البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

حقوق المرأة في الإسلام بالمقارنة مع مضمون «الاتفاقية على إلغاء كل أشكال التمييز تجاه المرأة»

الباحث :  د. محمد الطي
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  9
السنة :  السنة الثالثة ربيع 1418 هجـ 1998 م
تاريخ إضافة البحث :  January / 5 / 2015
عدد زيارات البحث :  1722
حقوق المرأة في الإسلام
بالمقارنة مع مضمون «الاتفاقية على إلغاء كل أشكال التمييز تجاه المرأة»
د. محمد الطي (*)
الحرية كانت في أساس قيام الأديان السماوية، فما قامت هذه الأديان إلا لتمكين الناس من امتلاكها وممارستها، والدليل على ذلك أن هذه الأديان؛ بكشفها زيف الألوهيات الأرضيَّة، خلَّصت الإنسان من مختلف القهر والإذلال والتحكم. وتتمثَّل هذه الأنواع في ما يأتي:
ـ جميع أنواع الاستعباد للآلهة الوهمية، كالأوثان والتماثيل ومظاهر الطبيعة، وكالملوك والأباطرة مدعي الألوهية أو نيابة الألوهية.
ـ الطاعة العمياء للأشخاص الحاكمين على أساس أنه لا سلطة لهؤلاء عليه، لأن السلطة للَّه وحده.
ـ جميع أنواع العنت والإرهاق والسخرة والقتل التي كان يساق إليها تحقيقاً لأحلام المسيطرين ورغباتهم، لأن اللَّه حدد حصة المجتمع من أموال الفرد ومجهوده، فلم تعد رهناً باستنساب الحاكمين.
ـ جميع أنواع الرق ذات الأشكال المختلفة، من طريق حصرها ورسم الطريق للقضاء عليها.
وباختصار فقد ألغت الأديان سلطة أيٍّ كان على أيٍّ كان من الناحية المبدئية إلا من كلفهم اللَّه بذلك.
ولم يبق إلا حرية الإنسان في أن يقيم الحكم الذي وضعت الأديان حدوده الأساسيّة، تاركة للبشر إمكانية الاتفاق عليه.
________________________________________
(*)أستاذ في الجامعة اللبنانية.

[ الصفحة - 119]


وهكذا يكون الأصل هو الحرية، إلاَّ أن المجتمعات البشرية لم تلتزم بهذه المبادى‏ء فراح القوي يفرض سلطته على الضعيف فيخضعه لإرادته في حياته وحريته وماله.
ومن مظاهر هذه السلطة كان تسلط الرجل على المرأة، الذي قضى على الشطر الأكبر من المكتسبات التي حملتها إليها الأديان، وبخاصَّة الإسلام.
وهكذا فقد أصبحت الآراء تتضارب في مسائل الحريات والحقوق متأثرة بالتشريعات السماوية وبالأعراف والتقاليد البشرية، وكانت حقوق المرأة من أكثر الأمور عرضة للالتباس، لا سيما في موضوع مساواتها أو عدم مساواتها بالرجل.
المساواة بين الرجل والمرأة
يتخذ المفكرون المسلمون مواقف متباينة من مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة؛ حيث ما زال فريق منهم يقيّد هذا المبدأ فيما يذهب الآخرون إلى تأكيده بكل قوة، وبين هذا وذاك تتوزع المواقف المتفاوتة. غير أن الجميع متّفقون على المساواة في عدد من الأمور، لا سيما منها القيم التي يبشر بها الدين والتكاليف التي يتوجه بها إلى الناس في المجال الأخلاقي والعبادي؛ حيث يخاطب أفراد الجنس البشري أو المؤمنين أو المسلمين دونما تمييز بين الرجل والمرأة، مؤكداً تحدرهما من نفس واحدة: { وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة } (1) }النساء/98{ . كما أن الجميع متفقون على المساواة في مجال الملكية والنشاط الاقتصادي والأهلية المدنية (2) والمساواة أمام القانون في مجال حفظ النفس المال وفي مجال المسؤولية الجزائية. وإن قارنَّا هذه المواقف الإسلاميَّة مع ما ورد في المادَّة 13، في الفقرتين: أ وفب، من الاتفاق الدولي حول «إزالة كل أشكال التمييز ضد المرأة»، ومع الأهداف العامَّة التي رسمها المؤتمران الدوليان للسكّان والتنمية ولمشاكل المرأة (3) ، لوجدنا أنَّ ما وضعه الاتفاق والمؤتمر يتوافق مع ذلك المواقف الإسلاميَّة.
غير أن الخلاف يبرز عندما يتوفر البعد العائلي في العلاقة بين المرأة والرجل، فيتخذ فريق من الفقهاء على أساسه مواقف تجعل المرأة في مرتبة دونية بالنسبة إلى الرجل كما في مسألتي الإرث والحياة الأسرية، فيما يصر الآخرون على أن التفاوت
________________________________________
(1)سورة الأنعام/98، وكذلك سورة النساء/4، وسورة الأعراف/7.
(2)تراجع المؤلفات الفقهية عموماً وبشكل خاص صبحي الصالح، النظم الإسلامية، دار العلم للملايين، ط7، 1989، ص 425. ومحمد معروف الدواليبي، المرأة في الإسلام، دار النفائس، ط1، 1989، ص 27 و28، ومصطفى السباعي، المرأة بين الفقه والقانون، المكتب الإسلامي، ط5، ص 30.
(3)المؤتمر الدولي للسكان والتنمية ـ القاهرة، 5-12، أيلول 1994، والمؤتمر الدولي الرابع المعني بالمرأة، بيجنغ 4-15 أيلول 1995.

[ الصفحة - 120]


هنا لا يخل بمبدأ المساواة، بل هو متعلق بالمعطيات النفسية لكل من الرجل والمرأة وبالمعطيات الاقتصادية داخل العائلة. ولعل ما يلخص موقف الفريق الأول هو اعتبار النساء أدنى مرتبة من الرجال، لا على صعيد الواقع فحسب بل وعلى صعيد القيمة الاجتماعية والحقوقية.
أما موقف الفريق الآخر فيقوم على قاعدة المساواة الأساسية المستندة إلى الحديث الشريف: «النساء شقائق الرجال» (4) وينفي نقصان المرأة في أي مجال من المجالات على أساس أنه لو كانت ناقصة العقل لنقص تكليفها عن تكليف الرجل، ويثبت أن طاقاتها مساوية لطاقات الرجل‏ (5). ويذهب فقهاء الثورة الإسلامية في إيران إلى «أن المرأة والرجل في نظر الإسلام إنسانان كاملا الإنسانية ويتمتعان بنفس الدرجة من حقوق الإنسان» (6) .
ونتيجة لهذه النظرة يرفض هذا الفريق أي تسلط للرجل على المرأة لأن «سيطرة الأب والأخ والابن على المرأة ليس له أساس في التشريع الإسلامي» (7) ، بل هو تعدٍ وإيذاء، وهو يجر المسؤولية على أساس مبدأ { والذين يُؤْذُون المؤمنين والمؤمنات بِغَيْر ما اكتَسَبُوا فقد احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وإِثْماً مُبِيْناً } {الأحزاب/58}.
ولعل الذي يدعم هذا الموقف هو أن القرآن والسنة يأمران بالمعروف في العلاقات بين الرجل والمرأة سواء في مسألة المعاشرة أو الإنفاق أو الطلاق‏ (8) ذلك المعروف القائم على أساس الخلق من نفس واحدة وعلى أساس ضرورة إقامة الأسرة على الود والرحمة والطمأنينة: { ومن آياته أنْ خَلَقَ لكُمْ من أَنْفُسِكم أَزْوَاجاً لِتَسْكِنوا إليها وَجَعَل بَيْنَكم مَوَدَّةً ورحمةً } {الروم/21} . ويرى بعض الفقهاء أن هذا الأمر يشكل مبدأ لا مجرد تفاصيل، وهذا المبدأ يجب أن يحكم العلاقات جميعها، لأن المسلم مأمور بأن يعرض كل حكم على القرآن للتمسك بما يوافقه ونبذ ما يخالفه‏ (9) . على أن المساواة في نظر هذا الفريق من الفقهاء تتجاوز الزوج والزوجة إلى الابن والبنت؛ إذ يقول الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم): «ساووا بين أولادكم بالعطية، فلو كنت مفضلاً أحداً لفضلت النساء» (10)«ومن كانت لديه أنثى... لم يؤثر ولده عليها أدخله اللَّه الجنة» (11) . وهكذا يقوم التقارب بين الإسلام، المفهوم على هذا النحو، وبين الأهداف التي تبناها مؤتمر القاهرة حول السكان المشار إليه أعلاه، لا سيما
________________________________________
(4)يراجع سنن الترمذي، كتاب الطهارة الباب 82، وسنن أبي داود، كتاب الطهارة الباب 94، وسنن الدارمي، كتاب الوضوء، الباب 76، ومسند أحمد بن حنبل 6/256 و377.
(5)يراجع السيد محمد حسين فضل اللَّه، المرأة، دار الثقلين، بيروت 1995، ص 48 و49.
(6)مرتضى مطهري، نظام حقوق المرأة في الإسلام، دار التعارف، بيروت 1992، ص 129.
(7)المرجع نفسه، ص 26.
(8)تراجع سورة النساء/19، وسورة البقرة/229 و233.
(9)يراجع الشيخ محمد مهدي شمس الدين، حقوق الزوجية، المؤسسة الدولية 1996، ص 88.
(10)د. صبحي الصالح، مذكور سابقاً، ص 444.
(11)الطيب حسن النجار، تيسير الوصول، مكتبة شبرا القاهرة، 1950، 1/49.

[ الصفحة - 121]


في ما يتعلق بعدم التمييز في معاملة الأطفال‏ (12) كما يتجاوز الإسلام ذلك إلى الأب والأم حيث يؤثر الإسلام أحياناً الأم التي حملت الابن { كُرْهاً وَوَضَعْته كرهاً } {الأحقاف/15] { وهْنَا على وَهْنِ }{لقمان/14] فاستحقت في نظر النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) مزيداً من البر، إذ يؤكد بأن الأحق بحسن الصحبة أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك‏ (13) .
أما مظاهر التسلط واللامساواة الملحوظة في مختلف المجتمعات الإسلامية فيعزوها بعض المفكرين الإسلاميين إلى الأعراف السائدة بعيداً عن روح الإسلام ونصوصه، ذلك أن العديد من مفكري الإسلام وفقهائه «حاولوا أن يفهموا النص بطريقة غير شعورية من خلال الأعراف التي تحولت إلى حالة ذهنية متغلغلة في كل الوجدان بحيث أن الإنسان لا يستطيع أن يفهم نصاً إلا من خلال هذه الحالة الوجدانية ولا يستطيع أن يفهم النصوص إلا على أساس ما انطبع في ذهنه من خلال البيئة أو من خلال مرتكزاته التي جاءت من هنا وهناك، فأصبحت تشبه البديهية في ذهنه»(14) وهذا ما تلتقي به المادة الخامسة من الاتفاقية الدولية المشار إليها قبل قليل مع أحكام الإسلام. على أن المساواة التي يراها هذا الفريق من المفكرين والفقهاء المسلمين لا تعني المماثلة، بل تعني التوازن والتقابل فالذي يطرحه الإسلام حسب بعض فقهاء الثورة الإيرانية، «هو أن المرأة، بما أنها امرأة، تختلف عن الرجل لكونه رجلاً من جوانب كثيرة... إن كثيراً من الحقوق والواجبات والعقوبات سوف لا تكون واحدة لكليهما» (15) كما يرى الشيخ محمد مهدي شمس الدين أن الدعوات المطروحة في الغرب هي دعوات إلى المماثلة لا إلى المساواة (16) ، ومن هنا كانت الاختلافات في بعض أوجه التشريع الموجهة إلى كل من الرجل والمرأة.
أوجه الخلاف: اللامساواة
يمكننا تصنيف مواضيع الاختلاف في الحقوق بين الرجل والمرأة في أربع فئات أساسية:
أولاً: فئة النشاطات الاجتماعية والسياسية
ثانياً: فئة الزواج والتزويج‏
ثالثاً: فئة النصيب والصدقية.
________________________________________
(12)يراجع الفصل الرابع من التقرير.
(13)يراجع صحيح البخاري، كتاب الأدب، الباب 2، مسند أحمد 5/3و5 وسنن الترمذي، كتاب البر، الباب‏1. وصحيح مسلم كتاب البر، الباب 2، وسنن أبي داوود كتاب الأدب، الباب 120.
(14)السيد محمد حسين فضل اللَّه، مذكور سابقاً، ص 35.
(15)مطهري مذكور سابقاً، ص 129.
(16)شمس الدين، الستر والنظر، المؤسسة الدولية، 1994، ص 48.
[ الصفحة - 122]
رابعاً: فئة الأوضاع المتعلقة بالحياة الزوجية
وسنعالج هذه الفئات الأربع والحلول الممكنة للمشاكل المطروحة في تفاصيل كل منها، ثم نخلص إلى ما نراه من واجبات الحكومة في مساعدة المرأة للوصول إلى أفضل صورة من حقوقها.
الفئة الأولى: فئة النشاطات الاجتماعية والسياسية
يجب التمييز، داخل هذه الفئة، بين النشاط في المجال الاجتماعي والنشاط في المجال السياسي، نظراً لتباين المواقف بخصوص كل منهما:
النشاط الاجتماعي:
يتفق علماء الإسلام على الحقوق الاقتصادية للمرأة بالتساوي مع الرجل، إلا أنهم يختلفون في موضوع العمل ومغادرة المنزل الزوجي للعمل أو للقيام بالنشاطات الاجتماعية. فيرى فريق من الفقهاء منعها من ذلك ويرى فريق آخر حريتها كالرجل.
أما دعاة منع المرأة من العمل والنشاط الاجتماعي فينطلقون من أن واجبها القيام على أطفالها وبيتها أولاً وأخيراً، ومن أنها غير مكلفة بالإنفاق على الأسرة. وقد أكد هذا السيد قطب في تفسيره القرآني. حيث يقول: «وأعجب العجب أن انحراف التصورات الجاهلية ينتهي بناس من المعاصرين إلى أن يعتبروا نظام العمل للمرأة تقدماً وتحرراً وانطلاقاً من الرجعية، وهو هو هذا النظام الملعون الذي يضحي بالصحة الذهنية لأغلى ذخيرة على وجه الأرض، الأطفال، رصيد المستقبل البشري. وفي مقابل ماذا؟ في مقابل زيادة في دخل الأسرة أو في مقابل إعالة المرأة التي بلغ من جحود الجاهلية الغربية والشرقية المعاصرة وفساد نظمها الاجتماعية والاقتصادية أن تنكل عن إعالة المرأة التي لا تنفق جهدها في العمل‏ (17) .
ويتبنى الشيخ محمد أبو زهرة الرأي نفسه فيرى أن واجب الزوجة الأساسي هو العمل في البيت كالكنس وغيره والقيام عليه بوجه عام‏ (18) .
وفي مقابل هذا الرفض لعمل المرأة خارج البيت يقر بعض مفكري الإسلام بحق الخروج من البيت للعمل، ولكن بشروط معينة تتعلق بالجانب الأخلاقي التقليدي المتمثل بالحشمة وعدم الاختلاط بالرجال. وإلى هذا يذهب الدكتور
________________________________________
(17)قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق، ط17، 1992، ص 236.
(18)الشيخ محمد أبو زهرة، الأحوال الشخصية، دار الفكر العربي، القاهرة، ط، 1957، ص 191.

[ الصفحة - 123]


محمد عقلة، أستاذ الشريعة في الجامعة الأردنية، فيقول: «ليس في نصوص الإسلام من كتاب وسنة ما يمنع المرأة من العمل إذا وجدت الأسباب الداعية له وتوفرت الظروف والشروط الملائمة للمرأة كأنثى. بل إننا نجد ما يعطيها حق الكسب من أي مصدر مشروع، ومن ذلك العمل». أما الشروط الواجبة في هذه الحالة فهي «أن يتناسب العمل مع طبيعتها وأن تكون محتشمة ولا تخالط الرجال وتختلي بهم، وأن لا يتعطل عملها في البيت وأن يأذن وليها بذلك» (19) .
غير أن هذه الموانع هي موانع أخلاقية تسري على المرأة وعلى الرجل معاً؛ ذلك أنه «ليست هناك قيمة أخلاقية تفرض على المرأة ولا يفرض مثلها على الرجل، وليست هناك قيمة سلبية يمكن أن تطال المرأة ولا تطال الرجل» (20) وهكذا فإنه عندما يسمح للرجل بالعمل مع النساء، فإنه يسمح للمرأة بأن تعمل مع الرجال، فلماذا الحظر على المرأة.
ولهذا فإن عدداً من المفكرين والفقهاء يبيحون العمل للمرأة (21) ، شريطة عدم الإخلال بواجباتها البيتية، وشريطة أن تستعمل الحجاب، وإذا كان ذلك حسب رأي بعض الفقهاء يتعارض مع حقوق الزوج فلتحتط له في عقد زواجها من طريق اشتراط العمل‏ (22) . وبهذا يحق لها الخروج من دون إذنه‏ (23) . أما مجالات العمل المشروعة لها فهي «أن تبيع وتتاجر وتعقد الصفقات وتؤجر البيوت وترهنها وتقوم بالغرس والزراعة والفلاحة والحصاد وتشتغل عند الضرورة القصوى في المعامل والمصانع في حدود ما يليق من أعمال» (24) . وهكذا فإذا كان العمل مباحاً، فإن ذلك لا يعني تكليفها بالإنفاق على الأسرة، ومن هنا فإن عملها إن كان مجانياً يمسي مباحاً أيضاً، فتقوم بالنشاطات الاجتماعية المختلفة.
وهكذا فإنه يمكن أن تتلاقى الاتفاقية لمنع التمييز مع الإسلام، مع شي‏ء من التحفظات تعود إلى وظيفة المرأة داخل الأسرة، وذلك لجهة حق المرأة في العمل. ويتوافق هذا الموقف مع ما أقره الفصل الرابع من المؤتمر الدولي الذي عقد في القاهرة في قسم «الإجراءات»، لا سيما الفقرة (د)، كما يتوافق مع الأهداف التي حددها مؤتمر بيجنغ لا سيما الفصل الرابع الفقرةف(و). أما التدابير الأخرى المتخذة في مواجهة أرباب العمل‏ (25) فهي مسألة غير مطروقة، بشكل كاف. ويمكننا القول
________________________________________
(19)د. محمد عقلة، نظام الأسرة في الإسلام، مكتبة الرسالة الحديثة، عمان، 1983، ج‏2، ص 99 وما بعدها.
(20)فضل اللَّه، المرأة، مذكور سابقاً، ص 76.
(21)يراجع معروف الدواليبي، مذكور سابقاً، ص 47، وفضل اللَّه، تأملات إسلامية حول المرأة، دار الملاك، بيروت 1997، ص 38. والصالح مذكور سابقاً، ص 461.
(22)فضل اللَّه، مذكور سابقاً، ص 103.
(23)المرجع نفسه، ص 38.
(24)د. صبحي الصالح، مذكور سابقاً.
(25)تراجع المادة 11 من الإتفاقية حول كل أشكال التمييز تجاه المرأة.

[ الصفحة - 124]


إن الإسلام لا يلزم رب العمل إلا بأجر متساو لعمل متساو ولا يجبره على أن يمنح المرأة إجازات مدفوعة بما يقيم تمييزاً بينها وبين الرجل. ولكن يمكن أن تقدم المساعدة للمرأة في إجازات الحمل بوساطة صناديق يمكن أن يجد الفقهاء سبلاً لتمويلها. وإذا كان الموقف الإسلامي النظري على النحو الذي بيناه فإن عدداً من الدول مثل تونس تحفظت على الاتفاقية الخاصة بإزالة أشكال التمييز تجاه المرأة في هذا الجانب.
النشاط السياسي‏
يعتبر المفكرون الإسلاميون، الذين يقرون حق المرأة في العمل، أن حقها في العمل السياسي أكيد ولكنهم يختلفون على حدوده، ذلك أن فريقاً منهم يرى عدم أهليتها للحكم والسلطة فيما يقر بأهليتها لما دون ذلك.
أهليَّة العمل السياسي العادي‏
أما المنادون بحقها في تعاطي السياسة فإن بعضهم، وإن أقر بهذا الحق، فإنه يرى أن المسلمات الأوائل لم يمارسنه، ذلك لأنهن كن يعتبرن أن واجبهن الأول هو أن يكن أمهات وربات بيوت‏(26) لكن هذا الرأي لم يكن محل إجماع؛ ذلك أن العديد من الفقهاء يرون أن لا دليل على عدم أهلية المرأة للعمل السياسي‏ (27) ، بل العكس هو الصحيح استناداً إلى بيعة النساء للرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) في المدينة وفي مكة (28) واستناداً إلى مشاورة عبد الرحمن بن عوف للنساء بمناسبة اختياره عثمان بن عفان لخلافة المسلمين وغيرها (29) . هذا ولا تقف فئة من الفقهاء عند حدود إباحة العمل السياسي للمرأة، بل تتعدى ذلك إلى اعتبارها مأمورة به تماماً كالرجل، وذلك بالآيات التي تحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اللذين لا بد من أن يكون لهما وجه سياسي، وبأحاديث عن الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) كالقائل أنه «من أصبح وأمسى لا يهتم بشؤون المسلمين فليس منهم» (30) تلك الآيات والأحاديث التي استند إليها عدد كبير من المسلمات في هجرتهن إلى المدينة، كما اعتمدت عليها السيدة فاطمة بنت الرسول من في حجاجها مع أبي بكر وفي خطبتها في مسجد رسول اللَّه، كما اعتمدت عليها عائشة في مواقفها لدى طعن الخليفة عمر بن الخطاب وأثناء خلافة عثمان، وهذا إلى العديد من النساء اللواتي كن يناقشن الرسول والخلفاء (31) .
________________________________________
(26)الشيخ مصطفى السباعي، مذكور سابقاً، ص 153.
(27)يراجع شمس الدين، أهلية المرأة لتولي السلطة، المؤسسة الدولية، بيروت 1995، ص 28.
(28)يراجع صحيح البخاري، كتاب الحكام، باب بيعة النساء، وكذلك تفسير سورة الممتحنة، ومسند أحمد 5/85.
(29)يراجع محمد رشيد رضا، حقوق النساء في الإسلام، دار الأضواء، ط1، 1989، ص 34.
(30)محمد بن يعقوب الكليني، أصول الكافي، دار الأضواء، بدون تاريخ، ج‏2، ص 163، ح‏1.
(31)يراجع فضل اللَّه، المرأة، مذكور سابقاً، 54 وما بعدها.

[ الصفحة - 125]


وتعبيراً عن مواقف معارضة لبعض جوانب الحقوق السياسية، فقد تحفظت دولة الكويت على الفقرة الأولى من المادة السابقة من الاتفاقية لجهة المساواة في حق الانتخاب.
أهلية تولي السلطة
يعارض معظم الفقهاء المسلمين تولي المرأة للسلطة، على أساس حديث شريف يقول: «إنه لم يفلح قوم قد ولوا أمورهم إمرأة». وهكذا يذهب مؤلفو «كتاب الفقه على المذاهب الأربعة» إلى أن المسلمين «اتفقوا على أن الإمام يشترط فيه أن يكون... ذكراً» (32) .
ويفصِّل الشيخ مصطفى السباعي هذا الرأي، فيعزو عدم أهلية المرأة إلى ضعفها عن القيام بالمهام المطلوبة من رئيس الدولة، وبخاصَّة في مجال الحرب وإمامة الصلوات فيقول: «إن رئيس الدولة في الإسلام ليس صورة رمزية للزينة والتوقيع، إنما هو قائد المجتمع ورأسه المفكر ووجهه البارز ولسانه الناطق، وله صلاحيات واسعة خطيرة الآثار والنتائج. فهو الذي يعلن الحرب على الأعداء ويقود جيش الأمة في ميادين الكفاح ويقرر السلم والمهادنة، إن كانت المصلحة فيهما، أو الحرب والاستمرار فيها إن كانت المصلحة تقتضيها، وطبيعي أن يكون ذلك كله بعد استشارة أهل الحل والعقد في الأمة، ولكن هو الذي يعلن قرارهم ويرجح ما اختلفوا فيه.
ورئيس الدولة في الإسلام يتولى خطابة الجمعة في المسجد الجامع وإمامة الناس في الصلوات والقضاء بين الناس في الخصومات، إذا اتسع وقته لذلك.
ومما لا ينكر أن هذه الوظائف الخطيرة لا تتفق مع تكوين المرأة النفسي والعاطفي، وبخاصة فيما يتعلق بالحروب وقيادة الجيوش، فإن ذلك يقتضي من قوة الأعصاب وتغليب العقل على العاطفة والشجاعة في خوض المعارك ورؤية الدماء،...
أما خطبة الجمعة والإمامة في الصلاة فلا ينكر أن العبادة في الديانات، وبخاصة في الإسلام، تقوم على الخشوع وخلو الذهن من كل ما يشغله، وليس مما يتفق مع ذلك أن تعظ الرجال امرأة أو أن تؤمهم في الصلاة» (33) .
________________________________________
(32)عبد الرحيم الجزبري، الفقه على المذاهب الأربعة، شركة فن للطباعة، القاهرة 5/350.
(33)السباعي، مذكور سابقاً، ص 40 و41.

[ الصفحة - 126]


إلا أن هناك فريقاً من الفقهاء القدماء والمحدثين يذهب إلى الرأي المعاكس، فيرى ابن حزم الظاهري اعتماداً على قول أبي حنيفة واستناداً إلى سابقة حصلت في عهد عمر بن الخطاب، أنه «من الجائز أن تلي الحكم امرأة» (34) . ويفصل الفقهاء المعاصرون هذا الرأي، فيرون أن الحكم اليوم ليس استبداداً بالسلطة وهو لا يعتمد على رأي الحاكم، بل حكم القانون والمؤسسات، فلا ينطبق عليه ما كان ينطبق على الخلفاء (35) . هذا مع العلم أن هناك من يعود إلى قصة القرآن الكريم عن ملكة سبأ التي كانت أنثى وقد مدحها اللَّه عز وجل‏ (36) .
على أن الحاكم لم يعد اليوم مكلفاً شخصياً بقيادة الجيوش، كما يذهب إليه الشيخ السباعي. أما رأيه في موضوع الصلاة وخطبة الجمعة فيمكن التغلب عليه، ويبقى أن نؤكد، في مواجهة الذين يحرمون إسماع المرأة صوتها للرجال، إن الصوت المحرم هو الصوت الخاضع المغري، لا الصوت الجدي والرصين‏ (37) .
وبالمقارنة مع ما ورد في الاتفاقية الدولية لإلغاء أشكال التمييز تجاه المرأة، نجد أن الموقف الإسلامي المتقدم المبين هنا يتقبل ما ورد بالمادتين السابعة والثامنة، اللتين تطالبان الحكومات بإيجاد الضمانات للنساء، ليمارسن، على قدم المساواة مع الرجال، حق التصويت ورسم السياسة وتنفيذها والمشاركة في المنظمات والتجمعات غير الحكومية وفي العمل السياسي وأن تمثل حكومات بلدانها على النطاق الدولي وأن تشارك في أعمال المنظمات الدولية. كما يلتقي مع الإسلام ما قرره مؤتمر القاهرة في الفصل الرابع في الفقرات (4 - 8) من الإجراءات التي يراها لهذه الجهة، وأخيراً ما قرره مؤتمر بيجنغ في الفصل الرابع، الفقرة (ز).
الفئة الثانية: الزواج والتزويج والميراث والدية والشهادة
أ ـ الزواج والتزويج‏
يثور الخلاف بين الفقهاء حول حق المرأة في عقد الزواج، فهل هي التي تقرره لنفسها، أو يقرره لها وليُّها؟ وهنا يجب استعراض الحالات المطروحة، وهي زواج الصغير والصغيرة وتزويجهما، وزواج البالغ والبالغة وتزويجهما.
________________________________________
(34)ابن حزم الأندلسي الظاهري، المحلى، المطبعة المنيرية، القاهرة ط 1352 ص 215.
(35)يراجع فضل اللَّه، المرأة، مذكور سابقاً، ص 44 وشمس الدين، أهلية المرأة لتولي السلطة، مذكور سابقاً، ص 47.
(36)المرجع نفسه، ص 43.
(37)المرجع نفسه، ص 7.

[ الصفحة - 127]


زواج الصغير والصغيرة: ينظر الإسلام إلى الزواج بوصفه عقداً، ويشترط لصحته أن يكون العاقد بالغاً راشداً ومن هنا يكون زواج الصغير نفسه باطلاً سواء كان ذكراً أم أنثى.
غير أنه في حالة الذكر يرى بعض الفقهاء أنَّه من الممكن إجازته من قبل الولي، وهذا هو مذهب أبي حنيفة (38) وإليه يذهب الدكتور محمد عقلة من أساتذة الجامعة الأردنية (39) وعلي حسب اللَّه من أساتذة الشريعة في جامعة القاهرة والخرطوم والكويت‏ (40) . أما زواج الصغيرة نفسها فلم نعثر على موقف فقهي يعالجه، ولكننا نستطيع أن نطبق عليه ما ينطبق على الصغير نظراً لعدم وجود مانع.
تزويج الصغير والصغيرة: يرى الفقهاء أن الولي يستطيع تزويج الصغير والصغيرة، ويرى الإمام الخوئي أن ليس لهما سلطة الخيار بعد البلوغ، شرط أن يكون الولي الأب أو الجد وإن علا، لا غيرهما من الأقارب. إلا أن بعض الفقهاء، حتى من القدامى، كابن شبرمة وأبي بكر الأصم، يعارضون تزويج الصغير والصغيرة على أساس أن لا ولاية على الصغيرة حتى تبلغ وتستأذن، كما أنه لا ولاية على الصغير الذكر في الزواج لعدم حاجته إليه‏ (41) . وأياً كان الحكم الشرعي هنا، فإننا نرى أنه إذا كان زواج الصغير ممكناً في العصور الخالية، فإنه اليوم مستحيل تقريباً من الناحية العملية، إذ إن الاستقلالية أصبحت الأساس في العلاقات بين الأولاد المتزوجين وأهليهم، كما أن متطلبات العصر لم تعد تسمح بأن يكون الصغير مسؤولاً عن أسرة، لما حملته هذه الحياة من التعقيدات.
أما زواج الصغيرة فهو اليوم أكثر خطورة بعد التطور العلمي، الذي لا يمكن أن يكون في متناول الطفلة، حتى في مجال الحمل والحضانة والتربية. من هنا كان لا بد من الرشد، على أن عموم الفقهاء يربطون الرشد بالبلوغ ويعتبرون أن الفتاة تصبح راشدة في سن التاسعة، أما الصبي ففي سن أكبر قليلاً كالرابعة عشرة أو الخامسة عشرة. ولكن تحديد السن بهذه الطريقة يعتمد على حالة الجسم، الذي ينضج في سن مبكرة، وإن كانت الفتاة تسبق الفتى. أما مسألة الرشد فهم يقيسونها بمدى السلامة العقلية. ونحن هنا لا بد من أن نرى أن السلامة العقلية ليست كافية،
________________________________________
(38)الكاساني (أبو بكر)، بدائع الصنائع، مطبعة شركة المطبوعات العلمية، القاهرة 1327، ج‏3، ص 1326.
(39)يراجع محمد عفلة، مذكور سابقاً، ج‏1، ص 192 و193.
(40)علي حسب اللَّه، الزواج في الشريعة الإسلامية، دار الفكر العربي، القاهرة، بدون تاريخ، ص 74.
(41)المرجع نفسه، ص 79.

[ الصفحة - 128]


لأنها إن كانت كافية لصحة تصرفات الصبي غير المميز الذي لا يشكو من أي نقص في قدراته الذهنية. فيبقى أن الرشد هو إمكانية القيام بالأعباء المختلفة الواقعة على عاتق الإنسان. هذه الأعباء التي لا يمكن أن ينهض بها إلا الإنسان الناضج المتفهم، الذي عرف الحياة بالحد الأدنى، وحصَّل قسطاً من العلم، أو تمرس بمهنة أو حصل على خبرة تمكنه من تثمير رأسمال موروث أو ما إلى ذلك. وهذا لا يتأتى للإنسان في سن مبكرة تتراوح بين التاسعة والخامسة عشرة، ولعل أبلغ دليل على ما نقول هو ما نصطدم به يومياً في حياتنا العملية التي أصبحت معقدة بشكل غير معقول.
إن الفتى الذي كان يبلغ الرشد في ظل مجتمع الكفاية أو المجتمع القديم، كالذي كان سائداً في صدر الإسلام، في سن مبكرة لم يعد يبلغه اليوم، حسب التجربة البشرية، قبل سن تتراوح بين الثامنة عشرة والحادية والعشرين نضجاً أولياً معقولاً لمواجهة الحياة.
ومن هنا يرى بعض الفقهاء أن سن الرشد، عند الفتاة، ليس بالضرورة سن التاسعة، بل هو السن الذي يثبت فيه أنها رشدت فعلاً (42) . وعلى كل حال فإن الاتجاه اليوم في الدول الإسلامية هو إلى تحديد سن أعلى من السن المحددة فقهياً. فقد جعلت مصر السن الأدنى لزواج الفتى ثماني عشرة سنة، ولزواج الفتاة ست عشرة سنة (43) ويمكن زيادة هذه السن استناداً إلى نفس المبررات التي سمحت بتجاوز التاسعة والرابعة عشرة.
زواج البالغ والبالغة وتزويجهما: لا خلاف بين الفقهاء على إمكانية أن يزوِّج البالغ من الرجال نفسه، ولا ولاية عليه. أما البالغة فهناك تمييز بين كونها ثيباً أو بكراً.
أما الثيب، أي التي كانت متزوجة فأصبحت أرملة أو مطلقة، وهي تمتلك في نظر الفقهاء عموماً حرية أوسع من حرية البكر، أي التي لم تعرف الزواج. على الرغم من إقرار بعض المفكرين بأن المبدأ هو أن لا ولاية لأحد على أحد.
ويختلف الفقهاء في شأن الثيب، فهل تمتلك حرية مطلقة في الزواج ممن تشاء، أو أن لوليها حقاً ما في الأمر؟
________________________________________
(42)يراجع فضل اللَّه، تأملات، ص 64.
(43)قانون 56 لسنة 1923.

[ الصفحة - 129]


يرى بعض الفقهاء أن الثيب لا تنكح حتى تُستأمر (44) ، أي أن ليس لوليها تزويجها دون رأيها سواء كانت صغيرة أم كبيرة، بل عليه أن يستشيرها، فلا يزوجها دون إرادتها. ومن هنا اعتبر بعض الفقهاء أن الثيب أحق بنفسها من وليها (45) .
إلا أن بعض الفقهاء يذهبون إلى أبعد من هذا، فيرون «أن الفتاة إن كانت ثيباً فهي تملك أمرها كما هو الحال بالنسبة للفتى» (46) أما البكر فلا تستغني عن رأي وليها، أما دور الولي فهو موضع خلاف كبير.
فبعض الفقهاء، من المذاهب الأربعة السنية، يرون صلاحية الولي بإجبار البنت، إلا أنهم يختلفون في تحديد من له هذه السلطة من الأولياء، فيرى الحنفية أن هذا حق لكل ولي‏ (47) ولكن الشافعية يحصرون هذا الحق بالأب والجد (48) . ويحصره المالكية بالأب أو بمن يوصيه‏ (49) . فيما يحصره الحنابلة بالأب دون غيره‏ (50) . وهي إن استؤذنت فهي تستأذن استحباباً عند الحنفية وعند بعض فقهاء الشيعة. غير أن عدداً من الفقهاء يرى أن لا أحد يستطيع إلزام الفتاة بالزواج ممن لا تريد على الإطلاق، إذ إن للفتاة الرأي الأول والأخير في الاختيار، فليس لأحد أن يفرض عليها ما لا تريد (51) .
ولكن هذا لا ينفي كل حق لوليها، بل يبقى له حق ربما يراه بعض الفقهاء متمثلاً بحق الرفض، النابع من حق مشورته أو مباشرته إلى طلب رأيها، وذلك حماية لها «من الخديعة» (52) .
غير أن رفض الولي لا يسمح له بأن يكون تعسفياً في نظر عدد من المفكرين الإسلاميين، الذين يرون أن للسلطان أو للقاضي الحق بأن يزوج البكر من الكفؤ إذا رفض وليها ذلك‏ (53) . وهناك من يرى أنها تملك الحق بتزويج نفسها حتى وإن رفض وليها (54) غير أن مسألة الإجماع في هذا الشأن ما زالت بعيدة. ولعل الموقف الأخير هذا يستند إلى مبدأ أن لا ولاية لأحد على أحد وأن اللَّه لا يكلف نفساً إلا ما آتاها (55) ، وأن الإنسان ملزم بالانصياع إذا قضى اللَّه ورسوله أمراً (56)وأنه بدليل العكس لا ينصاع في غير هذه الحالة. كما يستند إلى واقعة أن النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) أعطى الحرية لفتاة شكت إليه أن أباها أجبرها على الزواج من ابن أخيه‏ (57) .
________________________________________

(44)صحيح البخاري، كتاب الحيل، الباب 11، وكتاب الأحكام الباب 23 ومسند أحمد 3/229، 250، 279، 425.
(45)حديث شريف، يراجع صحيح مسلم، كتاب النكاح الباب 67 و68، ومسند أحمد 1/219 و334.
(46)مطهري، مذكور سابقاً، ص 77.
(47)عبد الرحيم الطهطاوي، هداية الباري إلى أحاديث البخاري، مطبعة الاشتقاق، القاهرة، 1353، 1/198.
(48)ابن تيمية، المنهاج، القاهرة، بدون تاريخ، ص 55.
(49)ابن رشد الحفيد، بداية المجتهد، مطبعة الاستقامة، 1371، ج‏2، ص 7.
(50)ابن قدامة الحنبلي، المغني، المنار، ط3، 1367، ج‏2، ص 489.
(51)فضل اللَّه، تأملات، مذكور سابقاً، ص 65، يراجع كذلك د. ابراهيم عبد المجيد اللبان، مكانة المرأة في الإسلام، في كتاب التوجيه التشريعي في الإسلام، من بحوث مؤتمرات «مجمع البحوث الإسلامية»، 1391، ج‏1، ص 259.
(52)فضل اللَّه، المرأة، مذكور سابقاً، ص 92.
(53)يراجع مطهري، مذكور سابقاً، ص 78.
(54)المرجع نفسه، وهذا هو موقف أبي حنيفة وأبي يوسف، يراجع بدران أبو العينين بدران، أحكام الزواج والطلاق في الإسلام، دار المعارف، القاهرة 1966، ص 213.
(55)الطلاق/7.
(56)الأحزاب/36.
(57)سنن ابن ماجه، كتاب النكاح/3.

[ الصفحة - 130]


الاختيار عند اختلاف الدين: يشكل اختلاف الدين عائقاً في وجه الزواج، وذلك أن قران المسلم أو المسلمة ممن لا يدين بدين سماوي أو لا تدين به، أمر محظور بناء على الآية القرآنية القائلة: { ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكات حتَّى يُؤْمِنَّ وَلأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ ولو أَعْجَبَتْكُم ولا تَنْكِحُوا المُشْركين حتى يُؤْمِنوا ولَعَبْدٌ مؤمنٌ خَيْرٌ من مُشْرِكٍ ولو أعجبكم } {البقرة/221} . ولكنه لا يجوز للمرأة أن تتزوج بكتابي في نظر الفقهاء بوجه عام. والحجة في ذلك أن المسلم يؤمن بسماوية أديان أهل الكتاب فيما لا يؤمن أهل الكتاب، بسماوية الدين الإسلامي، الأمر الذي يعيق المسلمة من ممارسة شعائر دينها.
والتساؤل يطرح في حال تعهد الزوج باحترام دين الزوجة المسلمة، ولكن في هذه الحالة تنشأ أمور كثيرة متصلة بالعلاقات والإرث تعيق ذلك.
وهكذا فإن اتجاهاً متنوراً يعمل على رفض التقاليد الاجتماعية المتعلقة بموضوع الزواج، ويحاول أن يخلّص موضوع علاقات الزواج مما علق بها مما هو بعيد عن الإسلام، ويعمل فقهاء هذا الاتجاه على أن يثبتوا حقوقاً متقاربة جداً للرجل والمرأة (58) على صعيد عقد الزواج. وهنا نرى توافقاً يكاد يكون تاماً بين الاتفاقية على إزالة كل أشكال التمييز تجاه المرأة وبين الموقف الإسلامي، بحيث يبقى هناك فارق بسيط يتعلق بموضوع الولي الذي يكاد ينحصر في حق إبداء الرأي.
إلا أن المشكلة الأساسية، وهي مشكلة اختلاف الدين، تبقى مطروحة فلن تتفق الاتفاقية مع الإسلام، ولا بد من تحفظ الدول الإسلامية عليها في هذه المسألة.
ثالثاً: أوجه النصيب والصدقية، وهي تشمل الميراث والدية والشهادة
أ ـ الميراث‏
جعل الإسلام ميراث المرأة، في غالب الأحيان، على النصف من ميراث الرجل: { للذكر مثل حظ الانثيين } {النساء/11} ، لكن العديد من الفقهاء يعتبرون أن هذا التفاوت يعود إلى أسباب اقتصادية(59) وبالتالي فهو توزيع لا تفضيل، لأن مجرد التفاوت في الحصة لا يعني تفاوتاً بالقيمة وإلا كان الابن، الذي يحصل بالإرث على حصة أكبر من حصة الأب، مفضلاً عليه‏ (60) . ذلك أن حصة الأب في
________________________________________
(58)تراجع المادة 16ر أ و ب.
(59)يراجع شمس الدين، أهلية المرأة لتولي السلطة، مذكور سابقاً، ص..
(60)يراجع فضل اللَّه، تأملات، مذكور سابقاً ص‏

[ الصفحة - 131]


حال وجود الولد تنحصر بالسدس، فيما يمكن أن يكون كل الباقي للولد إن كان وحيداً، وهو يقسم على الأولاد إن تعددوا.
ويحاول بعض الفقهاء أن يسوغ هذا التفاوت عن طريق القول بأن المرأة ليست مكلفة بالإنفاق على الأهل إن وجد لها أخ، كما أنها ليست ملزمة بالإنفاق على بيتها وهذا ما يعطيها ميزة، إذ تحصل على إرث من دون أن تكلف بالإنفاق‏ (61) ، ما يجعلها الرابحة (62) .
على أن القضاء على التفاوت، إذا شاء المورث ذلك، أمر ميسور في بعض المذاهب، وهي المذاهب التي تقر الوصية لوارث، حيث أن المورث يستطيع الإيصاء للبنت أو للبنات بنصيب يصل إلى ثلث الثروة إضافة إلى نصيبهن الإرثي‏ (63) .
ب ـ الدية
جعل الفقهاء دية المرأة على النصف من دية الرجل. واعتبر بعضهم أن هذا الأمر لا علاقة له بقيمة المرأة والرجل، لأن القيمة لا تقدر بثمن، بل عزوه إلى أسباب اقتصادية (64) ذات علاقة بالخسارة المادية التي تصيب العائلة جراء فقد كل منهما (65) ، معتبرين أن فقد رجل، وهو المعيل الحالي أو المستقبلي، يؤدي إلى خسارة أكبر من خسارة المرأة التي لا تتحمل بشكل إلزامي أية نفقة على وجه العموم.
ج ـ الشهادة
ينص القرآن على أن الشهادة عامة يمكن أن تتم برجلين أو رجل وامرأتين، وربما يوحي هذا الأمر أن صدقية المرأة على النصف من صدقية الرجل. غير أن الفقهاء يعزون هذا الأمر إلى أسباب محددة فيرون أنها غير ذات علاقة بالصدقية في جانبها الأخلاقي، فيقولون إن السبب إنما يعود إلى العاطفة أو إلى عدم المتابعة.
فالعاطفة قد تجنح بالمرأة إلى عدم التريث والتثبت، أو إلى الرغبة في إيقاع العقوبات المشددة على أفعال لا تستحقها (66) وهذه العاطفة تكون عند المرأة أقوى منها عند الرجل‏ (67) ومن هنا كانت ضرورة أن يكون إلى جانبها امرأة أخرى تذكرها إن نسيت، وهذا أمر لا يثبت نقصاً، لأنه لو كان كذلك، فإن النقص لا يزول بجمع
________________________________________
(61)يراجع السباعي، مذكور سابقاً، ص‏
(62)يراجع فضل اللَّه، المرأة، مذكور سابقاً ص‏
(63)تراجع المادة 2رف والمادة 15.
(64)يراجع شمس الدين، مذكور سابقاً، 28.
(65)يراجع السباعي، مذكور سابقاً، ص 38.
(66)يراجع فضل اللَّه، تأملات، مذكور سابقاً، ص 15.
(67)فضل اللَّه، المرأة، مذكور سابقاً، ص 99.

[ الصفحة - 132]


النقصين ولا بسبب الاتهام، لأن الاتهام يجعل الشهادة غير مقبولة بالمرة، فالرجل «إذا كان يتهم بشهادته فهي لا تقبل مطلقاً» (68) .
أما موضوع عدم المتابعة فيوضحه الدكتور السباعي بقوله: «الإسلام مع إباحته للمرأة التصرفات المادية، يعتبر رسالتها الاجتماعية هي التوفر على شؤون الأسرة، وهذا ما يقتضيها لزوم بيتها غالب الأوقات، وبخاصَّة في أوقات البيع والشراء. ولذا فإن شهادة المرأة هي حق متعلق بالمعاملات المالية بين الناس لا يقع إلا نادراً، وإن كان الأمر كذلك فليس من شأنها أن تحرص على تذكره حين مشاهدته، فإنها تمر عابرة لا تلقي إليه بالاً، فإذا جاءت تشهد به كان أمام القاضي احتمال نسيانها أو خطأها أو وهمها، فإذا شهدت امرأة أخرى بمثل ما تشهد به، زال احتمال النسيان والخطأ (69) . هذا ويضيف بعض المفكرين أن شهادتها في مسائل الدماء أيضاً لا تكون دقيقة، لأنها لا تصمد في حالات حصول الشجارات ولا تتحمل رؤية الدماء (70) . على أن قيمة شهادة المرأة ليست دائماً على هذا النحو، بل هي في حالات معينة ذات قيمة لا ترقى إليها شهادة الرجل، فإذا كان لا بد للشهادة من وجود رجلين على الأقل، فإن شهادة امرأة واحدة تكفي في مواضيع الولادة والنسب والإرث، وكذلك في ما يخص الثيوبة والبكارة والعاهات الجنسية (71) .
الفئة الرابعة: العلاقات الزوجية
جعل القرآن الرجال قوامين على النساء (72) كما أعطاهم عليهن درجة (73) ولفهم ما يعنيه هذا سنتناول واجبات الرجل وحقوقه وواجبات المرأة وحقوقها، كل تجاه الآخر ثم الحقوق المشتركة للزوجين معاً.
واجبات الرجل‏
يرى الفقهاء أن واجبات الرجل تجاه المرأة تتلخص بأمرين: مادي ومعنوي‏
أما الأمر المادي فهو الإنفاق عليها وعلى الأسرة بشكل كامل، فيوفر المأكل والملبس والمسكن، من دون أن تكلف المرأة بأي شي‏ء من ذلك، ولعل هذا ما يشير إليه القرآن الكريم في مقابل القوامة؛ حيث يقول اللَّه تعالى: { الرِّجالُ قوَّامُون على النِّساء بما فَضَّل اللَّهُ بَعْضَهُم على بَعْضٍ وبما أَنْفَقوا من أموالهم }{النِّساء/34}.
________________________________________
(68)يراجع السباعي، مذكور سابقاً، ص 31.
(69)المرجع نفسه، ص 40.
(70)الدواليبي، مذكور سابقاً، ص 71.
(71)يراجع شمس الدين، أهلية المرأة، مذكور سابقاً، ص 28.
(72)سورة النساء، 34.
(73)البقرة/228.

[ الصفحة - 133]


أما الأمر المعنوي فيلخص بالحماية والرعاية بشكل عام.
أما الحماية، فهي الحماية الفردية التي تتمثل بأن يحمي الرجل زوجته وعائلته من أي اعتداء مادي أو معنوي، ولعل هذا الواجب كان أهم في الماضي مما هو الآن، ذلك لأن الحماية اليوم تقع على عاتق الدولة، أما في الحالات الاستثنائية كما في حالات التهديد فإن الكل يحاول الدفاع ما أمكنه ذلك.
أما الحماية الجماعية فتتمثل بواجب الرجال في الجهاد والحفاظ على الديار، وهو أمر لم يكلف النساء به إلا تطوعاً أو في حالات عدم قدرة الرجال على التصدي‏ (74) .
أما الرعاية فتتمثل بتعليم المرأة واجباتها وسائر ما تحتاجه‏ (75) والصفح عن أخطائها ومعاملتها بالمعروف، وذلك على رأي ابن عباس في تفسير مسألة الدرجة التي للرجل على المرأة، كما ورد في تفسير الطبري‏ (76) . حيث يورد الأقوال الصادرة في تفسير الآية فيقول: «وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية ما قاله ابن عباس. وهو أن «الدرجة» التي ذكرها اللَّه تعالى ذكره في هذا الموضع، الصفح من الرجل لامرأته عن بعض الواجب عليها، وإغضاؤه لها عنه، وأداء كل الواجب عليه».
حقوق الرجل (واجبات المرأة): إذا كانت القوامة تفترض قيام الرجل بواجباته، فهي ترتب له حقوقاً، وهذه الحقوق، كما يرى بعض الفقهاء، هي: حق الاستمتاع وحق المساكنة والطاعة والتأديب والطلاق والرد وتعدد الزوجات.
حق الاستمتاع: يعتبر جميع الفقهاء أن هذا الحق هو الحق الأساس للرجل على امرأته، فهي لا تستطيع أن تمتنع منه إلا لمانع شرعي كالحيض والنفاس والمرض. وقد اعتمد هؤلاء الفقهاء على الحديث القائل: «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت فبات غضبان عليها، لعنتها الملائكة حتى تصبح» (77) ، والحديث الآخر القائل: «إذا دعا الرجل زوجته لحاجته فلتأته وإن كانت على التنور» (78) . وقد علق الترمذي على الحديثين فاعتبر أن كلاً منهما حسن غريب. وفي مطلق الأحوال فإن هذه الأحاديث وما يشبهها تحث المرأة على الاستجابة لزوجها، ويمكن أن يستفاد من عباراتها أنها من المستحبات، وهذا ما يؤكده رأي الشيخ محمد مهدي شمس الدين، من فقهاء الشيعة، الذي يرى أن الاستمتاع يجب أن
________________________________________
(74)يراجع شمس الدين، حقوق الزوجة، المؤسسة الدولية، بيروت 1996، ص 185، وفضل اللَّه، المرأة، مذكور سابقاً، ص 96.
(75)يراجع محمد رشيد رضا، مذكور سابقاً، ص 50.
(76)محمدفبن جرير الطبري، جامع البيان في تفسير القرآن، المطبعة الميمنية، القاهرة، 1321، ج‏2، ص 453.
(77)يراجع صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، الباب 7، وسنن أبي داود، كتاب النكاح، الباب 40، وسنن الترمذي، كتاب الرضاع، الباب 10.
(78)سنن الترمذي، كتاب الرضاع، الباب 10، راجع كذلك الكليني، الفروع مذكور سابقاً كتاب النكاح، باب حق الزوج على المرأة.

[ الصفحة - 134]


يكون معياره «المعروف»، وهذا المعيار يقضي بمراعاة الوضع الصحي للمرأة وكذلك النفسي عندما تكون محقة (79) .
ولكن النصوص تسكت عن حق مقابل للمرأة، إلا الحكم العام الذي يقضي بأنه { وَلَهُنَّ مِثْلُ الذي عليهُنّ بالمَعْرُوف } {البقرة/228} .
وربما يكون إغفال النص على هذه المسألة من باب اعتبار أن للمرأة القدرة على إغراء الرجل وجذبه عندما تريد، إلا إذا عجز عن ذلك. ولكن الفقهاء يرون أن للمرأة الحق بالاستمتاع، ولكن الرجل يستطيع أن يمتنع أربعة أشهر، ذلك لأن لها حق الطلاق في هذه الحالة. وقد بني هذا الحكم أيام عمر على أساس أن المرأة لا تستطيع الصبر أكثر من أربعة أشهر فأمر بأن لا يحجز المقاتل في الثغور أكثر من هذه المدة. أما إذا كان الزوج حاضراً فلا نعتقد أن هذا الحكم هو الحكم العادل.
حق المساكنة: ويستنتجه الفقهاء من الحكم الوارد في الآية الكريمة التي تقول: { وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ }{الأحزاب/33} . ويرى بعضهم أن للزوج بناء على ذلك أن يمنع زوجته من الخروج من البيت، ولكننا ذكرنا أن من الفقهاء من يعترف بأن للمرأة الحق بالعمل، ونوضح هنا موضوع حق المساكنة فنذكر أن هناك فقهاء يرون أنها لا تستطيع الخروج ما لم يأذن الزوج‏ (80) ويرى آخرون منع الخروج إلا لحاجة على أن لا يتسبب بقطيعة رحم، كأن تمنع من زيارة أهلها مثلاً(81) .
إلا أنّ هناك اتجاهاً فقهياً حديثاً يعتبر أن حق المساكنة يقضي بالمساكنة بالمعروف، أي بما يتعارف عليه أنه المساكنة، الأمر الذي لا يمنع الخروج إلا إذا تعارض مع حق الاستمتاع المفروض، وألا تحول إلى عضل ومضارة وسجن، ويرى أن الاستئذان مأمور به كطلب النصيحة أو لياقة (82) ، ومن هنا يكون حق المساكنة فرعاً من حق الاستمتاع وليس أصلاً (83) . أما الآية الكريمة فهي ليست موجهة لسائر النساء، بل إلى نساء النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) حيث تسبقها آية تنادي نساء النبيين، وأما حق المرأة بعدم ربط جنسيتها بجنسية زوجها فإن هذا الأمر ليس للإسلام حكم أساسي فيه، إلا أنه يأمر المرأة بأن تسكن حيث يسكنها زوجها، شرط ملاءمة المسكن، ولكن ليس في الإسلام مانع إذا اشترط ذلك في عقد الزواج، من أن
________________________________________
(79)شمس الدين، حقوق الزوجة، مذكور سابقاً، ص 94.
(80)علي حسب اللَّه، مذكور سابقاً، ص 201، راجع كذلك رشيد رضا، مذكور سابقاً، ص 65.
(81)الشيخ محمد أبو زهرة، مذكور سابقاً، ص 191.
(82)شمس الدين، مذكور سابقاً، ص 89 ـ 91.
(83)المصدر نفسه، ص 33.

[ الصفحة - 135]


يكون السكن حيث تشاء الزوجة، وإلا فبالتشاور. ومن هنا يمكن تطبيق المادة 9/1 بشروط من المجتمعات الإسلامية. هذا وقد تحفظ عدد من الدول العربية على مسألة المساواة بين الجنسين بعد تبنيها الاتفاقية، ومنها العراق. أما من مسألة المساكنة أو الإقامة على نحو عام فإن الدول المتحفظة هي الأردن وتونس والمغرب.
الطاعة: يورد الفقهاء تسويغاً لحق الزوج في طاعة زوجته الآية القائلة: { فإن أطعنكم فلا تبتغوا عليهن سبيلاً } {النساء/34} . كما يتوسع بعض الفقهاء في مسألة الطاعة، إلا أن تؤمر بمعصية، غير أن رأياً آخر برز اليوم بقوة، وهو يرى أن للطاعة شروطاً منها أنها محصورة بالأسرة ولا تتعداها إلى شؤونها الخاصة المالية الاقتصادية، وإنها تقوم ضمن حدود الشريعة، وشرط أن يفي الرجل بالتزاماته‏ (84) . وهكذا تنحصر الطاعة في قيام المرأة بواجباتها المختلفة، حتى إذا أخلَّت وطلب إليها الرجل القيام بحقه، كان عليها أن تطيعه ولكن بالمعروف. أما الآية الكريمة المذكورة هنا فهي تناقش مسألة التأديب وسنتطرق إليها في ما يلي.
التأديب: يرى الفقهاء أن للرجل تأديب المرأة في بعض الأحيان. والتأديب يبدأ بالوعظ ثم بالهجر في الفراش وأخيراً بالضرب بناء على الآية الكريمة: { واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغُوا عليهنَّ سبيلاً } {النساء/34}.
ولكن الفقهاء يهوِّنون من شأن الضرب، فيرون أنه ضرب تأديب كضرب الأب لابنه‏ (85) ، بحيث لا يؤذيها ولا يسي‏ء إلى مواطن جمالها الظاهرة. إلا أنهم يختلفون في الشروط التي تسمح بالضرب، فمنهم من يرى فيها أي معصية دينية أو تبديد لأموال الزوج أو الامتناع عن تمكينه من ممارسة حقوقه، ولكنه لا يجوز إلا من بعد الوعظ والهجر (86) . ولكن بعضاً من الفقهاء يحاول تقييد الحالات ما أمكن، فيرى أن الضرب غير جائز إلا في حالات، كأن تمنعه من ممارسة العلاقات الجنسية (87) ولعل الصحيح في هذا المجال ربط الضرب بالنشوز كما تدل الآية الكريمة.
والنشوز لغة، هو الارتفاع أو النهوض، ونشوز المرأة استعصاؤها على زوجها وبغضه والخروج عن طاعته، وذلك كما في لسان العرب، الذي يضيف أن نشوز المرأة هو استعصاؤها على زوجها.
________________________________________
(84)يراجع محمد عقلة، مذكور سابقاً، ج‏2، ص 20، يراجع كذلك شمس الدين تأهلية المرأة، مذكور سابقاً، ص 68.
(85)يراجع سيد قطب، مذكور سابقاً، م‏2، ص 656.
(86)السباعي، مذكور سابقاً، ص 36 و37.
(87)فضل اللَّه، تأملات، مذكور سابقاً، ص 107.

[ الصفحة - 136]


وفي تفسير الميزان أن النشوز هو العصيان والاستكبار عن الطاعة (88) وفي تفسير الجلالين أن النشوز هو العصيان. أما محمد حميد اللَّه فيرى أنه العصيان وعدم الإخلاص‏ (89) . وأما الراغب الأصفهاني فيفسره في المفردات «بأنه بغض المرأة لزوجها ورفع نفسها عن طاعته وعينها عنه إلى غيره».
وهكذا فيمكننا اختصار معنى النشوز بالتعالي ورفض التمكين، سواء كان ناتجاً عن تطلع إلى آخر أم لا. وقد أعطي الرجل حق الضرب الخفيف غير المبرح «كما في تفسير الجلالين». ولعل مقابله وهو نشوز الرجل، ولأن المرأة لا تستطيع ضربه فهو موكول إلى القاضي. على أن الضرب مكروه بوجه عام لقول الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم): «ولن يضرب خياركم» (90)وغيره من الأقوال التي كان يحض فيها النبي على الرحمة والرأفة وعدم ضرب النساء. ولعلنا نستطيع القول إن المرأة التي كانت جاهلة بحقوقها وواجباتها في السابق، والتي كانت تستعصي على زوجها أو ترغب عنه بعد أن تتزوجه. كان المجتمع لا يجد وسيلة لإرجاعها إلى رشدها إلا وسائل القسوة، أما اليوم فإن الحل يمكن أن يكون مختلفاً، كأن يتم التوافق على إمكانية الطلاق بمبادرة من المرأة عندما تجد صعوبة في متابعة الحياة الزوجية. وبهذا تزول مسببات الضرب. كما يمكن أن يكون باشتراط مراجعة القاضي والامتناع الطوعي في العقد عن الضرب. وهكذا فإنه لا بد من بذل مجهود معين للتقريب بين موقف الإسلام من مسألة العنف ضد المرأة وهو يرفضه إلا فيما خص قضية التأديب الخفيف، وبين الموقف الدولي الحالي الذي برز في إعلان حقوق الإنسان. ثم في الاتفاقية المتعلقة بإزالة كل أشكال التمييز تجاه المرأة، وأخيراً في الإعلان بشأن القضاء على العنف ضد المرأة الصادر سنة 1992.
تعدد الزوجات: تقول الآية الكريمة: { فانْكِحُوا ما طابَ لَكُم من النِّساء مَثْنَى وثُلاثَ ورُبَاع فإن خِفْتُم ألاَّ تَعْدِلُوا فواحدةً أو مَا مَلَكَت أيمانكم ذلك أدنى ألا تَعُولوا } {النساء/3} ومن هنا فقد حصر القرآن التعدد بأربعة فما دون، وشرطه العدل وإمكانية النفقة { ألا تَعُولوا } {النساء/3} . وقد سوّغ بعض الفقهاء التعدد بزيادة النساء على الرجال من جهة، وبطول فترة الإخصاب عند الرجل التي قد تستمر إلى السبعين، فيما تتوقف عند المرأة حوالى الخمسين‏ (91) . أما مسألة الإنفاق فهي
________________________________________
(88)تفسير الميزان، مؤسسة الأعلمي، بيروت 1983، ج‏4، ص 345 وما بعدها.
(89)محمد حميد اللَّه، ترجمة القرآن الكريم الفرنسية، مؤسسة الرسالة، 1981.
(90)يراجع تفسير الميزان، مذكور سابقاً.
(91)يراجع سيد قطب، مذكور سابقاً، م‏1، ص 580 وما بعدها.

[ الصفحة - 137]


بالفعل عائق، لأن الرجل ملزم به في كل الظروف، فإذا عجز فإن المرأة يمكن أن تطلب الطلاق منه، ومن هنا فإنه يمكن أن يسن شرط ملزم بأن يتقيد الرجل بكشف عن أملاكه إذا كان يريد الزواج من امرأة ثانية أو أكثر والأمر متروك للفقهاء ليحكموا بإمكانيته أو عدمها، وأما العدل فقد صرح القرآن الكريم باستحالته، ولكنه أمر بما هو ممكن فقال: { ولَنْ تَسْتَطِيعوا أن تَعْدِلوا بَيْن النِّساء ولو حرصتم فلا تَمِيْلُوا كلَّ المَيْل فَتَذُروها كالمُعلَّقة } {النساء/129} . ومن هنا يستنتج علماء الإسلام أن المطلوب العدل في النفقة وفي المساكنة وليس العدل في الميل والعاطفة (92) . ولكن حتى تتخلص المرأة من هذه المظلمة فهي تستطيع أن تتدارك ذلك في العقد. إمَّا بالشرط عند المذاهب التي تقبل به، أو بتفويض الرجل إليها حقه بالطلاق بشكل دائم‏ (93) فتعمد إلى الطلاق عندما يتزوج من غيرها.
الطلاق والرد: أعطى الإسلام الرجل حق طلاق المرأة وردها قبل انتهاء عدتها، ولم يعط المرأة مبدئياً هذا الحق. لكنه اعتبر الطلاق حالة وسطى بين الإكراه والابتزاز، من طريق عضل المرأة وتعذيبها في البيت، وبين تسريحها في أوقات غير ملائمة.
وهكذا فإن اللَّه تعالى يقول: { ولا تَعْضُلُوهنَّ لِتَذْهَبُوا ببعض ما آتيتموهُنَّ } {النساء/19} (94) وذلك منعاً للرجل من إجبار المرأة على البقاء تحت سلطته لابتزازها مادياً ومعنوياً. ثم إن الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) يصرح بمكروهية «الطلاق» فيقول: «ما أحل اللَّه شيئاً أبغض إليه من الطلاق»(95) . وكما أعطى الإسلام الرجل حق الطلاق، أعطاه حق رد مطلقته قبل انقضاء عدتها بعد الطلقتين الأولى والثانية، حيث يقول في القرآن الكريم: { والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْن بأنفسِهنَّ ثلاثة قروء.. وبُعُوْلَتُهُن أحقُّ بردِّهن في ذلك إن أرادوا إصلاحاً } {البقرة/228} . ولكن هذا الحق المعطى للرجل لا يجعله سيداً مطلقاً في هذا الموضوع، فقد أعطى الإسلام القاضي حق التفريق عندما تصبح حياة المرأة مستحيلة مع الرجل، أو عندما ينكل عن القيام بواجباته، أو إذا ارتكب ما يفسد عقد الزواج. إلا أنه، ومن أجل مزيد من المساواة بين الرجل والمرأة، وجدنا أن المرأة تستطيع أن تحتاط في العقد فتجعل الطلاق بيدها.
الحقوق المادية للمرأة: يعطي الإسلام المرأة عدداً من الحقوق في مصادره الأساسية، ويفرع الفقهاء عدداً آخر. أما الصنف الأول فهو الحق بالمهر والنفقة
________________________________________
(92)يراجع كتاب «ندوة الفكر الإسلامي» المنعقدة في جامعة السلطان قابوس عمان، في الفترة ما بين 9 و13 نيسان 1988، مطبوعات وزارة العدل والأوقاف والشؤون الدينية، ط1، 1990، ص 640 و641، ويراجع كذلك كتاب «التوجيه التشريعي في الإسلام» من بحوث مؤتمر مجمع البحوث الإسلامية 1390، ج‏1، ص 259.
(93)يراجع السباعي، مذكور سابقاً، ص 70 و138.
(94)النساء/19، يراجع كذلك الآيات الآمرة بالإمساك بمعروف أو التسريح بإحسان كالبقرة/229 و231.
(95)يراجع سنن أبي داود، كتاب الطلاق، الباب 3.

[ الصفحة - 138]


والرضاعة والحضانة. كما يعطيها حق مراجعة القاضي في حال نكول الزوج عن القيام بواجباته. أما الصنف الثاني فيتعلق بمسألة الولاية والخدمة إضافة إلى الشروط التي اعتبرها الفقهاء مباحة لمواجهة الطلاق وتعدد الزوجات وغيرها من حالات عدم المساواة.
المهر والنفقة والرضاعة والحضانة: على الرجل أن يقدم المهر إلى زوجته، وهي وليست ملزمة بتقديم أي مقابل مادي له، ولكنها تستطيع بمل‏ء إرادتها أن تقدم ما تشاء، كما أن النفقة واجبة على الرجل تجاه الأسرة وتجاه المرأة نفسها، إلا أن تقدم هي شيئاً باختيارها أو موافقتها.
أما الرضاعة فهي الحق المعطى للمرأة في تغذية طفلها من لبنها ولكن مقابل أجر، فإذا خيف على الولد، فإنه يمكن أن ترضعه أخرى. وما ينطبق على الرضاعة ينطبق على الحضانة. وإنه لمن نافل القول إن المرأة تستطيع إذا شاءت أن تتخلى عن الأجر، وهي غالباً ما تفعل ذلك.
الولاية: إن الولاية على الصغار هي أساساً للرجل، في الإسلام، إلا أن الأم تحصل على هذا الحق في حالات معينة تختلف باختلاف المذاهب، فمنهم من يجعلها بعد الآباء والعمومة والأخوة، وهذا موقف المذهب الحنفي‏ (96) أما في إيران فقد منح الدستور (م 21/5) «قيومة الأولاد للأمهات الصالحات في حال انعدام الولي الشرعي، مع ملاحظة مصلحة الأولاد». أما الولي الشرعي فهو الأب، ثم الجد لأب وإن علا، ثم الوصي المعين من أحدهما، وإلا فللحاكم الشرعي أن يعينه.
ويمكن هنا أن يتم الاتفاق في عقد الزواج على جعل الولاية للأم في حال فقد الأب أو الجد، كما أن الحاكم الشرعي لا مانع من أن يعين الأم قيمة في حال فقدان الأب والجد ووصي أي منهما.
رغم هذه الإمكانيات فقد تحفظ على الاتفاقية المتعلقة بإزالة التمييز تجاه المرأة عدد من الدول العربية الإسلامية كتونس والكويت.
أما في مسألة جنسية الأولاد التي تشير إليها المادة 9/2، والتي تقضي بالمساواة بين الرجل والمرأة في مجال منح الجنسية للأولاد، فإن الإسلام يقضي
________________________________________
(96)يراجع صبحي المحمصاني، المبادى‏ء الشرعية والقانونية، دار العلم للملايين، بيروت، ط4، 1997، ص 67 و68.

[ الصفحة - 139]


مبدئياً بأن يتبع الأبناء آباءهم بحكم ولايتهم الأصلية عليهم، غير أن لا مانع من الاتفاق في عقد الزواج على غير هذا.
هذا وقد تحفظت أيضاً بعض الدول العربية في موضوع المساواة في منح الجنسية للأولاد، ومنها تونس والأردن ومصر والعراق والمغرب والكويت.
وإما في مسألة اسم العائلة؛ حيث تطالب الاتفاقية بإعطاء المرأة حق إعطاء اسم عائلتها لأولادها على قدم المساواة مع الرجل(م‏16رأ) فإن الإسلام يأمر بنسبة الأولاد إلى آبائهم: { أدعوهم إلى آبائهم هو أقسط عند اللَّه } {الأحزاب/5}.
وفي هذه المسألة تحفظت على الاتفاقية الخاصة بإزالة كل أشكال التمييز تجاه المرأة، بعض الدول كالأردن وتونس.
وفي مطلق الأحوال فإن الإسلام لا يعطي هنا للمرأة حقاً مساوياً لحق الرجل، ولا يمكن تطبيق مبادى‏ء الاتفاقية المتعلقة بإزالة جميع أشكال التمييز بين الرجل والمرأة، لا سيما المادة الثانية المتعلقة بإيجاد التشريعات المكرسة للتمييز أو تعديلها. والمادة 16رد التي تفرض المساواة بين المرأة والرجل «في المسائل العائدة لأولادهما في كل الحالات، على أن تكون مصلحة الأولاد هي الأساسية».
الخدمة: درجت العادة في البلدان الإسلامية أن تقوم المرأة بأعمال البيت من طبخ وكنس وتنظيف، واعتبر بعض الفقهاء أن هذا واجب عليها (97) . ومنهم من يعتبر هذا الواجب دينياً وليس حقوقياًف (98) . ولكن الغالبية من الفقهاء يرون أن ليس عليها خدمة البيت‏ (99) ، إذ لا دليل في القرآن ولا في السنة عليه‏ (100) ، بل يرون أن على الرجل أن يؤمن خدمتها من طريق خادم أو غيره إن كان موسراً وكانت هي أصلاً «ذات قدر وشرف» (101) . وهكذا فإن المرأة غير مكلفة بأن تكون حبيسة البيت ولا ربة البيت بالمعنى المتعارف عليه، وإذا قامت بهذه الخدمة فذلك تطوع وجهاد، وهو من «حسن التبعل» (102) .
ولا بد من التنويه هنا بأن الإسلام قد سبق الاتفاقية المتعلقة بإزالة جميع أشكال التمييز تجاه المرأة في هذا المجال، كما سبق ما أقر في مؤتمر القاهرة للسكان (الفصل الرابع، القسم 1 - الإجراءات فقرة 4 - 11).
________________________________________
(97)يراجع رشيد رضا، مذكور سابقاً، ص 54.
(98)يراجع محمد عقلة، مذكور سابقاً، ص 26.
(99)التوجيه التشريعي في الإسلام، مذكور سابقاً، ج‏1، ص 259.
(100)شمس الدين، حقوق المرأة، مذكور سابقاً، ص 112.
(101)فتح الباري، طبعة دار الفكر، بيروت بدون تاريخ، ج‏11، ص 434 و435.
(102)فضل اللَّه، المرأة، مذكور سابقاً، ص 85.

[ الصفحة - 140]


نشوز الرجل: إن نشوز الرجل هو إخلاله بالتزاماته الزوجية، سواء أكان ذلك في الجانب المادي أم المعنوي، وهي المتمثلة بالمعاشرة بالمعروف. وفي هذه الحالة يأمر اللَّه بالإصلاح، { وإنِ امرأةٌ خافَتْ من بَعْلها نُشُوْزاً أو إعْرَاضاً فلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أن يُصْلِحا بَيْنَهما صُلْحاً والصُّلحُ خَيْرٌ } {النساء/128}فإذاً عليها أن تحاول استرضاءه. فإن أصر على إعراضه أمرها القاضي بهجره فإن لم يفد الهجر عاقبه زجراً وتعزيراً (103) .
وهكذا يتساوى حق الرجل عند نشوز المرأة بحق المرأة عند نشوز الرجل، ولكن بدلاً من أن تضرب المرأة زوجها فإن القاضي يعزره، والتعزير يحتمل الضرب دون الأربعين سوطاً.
ومن هنا فإنه يمكن التفاهم عند إجراء عقد الزواج على التخلي عن أسلوب الضرب واستبداله بأي أسلوب آخر، اعتماداً على ما أبداه الرسول تجاهه من كره.
ما يمكن المرأة مقابل حق الطلاق أو تعدد الزوجات: رأينا أن الرجل هو الممتلك لحق الطلاق دون المرأة. ولكن الفقهاء استطاعوا تعويض المرأة بأن أعطوها هذا الحق بتخريجات معينة. وهي تتمثل باتخاذ تدابير معينة لدى إبرام عقد الزواج. من هذه التدابير أن تشترط في العقد قدرتها على الطلاق‏ (104) ، ولكن بعض المذاهب ترى أن هذا الشرط في هذه الحال فاسد، ومن هنا فإن الحل هو بالتفويض، كما يرى الحنفية (105) والشيعة (106) وغيرهما (107) ، على أساس أن الطلاق حق للرجل يمنحه أو يفوضه للمرأة عند إبرام عقد الزواج. وقد جاء في المادة 1119 من القانون المدني الإيراني: «يحق لطرفي عقد الزواج أن يشترطا أي شرط لا يتعارض ومقتضيات العقد المذكور؛ وذلك ضمن عقد الزواج أو أي عقد آخر ملزم. كما لو اشترطا مثلاً أنه لو تزوج الزوج من امرأة ثانية أو غاب لمدة معينة أو توقف عن الإنفاق أو حاول الإساءة إلى الحياة الزوجية أو أساء الأخلاق معها، بحيث أصبحت حياتهما المشتركة مستحيلة، فإن الزوجة تستطيع، بناء على توكيل زوجها، أن تطلق نفسها بعد إثبات تحقق الشروط في المحكمة» (108) .
هذا وقد تحفظت بعد الدول العربية على إقرار المساواة في حق الطلاق الواردة في الإتفاقية حول إزالة أشكال التمييز (م 16/1رز)، كالأردن وتونس.
________________________________________
(103)صبحي الصالح، مذكور سابقاً، ص 453.
(104)الدواليبي، مذكور سابقاً، ص 75.
(105)يراجع السباعي، مذكور سابقاً، ص 70.
(106)يراجع شمس الدين، أهلية المرأة، ص 28.
(107)يراجع محمد عقلة، مذكور سابقاً، ج‏2، ص 133.
(108)مطهري، مذكور سابقاً، ص 293.

[ الصفحة - 141]


الحقوق والواجبات المشتركة لكلا الزوجين: يحث القرآن والسنة على المعاشرة بالمعروف، ويعتبران الحياة الزوجية مهداً للسكينة والرحمة والأنس، فقد جاء في القرآن الكريم: { ومن آياته أن خلق لكم من أَنْفُسكم أزواجاً لتَسْكُنوا إليها وجَعَل بينكم مودَّة ورحمة } {الروم/21} . وحيث لا يستطيع القاضي أن يحل جميع المشاكل، لا سيما الصغيرة منها والتي لا تصل إليه مما يحصل داخل الأسرة، طلبت السنة من الرجل، وهو الطرف القوي في الأسرة، أن يكون خيراً في معاشرته، فقال (صلي الله عليه و آله و سلم): «خيركم خيركم لأهله» (109) .
هذا، وعلى صعيد الجزئيات، فإن القرآن والسنة يأمران بالتشاور في عدد من المسائل، منها ما يخص البنات ومنها ما يخص الرضاع ومنها ما يخص العملية الجنسية.
ففي شؤون البنات ورد عنه (صلي الله عليه و آله و سلم): «آمروا النساء في بناتهن» (110) أي في شؤونهن، لكون النساء أكثر اطلاعاً على مشاكل البنات. وحول الرضيع ورد في القرآن: { لا تُضَارَّ والدِةٌ بِوَلدِها ولا مَوْلودٌ له بِوَلَدِه وعلى الوارثِ مِثْلُ ذلك فإنْ أرادا فِصَالاً عن تراضٍ مِنْهُما وتشاورٍ فلا جُنَاح عَلَيْهِما } {البقرة/233} . وهكذا فقد أمر اللَّه أن لا يلجأ أحد الوالدين إلى الضغط على الآخر وابتزازه، وأن يتفاهما معاً حول فطام الولد (فصاله).
أما في موضوع العملية الجنسية فقد ثار جدال حول العزل، بمعنى منع المني من الدخول إلى الرحم، فقد رويت عن رسول اللَّه أحاديث متضاربة في ظاهرها، ففي حين تورد جذامة بنت وهب أن الرسول قال عنه: «ذلك الوأد الخفي» (111) ، يروى عن جابر قوله: كنا نعزل على عهد رسول اللَّه فبلغه ذلك فلم ينهنا (112) . كما يورد أبو سعيد الخدري حديثاً آخر يقول: إن الرسول علق على العزل بقوله: «لا، عليكم ألا تفعلوا» (113) .
ومن هنا توزعت المواقف على التحريم والإباحة والكراهة. فقد حرمه ابن حزم الظاهري الأندلسي‏(114) ، وأباحه الشافعية وخاصة الغزالي‏ (115) ، فيما كرهه آخرون‏ (116) واشترطوا الحاجة لإباحته.
________________________________________
(109)يراجع سنن ابن ماجه، كتاب النكاح، الباب 50، وسنن الدارمي كتاب النكاح، الباب 55.
(110)يراجع سنن أبي داوود كتاب النكاح، الباب 23، ومسند أحمد 2/34.
(111)يراجع صحيح مسلم كتاب النكاح، الباب 141، وسنن ابن ماجه كتاب النكاح، الباب 61، ومسند أحمد 6/361 و434.
(112)يراجع مسند أحمد، ج‏3، ص 380، يراجع كذلك صحيح مسلم بهامش شرح النووي، دار الكتب العلمية 10.
(113)يراجع سنن ابن ماجه، كتاب النكاح، الباب 30، ويراجع صحيح مسلم كتاب النكاح، باب حكم العزل، ومسند أحمد.
(114)ابن حزم، المحلى، مذكور سابقاً، 11/290.
(115)عبد الكريم زيدان، الوجيز في أصول الفقه، مطبعة العاني، بغداد، 1970، 6/21.
(116)يراجع الشوكاني (محمدفبن علي)، نيل الأوطار، المطبعة المنيرية، 1334، 6/222، وابن مفلح (ابراهيم‏فبن محمد) الحنبلي، المبدع في شرح المقنع، ط1، بيروت 5/320، والماوردي، الحاوي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1994، 12/276، وشرح صحيح مسلم للنووي 10/9، والكمال‏فبن الهمام الحنفي، فتح القدير، مطبعة بولاق القاهرة 1315، 3/400، والزرقاني، شرح الموطأ، المطبعة الخيرية، مصر 1310، 4/155.

[ الصفحة - 142]


وحديثاً فقد أباحه عدد من العلماء بشروط متعلقة بالصحة أو التربية وعلى أن يكون مؤقتاً (117)شرط أن يتم برضا الزوجين.
تحديد النسل: وهو يطرح مشكلة عالمية بسبب عدم التناسب بين معدلات النمو الاقتصادي ومعدلات الزيادات السكانية، وفيما وقف بوجهه عدد من الفقهاء المسلمين، أباحه بشروط آخرون، ولعل الموقف منه مشتق من المواقف من العزل، فإذا هو إما الحرمة أو الحلية أو الكراهة. وقد أباحه القرضاوي‏ (118) وأبو زهرة (119) ومصطفى عبد الواحد (120) والبهي الخولي‏ (121)ومحمد عقلة (122) .
وأخيراً، فقد وافقت لجنة الإفتاء في الأزهر على أن استعمال دواء لمنع الحمل مؤقتاً لا يحرم، لا سيما إن خيف من كثرة الحمل أو ضعف المرأة من الحمل المتتابع، من دون أن يكون بين الحمل والحمل فترة تستريح المرأة فيها وتسترد صحتها. أما استعماله لمنع الحمل أبداً فهو حرام‏ (123) .
فإذا شرطت هذه الفتوى بما ورد في الفقرة السابقة من ضرورة أن يكون العزل، وقياساً منع الحمل، برضا الزوجين، فإن الموقف يلتقي مع ما ورد في الاتفاقية على إلغاء جميع أشكال التمييز تجاه المرأة، لا سيما في المادة 12/1 والمادة 16/5 اللتين تنظمان، الأولى مشاركة المرأة في التخطيط الأسري على قدم المساواة مع الرجل، والثانية الفترات الفاصلة بين الولادات.
واجبات على عاتق الدولة لصالح المرأة: يمكننا تلخيص واجبات الدولة تجاه المرأة، على طريق تمكينها من الحصول على أفضل مستوى من حقوقها، بأمرين أساسيين:
الأول يتعلق بالعلاقات بين الرجل والمرأة، والثاني يتعلق بالعلاقات بين المجتمع والمرأة.
الأمر الأول: ويقضي باتخاذ خطوتين رئيسيتين:
أولاهما: حماية الحقوق التي برزت في ثنايا نقاشنا من طريق إنزال العقوبات بالرجل، أباً أو أخاً أو زوجاً أو قريباً، إذا اعتدى على حقوق المرأة وحريتها.
________________________________________
(117)يراجع يوسف القرضاوي، الحلال والحرام، المكتب الإسلامي، بيروت، ط5. 1969، ص 191.
(118)المرجع نفسه.
(119)أبو زهرة، عقد الزواج وآثاره، جامعة الدول العربية، 1958، ص 102.
(120)مصطفى عبد الواحد، الأسرة في الإسلام، مكتبة العروبة، القاهرة، 1961، ص 95.
(121)البهي الخولي، الإسلام وقضايا المرأة المعاصرة، دار العلم، الكويت، ط3، ص 105.
(122)محمد عقلة، مذكور سابقاً، ج‏1، ص 94.
(123)المرجع نفسه.

[ الصفحة - 143]


وثانيتهما: أن تعمد الحكومات إلى توعية النساء، جنباً إلى جنب مع المنظمات الأهلية، على حقوقهن الكاملة وأن تصوغ الشروط التي تستطيع المرأة فرضها في عقد الزواج بحيث تصبح جزءاً من كل عقد زواج ما لم تتخل عنها المرأة نفسها صراحة.
الأمر الثاني: أن تحمي الدولة المرأة من كل اعتداء يقوم به المجتمع في غير الحالات المذكورة في الأمر الأول، كحالات الإجبار على الدعارة أو الإغراء بها أو حالات المتاجرة بالنساء أو حالات ممارسة العنف ضدهن بأي صورة من الصور بحيث تطبق العقوبات مشددة ما أمكن في هذا المجال.
وبهذا تؤمن الحكومات تنفيذ مضمون الاتفاق المتعلق بإزالة كل أشكال التمييز ضد المرأة في خطوطه العريضة، كما تؤمن تنفيذ الإعلان المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة، من طريق تنفيذ أحكام الإسلام في مجال العقوبات على تسهيل البغاء أو التحريض عليه، حيث جاء في القرآن: { ولا تُكْرهوا فَتَياتكم على البغاء إنْ أَرَدْن تَحَصُّناً } {النور/33} . هذا وقد فرض الإسلام عقوبات مشددة على القوادة، وهي تسهيل الدعارة والحث عليها..
أما في مجال إيذاء المرأة، فإن الإسلام يتشدد، فقد كان النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) وخلفاؤه يوصون القادة العسكريين بالقول: «... ولا تقتلوا شيخاً فانياً ولا صبياً ولا امرأة» (124) كما كان علي بن أبي طالب (عليه السلام) يأمر جيشه، ليس بعدم قتل النساء فحسب، بل حتى بمنع أيّ أذى يمارس ضدهن، وإن أسأن إلى قادة الأمة، وذلك بقوله: «ولا تهيجوا امرأة بأذى وإن شتمن أعراضكم وسببن أمراءكم» (125) الأمر الذي يدل على أن الأذى الممنوع تجاه المرأة هو الذي يؤدي إلى تهييجها، أي إثارتها. ولما كانت الإثارة يمكن أن تحدث بسبب فعل مادي أو بسبب فعل معنوي، يكون الممنوع هنا أي أذى سواء كان مادياً أم معنوياً.
الخلاصة
لقد أعطى الإسلام حقوقاً أساسية للمرأة، تكاد تساوي ما أعطاه للرجل، وإن كان جعل الكلمة الأخيرة للرجل في شؤون الأسرة، من طريق ولايته الحكمية على الأولاد، والدرجة التي يتمتع بها وكذلك القيمومة، في مقابل الإنفاق.
________________________________________
(124)تراجع أبواب الجهاد في الصحاح.
(125)علي بن أبي طالب، نهج البلاغة، شرح ابن أبي الحديد، دار الرشاد الحديثة، م‏3، ج‏15، ص 417.

[ الصفحة - 144]


أما في ما يخص وسائل تمتع المرأة بهذه الحقوق، والتي تقف العادات والتقاليد حوائل دونها، فإن الإسلام لا يمكن إلا أن يكون مع أنجع الوسائل بالنسبة إليها، وذلك طبقاً لمبدأ يعتبر أن كل ما يؤدي إلى تحقيق الواجب على النحو الأكمل يمسي واجباً، ومن هنا فلا يمكن أن يقوم التعارض بين التدابير العملية التي تفرضها الاتفاقية القاضية بإزالة جميع أشكال التمييز ضد المرأة وبين ما يقره الإسلام لهذا الغرض.
________________________________________

[ الصفحة - 145]


 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف