البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

نحو منهج موحد لفهم الدين

الباحث :  أ. محمد الغيلاني
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  43
السنة :  السنة الحادية عشر خريف 1427هجـ 2006 م
تاريخ إضافة البحث :  March / 21 / 2015
عدد زيارات البحث :  2011

نحو منهج موحد لفهم الدين

أ. محمد الغيلاني (*)

تمهيد
مثّلت قضية المنهج على الدوام الإشكالية الكبرى في جميع مجالات المعرفة والبحث... ولإن كانت هذه الإشكالية أخذت أكثر من مظهر في مجال العلوم الإنسانية، فإنها باتت تمثل المبدأ الجوهري في التعاطي مع الدين بما هو مشروع يتجاوز الأفهام المرتبطة بحقول المعرفة الإنسانية المحصورة في التجربة البشرية النسبية والخاضعة لقوانينها... فـ «المعرفة العميقة بالدين هي حارس الدين» (1).
وهكذا، فالدين؛ لأنه مبدأ شمولي ـ توحيدي يفرض نوعاً خاصاً من التعاطي المعرفي تفسيراً وتحليلاً، قراءة وتأملاً... فلا يمكن بأي حال من الأحوال ـ حتى في مجال العلوم الإنسانية نفسها ـ إخضاع الدين لقوانين تنتمي لدوائر المعرفة اللادينية... فمنطق الدين ـ وهو هنا الإسلام ـ يقترح ويفسر، يبين ويحاجج ويتحدى اعتماداً على مبادئه الخاصة بما في ذلك النظر والتدبر والتفكر والتعقل.
بل، «هل يعقل أن يكون التوحيد فطرياً ولا يكون الوصول إليه فطرياً؟» (2)... وهي مناهج غير بعيدة عن أجواء الفكر الإنساني بالمعنى الديني... ومن المفارقات أننا نتحدث في كثير من كتاباتنا عن الإسلام الحداثي، والإسلام الصحيح، والإسلام المستنير... ولا نتوقف عن وضع لائحة مفتوحة من النعوت والمسميات التي إن اُضيفت للدين فهي لا تعدو أنها تقيد سعته، وتخضعه بالتالي لتصنيف نسبي، وتجرده من كينونته وماهيته بما هو الدين القيم، وبما هو رحمة للعالمين، وبما هو في المطاف الأخير. وبدون تصنيف لن يكون مقبولاً إلاّ بصفته الجامعة، أي الإسلام {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ}
________________________________________
(*) باحث، من المغرب.
(1) محمد رضا حكيمي، الاجتهاد والتحقيق: 63، ط . الأُولى، دار الهادي 2000م.
(2) الشيخ حسن كوراني، «العقل ودوره في تحديد المرجعيات المنهجية لدراسة الأديان»، مجلة الحياة الطيبة: 101، العدد 14 لسنة 2004.

[الصفحة - 45]


{لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} (المائدة: 3)، و {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ} (آل عمران: 85)، و {إن الدين عند الله الإسلام} (آل عمران: 19).
فالدين ثابت، بمعنى أن الوحي هو المصدر والمرجع، وهو الدليل وكونه ثابت فهذا لا يعني أنه جامد ومغلق، بل هو مفتوح ومنفتح ويستدعينا باستمرار للتعاطي معه. وإذا حدث لنا لبس ما في ماهية الوحي، فإنما هذا اللبس ناتج أساساً عن استعمالنا لمفاهيم لا تنتمي إلى المعجم القرآني، أي ذلك الفضاء الذي يزخر بمفاهيم من طبيعة الوحي نفسه، تسهل تجاوبنا معه. ومن ثم فإن كل إعاقة معرفية هي بالأساس محصلة تداولنا لاصطلاحات ومفاهيم لا تنتمي للسياق القرآني من قبيل: الثابت والمتحول، الديني والبشري، المطلق والنسبي، جوهر الدين وصدفه، وهي ثنائيات تقود حتماً إلى التجزيء والفصل والتفكيك من قبيل: إن «أعراض الدين هي كيفية تحقيق جوهر الدين في أزمنة وأمكنة مختلفة. من هنا كانت العبادة في الدين المسيحي على نحو، وفي الدين اليهودي على نحو مختلف، وفي الإسلام على نحو آخر، وكذلك الصوم والصدقات وبقية العبادات...
إنطلاقاً من هذا الأمر، يجب أن يكون هنالك تفكيك وفصل بين جوهر الدين وأعراضه، هذا التفكيك يقوم به الناس، وهو نوع من المعرفة البشرية، وبما أن المعرفة البشرية متحولة، لذلك فإن مجال الدين يختلف ضيقاً واتساعاً» (3)، أو من قبيل القول مثلاً: بأن «النص ثابت بلفظه متحول بمضمونه»، فما الذي أبقينا للوحي إن طبقنا هذه المقولة؟
تفرز ثنائية المعرفة الدينية والمعرفة البشرية المأزق نفسه، فهل المعارف الدينية وغير الدينية معارف بشرية؟ هل المعرفة البشرية هي المعرفة غير الدينية؟ وهل المعرفة الدينية مثل سائر المعارف البشرية؟ وهل يمكن للمعرفة الدينية الإفادة من المعرفة البشرية؟ إن هذه التقسيمات بين معرفة دينية ومعرفة بشرية قاد إلى أكثر من التباس، ونحن هنا نعود ثانية إلى إشكالية المفاهيم، وهي جزء من إشكالية أكبر، أي إشكالية تمثلنا للمبدأ العام الذي ضمنه الوحي. وبالعودة إلى إشكالية المعرفة نتساءل:
________________________________________
(3) عبد الرضا ملكيان، «القبض والبسط» دراسة نقدية (1)، مجلة المنطلق: 241، العدد 113لسنة 1995.

[الصفحة - 46]


ألا تؤدي كل عمليات التفكير في الموجودات والوجود إلى الإيمان؟ ألا تقودنا آيات الله في الكون بخطى ثابتة وممنهجة إلى الإيمان؟
فالمنهج ليس أمراً ناجزاً أو عدة نمتلكها لاختراق عوالم المجهول والطلاسم.. إنه حصيلة عملية تأمل منتظم ومباشر، فهل يمكن فهم الوحي من دون أن يساوق ذلك إيمان بمقتضياته؟ وما هي فائدة فهم لا تتحصل منه قناعة؟
فالمعرفة البشرية إذا كان معناها التحصين الذي أنجزه الإنسان من تأمله ودراسته، فإن هذه العمليات لا تتم بعيداً عن الموجودات التي تمثل آيات الله في الكون، من ثم فإن هذه المعارف مرتبطة بشأن إلهي.. بمواضيع الخلق والإعجاز، ولذلك فهي اُمور دينية سواء كان الباحث متديناً أم لا. فكل القوانين التي اكتشفت في الفيزياء مثلاً وثبتت صحتها، هي قوانين وسنن إلهية اكتشفتها المعرفة الإنسانية.
الوحي غير متحول إذا كان المعنى المراد به هنا التبدل، ولكن الوحي يتمتع بقدرة لا متناهية على استيعاب الزمان بحكم مبادئه التي صيغت مسبقاً على هذا الأساس؛ ومعنى ذلك أنك تجد فيه التوجهات الكبرى، والمعالم الأساسية التي تمنحه القدرة على التعاطي مع واقعك وعصرك وأسئلتك وهواجسك، ويدفعك تالياً إلى بحر المسؤولية في كل دوائرها، فلا تستطيع أن تعي مسؤوليتك تجاه المقربين إذا لم تعِ مسؤوليتك تجاه المجتمع، وبالمثل فإنك لن تقدر على وعي هذه المسؤولية من دون وعي الوظيفة والدور الذي اُوكل للإنسان في هذا الكون.
وهكذا، فإن المسؤولية تصبح في واقع الإنسان شبكة من الوظائف والأدوار التي تستهلك الجهد الإنساني في أن يكون وجوداً إيجابياً وليس عبثياً، ولا تستثنى من هذا الأمر مسؤولية بذل الجهد في التفكير وإنتاج المعارف.
كل معرفة تؤدي إلى فهم الدين هي معرفة دينية، فقد يكون المنهج سليماً، ولكن سوء استعماله ربما يؤدي إلى نتائج خاطئة، فلا يكفي الاطمئنان إلى صوابية المنهج.. وهنا تبرز أهمية الوحي في أنه لا يتوقف عن مدّنا فقط بالمنهج، ولكن يوجه استخداماتنا له.. إن الوحي يشدد على اُسلوب تطبيق المنهج، وإذا قلنا أن المعرفة هنا نسبية وجزئية وسلمنا بذلك، فإنه من غير المقبول أن تكون معرفة تحريفية.
________________________________________

[الصفحة - 47]


هل يمكن حصر المعرفة الدينية بفهم النص الديني؟ وكيف لنا أن نعرف النص الديني؟ فالنص الديني «ليس مرادفاً للدين، بل هو مصدر لاكتشاف الحقائق الدينية». ولكن، كيف يكون النص الديني كاشفاً للحقائق الدينية وهو في الوقت ذاته ليس مرادفاً للدين؟ وألاّ يجدر القول بأن النص الديني يكشف جزءاً من الحقائق الدينية وليس كل الحقائق (4)؟ ومن ثم فإن النصوص الدينية هي أهم مصدر لمعرفة الدين، ولكنها ليست المصدر الوحيد؛ لأن هناك مصادر اُخرى يمكن بواسطتها التعرف على الدين.
هذا التحليل يضعنا أمام مشكلة جديدة، فهل القرآن مثلاً لا يكفي لمعرفة الدين؟ أو لو أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يترك لنا سنته وهي نصوص لمعرفة الدين، فهل كنا سننظر إلى القرآن على أنه يعجز عن تقديم الأجوبة الكافية في حين أن القرآن كتاب وحي لا يأتيه الباطل؟ ها نحن إذن أمام ثغرات جديدة نتيجة تشوش في الرؤية حصل في إثر الحديث عن أن الدين مجموعة نصوص، وهذا التشويش بحاجة إلى نقد معرفي يتجاوز رؤيتنا التقليدية لمفهوم الدين إلى رؤية تتعاطى مع المسألة الدينية في حركة سننها في الكون.
فالدين بهذا المعنى كيان متحرك للوجود، بل الوجود ذاته تعبير من تعبيراته، وكل الموجودات حقائق دينية تقودنا للإيمان. فالقرآن يدفعنا إلى السؤال والبحث من خلال هذه الموجودات، ثم تحيلنا حقائق هذه الموجودات إلى الوحي لتصويب وتنظيم وضبط ومنهجة رؤيتنا، ومن ثم كان الإيمان حركة مستمرة ودائمة تؤججها ممارسة التدبر والتأمل والتفكر، وهي ممارسة متحررة من كل القيود عدا ما يمكن أن يجعلها تحريفاً للفطرة.
المؤاخذة الرئيسة إذن في هذا السياق، هي الخلط الذي نقع فيه عندما نستعمل الوحي كنص ديني، ونتحدث في الوقت ذاته أن كل خطاب حول الدين هو نص ديني، ما دام يمكن أن يعرفنا عن الدين. في حين أن القرآن يعرفنا على نفسه وعلى مضامينه وتوجيهاته من دون الحاجة إلى وسائط. ثم هل يجوز أن نضع الوحي والنصوص الدينية في مرتبة واحدة؟ وإلاّ علينا أن نعيد النظر في التصميم. هل الدين
________________________________________
(4) أحمد واعظي، نقد نظرية القبض والبسط، تعليق الشيخ محمد زراقط: 31، الطبعة الأُولى، دار الهادي 2003.

[الصفحة - 48]


مرادف للنص الديني؟ وهل المعرفة الدينية مرادفة للعلم بالشريعة؟ وهل المعرفة الدينية هي نفسها المعرفة بالكتاب والسنة؟ وهل تقبل الشريعة الترميم باستمرار؟ وهل يصح القول: «الإنسان الذي يتبدل فهمه لكل شيء (5)، من الطبيعي أن يتبدل ويتجدد فهمه للدين أيضاً»؟ هذا القول يدفعنا إلى سؤال مهم: ما الذي يحدد رؤيتنا كبشر؟ وما هو مصدر المعرفة نفسها؟ ما الذي يوجهنا ويوجه أسئلتنا؟
عندما يقال: إن «الإنسان الذي يتبدل فهمه لكل شيء» ألا نتساءل لماذا أو ما سبب تبدل فهم الإنسان؟ هل يحدث التبدل عبثياً ومن دون مقدمات أو مؤثرات أو موجهات؟ ألا يجوز أن نقلب عناصر هذه الفكرة ونقول: «الإنسان الذي يتجدد فهمه للدين، من الطبيعي أن يتبدل فهمه لكل شيء»؟
المعرفة بالقرآن لها مصاديق، وهذه المصاديق يجسدها الإيمان الذي يمر عبر فعل العمل، والعمل هو الذي يعبر عن قيمة المعرفة بالقرآن، والله تعالى يزكي هذا العمل عبر آثاره في واقع الناس، ولكن ليس ضرورة أن تكون هذه التزكية ملموسة أو ظاهرة أو فورية.
عندما نقول: إن العالم يلجأ إلى النص الديني كلما طُرحت عليه أسئلة العصر، فمعنى ذلك أن اجتهاده تبعي وليس طليعي أو ريادي. فكيف يصح أن يكون العالم عالماً وهو يمارس التفكير والاجتهاد كردّ؟ ومن ينتج الأسئلة؟ ومن يبحث الظواهر ويوجهها؟ ألا يجوز أن تكون كل هذه الإشكاليات وليدة لحظة فقدان التحكم بالمصير؟
وبناء عليه نتساءل، هل المنهج هو نتيجة طبيعية لمسار من التساؤل والتأمل والبحث والدراسة وبذل الجهد النظري والفكري في التعامل مع الدين، أي الإسلام، وبالتالي القرآن بصفته التعبير الظاهر عن هذا الدين؟ أم أن المنهج هو حركة فكرية عقلية تاريخية مستقلة عن الدين وحيثياته غير منفعلة مع الوحي وإنما فاعلة فيه؟ وهل يمكن القبول بمنطق لا ديني في فهم الدين؟
أعتقد قبل البحث في الإجابة عن هذه التساؤلات وأجوبتها في مصنفات المذاهب والمدارس والاتجاهات الفكرية والفلسفية والكلامية، ألا يجدر بنا أن
________________________________________
(5) هذا الكلام للدكتور سروش، ولمزيد من التفصيل راجع: أحمد واعظي، نقد نظرية القبض والبسط: 11ـ 27 المصدر السابق.

[الصفحة - 49]


نستفسر من الوحي وفيه وعنه بحثاً عن جواب ما؟ وألا يكون هذا الجواب جوهرياً ومصيرياً في رسم المعالم والتوجهات التي تصلح كأرضية لمشروع معرفي حقيقي يتواضع حوله المهتمون بقضايا الإسلام ومصيره ومستقبل حركته الفكرية والعلمية والإبداعية... باعتبار أن «الوحي هو القادر على تحرير كل طاقات العقل (6)»؟
من اللازم في أثناء محاولة فهم الدين أن يحدث لدى الباحث الوعي بأن الخطاب المتضمن في ثنايا الوحي هو خطاب موجه إليه، ولذلك فإن فهم الوحي لا يتحقق دفعة واحدة، «بل فهم الخطاب هو عين استمرار هذا الخطاب» (7)، ومعناه أن التفكير في القرآن يكون للقرآن أولاً ثم في القرآن ثانياً.
عندما نجمع على ضرورة المنهج، وعلى أهمية المباحث التي تدور في فلكه، هل نكون يقيناً حددنا مكمن الخلل في تجربة المسلمين إزاء قضايا النهوض الحضاري؟ هل نفسر وضع الأُمة بحدوث خلل في المنهج أم ننظر إلى المنهج بحسبانه المقاربة النظرية الصالحة لتفسير مكامن الضعف والترهل؟ وكيف يجوز أن تكون في الوقت نفسه المقدمات نتائج والنتائج مقدمات؟ كيف إذن يجيب الإسلام ـ الوحي عن هذه القضايا؟ وهل يجوز القول: «إنه رغم شمولية الدين وسعة دوره في حياة الناس، فإن إيكال صناعة مناهج البحث الديني إلى الدين ذاته أمر يفتقد إلى دليل» (8)؟ مع أن الدين ذاته منهج ما دام هدفه هداية البشر وإرشادهم. فالإسلام حتماً يهدي إلى آليات فهم الوحي بما هو نور، والنور يهدي ويزيح الظلمة.
ما هي القيمة المضافة التي قد تأتينا بها سوسيولوجيا المعرفة عند بحث أوضاع الأُمة في مجال من مجالات الحضارة الحديثة: في السياسة والاقتصاد.. في الأخلاق والفكر.. في الاجتماع والهوية؟ لا نستطيع إدراك قيمة المنهج في بناء الأفهام إلاّ إذا أدركنا قيمة الوحي في بناء الحضارة بما لها من قيمة من قيم الاستخلاف...لذلك فالمنهج مرتبط بوعي الدور والمسؤولية، وبالإيمان بالوظائف المتداخلة لكل من الغيب والكدح الإنساني {أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ} (الانشقاق: 6) ألا يجوز أن المنهج هنا وضوح الهدف / الغاية؟ ألا يعني ذلك فيما يعنيه «إن فهم الخطاب الإلهي ليس هو بالعملية التي تنجز وتتحقق مرة واحدة، ثم ينتهي الأمر. بل،
________________________________________
(6) محمد رضا حكيمي، الاجتهاد والتحقيق: 68، مصدر سابق. «إن العقل في جميع العلوم بحاجة إلى عامل خارجي، وإلاّ فهو غير قادر وحده على استيعاب تلك العلوم. ففي العلوم الحسية يحتاج إلى الحواس، وفي العلوم التاريخية يحتاج إلى الوثائق والأخبار، وفي العلوم التجريبية يحتاج إلى التجربة والاختبار، وفي العلوم الاستقرائية يحتاج إلى الإحصاء والاستقراء، وفي العلوم الفلسفية يحتاج إلى المنطق وقواعده، وفي العلوم الكشفية والإشراقية يحتاج إلى الكشف والإشراق، وفي علوم الوحي يحتاج إلى الوحي والتنزيل» المصدر نفسه: 53. «العقل يصدق الوحي ولا يستطيع أن يشرحه دائماً. بمعنى أن العقل يذعن للوحي بعد أن يرى خصوصيات الوحي وأدلته، ويشعر بفطريته وانطباقه على العقل الخالص. لكنه يعجز عن الفهم التفصيلي لكل معطيات الوحي. لذلك يجب أن نأخذ عن هذه التفاصيل من حملة الوحي وخزانه. وهذا بحد ذاته من أحكام العقل. فكما أن العقل يصدق الوحي بصورة طبيعية وفطرية، فهو غير قادر على تبيين جميع التفاصيل المضمونية للوحي وشرحها. ومن هنا تنشأ حاجة الإنسان العادي إلى الإنسان الهادي. فهي حاجة تأتي بحكم العقل ليس إلاّ». المصدر نفسه: 71 ـ 72.
(7) محمد مجتهد شبستري، مدخل إلى علم الكلام الجديد: 106، ط. الأُولى، دار الهادي ـ بيروت 2000.
(8) د. حبيب فياض، «مدخل فلسفي »، مجلة المحجة: 142، العدد 9 لسنة 2004.

[الصفحة - 50]


فهم الخطاب هو عين استمرار هذا الخطاب» (9)؟
وبناء عليه، كان إصلاح الممارسة الدينية يرتبط ببذل الجهد «لفهم المقاصد الإلهية من النصوص؛ لأجل مطابقة السلوك معها... وهذا يقتضي العمل على تبني المنهجيات التي تنتج هذا السلوك...»(10)، ومعنى ذلك أن الإنسان «مكلف بإيجاد المنهجية السليمة التي بواسطتها يستطيع أن يفهم موضوعياً المعنى الأصيل للنص الإلهي الذي هو في نظر النص» (11).
معرفياً لا يقدم المنهج أجوبة نهائية، لكن هذا لا ينبغي أن يكون مبرراً لإلغاء المبحث برمته، بينما المنهج في ضوء الوحي يحدث لدينا في مسار التدبر والتفكر والتعقل نقلات هي أشبه ما تكون بإشارات الضوء التي تنير درب تلك المسارات... أجوبتنا مرهونة بالوحي، والوحي لا يقدم الأجوبة فقط؛ لأننا نتعاطى معه، ولكن يمكن أن نصور عملية التفاعل كما جرت في غار حراء؛ لأن فهم القرآن هو في صورة من صوره فهم لعالم النبي (12).
ولتمثلنا لمنهج الرسول في تمثل الوحي الإلهي باعتبار أن عصر النبي «هو الحلقة الأُولى لمسيرة التفاعل بين القرآن والبشر» (13)، فعندما نزل الوحي على النبي الكريم... لقد كان الأمر شديداً...عسيراً، ولذلك فمن غير المفهوم القول: أن «ليس ثمة حاجة أن يقوم الله ورسله بتعليم الإنسان طريق الحياة وسبل حل المسائل الفردية والاجتماعية، لا سيما وأن الصعوبات والمشاق والجهود التي يبذلها الإنسان لمعالجة مشكلاته، هي جزء من برنامج الخليقة والتكوين الإنساني، ووسيلة إلى إصلاح الإنسان وتربيته وتقربه إلى الله تعالى.
على هذا، ألا يبدو أن عملاً كهذا يعد لغواً بشأن الله ورسله؟» (14)...فهل نتوقع استخراج المنهج أو المناهج من دون مثل تلك الجهود وتلك الأجواء الخاصة والاستثنائية؟ ألا يعبر الوحي عن الحقائق الثابتة الكامنة في الإنسان والمجتمع والعلاقات والشرائع، أي تلك الحقائق الثابتة في البنية العضوية والنفسية والعقلية للإنسان والمجتمع معاً؟ وبمقابل ذلك، هل تنجح نظريات العلوم الإنسانية هنا فيما عجزت عن تحقيقه هناك... وهي الأُطر النظرية التي بنيت أساساً للتعاطي مع النصوص البشرية؟
________________________________________
(9) محمد مجتهد شبستري، مدخل إلى علم الكلام الجديد: 106.
(10) د. زهير بيطار، حوارات حول فهم النص وقضايا الفكر الديني المعاصر: 12، الطبعة الأُولى، دار الهادي 2004.
(11) المصدر السابق: ص 35.
(12) محمد مجتهد شبستري، «الكلام الجديد.. تساؤلات في الموضوع والمنهج» ( حوار)، مجلة المنطلق: 119، العدد 113 لسنة 1995.
(13) السيد محمد حسن الأمين، «بين النص القرآني والنبوي والنص البشري»، مجلة المنطلق: 53 ـ 55، العدد 120 لسنة 1998.
(14) مهدي مهريزي، مدخل إلى فلسفة الفقه: 99، الطبعة الأُولى، دار الهادي 2002.

[الصفحة - 51]


ينتمي المنهج إلى منظومة قيم صاغها الدين سلفاً، وإن الخضوع لتوجيهات القرآن بهذا الشأن تساعد على التشكل المستمر للإنسان ـ وليس فقط لعقله ـ بما يضمن تلقائياً التمكن من أدوات المعرفة القابلة لأن تستوعب المنهج الذي يقودنا إليه الوحي. فلسنا نحن من ينتج المنهج بهذا المعنى، ولكن هناك عمليات وسيرورات غير مستقلة تشتغل على هذا المستوى فعلاً وتفاعلاً، فـ «الفكر الإنساني ينطلق بحسب طبيعته من ظروف الإنسان الذاتية والتاريخية، بينما المنهج القرآني لا ينطلق من خلال ذلك؛ لأنه كلام الله، وكلام الله لم ينطلق من الفراغ، بل انطلق في الواقع، ولم يكن الواقع هو الأساس، بل إنه كان يتحرك مع الواقع وصوره لنا ليخرجه من دائرته الزمنية؛ ليجعل منه سياقاً تاريخياً في مدى الزمن، بدل أن يكون سياقاً تاريخياً في داخل المرحلة الزمنية الخاصة..
في ضوء هذا، فإننا نفهم النص القرآني من خلال معطياتنا... على أن ما ننكره هو كون القرآن نتاج الواقع، بحيث يخضع لمعطياته..» (15). أضف إلى ذلك ما يقال عن ضرورة ملائمة الدين والفكر الديني مع مقتضيات العصر، فإن ذلك يعني ضمناً أنهما حالة متجاوزة وخارجة عن مسار وسيرورة التطور. بمعنى آخر أن هذا القول يعكس حالة التراجع التي تعيشها الأُمة، بحيث لم تعد مهيمنة على مصيرها، وإنما مهيمن عليها. ولذلك يجب ألاّ تختلط علينا الأُمور، فهناك فرق بين أن نلائم الدين مع مقتضيات العصر، وبين أن نلائم حياتنا مع مقتضيات الدين. في الأُولى نحن مهزومون ومتخلفون، وفي الثانية نحن أصحاب الحضارة والمبادرة.
ومعنى ذلك أن المنهج هو في المطاف الأخير ناشئ من بيئة منظمة قيم كبرى حددها سلفاً الوحي، ورسم معالمها وتوجهاتها.
مشكلة اختلاف القراءات في علاقتها وتأثيراتها على الوحي
اختلاف القراءات مسألة / ظاهرة مستقلة عن مضامين الوحي، فهي مرتبطة بالأجواء العامة والسياقات التاريخية المحيطة بمن يمارس تلك القراءة.
________________________________________
(15) السيد محمد حسين فضل الله، «القرآن والزمن»، مجلة المنطلق: 12، العدد 120 لسنة 1998.

[الصفحة - 52]


دعوات التعدديين مهما بلغ شأنها، فهي لن تصيب الوحي بالشلل. وإن القول الذي يذهب إلى اعتبار الفهم ذو طابع تاريخي، لا يمكن أن يؤثر في حقيقة وجوهر رسالة الوحي... والتجربة التاريخية للمسلمين خلال 14 قرناً تؤكد ذلك... وإن تنوع الاستنتاجات الدينية لا ينسجم مع تنوع تفاسير التجربة الدينية، فـ«التدين ينتقل من النصوص الدينية إلى تجربة المتدين، التي هي أمر باطني على أن جوهر الدين نوع من التجربة، ومن ثم فإن الحديث عن الأفهام المتنوعة بعنوان كونها أفهاماً متنوعة للنصوص الدينية، يصبح بلا معنى حينئذٍ» (16).
فالقراءات ما زالت تتناسل وتتعدد وتتناقض، وقد يعني ذلك أن الوحي يفهم بصورة مختلفة في كل زمان، أو قد يتوهم أنه كذلك. في حين أن الوحي، ولأنه وحي، يستوعب الزمان والمكان ويتجاوزهما ويدعو إلى الفعل فيهما لا الانفعال بهما... ولأنه وحي، فهو لا ينتظر منا أن نمارس عملية معرفية اسمها الفهم، ولكنه ينتظر منا أن نمارس عملية رسالية توحيدية اسمها الإيمان والعمل، وهما معاً لم ينفصلا في القرآن إطلاقاً.
«إن الأفهام التي تسمونها دينية إنما هي في الواقع مجموعة من الأفهام الأجنبية، أي أنها خارجة عن جوهره، فإذا أردتم الحديث عن الأفهام المتنوعة للدين، فلا بدّ لكم من الخوض في فهم التجارب الدينية نفسها لا في فهم النصوص الدينية، وهذا هو بالضبط ما فعله شلاير ماخر نفسه. فنقد النصوص المسيحية أدى إلى بروز مشكلات كثيرة جداً أمام المتكلمين المسيحيين، والاتجاه التجريبي لـ (شلاير ماخر) دفع إلى نقل التدين من دائرة فهم النصوص إلى نطاق التجارب الدينية نفسها» (17).
لذلك، يجوز القول إن الإشكال هنا مستورد مفتعل ومستنبت... أي أنه إشكال ـ في جزء معين منه ـ وهمي وغير حقيقي أو في الحد الأدنى يرتبط بإشكالية اُخرى ليست بأي حال كامنة في تعددية فهم الوحي، ولكنها كامنة في تعددية عدم فهم الوحي... وليس صحيحاً ولا بديهياً أن اختلاف الأزمنة يستتبعه اختلاف الإدراكات والحاجات والتوقعات، إننا بهذا النظر لا نجيب ولا نحل مشكلة، فالأزمنة وإن بدت لنا مختلفة ومتناقضة، فهي في العمق تعبر عن واقع محدد من الناحية السوسيولوجية.
________________________________________
(16) راجع: علي رضا قائمي نيا، «التدين والصراط المستقيم» بحث ضمن مجموعة مباحث انضوت تحت عنوان: بين الطريق المستقيم والطرق المستقيمة.. وجهات فلسفية في التعددية الدينية، ترجمة حيدر حب الله: 71، الطبعة الأولى، دار الهادي 2002.
(17) المصدر نفسه: ص 71.

[الصفحة - 53]


«قد يقال إن تلك الحاجات التي كانت على مر الزمان جانبية (الحاجات المؤقتة) ليست هي الحاجات التي يجب أن نراجع الدين من أجل تلبيتها، البشر يعودون إلى الدين من أجل الحياة الأبدية والحياة الروحية، لكن الدين يقول: إن لم تكن حاجاتكم أزلية وأبدية، فأنا لا اُجيب عن أي حاجة جزئية أو مرحلية. هذا غير صحيح، نحن في كلّ مرحلة نريد حلاً للاحتياجات التي لدينا، ولا حل لها سوى بواسطة الدين» (18).
إن اختزال توقعاتنا من الدين فيما يلبيه لنا من الحاجات يجعلنا رهائن هذه الحاجات، الأمر الذي قد يدفع إلى البحث عن بدائل في كل الاتجاهات، ومن ثم نسقط الدين من حسابنا، أو بالأحرى لن يعود الدين ديناً بحكم هذا الاختزال النفعي. فكيف يمكننا الدفاع عن (قداسة) و (ثبات) النصوص الدينية وفقاً لهذا النمط من التفكير (19)؟ «فلو يممنا وجوهنا صوب الدين على إثر حاجات، وبدافع متطلبات يعجز الإنسان نفسه عن تلبيتها، فلا يمكن أن ينفى بأن هناك خطأ قد وقع في معرفة الاحتياجات وتشخيصها، ومن ثم فإننا نطلب من الدين أن يلبي لنا رغباتنا في متطلبات لم نعرفها.. بتعبير آخر، يمكن للدين أن يلبي من جهة التوقعات الأولية للإنسان، كما يؤدي من جهة اُخرى إلى توسع دائرة الترقب. ترى هل عرف الإنسان جميع أبعاد نفسه حتى يكون محيطاً باحتياجاته ومتطلباته كافة؟ إذا ما آمنا بعجز الإنسان في الجملة عن تلبية بعض الاحتياجات، فعندئذ لا يمكن إنكار عجزه وقصوره فيما يرتبط بالاستنتاج الخاطئ للآمال والمتطلبات» (20).
فالتخلف قد تتعدد أسبابه ولكنه واحد، والتجزئة تتعدد أسبابها ولكنها واحدة، والكفر تتعدد أسبابه ولكنه واحد.. إنها القيم نفسها التي تتحكم بهذه الأوضاع، وحتى بالمنطق السوسيولوجي لا نستطيع أن ندعي العكس... ولذلك نجد القرآن عندما يعدد تجارب الأُمم وأسباب تنحيها عن الالتزام بمسؤولياتها، إنما يشير قبل أن تخبرنا بذلك كل العلوم الإنسانية إلى أن الضلال ظلمات بصيغة الجمع، وأن الوحي نور وبصيغة المفرد...
لا نستطيع أن نتجنب التورط في قراءة تستند إلى مرجعيات تنتمي إلى تجارب
________________________________________
(18) عبد الرضا ملكيان، القبض والبسط دراسة نقدية (2)، مجلة المنطلق: 177، العدد 114لسنة 1996.
(19) المصدر السابق: 241؛ وأيضاً أحمد واعظي، نقد نظرية القبض والبسط، مصدر سابق: 32.
(20) مهدي مهريزي، مدخل إلى فلسفة الفقه، مصدر سابق: 91 ـ 92.
[الصفحة - 54]
بشرية، ونسقط مفاهيمها واُطرها النظرية على سؤال التعاطي مع الوحي من دون أن نمارس قطيعة ليس فقط معرفية ولكن عقائدية مع كل المصادر التي تتدخل في تشكيل (الإيمان) بطرق غير إيمانية... وإن عدم تجنب ذلك التورط سيمضي بنا إلى التوغل في تشييد ليس فقط أفهام متعددة، ولكن أديان متعددة، وهو الأمر الحاصل اليوم في مجتمعاتنا. وإن القول بأن «أول واضع لبذور التعددية في العالم هو الله تعالى»؛ لأنه «أرسل أنبياء متعددين» (21)... إنما يعني غفلة عن جانبين: جانب تاريخي وآخر سوسيولوجي.
فأما التاريخي فـ «نعم، إن الله تعالى أرسل أدياناً متنوعة، بيد أن الالتزام بحقانية كافة هذه الأديان إنما هو غفلة عن الجانب التاريخي للمسألة، فهل أن كافة الأديان ظهرت دفعة واحدة؟ ما الذي حصل وجعل المسيحية تبرز من ثنايا اليهودية؟ فهل كانت تعاليم المسيحية تعاليم عالمية؟ إن التعددية تقول اتركوا التعاليم جانباً، فهناك شيء تملكه الأديان كافة، ويوصل الإنسان إلى المقصد النهائي! أما محتويات الأديان فهي اُمور لا أهمية لها أصلاً.. إنها صنيعة الذهن البشري، فلو أن نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم قرأ الصلاة بذاك الشكل وبتلك الدقة، أو قام بأعمال اُخرى، فلا فرق في ذلك من وجهة نظر الشخص التعددي... يكفي أن تذهب إلى الكنيسة مرة واحدة كل اُسبوع بدل أن تقوم بالصلاة الإسلامية، وهو ما يحقق لك أيضا الوصول إلى الهدف النهائي الذي هو النجاة... ولماذا أرسل الرسول الرسل إلى قيصر الروم المسيحي وهو الوفي للمسيحية يدعوه إلى الإسلام...» (22)؟
وأما فيما يخص الجانب الثاني، فإن تعدد أنماط التدين قائم على خلفية الانتماء السوسيولوجي لأديان وليس إلى الدين، وهنا تجد الإشارة إلى الثغرة الفادحة التي تتوسع يوماً بعد يوم، وعقداً بعد عقد، بسبب عدم اهتمامنا بالجانب السوسيولوجي لأنماط التدين، في محاولة لفهم السلوك الديني والبحث عن تفسير لاتجاهاته وظواهره، وإن كنا لسنا في معرض هذا الحديث، ولكن وجب التنويه لما للموضوع من صلة بالمنهج من حيث الأصل المشترك لمآلات التحريف الديني ومصائر الانحراف الاجتماعي.
________________________________________
(21) الكلام للدكتور عبد الكريم سروش، نقلاً عن: مصباح اليزدي وآخرون، بين الطريق المستقيم والطرق المستقيمة، مصدر سابق: 34.
(22) المصدر السابق: 75 ـ 76.

[الصفحة - 55]


توحيد المنهج هدف صعب المنال، ولكنه ليس مستحيلاً مع أنه لا يراد منه إلغاء الأبعاد التعددية للمعرفة الدينية، إذ «رغم إمكانية وأهمية توحيد المنهج في فهم الدين (الواحد)، تبقى المسألة أكثر أهمية إذا ما كانت الرؤية الموحدة قد تم التوصل إليها عبر مناهج متعددة»، ولذلك فليس «ثمة ضرورة معرفية لاختزال التعدد المنهجي أو إلغائه».
فالمنهج لا يمكنه ادعاء امتلاك ناصية الفهم الشامل للدين، بل يدعي المقدرة على معالجة جانب من الحقيقة الدينية، وإن «توحيد المناهج لا يقوم على الاختزال والالغاء، بل على الشمول والجمع المتجانس للعناصر المتقابلة...»، فمما يقتضيه توحيد المنهج «تعدداً في بنيته ومكوناته إذا ما اُريد له لعب دور إطلاقي وشمولي في فهم الدين بصورته الواسعة، ومن هو كل ذو أجزاء متعددة ورسالة واحدة، إذ لا بدّ لمنهج ـ والحال هذه ـ يجمع في آن بين شمولية وحدوية، وتعددية بعدية بمقدار ما يجمع الدين ذاته من تعدد في مجالات المعارف ومستويات العلاقة مع الإنسان والكون. فالشمول في هذا المجال مقدمة ضرورية لحصول فهم رؤيوي متكامل حول الدين» (23). فتوحيد المنهج ليس شرطاً لازماً وحتمياً لتوحيد الفهم، فهل توحيد المنهج سيؤدي إلى توحيد الفهم؟ هل يمكن مثلاً أن نفهم الصلاة بالطريقة نفسها؟ وهل يكون لذلك نتائج محددة سلباً أم أن إقامة الصلاة بحد ذاتها أهم وأفيد؟
لا يجوز التعاطي مع القرآن بحسبانه نصاً؛ لأن للنص تاريخية، ولا يجوز اعتبار القرآن مقدساً؛ لأن كل مقدس نسبي، ولا يجوز نعت القرآن بأنه مطلق؛ لأن هذه التصنيفات جميعها محصلة التجربة البشرية مع ظواهرها الاجتماعية التاريخية والمعرفية. في حين أن القرآن هو في النهاية إرادة الله في أن تكون للناس تجربة خاصة مع الوحي تختلف ظروفها مع غيرها من التجارب، بل تتعالى وتنفصل عنها لتحكم الوحي في الواقع لا العكس. فالتنزيل لم يكن استجابة لواقع مستحدث كما يذهب البعض، ولكنه نزل ليعيد صياغة تلك الوقائع ويصححها أو يلغيها. من ثم يرفض البعض المنهج الذي ينطلق من تحديد الاحتياجات الإنسانية، ثم يتجه نحو الكتاب والسنة بحثاً عن جواب لإشباعها، «حيث تتحول معلومات الإنسان واحتياجاته
________________________________________
(23) د. حبيب فياض، مدخل فلسفي ، مصدر سابق: 143 ـ 145.

[الصفحة - 56]


إلى محور لتحديد محتوى الدين... (ولذلك) نوجب على الإنسان انطلاقاً من طبيعة إيماننا بالوحي وبكلام الله، أن يأخذ في مقام فهم كلام الله موقع المستمع الذي يصغي، وليس دور الإنسان الذي يملي...؛ (لأن ذلك) لا يتسق مع طبيعة إيماننا بالله وبالوحي» (24).
فالدعوة إلى (حسن الاستماع) مفهوم ينتمي للهرمنيوطيقا، ويقصد به الاستعداد الداخلي للفهم، وهو مفهوم نجده أيضاً عند العرفاء (السهروردي مثلاً)، كما تقترن هذه الدعوى بمفهوم الحاجة، فالذي يعتبر «أقوى ما يشد الإنسان إلى الدين هو المعرفة المتأتية عن الحاجة» (25)، وهي معرفة لا تتحقق إلاّ عبر قراءة القرآن والأحاديث النبوية بذهنية عصر التنزيل. «فهذه النصوص ذات صلة بأرضيتها... كانت تريد إيصال رسالة لسكان الحجاز آنذاك. إذن، ظروف وواقع الحجاز في ذلك العصر جزء من النص، أو هي أرضية النص الذي نريد دراسته...، وحين ذلك نستطيع إدراك رسالة النص».
ولأن المهمة هذه تقتضي مؤهلات علمية وفكرية وروحية عالية، فإنه يتعذر على أيّ كان أن يكون مفسراً للنص الديني (26)، ومع أن صلة النصوص بأرضيتها قضية بحاجة إلى تدقيق، كما هو الشأن في القول بأن إدراك رسالة النص تتجاوز التاريخ والجغرافيا في سياق معرفة وفهم الوحي، أو القول بأن «فهم الدين الإسلامي هو عبارة عن فهم لظاهرة تاريخية» (27)، فأهل الحجاز أنفسهم لم يقتنعوا جميعاً بالدين، وإنما جزء منهم فقط. كما أن الدين لا يمكن اعتباره ظاهرة تاريخية أو اجتماعية، بل هو (ظاهرة) وحيانية استثنائية الحدوث ممتدة السيرورة ومهيمنة على الوجود. القول بعكس ذلك هو مفاعيل التأثيرات التي اخترقت أفهامنا عبر النظريات التي أسستها المدارس الفلسفية والمذهبية في كل التاريخ الفكري للإنسانية، فأصبحنا نتعامل مع الوحي كما لو كان نظرية أو مذهباً في الشأن الاجتماعي والسياسي والفلسفي.
ولذلك فاكتشاف المنهج قضية بشرية، ولكن صناعته أمر إلهي أودعه في الوحي. كما أن الفهم الكامل للقرآن مسألة ممكنة، إلاّ أنها مشروطة. والقول بالعكس
________________________________________
(24) محمد مجتهد شبستري، مدخل إلى علم الكلام الجديد، مصدر سابق: 99 ـ 101.
(25) محمد مجتهد شبستري، الهيرمينيوطيقا الفلسفية وتعدد القراءات، بحث ضمن أبحاث تحت عنوان: الاجتهاد الكلامي: مناهج ورؤى متنوعة في الكلام الجديد، إعداد عبدالجبار الرفاعي: 95 ـ 99، الطبعة الأُولى، دار الهادي ـ بيروت 2002.
(26) المصدر السابق: 90.
(27) محمد مجتهد شبستري، مدخل إلى علم الكلام الجديد، مصدر سابق: 83.

[الصفحة - 57]


يعني انتفاء المبرر الوجودي للدين، أي بما هو تعبير في أحكام شريعته عن «منهج عام وشامل يضم في ثناياه البرامج الأساسية العامة، والحلول الإنسانية الشاملة والفطرية التي تتضمن أحياناً التفاصيل والجزئيات» (28).
إنما القرآن الذي بين أيدينا ـ وليس منبوذاً وراء ظهورنا ـ هو محور ومركز وقلب الحياة، الحياة بالمعنى القرآني {الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا} (الملك: 2). لم تقل الآية أحسن فهماً؛ لأن ذلك لا يعني شيئاً إن لم يتبلور الجهد النظري ويتجسد في مشروع عملي، أو لنقل أساساً ليس هناك إمكانية للفهم بعيداً عن الممارسة أو بصيغة اُخرى ليس هناك إمكانية للإيمان من دون عمل، وإن الاعتقاد بأن الفهم وحده هو عقدة العقد، فإن ذلك لا يوازيه سوى الاعتقاد بأن الاعتكاف في المسجد لب الإيمان والتقوى، إذ لا فرق بين الاعتقادين... وإن الشرخ الحاصل الآن في قيمة العمل في الدين ناتج أساساً عن عمليات الفصل والتجزيء الذهنية التي اخترقت مجالات التفكير في قضية التوحيد خاصة والوحي عامة.
كل الأفهام التي أثقلت تاريخنا قبلناها أو رفضناها، فهي لا تغير شيئاً في القرآن، ولا نجحت في أن تغير شيئاً في الواقع... صحيح منها ما هو تحريف للحق وتبرير للباطل، ولكن لا يجب أن ننظر إلى ذلك على أنه القاعدة، فهذه الأفهام لم تهيمن لأن حجتها أقوى، ولكنها استفادت حتماً من ظروف تاريخية واستغلت سلطة الاستبداد السياسية وانحرافاتها، والجهل المعرفي والفقر الاجتماعي كغطاء لممارسة لعبتها. لكن هذا التاريخ هو جزء من الحقيقة التي نبه إليها القرآن والرسول، وعاشت ويلاتها اُمم سابقة «في كل خلف عدول من أهل بيتي ينفون عنه تحريف الضالين وانتحال المبطلين» عن الرسول الكريم، فماذا قدمنا لأنفسنا؟
عندما يسرد القرآن هذه التجارب فهو لا يتحفنا بالقصص والروايات، ولكنه يضع لنا القواعد والسنن والضوابط التي تحمي المجتمع الإنساني من التحريف والظلم والجهل... المنهج، أو أياً كانت التسمية، هو تلك المحاولة التي تعمد إلى الخضوع لهذه المحددات، وباعتبار الخضوع فرض عين لا ننتظر أن ينجزه بالنيابة عنا غيرنا {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} (الرعد: 11). تجدر المناسبة هنا كذلك إلى
________________________________________
(28) محمد علي أيازي، «مبدأ شمولية القرآن وإحاطته: المعنى والدلالات والإشكالات»، مجلة الحياة الطيبة: 78، العدد 13 لسنة 2003.

[الصفحة - 58]


الإشارة أن الكفر كما يبين ذلك القرآن هو اختيار وإرادة كما الإيمان اختيار وإرادة.
وعلى العموم لا يمكن أن يكون هدفنا واضحاً ما لم نتساءل لماذا البحث عن الفهم؟ هل نريد أن نحقق الفهم كترف معرفي؟ هل نريد أن نحقق الفهم وننجزه لنصنع واقعاً أفضل؟ إن هذا الهدف يكتنفه خلل داخلي. التعاطي مع الوحي يخلق وضعاً معرفياً تاريخياً، لكن هذه التاريخية لا تنطبق على الوحي وإنما عملية التعاطي نفسها، وعلينا ليس فقط أن نميز، بل أن نفصل هنا بين المعرفة والوحي، بل حتى القول بوجود معرفة دينية ومعرفة إيمانية، والتمييز بينهما لا يعفينا من الاحتفاظ بالوحي بموقعيته المتميزة (29).
ما هي خلفيات اختلاف القراءات؟ وهل لها أسباب تاريخية أم سياسية أم عقائدية؟ هل هي موضوعية وطبيعية أم دخيلة وافتعالية؟ اختلاف القراءات واقع سوسيولوجي معرفي لا يمكن إلغاؤه، ولكن يمكن محاورته أو نقده أو تجاوزه... وهو لا يعدو كونه مجرد تعبير عن اختلاف في الرؤية في المنطلقات وفي الأهداف. هذا النوع من الاختلاف كان موجوداً، وهو موجود الآن، وسيبقى.
لذلك، فإن «دعوى إمكان القراءات المتعددة للنصوص الدينية لا تعني ضوءاً أخضر للفوضى التفسيرية، ولا تفيد تصديق كل القراءات، والانجراف إلى النسبية الباطلة، ونبذ البراهين والاستدلال وراء الظهور، فالقراءات يمكن أن تكون متعددة كواقع فعلي، لكننا ملزمون بنقضها وصولاً إلى الحقيقة، والتأشير على مواطن الهفوة والرصانة في كل قراءة، وبذا تشخص قيمة كل قراءة ودرجة اعتبارها...
هناك أكثر من قراءة واحدة يمكن أن تتحلى بالأدلة المتينة التي تجعلها مقبولة، وعليه يمكن أن تكون أكثر من قراءة صحيحة ومقبولة، ولكل واحدة من القراءات المقبولة أتباعها وأنصارها»(30). وإذا كان منا من يشتكي من هذا التعدد، فإن هذه الشكوى محكومة بالواقع الحضاري الذي تنتمي إليه، وهو موقع للأسف هامشي وغير فاعل...
القرآن يصوغ منهجه الخاص به، وتدخل تلك الصياغة في حجاج مستمر مع أفكارنا ومسبقاتنا وقبلياتنا... وعليه، يكون من مهامنا أن نمارس نقداً لتلك الأفكار من
________________________________________
(29) محمد مجتهد شبستري، مدخل إلى علم الكلام الجديد، مصدر سابق: 13 ـ 15.
(30) الاجتهاد الكلامي: مناهج ورؤى متنوعة في الكلام الجديد، 74 ـ 75.

[الصفحة - 59]


خلال عملية القراءة وليس استخدامها في فهم الوحي. وهذا التمييز المعرفي ضروري ولا يمكن الاستغناء عنه. وإذا كانت لنا قناعة بمسبقاتنا، وإذا لم تكن لنا أية نية في الاستغناء عنها، فلن تصمد حجتنا وادعاؤنا بالرغبة في تحقيق فهم ما للوحي. ولذلك نعود إلى القول بأن الخلفيات ليست بالإطلاق عائقاً أمام القراءات والأفهام. ولكن التوظيف والتحوير والتكييف والتحيين التي اُخضع لها الوحي قد تلعب لمصلحة استتباع الوحي للواقع وليس العكس، وهذا يحدث على الدوام في تاريخ الأفكار لدى المسلمين؛ لأنهم كانوا يبحثون عن أسئلة لتبرير وقائع معينة.
بالنسبة للقرآن لا يرتبط فهمه ضرورة فقط بعنصر من العناصر، ويجوز إلى حد ما القول بأن كل الأسئلة تؤدي إليه، ومع ذلك يبقى السؤال الوجودي سؤالاً مصيرياً في التعاطي مع القرآن؛ لأنه سؤال ينطلق من أكثر من مصدر قد يكون الإنسان.. الحياة.. الوجود.. الكون.. المصير.. بل كل الموجودات تلقي بنا في السؤال الوجودي، ولهذا السؤال ارتباط وثيق بفكرة جوهرية يلخصها بكثافة مبدأ التوحيد الذي له وطيد العلاقة بالفطرة... ومن ثم كان السؤال الوجودي منهج داخلي المصدر كما هو خارجي المصدر.. وبهذا المعنى تلتقي الفكرة المركزية للوحي مع أسئلة القارئ وتطلعاته، ولا يعود هناك مجال لممارسة أي نوع من القطائع أو العمل على تفكيك معطيات الوحي و معطيات العقل البشري، كما تذهب إلى ذلك بعض المدارس (31).
القول «بضرورة احتذاء المنهج ذاته المتبع في معالجة النصوص الأُخرى غير الدينية» يعتبر قولاً غير علمي، وكأن هذا المنهج نفسه واحد وغير متعدد، والواقع أن لكل مجال من مجالات المعرفة منهج، بل مناهج متعددة، مختلفة، متضاربة... فكيف يستقيم أن نطالب باستخدام مناهج مستقدمة من مجالات اُخرى لتطبيقها على الدين...في حين أن هذه الحجة غير ملزمة لتلك المعارف.
أما القول بأن «كل من يبغي تأويل أو تفسير نص ما، يجب أن يكون أولاً وقبل كل شيء على معرفة بماهية ذلك النص, وما لم تكن لديه معرفة بطبيعته وسنخه لا يمكنه تفسيره أو تأويله؛ لأن مباحث الهرمينيوطيقا تؤكد أشد التأكيد على القبليات... على أن المسلمين يجب عليهم أولاً معرفة القبليات» (32).
________________________________________
(31) السيد حسن إسلامي أردكاني, المدرسة التفكيكية: عرض ودراسة، مجلة الحياة الطيبة 126 ـ 141، عدد 14: 2004؛ وراجع أيضاً: غلام حسن إبراهيم ديناني, حركة الفكر الفلسفي في العالم الإسلامي 2: 551 ـ 580، طبعة اُولى، دار الهادي ـ بيروت 2001.
(32) محمد مجتهد شبستري, مدخل إلى علم الكلام الجديد، مصدر سابق: 173؛ وراجع أيضاً: محمد شبستري «الهرمنيوطيقا والنص الديني»، مجلة المحجة: 93 ـ 97 العدد 6 لسنة 2003.
[الصفحة - 60]
فالوحي لا يطالبنا بالتنازل عن قبلياتنا كشرط للتعاطي معه، ولكنه يحثنا على استخدام الحجة والعقل والبرهان والمنطق والتأمل والتدبر والتساؤل في جو معرفي تحيط به كل مستلزمات البحث عن الحقيقة، ولذلك ليس ضرورياً دوماً أن نتسلح بمعرفة ما للتعامل مع الوحي؛ لأنه هو ذاته مصدر المعرفة، لكن ينبغي التوضيح أن الدين لا يفهم إلاّ من خلال الدين، وأن ما يحيط بنا من علامات تساعد على فهم حقائق دينية ولكنها ليست الدين، «وقد تقرر أن ما يتعلق بالدين ويؤدي إلى فهمه (ليس الدين نفسه), هو معرفة دينية... المعرفة؛ الدينية بشرية كالمعرفة غير الدينية»(33)... وهذا التمييز له أهمية معرفية؛ لأنه يعطي للوحي موقعية خاصة ومميزة، وينظم العلاقة بينه وبين المعرفة الدينية. فالمعرفة الدينية في الواقع مظهر من مظاهر الأخذ والعطاء بين الدين والمعارف البشرية، فـ «التعبير الصحيح هو أن يقال: إن المعارف البشرية تسأل الدين, وأجوبة الدين تظهر في المعرفة الدينية» (34).
وإذا كانت المعرفة الدينية تصوغ أسئلتها وفق منظور تتحكم به شروط مادية وسوسيولوجية، فإن الوحي يصوب هذه الأسئلة ويعيد تقييمها، ويوجه تطلعاتها؛ لكي ترقى إلى معرفة مستنيرة بنور القرآن.
* * *
________________________________________
(33) عبد الرضا ملكيان, القبض والبسط دراسة نقدية (1)، مجلة المنطلق: 237، العدد 113 لسنة 1995.
(34) عبد الرضا ملكيان, القبض والبسط دراسة نقدية (2)، مجلة المنطلق: 163، العدد 114 لسنة 1996.

[الصفحة - 61]

 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف