البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الثقافة والتُّراث أزمة المثقَّف وتثوير التُّراث

الباحث :  محمد حسين بجوهندة , ترجمة: وسام بغدادي
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  54
السنة :  السنة الرابعة عشر صيف 1430هجـ 2009 م
تاريخ إضافة البحث :  June / 8 / 2015
عدد زيارات البحث :  1470

الثقافة والتُّراث أزمة المثقَّف وتثوير التُّراث

محمد حسين بجوهندة (*)
ترجمة: وسام بغدادي

مقدّمة
في مبحث الثقافة والتُّراث، لابدّ أولاً من التدقيق والتحقيق في مسألتين:
أـ ما هو المقصود بالثقافة ومن هو المثقَّف؟
ب ـ ماذا يعني التُّراث؟
وتتأتَّى ضرورة هذا التحقيق من ملاحظة أنَّ الغموض يُحيط بمفهوميَّ الثقافة والتُّراث، وهو ـ أي الغموض ـ ناشئ في المقام الأوّل من تعدّد مجالات استخدامها. فمثلاً على الرغم من أنَّ مفهوم التُّراث كان يُستخدم في الماضي بمعنى الطريقة الثابتة التي تمتلك شموليَّة وقدسيَّة خاصَّة في المجتمع، لكنَّه انتقلَ عبر التكامل التاريخيّ للعلوم إلى مجالاتٍ مختلفةٍ وصارت له مداليل خاصّة، فهو يُعرف في علم التاريخ بـ «مباني التحوَّل في التاريخ» (1)، ويتبدَّى معناه في بحوث الفلسفة الطبيعيّة في العلاقة بالقوانين الثابتة الحاكمة على الطبيعة والإنسان (2). وفي علم الاجتماع يُطلق على جملةٍ من الأخلاق الاجتماعيّة الثابتة في ثقافات الأقوام, وفي علم الاجتماع الدّيني يُعبّر عن الأخلاقيَّات والقواعد الاجتماعيَّة ـ الفرديَّة الثابتة بالسُنن، وإلى جوار كلِّ هذه المعاني تُطلَق السنّة في الفقه الدّيني على سيرة النبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) والأئمة المعصومين (عليهم ‏السلام).
________________________________________
(*)باحث من إيران .
(1)لاحظ قاموس «فرهنك انديشه نو» جمع من المترجمين الناشر «انتشارات مازيار» طهران، 1369. ذيل كلمة Oraltradition.
(2)أنظر : مجلة «انديشه حوزه» العدد الخاص بتعامل الفقه والعلوم، موضوع «تعامل الفقه والعلوم الإنسانية» محمد حسين بجوهندة.

[الصفحة - 139]


كذلك ليس ثمَّة مفهومٍ دقيقٍ وواضحٍ للمثقَّف ولا نعلم حقاً إن كان المراد منه مدىً واسعاً من المعاني التي يشمل الفيلسوف والعالم وأنصاف المتعلِّمين، أم أنَّه لا يعني إلاّ أحدها. ومن غير الواضح أيضاً ما إذا كان المثقَّف يُصنّف إلى اليسار أم إلى اليمين، وهل تعني الثقافة التجديد أم الأصوليَّة العقلانيَّة؟
ما نرمي إلى طرحه في هذا المبحث هو توضيح العلاقة القائمة بين التُّراث بمعناها المراد في علم الاجتماع، والثقافة بمعناها الحقيقيّ «المدى الواسع من المعاني» أولاً, وثانياً تبيين العلاقة بين هذه الثقافة والمعارف الإلهيّة. وسنشرع بالثاني بسبب التقدّم المنطقيّ للثقافة وصلَتها الوشيجة بالمعارف.
القسم الأوّل، مقولة الثقافة
الثقافة في بوتقة التحقيق الاصطلاحيّ
عندما نستقصي كلمة المثقَّف عبر تاريخ تطوّر العلوم نجدها تقترن بالنهضة الفكريَّة والعلميَّة لعهد الثورات الفرنسيّة وأواسط القرن التاسع عشر الميلادي.
وقد جاء في قاموس «الفكر الجديد» (3):
«ظهر استخدام مصطلح المثقَّفون Intellectuals في القرن التاسع عشر, وكان أولاً في روسيّة في عقد الستّينات, وأُطلق على طلاب الجامعة بصفتهم أشخاصاً يحملون أفكاراً نقَّادة ـ حسب تعبير بيارف ـ أو نيهيليّة ـ حسب تعبير تورغنوف ـ تشكِّك باسم العقل والتطوّر بجميع القيَم التقليديّة. [كلمة «انتلكتويل» تعني العاقل]..» (4).
ولقد ميّز تِ.بِ. باتومور بين المثقَّفين والمتعلِّمين، فاعتبر التعريف الآنف مناسباً للفئة الثانية (5)إذ قال:
«استُخدم المصطلح الثاني ـ المتعلِّمين ـ في القرن التاسع عشر في روسيّة للإشارة إلى طلاب الجامعات وإلى الحاذقين في حِرَفهم. وتوسَّع استعمال هذا المصطلح لاحقاً عبر كثيرٍ من الكتَّاب ليشمل كلّ من يؤدِّي صناعة غير يدويّة...
________________________________________
(3)The fontana Dictionary of Modern thought, oliver stally brass and Allen Bullock fifth printing, 1982. فريق المترجمين, تنظيم ع، باشائي، الطبعة الأولى، الناشر «انتشارات مازيار» طهران، 1369.
(4)م. ن. ذيل الكلمة.
(5)Inteligentsia.

[الصفحة - 140]


من جهةٍ أُخرى نُظر إلى المثقَّفين عموماً باعتبارهم جماعة صغيرة جداً تشترك بشكلٍ مباشرٍ في خلق الأفكار والعقائد وتوصيلها ونقدها، من قبيل الكتَّاب والفنَّانين والعلماء والفلاسفة والمفكِّرين الدينيين والمنظِّرين الاجتماعيين والمحلِّلين السياسيين» (6).
وفي معرض إشارة «السيَّد محمَّد رجبي» للاختلاف في معنى هذه الكلمة «الاصطلاح» حالياً مع ما كان قبل نصف قرن تقريباً، طرح رؤية ناقدة تماماً لها فيما اعتبر المثقَّفين طبقةً متوسّطةً بين الأكاديميين وعامّة الناس.
فقد اعتبر المثقَّفين «أنصاف علماء» نقَّادين، يَفتقدون ـ في أغلبهم ـ القدرة على الإبداع والتأسيس، ويتَمترسون بمعلوماتٍ عامّة كثيرة. لكنَّهم دون مستوى الأستاذ الجامعي وفوق العوامّ (7).
الجدير بالاهتمام في هذا التصوّر هو اعتباره كلمة مثقَّف مرادفةً لـ «انتكلتويل» التي تعني البحث والاستدلال والتي تختلف عن معنى العاقل والعقلانيّة.
ثمّ أنَّ المكان المصداقي لهذه الكلمة هو الغرب, والمجال الذي يُمارِس فيه المثقَّفون الغربيِّون نشاطهم هو الصحف والمجلات العامّة والأحزاب والتيَّارات السياسيَّة والثقافيَّة. وعليه نجد الأكاديميين ونُخب المجتمع في مستوى أرقى فلا يرغبون في هذه المسائل فهم يزهدون في الكتابة في الصحف لاعتقادهم بأنَّ قرّاء الصحف من العوامّ.
يَعتبر «حسن حنفي» دور المثقَّف أساسيّاً مساويَاً لدور العالم والفقيه مستدلاً على ذلك بقوله:
«أنَّه ينهض بوظيفةٍ إرشاديةٍ ويتمعَّن بدقّة في حال الأُمّة في الماضي والحاضر والمستقبل ليُجيب عن التساؤل حول حقيقة المرحلة التي نحيَاها».
ثمَّ يُقدِّم تعريفاً للمثقَّف بقوله:
«المُثقَّف هو الشخص الذي يُنشِئ ارتباطاً بين جمهور الناس والسُّلطة
________________________________________
(6)بركزيدكان وجامعة ترجمة علي هاشمي الكيلاني. الناشر «نشر مرنديز، كناباد، 1372. ص 70.
(7)«انديشه تجدد كرائي»، مجلة «انديشه حوزه» السنة الثالثة، العددان 2,3 ص 251.

[الصفحة - 141]


السياسيّة دون أن يُتَّهم من قبل الجمهور بالانتهازيّة أو الارتزاق، فهو يتمتّع باستقلاليّة خاصّة، استقلاليّة العلماء، ودور المثقَّف، دور الشخص الذي يَصدح بالحقّ ويُرشد الآخرين» (8).
وقد اعتبر «رامين جهانبغلو» المثقَّف بمعناه الغربيّ مفهوماً انتقاديّاً تماماً فيما يُمارسه من عملية تقويمٍ ونقدٍ مستمرٍٍ للتقاليد والقيَم القديمة مقارنةً بالتحوّلات والمستجدَّات وعلى أساسها.
وقد ميّز بين مصطلحيَ «المثقّف» (9)و«مجتمع المثقَّفين» (10)وهو يعتقد أنَّ الثاني مرتبط بروسيّة القرن التاسع عشر, وكان يهدف إلى تسويق الأصول الأيديولوجيَّة والدينيّة، بينما المثقَّف هو شخصٌ معروفٌ يتميَّز بوجدانٍ أخلاقيّ خاص. ويَعتقد بأصولٍ كليَّة وعالميَّة تشمل كلَّ الناس، ولذلك يسعى دائماً للاهتمام والتفكير بالمسائل الجزئيَّة في بُعدها العالميّ، والعكس بالعكس. فالمثقَّف وفْق هذه الرؤية شخصٌ وحيدٌ ومن هنا فهو حرّ بنفسه (11).
وفي هذا الإطار لمعنى «المثقَّف», وصف الفيلسوف الأسبانيّ المشهور في النصف الأوّل من القرن العشرين «أورتيغا غاسن» (12)في كتابه «المشاهد»، المثقَّف، بأنَّه فردٌ يعيش حياة داخليّة «فهو يعرف في كلِّ لحظةٍ بماذا يفكر ومن أجل ماذا» (13).
إذن فإنَّ مصطلح «المثقَّف» يستمدُّ معناه من الثقافة الغربيّة وهو يحمل مدلولات إيجابيَّة، لأنَّ الطريقة الثقافيَّة جاءت نتيجة لمسارٍ تاريخيّ في مواجهة الخرافة والقضاء عليها وقد تمَظهرت في إطاراتٍ معرفيّة في الثقافة الغربيّة بصفتها فكراً تجديدياً للهويَّة السياسيَّة والثقافيّة.
والمثقَّف الغربيّ في واقعه هو الوارث لعقيدة أصالة الإنسان في عصر النهضة في القرن الثامن عشر في أوروبا. وبخاصّة منذ بداية القرن العشرين الذي ازدهرت فيه العقلانيّة التي سميَّت «راسيوناليزم ـ أصالة العقل» والتي نهضت في مواجهة الأساطير والخرافات والأوهام بالمنهجيَّة العلميَّة وروح النقد.
________________________________________
(8)صحيفة «خراسان» الصادرة بتاريخ 27/11/1377, ص 11 مقابلة.
(9)Intellectual.
(10)Intelligentsia.
(11)«مدرنيتة، دموكراسي وروشنفكران». الناشر «نشر مركز» 1374، ص69_68.
(12)Jose ortega Ygasset.
(13)«مدرنيتة، دموكراسي وروشنفكران»، ص 69.

[الصفحة - 142]


وحقَّق الغرب من خلال اهتمامه بهذه الخصلة انتصاراتٍ مهمّة في إطار أهدافه الماديّة.
وبإزاء هذا التصوَّر ثمَّة تيّارٍ آخر يحمل رؤى انتقاديَّة للثقافة والمثقَّف. ولهذا التيَّار امتداداتٌ في أوساط الغربيين وعند المفكِّرين الملتزمين والشموليين في الدول النامية.
وواضح أنَّ هؤلاء جميعاً لا يَنطلقون في نقدهم من أُسسٍ واحدة. كما أنّ المسألة الثقافيّة لا تُمثِّل فكراً معيَّناً، ولهذا نجدها أحياناً في الوسط اليميني وأحياناً عند اليساريّين وأحياناً في أوساط المعتدِّلين.
وقد وردت إشارةٌ لافتةٌ في قاموس «الفكر الجديد» أوضحت أنَّ:
«[مصطلح انتيلكتويل الذي يعني صاحب العقل والمتعقّل] كان يُطلق في فرنسا ـ تحقيراً أو إكباراً ـ على الـ «دريفوسيين» أو كانوا هم الذين يَستخدمونه... ومع كلِّ هذا فإنْ كان هناك من يعرف المثقَّفين بأنَّهم حملة الثقافة في مجتمعاتهم، ففي هذا الحال فإنَّ غالبيَّتهم وحتَّى الحرب العالميَّة الثانية لم تكن يساريَّة المنحى، إنَّما يَمينيّة، مثل «شارل مورا» و «جورج برنانوس» و«مورباك» و «ستيفان غيروغه يونغر»، و«غوتفريد بن ودانونتسيو» و«بيراندلو ويندم لويس» و«بوند ولورنس وييتس» (14).
من جهته كانت لـ «رامين جهانبغلو» نظرة إيجابيّة للمسألة فيما اعتبر جميع تلك التعاريف مرتبطةً بأوروبا وخاصَّة بنصف قرنها الأخير، ومع أنَّه كان شديد الاهتمام بالأُسس القيميَّة وبالإبداع الذي ميَّز المثقَّفين الغربيين، لكنَّه شكَّك في وجودهما في إيران (15). ومن خلال هذا التشكيك وجَّه انتقاداته للوضع الثقافيّ في إيران، بالرغم من اختلاف وجهات نظره مع الثوَّار الملتزمين في أمور أساسيّة.
وعلى هذه الخلفيَّة نستنتج أنَّه من الضروري بحث مسألة المثقَّف والثقافة ـ مع كلِّ الاختلاف في آفاق المواقف ـ في بوتقة المحليَّ والأجنبيّ أو الجنوب والشمال.
________________________________________
(14)قاموس «انديشه نو» ص 441.
(15)مدرنيتة، دموكراسي وروشنفكران، ص 71.

[الصفحة - 143]


المعرفة والثقافة
الفكر المُستنير «وليس المثقَّف «أو المتنوّر».. بمعناه المصطلح في الغرب والذي استنسخ مشوهاً في الدول النامية» بصفته هدفاً متوسِّطاً وأداةً تمكِّن المرء من إدراك المعقولات الكليَّة ومن التمييز بين الخير والشرّ الحقيقييَّن وبين الحسن والقبح الواقعيَّين، يصبُّ في اتِّجاه رسالة أنبياء الله وهو كذلك مقوِّم مهمٌ لأهداف الحكماء والفلاسفة والإصلاحيين الاجتماعيين، فبدونه لا تحصل المعرفة.
فإذا انغلقَ المرء فكريَّاً وحسِب أنّ كلَّ ما تعلَّمه سابقاً لا يقبل الخطأ وقطع بيقينه، فإنَّه لن يكسب معرفةً جديدةً. فعليه أولاً تنوير روحه وفكره وذهنه ليُصبح قادراً على تقويم معارفه ومعلوماته السابقة بدقَّة وتمييز الصحيح من السقيم منها. وهذه معونة قدَّمها للبشريَّة الأنبياءُ والحكماء كلٌ بطريقته. فمثلاً أوضح سقراط لـ «كلينياس» أنَّ ما يحسبه علماً هو ليس بعلمٍ ومن ثمَّ أنار ذهنه بالعلم الواقعي:
«آتني: يجب في البداية التحقيق في كلِّ الأشياء التي تُدرَّس باسم العلم، ومع ذلك لا تزيد من يدَرسها معرفةً، ومن ثمَّ وضعها جانباً، وبعد ذلك نسعى لنرى هل يُمكننا الوصول إلى العلم الحقيقيّ الذي نحتاج إليه والاستفادة منه» (16).
ولقد اعتبر القرآن الشرط الرئيس للاهتداء والتصديق بالحقائق ونيل المعارف هو انفتاح الفكر واستنارته، وهو ما عبَّر عنه القرآن بانشراح الصدر:
{فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً } (الأنعام: من الآية125).
فتنوير الروح والفكر يؤدِّي إلى انشراح الصدر, ويُلاحظ أنَّ أحدَ الآيات السابقة لهذه الآية اعتبرت من لا يمتلك المعرفة ميَّتاً لا روح فيه:
{أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا } (سورة الأنعام/122).
ومن الواضح أنَّ التحجَّر الفكريّ هو النقيض للتنوَّر الفكريّ. فالمتحجِّر فكرياً لا
________________________________________
(16)مؤلفات أفلاطون، رسالة تتمة القوانين،بالفارسية، الطبعة الأولى، الناشر «انتشارات خوارزمي»، 1364. ج8، ص 2663.

[الصفحة - 144]


يستطيع تفسير القضايا التي يراها ويسمعها تفسيراً صحيحاً ليُدرك ارتباطها بمكوِّناته الروحيَّة. ومن هنا فهو يُشبه الأصمّ والأبكم والأحمق, فكأنَّه لم ير ولم يسمع شيئاً, وهو بحسب القرآن ميتاً يُمكن إحياؤه على يد الأنبياء المرسلون أصلاً لإحياء هؤلاء الناس وإخراجهم إلى الحياة الفكريّة وحشرهم مع المتنوِّرين.
وتتَّضح الحقيقة بالتدبّر بالآيات الآتية:
{وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ * إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ الله الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً لأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ } (17).ويتَّضح من مُجمل ما تقدَّم أنَّ المثقَّف بمعناه الحقيقيّ هو هدف الديانات الإلهيَّة، ولقد كان الأنبياء روَّاد هذا المضمار.
لندع المعنى المتطرِّف للثقافة والذي قد يُسيء البعض استخدامه لمجابهة الحقائق، فقد لاحظنا في تعريف الثقافة أنَّها نهضة فكريّة لمواجهة الخرافات والأساطير ـ وهو ما سنتناوله في بحث التُّراث، وقد جاء الأنبياء الإلهيين للبرهنة على الحقائق وتبيينها ولمواجهةِ السنَن المنحرفَة من قبيل الصنميَّة والتقليد الأعمى «الفاقد للدليل» لسنن الآباء وهو ما تكرَّرت الإشارة إليه في القرآن، كما في قوله تعالى:
{وَإِذَا قِيلَ لهَمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ }(18).
ويتَّضح كلُّ ما يتَّصل بهذا الأمر من خلال الالتفات إلى هذه المسألة العلميَّة، وهي أنَّ أحكام الدِّين الإسلاميّ ـ بشكلٍ عام ـ تُقسَّم إلى قسمين:
جعليَّة ـ تشريعيَّة وإمضائيّة. فالإسلام أمضى ذلك القسم من السُنن والقوانين والحقوق والتعاليم الثقافيّة الحسنَة وقبِلَها كما هي، لكنَّه بإزاء ذلك جعل وشرّع في الحالات التي لم يكن فيها حكمٌ أو قانون أو سنّة أو التي ما كان فيها من ذلك لم
________________________________________
(17)سورة الأنفال/ 21_ 24.
(18)سورة البقرة/ 170.

[الصفحة - 145]


يكن سوى خرافةً وانحرافاً ولا إنسانياً. وهذا يدلل على أنَّ الدين الإلهيَّ ينسجم مع التطوَّر ويقف إلى جانب الحقِّ والتعاليم الصحيحة، ويرفض الانحرافات والخرافات والثقافة الجاهليَّة، ويسعى بمختلفِ الصور لتنوير الأذهان فيما يتَّصل بالباطل والانحراف والسوء لتتمكَّن ـ الأذهان ـ من تحكيم العقل والابتعاد عنها، فهل وُجدت نهضة ثقافيّة قادرة على مجاراة هذا الدِّين؟
النتيجة
نخلص ممَّا تقدَّم من البحث أنَّ عنوان الثقافة في معناه العام اللغويّ يحمل دلالات إيجابيّة وقد أكَّده الأنبياء والحكماء والصلحاء، وكان في مقدِّمة اهتماماتهم إلاّ أنَّه يجب النظر بمعناه الجديد من زاويتين: إحداهما: استعمالاته الغربيّة وهي إيجابيّة وتنسجم مع الأهداف التوسعيَّة. والأخرى: عالمثالثيَّة وهو يقتضي مزيداً من التمعَّن.
رسالة الأنبياء، تنوير الفكر
تمتاز المعارف الإلهيَّة بخصوصيَّةٍ ذاتيَّةٍ تفترق بها عن غيرها تماماً، وهي ـ الخصوصيّة ـ كالمؤشِّر الذي يقوّم المعارف ويُميِّزها عن بعضها البعض «كما هو حال الأسلوب في الموضوعات الأدبيّة».
والمؤشِّر على المعارف الإلهيَّة هو جنبتها النوريَّة. ومن دون الحاجة إلى البحوث العرفانيَّة في هذه المسألة فإنَّ الجنَبة النوريَّة لهذه المعارف لا تحتاج إلى دراسة معمَّقة إنَّما يكفي ـ مثلاً ـ إحصاء ما جاء في القرآن من كلماتٍ من قبيل «نور»، «بصر», «هداية»، «حكمة»، «عقل», ومن كلماتٍ تفيد معانٍ في السيَّاق ذاته، لنجد أنَّه ـ وباستثناء الموارد التي يُفيد تأويلها معنى النور ـ هناك نحو 27 مورداً استُعملت فيها كلمة «نور» بمعنى الاستنارة المعنويَّة، من قبيل:
{قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ الله نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ } (المائدة: من الآية15).
{إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ } (المائدة: من الآية44).
________________________________________

[الصفحة - 146]


{وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ } (المائدة: من الآية46).
{أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ } (الزمر: من الآية22).
{أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ } (الأنعام: من الآية122).
{اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض } (النور: من الآية35).
ووصف الإمام علي في «نهج البلاغة» المعارف الإلهيَّة بالنور وما يرادفه من معانٍ، كما في قوله:
«[يصف حال الناس قبل البعثة]... فالهدى خاملٌ والعمى شاملٌ. [وقال قبله] أرسله بالدِّين المشهور، والعلم المأثور، والكتاب المسطور، والنور الساطع، والضياء اللامع.. » (19).
وكما جاء عنه :
«[في وصف الإسلام] الحمد الله الذي شرع الإسلام... ونوراً لمن استضاء به، وفهماً لمن عقل، ولبّاً لمن تدبّر... مشرف المنار، مشرق الجواد، مضيء المصابيح..» (20).
وورد عنه أيضاً :
«إنَّ اللهله سبحانه وتعالى جعل الذكر جلاء للقلوب، تَسمع به بعد الوقرة، وتبصر به بعد العشوة... فاستصبحوا بنور يقظة في الأبصار والأسماع والأفئدة» (21).
فاليقظة وتحريك الفكر الخامل، وإحياء القلب الميّت واستنهاض الفكر العاجز ليحلِّق في عالم المجهول، وفتح مدارات الذهن المُغلَقة لتوسيع آفاق الفهم، وإتاحة الأدوات العقليَّة للتفكير بالمعاني الانتزاعيَّة العميقة، وإخراج الناس من العصبيَّة الجاهليَّة و... كلُّها عناوين ومقولات تبيَّن أهداف الأنبياء كما جاء في القرآن والأحاديث النبويَّة وروايات المعصومين وخصوصاً الإمام علي ، وكما أكَّد قائلاً:
________________________________________
(19)نهج البلاغة ـ صبحي الصالح، (بيروت، 1387 افسيت ايران، 1395) الخطبة الثانية، ص 46.
(20)المصدر نفسه، الخطبة رقم 106، ص 153.
(21)المصدر نفسه، الحكمة رقم 222، ص 342. (الاستصباح: إضاءة المصباح وهو كناية عن تنوير الباطن).

[الصفحة - 147]


«ويُثيروا لهم دفائن العقول، ويُروهم آيات المقدِرَة..» (22).
وقال أيضاً:
«[في وصف الحياة] وإنَّما ذلك بمنزلة الحكمة التي هي حياة للقلب الميَّت، وبصر للعين العمياء، وسمع للأذن الصماء، وريّ للظمآن..» (23).
أيُّ مثقَّف؟
هناك فارقٌ أساسيّ بين ما نعنيه نحن سكّان النصف الجنوبيّ من الأرض من كلمة المثقَّف ومصطلح الثقافة، وما يريده الغربيَّون الذين يَقطنون شمال الأرض منها، وبعبارةٍ أُخرى فإنَّ استخدام ومدلول هذا العنوان استمدّ معناه في ديارنا من استعمال مرتجل نابع من فهم خاطئ لثقافتنا ولثقافة الآخرين.
فمثلاً تتكوّن طبقة المثقَّفين في الدول الغربيَّة المتقدِّمة وفي الدول شبه الغربيّة من المنظِّرين والفلاسفة والمفكِّرين والعلماء وأصحاب الرأي في مختلف المسائل الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة, وهؤلاء تَتطابق نشاطاتهم مع المصالح العليا لبلادهم، الأمر الذي يقود إلى تطوير بُلدانهم وإنمائها واستعمار الآخرين واستعبادهم.
ولعلَّنا نشاهد في دول العالم الثالث أنَّ أوضاع الطبقة المثقَّفة تشبه أوضاع تلك الطبقة في الغرب، ولكن بفارقٍ بينهما كالفارق بين الأصل وما يُنسخ عنه مسخَاً مشوّهاً، لأنَّ الغربيين مُنتِجون للأفكار والنظريَّات وهؤلاء مُستهلِكون لها.
المثقَّف في العالم الثالث يقلِّد نظيره الغربيّ دون تعقُّل، فإذا وقف الغربيّ ضدَّ الدِّين والأعراف حذا الأوَّل حذوه دون تدبّر ودون أن يرى في الأمر وقوفاً ضد الخرافة، بل هو لم يميِّز بين الحقيقة والخرافة سَلفاً. فقد تكون أعرافهم ـ الغربيين ـ أو بعض ما يُنسب إلى الدِّين عندهم خرافياً أو امتزجت به الخرافة، لكن ما عندنا هو عكس ذلك وليس ثمَّة دليلٍ عقلائي على إقصاء هذه السنن والأعراف.
ومن المُمكن ونتيجة التفاعل التاريخيّ بين الدِّين والثقافة أننَّا نعاني من هذه الحالة في بعض المواقع، لكن هذه هي مسؤوليَّة الخبراء والمتخصِّصين في الشأن
________________________________________
(22)المصدر نفسه، الخطبة الأولى، ص 42.
(23)المصدر نفسه، الحكمة 133، ص 192.

[الصفحة - 148]


الدِّيني أن يتمعَّنوا في هذه القضايا، وهي ليست مسؤوليَّة أياً كان. لكن وممَّا يدعو إلى الأسف أنَّ المثقَّف في العالم الثالث يسعى إلى استنساخ أوضاع الغرب كما هي في عالمنا.
في الدول المستعبَدة والمستضعَفة المستهلِكَة لتقنيَّات الغرب نجد أنَّ المثقَّفين من المتعلِّمين ـ وبخاصّة المتعلِّمين في الغرب المبهورين بالبلد النموذج ـ يتطلَّعون دائماً إلى نتاجاته.
وهنا يُلاحظ غياب الإبداع والفكر الحرّ والمبادرة ليحلّ محلها الاقتباس والترجمة. فنجد سعياً لتطبيق النظريَّات والمشروعات الصادرة في الغرب في مجتمعاتنا دون تحقيقٍ وتمحيصٍ شاملٍ في المستويات الاجتماعيَّة والإنسانيَّة. ومن الطبيعي أنْ تواجَه هذه المساعي بمعارضة المتدِّينين والتيَّارات التقليديَّة.
ويجدر التذكير بأنَّ هناك أشخاص يُعالجون المسائل بالمنهجيَّة العلميَّة ومن ثمَّ فهم يَعكفون على تقديم تفسيراتٍ تَنطلق من الأصول وتتناسب مع التحوَّلات الاجتماعيَّة. وهؤلاء شخصيَّات جامعيَّة وحوزويَّة متخصِّصة تعمل في مجال تخصُّصها من أجل التطوير والإبداع والاكتشاف ومع أنَّ جهودهم قد تتعرَّض للنقد وقد تحتاج إلى مزيدٍ من البحث، لكن الأصل في الحاجة لجهدهم وقيمته، وعليه فالمطلوب الحثّ عليه.
ويعرض «الشيخ علي أكبر رشاد» صورةً رائعةً عن البحث الفلسفيّ في الخطاب الدِّيني عندنا، حين يقول: «أتصوَّر أنَّ إيران تشهد في مجال البحث الدِّيني ثلاثة اتِّجاهات رئيسة: الاتِّجاه التقليديّ المقلّد، والاتِّجاه التجديدي المقلّد، والاتِّجاه المجدِّد المستقلّ.
الاتِّجاه الأوَّل أسره التحجّر، والاتِّجاه الثاني استهوته المعارف الغربيَّة الحديثة فانكبّ على ترجمتها، والاتِّجاه الثالث جمع الاستفادة من ميراثه الإسلاميّ الغنيّ إلى جانب التحقيق الواعي في النتاجات الفكريَّة المُعاصرة وهو يسعى في ذلك
________________________________________

[الصفحة - 149]


إلى إحياء الفكر الإسلاميَّ الأصيل وفتح طريقٍ جديدٍ ومستقلٍ بين الاتِّجاهين الآخرين ـ في الحكمة والمعارف الإسلامية ـ .
الاتَّجاه الأوَّل يتآكل ولن يُكتب له البقاء، والاتِّجاه الثاني غريبٌ ولن ينمو، والاتِّجاه الثالث متجذِّر ونامٍ وسيزدهر ولا أمل إلاّ فيه» (24).
المردودات السلبيَّة لثقافة التقليد
يسعى كلٌ من المثقَّف الأصيل والمستقلّ والمثقَّف المقلِّد ـ في لا وعيه ربَّما ـ إلى تقديم نموذجٍ ومثَلٍ نظري أو عملي.
يبحث المثقَّف الأصيل عن المَثَل في دين الناس وثقافتهم ويعالج المسائل التطبيقيَّة في ضوء التحوَّلات الاجتماعيَّة, ولذلك يتأَقلم جهده ويَنسجِم مع الواقع الإنسانيَّ والاجتماعيَّ والثقافيَّ للمجتمع. وإن كان ثمَّة نقصٍ فإنَّه يُكمله لاحقاً، لكن المثقَّف المقلِّد يستعير المَثَل.
إنَّ المثقف المقلّد يتغرّب أولاً عن ذاته وعن ثقافته وهويِّته الوطنيَّة والعقائديَّة ليتقمَّص بعد ذلك ذاتاً أُخرى علّها تناسبه وتناسب الآخرين، وهذا المثل هو الهويَّة المفقودة التي يجب امتلاكها.
التفريغ الثقافيّ ومحو السّنن
من يَبغي في الثقافة ـ الماديّة والمعنويّة ـ أن يستعير مثلاً أو نموذجاً من قومٍ آخرين أو جماعةٍ أُخرى يَختلفون عنه ثقافيّاً، فإنَّ الخطوة الأولى تتمثَّل في التخلِّي تماماً عن ثقافته، ثمَّ يشرع بتغيير المكوِّنات الثقافيَّة التي تُشكِّل منظومته القيميّة لتتغيَّر تبعاً لذلك بناءاته الروحيَّة بأُخرى قادرة على إطلاق أنسَاق أيديولوجيَّة تتناسب ووضعه الجديد. وعندها يَبذل جهوداً قصوى لتعلَّم المناهج والتعاليم والسُنَن المستعارَة، ولاحظوا أنَّ الإحاطة تتمّ أولاً ثمَّ وبعد سلسلة من العمليَّات تأتي مرحلة التعلّم.
________________________________________
(24)مجلة «قبسات» السنة 3_4، العدد 11/10, ص 63 (الهامش 16).

[الصفحة - 150]


هنا، يدخل المرء مرحلة الغُربة عن الذات، وأوّل أعرَاضها يتمثَّل في الصدمَة الثقافيَّة، لأنَّ مفاعيل ثقافته الأصليَّة ما تزال كامنةً في لا شعوره وهي متحفِّزة لإعادة تنشيطها وتتصارع في دفائن وعيه مع المفاعيل الثقافيِّة الوافدة.
وبعد مرحلةٍ من المقاومة تضعف الحصانَة ضدَّ الثقافة الوافدة، والتي تُواصل تدعيم بناءاتها على حساب القديم الذي تجفّ ينابيعه ويذوي ويموت، وهذا يعني استلاباً كاملاً للهويَّة. ويترافق مع هذا الاستلاب أن تحلّ الهويّة الغربيّة ـ الوافدة في روحه فتُسخِّرها ويغدو صاحبها مَمسوساً. وهنا لابدّ أن تمضي ثلاثة أجيالٍ في الأقل للتَّأقلم مع الوضع الجديد بصفته الوضع الأصليّ.
ويَتناسب ظهور الأعرَاض الخارجيَّة على الشخص مع درجة اعتقاده بالوضع السابق، وأيضاً مع معرفته السابقة بالشؤون الثقافيَّة الجديدة, ولذلك فإنَّها تختلف من شخصٍ إلى آخر.
إنَّ النتيجة الحتميَّة لهذه العمليَّة «التفريغ الثقافيّ» هي الاستلاب الدِّيني والاغتراب عن التقاليد، لتوفِّر البديل في الثقافة الوافدة.
ولعلَّ الشيء الوحيد الذي قد لا يَفقده هو تلك المجموعة من التعاليم والسُنن والأحكام الوجدانيَّة الروحيَّة التي لا تتوفَّر في البديل الجديد, فيُمسي متخبِّطاً في حالةٍ مدهشةٍ من الالتقاطيّة واللامنطقيّة، وهو ما يُمكن تمثيله بآلهةِ بعض الأقوام في العصور الماضية التي تتركَّب من رأس بشريّ وجسدٍ حيوانيّ.
الثقافة ومحو السُنن
هل يَستطيع المثقَّف لوحده أن يقوم بدورٍ مؤثِّر في التغييرات الاجتماعيّة، ومن جملتها محو السُنن أو استبدالها؟ إنَّ هذا السؤال يَطرح نفسه تلقائيّاً إثر التوضيحات السابقة.
وفي سياق الإجابة عن هذا السؤال لا بدَّ من الالتفات إلى بعض المسائل.
أولاً: إنَّ التغييرات الاجتماعيّة تنشطر بلحاظاتٍ موضوعيّة إلى شَطرين:
________________________________________

[الصفحة - 151]


أ ـ التغييرات الماديَّة.
ب ـ التغييرات المعنويَّة (غير الماديَّة).
1 ـ التغيير في المظاهر المدنيَّة من قبيل: بناء المُدن (الأبنية، الشوارع، الأسواق، المراكز التعليميَّة والثقافيَّة و..) الآلات الصناعيَّة، الوسائل المنزليَّة، ومختلف الاختراعات والاكتشافات الماديَّة. وهذه مظاهر حضاريَّة تتبدّى على صورة معالم و... وهي تتغيَّر بالممارسة والتجربة السابقة وبمعونة العلم، ونادراً ما تؤثِّر عليها الصدف.
إنَّ المهمَّ في هذا النوع من التغييرات هو العلم والتجربة وأصحابهما. ومع أنَّنا أشرنا في مبحث العلاقة بين العلم والدِّين أو العلاقة بين الثقافة والدِّين أنَّ الثقافة أو الدِّين يُمكنهما العمل على إيجاد التغيير في الطريقة والمنهج وتنوير العلم، لكنَّنا نستطيع أن نجد دوراً ـ غير مباشرٍ ـ لهذه التغييرات يؤثِّر في التغييرات المعنويَّة للمجتمع ومن جملتها السُنن، وذلك لأنَّ الأصل في الحاجة إلى تغيير الأمور المعنويَّة ـ مثل القوانين والحقوق والضوابط الوضعيَّة والسنن الاجتماعية وكلّ العقائد الشعبيّة و...ـ يُمكن أن يكون ظهور التجارب والعلوم والاكتشافات الجديدة ـ بمعنى أنَّ الضروريَّات القائمة يتمُّ استبدالها بضروراتٍ جديدةٍـ .
وعليه نتصوَّر أنَّه يُمكن تعميم معنى المثقَّف ـ تعميماً عاماً ـ ليشمل العلماء والمفكِّرين وأصحاب الرأي.
2 ـ التغيير في المؤسَّسات والمُنظَّمات الاجتماعيَّة والهيكليَّات الإداريَّة وما يرتبط بالنظام العامّ ونَظم الأمور «الحقوق و...» وما يتَّصل بعقائد الناس «الأخلاق الاجتماعيَّة، السُنن، المذهب، العلائق الروحيّة و...) والتقنيَّات الإنسانية و..، وهذه لا تندرج تحت عنوان التغيير الاجتماعي إلاّ إذا اتَّسمت بالشموليَّة في المجتمع. وهنا تبرز الحاجة إلى عوامل متعدِّدة؛ لأنَّ التغيير يجري عبر قانونٍ صارمٍ يشمل من الآليّ حتَّى التركيبيّ.
________________________________________

[الصفحة - 152]


لاشكّ في أنَّ المثقفين يطرحون خطابهم، ويبقى المجتمع الذي يحقُّ له أن يَستمع إليهم أو لا يَستمع، وإذا استمع فإنَّ من حقِّه أيضاً أن يرفض أو أن يقبل.
وعليه، فإنَّ حركة المثقَّفين لا تقدّم ضمانةً على إيجاد تغيير اجتماعيّ.
وإذا كانت حركة المثقَّف أُحاديَّة فإنَّها لن تُثير في المجتمع غير الدهشة حتّى وإن كانت حركةً راقيةً ـ وإن كانت هناك فجوةٌ كبيرةٌ بين خطاب المثقَّف والمستوى الفكريّ والثقافيّ العامّ فذلك يقود إلى عزل المثقَّف أو وصفه بالجنون ـ وقد تخلق حالة من التشكيك الاجتماعيّ، لكن احتمالات التأثير تكون ضعيفة، اللهم إلاّ إذا كان الخطاب (أو الحركة) مدروساً وصادف أن عبّر عن حاجات دفينةٍ لقطاعاتٍ واسعةٍ من المجتمع، وهذا معناه إثارة نقطة شديدة الحساسيَّة في المجتمع. كما لو كان المجتمع يُعاني من تردِّي الأوضاع الاقتصاديَّة أو من الفساد الإداريّ أو.. وظلَّ يَلتزم الصمت لأسبابٍ معيَّنة، ولكن إثارة وضعٍ ما قد يفجّر الأمور ويكسر حاجز الصمت.
هنا يَنتهز المثقَّف الفرصة ليُثير مسألة ما لتُحدث تيَّاراً يقود في النهاية إلى التغيير فيما لو كان هناك مدٌ متواصلٌ وواع لحركة التيّار، وإلاّ فإنَّ التيّار يَضعف ويَفقد القُدرة على التأثير والتغيير، فهو في هذه الحال مثل الميكروب الضعيف الذي يستخدم في التلقيح ضدّ المرض الذي يُسبِّبه.
وإذا نجح تيَّار الحركة الثقافيَّة في أن يكون هو الغالب والسائد، فهذا يعني قدرته على سلب المجتمع قابليَّة التفكير العامَّ ومن ثمَّ تحويله ـ المجتمع ـ ولفترةٍ قصيرةٍ إلى مقلِّد له.ويخلق الضجيج الإعلاميّ للتيَّار الثقافيّ حركة جماهيريّة يتحرّك فيها الأشخاص دون وعي وتفكير!!
ومع أنَّ مصدر هذه الحركات قد يكون فكرة أحد المفكّرين أو العلماء إلاّ أنَّ راسمي السيناريو هم من طبَقة أوساط المتعلِّمين ومن الصحافيِّين والكتَّاب العاديّين «وفي الدول النامية أو المتخلِّفة قد ينضمّ إلى هؤلاء أساتذة الجامعات،
________________________________________

[الصفحة - 153]


وهذا لا يعني أنَّنا نُطلق عليهم تسمية المفكِّرين أو العلماء».
وتظلّ العقول السياسيّة في مثل هذه الحركات تعمل من خلف الكواليس وبعيداً عن الأضواء، وهؤلاء بالطبع جزءٌ من أوساط المتعلِّمين.
تغيير السُنَن، تغيير الثقافة المعنويّة
لو افترضنا أنَّ السُنَن الاجتماعيَّة مقولة ثقافيّة معنويّة، فقد كان الاعتقاد السائد في الماضي أنَّ هناك متَّسعاً كبيراً من الوقت للاستعداد لمواجهة تيَّارات التغيير الثقافيَّة المعنويَّة، لأنَّ هذه التغييرات تجري ببطء سلحفاتي.
السرعة والبطء في إيجاد التغيير الثقافي في المجتمع تابعٌ لمتغيِّر اجتماعيّ هو أصل حركة المجتمع. وعلى هذا الأساس فإذا لم نأخذ بنظر الاعتبار التطوّرات الطارئة على العوامل والظروف، وبقينا نتصوَّر التغيير كالماضي، فقد وقعنا في الخطأ الذي لا يُجبر.
كانت التَغييرات المعنويَّة الثقافيَّة تتمُّ في السابق بصورةٍ بطيئةٍ بسبب الانغلاق الثقافيّ الناجم عن الاتِّجاه الجزميّ في الفكر وقلَّة إمكانيَّات الاتِّصال وتواضع المستويات العلميَّة والفنيَّة و...، فلقد كان استبدال الأمور يتطلَّب مضيَّ جيلين أو ثلاثة فيما كانت ـ وقتذاك ـ الحركة العامَّة للمجتمع تسير ببُطءٍ, وحتَّى أنَّ كثيراً من الأمور كانت تظلُّ ثابتةً كما في القوانين وأساليب الحرب التي بقيت دون تغيير منذ ستة آلاف عام وحتّى ما قبل قرنين.
ويمكن أن نلمَس تأثيرات العوامل والظروف المسرِّعة لحركيَّة المجتمع في القرنين الأخيرين، فكان لها انعكاساتٌ واضحةٌ على التحوَّلات والتغييرات وحتَّى على التطوّر التاريخيّ وعجّلت من حركته بشكلٍ تدريجيّ. ولذلك فإنَّ التسريع في حركة المجتمعات لم يكن سوى انعكاسا لزيادة عوامل التحوّل المكنونة في هذه المجتمعات نفسها، وهذا التأثير المتبادل يتَضاعف بشكلٍ مذهل، لدرجة أنَّ التصاعد في حركيَّة المجتمع خلال الثانية في الوقت الحالي يُساوي تصاعداً في هذه الحركيَّة خلال قرون عديدة في الماضي.
________________________________________

[الصفحة - 154]


كما أنَّ مسألة الاتِّصالات وتقنيَّة المعلومات هي أحد مميِّزات عصرنا الحديث، ومن العوامل المؤثِّرة في انتقال الثقافات والسُنَن ودمجها وتغييرها واستبدالها، حيث تقوم الأمواج الإلكترونيّة الحاملة للخطاب الثقافيّ بإيصاله إلى كافَّة أنحاء العالم في مدَّة تقلّ عن نصف دقيقة. وتلعب هذه الخصّيصة العلميّة دوراً مهمّاً في تصعيد التغيير الاجتماعيّ وتوسيعه، ولم تظل دول الجنوب في منأى عن الانعكاسات المدمِّرة ـ محو السُنَن ـ لهذه الخصيصة (25).
تغيّر المجتمع، تغيّر المثقَّفين
يتَّضح وبلحاظ ما سبق أنَّ تجدَّد الزمان يزيد من سرعة الحركة الاجتماعيّة، وهو ما يستتلي زيادة التحوَّلات والتغيّرات، وهذا يؤدِّي بدوره إلى انخداع المثقَّفين بالتبدّلات فيتَّجهون ـ أحياناً بصورة لا شعوريّة ـ يميناً وشمالاً، بمعنى أنَّهم يجدون أنفسهم ـ دائماً ـ في أوضاع غير متوقَّعة ولم تكن مرتقَبة. فإنْ تعجَّلوا في فهم الواقع ولم يَلحظوا العوامل والظروف المؤثِّرة فإنَّ خطَّتهم للمجتمع لن تكون صحيحة.
ورغم أنَّ المجتمع سيصحِّح حركة المثقَّفين بصورة تلقائيّة؛ لأنَّ الأصل في مسيرة المجتمع هو السُنَن والقوانين الإلهيّة الثابتة «إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل»، ولكن عمل المثقَّفين سيعرقل مسيرة المجتمع بصورةٍ مؤقَّتةٍ ويعوَّضها عن الارتقاء والتعالي.
والمثال الحيَّ والمعاصر لتصحيح المجتمع التلقائيّ لأخطاء المثقَّفين، يتجسَّد في خطة الابتعاد عن الدِّين والقفز عليه، وإذا بنا نشاهد عودة المجتمعات للدّين. «بالطبع ليس الدِّين بمفهومه الدقيق، وإنَّما أصله بلحاظ ضرورات العصر المُتناسبة مع تحوّل المجتمعات».
من هو المثقَّف ؟
لا يُمكن تعريف المثقَّف تعريفاً واقعيَّاً بتبيين مصداقه أو موقعه أو دوره، كما في تعريفه بالناقد، أو بالمتعلِّم أو بصاحب الثقافة أو بالمُدافع عن مصالح
________________________________________
(25)يقول تي.بي باتامور: «يتم التغيير الاجتماعي بطيئاً في بعض المراحل والمستويات وسريعاً في بعضها الآخر، وربما يتم أحياناً بصورة غير ملموسة.وتكون معدلات التغيير متزايدة السرعة ((Accelerating أحياناً، ومتباطئة أحياناً أخرى ((Decelerating وأكد «اغبرن» و«غيليغيان» [اللذين أشرنا إلى مؤلفاتهما سابقاً] أن معدلات التغيير التكنولوجي في المجتمعات الصناعية تصاعدية, كما تبين إحصاءات منح الرخص للاستفادة من الاختراعات. وثمة فرق مهم آخر بين معطيات التغيير التدريجي ومعطيات التغيير الثوري (بصفته أحد الأشكال الخاصة للتغيير السريع).. ويشار إلى أن هذه الثورات تبين الدور المهم للمثقفين والطبقات الاجتماعية في الحركات الثورية. «جامعة شناسي»، ترجمة السيد حسن منصور والسيد حسن الحسيني كلجاهي، انتشارات «أمير كبير" 1370 هـ.ش، ص 351.

[الصفحة - 155]


المجتمع، أو بالإشارة إلى المصاديق التي يَنسحب عليها.
إذا استطعنا صياغة صِلَة بين المثقَّف ـ بعيداً عن الأعراض التي سيُبتلي بها لاحقاًـ وسلطة الوعي فإنَّنا نصل إلى تعريفٍ أدقّ وأشمل وأنسب من التعاريف الأُخرى، وهو يستبطنها في الوقت نفسه. وعليه نعتبر، المثقَّف يمتلك سلطة الوعي، أياً كان هذا الوعي صادقاً أم كاذباً، كاملاً كان أو ناقصاً، وأياً كانت طريقة تحصيله بالسعي والإبداع الذاتيّ أم بالتقليد والاتِّباع، وهذه متغيِّرات تُشكِّل الأصناف الفرعيّة للمثقَّف. هذا ما يُؤكِّده «تي.بي.باتومور» في تفكيكه للمثقَّفين ولأدوارهم:
«للمثقَّفين حضورٌ في كلِّ المجتمعات تقريباً ـ فهم موجودون في المجتمعات الأميَّة بأسماء من قبيل السحرة والكهنة والشعراء والقرّاء والنسَّابة. وفي المجتمعات المتعلِّمة بأسماء مثل الفلسفة والشعراء والروائيين والكوادر وأهل القانون، لكن باختلافٍ كبيرٍ في وظائفهم وأهميَّتهم الاجتماعيَّة» (26).
ويمتلك الذين لديهم نوعاً من سلطة الوعي نسبة أعلى من الذكاء مقارنةً بالمتوسِّطين، وهم أسرع من غيرهم في إقامة اتِّصال بين نصفَي دماغهم الكرويّ، ويدركون طبيعة النسبة بين أمرين. فهم إذن يَنتقدون تارةً، ويقدِّمون مشروعهم أُخرى، وبشكلٍ عام يرون لأنَفسهم الحقّ ـ في كثيرٍ من الأحيان التي يعتقدون أنَّهم يُحيطون بها علماً ـ في إبداء آرائهم، فيرجع إليهم الأميّون في أمورهم، حيث يُنظر إليهم في المجتمعات الصغيرة جداً، والنائية وفي ضواحي المُدن بصفتهم شعراء وذوي ارتباط بعالم الجنّ ومنجِّمين. بل إنَّ الناس تَعتبر بعضهم فيلسوفاً، وهذا يُعبّر عن الاعتقاد الراسخ عند الناس بفضلهم في الفكر والوعي.
ويُمكن ملاحظة اليمين واليسار والمستقلّ والتابع في نفس الإطار، وهذا مُرتبط بعدد من المُتغيِّرات الأُخرى مثل قوّة المبدأ لدى الفرد, ووجود سلطة الترغيب والترهيب السياسيّ، والانتماء الطبقيّ والفئويّ للشخص وغير ذلك.
وفي توزيع الوظائف الاجتماعيّة يرتَقي المثقَّفون ـ تساعدهم في ذلك
________________________________________
(26)«بركزيدكان وجامعة» ترجمة على الهاشمي الكيلاني الناشر «نشر مرنديز» 1372، ص70.

[الصفحة - 156]


مواهبهم ـ إلى مناصب مهمَّة حكوميَّة وأهليَّة، فهم من بين المُمتازين والمتميِّزين.
ومن المثقَّفين من لديه مبادئ دينيَّة أو قوميَّة أو أيديولوجيّة خاصّة، ويتمتَّع بقُدرات معنوية راقية, وهو قادرٌ على تقديم رؤىً عن واقعه الشخصيّ، وعن واقع المجتمع، ولهذا يَعتبر الدفاع عن المصالح العامّة للمجتمع مسؤوليَّةٌ مُلقاةٌ على عاتقه. وهؤلاء معزولون عن المسار العامّ، وتصطدم آراؤهم بمصالح الفئات الغالبة التي تُكرّس عزلتهم وتحرمهم من المناصب والمسؤوليَّات وأحياناً من حقوقهم العاديَّة أيضاً.
منتقدو المثقَّفين
نعرف المثقَّف بأبرز خصيّصةٍ بارزةٍ فيه وهي الانتقاد, والانتقاد أوّل تعليماته. وعليه نجد في مقابل المثقَّف صفاً من الناقدين له.
وفي تحليلنا لمُنتَقدي الثقافة والمثقَّف نُلاحظ اختلاف المنتَقدين باختلاف طبيعة النشاط الذي يُمارسه المثقَّف.
ـ فهناك من مُنتَقدي المثقَّف ممَّن يشكِّلون بدورهم طائفةً من المثقَّفين، لأنَّ المثقَّف لا يُقدِّم حقائق مطلقة، وثمَّة أشخاص آخرين يَمتلكون سلطة الوعي ـ ربَّما من نوعٍ آخر ـ ويُناقشون آراءه ويَنتقدونها.
في بعض الأحيان كانت انتقادات «جلال آل أحمد» و«ملكي واراني» و«شريعتي» وغيرهم موجهةً لأفكار المثقَّفين (27)، حتَّى أنَّنا نرى أنَّ مثقَّفين مثل «السيِّد جمال الدِّين الأسدآبادي» و«إقبال اللاهوري» و«محمَّد عبده» و«سيِّد قطب» وغيرهم، لم يكونوا بمنأى عن النَقد.
ومن الطبيعيّ أنّ يوجّه الاشتراكيِّون نقدهم لليبرالييّن وغيرهم، والعكس بالعكس، كما أنَّ القوميين تَتناسب رؤيتهم مع الأفق الذي تشكِّله مبادؤهم، ومن ثمَّ يَنتقدون كلَّ رؤيةٍ أُخرى.
________________________________________
(27)أنظر: تقي آزاد ارمكي «روشنفكر ايراني وهويت», صحيفة «إيران» العدد 1284 و1286، ص 10.

[الصفحة - 157]


والمثقَّف المُتدِّين يُعارض فكريّاً كلَّ ما يتصوَّر أنّه يَتناقض وفكره الدّيني.
ـ وثمَّة التقليديين الذين يُهاجمون المثقَّفين بانتقاداتهم. ونقصد بالتقليديين هنا الأُميين المتطرِّفين لثقافةٍ وسُنَنٍ موروثةٍ والمتعلِّمين المتطرِّفين للوطنيَّات، وربَّما يشمل قصدنا المتدِّينين المتحجِّرين, ولكن ليس من جهة اعتقادهم بالسُنَن الدينيّة، إنَّما من جهة تعبّدهم بالتقاليد القوميَّة التي اكتسبت طابعاً دينيّاً.
ويَنطلق هؤلاء في حركتهم الانتقاديَّة لأقوال وأعمال المثقَّفين من دوافع موجّهة، لأنَّهم ـ في الواقع ـ يُدافعون عن القيَم، ولكن مشكلتهم في جانبٍ آخر.
ـ الطائفة الثالثة تتمثَّل في أصحاب السلطة الذين تتعرَّض مصالحهم للخطر جراء الحملات التي يشنَّها المثقَّف عليهم، وفي هذا الحال يُمكننا اعتبار المثقَّف يساريّاً، لأنَّ أحد التعاريف يَعتبر اليمين الجناح أو الحزب الحاكم في المجتمع، ويَعتبر اليسار التيَّار الراديكالي المُعارض.
قد يكون صاحب السلطة رأسماليَّاً ـ يمينيَّاً حسب أحد التعاريف ـ , وقد يكون على النقيض منه أي اشتراكياً ـ يسارياً في إطار التعريف السابق ـ .
وتقود مُعارضة المثقَّف للتيَّار السلطويَّ الحاكم إلى انتصاره أحياناً أو إلى هزيمته أحياناً أُخرى. لكنَّه في الحالة الأولى سيتغيَّر عنوانه من اليسار إلى اليمين ويُصبح من حقِّ الآخرين انتقاده.
النسخة لا تُطابق الأصل
النموذج البارز لهذا الخلط في تاريخ المثقَّفين المعاصرين في إيران هو ذاك الانهماك الزائد لهؤلاء المثقَّفين في تطبيق جميع الأبعاد المُرتبطة بالثورات الثقافيَّة الأوروبيَّة في إيران، والملاحظ أنَّ هذا الاهتمام يَنحصر في استنساخ مظاهرها دون النظر إلى البُنى التحتيَّة في كلا المُجتَمعَين.
فالدِّين والاقتصاد والثقافة وشكل الحكومة والمنظومة الاجتماعيّة ـ تقليديَّة أم تقنيّة حديثة ـ وأنساق النسيج الاجتماعيّ هي من أهمِّ البناءات التحتيَّة التي لابدّ
________________________________________

[الصفحة - 158]


من دراستها وأخذها بعين الاعتبار في تشكيل أيّ ثورة.
فمثلاً لم يكن الذي وقع في إيران بين عاميّ 1303 و 1320 من السنة الهجريّة الشمسيّة يشبه بصورةٍ دقيقةٍ ما وقع في فرنسا بين عاميّ 1871 و 1958 للميلاد على يد أكثريَّة النواب المثقَّفين فيما يتَّصل بتغيير البناءات السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة (28)؛ لأنَّ اقتصادهم كان قد تحوّل من اقتصاد الرعي والإقطاع إلى الاقتصاد الصناعيّ والآليّ، وهو ما يقتضي نظاماً متناسباً معه. والدِّين الذي لحقت به الآفات في «إيطاليا» على يد «مارتن لوثر» وبعده «البروتستانتيّة» وكان في حالة ضعفٍ شديدٍ لم يكن نفسه الذي مكّن «الميرزا الشيرازيّ» من إلحاق الهزيمة بالاستعمار، وتعبئة الجماعات في فارس وسائر مناطق إيران ضمن حركة المشروطة. وطبقاً لدستور المشروطة تمّ سلب السلطة من المَلك, وأُنيطت إدارة البلاد بخمسة فقهاء مجتهدين على رأس مجلسٍ للشورى وحكومةٍ ينتخبها الشعب. وواضحٌ أنَّ هذا النظام السياسيّ يَختلف بشكل أساس عن النظام القيصريّ في القرن الثامن عشر ـ بدايات حركة المثقَّفين ـ وعن الأنظمة المستبِدَّة في أوروبا وقتذاك، وبخاصّة النازيّة في ألمانيا والفاشستيّة في «إيطاليا» في الثلث الأوّل من القرن العشرين.
كما أنَّ المنظومة الاجتماعيَّة في الغرب ـ بعد الدخول في عصر الآلة وتطور الإنتاج حيث نجد في «إيطاليا» بعد الحرب العالمية الأولى أنّ البلاد شهدت نقصاً كبيراً في أعداد الرجال الأمر الذي أتاح للنساء المشاركة بشكلٍ واسعٍ في الجهد الصناعي ـ تحوَّلت من نمطيَّتها التقليديَّة إلى النمطيَّة الصناعيَّة الحديثة، وهو ما انعكس على النسيج الاجتماعي فصار الفرد هو النواة الأولى للمجتمع، وهذا يعني تدمير العشيرة والطائفة والأُسرة، وهو يَختلف تماما عمَّا كان يجري في إيران، حيث كان النظام الاجتماعيَّ التقليديّ هو السائد.
ثمَّ إنَّ الفوارق الثقافيَّة بين الشعب الإيرانيّ والشعوب الأوروبيّة لم تدع مجالاً لاستنساخ ثقافةِ الآخر.
________________________________________
(28)تي.بي باتومور، «بركيزيدكان وجامعه» ترجمة علي هاشمي كيلاني، ص 74.

[الصفحة - 159]


ورغم التغييرات التي طَرأت على المنظومة الاجتماعيَّة في إيران؛ لكنَّها لم تكن مطابقةً لما حصل في أوروبا، باعتبار أنَّ الثقافة هي الأساس للمنظومة الاجتماعيَّة، والثقافات مختلفة في الحالين أي بين إيران وأوروبا.
كما يُلاحظ في ماليزيا وإندونيسيا واليابان وبعض دول جنوب شرقي آسيا الأخرى التي انتقلت إلى المرحلة الصناعيّة أوهي في طريق الانتقال إليها؛ ولكنَّ منظومتها الاجتماعيّة ظلَّت قائمةً على ثقافتها التقليديّة.
ومع كلِّ هذا التَّضاد والتفاوت البنيويّ تصوّر «رضا خان» أنَّ إيران ستتحوّل إلى بلدٍ كفرنسا بمجرَّد أن يرتدي الرجل الإيراني والمرأة الإيرانية الزيَّ الغربي أو عندما يُصبح للمواطنين الإيرانيين زيَّاً موحّداً كالبلاشفة، أو إذا تمَّ عزل علماء الدين داخل المساجد كما فعلت أوروبا.
الفكر الناقد والانتقال الفكري
بدأت حركة المثقَّفين الأخيرة في إيران حركتها بشكلٍ بطيء على يد «ميرزا جهانغير خان» ، «صور اسرافيل» ، «ميرزا علي أكبر خان»، «دهخدا» و «قائم مقام فراهاني» وأعلنت عن نفسها رسميّاً على يد «السيِّد حسن تقي زادة» و«ملكم» وحقَّقت عصر ازدهارها في أيَّام «السيّد ضياء» وحتّى أواخر عهد «رضا خان», وكانت الدعوة التي تنادي بها هذه الحركة في جميع مراحلها هي أنَّ الصلاح والإصلاح في استنساخ النموذج الغربيَّ بشكلٍ كاملٍ. ولعلَّ الحركة كانت تهدف إلى نقل التطوَّر والتقدَّم الأوروبيّ إلى إيران ـ وهو ما شاهدناه عند كمال آتاتورك والعثمانيين ـ ومع إحراز بعض النجاح في هذا المضمار، إلاّ أنَّ نشاط الحركة ظلّ عقيماً وأبتراً وفاشلاً، ولم يحصل على تأييد المجتمع الإيراني أيضا، ولم يحقِّق سوى الأزمات المتلاحقة التي تواصلت حتَّى جاءت حكومة «الدكتور مصدِّق» الوطنيَّة واستمرَّت بعدها.
وليس في نيّتي أبداً الحكم بشأن استقلاليَّة المثقَّفين ـ سواء من اليساريِّين
________________________________________

[الصفحة - 160]


واليمينيين والوطنييّن ـ أو عدم استقلاليَّتهم وبشأن الأضرار التي تسبَّبوا بها عن قصد أو بدون قصد، كما أنَّه لا يُمكن معالجة هذه الأمور بأسلوب خطابي. فالمهمّ بالنسبة لي هو انتقال الفكر معلَّباً من شمال البلاد ومن الغرب ودعوة الناس إلى شرائه دون دراسة. وقد وقع هذا الأمر في وقتٍ لم يتمّ فيه التمعُّن في المُتغيِّرات المذكورة ودراستها وهذا لا يَشبه أبداً المنهج النقديّ للمثقَّفين الغربيين الذي مرّ ذكره.
وقد ذكر مؤلِّفو قاموس علم الاجتماع تحت عنوان (Critical Theory) (النظريَّة الانتقاديَّة) بقولهم أنّ:
«الانتقاد يعني الحكم سلبيّاً على أنماط السلوك وعلى الآداب وعلى النِتَاج الثقافيّ بشكلٍ عام.
ولقد كانت الدراسات النقديّة للنصوص الدينيّة رأس الحربَة في السِجَالات الدينيَّة في حركة الإصلاح الدينيّ (29). وكان النقد لنصوص الإنجيل يُمثِّل حكماً سلبيَّاً ولكن عينيَّاً في مجال العمل وأحكام جهاز رجال الدّين. ويهدف النقد إلى كشف الافتراضات الخفيَّة والبرهنة على بطلان حججها وأيضاً توضيح الأخطاء والاشتباهات...
بعد ذلك جاء «هيجل» الذي اعتبر التاريخ البشريّ تطوّراً واعياً, وتصوَّر أنَّ هذا الوعي يضرّ دائماً بالقيود الاجتماعيّة... وبعد ذلك جاء «ماركس» و«أنجليز» فطرحا أفكاراً نقديَّة جديدة كانت موجَّهة بالأساس إلى الكنيسة والفكر البرجوازيّ.
فيرى «ماركس» أنَّ الانتقاد لا يعني فقط حكماً سلبيّاً ذكيّاً على الأجهزة التي تُؤدلِج الفكر, إنَّما هو نشاط يستبطن صفاتاً عمليّة وثوريّة (30).
وهذا التفكير يعني في إحدى حيثيَّاته أنَّ النقد الواعي لا يُمكن تفعيله بشكلٍ تامٍ إلاّ في إطار النشاط الإنسانيّ في المجتمع.
________________________________________
(29)Reformation.
(30)يقوم فكر كارل ماركس على الشعار القائل أن: (الفلاسفة «فسروا» فقط، الدنيا بطرق مختلفة لكن المسألة، هي تغيرها. نفس المصدر.

[الصفحة - 161]


وتقدّم «ج. لوكاج« (1923م) بهذا التفكير خطوة إلى الأمام عندما اعتبر الوعي الحقيقي مُلكاً مطلقاً لطبَقة تعمل من أجل تحقيق مصالحها الواقعيّة، حتّى وإن كان وجه هذه المصالح مُضبّباً بالوعي المزيّف.
وساعدت مدرسة «فرانكفورت» في توسّع النظريّة النقديّة؛ لأنّ أصحاب الرأي فيها كانوا مُستائين من توظيف الماركسيّة الرسميّة للاتِّجاه النقديّ.
وقد اعترف أصحاب الرأي في الاتِّجاه النقديّ أنَّه وبعد التغيّر في الرأسماليّة بات التوقُّف في الإطار النقديّ الذي صاغه «ماركس» في القرن التاسع عشر للرأسماليّة بلا معنى، فيما تحوّل الهدف إلى أداة «العقلانية السببيّة» (31).
ضمن ذلك السياق وفي معرض انتقاده للأنسَاق الفكريّة لـ «ماركس» طرح «ماكس فيبر» نظريَّة العقلانيَّة، وعرض تحليل «القفص الحديديّ» لرأسماليّة بمنظومةٍ عقليّة معقَّدة، وقد أدَّت الأعمال الأخيرة لمنظِّري الطريقة الانتقاديّة الألمان، إلى ازدهار السجالات والمباحثات القديمة» (32).
لقد كان الفكر الانتقاديّ ـ وهو اللَّبنة الأولى لحركة المثقَّفين في الغرب ـ دائم التحوَّل ويواكب باستمرار قضايا عصره ومجتمعه ويطرح حلولاً جديدة ومناسبة. فكما يُلاحظ اليوم في مدرسة «فرانكفورت» أنَّ الثقافة تتقدَّم في الأهميَّة على الاقتصاد، وهذا يتعارض بوضوح مع الأفكار السابقة.
كما أنَّ هذا التيَّار الناقد يُحاول تجديد الرأي بالماركسيَّة المعروفة مع نقده للجبر الاقتصاديّ، وفي هذا التيَّار شخصيَّات علميَّة كبيرة من قبيل: «ت.دبليو»، «آدرنو»، «بنيامين أي»، «فروم»، «وام»، «هوركايمر» و «هـ. ماركوز».
ولا يسعى المثقَّف الغربيّ اليوم إلى تشويه صورة الدِّين، بل إنَّ كثيراً من المثقَّفين الغربيين لا يَتعاملون مع الدِّين بحساسيّة ولا يعتبرون قضاياه تَفتقد للدليل. لكنَّنا نشاهد في الدول التي يحكمها الاستبداد أو النامية أنَّ الوضع الثقافيّ على العكس من ذلك، مع أنَّ هذا الأمر يتطلّب دراسة اجتماعيّة شاملة، لكن هناك
________________________________________
(31)قاموس «جامعه شناسي»، ترجمة حسن بويان الناشر، نشر جانبخش، 1367، ص 97_99, والمصدر نفسه، ص 159 (بتصرف).
(32)يقول الدكتور رضا داوري: «إنّ الوقوف ضدّ العقل لا يحقّق شيئاً, وإنّ المدح وخصوصاً تطبيقه مع العقل المقدَّس لا يليق بأهل البحث والتحقيق»، مجلة «نامه فرهنكي» العدد 25، ص 74.

[الصفحة - 162]


حقيقة ثابتة تدلّل على حالة التقليد الثقافيّ الأعمى في هذه المجتمعات وبخاصّة في إيران حيث لا يُنظر إلى نقاط الضعف الرئيسة في المجتمعات الغربية في قضايا الدّين، القانون، السياسة، الحضارة، الحقوق، المنظومة الاجتماعية، المسائل في داخل الجماعات وغير ذلك.
مـثـال
على رغم وضوح طريقة تفكير المثقَّفين الغربيين والمثقَّفين في العالم الثالث وأنمَاط سلوكيَّاتهم، فإنَّه يخطر في الذهن مثالاً لحال الجانبين. فالمثقَّفون الغربيِّون هم دائماً في حال الإنتاج وفقاً لمُقتضيَات العصر، وفي حالة نقد متواصل للحاضر لمعرفة ما إذا كان بالمقدور الاستفادة منه. وهم بذلك يَشبَهون أصحاب الصناعات المُنشغَلين بالبحث والدراسة في سبيل تنمية وازدهار مدنيَّتهم المصنَّعة الكبيرة، وتوفير جميع أنواع السلع فيها بدءاً من الملابس والمأكولات والمشروبات وانتهاءاً بالطائرات الحربيّة. أمَّا الدول المتخلَّفة والنامية، فإنَّ مثقَّفيها عاجزون عن الإنتاج فيسعَون لتغذية مجتمعاتهم بمُنتَجات الآخر ليغطُّوا بذلك على هويَّتهم المزيَّفة وعلى عجزهم، دون أن تفكير منهم في عواقب هذا الأمر أو تدبّر في نتائجه.
فمثل هؤلاء العاجزين اقتصاديّاً وفكريّاً وعلميّاً وأصحاب الهويّة المشوَّهة, مثل البائع القرويّ الذي يَشتري من المدينة كلَّ أنواع السلع المرغوبة وغير المرغوبة والعمليّة وغير العمليّة دون أن يتدبَّر أو دون أن يمكنه التدبّر في مجالات الاستفادة منها وطريقة استخدامها.
الجديد أم القديم، في أيِّهما الفضيلة؟
إذا ألقينا نظرةً عابرةً على مؤلَّفات أعاظم العلم والمعرفة واطَلعنَا على أفكار الحكماء الإيرانيين والهنود واليونانيين في العصور الماضية ـ وفي تلك الواقعة بين عهد زنون وبارميندس حتّى عهد الاسكندرانيين ـ لتبيَّن لنَا أنَّ الفلاسفة والعلماء المتأخِّرين، لم تكن لديهم أفكار جديدة وبالرغم من طرحهم آراء تنسجم مع
________________________________________

[الصفحة - 163]


منظومتهم المعرفيّة الخاصَّة بهم في مختلف المسائل الإنسانيّة، لكن آراءهم كانت عاديّة ولم ترتقي إلى درجة الآراء الخالدة.
والسرُّ في ذلك يكمن في أنَّ الفهم البشريَّ دائم الحركة، هذا من جهة وأنَّ المسائل لا تظلّ أبداً مطلقة.
فالرأي الذي يُطلقه عالم اليوم يُعتبر جديداً مقارنةً بالرأي القديم حول الموضوع نفسه، لكنَّه ليس كذلك إذا نظرنا إليه كجزءٍ من حركة الفهم والإدراك, وربَّما نكون قد بلغنا أو لمسنا تجليَّاته لمراتٍ عديدةٍ في المدارات المعرفيّة، فلا معنى إذن للجديد والقديم، ومن ثمَّ نعتقد ألاّ فضيلة لأيّ منهما، أي إنَّ الحداثة لا تمنح الفكر قيمةً ولا يسلبه القِدَم شيئا منها.
فالمهمُّ في تقويم الأفكار ـ الجديدة أو القديمة ـ هو انطباقها على المعايير الخاصَّة وتمحيصها بالنقد السليم.
وبذلك تتَّضح الإجابة على كثيرٍ من التساؤلات من قبيل:
* هل تمثِّل الحداثة قيمة ؟
* هل الزوال والفناء مصير كلِّ قديم؟
* هل للمسائل القيميّة عند جماعة أو مجتمع نفس الاعتبار عند جميع الناس؟
* هل للقيَم نفس الاعتبار في جميع الأزمنة؟
على أن علينا إلفات النظر إلى أنّنا سنتحدث في مبحث السُنَن عن سنَّة ثابتةٍ وقابلة للتعميم.
المسألة المهمَّة التي ينبغي تأكيدها هنا أنَّ أصل «التحديث» قيمة إنسانيّة دون ريب، والاهتمام به يقود إلى فتوحاتٍ عظيمة في ظلمات الفهم الإنسانيّ.
لكن المشكلة هنا أنّ الجديد غير مجرّب، فلا بدّ أن يُبرهن على فاعليّته وفائدته وقابليّته على البقاء في الظروف المكانيّة والزمانيّة المطلوبة.
________________________________________

[الصفحة - 164]


كانت آراء المثقَّف الغربيّ في القرن الثامن عشر بإزاء قضايا عصره وبيئته الثقافيّة والدينيّة والظروف السياسيّة وقتذاك, والتي طرحها حول الدِّين والدولة والمواطنة وحقوق الإنسان، كانت آراء ذات قيمة لأنَّها أنقذت الإنسان الأوروبيّ آنذاك من واقعه التعيس، إلاّ أنَّ المثقَّف الغربيّ في القرن العشرين والقرن الواحد والعشرين لم يعد يُكرِّر الآراء السابقة، لأنَّه ليس بإزاء نفس المسائل التي كانت مطروحة قبل قرنين، فهو أمام قضايا جديدة ـ وربَّما ـ لا صلَة لها بالماضي.
وعلى هذا الأساس، فإنَّ القضايا المطروحة على المثقَّف الشرقيّ الآن وفي الماضي، تختلفُ عن بعضها البعض، كما أنَّها تختلف عمَّا يُطرح من قضايا في العالم الغربيّ، لأنَّ المُجتَمعات الدينيَّة الأخلاقيَّة في ديارنا تختلف عن المنظومة الدينيّة والأخلاقيّة والبُنية السياسيّة في الغرب، والخلط بين الاثنين خطأ كبير تَنجم عنه الأضرار.
التجديد الدّيني والمثقَّفون
لا ضير في الإشارة ونحن في نهاية هذا المقال إلى حقيقةٍ ظهرت في السنوات الأخيرة والمتمثِّلة في اتِّجاه بعض الكتَّاب الإسلاميين لمسألة التجديد في معرفة الدِّين وبخاصّة الدِّين الإسلامي.
ولا ريب في أنَّ تيَّار العلم والحركة الدراسيّة وهما من مظاهر النهضة الأوروبيّة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر أثّرا بشكلٍ عميقٍ على الأنساق الفكريَّة لغالبيَّة المثقَّفين، بل وامتدَّ هذا التأثير إلى نظريَّات المعرفة الدينيّة. وتعرَّضت الأديان لحملات من النقد بصفتها خارجةً عن نطاق العلوم، وبالتالي فهي تفتقد للدليل، وليست سوى مقولات قيميّة دون بُعدٍ تطبيقيّ.
ولقد أَخطأ كثيرٌ من الكتَّاب والمحقِّقين الإسلاميين ـ وبخاصَّة قبل عام 1978 ـ حينما أغفلوا إثبات البُعد البرهانيّ في القضايا الدينيّة بوسائلَ غير علميّة،
________________________________________

[الصفحة - 165]


وعندما لم يفنِّدوا أدلَّة أصحاب الاتِّجاه العلميّ على الإذعان للدليل العلميّ دون غيره من الأدلّة. وكان الأجدر بهم أن يُبرهنوا على وجود ميدانَين في الوجود وهما الميدان الماديّ والميدان المعنويّ، وأنَّ الاعتبار العلميَّ لا يتجاوز الميدان الماديّ وحسب وهو ميدان محدود وضئيل.
وكان هذا تصرَّفاً انفعاليَّاً من هؤلاء الكتَّاب في مواجهة فضاءات الثقافة الغربيَّة السائدة، فيما انهمكوا في تقديم تفسيراتٍ علميَّة لجميع المباني والمسائل والموضوعات وحتَّى الأحكام الدينيّة. وكما شاهدنا قبل الثورة الإسلاميَّة الإيرانيَّة كيف أنَّ بعض الجماعات المرتبطة بالدِّين الإسلاميَّ عرضت تفسيراً للقرآن يحمل معانٍ للصلاة والزكاة والحجّ والغيب والقيامة و... بعيدة عن الوحي وتنطبق على التصوَّرات العلميّة، وهو ما ردَّه «الشهيد المطهريّ» في كتابه «الدوافع نحو الماديّة».
إذا تركنا هؤلاء الكتَّاب المبهورين، نجد تيَّاراً آخراً منشغلٌ بالبحث في حقائق الوحي فهو لا يسعى للبرهنة العلميَّة على الدَّين الإسلامي, بل هو يهدف إلى تقديم دينٍ حاضرٍ في كلِّ الميادين.
ومن شخصيَّات هذا التيَّار ـ بغض النظر عن الاختلافات العلميَّة والفكريَّة بينها ـ : «السيَّد جمال الدّين الأسدآبادي، «عبده»، «الكواكبي»، «الميرزا الشيرازي»، «الآخوند الخراساني»، «المرحوم النائيني الكبير», «الشهيد مدرّس»، «الشيخ الشهيد نوري» و«آية الله البروجردي»، ثمَّ وفي مرتبةٍ لاحقةٍ: «المرحوم الكاشاني»، «الشهيد نوّاب صفوي»، «آية الله طالقاني»، «العلامة الطباطبائي»، «العلامة الشهيد مرتضى المطهري»، «آية الله الشهيد السيِّد محمَّد باقر الصدر»، «الدكتور علي شريعتي» ـ بغض النظر عن الموارد التي يُمكن مناقشتها ـ و«آية الله الشهيد الدكتور بهشتي» وقبل كلِّ هؤلاء يجب ذكر الإمام الخميني
(قدس‏ سره)
وتلامذته، وقائد الثورة سماحة آية الله الخامنئي «مدّ ظله».
________________________________________

[الصفحة - 166]


ولم يكن عند هؤلاء من جديدٍ، لكنَّهم جدّدوا ما نُسي وأُغفل، وعكفوا على تبيين الحقائق المخفيَّة تحت أنقاض الخرافات والأوهام والأساطير.
هؤلاء ليسوا مثل السلفيّين والإخباريّين والتقليديّين والمتحجِّرين والذين يرفضون الاجتهاد ونتاجات العقل، وليسوا من الذين انبهروا بالعلم وخضعوا له، العلم الذي لا يرى أبعدَ من أنفه. إنَّ هؤلاء دعوا إلى العودة للإسلام المحمديّ والعلويّ النقيّ والأصيل. هؤلاء لم يُغمضوا أعينهم عن التقدِّم العلميّ والتقنيّ للبشريّة واستفادوا منه بمهارة، فهؤلاء كما قال «الدكتور حداد عادل»:
«[روّاد التجديد في الفكر الدّيني] سعوا إلى إيجاد تحوّل في أفكار أبناء المجتمعات الإسلاميّة وسلوكيَّاتهم ـ مع المحافظة على عقائدهم الإسلاميّة، بما يُمكِّنَهم من تقرير مصائرهم بأنفسهم والحفاظ على استقلاليّة بلدانهم وحراسة ثقافاتهم» (33). كان السعي في الحركة الأولى إلى إيجاد الانسجام والتناغم بين الدّين ـ وبخاصّة الإسلام ـ وأصول الحضارة الغربيَّة، لكن الحركة الثانية كانت تهدف إلى أسلحة المجتمع من جديد وعرض صورة الإسلام النقيّة كما هي دون تشويه.
وكان في طليعة الحركة الأولى، المثقّف المحض أو العاديّ ـ المتعلِّم على طريقة العالم الثالث ـ والذي يتَّخذ أصول الحضارة الغربيَّة نموذجاً له، وعليه فهو يَقبل من الدِّين ما يَتطابق والنموذج الذي يعبده.
ولكن الذين تقدَّموا الحركة الثانية، كانوا العلماء والمفكِّرين والعارفين بالإسلام المحنَّكين والبارعين في فهم الدّين والدفاع عنه، وللبرهنة على هذه الحقائق يُمكن الرجوع إلى أفكار ومواقف كلِّ فئةٍ.
القسم الثاني: التُّراث
السنَّة (34)في اللغة تعني الطريقة، والمنهج الفكريّ والإطار العمليّ المعيّن والثابت.
________________________________________
(33)مجلة «نامه فرهنك» العدد 25، ص 74.
(34)Tradition.

[الصفحة - 167]


وقد أضاف المرحوم «محمود حسابي» إفادات أُخرى لكلمة Trade غير الطريقة وهي تعني في جملتها العمل الحاذق (35)، لكنَّها في اللغة العربيّة تعني كلَّ طريقةٍ ومنهجٍ ـ في القول أو الفعل ـ وتقيد بـ : الحسنة، والسيَّئة.
ولعلَّنا نستطيع أن نُدرك نسبيَّة السنّة، لأنَّ من يسنّ سنَّةً أو يتَّبع سنَّة فإنِّه يفعل ذلك لحُسنها وفضلها ويبقى رأي الآخر الذي يُوزنها ويقوِّمها ليُضيف إليها قيد الحسنة أو السيئة.
السنّة في الثقافة الإسلاميّة وفي الثقافة الفارسيّة العامّة من المقولات القيميّة؛ لأنَّها تبيَّن حقيقة مخفيّةً وتستدعي ظروفاً خاصَّة لتُفيد معناها. بمعنى أنَّها تفيد معناها في حال توفّر الظروف الخاصّة، وإلاّ فإنَّها تُفيد معانٍ أُخرى. وبلحاظ هذه النقطة يُمكن أن تُفيد التراث أحد المعاني الآتية:
1ـ السُنن المُحكمة.
2 ـ السُنن العاديّة.
3 ـ السُنن الخرافيّة.
أ ـ السُنن المُحكمة أو الثابتة، وهي الطرق الحسنة والعاديّة ـ في الأغلب ـ الثابتة تاريخيّاً؛ لأنَّها نابعةٌ من الفطرة الإنسانيّة، مثل سُنن الأنبياء والحكماء والأولياء وغيرهم.
ب ـ السُنن العاديّة، وهي الطرق التي تَنشأ وتنتشر بشكلٍ تلقائيّ أو عبر النُخَب ـ بحسب مقتضيَات الزمان أو المكان أو الحالات الخاصّة ـ وتحمل قيمةً وقداسة؛ ولأنَّها ليست نابعة من الفطرة، وإنَّما ناشئة من ضرورات عارضة على الفطرة، فإنَّها تظلُّ طالما استمرَّت أسبابها الأولى وتزول بزوالها أو تُستبدَل بشيءٍ آخر.
ومن المعروف أنّ هذا النوع من السُنَن يزول بعد زوال الأسباب الكامنة وراء نشوئه إلاّ إذا كان يَستبطن قداسةً شديدة وعندها يتحوَّل إلى رمزٍ وهذا يمنحه قيمة محضة.
________________________________________
(35)قاموس «حسابي» الطبعة الثانية، 1373 ص 553.

[الصفحة - 168]


ومن أمثلة السُنن العاديَّة التقاليد وعادات الأقوام والجماعات، كسُنن المزارعين والرعاة، واستقبال المسافرين وتوديعهم، وتقاليد الختان والأعراس والعزاء وتبادل الزيارات والضيافة وغيرها، والتي تَتلاشى تماماً أو تتغيَّر كليَّاً في حال وقوع تحوّل بنيويّ في المجتمع.
ومن النماذج على التُّراث ـ الرمز، هو التقاليد التي كانت تحمل معانٍ معيَّنة في الماضي، ولكنَّها فقدت تلك المعاني، ومع ذلك ظلَّت تمثِّل مظهراً من مظاهر الهويَّة الوطنيَّة التاريخيَّة، أو أنَّها تعبِّر عن ثقافة ماضيةٍ يُكنُّ لها الاحترام مثل: تقاليد النوروز، إضاءة الشموع في المزارات والمساجد وغيرها.
ج ـ السُنن الخرافيَّة، وهي تقاليد وعادات وطُرق أطلقها الكهَنة والسحَرة والمحتالين والمثقَّفين الأُميّين، أو أنَّها جزء من السُنَن الرمزيَّة التي زالت عنها صفة الرمزيّة وفقدت معناها الانتزاعيّ القيميّ، لكنّ الجهل أبقاها رغم التطوّر الحضاريّ والتقدّم الفكريّ ورغم عدم انسجامها مع الأوضاع الجديدة.
ومن أمثلة هذه السُنن، كسر البيض للنجاة من الحسد، وربط قشور البيض والفحم وقطعة قماش خضراء على العضد لدفع الحسد، والنفخ بعد تلاوة التعويذة، ورقصة الموت على أنغام موسيقى معيَّنة لدفع الشيطان وتفادي الرياح العاتية وطرح الأرواح الشريرة التي دخلت في جسم المريض، واستعمال الطلاسم للشفاء من بعض الأمراض، وكثيرٍ من طُرق قراءة الفأل.
تقويم السُنن
ـ تنشطر سُنَن النوع الأوَّل والتي يُمكن تسميتها بطريقة الفطرة إلى شطرين:
1 ـ القوانين الثابتة التي لا تتغيَّر والحاكمة على الطبيعة، الإنسان، وهي السُنَن التكوينيَّة التي تبقى ثابتةً في كلِّ الأحوال. مثل قانون الحركة, قانون الجذب والدفع وقانون التحوّل والتغيير، وقانون التجزئة والتركيب وقانون الولادة والموت وغيرها من الأمور التي يرتكز عليها أساس حياة الموجودات والأشياء.
________________________________________

[الصفحة - 169]


وفي الإنسان مثل جميع الغرائز مثل: حبُّ الذات والعشق والشهوة والحقد والكراهيّة وحبّ الخير وكراهيّة الشرِّ وحبّ الدعَة، والميل إلى الخيرات والنفور من المكروهات، والحاجة إلى المعبود، والروح التوسعيّة، وحبّ القوّة.
ويستحوذ كلُّ واحد من هذه القوانين على جانبٍ من الحياة الإنسانيّة كي تَستهدي به بصورة طبيعيّة. وبالطبع فإنَّ الفطرة تهدي الإنسان بشكلٍ جيّد، لكن التذكير الإلهي والذي نسميه بالأحكام الشرعيّة والتي صدرت على لسان الأنبياء، والتي نُطلق على مجموعها تسميَة المعارف الدينيّة جاءت لتُشكِّل ضمانةً جديدة لهداية الناس.
هناك مجموعة من هذه السُنَن التي جرى تأكيدها بصورةٍ أقوى من غيرها تسمَّى بالفرائض، والمجموعة التي كان تأكيدها أقلّ تسمّى بالاصطلاح الدِّيني بالسُنَن.
ذكرنا أنَّ جميع هذه السُنَن، ثابتٌ ولا يقبل التغيير، وهي في صميم الخلق الإنسانيّ، وهي تقبُل الكشف من جانب الإنسان، ولذلك نقول أنَّ إدراكها ليس حِكْرَاً على الأنبياء، فطالما توصَّل إلى بعضها الحكماء والنوابغ، كما جاء في القرآن عن لقمان وعن وليّ الله في قصّة موسى «سورة الكهف» وعن سليمان ويوسف وداود قبل أن يبعثوا، وقد ذكر القرآن حكمهم وجعلها نموذحاً يُحتذى.
ونجد مثيلا لهذه الحِكَم عند «هوشنغ بيشدادي»، «بوذاسف»، «بلوهر اليونانيّ»، «بوذرجمهر الإيرانيّ»، «بوذا الهنديّ»، «كونفوشيوس الصيني» وغيرهم، حيث تحوَّلت أقوال بعضهم وسيَرهم إلى سُننٍ مقدَّسة تُتَّبع.
إنّ أساس أكثر السُنَن يقوم على أربعة أصولٍ هي الحُسن والقُبح والخير والشرّ, ومع أنَّ هذه الأصول نسبيّة في فروعها ومصاديقها، لكن الكليَّ الذاتيَّ لها واحدٌ عند جميع الناس. فمثلاً الكليّ الذاتيّ للسلام حسَنٌ وخيرٌ محَض، إلاّ أنَّ تعيين المصداق الخاصّ قد لا يكون خيراً أو حسناً، كالسلام في ظروفٍ تؤدِّي إلى ضرب ركائز الحقّ. أو أنَّ سنّة الزواج التي هي في أصلها سنَّة خيَّرة وحسنة
________________________________________

[الصفحة - 170]


ومتناسبة مع نظام الخلقة، لكنَّها قد تتمايز في فروعها ومصاديقها مع الأصل، وهكذا سائر السُنَن.
وعليه فإنَّ سُنَن النوع الأوَّل لا تزول بالتحوَّلات البنيويّة، اللهم إلاّ إذا حدث تحوّل أساسيّ في المجتمع البشريّ. فهي تبقى إذن مهما تقدَّمت المجتمعات، وهو ما يُلاحظ في السُنَن النبويَّة التي بقيت حيَّة طوال أربعة عشر قرن، وفوق ذلك اشتدَّت الحاجة إليها في عصر الحداثة وعصر ما بعد الحداثة. وكذلك تعاليم «بوذا» و«كونفوشيوس» التي مازالت تسيطر على مجتمعات صناعيّة متقدِّمة مثل المجتمعات اليابانيّة والصينيّة والهنديّة والاندونيسيّة والماليزيّة والكوريّة وغيرها.
إنّ هذه السُنَن تعبِّر عن أصالة الشعوب، فهي لا تضمَحلّ بالدخول في عصرِ الآلة والتقنيَّات الحديثة، إلاّ إذا تحرَّك المثقَّفون التقليديِّون ضدَّها، وفي هذه الحال ستَتراجع هذه السُنَن لمدِّة قصيرة, قبل أن تقوم قوانين المجتمع والتاريخ بعمليّتها التصحيحيّة لإعادة الأمور إلى وضعها الطبيعيّ.
وليس المقصود بقوانين المجتمع والتاريخ، المعاجز الاجتماعيّة والتاريخيّة، إنَّما حركيّة المثقَّف الأصيل، بالمعنى الحقيقيّ للكلمة، في الدفاع عن تلك السُنَن، وقد أشار الدكتور «حسن حنفيّ» إلى هذه الحقيقة بقوله:
«إنَّ إحياء السُنَن الماضية وإعادة بنائها على المدّى البعيد، ضرورة قصوى لأنَّها تُمكِّن الشباب من إيجاد نوعٍ من الانسجام والوحدة الوجدانيَّة بين الواقع المأزوم والثقافة المعبِّرة عن ذواتهم، لأنَّه من غير المعقول تزريق الناس ثقافة المنتصرين بينما هم يعيشون واقعاً مهزوماً.. فمعنى إحياء السُنن القديمة وإعادة تكوينها هو إعادة بناء الذات العربيّة لتستعيد أمجادها فيما يُعينها على الإجابة على متطلَّبات العصر الراهن» (36).
ـ وأمّا سُنَن النوع الثاني وهي قد تتَّخذ طابعاً دينيّاً أو تبقى بصورتها العاديّة.
________________________________________
(36)صحيفة «خراسان» العدد 14348، ص 11.

[الصفحة - 171]


ولقد تبادل المتحجِّرون والاخباريّون من جهة، والعلماء الذين يَعتمدون الدليل العقليّ من جهة أُخرى، تبادلوا الاتِّهامات بخصوص السُنَن التي اتَّخذت طابعاً دينيّاً، لكن الحقَّ في ضرورة الفصل بين السُنن الدينيّة الحقيقيّة والسُنن القوميّة التي اصطبغت باللون الدِّيني، فالأخيرة لا تملك أصالةَ الأولى وسرمديّتها. وهذا الأمر لا يَقتصر على الثقافة الإسلاميّة إنَّما هو ملاحظٌ في ثقافات الدّيانات الأُخرى. كما في تقليد شجرة عيد الميلاد و«بابانويل» في المسيحيّة, وسنّة عبادة النار في التعاليم الزرادشتيّة.
هذا النوع من السنن قد يبقى وقد يزول، ولعل زواله لا يترك أثراً ذي بال.
وعليه، فإنَّ النهضة الثقافيّة لا ترغب في بقاء هذه السُنَن لعدم فاعليّتها، ولأنَّها باتت أمراً زائداً غير ذي معنى أو لتفادي بعض الحركات.
ولذا نجد «عمانوئيل فالرمشتاين» يتحدث عن عن ثقافة «الجنوب»: «إنّ للثقافة [في هذه الديار] مجموعة من الخصائص وهي تمتلك حكم التقاليد والأعراف وهي أحد معاني السُنّة».
وبهذا المفهوم فإنَّ الثقافة تُفيد معنى جملة من العقائد والقِيَم التي يُظنُّ أنَّها ما زالت صامدةً تقاوم التغييرات منذ أمدٍ بعيدٍ.
ويرى «نيكولز» أنَّ لهذا الواقع مردودات سلبيّة عندما يُوضح بأنّه «يعتقد أنَّ على الجنوب أن يختار بين التطوّر والتقاليد...» وهذا يعني بوضوح أنَّ عليك أن تختار التصنيع لتتحرَّر من تقاليد الجهل وخرافاته.
وعلى العكس منه نجد أن «تيندال» يُقدّم صورةً إيجابيَّة للتقاليد فهو يلاحظ أنَّ «الجنوب واقعٌ لا يُمكن إنكاره وليس لأحد أن يُنازع فيه وبخاصَّة للذين نشأوا هناك. وبمقدور أيّ مؤرّخٍ واعٍ أن يُحصي بعض الحقائق القائمة والتي تؤكِّد هذا الأمر...».
ومن المؤكَّد أنَّ «تيندال» لم يكن متطرِّفاً ولم يكن يحمل نزعة العودة إلى الماضي، فقد كان يتطلَّع إلى وقوع تغييرات كثيرة في جميع المستويَات:
________________________________________

[الصفحة - 172]


«وستظهر في نهاية المطاف فرص كثيرة، تمنح الجنوب حظاً وافراً نادر الوقوع، هذا إذا استطاع أحد القادة النوابغ أن يوظِّف هذه الفُرص» (37).
إنَّ تعامل المفكِّرين والعلماء ـ وخصوصاً علماء الاجتماع ـ الذين يشكِّلون الجزء الأعظم من المثقَّفين في الغرب، كان تعاملاً ذكيّاً وعميقاً.
ففي دراسته المتأنيّة للتقاليد والآراء العامّة يؤكِّد «تي.بي باتامور» على التالي:
«للتقاليد في المجتمعات البدائيَّة نفوذاً واسعاً, وفي المجتمعات المتحضِّرة ما زالت هناك أدوار للتقاليد والعادات والآراء العامّة بفارقٍ واحد هو أنَّ أنماط السلوك يتمُّ ضبطها في المجتمعات المتحضِّرة بالقوانين والدِّين والأخلاق».
وقد نُقل عن الفلاسفة السياسيين المُحافظين مثل «بيورك» قوله:
«التدبير السياسيّ هو اتِّباع السُنَن الاجتماعيَّة بالشكل الذي تتجسَّم فيه في المؤسَّسات الاجتماعيَّة القائمة».
ويُنقل عن «مين» في كتابه الكلاسيكي حول القوانين في الهند، قوله:
«إنَّ القسم الأعظم للقوانين الراهنة عبارة عن الأعراف الكهَنيَّة التي تغيَّرت بصورةٍ أو بأُخرى جراء تأثيرات الأعراف الآريّة والبرهمنيّة».
ويُواصل حديثه قائلاً:
«حتَّى في المجتمعات الصناعيَّة الحديثة فإنَّ أهميَّة التقاليد كبيرة لدرجةٍ لا يُمكن تجاهلها، لأنَّ جزءاً كبيراً من الدِّين والأخلاق يتكوَّن من التقاليد أكثر ممَّا يُشارك العقل في تكوينه، كما أنَّ الأنماط الاجتماعية تتقوَّم بالأعراف والآراء العامة» (38).
وفي ختام بحثه الذي خصَّصه لدراسة مطوَّلة عن الأعراف والتقاليد يَخلص هذا العالم الاجتماعيّ إلى نتيجة مفادها أنَّه وبالرغم من أنَّ الأساس في القوانين والسياسة هو العودة إلى تقاليد المجتمع وآرائه العامة، لكن الواضح أيضاً أنّ لهذه
________________________________________
(37)«سياست وفرهنك در نظام متحول جهاني» ترجمة بيروز ايزدي، الناشر: نشر ني، 1377، ص 293.
(38)جامعة شناسي، ترجمة حسن منصور، وحسن الحسيني كلجاهي، الناشر «أمير كبير» 1370، ص 263 ـ 262.

[الصفحة - 173]


منشأً يصوغ مضمونها «ولا ريب في أنَّ هذا المنشأ، في أغلب الحالات، هو التقليد والتُّراث»(39).
وقد أجرى «غي روشه» بحثاً مقارناً بين المجتمعات التقليديَّة والمجتمعات التقنيَّة, وأشار إلى خصوص الأخيرة بقوله:
«يُعطي منهج التفكير التكنولوجي ـ بإزاء منهج التفكير التقليديّ ـ الأهميَّة للتحوَّل والتغيير، لأنَّه يثمَّن التطوَّر، وهما متلازمان. فالأمل بالتحسّن والتقدّم، لا يَستبطن الرضا بالتغيير وانتظاره وحسب، بل يَستبطن الطموح والبحث...».
وبعد ذلك وعبر نظرة واقعيَّة تتَّصل بعلم الأصول والمباني في كلا المُجتمَعين يقول:
«بالرغم من الانتقادات الموجَّهة لعلم الأصول والمباني في كلا القُطبين، فإنَّه يبقى الإطار الأساس لعلم الاجتماع التطبيقيّ شريطة أن لا يتمُّ إغفال حقيقتين: إحداهما: إمكان كلا المجتمعين أن يَتعايشا في مجتمعٍ واحدٍ وجامعٍ. والواقع أنَّه إذا كانت هناك مجتمعات تقليديّة بحتة، فإنَّنا لا نجد مجتمعاً تكنولوجيَّاً بحتاً. هناك حضور للمجتمع التقليديّ إلى جانب الحضارات التكنولوجيَّة في جميع المجتمعات الحديثة ـ حتَّى الأكثرها تصنيعاً ـ مثل كندا والولايات المتَّحدة الأميركيَّة وانكلترا وفرنسا والاتِّحاد السوفيتي السابق واليابان.
والأخرى: ينبغي الالتفات إلى أنَّ المجتمع التقليديَّ هو مجتمع متنوّع... وكذلك المجتمع التكنولوجيّ، وفي كل منهما صوَر مختلفة من التغيّر» (40).
ـ سُنَن النوع الثالث، هي سُنَن زائلة لا يُكتب لها الدوام، لأنَّها تفتقد لقيَم عمليَّة من جهة، وتتناقض مع السُنَن الحديثة المُتناسبة مع التغييرات الاجتماعيَّة من جهةٍ ثانية.
إنَّ الأساطير التاريخيَّة والقديمة والممتزِجة بالخرافات غير المنطقيَّة والخارجة عن المدارات العقليَّة, لا يُمكنها أن تقوم بأيّ دورٍ مؤثِّر، لأنَّ السُنَن
________________________________________
(39)المصدر نفسه، ص 266.
(40)«سازمان اجتماعي» ترجمة هما زنجاني زادة، الناشر «انتشارات سمت»، 1375 هـ.ش، ص 98، 104، 103.

[الصفحة - 174]


معالم في طريق الإنسان يَستهدي بها، وهي تفقد فاعليّتها في المجتمع الذي قطع علائقه بها وفي البيئة الفكريَّة التي تَتناقض معها. ولهذا نؤكِّد أنَّها زائلة، وهذا ليس تصوَّراً أو رأياً إنَّما هو حكم الجبر التاريخيّ بطردها عن ميادين النشاط الإنسانيّ.
هذا بالرغم من أنَّ تلك الأساطير التاريخيَّة والقديمة تمتلك أهميَّة كبيرة من الناحية التاريخيَّة بالنسبة للباحثين والمحقِّقين فيما يَستعينون بها في كشف طرق التفكير وأنواع العقائد والبناءات الفلسفيَّة والذهنيَّة واللغويَّة، وفي متابعة التقهقر الثقافيّ والتعرَّف على الأصول الفنيَّة. وهذا يقتضي حراستها والمحافظة عليها.
ولقد اعتبر المثقَّفون ـ بالمعنى الشامل للكلمة ـ أنَّ رسالتهم تتجسَّد في مواجهة هذه السُنَن، وهو ما شدّدوا عليه منذ أوائل النهضة العلميَّة لأوروبا. وقد اشتدَّت المواجهة في القرن الثامن عشر حتَّى بلغت ذروتها في نهاية القرن التاسع عشر.
وممَّا ساعد على تشديد المواجهة مع الخرافات والأساطير هو أنَّ العقلانيَّة الجديدة القائمة على نظريَّات المعرفة الاستدلاليَّة دخلت الميدان وقد انتظمت في الإطارات العقلانيَّة التي صاغها «ماكس فيبر» وأيضاً «و.بارتو».
وبغض النظر عن الأحكام المتطرِّفة التي أصدرتها هذه العقلانيَّة بخصوص المقولات القيميَّة وقضايا ما وراء الطبيعة، وهو ما نجم عنه الابتعاد عن الدِّين، ورفض مبانيه، فإنَّ النقطة المضيئة لهذه العقلانيَّة والتي قد تكون منشأ الهجمات على الدِّين، هي إقصاء الأوهام والقضايا التي لا تقوم على أساسات علميَّة مثل السحر والاعتقاد بالخرافة والارتباط بأمورٍ وهميّة. كما أنَّ تفسيرها غير الدقيق للدِّين ـ باعتباره استمرارا للسحرـ أدَّى إلى إصدار نفس الأحكام على الصحيح والسقيم(41).
ولقد كرَّس اتِّساع العقلانيَّة والمناهج الحضاريَّة من انحسار السحر والشعوذة (Witchcraft)(42).
________________________________________
(41)قاموس «جامعة شناسي»، ترجمة حسن بويان، الناشر «انتشارات جانبخش» 1367 هـ.ش, ص 213، 212، 416، 413.
(42)المصدر نفسه، ص 418.

[الصفحة - 175]


هذا في الوقت الذي لم يُدافع فيه الدِّين الإسلاميّ عن أيّ منهما، بل ذمَّهما و ـ كما ذكرنا سابقاً ـ فإنَّ أحد أهمّ الأهداف للرسالات الإلهيَّة هو مناهضة هذا النوع من السُنن عبر تنوير الفكر والروح.
إنَّ موقف الإسلام من الأساطير والخرافات والسحر والشعوذة هو دليل واضح على أنَّ الدَّين الإسلاميّ بريء مما يكيله العلماء الغربيِّون ـ المناهضون للدِّين ـ من فهمٍ لمفهومٍ الدِّين. فمتابعة استعمالات كلمة «أساطير» في القرآن والمواجهة بين المنطق الدّيني وبين السحر والسحرة والمكرَة والذين يُحرِّفون الكلام الإلهي يدلِّل على أنَّ التاريخ شهد على الدوام استقطاباً بين تيَّارين أحدهما الوحي الإلهيّ والآخر السحر وخداع الحواسّ الماديّة والمعنويَّة للناس بإغفالهم وتزييف وعيهم.
يقول «حافظ الشيرازي»:
لا طاقة للسحر بالمعجزة ليُرغب في منازلتها
من يكون السـامري حتَّى يُخـرج يداً بيضـاء
* * *
________________________________________

[الصفحة - 176]