البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الجسور الثلاثة قصة الغارة الحضارية علی العالم الاسلامي

الباحث :  الشيخ محمد مهدي الآصفي
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  3
السنة :  السنة الاولى خريف 1417هج - 1996 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 23 / 2014
عدد زيارات البحث :  2350
الجسور الثلاثة
قصة الغارة الحضارية علی العالم الاسلامي
الشيخ محمد مهدي الآصفي (*)
الوراثة الحضاريَّة
الوراثة الحضاريَّة هي انتقال القيم والأفكار والرؤى‏ والأعراف والأخلاق من جيلٍ إلى‏ جيل، ولهذه الوراثة قوانين واصول كما للوراثة في النَّبات والحيوان والإنسان.
وبموجب هذه القوانين تنتقل الحضارة من جيل إلى‏ جيل، فيبدأ الجيل الجديد حياته من حيث انتهى الجيل السابق وليس من الصفر. وعبر هذه العوامل انتقل إلينا هذا التيار الحضاري الكبير من عصر آدم(ع) وعصور إبراهيم ونوح وموسى‏ وعيسى‏ ورسول اللّه(ص). ونحن قطعة من هذا الماضي العريق، وفرع من تلك الجذور الممتدّة في عمق التأريخ، تلقّينا هذه القِيَم والمعارف عبر قنوات الوراثة الحضارية من جيلٍ إلى‏ جيل، ومن المؤكّد أنّ سلامة هذه الجسور والقنوات تسرّع عملية انتقال الحضارة من جيلٍ إلى‏ جيل، كما إنّ تعطيلها وخرابها يعرقل الصلة بين الأجيال. ولو توقّفت هذه الجسور بصورة نهائية عن أداء دورها الحضاري في المجتمع لانقطع الجيل اللاحق عن الجيل السابق، انقطاعاً كاملاً. وأهمّ هذه القنوات والجسور:
1 ـ البيت.
2 ـ المدرسة.
3 ـ المسجد.
وعبر هذه الجسور الثلاثة تحرّكت الحضارة الإلهية ووصلت الحاضر بالماضي والخلف بالسلف، وبسبب الدور الكبير الذي يقوم به البيت والمدرسة والمسجد، في عملية الاتّصال الحضاري، يعطي الإسلام اهتماماً كبيراً لهذه المراكز الثلاثة وبنائها
________________________________________
(*)عالم ومفکر إسلامي من إيران.
المنهاج - العدد الثالث - خریف 1417هـ - 1996م

[الصفحة - 112]


وإعمارها. وفي ما يلي توضيح موجز لهذه القنوات الثلاث.
1 - البيت‏
ونقصد بالبيت: الأُسرة. ودور الأُسرة، في نقل المواريث الحضارية إلى الجيل الصاعد، كبير. والانطباعات الأُولى‏ التي تنطبع عليها شخصية الطفل تتكوّن في داخل الأُسرة، وتبقى‏ هذه الانطباعات ذات تأثير فعّال في شخصية الإنسان في مستقبل حياته.
يقول أمير المؤمنين(ع) لولده الإمام الحسن المجتبى‏(ع):
«وإنّما قلب الحدث كالأرض الخالية، ما أُلقي فيها من شي‏ء قبلته، فبادرتُك بالأدب قبل أن يعشو قلبك، ويشتغل لبّك» (1).
ولسلامة بناء الأُسرة أثر كبير في سلامة تربية الأبناء، كما إنّ لفسادها دور كبير في إفساد الجيل الناشى‏ء وتخريبه.
روي عن رسول اللَّه(ص):
«ما من بيتٍ ليس فيه شي‏ء من الحكمة إلاّ كان خراباً» (2).
وبعكس ذلك الأُسرة الصالحة، فهي قادرة على‏ أداء دورٍ فعّال في بناء الجيل ونقل القيم والمواريث الحضارية إلى الجيل الذي ينشأ في أحضانها.
ولنستمع إلى‏ أمير المؤمنين(ع) يشرح لولده الحسن المجتبى‏(ع) كيف نقل إليه خلاصة خبراته ووعيه للحضارة والتأريخ:
«أي بُني، إنّي وإن لم أكن عمّرت عمر من كان قبلي، فقد نظرت في أعمالهم وفكّرت في أخبارهم وسِرت في آثارهم، حتّى‏ عدت كأحدهم، بل كأنّي بما انتهى‏ إلَيّ من امورهم قد عمّرت مع أوّلهم إلى‏ آخرهم... فعرفت صفْو ذلك من كدره، ونفعه من ضرره، فاستخلصت لك من كلّ أمرٍ نخيله، وتوخّيت لك جميله، وصرفت عنك مجهوله» (3).
ويتحدّث أمير المؤمنين(ع) عن الجوّ العائلي الذي احتضنه بالتربية والرعاية وهو صغير، وما تركت هذه التربية والرعاية العائلية في بناء شخصيّته من أثر:
________________________________________
(1)نهج البلاغة، ضبط الدكتور صبحي الصالح وفهرسته، ص 393.
(2)مجمع البيان، 1/382.
(3)نهج البلاغة، مصدر سابق، ص 393 و394.

[الصفحة - 113]


«وقد علمتم موضعي من رسول اللّه(ص) بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا ولد، يضمّني إلى‏ صدره، ويكنفني في فراشه، ويمسّني جسده، ويشمّني عرفه، وكان يمضغ الشي‏ء ثمّ يلقمنيه، وما وجد لي كذبةً في قول، ولا خطلةً في فعل... ولقد كنت أتبعه اتّباع الفصيل أثر امّه، يرفع لي في كلّ يومٍ من أخلاقه علماً، ويأمرني بالاقتداء به، ولقد كان يجاور كلّ سنة بحراء فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت واحد في الإسلام غير رسول اللَّه(ص) وخديجة وأنا ثالثهما، أرى‏ نور الوحي والرسالة، وأشمّ ريح النبوّة» (4).
2 - المدرسة
وأقصد بالمدرسة المراكز والوسائل التثقيفية في مختلف مراحلها، والجهاز البشري الذي يتولّى‏ تثقيف الناشئة وتعليمها.. وهذا حقل واسع يشمل المدرسة والكتب والمناهج والمدرّسين والفعّاليات الثقافية والتربوية والخطّ والحرف واللغة والثقافة والإعلام والصحافة وغير ذلك.
والمدرسة، في هذا الإطار الواسع، تعد من أهمّ الجسور التي تقوم بعملية نقل المواريث الحضارية من جيل إلى‏ جيل وربط الأجيال بعضها ببعضها الآخر، ووصل الجيل الصاعد بالجيل الهابط.
وإذا كان الإنسان يتلقّى الانطباعات الأُولى‏ في حياته من البيت، فإنّ المرحلة الثانية من هذه الانطباعات تتكوّن في عقله ونفسه في المدرسة.
وقد ورد في النصوص الإسلامية تأكيدٌ كثير على‏ قيمة المعلّم واحترامه.
عن أبي جعفر(ع)، قال: قال رسول اللَّه(ص):
«إنّ معلّم الخير يستغفر له دوابّ الأرض وحيتان البحر وكلّ ذي روح في الهواء وجميع أهل السماء والأرض» (5).
وعن أبي عبداللَّه الصادق(ع):
«مَن علّم خيراً فله بمثل أجر مَن عمل به. قلت: فإن علّمه غيره، يجري ذلك له؟
________________________________________
المنهاج - العدد الثالث - خریف 1417هـ - 1996م

[الصفحة - 114]


قال: إن علّم الناس كلّهم جرى‏ له. قلت: وإن مات؟ قال: وإن مات» (6).
وعن أبي عبداللَّه(ع)، قال: قال رسول اللَّه(ص):
«يجي‏ء الرجل يوم القيامة، وله من الحسنات كالسحاب الركام أو كالجبال الرواسي، فيقول: يا ربّ أنّى‏ لي هذا ولم أعملها؟ فيقول: هذا عملك الذي علّمته الناس يعمل به بعدك» (7).
وعلّم عبد الرحمن السَّلَمي ولداً للحسين(ع) سورة الحمد، فلمّا قرأها على‏ أبيه أهدى الإمام للمعلّم مالاً كثيراً وحلية كثيرة وحشا فاه درّاً. فقيل له في ذلك، فقال(ع):
«وأين يقع هذا من عطائه ـ يعني تعليمه ـ» (8).
3 - المسجد
والجسر الثالث من الجسور الثلاثة: المسجد، وهو، في الإسلام، مركز للعبادة والتوجيه الفكري والأخلاقي والسياسي، وللتعاون على‏ أعمال الخير والبرّ، وله دور مركزي ورئيسي في الفعاليات والأعمال التي تقع في هذه الدائرة.
والنصّ التالي يكشف عن قيمة المسجد ودوره في المجتمع الإسلامي: عن أمير المؤمنين عليّ(ع): «مَن اختلف إلى المسجد أصاب إحدى‏ الثمان: 1 - أخاً مستفاداً في اللّه. 2 - أو علما مستطرفاً. 3 - أو آيةً محكمة. 4 - أو رحمةً منتظرة. 5 - أو كلمةً تردّه عن ردى‏. 6 - أو يسمع إلى‏ كلمةٍ تدلّ على الهدى‏. 7 - أو يترك دنيا خسيسةً. 8 - أو حياءً» (9).
وقد كانت المساجد، في التأريخ الإسلامي، مدارس للفكر والثقافة، ومنابر للتهذيب والتربية ومواقع للحركة والثورة والعمل الاجتماعي والسياسي، ومن أنشط المؤسّسات الاجتماعية والثقافية والسياسية في حياة المسلمين. وكانت تقوم بمهمّةٍ أساسية في نقل مواريث الحضارة الإسلامية من جيل إلى‏ جيل.
كما كانت معقلاً من أمنع معاقل الفكر والقيم الإسلامية، وفي هذا المعقل استطاع المسلمون أن يحفظوا تراثهم الفكري والحضاري من غارة العدوان الجاهلي.
________________________________________
(4)المصدر نفسه، ص 300 و301.
(5)العلامة المجلسي، بحار الأنوار، 2/17.
(6)المصدر نفسه.
(7)المصدر نفسه، 2/18.
(8)ابن شهراشوب، المناقب، طبعة النجف، 3/222. ومستدرك الوسائل، 1/290.
(9)بحار الأنوار، مصدر سابق، 83/351.

[الصفحة - 115]


مؤسّسة الحوزة العلمية
ولكي يمارس المسجد دوره، في خدمة الأُمّة، وفي نقل المواريث الحضارية بقوّة وفعّالية، لا بدّ له من روافد بشرية وثقافية لتأمين حاجة المسجد إلى العلماء والخطباء والموجّهين الذين يقومون بدور التوعية والتحريك في المجتمع الإسلامي من خلال هذه المؤسّسة (المسجد).
وهذه المهمّة تتطلّب وجود جامعات إسلامية (حوزات علمية) مهمّتها تخريج المتخصّصين في شؤون الثقافة الإسلامية.
ولا بدّ من أن تنفر طائفة من المسلمين ليتعلَّم أفرادها هذه الثقافة بصورة اختصاصية، وليقوموا بهذا الدور التوجيهي الحسّاس في المجتمع، انطلاقاً من قوله تعالى‏: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِينِ ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إذا رَجعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهُم يَحْذَرُون} (10) .
وعليه فإنّ «مؤسّسة المسجد» تشمل هذه المؤسّسات الثقافية التي نصطلح عليها بالحوزات العلمية، والمؤسّسات التابعة والمقوّمة للحوزات العلمية كالمرجعية ومنصب الإفتاء ومنابر التوجيه والوعظ.
والمسجد، بمثل هذا الشمول والسعة، يشغل مساحة واسعة من حياة الناس، ويعد واحداً من أهمّ الجسور التي قامت، في تأريخ الإنسان، بعملية نقل القيم والأفكار من جيلٍ إلى‏ جيل. ومن أهمّ المعاقل التي استطاعت أن تحفظ لنا تراثنا من الضياع والانحراف ولا سيّما في السنوات العجاف الطويلة التي تعرّضت فيها جسورنا وقلاعنا الحضارية لضربات قويّة من قبل العدوّ. فقد حافظ المسجد، خلال هذه السنوات العجاف، على‏ استقلاله، ولم يتمكّن العدوّ من مصادرة هذه المؤسّسة وتطويقها وحرفها عن رسالتها. وكان المسجد، في هذه المعركة، آخر قلعة من قلاعنا الحضارية التي قاومت حركة التغريب، ولو كان يتأتّى‏ لهذه الأنظمة والمؤسّسات الخاضعة لسلطان الغرب أن تضع يدها على المساجد ورافدها من الحوزات العلمية الإسلامية لم يسلم لنا من عبثهم وإفسادهم شي‏ء.
________________________________________
(10)سورة التوبة، الآية: 122.
المنهاج - العدد الثالث - خریف 1417هـ - 1996م

[الصفحة - 116]


نسف الجسور
هذه هي إجمالاً الجسور الثلاثة التي تنتقل عليها حضارتنا من جيل إلى‏ جيل، والتي تربط حاضرنا بماضينا، وتربطنا بجذورنا الحضارية العميقة، ولولا هذه الجسور لانقطع حاضرنا عن ماضينا، انقطاعاً تامّاً، وتحوّلت الأُمّة من أُمّة ممتدّة في التأريخ، ذات حضارة وأصالة وعمق، مستقرّة في الأرض، إلى‏ نبتة مجتثّة من فوق الأرض ما لها من قرار، ومن شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء، إلى‏ نباتات طحلبية تنبت هنا وهناك، ثمّ تموت كما تكوّنت، وبقدر ما يحرص الإسلام على‏ سلامة هذه الجسور الثلاثة وفاعليتها في حياة الأُمّة، فإنّ أجهزة الاستكبار العالمي تخطّط لتقطيع هذه الجسور في حياة أُمّتنا وتعطيل أدوارها. وبإمكاننا أن نقول إنّ الصراع السياسي في المرحلة الأخيرة من حياتنا، بيننا وبين الكفر العالمي، كان يدور حول محور قطع هذه الجسور ومدِّها.
بين الحداثة والقديم، أم بين الانقطاع والاتّصال؟
لقد حاول الاستكبار وعملاؤه، في العالم الإسلامي، من الحكّام والمفكّرين، أن يصوّروا هذا الصراع على‏ أنّه صراع بين «القِدَم» و«الحداثة». لكنّ الحقيقة شي‏ء آخر، فلم يكن الصراع على القديم والجديد، وإنّما كان الصراع على «الانقطاع» و «الاتّصال». لقد كان الاستكبار العالمي يعمل لقطع هذه الأُمّة عن ماضيها وجذورها التأريخية، ولنسف الجسور التي تربط حاضر الأُمّة بماضيها. وكان المخلصون الواعون، من أبناء الأُمّة، يدركون عمق هذه المؤامرة ويحرصون على‏ أن يبقى‏ حاضرنا مرتبطاً بماضينا وتراثنا وجذورنا في التأريخ. وكان هذا الصراع قائماً في كلّ مكان: في المدرسة، وفي الجامعة، وفي الشارع، وفي الفنّ، وفي الأدب، وفي المصطلحات، وفي الأعراف، وفي اللغة، وفي الخطّ، وفي الشعر، وفي المعاشرة، وفي الأُسرة، وفي طريقة التفكير، وفي لغة التخاطب، وفي أشياء كثيرة أُخرى‏ في حياتنا.
التخريب الحضاري‏
ونتساءل: لماذا كان الاستكبار يعمل بهذا الاتّجاه التخريبي في حضارتنا؟
________________________________________

[الصفحة - 117]


وهذا سؤال وجيه.. فإنّ مخطّطي أجهزة الغزو الاستكباري لم يكن يهمّهم من أمر حضارتنا شي‏ء، ولم يكن يهمّهم أن يطرحوا بديلاً لهذه الحضارة. ولم يكونوا رسل حضارة إلينا ليفكّروا في تخريب حضارة وإقامة أُخرى‏ مكانها، وإنّما كانوا طلاّب مال ولذّة، وجباة الذهب الأصفر والأسود. وكلّ من يعرف الغرب والشرق يعرف هذه الحقيقة بلا مناقشة. ونتجاوز الآن أولئك السّذج الذين يتصوّرون أنّ للغرب الرأسمالي أو الشرق الاشتراكي دوراً إنسانياً في حياتنا.
فما هي مصلحة الغرب والشرق في التخريب الحضاري في حياتنا وفي هدم الجسور واستئصال الجذور؟ إنّ القضية، في رأينا، لها أيضاً علاقة بجباية الذهب الأصفر والأسود. ولا بدّ لذلك من شرح وإيضاح:
إنّ الجذور الحضارية تمنح الأُمّة مناعة ضدّ الغزو، أيّ غزو، سواءً أكانَ غزواً عسكرياً أم فكرياً أم سياسياً، أم غزواً للابتزاز المالي أو للاستئصال الحضاري. وهذه خاصيّة العمق الحضاري في الأُمّة، فما دامت الأُمّة مرتبطة بماضيها وحضارتها ومستشعرة بشخصيتها التأريخية والحضارية فهي تقاوم الغزو والاحتلال والاستغلال، وتقاوم النفوذ السياسي والفكري الأجنبي مهما كان.
ولقد جاء الغرب إلى العالم الإسلامي لفرض سلطانه ونفوذه على المسلمين، وليقوم بغارة واسعة على العالم الإسلامي، وهو يعلم أنّ في هذه الأُمّة مناعة ضدّ كلّ أجنبيّ دخيل على الأُمّة، وضدّ كلّ نفوذ وسلطان دخيل عليها، ويعلم أنّ مصدر هذه المناعة هو دين هذه الأُمّة وحضارتها، ولا يمكن أن يضعوا أيديهم على‏ كنوز هذه الأُمّة وثرواتها الطبيعية قبل أن يضعوا أيديهم على‏ عقول أبنائها، ولا يمكن أن يفتحوا الطريق إلى‏ ثروات المسلمين قبل أن يقطعوا علينا الطريق إلى‏ حضارتنا ورسالتنا وتراثنا.
لقد عرف المخطّطون للاستكبار هذه الحقائق جميعاً، حقيقة بعد أُخرى‏، وتوجّهوا بكلّ جدّ واهتمام لعلاج هذه المشكلة ومصادرة هذه المناعة والمقاومة.
________________________________________

[الصفحة - 118]


التعويم الحضاري‏
وإذا حدث هذا التعويم الحضاري، وتحوّلت الأُمّة من حالة الانتماء الحضاري إلى‏ حالة اللاإنتماء، فلا تبقى‏ في الأُمّة مناعة أو مقاومة، ولا يخشى‏، بعد، على‏ مصالح الاستكبار ومراكز نفوذه في العالم الإسلامي على أمدٍ طويل من الزمان، ومن ثمّ يسهل النفوذ في هذه الأُمّة، وفرض كلّ ألوان السيطرة والسيادة عليها، ووضع اليد على‏ ثرواتها وأراضيها وبرّها وبحرها.
ولكي يتمّ تفريغ هذه الأُمّة من كلّ محتواها الحضاري والرسالي، وبترها عن ماضيها وتراثها وحضارتها، بتراً كاملاً، لا بدّ من قطع هذه الجسور التي تربط الحاضر بالماضي، والأُمّة بتراثها وحضارتها.
وانطلاقاً من هذا التصوّر توجّه الاستكبار العالمي باتّجاه قطع هذه الجسور ونسفها وقطع الحاضر عن الماضي.
وهكذا كانت فصول المأساة في حياتنا السياسية والحضارية المعاصرة.
معالم حركة التغريب أو التخريب الحضاري‏
وأرى‏ من المفيد أن أرسم هنا معالم حركة التغريب، أو الاستئصال الحضاري بشكل أوضح، ليكون هذا الجيل ـ جيل الثورة ـ على‏ بيّنة من المخطّطات الرهيبة التي كان يجري تنفيذها من قبل الغرب، بشكل خاصّ، في العالم الإسلامي في هذه الفترة من الزمان.
لقد كان همّ الغرب الأكبر إنهاء وجود الدولة العثمانية في العالم الإسلامي والقضاء عليها قضاءً كاملاً، فقد كانت الدولة العثمانية، ورغم كلّ نقاط الضعف الظاهرة عليها، محوراً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً قويّاً في المنطقة يحول دون تحقيق مطامع الغرب في العالم الإسلامي.
وتمّ للغرب إسقاط الخلافة العثمانية بصورة نهائية، في سنة 1342 هـ/1922م؛ بعد أنّ تمّ إنهاكها واستهلاكها وتحجيمها، حتّى‏ أصبح الخليفة لا يملك من أُمور الخلافة والدولة شيئاً غير صلاة الجمعة وخطبتها وقصره وحاشيته.
________________________________________

[الصفحة - 119]


واستراح الغرب عند ذلك، وتنفّس الصعداء، وخلت الساحة السياسية في المنطقة الإسلامية من وجود قوّة ذات نفوذ واسع في المنطقة الإسلامية.
وعند ذلك، أخذ الغرب يصعّد حركة التغريب والاستئصال الحضاري في المنطقة الإسلامية بصورة واسعة، وقد كانت هذه الحركة قائمة في العالم الإسلامي من قبل، ولكنّها تصاعدت بشكل ملفت للنظر، وعلى‏ كافّة الأصعدة، بعد سقوط الدولة العثمانية.
الحكّام الذين دعموا حركة التغريب‏
في هذه المرحلة التي شارفت سقوط الدولة العثمانية، وتلك التي تلتها، نرى‏ على المسرح السياسي حكّاماً وأنظمة، في العالم الإسلامي، تتجّه بشكل واضح باتّجاه فصل العالم الإسلامي عن جذوره الحضارية، وربطه بالغرب والحضارة الغربية، تحت شعار «التجديد» و «الحداثة» و «التطوّر» و «التقدّم»، ونذكر من هؤلاء الحكّام:
مصطفى‏ كمال أتاتورك: تولّى الرئاسة في تركيا بعد إسقاط الدولة العثمانية، واستمرّ حكمه من سنة 1923 إلى‏ سنة 1938 م.
رضا بهلوي: تولّى الحكم، في إيران، من سنة 1925 إلى‏ سنة 1931 م.، أي أنَّه تولَّى الحكم بعد سقوط الدولة العثمانية بثلاث سنوات.
أمان اللّه خان: تولّى الحكم في أفغانستان من سنة 1919م إلى‏ سنة 1929 م. زار أوروبا، وتوجّه باتّجاه تغريب أفغانستان بعد سنة 1927، أي بعد سقوط الدولة العثمانية بخمس سنوات، بصورة قويّة، ما أدّى‏ إلى‏ سقوطه وفراره إلى‏ أوروبا.
وقد اشتهر هؤلاء الحكّام بالنزوع الشديد إلى الغرب، وبالسعي الحثيث للقضاء على‏ معالم الحضارة الإسلامية وأصولها، وإحلال الحضارة الغربية في بلادهم، والقضاء على الكيان السياسي للإسلام في العالم، وإحلال الكيانات الصغيرة الإقليمية والقومية مكان الدولة الإسلامية.
ومن المفيد أن نذكر أنّ أحداثاً قد تمت في هذه الحقبة من تاريخنا السياسي المعاصر، أسهمت في تمزيق العالم الإسلامي، ومنها: «معاهدة سايكس بيكو» ـ
________________________________________

[الصفحة - 120]


1916 م. قسَّمت العالم الإسلامي إلى كيانات، ومنها أيضاً «وعد بلفور» ـ 1917م الصهاينة بإقامة كيان لهم في فلسطين.
ومن السذاجة أن نتصوّر أنّ هذه الأحداث تجمّعت في هذه المرحلة بالذات صدفة ومن دون تخطيط مسبق. ومن السذاجة أن نتصوّر أنّ هؤلاء الحكّام كانوا يعملون لتطوير بلادهم من الناحية العلمية والاقتصادية والعسكرية، وكانوا يسعون إلى‏ إدخال الصناعة والاختصاصات العلمية المتطوّرة إلى‏ بلادهم.
فقد بدأ هؤلاء الحكّام بالقضاء على‏ «الخطّ والحرف العربين» أوّلاً، وعلى‏ «اللغة العربية الفصحى‏» ثانياً، وعلى‏ «الحجاب» ثالثاً، وعلى‏ «القضاء الشرعي» رابعاً، وعلى‏ «حدود اللَّه» تعالى‏ في الحلال والحرام خامساً، وعلى‏ «الأخلاق والأعراف» الإسلامية، وعلى‏ كثير غير ذلك بحجّة التطوّر والتجديد والحداثة.
وكان يسير، في ركب هؤلاء الحكّام، جمع من المخطّطين والمفكّرين والعلماء والأُدباء في مختلف أقطار العالم الإسلامي، يتّجهون بشكل واضح باتّجاه تغريب المسلمين، وربط العالم الإسلامي بعجلة الغرب، وعزل الأمة الإسلامية بصورة كاملة عن ماضيها وتأريخها، وحجبها حجباً كاملاً عن حضارتها وتراثها.
روّاد التغريب من المفكّرين والكتّاب‏
وبرز، في مجال الدعوة إلى التغريب والارتماء في أحضان الحضارة الغربية، مفكّرون وكتّاب وأدباء دعموا هذه الدعوة بكتاباتهم وآثارهم وأدبهم. ونحن نشير، هنا، إلى‏ بعض هؤلاء حتّى‏ يعرف أبناء هذا الجيل ضخامة المؤامرة التي كان يحيكها قادة الاستكبار والكفر ضدّ الحضارة والأُمّة الإسلامية قبل هذا الجيل.
طه حسين والدعوة إلى التغريب‏
في العالم العربي عدد من الكتّاب، في هذا المجال، كان من أبرزهم طه حسين، الكاتب المصري المعروف والذي منح عمادة الأدب العربي.
________________________________________

[الصفحة - 121]


لقد أولع طه حسين بالحضارة الغربية، حتّى‏ عاد يدعو قومه، في مصر، إلى الإنسلاخ عن حضارتهم وقبول حضارة الغرب والارتماء في أحضانها، خيرها وشرّها، حلوها ومرّها.
يقول طه حسين في كتاب «مستقبل الثقافة في مصر»:
«حياتنا الماديّة أوروبية خالصة في الطبقات الراقية، وهي في الطبقات الأُخرى‏ تختلف قرباً وبعداً من الحياة الأوروبية باختلاف قدرة الأفراد والجماعات وحظوتهم من الثروة وسعة ذات اليد، ومعنى‏ هذا أنّ المثل الأعلى‏ في حياته المادّية إنّما هو المثل الأعلى‏ للأوروبي في حياته الماديّة».
«وحياتنا المعنوية، على‏ اختلاف مظاهرها وألوانها، أوروبية خالصة. نظام الحكم عندنا أوروبي خالص، نقلناه عن الأوروبيين، في غير تحرّج ولا تردّد، وإذا عِبنا أنفسنا بشي‏ء من هذه الناحية فإنّما نعيبها بالإبطاء في نقل ما عند الأوروبيين من نظام الحكم وأشكال الحياة السياسية».
«والتعليم عندنا قد أقمنا صروحه وبرامجه منذ القرن الماضي على النحو الأوروبي الخالص، ما في ذلك شكّ ولا نزاع.
نحن نكوّن أبناءنا في مدارسنا الأوّلية والثانوية والعالية تكويناً أوروبياً لا تشوبه شائبة».
وينتهي طه حسين إلى النتيجة التالية:
«كلّ هذا يدلّ على‏ أنّنا، في هذا العصر الحديث، نريد أن نتّصل بأوروبا اتّصالاً يزداد قوّة من يوم إلى‏ يوم، حتّى‏ نصبح جزءاً منها لفظاً ومعنىً وحقيقة وشكلاً» (11).
والأمر واضح عند طه حسين، لا لبس فيه، فهو لا يدعو إلى اقتناء ما تقدّم فيه الغرب من العلم والصناعة والتكنولوجيا والفنّ المعماري.. وإنّما يدعو إلى اتّباع الغرب في كلّ شي‏ء، وإلى‏ أن ينسلخ كلّ منّا انسلاخاً كاملاً عن تأريخه وحضارته ورسالته، ويكون نسخة ثانية من الغرب «لفظاً ومعنىً وحقيقةً وشكلاً»، وحتّى الرؤية والتصوّر والتقييم والحكم... ينبغي أن يكون عندنا أوروبياً، كما يقول طه حسين، فلا يكفي أن نعيش حياة
________________________________________
(11)طه حسين، مستقبل الثقافة في مصر، ص 31-36.

[الصفحة - 122]


أوروبية وإنّما يجب علينا أن نفهم الأشياء، ونقوّمها، ونراها، كما يفهمها ويقومها الأوروبيون. وعلينا أن نتبع الأوروبيين في كلّ شي‏ء من حياتهم وواقعهم حتّى‏ في ما لا يحمدونه هم من أساليب الحياة وألوان العلاقات الاجتماعية والممارسات والأفعال.
وإن كنت لا تصدّق ذلك من «عميد الأدب العربي» فاقرأ معي في «مستقبل الثقافة في مصر»: «علينا أن نسير سيرة الأوروبيين، ونسلك طريقهم، لنكون لهم أنداداً، ولنكون لهم شركاء في الحضارة، خيرها وشرّها، حلوها ومرّها، وما يُحَبّ منها وما يُكره، وما يُحمد منها وما يُعاب».
«وأن نُشعِر الأوروبي: إنّنا نرى الأشياء كما يراها، ونقوّم الأشياء كما يقوّمها، ونحكم على الأشياء كما يحكم عليها» (12).
ولنتجاوز طه حسين إلى‏ مفكّر آخر من تركيا الإسلامية.
ضياء كوك آلب‏
ضياء كوك آلب من تركيا «ومن قادة الدعوة إلى التغريب وواضعي الأُسس النظرية للدولة التركية الحديثة»، كما يقول القسّيس الأمريكي هارولد سمث. وضياء هذا من الروّاد الأوائل للإنسلاخ عن الحضارة الإسلامية والإرتماء في أحضان الغرب.
يقول السيّد أبو الحسن الندوي: «إنّ ضياء كوك آلب دعا بكلّ قوّة وصراحة إلى‏ سلخ تركيا من ماضيها القريب، وتكوينها تكويناً قومياً خالصاً، وإيثار الحضارة الغربية على‏ أساس أنّها امتداد للحضارة القديمة التي ساهم الأتراك ـ على‏ زعمه ـ في تكوينها وحراستها» وقد جاء في مقالة له:
«إنّ الحضارة الغربية امتداد لحضارة حوض البحر الأبيض المتوسّط القديمة، وكان مؤسّسو هذه الحضارة التي نسمّيها حضارة البحر الأبيض المتوسّط من الأتراك، مثل السومريين والفينيقيين والرعاة، لقد كان في التأريخ عصر طوراني قبل العصور القديمة... وفي زمن متأخّر جدّاً رقّى الأتراك المسلمون هذه الحضارة ونقلوها إلى الأوروبيين، لذلك نحن جزء من الحضارة الغربية ولنا سهم فيها» (13).
________________________________________
(12)المصدر نفسه، ص 41 و44.
(13)السيد أبو الحسن الندوي، الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية، ص 41-42، نقلاً عن: Turkish National And Western Civilisation, P. 792.

[الصفحة - 123]


ويقول ضياء كوك آلب، في موجبات الانتماء إلى الحضارة الغربية، وفي أنّ هذا التحوّل إلى الحضارة الغربية لا يستلزم الانسلاخ عن الدين:
«حين تقطع امّة شأواً بعيداً، ترى‏ من الواجب أن تغيّر حضارتها. ولمّا كان الأتراك قبائل رحّالة في آسيا الوسطى‏، دانوا بحضارة الشرق الأقصى‏، ولمّا انتهوا إلى‏ عصر السلطنة دخلوا في المساحة البيزنطية، والآن في طور انتقالهم إلى الحكومة الشعبية، وهم مصمّمون على‏ قبول حضارة الغرب» (14).
ويرى‏ أنّ الدين لا علاقة له بالحضارة، ومن الممكن أن تدين شعوب مختلفة بديانات مختلفة في الوقت نفسه الذي ترتبط فيه جميعها بحضارة واحدة، يقول ضياء: «إنّ شعوباً تدين بديانات مختلفة يمكن أن تدين بحضارة واحدة» ويضيف: «لا يصحّ أي ارتباط لحضارة بالدين، ليست هناك حضارة مسيحية ولا حضارة إسلامية، فكما أنّه لا يصحّ أن تسمّى الحضارة الغربية حضارة مسيحية، هكذا بالضبط لا يصحّ أن تسمّى الحضارة الشرقية حضارة إسلامية». ويضرب لذلك مثلاً بانتقال روسيا من الحضارة البيزنطية إلى الحضارة الغربية: «وقد عانى‏ بطرس العظيم صعوبات شديدة في كفاحه لتحرير الشعب الروسي من سيطرة الحضارة البيزنطية، وتقديمه إلى الحضارة الغربية، وبعد الثورة بدأوا يتقدّمون بسرعة زائدة، وهذه الحقيقة تكفي لإثبات أنّ الحضارة الغربية هي الشارع الوحيد إلى التقدّم» (15).
السيّد أحمد خان‏
أحمد خان، أو «سير أحمد خان» المتّقي الدهلوي (1232هـ ـ 1315هـ) من الشخصيات العلمية الإسلامية الهندية، أسّس الكلية المحمدية الإنگليزية سنة 1875 م، وذلك كما يقول لنشر الإسلام الحديث المتأثّر بالحضارة الغربية، وهي التي تعرف الآن ب «جامعة عليگرة» الإسلامية.
كان يدعو إلى الانسلاخ عن الحضارات الإسلامية والارتماء في أحضان الحضارة الغربية، وكان من أوائل الدعاة للتغريب. يقول السيّد أحمد خان:
«لا بدّ أن يرغب المسلمون في قبول هذه الحضارة (الغربية) بكمالها حتّى‏ لا تعود
________________________________________
(14)المرجع نفسه، ص 42.
(15)المرجع نفسه، ص 43 و44، عن المصدر نفسه، ص 270-275.

[الصفحة - 124]


الامم المتحضّرة تزدريهم أعينها ويعتبروا من الشعوب المتحضّرة المثقّفة» (16).
وفي كتابه «أحكام طعام أهل الكتاب»، يحثّ على التشبّه بالإنگليز في عاداتهم وأساليب معيشتهم(17).
قاسم أمين‏
من دعاة السفور وتحلّل المرأة من الحجاب الإسلامي. كان يدعو للانتماء إلى الحضارة الغربية والأخذ بها، وكان معجباً شديد الإعجاب بهذه الحضارة، ومولعاً بها، داعياً إليها، مهما كان الثمن.
يقول في كتابه «المرأة الجديدة»: «هذا هو الداء الذي يلزم أن نبادر إلى‏ علاجه، وليس له دواء إلاّ أنّنا نربّي أولادنا على‏ أن يتعرّفوا على‏ شؤون المدنية الغربية ويقفوا على‏ أُصولها وفروعها وآثارها. وإذا أتى‏ ذلك الحين، ونرجو أن لا يكون بعيداً، انجلت الحقيقة أمام أعيننا ساطعة كسطوع الشمس، وعرفنا قيمة التمدّن الغربي، وتيقنّا أنّه من المستحيل أن يتمّ إصلاح ما في أحوالنا إذا لم يكن مؤسّساً على العلوم العصرية الحديثة، وإنّ أحوال الإنسان مهما اختلفت وسواءً كانت مادية أو أدبية خاضعة لسلطة العلم، لهذا نرى‏ أنّ الأُمم المتمدّنة على‏ اختلافها في الجنس واللغة والوطن والدين متشابهة تشابهاً عظيماً في شكل حكوماتها، وإداراتها ومحاكمها، ونظام عائلتها، وطرق تربيتها، ولغاتها، وكتابتها، ومبانيها، وطرقها، بل في كثير من العادات البسيطة كالملبس والتحية والأكل... هذا الذي جعلنا نضرب الأمثال بالأوروبيين ونشيد بتقليدهم وحملنا على‏ أن نلفت الأنظار إلى المرأة الأوروبية» (18).
السيّد حسن تقي زاده‏
من زعماء حركة «الدستور» في إيران، وهذه الحركة ظهرت أواخر حكم أُسرة «قاجار» لتواجه الدكتاتورية القاجارية وتقيم ديمقراطية قريبة من الإسلام، أو في دائرة الإسلام.
________________________________________
(16)المرجع نفسه، ص 72، نقلاً عن مجلّة تهذيب الأخلاق، مقالات السيد أحمد خان، 2/1.
(17)المرجع نفسه، ص 73.
(18)قاسم أمين، المرأة الجديدة، ص 185-186، نقلاً عن «الصراع» للندوي، ص 109 و110.

[الصفحة - 125]


وكان السيد حسن تقي زاده من قادة هذه الحركة لولا أنّ اتّجاهه الفكري كان يدعو إلى‏ عزل الدين عن السياسة، وإقامة ديمقراطية غربية مفصولة عن الإسلام. وكان يعتقد أنّ الغرب يشكّل قمّة في القيم الإنسانية (19).
وأنشأ «تقي زاده»، بالتعاون مع بعض زملائه، الحزب الديمقراطي في الدورة الثانية من المجلس البرلماني، وكان هذا الحزب «حزب الديمقراط» أو «فرقة الديمقراط» أوّل حزب سياسي في إيران (20).
وكان للحزب علاقة طيّبة مع بريطانيا، وكان عمّال الإنگليز في البلاد يشجّعون المنتمين إلى «الديمقراط» (21).
وكان من أهمّ مبادئه فصل الدين عن السياسة وفصل علماء الدين عن التدخّل في السياسة (22).
ومن شروط الانتماء إليه ألاّ يكون المنتسب من علماء الدين أو المشتغلين بالشؤون الإسلامية(23).
وكان تقي زاده من أهمّ منظّري الحزب ومن قادة المجلس البرلماني. ورغم إنّه كان يلبس العمّة في بداية حياته السياسية وتخرّج من المدارس الدينية، كان يعتقد بضرورة الارتماء في أحضان الغرب والأخذ بأسباب الحضارة الغربية، وله في ذلك مقال بعنوان «استيراد الحضارة الغربية» ألقاه سنة 1340هـ ش في نادي «مهرگان» (24).
وفي مقال له، في مجلة «كاوه»، عدد 7 سنة 1920، يشكّك بوجود جذور حضارية لنا في التأريخ(25).
وكانت اتّجاهاته وميوله إلى التغريب من الأسباب التي دعت اثنين من مراجع التقليد في النجف الأشرف إلى الحكم بإخراجه من المجلس (البرلمان) وإبعاده، ما اضطرّه إلى الخروج من إيران(26).
وعاد إلى إيران بعد سقوط الأُسرة القاجارية واستيلاء «رضا خان بهلوي» على الحكم في إيران.
________________________________________
(19)إيرج افشار، أوراق تازه ياب مشروطيت ونفس تقي زاده، ص 68.
(20)المصدر نفسه، ص 349.
(21)ملك الشعراء بهار، تاريخ مختصر أحزاب سياسي إيران، 1/12.
(22)المصدر نفسه، ص 9، وأوراق تازه ياب، ص 365.
(23)أوراق تازه ياب، ص 352 و360.
(24)إسماعيل رائين، اموشخانه وفراماسونرى در إيران، 2/209.
(25)الدکتور السيد جلال الدين مدني، تاريخ سياسي معاصر إيران، 1/36.
(26)أوراق تازه باب مشروطيت، مصدر سابق، ص 207 و208.

[الصفحة - 126]


عدم التفكيك بين العلم والثقافة
ولعلّ من المفيد، هنا، أن نعمد إلى‏ إثارة نقطة حسّاسة يثيرها دعاة التغريب في الغالب لتسويغ الدعوة إلى الانسلاخ عن التراث، وهي أنّنا لا نستطيع أن نأخذ بأسباب العلم والتكنولوجيا الغربية ما لم نأخذ بأسباب الحضارة الغربية قبل ذلك، وما لم نحاول أن نفكّر كما يفكّر الناس في الغرب، وأن نتصوّر الأشياء كما يتصوّرها الناس في الغرب، وأن نعيش في المجتمع كما يعيش الناس في الغرب.
إنّ التمسّك بالعلم والصناعة الغربية لا يتيسّر لنا إلاّ عندما تتغيّر أفكارنا وتصوّراتنا ورؤيتنا للّه والكون والإنسان والأشياء، وتتغيّر أخلاقنا وثقافتنا وحضارتنا باتّجاه الأخلاق والثقافة والحضارة الغربية.
وهذا الخلط بين العلم والثقافة هو سبب هذا التضليل كلّه، ولو شئت أن تكون على‏ يقين ممّا ذكرنا فاقرأ ما كتبه الدكتور كامل عياد عن «مستقبل الثقافة في المجتمع العربي».
يقول: «نحن لا يمكننا أن نتقدّم في الصناعة الآلية... دون نشر هذه الثقافة (الثقافة الغربية) بين الشعب على‏ أكبر مقياس ممكن» (27).
فلكي يتسنّى‏ لنا أن نأخذ بأسباب العلم والمعرفة التجريبية، لا بدّ لنا، كما يقول هؤلاء، أن نلقي بأنفسنا مرّة واحدة في أحضان الحضارة الغربية، في ما طاب من حضارتهم وفي ما خبث، وفي «خيرها وشرّها، وحلوها ومرّها، وما يُحَبّ فيها وما يُكره، وما يُحمد فيها وما يُعاب»، كما يقول الدكتور طه حسين من غير حياء ولا خجل.
ومن دون هذا التعميم لا نتمكّن من أن نأخذ بشي‏ء من أسباب العلم والمعرفة التي تتّصل بنا من الغرب. ويقول الدكتور كامل عياد في الكتاب نفسه: «لا بدّ لنا من الاعتراف بأنّ تقاليدنا لا تتعارض مع الاقتباس من الثقافة الحديثة السائدة في الغرب. وفي الحقيقة إذا تركنا المحافظين في بعض الأقطار العربية ـ وهي فئة قد أصبحت لحسن الحظّ قليلة العدد ـ فإنّنا لا نجد اليوم بيننا من ينكر ضرورة هذا الاقتباس. وإنّما هناك فئة تسمّي نفسها بالمعتدلة تريد أن يقتصر الاقتباس على‏ محاسن الحضارة الغربية وعلى‏ تلك النواحي من ثقافتها التي تتلاءم مع حضارتنا وتقاليدنا وعاداتنا. ونقطة الضعف في هذا الرأي الصعوبة في تحديد
________________________________________
(27)مستقبل الثقافة في المجتمع العربي، ص 165.

[الصفحة - 127]


الصفات والتقاليد والعادات التي نختصّ بها، ويجب أن نحافظ عليها، ثمّ الإختلاف حول المعيار الذي يميّز بين المحاسن من المساوى‏ء» (28).
فالكاتب هنا يغتبط أشدّ الاغتباط أنَّ عدد المحافظين يتناقص، ويسوؤه أنّ المعتدلين لم يعودوا يدركون حقيقة المشكلة. إنّ المشكلة كلّها، عند هؤلاء، هي فقدان المعيار الذي نميّز به المحاسن من المساوى‏ء. وعندما يبلغ الأمر هذا الحدّ فمن الخير أن نمضي ولا نعلّق.
ولو أنّ الدعاة إلى التغريب كانوا يفصلون بين العلم والثقافة، وبين الحقول التي نجد فيها عجزاً وتخلّفاً والحقول التي نملك فيها غنىً وثروة، ونأخذ من الغرب ما نحتاجه نحن من العلم والصناعة، ونرجع إلى‏ رصيدنا وتراثنا، فيما أغنانا اللّه تعالى‏ من كنز المعرفة والأخلاق والحضارة والعقيدة والفلسفة والمعرفة، لنصدّره لهم... أقول: ولو أنّ دعاة التغريب كانوا يفصلون بين العلم والثقافة، وبين ما نحتاج إليه وما نستغني عنه، لم نكن ندخل في شي‏ء من هذه المداخل التي أساءت إلى‏ حاضرنا وماضينا وحضارتنا، وأغنونا فيما نحن نحتاج إليه من العلوم والاختصاصات التي نفقدها نحن، من دون أن يفصلونا عن تأريخنا وحضارتنا وماضينا وأصالتنا التأريخية.
لكنّ الضعف النفسي والهزيمة النفسية في مواجهة التطوّر العلمي والتكنولوجي في الغرب، أدّى‏ بنا إلى‏ أن نتنكّر لأنفسنا ولتراثنا وحضارتنا، وأن نرمي بأنفسنا في أحضان الغرب والشرق من دون أيّة حسابات وموازنات، ومن دون تقويم وانتقاء وانتقاد، ومن دون أن يكون لنا ـ على الأقلّ ـ حقّ النظر في هذه الحضارة لنقومها ونميز خيرها من شرّها.
ويتوارى‏ هؤلاء ـ في الغالب ـ خلف الكلمات الضبابية في الإعلان عن حقيقة رأيهم وموقفهم في هذه المسألة الخطيرة.
وحقيقة الأمر أنّ هؤلاء يشكّون في إمكانية الرجوع إلى «الإسلام» لفرز الصحيح عن الخطأ، ولانتقاد الحضارة الغربية.
ولنستمع إلى الدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفى‏ في هذه المقولة: «وبدت صعوبة هذه المشكلة في أنّه لم يسهل تحديد ما يتمشّى‏ وما لا يتمشّى‏ مع الشريعة، أي الإطار
________________________________________
(28)المصدر نفسه، ص 151، نقلاً عن «حصوننا مهدّدة من الداخل»، ص 148.

[الصفحة - 128]


القانوني الإسلامي، إذ أنّ مسايرة العصر اتّجاه ضعيف في الإسلام، على‏ اعتبار أنّه من الصعب تطوير منهاج ذي أُصول إلهية» (29).
ثمّ يكشف الكاتب حقيقة الموقف وخلفيات هذه الدعوة من دون ستار وصراحة باسم «قلّة من المصلحين» فيقول: «واتّجهت قلّة من المصلحين إلى التصريح بأنّ القوانين الإسلامية مشتقّة من بداية التجربة المدنية للعرب، بمعنى‏ أنّها كانت مجرّد استجابة لمتطلّبات هذه الفترة الاجتماعية، الأمر الذي يستلزم إعادة النظر فيها بحسب الظروف المتغيّرة» (30).
هذه هي حقيقة الموقف. إنّ المواقف الاستسلامية تجاه الحضارة الغربية تستبطن أمرين اثنين، أولهما: الهزيمة النفسية والإحساس بالضعف تجاه الحضارة الغربية، وثانيهما: عدم الإيمان برسالة اللّه والشكّ في أنّ هذه الرسالة من اللّه العليّ القدير، أو الشكّ في وجود اللّه تعالى‏ رأساً.
نظرية أرنولد توينبي ونقدها
1 - النظريَّة
يرى «توينبي» أنّ عملية الاقتباس الحضاري والمدني يجب أن تتمّ بصورة شاملة أو لا تتمّ، وأيّ أُمّة عندما تتعرّض لبعض الأجزاء والعناصر المقوّمة لحضارة أُخرى‏ تستطيع هذه الأجزاء والعناصر الحضارية الغريبة والمتناثرة أن تخترق جسم هذه الامّة، لتتحوّل هذه الأجزاء والعناصر، وهي تعمل في جسم آخر غير جسمها، وفي وسط آخر غير وسطها، إلى‏ أجزاء مدمّرة وضارّة.
وننقل، في ما يلي، كلام توينبي بصورة دقيقة، فهو يقول:
«حين يتمّ تحليل شعاع حضاري متحرّك إلى العناصر التي يتألّف منها تكنولوجياً وسياسياً ودينياً وفنيّاً... الخ، وذلك بفعل المقاومة التي يبذلها كيان اجتماعي أجنبي تعرّض لفاعلية، فإنّ التكنولوجيا تكون أسرع وأعمق تغلغلاً من الدين. ومن الممكن أن نعبّر عن هذا القانون بصيغ أدقّ من هذه، فبإمكاننا أن نذهب إلى‏ أنّ قوّة اختراق عنصر من
________________________________________
(29)الدكتور أحمد عبد الرحمن مصطفى‏، حركة التجديد الإسلامي في العالم العربي الحديث، ص 49، طبعة سنة 1971.
(30)المصدر نفسه، ص 49.

[الصفحة - 129]


عناصر الإشعاع الثقافي تتناسب تناسباً عكسياً مع قيمة العنصر من الناحية الثقافية، إذ يثير العنصر التافه في الجسم المتعرّض للهجوم مقاومة أقلّ ممّا يثيره العنصر الهامّ، ومن الواضح أنّ هذا الاختيار الثقافي لأتفه العناصر في ثقافة مشعّة لنشرها على‏ مدى‏ أوسع في الخارج يشكّل قاعدة سيئة الحظّ للعبة الاتّصال الثقافي، إلاّ أنّ هذا الاتّجاه التافه ليس إلاّ أسوأ ما في اللعبة، فإنّ نفس عملية التحليل التي هي جوهر اللعبة تنذر بتسميم حياة المجتمع الذي يتغلغل في كيانه الاجتماعي عناصر متعدّدة من شعاع حضاري متفكّك.
ويشبه العنصر المنفلت من عناصر الإشعاع الحضاري ألكتروناً منفلتاً أو مرضاً معدياً منفلتاً، من حيث إنّه قد تثبت فاعليّته المدمّرة حين ينفصل عن النظام الذي كان يحكمه ذلك الوقت، ويصبح حرّاً في أن ينظّم نفسه في جوٍّ مخالف.
فهذا العنصر الثقافي، أو الميكروب، أو الألكترون كان لا يتّجه في نظامه الأصلي إلى‏ التدمير حين كان يحدّ من فعاليته ارتباطه بجزئيات أخرى‏ داخلة في نطاق نمط تتوازن أجزاؤه، ولا تتغيّر طبيعة الجزي‏ء، أو الميكروب المنفلت أو الوحدة الحضارية المنفلتة حين يتحرّر كلّ منها من نمطه الأصلي، إلاّ أنّ نفس هذه الطبيعة تكون أمْيَل إلى التدمير بعد أن ينفصل عن ارتباطاته الأصلية التي كان في ظلّها عديم الضرر، وفي ظلّ مثل هذه الأحوال يكون لحم رجل ما سامّاً لرجل آخر»(31).
والنتيجة التي يقصدها توينبي من هذاالكلام أنّ الأُمّة عندما تتعرّض لضرورة الاقتباس والأخذ من أُمّة أُخرى‏، يجب أن تفكّر في التخلّص الكامل من شخصيتها وأصالتها وقيمها وحضارتها وتنصهر بصورة كاملة في الأُمّة التي تعيش فيها ثقافةً وخلقاً وحضارةً وعلماً وصناعة، ولا يمكن الفصل بين هذه الأجزاء والعناصر لتختار من هذه الحضارة ما تشاء وتترك ما تشاء.
2 - نقد النظرية
وهذه النظرية تخضع لكثير من المناقشة والنقد. فإنّ الاقتباس، وعلاقة الأخذ والعطاء، والتبادل بين أُمّتين وحضارتين يتمّ في مجالين هما: المجال العلمي، والمجال الثقافي.
________________________________________
(31)The World And West, chap V، نقلاً عن كتاب حركة التجديد الإسلامي، مصدر سابق، ص 50 و51.

[الصفحة - 130]


والأوّل يخضع للثاني، ويتكيّف بموجب أوضاعه وظروفه. كما إنّ الثاني يحكم الأوّل ويصبغه بصبغته الخاصة، فالمسائل العلمية، كالجراحة والصيدلة والطبّ والرياضيات والهندسة والكهرباء والذرّة والميكانيك تخضع لمسائل من نوع آخر في الأخلاق والمعرفة والعقيدة والفلسفة والأدب، وهي المسائل الثقافية في حياة الإنسان.
كما إنّ مسائل القسم الأوّل تتكيّف بموجب المسائل التي ذكرناها في القسم الثاني (المسائل الثقافية). فالكيمياء والصيدلة يمكن أن تستخدم في خدمة الإنسان وخدمة الأغراض الطبية والزراعية والغذائية، في حالة وجود وعي وثقافة إنسانية، وفي حالة اكتمال النضج الثقافي للإنسان، كما إنّهما يمكن أن يخدما أغراضاً لا إنسانية ويستخدما في تصنيع الغازات السامّة وإعدادها للاستعمالات العسكرية، وتصنيع القنابل الكيماوية في حالة فقدان الوعي والثقافة الإنسانية، وفقدان المعايير الأخلاقية.
وكذلك الذرّة يختلف استخدامها والاستفادة منها باختلاف الوعي والثقافة عند الإنسان. وهذا يعني أن ظروف الاحتكاك العلمي تختلف وتتنوع بين أمينة وغير أمينة.
أ ـ الظروف الأمينة للاحتكاك العلمي‏
ونخلص، من هذا القول، إلى النتيجة التالية: إنّ الأُمّة إذا كانت تحتفظ بأصالتها الثقافية والأخلاقية والعقيدية لا يضرّها الاحتكاك العلمي وحالة الأخذ والعطاء مع الحضارات الأُخرى‏ في المسائل العلمية، وذلك لأنّ المسائل العلمية عندما تنفصل عن حضارة، وتخترق جسم حضارة أُخرى‏ لا تحمل معها الشحنة الحضارية التي كانت تحملها في الحضارة الأُولى‏، وإنّما تتقبّل منها الأُمّة الجانب العلمي مجرّدة عن أيّ تأثيرات ثقافية أُخرى‏. وتكون الحضارة بمثابة مصفاة تقوم بتصفية كلّ ما يعلق بهذه المسائل العلمية من ظروف أخلاقية وحضارية غريبة على‏ كيان الأُمّة، وتمنع عن الأُمّة ما يعلق بها من سموم لا تناسب جسم الأُمّة.
ب ـ الظروف غير الأمينة للاحتكاك العلمي‏
أمّا إذا كانت الأُمّة المقتبسة ضعيفة حضارياً، ولا تملك المقوّمات الأخلاقية والفكرية والمناعة الكافية التي تحميها من الثقافة الأجنبية، فإنّها إذا تعرّضت في حياتها إلى الاقتباس
________________________________________

[الصفحة - 131]


من الأُمم الأجنبية الأُخرى‏ والاحتكاك بها فسوف تنتقل إليها المسائل العلمية مقرونة بكلّ ظروف وملابسات الأُمّة الناقلة سياسياً وأخلاقياً وفكرياً، وليس من الممكن عزل المسائل العلمية عن المسائل الثقافية عند ذلك، ولا يمكن حماية الأُمّة المستوردة من ثقافة الأُمّة المصدّرة وأخلاقها، ولنا تجربتان تأريخيتان تؤكّدان هذه الحقيقة.
1) تجربة الفتوحات الأولى‏:
وهي تجربة امتداد الفتوحات الإسلامية إلى الروم وإيران. ولا شكّ أنّ الأُمّة الإسلامية كانت تقتبس وتأخذ من خلال هذه الفتوحات الكثير من العلم من الأُمم الأُخرى‏، من المسائل الإدارية والمحاسبة والطبّ والكيمياء والفلك، ولكن من دون أن تتأثّر بشي‏ء من ظروف الأُمم الأجنبية في الأخلاق والثقافة والحضارة، وإنّما كانت تستقبل هذه المسائل وتصيغها بصيغتها الحضارية الخاصّة ثمّ تستخدمها استخداماً مقبولاً.
2) تجربة التغريب المعاصرة:
وهي تجربة احتكاك الأُمّة الإسلامية بالحضارة الغربية في ظروف سقوط الدولة العثمانية. فقد ألجأت الحاجة الأُمّة إلى‏ أن تأخذ من الغرب كثيراً من مسائل العلوم التجريبية والرياضية والإدارية إلاّ أنّها، لمّا كانت لا تملك المناعة والمقوّمات الحضارية الكافية، لم تستطع أن تحمي نفسها من الظروف الحضارية للغرب، فصبغها الغرب بصبغته الخاصّة.
عمل دعاة «الإنسلاخ الحضاري»
والآن، بعد هذا الاستعراض، نشرح كيف بدأ دعاة «الانسلاخ الحضاري»: حكّاماً ومفكّرين عملهم بقطع الجسور بين الجيل الصاعد والسلف، وتعكير المنافع الحضارية بين هذا الجيل وما قبله من الأجيال.
تبديل الحرف العربي بالحروف اللاتينية في تركيا
وقد كان الحاكم التركي «مصطفى‏ كمال أتاتورك» الذي أسقط الخلافة العثمانية وأقام في تركيا دولة علمانية قومية من أكثر دعاة التغريب إمعاناً في دفع الأُمّة باتّجاه
________________________________________

[الصفحة - 132]


الحضارة الغربية، واستئصال جذورها الحضارية والتأريخية.
لقد عمد مصطفى‏ كمال أتاتورك إلى الحرف العربي بالذات، وعمل على القضاء عليه في تركيا، واستبداله بالحروف اللاتينية. وناهيك به وسيلة قوية لقطع الصلات الحضارية والفكرية بين هذا الجيل وما سبقه من الأجيال. فإنّ الحرف المكتوب من أقوى‏ وسائل الارتباط الفكري والحضاري بين الأجيال. وعندما يتمّ القضاء على الخطّ تنقطع أقوى الأواصر وأكثرها متانة وفاعلية في ربط الحاضر بالماضي.
إذن كان المخطّطون لعملية «الانسلاخ والتقويم الحضاري» يعملون في غاية الدقّة، فلم يكتفوا بقطع الفروع والأغصان، وإنّما عمدوا إلى‏ أقوى‏ هذه الجسور فقطعوها، وعاد الجيل الجديد الذي عاصر الردّة الجاهلية وسقوط الدولة العثمانية في تركيا لا يستطيع أن يقرأ القرآن والحديث والتأريخ والأخلاق والفقه والعقيدة من المصادر الإسلامية.
يقول الأمير شكيب أرسلان في كتابه «حاضر العالم الإسلامي»:
«ولقد روّج هذه الأُغلوطة مصطفى‏ كمال، رئيس جمهورية أنقرة، لغرضٍ في نفسه من جهة سلخ الأتراك تدريجياً من العقيدة الإسلامية وصرفهم عن اللغة العربية، فسار بتركيا سيرة من يجعل الدين الإسلامي أجنبياً عن الحكومة التركية، كما إنّ الدين المسيحي هو بزعمه أجنبيّ عن الحكومات الراقية، وتابعه في ذلك الحزب الذي يسمّى‏ في تركيا «خلق فرقه سي»، والذي هو من أوّله إلى‏ آخره أشبه بجند لمصطفى‏ كمال تحت قيادته، لا يملكون معه قبضاً ولا بسطاً، فألغوا جميع ما تشتمّ منه رائحة الإسلام، من أوضاع الحكومة التركية، وأبطلوا المحاكم الشرعية، بعد أن أبطلوا العمل بالشريعة، وألغوا الوزارة التي كان اسمها «مشيخة الإسلام»، وجعلوا مكانها دائرة صغيرة تابعة لنظارة الداخلية سمّوها «ديانت ايشي»، أي أُمور الديانة، وحذفوا من دستور تركيا المادّة التي فيها «إنّ الإسلام هو دين الجمهورية التركية»، وكانوا على‏ مدى‏ بضع سنوات، أبطلوا إقامة مراسم العيدين: النحر والفطر، وقالوا إنّ الحكومة التركية لا تعرفها، ولكنّهم وجدوا في ما بعد أنّ المأمورين، شاء رئيس الجمهورية أم أبى‏، لا بدّ لهم من الاحتفال بهذين العيدين فعادوا في السنة الماضية يعطّلون دوائر الحكومة فيهما، وعاد رئيس الجمهورية يقبل فيهما التهاني.
وأمّا الكتابة التركية بالحروف العربية، برغم كلّ ما جرى‏ لها من المعارضة، فقد كان
________________________________________

[الصفحة - 133]


تعليلها في ظاهر الحال تسهيل التعليم على النش‏ء، وتقصير المدّة اللازمة للقراءة، ولكنّ الغرض الحقيقي منها كان إقصاء الترك عن العرب وإبطال قراءة القرآن تدريجياً، وأهمّ من ذا وذا إقناع أوروبا بأنّ تركيا قد تفرنجت تماماً، وأنّه صار من العدل أن تدخل في العائلة الأوروبية، ولهذا الغرض الأخير نفسه حمل مصطفى‏ كمال الأتراك على‏ لبس القبّعة ليزدادوا اندماجاً في الأوروبيين، ولقد كان ترك الحروف العربية ضربة عظيمة على‏ تركيا في حياتها العلمية والأدبية والاقتصادية والتجارية، وتعذّرت الكتابة على الجميع بالحروف اللاتينية، فانحصرت في فئة قليلة، وقلّت المكاتيب والمراسلات بين الناس، وقلّ جدّاً عدد القرّاء للكتب والجرائد، وأصبحت الجريدة التي كان عدد قرّائها يحصى‏ بالأُلوف لا يقرأها ولا خمسمئة شخص، وصارت الحكومة مضطرّة أن تقوم بأودها.
وازدادت الكتابات الرسمية صعوبة فتأخّرت أشغال الناس لدى الحكومة، ودثرت ملايين من الكتب فخربت بذلك بيوت لا تحصى‏، وأمّا من الجهة الفنية فالحروف اللاتينية برغم ما أدخلوا من العلامات على‏ بعضها لإيتاء اللفظ التركي حقّه لا تؤدّي اللفظ التركي الصحيح في كثير من المواضع، فلذلك قد تغيّر بها اللفظ التركي عن أصله وصارت كأنّها لغة جديدة، ثمّ إنّ الحروف اللاتينية المنفصلة وإن كانت أسهل في القراءة والكتابة فإنّها تأخذ من الفسحة على القرطاس وتستغرق من الوقت للكتابة أكثر ممّا تستغرق الحروف العربية بكثير، وإنّ الكتابة العربية هي أشبه شي‏ء بالاختزال Stenographie وإنّها أوقع على‏ مبدأ الاقتصاد في الزمن والمكان وأقرب من كتابة العصر الحالي المبني كلّ وضع فيه على الاختصار والاقتصاد.
ولا تزال هذه الأزمة الكتابية مشتدّة في تركيا، ولكن الغازي لا يزال مصمّماً على‏ حمل تلك الأُمّة على الحروف اللاتينية حبّاً بالتفرنج.
والذين لا يعلمون حقائق الأحوال يظنّون أنّ الأتراك راضون مغتبطون بإلغاء الشريعة الإسلامية من المحاكم، ورفع التعليم الديني من الكتاتيب والمدارس، وإجبار النساء على السفور، وخلط الأُناث والذكور في دور العلم، وحمل الأوانس على الرقص مع الشبّان، ولبس القبّعة والكتابة بالحروف اللاتينية، إلى‏ غير ذلك ممّا أحدثته الحكومة الأنقرية الكمالية. ويقولون إنّه لولا رضى الترك بذلك لثاروا بحكومتهم، ولأسقطوها ولردّوها عن
________________________________________

[الصفحة - 134]


ثنيات الطرق، ولكنّ الذي يتأمّل في ما تحمّله الشعب التركي من المصائب والنوائب التي تدكّ الجبال يفهم لماذا هي صابرة على‏ مرارة هذه الأوضاع الاجتماعية التي هي مخالفة لمذهبها ومشربها وعادتها وذوقها، ولماذا هي تفضّل الخضوع لها على الثورة والانتفاض والتطريق للأعداء أن يعودوا فيقضوا على‏ تركيا كما كانوا قرّروا على‏ إثر الحرب العامة.
أمّا العقيدة الإسلامية فلم تزعزعها حتّى الآن في تركيا هذه السياسة اللادينية، ولا يزال الشعب التركي شديد الاعتصام بعروة الدين الوثقى‏، تدلّ على‏ ذلك المظاهر الدينية في استانبول وغيرها، ممّا لم يخفَ على الإفرنج الذين أشاروا إليه في جرائدهم، ولن يكون خطر على الإسلام من الشعب التركي إلاّ إذ استمرّ الحكم الحالي مدّة طويلة ونشأت الأفواج الجديدة على‏ ما هي عليه من فقد التعليم الديني» (32).
محاولة تغيير الحرف العربي في مصر وإيران‏
وقام آخرون، من الحكّام والكتّاب، بمحاولات كثيرة أُخرى‏ في هذه المرحلة نفسها للقضاء على الخطّ العربي في أجزاء العالم الإسلامي إلاّ أنّها باءت بالفشل جميعاً. ففي إيران نهض رضا خان بهلوي، الدكتاتور الإيراني المعروف، بالمهمّة نفسها، واستخدم مجموعة من الكتّاب لاستبدال الحرف العربي المكتوب بالحرف اللاتيني إلاّ أنّه فشل في ذلك. وفي مصر تبنّى‏ جمع من الكتّاب والصحف هذا المشروع، وكانت مجلّة «المقتطف» المصرية تحمل هذه الدعوة على‏ صفحاتها. يقول د. محمد محمد حسين في كتابه «الاتّجاهات الوطنية»:
«تقدّم عضو من أبرز أعضاء المجمع العلمي المصري، وهو عبد العزيز فهمي، ثالث الثلاثة الذين بني عليهم ـ الوفد المصري ـ في سنة 1943م باقتراح الكتابة العربية بالحروف اللاتينية، وشغل المجمع ببحث اقتراحه عدّة جلسات، امتدّت خلال ثلاث سنوات، ونشر في الصحف، وأُرسل إلى الهيئات العلمية المختلفة» (33).
أتاتورك والدعوة إلى التغريب‏
نقدِّم، في ما يلي، بعض المقاطع من كتاب «أتاتورك» (34) لعرفان أوركا الذي ألّفه
________________________________________
(32)شكيب أرسلان، حاضر العالم الإسلامي، 3/351-353.
(33)د. محمد محمد حسين، الاتّجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، ص 338.
(34)Irfan Orga Margarete; Ataturk, )Michael Josefh Ltd, London( 2691.

[الصفحة - 135]


عن إخلاص وإعجاب بشخصية كمال، وهذه المقاطع من الكتاب تصوّره تصوّراً لا مبالغة فيه ولا تشويه. يقول أوركا:
«لقد اقتنع أتاتورك بأنّ كفاحه يجب أن يتوجّه إلى الدين فإنّه منافسه الأكبر، وكان يعتقد من صغره أنّه لا حاجة إلى اللّه، إنّه اسم غامض، خدّاع، مجرّد من كلّ حقيقة كما كان يقول أتاتورك، وكان لا يؤمن إلاّ بالمشاهد المحسوسة (35)، وكان يرى‏ أنّ الإسلام إنّما ظلّ عاملاً هدّاماً في الماضي، وأنّه قد جنى‏ على‏ تركيا جناية كبيرة، وألحق بها خسائر فادحة. وكان يرى‏ أنّ الناس أصبحوا فريسة الأوهام والجمود بتأثير الإسلام، وكان يبغض الرجل الذي يخضع للقضاء والقدر، ويقول: «هكذا أراد اللّه»، و«هذا الذي قدّر لي». ويعتقد أنّه لا وجود للإله، والإنسان يصنع قدره. وكان يقول في أكثر الأحيان: إنّ قوّة العقل وقوّة الإرادة تتغلّبان على‏ قوّة الإله، ولكن يقول المتديّنون: «اللّه يمهل ولا يهمل»، وكان يقول ألَم يطّلع هؤلاء المتديّنون على الطاقة الكهربائية التي تشتغل بسرعة؟ وكان مصمّماً على‏ سنّ قانون لتحريم الدين في تركيا. ولو احتاج ذلك إلى‏ استخدام القوّة وإلى الخدعة والتضليل» (36).
ويقول في موضع آخر: «ولم يكن لديه معنى‏ لمبادى‏ء علم النفس وللنظريات والفلسفات، لذلك لم يمنعه شي‏ء عن أن يعتبر الدين غير لازم لتركيا، شيئاً لا حاجة إليه ولكنّ الذي أعطاه للأُمّة التركية عوضاً عن الدين هو الإله الجديد أي الحضارة الغربية».
ويقول في موضع آخر: «وكان يبغض الإسلام والعقيدة الصحيحة الراسخة بغضاً شديداً. وكان يقول: يجب أن نكون رجالاً من كلّ ناحية، قد قاسينا خطوباً ومصائب عظيمة، وكان السبب في ذلك أنّنا عشنا في عزلة عن الحياة، ولم نحاول معرفة اتّجاه العالم، ويجب أن لا نحفل بما يقول الناس، نحن في طريق الحضارة والمدنية، ويجب أن نعتزّ بذلك ونفتخر. أنظر إلى المسلمين، في نواحي العالم الإسلامي، ماذا يعانون من المصائب والنوازل والدمار، لماذا؟ لأنّهم لا يستطيعون أن يستخدموا عقولهم للانسجام مع الحضارة السامية المشرقة، وهذا هو السبب في بقائنا مدّة طويلة في الحضيض ووراء الركب وتردّينا الآن إلى الهوّة السحيقة، وإن استطعنا في السنوات الماضية أن ننجح إلى‏ حدٍّ في إنقاذ أنفسنا فذلك
________________________________________
(35)ذکر المؤلف في کتابه أنّ کمال، في آخر عهده، کان یرفع قبضتة، ویشیر بها إلی السماء ساخراً و مهدّداً
(36)المصدر نفسه، ص 237 و238.

[الصفحة - 136]


لأنّ عقليّاتنا قد تطوّرت، ولكنّنا لا نقف على‏ مكان بل إنّنا نهضنا لنتقدّم ونواصل السير إلى الإمام، فليحدث ما يحدث، ليست لنا الآن طريق أُخرى‏، ويجب أن تعلم الأُمّة أنّ الحضارة نار ملتهبة تحرق جميع من لا يخضع لها» (37).
دور أتاتورك في إلغاء الدولة العثمانية:
ويقول مؤلف كتاب أتوتورك: «لم يكن سرّاً أنّ مصطفى‏ كمال لا يدين بدين، لذلك كان شائعاً بين الناس أنّ العلاقة ستلغى‏ قريباً، وقد فزع الناس حين شاع أنّ مصطفى‏ كمال رمى المصحف على‏ رأس شيخ الإسلام الذي كان من كبار علماء الإسلام وشخصية محترمة، ولم يكن جزاء ذلك إلاّ أن يلقى‏ حتفه لساعته، ولكنّ ذلك لم يحدث ويدلّ ذلك على‏ أن الزمن قد تطوّر كثيراً» (38).
ويذكر المؤلف حبّه وغرامه بالحضارة الغربية وما كان لها في نظره من القدس والحرمة، وكيف كانت تسيطر على‏ عواطفه وتتغلغل في عروقه ودمه، فيقول: «إنّ مصطفى‏ كمال كان يتمسّك إلى‏ حدٍّ كبير بما يلقي ويقول ويأمر الناس، وكان يعبد هذا الإله الجديد (الحضارة الحديثة) بحماس ونهم، وكان له عابداً وفيّاً، وقد نشر هذه الكلمة (الحضارة) من أقصى البلاد إلى‏ أقصاها، وعندما كان يتحدّث عن الحضارة تتّقد عيناه لمعاً وإشراقاً، ويظهر على‏ وجهه إشراق كإشراق الصوفية عند مراقبة الجنّة» (39).
«يقول مصطفى‏ كمال لشعبه: يجب علينا أن نلبس ملابس الشعوب المتحضّرة الراقية، وعلينا أن نبرهن للعالم أنّنا أُمّة كبيرة راقية، ولا نسمح لمن يجهلنا من الشعوب الأُخرى‏ بالضحك علينا، وعلى‏ موضتنا القديمة البالية. نريد أن نسير مع التيّار والزمن» (40).
ثمّ يقول المؤلف: «انطلق كمال أتاتورك يكمل عمل التحطيم الشامل الذي شرع فيه، وقد قرّر أنّه يجب علينا أن نفصل تركيا عن ماضيها المتعفّن الفاسد. يجب عليه أن يزيل جميع الأنقاض التي تحيط بها، وهو حطّم فعلاً النسيج السياسي القديم، ونقل السلطنة إلى‏ «ديمقراطية»، وحوّل الإمبراطورية إلى‏ قطر فحسب، وجعل الدولة الدينية جمهورية عادية.
إنّه طرد السلطان (الخليفة)، وقطع جميع الصلات عن الامبراطورية العثمانية. وقد
________________________________________
(37)المصدر نفسه، ص 246.
(38)المصدر نفسه، ص 276.
(39)المصدر نفسه، ص 233.
(40)المصدر نفسه، ص 270.

[الصفحة - 137]


بدأ الآن في تغيير عقلية الشعب بكاملها، وتصوّراته القديمة وعاداته ولباسه وأخلاقه وتقاليده وأساليب الحديث ومنهاج الحياة المنزلية التي تربطه بالماضي وبالبيئة الشرقية. لقد كان ذلك أصعب بكثير من تكوين الجهاز السياسي من جديد. وكان يشعر بصعوبة هذه العملية، فقد قال مرّة: «انتصرت على العدوّ وفتحت البلاد، هل أستطيع أن أنتصر على الشعب» (41).
«قدّم مصطفى‏ كمال، في 3 آذار سنة 1924م مشروعاً تحوّلت به الدولة العثمانية إلى‏ دولة تركية، وألغى‏ منصب الخليفة. وقد كان مصطفى‏ كمال صريحاً وجريئاً في حديثه عن هذا الموضوع، فقال: إنّ الامبراطورية العثمانية قامت على‏ أُسس الإسلام، إنّ الإسلام بطبيعته ووضعه عربي، وتصوّراته عربية، وهو ينظّم الحياة ـ من ولادة الإنسان إلى‏ وفاته ـ ويصوغها صياغة خاصّة، ويخنق الطموح في نفوس أبنائه، ويقيّد فيهم روح المغامرة والاقتحام، والدولة لا تزال في خطر ما دام الإسلام دينها الرسمي».
«كان ما قرّره البرلمان لم يسترع الانتباه إلاّ قليلاً، كان ذلك في الواقع ضربة قاضية على الإسلام، وأصابه في المقتل، وقد كان قراره توحيد المعارف بعيد الأثر في نظام الثقافة والتعليم، فقد استحوذت بذلك وزارة المعارف العمومية على الجهاز التعليمي كلّه في حدود الجمهورية، ووضعت يدها عليه، وقد شلّ هذا التطوّر نشاط المدرسة وحريّة الأساتذة والمعلمين الذين كانوا يباشرون التدريس فيها».
بين أتاتورك ومعاصره هتلر
وقد تحدّث المؤرّخ الكبير أرنولد توينبي، في كتابه )AStudy Of History( ببلاغة عن مدى التأثّر الذي أحدثه تغيير الحروف في تركيا وذكاء كمال في اختيار أفضل الطرق لذلك. يقول: «قد شاع في الناس أنّ مكتبة الإسكندرية التي كانت تضمّ ذخائر أكثر من تسعة قرون علمية سجر بها الناس التنّور لتسخين الماء للحمّامات» (42).
وقد قام هتلر، في عصرنا هذا، مستخدماً كل وسيلة، بإتلاف الذخائر العلمية التي تعارض فكرته وإبادتها وقد جعل حدوث المطابع نجاح هذه العملية شبه مستحيل. وقد كان مصطفى‏ كمال، معاصر هتلر، أكثر توفيقاً وذكاءً في إيثار الطريقة التي تضمن نجاحه، كان دكتاتور تركيا يريد أن يحرّر مواطنيه وعقلياتهم من أجواء المدنية الطورانية التي ورثوها،
________________________________________
(41)Greywoolf, ص 287.
(42)يشير إلى‏ قصّة حريق مكتبة الإسكندرية وأسطورتها التي خلاصتها أنّه احرقت هذه الذخائر العلمية بأمر من الخليفة، وقد تحقّق تأريخياً أنّ هذه الرواية لا أصل لها.

[الصفحة - 138]


ودرجوا عليها، ويصوغهم بقوة في صياغة الحضارة الغربية، وقد اقتصر على‏ تحويل حروف الهجاء مكان إحراق الكتب، وقد استغنى‏ بذلك عن تقليد امبراطور الصين أو الخليفة العربي، وقد أصبحت الذخائر الكلاسيكية كالكتب الفارسية والعربية والتركية لا تتناولها أيديهم وأصبحت أجنبية لا تبلغها مداركهم، وأصبح إحراق الكتب عملاً لا لزوم له، لأنّ حروف الهجاء قد أُلغيت، وقد كانت مفتاح هذا النتاج العلمي والإفادة منه، وبذلك ستظلّ هذه المشاعر مقفلة في الدواليب ينسج عليها العنكبوت ولا يطمح في قراءتها إلاّ بعض الشيوخ المسنّين من العلماء» (43).
تهديم الفصحى‏
وعمد دعاة الانسلاخ الحضاري إلى‏ لغة القرآن، بعد ذلك، فحاولوا أن يحجبوها عن حياتنا اليومية، في مجال الصحافة والأدب والإذاعة والكتابة والقصّة والخطابة، وعملوا على‏ تحجيم مساحة لغة القرآن (الفصحى‏) ودورها في حياتنا واستبدالها باللغة العامية.
وليس من بأس بعد ذلك ـ يقول هؤلاء ـ على‏ صلة الناس بكتاب اللّه وحديث رسول اللّه(ص) ومصادر الثقافة والتشريع الإسلامي، فإنّ بإمكان العرب أن يحتفظوا بلغتهم الفصحى‏ لهذا المجال الخاص المحدود، وبقدر ما يؤدّي هذه الخدمة المحدودة.
يقول طه حسين في ذلك، وهو من الروّاد الأوائل لهذه الدعوة القائلة بإلغاء لغة القرآن من حياتنا اليومية والثقافية: «وفي الأرض أُمم متديّنة، كما يقولون، وليست أقلّ منّا إيثاراً لدينها، ولا احتفاظاً به، ولا حرصاً عليه، ولكنّها تقبل، في غير مشقّة ولا جهد، أن تكون لها لغتها الطبيعية المألوفة التي تفكّر بها، وتصطنعها لتأدية أغراضها.
ولها في الوقت نفسه لغتها الدينية الخالصة التي تقرأ بها كتبها المقدّسة، تؤدّي فيها صلواتها. فاللاتينية مثلاً هي اللغة الدينية لفريق من النصارى‏، واليونانية هي اللغة الدينية لفريق آخر، والقبطية هي اللغة الدينية لفريق ثالث، والسريانية هي اللغة الدينية لفريق رابع، وبين المسلمين أنفسهم امم لا تتكلّم العربية، ولا تفهمها، ولا تتّخذها أداة للفهم والتفاهم، ولغتها الدينية هي اللغة العربية، ومن المحقّق أنّها ليست أقلّ منا إيماناً بالإسلام، وإكباراً وذياداً عنه، وحرصاً عليه»(44).
________________________________________
(43)الندوي، الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية، مصدر سابق، ص 62.
(44)مصدر سابق، ص 229-230.

[الصفحة - 139]


مؤامرة حجب الأُمّة عن تراثها وراء القضاء على الفصحى‏
ولا يتمثل الأمر، كما يقول هؤلاء، بالحرص على‏ تيسير الحياة للناس، وإنّ الفصحى‏ هي العقبة في طريق هذا التيسير. فقد بقيت الفصحى‏ أداة التفاهم والتفكير ووسيلة المسلمين جميعاً ـ وليس العرب فقط ـ في حياتهم العقلية والأدبية خلال هذه القرون الأربعة عشر، وظلّت اللغة العربية الفصحى‏ تطاوع الشعر والنثر من القديم والجديد، وتطاوع العلم والدين في هذه العصور الطويلة، وتستجيب لكلّ ألوان الأدب من الجدّ والهزل والحماس والغزل والرثاء، ولم تتخلّف اللغة العربية، في وقت من الأوقات، بما فيها من مرونة وطواعية، عن الاستجابة لحاجات الإنسان.
لا يكمن الأمر إذاً في عجز الفصحى‏، ولا في الحرص على‏ تيسير اللغة العربية للعرب، وليست اللهجات العامية أطوع للإنسان العربي المعاصر في حياته العقلية والأدبية والسياسية والمعاشية من الفصحى‏، إن لم يكن العكس، وإنّما الأمر كلّه يكمن في محاولة حجب «الفصحى‏» عن حياة العرب العقلية والأدبية والسياسية واستبدالها بالعامية لتحجب هذه الأُمّة عن الاتّصال المباشر بمصادر التشريع والفكر والثقافة الإسلامية، وتنقطع عن التأريخ والتراث والماضي والحضارة، وتحرم من الارتواء المباشر من القرآن والحديث، ولكي يسهل بعد ذلك دفع هذه الأُمّة إلى‏ أحضان الشرق والغرب أو إرجاعها إلى الحضارة الجاهلية الأُولى‏: (الحضارة الفرعونية) و(المجوسية) و(الآشورية) و(الأكدية)... وغيرها.
الدراسات الأكاديمية للّهجات العامية
وقد استخدمت، لتحقيق هذه الغاية، مجامع اللغة العربية، وكراسي الدراسات في الجامعة، وكبريات المجلات العلمية والأدبية في العالم العربي الإسلامي. يقول أحمد حسن الزيات صاحب مجلتي الرسالة والرواية:
«إنّ المحافظين من شيوخ الأدب قد سيطروا عليه ـ مجمع اللغة العربية في القاهرة ـ في أوّل نشأته، ثمّ انتهى‏ زمامه إلى‏ الكتّاب والصحفيين الذين نبّهوا المجمع إلى‏ أهمية
________________________________________

[الصفحة - 140]


العامية وإلى‏ خطورة جمود اللغة بتخلّفها عن مسايرة الزمن» (45).
«وقد نجح أصحاب هذه الدعوات، بوسائلهم المختلفة، في إدخال دراسة ما يسمّونه «الأدب الشعبي» في كلّ أقسام اللغة العربية بكليات الآداب، وفي كلية دار العلوم، وفي كلية اللغة العربية بالأزهر، بل نجحوا في إنشاء كرسي لأساتذة هذه المادة في قسم اللغة العربية بجامعة القاهرة، وأصبحت دار العلوم مركز الثقل في هذه الدعوة بعد أن اجتمع فيها أكبر عدد من المختصّين في هذه الدراسة، وانبرى‏ عدد من الكتّاب للكتابة بالعامية، وبشكل خاصّ القصّة وبشكل أخصّ الحوار فيها، ومنهم الدكتور محمد حسين هيكل في قصّته المعروفة «زينب» وغيره من الكتّاب.
وألّف القاضي ولمور كتاب «لغة القاهرة» ووضع لها فيه قواعد، واقترح اتّخاذها لغة للعلم والأدب، كما اقترح كتابتها بالحروف اللاتينية، وتنبيه الناس للكتابة بها، وأشادت به «المقتطف» في باب التفريط والابتعاد، وهاجمتها الصحف مشيرة إلى‏ موضع الخطر من هذه الدعوة التي لا تقصد إلاّ إلى‏ محاربة الإسلام في لغته» (46).
وضع اليد على المدارس‏
وعمدوا إلى الدراسة في مختلف مستوياتها، فوضعوا أيديهم على المدارس، وأسّسوا مدارس كثيرة في العالم الإسلامي، ووجّهوا هذه المدارس باتّجاه استئصال الجيل الجديد عن ماضيه وتراثه وتعويمه على السطح.
وتولّى التبشير المسيحي حصّة الأسد من هذه المهمّة، إلاّ أنّه لم يكن الهدف من ذلك توجيه الجيل إلى المسيحية، وإنّما كان الهدف استئصال الجيل عن أصوله وجذوره الحضارية.
وقد شكى المبشّرون، في عدد من المؤتمرات التبشيرية، من إخفاقهم في تحويل المسلمين إلى النصرانية: «فقام القسّ صموئيل زويمر يقول، في نهاية هذا المؤتمر، إنّ الخطباء قد أخطأوا أيّما خطأ، وإنّه ليس الهدف الحقيقي للتبشير هو إدخال المسلمين في النصرانية، وإنّما الهدف هو تحويل المسلمين من التمسّك بدينهم، وفي ذلك نجحنا نجاحاً باهراً عن طريق مدارسنا الخاصّة وعن طريق المدارس الحكومية التي تتبع مناهجنا» (47).
________________________________________
(45)اللغة العربية بين الفصحى‏ والعامية: 81-82، كما ذكره الدكتور محمد محمد حسين في «حصوننا مهدّدة من الداخل، ص 204».
(46)الاتّجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، مصدر سابق، 2/135.
(47)معركة التقاليد، ص 180.

[الصفحة - 141]


وقد استطاع الغزاة، في هذه المرحلة أن يضعوا أيديهم على المدارس ومعاهد التثقيف في بلادنا بمساحة واسعة جدّاً.
يقول الجنرال «بيير كيللر» عن المعاهد الفرنسية في لبنان:
«فالتربية الوطنية كانت بكاملها تقريباً في أيدينا بداية حرب عامي (1914 - 1918)» (48).
وقد أدرك الغزاة الغربيون أنّ هذه المدارس والكليات والمعاهد هي أفضل السبل لقطع هذا الجيل عن تراثه، وقطع التراث عن هذا الجيل ثمّ إشباعه بالفكر الغربي والحضارة الأوروبية.
وقد عبّر اللورد لويد، حين كان مندوباً سامياً لبريطانيا في مصر، عن هذه الأهداف في خطبته التي ألقاها في كلية فيكتوريا الإسكندرية 1926؛ حيث قال:
«علينا أن نقوّي كلّ ما لدينا من وسائل التفاهم المتبادل بين البريطانيين والمصريين، وقد كان هذا التفاهم المتبادل غاية «لورد كرومر» من تأسيس كلية فكتوريا بوجه عام، وليس من وسيلة لتوطيد هذه الرابطة أفضل من كلية تعليم الشبّان من مختلف الأجناس».
ثمّ يقول عن الطلبة: «وهؤلاء لا يمضي عليهم وقت طويل حتّى‏ يتشبّعوا بوجهة النظر البريطانية بفضل العِشرة الوثيقة بين المعلمين والتلاميذ» (49).
لا نريد أن نطيل الوقوف عند هذه النقطة، وبإمكان القارى‏ء أن يرجع إلى‏ كتب مثل: «الغارة على العالم الإسلامي» و«الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر» للدكتور محمد محمد حسين، و«التبشير والاستعمار» للدكتور مصطفى الخالدي والدكتور عمر فروخ، ليعرف أبعاد هذه المؤامرة الكبرى‏ على‏ ثقافة هذا الجيل وفكره.
وبعد، فهذه نبذة قصيرة عن المحاولات الطويلة والكثيرة التي يقوم بها دعاة التغريب والغزاة الذين دخلوا بلادنا لعزل هذا الجيل عن حضارته وتراثه وماضيه.
نتائج وإفرازات المؤامرة الكبرى‏
تتّجه هذه المحاولات جميعاً باتّجاه قضية واحدة، هي قطع الجسور الحضارية التي
________________________________________
(48)الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، مصدر سابق، 2/266.
(49)الاتجاهات الوطنية في الأدب العربي المعاصر، 2: 267-268.

[الصفحة - 142]


تربط أجيال هذه الأُمّة بعضها ببعضها الآخر، وتربطها جميعاً بالينابيع الأولى‏ لهذا الدين. وهذه الجسور هي التي تنقل المواريث الحضارية على الأخلاق والفكر من جيل إلى جيل، فإذا انقطعت هذه الجسور لا تبقى‏ هناك صلة في الفكر والأخلاق والثقافة بين هذه الأجيال.
وقد عمد الغزاة ودعاة التغريب إلى‏ هذه الجسور، واحد بعد آخر، فهدموها أو استولوا عليها، فعمدوا إلى الخطّ العربي، وحاولوا تغييره إلى الحروف اللاتينية، وعمدوا إلى الفصحى‏ وعملوا على‏ تغييرها إلى اللهجات العامية، وعمدوا إلى المدارس وحاولوا أن يضعوا أيديهم عليها وعلى‏ مناهجها وأساتذتها وكتبها بشكل كامل، وعمدوا إلى‏ احتواء المساجد والحوزات والجامعات الإسلامية، وحاولوا أن يضعوا أيديهم عليها، حتّى‏ عاد انتخاب شيخ الأزهر ـ وهو شيخ الإسلام ـ لا يتمّ إلاّ بقرار من رئيس الجمهورية (50).
وعمدوا إلى الأُسرة والبيت فسعوا لإفسادها، وبعث الميوعة والتحلّل فيها، وتعطيل دورها الأساس في تصدير القيم والمواريث الحضارية من جيل إلى‏ جيل، وهكذا سعى‏ دعاة التغريب والغزاة إلى‏ انسلاخ هذا الجيل عن تراثه وحضارته وماضيه، بشكل كامل، وتعويمه على السطح، وبتره عن كلّ أصوله الحضارية.
بعث الحضارات الجاهلية من تحت الأنقاض‏
وبعد، فليس السبب في ذلك كلّه الصراع بين القديم والجديد، كما يحبّ دعاة التجديد والتغريب أن يفسِّروا الأمور. وإنّما السرّ في هذه المحاولات والأعمال جميعاً حجب هذا الجيل عن الإسلام بالخصوص، وليس عن القديم والماضي بشكل عام.
والدليل على‏ ذلك أنّ دعاة «الحداثة» و«التجديد» هؤلاء بالذات، يمدّون نوعاً آخر من الجسور الحضارية لربط هذا الجيل، عبر الإسلام العظيم، بالجاهليات الأُولى‏، في مصر، وفي العراق، وفي إيران، وفي تركيا، وفي الشام، وفي سائر أجزاء العالم الإسلامي.
ولقد كان بالإمكان أن نفهم أنّ طبيعة هذا الصراع بين القديم والجديد لولا أنّنا نلتقي عبر دعاة التجديد والتغريب والحداثة بالحضارات الفرعونية في مصر والساسان في إيران
________________________________________
(50)بموجب المادتين (5) و(7) من القانون 103 لسنة 1961فم، بشأن تنظيم الأزهر.

[الصفحة - 143]


والبابلية في العراق والطورانية في تركيا...الخ.
ونرى‏، بشكل واضح، أنّ هؤلاء يسعون سعياً حثيثاً لبعث الحضارة الفرعونية، والهخامنشية، والساسانية، والبابلية، والطورانية في حياة هذه الأُمّة من جديد، بكلّ الوسائل الممكنة وفي كلّ الميادين، في الأدب شعراً ونثراً، وفي النحت والقصة والتمثيل والسينما والصحافة والكتب المدرسية وفي الأزياء والفنّ المعماري وفي تسمية الساحات والميادين والشوارع والمحلات والحدائق. وقد استخدم دعاة الحداثة كلّ الوسائل الممكنة لبعث هذه الحضارات الجاهلية في حياة الأُمّة من جديد.
دور الفولكلور في إحياء الحضارات الجاهلية
ومن هذه الوسائل «الفلولكلور» وما أدراك ما الفولكلور؟ وما دور الفولكلور في إحياء العلاقات والتقاليد والطقوس والأساطير والخرافات التأريخية الجاهلية وإبرازها؟ وحتّى الرقص والغناء والأزياء والأهازيج ممّا كان قائماً في المجتمعات والأُمم الجاهلية قبل عشرات القرون، وأكل عليها الزمان وشرب، وقد توسّع عندنا هذا النمط من الدراسات التأريخية للفنون والعادات والتقاليد والطقوس الشعبية (الفولكلور) إلى‏ حدّ الإسفاف والجنون، حتّى‏ أصبح أكثر من الهمّ على القلب.
وولع المسؤولون، عندنا، بشكل ملحوظ بإبراز الفراعنة والملوك الجاهليين في المجتمع الإسلامي في الميادين والساحات والشوارع والمطاعم والكازينوهات ودور السينما وفي محطات الوقود والمعامل، حتّى‏ أصبح من الأُمور المألوفة والعادية جدّاً أن تلتقي بشارع «رمسيس»، ومطعم «كوروش»، وسجائر «حمورابي» وأمثال ذلك في حين اختفى‏ من مجتمعاتنا أسماء «أبي ذرّ» و «سلمان الفارسي» و «صهيب الرومي» و «عمّار بن ياسر» و «مصعب بن عمير» وغيرهم.
يقول جب في كتابه «وجهة الإسلام»: «كان من أهمّ مظاهر فرنجة العالم الإسلامي تنمية الاهتمام ببعث الحضارات القديمة التي ازدهرت في البلاد المختلفة، التي يشغلها المسلمون الآن، فمثل هذا الاهتمام موجود في تركيا وفي مصر وفي أندونيسيا وفي العراق وفي إيران».
________________________________________

[الصفحة - 144]


ومن الأدوات التي استعملها الغزاة، في بعث الحضارات الجاهلية من تحت الأنقاض، ومن تحت طبقات الأرض إلى‏ حياة الأُمّة من جديد: الآثار.
دور «الآثار» في بعث الحضارات الجاهلية
وقد اهتمّ دعاة التجديد والتغريب والغزاة بمسألة الآثار بشكلٍ ملفتٍ للنظر، وبذلت الدول عندنا بالتعاون مع الهيئات الدولية واليونسكو مبالغ طائلة لإقامة المتاحف، وبعث الآثار القديمة للحياة الجاهلية في حلّة قشيبة. وكما إنّ الاهتمام بالفولكلور وإحياء الفنون والعادات الجاهلية لم يكن شيئاً طبيعياً في حياتنا، كذلك الاهتمام البالغ بالآثار «بهذه الحالة من المبالغة» وصرف المبالغ الطائلة في تجميع الآثار وعرضها لم يكن شيئاً طبيعياً أبداً، وعندما نتابع خيوط هذه الأعمال ننتهي إلى‏ جذور صهيونية صليبية. يقول محمد الغزال:
«وصحب هذه الدعوة نشاط البعوث الأجنبية في التنقيب عن الآثار والدعاية لما يكتشف منها: فملأوا الدنيا كلاماً عن قبر «توت عنخ آمون» الذي اكتشفه اللورد «كارنافون» وقتذاك، وعرض الثري الأمريكي «روكفلر» تبرّعه بعشرة ملايين من الدولارات لإنشاء متحف الآثار الفرعونية، يلحق به معهد لتخريج المتخصّصين في هذا الفنّ، و«روكفلر» كما هو معروف، يهودي الأصل وهو من الصهيونيين، وسخاؤه بهذا المبلغ الضخم يدلّ على‏ ما في هذا الاتّجاه من مصلحة ظاهرة للصهيونية» (51).
وفي العراق عقدت الدولة مؤتمر «بابل وآشور» سنة 1991، ودعت لحضوره علماء الآثار من مختلف دول العالم، وقامت بمشروع إحياء مدينة «آشور» في الموصل ومدينة «بابل» في الحلّة. وقد كلّف إحياء مدينة «بابل» ميزانية الدولة 12 مليون دينار، كما غيّرت أسماء المدن إلى‏ أسماء تعود لحضارات جاهلية بائدة كالموصل والحلّة إلى «نينوى» و«بابل».
وفي إيران، توجّه الشاه باتّجاه قطع علاقة الأُمّة بالإسلام، وربطها بالحاضرة المجوسية الهخامنشية والساسانية، ومن الأعمال التي قام بها، بهذا الصدد، إلغاء التأريخ الهجري واستبداله بالتأريخ الشاهنشاهي وحوّل السنة من 1320 الهجرية الشمسية، وهي السنة التي تولّى فيها الحكم في إيران، إلى‏ سنة 2500 شمسية شاهنشاهية، وقد أقرّ
________________________________________
(51)محمد غزال، حقيقة القومية العربية: 205. والإسلام يهتمّ بالآثار، ولكن على‏ أن تكون مادّة للاعتبار والعبرة لا الغرور والاغترار.

[الصفحة - 145]


البرلمان ومجلس الأعيان ذلك في اجتماع مشترك (52).
وأحيا الشاه ذكرى‏ مرور 2500فسنة على الحضارة المجوسية باحتفالات ضخمة في خرائب «پرسپوليس» (تخت جمشيد) بالقرب من شيراز، ودعا إلى‏ هذه الاحتفالات الملوك والرؤساء، وأنفقت الدولة على‏ هذه الاحتفالات 100 مليون دولار في خياطة الأزياء القديمة وتصنيع الحلى والشوارب والعربات القديمة. ويكفي أن نقول إنّ نظام الشاه أعطى‏ لكاتب سيناريو أمريكي 100.000.000 مئة مليون تومان (53) لإعداد فيلم «كوروش الكبير» لعرضه في الدول الأوروبية (54)، والشواهد على‏ اتجاه بعث الحضارات الجاهلية في العالم الإسلامي، بمختلف الوسائل، كثيرة.
خاتمة
وهكذا نرى أن الهدف، من الصراع بين القديم والجديد، ليس الانفتاح على العلم والتصنيع المتطوّر في الغرب، فإنّ الدعوة إلى الانفتاح على العلم والصناعة تدخل في صلب التعاليم الإسلامية، وإنّما كان الغرض من هذه المحاولات والمؤامرات جميعاً قطع هذا الجيل عن ماضيه وحضارته وجذوره الحضارية، وتفريغه من محتواه الحضاري والتأريخي وتعويمه.
وقد كانت هذه العملية تنطوي على‏ خطوتين:
في الخطوة الأُولى‏ توجّه الغزاة إلى الدعوة إلى انسلاخ هذه الأُمّة عن حضارتها وماضيها، وفي الخطوة الثانية تبنّى الغزاة الدعوة إلى‏ مسخ هذا الجيل حضارياً بربطه بالحضارات الجاهلية البائدة وإحياء هذه الحضارات من جديد وإخراجها من تحت ركام الأنقاض والقرون وبعثها من جديد وربط هذا الجيل بها عبر الإسلام العظيم. وقد كانت الأنظمة والحكّام ومن يسيرون خلفهم يبذلون الأموال الطائلة، ويستخدمون الإمكانات الكبيرة، ويقيمون الاحتفالات والمؤتمرات الكبرى‏، لتمرير المؤامرة على‏ هذه الأُمّة وبترها واجتثاثها من حضارتها وتراثها والقيام بعملية ترقيعية مخجلة في مدّ الجسور بين هذا الجيل وحضارة الفراعنة والمجوس والأكاسرة والبابليين والآشوريين والطورانيين.
وإنّ الإنسان ليعجب ويأسف أن تمرّ مثل هذه المؤامرة المخجلة على‏ هذه الأُمّة في
________________________________________
(52)الدكتور السيد جلال الدين المدني، تاريخ سياسي إيران، 2/233.
(53)بحدود 000,000,14 دولار.
(54)سرهنك أحمد ودي، تاريخ نيم قرن جنايت، ص 180.

[الصفحة - 146]


وضح النهار لمسخ عقلية الأُمّة ونهب تراثها وحضارتها من دون مقاومة تذكر مدّة طويلة من الزمان، حتّى‏ شاء اللّه تعالى‏ إيقاظ هذه الأُمّة من رقدتها الطويلة وتنبّهها إلى الأخطار المحدقة بها.
________________________________________

[الصفحة - 147]

 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف