البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الانبعاث الشيعي في العالم قراءة في كتاب «جيوبولتيك التشيع»

الباحث :  أ. محمد دكير
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  25
السنة :  السنة السابعة ربيع 1423هجـ 2002 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 15 / 2015
عدد زيارات البحث :  1402
الانبعاث الشيعي في العالم
قراءة في كتاب «جيوبولتيك التشيع»

«إنَّ يقظة المهمَّشين، داخل العالم العربي، لها عواقب وخيمة، بالنسبة لاستقرار الأنظمة السياسية القائمة، وبسبب النزعة القتالية لهذا العالم الشِّيعي الذي بدأ يستيقظ».
‏فرانسوا تيال

أ. محمد دكير (*)

أسباب الاهتمام الغربي بالتَّشيُّع
مباشرة بعد انتصار الثورة الإسلامية، في إيران، وسيطرة الإسلاميين على مقاليد الحكم، اتجهت أنظار الباحثين والمختصين بشؤون السّياسة والاستراتيجيا، في الغرب، إلى البحث في جذور هذه الثورة وأسبابها وعوامل القوَّة الداعمة لها، خصوصاً، وقد أعلنت عن نفسها بأنَّها ثورة ذات أيديولوجية عقديَّة لها تاريخ طويل من المقاومة والتَّجارب الثوريَّة، من أجل التغيير والإصلاح داخل الأمَّة الإسلامية. بالإضافة إلى الموقع الاستراتيجي لإيران، في منطقة شديدة الحساسية، وتعني للغرب الشيء الكثير على المستوى الجيوسياسي. هذه العوامل وغيرها تقف وراء الحجم الكبير، من المقالات والدِّراسات والكتب والبحوث الأكاديمية التي صدرت في العواصم الغربية، خلال العقدين المنصرمين، بحيث استطاعت أن ترصد كل ما يتعلق ليس بإيران فقط، وإنَّما بالتَّشيُّع بوصفه مذهباً إسلامياً وامتداداته الجغرافيَّة والمذهبيَّة في العالمين: العربي والإسلامي.
________________________________________
(*)باحث من المغرب

[الصفحة - 261]


وقد بذلت هذه الجهود بغية التوصُّل إلى رؤية جيوسياسية علميَّة تساعد مراكز القرار السِّياسي في الغرب على فهم هذه الظَّاهرة (الثورية الشِّيعيَّة)، والتَّعاطي معها في إطار خطط استراتيجية مُحْكَمة، تحتوي تداعياتها السَّلبيَّة المحتملة وتأثيرها على المصالح الغربيَّة في منطقة الشرق الأوسط تحديداً؛ حيث تتواجد الاحتياطات العالميَّة الضخمة للنفط، وهو عصب الحياة الاقتصادية في الغرب.
ومن ثمَّ فهذه الكتابات تمثل، أوَّلًا، وجهة نظر غربيَّة، لذلك فهي امتداد للدِّراسات الاستشراقية التي لها، بطبيعة الحال، إيجابياتها إلى جانب السَّلبيات، بالإضافة إلى كونها دراسات موجَّهة، كما قلنا، لمراكز القرار السِّياسي والاقتصادي الغربية، وللقارىء الغربي عموماً، وبناءً عليها توضع الاستراتيجيات السياسية والاقتصادية الغربية تجاه العالم الإسلامي. من هنا تكتسي أهمِّيتها بالنسبة للمراقب في العالم الإسلامي، فمن، خلالها، يمكن التعرُّف على كيفية التعاطي الغربي السياسي والاقتصادي والثقافي مع أي ظاهرة سياسيَّة أو ثقافيَّة أو دينيَّة، عربيَّة أو إسلاميَّة، يمكنها أن تمثِّل خطورة آنيَّة أو مستقبليَّة على مصالح الغرب ونفوذه في العالمين العربي والإسلامي، علاوة على الاطلاع على كمٍّ كبير من المعلومات والحقائق غير المتوافرة في العالمين: العربي والإسلامي، ولا يستطيع الباحث العربي، أو المسلم، أن يحصل عليها بسهولة عكس الباحث الغربي؟! وهذا ما ظهر بوضوح في كتاب «جيوبولتيك التَّشيُّع» للفرنسي فرانسوا تييال المتخصِّص في الشؤون العالمية والاستراتيجية.
الجغرافية ودلالة الأرقام
من الصعب جدَّاً استعراض كل ما جاء في هذا الكتاب، من معطيات وحقائق وأرقام ومقاربات جيوسياسية، تتعلق بعالم التَّشيُّع دينيَّاً وسياسيَّاً واجتماعياً؛ لأنَّنا سنكون، آنذاك، أمام ترجمة حرفيَّة للكتاب، وهذا ما لا تتحمَّله هذه القراءة السَّريعة فيه، الهادفة إلى الكشف عن ملامح الانبعاث الشِّيعي في العالم، والوضع الجيوسياسي الذي خلقه هذا الانبعاث، من وجهة نظر غربيَّة/فرنسية، وأهم النصائح التي يقدمها هذا الخبير الاستراتيجي، ليس للحكومات الغربية فقط، وإنما كذلك للأنظمة العربية والإسلامية؛ التي يتواجد الشِّيعة في بلدانها بنسب مختلفة؟!
________________________________________

[الصفحة - 262]


إذا كان عدد المسلمين، الآن، يقدَّر بمليار نسمة، وإذا كان هذا العدد سيصل في غضون الـ 25 سنة المقبلة إلى قرابة المليارين، فإن ضمن هذا المليار، هناك، ما يقرب الـ 140 مليون مسلم شيعي، أي بين 10 و12% من المسلمين، يتوزَّعون، في العالم الإسلامي، على الشَّكل الآتي:
الشِّيعة في الدول الإسلامية
1 ـ إيران: 51 مليوناً الأغلبية إمامية.
2 ـ باكستان: بين 27 و35 مليوناً. الأغلبية إماميَّة مع إسماعيلية.
3 ـ الهند: 25 مليوناً، إمامية وإسماعيلية.
4 ـ تركيَّا: 16 مليوناً الأغلبية علوية مع إمامية وبكتاشية. حوالي ربع السكان.
5 ـ آذربيجان: 5,5 ملايين، 75% إمامية.
6 ـ أفغانستان: 3 ملايين، إمامية وإسماعيلية، ويمثلون 16% من سكان أفغانستان.
7 ـ طاجكستان: 160 ألفاً، إمامية وإسماعيلية.
الشِّيعة في الدّول العربية
1 ـ العراق: 5,12 مليوناً، 70% من عرب العراق شيعة إمامية.
2 ـ اليمن: 5 ملايين، الأغلبية زيدية مع إسماعيلية وإمامية.
3 ـ سورية: 5,3 ملايين علويَّة ودروز وإمامية.
4 ـ لبنان: مليون، الأغلبية إمامية مع دروز.
5 ـ السّعودية: 500 ألف إمامية.
6 ـ الكويت: 500 ألف إمامية، حوالي ربع السكَّان.
7 ـ البحرين: 350 ألفاً 65% من السكَّان إماميَّة.
8 ـ الإمارات العربية المتحدة: 300 ألف، 6% من السكان إماميَّة.
________________________________________

[الصفحة - 263]


9 ـ قطر: 50 ألفاً إمامية، 20% من السكَّان.
لم يذكر المؤلِّف مصادر هذه الإحصائيَّات، وإنما اكتفى بالقول إنها تقريبيَّة، لأنَّ عدداً من الدُّول العربية والإسلامية، ولأسباب سياسية وطائفية، لا تفصح عن العدد الحقيقي للأقلِّيات الشيعية لديها. ويلاحظ أنه يهمل شيعة دول آسيا الشرقيّة والجنوبية. فهناك شيعة في الصين وأندونيسيا، وكذلك هناك أقلِّيات شيعية في عدد من الدُّول الإفريقية، مثل مصر والسودان وتنزانيا ومدغشقر، بالإضافة إلى مجموعات متفرِّقة لم تصل بعد إلى حد اعتبارها طوائف ذات كيان اجتماعي بارز على الساحة، في كل من تونس والجزائر والمغرب وعدد من دول وسط إفريقيا، ما يجعل وزنها، على المستوى الجيوسياسي، لا فعاليّة له في الوقت الحاضر.
التشيُّع متفجِّر داخليَّاً
لقد اكتشف خبراء الاستراتيجية، في الغرب، أثناء دراساتهم للصَّحوة الإسلامية، أن هناك «إسلامات»، وليس إسلاماً واحداً، وعدّوا التَّعدُّد المذهبي (الفقهي والكلامي) أحد العوامل المجزِّئة الإسلام، المفتتة لوحدته، هذه الحقيقة تم اكتشافها كذلك بالنسبة للتشيع الذي أسفرت حركة تجزئته التَّاريخية عن ثلاثة انقسامات رئيسية هي: التشيع الإمامي، الزيدي، الإسماعيلي. إذن ليس هناك تشيّع واحد، بل مذاهب شيعية مختلفة، وهذا له أهميته الجيوسياسية، التي تظهر عند دراسة حجم تأثير الثورة الإيرانية الشيعية الإمامية الإثني عشرية في باقي التيارات الشيعية الأخرى عبر العالم الإسلامي. فإلى جانب التيار الأهم، أي التشيع الإمامي، الموجود في إيران والعراق ولبنان ودول الجزيرة العربيَّة وأفغانستان وباكستان والهند، هناك الشِّيعة الزَّيدية في اليمن، وإسماعيلية موزعون في أكثر من دولة في الشرق الأوسط وآسيا وإفريقيا وأمريكا، وقد تفرّعت عن الإسماعيلية مجموعة من التيارات الأخرى، مثل الدروز والعلوية بالإضافة إلى أن الإسماعيلية هي نفسها تنقسم إلى تيارين: «نزارية (أو الخوجة) والبهرة. ويبلغ عدد الإسماعيلية، كما ذكر المؤلف، 16 مليوناً، أما العلويون، فالإحصائيات المتوافرة تؤكد أنهم يمثلون 13% من بين 86% من المسلمين في سورية و1/4 السكّان في تركيا، أما الدروز فيمثلون
________________________________________

[الصفحة - 264]


3% في سورية، أي ما يقارب (360000)، وفي لبنان يبلغ تعدادهم قرابة (000 310) ويوجد قرابة (000 10) في الأردن، وفي فلسطين المحتلة هناك قرابة (000 60).
يرى المؤلف من خلال هذه الأرقام والإحصائيات، أن التشيّع بوصفه مذهباً إسلامياً، منقسم على نفسه، وقابل للانفجار والتجزء، فبالإضافة إلى التيارات الثلاثة الرئيسة هناك تياران داخل التيار الرئيسي صاحب الأغلبية أي التشيع الإمامي، هما: الأصولية والإخبارية. وبشكل عام، فالعالم الشيعي عالم متفجر و «مثال إيران ـ كما يقول المؤلف ـ لا يمكن أن يسقطنا في الوهم»، لأن تأثيرها لن يتجاوز التجمعات الشيعية الإمامية، زد على ذلك الحسابات والمصالح السياسية التي تجعل الإمامية أنفسهم ينقسمون على بعضهم، بل يدخلون في حرب مصالح كما حدث في لبنان مع الحركتين الشيعيتين: أمل وحزب الله. كذلك الأمر مع الطوائف الشيعية الإسماعيلية وما تفرع عنها؛ حيث يظهر، كما يرى المؤلف، أن أيَّ مفهوم للتوحّد بين هذه الطوائف غير وارد، لكن مقاومتها للذوبان واستمرارها كياناتٍ اجتماعية ـ وإن تقاسمتها الدول والأحزاب ـ يفرض أخذ وجودها بعين الاعتبار، وإن كان ثقلها على المستوى الجيوسياسي المستقبلي ضئيل خصوصاً في الشرق الأوسط.
والخلاصة التي يتوصَّل إليها المؤلِّف هي أن التَّشيُّع يعدّ عاملًا يزداد، يوماً بعد يوم، أهمِّيةً على المستوى الجيوسياسي، داخليّاً وخارجياً، لكنه، في حد ذاته لا يعدّ ظاهرة وحدويَّة أو موحِّدة...
الانبعاث الشيعي: الاجتماعي والسياسي والديني
من خلال العرض التاريخي الذي قدَّمه المؤلِّف للوضع الاجتماعي والسياسي للطوائف الشيعية في العالم الإسلامي، يلاحظ ـ باستثناء إيران والعراق ـ أن الطوائف الشيعية جميعها كانت تعاني من تهميش اجتماعي وسياسي كبير، فهي في أغلبها ساكنة، قروية، تشتغل بالفلاحة والأعمال الزراعية (في لبنان الجنوبي)، أو منعزلة في مناطق جبلية نائية (العلويون في تركيا، وسوريا والدروز في لبنان، الزيدية في اليمن والإسماعيلية في أفغانستان، ووسط آسيا).
إلى جانب هذا التَّهميش، فهي مضطهدة سياسيَّاً ودينيَّاً، لأنَّها تعيش وسط بحر
________________________________________

[الصفحة - 265]


من المذاهب السنيّة التي «تكفِّر الشيعة ولا تعترف بإسلامهم وبمذاهبهم الفقهية والكلامية» خصوصاً حيث تكون السيطرة المذهبية للحنابلة السلفيين، وهؤلاء موقفهم من الشيعة، بعامة، أكثر تطرفاً. لكن هذا التهميش بدأ يتقلص باضطراد منذ بداية هذا القرن، فمع سقوط الدولة العثمانية المتعصِّبة للتسنُّن وسيطرة الاستعمار الغربي، بدأ الخناق ينفك تدريجياً عن عدد من الطوائف الشيعية في كل من سورية وتركيا ولبنان، وانطلقت هجراتهم إلى المدن بحثاً عن ظروف اقتصادية أفضل، فاندمجوا في محيط جديد أقل حساسية وعنفاً، كما انخرطوا في الأحزاب اليسارية بقوة ودعموا الدولة الوطنية العلمانية (العلويون في تركيا وسورية)، وكان لهذه الهجرات أن رفعت معدَّلات الزيادة السكانية لديهم، وبدأوا يشكلون تجمعات سكانية كبيرة على هامش المدن والعواصم الكبرى، (مثال شيعة لبنان الذين سكنوا الضاحية). كما شارك عدد منهم في الأحزاب الاستقلالية، وناضلوا من أجل العدالة والمساواة، وبرز منهم قادة كبار على غرار السيد موسى الصدر في لبنان.
وأخيراً، جاءت الثورة الإيرانية لتنقل الشيعة الإماميّة خصوصاً، والشيعة عموماً، إلى وضع جديد يحمل تناقضات ذات أبعاد مختلفة، فالأقلِّيات الشيعية في الخليج، مثلًا، مثلت الثورة لهم تحديات جديدة سلبية في أغلبها، لأن وتيرة التهميش والاضطهاد أخذت بُعداً جديداً مدروساً بعناية، خوفاً من تأثير الثورة فيهم وانجذابهم إليها، بخلاف شيعة لبنان الذين أصبحوا، بعد نضالات طويلة، رقماً سياسياً مهماً في المعادلة المحلية والإقليمية، وفي باكستان كانت هناك مواقف أخرى، كذلك الأمر في كل من الهند واليمن وغيرها من المناطق؛ حيث يتواجد الشيعة.
أما «المفارقة العراقية»، كما سمَّاها المؤلف، فلها خصوصيَّاتها؛ وذلك لوجود أغلبية شيعية مهمَّشة سياسياً وغير مشاركة في إدارة الحكم بما يناسب ثقلها الاجتماعي، وهذا الوضع استمرَّ منذ زمن الدولة العثمانية السنِّية. وبعد انتصار الثورة في إيران، انفجر صراع سياسي مرير مع بعض التيارات السياسية الشيعية والحكومات العراقية الخائفة من تأثير الثورة الشيعية الإيرانية، خصوصاً مع وجود روابط (مذهبية/ علمية) راسخة، لأن المتربِّعين على سدة المرجعية الفقهية في العراق أغلبهم من إيران.
________________________________________

[الصفحة - 266]


وعلى الرغم من أن الأغلبية الشيعية في العراق وقفت إلى جانب القوميَّة العربية على حساب العقيدة المشتركة مع إيران، أثناء الحرب العراقية ضد إيران، إلا أن مخاوف السلطات العراقية، ومعها حكومات الخليج وحلفاؤهم الغربيون، من ثورة شيعية عراقية، ظلَّت قائمة، ولا تزال مستمرة، وهذه من أهم المعضلات التي تقف في وجه إيجاد حل الأزمة العراقية الحالية. أما إيران وثورتها فالحديث عنها كان محورياً طوال الكتاب وسنتحدث عنها بعد قليل.
والخلاصة، فالمعطيات الواقعية، كما يؤكد المؤلف، تقول: إن العالم الشيعي قد استيقظ من سباته بعد قرون من التهميش، والمواجهة أولًا: مع محيط سني عمل على خنقه والقضاء عليه، ثانياً: مع الاستعمار والمصالح الغربية في مناطقه، لكن التشيع، كما يؤكد المؤلف، لم يضعف أو يتلاشى، بل استمر، وهو الآن عامل جيوسياسي مهم في غير دولة في الشرق الأوسط. في تركيا يعدّ التشيّع العلوي ـ بعدما خرج من تهميشه الاجتماعي والسياسي ـ واحداً من مفاتيح المستقبل التركي، وفي سورية ـ وبالرغم من أن العلويين لا يسعون إلى «عَلْوَنَة» الأغلبيَّة وإنما قيادتها بأيديولوجية بعثية ـ إلا أن مستقبل الشرق الأوسط مرهون كذلك ـ كما يرى المؤلِّف ـ بطبيعة العلاقة بين العلويين وبقية الشعب في سورية. وفي اليمن، ومع أن التشيع الزيدي معزول وسط عالم سني وبعيد مذهبياً وجغرافياً عن العالم الشيعي الإمامي الناهض، إلا أنه يشكل عاملًا ضرورياً لتطوّر هذه المنطقة المهمة استراتيجياً.
أما في الخليج، فقد أكد الفرنسي جان بيير شوفينمون (Jean piere chevenement)، في كتابه: «الأخضر والأسود»، الصادر سنة 1995م، أن مركز الثقل في العالم العربي انتقل من المتوسط باتجاه الخليج منذ العقدين الأخيرين، لذلك يمكن أن يقال: إن منطقة الثقل قد انتقلت من المناطق ذات الأكثرية السنية باتجاه مناطق سنية شيعية، من هنا فالاضطرابات قد تنشأ من انفجار الصراع السنِّي ـ الشيعي وتداعياته التي تتجاوز الوضع المحلي والإقليمي لتأخذ بُعداً عالمياً؟!
أمّا التشيع في آسيا الوسطى (أفغانستان وطاجكستان خصوصاً)، فلا يمكن الحديث عنه، باعتباره ظاهرة جيوسياسية، لكن لا يمكن إغفاله أو التقليل من
________________________________________

[الصفحة - 267]


الاهتمام به لأن هذه الأقلّيات وسط بحر من الأغلبية السنية تثير الكثير من المشاكل وردود الفعل غير المعروفة؟!
تحدّيات يواجهها عالم التَّشيُّع
هناك مجموعة من التحدِّيات تواجه المجتمعات الشيعية تحدَّث عنها المؤلف، ومنها:
1 ـ الحدود الدمويَّة للتَّشيّع
يلاحظ أن التشيّع موجود في قلب عدد من مناطق النِّزاعات المسلحة، في الخليج؛ حيث امتدت حرب الخليج الأولى ثماني سنوات، وأعقبتها حرب ثانية، وكلا الحربين وقعت على أراضٍ ذات أغلبية شيعية، وأودت بحياة الآلاف منهم، وفي جنوب لبنان؛ حيث الأغلبية شيعية هناك صراع دموي عنيف بين إسرائيل وحركة شيعية مقاومة هي حزب الله، في آذربيجان هناك مشكلة «قرباغ» المتنازع عليها مع أرمينية وقد شرّدت الحرب التي نشبت بين البلدين، العديد من الأسر الشيعية، كذلك الأمر في أفغانستان فالشيعة طرف في الحرب الدينية والإثنية هناك، وتخوض إيران حرباً باردة مع الولايات المتحدة الأمريكية وعدد من دول الجوار، وتتعرض بسبب ذلك لحصار اقتصادي يؤثر على تنميتها الاقتصادية، ما جعلها تدخل في سباق تسلُّح للدفاع عن نفسها ومصالحها ومواجهة الأساطيل الغربية المحيطة بها.
2 ـ الحرب الطائفية ضد الشيعة والتشيع
باستثناء المناطق التي يشكل فيها الشيعة الأغلبية، مثل إيران والعراق، تعيش باقي الأقلِّيات الشيعية وسط محيط سنِّي معادٍ مذهبياً، يتحوّل، في بعض الدول، كباكستان، إلى صراع دموي وتصفيات جسدية وحرق للمساجد من طرف متطرِّفين سلفيين، فقد قتل سنة 1994م ما لا يقل على 700 شخص نتيجة لهذا الصراع الطائفي. وفي الهند تصبح المضايقات مزدوجة من طرف الهندوس والسلفيين معاً. وفي أفغانستان ينظر إليهم باعتبارهم أقلِّية مارقة عن الدين، ولا يتورَّع أتباع الأغلبية عن سفك دمائهم. أما في الخليج فقد ازدادت موجات المضايقة للشيعة بعد انتصار الثورة الشيعية في إيران، وبدأ يُنظر إليهم باعتبارهم طابوراً خامساً، لذلك أحيطوا
________________________________________

[الصفحة - 268]


بالحذر الشديد، وضُيق عليهم من كل ناحية مخافة تسرُّب التأثير الإيراني إليهم. وهذا ما يجعل الصراع السني (السلفي) الشيعي يصبح بدوره عاملًا مهماً في الجيوسياسية داخل الشرق الأوسط، خصوصاً عندما تعمقه وتقويه الاختلافات الإثنية والعرقية، والتي بإمكانها أن تفجره في أي وقت. بالإضافة إلى أن إيران لا يمكنها أن تظل مكتوفة الأيدي والشيعة الإمامية، خصوصاً، يُضطهدون ويُقتلون في باكستان والهند، أو يهمَّشون في الخليج، ناهيك عن ردود فعل هذه الأقليات، من دون أن ننسى أن المذهب الشيعي استمد قوته عبر التاريخ من نضاليته ضد الظلم ودعوته للعدالة، وانتظاره للإمام الثاني عشر الذي سيبسط العدل في الأرض.
ومن خلال المثال الهندي والباكستاني، يرى المؤلِّف أن أية أقلية شيعية لا يمكنها أن تعيش بسلام داخل محيط غالبيته سنيّة (سلفية)، حتى لو كانوا بعيدين عن التأثير السياسي والديني الإيراني، وهذا ما سيولد ردود فعل عنيفة من طرف الشيعة، لذلك ينصح المؤلف القوى العظمى والشركات النفطية بالأخذ بعين الاعتبار الظَّاهرة الشيعية بكل صورها وأشكالها، ووضع الشيعة في هذه المناطق الحيوية. كذلك الأمر بالنسبة للسلطات المحلية، لأن سياسة القمع والزجر لا يمكن أن تدوم طويلًا بالنسبة لهذه الأقلّيات المتّهمة أو المَخُوف منها، فلا بد من حساب ردود الفعل المحتملة.
إشكاليَّة الإثنية ومعضلة الهويَّة
هذه إشكاليَّة حسَّاسة جداً أشار إليها المؤلف، وهي لا تخص التشيع فقط، وإنما باقي المذاهب والدِّيانات والإثنيات التي تجد نفسها أمام اختيارات صعبة، بين انتمائها الدِّيني والمذهبي، الذي يفرض عليها التزامات معيَّنة قد تتعارض مع الاختيارات السياسية التي تمنحها شرعية المواطنة الكاملة أو المشاركة في العمل السياسي الوطني، وقد مر بنا كيف أن غالبية شيعة العراق انحازوا إلى جانب الدولة القومية في حربها ضد إخوانهم في العقيدة والمذهب الإيرانيين (الفرس أو العجم)، الإشكالية نفسها تُطرح بالنسبة لشيعة الخليج فأغلبيتهم من العرب، لذلك فهم يعانون، فهل تتجه أفئدتهم صوب إيران لأنَّهم شيعة، أوَّلًا، أو أنهم عرب يعتنقون إسلاماً مختلفاً عن الأغلبية؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ستعيد ترتيب وضع العلاقات
________________________________________

[الصفحة - 269]


المذهبية والسياسية لهذه الأقليات مع إيران، أوّلًا، ومع الدول التي يعدون أنفسهم مواطنين شرعيين فيها ثانياً.
كذلك الأمر بالنسبة للشيعة، في آذربيجان وطاجكستان، فهؤلاء أتراك، ويلاحظ أن تركيا العلمانية تسعى بجد ـ مباشرة بعد تفكك الاتحاد السوفياتي ـ إلى إعادة الاعتبار للروابط القومية، فهي تقدِّم العامل العرقي على الدِّيني، وترى من حقها قيادة العالم التركي، في إطار علاقات متشابكة اقتصادياً وسياسياً، وهذا ما جعل المعضلة الآذرية بين تركيا وإيران وآذربيجان تطفو على السطح، لأن أذربيجان كانت في بداية هذا القرن جزءاً من الإمبراطورية الفارسية، وهناك دعوات ومطالب في إيران أفصحت عن توجهات وحدودية، وإن كان ذلك يثير الكثير من المخاوف والهواجس بالنسبة لإيران، لأن أي نزعة قومية تركية وطنية يمكنها أن تمتد جنوباً لتشمل القسم التركي من إيران، لكن تقسيم آذربيجان هو على الأرجح ظاهرة مستمرة ـ كما يرى المؤلف ـ فإذا كان الانتماء للتشيع يثير الكثير من الميول العاطفية، فإن السياسة الخارجية هي رؤية جيوسياسية لا يمكنها أن تستند على ميول عاطفية فقط، ناشئة عن ماضٍ تاريخي وديني وثقافي موحد. وبشكل عام، فإن هذه الأقلّيات ستظل تتأرجح بين هذين العاملين الإثني والديني.
إيران والثورة والخصوصيات الجيوسياسية
إهتم المؤلف كثيراً بإيران، وخصّها بمزيد من التحليل والدراسة، والسَّبب واضح، لأنها المحور المؤثر والفاعل في المعادلة الشيعية الجيوسياسية، لذلك فقد تتبع حركة نهضة العلماء، في إيران؛ منذ العهد الصفوي إلى أن تسلّموا السلطة، وكشف عن موقعهم المتميِّز داخل البنية الاجتماعية والفكرية والسياسية الإيرانية، مع مقارنة وضعهم بباقي النُّخب العلمائية داخل الأقليات الشيعية الإمامية الأخرى.
لكن أهم المقارنات هي تلك التي قام بها المؤلّف طوال الكتاب، بين الثورة الإيرانية والاتحاد السوفياتي، ودوافع ذلك واضحة، فهذه المقارنة مفيدة للاستراتيجيين الغربيين لمعرفة أوجه الاختلاف ونقاط الالتقاء بين العدو القديم للغرب والعدو الجديد الذي لم يتعرف عليه الغرب بعد بشكل كامل.
________________________________________

[الصفحة - 270]


من هذه المقارنات نذكر:
1 ـ من أهداف الثورة الإيرانية إعادة الاعتبار (إحياء) للتشيع داخل العالم الإسلامي في إطار خطة شاملة لأسلمة العالم ككل، وقد كان من أهداف الثورة الشيوعية تحويل العالم إلى كتلة شيوعية كذلك.
2 ـ وجود نخبة علمائية تتربع على كرسي المرجعيَّة التَّشريعية والسياسية، على غرار نخبة شيوعية سوفياتية بيدها مقاليد الحكم والإشراف الإيديولوجي.
3 ـ كما كان بإمكان الحزب الشيوعي، الحاكم في الاتحاد السوفياتي، أن يربط علاقات مع أعداء الرأسمالية داخل الدول الغربية وغيرها وأن يُنشىء أحزاباً سياسية شيوعية وأن يدعمها، يمكن لإيران فعل ذلك، وأن تحرك الأقليات الشيعية الإمامية لإحداث اضطرابات وحركات معارضة، (أنموذج حزب الوحدة الشيعي في أفغانستان الموالي لإيران، وحزب الله في لبنان)، وهذا عامل مهم في الجيوسياسية لأنه يؤدي إلى تقوية الدولة الإيرانية، ومن ثم تقوية التشيع.
4 ـ إن التشيع، باعتباره الملهم للمواقف الجيوسياسية الإيرانية، هو، كما يقول المؤلف، عامل أقل حسماً كما نتصور، لكن أكثر أهمية مما نعتقد.
5 ـ إن إيران محاصرة جغرافياً من طرف دول سنية لا تعبأ كثيراً بتشيّعها أو بموقعها الإقليمي، لذلك بإمكان إيران أن تستفيد من الأقليات الشّيعية في هذه الدول لفك الحصار عنها، وهذا ما سيدفع باتجاه نشر التشيُّع وتقوية الروابط الدينية والسياسية مع هذه الأقليات.
6 ـ هناك مشكلات مهمة يمكن أن تتحكّم بالوضع الجيوسياسي للمنطقة ككل، مثل المنافسة الإيرانية التركية حول الجمهوريات الإسلامية المستقلة عن الاتحاد السوفياتي، والمعضلة الآذرية خصوصاً، والعلاقة مع العراق والحدود الملتهبة مع أفغانستان والحرب الباردة في الخليج.
7 ـ دخول إيران في قلب الصراع السنِّي (السلفي) ـ حيث يرى المؤلف ضرورة مراقبة السياسة الخارجية الإيرانية التي لا يمكنها أن تغفل عن هذا الموضوع أو تظل مكتوفة الأيدي والأقليات الشيعية تضطهد في غير منطقة.
________________________________________

[الصفحة - 271]


8 ـ تحاول الديبلوماسية الإيرانية الاستفادة من التجمّعات الشيعية في أفغانستان وجنوب لبنان وآذربيجان وباكستان، لكن تأثير الثورة لا يتجاوز الشيعة الإمامية إلى غيرها من الطوائف الشيعية الأخرى، مثل الإسماعيلية والعلويين والزيدية إلا في حدود ضئيلة.
9 ـ السوفيات كانوا يعتمدون على أحزاب شيوعية داخل الدول، لكن إيران لا تملك أحزاباً شيعية، والأقلِّيات تختلف عن الأحزاب، لأنها في أغلبها غير منظِّمة وغير مرتبطة سياسياً بإيران، كل ما هنالك وجود رابطة دينية مقدَّسة، لكن هنا تكمن صعوبة جديدة في تحليل العلاقة الأيديولوجية أو تحديدها بين إيران وباقي الأقليات الإمامية،
فالمؤسسات العلمية والعلمائية الشيعية يحتل فيها العلماء الإيرانيون الصدارة، وهذا الوضع يفترض فيه أن تكون الأقليات في خدمة هذه المؤسسات ما دامت هي في خدمة التشيع، وهنا يصعب الحديث عن حجم العلاقة وطبيعتها بين الدولة الإيرانية وهذه الأقليات، لوجود منظورين مختلفين يحددان هذه العلاقة.
والخلاصة فإن أوجه الاختلاف أو الاتفاق بين الثورتين الشيوعية والشيعية لا تلغي خصوصية كل منهما في المنطلقات والأهداف والوسائل الإجرائية، وعمق التأثير المحلي والإقليمي والعالمي، لكن مما لا شك فيه ـ كما يؤكد المؤلف ـ هو أن أية أيديولوجية لا يمكنها أن تموت بسرعة أو بسهولة عندما تمتلك إمكانات دولة وسلطاتها.
وها هي إيران تسعى فعلًا لامتلاك أسلحة متطورة؟!
وأخيراً، لا يمكن الإحاطة بكل المعطيات الواردة في هذا الكتاب، لكن المقاربة الجيوسياسية التي قدمها المؤلف أصبحت واضحة ويمكن تلخيصها في نقطتين أساسيَّتين هما:
1 ـ التشيّع عقيدة (نبوية ـ انتظارية) تسعى إلى تغيير العالم عبر الدفاع عن المظلومين والمهمَّشين في انتظار الإمام المهدي الذي سيخلص العالم من شروره، وانبعاثها جاء استجابة ضرورية لمعطيات واقعية داخلية وخارجية.
2 ـ إعادة النظر في عملية التعاطي مع إيران والأقليات الشيعية في الشرق
________________________________________

[الصفحة - 272]


الأوسط، لأن سياسة الحصار والاحتواء، أو قمع الأقلّيات واضطهادهم دينياً وسياسياً، لم تعد مجدية، ونتائجها المستقبلية ستكون مليئة بالمفاجآت والمخاطر، على استقرار الأنظمة السياسية الحاكمة.
وأخيراً، فقد كان هدف الباحث محاولة فهم مكوِّنات التشيع وتفكيك مركَّباته للكشف عن الميكانيزمات التي ساعدت على رجوعه أو انبعاثه على الساحة الإسلامية والدولية، وجعلت منه أفقاً ضرورياً لأي مقاربة جيوسياسية، وبعيداً عن أي تقييم نقدي ينتصر لما جاء في الكتاب أو يرفض بعض التحليلات أو الإستنتاجات التي ترتكز على عدد من المغالطات التاريخية، فإن آراء المؤلف تظل مقاربة جيوسياسية بعيون غربية وقلم فرنسي.
________________________________________

[الصفحة - 273]