معهد واشنطن للشرق الأدنى

معهد واشنطن للشرق الأدنى

المقدمة

أفكار ـ أفعال ـ تأثير

هذا هو شعار المركز الأميركي ـ الإسرائيلي المسمّى معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى. ممّا يعني الكثير بالنسبة لمفهوم مركز الدراسات والتفكير. فهو ليس مجرّد جماعة علمية تمارس هواية إنتاج الأفكار وتداولها بمعزل عن الأحداث كما ينصح جيمس بيكر في أحد كتبه «اعمل بكدّ،ادرس وابحث وابق بعيدًا عن السياسة»[1] يمكن فهم هذه العبارة على نحوين، فهي إمّا نصيحة لمجتمع المعرفة الأميركي يوجّهها المجتمع  الحاكم مفادها أنّ البحث والتفكير لك أمّا السياسة والتأثير فلنا.... أو أنّها نتيجة معاناة بيكر من الهيمنة الإيديولوجية على مراكز التفكير الأميركية وهذا أرجح، وبالفعل شهدت سيرة جيمس بيكر صدامات مع اللوبي الصهيوني في واشنطن.

كيف يمارس هذا المركز وغيره من مراكز التفكير عملية صناعة الأفكار والأفعال والتأثير؟ من الواضح كما يبيّن النص الترويجي أنّه على اتصال دائم بأعضاء الكونغرس الاميركي وما يسميه الوكالات التنفيذية، والقوات المسلحة، ووحدة الاستخبارات، هذا على مستوى دوائر القرار، وعلى المستوى الأكاديمي يستعرض الباحثون نتائج أبحاثهم في الجامعات سواء في الولايات المتحدة أو حول العالم. عن المستوى الثالث وهو الجمهور يقول النص : لعدّة مرات يوميًّا ترد تعليقات باحثي المركز في الإعلام الرئيسي الأميركي والعالمي وتظهر في مقالات الرأي في نخبة الصحف بالإضافة إلى المقابلات التلفزيونية والإذاعية، هذا بالإضافة إلى مليون شخص سنويًّا يزورون موقع المعهد الإلكتروني لقراءة المنشورات أو مشاهدة الفيديوهات بشكل مباشر أو لدى الطلب. معظم المراكز الأميركية تعمل بهذه الطريقة، ومعنى هذا أن الأفكار المنتجة على مستوى نخبوي يتم ترويجها على أنّها مصلحة أميركا في دوائر القرار، وتسويقها على أنّها علم في الجامعات، ثمّ تتعرض لعمليات تخفيف لكثافتها وتوضيب لإطارها لتصبح ملائمة للإعلام المرئي والمسموع والمكتوب ومواقع التواصل الاجتماعي، ونشر الأفكار بهذه الكثافة الكمّيّة في البنية الطولية والعرضية للمجتمع يمنح فكرة ذات خلفية ايديولوجية هالة العلم وقوة الحقيقة، فيصبح الخروج من إطارها مستعصيًا على المستهلك للمعرفة أو المعلومة والذي لا يملك القدرة على تحليل خلفيتها.

1- ألعاب اللغة

في النص الترويجي نفسه ينقلب اسم إسرائيل فيصبح «المصالح الأميركية في الشرق الأوسط «علمّا أن المنظور الأميركي غير الصهيوني لا يرى مطابقة دائمة بين إسرائيل والمصالح الأميركية، وبعض آخر يرى أنّ إسرائيل عقبة في وجه تحقيق المصالح الأميركية في العالم الإسلامي ( انظر: بول فندلي: من يجرؤ على الكلام). وتستمر ألعاب اللغة  فتستخدم مصطلحات كالاستقرار والازدهار والديمقراطية والأمن والسلام، وكلها تعني في قاموسهم أمورًا أخرى غير التي نعرفها، فكلمة استقرار هي المعبّر الأميركي عن عدم وجود تهديد للهيمنة الأميركية على المنطقة، والاسم الذي يطلق على هذا التهديد هو «زعزعة الاستقرار»، وكلمة ديمقراطية تستخدم حيث يكون حكم الأغلبية دافعًا للمزيد من التبعية، أما الإزدهار فهو تربية المجتمعات على أنماط الحياة الاستهلاكية التي تضمن تسويق السلع الغربية أو الأميركية تحديدًا، أمّا الأمن والسلام فلا يمكن توفيرهما إلّا بديمومة التفوق العسكري لإسرائيل في المنطقة ولأميركا في العالم.

2- استبعاد المخالفين

وجود باحثين صهاينة إسرائيليين كمساهمين أساسيين في أبحاث المركز يستخدم في النص الترويجي كميزة تجعل مشروعية الكلام عن الشرق الأدنى شبه محتكرة لهؤلاء، باعتبارهم مراقبين من «داخل» الشرق وليس من خارجه، وبالتالي فإن أي رأي أميركي لا يتوافق مع المصالح الصهيونية فهو متهم سلفاً بأنه «رأي خارجي» بعيد عن المنطقة، وهذه تقنية الاستبعاد و«التفييش» بمعنى لصق التهمة بالمخالفين لمنع الاستماع لآرائهم، من أفعل تقنيات القمع التي تستخدمها اللوبيات الصهيونية في الغرب، سواء باستخدام التهمة المعلبة الجاهزة كالعداء للسامية أو عدم العلمية والموضوعية أو الانحياز «للإرهابيين» المسلمين، أو البعد عن «واقع» ما يجري حول إسرائيل وفيها. ولذلك يتم قمع وإسكات الأصوات المخالفة بكافة السبل وبدون أيّ قيود أخلاقية أو مهنية أو علمية، لتهيمن وجهة النظر التي يراد لها أن تكون المرجعية الوحيدة لسياسات أميركا في المنطقة.

يقول المروّجون: وضع المؤسِّسون في تصوُّرهم معهداً يرفضُ الأفكارَ الخيالية التي تدورُ في أذهان المراقبين الخارجيِّين حول ما ينبغي أن يكون الشرق الأوسط عليه، والإحاطة بدلاً من ذلك بالتقييمات الموضوعية لواقع المنطقة.

كما أوضحنا يتضمن النص تُهمًا جاهزة لوجهات النظر الأخرى: فهي إمّا «أفكار خيالية» من مراقبين «خارجيين» أو غير محيطة «بالتقييمات الموضوعية لواقع المنطقة». وحدها أبحاث المركز وما يوافقها تتمتع بتلك الصفات، فهي واقعية، داخلية، موضوعية، والأجدر بتحديد «ما ينبغي أن يكون عليه الشرق الأوسط».  في هذه الجملة الأخيرة يفصح المؤسسون عن الهدف الأساس، فمسرح عملياتهم هو الانتقال ممّا هو «كائن» إلى «ما يجب أن يكون» وفقًا لرؤيتهم الخاصة للمصالح الأميركية ـ الإسرائيلية.  بلغة أكثر صراحة: يُملي المركز على أصحاب القرار والقيادات الوسطى والناس رؤيته الخاصة للكيفية التي يجب أن يرى فيها الشرق الأوسط، يعني لا يكتفي بتحديد المنظار والمنظور وزاوية الرؤيا، بل يرسم الصورة أمام العدسة ويقنع المستهلكين لإنتاجه بتبنّيها بكافة الوسائل والعمل على تحويلها إلى واقع.

الأمر يتجاوز ما ألفناه من مراكز تفكير نخبوية تعمل على نشر الأفكار في أجواء رحبةٍ من النقاش، فهذا المركز أحادي الرؤية لا يحاور الأفكار المضادة بل يضغط بقوة اللوبيات لإقصائها عن المشهد. الحديث عن قيم الحوار والديمقراطية والمجتمع المفتوح تُترك للدعاية والاستهلاك المحلي، وتكاد الأفكار هنا تتحول إلى مطرقة أو كائن فيزيائي يطحن من يقف أمامه، لا من قوة الفكرة نفسها، بل من قوة الشبكة الإدارية والإعلامية والعلاقاتية التي تروّج الفكرة وتعزّزها بالتكرار والإقصاء في الوعي الجمعي.

3- الإسلام السياسي

شهد العقد الأخير من القرن العشرين تغيّرًا جوهريًّا في توازنات القوى في العالم الإسلامي، حين شكّل انتصار الثورة الإسلامية في إيران سببًا لنقل الاهتمام الاستراتيجي إلى منطقة الخليج، وأتى صعود تيار الإسلام السياسي في تركيا بقيادة نجم الدين أربكان ليكمل عملية رسم الخارطة بشكل لا يلائم توجهات المعهد.

ومنذ ذلك الحين تفرغ باحثون متخصصون في «شيطنة» كل ألوان الطيف الإسلامي، بهدف استبدال الاتحاد السوفياتي بعدو يحفظ لأميركا استنفارها العسكري وهيمنة شركات النفط والسلاح عليها، كما يحفظ لإسرائيل دور القاعدة المتقدمة في مواجهة «العدو» الجديد.

يعبّر المؤسسون للمعهد عن هذه المهمة بالتالي: 

«في التسعينيّات، ومدفوعاً بسقوط الاتّحاد السوفياتي وحرب الخليج الأولى والتحوُّلات التي جرت على مستوى التركيبة الإقليمية الاستراتيجية، اتّسع نطاق بحث المعهد ليشمل تركيزاً خاصًّا على تركيا وعلى تصاعد السياسة الإسلامية باعتبارها المفهوم المتكرّر الضروري لفهم الاتجاهات السياسية في أنحاء الشرق الأوسط ما بعد الاتحاد السوفياتي».

كان الإسلام المتطرف قد أُنتج بتعاون وثيق بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة في أفغانستان، وأصبح جاهزًا للتصدير بعد انسحاب الاتحاد السوفياتي وسقوطه المدوّي. ولم تكن أحداث 11/9 /2001 مطلع هذا القرن إلا إشارة البدء لا لحرب الولايات المتحدة على الإرهاب كما تقول الدعاية، بل لتوظيف الحركات التكفيرية والإرهابية ضد أي شكل من أشكال التمرد على النفوذ الأميركي ـ الصهيوني  ـ السعودي في المنطقة.. ولذلك من الطبيعي أن تحظى اتجاهات الحركات الإرهابية باهتمام المعهد لتوجيه العنف التكفيري بعيدًا عن المُنتِج والمُموِّل ليعمل لصالح أطروحة التمزيق الشامل للعالم الإسلامي تنفيذا لنظرية الفوضى الخلاقة.

الإسلام السياسي في قاموس المركز، عبارة عن «مُنتَج» يتم تصنيعه وتعليبه وتصديره على مستوى أميركا والعالم والمنطقة، وتُدمج كل محاولة لإحياء الإسلام ولو بصورة عصرية بعنوان كونها تهديدًا للمصالح الأميركية في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي. وهكذا نفهم معنى تحوّل «السياسة الإسلامية» إلى «مفهوم متكرر ضروري لفهم الاتجاهات السياسية في أنحاء الشرق الأوسط».

يختلف المركز هنا مع مفهوم «الإسلام الديمقراطي المدني» الذي حاولت شيريل بينارد من معهد «راند»  أن تسوّقه، فهي في بحثها تحاول أن تختار بين «الإسلامات» الموجودة على الأرض ذلك الذي يصلح حليفًا للولايات المتحدة في المنطقة، وبالطبع ستحتاج أي نسخة من الإسلام إلى تحولات جذرية لملاءمة معايير السياسة الأميركية، وسيكون المُنتَج النهائي غير ذلك الإسلام الذي أنُزل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله، ولكنّه في المحصّلة نسخة أنتجتها المنطقة تتّسم بأنّها محايدة أو بعيدة عن التوجهات التي تهدد الهيمنة الأمريكية.

يختلف معهد واشنطن عن معهد راند... عندما يتبنى فكرة العداء المطلق لأي إسلام، ويركّز باحثوه كما سنرى على تصوير كلّ من يرفع شعارًا إسلاميًّا بوصفه تهديدًا. والمقاربات تحاول أن تبرز الجوانب الصراعية والأمنية في تكرار مختلف الأساليب لنظرية الصدام الحتمي بين الحضارات والثقافات التي أسس لها الاستشراق  الأميركي ـ الصهيوني الحديث.

مدير التحرير

جهاد سعد

----------------------------------

[1]- Work Hard, Study and Keep Out of Politics.