البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الإدراك العقلي وإشكاليَّات سلطة العقل في الدولة الدينية

الباحث :  أ نبيل علي صالح
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  20
السنة :  السنة الخامسة شتاء 1421 هجـ 2001 م
تاريخ إضافة البحث :  February / 5 / 2015
عدد زيارات البحث :  1439

الإدراك العقلي وإشكاليَّات سلطة العقل في الدولة الدينية

الأستاذ نبيل علي صالح (*)

خلق الله ، تعالى، الإنسان على هذه البسيطة، وأبدع في خلقه، ووفّر له سُبل الحياة المختلفة التي يستطيع من خلالها أن يتحرَّك في جميع المواقع الحياتية التي تحقِّق له استمرارية الحركة الدؤوب في محيطه الطبيعي والاجتماعي، في ما تعطيه من انفتاح وسعة في الآفاق، ووضوح في حركة الذات عند التعامل مع الخارج، وذلك من أجل أن يتهيَّأ لتحقيق مقام الخلافة في الأرض ومسؤوليتها، على اعتبار أنّ هناك هدفاً عظيماً من عملية الخلق، ولا بد من أن يصل الإنسان إلى هدفه وغايته، في أن يبلغ كماله الممكن له وهدايته السامية، فيتحرك الجميع، من خلال وسائل ذاتية خاصة، وأخرى موضوعية عامة، من أجل بلوغ ذلك الهدف، كلٌّ بحسب إمكانياته واستعداداته وقابلياته المتوافرة فيه.
من هذا المنطلق احتل الإنسان المرتبة الأولى بين المخلوقات والكائنات الحية، وذلك بالنظر إلى المواهب والامتيازات والطاقات التي زوَّده بها الله تعالى. فالإنسان يمتلك نعمة العقل والتفكير، وبالمقابل لديه مشاعر وأحاسيس. فهو يعرف ويحس.. يفكر ويشعر، أما الحيوانات فتحس لكنها لا تفكر، ولا تتعقل حركتها الذاتية الداخلية، والبيئة المحيطة بها.
بمعنى آخر، إنَّ حركة المعرفة الوجودية، ببعديها: الذرِّي والكوني، قد تفرّد بها الإنسان من دون غيره من المخلوقات، لأنها ترتبط بحركة العقل والتفكير. والإحساسُ، أو الشعور، عامل مشترك بين الإنسان والحيوان، لا
________________________________________
(*) باحث من سورية

[الصفحة - 285]


بل إن الحيوان قد يتفوَّق على الإنسان في مسألة الإحساس ببعض مظاهر الحركة العامة في الكون.
من هنا نجد أن للعقل أهمية خاصة في حركة الحياة، باعتبار أن له الدور الأبرز في تأسيس معرفة إنسانية شاملة عن الكون والوجود والإنسان، في ما يمكن أن تعطينا ـ بوصفنا أفراداً في المجتمع الإنساني ـ مستلزمات أساسية للتحرك الفاعل والمؤثر في جميع خطوط الحياة ومواقعها.
وبغية إيجاد بناء تحتي لهذا التحرك، نجد ضرورة نهج الطريق العقلي الصحيح والقطعي للوصول إلى معرفة الله تعالى، باعتبار هذه المعرفة أساسية تفرضها عوامل مختلفة، بعضها عوامل ذاتية داخلية تتعلّق بالإنسان في ما يرفضه من أفكار ومعتقدات تتعامل سلباً مع حركة العقل، ونهجه العملي في الحياة، وبعضها الآخر عوامل موضوعية خارجية لا تتعلق بالإنسان بل تستلزمها عوامل خارجية محيطة يتبادلها الإنسان مع بيئته، في ما نجده من ازدواجية التعامل مع الواقع الحسي المرتبط بالمادة من بداية النشأة إلى نهايتها عبر سلوكيات وأنماط متعددة في جميع مفردات الحياة التي ترتبط بحركة الإنسان في الواقع العام.
وهكذا دعت حركة الدين، منذ انطلاقتها في حياة الإنسان، إلى لزوم العقل بوصفه وسيلة أساسية من أجل الوصول إلى المعرفة المعتبرة التي تنطلق في أجواء الحياة المتحركة من خلال ضوابط العقل وأحكامه، على أساس أنه الأعظم في البراهين والنتائج والحقائق. يقول الله تعالى: {و الله أخرجكم من بطون أمَّهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون} {النَّحل/78}(1). فالسَّمع والأبصار، في هذه الآية الكريمة، كناية عن الإدراكات الحسية المادية، بينما الأفئدة كناية عن العقل والإدراكات الفكرية المعنوية الخارجة عن حدود المادة، بحيث يتكامل الجانبان (المادي والمعنوي) في الفعل الحياتي لتحقيق المعرفة الغائية المعتبرة. ونحن عندما قلنا إن العقل طريق أساسي للمعرفة ـ التي توصلنا إلى عمق حقيقة الإيمان ببعديه الروحي والمفاهيمي ـ لم نقصد أن نغض النظر عن الطرق الأخرى، بما فيها السير والتطلع في الآفاق وفي الأنفس والرجوع إلى القرآن الكريم،
________________________________________
(1) من البديهي أن نلحظ أن هذه الآية لا ترمي إلى نفي فطرية المقدمات العقلية والبديهيات والأوليات عند الإنسان بالمطلق، على اعتبار أن هذه الأفكار الفطرية تبقى كامنة في النفس بالقوة، ثم تتفتح بالفعل عبر ممارسة الإنسان لسلوكيات الحياة بجميع أبعادها وامتداداتها، وملاحظته للمصاديق الخارجية. إذاً.. تعد الأفكار الفطرية الأولية موجودة في النفس بالقوة، ثم تكتسب، عملياً، صفة الفعلية الواقعية، من خلال تطور النفس وكمال وجودها من الناحية الذهنية، حيث يكون الحس وعوامله المتعددة بمثابة الوسائل المساعدة لفعلية الأفكار الفطرية.

[الصفحة - 286]


لأن الأمر يتعلق بأهمية الحديث عن العقل ودوره الحيوي في تأسيس المعرفة الإنسانية على مبانٍ معرفية راسخة، وذلك من خلال ضرورة ممارسة حركة الفكر والواقع بالارتكاز على معطيات السلوك العقلي والمعرفي البرهاني والاستدلالي وقواعده.
بناءً على ذلك، سنحاول، في هذا البحث، تسليط الضوء ـ بالمعنى الفلسفي والفكري والعلمي ـ على تعريف العقل، والوقوف أمام طبيعة إدراكاته، وعملياته الفكرية والسلوكية، وإشكالياته العملية، من خلال المباحث الآتية:
المبحث الأول: تعريف العقل
حاول العلماء والمفكِّرون أن ينطلقوا، في فهم حقيقة العقل، من خلال المعنيين: المادي والروحي، في ما يمتاز كل منهما بخصائص استند عليها علماء الطرفين في وعيهم لحقيقة العقل وماهية الإدراكات الحسية والمعنوية التي تلتقي لتؤسس عملية التفكير والاختزان على قواعد معينة خاصة بهذا الطرف أو ذاك، لتخرجَ ـ نتيجة المحاكاة ـ على هيئة صيغة قانونية، أو جملة مفيدة، أو نتاج إنساني معيَّن.
لقد انقسم الفلاسفة الغربيون في هذا المجال إلى فئتين، إحداهما: كانت تعتقد بأصالة العقل في المستوى الروحي، وامتلاكه القدرة على إدراك مجموعة مفاهيم الكون والوجود ذاتياً من دون الحاجة إلى قضايا الحس والمادة. ويأتي على رأس هؤلاء «ديكارت (2) وكانت (3)». أما الفئة الثانية (4) فتعتقد أن الإنسان خُلق وليس في ذهنه شيء يذكر، بل إن صفحة ذهنه بيضاء لم تُخَطّ فيها كلمة واحدة. فالإدراك العقلي مادي بالذات. وقد قال بذلك جون لوك الفيلسوف الإنكليزي المعروف الذي قسّم المعرفة إلى وجدانية وتأمُّلية، ومعرفة ناشئة من وقوع الحس على المعنى المعلوم.
وقد عالج، بعد ذلك، بعض الباحثين والمفكرين هذه المسألة من خلال البحوث والدراسات العلمية التجريبية التي أريد لها أن تصبغ الإدراك العقلي بالصبغة المادية البحتة من حيث المستويات الخاصة في الأحداث الفيزيائية والكيميائية والفيزيولوجية. ولكن يلاحظ على تلك المستويات ما يأتي:
________________________________________
(2) كان ديكارت يعتقد بأصالة العقل ودوره الهام في إدراك مفاهيم وجودية كمفهوم « الله » و «النفس» باعتبار أنهما من الأمور المعنوية غير المادية، وكمفهومي «الامتداد» و «الشكل» الماديين، وذلك في مقابل أمور وصفية تدرك من خلال حركة الحواس الخارجية تدعى بـ «الكيفيات الثانوية» كاللون والطعم والرائحة.
(3) نسب «كانت» للذهن الإنساني مجموعة من المفاهيم الإدراكية كمفهومي «الزمان» و «المكان». وكان يسميها بالأمور المتقدمة على التجربة (ما قبل التجربة). وكان يعدّ فهم الإنسان ووعيه لمثل هذه القضايا المفهومية ـ إذا صح التعبير ـ خاصية ذاتية وفطرية للذهن الإنساني.
(4) لم نشأ التعمق تاريخياً وزمنياً في ملاحقة أقوال الفلاسفة من ذوي الاتجاه المادي للعقل والإدراكات الحسية، فمثلًا كان الفيلسوف «أبيقور» يقول: «لا يوجد شيء في العقل إلا كان قبل ذلك متحققاً في الحس». وهذه الجملة نفسها رددها من بعده، بقرون طويلة، الفيلسوف التجريبي «جون لوك».

[الصفحة - 287]


أولًا: إن معالجة مسألة الإدراك العقلي، في جوهره الفلسفي، ليست من شأن العلوم المادية. لأن العلم ينحصر أداؤه ونشاطه العملي في نقطة مركزية واحدة معينة، وهي أنه يبحث، من خلال أساليبه التجريبية ووسائله العلمية، في ماهية الأشياء كما هي في الواقع. لذلك لا يمكن أن نثبت أحداث الأجهزة المتعلقة بماهية التفكير والإدراك وظواهرها بالاستناد على ما تقدمه تلك العلوم من وسائل وأدوات وقوانين، على أساس أنها هي نفسها الإدراكات التي نحسها من تجاربنا في الواقع العام. وإنما الحقيقة التي لا يرقى إليها شك ولا جدال (5)، هي أن هذه الأحداث والعمليات الفيزيائية والكيميائية والفيزيولوجية، ذات صلة بالإدراك وبالحياة السيكولوجية للإنسان، فهي تلعب دوراً فعّالًا في هذا المضمار. بمعنى أن العلم لا يثبت مادية الإدراكات العقلية، على أساس أن هناك فرقاً واضحاً يبدو بين كون الإدراك شيئاً تسبقه أو تقارنه عمليات تمهيدية في مستويات مادية (6)، وبين كون الإدراك بالذات ظاهرة مادية، ونتاجاً للمادة في درجة خاصة من النمو والتطور والحركة.
ثانياً: هناك جملة من المفاهيم والقضايا العقلية لا تستند عملياً على الحس والمادة لإثبات مصداقيتها وحقيقتها الخارجية (من قبيل العلة والمعلول، الجوهر والعرض، الإمكان والوجوب، الوحدة والكثرة، الوجود والعدم، وما إلى ذلك من تصورات تصديقية ومفاهيم فلسفية أخرى)، الأمر الذي يجعل النظرية الحسية تحقق إخفاقاً ذريعاً في إرجاع جميع قضايا الإدراك الذهني البشري ومفاهيمه إلى المادة، لأن تلك المفاهيم هي مفاهيم انتزاعية أولية وثانوية، ينتزعها العقل الإنساني من خلال ملاحظته لحركة الواقع الكوني والإنساني، وعلى ضوء المعاني المحسوسة أيضاً.
ثالثاً: إن هذه «العبارة ـ القاعدة» نفسها (العقل مادي بالذات، وهو مادة في إدراكه ووعيه للوقائع كافة) هل هي معرفة أزلية (أو أولية) حصل عليها الإنسان من دون الرجوع إلى تجربة سابقة أو أنها ليست معرفة فطرية (غير ضرورية) بل هي تجريبية؟!
________________________________________
(5) الإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر، فلسفتنا، بيروت: دار التعارف، ص 323.
(6) المصدر نفسه.

[الصفحة - 288]


فإذا كانت معرفة أولية سابقة على التجربة فقد سقط المذهب التجريبي برمته، وبطلت مزاعمه جميعها. وبالتالي ثبت وجود معلومات وأفكار فطرية أولية وإدراكات غير مادية في مستوى معنوية العقل وروحانيته. أما إذا كانت هذه المعرفة تحتاج أساساً إلى تجربة كي تقرر صحتها ومصداقيتها (الحقيقية)، فمعنى ذلك أننا لا ندرك في بداية الأمر أن التجربة مقياس منطقي، مضمون الصدق، فكيف يمكن البرهنة ـ على صحته واعتباره مقياساً ـ بتجربة، ما دامت (هذه التجربة) غير مضمونة الصدق (7) بعد؟!. بمعنى آخر إن التجربة لا تؤكد قيمة ومصداقية نفسها، فكيف بغيرها. وبناءً على ذلك ستحتاج كل تجربة إلى تجربة أخرى وهكذا دواليك، حيث سنصل إلى التسلسل، والتسلسل باطل ومحال عقلًا..!!
يضاف إلى ذلك أن المذهب التجريبي عاجز ـ في مستوى إيضاحه للإدراك العقلي المادي ـ عن إثبات حقيقة المادة بالذات. لأنّ العلماء لم يصلوا حتى الآن، في جميع مستويات بحوثهم ونتاجاتهم العلمية (وتنوعاتها) إلى الدرجة التي تؤهلهم لمعرفة حقيقة المادة والكشف عنها بالذات. بل كل ما استطاعوا معرفته أساساً هو وجود مجموعة من الظواهر العرضية المختصة بحركة المادة في بعديها الذَّري والمجرّاتي ـ إذا صح التعبير ـ الخلوي والكوني. ولذلك فالحقائق الميتافيزيقية، وقولنا إن العقل جوهر روحاني في مستوى مادي، ليس هو وحده المحتاج والمفتقر إلى الإثبات، بل المادة هي نفسها بحاجة إلى ذلك.
رابعاً: في الواقع هناك جانبان يرتبطان بمادية الإدراك العقلي أو معنويته. وهما الجانب العلمي والجانب الفلسفي. والملكات العقلية الإنسانية تتصل عملياً بكلا الجانبين. أما الجانب الفلسفي فإنه يتجلى في نظرية الملكات والإدراكات التي تقسم العقل الإنساني إلى قوى إدراكية، وملكات ذاتية عديدة، من نشاط العقل والذهن وفعاليتهما، كالانتباه والذاكرة والتفكير والإرادة والصبر والعزيمة وغيرها. فهذه الفكرة تدخل في النطاق الفلسفي لعلم النفس، وليست فكرة علمية بالمعنى التجريبي للعلم. لأن التجربة ـ سواء كانت ذاتية، كالاستبطان، أم موضوعية كالملاحظة العلمية لسلوك «الغير» الخارجي ـ غير مؤهلة، علمياً، للكشف عن تعدد الملكات أو وحدتها. فإن كثرة القوى العقلية أو وحدتها، لا تقعان في ضوء التجربة مهما كان
________________________________________
(7) المصدر نفسه.

[الصفحة - 289]


لونها. أما الجانب العلمي من مسألة الملكات فيعني نظرية التدريب الشكلي في التربية التي تنص على أن الملكات العقلية يمكن تنميتها جميعها، وبلا استثناء، بالتدريب في مادة واحدة (8)، وفي نوع واحد من الحقائق. وقد أقر هذه النظرية عدد من علماء النفس التربويين المؤمنين بنظرية الملكات، التي كانت تسيطر على التفكير السيكولوجي إلى القرن التاسع عشر، افتراضاً منهم أن الملكة إذا كانت قوية أو ضعيفة عند الشخص، كانت قوية أو ضعيفة في كل شيء. ومن الواضح أن هذه النظرية داخلة في النطاق التجريبي لعلم النفس.
خامساً: استحالة انطباع الكبير في الصغير. بمعنى أن الإدراك العقلي الذي يرتكز على الخصائص الهندسية للصورة المدرَكة ـ وعلى أساس ظاهرة الثبات في الإدراك البصري للصور التي تنعكس في أذهاننا ـ ليست (هذه الخصائص) هي نفسها كما هي في الخارج، إذا أخذنا بعين الاعتبار ما توصل إليه العلم الحديث من أن الأشعة الضوئية تنطلق من المرئيات إلى العين، ثم تنعكس منها على الشبكية.
من هنا نجد أنّ إدراك العقل لمادية الأشياء، كما هي، أمر مستبعد هنا. لأن هذه الأشياء ـ ومعها جميع الصور المدرَكة ـ لها صفات وخصائص هندسية معينة من الطول، والعرض، والعمق. لذلك يستحيل أن تنطبع (تلك الصور) في فكرنا وذهننا كما هي في حقيقة الأمر.. كأن يدرك عقلك مثلًا طائرة أو سيارة أو حديقة، بوصفها نتاجاً مادِّياً قائماً في عضو الإدراك في الجهاز العصبي، وهو أمر غير وارد بالمطلق. لأن العقلَ ـ مع إدراكه لحقيقة الأشياء كما هي ـ سيظل يصدر أسئلته الفلسفية العميقة حول ماهية هذه الصورة العقلية، التي كوّنها الإحساس البصري مع أحاسيس وحركات أخرى، أين توجد؟! هل هي قائمة في عضو مادي، أو في صورة ميتافيزيقية مُجرَّدة عن المادة. ثم إن خلايا الإنسان تتجدَّد بالكامل، كما ذكر العلماء، كل حوالى عشر سنوات (9). لذلك من أين لنا أن نؤمن بأن صورة تمتد كيلومترات عديدة يمكن أن تنطبع على صفحة وريقية صغيرة جداً؟!. ويجب ألَّا ننسى هنا أن الصورة العقلية والإدراكات المتعلقة بها تميل إلى الثبات، ولا تتغير طبقاً لتغيُّرات الصورة المنعكسة عن الجهاز العصبي.. فمثلًا إذا جئنا بقلم كتابة، ووضعناه على بعد متر واحد منا، انعكست عنه صورة ضوئية خاصة، لها أبعاد
________________________________________
(8) المصدر نفسه.
(9) قد يقول بعضهم يمكن للخلايا القديمة، في مستوياتها المادية، أن تعطي الجديدة منها آثارها السابقة، بحيث ترث الجديدة المخزون الخلوي لمثيلاتها القديمة. طبعاً هذا القول لا يحل الإشكال والتساؤل المطروح أساساً: وهو: أي قوة مادية أو غير مادية يمكن لها أن تدرك قضايا الوحدة أو التشابه بين الصورة السابقة واللاحقة؟ ثم ما هي الطاقة الأساسية (الواعية المدركة) التي تقرر ـ في العمق الخلوي ـ انتقال مثل هذا الميراث من خلية إلى أخرى؟ إن التذكر لا يمكن أن يتم بمفرده من دون هذه المقارنة، وحتماً هذا هو الإدراك.

[الصفحة - 290]


محددة معروفة. وإذا ضاعفنا المسافة التي تفصلنا عنه ونظرنا إليه من على بعد مترين، فإنّ الصورة التي يعكسها سوف تقل إلى نصف ما كانت عليه في حالتها الأولى، مع إدراكنا لعدم تغير حجم القلم. أي أن الصورة العقلية للقلم، التي نبصرها أمامنا، تبقى ثابتة بالرغم من تغير الصورة المادية المنعكسة. وهذا يبرهن بوضوح على أن العقل (أو الإدراك) ليس مادياً، وأن الصورة المدرَكة ميتافيزيقية.
ومن الواضح أن هذا التفسير الفلسفي لظاهرة الثبات لا يتعارض مع أي تفسير علمي لها يمكن أنْ يُقدَّم في هذا المجال (10). فيمكنك أن تفسّر الظاهرة بأن ثبات الصورة المدركة ـ في مظاهرها المختلفة ـ يرجع إلى الخبرة والتعلّم، كما يمكنك أن تقول ـ في ضوء التجارب العلمية ـ إن هناك علاقات محددة بين الثبات في مختلف مظاهره، والتنظيم المكاني للموضوعات الخارجية التي ندركها، فإن هذا لا يعني حل المشكلة من الناحية الفلسفية، إذ أنّ الصورة المبصرة ـ التي لم تتغير طبقاً للصورة المادية، بل ظلّت ثابتة بفضل خبرة سابقة أو بحكم تنظيمات مكانية خاصة ـ لا يمكن أن تكون هي الصورة المنعكسة عن الواقع الموضوعي، على مادة الجهاز العصبي. لأن هذه الصورة المنعكسة تتغير تبعاً لزيادة البعد بين العين والواقع، وتلك الصورة البصرية ثابتة..
وهكذا نجد أن العقل، وإدراكاته المختلفة، ليسا ماديين بالذات أو قائمين بالمادة، بل إن الحياة الفعلية ـ بما تتضمَّنه من صور وأفكار وإدراكات ـ تتكامل في الحياة من خلال ممارسة حركة الفكر (11)والواقع، على صعيد الإنسانية المفكرة. وليست هذه الإنسانية المفكرة شيئاً من المادة كالدماغ أو المخ، بل هي درجة من الوجود مجردة عن المادة، يصلها الكائن الحي في تطوره وتكامله، فالمدرك والمفكّر هنا هو هذه الإنسانية اللامادية (الروحية)، وإن كان العضو المادي يهيى لها شروط الإدراك، للصلة الوثيقة بين الجانبين الروحي والمادي في الإنسان.
وقد حاول بعض الماديين الإجابة على هذا الدليل ـ مثلما عبّرنا سابقاً ـ من خلال اعتقادهم التجريبي بأنّ ما نراه هو صورة صغيرة ـ مثل الميكروفيلم ـ توجد في الجهاز العصبي، ثم نحن نتعرّف إلى حجمها الواقعي بمساعدة القرائن وقياس النسب (12). ولكن يلاحظ على هذا الجواب ما يأتي:
________________________________________
(10) المصدر نفسه.
(11) المصدر نفسه.
(12) محمد تقي الدين مصباح، المنهج الجديد في تعليم الفلسفة، بيروت: دار التعارف، لبنان، 1990، ص 218.

[الصفحة - 291]

 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف