البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

دور السُلطَة في صيانة المجتمع الدِّينيّ رؤية على ضوء نهج البلاغة

الباحث :  محمّد رضا آقائي
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  56
السنة :  السنة الرابعة عشر شتاء 1431هجـ 2010 م
تاريخ إضافة البحث :  June / 9 / 2015
عدد زيارات البحث :  1147

دور السُلطَة في صيانة المجتمع الدِّينيّ
رؤية على ضوء نهج البلاغة

محمّد رضا آقائي (*)

عانت المُجتمعات الإنسانيَّة وعلى مدى تاريخها الطويل من أنواع الانحرافات والأمراض الاجتماعيَّة, ولكن كلَّما اقتربنا أكثر من العصر الحديث, ازدادت معدَّلات الجهود والمساعي المبذولة الهادفة إلى إزالة السلبيَّات والشوَّاذ وخلق الأجواء الملائمة لعدم العودة إلى الأوضاع غير المرغوب بها, بنفس المستوى الذي يزداد فيه حجم الأمراض الاجتماعيَّة التي تهدِّد كيان المجتمع. وتؤلِّف مواضيع دراسة هذه الأضرار الهدفَ من البحث والخوض بشأن هذه الجهود والمساعي. «علم الأمراض» هو عبارة عن دراسة مسبِّبَات الأمراض والأعراض والأمارات غير الطبيعيَّة التي تتناول دراسة مواطن الخلل, وحالات عدم الانتظام والاضطِّرابات الاجتماعيَّة في الدِّراسات الاجتماعيَّة متوخيَّةً الأهداف الثلاثة الرئيسيَّة التالية:
1ـ دراسة وتحديد الأمراض وأسباب ظهورها.
2ـ الحؤول دون وقوع أنواع الانحرافات في المجتمع بهدف تحسين أجواء الحياة الاجتماعيَّة.
3ـ معالجة الانحرافات الاجتماعيَّة باستخدام الأساليب والطُرق العلميَّة المُناسبة.
________________________________________
(*) باحث في مؤسسة نهج البلاغة، من إيران، ترجمة، صالح البدراوي.

[الصفحة - 303]


وبناءً على ذلك, فإنَّ دِّراسات علم الأمراض الاجتماعيَّة تَهدف إلى تحقيق العمليَّات الثلاثة المتمثِّلة بالاستطلاع والتشخيص والوقاية أو المعالجة, والتي تؤدِّي إلى تقديم المُقترحات والحلول المُناسبة للقضاء على الأمراض والأضرار الاجتماعيَّة والحؤول دون وقوع الأمراض المُحتَمَلة.
كيفيَّة تشخيص الأمراض الاجتماعيَّة
قبل التَطرّق إلى أسلوب تشخيص الأمراض, تجدر الإشارة إلى أنَّ موضوع علم الأمراض وبسبب سِعَته وعدم توفَّر المجال الكافي في هذه المقالة لدراسة جميع تلك الأمراض, سوف يتمُّ تناولها في جانبين رئيسيين هما الجانب الثقافيّ والسياسيّ.
الأمراض والاضطرابات الاجتماعيَّة والثقافيَّة وعلى العكس من الاضطرابات النفسيَّة والبدنيَّة, ليست لها تعاريف واضحةٌ, ومن هنا من الممكن أن يبدو أحد الأمراض والآفَّات لمجتمعٍ ما مرضاً وآفَّة, ولمجتمعٍ آخر أمراً طبيعيَّاً ومألوفاً تماماً. وفي نفس الوقت, فإنَّ مسؤوليَّة تحديد الأمراض الثقافيَّة في المجتمعات الدينيَّة وتشخيصها, تبدوا على أنَّها سهلة إلى حدٍّ ما, انطلاقاً من أنَّ العناصر الدينيَّة ممتزجةٌ مع العناصر الثقافيَّة ومتداخلةٌ معها, وثقافة المجتمع تتسِّمُ بطابعها الدِّيني وذات مضمون ومعايير دينيَّة؛ ذلك أنَّ المعايير والضوابط الدينيَّة المأخوذة عن القرآن والسنّة غالباً ما تكون ثابتةً لا تتغيَّر, على العكس من المجتمعات العلمانيَّة العارية عن هذه المعايير, وكلُّ شيءٍ يُقاس بميزان العرف العام ورغبة الناس. وعلى هذا الأساس يُمكِن القول أنَّ إحدى طُرق دراسة الأمراض الاجتماعيَّة هو ما يقرِّره العرف العام للناس ويَختصُّ ذلك بالمجتمعات التي نأت بنفسها عن تعاليم الدِّين وتوجيهاته.
الأسلوب الآخر يَعتمد الفرديَّة والعقلانيَّة الفرديَّة بشكلٍ أساسيّ, وتحلُّ العقليَّة والذهنيَّة الفرديَّة في هذا الأسلوب محلَّ جميع مصادر التشخيص. ومن
________________________________________

[الصفحة - 304]


معالم هذا الأسلوب, هو الفرديَّة والاحتكام إلى الذهنيَّة والحُكم الشخصيّ. وهنا تكمن مسألة الرغبة بمذهب الكثرة والذي يُصبح بحدِّ ذاته سبباً في خلق حالةٍ من الفوضى في البُنيَة الثقافيَّة للمجتمع, وبالتالي يَنجم عنه عدم الاستقرار السياسيَّ, والاقتصاديّ والتربويّ وحتَّى الدّينيّ.
الأسلوبان المذكوران أعلاه لا يَمتلكان الفاعليَّة اللازمة في موضوع علم الأمراض ولأسباب متعدِّدة يُمكن إثباتها في محلِّه, باستثناء الحالات المُرتبطة بقاعدة الحُسن والقبح الذّاتيّ والعقليّ ـ المؤيِّدة بحدِّ ذاتها للشرع (1) ؛ الاستفادة من الأسلوب الآخر الخاصّ بالمجتمع الدينيّ والذي يَختلف عن الأسلوبين الآخرين. يُعدُّ من الأساليب المنطقيَّة الصحيحة والبراهين العقليَّة, ويُعبِّر كذلك عن الاستفادة من المصادر الدينيَّة ـ ومنها القرآن وسنّة أهل البيت (عليهم ‏السلام) ـ. .
انطلاقا من أنَّ موضوع هذه المقالة يدور حول دراسة تشخيص الأمراض ومعالجتها في المجتمع الدّينيّ, ولمَّا كان كتاب نهج البلاغة يعدُّ من إحدى المصادر القيِّمة ضمن مجموعة المصادر الدينيَّة, ويتصدَّى للتحليلات العقليَّة ـ الاجتماعيَّة ومنها الاهتمام بالأمراض وسلبيَّات الحياة الاجتماعيَّة, لذا قمنا في هذا المجال بالاستفادة من هذا الكتاب الشريف وأقوال الإمام علي (عليه ‏السلام) القيّمة, خاصَّة وأنَّ القسم الأعظم من أقواله (عليه ‏السلام) جاءت في مرحلة جرّب معها الناس السلطة الدينيَّة وكان هو (عليه ‏السلام) على رأس تلك السلطة.
السُّنن والقوانين الحاكمة على المجتمع والتاريخ لدى الإمام علي
(عليه ‏السلام)
دراسة الأسباب والعوامل المؤدِّيَة إلى انحراف المجتمع الدِّينيّ وانحطاطه تقوم أساساً على معرفة مجموعة من الأُسس والمقدِّمات التي يُمكن العثور عليها بالفعل في الرؤية الكونيَّة الدِّينيَّة ودراستها. فكتاب نهج البلاغة إلى جانب القرآن الكريم يُعدُّ من المصادر القليلة التي تطرَّقت للكثير من هذه الأُسس والقواعد, وتمكّن في هذا الصدد أن يفتح نافذة عظيمة أمام أصحاب الفكر والرأي ومنها
________________________________________
(1) ـ أحمد رهنمايي، آسيب شناسی فرهنگي, مجلَّة معرفت، ص 26، العدد 30, 1378 هـ . ش.

[الصفحة - 305]


الحديث عن القوانين والسُنن الإلهيَّة الحاكمة على الحياة البشريَّة وتاريخها. قوانين الدِّين الإسلامي في علم الاجتماع وسُننه التي يُمكن أن نُطلق عليها السُنن الإلهيَّة في تدبير شؤون المجتمعات وإدارتها؛ لأنَّه وفْقاً للرؤية الكونيَّة التوحيديّة, فإنَّ تدبير شؤون الموجودات وتنظيمها يتمُّ من قِبَل الله تعالى أيضاً فضلاً عن خلقها. ومن هنا, فإنَّ مجموعة التدابير والنُّظم الإلهيَّة التي تُعدُّ ثابتةٌ, وأسلوباً غير قابل للتبديل والتحويل, تُعرف بـ «سنَّة الله» والتي تشمل بمعناها الواسع جميع الموجودات ومنها الإنسان وحياته الفرديَّة ـ الاجتماعيَّة وهي مُهيمنة في واحدة أو عدَّة سُنن منها على كلِّ موجودٍ في أي زمانٍ وتحت أيَّة ظروفٍ كانت، ولها تفريعاتٌ متعددة. وفي هذا الصدد سيتِمُّ تناول الموضوع في قسميهِ الاجتماعيَّ والتاريخي لدى الإمام علي (عليه ‏السلام), إذ نجد من الضروريَّ قبل التطرِّق إليه أن نُشير بشكلٍ مختصر للخصائص العامَّة لهذه السُّنن.
السيِّد الشهيد محمَّد باقر الصدر (رحمه‏ الله) يُبيِّن في كتاب السُّنن التاريخيَّة في القرآن الكريم ثلاثة من الخصائص الرئيسيَّة للسُّنن الاجتماعيَّة والتاريخيَّة وكما يلي (2) :
1ـ إنَّ هذه السُّنن منسوبةٌ لله تعالى؛ والتي تُؤخذ على أساسها جميع العلاقات الحاكمة على الطبيعة, والمجتمع والتاريخ كتجلٍ لأفعال الله وآيةٍ على ربوبيَّته وتدبيره ويكون الإنسان من هذه الناحية أيضاً مرتبطاً بالله تعالى في ميادين الطبيعة, والمجتمع والتاريخ، على الرغم من أنَّ هذه العلاقة ليست بمعنى إلغاء العلاقة العلّية بين الحوادث الكونيَّة.
2ـ السُّنن الإلهيَّة ثابتة لا تبديل لها ولا تحويل (3) ؛ فعندما تنساق إحدى الأقوام أو الأمم بمحضِ إرادتها وسلوكها وتصرّفاتها الإراديَّة في مسار إحدى السُّنن الإلهيَّة, وتحتّمت عليها نتيجةً ومصيراً خاصاً, فإنَّ إمكانيَّة تغيير عاقبة أمرها مستحيلة. ولكن من المُمكن بطبيعة الحال أن يُغيِّر قومٌ مستلزمات تنفيذ تلك السنَّة أو أن تحول من مدى فاعليتها, من خلال وعيها والاستعانة بسنَّةٍ أُخرى وجعل
________________________________________
(2) ـ محمَّد باقر الصدر, سنَّت هاي تاريخ در قرآن، 152.
(3) ـ (فلن تجد لسنَّة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا)، (فاطر، 62).

[الصفحة - 306]


نفسها في مسار تلك السنَّة, ومن الممكن أيضاً أن تتأخَّر إحدى السُّنن ذات الشروط المعيَّنة عن التنفيذ إلى أن تتحقَّق شروطها الخاصَّة بها (4) .
3ـ القبول بالعلاقات القانونيَّة الحاكمة على العلاقات الاجتماعيَّة والحوادث التاريخيَّة ليس فيها أيُّ تعارضٍ مع حقيقة اختيار الإنسان وإرادته؛ ذلك أنَّ الإنسان إنَّما يمهِّد بنفسه الأرضيَّة اللازمة لتنفيذ السُّنن الإلهيَّة ويشمل نفسه بمحض إرادته لجزاءات هذه السنَّة أو تلك (5) .
وفضلاً عن هذه الخصائص الثلاثة هناك حقيقتان أُخريَان من هذه الخصائص جديرتان بالتأمّل.
إحداها أنَّ الكثير من السُّنن الإلهيَّة بخصوص الإنسان, إنَّما ترتبط بالمجتمع وبحياته الاجتماعيَّة؛ أي لو أنَّ أكثر أفراد المجتمع أقدموا على القيام بفعلٍ ما, بحيث يصدق العنوان الكليّ على عمل أولئك الناس, تشمل السنَّة الإلهيَّة الجميع في تلك الحالة (6) , والأخرى أنَّ السُّنن والقوانين الاجتماعيَّة التي تنفذُ بعد تطبيق العنوان على جميع الأفراد , يختصُّ بهذا العالم (7) .
وبعد الإشارة إلى هذه الخصائص نتناول الآن السُّنن والقوانين الحاكمة على المجتمع لدى الإمام علي (عليه ‏السلام) في نهج البلاغة:
ألف ـ الهداية المستمرِّة في المجتمع البشريِّ: الإمام علي (عليه ‏السلام) يرى في كتاب نهج البلاغة تأسيَّاً بالقرآن الكريم, يرى أنَّ الهداية الإلهيَّة تشمل حال الناس دائماً وبشكلٍ مستمرّ, يقول (عليه ‏السلام): «ولقد بصرتم إن أبصرتم وأسمعتم إن سمعتم, وهُديتم إن اهتديتم» (8) .
ب ـ الاختبار الحتميِّ والدائم: الإنسان واقع بحكم الضرورة, تحت الاختبار الإلهيِّ في جميع مراحل الحياة من البداية وحتَّى النهاية. ومن هنا, فإنَّ جميع أعماله إنَّما هي محكٌ لتحديد مصيره الأبديّ وذلك ما يُمكن الوقوف على آثاره في مختلف فصول نهج البلاغة. وورد نموذج من ذلك في كتاب أرسله (عليه ‏السلام) لمعاوية, إذ يذكّره فيه بقوله: «أمَّا بعد فإنَّ الله سبحانه قد جعل الدنيا لما بعدها,
________________________________________
(4) ـ ابن أبي الحديد, شرح نهج البلاغة المجلد 9 و10، ص91 , بيروت مؤسسة الأعلمي للمطبوعات.
(5) إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ( الرعد، 11).
(6) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْض ، ( الأعراف، 96).
(7) ـ در آمدی بر جامعه شناسی إسلامي، (مدخل إلى علم الإجتماع الإسلامي)، ص 394ـ 395.
(8) ـ نهج البلاغة, الخطبة 20.

[الصفحة - 307]


وابتلى فيها أهلها ليعلم أيُّهم أحسن عملا... وإنِّما وضعنا فيها لنبتلي بها » (9) .
ج ـ المجتمع السالم مرهون بتجاوز المصاعب والمشاكل: يتَّضح من مجموع الروايات والآيات أنَّ بلوغ المرحلة النهائيَّة والوصول إلى الكمالات الماديَّة والمعنويَّة في المجتمع إنَّما يتحقَّق في ظلِّ الجدِّ والاجتهاد وتجاوز المصاعب والمشاكل فقط. الإمام عليّ (عليه ‏السلام) وقّع مؤيِّداً هذه الحقيقة في الخطبة الثامنة والثمانين, ويرى أنَّ نيل السموّ والرِفْعَة إنَّما يكمن في ظلِّ تحمّل المصاعب. ويقول (عليه ‏السلام) ضمن التذكير بالحقيقة التالية وهي أنَّ إمهال الظالمين ومحقِهم لم يكن فقط في ظلِّ إمهالهم وجعلهم في حالة من الرفاهيَّة, يقول: «ولم يُجبر عظم أحدٍ من الأمم إلا بعد أزل وبلاء» (10) .
د ـ الأعمال السيئة؛ سبب السقوط والهلاك: انطلاقاً من أنَّ المحتوى الباطنيّ والنفسيّ للأُمم ـ بصورةٍ عامَّة ـ يُمكن أن يشكِّل الركائز الأساسيَّة للتغيِّرات والتحوَّلات على طول التاريخ الإنسانيّ, فقد اعتبر نهج البلاغة الأعمال السيئة من ضِمن العوامل المؤدِّيَة إلى حجب البركات الإلهيَّة وبالتالي سقوط الأمم وهلاكها, وأشار إليها باعتبارها ضررا حقيقيَّاً على المجتمع: «واحذروا ما نزل بالأمم قبلكم من المُثلات, بسوء الأفعال وذميم الأعمال, فتذكَّروا في الخير والشرِّ أحوالهم, واحذروا أن تكونوا أمثالهم! » (11) .
ويقول (عليه ‏السلام) في تتمَّة قوله:
«واجتنبوا كلَّ أمر كسَر فقرتهم, وأوهن منَّتهم من تضاغن القلوب وتشاحن الصدور, وتدابر النفوس, وتخاذل الأيدي » (12) .
هـ. الفرج, والعزَّة والأمن في ظلِّ الإيمان: يُشير الإمام (عليه ‏السلام) ضمن دعوته المؤمنين إلى التأمّل في أحوال الماضين, إنَّ الذين أظهروا الصبر على الأذى في جنب الله أيَّام تَسلِّط الطواغيت والفراعنة على رقابهم ولجأوا إلى كنف الله تعالى من سوء أعمالهم, أبدلهم الله بالفرج والعزّة: «وتدبَّروا في أحوال الماضين من
________________________________________
(9) ـ المصدر نفسه، الكتاب 55.
(10) ـ المصدر نفسه، الخطبة 88.
(11) ـ الخطبة 234 القاصعة.
(12) ـ المصدر نفسه.

[الصفحة - 308]


المؤمنين قبلكم كيف كانوا في حال التمحيص والبلاء. ألم يكونوا أثقل الخلائق أعباءً, وأجهد العباد بلاءً, وأضيق أهل الدنيا حالاً. اتَّخذتهم الفراعنة عبيداً فساموهم سوء العذاب, وجرَّعوهم المرار فلم تبرح الحال بهم في ذلِّ الهلَكَة وقهر الغلبة. لا يَجدون حيلةً في امتناع, ولا سبيلا إلى دفاع. حتَّى إذا رأى الله جدَّ الصبر منهم على الأذى في محبَّته, والاحتمـال للمكروه من خوفه جعـل لهم من مضايق البلاء فرجاً, فأبدلهم العـزَّ مكان الذلّ... وبلغت الكرامـة من الله لهم مـا لم تبلغ الآمال إليه بهم» (13) .
ح ـ المستضعفون؛ ورثة الأرض: إذا كانت إحدى الأهداف السامية للحكومة الإسلاميَّة والمجتمع الدِّينيّ وتوجَّهاتهما تهدف إلى خلاص البشريَّة من حالة الاستضعاف, فإنَّ الإمام علي (عليه ‏السلام) يذكّر بدوره وعلى منوال القرآن الكريم أنَّ الدنيا بعد تمرّدها وجموحها على الصالحين, ستنقاد إليهم في النهاية: «لتعطفنَّ الدنيا علينا بعد شماسها عطف الضروس على ولده».
وتلا عقيب ذلك قوله تعالى : {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} ( القصص، 5).
ي ـ اتِّباع أهل البيت (عليهم ‏السلام) وطاعتهم هو السبيل الوحيد لخلاص المجتمع الإنسانيّ: في مواضع من نهج البلاغة, عندما يكون (عليه ‏السلام) بصدد وصف النبيِّ الأكرم وأهل البيت (عليهم ‏السلام) ونفسه, يُستفاد من كلامه أنَّ المصير المحتوم للمجتمع البشريَّ والمستقبل المؤكّد للدول والحكومات على الأرض, سيكمُن في اللجوء إلى اتِّباع سنَّة أهل البيت (عليهم ‏السلام), وهو قوله (عليه ‏السلام): «لا يُقاس بآل محمَّد (عليهم ‏السلام) من هذه الأمَّة أحد, ولا يسوىَّ بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً. هم أساس الدِّين وعماد اليقين. إليهم يَفئ الغالي. وبهم يلحق التالي » (14) .
اشتراك المجتمعات في قوانين علم الاجتماع
تُطلق كلمة «المُجتمع» في علم الاجتماع, على المجموعة المكوَّنة من الموجودات البشريَّة التي ترتبط فيما بينها بأنواع العلاقات النفسيَّة والبيئيَّة والفنيَّة
________________________________________
(13) ـ المصدر نفسه .
(14) ـ المصدر نفسه، الحكمة 200 .

[الصفحة - 309]


والثقافيَّة, ولها انتشار واسعٌ وذات منطقةٍ معيَّنة وتمتلك ميزة الاستمراريَّة والتناسل كمجموعةٍ ذات معنى في عالم الوجود, تشمل الفرد من جهةٍ وتحلِّ محلَّه أيضاً, ويُساهم فيها مساهمة فعَّالة بشكلٍ أو آخر, ويتَّسم باختلافات داخليَّة من حيث النشاط والأدوار التي يتحقَّق في ظلِّها تلبيةَ مختلف أنواع الحاجات, سواء الفنيَّة منها والدينيَّة والنفسيَّة والبدنيَّة.
وقبل الخوض في دراسة الأسباب والعوامل المؤدِّية إلى انحطاط المجتمع ودراسة أمراضه, من المناسب هنا أن نبدأ بدراسة الخصوصيَّة المشتركة والبارزة للمجتمعات, أي اشتراك الجميع في قوانين علم الاجتماع من وجهة نظر الإمام علي (عليه ‏السلام), ومن ثمَّ نواصل دراسة موضوع علم الأمراض.
من خلال دراسة المصادر الدينيَّة والروائيَّة وكذلك دراسة أقوال علماء الاجتماع والانتروبولوجيا, يتَّضح لنا أنَّ مسار حركة الأمم على مرِّ التاريخ متشابهٌ مع بعضه البعض. والواقع أنَّ هناك نوعاً من التشابه والاشتراك في الأمور والظواهر الاجتماعيَّة على طول تاريخ البشريَّة؛ بمعنى أنَّ الناس على طول فترة حياتهم, إنَّما يطوون مساراً مشتركاً بغضِّ النَّظر عن المتعلَّقات الطبيعيَّة والجغرافيَّة والأواصر العرقيَّة والوطنيَّة, وبغضِّ النظر عن الانتساب لزمنٍ أو عصرٍ خاص. ومن هذه الناحية, فإنَّ التشابه والتِّكرار هو الوجه المميِّز للسلوك العامّ والنوعيّ للإنسان في جميع الأعصار والمجتمعات (15) . وتحظى الآثار المترتِّبة على القبول بنظريَّة اشتراك المجتمعات في قوانين علم الاجتماع أو رفضها أحياناً بأهميَّة بالغة. إذ إنَّ القول باشتراك المجتمعات في هذه المجموعة من القوانين والإيمان بها يعني أنَّ المجتمعات المختلفة تشبه أفراد النوع الواحد؛ أي إنَّ هويَّتها وذاتها ومقوِّماتها واحدة. ومن هنا, يُمكن القيام بمقارنة الثقافات والنُظُم القيميَّة المختلفة مع بعضها البعض, ولكن مع الالتفات إلى النقطة التالية وهي أنَّ القوانين المشتركة بين الناس يجب أن لا تُصبح ذريعةً لإنكار الاختلافات المسلَّم بها بين فئات المجتمعات وطبقاتها. وبالتالي, فإنَّ الفئات أو الطبقات الاجتماعيَّة وكذلك المجتمعات
________________________________________
(15) ـ المصدر نفسه، الخطبة الثانية.

[الصفحة - 310]


المختلفة لا تخلو من أوجه الاشتراك والتشابه التكوينيّ على الرغم من الاختلافات التكوينيَّة الموجودة فيما بينها. أوجه الاشتراك هذه تُصبح من جهةٍ أساساً للقوانين التكوينيَّة المشتركة لعلم الاجتماع وكذلك منطلقاً للقوانين التشريعيَّة الأخلاقيَّة والحقوقيَّة المشترَكة (16) .
هذه النتائج تُستنج من الآيـات القرآنيَّة الشريفة, من جهـة أنَّ الحكمة في نقل قصص عاقبة الأقوام السالفة تُصبح عبرة للأجيال اللاحقة (يوسف، 111), ومن حيث أنَّها تدعو أيضاً إلى السير في الأرض (آل عمران، 138؛ الأنعام، 11).
وحول هذا الموضوع يقول الإمام علي (عليه ‏السلام) في جانب من وصيَّته للإمام الحسن (عليه ‏السلام): «استدلَّ على ما لم يكن بما قد كان» (17) .
أو قوله في جانب آخر من نفس هذه الوصيَّة: «أي بنيَّ إنِّي وإن لم أكن عُمِّرت عمرَ من كان قبلي فقد نظرت في أعمالهم, وفكَّرت في أخبارهم, وسِرْت في آثارهم حتَّى عُدت كأحدهم» (18) .
أو أنَّه يُشير (عليه ‏السلام) في خطبةٍ أُخرى إلى النقطة التالية: «عباد الله إنَّ الدهر يَجري بالباقين كجريه بالماضين» (19) .
كما قال في وصيَّة له للحارث الحمداني: «واعتبر بما مضى من الدّنيا ما بقي منها فإنَّ بعضها يُشبه بعضاً, وآخرها لاحقٌ بأوَّله» (20) .
مجموع هذه العناوين بالإضافة إلى أنَّها تهيِّئ أرضيَّة مناسبةً للفصول اللاحقة, وضَّحت لنا في نفس الوقت, أنَّه من الممكن أخذ العبرة من التاريخ والمجتمعات بسهولة, والمحافظة على المجتمع القادم من تِكرار العوامل المخرّبة , والقيام على الأقل بتشخيص الأفراد أو المجاميع المسؤولة في هذا الأمر الخطير. وانطلاقاً من هذه المقدِّمة ننتقل إلى دراسة الأسباب والعوامل الثقافيَّة والاجتماعيَّة الرئيسيَّة في انحطاط المجتمع حسب رأي الإمام علي (عليه ‏السلام):
________________________________________
(16) ـ مجموعة من المحقّقين , مسائل جامعه شناسي از ديدگاه امام علي ( عليه السلام )، 198 , مؤسسة نهج البلاغة , قم , 1375.
(17) ـ محمَّد تقي مصباح, جامعه وتاريخ أز ديدگاه امام علي (عليه السلام) : 145 ـ 148, مؤسسة الإعلام الإسلامي, 1368.
(18) ـ نهج البلاغة , الكتاب 31.
(19) ـ الخطبة 156.
(20) ـ الكتاب 69.

[الصفحة - 311]


أسباب وعوامل انحطاط المجتمع
لعلَّه يُمكن القول: إنَّ الدور التخريبيَّ للجهل وعدم المعرفة في حياة الإنسان أمر يَتزامن مع عمره, بما في ذلك جهل القبائل والأقوام غير الواعية أو جهل الحكَّام المستبدِّين أو الجهل المقترن بتظلّم الناس الذين يَلجأون إلى هذه السلطة. ويُنظر إلى الجهل في جوانبَ من نهج البلاغة على أنَّه إحدى العوامل الرئيسيَّة في سقوط الإنسان وعدم استقراره:
«عباد الله لا تركنوا إلى جهالتكم, ولا تنقادوا لأهوائكم, فإنَّ النازل بهذا المنزل نازل بشفا جرفٍ هار» (21) .
ويرى في جانب آخر بعد انتهاء عهد الخليفة الثاني, أثناء تشكيل الشورى للخلافة, أنَّ تلك الأوضاع الناجمة سببها الجهل وعدم المعرفة, ويقول داعياً الآخرين إلى طاعته:
«عسى أن تروا هذا الأمر من بعد هذا اليوم تُنتضَى فيه السيوف, وتُخان فيه العهود, حتَّى يكون بعضكم أئمَّة لأهل الضلالة, وشيعة لأهل الجهالة» (22) .
وأخيراً يرى (عليه ‏السلام) في خطبة «القاصعة» أنَّ الجهل من العوامل الرئيسيَّة في تفتيت الوحدة, ويَنظر إلى أنَّ الفتنة والتفرقة بين الأمَّة الواحدة أمر ناجم عن الاحتكام إلى الجهل وعدم المعرفة:
«ألا وإنِّكم قد نفضتم أيديكم من حبل الطاعة. وثلمتم حصن الله المضروب عليكم بأحكام الجاهليَّة»(23) .
ب ـ الظلم والقبول بالظلم
في جانبٍ من خطبة الإمام (عليه ‏السلام) يُشير إلى أنَّ العلاقات الظالمة في المجتمع وكذلك الرضوخ للظلم, تمهِّد الأرضيَّة المناسبة لهلاك المجتمع وإبادته. ففي العلاقات الاجتماعيَّة, يُشير الظلم إلى التوزيع غير المتكافئ والتقسيم غير العادل للقِيَم الاجتماعيَّة الجيدة بين فئات المجتمع؛ إذ أنَّ تحوّل السلطة إلى حكم وراثيّ بين أفراد العائلة الواحدة أو القبيلة, أو فئةٍ خاصَّة وحرمان بقيَّة الفئات من الوصول
________________________________________
(21) ـ الخطبة 104.
(22) ـ الخطبة 139.
(23) ـ الخطبة 234 (القاصعة).

[الصفحة - 312]


لذلك وحرمان أفراد المجتمع من المشاركة في إبداء آرائهم بخصوص الأمور السياسيَّة الهامَّة والأحداث الاجتماعيَّة المهمَّة يُعبِّر عن وجود الظلم في المجتمع.
وفي هذا الإطار , يقول الإمام (عليه ‏السلام) في سياق بيانه لبعض أسباب انقراض الأقوام الماضية:
«أمَّا بعد, فإنَّما أَهلَكَ من كان قبلكم أنَّهم منعوا الناس الحقَّ فاشتروه, وأخذوهم بالباطل فاقتدوه»(24) .
كما جاء في جانب من كتابه (عليه ‏السلام) لمالك الأشتر:
«يا مالك ! لا تقولنَّ إنِّي مؤمَّر آمر فأُطاع , فإنَّ ذلك إدغال في القلب, ومنهكة للدِّين, وتقرّب من الغير» (25) .
ويقول (عليه ‏السلام) في جانبٍ آخرَ من هذا الكتاب:
«وليس شيء أدْعَى إلى تغيير نعمةِ الله وتعجيل نقمته من إقامةٍ على ظلمٍ, فإنَّ الله سميع دعوة المضطهدين » (26) .
وبناء على ذلك, فإنَّ ظهور الخراب والنقص في المجتمع بسبب الظلم والعدوان وكذلك الرضوخ للظلم والجور, يُعدُّ من الحقائق التي لا يُمكن تجاهلها وستعود نتائجها السلبيَّة على الحكومات ذاتها كما يُشير إلى ذلك ابن خلدون في مقدِّمته أيض (27) .
ج ـ الاختلاف والتشتَّت , سببُ هزيمة الأُمَم:
يؤكِّد الشهيد المطهري في كتاب (جامعه وتاريخ) أي المجتمع والتاريخ, عند تعرّضه لأسباب انحطاط المجتمع, يؤكِّد على أربعة عوامل رئيسيَّة في هذا السياق، ويذكر الآيات القرآنيَّة التي تُشير إليها أيض (28) . وهي عبارة عمَّا يلي: غياب العدل والظلم, التفرقة والتشتّت, ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وانتشار الفساد. ولعلَّ مسألة التفرقة والتشتّت تحظى بالنصيب الأوفى من بين هذه العوامل, ومن هنا, جاء التأكيد في فقرات خطبة «القاصعة» على مسألة الاتِّحاد والاختلاف
________________________________________
(24) ـ الكتاب 79.
(25) ـ نفسه.
(26) ـ الكتاب 53.
(27) ـ الكتاب.
(28) ـ عبد الرحمن بن خلدون , المقدمة : 552 الفصل 43 , ترجمة پروین گنابادی , طهران , دار الترجمة ونشر الكتب .

[الصفحة - 313]


باعتبارهما المحور الأكثر أهميَّةً بشأن انتصار المُجتمعات أو هزيمتها. المسألة الجديرة بالاهتمام في هذه الخطبة هي في ارتباط هذه المسألة بالاستكبار؛ بمعنى أنَّ الاتِّحاد الطبيعيّ يتحقَّق عندما يتنزَّه قادة المجتمع عن الاستكبار والفرديَّة والمنّة, ويُقبِلون على الناس من باب المحبَّة، فلا يكون لهم أيُّ دافعٍ آخر غير الخدمة, وبهذا المنهج تذوب جميع الدَّوافع والنوازع الشخصيَّة والفئويَّة والطبقيَّة التي يُشار إليها باعتبارها تُمثِّل العوامل الأساسيَّة للتشتَّت, تذوب في بوتقة الإيمان بالله, وإلا فإنَّ مظاهر الاستكبار ستُصبح لا محالة سبباً للتشتّت والتفرقة (29) .
وحول هذا الموضوع يقول الإمام (عليه ‏السلام) في جانبٍ من هذه الخطبة:
«واجتنبوا كلَّ أمرٍ كسر فقرتهم... فانظروا إلى ما صاروا إليه في آخر أمورهم حين وقعت الفُرقة, وتشتَّت الأُلفة واختلفت الكلمة والأفئدة, وتشعَّبوا مختلفين, وتفرَّقوا متحازبين قد خلع الله عنهم لباس كرامته, وسلبهم غضارة نعمته, وبقي قصص أخبارهم فيكم عِبَراً للمعتبِرين» (30) .
وحول هذا الموضوع يُشير (عليه ‏السلام) إلى رفض تشتّت الآراء والانحراف يميناً وشمالاً, فيقول: «اليمين والشمال مضلَّة, والطريق الوسطى هي الجادَّةُ» (31) .
ومن نتائج الاختلاف والتفرِقَة, حدوث النزاعات الحزبيَّة الداخليَّة التي تهدِّد الكرامة الإنسانيَّة والإسلاميَّة وتعرِّضها للخطر. وفي نفس الوقت ستُصبح هي بحدِّ ذاتها سبباً لأنواع التشتّت والخلافات الأخرى. ومن هنا, يقول (عليه ‏السلام) في جانبٍ آخر من كلامه ضمن دعوته لكلٍّ من الوالي والناس إلى مراعاة الإنصاف فيما بينهما:
«وإذا غلبت الرعيَّة واليها, وأجحف الوالي برعيَّته اختلفت هنالك الكلمة, وظهرت معالم الجَوْر، وكثر الإدغال في الدِّين, وتركت محاجّ السُّنَن. فعُمِلَ بالهوى, وعُطِّلت الأحكام» (32) .
والواقع أنَّ الإمام (عليه ‏السلام) اعتبر عدم التناغم في مراعاة الحقِّ بين الوالي والناس من مصاديق الاختلاف, وفي نفس الوقت يرى أنَّها السبب في مضاعفة الاختلافات والنِّزاعات الداخليَّة بين الناس والسلطة.
________________________________________
(29) ـ مرتضى مطهري, مجموعة المؤلَّفات 2 : 485 , قم , صدرا , 1377 .
(30) ـ عبد المجيد معاديخواه, معجم آفتاب، 1 ، 463 , ذره , 1372 .
(31) ـ نهج البلاغة , الخطبة 16.
(32) ـ الخطبة 16.

[الصفحة - 314]


د ـ التَّخاذل في نُصرة الحقَّ:
من العوامل الرئيسيَّة الأخرى لانتشار الانحرافات الاجتماعيَّة وانهيار المجتمع, إلى جانب الظّلم والرضوخ للظُّلم والفُرقة, هو اللامبالاة في نُصرة الحقّ والإهمال والتسامح في إحقاق حقوق المظلومين. ومن هنا, حذّر الإمام (عليه ‏السلام) الناس من خطورة اللامبالاة في مواضع متعدِّدة , وذكّر بروحيَّة المواجهة والتصدِّي وعدم السكوت أمام الظلم:
« أيُّها الناس لو لم تتخاذلوا عن نَصر الحقِّ, ولم تَهِنوا عن توهين الباطل لم يَطمع فيكم من ليس مثلَكم, ولم يقوَ من قويَ عليكم. لكنَّكم تُهتم متاه بني إسرائيل. ولعمري ليضعفنَّ لكم التيه من بعدي أضعافاً بما خلَّفتم الحقَّ وراء ظهوركم, وقطعتم الأدنى ووصلتم الأبعد» (33) .
كما إنَّ الإمام (عليه ‏السلام) يقول بشأن عدم مبالاة الناس في مواجهة الأمراض الاجتماعيَّة: «ظهر الفساد فلا مُنكرٌ مغيَّر ولا زاجرٌ مزدَجَر» (34) .
هـ. ـ ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر:
ممَّا لاشكَّ فيه, أنَّ أي مجتمع سينشُط ويُحلّق عالياً عندما تكون العوامل الرئيسيَّة الرابطة بين الأفراد, والمؤسَّسات وأقسامها المختلفة والتي هي عبارة عن العوامل الذهنيَّة والمعنويَّة والثقافيَّة, ما تزال قائمةً وراسخةً ولن يؤدِّي أيُّ خللٍ إلى إضعاف الأواصر والُّلحمة الداخليَّة لهم. فالتواصي بالقِيَم والقواعد والثوابت الاجتماعيَّة , والتناهي عن المساوئ والمُنكرَات الاجتماعيَّة تزيد من قوة الُّلحمة الباطنيَّة والمعنويَّة, وتحفّظها من الأضرار. ومن هنا, فإنَّ الإشراف والرقابة الجماهيريَّة العامَّة, هما الشرط في دوام المجتمع وتطوّره ورُقيِّه, وبالمقابل فإنَّ الإعراض عن ذلك وتركه يُشيعُ في المجتمع روح اليأس والإحباط والموت البطيء والانقراض, ويَعمل على إضعاف دعائم الدِّين, وذلك هو الزمن الذي يَجب أن نشهد فيه تسلّط أهل السوء على أهل الخير وإنهاء جميع مظاهر الخير والمعروف.
________________________________________
(33) ـ الخطبة 216.
(34) . الخطبة 166.

[الصفحة - 315]