البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

تعريف المثقف مـداخـل وإشـكاليــات

الباحث :  أ. زكي العليو
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  42
السنة :  العدد 42 السنة الحادية عشر صيف 1427هجـ 2006 م
تاريخ إضافة البحث :  March / 21 / 2015
عدد زيارات البحث :  2424

تعريف المثقف مـداخـل وإشـكاليــات

أ. زكي العليو (*)

إن أحد المسائل المهمة التي يحتاجها المثقف والمجتمع في المرحلة الراهنة هي إعادة النظر في تعريف المثقف، باعتبار أن المثقف كائن تعرضه التغيرات والتحولات مفهوماً ووجوداً، فهو ليس بمنأى عن ذلك، ولأنه كثيراً ما اشتغل ـ أي المثقف ـ على الأفكار والقضايا والآخرين، أو على المجتمع والسياسة والدين، ولم يشتغل كثيراًَ على نفسه، حيث مؤخراً في هذه المجتمعات، وتحديداً منذ العقد المنصرم ظهرت الدعوات المطالبة بمعاملة المثقف نقدياً كغيره من شرائح المجتمع باعتباره موضوعاً للنقد بعد أن كان الناقد.
إجمالاً، هناك مسائل عدة «تجبر» المثقف على إعادة النظر في ذاته، بما في ذلك التعريف والدور والمكانة التي يحظاها، وتفصيلاً منها:
1- من المعلوم، أن هناك الكثير من الأفراد يوضعون تحت مقولة المثقف، ومع هذا لا يمكن النظر إليهم على أنهم كتلة واحدة متجانسة، حيث الاختلافات الكثيرة الموجودة بينهم الجوهري والعرضي الذي يُصعّب تعريفهم بتعريف موحد ودقيق، فأحد الاختلافات الموجودة بين المثقفين هو اختلافهم على تحديد من هو المثقف؟ فبين المثقفين يكثر النقاش حول من هو المثقف؟ وإن كان هذا الاختلاف لدواعٍ كثيرة منها المعرفي والإيديولوجي، وإن طفا على السطح أن هناك اتفاقاً بين المثقفين حول
________________________________________
(*)باحث، من المملكة العربية السعودية.

[الصفحة - 70]


من هو المثقف؟ فهو اتفاق عام وغير دقيق، وهذا يعني، أنه في أحيان كثيرة، إن من يُطلق على ذاته أو يُطلق عليه الآخرون أنه مثقف، فليس بالضرورة أن يعي ذاته المثقفة، ويدركها بصورة واضحة ودقيقة، الذي يظهر ضبابية حول مفهوم المثقف.
2- أثر الواقع على المثقف فكراً وممارسةً، فباعتبار أن الواقع مؤثر ومكون ذو أهمية كبيرة على المثقف، وجدنا أن المثقف تأثر فعلاً بالمتغيرات المحلية والعالمية، كما هو واضح في المجتمعات العربية، وفي الحقيقة، لا يمكن اعتبار التأثر بمختلف التغيرات خطأ يقع فيه المثقف، بل تأكيد على أهمية التصاق المثقف بالواقع المعاش، فمثلاً المتغيرات المحلية تنتج من عدم قدرة الأفراد والمؤسسات في مجتمع على ممارسة وإحداث تغييرات جوهرية وسريعة تمس حياة هذا المجتمع في حاضره ومستقبله، أو العكس أن هناك قدرة لهؤلاء الأفراد والمؤسسات على إحداث تغييرات وطفرات في مجتمعاتهم، ولكن الذي حدث في الواقع العربي هو حالة عجز الأفراد والمؤسسات في إحداث التغيير أو الإصلاح في المجتمعات العربية، ونتيجة النظر للواقع، بدأ الشك يهجم بقوة على الفاعلين الاجتماعيين وعلى أهمية دورهم الذي يؤدونه، ومن ضمن هؤلاء الفاعلين يأتي بالطبع المثقف.
وأما المتغيرات العالمية ـ التي لا يمكن فصل أثرها على المتغيرات المحلية ـ التي انعكست آثارها على هذا المجتمع كما على غيره من المجتمعات، بسبب عوامل عديدة منها الثورة التقنية والعولمة. فمثلاً العولمة التي تجلت أولاً في الجوانب الاقتصادية ثم السياسية وأخيراً الثقافية، والتي لها جوانبها الإيجابية والسلبية، نجد أن في جانبها السلبي أن هناك محاولة من أطراف مؤثرة في العولمة تتمثل في قهر وهيمنة واستبداد وتنميط يطال الأشياء والمفاهيم، فكل ما يحدث في مراكز تصدير العولمة يلزم أن يكون على أساسه في المجتمعات الأُخرى المستقبلة للعولمة، ومنها أن يكون هناك ضغوط تمارس بصيغ مختلفة قد تكون «لطيفة» أحياناً لفرض تغيير قسري على المفاهيم والواقع، ومن ذلك مفهوم المثقف، ولعل مقولات نهاية المثقف أو موته أو عدم قدرة هذا المثقف على أن يكون ذا وجود، كغيره من الفاعلين الاجتماعيين التقليديين أو الجدد ـ التي موضوع هذه الدراسة ـ فضلاً عن وجود ذات المثقف
________________________________________

[الصفحة - 71]


مسائل واضحة للمتتبع لواقع المثقف ومساره، فواقع أي مجتمعات يفرض على المثقف التعامل مع هذا الواقع وفق فهم متجدد للمثقف قد يطال مفهوم المثقف أيضاً.
3 - تفجر الاختصاصات، فمع توسع اختصاصات العلوم السياسية والاجتماعية، على سبيل المثال، لم تعد للمثقف تلك القيمة التي كان يحظى بها في السابق نتيجة إلمامه بعلوم وأفكار سياسية أو اجتماعية، فبرز من يمتلك المعرفة المتخصصة، بل الدقيقة أكثر من المثقف، كما هو شأن الخبير في الشؤون السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو الشؤون المحلية، حيث بدأ هذا الخبير في تكوين مرجعية معرفية على حساب مرجعية المثقف «المعرفية والواقعية»، كذلك مع تقدم المعارف والعلوم التقنية أصبح لخبراء تقنية المعلومات دور مهم في حياة المجتمعات مما سحب جزء من البساط لصالحه، فأصبح لهذا الخبير أهمية بين الناس ليس فقط على حساب المثقف، بل وعلى حساب غير المثقف، وينطبق هذا أيضاً على اختصاصيين جدد كإعلاميي القنوات الفضائية، فأصبح هذا المثقف أمام تفجر الاختصاصات والمعرفة على جميع الصعد يواجه صعوبات لتحقيق حضور فاعل متميز في المجتمعات، فلم يعد يكفي «غرور» المثقف بأن له دوراً على صعيد المجتمعات، فلا بد من أن يتحول هذا «الغرور» النظري إلى واقع عملي، أي يتحول إلى دور عملي إن صح التعبير. فتوسع الاختصاصات والمعارف يحتم على المثقفين تمييز أصحاب الاختصاصات، كما يحتم تمييز أنفسهم، حتى يتم تمييز كل مجال عن الآخر لا أن توضع المجالات المتشابهة أو القريبة الأهداف والمواضيع في مجال واحد من دون تمييز، وهذا يعني أنه من الممكن أن يتطور مفهوم المثقف أو يتغير مما لا يبقيه على حاله.
4 ـ تمجيد المثقف لخطاباته وأفعاله في مقابل التقليل من أهمية خطابات الآخرين وأفعالهم، حيث وعد المثقف بتقديم إنجازات لهذه المجتمعات بنقلها للحداثة والتنوير والتقدم، أو تصويره بأن خطابه لا يحتاج للخطابات الأُخرى، وأنه وحده قادر على التقدم بالمجتمعات العربية، ولأن المثقف لم يستطع الوفاء بوعوده، تغيرت النظرة إليه سواء كانت من فئة المثقفين نفسها أم من الآخرين، فسادت أفكار عديدة عن المثقف أهمها أن دوره لم يعد تغيير العالم، بل تفسيره، وأنه يلزم أن يختفي
________________________________________

[الصفحة - 72]


عن الأنظار.
5 - استناد المثقف إلى عدد من المقولات، منها النضال من أجل تحقيق أهداف منشودة ولا سيما المرتبطة بالمشاريع والأهداف السياسية، وحيث لم يعد النضال قادراً على الصمود في مواجهة الأوضاع الحالية كما يرى الكثير، لأسباب كثيرة، منها اشتداد تسلط أنظمة حاكمة على مجتمعاتها، والتي في الوقت ذاته تخاف قطباً أوحداً لا يسمح بأي تفكير يزعزع محاولاته المستمرة للسيطرة والهيمنة على العالم، أجبر كثيرين على التخلي عن الحديث عن النضال، الذي يعني أن أحد المكونات السابقة لمفهوم المثقف قد بدأ في الاضمحلال.
6 - ممارسة فئة من المثقفين العمل السياسي على حساب العمل الثقافي، حيث كان من المفترض ألاّ يتجاوز فعل المثقف السياسي فعله الثقافي، إلاّ أن كثيراً من المثقفين حمل لعقود صفتي المثقف والسياسي معاً، أو أن بعض المثقفين لم يمارس السياسة، ولكنه حمل خطابها، فهو لا يرى أن هناك فصلاً حقيقياً بين الثقافة والسياسة فكلاهما مكمل للآخر، مما أدى لوجود حالات طغى فيها الدور السياسي على الدور الثقافي، فمارس المثقف خطابين مختلفين وأحياناً يكونان متناقضين في وقت واحد، عندما رأى أن السياسة أهم من الثقافة، ولإرث تاريخي تضمن قيام السياسي بمحاولات نجح في بعضها بهدف استلحاق غيره له، بما فيهم من تمثل دوراً مشابهاً لدور المثقف.
7 ـ عدم وضوح مفهوم المثقف في أوساط شرائح كثيرة في المجتمع، فمن خلال التجربة التاريخية في المجتمعات العربية نجد أن للفقيه والسياسي وضوحاً لعموم المجتمع، ولكن لا نجد نفس هذا الوضوح موجوداً لمفهوم المثقف، حيث لا زالت صورته غير واضحة ضبابية عند «عامة الناس»، فعند البعض المثقف هو من يمتلك مقداراً كبيراً من المعلومات، حتى لو كانت هذه المعلومات عامة لا ترتبط بحقيقة الثقافة، وعند البعض هو من يعارض من أجل تسجيل حضور أو لمخالفة السائد المقبول والمرضي عنه، الذي جعل شرائح مختلفة من المجتمع تعترض على المثقف في صراعه مع السياسي أو عالم الدين أو الآخر الخارجي من دون فهم مواقفه
________________________________________

[الصفحة - 73]


ورؤاه، مما أفقد المثقف الدعم الذي قد يلقاه من قبلهم، والإشكالية الحقيقية أنه حتى بعض من أُطلق عليهم مثقفين أو أطلقوا على أنفسهم مثقفين، لم يتضح لديهم من هو المثقف!! وبالطبع، هناك عدد من الأسباب الاجتماعية والسياسية أدت لذلك.
8- تطور مفهوم المثقف، أخذ مفهوم المثقف لدى غرامشي وسارتر العضوي عند الأول والملتزم عند الثاني مكانة مهمة عند الكثير من المثقفين العرب خاصة عند الماركسيين والوجوديين منهم، إلاّ أنه يمكن القول أنه مع انحسار فكر الوجودية في المجتمعات العربية الذي راج في الخمسينات والستينات من القرن الأخير، وتراجع الفكر الماركسي ولا سيما عند بعض أتباعه في المجتمعات العربية، بدأ مفهوم غرامشي وسارتر للمثقف بالاضمحلال في هذه المجتمعات، فلا يمكن النظر لمفهوم المثقف على أنه مفهوم غير قابل للتطور، أو أن تجليات المفهوم لا يطرأ عليها الانحسار والتغير، فهو يخضع لقانون الصيرورة «رغم مرور عقود على تعريفات غرامشي تلك للمثقف، إلاّ أنها ما تزال تسود جزءاً كبيراً من الأدبيات التي عنيت بدور المثقف في المجتمع. لكن غرامشي كان قد ركز على ذلك الدور في إطار الصراعات الداخلية بين الطبقات، أي داخل نطاق المجتمع المعني.
اليوم تمدد تعريف ودور المثقف، وأخذ شكلاً أكثر تركيباً من الميكانيكية الغرامشية، على مستوى المجتمع، وأوسع أبعاداً على مستوى علاقة المجتمع برمته مع العالم الخارجي وضغوطاته. فقد أصبحت لدينا تعريفات إضافية، مثل المثقف الناقد، والمثقف التبريري، والمثقف الداعية.
المثقف الناقد معوّله العقل النقدي البناء الذي يعمله في النظر إلى الأشياء والقضايا، والذي يمارسه سواء إزاء السلطة أم إزاء المجتمع أو المجموعة التي ينتمي إليها. وهذا النقد هو وسيلته للمساهمة في تحسين الشرط الاجتماعي والثقافي والسياسي الذي تعيش فيه جماعته.
المثقف التبريري منطقه ووسيلته التبرير للفضاء الذي ينتمي إليه، أو للشريحة التي يفترض أن يدافع عنها ويسوغ أخطاءها. قد يكون مثقف سلطة يدافع عنها دفاعاً عن مصالحه، أو مثقف إيديولوجيا أو حزب أو ثقافة يدافع عنها دفاع المستميت مهما
________________________________________

[الصفحة - 74]


كان الانحراف أو الخلل بادياً.
المثقف الداعية هو صاحب المشروع أو الإيديولوجيا، يتسنم وظيفة التبشير بفكرة معينة يراها الصواب الأصوب الذي يجب أن يسيطر على جماعته ويقودها» (1).
إذن، هناك حاجة معرفية وعملية لتعريف المثقف، ومن ثم تمييزه عن غيره في مرحلة تتسم بالتداخل والتغير والتعقيد الشديد، كي تجنب الدارس الوقوع في عدد من المزالق المنهجية عند دراسة المثقف وقضاياه، حيت تتحدد بوضوح دائرة المثقف التي يشتغل عليها، فلا يتجاوز دوائر غيره وتحديد مجاله الذي يشتغل عليه بكفاءة وتخصص، «قد يثار سؤال معرفي حول دوافع وأسباب الفصل والتفكيك في المصطلح بين المثقف من جانب، والفقيه والمفكر من جانب آخر، في تناول لمجمل الإشكاليات وعنونتها؛ على اعتبار أن المدلول المعرفي العام لمصطلح المثقف يشتمل على الفقيه والمفكر أيضاً.
وعلى حد تعبير بعض علماء الاجتماع من أن مصطلح المثقف يستوعب جميع منتجي الأفكار وناشريها وحملتها ومستهلكيها، بمن فيهم علماء الدين والأدباء والكتاب والإعلاميين والفنانين، بل وجميع خريجي الجامعات والمتعلمين تعلماً مرموقاً.
ولكن، لجوءنا إلى الفصل له اكثر من سبب ودافع موضوعي، يرتبط مباشرة بواقعنا الإسلامي؛ إذ إن المدلول العام لمصطلح المثقف ـ إذا ما طبقناه على الفقيه والمفكر ـ يواجه إشكاليات تخصصية واجتماعية، وربما دينية، في واقعنا الإسلامي. ودراسة الإشكاليات ومعالجتها ـ مهما كانت ـ يجب أن تنطلق من البيئة والواقع اللذين يحكمان الإشكالية، دون اللجوء إلى استعاره معادلات أو مفاهيم ومصطلحات من بيئات اُخرى، وإن أطلق عليها أصحابها صفه العلم والمعرفة.
ومن هنا كان ضرورياً اعتماد المداليل الخاصة، المنبثقة من الواقع، والتي تضع فروقات واضحة على مستوى المفهوم والاصطلاح والمعنى بين كل من الفقيه والمفكر والمثقف، وتقسِّمهم إلى ثلاث فئات» (2).
ويبقى التأكيد، على أن البدء، في محاولة التعريف خير من عدمها، وقد يكون،
________________________________________
(1) خالد الحروب، المثقفون العرب في معرض فرانكفورت : «غرامشيّو» التوجه والالتزام، صحيفة الاتحاد الإماراتية، العدد 10692، الأربعاء 29 شعبان 1425 / 13 أكتوبر 2004.
(2) الإسلام والتجديد، علي المؤمن، بيروت: دار الروضة، ط الأولى 1421هـ / 2000م، ص 78-88.

[الصفحة - 75]


من خلال محاولة حصر المنضوين تحت الثقافة بصورة أوضح، كي يسهل ويتضح التعامل مع المثقفين.
وتهتم هذه الدراسة بإلقاء الضوء على مداخل تعريف المثقف التي من خلالها يتم تعريف المثقف، بصورة أكثر من هدف الخروج بتعريف دقيق للمثقف.
لا ينحصر تعريف المثقف في مدخل واحد فقط، فهناك عدد من المداخل يتم من خلالها تعريف المثقف، فاختلاف تعاريف المثقفين نابعة من اختلاف هذه المداخل، إلاّ أن الجدير بالذكر، أن هذه الدراسة حاولت الوصول لحصر مداخل تعريف المثقف في ثلاثة، وهذا لا يعني أنها مداخل نهائية، فيمكن من خلال دراسات أعمق أو وجهات نظر اُخرى يتم الوصول لمداخل اُخرى أكثر تفصيلاً، فليس الحصر هنا عقلياً على حد تعبير المناطقة، وتحديد هذه المداخل يُمكّن من محاصرة مفهوم المثقف بصورة أكثر، مما يتيح القبض على مفهوم للمثقف.
ولكن، قبل الدخول في الحديث عن هذه المداخل هناك حاجة لإلقاء الضوء على عدد من تعاريف المثقف.
تعريف المثقف تمييز المثقف عن غيره
عرّف د. محمد عابد الجابري المثقف في كتابه «المثقفون في الحضارة العربية» استناداً إلى قضية الفريد دريفوس التي جعلت هذا المثقف ناقداً اجتماعياً، فهو يُعرّف المثقف على أساس هذه القضية بأنه «وبعبارة اُخرى، إن (المثقفين)، وفقاً لهذه التحديدات، هم أولئك الذين يعرفون ويتكلمون، يتكلمون ليقولوا ما يعرفون، وبالخصوص ليقوموا بالقيادة والتوجيه في عصر صار فيه الحكم فناً في القول، قبل أن يكون شيئاً آخر» (3) علماً أن د. الجابري يرى «مع أن مفهوم (المثقف) اتسع ليشمل جميع الذين يشتغلون بالثقافة، إبداعاً وتوزيعاً وتنشيطاً، الثقافة بوصفها عالماً من الرموز يشمل الفن والعلم والدين» (4).
بينما يُعرّف د. برهان غليون المثقف في بحث له بعنوان تهميش المثقفين ومسألة بناء النخبة القيادية من خلال اعتباره فاعل اجتماعي «إن المقصود إذا من
________________________________________
(3) المثقفون في الحضارة العربية، د. محمد عابد الجابري، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط الثانية، كانون الثاني / يناير 2000، ص 25.
(4) المصدر السابق، ص 24.

[الصفحة - 76]


المثقفين هنا هو فاعل اجتماعي جمعي وليس مجموعة أفراد يشتركون في نشاط مهني أو علمي أو ذهني واحد يقرب في ما بينهم. وعندما نتحدث عن فاعل اجتماعي فنحن نشير إلى قوة محركة ودينامية اجتماعية لا إلى مبدع فكري».. (5) والتعريفان السابقان كانا ضمن سياق بحثين معينين.
وهناك مصطلح الانتلجنسيا، الذي يستخدم للإشارة إلى النخبة المثقفة، وهو مصطلح استخدم أول مرة في روسيا في العام 1860م؛ ليدل على النخبة المثقفة والمتميزة بميول نقدية نحو الحالة الراهنة، (6) ويخلص د. محمد الدقس لتعريف الانتلجنسيا «خلاصة القول: يمكن تعريف الانتلجنسيا بأنها النخبة المثقفة التي تمتهن الثقافة (المادية والفكرية) ولها تأثير قوي على المجتمع من خلال الوعي الاجتماعي» (7) . وبالرغم من أنه في الانتلجنسيا تمييز النخبة المثقفة عن عموم المثقفين، إلاّ أنه قليل الاستخدام في الكتابات العربية التي تدور حول المثقفين.
يتناول المثقف المعاصر مسائل عديدة منها: الحرية، والحداثة، والتجديد، والإصلاح والتنور، والنهضة والتسامح، والدين والعلمانية، والعلاقات الثقافية وتحديات العصر، والنظام العالمي الجديد والعولمة، والتدخل الخارجي، والتخلف والتبعية، والتغريب والعلاقات بين الحضارات، والديمقراطية وحقوق الإنسان، والعدالة والمساواة وغيرها من المسائل سواء كانت لديه صورة إيجابية وصحيحة وواقعية أو صورة سلبية وغير صحيحة وغير واقعية عن هذه المسائل، ويمارس المثقفون اشتغالات عملية على هذه المسائل، وتتفاوت أهمية هذه المسائل من مثقف لآخر.
إذن، يتضح أن للمثقف اشتغالات متعددة، منها تحصيل المعرفة ونشرها في المجتمع، ومنها الوصول لوعي ناتج من امتلاك هذه المعرفة ويمارس بناء على هذا الوعي تأثيراً في المجتمع، وممارسة الفعل الاجتماعي الذي قد يكون فيه المثقف حسب تصور سابق لمفهوم المثقف أنه قائد وموجه، ولكنه حسب تصور آخر حاضر لمفهوم المثقف أنه مشارك في الشأن العام والهموم الاجتماعية من أجل تطوير هذا المجتمع، ولكون الإنسان في أصل تكوينه مخلوق بكيفية تمكنه من حمل حيثيات كثيرة مختلفة، ولكون المثقف أيضا إنسان، فمن الطبيعي أن يحمل المثقف في داخله
________________________________________
(5) المثقف العربي همومه وعطاؤه، مجموعة من الكتاب، دراسة د. برهان غليون، تهميش المثقفين ومسألة بناء النخبة القيادية، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط الأولى، ديسمبر 1995، ص 86.
(6) راجع: الانتلجنسيا العربية: المثقفون والسلطة، دراسة د. محمد الدقس، الانتلجنسيا العربية: الواقع والطموح ملاحظات أولية، عمان: منتدى الفكر العربي بالتعاون مع اتحاد المحامين العرب والجمعية العربية لعلم الاجتماع، ط الأولى 1988، ص 141.
(7) الانتلجنسيا العربية: المثقفون والسلطة، مصدر سابق، دراسة د. محمد الدقس، الانتلجنسيا العربية: الواقع والطموح ملاحظات أولية، ص 143.

[الصفحة - 77]


حيثيات كثيرة مختلفة.
وعلى هذا، قد تتقاطع عدد من حيثيات المثقف مع غيره من الفاعلين الاجتماعيين أو الشرائح الأُخرى في المجتمع، فمثلاً، في النظر المعرفي يتقاطع المثقف مع المفكرين والأكاديميين ورجال الدين، وفي الفعل الاجتماعي كذلك يتقاطع المثقف مع السياسيين أو علماء الدين والوجهاء وأصحاب الاستثمار، فهناك للمثقف حيثيات اتفاق واختلاف، اتفاق مع غيره حيث يشترك مع غيره بحيثيات معينة، واختلاف عن غيره حيث يختلف عن غيره باختلاف هذه الحيثيات، فمثلاً، الاتفاق في حمل حيثيات ثقافية يجعل من السياسي مثقفاًً، وعدم امتلاك مثل هذه الحيثيات الثقافية تبعد السياسي من أن يكون مثقفاً، فلا بد من تحديد تلك الحيثيات الموجودة في المثقف والتي من دون شك تؤثر في مفهوم المثقف والدور الذي قد يمارسه من جهة، وبسببها يختلف عن غيره من جهة ثانية، وهذا لا يعني أنه عند اجتماع حيثيات مختلفة لا تحدث هناك تناقضات أو إشكاليات لدى حاملها.
في معرض نقاشه لمفهوم المثقف في ندوة مركز دراسات الوحدة العربية المعنونة «المثقف العربي ومهامه الراهنة» التي اُقيمت في النصف الأول من عقد الثمانينات من القرن الماضي، يرى د. غسان سلامة أن تعبير المثقف العربي، حتى تلك اللحظة، لم يكن واضحاً، وذلك لأنه يحمل إشكاليتين: إشكالية على مستوى كلمة المثقف؛ وإشكالية على مستوى كلمة العربي، يقول بخصوص الإشكالية على مستوى كلمة المثقف: «أرى الإشكالية الأُولى على الشكل التالي: حملت المجتمعات العربية التقليدية أنواعاً من المثقفين التقليديين يمكن اعتبارهم مثقفين عضويين. بشكل أساسي أرى منهم ثلاثة:
أولاً: رجل الدين.
ثانياً: رجل التعليم.
وثالثاً: في معظم الأحيان رجل الإدارة الذي تميّز في الطبقات العليا من الإدارة. مثلاً في السلطنة العثمانية أو في الولايات العثمانية في المنطقة العربية، تميز إجمالاً بقدر لا بأس به من الثقافة خارج إطار العسكر.
________________________________________

[الصفحة - 78]

 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف