البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

إشكالية التَّعارض بين العلم والدِّين قراءة نقديَّة في الحلول المقترحة

الباحث :  د. أبو الفضل ساجدي الدِّين
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  34
السنة :  السنة التاسعة صيف 1425هجـ 2004 م
تاريخ إضافة البحث :  February / 26 / 2015
عدد زيارات البحث :  3031

إشكالية التَّعارض بين العلم والدِّين قراءة نقديَّة في الحلول المقترحة

د. أبو الفضل ساجدي الدِّين (*)

مقدمة
يشتمل موضوع العلاقة بين العلم والدِّين على عدة بحوث، ولا شكّ في أنّ أحد مفاصل هذا الموضوع هو الذي يُعنى ببيان طرق حلّ التعارض في الموارد التي تلوح فيها بعض أوجه التعارض بين التعاليم الدينية ومعطيات العلم. والأسئلة المطروحة في هذا المجال هي: ما هو موقف علم الكلام الجديد في هذا الصدد؟ وكيف واجه العلماء والمتكلّمون الغربيون إشكالية التعارض بين العلم والدين؟ وما هي الحلول والمعالجات التي توصّلوا إليها في هذا المجال؟ وبالتالي فأيّ من تلك الحلول هي التي يرتضيها الإسلام في رفع دعوى التعارض هذه؟
الدراسة التي بين يديك ـ عزيزي القارئ ـ تتعرض لبيان جملة من الحلول والمعالجات توافرت عليها بعض المدارس والتيارات الفكرية في الغرب في ما يرتبط بحلّ هذه الإشكالية أوّلا، ومن ثم نحاول الإجابة عن سؤالين مهمين وهما: ما هو رأي الإسلام بهذه الحلول والمعالجات؟ وهل وفِّقت هذه المعالجات إلى رفع التعارض المدّعى بين العلم والدين من وجهة نظر الإسلام؟
وسوف نشير، في طيّات البحث، إلى جملة من المشاكل والصعوبات التي تكشف عن عقم هذه الحلول في رفع التعارض المدّعى.
________________________________________
(*) باحث من إيران. ترجمة: عبد الحسن آل نجف

[الصفحة - 237]


وفي خاتمة المطاف، سنتعرض إلى بيان المعالجة التي يقترحها الإسلام في هذا المجال.
والآن نشرع باستعراض النظريات الغربية، وبخاصَّة المسيحية منها في حلّ التعارض المدّعى بين العلم والدين.
الحلول الغربية في رفع إشكالية التعارض
1 ـ إعطاء سلطة مطلقة للدين على العلم
من الحلول المقترحة لرفع موارد التعارض بين العلم والدين هو إخضاع الأوَّل للثاني ومنح الدين سلطة مطلقة على العلم ومعطياته. هذا الحلّ تبنّاه جماعة عرفوا في ما بعد بالأصوليين (1). ففي عام (1909م)، بادر هؤلاء إلى تأسيس حركة مضادّة للنهضة التجديدية (2) التي اتّخذت من "نظرية داروين" منشوراً لها، وقاموا ببثّ جملة من الأفكار والرؤى عرّفوها للناس على أنها "أصول ومبادئ".
يرى الأصوليون أنّه لا بدّ من حمل عبارات الكتاب المقدس على معانيها الظاهرية نفسها، والالتزام بها حتى وإن تعارضت مع جملة من النظريات العلمية الثابتة.
وهناك جملة من الأصوليين لم يكتفوا بالتصدّي إلى "نظرية داروين" في مجال تطوّر الخلق على وجه الأرض، بل راحوا يهاجمون جميع العلوم والنظريات الحديثة؛ باعتبارها تتوفر على مضامين ماديّة وإلحاديّة (3).
بعضهم سلك طريقاً آخر لتغليب جانب الدين على جانب العلم في موارد التعارض، وذلك من خلال إلغاء قيمة العلم ومصادرتها أو التقليل من درجة كشفه للواقع. وبالطبع فإنّ التعارض لا يحصل بمجرد كون كلٍّ من الدين والعلم ينظر إلى الواقع، أو بمجرد أنّهما يطرحان قضايا تكشف عن الواقع وتقبل الصدق والكذب، وإنّما التعارض يحدث في ما إذا أخبر كلّ واحد منهما عن قضية معينة بما يخالف الآخر. فحينئذٍ لا يمكن أن نعدّ الأخبارين صادقين معاً، بل لا بدّ من طرح أحد الأخبارين على الأقل. لكن إذا كان هناك من يعتقد بأنّ القضايا العلمية ليس لها قيمة من حيث الكشف عن الواقع، فلا يبقى حينئذٍ ثمّة تعارض في البين.
وقد سلك هذا الطريق جملة من المفكرين، بعض منهم يتبنّى نظرية "كاشفية الدين والتلقّي الآلي للعلم".
________________________________________
(1)fandametalists.
(2) modernism.
(3) ايان باربو، علم ودين، ترجمة: بهاء الدين خرمشاهي، طهران، مركز نشر دانشكَاهى،ص122 ـ 124.

[الصفحة - 238]


وهنا تجدر الإشارة إلى أنّ بعض علماء الفيزياء الحديثة هم من المؤيِّدين والمروّجين لهذه النظرية. وهذا يكشف عن أنّ هذه النظرية ليست نظرية مهجورة. فهناك العالم الفرنسي"دوهم1861 Duhem ـ 1968"وهو عالم في الفيزياء والرياضيات ومن مؤرخي العلم، والعالم النمساوي "اروين شرودينجر1887 ـ
1961" من المؤيدين لهذه النظرية. حيث يرى هؤلاء العلماء أنّ النظريات العلميّة لا تخبر عن الواقع، كما أنّ الأفكار والتصورات المترتبة على هذه النظريات هي الأخرى ليس لها ما بإزاء في الخارج تنطبق عليه. فهذه النظريات لا تعدو أن تكون أدوات رياضية تساعد العلماء على التنبُّوء بالأحداث المستقبلية ومحاسبتها.
ويعتقد "دوهم" ـ وهو مسيحي كاثوليكي ـ أنّ المصطلحات العلمية، من قبيل: الذرّة، والجزيء، والطاقة، والآنتروبي ـ والتي أبدعتها عقولنا ثم نسبناها إلى الواقع الخارجي ـ ليس بإمكاننا مشاهدتها في الخارج مباشرة، بل هي آليات وأدوات لتفسير مشاهداتنا وتتبّعاتنا في الخارج.
فمثلاً ما نشاهده ونحسّه في الخارج هو حركة الجسم والتعجيل الذي يحدث له بعد الحركة، أمّا أن يكون هناك شيء اسمه "الطاقة" يتصرف وينتقل من مكان إلى آخر، فهذا ليس سوى صياغة نظرية لما شاهدناه. وليس بالضرورة أن تكون هذه الصياغة مطابقة للواقع. فالعلم ليس في مقام الكشف عن الواقع؛ ولذلك ليس من الصحيح أن يقال: إنّ هذه النظرية أو تلك صدقت في إخبارها عن الواقع، أو أنّهاكانت كاذبة في ما أخبرت عنه. فالعلم له أهداف ومنظورات أخرى وراء الواقع ووراء التطابق وعدمه.
ويذهب "دوهم" إلى أنّ مضامين الكتاب المقدس صائبة ومطابقة للواقع مئة بالمئة. فعندما تصرّح النصوص الدينية بأنّ الأرض هي المركز والشمس تدور في فلكها، فهذا أمر صحيح وصائب جداً؛ وذلك لأنّ الدين يخبر عن الواقع. وأمّا ما يُحدِّثُ به العلم فهو مجرد بيان للمصلحة العملية وأداة مؤثرة وفاعلة ليس لها حظ من الواقعية (4).
2 ـ التعامل مع القضايا الدِّينية بوصفها لا تفيد معاني محصّلة
لا شكّ في أن التعارض إنّما يقع بين قضيتين تفيدان معنى محصَّلاً وتنظران إلى واقع خارجي معيّن. لكن في الوقت نفسه كلّ واحدة من هاتين القضيتين تغاير الأخرى في ما تحكيه عن ذاك الواقع الخارجي. وعليه إذا التزمنا بأنّ إحدى القضيتين فارغة من أي مدلول أو معنىً فحينئذٍ لا يبقى هناك مجال للتعارض. وهذه نقطة آمنت بها المدرسة الوضعية المنطقية؛ حيث
________________________________________
(4) عبدالكريم سروش، كراس "علم ودين"، ص25.

[الصفحة - 239]


يذهب الوضعيون إلى أن الملاك في كون قضية من القضايا ذات معنىً ما، هو خضوعها للتجربة والتقييم التجريبي. وعليه، بما أنّ القضايا الدينية لا يمكن إخضاعها لملاكات التقييم التجريبي، إذاً فهي قضايا فارغة عن كلّ معنى ومضمون.
من جانبه يرى ـ (الفرد آير 1910 ـ 1989 Alfred، Ayer ) أنّ القضايا التي تنطوي على معنىً محصل تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
ـ قضايا شخصية: وهي القضايا التي تحكي عن وقائع خاصّة حدثت في الخارج.
ـ قضايا كلية علمية: وهي القضايا التي يمكن إثباتها أو إبطالها في الخارج.
ـ قضايا تحليلة: وهي القضايا المتداولة في الرياضيات والهندسة وغيرها.
وعليه، فالقضايا التي لا تدخل ضمن أي من هذه الأقسام الثلاثة تضحي لا معنى لها. بل هي أشبه ما تكون بهذيانِ محمومٍ لا طائل من ورائه.
3 ـ تبعية الدين للعلم
قلنا: إنّ إمكانية التعارض لا تحدث إلاّ على فرض أن يكون لكلّ من القضيتين العلمية والدينية معنىً محدّداً مغايراً لمدلول القضية الأخرى ومعناها. بناءً على ذلك، إذا توفرنا على فرض آخر مفاده أنّ الفهم الصحيح للمعاني الدينية لا يتمّ إلاّ في ضوء معطيات العلم ونتائجه؛ بمعنى أنّنا لا يمكننا التوصّل إلى فهم دقيق لمداليل القضايا الدينية إلاّ إذا جعلناها في طول القضايا العلمية وتبعاً لها، فحينئذٍ ـ وفي ضوء هذا الفرض ـ لا يبقى للتعارض أثر ولا عين. هذا المعنى تبلور لدى بعضهم ليشكّل اتجاهاً معرفياً لحلّ إشكالية التعارض، وذلك من خلال جعل الدين تابعاً للعلم.
وراح بعض آخرـ ممن يصنّف ضمن هذا الاتجاه ـ ينحو منحىً إفراطياً في إلغاء جميع المعاني والمضامين الحقيقية المتصوّرة للألفاظ في النصوص والمصادر الدينية. حيث ينقل (أرنان مك مولين Ernan Mc Mulin ) عن (أوغسطين) أنّه كان يقول:
"كلّما وجد هناك تعارض بين نظرية علمية صحيحةوثابتة، وظاهر عبارة من الانجيل، فلابدّ من تفسير عبارة الكتاب المقدّس على نحو المجاز. وهذا ما يجب فعله بالذات في خصوص الفصل الأوّل من سفر التكوين"؛ حيث يعتقد "أوغسطين" أن الكتاب المقدّس
________________________________________

[الصفحة - 240]


لم يكن في صدد الحديث عن شكل السموات أو هيئتها. فمثل هذه الأمور لا تدخل ضمن اهتمامات الكتاب المقدّس ومنظوراته؛ إذ ليس من أهداف روح القدس تعليم الناس أموراً لا تمتّ بصلة إلى قضية الخلاص والفوز (5).
والكتَّاب المسيحيُّون، إبَّان القرون الوسطى، كانوا متفقين على هذه النقطة، وهي أنّ الكتاب المقدّس يتوفر على معانٍ حقيقية وأن خطاباته تتضمن إخبارات متعدّدة عن الحقيقة بمستويات مختلفة، وأمّا العبارات المستعصية على الفهم والنصوص المعقّدة في الكتاب المقدّس فكانوا يحملونها على المجاز والاستعارة. وقد التزم "لوتر" وسائر أعضاء الكنيسة الانجليكانية (6) هذا النهج، وإن أصرّ بعض المتأخرين من أنصار لوتر ـ (اللوتريين) ـ و(كالفين) على لزوم حمل عبارات الكتاب المقدّس على معانيها الحقيقية (7).
وفي القرن العشرين، ذهبت كنيسة روما وأغلب فرق البروتستانت إلى أنّ النصوص المقدسة هي في الواقع تعدّ دليلاً وشاهداً إنسانيَّين على وجود ظاهرة الوحي في حياة الأنبياء عليهم السلام والسيد المسيح (عليه السلام) .
والملاحظ أنّ الكثير من المسيحيين التقليديين يؤكّدون على مركزية المسيح في الحديث عن ظاهرة الوحي في حياة الأنبياء، في الوقت الذي لا تجد لديهم إصراراً كبيراً على تبنّي فكرة صدقية كلّ ما يطرح من تفسير للإنجيل، كما لا يلتزمون بالمعاني الحقيقية لعبارات الكتاب المقدّس، ولا بما يترتّب عليها من لوازم ونتائج (8).
بعض المتكلّمين المسيحيين البارزين، أمثال (بريث ويت Braith Waite ) حاول البرهنة في محاضرة له تحت عنوان: "حقيقة الاعتقاد الديني من وجهة نظر التجريبيين" على أنّ النصّ الديني هو في الواقع يخبر عن تعهّد أخلاقي أوجده بنفسه، لكنه في الوقت نفسه يرى أنّه لا يمكن التعامل مع هذه الاعتقادات على أنّها إعتقادات صادقة (9).
4 ـ فصل دائرة العلم عن الدين
ترى بعض المدارس والمذاهب أنّ حل إشكالية التعارض بين العلم والدين يقوم على أساس الفصل بين دائرة العلم ودائرة الدين. ومن هذه المذاهب يمكن الإشارة إلى كلّ من "الكلام الليبرالي" و"الأرثوذوكسية الجديدة" و"المدرسة الوجودية" و"مدرسة التحليل اللغوي".
________________________________________
(5) In Barbour، Religion in an Age of Science (Har Per Sanfrancisco. 1990)، p. 8.
(6)Anglicans.
(7)المصدر نفسه، ص8
(8)المصدر نفسه، ص8
(9) كلام فلسفي، ترجمة إبراهيم سلطاني واحمد نراقي، مؤسسة فرهنكي صراط، 1374، ص307.

[الصفحة - 241]


أ ـ الكلام الليبرالي (اللاهوت المعتدل)
من الملاحظ أنّ الإثارات الجدلية الأولى ـ والتي دارت حول نظرية التطور ـ أسهمت في فرز اتجاهين داخل صفوف المتكلمين البروتستانت: إتجاه تقليدي، واتجاه تجديدي.
وراح كلّ واحد من الاتجاهين يدافع ويؤصّل للموقف النظري الذي هو عليه. وفي نهايات القرن التاسع عشر، ظهر هناك اتجاه ثالث عُرف بالكلام الليبرالي كحدّ وسط بين الاتجاهين المتقدِّمين.
فهم من جانب تبنّوا نظرية التطور بكاملها ومن دون أي تحفّظ كما هو موقف المتجدّدين، ومن جانب آخر لم يروا في تبنّي هذه النظرية أيّ غضاضة على معتقداتهم الدينية التي كانوا عليها، كما لم يجدوا ثمة ضرورة للقيام بعملية جرح وتعديل في متبنيَّاتهم السابقة. وهذا يعود بالدرجة الأولى إلى أنّ أصحاب هذا الاتجاه الجديد يرون أنّ أساس اللاهوت (المعتقدات الدينية) قائم على الأحوال القلبية والدينية والأخلاقية، وليس على العقل والنقل.
إنّ أساس المعرفة ـ بحسب هذه الرؤية ـ يستند أولاً وقبل كلّ شيء إلى الوعي الديني والأخلاقي للإنسان أكثر من استناده إلى الكتاب المقدّس أو الأسس التي عليها نظرية التطور (10). ومن هنا يتبنى المتكلّمون الليبراليون مقولة التحليل التاريخي للنصوص المقدّسة، أمّا التفاسير المغايرة لنظرية التطوّر فهي بحسب رأيهم متأثرة بالدرجة الأولى بالفرضيات العلمية والوضع الثقافي السائد آنذاك؛ أي إبّان كتابة هذه التفاسير.
ممّا لا شكّ فيه أنّ هذا الاتجاه مبني على التسليم سلفاً بنظرية داروين في مجال التطور التاريخي لتفاسير النصوص الدينية المقدّسة (11). هذا اللون من الفهم أبرز ما فيه أنّه يُعنى بالتجربة الإنسانية بدل اللاهوت الطبيعي (العقلي) أو اللاهوت المرتبط بالوحي (النقلي)، حيث يسلّم أصحاب هذا الفهم سلفاً بأنّ الكتاب المقدّس ليس وحياً منـزلاً، بل هو نصّ كُتب بيد الإنسان. ويحاول بعضٌ منهم أن يلتزم بصياغة جديدة بدل أن ينكر مفهوم الوحي صراحة، فيقول: إنّ الوحي الإلهي المنـزل من قبل الله لم يتقرّر في ضوء إملاء كتاب مصون عن الخطأ والتحريف، بل إنّ تقرره وكينونته تمثّلاً في تواجده المؤثر والفاعل في حياة المسيح (عليه السلام) وسائر الأنبياء عليهم السلام. وبالتالي فإنّ الكتاب المقدّس ليس وحياً مباشراً من قبل الله تعالى، بل هو عبارة عن صياغة وشهادة بشرية على وجود لمسات الوحي وتجلّياته وآثاره في مسيرة الإنسان وتجربته في الحياة على هذا الكوكب (12).
________________________________________
(10) ايان باربور، مصدر سابق، ص129، 130، 133.
(11) Ibid.، pp. 8 – 9.
(12) المصدر نفسه، ص130 ـ 131.

[الصفحة - 242]


ب ـ الأرثوذوكسية الحديثة
في القرن العشرين، حاولت الأرثوذوكسية الحديثة (13) (اللاهوت الرسمي ـ التقليدي الحديث) للبروتستانت التوفر على صياغة يمكن من خلالها الجمع بين مركزية المسيح وتقدّم الوحي وأولويته من جانب، والالتزام الكامل بنتائج الدراسات الجديدة في الكتاب المقدّس ومعطيات العلم الحديث من جانب آخر (14).
ويعدّ المتكلّم البروتستانتي السويسري (كارل بارث 1886 ـ 1986) أحد أبرز من يمثّل هذا الاتجاه. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ (كارل بارث) هذا يعدّ من أكبر المتكلّمين في القرن العشرين، وقد استطاع أن يؤثّر بشكل كبير على التفكير البروتستانتي ويترك بصماته على مساره الفكري.
لقد عارض "بارث" وبشدّة مدّعيات الليبرالية الكلامية أو ما عُرف بـ"اللاهوت المعتدل" الذي راج في القرن التاسع عشر (15). حيث يرى بارث أنه لا طريق لمعرفة الله إلاّ عن طريق المسيح وبالمقدار الذي يسمح لنا به المسيح نفسه.
أمّا الكلام الطبيعي فمرفوض (16)؛ وذلك لأنّه يستند في مكوناته إلى عقل الإنسان.
وأساساً الإيمان المذهبي لا بدّ من أن يكون من الله تعالى وهو الذي يهبه إلينا، لا أن يقوم على نسق خاص من الفهم والإدراك يحاكي الفهم الذي يحصل لنا في مجال العلوم.
ومن جهة أخرى، فإنّ دائرة فعل الله تعالى وتأثيره هو التأريخ لا الطبيعة. وعليه فالعلماء أحرار في بحوثهم واستنتاجاتهم؛ إذ لا علاقة بين طبيعة عملهم وبين الدين.
ومن جانبه، فإنّ الدين هو الآخر لـه حريته في الفعل والتأثير ولا يوجد تعارض بين الإثنين. فالعلم يبتني على المشاهدة والعقل البشري، في حين أنّ الكلام يستند إلى الوحي الإلهي.
في ضوء هذه النظرية، يجب أن يكون التعامل مع الكتاب المقدّس تعاملاً جادّاً وأن يعنى بالكتاب المقدّس عناية تامّة، إلاّ أنّ التعامل الجادّ مع الكتاب المقدّس ليس بمعنى القبول والتلقّي الجادّ للمعاني الحقيقية المنتزعة من عباراته. فالكتاب المقدّس ليس هو الوحي وإنما هو كتاب مسطور بيد بشرية يحتمل الخطأ، ويتوفر على شهادات لجملة من الوقائع المرتبطة بالوحي.
________________________________________
(13) neo - orthojxy.
(14) Ibid.، p، 11.
(15) المصدر نفسه ، ص144.
(16) nathral theology.

[الصفحة - 243]


فالرسالة الإلهية ليس من مهمتها إلقاء نصّ خاص، بل مهمتها الاهتمام والعناية ببعض الأشخاص وبعض الأقوام، من قبيل قوم بني إسرائيل، والأنبياء، والمسيح، وأولئك الذين لبّوا دعوة المسيح.
إذاً ما جاء في الكتاب المقدّس هو في الواقع مجموعة تفاسير متعدّدة لهذه الوقائع، أضف إلى ذلك أنّه لا بد من أخذ هذه النقطة بنظر الاعتبار، وهي أنّ مؤلفي الكتاب المقدّس هم بشر، وعليه فهم كسائر بني البشر، قابلياتهم وقدراتهم محدودة، كما أنّهم ليسوا بمنأى عن المؤثّرات الثقافية للعصر الذي يعيشون فيه.
من هنا أمكن القول: إنّ آراء هؤلاء ونظراتهم، في ما يرتبط بالعلوم التجريبية، يكشف عن واقع الفكر الإنساني وطبيعة الأفكار السائدة في العصور القديمة التي سبقت عصر العلم.
فمثلاً فصول سفر التكوين من كتاب الإنجيل ينبغي أن نعدّها تمثيلاً رمزياً لعلاقة البشرية والعالم بالله تعالى. فهذه المعاني يمكن سلخها عن العالم القديم الذي نشأت وتبلورت فيه (17).
وقد قام "توماس تورانس ( Tomas Torrance ) بشرح وتعميق جملة من متبنيات الأرثوذوكسية الجديدة، فكتب يقول: "يعد علم اللاهوت علماً مستقلاًّ، له معالمه الخاصّة به؛ وذلك لأنّ موضوعه هو الله.
هذا العلم له قوانينه الداخلية ومنهجيته الخاصّة به. فالله هو أمر متعال لا يمكن معرفته إلاّ من خلاله هو وبالطريقة التي يرتضيها هو للتعريف بذاته" (18).
ج ـ الوجودية
من المذاهب الأخرى التي حاولت دفع إشكال التعارض بين العلم والدين من خلال التفكيك بين دائرة العلم ودائرة الدين هو المذهب الوجودي. ويعدّ "كيير كيغارد 1905 ـ 1855، Kier Kegard"، المفكِّر الدنماركي، المؤسّس الأول لهذا المذهب.
فبالرغم من أنّ أفكار هذا الرجل وتنظيراته لم تلق إقبالاً لدى الأوساط الفكرية في القرن التاسع عشر، إلاّ أنّ أوروبا القرن العشرين ـ وبعد خروجها من الحرب ـ شهدت إقبالاً كبيراً على أفكار"كيير كيغارد" وآرائه لدى أوساطها العلميَّة. حيث نجد أنّ كلاً من "جون بول سارتر 1905 ـ 1980، Jean Pul sarter"، و"آلبرت كامو 1913 ـ 1980 Albert Kamus" في مسرحياتهما وقصصهما، و"مارتين هيدغر 1889 ـ 1976 Martin Hedegger"،
________________________________________
(17) Ibid. pp. 11 – 12.
(18) المصدر نفسه ، ص13.

[الصفحة - 244]


و"كارل ياسپرس 1883 ـ 1965 Kartl Jaspers" في منظومته الفلسفية، و"مارتين بوبر 1878 ـ 1965 Martin Buber"، و"رودولف بولتمان 1884 Rudolf Bultmann ،" في بحوثه الكلامية أفادوا من المفاهيم والمرتكزات الوجودية ونسجوا على منواله ا(19).
ترى الوجودية أنّ هناك ثمّة تعارض واختلاف بين معرفة الذات ومعرفة الأجسام والأعيان الخارجية الفاقدة للوعي. فالمنهج في معرفة الذات الشخصية يختلف عن المنهج المتّبع في معرفة سائر الأشياء والأمور الأخرى.
ويشترك الوجوديون قاطبة، سواء الإلهيون منهم أم غير الإلهيين، في الاعتقاد بأنّه لا يمكن إدراك كنه الوجود الإنساني الأصيل وحقيقته (20)، إلا عندما تكون هناك مشكلة في البين يسعى الجميع في حلّها، فيُعمل كلّ فرد إرادته لاختيار الموقف المناسب تجاهها بشكل مستقل وبحرية تامّة.
إنّ مفهوم الحياة لا يكمن في مزاولة عملية تفكير منطقية، ولا في القيام ببحث علمي للوصول إلى مفاهيم كليّة مجرّدة، وإنّما يكمن في التسليم والعمل (21).
ويعتقد الوجوديون الإلهيون أنّ علاقتنا بالله هي من سنخ علاقة الأنا بالمخاطب الإنسان (أنا وأنت)، وليست من سنخ علاقة الأنا بالجماد التي تتضمّن دلالات خاصّة بها من قبيل التحليل عن بعد، والتصرف في الجمادات والأشياء الفاقدة للوعي (22).
ويرى "بولتمن" أنّ الكتاب المقدّس عندما يتحدّث عن فعل الله تعالى يتحدّث عنه بتسامح، وكأنّ فعله جلّ وعلا قابل لأن نصفه بالزمان والمكان.
ويصطلح "بولتمن" على المفردات والمصطلحات الواردة في الكتاب المقدّس للتعبير عن الصفات الإلهية التي لا يحدّها زمان ولا مكان، بأنّها مصطلحات "أسطورية"، بالرغم من أنّها موضوعة أساساً للأجسام والأعيان الخارجية (23).
ويعتقد "بولتمن" أنّ الإنجيل، وإنّ أفاد من اللغة المتداولة في الأخبار عن الأجسام والجمادات، ألاّ أنّه يجب علينا أن نترجم لغته إلى لغة مفهومة لدى الناس، كأن تكون لغة الآمال والهواجس والاختيار. فالقضايا الدينية لا علاقة لها بالنظريات العلمية التي تتناول العالم الخارجي، بل هي تحاول أن تصوغ فهماً جديداً عن أنفسنا وذواتنا، يسبغه الله تعالى علينا في لحظات الخوف والرجاء (24).
________________________________________
(19) المصدر نفسه ، ص147 ـ 148.
(20) authentic.
(21) Ibid.، p.12.
(22) المصدر نفسه ، ص12.
(23) المصدر نفسه ، ص150.
(24) Ibid، p. 12.

[الصفحة - 245]


وقد تناول "لنجدن جيلكي ( Lengdon Gilkey ) أغلب هذه الأفكار في أولى كتاباته، وكذلك في شهادته التي أدلى بها إلى محكمة "آركانساس". ويقرّر جيلكي مسألة التفكيك بين العلم والدين على النَّحو الآتي:
"إنّ مهمة العلم هي البحث في المعلومات العلمية العامّة التي تقبل التكرّر، أما الدين فدورهُ البحث والتنقيب عن النظام والجمالية في العالم، وعن تجاربنا التي نحسّها ونحياها في دخائلنا وبواطننا، تجارب من قبيل: الحياة والاضطراب والعبثية والثقة والبذل والإحسان. أضف إلى ذلك أنّ الأسئلة والاستفسارات التي يطرحها العلم تدور حول كيفية الأشياء، والحال أن الإثارات والاستفهامات التي يطرحها الدين على الإنسان يعلوها طابع التعليل والتسبيب.
وعادةً ما تكون في خصوص المعنى والهدف والنشأة والمصير الذي سيؤول إليه الإنسان.
ومن جهة أخرى فإنّ القضايا التي يتناولها العلم يمكن إخضاعها للتجربة أمّا القضايا الدينية فلغتها لغة الرمز" (25).
ويعتقد جيلكي أنّ هذا الاختلاف الكامل في منهجية كلّ من العلم والدين وطبيعة التساؤلات التي يسعى كلّ واحد من الطرفين إلى الإجابة عنها تدلّنا على هذه النتيجة، وهي: إنّه لا يمكن الربط بين نتائج التحقيقات العلمية وبين البحوث والقضايا التي تتناولها النصوص المقدّسة. وتأسيساً على ذلك يجب ألاّ نحمل كلام الانجيل وهو يتحدّث ـ مثلاً ـ عن نظرية الخلقة، على المعنى الحقيقي؛ وذلك لأنّه كلام ديني رمزي يعرض إلى بيان جمالية العالم وكونه قائماً بالله تعالى ولا يمكن أن ينفكّ عنه ولا لحظة واحدة.
وهذا بيان ديني لا علاقة له بالرؤية الكونية التي سبقت عصر العلم كما لا علاقة له بالرؤية الكونية الحديثة (26).
د ـ تباين لغة الدِّين عن لغة العلم
من الأساليب التي سلكها جملة من الفلاسفة والمتكلمين لحلّ التعارض بين العلم والدين هو الفصل بينهما على أساس أنّ لكلّ منهما لغته الخاصّة به. في نظرية التحليل اللغوي يُصار إلى بيان تفسيرين لكلّ من لغة الدين ولغة العلم، بينهما تباين تام بحيث لا يرجع أحدهما إلى الآخر، كما أنّه لكلّ واحد منهما دوره الخاصّ به.
وفي هذا الخصوص يستخدم "فيتجنشتاين" تعبير "ألعاب اللغة" (27)، حيث يعتقد هو
________________________________________
(25) المصدر نفسه ، ص12.
(26) المصدر نفسه ، ص12 ـ 13.
(27) language game.

[الصفحة - 246]


وأتباعه أنّ لكلّ من العلم والدين ألعاباً لغوية خاصّة به. وفي ضوء هذا المسلك يكون لكلّ من العلم والدين أدواراً خاصة تختلف عن الأدوار التي يقوم بها الآخر. وعليه لا يمكن أن يحكم على أي منهما بمعايير الآخر وموازينه. إذ إنّ لغة العلم أساساً تفيد التقدير والتخمين، وتتميز بأنّها ذات طابع عملي توظيفي. فالنظرية العلمية هي في الواقع أداة تستخدم لتلخيص المعلومات وربط القواعد والقوانين بالظواهر الملموسة بالإضافة إلى أنّها تعمل على توظيف القواعد والقوانين هذه في المجال التقني.
إنّ العلم يطرح أسئلة محدّدة عن الظواهر الطبيعية، وينبغي علينا ألاّ نتوقع من العلم أعمالاً هي في الأصل خارجة عن دائرة اهتماماته، من قبيل صياغة رؤية كونية شاملة، أو منظومة فكرية تفلسف لنا الحياة، أو تطرح مجموعة معايير وملاكات أخلاقية (28).
يقول "بريث ويت": إنّ القضايا الدينية لا هي صادقة ولا هي كاذبة، بل هي مجموعة وصايا وتعاليم تصف لنا نمطاً خاصّاً من أنماط الحياة. فالقصص الدينية لها تأثيراتها على الإنسان سواء كان لها حظٌّ من الواقع أم لم يكن لها شيئ من ذلك. وعليه يمكن القول: إنّها قصص أسطورية لا واقع لها، لكنّها في الوقت نفسه مؤثرة ومفيدة. وليس من الواجب على أحد أن يعتقد بصدق مثل هذه القضايا.
وفي هذا الخصوص أيضاً، يقول "أيان باربر" ما نصّه: إنّ نظرية "بريث ويت" تشبه إلى حدّ بعيد ما يعتقده علماء الاجتماع من أنّ المفاهيم الدينية هي قضايا كاذبة لا أساس لها، إلاّ إنّها في الوقت نفسه تقوم بأدوار ولها آثار اجتماعية مهمَّة (29).
النقد الإسلامي للصياغات المقترحة لحلّ مسألة التعارض
ممَّا لا شك فيه أنّ كلاً من الصياغات النظرية التي تطرّقنا لها توَّاً تستند إلى أسس ومرتكزات فكرية في ما تعرضه من حلول لرفع موارد التعارض بين العلم والدين. ونحن في مناقشتنا لهذه الصياغات سنكتفي بنقد الحلول المقترحة وما يترتّب عليها من لوازم وتبعات تقتضيها. أمّا مناقشة كلّ واحدة من هذه الصياغات والنظريات، وبيان ما يرد عليها من إشكالات، فأمرٌ يحتاج إلى دراسة مستقلّة ومجال آخر؛ وذلك لأنّ الهدف الأساس الذي تتوخاه الدراسة هذه هو ـ بالتحديد ـ الإجابة عن التساؤل الآتي: هل يمكن التوفيق بين المعالجات الفكرية المطروحة في مجال رفع التعارض بين العلم والدين ـ والتي تستقي مكوناتها من المدارس والتيارات الفكرية
________________________________________
(28) المصدر نفسه ، ص13.
(29) المصدر نفسه ، ص283.

[الصفحة - 247]


في الغرب ـ وبين أصول الدين الإسلامي المبين ومرتكزاته.
وفي هذا المضمار، تعدّ نظرية السيادة المطلقة للدين على العلم ومعطياته معالجة تنطوي على جانب كبير من الإفراط في إطار الدفاع عن الدين. ولذا فهي في الوقت الراهن لا تجد لها انصاراً بين المفكرين الغربيين إلاّ القليل.
والملاحظ، في هذه النظرية، أنّها لم تحاول التفكيك بين أنواع النصوص الدينية الموجودة، بل هي على العكس تحاول أن تعطي هذا الانطباع، وهو أنك على مختلف مستويات الفهم للكتب المقدّسة وكيفما فسّرت النصوص الدينية لا تصطدم بالعلم ولا بمعطياته.
إنّ مثل هذه النظرية، بدلاً من أن تحلّ لنا مشكلة التعارض، تقوم بمصادرة قيمة العلم بالمرة. وبالتالي فهي تقف بوجه جميع المحاولات والآليات التي تسعى لإقرار أنماط صحيحة وسوية للتعامل بين العلم والدين. وعليه فإنّ هذه النظرية لا يمكن أن تحظى بتأييد الإسلام ومباركته؛ إذ من الواضح بمكان أنّ الإسلام يهتم بالعلم ودوره اهتماماً بالغاً. وهذا لا يتّفق مع النظرة التي تلغي قيمة العلم وتسعى إلى تجاهل أهمية الكشف عن الواقع.
إنّ الفهم الذي تتوفر عليه الوضعية المنطقية، في ما يرتبط بالقضايا الدينية، حيث تعدّ مثل هذه القضايا قضايا مبهمة لا معنى لها، هذا الفهم يعاني من ثغرات ومشاكل عديدة، ولعلّ أبرزها وأهمها هي تلك التي تطال الأسس والركائز الفلسفية التي تبتني عليها الوضعية المنطقية؛ والحديث في هذا الخصوص يتطلّب مجالاً آخر خاصاً به.
تجدر الإشارة إلى أنّ الوضعية المنطقية هي مدرسة فكرية ظهرت في النصف الأوّل من القرن العشرين، وسرعان ما واجهت نقوداً كثيرة من قبل مفكري ذلك القرن وعلمائه. وكانت حملات النقد بدرجة من الشدّة، بحيث إنّ بعض المفكرين، ممن أسهم في التنظير لهذه المدرسة، سلّم بوجود مشكلات وثغرات في البناء الفكري لها.
ومن الملفت للنظر أنّ شخصية بارزة من قبيل "آير" ـ الذي يعدّ المؤسّس الأول لهذه المدرسة، وممن أسهم في الدفاع عنها من خلال تأليفه لأهمّ كتاب في الوضعية المنطقية (30)ـ قد اعترف بأنّ هذا الاتجاه الفكري يعاني من نقاط ضعف أساسية. ولذا نجده قد أعاد النظر في كتابه ـ في ما بعد ـ وضمّنه ملحقاً بحث فيه الملاكات التي تجعل من قضية ما قضية ذات معنى ومضمون، أو تتسمى بموجب تلك الملاكات بالقضية العلمية.
________________________________________
(30) Alfred. Ayer، Language Truthan Logie.

[الصفحة - 248]


وبذا يكون قد أحدث جملة من التعديلات في آرائه وأفكاره السابقة، وبالتالي لم تستطع هذه المدرسة الوقوف على قدميها، وأخذت تؤول إلى الأفول بالتدريج. وقد أقرَّ "آير" قبيل وفاته بأنّه خسر الجولة وأنّ ما قام به من جهد تنظيري لا يمكن الركون إليه.
ففي مقابلة أجريت معه في أواخر عمره قال: إنّ آماله ذهبت أدراج الرياح، وإنّ طموحاته التي كرّسها للدِّفاع عن الوضعية المنطقية قد تبدّدت.
وبالرغم من أنّ ترسّبات المدرسة الوضعية لاتزال عالقة في بعض الذهنيات، وتجد لها بعض الأصداء في بعض المؤلّفات الدينية والفلسفية وغيرها، إلاّ أنّها على كلّ حال قد تصرّم أوان رواجها وسيادتها على الآراء الفكرية، إذ قلّما تجد اليوم مفكِّراً يتبناها أو يدافع عن آرائها.
وفي هذا الصَّدد يكتب "بترسون" قائلاً: "في الوقت الراهن، فإنّ الأسس التي تبتني عليها الوضعية المنطقية ليست مرفوضة من قبل الدين فحسب، بل إنّ العلم أيضاًلم يعد يتّفق مع تلك الأُسس، ولذا فأنت لا تجد فيلسوفاً معتدَّاً به (31) يسمح بأن يقال عنه إنّه فيلسوف وضعي" (32).
إنّ الطريق الذي تقترحه الوضعية المنطقية في معالجتها لإشكالية التعارض بين العلم والدين يكمن في إفراغ الدين من كلّ معنى ومضمون، وتأسيساً على ذلك تضحي القضايا الأخلاقية والدينية، على حدّ قولها، سخافات يهجس بها النائم في نومه، لا تفيد معنى محصلاً ولا تتضمّن إخباراً عن الواقع الخارجي. وطبيعي أنّ مثل هذا الطريق يؤدّي إلى تضعيف الدين بل يُجهز عليه بالكامل، لتصير المعارف الدينية سلسلة قضايا خاوية وفارغة. كما أنّ هذا الطريق يخرج حتى التعاليم الدينية التي لا تقع في دائرة التعارض مع العلم، يخرجها من عالم المعاني فتعود قضايا خالية من المضمون والمعنى. وبالتالي فإنّ مثل هذا التلقّي سيجرّد الأخلاق والفلسفة من قيمتهما العلمية، بالاضافة إلى الدين.
مع بقية المعالجات المقترحة في ضوء إشكالية التعارض
قبل الاسترسال في تقييم الحلول والمعالجات الأخرى، نرى من الضروري تحرير الإجابة من هذا التساؤل المشروع، وهو: هل هناك ثمّة إلزامات تحتّم علينا اقتفاء أثر المتكلّمين المسيحيين الجدد في حلّ إشكالية التعارض بين العلم والدين بالنِّسبة إلى الدين الإسلامي؟ وهل المنطق السليم يساعد على مثل هذا المنهج؟
________________________________________
(31) Self – respecting philosophers.
(32) M. pester sone. Etal (eds.) philosophy of Religion، Selected Reeding، (Oxford University Press، 1996)، pp. 3 - 40.

[الصفحة - 249]


وفي الإجابة عن هذا التساؤل نقول: إنّ الاستقلال الفكري والثقافي يحتّم علينا أن نتوفر على قراءة واعية لديننا، نقف من خلالها على أوجُه التمايز بين الإسلام وبين سائر الأديان الإلهية الأخرى، ومن ثمّ القيام بدراسة متأنّية للموروث الغربي في ما يرتبط باللاهوت المسيحي وفلسفة الدين، لنرى مدى إمكانية الإفادة من هذا المعنى في حلّ الإشكاليات المطروقة في دائرة الفكر الإسلامي، ومنها إشكالية التعارض بين العلم والدِّين.
وطبيعي أنّ هذا اللون من التَّعاطي مع الموروث الآخر قد يزجّ بالإنسان في مهاوي الإفراط أو التفريط؛ إذ على الرغم من صحّة ما يقال من أنّ الاطّلاع على الموروث الكلامي والتفسيري والفلسفي للأديان الإلهية يسهم في إنتاج رؤية أكثرعمقاً عن الدين الاسلامي، إلاّ أنّه من الصحيح أيضاً القول: إنّ عدم توخّي الدقة بالقدر الكافي في تعميق ما يحمله التراث الآخر من معطيات وأفكار إلى الإسلام وتسريبه قد يلقي بنا ـ من حيث لا ندري ـ في جملة من المغالطات والتناقضات.
من هنا بالذات نعتقد بأنّه للوصول إلى رؤية واضحة وسليمة عن أي من الآراء والنظريات الكلامية المسيحية، لا بدّ من دراسة الظرف التاريخي الذي أحاط بذلك الرأي أو تلك النظرية في مجال اللاهوت المسيحي. ولا ريب في أنّ الاهتمام بهذه النقطة بالذات في تحليل المعالجات المقترحة في الغرب لحلّ مسألة التعارض بين العلم والدين بإمكانه أن يعيننا في تحديد مدى إمكانية الإفادة من هذه التنظيرات في معالجة هذه الإشكالية في إطار المضمون الاسلامي.
وإذا ألقينا نظرة إلى الخلفية التاريخية التي أسهمت في بلورة الآراء والنظريات الكلامية في اللاهوت المسيحي، سنجد أنّ ما حمل فلاسفة الدين ومتكلّمي المسيحية على إنتاج هذه الأفكار، هو وجود موارد صدام وتعارض شديدة بين تعاليم الإنجيل والتوراة من جهة، وبين العلوم التجريبية والعقل الإنساني من جهة أخرى. ولم يكن في البين طريقاً لحلّ هذه التعارضات سوى هذه الأفكار والمعالجات؛ إذ كيف يمكن للإنسان المتعلّم بالعلوم العصرية والمزوّد بمعطيات العلوم التجريبية أن يستسيغ أو يوافق على ما تحمله المسيحية المحرّفة من عقائد موهومة من قبيل: فكرة الأقانيم الثلاثة (الأب والابن وروح القدس)، وفكرة التجسيم أو حلول الله في المسيح، وصك الغفران، وهبوط الرب إلى الأرض وتصارعه مع النبي يعقوب وبالتالي هزيمته أمام يعقوب، ومركزية الأرض ودوران الشمس حولها، إلى غير ذلك من عقائد مناوئه للعقل والتجربة؟
________________________________________

[الصفحة - 250]


أمّا بالنسبة إلى الإسلام، فإنّك لا تجد أثراً لمثل هذه الأفكار والمقولات.
ومن الملاحظ أنّ رسالة الإسلام، أي القرآن الكريم، بقي مصوناً من عادية التحريف، ولم يختلط بخرافات وعقائد مخالفة للعلم والعقل. وإذا كانت هناك ثمّة تعاليم تبدو متعارضة مع العلم، فإنّ هذا التعارض إنّما هو تعارض بدوي، وهناك طرق وآليات يرتضيها العقل لرفع مثل هذا التعارض.
ومما لا شكّ فيه أنّ المسيحية لو كانت ديانة كاملة خالية من النقص والتحريف، لما اقتضت الضرورة لأن يبعث الله عزوجل ديناً جديداً ورسولاً آخر إلى البشرية؛ إذ أنّ التحريف الذي يطال الدين ـ أياً كان ـ المتمثل بتسلّل جملة من العقائد الباطلة والسقيمة إلى حظيرته، يجعل الدفاع عنه والتماس المبررات والذرائع لسدّ الثغرات الموجودة فيه أمراً صعباً بل متعذر.
تجدر الإشارة هنا إلى أنّ الدفاع عن العقائد المسيحية والسعي إلى إخراجها بشكل مقبول ومنطقي، ذلك كله أسهم في بلورة عدّة بحوث عميقة ودقيقة ومتشعبة في ما يرتبط بلغة الدين والتحليل الفلسفي للمعتقدات الدينية وغير الدينية.
والملاحظة التاريخية، في تقييم هذه الأفكار والاتجاهات، تدلّ بوضوح على أنّ الغرب يشكّل الأرضية المناسبة لنشأة جميع تلك الاتجاهات وتبلورها. والسبب في ذلك يعود إلى التعارض الجاد بين العقائد الدينية وبين معطيات العلم والفلسفة، والذي كان يسود الأجواء الفكرية في ظلّ رغبة أكيدة وجادّة تسعى للحفاظ على الدين والتديّن مهما أمكن؛ إذ أنّ الكثير ممن أسهم في تأسيس هذه الأفكار والنظريات، أو روَّج لها، كان يهدف بالأساس إلى حلّ التعارض بين العلم والدين، وصيانة حظيرة الدين. فمعالجاتهم وتنظيراتهم هذه تأتي في إطار السعي لمنع الناس من أن ينفضّوا عن الدين بالكامل.
وبالتامّل في المسالك المتّبعة في معالجة إشكالية التعارض نجد أنّها ـ أي المسالك ـ تفرض مسبقاً وجود خصائص ذات طابع إشكالي ومثير. وهذا يعني أنّنا لا يسعنا الإفادة من هذه المسالك في حلّ إشكالية التعارض داخل دائرة الدين الإسلامي؛ إذ من الواضح أنّ الإفادة من هذه المسالك في دائرة الإسلام لا تخدمنا في رفع التعارض المتطوّر، كما أنّه لا يتّفق مع أساسيات الإسلام ومبانيه.
وبما أنّ جملة من هذه الخصائص جاءت مشتركة في العديد من المسالك التي عرضت لحل
________________________________________

[الصفحة - 251]


التعارض؛ لذا رأينا من المناسب أن نبحث هذه الخصائص التي وصفناها بأنّها تحمل طابعاً إشكاليّاً، بدلاً من الخوض في التيارات والمدارس التي استعرضنا منذ قليل معالجاتها وحلولها في ما يرتبط بإشكالية التعارض.
1 ـ تفريغ النصوص الدِّينية من مضامينها الحقيقية ومحتواها الأصلي
الملاحظ أنّ أغلب النظريات التي عرضناها وتحدّثنا عنها يلزم منها رفع اليد عن الكثير من عبارات الكتاب المقدّس. فمثلاً يذهب "أوغسطين" إلى أنّ جميع ما ورد في الإنجيل، في ما يرتبط بالعلوم، قابل للتأويل. كما أنَّ الكنيسة الكاثوليكية في روما وكثيراً من الفرق البروتستانية الرئيسية أيضاً لا ترى ضرورة في حمل عبارات الإنجيل على معانيها الحقيقية.
وكذا الحال بالنسبة إلى الأرثوذوكسية الجديدة واللاهوتية الليبرالية (الكلام الليبرالي أو التحرري)، حيث تعتقد بأنّه ينبغي ألاّ نتعاطى مع المعاني الحقيقية للنصوص المقدّسة بجد. حيث يسلّم أتباع هاتين المدرستين بمعطيات العلم الحديث بالكامل،ولا يرون ثمّة تناقص بين النظريات العلمية والمعتقدات الدينيّة. وحتى اللاهوتي الوجودي "بولتمن"، تجده يحلّ التعارض الموجود من خلال تجاوز المعاني الحقيقية لعبارات الكتاب المقدس، فيذهب إلى أنّ الكثير من عبارات الإنجيل تحمل طابعاً أسطورياً، ولذا تراه يحاول جاهداً أن يترجم تلك العبارات إلى لغة الآمال والهواجس والأعمال. فمثلاً يكتب "بولتمن" قائلاً: إنّ قضية رجوع المسيح إلى الحياة الدنيا (33) ليس حدثاً واقعياً، بل هو بمعنى تجديد العهد بالمسيح (عليه السلام) . فمثل هذه الحادثة ـ العودة إلى الحياة بعد الموت ـ وقعت للروّاد الأوائل من أصحاب المسيح ورسله، واليوم بإمكان هذه الحادثة أن تتكرّر في حياة الإنسان المؤمن، وذلك عندما يغمره الإحساس بأنّه قد غُفر له بوساطة المسيح (34).
وكذا الأمر بالنسبة إلى ما تحدث به الانجيل في خصوص خلق العالم ومبدئه؛ إذ يجب أن لا نحمل هذا الكلام على معناه الحقيقي، بل هو كلام رمزي يدل على جمالية العالم وارتباطه الوثيق بالله تعالى في كل لحظة وآن.
إنّ الوجودية المسيحية لدى "بولتمن" لا تريد منه تجاوز عبارات الإنجيل المعارضة للعلم فحسب، بل تدعوه إلى التصرف في الكثير من المعاني الحقيقية الأخرى التي يتضمّنها الكتاب المقدّس.
________________________________________
(33) ورد في الانجيل في أكثر من مرة أن المسيح بعث بعد موته (Resurrection) وذلك بعد أن صلب ثلاث أيام، راجع كل من انجيل متى: 28، مرقس: 16، لوقا: 24.
(34) أيان باربور، نفس المصدر، ص150.

[الصفحة - 252]


ولا ريب في أنّ ما يترتّب على أغلب الآراء التي استعرضناها هنا في دراساتنا هذه، من لزوم رفع اليد عن المعاني الظاهرية والحقيقية لعبارات الكتاب المقدّس، لا يمكن الالتزام به بالنسبة إلى الإسلام.
ولعل هناك من يتصوّر أن هذا الحلّ ـ رفع اليد عن المعاني الحقيقية والظاهرية للنصّ ـ يخدم كلاًّ من العلم والدين، ويحمي ساحة الدين من الوقوع في محذور التعارض مع العلم. ولكن بالتأمل يبدو أن هذا الطرح لا يعدّ حلاًّ لموارد التعارض، وإنّما يعدّ تكريساً لسيادة العلوم الإنسانية والتجريبية على الدين في موارد التعارض، والحكم بلزوم تقديم هذه العلوم على الدين دائماً وأبداً، ما يؤدي بالتالي إلى تضييق دائرة الدين ومصادرة كلّ قيمة معرفية للدين.
والواقع أن هذا اللون من التعاطي يؤدّي إلى تفريغ التعاليم القرآنية والروايات من مضامينها. وبذا لا يبقى للدين أي دور عملي في المجتمع، وقد حمل هذا التفكير المتكلّم المسيحي الشهير "بريث ويت" على القول: إنَّ الرؤى الدينية لا يمكن أن نعتقد بصدقها وصحتها.
2 ـ تعميم المعالجات وما يترتّب عليها من نتائج إلى غير موارد التعارض
من الملاحظ أن النظريات المطروحة كانت في صدد رفع التعارض، إلاّ أنّ الحلول المقترحة من قبل أصحاب هذه النظريات لم تختصّ بموارد التعارض، فمثلاً ما يذهب إليه "اوغسطين" من أنّ روح القدس لم يشأ أن يزجّ بالناس في أمور لا علاقة لها بمسألة الخلاص والفوز في خاتمة المطاف، يكشف عن وجود ارتكاز ذهني لديه مفاده أنّ ما يتعلّق بالعلوم الطبيعية من أمور خارج عن دائرة الكتاب المقدّس.
إذ من المتوقّع من هذا الكتاب هو بيان معالم طرق الخلاص والنجاة في الآخرة. وبذا يخلص "اوغسطين" إلى هذه الكبرى، وهي: "إن كلّ القضايا المرتبطة بالعلوم التجريبية والتي وردت في الإنجيل يمكن أن نتأوّلها إلى معانٍ مجازية، بحيث إن رفع اليد عن معانيها الحقيقية يضحي أمراً طبيعياً وممكناً في الوقت نفسه".
ونحن بدورنا نسلّم بصحّة النقطة التي انطلق منها "اوغسطين" في معالجته هذه، وهي أنّ الهدف من إرسال الكتب السماوية هو هداية البشرية. إلاّ أنّ النتيجة التي خلص إليها تصادر قيمة الكتاب المقدّس وشأنه واعتباره بالكامل. فلو كانت القضية بهذه الدرجة من السهولة، بحيث يمكننا تأويل جميع النصوص المتضمّنة لمعلومات ترتبط بالعلوم الطبيعية ببساطة استناداً
________________________________________

[الصفحة - 253]


إلى قاعدة كليّة، فسوف نكون أمام جملة من التساؤلات المشروعة، وهي: لماذا زوّد الله تعالى البشرية بقضايا ترتبط بالعلوم التجريبية هي في واقعها باطلة، حتى يضطر بعضٌ منّا إلى التأويل؟
ولو قدّر للبشرية ألاّ تعي بطلان مثل هذه العقائد ببركة العلم، فهل كان على البشرية أن تبقى في ظلماء الجهل المركّب وتصرّ على عقائدها الخاطئة بسبب التعاليم المسيحية؟
وإذا كان علينا أن نقصي القضايا التي لا ترتبط بمسألة الخلاص والفوز في الآخرة ونتجنّبها، فلماذا جاء الله تعالى بمثل هذه القضايا في التوراة والإنجيل؟
أمّا ما تقترحه الكنيسة الكاثوليكية في روما، ويوافقها في ذلك العديد من فرق البروتستانت التي استحدثت في القرن العشرين، من أنّه يجب ألاّ نتعامل مع عبارات الانجيل ونصوصه بجدّ؛ إذ لا توجد ثمّة ضرورة تستدعي حمل عبارات الإنجيل على معانيها الحقيقية، فهو يعاني من ثغرات ومشكلات أكبر قياساً بما طرحه "أوغسطين" من نظرية في المقام. فإذا كان "أوغسطين" يتعامل مع نصوص الكتاب المقدّس وعباراته المرتبطة بالعلوم التجريبية بروح تسامحية، وعدم اكتراث، فإنّ الكتّاب الكاثوليك الجدد يجعلون موقف "أوغسطين" هذا يشمل جميع مضامين الإنجيل.
أمّا بالنسبة إلى التيارات والمذاهب الأخرى، من قبيل: "الكلام الليبرالي"، و"الأرثوذوكسية الجديدة"، و"الوجودية"، و"مدرسة التحليل اللغوي"، فقد أصدرت هي الأخرى حكماً عاماً يطال جميع مضامين الإنجيل ومحتوياته. حيث تقترح هذه المذاهب أن يتمّ التفكيك الكامل بين حظيرة (دائرة)، العلم وحظيرة (دائرة) الدين. وهذا يعني أنّ القضايا الدينية برمّتها ليس لها أي قيمة علمية أو معرفية، سواء منها القضايا التي تتعارض مع العلم، أم التي لا تتعارض معه.
ولا شك في أنّ القبول بهذه المقترحات لا يدع مجالاً لتطبيق أيٍّ من التعاليم الدينية، حتى التعاليم التي لا تعارض معطيات العلوم التجريبية. إذاً ما اقترحته المذاهب الغربية في معالجة إشكالية التعارض بين العلم والدين، هو في الواقع مصادرة جميع المعاني الحقيقية التي تتضمّنها الكتب المقدّسة، أو الحكم بفصل دائرة العلم عن دائرة الدين. في حين أنّنا إذا توصّلنا إلى حلّ في خصوص موارد التعارض، فلا معنى لأن ننقل المشكلة إلى كلّ الكتاب المقدّس بجميع نصوصه.
________________________________________

[الصفحة - 254]


لنفرض أن كتاباً ما ـ دينياً أو غير ديني ـ يتعارض مع معطيات العلم الحديث في جميع نصوصه، ومملوء بالخرافات بدرجة لا تجد فيه ولا جملة واحدة تتسم بالعقلانية، مع ذلك كلّه فإنّ المقترحات التي طرحتها المسالك والتيارات التي استعرضناها في هذه الدراسة لا تكفي لرفع التعارض القائم؛ وذلك لأنّنا إذا صادرنا جميع ما ورد في الكتاب من معانٍ ومضامين حقيقية، واعتبرناها قضايا وعبارات رمزية، ورحنا نحملها على ما شئنا من معانٍ نستهويها نحن، ففي مثل هذه الصورة، لا يبقى هناك تعارض بين مضامين الكتاب وبين العلم والمنطق البشريين. والواقع أنّ كتاباً مليئاً بقضايا معارضة للعلم الحديث، ويحتم علينا حلول ومقترحات من هذا القبيل لرفع مافيه من التعارض، يحملنا على أن نقدّم اقتراحاً بإلغاء الكتاب والاستغناء عنه إلى الأبد.
3 ـ الإصرار على القول: إنَّ نصوص الكتاب المقدّس ليست مصونة عن الخطأ، والتأسيس لتفسير جديد لظاهرة الوحي
تذهب أغلب المسالك التي أشرنا إليها، في دراستنا هذه، إلى عدم صون نصوص الكتاب المقدّس عن الخطأ. كما أن الكثير من التقليديين وأغلب الفرق البروتستانتية هم أيضاً يؤكّدون هذا الرأي. أضف إلى ذلك أنّ منظّري الأرثوذوكسية الجديدة واللاهوت الليبرالي (الكلام الليبرالي) لا يعدّون الكتاب المقدّس وحياً مباشراً من الله، بل يعدُّونه كتاباً خُطّ بيدٍ بشريةَ، وبالتالي فهو يحتمل الخطأ كما يحتمل الصَّواب. وعليه لا توجد هناك ضرورة تستدعي أن تُحمل المعاني الحقيقية لعباراته على محمل الجدّ.
فالأرثوذوكسية الجديدة لا تعدّ الإنجيل وحياً إلهياً، بل تعدّه مجموعة تفاسير مختلفة لوقائع ترتبط بالوحي دارت أحداثها في عهد بني إسرائيل والأنبياء عليهم السلام والسيد المسيح (عليه السلام) والروّاد الأوائل ممّن لبّوا نداء المسيح في أول كنيسة ظهرت على مسرح التاريخ.
فنصوص الكتاب المقدّس تتضمّن في الواقع تفاسير مختلفة لتلك الأحداث. من هنا يبدو أنّ التوفر على تفسير جديد للوحي هو الذي يبرّر ظهور هذه المقترحات والمحاولات لرفع التعارض. فعندما يتمّ التعاطي مع الوحي على أنّه جهد بشري مكتوب، يحتمل الخطأ والصواب معاً، فحينئذٍ لا تبقى هناك ثمّة ضرورة للتعامل مع المعاني الحقيقية لعبارات الكتاب المقدّس على نحو الجد.
________________________________________

[الصفحة - 255]


والملاحظ أنّ محاولات من قبيل التأكيد على عدم صون الكتاب المقدّس عن الخطأ وصياغة تفسير جديد للوحي لا يمكن أن تحظى بتأيّيد الإسلام ومباركته؛ فليست القضية هي قضية كتاب سماوي يدعى الإنجيل، نزل من قبل الله تعالى على السيد المسيح، والمسيح بدوره بلّغه إلى الناس، والمسيحيون اليوم يوجد لديهم أصل الكتاب المقدّس كما توجد لديهم تفاسير متعدّدة له، وإنّما القضية التي يطرحها أصحاب هذه المدارس هي أنّ النص الأصلي للكتاب المقدّس ليس بأيدينا. وما هو متعارف بيننا باسم الإنجيل هو في الواقع عبارة عن تفسير للوقائع المتعلّقة بالوحي، والتي حدثت في حياة المسيح (عليه السلام) .
من هنا يتبين أنّ قياس القرآن بالإنجيل، والسعي لتعميم طرائق المتكلّمين المسيحيين في حلّ التعارض المدّعى بين الإسلام والعلم هو قياس مع الفارق، وهو خطأ عظيم وخطل كبير. فلو أريد أن تكون هناك مقارنة بين الإسلام والمسيحية في خصوص إشكالية التعارض بين العلم والدين، فلا بدّ من أن تكون بالصيغة الآتية:
أن تدرس مسألة تعارض الإنجيل مع العلم من جهة، والتعارض بين العلم وبعض التفاسير التي دوَّنها أناس يحتمل في حقّهم الخطأ من جهة أخرى. ثم يصار إلى المقارنة بين الحصيلتين.
ولا ريب في أنّ ما يكتب بيد بشرية غير معصومة يحتمل حدوث الخطأ فيه، ولكن السؤال المطروح هو: ما مدى صحّة انطباق التفسير الذي يتوفر عليه أتباع المذاهب المسيحية في حلّ إشكالية التعارض في الإسلام؟ أو قل: ما هي علاقة هذا التفسير للوحي بوجهة نظر الإسلام؟ فهل القرآن كتاب بشري يحتمل الخطأ كما هي الكتب البشرية الأخرى؟
إن الاعتقاد بأنّ القرآن يحتمل الخطأ لا يتّفق مع موقف الإسلام ازاء القرآن، كما يخالف أصول هذا الدين ومرتكزاته؛ إذ القرآن ليس تفسيراً للوحي النازل على قلب الرسول محمد (صلي الله عليه و آله و سلم) ، بل هو الوحي الإلهي نفسه. والوحي في الإسلام هو الكلام الإلهي عينه نزل به جبرئيل على الرسول محمد (صلي الله عليه و آله و سلم) من دون أي زيادة أو نقصان، أو تفسير يضاف إلى نصّ القرآن.
ويشكّل العقل والنقل مصدرين أساسيين في الإسلام، بحيث إنّ النيل من أحدهما يعدّ مصادرة لأهم مصادر التعرّف وطرقه على الإسلام. في حين أنّ هذين الاثنين ـ العقل والنقل ـ قد فقدا مكانتهما في الكلام الليبرالي (اللاهوت الليبرالي).
________________________________________

[الصفحة - 256]


4 ـ حصر الدين في الجانب الفردي وإلغاء المدلول الاجتماعي له
يترتَّب على الكثير من التصورات التي أوردناها، في ما يرتبط بإشكالية التعارض بين العلم والدين، أنّ الإيمان أمر فرديّ وقلبيّ، ومن ثمّ فلا علاقة له بالمجتمع والقضايا الاجتماعية. ولا شكّ في أنّ مثل هذه النظرة إلى الدين تتضمن مصادرة الكثير من التعاليم القرآنية ونسفها؛ وهذا ما لا يرتضيه الإسلام أبداً.
ويشارك بعض المفكرين الغربيين المسلمين في رفضهم لهذه النظرة للدين، من أمثال "إيان باربور" الذي أبدى تحفظه عن هذا الموقف من الدين وانتقاده له (35).
إن نظرة عابرة لحجم الآيات القرآنية والروايات الواردة عن الأئمة المعصومين عليهم السلام والتي تعنى بالأبعاد الاجتماعية في حياة البشرية، ومقارنة هذا الحجم الكبير بالآيات والروايات الواردة في خصوص المجال الفردي للحياة، تبيّن بما لا مزيد عليه بطلان هذه النظرة وتهافتها.
5 ـ الحيلولة دون قيام تعامل بنّاء بين العلم والدين
ما طرحه المفكرون الغربيون من حلول ومقترحات في خصوص إشكالية التعارض، سواء منها تلك التي فكّكت بين دائرتي العلم والدين، أم التي تدعو إلى إهمال المضامين الحقيقية للكتب المقدّسة وعدم التعاطي معها على نحو الجدّ، باعتبارها غير مرادة جداً من قبل مرسلها، وجميعها تسهم في قطع سبل التواصل والتعامل بين العلم والدين، وتوسيع الهوة بينهما؛ إذ من الواضح أن الحديث عن التواصل بين العلم والدين إنّما يتّجه إذا سلّمنا سلفاً بهذه الحقيقة، وهي أنّ الدين كما هو العلم يرتكز على أسس معرفية رصينة، ورؤية للكون والإنسان ذات قيمة معرفية. ولكي نبحث عن آلية معيّنة تكفل لنا إقامة علاقة تعاملية بين العلم والدين، لا بدّ من أن نكون قد انتهينا في مرحلة سابقةمن البحث إلى أنّ كلاًّ من العلم والدين بإمكانه أن يزوّدنا برؤية معرفية ـ أي رؤية مولّدة للمعرفة ـ عن الله والإنسان. ولا بدّ لهذه الرؤية من أن تكون واقعية بمعنى أنّها تحكي الواقع وتكشف عنه. أمّا إذا لم نتعامل مع المضامين الحقيقية للنصوص القرآنية والتراث الإسلامي على نحو الجدّ، وغضضنا الطرف عنها، أو قلنا بمقولة "بريث ويت" من أنّ القضايا الدينية لا تقبل الحكم عليها بالصدق أو الكذب ولا توجد ضرورة لأن ندين بها أو نعتقد بها، فبالتالي لا يبقى هناك مجال للحديث عن أوجه التواصل بين العلم والدين.
________________________________________
(35) Ian Barbour، OP. Cit.، P.15.

[الصفحة - 257]


وقد التزم أغلب المتكلّمين الذين استعرضنا نظرياتهم توّاً بهذا اللازم، وهو نفي إمكانية التعامل بين العلم والدين وصرّحوا بذلك. فعلى سبيل المثال يرى مفكرو الأرثوذوكسية الجديدة وبعض منظري الوجودية الدينية أنّ العلم والدين أحدهما منفكّ عن الآخر انفكاكاً تامّاً، كما أنّ مجال عمل كلّ واحد منهما مستقلّ عن الآخر ومتميز عنه بالكامل؛ مستدلّين بذلك على عدم إمكانية إيجاد أي لون من ألوان التعامل بين العلم والدين.
ما يؤكّده هؤلاء من عدم وجود علاقة بين الدين والعلم بدعوى اختلافهما في المنهج لا يمكن القبول به بحال. صحيح أن العلم والدين لا يشتركان معاً من حيث المنهج والموضوع والغاية والمجالات التي يرتادها كلّ واحد منهما، لكنّ الصحيح أيضاً أن هذين العاملين ليسا خلوّاً من نقاط الالتقاء والتقارب.
فإلى جانب المجالات التي يستقل فيها كلّ واحد منهما عن الآخر، هناك مجالات أخرى تبرز فيها موارد التقاء وتقارب عديدة بين هذين الاثنين.
لا شكّ في أنّ منهج البحث الذي يختاره العلم يختلف عن منهج البحث في المجال الديني، كما أنّ الغاية التي ينشدها الدين لا تتّفق مع ما يرمي إليه العلم من أهداف أهمها بيان القوانين والمرتكزات التجريبية التي تحكم الطبيعة والمادة؛ إذ من الواضح أنّ الهدف الذي يتوخّاه الدين هو هداية الإنسان في المجال الفردي والاجتماعي، إلاّ أنه في الوقت نفسه لا بدّ من التأكيد على وجود العديد من المسائل المشتركة بين الإثنين في جملةمن الموارد، فمثلاً في العلوم التجريبية يتمركز البحث العلمي على الطبيعة المادية، أمّا في العلوم الإنسانية فإنّ البحث العلمي موضوعه الإنسان.
أمّا الإسلام فهو، وإن كان يختلف بطبعه عن العلم، يحتفظ لنفسه برؤية خاصّة إزاء الكون والإنسان. من هنا نخلص إلى القول بوجود محاور مشتركة للحوار بين الدين والعلم ـ خصوصاً في ما يرتبط بالعلوم الانسانية ـ بإمكانها أن تمهّد الأرضية المناسبة للتواصل بين الإثنين وبالتالي يمكن القول: إنّ الاختلاف في المنهج وطبيعة البحث لا يحول دون إمكانية تحقّق تعامل بنّاء بين العلم والدين، كما لا يؤثّر هذا الاختلاف سلباً على المحاور المشتركة بين الطرفين.
بقي هنا أن نشير إلى هذه النقطة، وهي أنّ ما نقصده هنا من مفردة الدين هو الإسلام بمعناه الخاص "أي دين النبي محمد (صلي الله عليه و آله و سلم) " وليس المقصود الأديان الإلهية الأخرى. كما لا نقصد به ما يصطلح عليه في عصرنا الحاضر ديناً، في مذاهب كالبوذية، والشنتو، والزرادشتية، والطائوية.
________________________________________

[الصفحة - 258]


وبالطبع فإنّ القول بانفصال العلم عن الدين وتعذّر إمكانية التعامل بينهما نتيجة إفراز طبيعي للمناهج التي تبنّاها الغربيون في معالجتهم لإشكالية التعارض بين العلم والدين يشكّل بنفسه مؤشّراً قوياً على أنّ تلك الحلول والمقترحات التي ذكرناها آنفاً لا يمكن تطبيقها أو إسقاطها على الإسلام، حيث يؤكّد الإسلام على وجود تعامل وترابط وثيقين بين العلم والدين، وبالتالي فهو يرفض جميع الحلول التي تسعى إلى الإجابة عن إشكالية التعارض بينهما من خلال إلغاء أوجه الترابط بينهما ومصادرتها. أضف إلى ذلك، أنّ تفكيك أواصر الارتباط بين العلم والدين سيعود بالضرر على الجانبين، في حين أنّ التواصل بينهما سيخدمهما معاً.
فالنظرية العلمية، إذا سلّم بصحتها، يمكنها أن تكون منبِّهاً يفاد منه في تصحيح بعض النظرات أو الرؤى الدينية. والعكس أيضاً صحيح، فقد يطرح الدين رؤى أو تعاليم يمكنها أن تفتح أمام البحث العلمي آفاقاً فكرية جديدة، وتسهم في تبلور نظريات علمية جديدة، خصوصاً في المجال الإنساني، وبالتالي تبين عظمة المعطيات العلمية التي تتوافر عليها تعاليم الوحي؛ إذ لا شك في أن الآيات والروايات تتضمّن الكثير من الأمور والإشارات العلمية، اكتشفها العلم الحديث مؤخراً وبعد أن مر على صدورها مئات السنين من الزمن.
في ضوء هذه التجربة التي شهدها تاريخ العلم، من المناسب الدعوة إلى تبنّي مشروع علمي يهدف إلى بحث النظريات المنبثّة في القرآن الكريم والروايات الموثقة في مجال العلوم التجريبية والإنسانية، والتي لم يتوصل إليها العلماء بعد واستكشافها. إنّ مثل هذا المشروع البحثي لربّما يرشد العلم إلى نتائج وإنجازات جديدة.
الحل المقترح لرفع دعوى التعارض بين العلم والدين
اتضح مما سبق أنّ الحلول التي أدلى بها المتكلّمون الغربيون لحلّ إشكالية التعارض بين المسيحية والعلم لا تجري بالنسبة إلى الإسلام؛ وذلك لما يترتّب عليهامن لوازم باطلة لا يمكن الالتزام بها.
أضف إلى ذلك أنّ الحلول المقترحة إنّما جاءت لمعالجة عقائد باطلة تضمّنها كلّ من الإنجيل والتوراة الحاليين. وهذا يعود إلى وجود فارق جوهري بين الإسلام والمسيحية، وكذا بين القرآن الكريم وبين كلّ من الإنجيل والتوراة. كما أنّ وجود فوارق أخرى بين الإسلام والمسيحية تجعل المقارنة بين هاتين الديانتين، في ما يخصّ التعارض مع العلم، وكذلك الحلول
________________________________________

[الصفحة - 259]


المطروحة لدفع التعارض، أمراً صعباً.
من هنا كان لا بدّ من التذكير باختصار بعدّة نقاط قبل أن نتحدَّث عن الحلّ الذي نتبنّاه في حلّ إشكالية التعارض هذه. وإليك النقاط كالآتي:
1 ـ إنّ الأفكار والرؤى التي تؤكّد على التعارض بين العلم والدين، والتي حفل بها الغرب على مرّ تاريخه، انتقلت إلى المجتمعات الإسلامية بحيث وجد هناك من يعتقد بأنّ الإسلام كالمسيحية، هو الآخر يعاني من تعارض جاد بينه وبين العلم، في حين أنّ التعارض الموجود بين تعاليم العهدين من جهة، وبين معطيات العلوم التجريبية من جهة أخرى ـ والذي قد يصل إلى درجة التكاذب والتنافي ـ لا نجد له أثراً في الإسلام. وإذا كنّا نتحدّث عن الأساليب الممكنة لرفع التعارض بين العلم والإسلام فهذا لا يعني أنّ هناك موارد تعارض وتصادم بين الطرفين يسلَّم بها، ونحن نريد أن نجرّب حظَّنا في معالجة هذه الموارد. والمقصود هو الإجابة عن هذا السؤال المقدّر: إذا واجهتنا بعض الموارد التي قد توهم بوجود ثمّة تعارض بين تعاليم الإسلام وبين معطيات العلوم التجريية، ماذا نعمل حينئذٍ؟ وكيف علينا أن نتعامل مع هذه المشكلة؟ إذاً الحديث عن التعارض بين العلم والدين بالنسبة إلى المسيحية هو في الواقع حديث عن تعارض موجود ومستقر وقائم بالفعل.
أمّا عندما نتطرق إلى هذا البحث في خصوص الإسلام، فإنّنا نتحدّث عن تعارض محتمل وظاهر وغير مستقر قد يبدو للوهلة الأولى.
2 ـ بعض الموارد التي تطرح على بساط البحث، بوصفها أوجهاًمن وجوه التعارض بين الإنجيل والعلم لا يمكنها بحال أن تصدق على القرآن، بل لا يمكن التسليم بها بالنسبة إلى الإنجيل نفسه ايضاً.
فمثلاً من الموضوعات التي طرحت في الغرب وبحثت بإسهاب، دور الله والملائكة والعوامل الغيبية في إدارة هذا العالم. ففي كلّ يوم يطرح فيه العلم الحديث نظرية جديدة لتفسير ظاهرة من ظواهر الكون والحياة يعدّ ذلك تراجعاً لدور الله والدين على الأرض، في حين أنّ هذا التلقِّي يعود بالأساس إلى افتقاد الغرب لصياغة نظرية ميتافيزيقية متكاملة كالتي يتوافر عليها الإسلام. من هنا نجد أنّ أغلب المتكلّمين الغربيين ليس لديهم بيان فلسفي متماسك لتفسير فاعلية الله ودوره في العالم، في حين أنّ الفلاسفة المسلمين استطاعوا أن يجتازوا هذه المشكلة بنجاح.
________________________________________

[الصفحة - 260]


3 ـ تتمركز جلّ الدراسات الغربية التي تعنى ببحث إشكالية التعارض بين العلم والدين حول تعارض العلوم التجريبية مع الدين. في حين أنّ وجهة نظر الإسلام لا تتقاطع أساساً مع النظريات والاكتشافات التي ثبتت صحتها. وقد قام "وايت" بتأليف كتاب ضمّنه دراسة مفصّلة لتاريخ العلم والدين في المسيحية. وبالرغم من أنّ الكتاب صدر منذ زمن بعيد إلاّ أنّه لا يزال حتى الآن يصنّف ضمن المصادر التراثية المهمّة (36).
في كتابه هذا قام "وايت" باستقصاء موارد التعارض بين المسيحية والعلم. ويلاحظ أنّ 99 بالمئة من المواد المذكورة ترتبط بالعلوم التجريبية. وإذا راجعنا سائر المصادر الغربية الأخرى، في ما يرتبط بالعلم والدين، فسنحصل على مؤيدات وشواهد كثيرة تقرر هذه النقطة بالذات.
4 ـ إنّ ثمة مقارنة بين الإسلام والأديان الأخرى تؤكّد لنا نقطة مهمة، وهي أنّ الدين الإسلامي يتمتّع بقدرات أكبر لإنتاج رؤى مهمّة وذات جدارة عالية في مجال العلوم الإنسانية قياساً بالأديان والمذاهب الأخرى، بالرغم من أنّه قد تبدو هناك بعض التعارضات بين معطيات العلوم الإنسانية، وبين التعاليم الإسلامية. لكنّا نؤكّد هنا مرة أخرى أنّه في خصوص العلوم الإنسانية لا يوجد هناك تعارض بين الإسلام والمعطيات التجريبية. فمثلاً عندما يكتشف علماء النفس من خلال المشاهدة والتجربة وجود مقاطع زمنية خاصّة في عمر الطفل ينمو فيها نمواً حسّياً وحركياً، فإنّ الإسلام لا يعارض مثل هذه الاكتشافات والدراسات. وإذا كانت هناك موارد تعارض فهي تختصّ بالنظريات التي تستند إلى استنتاجات عقلية وأسس فلسفية أكثر من استنادها إلى المشاهدة والتجربة.
ملخص القول: إنّ ما يطرحه المتكلّمون الغربيون من تعارض بين العلم والدين يرتبط بالعلوم الإنسانية ويختصّ بالنظريات التي تبتني على أسس نظرية وفلسفية مادية وإلحادية، بعيداً عن المنطق التجريبي الذي يعتمد آليات التجربة والمشاهدة.
5 ـ من الملاحظ أنّ إشكالية التعارض بين الدين والعلوم الإنسانية تختلف عن إشكالية التعارض بين الدين والعلوم التجريبية.
ويعود هذا الاختلاف في جوهره إلى أنّ العلوم الإنسانية في معطياتها ونتائجها لا ترقى إلى مستوى معطيات العلوم التجريبية من حيث دقّتها ومدى وثاقتها؛ إذ أنّ احتمال حدوث الخطأ في العلوم الإنسانية ومعطياتها أكثر منه في العلوم التجريبية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنّ وجهات النظر الإسلامية في هذا المجال لم تنقّح بعد، كما أنّها قابلة للتطوير والتعميق، وذلك لأنّها لم
________________________________________
(36) white، Andrew Dickson A History of the warfare of Science with Theology (London، 1936).

[الصفحة - 261]


تُولَ القدر الكافي من البحث والدرس قياساً بسائر البحوث والدراسات الإسلامية الأخرى.
6 ـ علينا ألاّ نتخوّف من التعارضات الظاهرية التي تبدو للوهلة الأولى، بل بالعكس ينبغي أن نرحّب بها ونشجّع عليها باعتبار أنّ الاهتمام بها يعيننا على بلورة رؤية دينية صائبة وفهم علمي صحيح؛ إذ أنّ هذه التعارضات الظاهرية هي التي تفيدنا في التوصّل إلى فهم دقيق لنظرية من النظريات.
إذاً يجب أن نتعامل مع هذه التعارضات، بوصفها فرصة استثنائية لا بدّ من اقتناصها والاستفادة منها بأفضل صورة. وإذا كانت هناك ثمّة أخطاء نحتمل وقوعها في فهمنا لبعض القضايا العلمية لزمنا أن نعيد النظر في فهمنا بمنهجية مناسبة وسليمة.
واذا كنّا نعتقد بأنّ للإسلام كلمته وموقفه في مجال العلوم الإنسانية والقضايا الاجتماعية، فإنّ الإدراك السليم لهذه النظريات وترشيدها وتعميقها وتنميتها لا يمكن إلاّ من خلال التعامل الجاد بين العلم والدين. وفي إطار هذا التعامل لابدّ لكلّ من الطرفين ـ العلم والدين ـ من أن يكون على استعداد للتطوير والتصحيح؛ إذ من الواضح أنّ القابلية للتطوير والتصحيح هي من أوّليات التعامل ومستلزماته. على أنّ موقف الإسلام في خصوص أصول الدين الاسلامي وضرورياته واضح وثابت إلى حدّ كبير، أمّا في مجال العلوم الإنسانية الأخرى فإنّ إمكانية التطوير وإعادة النظر متاحة ومتوافرة بلا إشكال.
7 ـ خلافاً لما يبدو للوهلة الأولى، فإنّ الإلمام بموارد التعارض بين الإسلام والعلوم الإنسانية ليس بالأمر الهيّن؛ إذ من الواضح أنّ التعارض بين العلم والدين إنّما يتمّ في الموارد الذي يصدر كلّ من العلم والدين حكماً يضادّ به الآخر في موضوع واحد ومن جهة واحدة، لا في المورد الذي يحكم فيه أحدهما ويسكت الآخر، أو الذي يكون فيه أحدهما حاكماً على الآخر ومبيّناً لموضوعه. ولا في الموارد التي تتعدّد فيها الأحكام تبعاً لتعدّد جهة الحكم في الإسلام والعلم. ففي بعض الموارد التي يتراءى فيها أنّ هناك تعارضاً بين الإسلام والعلم، نجد بعد التحقيق أنّه ليس هناك تعارض جاد أو حقيقي بين الإثنين.
بعبارة أخرى: بعض موارد التعارض الظاهري بين الإسلام والعلوم الإنسانية إنّما ينشا من التأكيد على عوامل أخرى قد أغفلها العلم.
فمثلاً في ما يرتبط بفنون التدريس نجد أنّ بعض الخبراء التربويين يؤكّد أنّ زجّ البنين
________________________________________

[الصفحة - 262]


والبنات في فصول دراسية مختلطة وإيجاد فرق ومجاميع مختلطة من الجنسين، يسهم في تنمية اللّغة الأجنبية لدى الطلاب وتعلمهم لها بسرعة. وعليه ينصحون بأن تكون الفصول الدراسية مختلطة؛ لأنّ الاختلاط بين الجنسين يوفّر فرصة أفضل للالتقاء والتحاور بما يخلقه من أجواء عاطفية مثيرة. وبالتالي فإنّ ذلك سيعود بالايجاب على اللغة الأجنبية تعلماً وممارسة. في المقابل نجد أن الإسلام يوصي بخلاف ما يرتئيه الخبراء التربويون ويشدّد على منع إقامة دروس مختلطة. وهذا لا يعني أنّ الإسلام قد أغفل ما تنطوي عليه الطريقة المذكورة من فوائد على مستوى تعلّم اللغة، لكنه ـ أي الإسلام ـ شخّص أن ما يتحصّل من مجموع الفوائد والمضار المترتبة على هذه الطريقة لا يصبّ في مصلحة الأفراد. بل على العكس تماماَ يضر بسعادتهم الدنيوية والأخروية. فالإسلام في تشخيصه هذا يكون قد أخذ بنظر الاعتبار عوامل أُخرى أغفلتها العلوم التربوية المعاصرة.
ونحن إذا أخذنا بالمسالك التي اقترحها المتكلّمون المسيحيون في حلّ إشكالية التعارض بين العلم والدين، فإنّه لا توجد هناك ثمّة إلزامات تضطرّنا إلى الانتهاء عن ارتكاب عمل محرّم بإمكانه أن يعود بربح مادي خاص، وينسجم مع بعض النظريات العلمية.
إذاً إذا كنّا ممن يعتقد بالمذهب الواقعي، وأنّ القضايا الدينية قضايا ليست فارغة، بل لها معانيها ومؤدّاها، فالسؤال المطروح هنا هو: كيف نعالج إشكالية التعارض بين العلم والدين في موارد التعارض؟ ويمكن حصر موارد التعارض الظاهري بين العلم والدين في الموارد الآتية:
أ ـ تعارض الأصل العلمي الثابت مع النظرة الدينية القطعيَّة.
ب ـ تعارض النظرية العلمية الظنيّة مع النظرية الدينية الظنيّة.
ج ـ تعارض النظرية العلمية القطعيَّة مع النظرية الدينية الظنية.
ج ـ تعارض النظرية العلمية الظنيّة مع النظرية الدينية القطعية.
يتبين من خلال الموارد التي استقرأناها أنّ التعارض الأكيد والحقيقي بين العلم والدين هو التعارض من النوع الأول. وأمّا الموارد الأخرى فإنّ التعارض لا يعدو أن يكون محتملاً ومشكوكاً فيه. وبدهي أنّ التعارض المحتمل لا يسمى تعارضاً إلاّ مسامحة وتنـزّلاً. وفي مثل هذه الموارد قد لا يكون تعارضاً موجوداً حقيقةً.
كلّ ما هنالك أنّنا لقلّة باعنا العلمي وعدم إحاطتنا بالحكم الواقعي الديني والعلمي يخيل
________________________________________

[الصفحة - 263]


إلينا أنّ هناك تعارضاً بين العلم والدين. وعلى العموم في خصوص التعارض من النوع الأول نقول: إنّ الاعتقاد بأنّ الدين والعلم يخبران عن الواقع ويكشفان عنه، لازمه عدم إمكان تحقّق هذا اللون من التعارض. ونسوق هنا دليلين لإثبات هذا الموضوع:
الدليل الأول: ويتركّب من المقدّمات الآتية:
أ ـ إنّ المراد من النظرية العلمية القطعية هو تلك النظرية التي لا يشك في مطابقة مفادها للواقع، وتحكي لنا الواقع بشكل صحيح. والدين، هو الآخر، يتضمّن قضايا إخبارية تكشف لنا عن الواقع في ما يرتبط بالعالم والإنسان. إذاً العلم والدين في جملة من الموارد يتوفران على قضايا معرفية تشترك في موضوع واحد.
ب ـ صدقية القضايا الأخبارية وكونها قضايا حقيقية، تعني أنّها مطابقة للواقع.
ج ـ إنّ لكلّ قضية واقع مطابقي واحد لا يتعدّد.
د ـ القول بإمكانية تعارض النظرية العلمية القطعية مع النظرية الدينية القطعية، يلزم التسليم بأن تكون القضية الواحدة صادقة وكاذبة في الوقت نفسه وفي الظروف نفسها.
تتمخّض هذه المقدمات عن نتيجة مهمّة مفادها أن قضيتين قطعيتين دينية وعلمية يستحيل أن تتعارضا في ما بينهما.
الدليل الثاني: يمتاز الإسلام، بالقياس إلى الأديان الأخرى، بحرصه على الإفادة من العلم والعقلانية. وهذه نقطة أقرَّ بها الكثير من العلماء الغربيين فضلاً عن العلماء المسلمين.
فعلى سبيل المثال يكتب "ايان باربور"، في كتابٍ له عن العلم والدين قائلاً: "الملاحظ أنّ العلم شهد تقدّماً كبيراً عند العرب إبان القرون الوسطى، في الوقت الذي تكبّد العلم خسائر فادحة في ظلّ تعاليم المسيحية التي ما فتئت تمنع عن تقدّم العلم من خلال تأكيدها على الآخرة" (37).
إن ديناً كالإسلام بما يؤكّد عليه من دور للعقل والعلم في تقدّم الحياة البشرية وازدهارها من المستحيل أن تتصادم رؤاه ومعطياته مع معطيات العلم والعقل البشريين.
وعليه إذا أمرنا القرآن باتّباع مصدر خبري معين أو نهانا عن اتّباع مصدر خبري آخر، فإنّ هذا الأمر أو ذاك النهي يشكّل مرجعية عليا تثبت الاعتبار والقيمة للمصدر الذي تعلّق به
________________________________________
(37) Ian Bar bour، op. cit.، p. 17.

[الصفحة - 264]


الأمر وتسلب الاعتبار من المصدر المنهي عنه. فالقرآن يأمرنا بالتبين والفحص في ما إذا جاءنا فاسق بنبأ لاستعلام صحّة الخبر الواصل أو كذبه. ومن جهة أخرى، يأمرنا القرآن الكريم بالانقياد التامّ لتعاليم الرسول الأكرم محمد (صلي الله عليه و آله و سلم) والتأسّي به في كافّة مناحي الحياة.
وينتج عن ذلك أن يكون بالإمكان الاعتماد على أعمال الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) وأقواله والوثوق بها.
ومن ضمن الأمور التي دعا القرآن الكريم والروايات إلى اتّباعها وجعلها من مصادر المعرفة هي العقل والعلم والتجربة البشرية. وبالرغم من أنّ مفردة "العلم" التي وردت في القرآن الكريم لا ترادف العلم التجريبي، إلاّ أنّ المعطيات القطعية للعلوم هي من مصاديق العلم.ولا ريب في أنّ تأكيد الإسلام على أهمية هذه العلوم وقيمتها بصورة عامّة يشكّل دليلاً على أنّ ما يفيده كلّ من العقل والعلم من معطيات قطعية هي معطيات معتبرة ومقبولة، كما يدلّ في الوقت نفسه على استحالة تعارضها مع التعاليم الإسلامية.
من هنا يمكن القول: إنّه متى بدا لنا ثمّة تعارض بين الدليلين الديني والعلمي القطعيين فإنّ هذا التعارض بدويّ وسيرتفع موضوع التعارض بالدرس والتأمّل. ولربما يكون التعارض قد نشأ من خلال افتراض أحد طرفي التعارض أمراً قطعياً ويقينياً على نحو الخطأ والاشتباه.
كلّ ما بيّناه حتى الآن هو لإثبات نقطة مهمة، وهي: عدم وجود تعارض بين الدين الحقيقي والحقائق العلمية الواقعية. لكن بقي أن نقول: إنّ فهمنا للدِّين في غير الضروريات الدينية ليس بالضرورة أن يأتي منطبقاً مع واقع الدين، فربما جانب الحقيقة في بعض الموارد. وعليه فإنّ التوصّل إلى نظريات علمية قطعية ومطابقة للواقع خصوصاً في ما يرتبط بالعلوم الإنسانية نادراً ما يتحقق.
والملاحظ أنّ الجدول البياني لتطوّر النظريات العلمية والدينية على مرّ التاريخ شهد تحوّلات ومنعطفات كبيرة. فهناك الكثير من النظريات ظهرت لكنّ سرعان ما آل أمرها إلى الأفول لتحلّ محلّها نظريات أخرى. ولا ريب في أن ظهور نظريات جديدة تساعد على تقدّم العلم كما أنّها قد تسهم في تضعيف النظريات السابقة. وهذا كلّه إنّما ينشأ من الصعوبة الكبيرة التي يواجهها العلماء في التوصّل إلى نظريات مطابقة للواقع. وقد تؤدّي هذه الصعوبة إلى بروز نظريات علمية ودينية ظنّية لربما تسهم في إيجاد التعارضات.
في خصوص التعارض الثالث والرابع، يمكننا الإفادة من أسلوب مماثل لما اتّبعناه توّاً لرفع
________________________________________

[الصفحة - 265]


التعارض هذا. بمعنى أنّنا أولاً نأخذ بنظر الاعتبار هذه النقطة وهي أنّ كلاً من الدين والعلم يعملان على تقريب الواقع للأفهام. وعليه إذا بدا هناك شيئ من التعارض بينهما فبالإمكان أن نعالج الموقف كما لو كان هناك نظريتان علميتان متعارضتان، أو مفهومان دينيان متعارضان. ففي مقام تحليل النظريات العلمية، إذا تعارضت نظريتان، وكانت إحدى النظريتين قطعية أو قريبة من القطع وتلقى قبولاً لدى المجامع العلمية، هنا نأخذ بهذه النظرية ونحاول أن نعيد النظر في خصوص النظرية الأخرى المشكوك بها. ويعدّ هذا اللون من التعامل تعاملاً عقلانياً يبتني على أساس عقلاني مؤدّاه تقدّم القطع على الظن. فالدليل القطعي يوجد درجة أكبر من الوثاقة والاعتماد عليه ـ لدى العقلاء ـ من الدليل الظني.
تجدر الاشارة هنا إلى أنّ هذا الأسلوب نفسه يجري في بحث التعارض بين الأدلّة الشرعية أيضاً، فلو تعارض حديثان أحدهما ظني الدلالة والآخر قطعي الدلالة، قدّم الدليل القطعي. تأسيساً على ذلك، يمكننا تعميم أسلوب معالجة التعارض ليشمل الفرض التالي، وهو: إذا تعارضت نظرية علمية قطعية مع نظرية دينية ظنّية أو بالعكس: نظرية دينية قطعية مع نظرية علمية ظنيّة، هنا بالنسبة إلى الشق الأوّل من الفرض نقدّم العلم، وأمّا النظرية الدينية فنخضعها للدرس والتقويم من جديد ونعيد النظر في تفسيرها، ولربما احتاج الأمر إلى أن نتأوّلها. وأمّا في خصوص الشق الثاني من الفرض فنأخذ بالنظرية الدينية ونعيد النظر في النظرية العلمية.
وهنا يطرح هذا السؤال مرة أخرى وهو: ألا يؤدّي تقديم النظرية الدينية القطعية على النظرية العلمية الظنية إلى تسخيف العلم وتضعيف السياقات العلمية في مقابل الدين.
ولا شكّ في أنّ الإجابة عن هذا السؤال تكون بـ "كلاّ"؛ وذلك للاعتبارات الآتية:
أولاً: إن الأسلوب المتّبع هنا هو أسلوب منطقي وعقلائي، بحيث يمكن القول: إن هذا الأسلوب يمكن الإفادة منه في المجال العلمي كمنهج علمي بعيداً عن إشكالية العلاقة بين العلم والدين. فلو فرضنا وجود تعارض بين نظرية دينية قطعية مع نظرية دينية مشكوك فيها وقدّمنا القطعية، فهل سيؤدّي ذلك إلى تضعيف الدين والوهن به؟ ولو تعارضت هناك نظريتان علميتان إحداهما قطعية والأخرى ظنية، فأخذنا بالقطعية، فهل عملنا هذا خلاف الصواب وخلاف السياق العلمي، وهل سيؤدي إلى تسخيف العلم وتحقيره؟.. ولو كنا قد عملنا العكس في كلا الموردين وقدّمنا النظرية الظنية فهل كنا قد حفظنا للدين والعلم حرمتهما واعتبارهما، وهل كان عملنا عقلائياً؟ وهنا لا يسعنا أن نجيب عن هذه الاسئلة الثلاثة إلاّ بالنفي.
________________________________________

[الصفحة - 266]


من هنا أمكن القول: إنّ ترجيح النظرية الدينية القطعية على النظرية العلمية المشكوك في صحّتها منهج صحيح وصائب تماماً، كما أنّ الأخذ بالنظرية العلمية القطعية وترك النظرية الدينية الظنية أمر صحيح ومنطقي.
ثانياً: ليست جميع الصياغات النظرية المطروحة في مجال الدين ولا حتى أغلبها صياغات نهائية وقطعية خاصة في العلوم الانسانية حتى نبتّ بأنّ تعارضها مع العلم سيؤدي إلى مصادرة العلم وإلغائه. فمثل هذه الصياغات ليست كثيرة؛ وذلك لأنّ التوصل إلى نتائج نهائية وقناعات حاسمة في هذه المجالات أمر مشكل للغاية. وحتى في المجالات التجريبية ليست جميع النظريات التي تطرح يبتّ فيها وتفرض صحّتها إلى الأبد. أضف إلى ذلك أنّنا كثيراً ما نلاحظ في المجالات التجريبية والانسانية وجود نظريات متعدّدة بل ومتعارضة في موضوع واحد. وعليه قد يحدث أن تكون هناك نظرية دينية لا تتّفق مع نظرية علمية لكنها في الوقت نفسه تنسجم مع نظريات علمية أخرى مطروحة في ذلك الموضوع نفسه.
أمّا إذا كانت كلا القضيتين الدينية والعلمية محتملتي الصدق بالدرجة نفسها، ولا يوجد أي مرجح لإحداهما على الأخرى فهنا نلتزم من الناحية النظرية بعدم تقدّم إحداهما على الأخرى. ولكن لو فرضنا أنّ النظرية الدينية ناظرة إلى الجانب العملي والتطبيقي، فهنا إذا كانت لهذه النظرية مناشئ ظنية معتبرة لدى الإسلام نقدّم النظرية الدينية، أمّا في غير هذا المورد فيجب التوقف.
محصلة البحث
نخلص مما سبق إلى أنّ المسالك الغربية في معالجتها لإشكالية التعارض بين العلم والدين يمكن تقسيمها إلى أربعة اتجاهات أساسية:
الاتجاه الأوّل: يسعى إلى معالجة موارد التعارض من خلال منح الدين سلطة مطلقة على العلم.
هذا الإتجاه تبنّاه جماعة من المسيحيين الأصوليين، إلى جانب العديد من البروتستانت المحافظين.
الاتجاه الثاني: يعود مآلاً إلى الاتجاه الأوَّل فهو الاتجاه الذي اعتمده أمثال "ديهيم"، حيث قدّم نظرية أكّد فيها أنّ العلم ليس له إلاّ أن يكون أداة وآلة لتفسير الظواهر الموجودة في العالم. أمّا الدين
________________________________________

[الصفحة - 267]


فهو الذي يكشف عن حالة الواقع. وبذلك يكون قد اصطف إلى جانب الدين دفاعاً عنه.
الاتجاه الثالث: ويتمثّل في مجموعة من الكتّاب المسيحيين الأصوليين، إلى جانب عدد من البروتستانت المحافظين و"لوتر" وأعضاء الكنيسة الانجليزية. يذهب هذا الاتجاه إلى أنّ حدّ التعارض إنّما يمكن إذا ما جُعِلَ الدين تبعاً للعلم.
الاتجاه الرابع: يتمثَّل في عدّة نظريات تشترك في أنّ رفع المعارضة بين العلم والدين يكمن في التفكيك بين مجالي الدين والعلم. ويتبنى هذا الاتجاه كلّ من اللاهوت الليبرالي (الكلام الليبرالي)، والأرثوذوكسية الجديدة، والوجودية، ومدرسة التحليل اللغوي.
أمّا الاتجاه الأول القائل بسلطة الدين على العلم فإنّه يسعى في الحقيقة إلى إلغاء اعتبار العلم ومصادرته قبل أن يكون محاولة لرفع التعارض، هذا الاتجاه لا يمكن أن يتبنّاه الإسلام؛ وذلك للأهمية التي يوليها الإسلام للعمل والتعقل. وهذا يكشف عن أنّ الإسلام يقطع الطريق أمام الذين يحاولون إلغاء قيمة العلم وأهميّته وقدرته على كشف، ويعلن بذلك عن تبنيه لفكرة أن العلم لا بدّ من أن يكون كاشفاً عن الواقع. وأمّا باقي النظريات والمعالجات المطروحة فهي تعاني من الإشكالات والثغرات الآتية:
أ ـ إن القبول بأيّ من تلك المعالجات الآنفة الذكر يستلزم رفع اليد عن المعاني الظاهرية والحقيقية لكلّ من المصادر والنصوص الدينية الأساسية أو لجزءٍ منها.
ب ـ النظريات والصياغات المطروحة جاءت لمعالجة دعوى التعارض بين العلم والدين، لكن الملاحظ أنّ الحلول المقترحة لا تختص بموارد التعارض، بل هي تعمّم الإشكالية على جميع النصوص الدينية.
ج ـ تذهب أغلب المسالك المذكورة إلى أنّ النصوص المقدّسة ليست مصونة عن الخطأ. فهي نصوص دوّنت بأيدٍ بشرية، وبالتالي فهي قد تصيب الواقع وقد تخطئه.
د ـ يلزم من بعض النظريات المطروحة كالنظرية الوجودية صيرورة الدين أمراً فردياً باطنياً خالياً من أي مضمون اجتماعي.
هـ ـ الأســــاليب المقترحة لحلّ إشكالية التعارض تؤدّي إلى حدوث بينونة كاملة بين العلم والدين.
________________________________________

[الصفحة - 268]


مما لا شكّ فيه أنّ جميع هذه النتائج واللوازم التي ذكرناها توّاً لا تقبل الانطباق على القرآن، كما لا يمكن الالتزام بها إسلامياً. من هنا بات من الضروري أن نبحث عن طريقة حلّ أخرى لرفع التعارض بين العلم والدين.
أمّا طريقة الحلّ التي نقترحها فتتمثل في أن نقول: إنّ التعارض الجادّ والحقيقي بين الدين والعلم هو في الواقع تعارض بين نظرية علمية ثبتت صحّتها ونظرية أو أصل ديني ثابت قطعاً. والحقيقة أن تعارضاً من هذا القبيل غير وارد بالمرة في الإسلام. لكن لا بد من الإشارة إلى أنّ فهمنا للدين في غير ضروريات الدين ومبادئه العامّة اليقينية لربما اختلف كثيراً أو قليلاً عن حقيقة الدين وجوهره، كما أنّ التوصل إلى نظريات علمية قطعية ومطابقة للواقع خصوصاً في العلوم الإنسانية أمر يندر تحقيقه هو الآخر .
________________________________________

[الصفحة - 269]

 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف