البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

إطلالات على التاريخ(1)‏ ابن العلقمي السِّياسي والكاتب الأديب‏

الباحث :  السيّد حسن الأمين
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  16
السنة :  السنة الرابعة شتاء 1420 هجـ 2000 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 14 / 2015
عدد زيارات البحث :  725
إطلالات على التاريخ(1)‏
ابن العلقمي
السِّياسي والكاتب الأديب‏

السيّد حسن الأمين (*)

حياته‏
اشتهر هذا السِّياسيُّ، الأديب، بـ «ابن العلقمي»، وهو: أبو طالب محمَّد بن أحمد بن محمَّد بن علي بن العلقمي الأسدي. هذا إذا أردنا التَّفصيل. أمَّا مايذكره به المؤلِّفون القدامى، فهو: مؤيِّد الدِّين محمَّد بن العلقمي.
وإذا كان المؤرِّخون لم يذكروا سنة ولادته واكتفوا بذكر سنة وفاته، وهي سنة 656هـ، فقد أغنونا عن ذلك بأن قالوا إنَّه مات وعمره ثلاث وستون سنة.
وقائل هذا القول هو مؤلِّف كتاب «الحوادث الجامعة» (1) الذي ذكره في وفيَّات سنة 656هـ، على عادة مؤرِّخي تلك العصور الذين يذكرون أحداث كل سنة، بما في ذلك وفيَّات المشاهير. على أن الصَّفدي يقول، في كتابه: «الوافي بالوفيَّات»، إن مولده في شهر ربيع الأول سنة 591هـ.
ونستنتج مما ذكره المؤرِّخون أنه من مدينة الحلَّة، أو من بلدة «النيل» الواقعة على بعد خمسة أميال من مدينة الحلَّة (2). فقد قال الخزرجي عنه: «اشتغل بالنَّحو وعلم الأدب في شبيبته بالحلَّة على عميد الرؤساء (هبة الله بن حامد) بن أيوب ثم قدم بغداد وقرأ على أبي البقاء عبد الله بن الحسين العكبري، ثم انضم إلى خاله أستاذ دارالخلافة (3) عضد الدين أبي نصر المبارك بن الضحاك، وكان شيخ الدولة فضلًا وعلماً ورئاسة وتجرئة، فتخلَّق بأخلاقه وتأدَّب بآدابه، واستنابه في ديوان الأبنية
________________________________________
(*)مؤرخِّ و باحث من لبنان
(1)الحوادث الجامعة، ص 333، 336.
(2) النِّيل: بلدة على الفرات على بعد خمسة أميال من مدينة الحلة، وهي اليوم قرية عامرة.
(3) يقول الدكتور مصطفى جواد: كان للخليفة أستاذ دار ووكيل. أما أستاذ الدار فيتولَّى شؤون دار الخلافة ونفقاتها وأُمور الأسرة العباسية في دار الخلافة كأخوان الخليفة وأعمامه وأبناء أعمامه، وأما وكيل الخليفة فيمضي المعاقدات والمعاهدات والبياعات نيابة عنه. ويعرِّف الأستاذ ناجي معروف الأستاذ دارية ومتوليها بقوله: هي «رئاسة ديوان الخليفة وهو بمثابة رئيس الديوان الملكي أو القصر الجمهوري».

[الصفحة - 118]


(4) وشغله بعلم الإنشاء إلى أن توفي خاله، فانقطع ولزم داره، واستمر شمس الدين أبو الأزهر أحمد بن الناقد أستاذ الدار، فاستدعى مؤيِّد الدين إلى دار التَّشريفات، وأمره بالتردُّد إليها في كل يوم ومشاركة النَّواب بها. فلما نقل أستاذ الدار أحمد بن الناقد إلى الوزارة نقل مؤيِّد الدين إلى أستاذية الدار، فكان على ذلك إلى أن توفي الوزير أحمد بن الناقد فانتقل مؤيد الدين إلى الوزارة».
ويقول الصَّفدي، في كتابه «الوافي بالوفيات»: ولي الوزارة أربع عشرة سنة. أمَّا ابن الطَّقطقي فيقول: «أصلهم من النِّيل». ويقول ابن كثير: «خدم في أيام المستنصر أستاذ دار الخلافة مدة طويلة، ثم صار وزير المستعصم». هذا كل ما عرفناه عن تطور حياته.
شخصيَّته‏
وقد وصفه المؤرِّخون جميعهم، حتى الذين حاولوا النيل منه في تصرُّفاته، بأحسن الصِّفات، ولم يستطيعوا ذمّه، بالرُّغم من محاولتهم الإساءة إلى تاريخه. وذلك لأن صفاته الحميدة كانت بارزة للناس كافة طوال أربع عشرة سنة، وهي مدة تولِّيه الوزارة، فضلًا عمَّا سبقها من السِّنين في تولِّيه أستاذية دار الخلافة. كانت صفاته بارزة بحيث لا يُسْتطاع إنكارها أو تشويهها، لذلك كانوا مجبرين على تسجيلها له، حتى إذا عنَّت لهم فرصة عابرة لا يُسْتطاع التثبُّت من حقيقة ما جرى فيها، عمدوا إلى الافتراء والتضليل!
قال عنه الخزرجي في «العسجد المسبوك»، وهو يذكر وفيَّات سنة 656هـ: «وفي هذه السنة توفِّي الوزير مؤيّد الدّين محمد بن محمد بن العلقمي (5)، البغدادي الرافضي. وكان عالماً فاضلًا أديباً، حسن المحاضرة، دمث الأخلاق، كريم الطِّباع، خيِّر النفس، كارهاً للظلم، خبيراً بتدبير الملك، لم يباشر قلع بيت ولا استئصال مال».
هذا الذي يقول عنه هذا القول لا يتورَّع عن أن يقول عنه بعد ذلك: «... ولم يزل على ذلك (6) إلى أن انقضت الدَّولة العبَّاسية، وأُقِرّ في الدَّولة التترية على الوزارة، وتغيَّرت أحواله ولم يتم له ما أراد، ولم يظن أن التتر يبذلون السيف مطلقاً، فإنه راح تحت السَّيف الرافضة والسُّنة وأمم لا يحصون، وذاق الذل من التتر؛ وذلك في أوَّل جمادى الآخرة من السنة المذكورة» (7).
________________________________________
(4) كان هذا الديوان يتولى عمارات الدولة وترميماتها.
(5) قيل لجدِّه: «العلقمي» لأنّه حفر النَّهر المسمى بالعلقمي. ويقول ابن الطقطقي: وهو الذي برز الأمر الشريف السلطاني بحفره، وسمِّي القازاني.
(6) أي الوزارة.
(7) علَّق الدكتور مصطفى جواد على هذا الافتراء قائلًا: القارى يعجب كل العجب من قول هذا المؤرِّخ: «ولم يتم له ما أراد، ولم يظن أن التتر يبذلون السيف مطلقاً»، كأن ابن العلقمي هو الذي أنشأ الدولة المغولية وألهمها فكرة الفتوح، مع أنها كانت تسير بفكرة الفتوح قبل مولد الوزير ابن العلقمي، وكيف لا يعلم أنهم يبذلون السيف وقد اشتهر بذلهم السيف في بلاد المسلمين منذ فتوحاتهم الأولى واجتياحهم البلاد الإسلامية على عهد خوارزم شاه محمد بن تكش سنة 617هـ وما دخل ابن العلقمي في حركتهم؟

[الصفحة - 119]


وقال عنه الصَّفدي في «الوافي بالوفيات»: «كان وزيراً كافياً خبيراً بتدبير الملك، ولم يزل ناصحاً لأستاذه حتى وقع بينه وبين الدوادار الصغير (مجاهد الدين أيبك) لأنه كان يتغالى في السنَّة، وعضده ابن الخليفة (أحمد ولي العهد) فحصل عنده من الضَّغن ما أوجب له أن سعى في دمار الإسلام وخراب بغداد على ما هو مشهور، لأنَّه ضعف جانبه وقويت شوكة الدوادار بحاشية الخليفة حتى قال في شعره:
وزير رضي من بأسه وانتقامه بطيِّ رقاع حشوها النَّظْمُ والنَّثر
كما تسجع الورقاء وهي حمامة وليس لها نهي يُطَاع ولا أمر
وأخذ يكاتب التتار إلى أن جرّ هولاكو وجرَّأه على أخذ بغداد، وقرَّر مع هولاكو أموراً انعكست عليه، وندم حيث لا ينفعه الندم، وكان كثيراً ما يقول: وجرى القضاء بعكس ما أملته».
واسترسل الصَّفدي في هذا وأشباهه من المفتريات... إلى أن قال: «.. وحكي أنه لما كان يكاتب التتار تحيَّل مرَّة إلى أن أخذ رجلًا وحلق رأسه حلقاً بليغاً، وكتب ما أراد عليه بوخز الإبر كما يفعل بالوشم، ونفض عليه الكحل وتركه عنده إلى أن طلع شعره وغطى ما كتب، فجهزَّه وقال: إذا وصلت مُرهم بحلق رأسك ودعهم يقرؤون ما فيه. وكان في آخر الكلام: قطّعوا الورقة. فَضُرِبت رقبته. وهذا غاية في المكروالخزي، و الله أعلم» (8).
وقال ابن الطَّقطقي، وهو ممن لا يفترون على الوزير: «اشتغل في صباه بالأدب، ففاق فيه، وكتب خطَّاً مليحاً وترسَّل ترسُّلًا فصيحاً، وضبط ضبطاً صحيحاً. وكان رجلًا فاضلًا كاملًا لبيباً كريماً وقوراً، محبَّاً للرئاسة، كثير التجمُّل، رئيساً متمسِّكاً بقوانين الرئاسة، خبيراً بأدوات السياسة، لبيق الأعطاف بآلات الوزارة. وكان يحبُّ أهل الأدب ويقرّب أهل العلم، اقتنى كتباً كثيرة نفيسة. حدثني ولده، شرف الدين أبو القاسم علي، قال: اشتملت خزانة والدي على عشرة آلاف مجلَّد من نفائس الكتب. وصنَّف الناس له الكتب، فممَّن صنَّف له الصاغاني اللغوي، صنف له: العُباب، وهو كتاب عظيم كبير في لغة العرب. وصنَّف له عز الدين عبد الحميد بن أبي الحديد كتاب شرح نهج البلاغة، يشتمل على عشرين
________________________________________
(8) علّق الدكتور مصطفى جواد على هذا الكلام قائلًا: بل المكر والخزي اللذان بلغا الغاية هما صفتا من ابتدع هذه التهمة على ابن العلقمي، فليت شعري من خبّر بهذا الفعل لو صح؟ أإبن العلقمي أم الذي قُطع رأسه؟ أم المغول الذين ادُّعي في الخبر أنهم روسلوا؟ وذلك من أهم أسرار دولتهم لو كان صحيحاً، ولكنه خبر مفتعل مولّد مختلق، لأن الوزير كان يستطيع أن يوصل إليهم كتاباً بغير تكلف لهذا العمل، لأنه كان وزيراً فلا يعترض رسوله أحد، بله إن طرق التسلل كثيرة وطرائق الإيصال كثيرة.

[الصفحة - 120]


مجلَّداً، فأثابهما وأحسن جائزتهما. وكان مُمَدَّحاً، مدحه الشعراء وانتجعه الفضلاء. فممَّن مدحه كمال الدين بن السيوفي بقصيدة من جملتها:
مؤيِّد الدِّين أبو طالب محمد بن العلقمي الوزير
وهذا بيت حسن، جمع فيه لقبه وكنيته واسمه واسم أبيه وصنعته. وكان مؤيِّد الدِّين الوزير عفيفاً عن أموال الديوان وأموال الرعية، متنزّهاً مترفِّعاً، قيل إن بدر الدين، لؤلؤ صاحب الموصل، أهدى إليه هدية تشتمل على كتب وثياب ولطائف قيمتها عشرة آلاف دينار، فلما وصلت إلى الوزير حملها إلى خدمة الخليفة، وقال: إن صاحب الموصل قد أهدى إليّ هذا، واستحييت منه أن أردَّه إليه، وقد حملته وأنا أسأل قبوله. فقُبل، ثم إنه أهدى إلى بدر الدين عوض هديته شيئاً من لطائف بغداد قيمته اثنا عشر ألف دينار، والتمس منه أن لا يهدي إليه شيئاً بعد ذلك».
لقد نقلنا هنا شهادات لمن افتروا على ابن العلقمي ولمن لم يفتروا عليه، والكل أجمعوا على فضائله وعلى نزاهته وحسن تدبيره وعلى علمه وأدبه وعلى غير ذلك.
وكما قلنا من قبل فإن هذه صفات كانت بارزة فيه ومستمرَّة لا يُسْتَطاع إنكارها. أما الافتراء فهو على شيء غير ملموس وغير معاين فيمكن إشاعته بين الناس، ويمكن تدوينه ليقرأه الآتون. وهذا ما فعله المفترون.
على أننا هنا لا نريد تفنيد الاتهامات الباطلة، فذاك له محلُّ آخر آت، وإنما نريد أن نقف بعض الوقوف عند بعض الصفات التي وصف بها، ونرى مدلول هذه الصفات.
فالخزرجي ـ وهو من المفترين ـ يصفه بالعلم والفضل والأدب. وإذا أردنا أن نحوِّل هذا الكلام إلى مفهوم عصرنا، فإننا نقول: إنه كان مثقَّفاً عالي الثَّقافة. وهذه صفة من أهم الصِّفات التي يجب أن يتحلَّى بها رجال الحكم.
ثم إنه يوالي وصفه قائلًا: إنه كان حسن المحاضرة، دمث الأخلاق، كريم الطِّباع، خيِّر النفس. وهكذا نرى أنَّه اجتمع فيه، إلى جانب الثقافة، صفة أخرى من الصفات المهمة التي يحبَّب أن تكون في الحاكمين، وهي التواضع ومعاملة الناس بلين ورفق واحترام.
________________________________________

[الصفحة - 121]


على أن اللَّافت للنَّظر، في صفات ابن العلقمي الحميدة، هو قول الخزرجي أنه كان كارهاً للظلم، لم يباشر قلع بيت ولا استئصال مال.
وعندما نعرف أن الظلم وقلع البيوت واستئصال الأموال هو الأصل الذي آل إليه الحكم في الإسلام منذ سنة 41 للهجرة، نعرف أي إنسان كان ابن العلقمي. ولأمر ما يصرّ هذا المؤرِّخ وغيره من المؤرِّخين على ذكره هذه المنقبة له، فلولا أنهم يرون الظلم فاشياً في الحكَّام والعسف هو السائد لما حرصوا على تخصيصه بكراهية الظلم وما يجده هذا الظلم في ما يجرُّ من قلع البيوت واستئصال الأموال.
ولا يغفل الخزرجي عن الإشارة إلى أنه خبير بتدبير الملك.
فنحن إذن أمام حاكم كفء مثقَّف عادل نزيه متواضع. وهي صفات اعترف له بها أشدُّ النَّاس عداوة له، وأعظمهم افتراء عليه. وهؤلاء الأعداء المفترون أعمى الحقد بصائرهم فلم ينتبهوا إلى أن من كانت له هذه الصفات الراسخة، لا يمكن أن تكون له صفة تناقضها كل المناقضة، حاولوا أن يلصقوها به زوراً وبهتاناً. فالنَّزيه العافُّ عن المال العام والمال الخاص، المثقَّف، نيِّر الفكر، العادل الكاره للظلم، لا يمكن أن يمحو بيده هذه الصِّفات العالية في شخصه، لا يمكن أن يمحوها بيده بالتعاون مع أعداء البلاد...
وهذا عين ما قاله عنه ووصفه به العدوّ الآخر، الصَّفدي، الذي أقرَّ له بالصِّفات الطَّيبة التي أقر له بها الخزرجي. كما شارك الخزرجي بمناقضة نفسه بتوجيه الاتهام إليه، اتهاماً مضحكاً يدرك أي إنسان أنه مما لا تقبله العقول!
أما المؤرِّخ المحايد، ابن الطَّقطقي، فقد أضاف إلى الصفات ـ كما رأينا ـ صفة حبِّه لأهل الأدب وتقريبه لأهل العلم وكثرة اقتنائه للكتب، وهي الصِّفات التي تلازم الحاكم المثقَّف العادل، المتواضع، حميد الأخلاق.
ولما كانت الصِّفات البارزة في حكام تلك الأزمان هي ما نسمِّيه اليوم «الفساد» والاستيلاء بكل وسيلة على المال العام والخاص، لذلك فإننا نرى المؤرِّخين حتى الأعداء يركِّزون على نزاهته وابتعاده عن الاستيلاء على ما لا حق له به من المال، سواء كان هذا المال مال الدولة أم مال الناس.
________________________________________

[الصفحة - 122]


وإذا كان قد تُعُورف في عصرنا هذا بأنَّ ما يُهْدى إلى رجال الدولة من هدايا شخصية فإن هؤلاء الرجال يحيلون هذه الهدايا إلى خزانة الدولة، لأنهم لو لم يكونوا في الحكم لما أهديت إليهم. إذا كان الأمر كذلك في هذا العصر، في هذا القرن العشرين الماشي إلى نهايته، فإن ابن العلقمي قد سبق عصره بقرون وقرون، وعمل بما لم يعمل به رجال الدُّول إلا في عصور المجالس النِّيابيَّة والقوانين الصَّارمة، عصور الحضارات التي بلغت أوجها.
فلما أهدى إليه بدر الدين لؤلؤ ما أهدى حوّل الهديَّة في الحال إلى خزانة رأس الدولة المؤتمن على المال العام، وزاد على ذلك بأن أهدى إلى المُهْدي ما يفوق ثمن هديته لئلا يترك في نفسه أثراً لمنَّة يدلّ بها عليه. ثم أفهمه صراحة بأن يكف عن إرسال الهدايا.
هذا هو ابن العلقمي الذي حاولوا تجريحه، وهذه أخلاقه التي حاولوا تشويهها!..
وقد قلنا من قبل إنَّ ممَّا وصف به: حبُّه لأهل الأدب وتقريبه لأهل العلم. ونزيد على ذلك بأن هذا الحب وهذا التقريب لم يكونا مجرَّد ترحيب في مجلسه وبشاشة في ناديه، بل كانا حبَّاً وتقريباً عمليَّين لا قوليين، فقد كان يشجعهم على التأليف ويفرِّغهم للعمل العلمي والأدبي بأن يضمن لهم رفاهة العيش وسعة الرزق بأن يغدق عليهم المال جزاء ما ألَّفوا وكتبوا، حتى لتبلغ مجلَّدات الكتاب الواحد عشرين مجلّداً.
ولم تكن هذه الكتب سطحية تُكْتَب للارتزاق، بل حسبك أن يكون منها كتاب «العباب» الذي يصفه مؤرِّخ مثل ابن الطقطقي بأنه كتاب عظيم كبير، وحسبك أن يكون موضوعه «اللغة العربية»، وأن يكون مؤلِّفه لغوي كالصَّاغاني. وفي هذا ما فيه من غيرةٍ في ابن العلقمي على العرب ولغتهم، ولا بدع في ذلك، وهو العربي الصَّميم المتحدِّر من بني أسد (9).
وكذلك القول في شرح النهج الذي هو اليوم، وكان قبل اليوم، وسيظل بعد اليوم، وفي كل يوم، من أهمِّ روافد التاريخ الإسلامي.
________________________________________
(9) يقول ابن الطقطقي وهو يذكر جد ابن العلقمي: هو أسدي، أصلهم من النيل.

[الصفحة - 123]


الأديب الكاتب‏
ومما وصف به ابن العلقمي: أنه كان أديباً كاتباً منشئاً ينظم الشعر. ونأخذ مثالًا على نثره ما ذكره مؤلِّف كتاب «الحوادث الجامعة» في أحداث سنة 643هـ:
قال مؤلِّف «الحوادث الجامعة»: في سنة 643هـ «توفيت ابنة الخليفة المستعصم ب الله ، واسمها عائشة، وعمل لها العزاء في الرَّصافة على جاري العادة، وأنشد الشعراء المراثي وكتب الوزير مؤيِّد الدِّين محمد بن العلقمي إلى الخليفة: (إنَّما يوفَّى الصابرون أجرهم بغير حساب. أجزل الله ثواب الخدمة الشريفة المقدسة النبوية الإمامية المستعصمية ب الله على احتسابها، وجزاها أفضل جزاء الصابرين عند جزع النفوس واكتئابها، وأفاء عليها ظلًّا من البقاء ظليلًا، ورجع طرف الحوادث عن حوزتها الشريفة حسيراً كليلًا، وعوَّض عمَّن عبر وذهب بحراسة غيره مما وهب، وجعل السادة الموالي المعظمين في حوز حياطته، وكلأهم من كل حادث بعين حفظه التي لا تنام ورعايته، وأدام للدنيا وأهلها بقاء الخدمة الشريفة واستمرار عصرها، وخلود الدولة الحالية بمضاء مراسمها العلية ونفاذ أمرها:
فإذا سلمت فكل شيء سالم وإذا بقيت فكل شيء باقِ
ولا زال ملكها محروساً من الغير، لصون الموارد من الكدر، ولا أعاد إلى مواطن شرفها حادثاً، ولا أنزل بمقدس ربعها خطباً كارثاً:
لا روَّعت بعدها الخطوب لكم سرباً ولا فصلت لكم جملًا (كذا)
بمحمد وآله».
وقال، في أخبار سنة 644هـ: «فيها كتب الوزير مؤيِّد الدِّين محمد بن العلقمي إلى الخليفة ينهي حال بعض الأمراء، ويقول في آخر كلامه: وهو «مدبر»، فوقَّع الخليفة على مطالعته بقلمه:
ولا تساعد أبداً مُدبراً وكن مع الله على المدبر
فكتب الوزير في الجواب من نظمه:
يا مالكاً أرجو بحبِّي له نيل المنى والفوز في المحشر
________________________________________

[الصفحة - 124]


أرشَدْتني لا زلت لي مرشداً وهادياً من رأيك الأنور
فضلك فضل ما له منكر ليس لضوء الشمس من منكر
أن يجمع العالم في واحد فليس لله بمستنكر
ف الله يجزيك بما قلته خيراً ويبقيك مدى الأعصر
جعلت تقوى الله مقرونة بورد أفعالك والمصدر
من يجعل التقوى له مقرونة بورد أفعالك والمصدر
من يجعل التقوى له متجراً فذاك حقاً رابح المتجر
وقال الخزرجي، في أخبار سنة 646هـ: «وفي شهر ربيع الأول، أنعم على الوزير أبي طالب محمد بن العلقمي بدواة فضة مذهَّبة مدوَّرة مثمَّنة بديعة الصنعة جميلة الوضع، فقال بعض الشعراء». وجاء في كتاب الحوادث في ذلك «وفيها أنفذ الخليفة إلى الوزير مؤيِّد الدِّين محمد بن العلقمي دواة فضة مذهَّبة مع صلاح الدين عمر بن جلدلك في جوانة فخلع عليه ونظم الشعراء في ذلك أشعاراً كثيرة».
وقال مؤلِّف الحوادث في سنة 648هـ: «وفيها أنفذ الخليفة إلى الوزير على يد عمر بن جلدلك شدَّة من أقلام فكتب الوزير: (قبل المملوك الأرض شكراً للإنعام عليه بأقلام قلمت عنه أظفار الحدثان، وقامت له في حرب صرف الدهر مقام عوامل المُران، وأجنته ثمار الأوطار من أغصانها، وحازت له قصبات المفاخر يوم رهانها، فب الله كم عقد ذمام في عُقَدها وكم بحر سعادة أصبح من مدادها ومدَدها. وكم منآد خط استقام بمثقفاتها، وكم صوارم خطوب فلت مضاربها بمطرور مرهفاتها، و الله تعالى ينهض المملوك بمفروض دعائه، ويوفقه للقيام بشكر ما أولاه من جميل رأيه وجزيل حبائه، وبمحمد وآله:
خوَّلتني نعماً كادت تعيد إلي عصر الشباب وتُدني منه أيَّاما
لم يبق لي أمل إلا وقد بلغت نفسي أقاصيَه برّاً وإنعاما
تعطي الأقاليم من لم يُبد مسألة جوداً فلا عجباً إن تعط أقلاما
لأفتحنَّ بها و الله يقدرني مصاعباً أعجزت من قبل بهراما
إذا نسبن إلى خطٍّ فإن لها الهاما شبى إذا أعملته يخرق
بالحمد والشكر أجريها لدولتكم والرأي يحصد من أعدائها إلهاما
طالع المملوك بدعائه الصادر عن ناصع ولائه، والأمر أعلى وأسمى إن شاء الله تعالى».
________________________________________

[الصفحة - 125]