البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

المرأة والنَّص هوامش نقدية على مقالة «حقوق المرأة في الإسلام بين النَّص والممارسة»

الباحث :  الشيخ زين العابدين شمس الدين
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  27
السنة :  السنة السابعة خريف 1423هجـ 2002 م
تاريخ إضافة البحث :  February / 17 / 2015
عدد زيارات البحث :  1020

المرأة والنَّص هوامش نقدية على مقالة «حقوق المرأة في الإسلام بين النَّص والممارسة»

الشيخ زين العابدين شمس الدين (*)

مقـدمـــــة
كثيراً ما تعالج مسألة حقوق المرأة، في الإسلام، بعيداً عن مرتكزاتها النَّصِّيَّة، ويُقْتَصر فيها على الإشارة إلى بعض التشريعات الإسلامية المتعلِّقة بالمرأة التي توصف بأنها متنافية وحقوقها في أحيان كثيرة، فيدور السجال حولها مدّاً وجزراً في صراع بين النفي والإثبات لا يمكن لفصوله أن تنتهي أبداً، ويتجدَّد هذا السجال مع كل فكرة تطرح أو مفردة تنقض أو أمر يراد البرهنة على خلافه.
من هنا كانت الحاجة إلى إعادة النظر في الموروث الديني ـ بشكل عام، والمتعلِّق بالمرأة بشكل خاص ـ على ضوء النص، ما يقتضي فتح الطريق أمام قراءة ما قاله المتقدِّمون في مسألة المرأة بالذات قراءة نقدية يستخرج فيها الغث من السمين، وتؤدي إلى تكامل العلوم والمعارف في هذه الموضوعات وأمثالها، ومن دون الرجوع إلى النص تغدو تلك العملية صعبة للغاية. ونحن، في هذه القراءة النقدية، نكون قد مارسنا حقنا في النقد والتفكير وقراءة تراثنا بما يتوافق مع حاجاتنا ومتطلباتنا التي نعيشها في واقعنا المعاصر، ونكون قد أبقينا الباب مفتوحاً أمام الاجتهاد الذي يعدّ الروح الأساسية للتشريع الإسلامي، إذ لولا الاجتهاد لتجمّد هذا الدين وتقوقع في زاوية من زوايا التاريخ، ولبقي مجرد تجربة يقرؤها اللاحقون من البشر، من دون أن يضخ بتلك الحيوية التي يحظى بها الآن.
________________________________________
(*)باحث من لبنان

[الصفحة - 169]


كما أن هناك أهمية خاصة لقراءة المرأة نفسها للقضايا المتعلِّقة بالمرأة في النصوص الدينية والتاريخية، إلى جانب قراءة الرجل لها، إذ إن الاقتصار على قراءة أحدهما من دون الطرف الآخر، قد يؤدي إلى بعض الضعف العلمي، من مظاهره استبداد أحد الطرفين بتسليط رأيه ونظره الخاص على الطرف الآخر. إضافةً إلى أن قراءة المرأة للمرأة مع قراءة الرجل لها، تنطوي على أهمية مضاعفة، تتمثل في انبثاق الإشكاليات التي تثار أو تُعالَج، من صميم الواقع المعيش للباحث، كما أنّ تنوّع الإطلالة على الإشكاليات المتعلقة بالمرأة، أو الحلول المفترضة لها، يعطي فرصة أكبر للدخول في حوار هادى بعيداً عن الحوار المنطلق من إثبات الذات وإفناء الآخر، أو المبني على شعور بالنقص أو الاستعلاء. كما يؤدي أيضاً إلى تكامل القراءة إلى الحد الذي يقترب بها من النتيجة المتوخَّاة.
من هنا احتوى البحث الذي تفضَّلت به، مشكورة، الدكتورة دلال عباس في مجلة «المنهاج»، العدد السادس والعشرين، تحت عنوان: «حقوق المرأة في الإسلام بين النص والممارسة»، على مميزات خاصة قد تكون مفقودة في غيره مما كتب في هذا المجال، كما تضمن بعض الصفات التي تمت الإشارة إليها سابقاً، ما جعله مستحقاً لأن تضاف إليه بعض الهوامش: النقدية تارة، والتوضيحية أخرى، لإتمام الفائدة التي بدأتها الدكتورة في طرق مثل هذه الأبحاث، وإهابة بها لأن تتناول غير هذه المسائل المتعلقة بالمرأة بجدية وموضوعية أكبر.
وسوف نقتصر، في هذه الهوامش، على الإشارة فقط إلى ملاحظات منهجية عامة في هذا المقال ـ من دون ذكر الإيجابيات التي يحتوي عليها لكثرتها ـ تاركين الدخول في متابعة المفردات أو ملاحقة الجزئيات المثارة، وسوف نعرض عن ذكر مضمون المقال المذكور اعتماداً على مراجعته من قبل المهتمّين في العدد آنف الذكر من «المنهاج».
المعالجة الموضوعية لإشكاليات المرأة
ثمّة ملاحظة تكاد تكون منسحبة على جلّ من طرق باب البحث في موضوع حقوق المرأة في الإسلام، وهي أن أغلب الباحثين ـ والمسلمين منهم على وجه
________________________________________

[الصفحة - 170]


الخصوص ـ قد جروا في معالجتهم لهذا الموضوع على منوال الباحثين الغربيين والمستشرقين في القرون المتأخرة، الذين كانوا يتناولون موضوع المرأة في الإسلام من جهة ما فيه من إشكاليات تشريعية تخالف في نظرهم الواقع الغربي المعيش عندهم، ناسبين تلك «المخالفة» إلى معارضتها لحقوق المرأة، فنرى أن الباحث المستشرق لم يثر اهتمامه في التشريعات الإسلامية أكثر من أن المرأة المسلمة قد وقعت تحت وطأة الرجل في ما يتعلق بالطلاق والزواج المتعدد والإرث و...، متغافلًا ما أحدثته موجة الحداثة المتنامية في العالم اليوم من خلل في حقها.
وقد جرى الباحث المسلم على ذلك من دون أن يحاول قراءة موضوع المرأة قراءة شمولية، مستعرضاً الإشكاليات التي تحيط بها في التشريعات الوضعية عند الغربيين، والتي كثيراً ما تتنافى مع حقوقها من حيث هي امرأة، بمعنى أن تتم الدعوة لمعالجة الإشكاليات الخاصة بالمرأة في واقعنا المعاصر وفقاً للحلول الأخلاقية التي تفرضها طبيعة حقوق المرأة نفسها، بعيداً عن النظر إليها ومعالجتها من جانب الحلول المطروحة من قبل التشريع الإسلامي والحقوق الإسلامية المتعلقة بها. فعلى سبيل المثال، قلّما نرى باحثاً تناول إشكالية استخدام جسد المرأة وسيلةً من وسائل الإنتاج من منظارها الحقوقي والتقنيني، كتناوله الإشكاليات المترتبة عليها في التشريعات الإسلامية، إضافةً إلى أنه لم تتم بعدُ صياغة حقوقية متكاملة يؤخذ فيها بعين الاعتبار التشريعات الوضعية التي تبيح استخدام جسد المرأة في الإعلانات وفي الأفلام وفي مراكز الدعارة و....، بل إنه لم تتم الدعوة حتى الآن لدراسة هذه المفارقة بشكل جدي وموضوعي.
فهل تقتضي الموضوعية أن يشار فقط إلى ما قد يُرى أنه يتعارض مع حقوق المرأة في خصوص التشريعات الإسلامية، من دون الإشارة كذلك إلى ما يفوق هذه المخالفة لحقوقها على صعيد آخر؟ أو هل نكون أكثر إخلاصاً لقضايا المرأة إذا أغمضنا الطرف، عند حديثنا عن حقوقها، عن جانب استغلال جسدها لأغراض دعائية وتجارية، لمجرد زيادة مبيع سلع قد لا تمت إلى المرأة بصلة؟ أو أننا نكون صادقين مع أنفسنا حين نترك عنان البحث النقدي ينصبّ على خصوص الأحكام الشرعية المتعلقة بها، من دون الإشارة إلى إشكاليات حقوقية تتعلق بكرامة المرأة وشخصيتها في التشريعات الوضعية الأخرى؟
________________________________________

[الصفحة - 171]


إن إغفال الباحثين للبحث الشمولي في موضوع المرأة هو الذي أدى إلى صيرورة القول بأن التشريع الوحيد الذي يكرّس ظلم المرأة ويعمل على هدر حقوقها هو التشريع الإسلامي، قولًا مسلَّماً به في وقتنا الحاضر، لذا لم يكد يتعرض أحد لحقوق المرأة، إلّا ونراه يشير إلى هذه المفارقات التشريعية لها، ومثل هذه النظرة المسلّم بها تكاد تكون على الطرف النقيض في التشريعات الأخرى، وخصوصاً الغربية منها، فتُبرز كأنها تصبّ في خانة المصالح الأساسية للمرأة وتدور في فلكها، وأنها هي الوحيدة التي تسهر على تشريع ما يتناسب مع حقوق المرأة وكرامتها، وأنها أول من طالب بوضع حقوق لها ورفع الظلم التاريخي عنها. وهذا الارتكاز والتسالم ليسا إلا نتيجة طبيعية للقراءات النقدية الآحادية الجانب للمرأة وحقوقها، من دون القراءة الشمولية لها.
إن مثل هذا المقال الذي تناول «حقوق المرأة بين النص والممارسة»، هو المعنيّ بمعالجة مثل هذه الإشكاليات، وتسليط الضوء على المفارقات الموجودة في ما يتعلق بحقوق المرأة على مستوى التشريعات الوضعية المعاصرة، وذلك بالمقدار الذي تمّ تسليط الضوء فيه على المفارقات الموجودة في التشريع الإسلامي على ضوء النص، والإشارة ـ قدر الإمكان ـ إلى ما يمكن أن يفيد في هذا الميدان الذي بلغ التساهل، في شأن المرأة فيه، حداً لا يمكن السكوت عنه، أو الإغماض عليه. لذا ليس هناك أبداً ما يسوّغ إغفال المقال لهذا الجانب من البحث أو مروره مروراً سريعاً في مقدمته(1)، فإن معالجة هذه الأبحاث المهمة المتعلقة بحقوق المرأة والتي تمسّ كرامتها بشكل مباشر، والإشارة إلى الإشكاليات المتعلقة بها تفصيلًا، يجب أن تكون من أولويات الباحث الموضوعي في موضوع المرأة. إضافةً إلى أن المقال قد أخذ على عاتقه معالجة حقوق المرأة على مستوى الممارسة أيضاً، وهو يتضمن بطبيعته مثل هذه الأبحاث، فإن معالجة هذه الإشكاليات والمفارقات التشريعية موجودة في النص الإسلامي المتعلق بالمرأة.
المرأة والتَّشريعات الإسلامية
إن التشريع الإسلامي، في ما يتعلق بالمرأة، مبني على أسس، يمكن أن تختصر ضمن ثلاثة أركان:
________________________________________
(1)مجلة المنهاج، العدد السادس والعشرون، ص 218.

[الصفحة - 172]


الأوَّل ـ إن الشارع قسَّم بعض الأحكام بين الجنسين على أساس المؤهلات التكوينية لكل منهما، وهذا الاختلاف في الأحكام بين الرجل والمرأة نابع من التغاير في تركيبة جسميهما التكوينية، والتأثيرات السيكولوجية والفيسيولوجية التي تتبع ذاك الاختلاف. وإذا انطلقنا من هذا المبدأ نرى أن اختصاص بعض الأحكام بالرجل وبعضها الآخر بالمرأة يعدّ ضرورة تشريعية تهدف إلى مراعاة الفوارق التكوينية بينهما، ويصب في نهاية المطاف في خانة احترام حقوقهما معاً، فهكذا كان الحال في بعض الوظائف ـ بناء على اختصاصها بالرجل كالقضاء والولاية ـ مقتصرةً عليه لعدم تناسبها مع تركيبة المرأة الخاصة بها، فإن وظائف، مثل القضاء والولاية وغيرهما، ليست من الوظائف الفخرية في الإسلام، بل من المسؤوليات الخطيرة والصعبة التي رُغّب كثيراً في تركها والفرار منها، والتي قد لا يسلم من تبعاتها أكثر من يخوض فيها، فيكون إعفاء المرأة من مثل هذه المناصب ـ إذا افترضنا ذلك ـ يدور مدار التخفيف عنها بملاحظة مكوناتها السيكولوجية والتكوينية، وهذا تماماً كإسقاط وجوب الجهاد والجمعة عنها وتعويضها بدل ذلك من الثواب أن تحسن التبعُّل لزوجها كما ورد في الرواية (2).
الثاني ـ يقوم التشريع الإسلامي عموماً على أساس الصالح الاجتماعي العام، وملاحظة المصلحة، على ضوء خصوصيات أغلب أفراد المجتمع، من دون الأخذ بعين الاعتبار ما يناسب الأفراد، بوصفهم أفراداً، في هذا التشريع، أوملاحظة خصوصيات بعضهم، وعليه فقد تُشرّع بعض الأحكام التي تكون متنافية مع خصوصيات بعض أفراد المجتمع، لكنها تنسجم مع خصوصيات أكثرهم باعتبار أن فيها صلاحاً اجتماعياً ضرورياً للجميع، وهذا الصلاح الاجتماعي هو ما يلاحظ عادة في التشريعات الإسلامية (3)، بل إن هذا الأمر منظور كذلك حتى في الأنظمة والقوانين الوضعية الأخرى، ولن نستطرد في استعراض شواهد على ذلك، بل نترك تفصيل ذلك لمكان آخر.
وعلى هذا الضوء، قامت التشريعات الخاصة بالمرأة في الإسلام، حيث إنها أخذت في وضع الأحكام والتشريعات المتعلقة بها جانب الصلاح الاجتماعي الذي يتواءم مع أغلب النساء في المجتمع، ولا يعير أهمية للفرد النادر منهن الذي قد يكون مثل هذا التشريع متنافياً مع خصوصياته. فلو فرض أن امرأة كانت تملك من
________________________________________
(2)محمدي الري شهري، ميزان الحكمة، 4/2869.
(3)انظر في ذلك كتاب تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي.

[الصفحة - 173]


المؤهِّلات والجدارة التي تمكّنها من قيادة الجيش أكثر من أي رجل آخر، أو أنها كانت تمتلك قوة جسدية استثنائية تفوق قوة الرجال، فلن يكون هذا الفرد من النساء مأخوذاً بعين الاعتبار عند تشريع أحكام الجهاد في الإسلام. كما أنه لا يمكننا أن ندعو ـ بناء على ذلك ـ لتبديل التشريعات والأحكام المتعلقة بها على هذا المستوى، ونقول إن وضع الجهاد عن المرأة يتنافى مع حقوقها المفروضة، أو أن نعدّ ذلك نقصاً تشريعياً في حقها.
وكذلك الأمر لو فرض أيضاً أن امرأة كانت تملك من القدرة على إدارة عواطفها والتحكم بأحاسيسها والثبات في مواجهة الخصوم في المنازعات، وغيرها من الخصوصيات المطلوب تواجدها في القاضي، فلن يكون ذلك مسوّغاً كي ندعو لتغيير الأحكام الكلية المتعلقة بالقضاء، فيما لو فرضنا أن الأدلة القائمة على عدم جواز تولي المرأة للقضاء صحيحة.
الثالث ـ إن الاختلاف، في بعض الأحكام بين الرجل والمرأة، ليس مردّه إلى عدم التساوي بينهما في سائر الفروض أو في الثواب والعقاب، أو في أفضلية المتّقي منهما عند الله، أو غير ذلك من الأمور التي تساق لنقد هذا التمايز التشريعي ـ كما أشار إلى ذلك المقال حين ذهب إلى أن الميزان القرآني محصور بالتقوى فقط، حيث لا فضل لرجل على امرأة إلا بها (4)ـ بل إن هذا الاختلاف التشريعي تابع للاختلاف التكويني بينهما، وخاضع للمكونات النفسية والعضوية عند كل منهما كما أشرنا إليه.
لذا يمكن أن يكون المقياس الأساسي للتفاضل في الثواب عند الله، يوم القيامة، هو التقوى فقط، من دون بقية الأمور الأخرى من اختلاف الجنس أو اللون أو الإثنية أو..، ومع ذلك لا يستدعي أن يسدّ الباب نهائياً أمام وجود اختلاف في التشريعات الدنيوية، فمثلًا نرى من جملة التشريعات أنه لا يجوز للمرأة أن تؤم رجلًا مهما بلغت من تقوى ولو كانت أفضل البشر، بل عليها أن تأتم هي بالرجل وإن كان لا يملك من التقوى سوى المقدار الواجب من العدالة، وهذا لا يعدّ تفاضلًا في الاصطلاح الإسلامي للكلمة، بل هو اختلاف تشريعي محض.
بل إن هذا الامتياز التشريعي موجود حتى بين الرجال أنفسهم في بعض الأحيان، وذلك ـ على سبيل المثال ـ فيما إذا كان الرجل متصفاً ببعض الصفات المعيَّنة التي لا
________________________________________
(4)مجلة المنهاج، م.ن، ص 225 و228.

[الصفحة - 174]


تتعلق بمسألة التقوى أو القرب من الله، كالأحكام الخاصة بأصحاب بعض الحرف المتواضعة كالحياكة والحجامة، فقد ورد في بعض الروايات كراهة الصلاة خلف الحائك ولو كان عالماً، وخلف الحجّام ولو كان زاهداً، وخلف الدبّاغ ولو كان عابداً (5). إذن فوجود مثل هذه الأحكام لا يتنافى مع كون هذا الشخص تقيَّاً ومقرَّباً من الله يوم القيامة، فإن أمر التقوى لا يتعارض ومسألة الاختلاف في بعض الأحكام الدنيوية.
ونظير هذه الأحكام، أيضاً، ورد في بعض الأحداث التاريخية المعاصرة للنبي (صلي الله عليه و آله و سلم)، فقد ورد في كتب التاريخ أن الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) جهّز جيشاً قبيل وفاته، مؤمّراً عليه أسامة بن زيد، ومن الطبيعي أنه كان في الصحابة ـ المنضوين تحت قيادة أسامة ـ من هو أتقى منه وأفقه، ومع ذلك أمّره النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) عليهم لكونه أجدر منهم بقيادة الجيش وتدبير أمر الجند فقط، أو لأغراض أخرى غير مسألة التقوى، والأكرمية عند الله.
التاريخانية وفهم النص الديني
أشير في المقال إلى أن فصل الدين عن تاريخيته هو من الأخطاء المنهجية التي يقع فيها الباحث(6)، وهذه الملاحظة في الواقع ملاحظة جوهرية تتعلق بفهم النص التراثي، ويؤثر تجاهلها سلباً على هذا الفهم، وهي حقاً من الأخطاء المنهجية التي تراود الباحثين في النصوص الدينية عموماً، وتلك المتعلقة بالمرأة بشكل خاص، إذ إن عدم الإلمام بتاريخية هذا النص وبالظروف الموضوعية التي أدت إلى صدوره، يوقع الدارس في بحث منقوص لا يفضي به إلى الحصول على النتيجة المرجوة، أو يؤدي إلى تعميم النتيجة المحاطة بظروف تاريخية خاصة إلى جميع الأزمنة، من دون ملاحظة الخصوصية التاريخية المؤثرة في صدور هذا النص، لذا كانت الدراسة التاريخية للواقع المعيش في عصر النص مهمة كثيراً، كالأهمية المفترضة للبحث نفسه، إذ من دونه قلّما يصل الباحث إلى نتيجة مرضية.
إلا أن الملاحظة المسجلة على المقال نفسه تتمثل في تجاهله استعراض الأحداث التاريخية المحيطة بالنصوص التي استدعاها، فلم يذكر ما يمكن أن يساعد على الإحاطة بأسباب نزول بعض الآيات، كما أنه تحاشى عرض الروايات والأخبار التي تضيء إلى حدّ بعيد الظروف التاريخية للنص القرآني، فإن الأخبار تعدّ مصدراً
________________________________________
(5)الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، 6/464.
(6)مجلة المنهاج، م.ن.، ص 222.

[الصفحة - 175]


من المصادر الأساسية التي يستعين بها المؤرخون لمعرفة بعض الأحداث التاريخية الحاصلة في الصدر الإسلامي الأول، والتي قد لا ترتبط بالنص القرآني، فكيف إذا كان ما يراد ملاحظته هو الظروف الموضوعية المحيطة بالآيات، أو الملابسات التاريخية المحفوفة بأسباب نزولها؟ فإن الروايات فضلًا عن كونها تكشف عن مدى ترابط الأحداث التاريخية في ما بينها، تساعد كثيراً في معرفة المراد من الآيات، أو في جلاء الغموض عن هذا الفهم أو ذاك.
نعم تعرّض المقال لذكر بعض الروايات والأخبار الشاذة التي استفاد منها للتدليل على عدم صلاحية مثل هذه الروايات المنافية للقرآن بشكل عام لجعلها مصدراً من مصادر التشريع المعتمدة(7)، كما أنه أشار في مكان آخر إلى وجود أحاديث اعتُمد عليها لعدم جواز تولي المرأة الحكم والقضاء، ووصفت «جميعها» بأنها موضوعة أو أنها ترتبط بواقع تاريخي معين (8)، من دون الإشارة إلى سبب وصفها بالموضوعة، أو إلى سبب ارتباطها بالواقع التاريخي المعين.
تاثير العادات والتقاليد على فهم النص
إن القول بأن ما طبّقه المسلمون، طوال التاريخ، لا يعكس في مجالات كثيرة النظرية الإسلامية، ولا يمثل دائماً الأحكام الشرعية المتعلقة بها، قول صحيح لا إشكال فيه، إذ إن الكثير من الأفكار الإسلامية قد فهمت فهماً مغايراً، كما أن العديد من الأحكام قد مورست بشكل خاطى عند المسلمين، إما نتيجة تأثرهم بالتقاليد الموروثة عند شعوب البلاد المفتوحة، التي كثرت في عهد الفتوحات الإسلامية، أو نتيجة الضغوط التي مورست على المرأة من قبل السلطات الظالمة التي توالت على قيادة الدولة الإسلامية.
وقد أشار المقال إلى هذه الملاحظة المهمة (9)، لكنه لم يشر إلى الميزان الذي يمكننا أن نستدل به على التقاليد الموروثة، ونميِّزها من الأحكام التي تبنّاها الإسلام بخصوص المرأة، حيث لا بد من الإشارة إلى المعيار الرئيس الذي يمكن على ضوئه تمييز العادات الموروثة من الأحكام الإسلامية، وعليه، فليس من الصحيح الإشارة فقط إلى مدخلية التقاليد في بعض الممارسات عند المسلمين بشكل عام، من دون بيان المعيار
________________________________________
(7)م.ن.: ص 225 و226.
(8)م.ن.، ص 226، جاء في المقال: «وجميع الأحاديث التي يتذرع بها المعاندون مرتبطة بواقع تاريخي معين أو أنها أحاديث موضوعة في زمن الانحراف التاريخي».
(9)م.ن.، ص 222.

[الصفحة - 176]


الموضوعي في ذلك، وإلا فلو اكتفينا بعرض إمكانية تأثير العادات في الأحكام فقط، لأمكن أن ننسب أي حكم إلى الموروث، أو نضعه في دائرة مخلفات الضغوط السياسية التي مورست على التعاليم الإسلامية، أو لا أقل من أن نشكك في انتسابه للإسلام.
لذا كان من الضروري ملاحظة النصوص الدينية مع الأخبار الصحيحة الكاشفة عن الأحكام والمفاهيم الإسلامية، إضافةً إلى دراسة مفصّلة للعادات والتقاليد التي كانت شعوب البلاد المفتوحة تعيشها قبل الإسلام وتمارسها في حياتها اليومية، وإلا لم يعد جهد ما ليلامس الحقيقة الإسلامية بجميع جوانبها.
ولعل المثال الذي ضُرب في المقال على هذه المسألة ـ وهو عادة ختان الإناث التي كانت تمارس قبل الإسلام ـ يعطينا فرصة كبيرة لتمييز التقاليد من الأحكام الإسلامية، وذلك بمراجعة النصوص والروايات، التي سريعاً ما نلاحظ أنها خالية عن وجوبها، أو حتى عن الندب إليها. وإلا لو كانت من الإسلام، لكان ينبغي أن نجد لها جذوراً في المصادر التشريعية.
كما أن هذه الإشكالية تنسحب أيضاً على اجتهادات السابقين وفتاواهم، فإنها هي الأخرى مؤثرة في أحيان كثيرة على ممارسات المسلمين في ما يتعلق بالمرأة، أو بغيرها من المفردات المماثلة في الفقه الإسلامي، لذا لا بد من مراجعة مفصَّلة للكتب الفقهية السابقة وملاحظة أدلتها في ما يتعلق بالفتاوى الخاصة بالمرأة، ومقارنتها مع المصادر التشريعية الثابتة والصحيحة لمعرفة مدى انسجام الموروث من هذه الفتاوى مع المصادر التشريعية المعتمدة.
إذن لا بد من التدليل على الميزان، أو المقياس، الذي يبين لنا العادات من الأحكام، ويميز لنا فتاوى الفقهاء من التشريع الإسلامي، ولا طريق لذلك إلا استنطاق النص الشرعي الصحيح وفقاً للمعطيات الأخرى، والخروج بنتيجة تتوافق مع النص بشكل أكبر.
تحرُّر الباحث من خلفياته الخاصة
إن الحديث عن النص واتباع ما جاء في النص الصحيح يفتح الباب أمامنا للإشارة إلى مسألة تتعلق بموضوعية الباحث في الموضوعات التراثية عموماً، وهي
________________________________________

[الصفحة - 177]


أن الباحث الذي يريد أن يستنطق التاريخ مثلًا لمعرفة ما يحتويه من أحداث، عليه أن ينطلق من ذهنية لا تحمل أي خلفيات عن الموضوع المراد علاجه، بل عليه أن ينطلق من المصادر التاريخية المعتمدة فقط من دون الاعتماد على غيرها من الأمور الأخرى، حتى لو كانت النتيجة المتحصلة لديه قد جاءت خلافاً لرغبته الخاصة، ومثل هذه الأمور تعطي ثقة بالنتيجة الحاصلة، لأنها نتيجة مجردة من رغبات الباحث وبعيدة عن الإسقاطات التي قد تُبْتَلى بها هكذا أبحاث.
وهذه المسألة عينها، إذا توافرت في الدارس الإسلامي لموضوع المرأة، تمنحه فرصةً أكبر للمثول أمام الحقيقة، لأن الباحث الذي ينطلق من النصوص والمصادر التشريعية، من دون أن يعمل أي إسقاط عليها، ومن دون أن يتأثر بحثه بالمطالبات التي تدعو لتحرير المرأة وإعطائها حقوقها، ومن دون أن يتأثر بالآراء الموروثة عن السلف، يقترب أكثر فأكثر من الأمانة العلمية، ممارساً أقصى ما يمكن من أخلاقيات البحث، لتخرج نتيجة بحثه وفقاً لما تفرضه طبيعة هذه المصادر من دون إسقاط رغباته وآرائه المسبقة عليها، حتى لو كانت هذه النتيجة مخالفة لقراءته للإسلام، أو لو كانت في نظره منافيةً لحقوق المرأة المدرجة في الإعلان العالمي، إذ إن الخروج بنتيجة مخالفة لرغبتنا لمجرد دلالة النص الصحيح عليها، من دون أن نسقط آراءنا عليه ونحاكمه وفقاً لها، لهو كمال الموضوعية المرتجى توافرها في الباحث الذي يعالج الأحكام والمفاهيم الإسلامية والنصوص المتعلقة بها، ولولا ذلك لوقعنا في أتون أفهام خاصة للنص ـ كما أشار المقال ـ ولغدا ما توصلنا إليه من نتائج مجرد قراءة ناقصة للدين وفهم شخصي مشوب بخلفيات القارى وأحكامه المسبقة التي يحاول إسقاطها على النص، في مصادرة واضحة عليه.
دور العلوم الأخرى في فهم النص
أشار المقال ـ في ما أشار إليه ـ إلى ارتباط البحث، في موضوع المرأة، بالموضوعات العلمية الأخرى، كالعلوم الإنسانية وعلم التاريخ وعلم الاجتماع وعلم النفس وعلم اللغة وغيرها، ودعا كذلك إلى أن يُحفر في حقل الشريعة وفي حقول المعارف البشرية، وأن يكون علم الكلام الجديد متناسباً مع العلوم الأخرى (10).
________________________________________
(10)م.ن.، ص 221.

[الصفحة - 178]


وهذه الدعوة ـ التي يعد الباحث الإيراني الدكتور عبد الكريم سروش أول من نظّر لها على مستوى المعارف الإسلامية ـ تدعو في الواقع لأن يستعان بالعلوم الأخرى على مستوى استنباط الأحكام الشرعية واستخراج النظرية الإسلامية، وأن يستعين الفقيه والباحث الإسلامي بالمعارف المرتبطة بالعلوم الإسلامية، حتى يحصل على نتيجة لا تخالف في مضمونها ما تم التوصل إليه في الميادين العلمية الأخرى، وحتى يصل إلى نتائج أقرب للواقع في فهم النص.
وهذه الدعوة تحتوي على إيجابيات لا يمكن إغفالها، إلا أنه نكتفي هنا بتسجيل ملاحظة مهمة عليها، وهي: إن ما يجب أن يُدعى للاعتماد عليه من العلوم لا بد من أن يكون ناشئاً من اجتهاداتنا الخاصة فيها، لا أن نكون مجرد أناس مقلدين في ذلك، بمعنى أن تكون العلوم التي يجب الاعتماد عليها والتي تفيد في فهم النص الديني ـ كعلم الاجتماع وعلم النفس والتربية و.. ـ من العلوم الخاضعة للنظر عندنا وأن نلاحظ أدلتها ومداركها، ونقرأها قراءة اجتهادية، لا أن نكتفي بما صدر في نشأتها من آراء ونظريات لم تصل بعد إلى مرحلة الثبات، ولم تحصل عند منتجيها على مقومات الصمود أمام النقد أو التبدل ـ أو أن نستعين في فهمنا للنص على ما ثبت بطلانه من النظريات عند علماء الاجتماع أو علماء النفس ـ فإن الكثير من النظريات التي يراد جعلها مرجعاً في القراءة الدينية، تعتمد في وجودها وأساسها على مقدمات لا نعترف بصحتها أو سلامتها على المستوى المعرفي، أو أنها نظريات ناشئة من صميم واقع لا يتوافق مع الواقع الخاص بنا، أو ينسجم مع ثقافة تغاير ثقافتنا وتتصادم مع مبادئنا ومرتكزاتنا، فنكون باعتمادنا تلك النظريات والعلوم قد قيدنا أنفسنا ضمن حدود معرفية واضحة النتيجة من قبل، ونكون قد انطلقنا في دراستنا للنص الديني من منطلق الإسقاط الذي نريد ممارسته بحق النص، ولوقعنا في نهاية المطاف في نظرة مزدوجة للدين: فمن جهة نرى أن النص الديني هو نص مقدّس يجب استنطاقه لمعرفة ما بداخله، ومن جهة أخرى نتعامل معه على أنه محكوم لعلوم ومعارف تتغاير معه في الأسس والمبادى.
لكن هذا لا يعني أن ما توصلت إليه العلوم الإنسانية الحديثة، من نظريات ومعارف، باطل جملةً وتفصيلًا، بل بات الكثير من هذه النظريات محسوباً اليوم
________________________________________

[الصفحة - 179]


في عداد المسلمات الأساسية لدى كافة البشر، والتي يعتمد عليها في مجالات معرفية شتّى.
من هنا كانت الدعوة للاجتهاد في العلوم والمعارف الإنسانية المؤسّسة على المعطيات العقلية والفلسفية المبرهن عليها، دعوة مهمَّة تعيد لنا الثقة بكل ما يمكن أن يُنتَج على مستوى النظرية الإسلامية المعتمدة على هذه العلوم، وتؤسس لنا مداخل جديدة لعلوم هي في الواقع داخلة في دائرة اهتمام المعارف الإسلامية، لتعطينا فرصة أكبر للتحرك الاجتهادي ضمن دائرة النص.
نماذج لمصادرات على النص
ثمة في المقال بعض الآيات التي استقي منها فهم لا ينسجم مع الآيات نفسها، ليعاد تجهيزه نقداً على الآراء الأخرى، وهي تمثل أنموذجاً لمصادرات أسقطت على النص، نشير إلى بعضها باختصار:
1 ـ ذكر المقال عبارة: «لا فضل لرجل على امرأة إلا بالتقوى»، ثم أورد الآية الكريمة {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ الله أَتْقَاكُمْ إِنَّ الله عَلِيمٌ خَبِيرٌ}[الحجرات/13] (11)، وكأنه رأى أن الآية تعد دليلًا على الدَّعوى التي أطلقها.
لكن تقدم، قبل قليل، القول: إن مسألة التفاضل عند الله بالتقوى لا تعني عدم وجود تفاضل أبداً بين الناس في الدنيا لاعتبارات أخرى.
2 ـ أورد المقال آية الرضاع في سياق تقسيم الأعمال بين الزوج والزوجة، ثم أردف ذلك بعبارة: «لقد حمّل القرآن مسؤولية إدارة هذه المؤسسة التي هي الأسرة للرجل، وحمَّله مسؤولية الإنفاق شريطة أن يكون عاقلًا تقياً، لأن الله فضل الناس على بعضهم بالتقوى والتعقل»، وبعد ذلك أورد آية الرجال قوامون على النساء..، ثم أتبعها بأن شرط قيمومة الرجل التقوى والتعقل والإنفاق(12).
هنا نقول: إن من الواضح أن الآيات المذكورة في المقال لا تشير إلى أن شرط تحمل الرجل لمسؤولية الأسرة، أو أن شرط القيمومة على الزوجة، هو التقوى أو
________________________________________
(11)م.ن.، ص 225.
(12)م.ن.، ص 228.

[الصفحة - 180]


التعقل، حيث لم تشر الآيات التي أوردها المقال إلى شيء من ذلك، إلا أن يكون هذا الشرط فُهم من دليل آخر غير الآيات التي أوردها، ومع ذلك لنا أن نسجل على المقال عدم ذكره الدليل على هذه الدعوى.
3 ـ ذكر المقال آية {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} [النساء/3]. وربط بينها وبين الآية التي قبلها التي فيها عدم جواز أكل مال اليتيم، ثم أورد هذه العبارة: «أتساءل كيف فُهم من هذه الآية السماح بالتعدد من دون قيد أو شرط، وأمثلة التعدد المعروفة في مجتمعاتنا لا توحي بالثقة..». ثم نفى أن يكون هناك غير المعصوم ممن عدل بين زوجاته وبين أولاده من أمهات مختلفات. ثم ذكر أن الإسلام دين العدل كما أمر الله عز وجل في آيات لا تعد ولا تحصى، وبعدها ذكر الآية {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَحِيماً} [النساء/129]، وعلَّق عليها بأن الكلام عربي واضح لا مجاز فيه ولا يحتمل التأويل (13).
هنا لنا أن نعلق أوَّلًا: إن هذا الكلام يتسم بالجزم بعدم احتمال النص القرآني هنا للمجاز والتأويل، مع أن المجال مفتوح في عالم النصوص لاحتمالات وتفسيرات متنوعة تحيل على القارى الجزم بمضمونه بطريقة حاسمة نافية لفهم آخر، والحال أن الكثير ممن قرأ هذه الآيات خرج باستنتاجات مختلفة.
وثانياً: إن وجوب العدل لا يشمل أولاد الزوجات، كما يظهر في المقال الإشارة إلى ذلك، فإنه لا دليل أبداً على وجوبه الشرعي، بل وجوب العدل مختص بخصوص الزوجات في مسائل خاصة، لا في كل شيء.
أما الآية الثانية التي تنفي إمكانية العدل، فهي لا تنفي إمكانية العدل المأخوذ شرطاً في الآية الأولى الذي هو واجب، بل تنفي إمكانية العدل في الأمور غير الواجبة. وتفصيل هذا الكلام وبيانه من حيثياته كلها يستدعي الخروج عن مراعاة جانب الاختصار في هذا المقال، لذا نحيل القارى إلى مراجعة مقال «وقفة مع نصر حامد أبو زيد في نظرته لتعدد الزوجات» المنشور في العدد الخامس والعشرين من مجلة المنهاج، فإن فيه تفصيل الكلام في هذه المسألة.
________________________________________
(13)م.ن.، ص 230.

[الصفحة - 181]


4 ـ أورد المقال (14)عبارة «أما الذين تزوجوا أربع نساء أسوة بالنبي فكأنهم لم يقرأوا قوله تعالى:{مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ الله لَهُ سُنَّةَ الله فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ الله قَدَراً مَّقْدُوراً}[الأحزاب/38]، وقوله: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ} [الأحزاب/32].
نشير هنا إلى أن هذه الآية لا تدل على أن للنبي (صلي الله عليه و آله و سلم) أحكاماً خاصة به، بل هي تفيد أن على النبي أن يقيم ما فرض الله عليه، ومن خلال سياقها نعلم أن المراد هو حكم تزوج النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) من زينب زوجة زيد الذي كان ابنه بالتبني، وكانت العرب ترى أن ولد التبني كولد الرحم يجري عليه ما يجري على الابن، وعليه فالآية لا تشير أبداً إلى حكم مختص بالنبي.
نعم هذا لا يعني أنه ليس هناك أحكام مختصة بالنبي (صلي الله عليه و آله و سلم)، إلا أن هذه الآية لا تكشف عن ذلك أبداً. ولو افترضنا أنها تفيد بشكل مجمل اختصاص بعض الأحكام بالنبي (صلي الله عليه و آله و سلم)، فلا تكون هذه الآية بالذات دليلًا على اختصاص حكم تعدد الزوجات به، لعدم وجود الدليل الذي يفيد الاختصاص، خصوصاً إذا لاحظنا السياق التاريخي للمسألة، حيث غالباً ما كانت الصحابة في الزمن الأول يتزوجون غير واحدة، ومع ذلك لم يكن الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) ينهاهم عن هذا الفعل، بحجة أنه من الأحكام المختصة به.
5 ـ بعد أن استعرض المقال الآيات التي تتحدث عن أحكام الإرث في الإسلام، قال إن آيات الإرث آيات حدودية، حيث أعطى الله للأنثى نصف حصة الذكر حدّاً أدنى، وهذا الحدّ الأدنى في حالة عدم مشاركة المرأة في المسؤولية المالية للأسرة (15).
لكن من الملاحظ أن فكرة الحدود التشريعية في الخطابات الإسلامية ـ التي يظهر أن كاتبة المقال قد تأثرت بكتاب الدكتور محمد شحرور «الكتاب والقرآن قراءة معاصرة» والذي أشار إلى هذه المسألة بشكل مفصل ـ وإن كانت فكرة جيدة ثبوتاً وعلى مستوى التنظير، إلا أنها تفتقد للدليل على مستوى الإثبات والتطبيق.
ثم إنه لو افترضنا أن الآيات المذكورة هي آيات حدودية كما أشير إلى ذلك، فما هو الدليل على أن للمرأة نصف حصة الرجل من الإرث فيما إذا لم تشارك في المسؤولية المالية للأسرة؟ فلماذا لا نفرض أن شرط هذا الحد هو كون القيمومة للرجل
________________________________________
(14)م.ن.، ص 230.
(15)م.ن.، ص 231 و232.

[الصفحة - 182]


من دون المرأة، أو أن شرطه هو أن المرأة هي التي تهتم بالرضيع من دون الرجل؟ أو غير ذلك من الأمور الأخرى التي قد تبدو سخيفة للوهلة الأولى، إلا أنها تشترك مع الشرط المفترض ـ تحمل الرجل للمسؤولية المالية ـ في عدم قيام دليل عليه.
ولعل الدكتور شحرور نفسه تورَّط في دعوى لم يقدر على تقديم دليل موضوعي على صحتها على مستوى الإثبات بشكل يشمل أكثر الخطابات والنصوص الإسلامية، كما اعتمد ذلك هو في كتابه المذكور، ولعل الدخول في مناقشة هذه المسألة عند شحرور يخرجنا عن موضوعنا ويدخلنا في سجال آخر حول الحدود التشريعية في الإسلام، لذا أنصح القارى للإفادة من المقال المنشور في مجلة المنهاج العدد السادس والعشرين، والذي حمل عنوان «مسألة الحجاب في القرآن وقفة مع د. محمد شحرور».
المرأة ودور علوم الإحصاء
لا بد من الإشارة إلى مسألة مهمة يمكن أن تساعد الباحث في موضوع المرأة، وتعطيه ثقة بما يطرحه من إشكاليات أو ما يجده من حلول، وهي أن يصار إلى اعتماد الإحصاءات في مجالات الدراسات المتعلِّقة بالمرأة بشكل عام بوصفها مصدراً من مصادر البحث الذي يعمل به، بأن يعتمد الباحث على الإحصاء لمعرفة مدى استعداد المرأة للانسجام مع ما يطالب لها من حقوق أو من مساواة بالرجل، وأنموذجاً على ذلك، وكي نرى مدى تواؤم مسألة تعدد الزوجات مع المرأة وحقوقها، نذكر ما ورد من إحصاءات في أكثر بلدان العالم من زيادة عدد الإناث على عدد الذكور في العمر الذي يمكن الزواج فيه، وإذا أضفنا إلى ذلك الإحصاء الذي يفيد زيادة الطلاق بين الأزواج، وأن الزواج الجديد قلّما يحصل مع امرأة مطلقة، لأمكن للباحث الخروج بنتيجة ـ بعيدة عن النظرية الإسلامية أو معطيات النص المتعلقة بذلك ـ مفادها أن الزواج المتعدد يمكن أن يكون حلًّا بالنسبة للكثير من الفتيات العانسات، والنساء المطلقات والأرامل، أو يكون حلًّا للمشكلات الاجتماعية المنبثقة من حالات العزوبة والفراغ العاطفي عند الأنثى.
وإذا استخدمنا نتائج الإحصاءات في موارد كثيرة أخرى، ينفتح لنا المجال أمام العديد من الإشكاليات التي تلح في إعطاء حلول لها، لم يشر إليها سابقاً، أو أمام
________________________________________

[الصفحة - 183]


فرضيات قد تشكل حلولًا جديدة لم تكن على بساط البحث لمشاكل مزمنة، أو أن نعزز ثقتنا بالحلول المطروحة من قبل.
من هنا، لا بد من أن تحمل الأبحاث المتعلقة بالمرأة على محمل الجد، ويتعامل معها معاملة جادّة، بحيث لا يمكن لنا أن نطلق حولها الإشكاليات والحلول كيفما اتفق، أو أن نقتصر في معالجاتنا لقضايا المرأة على دراسات منقوصة، أو إيحاءات لا تتعدى كونها أفكاراً لا ترجع إلى نظرة متكاملة لها، أو أن نجري في أبحاثنا مجرى التسويغ والتقريب لما يعد المقياس الرئيسي لحقوق المرأة ـ وهو الإعلان العالمي لها ـ الذي يتنافى في بعض جوانبه مع الحقوق الأساسية للمرأة، بل علينا أن ننطلق من المعطيات الواقعية على ضوء ما نراه في مصلحتها، بعيداً عن التأثر بما يثيره الآخرون من انتقادات، أو ما يطلقونه من دعوات لتحريرها من الاستعباد الذكوري، أو حتى بعيداً عن الموروث التقليدي والفقهي الذي ربما مارس على المرأة ظلماً باسم الدين والإسلام، أو غيرها من الأمور.
________________________________________

[الصفحة - 184]