البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

«المهدي المنتظر ومسؤوليَّات الأمَّة في عصر انتظاره»

الباحث : 
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  16
السنة :  السنة الرابعة شتاء 1420 هجـ 2000 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 14 / 2015
عدد زيارات البحث :  822
عقد «منتدى المنهاج» ندوته السَّادسة عشرة في مقرِّه، في قاعة المكتبة والمحاضرات، في مركز الغدير للدِّراسات الإسلاميَّة، مساء يوم الخميس الواقع فيه 24 شعبان سنة 1420هـ، الموافق 2/12/1999م. وكانت الندوة بعنوان:

«المهدي المنتظر ومسؤوليَّات الأمَّة في عصر انتظاره».

وقد قدَّمت هيئة تحرير مجلة المنهاج، تمهيداً للبحث في هذه القضيَّة، ورقةً تسلّط الضَّوء على بعض مسائلها، وفي ما يأتي نص هذه الورقة:

تعرف البشريَّة، بمختلف أديانها ومذاهبها وعقائدها، طموحاً إلى أن يأتي يوم يسود فيه العدل والسَّلامُ الأرض...، ويقول الإمام السيِّد محمد باقر الصَّدر في هذا الصَّدد: «... لم يقتصر الشعور بهذا اليوم الغيبي والمستقبل المنتظر على المؤمنين دينياً بالغيب، بل امتدَّ إلى غيرهم أيضاً، وانعكس حتَّى على أشدِّ الايديولوجيات والاتجاهات العقائدية رفضاً للغيب والغيبيَّات، كالمادية الجدليَّة التي فسَّرت التاريخ على أساس التناقضات، وآمنت بيوم موعود، تُصفَّى فيه كل التناقضات ويسود الوئام والسَّلام...» (بحث حول المهدي، ص 43 و44).
وقد حوَّل الدِّين الإسلامي هذا الطُّموح الإنساني إلى سيادة العدل والسَّلام من شعور بالرَّغبة في مجيء ذلك اليوم إلى واقع ملموس، وإلى إيمان بوجود المنقذ وبحتميَّة مجيئه، وهو الإمام المهدي المنتظر (عجل الله تعالى فرجه)، فالحديث الشريف المتواتر يؤكِّد ذلك عندما يقول: «لو لم يبق من الدَّهر إلَّا يومٌ لبعث الله رجلًا من أهل بيتي يملأها عدلًا كما ملئت جوراً» (راجع: صحيح سنن المصطفى لأبي داود، 2/207، والتَّاج الجامع للأصول للشيخ منصور علي ناصف، 5/343).
فالمهدي (عليه السلام) لم يعد، كما يقول الشَّهيد الصدر «فكرة ننتظر ولادتها ونبوءة نتطلَّع إلى مصداقها، بل واقع قائمٌ ننتظر فاعليته وإنسان معيَّن يعيش بيننا بلحمه ودمه، نراه ويرانا، ويعيش مع آمالنا وآلامنا، ويشاركنا أحزاننا وأفراحنا...» (بحث حول المهدي، ص 45).
والاعتقاد بالإمام المهدي المنتظر أساس من أسس عقيدة المسلمين، فمن الأمور المتَّفق عليها بينهم، تواتر البشائر النبويَّة بخروج الإمام المهدي (عليه السلام) من عترة رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) من ولد الإمام علي بن أبي طالب والسيدة فاطمة
________________________________________

[الصفحة - 328]


الزهراء في آخر الزمان فيملأ الأرض قسطاً وعدلًا، بعدما ملئت ظلماً وجوراً، ويطهِّر الأرض من الذين اتخذوا مال الله دولًا وعباده خولًا ودينه دغلًا.
(راجع: المهدي الموعود المنتظر عند علماء أهل السنَّة والإماميَّة، للشيخ نجم الدين العسكري، وفيه أكثر من أربعمئة حديث من كتب أهل السنَّة، ومنتخب الأثر في الإمام الثاني عشر (عليه السلام)، للعلامة الشيخ لطف الله الصَّافي، وفيه ما مجموعه ستة آلاف حديث عن طريق الفريقين).
وقد كثر البحث في هذه العقيدة، واتبع الباحثون منهجين أساسيَّين هما المنهج الرِّوائي والمنهج العقلي.
ففي ما يتعلَّق بالمنهج الأول أحصى الباحث عبد المحسن العبَّاد، في بحثه المنشور في مجلَّة الجامعة الإسلاميَّة، الصادرة في المدينة المنوَّرة، أكثر من عشرة مؤلفين من أجلَّاء علماء أهل السنَّة، اتبعوا هذا المنهج في إثبات هذه العقيدة، ومنهم: أبو نعيم والسيوطي الشافعي والحافظ ابن كثير وعلي المتقي الهندي صاحب كنز العمال وابن حجر المكي في مؤلَّفه: «القول المختصر في علامات المهدي المنتظر» ومرعي بن يوسف الحنبلي (ت 1033هـ) في مؤلَّفه «فوائد الفكر في ظهور المهدي المنتظر» والقاضي محمد بن علي الشوكاني (ت 1250هـ) في كتابه «التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر والدجَّال والمسيح» إلى غيرهم.
أمَّا عند الشيعة فهناك عشرات الكتب والرسائل التي كتبت ونشرت قديماً وحديثاً، ومنها منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر للشيخ لطف الله الصَّافي الكلبايكاني، وإلزام الناصب في إثبات حجة الغائب للشيخ علي اليزدي الحائري، والمهدي الموعود المنتظر عند علماء أهل السنَّة والإماميَّة للشيخ نجم الدين العسكري والإمام المهدي لعلي محمد علي دخيل إلخ...
وقد اعتمد هؤلاء العلماء وغيرهم في أبحاثهم الأدلَّة النقلية غالباً، فأثبتوا صحَّة أحاديث المهدي من طرق أهل السنَّة والشِّيعة، وتعدّد طرق الرواية وكثرة الرُّواة من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين من سائر الفرق والمذاهب الإسلامية.
وفي ما يتعلَّق بالمنهج الثاني، أي المنهج العقلي، كتب الإمام الشهيد
________________________________________

[الصفحة - 329]


محمد باقر الصَّدر بحثاً قدّم به لكتاب «موسوعة الإمام المهدي للسيد محمد محمد صادق الصَّدر»، ونشر مستقلًّا تحت عنوان «بحث حول المهدي». لم ينطلق الشهيد الصدر، في بحثه، من مسلَّمات، ولم يعتمد تتبُّع القضية في كتب التفسير والرواية، وإنما بدأ بطرح الإشكالات المثارة، ثم بدأ بمناقشتها معتمداً الدليل العقلي.
وقد أثارت هذه العقيدة جدلًا واسعاً شمل مسائل كثيرة، يمكن أن نشير إلى أهمِّها في ما يأتي:
يزعم بعضهم أن العقيدة القائلة بوجود الإمام المهدي وخروجه ليملأ الأرض عدلًا... تورث الخمول والسلبيَّة والاكتفاء بانتظار المخلِّص، ويمكن لحديث الإمام الشهيد الصَّدر في هذا الصَّدد أن يمثل ردَّاً على هذا الزعم، فهو يقول:
«وحينما يدعم الدين هذا الشعور النفسي العام، ويؤكّد أنّ الأرض في نهاية المطاف ستمتلى قسطاً وعدلًا بعد أن مُلِئت ظلماً وجوراً، يعطي لذلك الشعور قيمته الموضوعية ويحوِّله إلى إيمان حاسم بمستقبل المسيرة الإنسانية، وهذا الإيمان ليس مجرد مصدر للسلوة والعزاء فحسب، بل مصدر عطاء وقوة. فهو مصدر عطاء؛ لأنّ الإيمان بالمهدي إيمان برفض الظلم والجور حتى وهو يسود الدنيا كلها، وهو مصدر قوة ودفع لا تنضب؛ لأنه بصيص نور يقاوم اليأس في نفس الإنسان، ويحافظ على الأمل المشتعل في صدره مهما ادلهمّت الخطوب وتعملق الظلم؛ لأنّ اليوم الموعود يثبت أنّ بإمكان العدل أن يواجه عالماً مليئاً بالظلم والجور فيزعزع ما فيه من أركان الظلم، ويقيم بناءه من جديد، وأنّ الظلم مهما تجبّر وامتدّ في أرجاء العالم وسيطر على مقدّراته، فهو حالة غير طبيعية، ولا بدّ أن ينهزم. وتلك الهزيمة الكبرى المحتومة للظلم وهو في قمة مجده، تضع الأمل كبيراً أمام كل فرد مظلوم وكل أمة مظلومة في القدرة على تغيير الميزان وإعادة البناء».
ويعلِّق د. عبد الجبار شرارة على هذا القول بقوله: إشارة إلى الوعد الإلهي في قوله تعالى: {وَنُرِيدُ أَن نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الَأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ} [القصص/5] وأيضاً إشارة إلى قوله تعالى: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلّه ولو كره المشركون} [التوبة/33].
________________________________________

[الصفحة - 330]


ويتحدَّث د. شرارة عن محاولة الباحث أحمد أمين، في كتابه: «المهدويَّة في الإسلام»، أن يجعل من «ادّعاء المهدوية سبباً للطعن على فكرة المهدي وأصالتها»، ويردُّ عليه فيقول: «ولكن العكس هو الصَّحيح، فالادّعاء يدلُّ على أن المدَّعي يستغلُّ حقيقة موضوعيَّة واعتقاداً راسخاً عند الناس، ثم لو صحَّ أن الادعاء مبطل لأصل القضيَّة فلازم ذلك إبطال النبوَّات لكثرة المدَّعين بها» (بحث حول المهدي، ص 9 و10).
ويتحدَّث بعض الباحثين عن قبول المسلمين، شيعة وسنَّة ومعتزلة، ما يسمِّيه «الخرافة المهدويَّة...»، التي ينبذها كما يقول هؤلاء الباحثون، كتاب الله نبذاً. والحقيقة هي أنهم يتحدَّثون، وهم يدرون أو لا يدرون أن ما يسمُّونه «خرافة» ترد البشارة به عن رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم)، من طريق الأحاديث المتواترة، وقد مرَّ بنا ذكر عددها لدى كلٍّ من الشيعة والسنَّة، و الله تعالى يصف نبيَّه وصفيَّه بقوله: {وما ينطقُ عن الهوى إنْ هو إلَّا وحيٌ يُوْحى} [النجم/3 و4]، ويخاطب المسلمين بصيغة الأمر: {وما آتاكُم الرَّسولُ فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر/7]، فكيف والأمر هكذا ينبذ كتاب الله بشائر رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) الذي ما ينطق عن الهوى؟ وكيف يترك مسلم ما يأمره الله بأخذه؟ أيكون هذا التَّارك مسلماً فعلًا؟
إن المسلم هو من يؤمن بما جاء به رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم)، متمثِّلًا في القرآن الكريم وفي ما صحَّ من الحديث النبوي الشريف، وفي هذين المصدرين تتكرر الدَّعوة إلى الإيمان بالغيب، ومن ذلك قوله تعالى: {ألم، ذلك الكتاب لا ريب فيه هدىً للمتقين الذين يؤمنون بالغيب...}[البقرة/2 و3]. والإيمان بالغيب من لوازم الاعتقاد ب الله تعالى وبصدق أنبيائه الذين ينبئون بما يوحى إليهم...، وهذا يعني، كما يقول د. عبد الجبار شرارة، أن كل تشكيك بقضية الإمام المهدي التي تواترت البشائر بها في الحديث الشريف «إنما يتعلَّق بأصل التصديق بالغيب والكلام فيه يرجع إلى هذا الأصل» (بحث حول المهدي، ص 12).
وإن يكن الأمر هكذا، فقد حاول المنكرون لعقيدة الإمام المهدي أن يشكِّكوا في الأخبار الواردة عنها، وأن يحيطوها بأكاذيب اخترعوها، ومن ذلك اختراعهم أكذوبة السرداب التي لا أصل لها عند الشِّيعة الإماميَّة، وقد ناقشها
________________________________________

[الصفحة - 331]


العلامة الأميني مناقشة وافية بيَّن فيها تخبُّط مخترعي الأكاذيب في ما اخترعوه (راجع: الغدير، 3/308 و309، وراجع ما أورده العميدي من مناقشات متينة لهذه الفرية في دفاعه عن الكافي، 1/593، وراجع: سيرة الأئمة الاثني عشر للعلامة السيد هاشم معروف الحسني، 2/559).
والطَّريف، في مجال الاختراع هذا، أن ابن خلدون يقول: يزعم الشيِّعة أن الإمام المهدي (عليه السلام) «دخل السرداب بدارهم في الحلَّة...»، والحقائق التَّاريخيَّة تفيد أن الحلة لم تكن موجودة في زمن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، وإنما بناها الأمير سيف الدَّولة منصور بن صدقة بن دبيس الأسدي، في أواخر القرن الخامس الهجري.
ويورد د. عبد الجبار شرارة في مقدمته لكتاب الإمام الشهيد محمد باقر الصَّدر (بحث حول المهدي، ص 15 ـ 23) ملخَّص ما أثاره المشكّكون فيقول:
1 ـ قالوا: إنَّ الشيعة وقعوا في حيرة واضطراب بعد وفاة الإمام العسكري، وبخاصَّة في ما يتعلَّق بولادة الإمام المهدي (محمد بن الحسن)، لوجود الغموض في ما ورد عنه من طريق الأئمَّة عندما سئلوا عنه.
2 ـ قالوا: إنَّ الشيعة انقسموا وتفرَّقوا إلى أربع عشرة فرقة، في مسألة الإمام، بعد وفاة الإمام الحسن العسكري، وأن أمر الإمام المهدي لو كان واضحاً ومهماً وجزءاً من المذهب الجعفري لما جاز الاختلاف فيه، ولما أمكن أن يبقى أمره سرّاً غامضاً.
3 ـ زعموا أنّ الرِّوايات التي تتحدَّث عن هوية الإمام المهدي ضعيفة وموضوعة ومختلقة، سواء منها ما يتعلق باسم أُمّه، أم بتاريخ ولادته، أم بما لابسَ ولادته، أم بغيبته وسفرائه.
وقد ختم أحدهم تخرّصاته زاعماً بأنه لم يرفض إماماً ثبت وجوده من أهل البيت، إنما حصل عنده شكّ بولادة الإمام الثاني عشر؛ لعدم توفر الأدلة الكافية ـ بحسب زعمه ـ أو لعدم قناعته بها، أي بالأدلة المذكورة، وذكر أنه لا يستبعد أن يطيل الله عمر إنسان كما أطال عمر النبي نوح (عليه السلام)، بالرغم من عدم الحاجة والضرورة إلى ذلك. وأنه يبحث عن الأدلة التي تثبت أنّ الله تعالى قد فعل هذا بشخصٍ آخر؛ لأنه لا يمكن أن يعتقد بحدوث هذا عن طريق القياس والتشبيه، ثم قال: «وقد كان سيدنا الصادق يرفض القياس بالُأمور الفرعية
________________________________________

[الصفحة - 332]


الجزئية فكيف في الأمور التاريخية والعقائدية؟»
ويردُّ د. شرارة على هذه الإشكالات فيقول:
أوّلًا: إنّ وجود الغموض في تحديد هوية الإمام المهدي، ووقوع الحيرة لدى الشيعة ـ لو صحّ كما صوّره الخصم وضخّمه ـ هو دليل على الخصوم وليس لهم، إذ عدم تحديد الهوية والإصرار على بقاء الأمر سرّاً دليلٌ على وجود الإمام والخوف عليه من الأعداء لا على عدم وجوده، كما توهّموا.
فالأئمة (عليهم السلام) ـ كما وردت الروايات (راجع: الغيبة للنعماني من أعلام القرن الرابع الهجري، الباب 12 والغيبة الكبرى للسيِّد محمد الصدر، البحث التمهيدي) ـ لم يريدوا الكشف عن التفاصيل المتعلِّقة بحياة الإمام المهدي وولادته الميمونة، لمعرفتهم بتكالب الأعداء في طلبه، وجدّهم وتربّصهم به، وقد كانوا يبثون العيون ويترصدون كلّ حركة للعثور على الإمام والتخلُّص منه، بعد أن أيقنوا بالأمر وشاهدوا ترقّب الُأمّة وتطلعها لمقدمه الشريف ليملأ الأرض قسطاً وعدلًا بعد أن مُلئت ظلماً وجوراً...
ومن هنا نفهم السبب في إخفاء الإمام الصادق (عليه السلام) هوية المهدي والتفاصيل المتعلِّقة بهذا الأمر.
وليست الحيرة بعد ذلك والاضطراب إلّا حالة طبيعية في ظل مثل تلك الظروف والملابسات الخاصة التي رافقت قضية المهدي (عليه السلام) في وجوده وولادته، وشغب السلطة وتمويهاتها وإعلامها الزائف. وإذن فليست (الحيرة) إلّا بسبب تلك الظروف والملابسات، فضلًا عن أن الروايات الواردة عن الأئمة (عليهم السلام) قد أشارت إلى وقوع مثل هذه الحيرة والفتنة والتفرُّق، كما نقل ذلك ابن بابويه القمي في (التبصرة)، والشيخ النعماني في (الغيبة) الباب الثاني عشر.
ثانياً: قولهم بضعف الروايات واختلاقها، ولا ندري هل أنهم يفرّقون بين الضعيف والموضوع أم هما عندهم سواء؟ ثمّ لماذا هذا الخلط المقصود بين مسألة وجود الإمام الحجة، الثابتة بالطرق الصحيحة، وبين بعض الروايات التي تلابس «حدث الولادة»؟ والعجب من ركوب هؤلاء جميعاً هذه الجرأة المفضوحة؛ إذ إنّ روايات «المهدي» لم تروها كتب الشيعة فحسب، ولم ترد
________________________________________

[الصفحة - 333]


عن طرقهم فقط، وإنما روتها الصحاح والمسانيد والجوامع الحديثية المعتبرة كصحيح أبي داود، وصحيح البخاري وشروحه، ومسند أحمد بن حنبل، وجامع الطبراني، وجمعها السيوطي في العرف الوردي (راجع الحاوي للفتاوي للسيوطي، 2/213 وما بعدها) من عدة طرق، وحكى تواترها البرزنجي في الإشاعة (الإشاعة لأشراط الساعة، ص 87 ـ 122، الباب الثالث). وكذا الشوكاني في التوضيح (التوضيح في تواتر ما جاء من الأحاديث في المهدي والدجال والمسيح، كما في غاية المأمول) ونقل ذلك أخيراً الشيخ منصور علي ناصف في غاية المأمول (غاية المأمول، شرح التاج الجامع للأصول، 5/360).
فانظر إلى جهل المشكِّكين كيف رموا ما صحّ وتواتر عند جمهور المسلمين من السُنّة والشيعة بالوضع والاختلاق واعجب لجرأتهم وشغبهم! إذ لا يصحّ بعد ذلك شيء مما تناقله الرواة من حوادث التاريخ، وأسماء الأعلام، وآراء المذاهب المختلفة.
ثالثاً: استدلّ بعضهم على نفي وجود الإمام المهدي وولادته بقوله: إنّ الشيعة اختلفوا في المهدي وانقسموا ـ على حدّ زعمه ـ إلى سبع عشرة فرقة بعد وفاة الحسن العسكري (عليه السلام)، وهذا يدلُّ ـ بحسب زعمه ـ على عدم وجود الإمام!!
ولعل من المناسب أن ننبه إلى أنّ الاختلاف حول موضوع أو قضية أو شخص لا يستلزم العدم، إذ لو جرينا على هذا المنطق لما قامت عقيدة، ولا ثبت دين، ولا استقام شأن من الشؤون، فالاختلاف قائم دائم في العقائد، وفي التواريخ، وفي الشخصيات، وفي الحوادث الواقعة، وفي الفروع، وفي سائر الأمور. وقد تفرّق أبناء الفرقة الواحدة إلى فرقٍ وطوائف واتجاهات وآراء كما حدث عند المعتزلة والخوارج والأشاعرة وغيرهم.. ثمّ ألم تسمع بما تناقله أهل الحديث من الرواية المشهورة وهي قوله (صلي الله عليه و آله و سلم): «... وتفترق أُمتي على ثلاث وسبعين فرقة».
ونتساءل هنا، حول أيّ شيء كان الافتراق؟ وهل يستلزم ذلك نفي ما تفرقوا (فيه) لهذا السبب؟! وإذن لا تبقى عقيدة، ولا تسلم حقيقة، ولا يستقيم أمرٌ بسبب وقوع الافتراق والانقسام في ذلك بحسب هذا المنطق.
________________________________________

[الصفحة - 334]


والسؤال الأهمّ، ما هي هذه الفرق التي انقسم إليها الشيعة بعد وفاة الإمام العسكري؟ وما هي تسمياتهم؟ ومن هم زعماء هذه الفرق المزعومة ورجالها؟
لقد قال الشهرستاني في الملل والنحل: «وأمّا الذين قالوا بإمامة الحسن [العسكري] فافترقوا بعد موته إحدى عشرة فرقة، وليست لهم ألقاب مشهورة، ولكنّا نذكر أقاويلهم..» (الملل والنحل، 1/151 و152). وإذن فهو لا يعرف أسماءهم ولا رجالهم، وهم حسب زعمه إحدى عشرة فرقة، أمّا هؤلاء المقلّدون الكذّابون من أمثال إحسان إلهي ومن تابعه أخيراً فقد زادوا العدد فرقاً أُخرى ليس لها اسم ولا رسم، حتى أوصلها أحد هؤلاء المفضوحين إلى سبع عشرة فرقة!! وأنّى لهم بمعرفتها وهي من مختلقاتهم؟ ولذا لم يذكر أحد منهم زعيماً أو رجلًا معروفاً في التاريخ من هذه (السبع عشرة) فرقة، بل ولم يَجْرُؤ أحد هؤلاء المفترين على الشيعة أن يشير إلى مكان أو زمان وجودهم.
ويحسن أن ننقل تعليقة العلّامة عبد الحسين شرف الدين في الفصول المهمّة حول هذه الكذبة التي أطلقها الشهرستاني في ملله، قال العلّامة مُعقّباً: «وليته أسند شيئاً من الأقاويل التي نقلها عن تلك الفِرق إلى كتاب يتلى أو شخص خلقه الله تعالى! وليته أخبرنا عن بلاد واحدة من تلك الفِرق أو زمانها أو اسمها! فب الله عليك، هل سمعتَ بفرقٍ متخاصمةٍ، ونحلٍ آراؤها متعاركة لا يُعرف لهم في الأحياء والأموات رجلٌ ولا امرأةٌ؟! ولا يوجد في الخارج لهم مسمّى ولا اسم؟!!» (الفصول المهمة في تأليف الُأمّة، ص 169).
والظاهر أنّ أحدهم قد أدرك خطأه واشتباهه فقال أخيراً: إنّي لم أرفض إماماً ثبت وجوده من أهل البيت (عليهم السلام)، وإنما حصل عندي شك بولادة الإمام الثاني عشر، زاعماً أنّ السبب هو عدم توفر الأدلة الكافية، أو عدم قناعته بالأدلة!!
والسؤال الذي نثيره هنا هو: عن أيّ نوع من الأدلة يبحث هؤلاء؟ وهل هناك أدلة أقوى من إطباق الطائفة وعلماء الُأمّة ورواتها الثقات على مثل هذا الأمر، أعني ولادة الإمام الحجة ابن الحسن؟ إذ ليس هناك من سبيل إلى ثبوت مثل هذه الأمور إلّا الخبر الصحيح، وتوفر الشواهد، وقيام
________________________________________

[الصفحة - 335]