البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

المرجعيّة القرآنيّة والاتجاه الأخباري في الفكر الشِّيعي(2)

الباحث :  الشيخ حيدر حب الله
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  34
السنة :  السنة التاسعة صيف 1425هجـ 2004 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 16 / 2015
عدد زيارات البحث :  1248
المرجعيّة القرآنيّة والاتجاه الأخباري في الفكر الشِّيعي(2)

الشيخ حيدر حب الله

في القسم الأول، من هذه الدِّراسة، المنشورة في العدد السابق، تمِّ البحث في مرجعية النص القرآني، وفي إشكالية هذه المرجعَّية في التراث القديم، وفي القسم الثاني والأخير يتم استكمال البحث.
مرجعية النَّص القرآني والصَّدمة الأخباريّة
بعد تسليط الأمين الاسترآبادي معاول النقد على أعمدة المدرسة الأصولية ورمزها القديم العلامة الحلي، سيطر الاتجاه الأخباري على الحياة الفكرية الشيعية سيطرةً تامّة لأكثر من قرن ونصف، وقد أُحكم الخناق، في هذه الحقبة الزمنية، على علم أصول الفقه، ففتر، ولم يظهر فيها أفذاذٌ من الأصوليين كما يرى الشيخ محمد رضا المظفّر (1)، أو على الأقلّ لم نجد نتاجاً جديداً مهمّاً سوى محاولة قام بها المولى عبدالله بن محمد، المعروف بالفاضل التوني (1071هـ)، وإلاَّ فإن كبار علماء الأصول في تلك الحقبة لم تصدر منهم محاولات تكسر ذلك الحصار الذي ضربه الأخباريون عليهم، ولم نجد خطوات نشطة في الرد على الأخباريين، وإن وجدنا معطيات متفرّقة كان لـها دورها المحدود بعد ذلك في علم أصول الفقه، وإذا أردنا أخذ عيّنات أمكننا ملاحظة تجربة الحسين بن ميرزا رفيع الدين المشهور بسلطان العلماء، صهر الشاه عباس الصفوي (1064هـ)، فقد كتب حاشيةً على "معالم الدين" للشيخ حسن ابن الشهيد الثاني، كما كتب شرحاً على "زبدة الأصول" للشيخ البهائي، وقد كتب المولى صالح المازندراني (1081هـ) أيضاً حاشية وشرحاً على الكتابين، وشرح الملا خليل القزويني (1089هـ) كتاب "عدّة الأصول" للشيخ الطوسي (460هـ)، وترك لنا الآقا حسين الخوانساري (1101هـ) حاشيةً على المعالم، وحاشيةً على شرح مختصر الأصول للعضدي، ولم يترك لنا - على ما يبدو - الآقا جمال الخوانساري (1125هـ) في الأصول سوى حاشية على شرح مختصر الأصول
________________________________________
(1) مقدّمة كتاب جامع السعادات للنراقي، بقلم الشيخ محمد رضا المظفّر، نشر إسماعيليان، قم، الطبعة الثالثة، 1963م، ص: (هـ).

[الصفحة - 115]


للعضدي، وحاشية على المعالم تنسب إليه من دون تأكّد من ذلك (2).
ورغم معطيات مهمة ضمن الداخل الأصولي قدّمها هؤلا العلماء، نذكر مثالاً لذلك ما ذكره سلطان العلماء في حاشيته على المعالم من أن أسماء الأجناس يستفاد منها الإطلاق بمقدّمات الحكمة المعروفة لا بالوضع، حيث شكّل هذا القول الذي لم يسبق إليه، في ما نعلم، بداية تحوّل في مباحث الإطلاق والتقييد خالف فيه سلطان العلماء مشهور من تقدّمه من الباحثين (3)... ولا يبدو، على الرُّغم من ذلك، أنّ هناك معطيات مهمّة على صعيد الجدل الأخباري الأصولي، خصوصاً مسألة مرجعية النص القرآني، وهذا ما دفعنا إلى تسمية تلك المرحلة بالصدمة الأخبارية التي أفقدت مدرسة الأصول توازنها واستمراريّتها.
لكن وسط الصدمة، ثمة محاولة تستحقّ التقدير المضاعف، وهي محاولة الفاضل التوني (1071هـ) في إعادة ترتيب نظم علم أصول الفقه، وقد ظهرت إبداعات التوني في كتابه الشهير: "الوافية في أصول الفقه"، وربما كانت لـه في حاشيته على "معالم الدين" إبداعات، إلا أن هذه الحاشية لم تصل إلينا مع الأسف، وقد تمحورت إبداعات التوني على موضوعات ثار حولها الجدل بين الأخباري والأصولي، مثل شرعية الاجتهاد والتقليد، ومباحث الظنون، وخبر الواحد، وحجيّة الظواهر وغيرها (4).
ولسنا في صدد دراسة تجربة التوني، بل نهدف إلى تحليل موقفه من مسألة مرجعية النص القرآني فقط.
لكن تجدر الإشارة ـ قبل دراسة التوني ـ إلى أن الفائدة الثامنة والأربعين من الفوائد الطوسية، تبيّن أن الحرّ العاملي كان في صدد الردّ على دراسة أصولية معاصرة له تبحث في موضوعنا، ولم نعرف من هو كاتب هذه الدراسة، لكن بالتأكيد هذا الكاتب معاصر للفاضل التوني وللحرّ معاً، وتحليل رسالته يجعلنا على يقين من وجود ردّ نقدي جيّد جداً بمستوى تلك المرحلة على الفكرة الأخبارية هنا، يدركها القارئ حينما يطالع الفائدة المذكورة.
الفاضل التوني والبدايات المترجِّحة في الردّ على "السنّة فقط"
يتخذ الفاضل التوني، في دراسته لتخصيص عمومات القرآن بأخبار الآحاد، موقفاً سلبياً، بمعنى التوقف والتردّد في تجويز هذا التخصيص أو رفضه، ويُرجع التوني توقّفه هذا إلى سببين: أحدهما ما يراه الشكّ في وجوب اتباع ما يفهم من ظاهر القرآن على الإطلاق، وثانيهما: الشك
________________________________________
(2) انظر حول نتاج هذه الشخصيات كتاب "در آمدي به تاريخ علم أصول" (فارسي)، مهدي علي بور، ص252 ــ 269.
(3) انظر في دعوى أنه لم يُسبق سلطان العلماء إلى هذا القول، كتاب "أصول الفقه" للشيخ المظفّر، ج1: 169.
(4) انظر "در آمدي به تاريخ علم أصول"، مصدر سابق، ص255.

[الصفحة - 116]


في حجية خبر الواحد وقيمته على الإطلاق ( 5 ).
ويعنينا هنا شكّه الأوّل، لماذا هذا الشك عند التوني في الرجوع على ظواهر القرآن مطلقاً؟!
يقدّم لنا التوني مسوِّغات ثلاثة هي:
1 ــ الروايات التي دلّت على حصر علم القرآن بهم (عليهم السلام) (6)، والتوني بهذا المسوِّغ تأثّر على ما يبدو بمعاصره الأخباري الحسين بن شهاب الدين الكركي، كما أسلفنا، ولم يرضَ التوني بردّ هذا الكلام بأن نصوص الحصر بهم(عليهم السلام) تعني حصر فهم القرآن كلّه، وهي المقولة التي راجت بين الأصوليين في ما بعد ولا تزال نافذةً حتى اليوم (7)، بل كانت مقبولةً حتى عند بعض الأخباريين كالفيض في الأصول الأصيلة (8)، وسبب عدم رضا التوني بهذا التفسير لـهذه النصوص أنه يراه مخالفاً لما فهمه العلماء الأوّلون منها (9).
ولم ندرِ من هم هؤلاء العلماء الذين قصدهم التوني بعد أن قرأنا نصّ الطوسي في التبيان؟
2 ــ إن الأخذ بظاهر القرآن على الإطلاق يلزم منه طرح أكثر الأخبار التفسيرية، لأن أغلبها مخالف لظاهر القرآن بحسب الوضع اللغوي، كتفسير الشمس بالنبي (صلي الله عليه و آله و سلم)(10).
وهذا المسوِّغ يحتاج إلى تشريح، فإذا قصد من الروايات التفسيرية ما يشمل مثل النصوص المخصّصة أو المقيّدة... للقرآن، فلعلّ كلامه يغدو متوقّعاً، لأن حذف هذه النصوص، فضلاً عن غيرها، يؤدّي بالتأكيد إلى تنحية عدد هائل من نصوص السنّة. أما إذا قصد ما هو غير ذلك، وفقاً للمثال الذي أتى على ذكره، فإن طرح هذه النصوص ــ على تقدير عدم تبنّي موقف آخر منها ــ لا حذر فيه ميدانياً وفقاً لكمّه ونوعيّته.
ولنا أن نضيف: إذا كان التوني يريد بمقولته هذه إقصاء النص القرآني عامّة، ولو في آيات الأحكام فقط (وإن كان مثاله يتعدّاها) فهذا غير مفهوم، لأن مرجعية السنّة على وزن مرجعية الكتاب فلماذا هذا التقديم وما هو مسوِّغه؟! وإذا كان يريد هدم جزءٍ من تلك المرجعية فهذا ما يخالف عرض الحديث على الكتاب إلا إذا أراد من روايات التفسير ما يشمل التخصيص والتقييد، وإذا كان قصده مجرّد التوقّف وعدم بتّ في الموضوع فهو أمرٌ راجع إليه، ناتج عن حالاته النفسية المنبعثة من موازنة دور نصّي الكتاب والسنّة معرفياً وعملانياً.
3 ــ يشير التوني، في مسوِّغه الثالث، إلى التوقُّّف إلى ما يمكن القول: إنه أوّل بداية سمحت للميرزا القمي (1321هـ) في ما بعد بتحديد قيمة دلالة النصوص بمن حضرها عندما
________________________________________
(5) الفاضل التوني، الوافية في أصول الفقه، مجمع الفكر الإسلامي، إيران، تحقيق السيد محمد حسين الرضوي الكشميري، الطبعة الأولى، 1412 هـ ، ص136، وانظر البهبهاني في الفوائد الحائرية: 285.
(6) المصدر نفسه: 137 ــ 140، وقد جمع هذه الروايات المجلسي في بحار الأنوار 92: 78 ـ 106.
(7) راجع كفاية الأصول: 326، ومنتقى الأصول 4: 218، ومدخل التفسير: 168، ودروس في مسائل علم الأصول ج3: 128، والبيان: 266 ـ 267.
(8) الأصول الأصيلة: 38.
(9) الوافية: 141.
(10) المصدر نفسه: 136.

[الصفحة - 117]


صدرت، أي لذلك الذي شوفه بها، لا لمن عاش العصور اللاحقة، وهذه الفكرة وغيرها كانت سبباً لتكوّن نظرية الانسداد في العقل الشيعي (11)، وتلتقي فكرة التوني مع مقولات الهرمنيوطيقا الحديثة أيضاً، حيث يذهب إلى أن العمومات القرآنية لعلّها كانت حين صدورها مقترنةً بما يجعل معناها واضحاً عند أولئك المخاطبين الذين كانوا حضروا ملابسات الصدور وظروفه الموضوعية، ومن ثمّ لمّا استطال الزمان وتمادى وضاعت علينا تلك الملابسات الحافّة بالنص لم يعد بإمكاننا الاعتماد على فهمنا لـه اليوم (12).
وقد حاولت المدرسة الأصوليّة، في ما بعد، التملّص من هذه الإشكاليات بأساليب وطرق متعدّدة، ليست مجال بحثنا، ولعل أكمل صياغة للردّ الأصولي على هذا الكلام هو ما ذكره السيد باقر الصدر (1400م) في مقولات أصالة الثبات في اللغة رغم تحوّلها الواقعي، والظهور الذاتي والموضوعي، والظهور الموضوعي لعصر الفهم وعصر صدور النص، ولسنا فعلاً في صدد هذا الموضوع فلا نبتّ فيه (13).
بهذه المسوِّغات الثلاثة اقترب التوني بعض الشيء من الموقف الأخباري، أو فلنقل ترجَّح بين الأخبارية والأصولية من حيث لا يقصد، وربما لبعض التقارب هذا أو الترجُّح نعته الخوانساري في "روضات الجنات" بأنّه أخباري معتدل (14)، مع أنّه أصولي بالتأكيد.
لكنّ التوني في دراسة لاحقة من كتابه عينه: "الوافية" عمّا يحتاجه المجتهد من العلوم، وتموضع في الجبهة الأصولية، ليحصر ذاك التردّد في أصل مقولة تخصيص الكتاب بأخبار الآحاد، لا بما يوجِد إشكالية في مبدأ فهم الكتاب نفسه.
وفي هذه الدراسة اللاحقة، يحاول التوني الإجابة عن تلك النصوص التي ذكرت انحصار فهم القرآن بهم (عليهم السلام)، لكنه هذه المرّة يغيّر جوابه، فيعتقد بأن المراد منها ما كان من حمل الكلام على خلاف المدلولات الظاهرة، أما الظواهر فلا شك في جواز اعتمادنا عليها (15).
ويدعم التوني موقفه بثلاثة مدعّمات هي:
أ - إن الطبرسي في مجمع البيان - كما تقدّم معنا - يرى أن التفسير هو كشف المراد عن اللفظ المشكل، أي ليس شرحاً لظواهر الكتاب.
ب - سيرة السلف من العلماء الذين استدلوا بالكتاب في مؤلّفاتهم، بما في ذلك كتاب زعيم المدرسة الأخبارية القديمة الشيخ الصدوق، حيث نجد استدلالاً بالقرآن في مواضع
________________________________________
(11) انظر حول رأي الميرزا القمّي كتابه: القوانين المحكمة، ج1: 227 ـ 139، وانظر حول نظريّة الانسداد التي تعني مرجعية مطلق الظن نتيجة انسداد طريق العلم أو غيره مما هو معتبر عند الشارع، فرائد الأصول 1: 183 ـ 211.
(12) الوافية: 136.
(13) للمراجعة: بحوث في علم الأصول 4: 291 ـ 295، ودروس في علم الأصول للسيد باقر الصدر، الحلقة الثالثة، القسم الأول، ص276 ـ 280، وانظر البهبهاني في الفوائد: 285 ـ 286 حيث أشكل بأن هذا الكلام يجري في السنّة أيضاً.
(14) محمد باقر الخوانساري، روضات الجنّات في أحوال العلماء والسادات، ج1: 137.
(15) الوافية: 258.

[الصفحة - 118]


عديدة من "كتاب من لا يحضره الفقيه"، خصوصاً مبحث المواريث، وما يقولـه التوني هنا، يناقض ما أسلفناه عن معاصره الكركي في الاعتماد على سيرة السلف في عدم تفسير القرآن إلا بالنصوص الروائية، وكأنّه ـ أي التوني ـ يريد أن يحتجّ عليه بذلك، خصوصاً من كتب تيّار الحديث نفسه، وقد قام بالمحاولة نفسها، في ما بعد، السيد عبدالله شبّر (16).
ج - إن الأئمة أنفسهم استخدموا منهج الاستدلال بالكتاب، ونقلوه لأصحابهم ما يدل على شرعيّته(17).
والتوني في "أ" و "ج" يفتح الطريق على دليلين أساسيّين تبنّتهما مدرسة الأصول حتى عصرنا الحاضر (18).
لكن التوني لا يقف عند هذا المعنى للانحصار، بل يعود لتبنّي ما كان ردّه من قبل، فيرى أن معنى الانحصار هو انحصار تمام علم القرآن بهم (عليهم السلام)، وما يؤيّد هذا التفسير ـ عنده ـ أن الكليني (329هـ) روى أن كلمة "القرآن" اسم للمجموع، لا لكل آيةٍ آيةٍ، فحينما يقال: هم فقط يعرفون القرآن، عنى ذلك أنّهم يعرفون مجموعه، ولا يعني أن غيرهم لا يعرف بعضه (19).
ويواصل التوني سرده ــ وهنا أهمية التوني ــ للأدلة التي تشيد مرجعية القرآن وتتكرّس، في ما بعد، أهم أدلّة مدرسة الأصول، فيذكر أن الروايات التي تدل على لزوم عرض الأحاديث على الكتاب لا معنى لـها إذا لم يكن فهم الكتاب - بمعزلٍ عن الأحاديث-ممكناً، وهو ما أسلفنا أن البحراني والعاملي حاولا ردّه بمحاولة سبق أن ناقشناها، وليؤكّد التوني دليله المهم هذا يراه متواتراً بما يرفعه إلى حدّ اليقين بصدوره عن أهل البيت(عليهم السلام) (20).
ويواصل التوني نقد أدلّة الأخباري وتشييد أدلّة جديدة للأصولي بالردّ ــ ولو لم يذكر بالاسم- على معاصره الفيض الكاشاني الذي سبق أن أشرنا إلى ضلوعه في إثارة فكرة التحريف، فيرى المقولة مرفوضة عند الأكثر، ولو لم تكن كذلك لأمكن العمل بهذا الكتاب، لأن ذلك مبرئ للذمة، وهي المقولة نفسها التي اختارها الفيض، في ما بعد، وطوّرها البحراني (21).
إن الفاضل التوني شيّد أهم أدلّة للمدرسة الأصولية في موضوع بحثنا، وهي أدلّة أخذها في ما بعد، الوحيد البهبهاني (1205هـ) وراكمها وزاد عليها، لكن التوني جاء في عصر انطلاقة
________________________________________
(16) الأصول الأصليّة: 94.
(17) انظر هذه المؤيّدات الثلاثة للتوني في الوافية: 259.
(18) انظر ــ كعينات ــ بحوث في علم الأصول 4: 288 ـ 289، ومباحث الأصول 2: 239، وتفسير "تسنيم" ج1: 92 ـ 98، وأوثق الوسائل: 77، ومدخل التفسير للفاضل اللنكراني: 163 ـــ 165، والبيان: 263.
(19) الوافية: 259.
(20) المصدر نفسه.
(21) المصدر نفسه: 260.

[الصفحة - 119]


الأخبارية فلم تكن ردوده بمسموعة، لكنها سرعان ما حازت على أهمية بعد مضي العصر الذهبي للاتجاه الأخباري، وسوف نرى أن نتاجات الأصوليين الذين تلوا الفاضل والوحيد في هذا الموضوع كانت في الغالب مكرَّرة باستثناء تجربة واحدة كانت أكثر عمقاً وأبسط تحليلاً، وستأتي.
الوحيد البهبهاني وانتصار المرجعيّة القرآنيّة
بعد الفاضل التوني الذي يناظر عمله في هدم الأخبارية عمل الاسترآبادي في تشييدها، جاء الوحيد البهبهاني ليطوّر نظرية الظهورات القرآنية، ويسقط نظرية "السنّة فقط"، ويركّز الوحيد البهبهاني نقده للأخبارية في هذا الموضوع بالخصوص في كتابه "الفوائد الحائرية"، فيدخل البحث ناسباً إلى الأخباريين المنع مطلقاً عن حجيّة القرآن، واصفاً مقولتهم هذه بأنّها في غاية الغرابة (22).
لكن الوحيد البهبهاني، في إطلاقه هذا، لايبدو لنا مصيباً، فقد أسلفنا أن الفيض الكاشاني وبعده المحدّثين البحراني والجزائري كانوا معتدلين في هذا الموقف، فلم يذهبوا للمنع مطلقاً، وهم من أكابر رجالات الأخبارية، علاوةً على أن البحراني أيضاً قد صرّح بوجود اتجاهات متعدّدة داخل التيار الأخباري، وهذان الأمران من شأنهما أن يجعلانا نتحفّظ عن نسبة هذه المقولة بشكلها المفرط الذي تبنّاه الاسترآبادي إلى رجالات الأخبارية جميعهم، وهذه الملاحظة نسجّلها على غير باحث متضلّع أطلق هذه النسبة من دون أن يدقّق في تيارات الأخبارية وأطيافها اعتدالاً وتطرّفاً إن صح التعبير، ومن بينهم الشيخ جعفر كاشف الغطاء في رسالته "الحق المبين" (23) و...
ومسألة انقسام الأخبارية إلى فريقين: معتدلٍ ومتطرّف تكاد تكون حقيقة يقرّ بها غير باحث ومتابع(24)، فالاسترآبادي والميرزا الأخباري المقتول والمحدّث الجزائري من متصلّبي الأخبارية، بل صرّح المحدث النوري بأن الحرّ العاملي كان أصلب من الجزائري (25)، أما المحدّث البحراني فهو معتدل، تماماً كما قيل عن العلامة المجلسي: إنّه من معتدلي الأخباريّة (26)، أما الفيض فاختلف فيه بين الدارسين (27)، وإنما ركّزنا في هذه الملاحظة على كلام البهبهاني وغيره، لكونها سوف تساعدنا في الخروج بتصوّر نهائي عن المسار التاريخي العام لموضوع بحثنا.
وقد أضاف الوحيد البهبهاني كثيراً من المطالب على ما وضعه أسلافه، خصوصاً الفاضل
________________________________________
(22) الوحيد البهبهاني، الفوائد الحائريّة، مجمع الفكر الإسلامي، إيران، الطبعة الأولى، 1415هـ، ص283.
(23) الشيخ جعفر كاشف الغطاء، الحق المبين في تصويب رأي المجتهدين وتخطئة الأخباريين، تحقيق السيد محمد كاظم الروحاني، نشرت ضمن سلسلة كنجينه بهارستان (فقه وأصول)، وزارة الثقافة الإسلامية، إيران، الطبعة الأولى، 2002م، ص19.
(24) انظر حول ذلك الكتب التي تحدّثت عن الأخباريّة مثل: الاجتهاد أصوله وأحكامه، لبحر العلوم، والدرر النجفية والحدائق للبحراني و درآمدي به تاريخ علم أصول و....
(25) رغم قولـه بأنّ المحدّث الشيخ نعمة الله الجزائري كان متابعاً وشبه مقلّد للاسترآبادي في كتابيه شرح التهذيب والأنوار النعمانية حتى في عناوين المطالب، إلاّ أنه ينعت الحرّ العاملي بأنّه كان أصلب في الأخباريّة من الجزائري، انظر خاتمة مستدرك الوسائل، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، إيران، الطبعة الأولى، 1420هـ، ج9: 319 و320.
(26) "الفيض القدسي في ترجمة العلامة المجلسي" المحدّث النوري، نشر مرصاد، إيران، الطبعة الأولى، 1419هـ، المقدّمة، بقلم المحقق السيد جعفر النبوي، ص15، نقلاً عن "علامه مجلسي بزركَمرد علم ودين".
(27) انظر حولـه لؤلؤة البحرين: 121، فقد نعته بالأخباري الصلب، وينص الميرزا التنكابني في "قصص العلماء" على أخبارية الفيض الخالصة لكنه يرى أنّه ألّف "مفاتيح الشرائع" على طريقة المجتهدين، ص346، وراجع أيضاً در آمدي به تاريخ علم أصول، ص231، والشيخ إبراهيم الجناتي، في أدوار فقه، ص340، كما ونصّ في روضات الجنّات على اعتدال الجزائري، والحر العاملي، خلافاً لرأي المحدّث النوري، وصدر الدين الهمداني، والبحراني كما في ج1: 137. ويبدو أنّ الفيض كان معتدلاً في أغلب حياته، وأن أواخر حياته اتسمت ببعض التشدّد، سيما في كتابه "سفينة النجاة" المطبوع بهامش الأصول الأصيلة، فقد حمل في هذا الكتاب بعنف على خصوم الأخباريّة ودافع عن الكثير من أفكارها، فبدا فيه متشدّداً أكثر من غيره، وإذا لاحظنا تاريخ تأليف هذا الكتاب وجدناه قبل وفاة الفيض بعامٍ واحد أي سنة 1090هـ (أنظر ص245 من الكتاب نفسه)، وهذا ما يجعلنا نجد أخبارية الكاشاني تتّجه مع حياته وتتنامى إلى أن تبلغ في آخرها قمّة الأخباريّة وفقاً لهامش سبق أن أدرجناه.

[الصفحة - 120]


التوني في هذا الموضوع، فرغم احتجاجه بسيرة السلف وعلماء الإمامية على العمل بالقرآن، ما كان التوني قد ذكره (28)، قدَّم البهبهاني جملة معطيات أرى أنّه من المهم معرفتها، وأبرزها:
أولاً: جعل الوحيد البهبهاني مدخله إلى هذا الموضوع عقلانياً لا نصياً نقلياً، فقد حاول الاستفادة من المقولة القاضية بأن الحجة هو قول الله، أما قول رسوله وأهل بيته(عليهم السلام) فإن حجيته إنما تتمثَّل في أنَّه يكشف لنا عن قول الله تعالى، ومعه فلا معنى للتوقّف في قول الله سبحانه (29).
وبهذا أضفى الوحيد على قول الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) وأهل البيت(عليهم السلام) طابعاً أداتياً، وبحسب التعبير الأصولي المتداول اليوم أَخَذَهُما على نحو الطريقية لكلام الله سبحانه، فأشاد الأصالة لقول الله تعالى، وهذا ما جعله يرفض النصوص التي تُوُهّم أنها تدعو لعدم العمل بقول الله سبحانه، بل يصرّ الوحيد على رفضه هذا حتى لو كانت هذه النصوص المانعة صريحةً في منعها انطلاقاً مما أسلفنا (30)، وهو ما اقتدى به فيه في ما بعد، الميرزا القمي في "القوانين" وغيره (31)، وبهذا ظهر أوّل ردّ فعل عقلاني من التيار الأصولي ينسجم مع مبدأ تقديم العقل على النقل، وإلاّ فكيف سوّغ الوحيد لنفسه الإطاحة بالنصوص الصريحة بناءً على مقولة لا يبدو في منطلقها أنه استقاها من مصادر تشريعية نقلية؟!
ورغم أهميّة هذا التطوّر في معالجة الموضوع، إلاّ أننا لا نجده سليماً، بل فيه نوع من المصادرة أو حتّى المغالطة بالنسبة للأخباري، فإن قول الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) وأهل بيته(عليهم السلام)طريق لمعرفة حكم الله، لا لمعرفة قول الله حتى نتخذ قول الله هذا مجدَّداً سبيلاً لمعرفة حكمه، فتكون شرعية قول الرسول متفرّعة على شرعية القول الإلهي. وبعبارة ثانية: إن كلام الوحيد يغدو سليماً حينما ينقل لنا الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) نصّ كلام الله تعالى، فنغدو بدورنا مضطرين لفهم الكلام الإلهي لبلوغ المراد عنده سبحانه، أما إذا كان نص كلام الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) ليس حكايةً عن قول الله فهو لا يمرّرنا بنص إلهي حتى نعبره إلى الحكم الشرعي، بل يربطنا مباشرةً بهذا الحكم، فإذا ادعى الأخباري أن بين النص القرآني والنص الروائي اختلافاً بنائياً ما فلا يغدو تسويغ الاعتماد على النص الروائي مسوِّغاً لشرعنة الاعتماد على النص القرآني، فالمدخل العقلاني للوحيد كان ضرورة لتطوير آليات قراءة هذا الموضوع الشائك، وللخروج من الأزقّة الفرعيّة التي تريد الأخبارية أن تدفع خصومها للمرور فيها، لكن مع ذلك لا تعني موافقتنا على تحويل المدخل من نصيّ إلى عقلاني يُحاكم على أساسه النصوص أنّ مفردات المدخل التي اختارها الوحيد كانت سليمة، ولهذا لا نجد مسوِّغاً
________________________________________
(28) الفوائد الحائرية: 284.
(29) المصدر نفسه: 283.
(30) المصدر نفسه.
(31) القوانين المحكمة، ج1: 383، والأمر نفسه فعله أبو المجد محمد رضا النجفي في كتابه "وقاية الأذهان"، ص504.

[الصفحة - 121]


لقولـه في ردّ روايات الأخباري: "وحاشاهم(عليهم السلام)الأمر بعدم إطاعة قول الله" (32).
ثانياً: عبر محاولة عقلانيةٍ أخرى أثار البهبهاني إشكاليّةً جديدة على التيار الأخباري، فقد حاول الارتداد على المقولة الأخبارية بالتشكيك في صدور نصوص السنّة، إذ كيف يمكن تسويغ الظنون الناتجة عن الروايات وشرعنتها رغم الشك في أصل صدور الروايات، ولا يكون تسويغنا هذا شاملاً لنصوص القرآن مع العلم بأنها يقينية الصدور، فالسنّة لا يعلم هل هي من كلام الشارع أو لا؟ بينما يعلم حال القرآن، فكيف نأخذ بظن دلالي في السنّة من فوقه ظنّ سندي ولا نأخذ بظن دلالي من القرآن لا ظن فيه غيره؟! مع أن دليل شرعية الظن يشمل الطرفين معاً (33)!
ويبدو أن الوحيد كان يريد فتح ثغرة في المنظومة الأخبارية عبر التعرّض لظنية السنّة، لكننا نرى محاولته هذه غير مجدية ولا موفّقة وذلك:
أ ــ إن تياراً عظيماً في الأخبارية يرى أن نصوص الكتب الأربعة جميعها يقينية الصدور (34)، فهذا الكلام لا يعنيها، ومن ثم يغدو إشكالاً مترتباً على حلّ تلك المقولة في مرحلة سابقة.
ب ــ قد أشرنا إلى أن الأخباري يرى فرقاً جوهرياً في بنية النصَّين: القرآني والروائي، وهذا الفرق الجوهري يمنع عنده عن أصل إمكانية فهم القرآن أو أن نصوص السنّة مَنَعَتهُ من الأخذ بفهمه للنص القرآني، فيقينية الصدور أو عدم يقينيَّته لا تؤدِّي أيّ دور في حسم الخلاف هنا، ولعل الوحيد تعاطى مع الموضوع من زاوية منطلقاته هو، وهي منطلقات لا تميّز بين بنائي النص القرآني والروائي من حيث إن فهم مداليل النصوص فيهما يخضع لنسق واحد، إذن فهذه الخطوة العقلانية الثانية التي اعتمدها الوحيد، وإن كانت تمثّل تقدّماً في المنهجة والمعالجة، لكنّها لا تحسم النـزاع هنا لصالح المدرسة الأصولية.
ثالثاً: المحاولة العقلانية الثالثة التي قام بها الوحيد تمثّلت في دمجه بين النَّص والظاهر من حيث طبيعة التعامل معهما، فبعدما عدَّ إقرار الأخباري بالعمل بالنص القرآني الصريح مأخذاً عليه، انتقد محاولة بعضهم التمييز بين الصريح والظاهر، معتبراً أنهما ضمن سياق واحد وفقاً لما تفيد الأدلة والأخبار (35 ).
إن الوحيد يحاول هنا التعامل مع النص القرآني بوصفه وحدةً متكاملةً غير قابلة للتشطير أو الانشطار، تبعاً لأنواع من الدلالات، فإما أن نقرّ بمرجعية النص القرآني أو نلغيها على
________________________________________
(32) الفوائد الحائرية: 283
(33) المصدر نفسه: 284 ــ 285.
(34) انظر الفوائد المدنية: 154 ـ 155 و181 ـ 191، ووسائل الشيعة 30: 193 ـ 218، الفائدة السادسة، ويفهم نحوه من حديث المحدّث النوري حول كتاب الكافي في خاتمة المستدرك، ج3: 463، وأيضاً معجم رجال الحديث للخوئي 1: 22.
(35) الفوائد الحائريّة: 286.

[الصفحة - 122]


الإطلاق.
ومحاولة الوحيد هذه جديرة بالاهتمام في سياقها العقلاني، لأنّها تؤكّد استخدام مبدأ واحد في منهاج التعامل مع القرآن، لكن مع ذلك، يبدو لنا أن الوحيد بمقولته هذه يقع في مفارقة حتى وفاقاً للمبادئ الأصولية.
إن القاعدة الأساسيّة التي أرساها الاسترآبادي في العقل الأخباري تقضي بعدم جواز الاعتماد على الظنون أبداً، ولهذه القاعدة سعى الأمين الاسترآبادي لتأكيد يقينية المصادر الحديثية، بل سعى لتأكيد يقينية الدلالة الحديثية أيضاً (36)، ولما ذهب - هو أو غيره - إلى كون دلالات النص النبوي أو القرآني غير يقينية انسجم مع ذاته برفضها إطلاقاً، وهذا معناه أن عنصري اليقين والظن هما الميزان الذي حاولت الأخبارية أن تهتم به على الصعيد العقلاني، حتى لو صرفنا نظرنا تلقاء المدرسة الأصولية لوجدنا التمييز راسخاً بين اليقين والظن، فاليقين في العقل الأصولي لا يحتاج إلى من يمنحه القيمة والاعتبار، بل هو الذي يمنح ذاته بذاته، أما الظن فهو دائم الافتقار إلى من يعطيه قيمة ما في مجالٍ ما كالتشريع (37).
وإذا فهمنا أن مصطلحي الصريح والظاهر هما مصطلحان يرادفان، في عالم الدلالة عند علماء المسلمين، اليقين والظن، صار بالإمكان - وفقاً للأسس المعرفية نفسها - تسويغ التمييز بينهما، ومن ثم الإقرار بأن شطراً من الدلالات القرآنية يمكن الأخذ به والعمل وفقه، في ما يلزم للأخذ بالشطر الآخر الحصول على مجوّزٍ ما بدليل معيّن.
إن تشطير دلالات النص القرآني واقع لا مفرّ منه وفقاً للبناءات الأصولية وغيرها.
لقد كان المفترض بالوحيد البهبهاني، وهو يشيد البناء العقلاني لمرجعية النص القرآني ويتقدّم خطوةً إلى الأمام في المنهجة والمداخل.. أن يحلّل بناء النص القرآني وبناء النص الروائي ليتأكّد من أن أيّاً من البنائين لا يتميَّز عن الآخر، وأن محاولات التمييز مجرّد احتمالات لا يقبلها العقل ولا المنحى العقلاني، ليتفرّغ بعد ذلك للرد على نصوص الأخباريين الروائية، ولربما نجح الوحيد حينها في قلب المعادلة بإثارة زوبعة تثير الغبار حول دلالات النص الروائي انطلاقاً من معطيات ليست مجال بحثنا، ولا ندّعي أنّها تعطل تماماً الأخذ بمثل هذا النص، لقد حاول الوحيد - مثلاً - أن يجرّ النار التي أشعلها الأخباري في النص القرآني إلى نصّ السنّة ليستخدم منهجاً جدلياً نقدياً عبر القول بأن نص السنّة كذلك لا تعرف الشواهد والقرائن التي كانت حافّة به لحظة صدوره (38)، ولو أنه حاول نقل النار بدل تسريتها إلى الطرف الآخر لربما
________________________________________
(36) انظر نظرية الاسترآبادي في رفض الظن، كتابه الفوائد المدنية: 90 ـ 128.
(37) التفرقة هذه بين اليقين والظن تجدها في عامة الكتب الأصولية، فراجع.
(38) الفوائد الحائرية: 285 ــ 286.

[الصفحة - 123]