي / الإسلامي مجموعة من المفاهيم والنشاطات الذهنيَّة التي عملت أبدًا على بلورة رؤية وعقيدة الإنسان العربي / الإسلامي على مرِّ التاريخ، وإنَّ هذا الإنسان قد ترعرع وتكامل بدوره ضمن هذا المناخ الثقافي العربي / الإسلامي[3].

المنهج:

إنَّ الدكتور الجابري في إطار مبانيه وقواعده الفكريَّة يستند إلى منهج ذي صبغة

(246)

تاريخيَّة. وعلى هذا الأساس فإنَّ من بين الخصائص التي يذكرها الجابري لمنهجه، هي تاريخيَّة هذا المنهج. وقد صرَّح بأنَّ الأُصول والقواعد المنظَّمة للمعرفة، هي -مثل قواعد المنهج- ليست سوى وسيلة. إنَّ الوسيلة إذا لم تتواكب مع العلم والمعرفة في تطوُّرهما، ولم تتقدَّم بالتوازي معهما سوف تغدو قيدًا يقود المعرفة إلى التخلُّف والتحجُّر، وبذلك يعمُّ التقليد، ويتمُّ القضاء على روح الاجتهاد[1]. ومن بين الخصائص المنهجيَّة الأُخرى للدكتور الجابري بنيويَّة رؤيته؛ وهي البنيويَّة التي تهدف من خلال النقد إلى إحلال الوئام بين التقليد والحداثة[2]. إذ إنَّ الذي يحظى بالأهمّيَّة من وجهة نظر الدكتور الجابري هو الموضوع وليس المنهج والأُسلوب؛ لأنَّ الأُسلوب إنَّما هو أداة في خدمة المعرفة. وقد أدَّى هذا الأمر به إلى الاستعانة بمختلف الأساليب والأفكار لكي يُقدِّم قراءة جديدة عن الفلسفة والمعرفة في العالم العربي / الإسلامي، بحيث إنَّه يقول:

إنَّ المنهج والأُسلوب الذي أختاره هو مزيج من الأُسلوب البنيوي والتحليل التاريخي وفصل العناصر الأيديولوجيَّة عن العناصر المعرفيَّة؛ ولكن هل هذا الأُسلوب ناجح أم لا؟ إنَّ الجواب القاطع عن هذا السؤال رهن بالمستقبل. ومن الضروري الإشارة إلى هذه المسألة وهي أنَّ انتقاء مثل هذا المنهج والأُسلوب لم يكن مزاجيًّا أو اعتباطيًّا، وإنَّما جاء ذلك بحكم الضرورة؛ بمعنى أنَّ طبيعة الموضوع وأُسلوب البحث يُمثِّل عنصرًا أساسيًّا لتحديد نوع المنهج[3].

(247)

إنَّ رؤية الجابري ومنهجيَّته تُركِّز في الأعمّ الأغلب على الاتِّجاه الإبستيمولوجي والتحليل الأيديولوجي، وهي منهجيَّة بديعة ومبتكرة وحديثة من قِبَل الماركسيِّين الجُدُد في مدرسة فرنكفورت في ألمانيا. وإنَّ هذه المنهجيَّة تشتمل على البُعد المعرفي الإبستيمولوجي واللغوي.

البُعد المعرفي الإبستيمولوجي:

لقد تأثَّر الجابري في البُعد الإبستيمولوجي والمعرفي بنظريَّة القطيعة المعرفيَّة لـ «غوستون باشلار». فقد ذهب باشلار، بتأثير من الثورات العلميَّة للقرن العشرين للميلاد –ولا سيّما النظريَّة النسبيَّة لألبرت أينشتاين- إلى الاعتقاد بوجود نوع من القطيعة في مراحل الفكر والتقدُّم العلمي، وكان يؤمن بأنَّنا بواسطة النظريَّة النسبيَّة قد دخلنا مرحلة علميَّة جديدة لا علاقة لها بالماضي، وأنَّ هناك قطيعةً عميقةً تفصل هذه المرحلة عن العصر العلمي السابق المتمثِّل بعصر فيزياء نيوتن. ومن الجدير ذكره أنَّ باشلار يستخدم في بيان هذا الموضوع مفردة «التغيير» الشائعة والمتداولة، وأمَّا التعبير بـ «القطيعة (عدم الاتِّصال) المعرفيَّة»، فقد استعمله ألتوسير في وصفه لنظريَّات باشلار.

يذهب الدكتور محمّد عابد الجابري - من خلال تأكيده على نظريَّة باشلار - إلى الاعتقاد بوجود نوع من الانفصال والقطيعة العميق بين التفكير والعقلانيَّة الغربيَّة المعاصرة وبين تفكيره التقليدي[1]؛ وقال في هذا الشأن:

إنَّ القطيعة التي ندعو إليها ليست القطيعة مع التراث، بل القطيعة مع نوع

(248)

من العلاقة مع التراث، القطيعة التي تُحوِّلنا من «كائنات تراثيَّة» إلى كائنات لها تراث، أي إلى شخصيَّات يُشكِّل التراث أحد مقوِّماتها، المقوِّم الجامع بينها في شخصيَّة أعمّ، هي شخصيَّة الأُمَّة صاحبة التراث[1].

البُعد اللغوي:

يُؤكِّد الدكتور محمّد عابد الجابري في هذا البُعد على مسألتين في غاية الأهمّيَّة، الأُولى: فصل النصِّ عن القارئ، والأُخرى: ربط القارئ بالنصِّ.

أ - فصل النصِّ عن القارئ:

يسعى الدكتور الجابري -من خلال الاتِّجاه نحو الموضوعيَّة (أصالة الفاعل المعرفي) الديكارتيَّة والكانطيَّة، وكذلك من خلال ترسيخ الاتِّجاه الثنائي الشيء (العين الخارجيَّة)، والموضوع (الفاعل المعرفي)- إلى الفصل بين الموضوع (الذي هو قارئ النصِّ) والشيء (الذي هو النصُّ هنا)، وبواسطة هذا الانفصال يُمهِّد الأرضيَّة إلى إعادة قراءة النصِّ. إنَّ هذا الفصل والتفكيك شبيه بالفصل والتفكيك الذي يقيمه بعض المستنيرين الإيرانيِّين، من أمثال: عبد الكريم سروش، ومحمّد مجتهد شبستري بين الدِّين والمعرفة الدِّينيَّة (أو الفهم الدِّيني).

إنَّ الدكتور الجابري يرى أنَّ التحرُّر من سلطة وهيمنة النصِّ والتراث التي لا تلين، رهن باتِّباع أُسلوب ومنهج من ثلاث مراحل، وهي:

1 - أنَّ البحث والدراسة البنيويَّة تعني الرؤية إلى النصِّ الموروث بوصفه كلًّا وبوصفه بنية تغلب فيها الأُمور الثابتة.

(249)

2 - التحليل التاريخي، يعني ربط النصِّ بمساحته وبعده التاريخي.

3 - الطرح والتقديم الأيديولوجي (كشف الوظيفة الأيديولوجيَّة)، بمعنى إزاحة الستار عن الخلفيَّات الأيديولوجيَّة المؤثِّرة في بلورة معنى النصِّ[1].

ب - ربط القارئ بالنصِّ:

إنَّ رؤية الدكتور محمّد عابد الجابري في هذا المجال شديدة القرب من رؤية غادامير في الهرمنيوطيقا الفلسفيَّة. إنَّ غادامير ليس متمحورًا حول النصِّ بالكامل، كما أنَّه ليس متمحورًا حول المفسِّر بشكل كامل، وإنَّما هو يؤمن بالتحاور بين النصِّ والقارئ. ويرى أنَّ مفهوم النصِّ وليد التلاقح بين أُفُق النصِّ وأُفُق القارئ، وهذا يعني مفهوم الحفاظ على الاستقلال النسبي لكلا الجانبين. قال الدكتور الجابري في هذا الشأن:

يسعى القارئ إلى قراءة نفسه في النصِّ، في الوقت الذي يلتفت إلى الوجود الكامل والمستقلِّ للنصِّ أيضًا، وهذا يعني أنَّه يبقى محافظًا على وعيه وشخصيَّته الكاملة[2].

يسعى الدكتور الجابري -من خلال توظيفه للعناصر المذكورة- إلى رسم معالم الثقافة والتراث العربي / الإسلامي في ظلِّ العلم والعقلانيَّة الحديثة للإنسان. إنَّ هذه الرؤية المنهجيَّة للجابري تُخيِّم على جميع مراحل تحقيقه وتأليفه. كما يمكن متابعة تأكيده على البنية والتاريخيَّة والعقلانيَّة النقديَّة حتَّى في رأيه بشأن

(250)

الدراسات القرآنيَّة أيضًا. يذهب الدكتور الجابري إلى الاعتقاد بأنَّ فهم القرآن يحتاج إلى جهد ذهني، لكي نتمكن من إدراك القرآن بالعقل[1]. لقد سلك الدكتور الجابري في كتابه «مدخل إلى القرآن الكريم» في تتبُّع مسار القرآن الكريم في حقل السيرة والأديان الأُخرى، المنهج البنيوي والتاريخي. ومن هنا فإنَّ الجانب التاريخي لأُسلوب الجابري قد اكتسب أهمّيَّة كبيرة وبالغة[2]. وفي إطار هذه المنهجيَّة يذهب الدكتور الجابري إلى التأكيد بأنَّ الفهم الأفضل للقرآن يجب قراءة وفهم وتفسير الآيات القرآنيَّة على أساس مسار نزولها التاريخي[3].

الفكر:

بهذا الإطار المنهجي، أي: التاريخيَّة والبنيويَّة يتعرَّض الدكتور الجابري إلى مسألة الفكر العربي / الإسلامي ضمن إطار العقلانيَّة النقديَّة وبهذه الرؤية؛ ومن خلال توظيفه لرؤية المفكِّر الفرنسي لالاند، يذهب إلى التفريق بين «العقل المكوِّن»، و«العقل المكوَّن»[4]، ويصل إلى هذه الخلاصة القائلة بأنَّ العقل العربي / الإسلامي هو «العقل المكوَّن»[5]، الذي يتألَّف من ثلاثة علوم، وهي: العلم «البياني»، و«العرفاني»، و«البرهاني»[6]. وقد ذهب الدكتور الجابري إلى القول:

(251)

الحقُّ أنَّ العقل العربي إنَّما تكوَّن من خلال تشييده لعلوم «البيان» التي أبدع فيها إبداعًا قلَّ مثيله في تاريخ الفكر البشري. إنَّ وعينا بهذه الحقيقة قد جعلنا لا نتردَّد في التصريح بأنَّه إذا كانت الفلسفة هي معجزة اليونان، فإنَّ علوم العربيَّة هي معجزة العرب من جهة، وأنَّه إذا جاز لنا أنْ نُسمِّي الحضارة الإسلاميَّة بإحدى منتجاتها، فإنَّه سيكون علينا أنْ نقول عنها: إنَّها «حضارة فقه»، وذلك بنفس المعنى الذي ينطبق على الحضارة اليونانيَّة حينما نقول عنها: إنَّها حضارة فلسفة، وعلى الحضارة الأُوروبيَّة المعاصرة حينما نصفها بأنَّها حضارة علم وتقنيَّة[1].

إنَّ مسار تحليل تاريخ المعرفة العربيّة / الإسلاميَّة إنَّما هو ثمرة شرخ معرفي، وإنَّ نتيجة وآثار رأي الدكتور الجابري في فهم وتطبيق هذه العقلانيَّات يكمن في التراث والثقافة العربيَّة / الإسلاميَّة. وعلى هذا الأساس سوف نبحثها بشكل منفصل.

العقل البياني:

إنَّ العقل البياني عقل يقوم على أساس النصِّ، من قبيل: البلاغة والتفسير والفقه والنحو. وإنَّ أساس العقل البياني هو المشابهة والقياس بين الأشياء، ويبحث عن الارتباط بين الفرع والكلِّ (الأصل)، والجزء إلى الكلِّ. في هذا النوع من العقل يكمن هناك نوع من النزعة والتجريبيَّة. وقد لعب هذا العقل في مختلف المواطن أدوارًا متنوِّعة. فقد اصطنع في علم البلاغة -بما له من جذور عريقة في الأدب والشعر قبل وبعد الإسلام- عنصر «التشبيه»، وفي علم الكلام عنصر القياس الكلامي مع دلالة الشاهد على الغائب، وفي علم الفقه وأُصول الفقه القياس الفقهي. ومن خلال العثور على هذه البنية عمد الدكتور الجابري إلى تعريف النظام المعرفي

(252)

العربي بوصفه نظامًا بيانيًّا تشبيهيًّا[1]. وعليه فإنَّ العنصر البنيوي الأوَّل للعقل العربي / الإسلامي يقوم على علوم البيان التي تبلورت الذهنيَّة العربيَّة / الإسلاميّة على أساسها. يذهب الدكتور محمّد عابد الجابري إلى الاعتقاد بأنَّ العقل في اللغة العربيَّة لا يُمثِّل أداة للتفكير. إنَّ العقل في هذه اللغة تابع إلى السلوك بشكل كامل، فهو تابع إلى الفعل وإلى ترك الفعل. إنَّ العقل العربي لا شأن له بالعلّيَّة، فهذا العقل هو عقل «الصيرورة» وليس عقل «الكينونة». إنَّ هذا النوع من العقل ينسجم مع الشريعة الإسلاميَّة؛ لأنَّ العقل في شريعة الإسلام يُعتَبر شرطًا في «التكليف»، وإذا لم يكن هناك عقل لا يكون هناك تكليف أيضًا[2].

وقد عمد الدكتور الجابري ـ من خلال دراسته لموقع اللغة العربيَّة في بيان العرب ودورها في الإسلام ـ إلى الإشارة إلى بعض النحويِّين من أمثال: الخليل ابن أحمد الفراهيدي الذي قام بتدوين اللغة العربيَّة بوصفها هويَّة للعرب. إلَّا أنَّ هذه اللغة تحوَّلت إلى «لغة متجمِّدة» وقد انتقمت لنفسها عبر فرض اللهجات العربيَّة العامّيَّة من عصر التدوين، وأدَّى الأمر إلى الانفصال الذي «تعاني منه اللغة العربيَّة حاليًّا»[3]. إنَّ منهج الخليل بن أحمد الفراهيدي عمد إلى صبِّ اللغة العربيَّة في قوالب «جافَّة»، وقيَّدها ضمن مجموعة من الألفاظ، وبذلك منع دون حصول أيِّ أمل في تطوُّرها وتحوُّلها. إنَّ العالم الذي تبلورت فيه اللغة العربيَّة هو عالم حسّي ولا تاريخي. هو عالم أعراب البادية الذين كانوا يعيشون في فضاء زمني هادئ وثابت لا يتغيَّر على امتداد الصحراء، وهو عصر يتَّصف كلُّ شيء فيه بصورة

(253)

حسّيَّة وحواريَّة أو سماعيَّة[1]. في هذه الظروف حلَّت الأُذُن محلَّ العقل في القيام بقبول أو رفض المفردة.

لقد حظيت اللغة العربيَّة في «الحضارة الفقهيَّة» للإسلام مكانة مرموقة، حتَّى تمَّ في الفقه الشافعي لحاظ مبنى للمعرفة الدِّينيَّة. وقد بدأ الشافعي ـ الذي كان في شبابه معاصرًا للخليل بن أحمد الفراهيدي ـ بضبط الفقه.

لقد عمل الشافعي على توجيه العقل العربي من خلال ربط الجزء بالجزء، والفرع بالأصل (= القياس)، وعلى نحو عمودي عمد إلى ربط لفظ واحد بمعاني متنوِّعة، ومعنى واحد بألفاظ متعدِّدة، وقام في الأبحاث الفقهيَّة بما يشبه ما هو حاصل في الأبحاث اللغويَّة والكلاميَّة[2].

وبذلك فقد قام الشافعي بتنظيم وتقنين البيان على مستوى الخطاب القرآني، وأسَّس علم الأُصول، وهو العلم الذي سرعان ما أضحت قواعده منطقًا للعقل العربي / البياني، وأساسًا لإنتاج المعرفة في العلوم العربيَّة / الإسلاميَّة. إنَّ القواعد التي أرساها الشافعي في تقنين الرأي في الفقه، وتمَّ تعميمها بأشكال متنوِّعة على جميع علوم البيان، لم تكن في تكوين العقل العربي دون تأثير منهج ديكارت في تكوين العقل الأُوربي[3]. لقد واصل البيان العربي مساره في توليد العلم والتفكير مع أبي الحسن الأشعري. إنَّ الدكتور الجابري من خلال سعيه إلى التقريب بين الأشاعرة والمعتزلة، قال بأنَّ الأشاعرة قد امتصُّوا منهج المعتزلة، ومن خلال الإعلان الصريح للمبدأ المعرفي والإبستيمولوجي القائل بأنَّ «بطلان الدليل يؤذن ببطلان

(254)

المدلول»، ذهبوا بهذا المنهج إلى أقصى مداه[1]. لقد كان الهدف الأصلي من ممارسة هذا النوع من الاستدلال مع المعتزلة هو إبطال مذهب الخصم، مذهب المانويَّة وغيرهم من الغنوصيَّة[2]، ويدخل العرفان الهندي والإيراني إلى العقل العربي / الإسلامي.

العقل العرفاني:

يُعتَبر العقل العرفاني والبرهاني ـ قياسًا إلى العقل البياني في الثقافة والتراث العربي / الإسلامي ـ من العقول المستوردة. إنَّ العقل العرفاني عقل هرمسي وغنوصي. إنَّ القضيَّة الأساسيَّة التي تُشكِّل محور الأبحاث الغنوصيَّة، هي إيجاد حدٍّ مشترك بين المعرفة التي يتمُّ الحصول عليها بواسطة الوحي، والمعرفة التي يتمُّ الوصول إليها بواسطة العقل[3]. وهذا يُمثِّل العنصر الأكثر سلبيَّة في بنية العقل العربي / الإسلامي من وجهة نظر الجابري. إنَّ هذا النوع من العقل الذي يجب البحث عن مصداقه في العرفان الإيراني / الهندي، قد تسلَّل إلى بنية الفكر العربي / الإسلامي من طريق أفكار الصابئة والزردشتيِّين والمانويِّين. إنَّ هذا النوع من العقلانيَّة يسعى إلى إقامة الاتِّحاد بين العقل والوحي. في هذه الرؤية إنَّما تمَّ استخدام العلوم العقليَّة والفلسفيَّة لأنَّ الحياة العلميَّة والدِّينيَّة للمسلمين كانت بحاجة إليها؛ وكان علم النجوم والكيمياء في زمرة هذه العلوم. ثمّ قاموا بترجمة المنطق كي يُسعِفهم في الجدل الكلامي؛ الأمر الذي دفع بهم نحو الفلسفة اللَّاهوتيَّة

(255)

والطبيعيَّة والسياسيَّة[1]. وعلى هذه الشاكلة بدأ تأويل أيديولوجي وهادف عن أفلاطون وأُرسطو؛ حيث كان الفارابي على رأس هذه الظاهرة، وأمَّا ابن سينا فقد عمل على تقديمها في أكثر وأشدّ جوانبها أيديولوجيَّة.

يرى الدكتور الجابري أنَّ طبقات التراث القديم الماثل في مواجهة المعقول الدِّيني / العربي (المعتقدات غير الدِّينيَّة التي تسلَّلت إلى الدِّين والثقافة العربيَّة) تشمل المعتقدات الزرادشتيَّة والمانويَّة والصابئيَّة. إنَّ بيان أسباب امتزاج النور والظلمة من قِبَل الزرادشتيِّين، واعتبار الأغيار أعداء، وتحرُّر النور من الظلمة من قِبَل المانويَّة، ونظريَّة الفيض لدى الصابئة، تُمثِّل أساس الهرمسيَّة في العقل العرفاني[2]. يرى الدكتور الجابري أنَّ ابن سينا يُمثِّل أصل الفهم الهرمسي والغنوصي والصوفي في العقلانيَّة العربيَّة / الإسلاميَّة. والملفت للانتباه أنَّ جميع الشخصيَّات العلميَّة الشيعيَّة، ابتداءً من جابر بن حيَّان وصولًا إلى الخواجة نصير الدِّين الطوسي، كان لهم دخل في أخذ وتوسيع دائرة الهرمسيَّة والتصوُّف. وعلى الرغم من ذلك كلِّه فإنَّ الفارابي -من وجهة نظر الدكتور الجابري- قد أعطى أهمّيَّة للعقل، وهمَّش النفس، وبذلك سُمّي «فيلسوف العقل»، في حين أنَّ ابن سينا
ـ خلافًا للفارابي ـ لم يهتمّ بالعقل كثيرًا، وصبَّ كلَّ جهوده على معرفة «النفس»، وبذلك أصبح «فيلسوف النفس».

يبحث الدكتور الجابري عن جذور الفكر السينوي في مدرسة حرَّان، التي كانت ترى أنَّ «الأجرام السماويَّة» آلهات تتصرَّف في أُمور العالم، وتقول بأنَّ الطريق إلى الاتِّصال بالأجرام السماويَّة يتمثَّل بتطهير النفس وإجبارها على ترك الحسّيَّات

(256)

والشهوات[1]. وقد ارتبط ابن سينا بهذه المدرسة من خلال المذهب الإسماعيلي.

لقد عمد الفلاسفة من الإسماعيليَّة إلى نقل الخطاب القرآني من حقل إلى حقل آخر بواسطة التأويل الباطني؛ حيث نقلوه من الفهم البياني العرفي الذي كان يُؤكِّد عليه السلف -وأهل السُّنَّة بعبارة أُخرى- إلى الفهم الفلسفي، وهو الفهم الذي لم يكن متاحًا لولا التأمُّل المجرَّد في النصوص القرآنيَّة، ومن دون مقدّمات الأدب الهرمسي. وحيث عمد الفقهاء والأُصوليُّون من أهل البيان من خلال البحث والتحقيق حول القرآن بوصفه نصًّا لغويًّا إلى استخراج المنهج العربي البياني لفهم القرآن واستنباط الأحكام منه، وحيث إنَّ هذا المنهج البياني / الفقهي / القياسي، لم يكن ليُؤدِّي أبدًا إلى المضامين التي كان الباطنيُّون والإسماعيليُّون يُقدِّمونها بوصفها حقيقة لاحبة، فإنَّهم كانوا يرون التأويل الباطني الشيعي أو الصوفي مخالفًا بل ومتناقضًا في بعض الأحيان مع النصِّ الظاهري للقرآن، ومن هنا نشأت العداوة والبغضاء بين الفقهاء والمتصوِّفة. وهي العداوة التي تعكس المواجهة بين نظامين معرفيَّين، أحدهما يقوم على أساس الاستدلال؛ بمعنى ربط المعرفة بـ «الحدِّ الواسط» الذي هو «العلَّة» عند الفقهاء، والآخر يقوم على أساس «الوصال» بمعنى ربطها بمستقى المعرفة اللدنّيَّة[2].

وحيث يذهب الدكتور الجابري إلى القول بأنَّ العلم البياني للفقهاء أكثر منطقيَّةً ومقبوليَّةً من العلم العرفاني، فقد انحاز في هذا النزاع إلى صفِّ الفقهاء البيانيِّين، وعمد إلى تحليل الضعف الأساسي للفلسفيَّة السينويَّة، بمعنى عدم الاهتمام بالفلسفة الأُرسطيَّة، والعمل على تأسيس فلسفة خاصَّة للشيعة و«المشرقيِّين».

(257)

ومن هذه الزاوية لا نجد ابن سينا متَّبعًا لآراء أُرسطو، وإنَّما يقترب من أفكار مدرسة حرَّان ونظريَّة الفيض عندهم. لم يكن ابن سينا في الأساس -من وجهة نظر الدكتور الجابري- أُرسطيًّا، بل وقد أبى أنْ يكتب شرحًا على مؤلِّفات أُرسطو، وفضَّل أنْ يُؤلِّف كتابًا «يجمع فيه (ما صحَّ) عنده، أي ما يوافق ميوله واتِّجاهه من العلوم الفلسفيَّة المنسوبة للأقدمين، مراعيًا جانب الشركاء في الصناعة مراعاة سطحيَّة في الغالب، كما يعترف بذلك هو نفسه»[1]. وبذلك فقد اكتسبت فلسفة ابن سينا توجُّهًا روحانيًّا عقلانيًّا، لم يبتعد عن أُرسطو فحسب، بل وقد ابتعدت حتَّى عن «الواقعيَّة الدِّينيَّة» التي أرسى القرآن قواعدها وأثار أبحاثها وحواراتها وجعلها أكثر عقلانيَّةً من الفلسفة المشرقيَّة لابن سينا.

وقد توصَّل الجابري إلى نتيجة مفادها أنَّ ابن سينا قد جعل من التنجيم والسحر والعزائم والطلاسم والرُّقى والتعلُّق بالموتى وغير ذلك من مظاهر اللَّا معقول، علومًا تجد مكانتها الطبيعيَّة في منظومته العلميَّة الفلسفيَّة التي طلاها بطلاء أُرسطوطاليسي كاذب. وأخطر من ذلك وأكثر تأثيرًا في توجيه الفكر العربي / الإسلامي هذا التوجيه الظلامي الدامس، وتوظيفه لـ «علوم» اللَّا معقول في تأويل الآيات القرآنيَّة التي تتحدَّث عمّا وراء الطبيعة تأويلًا جنح بها نحو روحانيَّة دامسة أكثر تخلُّفًا من «الواقعيَّة الساذجة» التي كان عليها العرب حين قيام الإسلام[2]. لقد ذهب الجابري إلى الاعتقاد بأنَّ الدافع القومي قد حفَّز ابن سينا إلى تأسيس فلسفة مشرقيَّة وأيديولوجيَّة. وقد كان الهدف الأيديولوجي للفلسفة المشرقيَّة يكمن في محاربة الفلسفة المشَّائيَّة وفلسفة أُرسطو[3]،

(258)

وبطبيعة الحال قامت شخصيَّات كبيرة أُخرى بمواصلة المدرسة السينويَّة.

وهم أُولئك الذين امتدُّوا عبر سلسلتين طويلتين تنطلق إحداهما من السهروردي والأُخرى من الغزالي، ممَّا جعل الظلاميَّة تعمُّ الفكر الشيعي والفكر السُّنّي معًا... ومن هنا فقد عمد ابن سينا إلى تكريس اتِّجاه روحاني غنوصي كان له أبعد الأثر في ردَّة الفكر العربي / الإسلامي وارتداده عن عقلانيَّته المتفتِّحة التي حمل لواءها المعتزلة وبلغت أوجها مع الفارابي، إلى لا عقلانيَّة ظلاميَّة قاتلة لم يعمل الغزالي والسهروردي وأمثالهما إلَّا على نشرها وتعميمها في مختلف الأوساط والمجالات[1].

وفي المجموع فإنَّ أنصار العلوم العرفانيَّة يقيمون ارتباطًا واتِّصالًا بين الله وعالم الوجود والطبيعة، وإنَّ بعض أفراد هذه الحلقة يُمثِّلون الرابط في هذا الاتِّصال. وإنَّ القول بقِدَم الوجود، وإنكار العلّيَّة، والنزعة الهرمسيَّة، وتجاهل العقل الإنساني المجرَّد، والعمل على التوحيد والتوفيق بين الفلسفة والشريعة، وتحليل اللَّامعقول الدِّيني من طريق المعقولات الإنسانيَّة، تُعَدُّ من مقوِّمات أنصار هذا العلم.

العقل البرهاني:

إنَّ العقل البرهاني هو مباني العلم والفلسفة الأُرسطيَّة ذاتها، التي تمَّ تأسيسها على أساس الحسِّ والتجربة. وفي هذا العلم يتمُّ اعتبار الفلسفة والشريعة مستقلَّتين عن بعضهما، وإنْ كان هدفهما واحدًا. إنَّ هذا النوع من العلم (أو العقل بعبارة أفضل)، وإنْ كان قد حظي باهتمام المعتزلة، إلَّا أنَّه -في فهم الدكتور الجابري- بقي محدودًا ضمن دائرة البحث الكلامي، ولم يتمكَّن من مواصلة مساره. ومع

(259)

ذلك فقد استمرَّت هذه الرؤية إلى العقل بواسطة الكندي. فقد كان الكندي ـ خلافًا للفارابي وابن سينا ـ مؤمنًا بتمييز أُرسطو في خصوص «العقل بالقوَّة»، و«العقل بالفعل». فالعقل بالقوَّة هو مجرَّد استعداد النفس لتقبُّل المعقولات فقط، وإنَّ العقل بالفعل الذي تكتسبه النفس بعد تقبُّل المعقولات، فهو الذي يُعبِّر عنه الكندي بالعقل البياني أو «العقل الظاهر». وعلى هذا الأساس فإنَّ العقل بالفعل لدى الكندي يختلف عن العقل عند الفارابي وابن سينا اللذين يذهبان بدورهما إلى الاعتقاد بأنَّ هذا العقل هو من سلسلة العقول السماويَّة أيضًا. يرى الدكتور الجابري أنَّ الكندي كان - من خلال هذا الأمر - رافضًا للترتيب الهرمي وسلسلة المراتب الهرمسيَّة للعالم الإلهي.

إنَّ تصويره للعلاقة الأنطولوجيَّة والإبستيمولوجيَّة بين الله والإنسان، هو تصوير إسلامي بحت وقائم على المنهج المعتزلي، وقد عمد إلى استخدام هذا التصوير بخطاب يحتوي في جوهره على فلسفة أُرسطيَّة، ضدَّ التصوُّرات الغنوصيَّة بكافَّة اتِّجاهاتها. وبذلك فإنَّه قد عمد في الحقل المعرفي إلى التمييز على نحوٍ جادٍّ بين «علم الرُّسُل» و«علم سائر أفراد البشر». إنَّ «علم الرُّسُل» يكون من دون طلب وتكليف وبحث... [و]إنَّما يكون [ممكنًا] بمجرَّد إرادة الله تعالى، وأمَّا ... علم البشر ... فهو واضح، حيث يتمُّ الحصول عليه في ضوء الطلب والبحث والاستدلال[1].

إنَّ هذه الفقرة ضمن توضيحها لرؤية الكندي، تعمل مع ذلك على إظهار فهم الدكتور الجابري للعقل البرهاني. لقد ذهب الدكتور الجابري إلى الاعتقاد بأنَّ سيطرة الرؤية التراتبيَّة والغنوصيَّة على الفكر العربي / الإسلامي، قد تسبَّبت

(260)

بسقوط العقل البرهاني في غيبوبة كاملة. يرى الجابري أنَّ السبب الرئيس في الميل إلى العقل العرفاني يكمن في الظروف والأوضاع السياسيَّة المضطربة التي سادت المرحلة التاريخيَّة التي عاصرها الفارابي وابن سينا، وما كان من تنافس محتدم بين التيَّارات الشيعيَّة من أجل الوصول إلى السلطة في مواجهة الخلفاء العبَّاسيِّين. ومع ذلك فإنَّه مع تحسُّن الأوضاع السياسيَّة في مغرب العالم الإسلامي، يبدأ الاهتمام بالعقل البرهاني مع ابن باجة، ويبلغ ذروته بواسطة ابن رشد.

إذا كان المشروع الفلسفي لابن سينا عبارة عن مزج بنية التفكير الفلسفي اليوناني في بنية التفكير الدِّيني الإسلامي بمساعدة مخلّفات بنية فكريَّة ثالثة، فإنَّ هذه المخلّفات هي الفكر الدِّيني ذاته للفلسفة الحاكمة على مدرسة حرَّان، وإنَّ مراد الشيخ الرئيس من الفلسفة المشرقيَّة هي الفلسفة التي تتجلَّى بعض عناصرها في المؤلَّفات الفلسفيَّة العامَّة والمشهورة، أي التأليف للعامَّة المتفلسفين أو «الفلاسفة العوامِّ»، أمَّا المشروع الفلسفي لابن رشد فهو مشروع مختلف ويقوم على أساس فصل الدِّين عن الفلسفة، من أجل الحفاظ على الهويَّة الخاصَّة بكلِّ واحدٍ منهما، بغية إيجاد إمكانيَّة الفصل بينهما وتحديد مساحة وحقل كلِّ واحدٍ منهما من جهة، والحصول على إمكانيَّة الاستدلال على اتِّحاد هدفيهما من جهة أُخرى[1].

يذهب ابن رشد إلى التأكيد على الخصوصيَّة المختلفة لكلِّ واحدٍ من الخطابات الدِّينيَّة والفلسفيَّة، حيث لكلٍّ منهما بنية مستقلَّة، ولا يمكن ربط أحدهما بالآخر بسبب اختلافهما في المبادئ والأُصول. يذهب ابن رشد من جهة إلى الاعتقاد بأنَّ كلَّ

(261)

شريعة سماويَّة ممتزجة بالتعاليم العقلانيَّة[1]؛ بمعنى أنَّ الوحي والشريعة - حيثما يعجز العقل عن إدراك الحقيقة (سواء الفطريَّة أو العرضيَّة الإنسانيَّة) - يأتيان لتتميم العلوم العقليَّة، ومن ناحية أُخرى ببيان أنَّ على جميع الناس أنْ يذعنوا لمبادئ الشريعة، وأنْ يُقلِّدوا فيها؛ لأنَّ الشرائع مبادئ الفضائل، وإنَّ الشرائع إنَّما جاءت لإقرار الفضائل الأخلاقيَّة والنظريَّة والصنائع العمليَّة، وتدبير أُمور الناس بغية إيصالهم إلى السعادة[2]. وعلى هذا الأساس فإنَّ الفيلسوف بدوره يكون -مثل سائر الناس- في خدمة مبادئ الشريعة ومنفِّذًا لها، بيد أنَّ النقطة الهامَّة هي أنَّ واضع الشريعة لا يضع جميع نصوص الشريعة في متناول الجميع بشكل متساوٍ. يذهب ابن رشد إلى الاعتقاد بأنَّ شريعة الإسلام قد تحدَّثت بما يتوافق مع طبيعة الناس وجبلَّتهم؛ فالمعرفة تحصل لبعض الناس من طريق البرهان، ولبعض الناس بالأقوال الجدليَّة، ولبعضهم الآخر من طريق الأقوال الخطابيَّة، وهذا بطبيعة الحال لا يعني وجود تعارض في الحقيقة الفلسفيَّة والشرعيَّة؛ وذلك لأنَّ الحقَّ لا يعارض الحقَّ، بل يتوافقان ويشهدان لبعضهما[3]. وأمَّا في حالة عدم التناغم بين العقل والشرع، فإنَّ ابن رشد يرى أنَّ المسألة مسكوت عنها من قِبَل الشارع، وعندها لن يكون هناك تعارض قهرًا، وسوف يكون الأمر بمنزلة الأحكام المسكوت عنها ومن دون حكم، وإذا كان لدى الشريعة في هذا المورد سُنَّة، فعندها إمَّا أنْ يكون البرهان مؤيِّدًا لما قاله الشرع، أو أنْ تكون المعرفة الحاصلة من ظاهر الشريعة مخالفة للبرهان، عندها لن يبقى هناك من طريق سوى اللجوء للتأويل[4]. يرى

(262)

ابن رشد أنَّ السبب في هذا الظاهر المتعارض في ألفاظ الشرع يكمن في توجيه الراسخين في العلم إلى أمر التأويل. إنَّ الراسخين في العلم هم الذين يمتلكون القدرة على المعرفة واستعمال القياسات المنطقيَّة، أي البرهان.

وعلى هذا الأساس فإنَّ إبعاد «العرفان»، والفصل بين «البيان» و«البرهان»، هو المسار الذي واصله خطاب ابن رشد من خلال العودة إلى طرح ابن حزم وعبر ابن تومرت وابن باجة بشكل أغنى وأعمق[1]. في هذا الفهم للعقلانيَّة والكشف والشهود الصوفي، يتمُّ إبعاد الوحدة والانسجام بين الدِّين والفلسفة، ويتمُّ التمييز بين الإمكان الطبيعي والإمكان الإلهي، ويتمُّ إدراك الإمكان الطبيعي بالعلم، حيث يمتلك الإنسان القدرة على إدراكه، وأمَّا الإمكان الإلهي فيتمُّ الحصول عليه بمساعدة من الله سبحانه وتعالى.

آثار رؤية الدكتور الجابري ونتائجها:

لقد عمل الدكتور الجابري على توجيه الجزء الأكبر من نشاطه نحو «ماضي» الثقافة العربيَّة / الإسلاميَّة؛ لما لهذا الماضي من التأثير البناء على ذهنيَّة الإنسان العربي / الإسلامي. إنَّ هذا الماضي يُمثِّل جوهر التنوير الفكري (نتاج الماضي العربي)، وأداة لإنتاج هذا الجوهر (ذات النشاط التنويري). وقد عمل الجابري لفهمها وتحليلها على انتهاج رؤية تاريخيَّة وبنيويَّة. إنَّ المنهج التاريخي والتبويب البنيوي لتاريخ التفكير العربي / الإسلامي الذي يعتمده الدكتور الجابري، تترتَّب عليه نتائج ظهرت على تفكيره سواء شاء ذلك أم لم يشأ. وإنَّ من بين أُولى هذه النتائج هو بيان القطيعة المعرفيَّة والإبستيمولوجيَّة الذي ازدهر وترعرع بدخول العلوم العقليَّة الأُرسطيَّة «الواقعيَّ» في مغرب العالم الإسلامي. وعلى الرغم من أنَّ العلوم العقليَّة قد تسلَّلت

(263)

إلى الثقافة العربيَّة / الإسلاميَّة في وقتٍ متأخِّرٍ، ولكنَّها مع ذلك شكَّلت منعطفًا في تاريخ هذه الثقافة[1]، وهو منعطف يختلف بالكامل عن النظام المعرفي الذي سبقه. إنَّ طرح وتظهير مثل هذا القطيعة صحيح تمامًا، إلَّا أنَّ لحاظ هذا النوع من القطيعة المعرفيَّة في الثقافة العربيَّة / الإسلاميَّة يُؤدِّي إلى تقسيم العالم الإسلامي إلى فلسفة «المشرقيِّين» و«المغربيِّين» من وجهة نظر الدكتور الجابري، إلى نزاع أيديولوجي، يتمُّ فيه إظهار الفلسفة المشرقيَّة مقصِّرة ومنحرفة[2].

وفي هذا السياق تسعى الفلسفة المشرقيَّة بتوجيه من قِبَل الشيخ الرئيس -بسبب الدوافع القوميَّة- إلى توفير النظام السياسي المتناسب مع رأي الشيعة. وعلى هذا الأساس فإنَّ ذلك «الآخر» بالنسبة إلى العقل البياني المدافع عن خلافة العبَّاسيِّين من أصحاب المذهب السُّنّي، كان متمثِّلًا على الدوام بالشيعة الذين كانوا يظهرون في بعض الأحيان على شكل حركات المعارضة السرّيَّة أو العلنيَّة، وفي مرحلة ما على شكل الحكومات المناوئة، وفي مرحلة على شكل خلافة قائمة على شكل الخلافة الفاطميَّة التي كانت تنافس العبَّاسيِّين في مختلف المجالات[3].

وأمَّا الفلسفة المغربيَّة بقيادة ابن رشد فقد تبلورت وازدهرت في فضاء هادئ بعيد عن النزاعات والصراعات الأيديولوجيَّة. وقد عمد ابن باجة إلى الخوض في الفلسفة بعيدًا عن القيود السياسيَّة[4]؛ ليكون متحرِّرًا من جميع إشكاليَّات التطبيق المشرقي للعقل والنقل. لقد كان ابن رشد يعيش في عصره ضمن الفضاء

(264)

العلمي والثقافي الذي تمَّ إيجاده من قِبَل أُمراء، من أمثال: أبي يعقوب (بشكل كامل) والمنصور (بشكل نسبي)[1].

ومن بين الآثار الأُخرى للرؤية التاريخيَّة للدكتور الجابري تجاه الثقافة العربيَّة / الإسلاميَّة، فرض مصير أُوروبا على هذه الثقافة. رغم أنَّه لا يجب الغفلة عن هذه المسألة وهي أنَّ هذا المنهج والأُسلوب، أي فرض مسار الغرب على العالم العربي / الإسلامي، ينشأ أيضًا من مباني علم النزعة الحداثويَّة للدكتور الجابري. وعلى الرغم من ذلك فإنَّه يسعى إلى الحصول على «الحداثة العربيَّة»، كما يسعى إلى الحصول على «الحداثة الغربيَّة»[2]. وعلى هذا الأساس حيث وصل الأُوربيون إلى الحداثة في عصر النهضة من خلال العودة إلى أُرسطو مجدَّدًا، يذهب الدكتور الجابري إلى الاعتقاد بإمكانيَّة الوصول إلى الحداثة العربيَّة من خلال العودة إلىٰ أُرسطو عبر المسار الذي اختطَّه ابن رشد. وعلى هذه الشاكلة فإنَّه يدافع عن التراث بوصفه مصدرًا بالقوَّة ليقظة وصحوة العالم العربي / الإسلامي. يرى الدكتور الجابري أنَّ الحداثة العربيَّة إنَّما سيُكتَب لها التحقُّق إذا امتلك فهمًا وإدراكًا صحيحًا عن مسار روايته عن تاريخ اندحار وهزيمة العرب في مواجهة العرفان في المرحلة القديمة، والهزيمة أمام الاستعمار في المرحلة الجديدة[3]. هذا في حين أنَّ البُعد البنيوي لتفكير الدكتور الجابري يجب أنْ لا يسمح بفرضه مصير الغرب على ثقافة العالم العربي / الإسلامي؛ وذلك لأنَّ الوضعيَّة الفعليَّة لهذا العالم تُمثِّل الوجه البنيوي له.

(265)

ومن بين النتائج الأُخرى المترتَّبة على تفكير الدكتور الجابري والتي تنشأ عن نزعته العلميَّة، هو الاتِّجاه نحو العلمانيَّة. يعمد الدكتور الجابري -من خلال إقامة الفلسفة «المغربيَّة» للعالم العربي / الإسلامي على فلسفة ابن باجة، والثناء على ازدهارها على يد ابن رشد- إلى إبداء رغبته بعلمنة الفلسفة العربيَّة / الإسلاميَّة؛ رغم أنَّ العلمانيَّة الكامنة في الفلسفة «المغربيَّة» - من وجهة نظر الدكتور الجابري - مختلفة، بمعنى أنَّها لا تتحدَّث عن القضايا الدِّينيَّة نفيًا أو إثباتًا، وإنَّما تخوض في الفلسفة بما هي فلسفة وليس شيئًا آخر[1]. إنَّ الدكتور الجابري هو ابن مرحلة العلم الحديث، وعلى هذا الأساس فإنَّه قد نظر إلى التراث والثقافة العربيَّة / الإسلاميَّة من هذه الزاوية، فوصل إلى هذه النتائج.

وفي المجموع فإنَّ الدكتور الجابري يشيد بالعلم والعقل البرهاني بسبب الاهتمام بالوقائع والعينيَّات وارتباطها بالحياة الاجتماعيَّة والدنيويَّة للأشخاص، ويدين العقل البرهاني بسبب سعيه من أجل توحيد العقل والدِّين، وفهم اللَّا معقولات الأُخرويَّة وما وراء الإنسانيَّة، وتجاهل الحياة الدنيويَّة. وفي هذا السياق اعتبر العقل البياني شبه معقول، واعتقد أنَّ العقل العرفاني لو لم يأخذ بتلابيبه، لكان بإمكانه الوصول إلى حضارة عربيَّة / إسلاميَّة ساطعة. من الطبيعي أنْ يبادر الدكتور الجابري إلى الإشادة بالعقل البرهاني الذي بلغ الذروة في هذه الحضارة على يد ابن رشد، ويسعى إلى بيان طريق لإعادة إنتاجه وازدهاره. إنَّ جميع هذه النتائج إنَّما هي حصيلة منطقيَّة لمبانيه المعرفيَّة، وترتيباته المنهجيَّة، وقضاياه الاعتقاديَّة.

(266)
نقد:

لقد عمل الدكتور الجابري في نقل مفاهيمه ونتائجه على توظيف شبكة واسعة من المعارف، بحيث إنَّ هذه الشبكة لا تقتصر على الانسجام والتناغم المنطقي وحسب، بل هي بديعة ومفيدة أيضًا. إنَّ العمل على توظيف القضايا المنهجيَّة والأُسلوبيَّة، من قبيل: النزعة التاريخيَّة، والنزعة البنيويَّة، والتفكيك بين الأيديولوجيا والمعرفة في إطار العقلانيَّة النقديَّة، قد دفع بالمشروع الفكري للجابري لينتهي إلى بيان القطيعة المعرفيَّة والإبستيمولوجيَّة في التراث العربي / الإسلامي، إلَّا أنَّ القطيعة الإبستيمولوجيَّة للدكتور الجابري لا يعني الانفصال عن الماضي، بل يستند إليه من أجل تفعيل وتنشيط الحاضر والمستقبل. ومع ذلك فإنَّ كلَّ رؤية منهجيَّة لن تخلو من بعض النقائص والإشكالات؛ لأنَّ المنهجيَّة في حدِّ ذاتها تفرض على كلِّ كاتب بعض الالتزامات والقيود. وإنَّ الدكتور الجابري بدوره لم يكن ليُستثنى من هذه القيود، حيث عمد إلى تجاهلها والغفلة عنها في بعض الموارد.

ويكمن النقد الأوَّل في سعي الدكتور الجابري إلى اختيار المنهج والأُسلوب لمشروعه الفكري، حيث يقول ما معناه:

يقال دائمًا: إنَّ طبيعة الموضوع تُحدِّد نوع الأُسلوب، وهذا صحيح، إلَّا أنَّ الذي يجب أنْ أُضيفه هنا هو أنَّ الأُسلوب في حدِّ ذاته يترك تأثيره في تصوُّر الموضوع، ويُقدِّم الموضوع في تصوير محدَّد، وعلى أساس هذا التصوير نحصل على الفكر المحدَّد من طبيعته»[1].

(267)

إنَّ هذه الحقيقة تُثبِت أنَّه - كما سبق أنْ ذكرنا في البحث عن الأُسلوب - يحمل نظرة آليَّة إلى الأُسلوب. هذا في حين أنَّ المفكِّرين يذهبون إلى الاعتقاد بأنَّ الأُسلوب يتمخَّض من صلب الإبستيمولوجيا لكلِّ مفكِّر[1]. كما أنَّ الجابري رغم بحثه في إطار العقلانيَّة النقديَّة[2]، إلَّا أنَّه - على خلاف أصلها الأساسي، ونعني بذلك التحرُّر من الأيديولوجيا[3] - يصرُّ على رؤيته الأيديولوجيَّة[4].

أمَّا النقد الثاني فيعود إلى نقد وردِّ الدكتور الجابري حول الفقه، ولاسيّما الفقه الشيعي. لا يقيم الجابري - تبعًا لابن رشد - علاقة جيِّدة مع الفقهاء. يرى الدكتور الجابري أنَّ كلًّا من المتكلِّمين -بما في ذلك المعتزلة- والفقهاء قد وقعوا في ورطة العقل العرفاني. هذا في حين أنَّه يذهب لاحقًا إلى القول بأنَّ واحدًا من أهداف قراءة ونقد الثقافة العربيَّة / الإسلاميَّة هو «رسم الأُصول الجديدة أو وضع القوانين التي تتوافق مع مقتضيات العصر»[5]. ويمكن القول -بطبيعة الحال-: إنَّ الأُصول الفقهيَّة الجديدة المنشودة للدكتور الجابري سوف تختلف عن الأُصول الفقهيَّة الموجودة في التراث العربي / الإسلامي، وربَّما كان مراد الدكتور محمّد عابد الجابري من الفقه هو الفقه البياني الذي يُعبَّر عنه بشبه المعقول. ومع ذلك فإنَّ السؤال الأساسي هنا يقول: لماذا لم يُصرِّح الجابري بأنَّ غايته هي إحياء عقلانيَّة ابن رشد؟

(268)

ويبدو أنَّ هذا النقد أكثر أصالةً من سائر الانتقادات الأُخرى؛ فأوَّلًا: لقد تعاطى الدكتور محمدّ عابد الجابري في رؤيته التاريخيَّة والبنيويَّة بشكل أيديولوجي، واعتبر الفضاء السياسي في مرحلة الفارابي والشيخ الرئيس مضطربًا وغير مؤاتٍ، ومرحلة فلاسفة مغرب العالم الإسلامي فضاءً هادئًا ومؤاتيًا. هذا في حين أنَّ أكثر الكُتَّاب يذهبون إلى الاعتقاد بأنَّ مغرب العالم الإسلامي في عصر حياة ابن باجة وابن رشد قد شهد أوضاعًا سياسيةً مضطربةً[1]، وكان النصارى وسائر المجموعات الإسلاميَّة المنافسة تحت الضغط، بحيث إنَّ مراد ابن باجة من «النابت» هو الغريب الذي يحافظ على إيمانه في المجتمع الفاسد[2]. وثانيًا: إنَّ الجابري إمَّا أنَّه يغفل أو يغضُّ الطرف عن الدوافع القوميَّة - أو الأيديولوجيَّة الدِّينيَّة في الحدِّ الأدنى - لدى الموحِّدين والمرابطين. ومن الجدير ذكره أنَّ نظريَّة التأويل لابن رشد تحتوي على مبادئ دينيَّة؛ إذ:

1 - إنَّ مذهب مالك بن أنس من المذاهب التي تُؤكِّد على تأويل ظاهر القرآن بالعقل.

2 - إنَّ هذا المذهب لا يرى وحدة بين العقل والنقل، وأنَّ ابن رشد إنَّما يبحث عن استقلال الشريعة والفلسفة في إطار هذا المذهب.

3 - إنَّ عالم المغرب الإسلامي وبفعل هيمنة المذهب المالكي كان يمنع من دخول أفكار وآراء سائر المذاهب الأُخرى، بحيث إنَّ علماء تلك الأصقاع كانوا يُكفِّرون من يقرأ كتاب «إحياء العلوم» للغزالي، وقد طلبوا من أمير المرابطين

(269)

«أنْ يحرق نُسَخ هذا الكتاب؛ فتمَّ جمع كافَّة نُسَخه وأضرموا النار فيها في مدينة قرطبة وغيرها من مُدُن الأندلس والمغرب»[1]. وبطبيعة الحال فإنَّ هذه السياسة لم تقتصر على الغزالي فقط، وإنَّما طالت المذهب الشافعي برمَّته[2].

أمَّا النقد الآخر على رؤية ابن رشد، والذي يتَّجه إلى الجابري تبعًا لذلك، هو أنَّهما -من خلال اعتقادهما بـ «الحقيقة الثنويَّة»، وفي نقد وردِّ رؤية الغزالي- يذهبان إلى الاعتقاد بأنَّ الفقيه لا يمتلك صلاحيَّة طرح ونقد الأُصول الفلسفيَّة، والفيلسوف بعكس ذلك؛ حيث يعمل ابن رشد بتأثير من الآراء الفلسفيَّة لأُرسطو هذه الرؤية الدِّينيَّة بشأن «إبداع» الله أو كونه «مخترعًا». هذا في حين أنَّ القرآن الكريم صريح في إثبات «الخالقيَّة» لله سبحانه وتعالى حيث يَخلق من لا شيء. إلَّا أنَّ ابن رشد في إطار المدرسة «الأُرسطيَّة»[3]، يرى الله صانعًا يعمل على «صنع واختراع» الموجود بآلة وأداة، وقد صرَّح الدكتور الجابري بالقول: إنَّ ابن رشد «لا يستخدم مصطلح الخالق لبعض الأسباب»[4]. وعلى هذه الشاكلة فإنَّ ابن رشد وبتبعه الجابري ينظران إلى المباني الدِّينيَّة من زاوية فلسفيَّة.

وبالتالي فإنَّ سعي الدكتور الجابري إلى بحث القرآن الكريم وتفسيره على أساس ترتيب نزول آياته، بتأثير من اتِّجاهه الاعتزالي ومنهجه التاريخي. هذا في حين أنَّ علماء الدِّين الكبار في العصر الحاضر يُؤيِّدون الترتيب الراهن للقرآن الكريم.

والأهمّ من ذلك كلِّه يرد هذا النقد على الدكتور الجابري؛ إذ إنَّه على الرغم من ادِّعائه القائل بتمايز المراحل التاريخيَّة المختلفة، ولكنَّه يعمل في الوقت نفسه

(270)

على النظر في التاريخ الماضي للفلسفة الإسلاميَّة من زاوية المرحلة المعاصرة ومنظار العلم الحديث، ويقوم بانتقاد الفارابي وابن سينا على هذا الأساس.

النتيجة:

لقد ترتَّبت بعض اللوازم على اختيار المنهج التاريخي والبنيوي لدراسة التراث وماضي التفكير العربي / الإسلامي من قِبَل الدكتور محمّد عابد الجابري. إنَّ السعي إلى اتِّخاذ رؤية انتقاديَّة في تحليل عقلانيَّة وذهنيَّة الدكتور الجابري على مسار التفكير العربي / الإسلامي في شكله التاريخي والبنيوي، قد أدَّى إلى تنظيم القوى والأنظمة المعرفيَّة المختلفة في قالب مسار تاريخي يضطرُّ معه الدكتور الجابري - فيما يتعلَّق بربطها ببعضها - إمَّا إلى الحديث عن التلفيق والتأثير أو عن القطيعة والانفصال الإبستيمولوجي والمعرفي. إنَّ تأثير الأنظمة المعرفيَّة العرفانيَّة والبرهانيَّة على النظام البياني الأصيل من جهة، والقطيعة الإبستيمولوجيَّة والمعرفيَّة للتفكير والفلسفة المغربيَّة والفلسفة المشرقيَّة للعالم الإسلامي من جهة أُخرى، إنَّما هو نتاج هذه الرؤية التاريخيَّة؛ لأنَّ مبادئ هذين الأمرين ومبانيهما تختلف عن بعضها. وكذلك حيث كان المنشود للدكتور الجابري هو الفلسفة المغربيَّة لابن رشد، والقائمة على الفهم «الواقعي» لفلسفة أُرسطو، يسعى ـ في إطار المنهج البنيوي وبرؤية أيديولوجيَّة تنتج من منهجيَّته البنيويَّة ـ إلى بعض العناصر التي تساعده على إثبات مطلوبيَّة الفلسفة المغربيَّة. ونتيجةً لذلك فإنَّه ينسب قراءة أيديولوجيَّة إلى الفلسفة المشرقيَّة (ابن سينا) تنشأ من التنافس السياسي والأيديولوجي بين أهل السُّنَّة والشيعة في عصر الفارابي والشيخ الرئيس، وأنَّ هذا التنافس يحول دون

(271)

القراءة الإبستيمولوجيَّة والمعرفيَّة للفلسفة الأُرسطيَّة، ودفعت بها نحو الاتِّحاد مع الدِّين. إلَّا أنَّه يعتبر قراءة فلسفة أُرسطو في الفلسفة المغربيَّة، مقرونة بالهدوء والابتعاد عن فضاء التنافس السياسي والأيديولوجي، حيث ينتج عن ذلك قراءة إبستيمولوجيَّة لفلسفة أُرسطو، والاختلاف بين الفلسفة والشريعة.

هذا في حين أنَّ عصر وأرضيَّة الحياة في الفلسفة المغربيَّة، ولاسيّما ابن باجة وابن رشد، كانت بدورها أيديولوجيَّة وتنافسيَّة أيضًا، وهو ما نرى أمثلته في المنع من دخول كُتُب غير الفقه المالكي من مشرق العالم الإسلامي، ولا سيّما كُتُب الغزالي وفقه الشافعي، والنزاع والتنافس السياسي بين مختلف التيَّارات المسلمة والمسيحيَّة، للوصول إلى السلطة السياسيَّة. يبدو أنَّ الجابري -بما يتناسب وفضائه الفكري المتناسب مع العلم الحديث- قد ارتضى القراءة العلميَّة / العينيَّة لفلسفة أُرسطو من قِبَل ابن رشد، ويسعى ما أمكنه إلى الدفاع عن النزعة العلميَّة لابن رشد. وفي المجموع فإنَّ هذا الأُسلوب قد أدَّى بالجابري إلى تقديم قراءة كاسرة للبنيويَّة لا عن الثقافة والتفكير العربي / الإسلامي فحسب، بل وقراءة تاريخيَّة وبنيويَّة عن تفسير وفهم للقرآن الكريم أيضًا.

(272)

الاتجاه الكلامي لمحمّد عابد الجابري

في نقد التراث الشيعي[1]

محمّد عليّ مهدوي راد[2]
محمّد موسوي مقدَّم[3]
مريم شمس عليئي[4]

الملخَّص:

إنَّ من بين الانتقادات التي يُوجِّهها محمّد عابد الجابري إلى التراث، نقده للأفكار الشيعيَّة. إنَّ الجابري - على الرغم من ادِّعائه عدم الدخول في النقد الكلامي، والاكتفاء بتوظيف المنهج الإبستيمولوجي ـ يعمد بنفسه إلى توجيه الانتقادات الكلاميَّة إلى الشيعة، ويرى التشيُّع فاقدًا للجذور الفكريَّة الأصليَّة في التعاليم الإسلاميَّة، وأنَّ جذور التشيُّع الأساسيَّة تعود إلى الوقائع السياسيَّة. لقد تمَّ في هذه المقال تحليل بعض آراء الجابري ومناقشتها حول الفكر الشيعي

(273)

بأُسلوب توصيفي / تحليلي، وقد تبيَّن من ذلك أوَّلًا: إنَّ إطلاق العقل المستقيل على الثقافة والتعاليم الشيعيَّة من قِبَل الجابري لم يكن قائمًا على قراءة إبستيمولوجيَّة للمذهب الشيعي؛ وذلك لأنَّ التعاليم والعقائد الشيعيَّة ضاربة بجذورها في العقلانيَّة. وثانيًا: إنَّ المعطيات التاريخيَّة -التي يُقدِّمها الجابري لإثبات أنَّ الفكر الشيعي مستورد وهرمسي- لا تستند إلى أساس علمي، وأنَّ الفكر الشيعي مختلف عن الفكر الباطني والإسماعيلي.

بيان المسألة:

يُعَدُّ الجابري من المفكِّرين الذائع صيتهم في العالم العربي، حيث إنَّ آراءه وأفكاره بشأن الثقافة والحضارة العربيَّة / الإسلاميَّة قد فتحت منذ ثلاثة عقود مساحة جديدة للبحث والحوار بين المفكِّرين المسلمين وغير المسلمين.

إنَّ المسألة الأصليَّة بالنسبة إلى الجابري تتمثَّل في الانحطاط الفكري والحضاري للعالم الإسلامي والبحث عن طُرُق الخروج والخلاص من هذا الانحطاط. يرى الجابري أنَّ سبب هذا التخلُّف والانحطاط يكمن في الرؤية غير العقلانيَّة إلى العالم، وأنَّ الفكر العربي المعاصر يحتاج -من أجل الخروج والخلاص من هذا التخلُّف- إلى طرح عقلاني في جميع المسائل الفكريَّة. إنَّ خصِّيصة هذا النوع من العقلانيَّة هو «النقد»، ويبدأ ذلك من خلال نقد التراث والأدوات الفكريَّة المهيمنة عليه؛ وعلى هذا الأساس تجب -في كشف وتحليل ومعرفة أدوات التفكير العربي- دراسة ظهور العقل العربي وتبلوره، وحيث إنَّ هذا العقل يتعامل مع مختلف

(274)

الظواهر والموضوعات، فإنَّه يمكن الوصول إلى خصائص هذا العقل من خلال دراسة هذا التعامل ومناقشته. ومن خلال ذلك يمكن العثور على العناصر البنَّاءة وكذلك العناصر التي تُؤدِّي إلى الركود، والعمل بعد ذلك على تأسيس ثقافة وعقل خلَّاق[1]. يذهب الجابري استنادًا لهذا الطرح إلى تقسيم العقل إلى ثلاثة أقسام، وهي: العقل العربي، والعقل اليوناني، والعقل الغربي. وهو يصرُّ على إدراج العقل العربي بوصفه رديفًا للعقلين: اليوناني والغربي؛ وذلك لأنَّ جميع هذه الحضارات الثلاثة كانت -طبقًا لادِّعائه ، ذات تفكير نظري عقلاني[2].

يرى الجابري أنَّ اتِّجاهه في مشروعه الأساسي -ونعني به نقد العقل العربي ـ هو اتِّجاه حضاري؛ ومن هنا جاء اختياره لعنوان «نقد العقل العربي» بدلًا من «نقد العقل الإسلامي»؛ لأنَّ كلَّ ما يأتي توصيفه بالإسلامي سوف يشير بشكل مباشر إلى الإسلام بوصفه دينًا، في حين أنَّه لا يسعى إلى دراسة موضوع باسم «العقل الدِّيني الإسلامي»؛ خلافًا لأُولئك الذين اعتبروا الإسلام بوصفه حضارة، واستفادوا منه معنىً حضاريًّا. يرى الجابري هذا النوع من التوصيف استشراقيًّا ينظر إلى الإسلام من زاوية الحضارة[3].

إنَّ الجابري يسعى - من خلال تقسيم الأنظمة الثقافيَّة العربيَّة / الإسلاميَّة على أساس العقل المنبثق من هذه الثقافة، إلى ثلاثة أنظمة وهي: البيان والعرفان

(275)

والبرهان - إلى إثبات أنَّ «النظام المعرفي للبيان» يُثبِت التراث العربي / الإسلامي الخالص، وأنَّ «النظام المعرفي للعرفان» يشير إلى الجانب اللَّا معقول من التراث الهرمسي القديم الذي يُمثِّل منشأً للفكر الشيعي، وأنَّ «النظام البرهاني» مؤسِّس الفلسفة والعلوم العقليَّة الأُرسطيَّة، الذي بقي مهجورًا في عالم الإسلام، إلَّا أنَّه دخل إلى الإسلام بإرادة الخليفة المأمون العبَّاسي لغرض حذف العرفان الشيعي[1].

إنَّ الجابري من خلال نظريَّته المعياريَّة -أي الأنظمة المعرفيَّة الحاكمة بزعمه على الثقافة العربيَّة ـ يجعل نظام العرفان في أدنى المراتب، وقد وصفه بـ «العقل المستقيل» أو الـ «لا عقل»، واعتبر تجلّياته المتنوِّعة ظاهرة في التصوُّف، والباطنيَّة، والفلسفة الإسماعيليَّة، والإماميَّة. وقد عمد الجابري إلى تعريف العرفان بوصفه نظامًا معرفيًّا فاسدًا يقوم على أداة «الحدس والإشراق»، ويصدر عن الأفكار الغنوصيَّة والهرمسيَّة والأفلاطونيَّة الجديدة؛ إلى الحدِّ الذي تسلَّلت معه إلى سائر الأنظمة المعرفيَّة الأُخرى في الثقافة العربيَّة، وبذلك فإنَّها تتكفَّل بمسؤوليَّة إفساد أنظمة البيان والبرهان بمقدار تداخله معها[2].

من ناحية أُخرى يذهب الجابري إلى الادِّعاء بأنَّ نقده ليس لاهوتيًّا أو كلاميًّا، وإنَّما هو تحقيق في الحقل الإبستيمولوجي المختلف عن الحقل الكلامي الإلهي. ويذهب الجابري إلى الاعتقاد بأنَّ النقد اللَّاهوتي لا يندرج إلَّا ضمن إطار العلم والكلام القديم، وفي مثل هذه الحالة سوف يُؤدِّي إلى إحياء النزاعات القديمة بين

(276)

الفِرَق الكلاميَّة. كما يذهب محمّد عابد الجابري إلى الاعتقاد بأنَّ تحقُّق التقدُّم في الفكر العربي / الإسلامي، بحاجة إلى بيان عقلاني في جميع المسائل الفكريَّة[1]؛ ولكن حيث تكمن هذه العقيدة في حقل الكلام الدِّيني أيضًا، لا يكون مدَّعاه القائم على عدم امتلاك توجه لاهوتي وكلامي صائبًا وصحيحًا. يُضاف إلى ذلك أنَّ الجابري يعتبر التشيُّع مفتقرًا إلى الجذور الفكريَّة الأصيلة في التعاليم الإسلاميَّة، ويرى أنَّ منشأ التشيُّع هو تيَّار سياسي بحت؛ ويقوم الجابري -من هذا المنطلق وبالنظر إلى ادِّعائه المذكور آنفًا- بالخوض في الانتقادات الكلاميَّة.

إنَّ الناقدين للجابري ضمن نقدهم لنظامه الفكري، قد كتبوا أيضًا حول انتقاداته اللَّا علميَّة واللَّا معرفيَّة للفكر الشيعي أيضًا؛ ومن بين هؤلاء الناقدين: جورج طرابيشي في كتابه: «نقد العقل العربي»، ويحيى محمّد في كتابه: «نقد العقل العربي في الميزان»، وحسين الإدريسي في كتابه: «محمّد عابد الجابري ومشروع نقد العقل العربي»، وعليّ حرب في كتابه: «نقد النصِّ»، وكامل الهاشمي في كتابه: «دراسات نقديَّة في الفكر العربي المعاصر»، وإدريس هاني في مقاله: «الجابري واللَّا معقول الشيعي». حيث استفدنا من بعض هؤلاء الناقدين في هذه المقالة.

الشيعة في ميزان نقد الجابري:

إنَّ من بين تجلّيات نقد الجابري للنظام المعرفي للعرفان، انتقاده للأفكار الشيعيَّة. يرى الجابري أنَّ النظام البياني الذي يُمثِّل أيديولوجيَّة أهل السُّنَّة، يختلف

(277)

على طول الخطِّ مع الأيديولوجيا الشيعيَّة التي اختارت لنفسها النظام العرفاني[1]. يرى الجابري أنَّ التشيُّع يفتقر إلى جذور فكريَّة متأصِّلة في التعاليم الإسلاميَّة، وإنَّما هو مجرَّد تيَّار سياسي؛ حيث كان تكامله وازدهاره في إطار المذهب قد تبلور بإشارة من عبد الله بن سبأ[2]. ويذهب الظنُّ بالجابري إلى أنَّ منشأ الفكر الشيعي يعود إلى تعاليم الهرمسيِّين التي تحمل معها القول بتعطيل العقل بشكل كامل[3]. كما أنَّه قد استفاد في إثبات هذا المدَّعى من الشواهد التاريخيَّة والدِّينيَّة أيضًا؛ من قبيل: نفوذ الفكر الهرمسي في الفضاء الشيعي والعالم الإسلامي، واستقالة العقل في التعاليم الشيعيَّة، واستعانة المأمون العبَّاسي بالعقل الشمولي اليوناني في مواجهة الفكر الغنوصي للأئمَّة الشيعة، والتشابه الجوهري بين الفكر الشيعي والفكر الإسماعيلي، والتشابه الظاهري بين الأحاديث التأويليَّة الشيعيَّة مع أداة التأويل العرفاني[4]. وسوف نأتي في هذه المقالة على تحليل بعض هذه الموارد ومناقشتها.

1 - النزعة الهرمسيَّة في النقد الإبستيمولوجي للدكتور الجابري:

قال الجابري في قراءته للجذور الهرمسيَّة وارتباطها بالتراث العرفاني، نقلًا عن هنري كوربان[5]:

(278)

لقد كان الشيعة هم أوَّل من أدخل النزعة الهرمسيَّة في الإسلام، في حين أنَّه كان يرىٰ ذلك بمثابة «الحكمة اللدنيَّة أو الفلسفة النبويَّة»[1].

وقال الجابري في كتابه «تكوين العقل العربي»؛ في إثبات هذه المسألة ومن خلال الإحالة إلى المصدر الذي يستفيد منه هنري كوربان؛ أي ماسنيون[2]:

ليس من الغريب أنْ تكون الشيعة أوَّل من تهرمس في الإسلام، وأنْ يكون الإسلام قد عرف الهرمسيَّة قبل أنْ يعرف قياس أُرسطو وما ورائيَّاته كما يقول هنري كوربان[3].

وقال نقلًا عن ماسينيون بشأن هشام بن الحَكَم:

أمَّا المصدر الذي كان يغرف منه هشام بن الحَكَم فهو الأدبيَّات الهرمسيَّة بالذات. والحقُّ أنَّ الفكر الشيعي إذا كان قد تهرمس جزئيًّا مع الغلاة الأوائل فإنَّه بدأ يتهرمس منظوميًّا مع هشام بن الحَكَم[4].

إنَّ الجابري يدرج المعرفة الدِّينيَّة والعقيدة الشيعيَّة ضمن التيَّارات الدِّينيَّة غير المعقولة. وهو يتَّهم الشيعة بأنَّهم من أوائل المتهرمسين في الحضارة الإسلاميَّة.

(279)

لقد كان المركز الأساسي للتفكير الحرَّاني / الهرمسي في الكوفة، أي عاصمة التشيُّع، وقد اتَّخذت الفِرَق الشيعيَّة من الأفكار الهرمسيَّة وسيلةً لمواجهة الممثِّل الرئيس لأهل السُّنَّة[1]. لا يرى الجابري فرقًا بين الفِرَق المنسوبة إلى الشيعة، من قبيل: تيَّار الغلاة، ويرى أنَّ هذه المرحلة قد شهدت حضورًا فاعلًا للأفكار الهرمسيَّة والمانويَّة والهنديَّة والصوفيَّة أيضًا، وأنَّ المعرفة الشيعيَّة هي مزيج من هذه المعارف الآنفة التي ترعرعت إلى جوار مدارس الأئمَّة، ولا سيّما منهم الإمام جعفر الصادق عليه‌السلام[2].

مناقشة وتحليل:

من الواضح أنَّه لا يمكن إنكار وجود الاتِّجاهات العرفانيَّة بين كبار علماء الشيعة الذين يستقون من تعاليم وأحاديث الأئمَّة الأطهار عليهم‌السلام. إنَّ عدم اعتقاد الجابري بمرجعيَّة الأئمَّة، يُمثِّل واحدًا من أسباب نقده للاتِّجاهات العرفانيَّة لهؤلاء الكبار، وهذا بدوره يندرج ضمن الأبحاث الكلاميَّة.

إنَّ الإمام -في مصطلح الكلام الشيعي- خليفة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في جميع الشؤون الدِّينيَّة والدنيويَّة للمجتمع الإسلامي والهداية الإلهيَّة الشاملة. وعلى هذا الأساس يكون الإمام حائزًا على جميع مناصب وشؤون النبيِّ ما عدا النبوَّة. ومن هنا يكون الإمام متَّصفًا بالخصائص الآتية وهي أنَّه: منصوب من قِبَل الله، ومتَّصف بالعصمة، ويمتلك علمًا لدنّيًّا بجميع الأُمور الدِّينيَّة. إنَّ المتكلِّمين من أهل السُّنَّة يخالفون الشيعة، ويعتبرون الإمامة منصبًا عاديًّا وغير إلهي؛ يكتسبه الشخص

(280)

باختيار الناس له ولاسيّما منهم المهاجرين والأنصار، أو العلماء من أهل الحلِّ والعقد[1].

ومن ناحية أُخرى فإنَّ الجابري قد أخذ معرفته بتراث العرفان الإسلامي من هنري كوربان، ومعرفة كوربان -بدوره- للتشيُّع ناشئة في الغالب من معرفته بالفِرَق الباطنيَّة، حيث كان شديد البُعد عن التعاليم العلويَّة والإسلاميَّة الحقيقيَّة؛ وذلك بسبب انجذاب ذهنيَّته من أوَّل الأمر نحو الباطنيَّة، وقد زاد من قوَّة هذا المنهج الفكري دراسته لآثار العرفاء من المسيحيِّين والاعتماد على دروس ماسينيون ولقائه بمارتن هايدغر. لقد واكب المتطرِّفين من الباطنيِّين في الاعتقاد بالتعارض بين ظاهر الإسلام وباطنه، وحيث كان يرى الشيعة من الباطنيِّين، فقد ذهب به الظنُّ إلى أنَّ الشيعة الحقيقيِّين وكذلك الفلاسفة والصوفيِّين الحقيقيِّين هم الذين خرجوا لمعارضة الأحكام الظاهريَّة للإسلام ومحاربتها. إنَّ هذا الشكل من الباطنيَّة يُعَدُّ -من وجهة نظره- مورد تأييد من وجهة نظر أئمَّة الشيعة، وأنَّهم قد تحدَّثوا في آثارهم عن جميع أسرار هذا الشكل وموارده. إنَّ موارد زلل كوربان في معرفة الإسلام والتشيُّع كثيرة، بيد أنَّ أساسها يقوم على النزعة الباطنيَّة والتأويليَّة، وإنَّ الإطار الرئيس لتفكيره قريب من الفكر الإسماعيلي. وبشكلٍ عامٍّ يمكن القول: إنَّه لم يكن موفَّقًا في التعرُّف على حقيقة الإسلام[2].

(281)

ويقول هنري كوربان نفسه:

وليس من العجب أنْ يكون الشيعة أوَّل من «تهرمس» في الإسلام. فالفلسفة النبويَّة عند الشيعة -من جهة- قد تبادر إلى ذهنها تلقائيًّا إلى أيِّ طبقة نبويَّة ينتمي «هرمس». فهو لم يكن رسولًا مُشرِّعًا مكلَّفًا بأنْ يُعلِن للناس عن شريعة جديدة، بل إنَّ دوره في «تاريخ الرُّسُل القدساني» هو دور نبيٍّ أُرسل لكي يُنظِّم الحياة في المُدُن المتحضِّرة، ويُعلِّم أهلها الأُمور التقنيَّة والفنّيَّة[1].

وفي إطار المزيد من التحقيق بشأن هويَّة هرمس والتعرُّف عليه بشكل أكبر، نجد من خلال الرجوع إلى كتاب الملل والنحل للشهرستاني قوله:

هرمس العظيم المحمودة آثاره، المرضيَّة أقواله وأفعاله، الذي يُعَدُّ من الأنبياء الكبار، ويقال: هو إدريس النبيِّ صلى‌الله‌عليه‌وآله[2].

وقيل أيضًا: هناك اختلاف بشأن شخصيَّة هرمس؛ فهل هو النبيُّ إدريس، أو من أيِّ شخص أخذ العلم قبل النبوَّة؟ وهناك من قال: إنَّه وُلِدَ في مصر، وسُمّي بـ «هرمس الهرامسة». وقال بعض: إنَّه يوناني اسمه «آرميس» وقد تمَّ تعريبه إلى «هرمس» بمعنى عطارد، وهو عند العبرانيِّين خنوخ وتعريبه أخنوخ، وقد سمَّاه الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم بـ «إدريس»، وكان اسم معلِّمه «أغاثاديمون»[3].

(282)

ومع هذا الاختلاف والاضطراب في مصادر التعريف بشخصيَّة هرمس وهويّته، تراه مصادر التراث هو النبيُّ إدريس عليه‌السلام، وليس هذا من وجهة نظر الكاتب جورج طرابيشي أمرًا عجيبًا في الفضاء الحاكم على الثقافة العربيَّة / الإسلاميَّة. بل لا يبدو هذا الأمر مستغربًا حتَّى في المعقول الدِّيني لتلك الثقافة أيضًا؛ وذلك لأنَّ أغاثاديمون المصري ينطبق من حيث الهويَّة على النبيِّ شيث بن آدم عليه‌السلام، وأنَّ هرمس يُمثِّل مثلَّث الحكمة المصريَّة، حيث يُجمِع المؤرِّخون للمعقول الدِّيني والمعقول العقلي على أنَّه والنبيَّ إدريس عليه‌السلام شخص واحد[1].

ويعود السبب في بحث هويَّة هرمس وجذوره، إلى اكتشاف الجواب عن السؤال القائل: لماذا وصف الجابري هرمس والصفة المشتقَّة منه (هرمسي) بـ «العقل المستقيل»؟ ولماذا تجاهل جذوره النبويَّة؟ هل يعود هذا التوصيف إلى جذور المعرفة الهرمسيَّة التي تكتسب معرفتها ومصادرها من الوحي الغيبي؟ وبالتالي ألَا تُشكِّل وسائلها وأدواتها ونتائجها تحدّيًا بالنسبة إلى العقلانيَّة بمفهومها عند الجابري، مع أنَّ الجابري يذهب في مواضع أُخرى في قراءة الخطاب النبوي –ولا سيّما الخطاب المحمّدي- إلى اعتباره مطابقًا للخطاب العقلاني؟

ربَّما كان الجواب عن هذه الأسئلة يكمن في هذه الحقيقة، وهي أنَّ الجابري في هذا الموضوع قد اعتبر خطاب المستشرقين قطعيًّا وكافيًا؛ وهم المستشرقون الذين تختلف أدواتهم عن الأدوات المعرفيَّة لذلك الشخص الذي يعتبر المعرفة القرآنيَّة في سياق حركة الأنبياء. إنَّ النقطة الأهمّ التي تجاهلها الجابري هي أنَّ الخطاب النبوي

(283)

كان في طول حركة الأنبياء، وقد تمَّ أخذ تحوُّل وتطوُّر الذهن البشري في هذه الحركة المنهجيَّة والمدروسة أيضًا؛ كما تمَّت رعاية التدرُّج في الخطابات الإلهيَّة للبشر[1].

وقال عليّ حرب في هذا الشأن:

أنا أُعارض الجابري.. في منهج تناوله للفكر الفلسفي العربي، ولنأخذ المعالجة الإبستمولوجيَّة.. من المعلوم أنَّ المنهج الإبستمولوجي لا يقوم على النظر فيما ينتجه الفكر من آراء وتصوُّرات ونظريَّات ومذاهب، بل يقوم على البحث عن أُصول التفكير ومعاييره وقواعده، ويهتمُّ بتحليل الآليَّات والطرائق والأجهزة التي يستخدمها العقل في إنتاجه للمعارف التي يُنتجها في شتَّى الميادين العلميَّة.. ولا مراء في أنَّنا نحن اليوم نختلف في طرائق تفكيرنا وفي أدوات تحليلنا عن القدماء.. فعقلانيَّتنا ليست كعقلانيَّتهم، وأدوات تفكيرنا مغايرة لأدواتهم، وآليَّاتنا المنهجيَّة تبدو أكثر مرونةً وفعاليَّةً من آليَّاتهم. ولكن النظر إليهم من منظار إبستمولوجي صرف يؤول إلى إقصائهم، إلى اعتبار ما أبدعوه (مادَّة معرفيَّة ميِّتة) كما يقول الجابري في حكمه على النتاج الفكري الذي خلَّفه الفلاسفة المسلمون[2].

وعليه فإنَّ قراءة الجابري بالنسبة إلى الموضوعات الدِّينيَّة، إنَّما هي قراءة استشراقيَّة وتقوم على قراءة المعطيات من الخارج، وليس من الداخل، إلى الحدِّ الذي يبلغ به إلى رؤية حتَّى الدعوة الإسلاميَّة من الخارج أيضًا[3].

(284)
2 - ادِّعاء استقالة العقل في التراث العرفاني:

لكي يُثبِت الجابري أنَّ العرفان ليس له جذور في الإسلام العربي الخالص، فإنَّه يرجع إلى الفلسفة الأُرسطيَّة، ويأتي بنصٍّ من كتاب في سماء أُرسطو؛ ليُثبِت من خلاله «عدم عقلانيَّة العرفاء» الذين يُمثِّلهم الفيثاغوريُّون[1]:

منذ أنْ تعرَّف العرفاء على الفيثاغوريِّين، اختاروا المماثلة بوصفها منهجًا لهم[2].

لقد أقام أُرسطو لا عقلانيَّة العرفاء على أساس مماثلة الفيثاغوريِّين، وقد اعتمد الجابري على الأدوات ذاتها؛ ليعمل على ربط التراث العرفاني والنزعة الهرمسيَّة بدائرة اللَّا معقول[3]؛ رغم أنَّه لا يُعمِّم هذا الرأي على جميع مساحات الإسلام، ويفصل دائرة أهل السُّنَّة عن الشيعة، ويُؤكِّد على مقولة «استقالة العقل في التراث الشيعي»، ويصف تفصيل هذه الاستقالة بالاتِّجاه الهرمسي؛ ليكشف عن التعقيدات المرتبطة بشكل وثيق مع «الفلسفة الشيعيَّة»[4]. طبقًا لرأي الجابري فقد تمَّ تأسيس الثقافة الإسلاميَّة على أساس ثلاثة أنظمة معرفيَّة، وأنَّ النظام البرهاني منها قد دخل في هذه الثقافة لكي يعمل على تثبيت لحظة جديدة للمرَّة الأُولى في هذه الثقافة، وهي لحظة حضور العقل الكوني[5] فيه[6].

(285)

إنَّ نتيجة المدَّعيات المتقدِّمة من الجابري هي أنَّ منطق الاستدلال العقلي إنَّما وجد طريقه إلى معارفنا بعد تسجيل النظام البرهاني، وأوجد لحظة جديدة في هذه الثقافة مع حضور العقل الكوني، وذلك بعد أنْ لجأ «الشيعة إلى الغنوصيَّة والعقل المستقيل، ليُؤكِّدوا استمرار الوحي في أئمَّتهم. ثمّ استعان المأمون العبَّاسي بالعقل الكوني اليوناني؛ ليعمل على تعزيز ناحية المعقول العربي، كما قام العقل المعتزلي بتثبيته وأسَّس لواقعيَّته السياسيَّة»[1].

مناقشة وتحليل:

لقد أشكل البعض قائلًا:

لو تمَّ تثبيت حضور منطق الاستدلال العقلي للمرَّة الأُولى من خلال استعانة المأمون بالعقل الكوني اليوناني، فهل كان هذا المنطق - الذي يُسمِّيه الجابري بـ «العقل العربي / الإسلامي الخالص» - غائبًا في النصوص الدِّينيَّة وفي مرويَّات الصحابة؟ وهل كانت معرفة النصوص الدِّينيَّة ومصادرها في الخطاب الذاتي مفتقرة إلى مثل هذه الأساليب والمناهج في الاستدلال العقلي؟ وبالتالي كيف كانت الوضعيَّة المأثورة عن الصحابة؟ هل هي ضمن النصوص الدِّينيَّة أو ضمن النصوص البشريَّة[2]؟

لقد كان المستشرق [الألماني][3] جولد تسيهر[4] قد سبق الجابري في الإشارة إلى

(286)

هذه المسألة، وهي أنَّ المعتزلة هم أوَّل من عمل على توسيع دائرة المعرفة الدِّينيَّة من خلال إدخال عناصر أُخرى إلى هذه الدائرة، بمعنى العقل الذي كان حتَّى ذلك الحين منبوذًا ومطرودًا[1]. وقد ذهب الجابري -بالاستناد إلى هذه القاعدة- إلى الادِّعاء بأنَّ الاعتزال كان سلاحًا بيد المأمون في نبذ ثقافة العقل المستقيل لدى الشيعة[2].

ربَّما كان الرأي الذي يذهب إليه جمهور المحقِّقين هو الاعتقاد بأنَّ الشيعة كانوا متأثِّرين بالمعتزلة في اتِّخاذ الأُسلوب العقلي، بيد أنَّ الحقيقة هي العكس تمامًا؛ بمعنى أنَّ المعتزلة هم الذين تأثَّروا بالشيعة، وأنَّ الشيعة كانوا هم السابقين على المعتزلة في العقيدة. من خلال الرجوع إلى كتاب الصاحب بن عبَّاد يتَّضح أنَّ كبار الشيعة كانوا كبار المعتزلة، إلَّا في بعض الموارد النادرة، وقد بلغ هذا الارتباط ذروته بين الطرفين في منتصف القرن الهجري الرابع، وكانت نهايته في شخص الصاحب بن عبَّاد، حيث تولَّى قيادة الاعتزال والتشيُّع في النصف الثاني من ذلك القرن، وبلغ مكانة مرموقة في الحضارة الإسلاميَّة[3].

إنَّ أوَّل شخص أثار مسألة تأثُّر الشيعة بالمعتزلة هو الخيَّاط المعتزلي (م: 300هـ). فليس هناك من سبق الخيَّاط في إثارة هذا الكلام. وبطبيعة الحال فإنَّه قد ألَّف كتابه سنة 269 للهجرة، وقد سبقه الجاحظ بسنوات في الهجوم على الشيعة في كتابه فضيلة المعتزلة؛ بيد أنَّنا لا نمتلك حاليًّا أيَّ معلومات عن هذا

(287)

الكتاب وما اشتمل عليه من المضامين النقديَّة التي أثارها الجاحظ فيه.

وكان الشخص الذي نسب هذا الشيء إلى الشيعة بعد الخيَّاط هو أبو الحسن الأشعري[1]، وأمَّا بعد الأشعري فإنَّ من بين الذين واصلوا تكرار هذا الكلام هو ابن تيميَّة[2]. ومن بين المتأخِّرين الذين أعادوا اجترار هذا الكلام، هو أحمد أمين المصري[3]. وقد ذهب الشيخ إسحاق بن عقيل -مؤلِّف كتاب: الفِرَق الإسلاميَّة- إلى القول بأنَّ الشيعة يميلون إلى المعتزلة أو أنَّهم من المشبِّهة، ولكنَّه بطبيعة الحال لا ينسب ذلك إلى المعتزلة، ولا يسنده إلى المصادر الشيعيَّة[4].

وإلى جانب هذا الصنف من المؤلِّفين المسلمين، ذهب بعض المستشرقين إلى تكرار هذه المدَّعيات أيضًا، ولا سيّما أُولئك الذين يستندون إلى فرضيَّة أنَّ ظهور الشيعة يعود إلى صراع سياسي واجتماعي صرف، وليس للأسباب الدِّيني أيَّ دور في ظهورهم. وقد ذهب المستشرق الألماني آدم متز[5] بدوره، قائلًا:

إنَّ الشيعة هم ورثة المعتزلة في العقائد والمناهج الكلاميَّة، وإنَّ قلَّة اهتمام المعتزلة بالمرويَّات يُعَدُّ من بين الموارد التي تنسجم مع مقاصد الشيعة، فلم يكن للشيعة مذهب كلامي خاصٌّ حتَّى القرن الرابع للهجرة[6].

(288)

وفي الاتِّجاه ذاته، ذهب مونتغمري واط إلى القول:

إنَّ الإماميَّة لا يبتعدون كثيرًا عن بعض المعتزلة في رؤيتهم، ولكن ليس من الواضح كيف كان تأثير المعتزلة بشكل دقيق، ومن أيِّ طريق جاء هذا التأثير[1].

وعلى الرغم من الادِّعاءات المتقدِّمة، هناك الكثير من الأدلَّة التي تُثبِت أنَّ المعتزلة كانوا هم الذين تأثَّروا بالشيعة، ومن بينها: أنَّ الأبحاث الكلاميَّة كانت مطروحة في العالم الإسلامي قبل ظهور المعتزلة بزمن طويل، وكان أئمَّة الشيعة هم أفضل من يستطيع إبداء الرأي في المسائل الكلاميَّة والاعتقاديَّة. وقد انتقلت هذه المسائل الكلاميَّة من الأئمَّة بواسطة الحسن البصري الذي كان أُستاذًا لواصل بن عطاء، ومنه إلى سائر المعتزلة.

الشاهد الآخر، نزوع بعض المعتزلة إلى التشيُّع؛ في حين لم يسبق أنْ حدث لشخص أمضى عمرًا في التشيُّع، ثمّ انجذب نحو المعتزلة. ومن بين العلماء المعتزلة الذين انجذبوا إلى التشيُّع، يمكن لنا أنْ نشير إلى: ابن قبة الرازي -الذي كان في بداية أمره من المعتزلة، وقد تُوفّي قبل مرحلة الشيخ المفيد، والشريف الرضي، والسيِّد المرتضى بفترة طويلة- ومحمّد بن عبد المَلِك بن محمّد بن التبان، ومحمّد بن مملك الأصفهاني، وعليّ بن محمّد بن عبَّاس، وعليّ بن عيسى، والرمَّاني البغدادي.

ومن بين الأشخاص الذين قيل: إنَّه قد تأثَّر في قسم من أفكاره بالشيعة هو: النّظّام. وقد كان هذا التأثير يعود إلى ارتباطه ومباحثاته مع هشام بن الحَكَم. لقد

(289)

كان النّظّام متماهيًا مع الشيعة في إنكار القياس، وإنَّ الكثير من الأمثلة التي ذكرها في ردِّ القياس، قد وردت في كلام الإمام الصادق في الردِّ على أبي حنيفة. كما كان ابن الراوندي وأبو عيسى الورَّاق من المعتزلة، ثمّ اعتنقوا التشيُّع، ولا سيّما ابن الراوندي الذي أورد أبلغ الانتقادات على المعتزلة[1].

3 - ادِّعاء أنَّ الشيعة تيَّار مناهض للعقل:

قال الجابري:

إنَّ جميع من له إلمام بأحداث القرن الهجري الأوَّل، يعرف كيف أنَّ مصادرنا التاريخيَّة - أو بعضها على الأقلّ - (المصادر السُّنّيَّة عمومًا)، تجعل «الفتنة» زمن عثمان من تدبير شخص اسمه «عبد الله بن سبأ».. وقد أطلقت مصادرنا التاريخيَّة على حركة المعارضة لمعاوية اسم «السبئيَّة» نسبةً إلى عبد الله بن سبأ[2].

وبذلك فإنَّ الجابري يذهب إلى الاعتقاد بأنَّ التشيُّع إنَّما تحوَّل إلى مذهب بإشارة من عبد الله بن سبأ اليهودي المتظاهر بالإسلام، وهي رؤية تقوم -طبقًا لتقريره السابق- على المصادر السُّنّيَّة. إنَّ التشيُّع الذي تبلور من الناحية السياسيَّة كنتيجة للظروف التاريخيَّة الخاصَّة، سرعان ما عمل على تنظيم تعاليمه ومفاهيمه المستوردة؛ فكان هشام بن الحَكَم من الشيعة الإماميَّة، وميمون بن قداح من الإسماعيليَّة[3].

إنَّ الجابري يعمل بهذا الأُسلوب على تأسيس منظومة أصحاب الملل والنحل،

(290)

يتمُّ إصلاح جميع عناصرها في هذا الخطاب. وفي هذا البين هناك مشروعيَّة وأُصول ـ يمكن للخصم الشيعي أنْ يحتجَّ بها، ويرى أنَّ جذور هذه الهويَّة تكمن في تاريخ الإسلام ـ يقف الإمام عليّ عليه‌السلام في محطَّتها الأُولى، وهي المحطَّة التي وقعت فيها الثورة وآتت أكلها. حتَّى كان تواصل هذه الثورة يُعَدُّ بدوره خروجًا وانحرافًا عن الدِّين؛ ثمّ يظهر عبد الله بن سبأ فجأةً؛ ليعمل على تغيير مسار التاريخ، ثمّ تكتمل هذه المسرحيَّة بحضور الإمام الصادق عليه‌السلام وحاشيته المتهرمسة. إنَّ معنى هذا الادِّعاء أنَّ شخصًا آخر في المحطَّة الأخيرة هو الذي أنهى الصفحة السياسيَّة الأُولى؛ بحيث لا يبقى أثر من ذلك في دائرة البيان أو المعقول الدِّيني الحاكم. والشيء الوحيد الحاضر من تلك المحطَّة السياسيَّة هو تشيُّع باهت ومضلَّل يتمثَّل في رثائيَّة - هي من الناحية الميثولوجيَّة والتضليل - شبيهة برثائيَّة اليهود. وقد أنهى الجابري هذا النزاع دون أنْ يُحدِّد متى ومن هو الذي ختم هذا النزاع[1].

مناقشة وتحليل:

لقد تأثَّر الجابري -في معرفة مذهب التشيُّع والتعريف به- مرَّةً أُخرى بمصادر غير موثوقة. إنَّ بعض المصادر التاريخيَّة لأهل السُّنَّة تعتبر عبد الله بن سبأ مؤسِّسًا لمذهب التشيُّع. فقد قام ابن سبأ -طبقًا لهذه المصادر- بتأسيس الفرقة السبئيَّة، وقالت هذه الفرقة بتأليه الإمام عليٍّ عليه‌السلام. وهناك من ادَّعى أنَّ مذهب التشيُّع هو من نتاج بنات أفكار ابن سبأ اليهودي. وأنَّ أوَّل من ذكر اسم عبد الله بن سبأ هو الطبري[2] في كتابه تاريخ الأُمَم والملوك[3]. في حين أنَّ المصادر الأهمّ في

(291)

تاريخ الإسلام، من قبيل: طبقات ابن سعد[1]، وأنساب الأشراف للبلاذري[2]، عندما تتحدَّث عن مرحلة خلافة عثمان ومقتله، لا تأتي على ذكر شخص اسمه عبد الله بن سبأ[3].

وعلى هذا الأساس فإنَّ الطبري هو أوَّل من جاء على ذكر اسم عبد الله بن سبأ، ثمّ سار الآخرون على إثره. وطبقًا لما قاله الطبري نفسه فقد كان عبد الله بن سبأ شخصًا يهوديًّا أسلم في خلافة عثمان بن عفَّان. وقد اعتقد ابن سبأ أنَّ النبيَّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله سوف يرجع مثل النبيِّ عيسى عليه‌السلام، وأنَّ عليًّا عليه‌السلام هو خليفة النبيِّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله، وأنَّ عثمان غاصب لحقِّ عليٍّ؛ ولذلك يجب على الأُمَّة الإسلاميَّة أنْ تقوم بثورة تطيح بعثمان وتعيد الحكم إلى الإمام عليِّ بن أبي طالب عليه‌السلام.

وهناك من أنكر وجود مثل هذه الشخصيَّة، واعتبرها من مختلقات أعداء الشيعة وخصومهم. وقد ذهب بعض الباحثين والمحقِّقين، ومن بينهم: العلَّامة السيِّد مرتضى العسكري[4] في كتابه عبد الله بن سبأ وأساطير أُخرى، وطه حسين[5] في كتابه الفتنة الكبرى، من خلال تحقيق وبحث تاريخي / رجالي، إلى القول بأنَّ

(292)

منشأ أُسطورة عبد الله بن سبأ تعود إلى شخص وضَّاع اسمه سيف بن عمر، وقد اختلق هذا الرجل الكثير من الأساطير.

لقد عمد العلَّامة السيِّد مرتضى العسكري في كتابه إلى تتبُّع منشأ هذه الأُسطورة؛ فنقَّب في المصادر والروايات المتقدِّمة والمتأخِّرة لهذه الأُسطورة، وبعد بحث تفصيلي في المصادر، توصَّل إلى نتيجة مفادها أنَّ هذه الأُسطورة قد رويت في أربعة مصادر فقط، وهي: تاريخ الأُمَم والملوك للطبري، وتاريخ مدينة دمشق لابن عساكر[1]، والتمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان بن عفَّان لابن أبي بكر[2]، وتاريخ الإسلام للذهبي[3]، وأنَّ هذه المصادر الأربعة تروي الأُسطورة السبئيَّة مباشرةً أو بواسطة أحد هذه المصادر الأربعة (ولا سيّما تاريخ الطبري)، إلى شخص واحد فقط، وهو سيف بن عمر[4].

ومن خلال دراسة أحاديث سيف بن عمر، يمكن لنا أنْ نستنتج أنَّ رجال الحديث قد وصفوه بعبارات، من قبيل: ضعيف، وكذَّاب، ومتروك الحديث، ومتَّهم بالزندقة، واعتبروا أحاديثه منكرة[5].

(293)

ومن هنا فإنَّ قصَّة حياة عبد الله بن سبأ، والقول بأنَّه شخص يهودي من أهل صنعاء في اليمن، وأنَّه تظاهر بالإسلام في زمن عثمان بن عفَّان، وأخذ يمارس المكر والاحتيال علىٰ المسلمين متنقِّلًا بين الحواضر الإسلاميَّة الكبرى، مثل: الشام والكوفة والبصرة ومصر، يحضر تجمُّعات المسلمين وينشر دعوته بينهم، ليست سوى أُسطورة اختلقها سيف بن عمر[1]. لقد كان سيف بن عمر في الأصل مانويًّا من أهل الكوفة (الحاضرة الأصليَّة للزنادقة والغلاة في القرنين الأوَّلين من الهجرة)، وكان زنديقًا يتظاهر بالإسلام، وقد كان العلماء يُكذِّبونه ويرونه وضَّاعًا ومختلقًا للأحاديث. يبدو أنَّ هذا التيَّار كان يهدف إلى تشويه عقائد الشيعة من خلال ربطها بجذور يهوديَّة، وذلك عبر شخصيَّة وهميَّة ومختلقة باسم عبد الله بن سبأ.

يذهب البعض إلى الاعتقاد بأنَّ المصادر التي اعتمدها الجابري في دراسة الفكر الشيعي، تحكي عن عدم الإحاطة والعجز عن الفصل بين مختلف الفِرَق الشيعيَّة، ولا سيّما منها الإسماعيليَّة والاثنا عشريَّة على مستوى العرفان الشيعي. وبغضِّ النظر عن ذلك هناك في أعماله مصادر في غاية الضعف؛ بحيث يشكل اعتبارها بمثابة مرجع لتقديم رؤية كاملة عن التشيُّع. وفي المقابل يمكن لنا الإشارة إلى عدد من المصادر الاستشراقيَّة، من قبيل أبحاث هنري كوربان -التي لم يمتلك الجابري حتَّى فهمًا دقيقًا لها- والمصادر الكثيرة من المؤلَّفات ذات الاتِّجاه السلفي أو السُّنّي الأشعري[2]، ومن بينها: مقالات الإسلاميِّين واختلاف المصلِّين للأشعري، والفرق بين الفِرَق لعبد القاهر البغدادي، ونهاية الإقدام في علم الكلام للشهرستاني،

(294)

والمسائل في الخلاف بين البصريِّين والبغداديِّين لأبي رشيد النيسابوري، والفتاوي لابن تيميَّة[1].

4 - عدم معرفة الجابري بالتراث الشيعي الأصيل:

لقد عمد الجابري إلى تجريح الأُسلوب الفذِّ الموجود في الفكر الشيعي المختلف عن العرفان والغنوصيَّة، وحكم بباطنيَّة جميع الشيعة. لم يُدرك الجابري الاختلاف بين الطبقات والمذاهب، ولم يُدرك الفرق الجوهري بين العرفاء والإماميَّة، ولم يمتلك وعيًا دقيقًا بتراث الإماميَّة على مستوى علم الأُصول، والدراية، والفقه الاستدلالي، والعقل البرهاني الحاكم على العلوم الشرعيَّة الإماميَّة في القرن الرابع للهجرة. وفي هذا القسم نشير إلى بعض الموارد، ومن بينها ما يلي: لقد أبدى الجابري تجاهلًا بالنسبة إلى الاجتهاد والمسائل المرتبطة به، من قبيل: بناء العقلاء، ومباحث الألفاظ التي أدخلها الإماميَّة في علم الأُصول والمنطق، ومفهوم القرينة، والحدِّ الوسط في القياس المنطقي الذي بحثوه بدقَّة، وادَّعى أنَّ العرفاء بشكلٍ عامٍّ والشيعة الباطنيَّة بشكلٍ خاصٍّ لم يكونوا يلتزمون بها. يرى الجابري في عدم عمل الشيعة بالقياس الفقهي امتناعًا عن العمل بجميع أنواع القياس، حتَّى القياس المنطقي منها[2].

لقد عمد الجابري إلى إعادة الوسيلة الذهنيَّة -التي يستند إليها العرفاء والشيعة في «تأويل الخطاب القرآني»، أي مفهوم «الاعتبار أو الإشارة»، الذي هو «القرينة» عند المتكلِّمين، و«الحدُّ الوسط» عند المناطقة، و«العلَّة» عند الفقهاء-

(295)

إلى مفهوم «المماثلة»[1]. إنَّ هذا المفهوم تعبير عن القاعدة العرفانيَّة «النظير يذكر مع النظير»، أو مفهوم «المثل والممثول» عند الإسماعيليَّة.

يذهب الجابري إلى الاعتقاد بأنَّ التفسير الشيعي عند الاستفادة من «المماثلة» يجب أنْ يُستفاد منه في إطار الوسيلة لتوضيح المفهوم فقط، وما دام له وظيفة تمثيليَّة فلا مشكلة؛ ولكن يبدو أنَّ الشيعة قد خرجت من دائرة هذا الاستعمال؛ لتخلق فضاء آخر من المطابقة والمماثلة. وبذلك يذكر الجابري مثالًا من تفسير الشيعة بشأن قوله تعالى: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ) [2]. وقال في ذلك:

إنَّ الشيعة يذهبون في تفسير هذه الآيات إلى الاعتقاد بأنَّ المراد من «البحرين» عليٌّ وفاطمة عليهما‌السلام، وأنَّ المراد من «البرزخ» محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله، وأنَّ المراد من «اللؤلؤ والمرجان» الحسن والحسين عليهما‌السلام. وبذلك فإنَّهم لم يقوموا بسوى المماثلة بين تركيبين. وإنَّ عناصر التركيبة الأُولى هم: عليٌّ وفاطمة ومحمّد والحسن والحسين، وصلة القرابة القائمة بينهم، ممَّا يُشكِّل عناصر البنية الأصليَّة. وعناصر التركيبة الثانية هي: البحران والبرزخ واللؤلؤ والمرجان، والصلة القائمة بينها. وهذه البنية تُمثِّل الفرع، وإنَّ ارتباط المماثلة بين هذين التركيبين عبارة عن: محمّد / عليّ / فاطمة، البرزخ / البحر / البحر، عليّ / فاطمة / الحسن / الحسين، البحر / البحر / اللؤلؤ / المرجان[3].

إنَّ نظرة الجابري إلى العقل الشيعي تقوم على رؤية الشيعة في خصوص

(296)

الإمامة والعصمة؛ ومن هنا فإنَّه يرى أيَّ اعتقاد بالإمامة والعصمة نموذجًا من العقل المستقيل الذي هو مرفوض من وجهة نظره. يذهب الجابري إلى الاعتقاد بأنَّ الإيمان بتنصيب وتعيين وعصمة الإمام لا ينسجم مع العقل السليم، وهو ناشئ من الرؤية العرفانيَّة والباطنيَّة التي تضع العقل في حالة من التعليق، وتقيم أُسُسها الفكريَّة على الحدس والوجدان، ومن هنا يزعم الجابري أنَّ جميع التراث الشيعي مقتبس من الهرمسيَّة[1].

لقد أقام الشيعة اعتقادهم على الوصيَّة وعصمة الإمام، وبالتالي على وراثة النبوَّة، بمعنى الشيء الذي يكون من لوازمه امتلاك الحقِّ في وراثة الخلافة أو الحاكميَّة، وكان الشيعة على الدوام متأثِّرين بالهرمسيَّة، وعلى هذا الأساس كان أنْ أخذوا فلسفة نبوَّتهم منها. ومن هناك كان ماسنيون يقول: «إنَّ الشيعة هم أوَّل من تهرمس في الإسلام»[2].

يدَّعي الجابري أنَّ العرفاء عمومًا -سواء في ذلك الشيعة الإماميَّة أو الإسماعيليَّة- يرون في العقل حجابًا. وهو يرى أنَّ إخوان الصفا من أنصار العقل المستقيل، ويعتبر تأليفاتهم من المدوِّنات الهرمسيَّة التي تقع في الجهة المقابلة للعقل والعلم والفلسفة، وأنَّها في الحقيقة تُمثِّل ردًّا من قِبَل الشيعة الإسماعيليَّة على المأمون الذي كان قد لجأ إلى العقل اليوناني. إنَّه يذهب إلى الاعتقاد بأنَّ الغنوص كان يحارب الإسلام دينيًّا وسياسيًّا، وفي هذا النضال استعان الإسلام بالفلسفة اليونانيَّة،

(297)

وعُني بإيجاد عالم من العلوم الدِّينيَّة العقليَّة يشبه عالم العصر المدرسي في أُوروبا في العصور الوسطى؛ فكأنَّ الإسلام الرسمي قد تحالف إذن مع التفكير اليوناني والفلسفة اليونانيَّة ضدَّ الغنوص، ومن هنا نستطيع أنْ نُفسِّر حماسة الخليفة المأمون على ترجمة أكبر عدد ممكن من مؤلَّفات الفلاسفة اليونانيِّين إلى العربيَّة. يرى الجابري أنَّ الغنوصيَّة والهرمسيَّة تيَّاران خطران على الإسلام؛ وذلك لكونهما أجنبيَّين عن فضاء الثقافة العربيَّة، وأنَّ العرفان مظهر من مظاهر الهرمسيَّة التي تسلَّلت إلى الثقافة العربيَّة[1].

دراسة وتحليل:

لقد اعتبر الجابري أنَّ جذور المماثلة فيثاغورسيَّة، وسحب استعماله «الإشاري» إلى المطابقة؛ في حين أنَّ التفسير الإشاري قد تبلور على أساس الإشارات المستورة والمخفيَّة ضمن آيات القرآن، وعلى مبنى العبور من الظواهر والوصول إلى باطن القرآن الكريم؛ بمعنى أنْ يُفهَم من خلال دلالة الإشارة مفهومًا باطنيًّا من عبارات القرآن والتي لم يتمّ التصريح بها في ظاهر الآيات. وبعبارة أُخرى: إنَّ إشارات الآية هي من لوازم الكلام، وبذلك فإنَّها تكون من نوع الدلالة الالتزاميَّة[2]. إنَّ الجابري يغفل بذلك عن الاختلاف الجوهري بين أدوات التأويل العرفاني والتفسير الشيعي. وهذه مسألة طبيعيَّة؛ وذلك لأنَّ معرفة هذا الأمر الذي ليس من جذور العقل المماثل في الأجنبي -بل هو متجذِّر في التعاليم الإسلاميَّة- خارج حقل تخصُّص

(298)

الجابري. إنَّ النصوص القرآنيَّة والروائيَّة وأقوال أئمَّة الشيعة بدورها تشتمل على هذه المفاهيم، ولهذا السبب تمَّ حرق نُسَخ من القرآن الكريم في عهد عثمان بن عفَّان، مثل مصحف ابن مسعود ومصحف ابن عبَّاس (من القُرَّاء الذين أيَّدهم رسول الله وأضفى المشروعيَّة لهم).

إنَّ جذور التأويل تعود إلى عصر النزول، بحيث إنَّه قد تمَّ التأسيس منذ عصر تدوين القرآن لمفاهيم من قبيل: الإجماع، وأولويَّة الظهور العُرفي للألفاظ، وتقسيم المعاني إلى الحقيقة والمجاز، والمعنى الحصري للفظ واحد، وهذه بأجمعها واحدة من أهمّ أُسُس التأويل، بمعنى فكرة «تعدُّد الوجوه». ففي عصر الرسالة وبعدها -حتَّى ما قبل مرحلة التدوين- لم تكن عادة القُرَّاء تقوم في تفسير القرآن على أساس المعيار البياني القائم على البرهان الصوري -حيث يكون اللفظ متحكِّمًا بالمعنى- وإنَّما كانوا يلجأون إلى التأويل بواسطة «تعدُّد الوجوه» أو «تعدُّد القراءات». وبذلك فقد ارتبطت الفتاوى -وتبعًا لها الفقه والدراية- بالتأويل في مفهوم ما قبل التدوين.

يمكن العثور في التفسير المأثور على نماذج من المماثلة في فهم النصوص، ومن بينها تفسير النبيِّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله لكلمة الظلم في قوله تعالى:(الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) [1]، حيث فسَّرها النبيُّ الأكرم بالشرك من خلال إرجاعها إلى وصيَّة لقمان لابنه في قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) [2]. إنَّ هذا الأُسلوب التفسيري من قِبَل النبيِّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله، أُسلوب يقوم عليه التأويل وملاك تفسير القرآن بالقرآن.

(299)

وهكذا الأمر بالنسبة إلى فهم كلام الله سبحانه وتعالى في قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [1]، أي المشركون، وبذلك يغدو الارتباط المعنوي بين الشرك والكفر والظلم سهلًا. وعليه يجب أنْ نسأل الجابري هنا: هل مفهوم المماثلة هنا من تراث معقول العقل اليوناني أو هو قاعدة إبستمولوجيَّة متأصِّلة في العرفان الهرمسي[2]؟

إنَّ الجابري لم يستطع فهم اختلاف موقف الشيعة من القياس الفقهي الذي لا ينتج غير الظنِّ، وموقفهم من القياس المنطقي الذي يقوم عليه مجمل التراث الفكري للشيعة، ولاسيّما تراثهم العقلي، الدالُّ على حضوره المتواصل والمؤثِّر في مختلف أبعاد هذا التراث. إنَّ سوء الفهم هذا الذي وقع فيه الجابري إنَّما قد نشأ من أنَّ الشيعة على الرغم من اعتقادهم بالمنزلة العالية والجوهريَّة للعقل في تأسيس منظومة العقائد الدِّينيَّة، إلَّا أنَّهم يرون أنَّ أهمّيَّة وسموَّ العقل رهن بتأسيس القواعد العامَّة والمعارف الكلّيَّة التي يمكن للإنسان أنْ يُدركها، وأنَّ هذا النوع من سلطة العقل لا يسري إلى إدراك الجزئيَّات والتفاصيل المرتبطة بالأحكام الشرعيَّة / الفقهيَّة[3]. كما أنَّه ينسب إخوان الصفا وابن سينا إلى الهرمسة ويتَّهمهم بمعاداة العقل؛ في حين أنَّ فضيلة ابن سينا تكمن في تأسيسه للقياس البرهاني ومسألة العلَّة التامَّة في الإسلام. أو أنَّه عندما يتحدَّث عن كتاب الكافي، يتَّضح أنَّه إنَّما يُصدِر في أحكامه عليه استنادًا إلى المصادر الأُخرى؛ وإلَّا لو أنَّه كان قد

(300)

اطَّلع على هذا الكتاب مباشرةً؛ لأدرك أنَّ الموضوع الأوَّل الذي يتناوله هو «كتاب العقل والجهل»؛ ولشاهد فيه نماذج من الأخبار الدالَّة على قيمة العقل على مستوى المعقول الدِّيني والعقلي. هناك في كتاب «العقل والجهل» من الكافي أربعة وثلاثون حديثًا بشأن قيمة العقل ومنزلته الجوهريَّة في المعرفة الإنسانيَّة[1]. من خلال مطالعة المصادر الشيعيَّة يمكن الحصول على ما يزيد على الألف نصٍّ بشأن العقل، ممَّا يدلُّ على أنَّ العقلانيَّة والتفكير العقلي كان له -ولا يزال- مكانة مرموقة في الفكر الشيعي، وهو من هذه الناحية لا مثيل له بين سائر الفِرَق الإسلاميَّة.

إنَّ الجابري من خلال اعتباره التفكير الشيعي الإمامي الإثني عشري والتفكير الإسماعيلي شيئًا واحدًا، أثبت أنَّه لا يمتلك معلومات دقيقة بشأن أُصول العقائد والتراث الفكري للشيعة الإماميَّة، وكذلك تحوُّلاتهم العلميَّة في حقل الفلسفة والعرفان والفقه والأُصول والتفسير والحديث وما إلى ذلك[2]. فيما يتعلَّق بنقد الجابري تجاه المباني الكلاميَّة الإماميَّة يجب القول: إنَّ المصادر الكلاميَّة الإماميَّة تتَّفق بأجمعها على هذه المسألة، وهي أنَّ جميع أُصول عقائد الشيعة الإماميَّة - الأعمّ من التوحيد والعدل والنبوَّة والمعاد والإمامة - إنَّما تثبت لزامًا من طريق البرهان العقلي والعقل المستقل عن الدِّين وقبل اعتناق الدِّين، وأنَّ مسألة الإمامة والعصمة لا تُستثنى من هذه القاعدة. إنَّ الشيعة يرون أنَّ جميع ما ورد في

(301)

تعاليم الشارع بشأن هذه الأُصول إنَّما هو مؤيِّد لتلك المطالب العقليَّة، وأنَّ هذا المنهج كان قائمًا من عصر الأئمَّة الأطهار إلى يومنا هذا[1]. وحتَّى تلك الطائفة من أحاديث الأئمَّة التي يرى الجابري أنَّها ذات أثر هرمسي وعرفاني واضح، ترى أنَّ العقل يُشكِّل دعامة للعقيدة والإيمان؛ وذلك لأنَّ العقل حجَّة باطنة، وأنَّ الله سبحانه وتعالى هو الذي منَّ بهذا العقل على البشر[2].

هناك من يذهب إلى الاعتقاد بأنَّ الجابري في بحثه ومناقشته للفكر الشيعي، لم ينتهج -خلافًا لما يدَّعيه- الأُسلوب العلمي والنقد المعرفي والإبستمولوجي، بل إنَّه بسبب عدم اطِّلاعه على الأُسُس الفكريَّة للشيعة ومصادرهم من جهة، واكتفائه بما قاله المستشرقون عنهم - وهو في الغالب مقرون بالنواقص ونقاط الضعف غالبًا - من جهة أُخرى، لم يتمكَّن في نهاية المطاف من تقديم قراءة منطقيَّة وعلميَّة عن مذهب الشيعة[3].

(302)

النتيجة:

إنَّ الجابري على الرغم من ادِّعائه سلوك منهج معرفي وإبستمولوجي في نقد التراث الدِّيني، إلَّا أنَّه مع ذلك يدخل في نقد كلامي، ومن خلال نقد غير علمي يعتبر التشيُّع مفتقرًا إلى الجذور الفكريَّة الأصيلة في التعاليم الإسلاميَّة، ويقول: إنَّ مناشئه سياسيَّة بحتة. إنَّ الجابري من خلال اعتباره التفكير الشيعي الإمامي الإثني عشري والتفكير الإسماعيلي شيئًا واحدًا، أثبت أنَّه لا يمتلك معلومات دقيقة بشأن أُصول العقائد والتراث الفكري للشيعة الإماميَّة، وكذلك تحوُّلاتهم العلميَّة في حقل الفلسفة والعرفان والفقه والأُصول والتفسير والحديث وما إلى ذلك. يزعم الجابري أنَّ العرفاء -سواء من الشيعة الإماميَّة أو الإسماعيليَّة- يرون في العقل حجابًا. إنَّه يُدخِل في مشروعه الشيعة الإثني عشريَّة وإخوان الصفا وابن سينا ضمن التيَّارات العرفانيَّة والهرمسيَّة والمخالفة للعقلانيَّة، في حين أنَّه لو كان يمتلك معرفة كاملة بالمصادر والنصوص الشيعيَّة؛ لأدرك أنَّ مصادر التراث العقلي الشيعي كُتُب مثل نهج البلاغة، وهي زاخرة بالمطالب العقليَّة والمنطقيَّة، وكذلك الروايات المأثورة عن الأئمَّة التي تعتبر العقل دعامة للعقيدة وحجَّة باطنة. إنَّ المعطيات التاريخيَّة التي يُقدِّمها الجابري زاعمًا أنَّها تُثبِت هرمسيَّة الفكر الشيعي، لا تستند إلى أساس علمي متين؛ كما أنَّ ميوله ودوافعه السياسيَّة والأيديولوجيَّة هي التي أدَّت إلى هذا النوع من الفهم. إنَّ الجابري في دراسة الفكر الشيعي -خلافًا لما يدَّعيه- لم ينتهج أُسلوبًا علميًّا ونقدًا معرفيًّا وإبستيمولوجيًّا، بل إنَّه لعدم معرفته بالأُسُس الفكريَّة الشيعيَّة وكذلك مصادر هذا الفكر من جهة، واكتفائه بالاعتماد على كلمات المستشرقين -وهي في الغالب مصحوبة بالنقص والضعف- من جهة أُخرى، لم يتمكَّن من تقديم قراءة منطقيَّة وعلمية عن مذهب الشيعة.

(303)
(304)

قصص القرآن الكريم

من وجهة نظر محمّد عابد الجابري[1]

محمّد عليّ مهدوي راد[2]
أمير عطاء الله جبّاري[3]
نرجس بهشتي[4]

الملخَّص:

يُعتَبر محمّد عابد الجابري مفكِّرًا معاصرًا ينتمي إلى تيَّار الاعتزال الحديث، وقد بحث القَصص القرآني على أساس ترتيب النزول. إنَّه يسعى في هذه الرؤية إلى إعادة صياغة بيئة الدعوة الإسلاميَّة بالنظر إلى نوع القَصص التي نزلت على النبيِّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله. يرى الجابري أنَّ قَصص القرآن الكريم بمنزلة المرآة التي تعكس مراحل دعوة النبيِّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله وبيئة نزول القرآن الكريم، وكيفيَّة تعامله مع الناس في الإيمان بالدِّين الإسلامي.

(305)

لقد تمَّ السعي في هذا المقال إلى مناقشة رأي الجابري ونقده، والحديث بما تقتضيه المناسبة عن ترتيب نزول القرآن الكريم، وقيام القَصص بمحاكاة الواقع. ويتَّضح في الوقت نفسه أنَّ رؤية الجابري إلى قَصص القرآن الكريم تقوم على أساس الأُصول الاعتزاليَّة الحديثة، ولكن بثوب جديد؛ بحيث يمكن اعتبارها نسخة محسَّنة عن الرؤية الاعتزاليَّة الحديثة إلى قَصص القرآن الكريم.

المقدّمة:

منذ القرن التاسع عشر للميلاد ظهرت مجموعة من المفكِّرين في العالم الإسلامي تدعو إلى إحياء أفكار وأعمال العلماء من المعتزلة، وأخذوا ينظرون مثلهم إلى الدِّين من زاوية عقليَّة، ومن هنا أُطلق عليهم مصطلح المعتزلة الجُدُد. وقد بدأ هذا الاتِّجاه في العالم العربي بالشيخ محمّد عبده، ثمّ تواصل على يد كلٍّ من: أحمد أمين، وأمين الخولي، ومحمّد أحمد خلف الله، وغيرهم.

بعد اتِّساع رقعة العالم الإسلامي، كان هناك الكثير من الذين اعتنقوا الدِّين الإسلامي، من ذوي الجذور الفكريَّة اليهوديَّة والمسيحيَّة والإلحاديَّة، وكان هؤلاء يسعون -عن قصد أو غير قصد- إلى التلفيق بين الدِّين الجديد وبين رواسبهم الفكريَّة والعقائديَّة[1]. وكذلك الأشخاص الذين لم يعتنقوا الدِّين الإسلامي، وواصلوا تمسُّكهم بالمذاهب الإلحاديَّة أو المسيحيَّة واليهوديَّة، كانوا يسعون بدورهم -من خلال توظيف الأُصول العقليَّة والفلسفيَّة- إلى التشبُّث بأنظمتهم الفكريَّة، الأمر

(306)

الذي أدَّى إلى تبلور متناغم للأبحاث الاعتزاليَّة[1]. وبطبيعة الحال هناك من يرى أنَّ الأسباب الداخلية الناجمة عن الاختلاف حول الخلافة الإسلاميَّة، شكَّلت عنصرًا وعاملًا في ظهور هذه الجماعة[2].

وأيًّا كان الرأي الذي نختاره من بين هذه الآراء حول كيفيَّة تبلور تيَّار الاعتزال، من الثابت -على كلِّ حالٍ- أنَّ هذه الجماعة قد ظهرت من أجل حلِّ مشكلة واستجابة لبعض التحدّيات. وعلى الرغم من انحسار المعتزلة بعد فترة، ولكن كان يكفي ظهور أزمة أُخرى، كي تعود الحياة إلى هذه الآراء الاعتزاليَّة. وقد تبلورت هذه الأزمات على شكل استعمار البلدان الإسلاميَّة، وهيمنة موجة الحداثة، الأمر الذي دفع بالمفكِّرين المسلمين إلى مواجهة تحدٍّ جديد، وأدَّى إلى ظهور اعتزال جديد في الهند ومصر[3]. كما سعى هذا التيَّار إلى الإجابة عن آراء المستشرقين، وتبرئة ساحة الإسلام من اتِّهامات هؤلاء المستشرقين[4].

يُعَدُّ القرآن الكريم أهمّ نصٍّ اهتمَّ به المعتزلون الجُدُد بوصفهم جماعة من المسلمين. لقد عمدت هذه الجماعة إلى الاهتمام بالقرآن بهدف إيجاد التناغم والوفاق بين الرؤية القرآنيَّة وبين معطيات العلم الحديث، والحصول على نظام سياسي قائم على أساس القرآن الكريم[5].

(307)

لقد عمد هؤلاء إلى مواصلة أهدافهم من خلال تفسير القرآن الكريم. وكان منهجهم التفسيري ينقسم -من الناحية التاريخيَّة والزمنيَّة لظهورهم في العالم العربي- إلى ثلاثة اتِّجاهات تفسيريَّة، وهي: التفسير العقلاني، والتفسير العلمي، والتفسير البياني. إنَّ هذه المناهج التفسيريَّة عبارة عن تيَّار متَّصل ومتماسك، بدأ من الشيخ محمّد عبده، واتَّخذ في كلِّ مرحلة شكلًا جديدًا.

لقد بدأ التيَّار العقلاني في التفسير -بشكلٍ خاصٍّ- على يد محمّد عبده. إنَّ هذا التيَّار الذي اكتسب بالتدريج أتباعًا في كافَّة أنحاء العالم، ونما ونشأ في مصر بشكلٍ خاصٍّ، ويمكن اعتباره -بحقٍّ- مدرسة تفسيريَّة متبلورة على أساس أفكار أصحابها[1]. إنَّ منزلة أفكار محمّد عبده وتأثيرها في هذه المدرسة قد بلغ حدًّا، بحيث إنَّ الكثير من المناهج التفسيريَّة الحديثة بعده، قد نشأت -في واقع الأمر- على أساس قاعدة واحدة أو قواعد عدّة من قواعده التفسيريَّة[2].

وبعد الشيخ محمّد عبده ظهر تيَّار النزعة العلميَّة في تفسير القرآن الكريم. وقد عمد هذا التيَّار إلى الاستفادة من رؤية محمّد عبده الذي كان يسعى من خلال توظيف المعايير العلميَّة إلى إثبات عدم التعارض بين العلم وآيات القرآن الكريم[3]. لقد اهتمَّ هؤلاء المفسِّرون بالناحية العلميَّة من القرآن الكريم بشكلٍ خاصٍّ، وقالوا

(308)

بأنَّ القرآن الكريم متقدِّم بقرون عن المفكِّرين الغربيِّين ومعطياتهم. وإنَّ أحد أبرز وجوه هذا التيَّار هو الشيخ الطنطاوي الجوهري مؤلِّف تفسير الجواهر في تفسير القرآن. إنَّ هذا المنهج لم يلقَ ترحيبًا كبيرًا من قِبَل المفسِّرين الآخرين، بل وقد تمَّ رفضه بالكامل من قِبَل بعض علماء التفسير من أمثال: رشيد رضا، ومحمود شلتوت، وسيِّد قطب. ولا سيّما أمين الخولي الذي كتب ردًّا تفصيليًّا على هذا الاتِّجاه[1].

إنَّ أمين الخولي بعد نقده للتفسير العلمي تصدَّى بنفسه إلى تأسيس منهج جديد في تفسير القرآن الكريم. وقد كان منهجه وأُسلوبه يقوم على أساس القراءة والتفسير الأدبي للقرآن، وهو الذي عُرِفَ بمنهج التفسير البياني. وقد كان منشأ ظهور هذا المنهج والأُسلوب بدوره هو الاهتمام الخاصُّ ببحث تحدَّث عنه الشيخ محمّد عبده حول الإعجاز البياني للقرآن الكريم[2]. أمَّا المفكِّرون ـ من أمثال عائشة بنت الشاطئ ـ الذين عملوا على تطوير هذا المنهج، فقد تأثَّروا في الغالب بآراء أمين الخولي، إلى الحدِّ الذي قامت معه بنت الشاطئ في بداية كتابيها: التفسير البياني للقرآن الكريم، والإعجاز البياني للقرآن، إلى إهداء هذين الكتابين إلى أمين الخولي بوصفه منظِّرًا لهذا المنهج[3].

إنَّ رؤية أمين الخولي إلى القرآن وأُسلوبه البياني، قبل أنْ تكون رؤية تفسيريَّة، هي رؤية أدبيَّة مقتبسة من رؤية طه حسين إلى القرآن الكريم بوصفه نصًّا أدبيًّا[4].

(309)

يذهب أمين الخولي إلى الاعتقاد بأنَّ القرآن الكريم من أعظم الأعمال الأدبيَّة في اللغة العربيَّة، وأنَّ بالإمكان قراءة هذا الكتاب بأُسلوب أدبي كما تُقرَأ الكُتُب الأدبيَّة الأُخرى. ويقول بأنَّ الفنَّ هو في الدرجة الأُولى قناة وطريق للاستحواذ على مشاعر الناس من أجل إيصالهم إلى الغايات والأهداف. وهكذا الأدب فهو نوع من أنواع الفنِّ تمَّ توظيفه في القرآن الكريم؛ ومن هنا يجب على مفسِّر هذا الكتاب الكريم أنْ يسعى إلى وصف التأثيرات النفسيَّة للفنِّ الأدبي في القرآن الكريم على المخاطبين الأوائل لهذا الكتاب[1].

وتبعًا لآراء الخولي، قام أحمد خلف الله -وهو من تلاميذه- بمواصلة هذا السعي واستعمال المباني ذاتها، وبشكلٍ خاصٍّ في موضوع قَصص القرآن الكريم، مدَّعيًا أنَّ قَصص القرآن أساطير تمَّ بيانها لغرض التأثير النفسي على المخاطبين[2].

تواصلت الآراء الاعتزاليَّة الحديثة واهتمامها بالعقل والتراث الأدبي في التفسير والنظر في القرآن الكريم على الوتيرة ذاتها، حتَّى قام محمّد عابد الجابري -المفكِّر المغربي- في السنوات الأخيرة من حياته (عام 2006م) بنشر كتابه مدخل إلى القرآن الكريم، وأفرد قسمه الأكبر لبحث ودراسة قَصص القرآن الكريم.

نسعى في هذه المقالة إلى بحث آراء الجابري في قَصص القرآن بوصفه شخصًا

(310)

مجدِّدًا يدفعنا في بعض الموارد إلى إقامة مقارنة إجماليَّة بينه وبين سائر المفكِّرين المعاصرين في حدود ما تسمح به هذه المقالة[1].

الجابري ورؤيته إلى القرآن الكريم:

يُعتَبر محمّد عابد الجابري من المفكِّرين المعاصرين في العالم العربي، ويُعَدُّ مفكِّرًا مجدِّدًا مثيرًا للجدل في عقد الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين للميلاد. ومن بين خصائصه البارزة عبوره من الخطاب الذي كان مهيمنًا على الأجواء الفكريَّة في عقد الستّينيات والسبعينيات من القرن المنصرم، ووضعه أُفُقًا جديدًا أمام الباحثين، وكذلك طرحه وكشفه عن مفاهيم جديدة في رقعة الدراسات الانتقاديَّة للتراث العربي / الإسلامي. إنَّ الموضوع المنشود للجابري يكمن في نقد التراث[2].

وقد استفاد في كتابه «مدخل إلى القرآن الكريم» من منهج بحث وإعادة النظر في التراث القديم بأُسلوب حديث[3].

(311)

وقد عمد في القسم الثالث من كتابه إلى بحث قَصص القرآن، وسعى من خلال ذلك إلى التعريف بدعوة النبيِّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله. وقد ذهب إلى القول بأنَّ هناك بين هذا القسم والقسمين الأوَّلين من الكتاب ـ قراءات في محيط القرآن الكريم، ومسار الكون والتكوين ـ ارتباطًا وثيقًا، وأنَّ هذه القَصص بمثابة المرآة المعبِّرة عن واقع وبيئة نزول القرآن الكريم. لقد أنزل الله سبحانه وتعالى تلك القَصص سلاحًا ماضيًا لرفد معركة النبيِّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله وأتباعه في مواجهة المخالفين والخصوم بما يتناسب وتلك الظروف والبيئة؛ حيث أراد النبيُّ من خصومه أنْ يعتبروا بتجارب الأُمَم السابقة. وعلى هذا الأساس فإنَّ دراسة هذه القَصص على ترتيب نزولها يُؤدِّي إلى مواكبة سيرة النبيِّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله، وإدراك وفهم الآيات النازلة بشكل أفضل[1].

إنَّ بحث قَصص القرآن في كتاب «مدخل إلى القرآن الكريم»، هو بحث علمي حول التراث العربي / الإسلامي على أساس المنهج المتقدِّم للدكتور الجابري في أعماله، أي إعادة قراءة النصِّ في الأُفُق الفكري المعاصر. إنَّ أُسلوب الجابري في تحقيق التراث يحتوي على ثلاث مراحل:

1 - استخدام أُسلوب ومنهج بنيوي، ينبذ جميع القراءات السابقة للنصِّ، والرجوع إلى مجرَّد النصِّ فقط.

2 - الاستفادة من منهج التحليل التاريخي، الذي يجب على أساسه بغية فهم النصِّ، إعادته إلى سياقه ومنشئه التاريخي.

3 - الكشف عن العناصر الاعتقاديَّة في النصِّ، من أجل ربط هذه العناصر بالعالم الراهن، وتوظيفها في الحياة المعاصرة[2].

(312)

لقد عمد الجابري إلى توظيف جميع هذه المراحل في التعاطي مع القرآن الكريم بوصفه نصًّا يُشكِّل قاعدة وأرضيَّة للتراث، ورأى أنَّ القرآن نصٌّ أصيل بعيد عن أفهام مختلف المفسِّرين والنِّحَل التفسيريَّة. يرى الجابري أنَّ جميع التفاسير الاجتهاديَّة والروائيَّة وغيرها ممَّا تمَّ تقديمه حتَّى الآن للقرآن الكريم، هي في الحقيقة ليست تفسيرًا للقرآن، بل يمكن اعتبارها اجتهادًا بالالتفات إلى القرآن أو بيان الروايات في ضوء القرآن، ونحن في الحقيقة في غنى عن الكثير منها[1]. وفي الوقت نفسه فإنَّه يذهب إلى الاعتقاد قائلًا:

لا بدَّ من الاجتهاد في تفسير القرآن الكريم أيضًا، وليس هناك ما يلزمنا بالتقيُّد بآراء المفسِّرين المتقدِّمين. فإنَّ نصَّ القرآن الكريم في حدِّ ذاته قابل لمختلف التفسيرات والتأويلات، وإذا كان هذا الأُسلوب محظورًا، لكان الحظر شاملًا لجميع العصور، ولما شهدنا عبر الأزمنة مئات التفاسير بمختلف الأساليب والمناهج والاتِّجاهات[2].

يذهب الجابري إلى الاعتقاد بأنَّنا بحاجة إلى مجهود ذهني كي نستطيع فهم القرآن بواسطة العقل[3]. ولكن علينا أنْ لا نغفل عن أنَّ القرآن الكريم قد نزل باللغة العربيَّة، ومن هنا يجب علينا أنْ نفهم لغة القرآن ومفاهيمه على أساس لغة وثقافة العرب في عصر النزول، ولكن علينا في الوقت نفسه أنْ نحتفظ بفهمنا

(313)

المعاصر له أيضًا، وهذا هو المنهج والأُسلوب الذي اتَّخذناه تجاه تراثنا برمَّته[1].

لم يكن منهج الجابري في تفسير القرآن الكريم والتعاطي معه أمرًا غير مسبوق، بل سبق للشيخ محمّد عبده أنْ عمل على توظيفه. كما كان الشيخ عبده يرى في الالتفات إلى لغة العرب وثقافتهم في عصر النزول أمرًا ضروريًّا في التفسير، ويقول بوجوب الرجوع إلى فهم العرب في عصر النزول؛ لفهم عبارات وألفاظ القرآن ومفرداته[2]. لقد عمد الجابري -من خلال نبذه للتفاسير التقليديَّة- إلى دعوة القارئ إلى نصِّ القرآن الكريم وتفسيره على أساس العقل[3]، وكان يؤمن بفتح باب الاجتهاد في فهم القرآن على مرِّ التاريخ. إنَّ منشأ هذا الاجتهاد يعود إلى التفكير الحرِّ الذي يفهم القرآن الكريم بعيدًا عن تقليد المفكِّرين من سائر المدارس الدِّينيَّة والكلاميَّة[4]. وقد ذهب الشيخ محمّد عبده في نهاية المطاف إلى القول بأنَّ المهمَّة الأساسيَّة للمفسِّر تكمن في اكتشاف أُصول وقواعد من القرآن الكريم بغية توظيفها واستعمالها في حياتنا المعاصرة[5]. وعلى هذا الأساس يمكن القول: إنَّ الجابري كان في رؤيته إلى القرآن الكريم متأثِّرًا بالمدرسة التفسيريَّة التي أرسى دعائمها الشيخ محمّد عبده.

(314)

بنية كتاب مدخل إلى القرآن الكريم:

لقد ألَّف الجابري كتابه هذا في ثلاثة أقسام، وهي كالآتي:

1 - قراءات في محيط القرآن الكريم.

2 - مسار الكون والتكوين.

3 - القَصص في القرآن الكريم.

وفي القسم الثالث يعمد الجابري إلى تبويب قَصص القرآن الكريم على أساس ترتيب نزولها بغية إعادة صياغة مراحل الرسالة مستعينًا في ذلك بقَصص القرآن. يذهب الجابري إلى الاعتقاد بأنَّ القَصص التي تُشغِل حيِّزًا كبيرًا من القرآن الكريم، قد تمَّ بيانها بشكل متنوِّع ومتكرِّر، وأنَّه لا يمكن الوصول إلى المنطق الذاتي لهذه القَصص إلَّا من خلال النظر في ترتيب نزولها[1]. وفي ظلِّ هذه الظروف لا تكون هناك أهمّيَّة للتسلسل الزمني للأحداث في القَصص، بل المهمُّ في البين هو ترتيب نزول تلك الوقائع وتوظيف القرآن الكريم لبيانها. وفي هذه المرحلة من اللَّازم أنْ نعلم كيف قام القرآن الكريم بتوظيف هذه القَصص بما يتناسب مع حاجة وظروف الدعوة[2].

لقد عمد الجابري إلى تقسيم هذه القَصص -بالنظر إلى تاريخ نزولها- إلى مرحلتين، وهما: القَصص المكّيَّة، والقَصص المدنيَّة، والمرحلة المكّيَّة تشتمل بدورها على مرحلتين، ولكن من ناحية الأهداف يمكن أنْ تنقسم هذه القَصص إلى ثلاثة أقسام، على النحو أدناه:

القسم الأوّل: خطاب إلى مشركي مكَّة، وقد أنذر الله سبحانه وتعالى قريشًا من

(315)

خلال بيان هذه القَصص، وحذَّرهم من مغبَّة مخالفة النبيِّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله[1].

القسم الثاني: القَصص التي تُقدِّم الثناء على الأنبياء السابقين، وتذكر الآيات البيِّنات أو المعاجز التي اجترحوها لإثبات صدق نبوَّتهم ورسالتهم. وكانت هذه القَصص تُطرَح عندما تسعى قريش إلى صرف النبيِّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله وتطلب منه التخلّي عن دعوته، بالوعد والوعيد[2].

القسم الثالث: يبدأ هذا القسم من القَصص عند الدخول في السُّوَر المدنيَّة. في هذه المرحلة من الرسالة نزلت جميع القَصص في المدينة وفي عصر حكومة النبيِّ صلى‌الله‌عليه‌وآله. وإنَّ نقطة امتياز قَصص هذه المرحلة من سائر قَصص القرآن الأُخرى يكمن في طبيعتها الجدليَّة مع أهل الكتاب[3]. وعلى الرغم من أنَّ التأمُّل في بنية فصل القَصص وهيكليّتها في كتاب الجابري، يُعتَبر أمرًا ناجعًا للوصول إلى آراء المؤلِّف، ولكن بسبب سعة البحث، ووجود الكتابات التي سبق أنْ أُنجزت في هذا الشأن[4]، لا نجد ضرورة إلى الخوض في مزيد من التوضيح في هذا المجال، ونكتفي بذكر نقطة مختصرة تعكس تعاطي الجابري مع القَصص.

تبدأ قَصص القرآن الكريم -على أساس ترتيب نزول القرآن- من سورة الفجر بقَصص عن العرب البائدة[5] وأهل القرى (عاد وثمود) وأنبيائهم. إنَّ الله سبحانه وتعالى لم يروِ هذه القَصص لإعلام الناس بها؛ لأنَّ المخاطبين بالقرآن كانوا يعرفونها

(316)

مسبقًا، ويشاهدون آثارهم وأبنيتهم، وكانت قَصصهم تُمثِّل جزءًا من تراث العرب في عصر النزول. لقد بيَّن القرآن الكريم هذه القَصص مخاطبًا بها قريشًا التي كانت تعارض دعوة النبيِّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله كي تحذر من الوقوع في نفس المصير الذي حاق بالأُمَم والأقوام السابقة؛ ومن هنا يتمُّ إنهاء بيان هذه القصَّة، بقوله: (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ)[1].

إنَّ بيان هذه القصَّة في هذه المرحلة من رسالة النبيِّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله، تعكس وضع رسول الله بين العرب وتعاملهم معه. لقد سعى الجابري من خلال هذا الأُسلوب إلى إعادة صياغة بيئة ومحيط دعوة النبيِّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله، وتوضيح طريقة تعامله مع الآخرين.

عناصر رؤية الجابري إلى قَصص القرآن:

لقد اتَّخذ الجابري في بحث القَصص القرآني منهجًا وأُسلوبًا مختلفًا، وإنَّ رؤيته هنا تحمل خصائص تستحقُّ الاهتمام، من قبيل: الرؤية التاريخيَّة، وترتيب النزول، والبحث عن تظهير الواقع.

1 - الرؤية التاريخيَّة وترتيب النزول:

إنَّ تفسير القرآن على أساس ترتيب النزول، نوع من أنواع التفسير تتمُّ فيه رعاية الترتيب الزمني لنزول الآيات، ويختلف فيه ترتيب السُّوَر عن ترتيب سور المصحف الموجود بين أيدينا. يذهب كُتَّاب هذا النوع من التفسير إلى الاعتقاد بأنَّه مؤثِّر في فهم معاني الآيات والتعرُّف على الغاية منها، ولو تمَّت مراعاة ترتيب

(317)

النزول فإنَّ الكثير من الآيات بسبب وقوعها في سياقها الزمني سوف تخرج عن حالة الغموض والإبهام[1].

وقد عمد الجابري إلى تأليف قسم القَصص من كتابه على أساس ترتيب النزول، وقد اهتمَّ في هذا الأمر ببعض العناصر، وهي كالآتي:

أ - الاهتمام بأسباب النزول وثقافة عصر النزول  ولغته:

يذهب الجابري إلى التأكيد على أنَّ القرآن يجب فهمه وتفسيره على أساس ترتيب النزول، بينما ذهب الكثير من العلماء المسلمين إلى القول بأنَّ شرط فهم القرآن ودراسته يتوقَّف على معرفة اللغة العربيَّة وفهمها. وهذا يعني أنَّ القرآن الكريم وإنْ كان في حدِّ ذاته وحيًا نبويًّا، بيد أنَّه مرتبط بشكل وثيق باللغة العربيَّة وشرائطها الاجتماعيَّة والثقافيَّة[2].

لقد كانت ظاهرة أسباب النزول محطَّ اهتمام المفسِّرين في تفسير القرآن منذ القِدَم[3]. كما كان للمفسِّرين في عصرنا اهتمام خاصٌّ بهذا البحث، واعتبروا معرفة أسباب النزول أمرًا ضروريًّا في فهم القرآن الكريم[4]؛ وذلك لأنَّ الكلام البليغ هو الذي يتمُّ بيانه بعد ملاحظة مقتضى حال المخاطب، وإنَّ الاطِّلاع على سبب النزول

(318)

يُقرِّبنا من معرفة شرائط المخاطبين الأوائل بالقرآن الكريم. كما أنَّه عندما يتمُّ تفسير الآية في فضائها التاريخي، سوف يكون مفهومها متطابقًا مع لغة وثقافة أبناء تلك المرحلة، ولن تطرأ عليها التغيُّرات والتطوُّرات الحادثة على طول الزمن[1]. ومن هنا يجب على المفسِّر أنْ يكون على دراية ومعرفة بسيرة النبيِّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله وأصحابه، وأنْ يكون مطَّلعًا على المعنى المستعمل في عصر النزول[2].

يرى الجابري أنَّ القرآن الكريم كتاب تاريخي، ويجب على من يتعامل معه أنْ يمتلك رؤية تاريخيَّة واسعة عن مسار تبلور الثقافة العربيَّة، ولا سيّما في أبعادها الكلاميَّة والفقهيَّة[3]. هناك للكثير من آيات القرآن الكريم أسباب نزول هي عبارة عن الأحداث الاجتماعيَّة العاديَّة، والتي ربطت نزول القرآن بمراحل الدعوة وأحداث السيرة النبويَّة[4].

إنَّ الذي يمنح رؤية الجابري مظهرًا خاصًّا ويُميِّزها من تفاسير المتقدِّمين، وضعه أسباب النزول إلى جوار سياق الآيات، وهو ما اهتمَّ به الشيخ محمّد عبده وغيره من المفسِّرين المعاصرين أيضًا. يذهب الجابري إلى الاعتقاد بأنَّ الخوض في مجرَّد أسباب النزول دون الالتفات إلى السياق يُؤدِّي إلى اعتبار القرآن الكريم آيات متفرِّقة، كما كان يفعل المفسِّرون المتقدِّمون عندما يتحدَّثون عن أسباب النزول،

(319)

حيث يتحدَّثون عندها عن واقعة خاصَّة ومنفصلة عن سياق الآية[1].

كما طعن الشيخ عبده بهذا المنهج التفسيري، واعتقد أنَّ هذا النوع من التعاطي مع الآيات وأسباب نزولها، يستدعي رسم صور متفرِّقة ومبعثرة عن القرآن الكريم، وهو ما دفع المستشرقين إلى الاعتقاد بأنَّ القرآن عبارة عن مجموعة من الكلمات غير المترابطة والتي لا تقوم فيما بينها وحدة موضوعيَّة[2].

ب - الاستفادة من التعاليم القرآنيَّة في الحياة اليوميَّة:

يكمن هاجس الجابري في وضع نصِّ القرآن في الأُفُق التاريخي للنصِّ (تاريخ النزول) والأُفُق المعاصر. يذهب الجابري إلى الاعتقاد بأنَّ فهمنا المعاصر للقرآن دون أخذ الشرائط التاريخيَّة لعصر النزول لن يكون ممكنًا. ولكي نضع القرآن في أُفُقه الزماني والتاريخي، يجب في الدرجة الأُولى اتِّباع ترتيب نزول الآيات القرآنيَّة، والعمل على تفسير كلِّ آية من القرآن على أساس أحداث عصر نزول وفهم الناس لها في تلك المرحلة[3]. وفي الوقت نفسه يجب -من خلال أُسلوب تقديم وعرض الأسئلة والمسائل الفكريَّة المعاصرة- وضع القرآن الكريم في الأُفُق الفكري الراهن؛ إذ من شأن ذلك أنْ يزيل انفصالنا عن تفسير القرآن الكريم، وهو الانفصال الذي نشعر به عند مطالعة تفسير قديم مثل تفسير الفخر الرازي أو الطبري[4].

(320)

لقد عمد الجابري في بعض الموارد -على أساس هذه الرؤية- بعد فهم الآيات في ضوء معلومات العرب في عصر النزول، إلى بيان وتوضيح الآيات على أساس المعطيات الجديدة[1]. كما أنَّه يسعى إلى استخراج بعض الرسائل والمفاهيم من القرآن الكريم، وقال في بيان واحد من هذه المفاهيم:

إنَّ آيات القرآن الكريم - من خلال التعريف بقصَّة داود وسليمان وابتلاءاتهما - تطلب من النبيِّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله أنْ يتأسَّى بهما، وأنْ يصبر على أذى قريش. كما ذكر الله سبحانه وتعالى في آيات أُخرى قَصص أنبياء يئسوا من إيمان قومهم، وسألوا الله أنْ يُنزل عليهم العذاب. وبالالتفات إلى ظروف النبيِّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله وتكرار الأمر بالصبر في القرآن الكريم، يمكن القول: إنَّ الخطاب الجوهري في القرآن يكمن في التذرُّع والتمسُّك بالصبر؛ إذ إنَّ ما تمَّ بيانه في القرآن يحتوي على خصائص؛ وعليه يجب فصل خصائص كلِّ مورد وبيان الاستثناءات والجزئيَّات فيه، والوصول إلى رسالته الأصليَّة والشاملة. وبذلك يكون القرآن الكريم رسالة شاملة وصالحة لكلِّ زمان ومكان[2].

وللحصول على صورة معاصرة ـ بطبيعة الحال ـ يذهب الجابري إلى القول بالاجتهاد في فهم القرآن. وقال في هذا الشأن:

إنَّ أمامنا وأمام المتقدِّمين موادٌّ إنشائيَّة واحدة، ولكن كلَّ واحدٍ منَّا يبني بيته بما يتناسب وأُسلوبه وطريقة عصره[3].

(321)

وقد سبق الجابري كلٌّ من الشيخ محمّد عبده وسيِّد قطب في التأكيد على وجوب الاستفادة من القرآن الكريم في حلِّ المشاكل الاجتماعيَّة الراهنة. وقد اعتبرا أنَّ مهمَّة المفسِّر تكمن في العثور على السُّنَن من الآيات القرآنيَّة من أجل توظيفها والاستفادة منها في الحياة المعاصرة[1].

لا شكَّ في أنَّ هذه هي النظريَّة الأصليَّة الشائعة بين المعتزلة المحدَثين، حيث يسعون إلى استخراج الموادِّ الخامِّ والجوهريَّة من الكتاب والسُّنَّة؛ لإقامة بناء جديد يتناسب مع الواقع المعاصر[2].

ج - ترتيب سور القرآن على أساس النزول:

إنَّ كتابَي بيان المعاني، لمؤلِّفه: عبد القادر ملَّا حويش آل غازي، والحديث في التفسير، لمؤلِّفه: عزَّت دروزة، تفسيران على منهج ترتيب النزول، وقد سبق أنْ تمَّ تأليفهما في المرحلة المعاصرة قبل الجابري. إنَّ هذين التفسيرين هما في الحقيقة من سنخ التفاسير الأدبيَّة والاجتماعيَّة، وليس لهما أيَّ امتياز من التفاسير الأُخرى سوى الاختلاف في الترتيب. وربَّما لهذا السبب لا يرى الشيخ محمّد هادي معرفت أهمّيَّة لتنظيم السُّوَر على شكل الترتيب النزولي، رغم اعتباره المعرفة الإجماليَّة لتاريخ نزول كلِّ سورة مؤثِّرة في فهمها بشكل أفضل[3]. كما أنَّ الجابري بدوره رغم

(322)

إذعانه بأنَّ التفاسير على ترتيب النزول - التي سبق أنْ كُتِبَت قبله - لا تحتوي على خصوصيَّة مؤثِّرة، ولكنَّه يرى أنَّ ما أنجزه يختلف من هذه الناحية عمَّن سبقه[1].

يذهب الجابري إلى الاعتقاد بأنَّ الطريق إلى معرفة القرآن الكريم يكمن في التعاطي معه على أساس ترتيب نزول السور، وهو ما تجاهله أكثر المفسِّرين، حيث باشروا تفسيرهم على ترتيب المصحف من سورة البقرة (بعد الفاتحة) إلى آخر القرآن الكريم. إنَّ الجابري يرى هذا الأمر بالنسبة إلى الأقدمين من أمثال الصحابة مبرَّرًا إلى حدٍّ ما؛ لأنَّ سورة البقرة مدنيَّة، وهي تشتمل على الكثير من التشريعات والقوانين، وكانت الحكومة والدولة الإسلاميَّة في حينها أحوج إلى التشريع، أمَّا اليوم فإنَّ الحاجة إلى فهم القرآن الكريم تكمن في التعرُّف عليه كما نزل[2]. ومن هنا فقد مال الجابري إلى اختيار التعامل مع القرآن الكريم على أساس ترتيب النزول. إنَّ الغاية التي يرمي إليها الجابري من وراء هذه القراءة التاريخيَّة، هي السعي إلى المطابقة بين نزول القرآن الكريم والسيرة النبويَّة؛ لأنَّ حياة النبيِّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله والقرآن الكريم مرتبطان ببعضها على نحو وثيق، وهذه نقطة غفل عنها المفسِّرون السابقون إذ لم يلتفتوا إلى ترتيب النزول[3]. يرى الجابري أنَّ القرآن الكريم نصٌّ جارٍ وحيٍّ، حيث يجري في حياة وسيرة النبيِّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله، رغم إمكانيَّة بحث جانب من موضوعات ومسائل القرآن -من قبيل: العقائدـ بشكل موضوعي دون النظر إلى ترتيب النزول في القرآن الكريم، بيد أنَّ بعض المسائل الأُخرى ـ من قبيل: الناسخ والمنسوخ- لن نصل فيها إلى النتيجة المنشودة إلَّا من خلال النظر في ترتيب النزول[4].

(323)

لقد تأثَّر الجابري في اهتمامه الخاصِّ بترتيب النزول برؤية الشاطبي[1]؛ وذلك لأنَّ الشاطبي قد ذهب إلى الاعتقاد بأنَّ فهم السُّوَر المدنيَّة يجب أنْ يكون بعد السُّوَر المكّيَّة، وكذلك فإنَّ فهم كلِّ واحدة من السُّوَر المكّيَّة أو المدنيَّة يتوقَّف على معرفة ترتيب نزولها، وإلَّا فلن نصل إلى فهم صحيح في هذا الشأن[2].

بالالتفات إلى هذه العناصر يتَّضح أنَّ الجابري قد استفاد من الأفكار التجديديَّة في دراسة القرآن الكريم، وقدَّم نظريَّات لم تكن غير مسبوقة بين أقرانه من المفكِّرين. فقد استعرض أفكار المعتزلة الجُدُد في آراء المفسِّرين من أمثال الشيخ محمّد عبده وسيِّد قطب في إطار بيان جديد وصياغة حديثة؛ بيد أنَّ مراده من وراء هذا السعي لم يكن هو العمل على إقامة ترتيب ظاهري، مثل الأعمال السابقة، بل كان هدفه نفخ روح من التفكير الاعتزالي الحديث في جسد قائم على ترتيب النزول، ليوحي بذلك أنَّ ما ينجزه يُمثِّل تجلّيًا جديدًا من الرؤية الحديثة إلى القرآن الكريم.

كيف كان أُسلوب الجابري في الاهتمام بهذا الأمر؟

إنَّ النظر إلى القرآن على أساس ترتيب النزول، وإنْ كان يُمثِّل منهجًا مجديًا وناجعًا، إلَّا أنَّه ينطوي في الوقت نفسه على بعض المشاكل أيضًا. ومن بين تلك المشاكل غياب نصوص قطعيَّة في التحديد الدقيق لمكّيَّة أو مدنيَّة السُّوَر والآيات، الأمر الذي يُؤدِّي إلى الاختلاف في أوجه النظر حول الترتيب التاريخي لنزول السُّوَر والآيات القرآنيَّة وحول مكّيَّتها أو مدنيَّتها.

(324)

يرى الجابري أنَّ الاطِّلاع على هذه الأبحاث يُعَدُّ أمرًا ضروريًّا بالنسبة إلى من يريد النظر إلى القرآن بهذا الأُسلوب[1]. يرى الجابري أنَّ تفسير القرآن على ترتيب النزول ممكن؛ لاعتقاده بأنَّ روايات ترتيب النزول التي ذكرها السيوطي من عدَّة طُرُق، ذات اختلافات يسيرة، ويحتمل أنَّها بأجمعها ناشئة من رواية ابن عبَّاس[2].

إنَّ الجابري فيما يتعلَّق بتقديم صورة منطقيَّة عن مسار تكوين نصِّ القرآن يكون قريبًا من الواقعيَّة الخارجيَّة، ويرى ضرورة ترتيب النزول الوارد في الروايات، ولكنَّه لا يراه كافيًا. فهو ضروري؛ إذ لا يمكن إقامة التاريخ على موادٍّ غير تاريخيَّة، ولكن حيث إنَّ هذه الروايات لا توصلنا إلى غايتنا لا تكون كافية، وعليه يجب العمل على إعادة النظر في ترتيب النزول الموجود حاليًّا، واللجوء في هذا الشأن إلى نوع من الاجتهاد[3].

يرى الجابري أنَّ هذه الاجتهادات لا تعارض أُصولًا من قبيل الترتيب التوقيفي للآيات في كلِّ سورة. يسعى الجابري إلى تحديد دائرة اجتهاداته بالموارد التي تختلف الآراء في ترتيب نزولها، وكذلك في الموارد التي يختلف فيها المأثور في ترتيب النزول عن سائر المأثورات الأُخرى من قبيل: الأحداث والوقائع التاريخيَّة. يرى الجابري أنَّ الغاية من بحث ترتيب النزول معرفة كيفيَّة تبلور نصِّ القرآن بالاستناد إلى تطابقه مع السيرة النبويَّة، وعليه يجب أنْ ترتكز اجتهاداته على موضوعين، وهما: مسار السيرة النبويَّة، ومسار تكوين القرآن؛ ومن هنا يجب أنْ يكون ترتيب السُّوَر متناسبًا مع دعوة النبيِّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ومراحل حياته[4].

(325)

وعلى أساس هذه المقدّمات توصَّل الجابري إلى النتائج الآتية في ترتيب النزول:

- إنَّ سور الزلزلة والرحمن والإنسان والبيِّنة والحجِّ، كلّها مكّيَّة[1].

- تاريخ نزول سورة القلم -التي يُصنِّفها البعض ضمن أوائل السُّوَر- حيث تشتمل على مفاهيم من قبيل الجدال مع المشركين وتكذيبهم، وانتقادها للأصنام، بالإضافة إلى ورود بعض القَصص فيها، تُعتَبر متأخِّرة عن التقارير الروائيَّة، بترتيب السورة الخامسة والثلاثين نزولًا[2].

- سورة المزَّمِّل التي يقول المشهور: إنَّها ثالث سورة نزلت من حيث الترتيب، تُصنَّف في الترتيب الذي يُقدِّمه الجابري بوصفها السورة الرابعة والثمانون؛ لوجود روايات تُؤكِّد أنَّها نزلت بعد إقامة النبيِّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله وأصحابه صلاة الليل على مدى عشر سنوات. وكذلك على أساس قوله تعالى: (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا)[3]، حيث يقتضي هذا أنْ يكون هناك كمٌّ من القرآن كافٍ للترتيل، في حين أنَّه لم ينزل قبلها -حسب الترتيب المعتمد- سوى بضع آيات قصار من سورة العلق[4].

- تقديم تقسيمات جديدة عن مراحل دعوة النبيِّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ونزول القرآن الكريم في مكَّة المكرَّمة:

أ- الدعوة السرّيَّة، من بداية النزول إلى سورة الرحمن، والتي استمرَّت ثلاث سنوات[5].

(326)

ب- بداية التعرُّض للأصنام واندلاع الصراع مع قريش، بقراءة سورة النجم إلى جوار الكعبة في السنة الخامسة من البعثة[1].

ج- مرحلة التعرُّض للأصنام واضطهاد قريش للمسلمين، منذ السنة الخامسة إلى السنة السابعة للبعثة. وقد قامت قريش في هذه المرحلة بترغيب وتهديد النبيِّ الأكرم، وقد وقف أبو طالب في وجههم وأعلن عن دعمه للنبيِّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله، وإثر اضطهاد المشركين، اضطرَّت جماعة من المسلمين إلى الهجرة إلى الحبشة[2].

بالالتفات إلى هذه التقسيمات يذهب الجابري إلى الاعتقاد بأنَّ الآية السابعة والأربعين من سورة الشعراء، والآية الرابعة والخمسين من سورة الحجر ليس لهما صلة مباشرة بالدعوة العلنيَّة للنبيِّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله، بل إنَّ هاتين السورتين قد نزلتا في مرحلة الجهر بالدعوة. فقد كان تاريخ نزولهما في السنة التاسعة والعاشرة من البعثة، وبعد الحصار في شِعب أبي طالب، حيث قام النبيُّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله بدعوة القبائل إلى اعتناق الإسلام علنًا[3].

د- مرحة حصار النبيِّ وأهله في شِعب أبي طالب، منذ العام السادس أو السابع إلى السنة التاسعة أو العاشرة من البعثة[4].

هـ- مرحلة فكِّ الحصار وعرض النبيِّ نفسه على القبائل بعد كسر الحصار، ونتج عن ذلك بيعة العقبة الأُولى، وبيعة العقبة الثانية، الأمر الذي مهَّد للهجرة نحو المدينة[5].

(327)

وبعد بيان هذا التقسيم سعى الجابري ـ من خلال التنظيم والترتيب التاريخي لقَصص القرآن في كلِّ مرحلة من حياة النبيِّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ـ إلى بيان شرائط القَصص كما هي، وأنْ يُدرك في الأثناء كيف كانت هذه القَصص مؤثِّرة في هداية الناس واعتبارهم.

إنَّ اهتمام الجابري بترتيب النزول مقتبس قبل كلِّ شيء من رؤيته التاريخيَّة إلى التراث، وهي رؤية يتمُّ توظيفها بشأن القرآن أيضًا. يذهب الجابري إلى الاعتقاد أنَّه على الرغم من عدم إمكان الادِّعاء أنَّ هذه الرؤية توصل إلى النتيجة الحاسمة والقاطعة بشكل كامل، ولكن يمكن الوصول -من خلال قراءة القرآن بواسطة السيرة، وإعادة قراءة السيرة في ضوء القرآن- إلى صلة عميقة وراسخة بين النبيِّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله والقرآن الكريم[1].

2 - إظهار قَصص القرآن للواقع:

هناك ثلاث نظريَّات فيما يتعلَّق بإظهار قَصص القرآن للواقع وتطابقها التاريخي[2]، وهي كالآتي:

1 - إنَّ القَصص القرآني قد نزل على أساس الحقائق العينيَّة ومن أجل الاعتبار والاتِّعاظ وتربية الناس.

2 - إنَّ القَصص القرآني أُمور رمزيَّة وتحتوي على نوع من الخيال والإعداد المسرحي لبيان حُسن أو قُبح الأعمال أو صفة أو حال، إذ ترسم صورة خياليَّة

(328)

لتستفيد منها وتعمل على توظيفها في إثبات المدَّعى المتمثِّل في بيان الخير أو الشرِّ.

3 - إنَّ القرآن الكريم قد ساق القَصص على أساس معتقدات العرب وبما يتطابق مع ثقافتهم، ولكنَّه لم يعترف بواقعيَّتها. إنَّ هذا الكتاب السماوي قد نزل لهداية الناس وإشاعة الفضائل الإنسانيَّة، وعمد في هذا السياق إلى توظيف ما هو مقبول بين العرب واستشهد به. ويُسمَّى هذا النوع من البيان فنُّ الجدل أو الخطابة.

إنَّ المعتزلة الجُدُد طائفة مجدِّدة تذهب -من وجهة نظر آية الله معرفت- إلى القول بالنظريَّة الثالثة، وإنَّ رؤيتهم تختلف عن النظريَّة الثانية التي تُمثِّل رؤية المستشرقين[1]. يمكن تتبُّع جذور نظريَّة هؤلاء المجدِّدين في أفكار الشيخ محمّد عبده؛ لأنَّه كان يذهب إلى الاعتقاد بأنَّ الغاية من قَصص القرآن هي الاتِّعاظ والاعتبار، وليس رواية التاريخ، وبيان تفصيل عقائد الأُمَم السابقة. لقد تمَّ في قَصص القرآن توظيف الكلمات الشائعة بين المخاطبين أو العقائد المنسوبة إليهم في بعض الموارد، مع أنَّ تلك الكلمات والعقائد ليست صحيحة في الواقع[2].

لقد استمرَّ بحث القَصص في القرآن الكريم بعد الشيخ محمّد عبده، بواسطة أشخاص آخرين من أمثال: محمّد أحمد خلف الله بشكلٍ جادٍّ. لقد نظر خلف الله إلى قَصص القرآن برؤية أدبيَّة، ومال إلى الاعتقاد بأنَّ القَصص القرآني قد تمَّ بيانه بهدف التأثير النفسي على المخاطب[3]. إنَّه يرى أنَّ القصَّة عمل أدبي هو نتاج خيال القاصِّ بشأن ا